Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
الْمُقْتَدِرِ، وَكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ، وَهُوَ مَعَ الرُّومِ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِإِقْبَالِ سَعِيدٍ خَرَجُوا مِنْهَا، وَخَافُوا أَنْ يَأْتِيَهُمْ فِي عَسْكَرِهِ مِنْ خَارِجِ الْمَدِينَةِ، وَيَثُورَ أَهْلُهَا بِهِمْ فَيَهْلَكُوا، فَفَارَقُوهَا.
وَدَخَلَهَا سَعِيدٌ ثُمَّ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا أَمِيرًا، (وَعَادَ عَنْهَا) ، فَدَخَلَ بَلَدَ الرُّومِ غَازِيًا فِي شَوَّالٍ، وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ سَرِيَّتَيْنِ فَقَتَلَتَا مِنَ الرُّومِ خَلْقًا كَثِيرًا قَبْلَ دُخُولِهِ إِلَيْهَا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَوَّالٍ، جَاءَ إِلَى تَكْرِيتَ سَيْلٌ كَبِيرٌ مِنَ الْمَطَرِ نَزَلَ فِي الْبَرِّ، فَغَرِقَ مِنْهَا أَرْبَعُمِائَةِ دَارٍ وَدُكَّانٍ، وَارْتَفَعَ الْمَاءُ فِي أَسْوَاقِهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ شِبْرًا، وَغَرِقَ خَلْقٌ كَثِيرٌ (مِنَ النَّاسِ، وَدُفِنَ) الْمُسْلِمُونَ وَالنَّصَارَى مُجْتَمِعِينَ لَا يُعْرَفُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.
وَفِيهَا هَاجَتْ بِالْمَوْصِلِ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فِيهَا حُمْرَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ اسْوَدَّتْ حَتَّى لَا يَعْرِفُ الْإِنْسَانُ صَاحِبَهُ، وَظَنَّ النَّاسُ أَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ، ثُمَّ جَاءَ (اللَّهُ تَعَالَى بِمَطَرٍ فَكَشَفَ ذَلِكَ) .
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْمُودٍ الْبَلْخِيُّ فِي شَعْبَانَ، وَهُوَ مِنْ مُتَكَلِّمِي الْمُعْتَزِلَةِ الْبَغْدَاذِيِّينَ.
стр. 3712
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٢٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ مَسِيرِ مُؤْنِسٍ إِلَى الْمَوْصِلِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، سَارَ مُؤْنِسٌ الْمُظَفَّرُ إِلَى الْمَوْصِلِ مُغَاضِبًا لِلْمُقْتَدِرِ.
وَسَبَبُ مَسِيرِهِ أَنَّهُ لَمَّا صَحَّ عِنْدَهُ إِرْسَالُ الْوَزِيرِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَاسِمِ إِلَى هَارُونَ بْنِ غَرِيبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتٍ يَسْتَحْضِرُهُمَا، زَادَ اسْتِيحَاشُهُ، ثُمَّ سَمِعَ بِأَنَّ الْحُسَيْنَ قَدْ جَمَعَ الرِّجَالَ وَالْغِلْمَانَ الْحُجَرِيَّةَ فِي دَارِ الْخَلِيفَةِ، وَقَدِ اتَّفَقَ فِيهِمْ وَإِنَّ هَارُونَ بْنَ غَرِيبٍ قَدْ قَرُبَ مِنْ بَغْدَاذَ، فَأَظْهَرَ الْغَضَبَ، وَسَارَ نَحْوَ الْمَوْصِلِ وَوَجَّهَ خَادِمَهُ بُشْرَى بِرِسَالَةٍ إِلَى الْمُقْتَدِرِ، فَسَأَلَهُ الْحُسَيْنُ عَنِ الرِّسَالَةِ، فَقَالَ: لَا أَذْكُرُهَا إِلَّا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ الْمُقْتَدِرُ يَأْمُرُهُ بِذِكْرِ مَا مَعَهُ مِنَ الرِّسَالَةِ لِلْوَزِيرِ، فَامْتَنَعَ، وَقَالَ: مَا أَمَرَنِي صَاحِبِي بِهَذَا، فَسَبَّهُ الْوَزِيرُ، وَشَتَمَ صَاحِبَهُ، وَأَمَرَ بِضَرْبِهِ، وَصَادَرَهُ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَخَذَ خَطَّهُ بِهَا، وَحَبَسَهُ وَنَهَبَ دَارَهُ.
فَلَمَّا بَلَغَ مُؤْنِسًا مَا جَرَى عَلَى خَادِمِهِ، وَهُوَ يَنْتَظِرُ أَنْ يُطَيِّبَ الْمُقْتَدِرُ قَلْبَهُ، وَيُعِيدَهُ، فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ سَارَ نَحْوَ (الْمَوْصِلِ وَمَعَهُ جَمِيعُ قُوَّادِهِ، فَكَتَبَ الْحُسَيْنُ إِلَى الْقُوَّادِ وَالْغِلْمَانِ يَأْمُرُهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى بَغْدَاذَ، فَعَادَ جَمَاعَةٌ، وَسَارَ مُؤْنِسٌ نَحْوَ) الْمَوْصِلِ فِي أَصْحَابِهِ وَمَمَالِيكِهِ، وَمَعَهُ مِنَ السَّاجِيَّةِ ثَمَانِيمِائَةِ رَجُلٍ وَتَقَدَّمَ الْوَزِيرُ بِقَبْضِ أَقَطَاعِ مُؤْنِسٍ وَأَمْلَاكِهِ وَأَمْلَاكِ مَنْ مَعَهُ، فَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ مَالٌ عَظِيمٌ، وَزَادَ ذَلِكَ فِي مَحَلِّ الْوَزِيرِ عِنْدَ الْمُقْتَدِرِ، فَلَقَّبَهُ " عَمِيدَ الدَّوْلَةِ "، وَضَرَبَ اسْمَهُ عَلَى الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، وَتَمَكَّنَ مِنَ الْوِزَارَةِ، وَوَلَّى وَعَزَلَ.
стр. 3713
وَكَانَ فِيمَنْ تَوَلَّى أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَرِيدِيُّ، وَلَّاهُ الْوَزِيرُ الْبَصْرَةَ وَجَمِيعَ أَعْمَالِهَا بِمَبْلَغٍ لَا يَفِي بِالنَّفَقَاتِ عَلَى الْبَصْرَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، بَلْ فَضَلَ لِأَبِي يُوسُفَ مِقْدَارُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ أَحَالَهُ الْوَزِيرُ بِهَا، فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ الْفَضْلُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُرَاتِ اسْتَدْرَكَ عَلَى أَبِي يُوسُفَ، وَأَظْهَرَ لَهُ الْغَلَطَ فِي الضَّمَانِ، وَأَنَّهُ لَا يُمْضِيهِ، فَأَجَابَ إِلَى أَنْ يَقُومَ بِنَفَقَاتِ الْبَصْرَةِ، وَيَحْمِلَ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ كُلَّ سَنَةٍ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَانْتَهَى ذَلِكَ إِلَى الْمُقْتَدِرِ، فَحَسُنَ مَوْقِعُهُ عِنْدَهُ، (فَقَصَدَهُ الْوَزِيرُ، فَاسْتَتَرَ) ، وَسَعَى بِالْوَزِيرِ إِلَى الْمُقْتَدِرِ إِلَى أَنْ أَفْسَدَ حَالَهُ.
ذِكْرُ عَزْلِ الْحُسَيْنِ عَنِ الْوِزَارَةِ
وَفِيهَا عُزِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْوِزَارَةِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَمْوَالُ، وَكَثُرَتِ الْإِخْرَاجَاتُ، فَاسْتَسْلَفَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جُمْلَةً وَافِرَةً أَخْرَجَهَا فِي سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَأَنْهَى هَارُونُ بْنُ غَرِيبٍ ذَلِكَ إِلَى الْمُقْتَدِرِ، فَرَتَّبَ مَعَهُ الْخَصِيبِيَّ، فَلَمَّا تَوَلَّى مَعَهُ نَظَرَ فِي أَعْمَالِهِ، فَرَآهُ قَدْ عَمِلَ حِسْبَةً إِلَى الْمُقْتَدِرِ لَيْسَ فِيهَا عَلَيْهِ وَجْهٌ، وَمَوَّهَ وَأَظْهَرَ ذَلِكَ لِلْمُقْتَدِرِ، فَأَمَرَ بِجَمْعِ الْكُتَّابِ وَكَشْفِ الْحَالِ، فَحَضَرُوا وَاعْتَرَفُوا بِصِدْقِ الْخَصِيبِيِّ بِذَلِكَ، وَقَابَلُوا الْوَزِيرَ بِذَلِكَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَكَانَتْ وِزَارَتُهُ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَاسْتَوْزَرَ الْمُقْتَدِرُ أَبَا الْفَتْحِ الْفَضْلَ بْنَ جَعْفَرٍ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنَ، فَلَمْ يُؤَاخِذْهُ بِإِسَاءَتِهِ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ مُؤْنِسٍ عَلَى الْمَوْصِلِ
قَدْ ذَكَرْنَا مَسِيرَ مُؤْنِسٍ إِلَى الْمَوْصِلِ فَلَمَّا سَمِعَ الْحُسَيْنُ الْوَزِيرُ بِمَسِيرِهِ كَتَبَ إِلَى سَعِيدٍ، وَدَاوُدَ ابْنَيْ حَمْدَانَ، وَإِلَى ابْنِ أَخِيهِمَا نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ، يَأْمُرُهُمْ بِمُحَارَبَةِ مُؤْنِسٍ، وَصَدِّهِ عَنِ الْمَوْصِلِ.
стр. 3714
وَكَانَ مُؤْنِسٌ كَتَبَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْعَرَبِ يَسْتَدْعِيهِمْ، وَيَبْذُلُ لَهُمُ الْأَمْوَالَ وَالْخِلَعَ، وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ الْخَلِيفَةَ قَدْ وَلَّاهُ الْمَوْصِلَ وَدِيَارَ رَبِيعَةَ.
وَاجْتَمَعَ بَنُو حَمْدَانَ عَلَى مُحَارَبَةِ مُؤْنِسٍ، إِلَّا دَاوُدَ بْنَ حَمْدَانَ فَإِنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ لِإِحْسَانِ مُؤْنِسٍ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَخَذَهُ (بَعْدَ أَبِيهِ) ، وَرَبَّاهُ فِي حِجْرِهِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ إِحْسَانًا عَظِيمًا، فَلَمَّا امْتَنَعَ مِنْ مُحَارَبَتِهِ لَمْ يَزَلْ بِهِ إِخْوَتُهُ حَتَّى وَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَذَكَرُوا لَهُ إِسَاءَةَ الْحُسَيْنِ وَأَبِي الْهَيْجَاءِ ابْنَيْ حَمْدَانَ إِلَى الْمُقْتَدِرِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْسِلُوا تِلْكَ السَّيِّئَةَ، وَلَمَّا أَجَابَهُمْ قَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَحْمِلُونَنِي عَلَى الْبَغْيِ، وَكُفْرَانِ الْإِحْسَانِ، وَمَا آمَنُ أَنْ يَجِيئَنِي سَهْمٌ عَاثِرٌ فَيَقَعَ فِي نَحْرِي فَيَقْتُلَنِي، فَلَمَّا الْتَقَوْا أَتَاهُ سَهْمٌ كَمَا وَصَفَ فَقَتَلَهُ.
وَكَانَ مُؤْنِسٌ إِذَا قِيلَ لَهُ: إِنَّ دَاوُدَ عَازِمٌ عَلَى قِتَالِكَ، يُنْكِرُهُ وَيَقُولُ: كَيْفَ يُقَاتِلُنِي وَقَدْ أَخَذْتُهُ طِفْلًا وَرَبَّيْتُهُ فِي حِجْرِي وَلَمَّا قَرُبَ مُؤْنِسٌ مِنَ الْمَوْصِلِ كَانَ فِي ثَمَانِمِائَةِ فَارِسٍ، وَاجْتَمَعَ بَنُو حَمْدَانَ فِي ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ بَنُو حَمْدَانَ، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ غَيْرُ دَاوُدَ، وَكَانَ يُلَقَّبُ بِالْمُجَفْجَفِ وَفِيهِ يَقُولُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ، (وَقَدْ هَجَا أَمِيرًا) :
لَوْ كُنْتَ فِي أَلْفِ أَلْفٍ كُلُّهُمْ بَطَلٌ ... مِثْلُ الْمُجَفْجَفِ دَاوُدَ بْنِ حَمْدَانِ
وَتَحْتَكَ الرِّيحُ تَجْرِي حَيْثُ تَأْمُرُهَا ... وَفِي يَمِينِكَ سَيْفٌ غَيْرُ خَوَّانِ
لَكُنْتَ أَوَّلَ فَرَّارٍ إِلَى عَدَنٍ ... إِذَا تَحَرَّكَ سَيْفٌ مِنْ خُرَاسَانِ
وَكَانَ دَاوُدُ هَذَا مِنْ أَشْجَعِ النَّاسِ، وَدَخَلَ مُؤْنِسٌ الْمَوْصِلَ ثَالِثَ صَفَرٍ وَاسْتَوْلَى عَلَى أَمْوَالِ بَنِي حَمْدَانَ وَدِيَارِهِمْ،
стр. 3715
فَخَرَجَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْعَسَاكِرِ مِنْ بَغْدَاذَ، وَالشَّامِ، وَمِصْرَ، مِنْ أَصْنَافِ النَّاسِ لِإِحْسَانِهِ [الَّذِي] كَانَ إِلَيْهِمْ، (وَعَادَ إِلَيْهِ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ، فَصَارَ مَعَهُ، وَأَقَامَ بِالْمَوْصِلِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَعَزَمَ عَلَى الِانْحِدَارِ إِلَى بَغْدَادَ.
ذِكْرُ قَتْلِ الْمُقْتَدِرِ
لَمَّا اجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ عَلَى مُؤْنِسٍ بِالْمَوْصِلِ قَالُوا لَهُ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى الْخَلِيفَةِ فَإِنْ أَنْصَفَنَا، (وَأَجْرَى أَرْزَاقَنَا) . وَإِلَّا قَاتَلْنَاهُ، فَانْحَدَرَ مُؤْنِسٌ مِنَ الْمَوْصِلِ فِي شَوَّالٍ، وَبَلَغَ خَبَرُهُ جُنْدَ بَغْدَاذَ، فَشَغَبُوا وَطَلَبُوا أَرْزَاقَهُمْ، فَفَرَّقَ الْمُقْتَدِرُ فِيهِمْ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسَعْهُمْ، وَأَنْفَذَ أَبَا الْعَلَاءِ سَعِيدَ بْنَ حَمْدَانَ وَصَافِيًا الْبَصْرِيَّ فِي خَيْلٍ إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى، وَأَنْفَذَ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ يَاقُوتٍ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ، وَمَعَهُ الْغِلْمَانُ الْحُجَرِيَّةُ، إِلَى الْمَعْشُوقِ.
فَلَمَّا وَصَلَ مُؤْنِسٌ إِلَى تَكْرِيتَ أَنْفَذَ طَلَائِعَهُ، فَلَمَّا قَرُبُوا مِنَ الْمَعْشُوقِ جَعَلَ الْعَسْكَرُ الَّذِينَ مَعَ ابْنِ يَاقُوتٍ يَتَسَلَّلُونَ وَيَهْرُبُونَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجَعَ إِلَى عُكْبَرَا، وَسَارَ مُؤْنِسٌ، فَتَأَخَّرَ ابْنُ يَاقُوتٍ وَعَسْكَرُهُ، وَعَادُوا إِلَى بَغْدَاذَ، فَنَزَلَ بِبَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ وَنَزَلَ ابْنُ يَاقُوتٍ وَغَيْرُهُ مُقَابِلَهُمْ، وَاجْتَهَدَ الْمُقْتَدِرُ بِابْنِ خَالِهِ هَارُونَ بْنِ غَرِيبٍ لِيَخْرُجَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَالَ: أَخَافُ مِنْ عَسْكَرِي، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ أَصْحَابُ مُؤْنِسٍ، وَبَعْضَهُمْ قَدِ انْهَزَمَ
стр. 3716
أَمْسِ مِنْ مَرْدَاوِيجَ، فَأَخَافُ أَنْ يُسْلِمُونِي وَيَنْهَزِمُوا عَنِّي، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ الْوَزِيرَ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ، وَأَشَارُوا عَلَى الْمُقْتَدِرِ بِإِخْرَاجِ الْمَالِ مِنْهُ وَمِنْ وَالِدَتِهِ لِيُرْضِي الْجُنْدَ، وَمَتَى سَمِعَ أَصْحَابُ مُؤْنِسٍ بِتَفْرِيقِ الْأَمْوَالِ تَفَرَّقُوا عَنْهُ وَاضْطُرَّ إِلَى الْهَرَبِ، فَقَالَ: لَمْ يَبْقَ لِي وَلَا لِوَالِدَتِي جِهَةُ شَيْءٍ.
وَأَرَادَ الْمُقْتَدِرُ أَنْ يَنْحَدِرَ إِلَى وَاسِطَ، وَيُكَاتِبَ الْعَسَاكِرَ مِنْ جِهَةِ الْبَصْرَةِ، وَالْأَهْوَازِ، وَفَارِسَ، وَكَرْمَانَ، وَغَيْرِهَا، وَيَتْرُكَ بَغْدَاذَ لِمُؤْنِسٍ إِلَى أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ الْعَسَاكِرُ، وَيَعُودَ إِلَى قِتَالِهِ، فَرَدَّهُ ابْنُ يَاقُوتٍ عَنْ ذَلِكَ، وَزَيَّنَ لَهُ اللِّقَاءَ، وَقَوَّى نَفْسَهُ بِأَنَّ الْقَوْمَ مَتَى رَأَوْهُ عَادُوا بِأَجْمَعِهِمْ إِلَيْهِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْلِهِ وَهُوَ كَارِهٌ.
(ثُمَّ أَشَارَ عَلَيْهِ بِحُضُورِ الْحَرْبِ، فَخَرَجَ وَهُوَ كَارِهٌ) ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْفُقَهَاءُ وَالْقُرَّاءُ مَعَهُمُ الْمَصَاحِفُ مَشْهُورَةٌ، وَعَلَيْهِ الْبُرْدَةُ وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، فَوَقَفَ عَلَى تَلٍّ عَالٍ بَعِيدٍ عَنِ الْمَعْرَكَةِ، فَأَرْسَلَ قُوَّادُ أَصْحَابِهِ يَسْأَلُونَهُ التَّقَدُّمَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، (وَهُوَ وَاقِفٌ) ، فَلَمَّا أَلَحُّوا عَلَيْهِ تَقَدَّمَ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ قَدْ أَمَرَ فَنُودِيَ: مَنْ جَاءَ بِأَسِيرٍ فَلَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَمَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ فَلَمَّا انْهَزَمَ أَصْحَابُهُ لَقِيَهُ عَلِيُّ بْنُ بُلَيْقٍ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ مُؤْنِسٍ، فَتَرَجَّلَ وَقَبَّلَ الْأَرْضَ وَقَالَ لَهُ: إِلَى أَيْنَ تَمْضِي؟ ارْجِعْ، فَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَشَارَ عَلَيْكَ بِالْحُضُورِ! فَأَرَادَ الرُّجُوعَ، فَلَقِيَهُ قَوْمٌ مِنَ الْمَغَارِبَةِ وَالْبَرْبَرِ، فَتَرَكَهُ عَلِيٌّ مَعَهُمْ وَسَارَ عَنْهُ، فَشَهَرُوا عَلَيْهِ سُيُوفَهُمْ، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ أَنَا الْخَلِيفَةُ! فَقَالُوا: قَدْ عَرَفْنَاكَ يَا سِفْلَةُ، أَنْتَ خَلِيفَةُ إِبْلِيسَ، تَبْذُلُ فِي كُلِّ رَأْسٍ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ، وَفِي كُلِّ أَسِيرٍ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ! وَضَرَبَهُ أَحَدُهُمْ بِسَيْفِهِ عَلَى عَاتِقِهِ فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ وَذَبَحَهُ بَعْضُهُمْ، فَقِيلَ: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ بُلَيْقٍ غَمَزَ بَعْضَهُمْ فَقَتَلَهُ.
وَكَانَ الْمُقْتَدِرُ ثَقِيلَ الْبَدَنِ، عَظِيمَ الْجُثَّةِ، فَلَمَّا قَتَلُوهُ رَفَعُوا رَأْسَهُ عَلَى خَشَبَةٍ وَهُمْ يَكْبِّرُونَ وَيَلْعَنُونَهُ، وَأَخَذُوا جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ حَتَّى سَرَاوِيلَهُ، وَتَرَكُوهُ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ، إِلَى أَنْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَكَرَةِ، فَسَتَرَهُ بِحَشِيشٍ، ثُمَّ حَفَرَ لَهُ مَوْضِعَهُ، وَدُفِنَ، وَعُفِيَ قَبْرُهُ.
стр. 3717
وَكَانَ مُؤْنِسٌ فِي الرَّاشِدِيَّةِ لَمْ يَشْهَدِ الْحَرْبَ، فَلَمَّا حُمِلَ رَأْسُ الْمُقْتَدِرِ إِلَيْهِ بَكَى، وَلَطَمَ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ، وَقَالَ: يَا مُفْسِدُونَ! مَا هَكَذَا أَوْصَيْتُكُمْ، وَقَالَ: قَتَلْتُمُوهُ، وَكَانَ هَذَا آخِرَ أَمْرِهِ، وَاللَّهِ لَنُقْتَلَنَّ كُلُّنَا، وَأَقَلُّ مَا فِي الْأَمْرِ أَنَّكُمْ تُظْهِرُونَ أَنَّكُمْ قَتَلْتُمُوهُ خَطَأً، وَلَمْ تَعْرِفُوهُ.
وَتَقَدَّمَ مُؤْنِسٌ إِلَى الشَّمَّاسِيَّةِ، وَأَنْفَذَ إِلَى دَارِ الْخَلِيفَةِ مَنْ يَمْنَعُهَا مِنَ النَّهْبِ، وَمَضَى عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ الْمُقْتَدِرِ، وَهَارُونُ بْنُ غَرِيبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتٍ، وَابْنَا رَائِقٍ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَكَانَ مَا فَعَلَهُ مُؤْنِسٌ سَبَبًا لِجُرْأَةِ أَصْحَابِ الْأَطْرَافِ (عَلَى) الْخُلَفَاءِ وَطَمَعِهِمْ فِيمَا لَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ لَهُمْ عَلَى بَالٍ، وَانْخَرَقَتِ الْهَيْبَةُ وَضَعُفَ أَمْرُ الْخِلَافَةِ حَتَّى صَارَ الْأَمْرُ إِلَى مَا نَحْكِيهِ.
عَلَى أَنَّ الْمُقْتَدِرَ أَهْمَلَ مِنْ أَحْوَالِ الْخِلَافَةِ كَثِيرًا، وَحَكَّمَ فِيهَا النِّسَاءَ وَالْخَدَمَ، وَفَرَّطَ فِي الْأَمْوَالِ، وَعَزَلَ مِنَ الْوُزَرَاءِ وَوَلَّى مِمَّا أَوْجَبَ طَمَعَ أَصْحَابِ الْأَطْرَافِ وَالنُّوَّابَ، وَخُرُوجَهَمْ عَنِ الطَّاعَةِ.
وَكَانَ جُمْلَةُ مَا أَخْرَجَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، تَبْذِيرًا وَتَضْيِيعًا فِي غَيْرِ وَجْهٍ، نَيِّفًا وَسَبْعِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ، سِوَى مَا أَنْفَقَهُ فِي الْوُجُوهِ الْوَاجِبَةِ، وَإِذَا اعْتَبَرْتَ أَحْوَالَ الْخِلَافَةِ فِي أَيَّامِهِ وَأَيَّامِ أَخِيهِ الْمُكْتَفِي وَوَالِدِهِ الْمُعْتَضِدِ، رَأَيْتَ بَيْنَهُمْ تَفَاوُتًا بَعِيدًا، وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَمَانِيًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَنَحْوًا مِنْ شَهْرَيْنِ.
стр. 3718
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْقَاهِرِ بِاللَّهِ
لَمَّا قُتِلَ الْمُقْتَدِرُ بِاللَّهِ عَظُمَ قَتْلُهُ عَلَى مُؤْنِسٍ، وَقَالَ: الرَّأْيُ أَنْ نُنَصِّبَ وَلَدَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ (أَحْمَدَ) فِي الْخِلَافَةِ، فَإِنَّهُ تَرْبِيَتِي، وَهُوَ صَبِيٌّ عَاقِلٌ، وَفِيهِ دِينٌ وَكَرْمٌ، (وَوَفَاءٌ بِمَا يَقُولُ) ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الْخِلَافَةِ سَمَحَتْ نَفْسُ جَدَّتِهِ، وَالِدَةُ الْمُقْتَدِرِ وَإِخْوَتِهِ، وَغِلْمَانِ أَبِيهِ بِبَذْلِ الْأَمْوَالِ، وَلَمْ يَنْتَطِحْ فِي قَتْلِ الْمُقْتَدِرِ عَنْزَانِ، فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ النُّوبَخْتِيُّ، وَقَالَ: بَعْدَ الْكَدِّ وَالتَّعَبِ اسْتَرَحْنَا مِنْ خَلِيفَةٍ لَهُ أُمٌّ، وَخَالَةٌ، وَخَدَمٌ يُدَبِّرُونَهُ فَنَعُودُ إِلَى تِلْكَ الْحَالِ! وَاللَّهِ لَا نَرْضَى إِلَّا بِرَجُلٍ كَامِلٍ، يُدَبِّرُ نَفْسَهُ، وَيُدَبِّرُنَا وَمَا زَالَ حَتَّى رَدَّ مُؤْنِسًا عَنْ رَأْيِهِ، وَذَكَرَ لَهُ أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُعْتَضِدِ فَأَجَابَهُ مُؤْنِسٌ إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ النُّوبَخْتِيُّ فِي ذَلِكَ كَالْبَاحِثِ عَنْ حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ فَإِنَّ الْقَاهِرَ قَتَلَهُ، كَمَا نَذْكُرُهُ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ.
وَأَمَرَ مُؤْنِسٌ بِإِحْضَارِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُعْتَضِدِ، فَبَايَعُوهُ بِالْخِلَافَةِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ شَوَّالٍ، وَلَقَّبُوهُ الْقَاهِرَ بِاللَّهِ، وَكَانَ مُؤْنِسٌ كَارِهًا لِخِلَافَتِهِ، (وَالْبَيْعَةِ لَهُ) ، وَيَقُولُ: إِنَّنِي عَارِفٌ بِشَرِّهِ، وَسُوءِ نِيَّتِهِ، وَلَكِنْ لَا حِيلَةَ.
وَلَمَّا بُويِعَ اسْتَحْلَفَهُ مُؤْنِسٌ لِنَفْسِهِ وَلِحَاجِبِهِ بُلَيْقٍ، وَلِعَلِيِّ بْنِ بُلَيْقٍ وَأَخَذُوا
стр. 3719
خَطَّهُ بِذَلِكَ وَاسْتَقَرَّتِ الْخِلَافَةُ لَهُ، (وَبَايَعَهُ النَّاسُ) ، وَاسْتَوْزَرَ أَبَا عَلِيِّ بْنَ مُقْلَةَ، وَكَانَ بِفَارِسَ، فَاسْتَقْدَمَهُ، وَوَزَرَ لَهُ، وَاسْتَحْجَبَ الْقَاهِرُ عَلِيَّ بْنَ بُلَيْقٍ، وَتَشَاغَلَ الْقَاهِرُ بِالْبَحْثِ عَمَّنِ اسْتَتَرَ مِنْ أَوْلَادِ الْمُقْتَدِرِ وَحُرَمِهِ، وَبِمُنَاظَرَةِ وَالِدَةِ الْمُقْتَدِرِ، وَكَانَتْ مَرِيضَةً قَدِ ابْتَدَأَ بِهَا الِاسْتِسْقَاءُ، وَقَدْ زَادَ مَرَضُهَا بِقَتْلِ ابْنِهَا، وَلَمَّا سَمِعَتْ أَنَّهُ بَقِيَ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ جَزِعَتْ جَزَعًا شَدِيدًا، وَامْتَنَعَتْ عَنِ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ حَتَّى كَادَتْ تَهْلِكُ، فَوَعَظَهَا النِّسَاءُ حَتَّى أَكَلَتْ شَيْئًا يَسِيرًا مِنَ الْخُبْزِ وَالْمِلْحِ.
ثُمَّ أَحْضَرَهَا الْقَاهِرُ عِنْدَهُ، وَسَأَلَهَا عَنْ مَالِهَا، فَاعْتَرَفَتْ لَهُ بِمَا عِنْدَهَا مِنَ الْمَصُوغِ وَالثِّيَابِ، وَلَمْ تَعْتَرِفْ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَالِ وَالْجَوْهَرِ، فَضَرَبَهَا أَشَدَّ مَا يَكُونُ مِنَ الضَّرْبِ، وَعَلَّقَهَا بِرِجْلِهَا، وَضَرَبَ الْمَوَاضِعَ الْغَامِضَةَ مِنْ بَدَنِهَا، فَحَلَفَتْ أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ غَيْرَ مَا أَطْلَعَتْهُ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: لَوْ كَانَ عِنْدِي مَالٌ لَمَا أَسْلَمْتُ وَلَدِي لِلْقَتْلِ، وَلَمْ تَعْتَرِفْ بِشَيْءٍ.
وَصَادَرَ جَمِيعَ حَاشِيَةِ الْمُقْتَدِرِ وَأَصْحَابَهُ، وَأَخْرَجَ الْقَاهِرُ وَالِدَةَ الْمُقْتَدِرِ لِتُشْهِدَ عَلَى نَفْسِهَا الْقُضَاةَ وَالْعُدُولَ بِأَنَّهَا قَدْ حَلَّتْ أَوْقَافَهَا، وَوَكَّلَتْ فِي بَيْعِهَا، فَامْتَنَعَتْ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَتْ: قَدْ أَوْقَفْتُهَا عَلَى أَبْوَابِ الْبِرِّ وَالْقُرَبِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالثُّغُورِ، وَعَلَى الضَّعْفَى وَالْمَسَاكِينِ، وَلَا أَسْتَحِلُّ حِلَّهَا وَلَا بَيْعَهَا وَإِنَّمَا أُوَكِّلُ عَلَى بَيْعِ أَمْلَاكِي.
فَلَمَّا عَلِمَ الْقَاهِرُ بِذَلِكَ أَحْضَرَ الْقَاضِيَ وَالْعُدُولَ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ حَلَّ وُقُوفَهَا جَمِيعَهَا، وَوَكَّلَ فِي بَيْعِهَا، فَبِيعَ ذَلِكَ جَمِيعُهُ مَعَ غَيْرِهِ، وَاشْتَرَاهُ الْجُنْدُ مِنْ أَرْزَاقِهِمْ، وَتَقَدَّمَ الْقَاهِرُ بِكَبْسِ الدُّورِ الَّتِي سُعِيَ إِلَيْهِ أَنَّهُ اخْتَفَى فِيهَا وَلَدُ الْمُقْتَدِرِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ وَجَدُوا مِنْهُمْ أَبَا الْعَبَّاسِ الرَّاضِيَ، وَهَارُونَ، وَعَلِيًّا، وَالْعَبَّاسَ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَالْفَضْلَ، فَحُمِلُوا إِلَى دَارِ الْخَلِيفَةِ فَصُودِرُوا عَلَى مَالٍ كَثِيرٍ، وَسَلَّمَهُمْ عَلِيُّ بْنُ بُلَيْقٍ إِلَى كَاتِبِهِ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُمْ.
стр. 3720
وَاسْتَقَرَّ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُقْلَةَ فِي الْوِزَارَةِ، (وَعَزَلَ وَوَلَّى) ، وَقَبَضَ عَلَى (جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُمَّالِ، وَقَبَضَ عَلَى) بَنِي الْبَرِيدِيِّ، وَعَزَلَهُمْ عَنْ أَعْمَالِهِمْ وَصَادَرَهُمْ.
ذِكْرُ وُصُولِ وَشْمَكِيرَ إِلَى أَخِيهِ مَرْدَاوِيجَ
وَفِيهَا أَرْسَلَ مَرْدَاوِيجُ إِلَى أَخِيهِ وَشْمَكِيرَ، وَهُوَ بِبِلَادِ جِيلَانَ، يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ وَكَانَ الرَّسُولُ ابْنُ الْجَعْدِ، قَالَ: أَرْسَلَنِي مَرْدَاوِيجُ، وَأَمَرَنِي بِالتَّلَطُّفِ لِإِخْرَاجِ أَخِيهِ وَشْمَكِيرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَصَلَ سَأَلْتُ عَنْهُ، فَدُلِلْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ مَعَ جَمَاعَةٍ يَزْرَعُونَ الْأُرْزَ (فَلَمَّا رَأَوْنِي قَصَدُونِي) وَهُمْ حُفَاةٌ عُرَاةٌ عَلَيْهِمْ سَرَاوِيلَاتٌ مُلَوَّنَةُ الْخِرَقِ، وَأَكْسِيَةٌ مُمَزَّقَةٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَأَبْلَغْتُهُ رِسَالَةَ أَخِيهِ، وَأَعْلَمْتُهُ بِمَا مَلَكَ مِنَ الْبِلَادِ وَالْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا، فَضَرَطَ بِفَمِهِ فِي لِحْيَةِ أَخِيهِ وَقَالَ: إِنَّهُ لَبِسَ السَّوَادَ، وَخَدَمَ الْمُسَوِّدَةَ، يَعْنِي الْخُلَفَاءَ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ.
فَلَمْ أَزَلْ أُمَنِّيهِ وَأُطَمِّعُهُ حَتَّى خَرَجَ مَعِي، فَلَمَّا بَلَغْنَا قَزْوِينَ اجْتَهَدْتُ بِهِ لِيَلْبَسَ السَّوَادَ، فَامْتَنَعَ ثُمَّ لَبِسَ بَعْدَ الْجُهْدِ. قَالَ: فَرَأَيْتُ مِنْ جَهْلِهِ أَشْيَاءَ أَسْتَحْيِي مِنْ ذِكْرِهَا، ثُمَّ أَعْطَتْهُ السَّعَادَةُ مَا كَانَ لَهُ فِي الْغَيْبِ فَصَارَ مِنْ أَعْرَفِ الْمُلُوكِ بِتَدْبِيرِ الْمَمَالِكِ وَسِيَاسَةِ الرَّعَايَا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
[الْوَفَيَاتُ]
فِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ (بْنُ يُوسُفَ) بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَكَانَ عَالِمًا فَاضِلًا حَلِيمًا، وَأَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ خَوَّانٍ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَكَانَ عَابِدًا وَرِعًا،
стр. 3721
أُرِيدَ عَلَى الْقَضَاءِ فَلَمْ يَفْعَلْ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَدِيٍّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الْجُرْجَانِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْأَسْتِرَابَاذِيِّ.
стр. 3722
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٢١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ حَالِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْمُقْتَدِرِ وَمَنْ مَعَهُ
قَدْ ذَكَرْنَا هَرَبَ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْمُقْتَدِرِ، وَهَارُونَ بْنِ غَرِيبٍ، وَمُفْلِحٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتٍ، وَابْنَيْ رَائِقٍ، بَعْدَ قَتْلِ الْمُقْتَدِرِ إِلَى الْمَدَائِنِ، ثُمَّ إِنَّهُمُ انْحَدَرُوا مِنْهَا إِلَى وَاسِطَ، وَأَقَامُوا بِهَا، وَخَافَهُمُ النَّاسُ، فَابْتَدَأَ هَارُونُ بْنُ غَرِيبٍ وَكَتَبَ إِلَى بَغْدَادَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، وَيَبْذُلُ مُصَادَرَةَ ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ يُطْلِقَ لَهُ أَمْلَاكَهُ، وَيَنْزِلَ عَنِ الْأَمْلَاكِ الَّتِي اسْتَأْجَرَهَا، وَيُؤَدِّي مِنْ أَمْلَاكِهِ حُقُوقَ بَيْتِ الْمَالِ الْقَدِيمَةَ، فَأَجَابَهُ الْقَاهِرُ (وَمُؤْنِسٌ) إِلَى ذَلِكَ، وَكَتَبَا لَهُ كِتَابَ أَمَانٍ وَقُلِّدَ أَعْمَالَ مَاهِ الْكُوفَةِ، وَمَاسَبَذَانَ وَمَهْرَجَانِ قَذَقَ، وَسَارَ إِلَى بَغْدَاذَ.
وَخَرَجَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ الْمُقْتَدِرِ مِنْ وَاسِطَ فِيمَنْ بَقِيَ مَعَهُ وَمَضَوْا إِلَى السُّوسِ وَسُوقِ الْأَهْوَازِ، وَجَبَوُا الْمَالَ، وَطَرَدُوا الْعُمَّالَ، وَأَقَامُوا بِالْأَهْوَازِ فَجَهَّزَ مُؤْنِسٌ إِلَيْهِمْ جَيْشًا كَثِيفًا، وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ بُلَيْقًا.
وَكَانَ الَّذِي حَرَّضَهُمْ عَلَى إِنْفَاذِ الْجَيْشِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيُّ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْحَبْسِ فَخَوَّفَهُمْ عَاقِبَةَ إِهْمَالِ عَبْدِ الْوَاحِدِ وَمَنْ مَعَهُ وَبَذَلَ مُسَاعَدَةً مُعَجَّلَةً خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ يَتَوَلَّى الْأَهْوَازَ، وَعِنْدَ اسْتِقْرَارِهِ بِتِلْكَ الْبِلَادِ يُعَجِّلُ بَاقِيَ الْمَالِ، وَأَمَرَ
стр. 3723
مُؤْنِسٌ بِالتَّجْهِيزِ، وَأَنْفَقَ ذَلِكَ الْمَالَ، وَسَارَ الْعَسْكَرُ وَفِيهِمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ.
وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتٍ قَدِ اسْتَبَدَّ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَمْرِ، فَنَفَرَتْ لِذَلِكَ قُلُوبُ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْقُوَّادِ وَالْجُنْدِ فَلَمَّا قَرُبَ الْعَسْكَرُ مِنْ وَاسِطَ أَظْهَرَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْقُوَّادِ مَا فِي نُفُوسِهِمْ، وَفَارَقُوهُ، وَلَمَّا وَصَلَ بُلَيْقٌ إِلَى السُّوسِ فَارَقَ عَبْدُ الْوَاحِدِ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتٍ الْأَهْوَازَ وَسَارَا إِلَى تُسْتَرَ، فَعَمِلَ الْقَرَارِيطِيُّ، وَكَانَ مَعَ الْعَسْكَرِ، (بِأَهْلِ الْأَهْوَازِ) مَا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ: نَهَبَ أَمْوَالَهُمْ، وَصَادَرَهُمْ جَمِيعَهُمْ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
وَنَزَلَ عَبْدُ الْوَاحِدِ وَابْنُ يَاقُوتٍ بِتُسْتَرَ، وَفَارَقَهُمَا مَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْقُوَّادِ إِلَى بُلَيْقٍ بِأَمَانٍ وَبَقِيَ مُفْلِحٌ وَسُرُورٌ الْخَادِمُ مَعَ عَبْدِ الْوَاحِدِ، فَقَالَا لِمُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتٍ: أَنْتَ مُعْتَصِمٌ بِهَذِهِ الْمَدِينَةِ، وَبِمَالِكَ وَرِجَالِكَ، وَنَحْنُ فَلَا مَالَ مَعَنَا، وَلَا رِجَالَ، وَمُقَامُنَا مَعَكَ يَضُرُّكَ، وَلَا يَنْفَعُكَ، وَقَدْ عَزَمْنَا عَلَى أَخْذِ الْأَمَانِ لَنَا وَلِعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْمُقْتَدِرِ، فَأَذِنَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ فَكَتَبَا إِلَى بُلَيْقٍ فَأَمَّنَهُمْ، فَعَبَرُوا إِلَيْهِ، وَبَقِيَ مُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتٍ مُنْفَرِدًا، فَضَعُفَتْ نَفْسُهُ، وَتَحَيَّرَ، فَتَرَاسَلَ هُوَ وَبُلَيْقٌ، وَاسْتَقَرَّ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ يَخْرُجُ إِلَى بُلَيْقٍ عَلَى شَرْطٍ أَنَّهُ يُؤَمِّنُهُ، وَيَضْمَنُ لَهُ أَمَانَ مُؤْنِسٍ وَالْقَاهِرِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَحَلَفَ لَهُ، وَخَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتٍ مَعَهُ إِلَى بَغْدَاذَ.
وَاسْتَوْلَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيُّ عَلَى الْبِلَادِ، وَعَسَفَ أَهْلَهَا، وَأَخَذَ أَمْوَالَ التُّجَّارِ وَعَمِلَ بِأَهْلِ الْبِلَادِ مَا لَا يَعْمَلُهُ الْفِرِنْجُ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَحَدٌ عَمَّا يُرِيدُ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ الدِّينِ مَا يَزَعُهُ عَنْ ذَلِكَ، وَعَادَ إِخْوَتُهُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ، وَلَمَّا عَادَ عَبْدُ الْوَاحِدِ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتٍ وَفَى لَهُمُ الْقَاهِرُ، وَأَطْلَقَ لِعَبْدِ الْوَاحِدِ
стр. 3724
أَمْلَاكَهُ، وَتَرَكَ لِوَالِدَتِهِ الْمُصَادَرَةَ الَّتِي صَادَرَهَا بِهَا.
ذِكْرُ اسْتِيحَاشِ مُؤْنِسٍ وَأَصْحَابِهِ مِنَ الْقَاهِرِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْحَشَ مُؤْنِسٌ الْمُظَفَّرُ وَبُلَيْقٌ الْحَاجِبُ وَوَلَدُهُ عَلِيٌّ وَالْوَزِيرُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُقْلَةَ مِنَ الْقَاهِرِ، وَضَيَّقُوا عَلَيْهِ وَعَلَى أَسْبَابِهِ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَاقُوتٍ تَقَدَّمَ عِنْدَ الْقَاهِرِ، وَعَلَتْ مَنْزِلَتُهُ وَصَارَ يَخْلُو بِهِ وَيُشَاوِرُهُ فَغَلُظَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ مُقْلَةَ لِعَدَاوَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، فَأَلْقَى إِلَى مُؤْنِسٍ أَنَّ مُحَمَّدًا يَسْعَى بِهِ عِنْدَ الْقَاهِرِ، وَأَنَّ عِيسَى الطَّبِيبَ يَسْفُرُ بَيْنَهُمَا فِي التَّدْبِيرِ عَلَيْهِ، فَوَجَّهَ مُؤْنِسٌ عَلِيَّ بْنَ بُلَيْقٍ لِإِحْضَارِ عِيسَى الطَّبِيبِ، فَوَجَدَهُ بَيْنَ يَدِيِ الْقَاهِرِ، فَأَخَذَهُ وَأَحْضَرَهُ عِنْدِ مُؤْنِسٍ فَسَيَّرَهُ مِنْ سَاعَتِهِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى الْإِيقَاعِ بِمُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتٍ، وَكَانَ فِي الْخِيَامِ (فَرَكِبَ عَلِيُّ بْنُ بُلَيْقٍ فِي جُنْدِهِ لِيَكْبِسَهُ، فَوَجَدَهُ قَدِ اخْتَفَى، فَنَهَبَ أَصْحَابَهُ وَاسْتَتَرَ مُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتٍ) .
وَوَكَّلَ عَلِيُّ بْنُ بُلَيْقٍ عَلَى دَارِ الْخَلِيفَةِ أَحْمَدَ بْنِ زِيرَكَ، وَأَمَرَهُ بِالتَّضْيِيقِ عَلَى الْقَاهِرِ، وَتَفْتِيشِ كُلِّ مَنْ يَدْخُلُ الدَّارَ وَيَخْرُجُ مِنْهَا، وَأَنْ يَكْشِفَ وُجُوهَ النِّسَاءِ الْمُنَقَّبَاتِ، وَإِنْ وَجَدَ مَعَ أَحَدٍ رُقْعَةً دَفَعَهَا إِلَى مُؤْنِسٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَزَادَ عَلَيْهِ، حَتَّى إِنَّهُ حُمِلَ إِلَى دَارِ الْخَلِيفَةِ لَبَنٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ لِئَلَّا يَكُونَ فِيهِ رُقْعَةٌ وَنَقَلَ بُلَيْقٌ مَنْ كَانَ بِدَارِ الْقَاهِرِ مَحْبُوسًا إِلَى دَارِهِ كَوَالِدَةِ الْمُقْتَدِرِ وَغَيْرِهَا وَقَطَعَ أَرْزَاقَ حَاشِيَتِهِ.
فَأَمَّا وَالِدَةُ الْمُقْتَدِرِ فَإِنَّهَا كَانَتْ قَدِ اشْتَدَّتْ عِلَّتُهَا لِشِدَّةِ الضَّرْبِ الَّذِي ضَرَبَهَا الْقَاهِرُ، فَأَكْرَمَهَا عَلِيُّ بْنُ بُلَيْقٍ وَتَرَكَهَا عِنْدَ وَالِدَتِهِ، فَمَاتَتْ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ وَكَانَتْ مُكَرَّمَةً مُرَفَّهَةً، وَدُفِنَتْ بِتُرْبَتِهَا بِالرُّصَافَةِ.
стр. 3725
وَضَيَّقَ عَلِيُّ بْنُ بُلَيْقٍ عَلَى الْقَاهِرِ، فَعَلِمَ الْقَاهِرُ أَنَّ الْعِتَابَ لَا يُفِيدُ، وَأَنَّ ذَلِكَ بِرَأْيِ مُؤْنِسٍ وَابْنِ مُقْلَةَ، فَأَخَذَ فِي الْحِيلَةِ وَالتَّدْبِيرِ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ.
وَكَانَ قَدْ عَرَفَ فَسَادَ قَلْبِ طَرِيفٍ السُّبْكَرِيِّ وَبُشْرَى خَادِمِ مُؤْنِسٍ لِبُلَيْقٍ وَوَلَدِهِ عَلِيٍّ، وَحَسَدَهُمَا عَلَى مَرَاتِبِهِمَا، فَشَرَعَ فِي إِغْرَائِهِمَا بِبُلَيْقٍ وَابْنِهِ.
وَعَلِمَ أَيْضًا أَنَّ مُؤْنِسًا وَبُلَيْقًا أَكْثَرُ اعْتِمَادِهِمَا عَلَى السَّاجِيَّةِ أَصْحَابِ يُوسُفَ بْنِ أَبِي السَّاجِ وَغِلْمَانِهِ الْمُنْتَقِلِينَ إِلَيْهِمَا بَعْدَهُ، وَكَانَا قَدْ وَعَدَا السَّاجِيَّةَ بِالْمَوْصِلِ مَوَاعِيدَ أَخْلَفَاهَا، فَأَرْسَلَ الْقَاهِرُ إِلَيْهِمْ يُغْرِيهِمْ بِمُؤْنِسٍ، وَبُلَيْقٍ، وَيَحْلِفُ لَهُمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِمَا أَخْلَفَاهُمْ، فَتَغَيَّرَتْ قُلُوبُ السَّاجِيَّةِ، ثُمَّ إِنَّهُ رَاسَلَ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مُقْلَةَ، وَصَاحِبَ مَشُورَتِهِ، وَوَعَدَهُ الْوِزَارَةَ، فَكَانَ يُطَالِعُهُ بِالْأَخْبَارِ، وَبَلَغَ ابْنَ مُقْلَةَ أَنَّ الْقَاهِرَ قَدْ تَغَيَّرَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِي التَّدْبِيرِ عَلَيْهِ وَعَلَى مُؤْنِسٍ، وَبُلَيْقٍ، وَابْنِهِ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ، فَأَخْبَرَهُمُ ابْنُ مُقْلَةَ بِذَلِكَ.
ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى مُؤْنِسٍ وَبُلَيْقٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَوَّلَ شَعْبَانَ، قَبَضَ الْقَاهِرُ بِاللَّهِ عَلَى بُلَيْقٍ وَابْنِهِ، وَمُؤْنِسٍ الْمُظَفَّرِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ ابْنُ مُقْلَةَ لِمُؤْنِسٍ وَبُلَيْقٍ مَا هُوَ عَلَيْهِ الْقَاهِرُ مِنَ التَّدْبِيرِ فِي اسْتِئْصَالِهِمْ خَافُوهُ، وَحَمَلَهُمُ الْخَوْفُ عَلَى الْجِدِّ فِي خَلْعِهِ، وَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى اسْتِخْلَافِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ الْمُكْتَفِي وَعَقَدُوا لَهُ الْأَمْرَ سِرًّا، وَحَلَفَ لَهُ بُلَيْقٌ وَابْنُهُ عَلِيٌّ، وَالْوَزِيرُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُقْلَةَ، وَالْحَسَنُ بْنُ هَارُونَ، وَبَايَعُوهُ، ثُمَّ كَشَفُوا الْأَمْرَ لِمُؤْنِسٍ فَقَالَ لَهُمْ: لَسْتُ أَشُكُّ فِي شَرِّ الْقَاهِرِ وَخُبْثِهِ، وَلَقَدْ كُنْتُ كَارِهًا لِخِلَافَتِهِ، وَأَشَرْتُ بِابْنِ الْمُقْتَدِرِ، فَخَالَفْتُمْ وَقَدْ بَالَغْتُمُ الْآنَ فِي الِاسْتِهَانَةِ بِهِ، وَمَا صَبَرَ عَلَى الْهَوَانِ إِلَّا مِنْ خُبْثِ طَوِيَّتِهِ لِيُدَبِّرَ
стр. 3726
عَلَيْكُمْ، فَلَا تَعْجَلُوا (عَلَى أَمْرٍ حَتَّى تُؤْنِسُوهُ وَيَنْبَسِطَ إِلَيْكُمْ، ثُمَّ فَتِّشُوا لِتَعْرِفُوا مَنْ وَاطَأَهُ مِنَ الْقُوَّادِ وَمِنَ السَّاجِيَّةِ وَالْحُجَرِيَّةِ، ثُمَّ اعْمَلُوا عَلَى ذَلِكَ) ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ بُلَيْقٍ، (وَالْحَسَنُ بْنُ هَارُونَ) : مَا يَحْتَاجُ إِلَى هَذَا التَّطْوِيلِ، فَإِنَّ الْحَجْبَةَ لَنَا، وَالدَّارَ فِي أَيْدِينَا وَمَا يَحْتَاجُ أَنْ نَسْتَعِينَ فِي الْقَبْضِ عَلَيْهِ بِأَحَدٍ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ طَائِرٍ فِي قَفَصٍ.
وَعَمِلُوا عَلَى مُعَاجَلَتِهِ، فَاتَّفَقَ أَنْ سَقَطَ بُلَيْقٌ مِنَ الدَّابَّةِ، فَاعْتَلَّ وَلَزِمَ مَنْزِلَهُ، وَاتَّفَقَ ابْنُهُ عَلِيٌّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ مُقْلَةَ وَزَيَّنَا لِمُؤْنِسٍ خَلْعَ الْقَاهِرِ، وَهَوَّنَا عَلَيْهِ الْأَمْرَ، فَأَذِنَ لَهُمَا، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمَا عَلَى أَنْ يُظْهِرُوا أَنَّ أَبَا طَاهِرٍ الْقَرْمَطِيَّ قَدْ وَرَدَ الْكُوفَةَ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ، وَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ بُلَيْقٍ سَائِرٌ إِلَيْهِ فِي الْجَيْشِ لِيَمْنَعَهُ عَنْ بَغْدَاذَ، فَإِذَا دَخَلَ عَلَى الْقَاهِرِ لِيُودِّعَهُ وَيَأْخُذَ أَمْرَهُ فِيمَا يَفْعَلُ قَبَضَ عَلَيْهِ.
(فَلَمَّا اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ جَلَسَ ابْنُ مُقْلَةَ، وَعِنْدَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ قُرَابَةَ) : أَعَلِمْتَ أَنَّ الْقَرْمَطِيَّ قَدْ دَخَلَ الْكُوفَةَ فِي سِتَّةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ بِالسِّلَاحِ التَّامِّ؟ قَالَ: لَا قَالَ ابْنُ مُقْلَةَ: قَدْ وَصَلَنَا كُتُبُ النُّوَّابِ بِهَا بِذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ قُرَابَةَ: هَذَا كَذِبٌ وَمُحَالٌ، فَإِنَّ فِي جِوَارِنَا إِنْسَانًا مِنَ الْكُوفَةِ، وَقَدْ أَتَاهُ الْيَوْمَ كِتَابٌ عَلَى جَنَاحِ طَائِرٍ تَارِيخُهُ الْيَوْمَ يُخْبِرُ فِيهِ بِسَلَامَتِهِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ مُقْلَةَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَنْتُمْ أَعْرَفُ مِنَّا بِالْأَخْبَارِ؟ فَسَكَتَ ابْنُ قُرَابَةَ.
وَكَتَبَ ابْنُ مُقْلَةَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنِّي قَدْ جَهَّزْتُ (جَيْشًا مَعَ) عَلِيِّ بْنِ بُلَيْقٍ لِيَسِيرَ يَوْمَنَا هَذَا، وَالْعَصْرَ يَحْضُرُ إِلَى الْخِدْمَةِ لِيَأْمُرَهُ مَوْلَانَا بِمَا يَرَاهُ، فَكَتَبَ الْقَاهِرُ فِي جَوَابِهِ يَشْكُرُهُ، وَيَأْذَنُ لَهُ فِي حُضُورِ ابْنِ بُلَيْقٍ، فَجَاءَتْ رُقْعَةُ الْقَاهِرِ وَابْنُ مُقْلَةَ نَائِمٌ، فَتَرَكُوهَا وَلَمْ يُوصِلُوهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عَادَ وَكَتَبَ رُقْعَةً أُخْرَى فِي الْمَعْنَى، فَأَنْكَرَ الْقَاهِرُ الْحَالَ، حَيْثُ قَدْ كَتَبَ جَوَابَهُ، وَخَافَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَكْرٌ.
стр. 3727
وَهُوَ فِي هَذَا إِذْ وَصَلَتْ رُقْعَةُ طَرِيفٍ السُّبْكَرِيِّ يَذْكُرُ أَنَّ عِنْدَهُ نَصِيحَةً وَأَنَّهُ قَدْ حَضَرَ فِي زِيِّ امْرَأَةٍ لِيُنْهِيَهَا إِلَيْهِ، فَاجْتَمَعَ بِهِ الْقَاهِرُ، فَذَكَرَ لَهُ جَمِيعَ مَا قَدْ زَعَمُوا عَلَيْهِ، وَمَا فَعَلُوهُ مِنَ التَّدْبِيرِ لِيَقْبِضَ ابْنُ بُلَيْقٍ عَلَيْهِ إِذَا اجْتَمَعَ بِهِ وَأَنَّهُمْ قَدْ بَايَعُوا أَبَا أَحْمَدَ بْنَ الْمُكْتَفِي، فَلَمَّا سَمِعَ الْقَاهِرُ ذَلِكَ أَخَذَ حَذَرَهُ وَأَنْفَذَ إِلَى السَّاجِيَّةِ فَأَحْضَرَهُمْ مُتَفَرِّقِينَ، وَكَمَّنَهُمْ فِي الدَّهَالِيزِ، (وَالْمَمَرَّاتِ) ، وَالرِّوَاقَاتِ، وَحَضَرَ عَلِيُّ بْنُ بُلَيْقٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَفِي رَأْسِهِ نَبِيذٌ وَمَعَهُ عَدَدٌ يَسِيرٌ مِنْ غِلْمَانِهِ بِسِلَاحٍ خَفِيفٍ، فِي طَيَّارَةٍ، وَأَمَرَ جَمَاعَةً مِنْ عَسْكَرِهِ بِالرُّكُوبِ إِلَى أَبْوَابِ دَارِ الْخَلِيفَةِ، وَصَعِدَ مِنَ الطَّيَّارَةِ، وَطَلَبَ الْإِذْنَ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْقَاهِرُ، فَغَضِبَ وَأَسَاءَ أَدَبَهُ، وَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ لِقَائِهِ شَاءَ أَوْ أَبَى.
وَكَانَ الْقَاهِرُ قَدْ أَحْضَرَ السَّاجِيَّةَ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَهُمْ عِنْدَهُ فِي الدَّارِ فَأَمَرَهُمُ الْقَاهِرُ بِرَدِّهِ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ وَشَتَمُوهُ وَشَتَمُوا أَبَاهُ وَشَهَرُوا سِلَاحَهُمْ وَتَقَدَّمُوا إِلَيْهِ جَمِيعُهُمْ، فَفَرَّ أَصْحَابُهُ عَنْهُ، وَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الطَّيَّارَةِ وَعَبَرَ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ وَاخْتَفَى مِنْ سَاعَتِهِ، فَبَلَغَ ابْنَ مُقْلَةَ الْخَبَرُ، فَاسْتَتَرَ وَاسْتَتَرَ الْحَسَنُ بْنُ هَارُونَ أَيْضًا.
فَلَمَّا سَمِعَ طَرِيفٌ الْخَبَرَ رَكِبَ فِي أَصْحَابِهِ، وَعَلَيْهِمُ السِّلَاحُ، وَحَضَرُوا دَارَ الْخَلِيفَةِ وَوَقَفَ الْقَاهِرُ، فَعَظُمَ الْأَمْرُ حِينَئِذٍ عَلَى ابْنِ بُلَيْقٍ وَجَمَاعَتِهِمْ وَأَنْكَرَ بُلَيْقٌ مَا جَرَى عَلَى ابْنِهِ، وَسَبَّ السَّاجِيَّةَ، وَقَالَ: لَا بُدَّ مِنَ الْمُضِيِّ إِلَى دَارِ الْخَلِيفَةِ، فَإِنْ كَانَ السَّاجِيَّةُ فَعَلُوا هَذَا بِغَيْرِ تَقَدُّمٍ قَابَلْتُهُمْ بِمَا يَسْتَحِقُّونَهُ، وَإِنْ كَانَ بِتَقَدُّمٍ سَأَلْتُهُ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ.
فَحَضَرَ دَارَ الْخَلِيفَةِ وَمَعَهُ جَمِيعُ الْقُوَّادِ الَّذِينَ بِدَارِ مُؤْنِسٍ، فَلَمْ يُوصِلْهُ الْقَاهِرُ إِلَيْهِ، وَأَمَرَ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَحَبْسِهِ، وَأَمَرَ بِالْقَبْضِ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ زِيرَكَ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ
стр. 3728
وَحَصَلَ الْجَيْشُ كُلُّهُمْ فِي الدَّارِ، فَأَنْفَذَ الْقَاهِرُ وَطَيَّبَ نُفُوسَهُمْ، وَوَعْدَهُمُ الزِّيَادَةَ، وَأَنَّهُ يُوقِفُ هَؤُلَاءِ عَلَى ذُنُوبِهِمْ ثُمَّ يُطْلِقُهُمْ وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، فَعَادُوا.
وَرَاسَلَ الْقَاهِرُ مُؤْنِسًا يَسْأَلُهُ الْحُضُورَ عِنْدَهُ لِيَعْرِضَ عَلَيْهِ مَا رُفِعَ عَلَيْهِمْ لِيَفْعَلَ مَا يَرَاهُ، وَقَالَ: إِنَّهُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَعْمَلَ شَيْئًا إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ، فَاعْتَذَرَ مُؤْنِسٌ عَنِ الْحَرَكَةِ، (وَنَهَاهُ أَصْحَابُهُ عَنِ الْحُضُورِ) عِنْدَهُ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَحْضَرَ الْقَاهِرُ طَرِيفًا السُّبْكَرِيَّ وَنَاوَلَهُ خَاتَمَهُ، وَقَالَ لَهُ: قَدْ فَوَّضْتُ إِلَى وَلَدِي عَبْدِ الصَّمَدِ مَا كَانَ الْمُقْتَدِرُ فَوَّضَهُ إِلَى ابْنِهِ مُحَمَّدٍ، وَقَلَّدْتُكَ خِلَافَتَهُ، وَرِئَاسَةَ الْجَيْشِ، وَإِمَارَةَ الْأُمَرَاءِ، وَبُيُوتَ الْأَمْوَالِ، كَمَا كَانَ ذَلِكَ إِلَى مُؤْنِسٍ، وَيَجِبُ أَنْ تَمْضِيَ إِلَيْهِ وَتَحْمِلَهُ إِلَى الدَّارِ، فَإِنَّهُ مَا دَامَ فِي مَنْزِلِهِ يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ مَنْ يُرِيدُ الشَّرَّ وَلَا يَأْمَنُ أَنْ يُولَدَ شُغْلٌ، فَيَكُونَ هَاهُنَا مُرَفَّهًا، وَمَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ يَخْدِمُهُ عَلَى عَادَتِهِ.
فَمَضَى إِلَى دَارِ مُؤْنِسٍ، وَعِنْدَهُ أَصْحَابُهُ فِي السِّلَاحِ، وَهُوَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْكِبَرُ وَالضَّعْفُ، فَسَأَلَهُ أَصْحَابُ مُؤْنِسٍ عَنِ الْحَالِ، فَذَكَرَ سُوءَ صَنِيعِ بُلَيْقٍ وَابْنِهِ، فَكُلُّهُمْ سَبَّهُمَا، وَعَرَّفَهُمْ مَا أَخَذَ لَهُمْ مِنَ الْأَمَانِ وَالْعُهُودِ، فَسَكَتُوا، وَدَخَلَ إِلَى مُؤْنِسٍ وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالْحُضُورِ عِنْدَ الْقَاهِرِ، وَحَمَلَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ تَأَخَّرْتَ طَمِعَ، وَلَوْ رَآكَ نَائِمًا مَا تَجَاسَرَ أَنْ يُوقِظَكَ، وَكَانَ مُوَافِقًا عَلَى مُؤْنِسٍ وَأَصْحَابِهِ لِمَا نَذْكُرُهُ، فَسَارَ مُؤْنِسٌ إِلَيْهِ فَلَمَّا دَخَلَ الدَّارَ قَبَضَ الْقَاهِرُ عَلَيْهِ وَحَبَسَهُ وَلَمْ يَرَهُ.
قَالَ طَرِيفٌ: لَمَّا أَعْلَمْتُ الْقَاهِرَ بِمَجِيءِ مُؤْنِسٍ ارْتَعَدَ، وَتَغَيَّرَتْ أَحْوَالُهُ، وَزَحَفَ مِنْ صَدْرِ فِرَاشِهِ، فَخِفْتُهُ أَنْ أُكَلِّمَهُ فِي مَعْنَاهُ، وَعَلِمْتُ أَنَّنِي قَدْ أَخْطَأْتُ، وَنَدِمْتُ وَتَيَقَّنْتُ أَنَّنِي
стр. 3729
لَاحِقٌ بِالْقَوْمِ عَنْ قَرِيبٍ، وَذَكَرْتُ قَوْلَ مُؤْنِسٍ (فِيهِ إِنَّهُ يَعْرِفُهُ بِالْهَوَجِ، وَالشَّرِّ وَالْإِقْدَامِ، وَالْجَهْلِ) وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا وَكَانَتْ وِزَارَةُ ابْنِ مُقْلَةَ هَذِهِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَاسْتَوْزَرَ الْقَاهِرُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، مُسْتَهَلَّ شَعْبَانَ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَأَنْفَذَ الْقَاهِرُ وَخَتَمَ عَلَى دُورِ مُؤْنِسٍ، وَبُلَيْقٍ وَابْنِهِ عَلِيٍّ، وَابْنِ مُقْلَةَ، وَأَحْمَدَ بْنِ زِيرَكَ، وَالْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ، وَنَقَلَ دَوَابَّهُمْ، وَوَكَّلَ بِحُرَمِهِمْ وَأَنْفَذَ فَاسْتَقْدَمَ عِيسَى الْمُتَطَبِّبَ مِنَ الْمَوْصِلِ، وَأَمَرَ بِنَقْلِ مَا فِي دَارِ ابْنِ مُقْلَةَ وَإِحْرَاقِهَا، فَنُهِبَتْ وَأُحْرِقَتْ، وَنُهِبَتْ دُورُ الْمُتَعَلِّقِينَ بِهِمْ، وَظَهَرَ مُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتٍ، وَقَامَ بِالْحَجَبَةِ ثُمَّ رَأَى كَرَاهِيَةَ طَرِيفٍ السُّبْكَرِيِّ وَالسَّاجِيَّةِ لَهُ، فَاخْتَفَى وَهَرَبَ إِلَى أَبِيهِ بِفَارِسَ، فَكَاتَبَهُ الْقَاهِرُ يَلُومُهُ عَلَى عَجَلَتِهِ بِالْهَرَبِ، وَقَلَّدَهُ كُوَرَ الْأَهْوَازِ.
وَكَانَ السَّبَبُ فِي مَيْلِ طَرِيفٍ السُّبْكَرِيِّ، وَالسَّاجِيَّةِ، وَالْحُجَرِيَّةِ إِلَى الْقَاهِرِ، وَمُوَاطَأَتِهِمْ عَلَى مُؤْنِسٍ وَبُلَيْقٍ وَابْنِهِ مَا نَذْكُرُهُ، وَهُوَ أَنَّ طَرِيفًا كَانَ قَدْ أَخَذَ قُوَّادَ مُؤْنِسٍ وَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً، وَكَانَ بُلَيْقٌ وَابْنُهُ مِمَّنْ يُقَبِّلُ يَدَهُ وَيَخْدُمُهُ فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ الْقَاهِرُ بِاللَّهِ تَقَدَّمَ بُلَيْقٌ وَابْنُهُ، وَحَكَمَا فِي الدَّوْلَةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَأَهْمَلَ ابْنُ بُلَيْقٍ جَانِبَ طَرِيفٍ، وَقَصَدَهُ وَعَطَّلَهُ مِنْ أَكْثَرِ أَعْمَالِهِ، فَلَمَّا طَالَتْ عُطْلَتُهُ اسْتَحْيَا مِنْهُ بُلَيْقٌ، وَخَافَ جَانِبَهُ، فَعَزَمَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ عَلَى دِيَارِ مِصْرَ لِيَقْضِيَ حَقَّهُ، وَيُبْعِدَهُ، وَمَعَهُ أَعْيَانُ رُفَقَائِهِ لِيَأْمَنَهُمْ، وَقَالَ ذَلِكَ لِلْوَزِيرِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ، فَرَآهُ صَوَابًا، فَاعْتَذَرَ بُلَيْقٌ إِلَى طَرِيفٍ لِسَبَبِ عَطَلَتِهِ، وَأَعْلَمَهُ بِحَدِيثِ مِصْرَ فَشَكَرَهُ، وَشَكَرَ الْوَزِيرَ أَيْضًا، فَمَنَعَ عَلِيَّ ابْنُ بُلَيْقٍ مِنْ إِتْمَامِهِ، وَتَوَلَّى هُوَ الْعَمَلَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ يَخْلُفُهُ فِيهِ، فَصَارَ طَرِيفٌ عَدُوًّا يَتَرَبَّصُ بِهِمُ الدَّوَائِرَ.
وَأَمَّا السَّاجِيَّةُ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عُدَّةَ مُؤْنِسٍ وَعَضُدَهُ، وَسَارُوا مَعَهُ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَعَادُوا مَعَهُ إِلَى قِتَالِ الْمُقْتَدِرِ، وَوَعَدَهُمْ مُؤْنِسٌ الْمُظَفَّرُ بِالزِّيَادَةِ فَلَمَّا قُتِلَ الْمُقْتَدِرُ لَمْ يَرَوْا لِمِيعَادِهِ وَفَاءً، ثَنَاهُ عَنْهُ ابْنُ بُلَيْقٍ، وَاطَّرَحَهُمُ ابْنُ بُلَيْقٍ أَيْضًا، وَأَعْرَضَ عَنْهُمْ.
стр. 3730
وَكَانَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ خَادِمٌ أَسْوَدُ اسْمُهُ صَنْدَلٌ، وَكَانَ مِنْ أَعْيَانِهِمْ، وَكَانَ خَادِمٌ اسْمُهُ مُؤْتَمَنٌ، فَبَاعَهُ، فَاتَّصَلَ بِالْقَاهِرِ قَبْلَ خِلَافَتِهِ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ قَدَّمَهُ وَجَعَلَهُ لِرَسَائِلِهِ، فَلَمَّا بُلِيَ الْقَاهِرُ بِابْنِ بُلَيْقٍ وَسُوءِ مُعَامَلَتِهِ كَانَ كَالْغَرِيقِ يَتَمَسَّكُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَكَانَ خَبِيرًا بِالدَّهَاءِ وَالْمَكْرِ، فَأَمَرَ مُؤْتَمَنًا أَنْ يَقْصِدَ صَنْدَلًا السَّاجِيَّ الَّذِي بَاعَهُ، وَيَشْكُوَ مِنَ الْقَاهِرِ، فَإِنْ رَأَى مِنْهُ رَدًّا لِمَا يَقُولُهُ أَعْلَمَهُ بِحَالِ الْقَاهِرِ وَمَا يُقَاسِي مِنِ ابْنِ بُلَيْقٍ وَابْنِهِ، وَإِنْ رَأَى مِنْهُ خِلَافَ ذَلِكَ سَكَتَ فَجَاءَ إِلَيْهِ وَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ.
فَلَمَّا شَكَا قَالَ لَهُ صَنْدَلٌ: وَفِي أَيِّ شَيْءٍ هُوَ الْخَلِيفَةُ حَتَّى يُعْطِيَكَ، وَيُوَسِّعَ عَلَيْكَ؟ إِنْ فَرَجَّ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ هَذَا الْمُفْسِدِ احْتَجْتُ أَنَا وَغَيْرِي إِلَيْكَ، وَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ وَصَدَقَةٌ إِنْ مَلَكَ الْخَلِيفَةُ أَمْرَهُ، وَاسْتَرَاحَ، وَأَرَاحَنَا مِنْ هَذَا الْمَلْعُونِ، فَأَعَادَ الْمُؤْتَمَنُ الْحَدِيثَ عَلَى الْقَاهِرِ، فَأَرْسَلَ عَلَى يَدِهِ هَدِيَّةً جَمِيلَةً مِنْ طِيبٍ وَغَيْرِهِ إِلَى زَوْجَةِ صَنْدَلٍ، وَقَالَ لَهُ: تَحْمِلُهُ إِلَيْهَا، وَزَوْجُهَا غَائِبٌ عَنْهَا، وَتَقُولُ لَهَا إِنَّ الْخَلِيفَةَ قَسَّمَ فِينَا شَيْئًا، وَهَذَا مِنْ نَصِيبِي أَهْدَيْتُهُ إِلَيْكُمْ، فَفَعَلَ هَذَا، فَقَبِلَتْهُ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا مِنَ الْغَدِ وَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ قَالَ صَنْدَلٌ لَمَّا رَأَى انْبِسَاطِي عَلَيْكُمْ؟ فَقَالَتْ: اجْتَمَعَ هُوَ وَفُلَانٌ، وَذَكَرَتْ سِتَّةَ نَفَرٍ مِنْ أَعْيَانِهِمْ، وَرَأَوْا مَا أَهْدَيْتَ إِلَيْنَا فَاسْتَعْمَلُوا مِنْهُ وَدَعَوْا لِلْخَلِيفَةِ.
فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهَا إِذْ حَضَرَ زَوْجُهَا فَشَكَرَ مُؤْتَمَنًا، وَسَأَلَهُ عَنْ أَحْوَالِ الْخَلِيفَةِ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَصَفَهُ بِالْكَرَمِ، وَحُسْنِ الْأَخْلَاقِ، وَصَلَابَتِهِ فِي الدِّينِ، فَقَالَ صَنْدَلٌ إِنَّ ابْنَ بُلَيْقٍ نَسَبَهُ إِلَى قِلَّةِ الدِّينِ، وَيَرْمِيهِ بِأَشْيَاءَ قَبِيحَةٍ، فَحَلَفَ مُؤْتَمَنٌ عَلَى بُطْلَانِ ذَلِكَ، وَأَنَّ جَمِيعَهُ كَذِبٌ.
ثُمَّ أَمَرَ الْقَاهِرُ مُؤْتَمَنًا أَنْ يَقْصِدَ زَوْجَةَ صَنْدَلٍ، وَيَسْتَدْعِيَهَا إِلَى قَهْرَمَانَةِ الْقَاهِرِ فَتَحْضُرَ مُتَنَكِّرَةً عَلَى أَنَّهَا قَابِلَةٌ يَأْنَسُ بِهَا مَنْ عِنْدَ الْقَاهِرِ، لَمَّا كَانُوا بِدَارِ ابْنِ طَاهِرٍ وَقَدْ حَضَرَتْ لِحَاجَةِ بَعْضِ أَهْلِ الدَّارِ إِلَيْهَا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، وَدَخَلَتِ الدَّارَ وَبَاتَتْ عِنْدَهُمْ، فَحَمَّلَهَا الْقَاهِرُ رِسَالَةً إِلَى زَوْجِهَا وَرُفَقَائِهِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ رُقْعَةً بِخَطِّهِ يَعِدُهُمْ بِالزِّيَادَةِ فِي الْأَقْطَاعِ وَالْجَارِي، وَأَعْطَاهَا لِنَفْسِهَا مَالًا، فَعَادَتْ إِلَى زَوْجِهَا وَأَخْبَرَتْهُ بِمَا كَانَ جَمِيعُهُ، فَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى ابْنِ بُلَيْقٍ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ دَارِ ابْنِ طَاهِرٍ دَخَلَتْ إِلَى دَارِ الْخَلِيفَةِ، فَلِهَذَا مَنَعَ ابْنُ بُلَيْقٍ مِنْ دُخُولِ امْرَأَةٍ حَتَّى تُبْصَرَ وَتُعْرَفَ.
стр. 3731
وَكَانَ لِلسَّاجِيَّةِ قَائِدٌ كَبِيرٌ اسْمُهُ سِيمَا، وَكُلُّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى قَوْلِهِ، فَاتَّفَقَ صَنْدَلٌ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى إِعْلَامِ سِيمَا بِذَلِكَ إِذْ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ، وَأَعْلَمُوهُ بِرِسَالَةِ الْقَاهِرِ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: هَذَا صَوَابٌ، وَالْعَاقِبَةُ فِيهِ جَمِيلَةٌ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُدْخِلُوا فِي الْأَمْرِ بَعْضَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، يَعْنِي أَصْحَابَ بُلَيْقٍ وَمُؤْنِسٍ، وَلْيَكُنْ مِنْ أَكَابِرِهِمْ، فَالْتَقَوْا عَلَى طَرِيفٍ السُّبْكَرِيِّ، وَقَالُوا: هُوَ أَيْضًا مُتَسَخِّطٌ فَحَضَرُوا عِنْدَهُ وَشَكَوْا إِلَيْهِ مَا هُمْ فِيهِ، وَقَالُوا: لَوْ كَانَ الْأُسْتَاذُ، يَعْنُونَ مُؤْنِسًا، يَمْلِكُ أَمْرَهُ لَبَلَغْنَا مُرَادَنَا، وَلَكِنْ قَدْ عَجَزَ وَضَعُفَ، وَاسْتَبَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ بُلَيْقٍ بِالْأُمُورِ، فَوَجَدُوا عِنْدَهُ مِنْ كَرَاهَتِهِمْ أَضْعَافَ مَا أَرَادُوا، فَأَعْلَمُوهُ حِينَئِذٍ حَالَهُمْ فَأَجَابَهُمْ إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ، وَاسْتَحْلَفَهُمْ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ مُؤْنِسًا وَبُلَيْقًا وَابْنَهُ مَكْرُوهٌ وَأَذًى فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بُلَيْقٌ وَابْنُهُ بُيُوتَهُمْ وَيَكُونُ مُؤْنِسًا عَلَى مَرْتَبَتِهِ لَا يَتَغَيَّرُ، فَحَلَفُوا عَلَى ذَلِكَ، وَحَلَفَ لَهُمْ عَلَى الْمُوَافَقَةِ وَطَلَبَ خَطَّ الْقَاهِرِ بِمَا طَلَبَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى الْقَاهِرِ بِمَا كَانَ فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ بِمَا أَرَادُوا وَزَادَ بِأَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، وَيَخْطُبُ أَيَّامَ الْجُمَعِ، وَيَحُجُّ بِهِمْ (وَيَغْزُو مَعَهُمْ) ، وَيَقْعُدُ لِلنَّاسِ وَيَكْشِفُ مَظَالِمَهُمْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ السِّيرَةِ.
ثُمَّ إِنَّ طَرِيفًا اجْتَمَعَ بِجَمَاعَةٍ مِنْ رُؤَسَاءِ الْحُجَرِيَّةِ، وَكَانَ ابْنُ بُلَيْقٍ قَدْ أَبْعَدَهُمْ عَنِ الدَّارِ وَأَقَامَ بِهَا أَصْحَابَهُ، فَهُمْ حَنِقُونَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَعْلَمَهُمْ طَرِيفٌ الْأَمْرَ أَجَابُوهُ إِلَيْهِ، فَظَهَرَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى ابْنِ مُقْلَةَ، وَابْنِ بُلَيْقٍ، وَلَمْ يَعْلَمُوا تَفْصِيلَهُ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَقْبِضُوا عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ قُوَّادِ السَّاجِيَّةِ وَالْحُجَرِيَّةِ، فَلَمْ يَقْدَمُوا عَلَيْهِمْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ.
وَكَانَ الْقَاهِرُ قَدْ أَظْهَرَ مَرَضًا مِنْ دَمَامِيلَ وَغَيْرِهَا، فَاحْتَجَبَ عَنِ النَّاسِ خَوْفًا مِنْهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ يَرَاهُ أَحَدٌ إِلَّا خَوَاصَّ خَدَمِهِ مِنَ الْأَوْقَاتِ النَّادِرَةِ فَتَعَذَّرَ عَلَى ابْنِ مُقْلَةَ وَابْنِ بُلَيْقٍ الِاجْتِمَاعُ بِهِ لِيَبْلُغُوا مِنْهُ مَا يُرِيدُونَ، فَوَضَعَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَخْبَارِ الْقَرَامِطَةِ لِيَظْهَرَ لَهُمْ وَيَفْعَلُوا بِهِ مَا أَرَادُوا
стр. 3732
(وَلَمَّا قَبَضَ الْقَاهِرُ عَلَى مُؤْنِسٍ وَجَمَاعَتِهِ) اسْتَعْمَلَ الْقَاهِرُ عَلَى الْحَجْبَةِ سَلَامَةَ الطُّولُونِيَّ وَعَلَى الشُّرْطَةِ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ خَاقَانَ، وَاسْتَوْزَرَ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأَمَرَ بِالنِّدَاءِ عَلَى الْمُسْتَتِرِينَ، وَإِبَاحَةِ مَالِ مَنْ أَخْفَاهُمْ وَهَدْمِ دَارِهِ، وَجَدَّ فِي طَلَبِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُكْتَفِي، فَظَفِرَ بِهِ، فَبَنَى عَلَيْهِ حَائِطًا وَهُوَ حَيٌّ فَمَاتَ، وَظَفِرَ بِعَلِيِّ بْنِ بُلَيْقٍ فَقَتَلَهُ.
ذِكْرُ قَتْلِ مُؤْنِسٍ وَبُلَيْقٍ وَوَلَدِهِ عَلِيٍّ وَالنُّوبَخْتِيِّ
وَفِيهَا، فِي شَعْبَانَ، قَتَلَ الْقَاهِرُ مُؤْنِسًا الْمُظَفَّرَ، وَبُلَيْقًا، وَعَلِيَّ بْنَ بُلَيْقٍ.
وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِمْ أَنَّ أَصْحَابَ مُؤْنِسٍ شَغَبُوا وَثَارُوا، وَتَبِعَهُمْ سَائِرُ الْجُنْدِ، وَأَحْرَقُوا رَوْشَنَ دَارِ الْوَزِيرِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَنَادَوْا بِشِعَارِ مُؤْنِسٍ، وَقَالُوا: لَا نَرْضَى إِلَّا بِإِطْلَاقِ مُؤْنِسٍ.
وَكَانَ الْقَاهِرُ قَدْ ظَفِرَ بِعَلِيِّ بْنِ بُلَيْقٍ، وَأَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدِ مِنْهُمْ فِي مَنْزِلٍ، فَلَمَّا شَغَبَ الْجُنْدُ دَخَلَ الْقَاهِرُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ بُلَيْقٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَذُبِحَ وَاحْتُزَّ رَأْسُهُ، فَوَضَعُوهُ فِي طَشْتٍ، ثُمَّ مَضَى الْقَاهِرُ وَالطَّشْتُ يُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى بُلَيْقٍ فَوَضَعَ الطَّشْتَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَفِيهِ رَأْسُ ابْنِهِ، فَلَمَّا رَآهُ بَكَى، وَأَخَذَهُ يُقَبِّلُهُ وَيَتَرَشَّفُهُ، فَأَمَرَ بِهِ الْقَاهِرُ فَذُبِحَ أَيْضًا، وَجُعِلَ رَأْسُهُ فِي طَشْتٍ، وَحُمِلَ بَيْنَ يَدِيِ الْقَاهِرِ، وَمَضَى حَتَّى دَخَلَ عَلَى مُؤْنِسٍ فَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى الرَّأْسَيْنِ تَشَهَّدَ، وَاسْتَرْجَعَ، وَلَعَنَ قَاتِلَهُمَا، فَقَالَ الْقَاهِرُ: جُرُّوا بِرِجْلِ الْكَلْبِ الْمَلْعُونِ! فَجَرُّوهُ وَذَبَحُوهُ وَجَعَلُوا رَأْسَهُ فِي طَشْتٍ، وَأَمَرَ فَطِيفَ بِالرُّءُوسِ فِي جَانِبَيْ بَغْدَاذَ، وَنُودِيَ عَلَيْهَا: هَذَا جَزَاءُ مَنْ يَخُونُ الْإِمَامَ، وَيَسْعَى فِي فَسَادِ دَوْلَتِهِ، ثُمَّ أُعِيدَتْ وَنُظِّفَتْ وَجُعِلَتْ فِي خِزَانَةِ الرُّءُوسِ، كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ.
стр. 3733
وَقِيلَ إِنَّهُ قَتَلَ بُلَيْقًا وَابْنُهُ مُسْتَخِفٍ، ثُمَّ ظَفِرَ بِابْنِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ، فَأَقْبَلَ ابْنُ بُلَيْقٍ عَلَى الْقَاهِرِ، وَسَبَّهُ أَقْبَحَ سَبٍّ، وَأَعْظَمَ شَتْمٍ، فَأَمَرَ بِهِ الْقَاهِرُ فَقُتِلَ، وَطِيفَ بِرَأْسِهِ فِي جَانِبَيْ بَغْدَاذَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ يَعْقُوبَ النُّوبَخْتِيِّ، وَهُوَ فِي مَجْلِسِ وَزِيرِهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ، فَأَخَذَهُ وَحَبَسَهُ، وَرَأَى النَّاسُ مِنْ شِدَّةِ الْقَاهِرِ مَا عَلِمُوا مَعَهُ أَنَّهُمْ لَا يَسْلَمُونَ مِنْ يَدِهِ، وَنَدَمَ كُلُّ مَنْ أَعَانَهُ مِنْ سُبُكٍ، وَالسَّاجِيَّةِ، وَالْحُجَرِيَّةِ، حَيْثُ لَمْ يَنْفَعْهُمُ النَّدَمُ.
ذِكْرُ وِزَارَةِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ لِلْخَلِيفَةِ وَعَزْلِهِ وَوِزَارَةِ الْخَصِيبِيِّ
لَمَّا قَبَضَ الْقَاهِرُ بِاللَّهِ عَلَى مُؤْنِسٍ وَبُلَيْقٍ وَابْنِهِ سَأَلَ عَمَّنْ يَصْلُحُ لِلْوَزَارَةِ، فَدُلَّ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَاسْتَوْزَرَهُ، فَبَقِيَ وَزِيرًا إِلَى يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ ثَالِثَ عَشَرَ ذِي الْقِعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ، فَأَرْسَلَ الْقَاهِرُ فَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَعَلَى أَوْلَادِهِ، وَعَلَى أَخِيهِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَحُرَمِهِ، وَكَانَ مَرِيضًا بِقَوْلَنْجَ، فَبَقِيَ مَحْبُوسًا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَمَاتَ، فَحُمِلَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَأَطْلَقَ أَوْلَادَهُ، وَاسْتَوْزَرَ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْخَصِيبِيَّ، وَكَانَتْ وِزَارَةُ أَبِي جَعْفَرٍ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَاثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا.
стр. 3734
ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى طَرِيفٍ السُّبْكَرِيِّ
لَمَّا تَمَكَّنَ الْقَاهِرُ، وَقَبَضَ عَلَى مُؤْنِسٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَتَلَهُمْ، لَمْ يَقِفْ عَلَى الْيَمِينِ وَالْأَمَانِ اللَّذَيْنِ كَتَبَهُمَا لِطَرِيفٍ، وَكَانَ الْقَاهِرُ يُسْمِعُ طَرِيفًا مَا يَكْرَهُ، وَيَسْتَخِفُّ بِهِ، وَيَعْرِضُ لَهُ بِالْأَذَى، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خَافَهُ، وَتَيَقَّنَ الْقَبْضَ عَلَيْهِ وَالْقَتْلَ، فَوَصَّى وَفَرَغَ مِنْ جَمِيعِ مَا يُرِيدُهُ.
وَاشْتَغَلَ الْقَاهِرُ عَنْهُ بِقَبْضِ مَنْ قَبَضَ عَلَيْهِ مِنْ وَزِيرٍ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ أَحْضَرَهُ بَعْدَ أَنْ قَبَضَ عَلَى وَزِيرِهِ أَبِي جَعْفَرٍ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، فَتَيَقَّنَ الْقَتْلَ أُسْوَةً بِمَنْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَرُفَقَائِهِ، فَبَقِيَ مَحْبُوسًا يَتَوَقَّعُ الْقَتْلَ صَبَاحًا وَمَسَاءً إِلَى أَنْ خُلِعَ الْقَاهِرُ.
ذِكْرُ أَخْبَارِ خُرَاسَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ مَرْدَاوِيجُ مِنَ الرَّيِّ إِلَى جُرْجَانَ، وَبِهَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ مَرِيضًا، فَلَمَّا قَصَدَهُ مَرْدَاوِيجُ عَادَ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَكَانَ السَّعِيدُ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ بِنَيْسَابُورَ، فَلَمَّا بَلَغَهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ سَارَ السَّعِيدُ نَحْوَ جُرْجَانَ، وَكَاتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَلْغَمِيُّ (مُطَرِّفَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَزِيرَ مَرْدَاوِيجَ، وَاسْتَمَالَهُ، فَمَالَ إِلَيْهِ، فَانْتَهَى الْخَبَرُ بِذَلِكَ إِلَى مَرْدَاوِيجَ، فَقَبَضَ عَلَى مُطَرِّفٍ وَقَتَلَهُ.
وَأَرْسَلَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَلْغَمِيُّ) إِلَى مَرْدَاوِيجَ يَقُولُ لَهُ: أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَسْتَحْسِنُ كُفْرَ مَا يَفْعَلُهُ مَعَكَ الْأَمِيرُ السَّعِيدُ، وَأَنَّكَ إِنَّمَا حَمَلَكَ عَلَى قَصْدِ جُرْجَانَ وَزِيرُكَ مُطَرِّفٌ لِيَرَى أَهْلُهَا مَحَلَّهُ مِنْكَ، كَمَا فَعَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ كَاتِبُ عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ، حَمَلَ عَمْرًا عَلَى قَصْدِ بَلْخَ لِيُشَاهِدَ أَهْلُهَا مَنْزِلَتَهُ مِنْ عَمْرٍو، فَكَانَ مِنْهُ مَا بَلَغَكَ، وَأَنَا لَا أَرَى مُنَاصَبَةَ مَلِكٍ يُطِيفُ بِهِ مِائَةُ أَلْفِ رَجُلٍ مِنْ غِلْمَانِهِ وَمَوَالِيهِ وَمَوَالِي أَبِيهِ، وَالصَّوَابُ أَنَّكَ تَتْرُكُ جُرْجَانَ لَهُ، وَتَبْذُلُ عَنِ الرَّيِّ مَالًا تُصَالِحُهُ عَلَيْهِ، فَفَعَلَ مَرْدَاوِيجُ ذَلِكَ، وَعَادَ عَنْ جُرْجَانَ، وَبَذَلَ عَنِ الرَّيِّ مَالًا، وَعَادَ إِلَيْهَا، وَصَالَحَهُ السَّعِيدُ عَلَيْهَا.
стр. 3735
ذِكْرُ وِلَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ عَلَى خُرَاسَانَ
وَلَمَّا فَرَغَ السَّعِيدُ مِنْ أَمْرِ جُرْجَانَ، وَأَحْكَمَهُ، اسْتَعْمَلَ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُظَفَّرِ بْنِ مُحْتَاجٍ عَلَى جُيُوشِ خُرَاسَانَ، وَرَدَّ إِلَيْهِ تَدْبِيرَ الْأُمُورِ بِنَوَاحِي خُرَاسَانَ جَمِيعِهَا، وَعَادَ إِلَى بُخَارَى مَقَرِّ عِزِّهِ، وَكُرْسِيِّ مُلْكِهِ.
وَكَانَ سَبَبُ تَقَدُّمِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا عِنْدَ السَّعِيدِ، وَهُوَ يُحَادِثُهُ فِي بَعْضِ مُهِمَّاتِهِ خَالِيًا، فَلَسَعَتْهُ عَقْرَبٌ فِي إِحْدَى رِجْلَيْهِ عِدَّةَ لَسَعَاتٍ، فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ أَثَرُ ذَلِكَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حَدِيثِهِ، وَعَادَ مُحَمَّدٌ إِلَى مَنْزِلِهِ، نَزَعَ خُفَّهُ فَرَأَى الْعَقْرَبَ فَأَخَذَهَا.
فَانْتَهَى خَبَرُ ذَلِكَ إِلَى السَّعِيدِ، فَأُعْجِبَ بِهِ، وَقَالَ: مَا عَجِبْتُ إِلَّا مِنْ فَرَاغِ بَالِكَ لِتَدْبِيرِ مَا قُلْتُهُ لَكَ، فَهَلَّا قُمْتَ وَأَزَلْتَهَا! فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَقْطَعَ حَدِيثَ الْأَمِيرِ بِسَبَبِ عَقْرَبٍ، وَإِذَا لَمْ أَصْبِرْ بَيْنَ يَدَيْكَ عَلَى لَسْعَةِ عَقْرَبٍ فَكَيْفَ أَصْبِرُ، وَأَنَا بَعِيدٌ مِنْكَ عَلَى حَدِّ سُيُوفِ أَعْدَاءِ دَوْلَتِكَ إِذَا دَفَعْتُهُمْ عَنْ مَمْلَكَتِكَ؟ فَعَظُمَ مَحَلُّهُ عِنْدَهُ، وَأَعْطَاهُ مِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
стр. 3736
ذِكْرُ ابْتِدَاءِ دَوْلَةِ بَنِي بُوَيْهِ
[بَقِيَّةُ سَنَةِ ٣٢١ هـ]
وَهُمْ عِمَادُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ، وَرُكْنُ الدَّوْلَةِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ، وَمُعِزُّ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ، أَوْلَادُ أَبِي شُجَاعٍ بُوَيْهِ بْنِ فَنَّاخِسْرُو بْنِ تَمَّامِ بْنِ كُوهِي بْنِ شَيْرَزِيلَ الْأَصْغَرِ بْنِ شَيْرَكَنْدَهَ بْنِ شَيْرَزِيلَ الْأَكْبَرِ بْنِ شَيْرَانَ شَاهَ بْنِ شِيرَوَيْهِ بْنِ سَشْتَانَ شَاهَ بْنِ سَيَسَ فَيْرُوزَ بْنِ شَيْرَوَزِيلَ بْنِ سِنْبَادَ بْنِ بَهْرَامَ جَوْرِ الْمَلِكِ ابْنِ يَزْدَجُرْدَ الْمَلِكِ (ابْنِ هُرْمُزَ الْمَلِكِ) ابْنِ شَابُورَ الْمَلِكِ بْنِ شَابُورَ ذِي الْأَكْتَافِ، وَبَاقِي النَّسَبِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي
стр. 3737
أَوَّلِ الْكِتَابِ عِنْدَ ذِكْرِ مُلُوكِ الْفُرْسِ؛ هَكَذَا سَاقَ نَسَبَهُمُ الْأَمِيرُ أَبُو نَصْرِ بْنُ مَاكُولَا، ﵀.
وَأَمَّا ابْنُ مَسْكَوَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ: (إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ) أَنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ يَزْدَجُرْدَ بْنِ شَهْرَيَارَ، آخِرِ مُلُوكِ الْفُرْسِ، إِلَّا أَنَّ النَّفْسَ (أَكْثَرُ ثِقَةً) بِنَقْلِ ابْنِ مَاكُولَا ; لِأَنَّهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ، وَهَذَا نَسَبٌ عَرِيقٌ فِي الْفُرْسِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ نُسِبُوا إِلَى الدَّيْلَمِ حَيْثُ طَالَ مُقَامُهُمْ بِبِلَادِهِمْ.
وَأَمَّا ابْتِدَاءُ أَمْرِهِمْ، فَإِنَّ وَالِدَهُمْ أَبَا شُجَاعٍ بُوَيْهِ كَانَ مُتَوَسِّطَ الْحَالِ، فَمَاتَتْ زَوْجَتُهُ وَخَلَّفَتْ لَهُ ثَلَاثَةَ بَنِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، فَلَمَّا مَاتَتِ اشْتَدَّ حُزْنُهُ عَلَيْهَا، فَحَكَى شَهْرَيَارُ بْنُ رُسْتُمَ الدَّيْلِمِيُّ، قَالَ: كُنْتُ صَدِيقًا لِأَبِي شُجَاعٍ بُوَيْهِ، فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ يَوْمًا فَعَذَلْتُهُ عَلَى كَثْرَةِ حُزْنِهِ، وَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ رَجُلٌ يَحْتَمِلُ الْحُزْنَ، وَهَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينُ أَوْلَادُكَ يُهْلِكُهُمُ الْحُزْنُ، (وَرُبَّمَا مَاتَ أَحَدُهُمْ، فَيُجَدِّدُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْزَانِ مَا يُنْسِيكَ الْمَرْأَةَ، وَسَلَّيْتُهُ بِجُهْدِي، وَأَخَذْتُهُ فَفَرَّجْتُهُ، وَأَدْخَلْتُهُ وَمَعَهُ أَوْلَادُهُ إِلَى مَنْزِلِي لِيَأْكُلُوا طَعَامًا، وَشَغَلْتُهُ عَنْ حُزْنِهِ.
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ اجْتَازَ بِنَا رَجُلٌ يَقُولُ عَنْ نَفْسِهِ: إِنَّهُ مُنَجِّمٌ، وَمُعَزِّمٌ، وَمُعَبِّرٌ لِلْمَنَامَاتِ، وَيَكْتُبُ الرُّقَى وَالطَّلْسَمَاتِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَأَحْضَرَهُ أَبُو شُجَاعٍ، وَقَالَ لَهُ: رَأَيْتُ فِي مَنَامِي كَأَنَّنِي أَبُولُ، فَخَرَجَ مِنْ ذَكَرِي نَارٌ عَظِيمَةٌ، اسْتَطَالَتْ وَعَلَتْ حَتَّى كَادَتْ تَبْلُغُ السَّمَاءَ، ثُمَّ انْفَجَرَتْ فَصَارَتْ ثَلَاثَ شُعَبٍ، وَتَوَلَّدَ مِنْ تِلْكَ الشُّعَبِ عِدَّةُ شُعَبٍ، فَأَضَاءَتِ الدُّنْيَا بِتِلْكَ النِّيرَانِ، وَرَأَيْتُ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ خَاضِعِينَ لِتِلْكَ النِّيرَانِ.
فَقَالَ الْمُنَجِّمُ: هَذَا مَنَامٌ عَظِيمٌ، لَا أُفَسِّرُهُ إِلَّا بِخِلْعَةٍ، وَفَرَسٍ، وَمَرْكَبٍ، فَقَالَ أَبُو شُجَاعٍ: وَاللَّهِ، مَا أَمْلِكُ إِلَّا الثِّيَابَ الَّتِي عَلَى جَسَدِي، فَإِنْ أَخَذْتَهَا بَقِيتُ عُرْيَانًا، قَالَ
стр. 3738
الْمُنَجِّمُ: فَعَشَرَةُ دَنَانِيرَ، قَالَ: وَاللَّهِ، مَا أَمْلِكُ دِينَارًا فَكَيْفَ عَشَرَةً، فَأَعْطَاهُ شَيْئًا، فَقَالَ الْمُنَجِّمُ: اعْلَمْ أَنَّهُ يَكُونُ لَكَ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ، يَمْلِكُونَ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، وَيَعْلُو ذِكْرُهُمْ فِي الْآفَاقِ كَمَا عَلَتْ تِلْكَ النَّارُ، وَيُولَدُ لَهُمْ جَمَاعَةُ مُلُوكٍ مَا رَأَيْتَ مِنْ تِلْكَ الشُّعَبِ.
فَقَالَ أَبُو شُجَاعٍ: أَمَا تَسْتَحِي تَسْخَرُ مِنَّا؟ أَنَا رَجُلٌ فَقِيرٌ، وَأَوْلَادِي هَؤُلَاءِ فُقَرَاءُ مَسَاكِينُ، كَيْفَ يَصِيرُونَ مُلُوكًا؟
(فَقَالَ الْمُنَجِّمُ) : أَخْبِرْنِي بِوَقْتِ مِيلَادِهِمْ، فَأَخْبَرَهُ، فَجَعَلَ يَحْسِبُ، ثُمَّ قَبَضَ عَلَى يَدِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيٍّ فَقَبَّلَهَا، وَقَالَ: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي يَمْلِكُ الْبِلَادَ، ثُمَّ هَذَا مِنْ بَعْدِهِ، وَقَبَضَ عَلَى يَدِ أَخِيهِ أَبِي عَلِيٍّ الْحَسَنِ، فَاغْتَاظَ مِنْهُ أَبُو شُجَاعٍ، وَقَالَ لِأَوْلَادِهِ: اصْفَعُوا هَذَا الْحَكِيمَ، فَقَدْ أَفْرَطَ فِي السُّخْرِيَةِ بِنَا، فَصَفَعُوهُ، وَهُوَ يَسْتَغِيثُ، وَنَحْنُ نَضْحَكُ مِنْهُ، ثُمَّ أَمْسَكُوا، فَقَالَ لَهُمْ: اذْكُرُوا لِي هَذَا إِذَا قَصَدْتُكُمْ وَأَنْتُمْ مُلُوكٌ، فَضَحِكْنَا مِنْهُ، وَأَعْطَاهُ أَبُو شُجَاعٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ.
ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بِلَادِ الدَّيْلَمِ جَمَاعَةٌ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ لِيَمْلِكَ الْبِلَادَ مِنْهُمْ مَاكَانُ بْنُ بَالِي، وَلَيْلَى بْنُ النُّعْمَانِ، وَأَسْفَارُ بْنُ شِيرَوَيْهِ، وَمَرْدَاوَيْجْ بْنُ زِيَارْ، وَخَرَجَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الدَّيْلَمِ، وَخَرَجَ أَوْلَادُ أَبِي شُجَاعٍ فِي جُمْلَةِ مَنْ خَرَجَ، وَكَانُوا مِنْ جُمْلَةِ قُوَّادِ مَاكَانَ بْنِ كَالِي، فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ مَاكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الِاتِّفَاقِ ثُمَّ الِاخْتِلَافِ، بَعْدَ قَتْلِ أَسْفَارَ، وَاسْتِيلَاءِ مَرْدَاوَيْجَ عَلَى مَا كَانَ (بِيَدِ مَاكَانَ) مِنْ طَبَرِسْتَانَ وَجُرْجَانَ، وَعَوْدُ مَاكَانَ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى جُرْجَانَ وَالدَّامَغَانَ، وَعَوْدُهُ إِلَى نَيْسَابُورَ مَهْزُومًا.
فَلَمَّا رَأَى أَوْلَادُ بُوَيْهِ ضَعْفَهُ وَعَجْزَهُ، قَالَ لَهُ عِمَادُ الدَّوْلَةِ وَرُكْنُ الدَّوْلَةِ: نَحْنُ فِي جَمَاعَةٍ، وَقَدْ صِرْنَا ثُقْلًا عَلَيْكَ وَعِيَالًا، وَأَنْتَ مُضَيَّقٌ، وَالْأَصْلَحُ لَكَ أَنْ نُفَارِقَكَ لِنُخَفِّفَ
стр. 3739
عَنْكَ مَؤُونَتَنَا، فَإِذَا صَلُحَ أَمْرُنَا عُدْنَا إِلَيْكَ، فَأَذِنَ لَهُمَا، فَسَارَا إِلَى مَرْدَاوَيْجَ، وَاقْتَدَى بِهِمَا جَمَاعَةٌ مِنْ قُوَّادِ مَاكَانَ وَتَبِعُوهُمَا، فَلَمَّا صَارُوا إِلَيْهِ قَبِلَهُمْ أَحْسَنَ قَبُولٍ، وَخَلَعَ عَلَى ابْنَيْ بُوَيْهِ، وَأَكْرَمَهُمَا، وَقَلَّدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ قُوَّادِ مَاكَانَ الْوَاصِلِينَ إِلَيْهِ نَاحِيَةً مِنْ نَوَاحِي الْجَبَلِ، فَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ بُوَيْهِ فَإِنَّهُ قَلَّدَهُ كَرَجَ.
ذِكْرُ سَبَبِ تَقَدُّمِ عَلِيِّ بْنِ بُوَيْهِ
(كَانَ السَّبَبُ فِي ارْتِفَاعِ) عَلِيِّ بْنِ بُوَيْهِ (مِنْ بَيْنِهِمْ) - بَعْدَ الْأَقْدَارِ - أَنَّهُ كَانَ سَمْحًا، حَلِيمًا، شُجَاعًا، فَلَمَّا قَلَّدَهُ مَرْدَاوَيْجُ كَرَجَ، وَقَلَّدَ جَمَاعَةَ الْقُوَّادِ الْمُسْتَأْمَنَةِ مَعَهُ الْأَعْمَالَ، وَكَتَبَ لَهُمُ الْعُهُودَ، وَسَارُوا إِلَى الرَّيِّ، وَبِهَا وَشْمَكِيرُ بْنُ زِيَارَ أَخُو مَرْدَاوَيْجَ، وَمَعَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُلَقَّبُ بِالْعَمِيدِ، وَهُوَ وَالِدُ أَبِي الْفَضْلِ الَّذِي وَزَرَ لِرُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، وَكَانَ الْعَمِيدُ يَوْمَئِذٍ وَزِيرَ مَرْدَاوَيْجَ.
وَكَانَ مَعَ عِمَادِ الدَّوْلَةِ بَغْلَةٌ شَهْبَاءُ مِنْ أَحْسَنِ مَا يَكُونُ، فَعَرَضَهَا لِلْبَيْعِ، فَبَلَغَ ثَمَنُهَا مِائَتَيْ دِينَارٍ، فَعُرِضَتْ عَلَى الْعَمِيدِ، فَأَخَذَهَا وَأَنْفَذَ ثَمَنَهَا، فَلَمَّا حُمِلَ الثَّمَنُ إِلَى عِمَادِ الدَّوْلَةِ، أَخَذَ مِنْهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَرَدَّ الْبَاقِيَ، وَجَعَلَ مَعَهُ هَدِيَّةً جَمِيلَةً.
ثُمَّ إِنَّ مَرْدَاوَيْجَ نَدِمَ عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ تَوْلِيَةِ أُولَئِكَ الْقُوَّادِ الْبِلَادَ، فَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ وَشْمَكِيرَ وَإِلَى الْعَمِيدِ يَأْمُرُهُمَا بِمَنْعِهِمْ مِنَ الْمَسِيرِ إِلَى أَعْمَالِهِمْ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ خَرَجَ، فَيُرَدُّ.
وَكَانَتِ الْكُتُبُ تَصِلُ إِلَى الْعَمِيدِ قَبْلَ وَشْمَكِيرَ، فَيَقْرَأُهَا ثُمَّ يَعْرِضُهَا عَلَى وَشْمَكِيرَ، فَلَمَّا وَقَفَ الْعَمِيدُ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ، أَنْفَذَ إِلَى عِمَادِ الدَّوْلَةِ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ مِنْ سَاعَتِهِ إِلَى عَمَلِهِ، وَيَطْوِي الْمَنَازِلَ، فَسَارَ مِنْ وَقْتِهِ، وَكَانَ الْمَغْرِبُ، وَأَمَّا الْعَمِيدُ فَلَمَّا أَصْبَحَ، عَرَضَ الْكِتَابَ عَلَى وَشْمَكِيرَ، فَمَنَعَ سَائِرَ الْقُوَّادِ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الرَّيِّ، وَاسْتَعَادَ التَّوْقِيعَاتِ الَّتِي
стр. 3740
مَعَهُمْ بِالْبِلَادِ، وَأَرَادَ وَشْمَكِيرُ أَنْ يُنْفِذَ خَلْفَ عِمَادِ الدَّوْلَةِ مَنْ يَرُدُّهُ، فَقَالَ الْعَمِيدُ: إِنَّهُ لَا يَرْجِعُ طَوْعًا، وَرُبَّمَا قَاتَلَ مَنْ يَقْصِدُهُ وَخَرَجَ عَنْ طَاعَتِنَا، فَتَرَكَهُ.
وَسَارَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ إِلَى كَرَجَ، وَأَحْسَنَ إِلَى النَّاسِ، وَلَطَفَ بِعُمَّالِ الْبِلَادِ، فَكَتَبُوا إِلَى مَرْدَاوَيْجَ يَشْكُرُونَهُ، وَيَصِفُونَ ضَبْطَهُ الْبَلَدَ، وَسِيَاسَتَهُ، وَافْتَتَحَ قِلَاعًا كَانَتْ لِلْخَرْمِيَّةِ، وَظَفَرَ مِنْهَا بِذَخَائِرَ كَثِيرَةٍ، صَرَفَهَا جَمِيعَهَا إِلَى اسْتِمَالَةِ الرِّجَالِ، وَالصِّلَاتِ، وَالْهِبَاتِ، فَشَاعَ ذِكْرُهُ، وَقَصَدَهُ النَّاسُ وَأَحَبُّوهُ.
وَكَانَ مَرْدَاوَيْجُ ذَلِكَ الْوَقْتِ بَطَبَرِسْتَانَ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى الرَّيِّ أَطْلَقَ مَالًا لِجَمَاعَةٍ مِنْ قُوَّادِهِ عَلَى كَرَجَ، فَاسْتَمَالَهُمْ عِمَادُ الدَّوْلَةِ، وَوَصَلَهُمْ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، حَتَّى مَالُوا إِلَيْهِ، وَأَحَبُّوا طَاعَتَهُ.
وَبَلَغَ ذَلِكَ مَرْدَاوَيْجَ، فَاسْتَوْحَشَ وَنَدِمَ عَلَى إِنْفَاذِ أُولَئِكَ الْقُوَّادِ إِلَى الْكَرَجِ، فَكَتَبَ إِلَى عِمَادِ الدَّوْلَةِ وَأُولَئِكَ يَسْتَدْعِيهِمْ إِلَيْهِ، وَتَلَطَّفَ بِهِمْ، فَدَافَعَهُ عِمَادُ الدَّوْلَةِ، وَاشْتَغَلَ بِأَخْذِ الْعُهُودِ، وَخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَةِ مَرْدَاوَيْجَ، فَأَجَابُوهُ جَمِيعُهُمْ، فَجَبَى مَالَ كَرَجَ، وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ شَيْرَزَادُ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ قُوَّادِ الدَّيْلَمِ، فَقَوِيَتْ نَفْسُهُ بِذَلِكَ، وَسَارَ بِهِمْ عَنْ كَرَجَ إِلَى أَصْبَهَانَ، وَبِهَا الْمُظَفَّرُ بْنُ يَاقُوتٍ، فِي نَحْوٍ مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ، وَعَلَى خَرَاجِهَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ رُسْتُمَ، فَأَرْسَلَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ إِلَيْهِمَا يَسْتَعْطِفُهُمَا، وَيَسْتَأْذِنُهُمَا فِي الِانْحِيَازِ إِلَيْهِمَا، وَالدُّخُولِ فِي طَاعَةِ الْخَلِيفَةِ، لِيَمْضِيَ إِلَى الْحَضْرَةِ بِبِغْدَاذَ، فَلَمْ يُجِيبَاهُ إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ أَبُو عَلِيٍّ أَشَدَّهُمَا كَرَاهَةً، فَاتَّفَقَ لِلسَّعَادَةِ أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ مَاتَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، وَبَرَزَ ابْنُ يَاقُوتٍ عَنْ أَصْبَهَانَ ثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ، وَكَانَ فِي أَصْحَابِهِ جِيلٌ وَدَيْلَمٌ مِقْدَارُ سِتِّمِائَةِ رَجُلٍ، فَاسْتَأْمَنُوا إِلَى عِمَادِ الدَّوْلَةِ لِمَا بَلَغَهُمْ مِنْ كَرَمِهِ، فَضَعُفَ قَلْبُ ابْنِ يَاقُوتٍ، وَقَوِيَ جَنَانُ عِمَادِ الدَّوْلَةِ، فَوَاقَعَهُ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ ابْنُ يَاقُوتٍ، وَاسْتَوْلَى عِمَادُ الدَّوْلَةِ عَلَى أَصْبَهَانَ، وَعَظُمَ فِي عُيُونِ النَّاسِ ; لِأَنَّهُ كَانَ فِي تِسْعِمِائَةِ رَجُلٍ هَزَمَ بِهِمْ مَا يُقَارِبُ عَشَرَةَ آلَافِ رَجُلٍ، وَبَلَغَ ذَلِكَ الْخَلِيفَةَ فَاسْتَعْظَمَهُ، وَبَلَغَ خَبَرُ هَذِهِ الْوَقْعَةِ مَرْدَاوَيْجَ فَأَقْلَقَهُ، وَخَافَ عَلَى مَا بِيَدِهِ مِنَ الْبِلَادِ، (وَاغْتَمَّ لِذَلِكَ غَمًّا شَدِيدًا) .
стр. 3741
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ ابْنِ بُوَيْهِ عَلَى أَرَّجَانَ وَغَيْرِهَا، وَمِلْكِ مَرْدَاوَيْجَ أَصْبَهَانَ
لَمَّا بَلَغَ خَبَرُ الْوَقْعَةِ إِلَى مَرْدَاوَيْجَ، خَافَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ، فَشَرَعَ فِي إِعْمَالِ الْحِيلَةِ، فَرَاسَلَهُ يُعَاتِبُهُ وَيَسْتَمِيلُهُ، وَيَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُظْهِرَ طَاعَتَهُ حَتَّى يَمُدَّهُ بِالْعَسَاكِرِ الْكَثِيرَةِ ; لِيَفْتَحَ بِهَا الْبِلَادَ، وَلَا يُكَلِّفُهُ سِوَى الْخُطْبَةِ لَهُ فِي الْبِلَادِ الَّتِي يَسْتَوْلِي عَلَيْهَا.
فَلَمَّا سَارَ الرَّسُولُ، جَهَّزَ مَرْدَاوَيْجُ أَخَاهُ وَشْمَكِيرَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ لِيَكْبِسَ ابْنَ بُوَيْهِ، وَهُوَ مُطْمَئِنٌّ إِلَى الرِّسَالَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، فَعَلِمَ ابْنُ بُوَيْهِ بِذَلِكَ، فَرَحَلَ عَنْ أَصْبَهَانَ بَعْدَ أَنْ جَبَاهَا شَهْرَيْنِ، وَتَوَجَّهَ إِلَى أَرَّجَانَ، وَبِهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ يَاقُوتٍ، فَانْهَزَمَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَقَصَدَ رَامَهُرْمُزَ، وَاسْتَوْلَى ابْنُ بُوَيْهِ عَلَى أَرَّجَانَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَلَمَّا سَارَ عَنْ أَصْبَهَانَ دَخَلَهَا وَشْمَكِيرُ وَعَسْكَرُ أَخِيهِ مَرْدَاوَيْجَ وَمَلَكُوهَا، فَلَمَّا سَمِعَ الْقَاهِرُ أَرْسَلَ إِلَى مَرْدَاوَيْجَ قَبْلَ خَلْعِهِ لِيَمْنَعَ أَخَاهُ عَنْ أَصْبَهَانَ وَيُسَلِّمُهَا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَوَلِيَهَا مُحَمَّدٌ.
وَأَمَّا ابْنُ بُوَيْهِ فَإِنَّهُ لَمَّا مَلَكَ أَرَّجَانَ، اسْتَخْرَجَ مِنْهَا أَمْوَالًا فَقَوِيَ بِهَا، وَوَرَدَتْ عَلَيْهِ كُتُبُ أَبِي طَالِبٍ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ النَّوْبَنْدَجَانِيِّ يَسْتَدْعِيهِ، (وَيُشِيرُ عَلَيْهِ) بِالْمَسِيرِ إِلَى شِيرَازَ، وَيُهَوِّنُ عَلَيْهِ أَمْرَ يَاقُوتٍ وَأَصْحَابِهِ، وَيُعَرِّفُهُ تَهَوُّرَهُ، وَاشْتِغَالَهُ بِجِبَايَةِ الْأَمْوَالِ، وَكَثْرَةَ مَئُونَتِهِ وَمَئُونَةِ أَصْحَابِهِ، وَثِقَلَ وَطْأَتِهِمْ عَلَى النَّاسِ، مَعَ فَشَلِهِمْ وَجُبْنِهِمْ، فَخَافَ ابْنُ بُوَيْهِ أَنْ يَقْصِدَ يَاقُوتًا مَعَ كَثْرَةِ عَسَاكِرِهِ وَأَمْوَالِهِ، وَيَحْصُلَ بَيْنَ يَاقُوتٍ وَوَلَدِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ مَشُورَتَهُ، وَلَمْ يَبْرَحْ مِنْ مَكَانِهِ، فَعَادَ أَبُو طَالِبٍ وَكَتَبَ إِلَيْهِ يُشَجِّعُهُ، وَيُعْلِمُهُ أَنَّ مَرْدَاوَيْجَ قَدْ كَتَبَ إِلَى يَاقُوتٍ يَطْلُبُ مُصَالَحَتَهُ، فَإِنْ تَمَّ ذَلِكَ اجْتَمَعَا عَلَى مُحَارَبَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِمَا طَاقَةٌ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّ الرَّأْيَ لِمَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِهِ أَنْ يُعَاجِلَ مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا يَنْتَظِرَ بِهِمُ الِاجْتِمَاعَ وَالْكَثْرَةَ، وَأَنْ يُحْدِقُوا بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَإِنَّهُ إِذَا هَزَمَ مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ، خَافَهُ الْبَاقُونَ، وَلَمْ يَقْدُمُوا عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَزَلْ أَبُو طَالِبٍ يُرَاسِلُهُ إِلَى أَنْ سَارَ نَحْوَ النُّوَبَنْدِجَانِ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ إِحْدَى
стр. 3742
وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهِمَا مُقَدِّمَةُ يَاقُوتٍ فِي نَحْوِ أَلْفَيْ فَارِسٍ مِنْ شُجْعَانِ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا وَافَاهُمُ ابْنُ بُوَيْهِ، لَمْ يَثْبُتُوا لَهُ لَمَّا لَقِيَهُمْ، وَانْهَزَمُوا إِلَى كَرْكَانَ، وَجَاءَهُمْ يَاقُوتٌ فِي جَمِيعِ أَصْحَابِهِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَتَقَدَّمَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى وُكَلَائِهِ بِالنُّوَبَنْدِجَانِ بِخِدْمَةِ ابْنِ بُوَيْهِ، وَالْقِيَامِ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَتَنَحَّى هُوَ عَنِ الْبَلَدِ إِلَى بَعْضِ الْقُرَى، حَتَّى لَا يُعْتَقَدَ فِيهِ الْمُوَاطَأَةُ لَهُ، فَكَانَ مَبْلَغُ مَا خَسِرَ عَلَيْهِ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا مِقْدَارَ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ.
وَأَنْفَذَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ أَخَاهُ رُكْنُ الدَّوْلَةِ الْحَسَنُ إِلَى كَازْرُوَنَ وَغَيْرِهَا مِنْ أَعْمَالِ فَارِسَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا أَمْوَالًا جَلِيلَةً، فَأَنْفَذَ يَاقُوتٌ عَسْكَرًا إِلَى كَازْرُوَنَ، فَوَاقَعَهُمْ رُكْنُ الدَّوْلَةِ، فَهَزَمَهُمْ وَهُوَ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، وَعَادَ غَانِمًا سَالِمًا إِلَى أَخِيهِ.
ثُمَّ إِنَّ عِمَادَ الدَّوْلَةِ انْتَهَى إِلَيْهِ مُرَاسَلَةُ مَرْدَاوَيْجَ وَأَخِيهِ وَشْمَكِيرَ إِلَى يَاقُوتٍ وَمُرَاسَلَتُهُ إِلَيْهِمَا، فَخَافَ اجْتِمَاعَهُمْ، فَسَارَ مِنَ النُّوَبَنْدِجَانِ إِلَى إِصْطَخْرَ ثُمَّ إِلَى الْبَيْضَاءِ، وَيَاقُوتٌ يَتْبَعُهُ، وَانْتَهَى إِلَى قَنْطَرَةٍ عَلَى طَرِيقِ كَرْمَانَ، فَسَبَقَهُ يَاقُوتٌ إِلَيْهَا، وَمَنَعَهُ مِنْ عُبُورِهَا، وَاضْطُرَّ إِلَى الْحَرْبِ، وَذَلِكَ فِي آخِرِ سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] .
وَدَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ]
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اجْتَمَعَتْ بَنُو ثَعْلَبَةَ إِلَى بَنِي أَسَدٍ الْقَاصِدِينَ إِلَى أَرْضِ الْمَوْصِلِ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ طَيٍّ، فَصَارُوا يَدًا وَاحِدَةً عَلَى بَنِي مَالِكٍ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ تَغْلِبَ، وَقَرُبَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ لِلْحَرْبِ، فَرَكِبَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ فِي أَهْلِهِ وَرِجَالِهِ، وَمَعَهُ أَبُو الْأَغَرِّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَمْدَانَ لِلصُّلْحِ بَيْنَهُمْ، فَتَكَلَّمَ أَبُو الْأَغَرِّ، فَطَعَنَهُ رَجُلٌ مِنْ حِزْبِ بَنِي ثَعْلَبَةَ فَقَتَلَهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ وَمَنْ مَعَهُ، فَانْهَزَمُوا وَقُتِلَ مِنْهُمْ، وَمُلِكَتْ بُيُوتُهُمْ، وَأُخِذَ حَرِيمُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَنَجَوْا عَلَى ظُهُورِ خُيُولِهِمْ، وَتَبِعَهُمْ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْحَدِيثَةِ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا لَقِيَهُمْ يَأْنَسُ غُلَامُ مُؤْنِسٍ، وَقَدْ وَلِيَ الْمَوْصِلَ، (وَهُوَ مُصْعِدٌ إِلَيْهَا) ، فَانْضَمَّ إِلَيْهِ بَنُو ثَعْلَبَةَ وَبَنُو أَسَدٍ، وَعَادُوا إِلَى دِيَارِ رَبِيعَةَ.
стр. 3743
وَفِيهَا وَرَدَ الْخَبَرُ إِلَى بَغْدَاذَ بِوَفَاةِ تِكِينَ الْخَاصَّةِ بِمِصْرَ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا، فَوَلِيَ مَكَانَهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ، وَأَرْسَلَ لَهُ الْقَاهِرُ بِاللَّهِ الْخِلَعَ، وَثَارَ الْجُنْدُ بِمِصْرَ، فَقَاتَلَهُمْ مُحَمَّدٌ وَظَفَرَ بِهِمْ.
وَفِيهَا أَمَرَ عَلِيُّ بْنُ بُلَيْقٍ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَكَاتَبَهُ الْحَسَنُ بْنُ هَارُونَ بِلَعْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَابْنِهِ يَزِيدَ عَلَى الْمَنَابِرِ بِبَغْدَادَ، فَاضْطَرَبَتِ الْعَامَّةُ، فَأَرَادَ عَلِيُّ بْنُ بُلْيَقٍ أَنْ يَقْبِضَ عَلَى الْبَرْبَهَارِيِّ رَئِيسِ الْحَنَابِلَةِ، وَكَانَ يُثِيرُ الْفِتَنَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ فَهَرَبَ، فَأَخَذَ جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِهِ، وَحُبِسُوا وَجُعِلُوا فِي زَوْرَقٍ، وَأُحْدِرُوا إِلَى عُمَانَ.
وَفِيهَا أَمَرَ الْقَاهِرُ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالْغِنَاءِ وَسَائِرِ الْأَنْبِذَةِ، وَنَفَى بَعْضَ مَنْ كَانَ يُعْرَفُ بِذَلِكَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، وَأَمَّا الْجَوَارِي الْمُغَنِّيَاتُ فَأَمَرَ بِبَيْعِهِنَّ عَلَى أَنَّهُنَّ سَوَذِاجُ لَا يَعْرِفْنَ الْغِنَاءَ، ثُمَّ وَضَعَ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ كُلَّ حَاذِقَةٍ فِي صَنْعَةِ الْغِنَاءِ، فَاشْتَرَى مِنْهُنَّ مَا أَرَادَ بِأَرْخَصِ الْأَثْمَانِ، وَكَانَ الْقَاهِرُ مُشْتَهِرًا بِالْغِنَاءِ وَالسَّمَاعِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ طَرِيقًا إِلَى تَحْصِيلِ غَرَضِهِ رَخِيصًا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي لَا يَرْضَاهَا عَامَّةُ النَّاسِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ دُرَيْدٍ اللُّغَوِيُّ فِي شَعْبَانَ، وَأَبُو هَاشِمِ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ الْمُتَكَلِّمُ الْمُعْتَزِلِيُّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَدُفِنَا بِمَقَابِرِ الْخَيْزُرَانِ.
стр. 3744
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَطَرٍ الْفِرَبْرِيُّ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي رُوِيَ " صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ " عَنْهُ، (وَكَانَ قَدْ سَمِعَهُ عَشَرَاتُ أُلُوفٍ مِنَ الْبُخَارِيِّ) ، فَلَمْ يَنْتَشِرْ إِلَّا عَنْهُ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى فِرَبْرَ بِالْفَاءِ وَالرَّاءَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَبَيْنَهُمَا بَاءٌ مُعْجَمَةٌ مُوَحَّدَةٌ، وَهِيَ مِنْ قُرَى بُخَارَى.
стр. 3745
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣٢٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ ابْنِ بُوَيْهِ عَلَى شِيرَازَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَفِرَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ (بِيَاقُوتٍ، وَمَلِكِ شِيرَازَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَسِيرَ عِمَادِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ) إِلَى الْقَنْطَرَةِ، وَسَبْقِ يَاقُوتٍ إِلَيْهَا، فَلَمَّا وَصَلَهَا ابْنُ بُوَيْهِ وَصَدَّهُ يَاقُوتٌ عَنْ عُبُورِهَا، اضْطُرَّ إِلَى مُحَارَبَتِهِ، فَتَحَارَبَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَأَحْضَرَ عَلِيُّ بْنُ بُوَيْهِ أَصْحَابَهُ، وَوَعَدَهُمْ (أَنَّهُ يَتَرَجَّلُ مَعَهُمْ عِنْدَ الْحَرْبِ [وَيُقَاتِلُ كَأَحَدِهِمْ] ، وَمَنَّاهُمْ وَوَعَدَهُمُ) الْإِحْسَانَ. وَكَانَ مِنْ سَعَادَتِهِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَأْمَنُوا إِلَى يَاقُوتٍ فَحِينَ رَآهُمْ يَاقُوتٌ، أَمَرَ بِضَرْبِ رِقَابِهِمْ، فَأَيْقَنَ مَنْ مَعَ ابْنِ بُوَيْهِ أَنَّهُمْ لَا أَمَانَ لَهُمْ عِنْدَهُ، فَقَاتَلُوا قِتَالَ مُسْتَقْتِلٍ.
ثُمَّ إِنَّ يَاقُوتًا قَدَّمَ أَمَامَ أَصْحَابِهِ رَجَّالَةً كَثِيرَةً يُقَاتِلُونَ بِقَوَارِيرِ النَّفْطِ، فَانْقَلَبَتِ الرِّيحُ فِي وُجُوهِهِمْ، وَاشْتَدَّتْ، فَلَمَّا أَلْقَوُا النَّارَ عَادَتِ النَّارُ عَلَيْهِمْ، فَعَلَقَتْ بِوُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، فَاخْتَلَطُوا وَأَكَبَّ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ ابْنِ بُوَيْهِ، فَقَتَلُوا أَكْثَرَ الرَّجَّالَةِ، وَخَالَطُوا الْفُرْسَانَ فَانْهَزَمُوا، فَكَانَتِ الدَّائِرَةُ عَلَى يَاقُوتٍ وَأَصْحَابِهِ.
فَلَمَّا انْهَزَمَ صَعِدَ عَلَى نَشَزٍ مُرْتَفِعٍ، وَنَادَى فِي أَصْحَابِهِ الرَّجْعَةَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَحْوُ أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَقَالَ لَهُمْ: اثْبُتُوا، فَإِنَّ الدَّيْلَمَ يَشْتَغِلُونَ بِالنَّهْبِ، وَيَتَفَرَّقُونَ، فَنَأْخُذُهُمْ، فَثَبَتُوا مَعَهُ، فَلَمَّا رَأَى ابْنَ بُوَيْهِ ثَبَاتَهُمْ، نَهَى أَصْحَابَهُ عَنِ النَّهْبِ، وَقَالَ: إِنَّ عَدُوَّكُمْ يَرْصُدُكُمْ لِتَشْتَغِلُوا بِالنَّهْبِ، فَيَعْطِفَ عَلَيْكُمْ وَيَكُونَ هَلَاكُكُمْ، فَاتْرُكُوا هَذَا، وَافْرَغُوا مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ ثُمَّ عُودُوا إِلَيْهِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَى يَاقُوتٌ أَنَّهُمْ عَلَى قَصْدِهِ، وَلَّى مُنْهَزِمًا وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُ ابْنِ بُوَيْهِ، يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ وَيَغْنَمُونَ الْخَيْلَ وَالسِّلَاحَ.
стр. 3746
وَكَانَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ بُوَيْهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ أَثَرًا، وَكَانَ صَبِيًّا لَمْ تَنْبُتْ لِحْيَتُهُ، وَكَانَ عُمُرُهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى السَّوَادِ، فَغَنِمُوا وَوَجَدُوا فِي سَوَادِهِ بَرَانِسَ لُبُودٍ عَلَيْهَا أَذْنَابُ الثَّعَالِبِ، وَوَجَدُوا قُيُودًا وَأَغْلَالًا، فَسَأَلُوا عَنْهَا، فَقَالَ أَصْحَابُ يَاقُوتٍ: إِنَّ هَذِهِ أُعِدَّتْ لَكُمْ لِتُجْعَلَ عَلَيْكُمْ، وَيُطَافَ بِكُمْ فِي الْبِلَادِ، فَأَشَارَ أَصْحَابُ ابْنِ بُوَيْهِ أَنْ يُفْعَلَ بِهِمْ (مِثْلُ ذَلِكَ) ، فَامْتَنَعَ وَقَالَ: إِنَّهُ بَغْيٌ، وَلُؤْمُ ظَفْرٍ، وَلَقَدْ لَقِيَ يَاقُوتٌ بَغْيَهُ.
ثُمَّ أَحْسَنَ إِلَى الْأَسَارَى وَأَطْلَقَهُمْ، وَقَالَ: هَذِهِ نِعْمَةٌ، وَالشُّكْرُ عَلَيْهَا وَاجِبٌ يَقْتَضِي الْمَزِيدَ، وَخَيَّرَ الْأَسَارَى بَيْنَ الْمُقَامِ عِنْدَهُ وَاللُّحُوقِ بِيَاقُوتٍ، فَاخْتَارُوا الْمُقَامَ عِنْدَهُ، فَخَلَعَ عَلَيْهِمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ.
وَسَارَ مِنْ مَوْضِعِ الْوَقْعَةِ حَتَّى نَزَلَ بِشِيرَازَ، وَنَادَى فِي النَّاسِ بِالْأَمَانِ، وَبَثَّ الْعَدْلَ، وَأَقَامَ لَهُمْ شِحْنَةً يَمْنَعُ مَنْ ظَلَمَهُمْ، وَاسْتَوْلَى عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ، وَطَلَبَ الْجُنْدُ أَرْزَاقَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُعْطِيهِمْ، فَكَادَ يَنْحَلُّ أَمْرُهُ، فَقَعَدَ فِي غُرْفَةٍ فِي دَارِ الْإِمَارَةِ بِشِيرَازَ يُفَكِّرُ فِي أَمْرِهِ، فَرَأَى حَيَّةً خَرَجَتْ مِنْ مَوْضِعٍ فِي سَقْفِ تِلْكَ الْغُرْفَةِ، وَدَخَلَتْ فِي ثُقْبٍ هُنَاكَ، فَخَافَ أَنْ تَسْقُطَ عَلَيْهِ، فَدَعَا الْفَرَّاشِينَ، فَفَتَحُوا الْمَوْضِعَ، فَرَأَوْا وَرَاءَهُ بَابًا، فَدَخَلُوهُ إِلَى غُرْفَةٍ أُخْرَى، وَفِيهَا عَشَرَةُ صَنَادِيقَ مَمْلُوءَةٌ مَالًا وَمَصُوغًا، وَكَانَ فِيهَا مَا قِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَأَنْفَقَهَا، وَثَبَّتَ مُلْكَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الزَّوَالِ.
وَحُكِيَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُفَصِّلَ ثِيَابًا، فَدَلُّوهُ عَلَى خَيَّاطٍ كَانَ لِيَاقُوتٍ، فَأَحْضَرَهُ، فَحَضَرَ خَائِفًا، وَكَانَ أَصَمَّ، فَقَالَ لَهُ عِمَادُ الدَّوْلَةِ: لَا تَخَفْ، فَإِنَّمَا أَحْضَرْنَاكَ لِتُفَصِّلَ ثِيَابًا، فَلَمْ يَعْلَمْ مَا قَالَ، فَابْتَدَأَ وَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الصَّنَادِيقَ الَّتِي عِنْدَهُ لِيَاقُوتٍ مَا فَتَحَهَا، فَتَعَجَّبَ الْأَمِيرُ مِنْ هَذَا الِاتِّفَاقِ، فَأَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا، فَأَحْضَرَ ثَمَانِيَةَ صَنَادِيقَ فِيهَا مَالٌ وَثِيَابٌ قِيمَتُهُ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مِنْ وَدَائِعِ يَاقُوتٍ وَذَخَائِرِ يَعْقُوبَ وَعَمْرٍو ابْنَيِ اللَّيْثِ جُمْلَةٌ كَثِيرَةٌ، فَامْتَلَأَتْ خَزَائِنُهُ وَثَبَتَ مُلْكُهُ.
فَلَمَّا تَمَكَّنَ مِنْ شِيرَازَ وَفَارِسَ، كَتَبَ إِلَى الرَّاضِي بِاللَّهِ، وَكَانَتْ قَدْ أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَإِلَى وَزِيرِهِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ يُعَرِّفُهُمَا أَنَّهُ عَلَى الطَّاعَةِ،
стр. 3747
وَيَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُقَاطِعَ عَلَى مَا بِيَدِهِ مِنَ الْبِلَادِ، وَبَذَلَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، فَأَنْفَذُوا لَهُ الْخِلَعَ، وَشَرَطُوا عَلَى الرَّسُولِ أَنْ لَا يُسَلِّمَ إِلَيْهِ الْخِلَعَ إِلَّا بَعْدَ قَبْضِ الْمَالِ.
فَلَمَّا وَصَلَ الرَّسُولُ، خَرَجَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ إِلَى لِقَائِهِ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْخِلَعَ وَاللِّوَاءَ، فَذَكَرَ لَهُ الشَّرْطَ، فَأَخَذَهُمَا مِنْهُ قَهْرًا، وَلَبِسَ الْخِلَعَ، وَنَشَرَ اللِّوَاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَدَخَلَ الْبَلَدَ، وَغَالَطَ الرَّسُولَ بِالْمَالِ، فَمَاتَ الرَّسُولُ عِنْدَهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ، وَقَصَدَهُ الرِّجَالُ مِنَ الْأَطْرَافِ.
وَلَمَّا سَمِعَ مَرْدَاوَيْجُ بِمَا نَالَهُ مِنِ ابْنِ بُوَيْهِ، قَامَ لِذَلِكَ وَقَعَدَ وَسَارَ إِلَى أَصْبَهَانَ لِلتَّدْبِيرِ عَلَيْهِ، وَكَانَ بِهَا أَخُوهُ وَشْمَكِيرُ ; لِأَنَّهُ لَمَّا خَلَعَ الْقَاهِرُ، وَتَأَخَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتٍ عَنْهَا، عَادَ إِلَيْهَا وَشْمَكِيرُ بَعْدَ أَنْ بَقِيَتْ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا خَالِيَةً مِنْ أَمِيرٍ، فَلَمَّا وَصَلَهَا مَرْدَاوَيْجُ، رَدَّ أَخَاهُ وَشْمَكِيرَ إِلَى الرَّيِّ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ عَلَى كَرْمَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِلْيَاسَ مِنْ نَاحِيَةِ كَرْمَانَ إِلَى بِلَادِ فَارِسَ، وَبَلَغَ إِصْطَخْرَ، فَأَظْهَرَ لِيَاقُوتٍ أَنَّهُ يُرِيدُ [أَنْ] يَسْتَأْمِنَ إِلَيْهِ حِيلَةً وَمَكْرًا، فَعَلِمَ يَاقُوتٌ مَكْرَهُ، فَعَادَ إِلَى كَرْمَانَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ السَّعِيدُ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ صَاحِبُ خُرَاسَانَ، مَاكَانَ بْنَ كَالِي فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ ابْنُ إِلْيَاسَ، وَاسْتَوْلَى مَاكَانُ عَلَى كَرْمَانَ، نِيَابَةً عَنْ صَاحِبِ خُرَاسَانَ.
وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ إِلْيَاسَ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ، فَغَضِبَ عَلَيْهِ وَحَبَسَهُ، ثُمَّ شَفَعَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَلْعَمِيُّ، فَأَخْرَجَهُ، وَسَيَّرَهُ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ إِلَى جُرْجَانَ، فَلَمَّا خَرَجَ يَحْيَى بْنُ أَحْمَدَ وَإِخْوَتُهُ بِبُخَارَى، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، سَارَ مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 3748
إِلْيَاسَ إِلَيْهِ فَصَارَ مَعَهُ، فَلَمَّا أَدْبَرَ أَمْرُهُ سَارَ مُحَمَّدٌ مِنْ نَيْسَابُورَ إِلَى كَرْمَانَ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، فَأَزَالَهُ مَاكَانُ عَنْهَا، فَسَارَ إِلَى الدِّينَوَرِ، وَأَقَامَ مَاكَانُ بِكَرْمَانَ، فَلَمَّا عَادَ عَنْهَا - عَلَى مَا نَذْكُرُهُ - رَجَعَ إِلَيْهَا مُحَمَّدُ بْنُ إِلْيَاسَ.
ذِكْرُ خَلْعِ الْقَاهِرِ بِاللَّهِ
وَفِيهَا خُلِعَ الْقَاهِرُ بِاللَّهِ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ كَانَ مُسْتَتِرًا مِنَ الْقَاهِرِ، وَالْقَاهِرُ يَتَطَلَّبُهُ، وَكَذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ هَارُونَ، فَكَانَا يُرَاسِلَانِ قُوَّادَ السَّاجِيَّةِ، وَالْحَجَرِيَّةِ، وَيُخَوِّفَانِهِمْ مِنْ شَرِّهِ، وَيَذْكُرَانِ لَهُمْ غَدْرَهُ وَنَكْثَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، كَقَتْلِ مُؤْنِسٍ، وَبُلَيْقٍ، وَابْنِهِ عَلِيٍّ بَعْدَ الْأَيْمَانِ لَهُمْ، وَكَقَبْضِهِ عَلَى طَرِيفٍ السُّبْكَرِيِّ بَعْدَ الْيَمِينِ لَهُ، مَعَ نُصْحِ طَرِيفٍ لَهُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَكَانَ ابْنُ مُقْلَةَ يَجْتَمِعُ بِالْقُوَّادِ لَيْلًا، تَارَةً فِي زِيِّ أَعْمَى، وَتَارَةً فِي زِيِّ مُكَدٍّ، وَتَارَةً فِي زِيِّ امْرَأَةٍ، وَيُغْرِيهِمْ بِهِ.
ثُمَّ إِنَّهُ أَعْطَى مُنَجِّمًا كَانَ لِسِيمَا مِائَتَيْ دِينَارٍ، وَأَعْطَاهُ الْحَسَنُ مِائَةَ دِينَارٍ، وَكَانَ يَذْكُرُ لِسِيمَا أَنَّ طَالِعَهُ يَقْتَضِي أَنْ يَنْكُبَهُ الْقَاهِرُ وَيَقْتُلَهُ، (وَأَعْطَى ابْنَ مُقْلَةَ أَيْضًا) لِمُعَبِّرٍ كَانَ لِسِيمَا يَعَبِّرُ لَهُ الْمَنَامَاتِ، فَكَانَ يُحَذِّرُهُ أَيْضًا مِنَ الْقَاهِرِ، وَيُعَبِّرُ لَهُ عَلَى مَا يُرِيدُ، فَازْدَادَ نُفُورًا (مِنَ الْقَاهِرِ) .
ثُمَّ إِنَّ الْقَاهِرَ شَرَعَ فِي عَمَلِ مَطَامِيرَ فِي الدَّارِ، فَقِيلَ لِسِيمَا وَلِجَمَاعَةِ قُوَّادِ السَّاجِيَّةِ وَالْحَجَرِيَّةِ: إِنَّمَا عَمَلُهَا لِأَجْلِكُمْ، فَازْدَادَا نُفُورًا، وَنَقَلَ إِلَى سِيمَا أَنَّ الْقَاهِرَ يُرِيدُ قَتْلَهُ،
стр. 3749
فَجَمَعَ السَّاجِيَّةَ، وَكَانَ هُوَ رَئِيسَهُمُ الْمُقَدَّمَ عَلَيْهِمْ، وَأَعْطَاهُمُ السِّلَاحَ، وَأَنْفَذُوا إِلَى الْحَجَرِيَّةِ: إِنْ كُنْتُمْ مُوَافِقِينَ لَنَا، فَجِيئُوا إِلَيْنَا حَتَّى نَحْلِفَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ، وَتَكُونَ كَلِمَتُنَا وَاحِدَةً، فَاجْتَمَعُوا جَمِيعُهُمْ، وَتَحَالَفُوا عَلَى اجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ وَقَتْلِ مَنْ خَالَفَ مِنْهُمْ.
فَاتَّصَلَ ذَلِكَ بِالْقَاهِرِ وَوَزِيرِهِ الْخُصَيْبِيِّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الْوَزِيرُ: مَا الَّذِي حَمَلَكُمْ عَلَى هَذَا؟ فَقَالُوا: قَدْ صَحَّ عِنْدَنَا أَنَّ الْقَاهِرَ يُرِيدُ الْقَبْضَ عَلَى سِيمَا، وَقَدْ عَمِلَ مَطَامِيرَ لِيَحْبِسَ فِيهَا قُوَّادَنَا وَرُؤَسَاءَنَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، اجْتَمَعَ السَّاجِيَّةُ وَالْحَجَرِيَّةُ عِنْدَ سِيمَا، وَتَحَالَفُوا عَلَى الِاجْتِمَاعِ عَلَى الْقَبْضِ عَلَى الْقَاهِرِ، فَقَالَ لَهُمْ سِيمَا: قُومُوا بِنَا السَّاعَةَ حَتَّى نُمْضِيَ هَذَا الْعَزْمَ، فَإِنَّهُ إِنْ تَأَخَّرَ عَلِمَ بِهِ، وَاحْتَرَزَ وَأَهْلَكَنَا.
وَبَلَغَ ذَلِكَ الْوَزِيرَ، فَأَرْسَلَ الْحَاجِبَ سَلَامَةَ وَعِيسَى الطَّبِيبَ لِيُعْلِمَاهُ بِذَلِكَ، فَوَجَدَاهُ نَائِمًا قَدْ شَرِبَ أَكْثَرَ لَيْلَتِهِ، فَلَمْ يَقْدِرَا عَلَى إِعْلَامِهِ بِذَلِكَ.
وَزَحَفَ الْحَجَرِيَّةُ وَالسَّاجِيَّةُ إِلَى الدَّارِ، وَوَكَّلَ سِيمَا بِأَبْوَابِهَا مَنْ يَحْفَظُهَا، وَبَقِيَ هُوَ عَلَى بَابِ الْعَامَّةِ، وَهَجَمُوا إِلَى الدَّارِ مِنْ سَائِرِ الْأَبْوَابِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْقَاهِرُ الْأَصْوَاتَ وَالْجَلَبَةَ، اسْتَيْقَظَ مَخْمُورًا، وَطَلَبَ بَابًا يَهْرُبُ مِنْهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الْأَبْوَابَ جَمِيعُهَا مَشْحُونَةً بِالرِّجَالِ، فَهَرَبَ إِلَى سَطْحِ حَمَّامٍ، فَلَمَّا دَخَلَ الْقَوْمُ لَمْ يَجِدُوهُ، فَأَخَذُوا الْخَدَمَ وَسَأَلُوهُمْ عَنْهُ، فَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ خَادِمٌ صَغِيرٌ، فَقَصَدُوهُ، فَرَأَوْهُ وَبِيَدِهِ السَّيْفُ، فَاجْتَهَدُوا بِهِ فَلَمْ يَنْزِلْ لَهُمْ، فَأَلَانُوا لَهُ الْقَوْلَ، وَقَالُوا: نَحْنُ عَبِيدُكَ، وَإِنَّمَا نُرِيدُ أَنْ نَأْخُذَ عَلَيْكَ الْعُهُودَ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَقَالَ: مَنْ صَعِدَ إِلَيَّ قَتَلْتُهُ. فَأَخَذَ بَعْضُهُمْ سَهْمًا، وَقَالَ: إِنْ نَزَلْتَ، وَإِلَّا وَضَعْتُهُ فِي نَحْرِكَ. فَنَزَلَ حِينَئِذٍ إِلَيْهِمْ، فَأَخَذُوهُ وَسَارُوا بِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ طَرِيفٌ السُّبْكَرِيُّ، فَفَتَحُوهُ وَأَخْرَجُوهُ مِنْهُ، وَحَبَسُوا الْقَاهِرَ مَكَانَهُ، ثُمَّ سَلَّمُوهُ، وَهَرَبَ وَزِيرُهُ الْخُصَيْبِيُّ وَسَلَامَةُ حَاجِبُهُ.
وَقِيلَ فِي سَبَبِ خَلْعِهِ وَقِيَامِ السَّاجِيَّةِ وَالْحَجَرِيَّةِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَنَّ الْقَاهِرَ لَمَّا تَمَكَّنَ مِنَ الْخِلَافَةِ، أَقْبَلَ يَنْقُصُ السَّاجِيَّةَ وَالْحَجَرِيَّةَ عَلَى مَمَرِّ الْأَيَّامِ، وَلَا يَقْضِي لِأَكَابِرِهِمْ حَاجَةً، وَيُلْزِمُهُمُ النَّوْبَةَ فِي دَارِهِ، وَيُؤَخِّرُ أُعْطِيَاتِهِمْ، وَيُغْلِطُ لِمَنْ يُخَاطِبُهُ مِنْهُمْ فِي أَمْرٍ، وَيَحْرِمُهُ، فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ يُنْذِرُ بَعْضًا، وَيَتَشَاكَوْنَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِسَلَامَةَ
стр. 3750
حَاجِبِهِ: يَا سَلَامَةُ، أَنْتَ بَيْنَ يَدَيَّ كَنْزُ مَالٍ يَمْشِي، فَأَيُّ شَيْءٍ يَبِينُ فِي مَالِكَ لَوْ أَعْطَيْتَنِي أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ؟ فَيَحْمِلُ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى الْهَزْلِ.
وَكَانَ وَزِيرُهُ الْخُصَيْبِيُّ أَيْضًا خَائِفًا لِمَا يَرَى مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّهُ حَفَرَ فِي الدَّارِ نَحْوَ خَمْسِينَ مَطْمُورَةً تَحْتَ الْأَرْضِ، وَأَحْكَمَ أَبْوَابَهَا، فَكَانَ يُقَالُ: إِنَّهُ عَمِلَهَا لِمُقَدِّمِي السَّاجِيَّةِ وَالْحَجَرِيَّةِ، فَازْدَادَ نُفُورُهُمْ مِنْهُ وَخَوْفُهُمْ، ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْقَرَامِطَةِ أَخَذُوا بِفَارِسَ وَأَرْسَلُوا إِلَى بَغْدَاذَ، كَمَا تَقَدَّمَ، فَحُبِسُوا فِي تِلْكَ الْمَطَامِيرِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ سِرًّا بِفَتْحِ الْأَبْوَابِ عَلَيْهِمْ، وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَقْوَى بِهِمْ عَلَى الْقَبْضِ عَلَى مُقَدِّمِي الْحَجَرِيَّةِ وَالسَّاجِيَّةِ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ غِلْمَانِهِ.
وَأَنْكَرَ الْحَجَرِيَّةُ وَالسَّاجِيَّةُ حَالَ الْقَرَامِطَةِ، وَكَوْنِهِمْ مَعَهُ فِي دَارِهِ مُحْسِنًا إِلَيْهِمْ، وَقَالُوا لِوَزِيرِهِ الْخُصَيْبِيِّ، وَحَاجِبِهِ سَلَامَةَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَا لَهُ، فَأَخْرَجَهُمْ مِنَ الدَّارِ، فَسَلَّمَهُمْ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتٍ، وَهُوَ عَلَى شُرْطَةِ بَغْدَاذَ، فَأَنْزَلَهُمْ فِي دَارٍ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ يَدْخُلُ إِلَيْهِمْ مَنْ يُرِيدُ، فَعَظُمَ اسْتِيحَاشُهُمْ.
ثُمَّ صَارَ يَذُمُّهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَيُظْهِرُ كَرَاهَتَهُمْ، حَتَّى تَبَيَّنُوا ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ وَحَرَكَاتِهِ مَعَهُمْ، فَأَظْهَرُوا أَنَّ لِبَعْضِ قُوَّادِهِمْ عُرْسًا، فَاجْتَمَعُوا بِحُجَّتِهِ، وَقَرَّرُوا بَيْنَهُمْ مَا أَرَادُوا، وَافْتَرَقُوا، وَأَرْسَلُوا إِلَى سَابُوُرَ خَادِمِ وَالِدَةِ الْمُقْتَدِرِ، فَقَالُوا لَهُ: قَدْ عَلِمْتَ مَا فَعَلَهُ بِمَوْلَاتِكَ، وَقَدْ رَكِبَتْ فِي مُوَافَقَتِهِ كُلَّ عَظِيمٍ، فَإِنْ وَافَقْتَنَا عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمْتَ إِلَى الْخَدَمِ بِحِفْظِهِ، فَعَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ مِنْكَ، وَإِلَّا فَنَحْنُ نَبْدَأُ بِكَ، فَأَعْلَمَهُمْ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْخَوْفِ وَالْكَرَاهَةِ لِلْقَاهِرِ، وَأَنَّهُ مُوَافِقُهُمْ، وَكَانَ ابْنُ مُقْلَةَ مَعَ هَذَا يَصْنَعُ عَلَيْهِ وَيَسْعَى فِيهِ إِلَى أَنْ خُلِعَ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَةً وَاحِدَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ.
ذِكْرُ خِلَافَةِ الرَّاضِي بِاللَّهِ
هُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ، وَلَمَّا قُبِضَ الْقَاهِرُ سَأَلُوا الْخَدَمَ عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْمُقْتَدِرِ، فَدَلُّوهُمْ عَلَيْهِ، وَكَانَ هُوَ وَوَالِدَتُهُ مَحْبُوسِينَ، فَقَصَدُوهُ،
следующие страницы →