Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.
стр. 3816
إِلَى السُّوسِ وَالْأَهْوَازِ، وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَوْقَاتَ، وَكَانَ عَازِمًا عَلَى قَصْدِ بَغْدَاذَ إِذَا أَبْعَدَ عَنْهَا بُجْكُمَ لِيَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا، وَهُوَ يُقَدِّمُ رَجْلًا وَيُؤَخِّرُ أُخْرَى، وَيَنْتَظِرُ بِهِ الدَّوَائِرَ مِنْ هَزِيمَةٍ أَوْ قَتْلٍ. وَأَقَامَ أَبُو زَكَرِيَّاءَ عِنْدَهُ نَحْوَ شَهْرٍ يَحُثُّهُ عَلَى الْمَسِيرِ، وَهُوَ يُغَالِطُهُ، فَعَلِمَ أَبُو زَكَرِيَّاءَ مَقْصُودَهُ، فَكَتَبَ إِلَى بُجْكُمَ، فَلَحِقَهُ الْخَبَرُ وَهُوَ سَائِرٌ، فَرَكِبَ الْجَمَّازَاتِ وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَخَلَّفَ عَسْكَرَهُ وَرَاءَهُ.
وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى الْبَرِيدِيِّ بِدُخُولِ بُجْكُمَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَسَقَطَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ أَتَتْهُ الْأَخْبَارُ بِأَنَّ بُجْكُمَ قَدْ سَارَ نَحْوَهُ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ بُجْكُمَ عَلَى وَاسِطَ
لَمَّا عَادَ بُجْكُمُ إِلَى بَغْدَاذَ، تَجَهَّزَ لِلِانْحِدَارِ إِلَى وَاسِطَ، وَحَفِظَ الطُّرُقَ لِئَلَّا يَصِلَ خَبَرُهُ إِلَى الْبَرِيدِيِّ فَيَتَحَرَّزَ، وَانْحَدَرَ هُوَ فِي الْمَاءِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، وَسَيَّرَ عَسْكَرَهُ فِي الْبَرِّ، وَأَسْقَطَ اسْمَ الْبَرِيدِيِّ مِنَ الْوِزَارَةِ، وَجَعَلَ مَكَانَهُ أَبَا الْقَاسِمِ سُلَيْمَانَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ مُخَلَّدٍ، وَكَانَتْ وِزَارَةُ الْبَرِيدِيِّ سَنَةً وَاحِدَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقُبِضَ عَلَى ابْنِ شَيْرَزَادَ ; لِأَنَّهُ هُوَ كَانَ سَبَبَ وَصْلَتِهِ بِالْبَرِيدِيِّ، (وَأَخَذَ مِنْهُ مَائَةً وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ) .
فَمِنْ عَجِيبِ الِاتِّفَاقِ أَنَّ بُجْكُمَ كَانَ لَهُ كَاتِبٌ عَلَى أَمْرِ دَارِهِ وَحَاشِيَتِهِ، وَهُوَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ عِنْدَ انْحِدَارِهِ إِلَى وَاسِطَ، فَجَاءَ طَائِرٌ فَسَقَطَ عَلَى صَدْرِ السَّفِينَةِ، فَأُخِذَ وَأُحْضِرَ عِنْدَ بُجْكُمَ، فَوَجَدَ عَلَى ذَنَبِهِ كِتَابًا فَفَتَحَهُ، وَإِذَا هُوَ مِنْ هَذَا الْكَاتِبِ إِلَى أَخٍ لَهُ مَعَ الْبَرِيدِيِّ، يُخْبِرُهُ بِخَبَرِ بُجْكُمَ، وَمَا هُوَ عَازِمٌ عَلَيْهِ، فَأَلْقَى الْكِتَابَ إِلَيْهِ، فَاعْتَرَفَ بِهِ إِذْ لَمْ يُمْكِنُهُ جَحْدُهُ ; لِأَنَّهُ بِخَطِّهِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقُتِلَ وَأَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ.
وَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُ بُجْكُمَ إِلَى الْبَرِيدِيِّ سَارَ عَنْ وَاسِطَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَلَمْ يُقِمْ بِهَا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا بُجْكُمُ لَمْ يَجِدْ بِهَا أَحَدًا، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَكَانَ بُجْكُمُ قَدْ خَلَّفَ عَسْكَرًا بِبَلَدِ الْجَبَلِ، (قَصْدُهُمُ الدَّيْلَمُ وَالْجِيلُ) ، فَانْهَزَمُوا وَعَادُوا إِلَى بَغْدَاذَ.
стр. 3817
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ ابْنِ رَائِقٍ عَلَى الشَّامِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْلَى ابْنُ رَائِقٍ عَلَى الشَّامِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَسِيرَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ، فَلَمَّا دَخَلَ الشَّامَ، قَصَدَ مَدِينَةَ حِمْصَ فَمَلَكَهَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى دِمَشْقَ، وَبِهَا بَدْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْإِخْشِيدِيُّ الْمَعْرُوفُ بِبُدَيْرٍ، وَالِيًا عَلَيْهَا لِلْإِخْشِيدِ، فَأَخْرَجَهُ ابْنُ رَائِقٍ مِنْهَا وَمَلَكَهَا، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى (الرَّمْلَةِ فَمَلَكَهَا.
وَسَارَ إِلَى) عَرِيشِ مِصْرَ يُرِيدُ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ، فَلَقِيَهُ الْإِخْشِيدُ مُحَمَّدُ بْنُ طُغْجَ، وَحَارَبَهُ، فَانْهَزَمَ الْإِخْشِيدُ، فَاشْتَغَلَ أَصْحَابُ ابْنِ رَائِقٍ بِالنَّهْبِ، وَنَزَلُوا فِي خِيَمِ أَصْحَابِ الْإِخْشِيدِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ كَمِينٌ لِلْإِخْشِيدِ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ وَهَزَمَهُمْ وَفَرَّقَهُمْ، وَنَجَا ابْنُ رَائِقٍ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا، وَوَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ عَلَى أَقْبَحِ صُورَةٍ.
فَسَيَّرَ إِلَيْهِ الْإِخْشِيدُ أَخَاهُ أَبَا نَصْرِ بْنَ طُغْجَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمُ ابْنُ رَائِقٍ، سَارَ إِلَيْهِمْ مِنْ دِمَشْقَ، فَالْتَقَوْا بِاللُّجُونِ رَابِعَ ذِي الْحِجَّةِ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ أَبِي نَصْرٍ وَقُتِلَ هُوَ، فَأَخَذَهُ ابْنُ رَائِقٍ وَكَفَّنَهُ وَحَمَلَهُ إِلَى أَخِيهِ الْإِخْشِيدِ، (وَهُوَ بِمِصْرَ، وَأَنْفَذَ مَعَهُ ابْنَهُ مُزَاحِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ رَائِقٍ، وَكَتَبَ إِلَى الْإِخْشِيدِ) كِتَابًا يُعَزِّيهِ عَنْ أَخِيهِ، وَيَعْتَذِرُ مِمَّا جَرَى وَيَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ قَتْلَهُ، وَأَنَّهُ قَدْ أَنْفَذَ ابْنَهُ لِيَفْدِيَهُ بِهِ إِنْ أَحَبَّ ذَلِكَ، فَتَلَقَّى الْإِخْشِيدُ مُزَاحِمًا بِالْجَمِيلِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَرَدَّهُ إِلَى أَبِيهِ، وَاصْطَلَحَا عَلَى أَنْ تَكُونَ الرَّمْلَةُ وَمَا وَرَاءَهَا إِلَى مِصْرَ لِلْإِخْشِيدِ، وَبَاقِي الشَّامِ لِمُحَمَّدِ بْنِ رَائِقٍ، وَيَحْمِلُ إِلَيْهِ الْإِخْشِيدُ (عَنِ الرَّمْلَةِ) (كُلَّ سَنَةٍ) مِائَةَ أَلْفٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ.
ذِكْرُ عِدَّةَ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ طَرِيفُ السُّبْكَرِيُّ.
стр. 3818
(وَفِيهَا عَزَلَ بُجْكُمُ وَزِيرَهُ أَبَا جَعْفَرِ بْنَ شَيْرَزَادَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَصَادَرَهُ عَلَى مِائَةٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَاسْتَوْزَرَ بَعْدَهُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيَّ) .
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ أَبُو جَعْفَرٍ الْكُلَيْنِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِمَامِيَّةِ وَعُلَمَائِهِمْ.
(الْكُلَيْنِيُّ: بِالْيَاءِ الْمُعْجَمَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتٍ ثُمَّ بِالنُّونِ، وَهُوَ مُمَالٌ) .
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ الْمُقْرِئُ الْبَغْدَاذِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ شَنَبُوذَ فِي صَفَرٍ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ الْمُرْتَعِشُ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ مَشَايِخِ الصُّوفِيَّةِ، وَهُوَ نَيْسَابُورِيٌّ سَكَنَ بَغْدَاذَ، وَقَاضِي الْقُضَاةِ عُمَرُ بْنُ أَبِي عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، وَكَانَ قَدْ وَلِيَ الْقَضَاءَ بَعْدَ أَبِيهِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْأَنْبَارِيِّ، وَهُوَ مُصَنِّفُ كِتَابِ الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ.
стр. 3819
وَفِيهَا فِي حَادِي عَشَرَ شَوَّالٍ مَاتَ الْوَزِيرُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُقْلَةَ فِي الْحَبْسِ.
وَفِيهَا لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ شَوَّالٍ، تُوفِّي الْوَزِيرُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْخُصَيْبِيُّ بِسَكْتَةٍ لَحِقَتْهُ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ مُقْلَةٍ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُمِّيُّ، وَزِيرُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، فَاسْتَوْزَرَ بَعْدَهُ أَبَا الْفَضْلِ بْنَ الْعَمِيدِ، فَتَمَكَّنَ مِنْهُ، فَنَالَ مَا لَمْ يَنَلْهُ أَحَدٌ مِنْ وُزَرَاءِ بَنِي بُوَيْهِ، وَسَيَرِدُ مِنْ أَخْبَارِهِ مَا يُعْلَمُ بِهِ مَحَلُّهُ.
стр. 3820
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣٢٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ مَوْتِ الرَّاضِي بِاللَّهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ الرَّاضِي بِاللَّهِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُقْتَدِرِ مُنْتَصَفَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سِتَّ سِنِينَ (وَعَشَرَةَ أَشْهُرٍ) وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ عُمُرُهُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَشُهُورًا، وَكَانَتْ عِلَّتُهُ الِاسْتِسْقَاءَ، وَكَانَ أَدِيبًا شَاعِرًا، فَمِنْ شِعْرِهِ:
يَصْفَرُّ وَجْهِي إِذَا تَأَمَّلَهُ ... طَرْفِي وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ خَجَلَا
حَتَّى كَأَنَّ الَّذِي بِوَجْنَتِهِ ... مِنْ دَمِ جِسْمِي إِلَيْهِ قَدْ نُقِلَا
وَلَهُ أَيْضًا يَرْثِي أَبَاهُ الْمُقْتَدِرَ:
وَلَوْ أَنَّ حَيًّا كَانَ قَبْرًا لِمَيِّتٍ ... لَصَيَّرْتُ أَحْشَائِي لِأَعْظُمِهِ قَبْرًا
وَلَوْ أَنَّ عُمُرِي كَانَ طَوْعَ مَشِيئَتِي ... وَسَاعَدَنِي التَّقْدِيرُ قَاسَمْتُهُ الْعُمُرَا
بِنَفْسِي ثَرَىً ضَاجَعْتُ فِي تُرْبِهِ الْبِلَى ... لَقَدْ ضَمَّ مِنْكَ الْغَيْثَ وَاللَّيْثَ وَالْبَدْرَا
стр. 3821
وَمِنْ شِعْرِهِ أَيْضًا:
كُلُّ صَفْوٍ إِلَى كَدَرْ ... كُلُّ أَمْنٍ إِلَى حَذَرْ
وَمَصِيرُ الشَّبَابِ لِلْ ... مَوْتِ فِيهِ أَوِ الْكَدَرْ
دَرَّ دَرُّ الْمَشِيبِ مِنْ ... وَاعِظٍ يُنْذِرُ الْبَشَرْ
أَيُّهَا الْآمِلُ الَّذِي ... تَاهَ فِي لُجَّةِ الْغَرَرْ
أَيْنَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا ... دَرَسَ الْعَيْنُ وَالْأَثَرْ
سَيَرُدُّ الْمَعَادُ مَنْ ... عُمُرُهُ كُلُّهُ خَطَرْ
رَبِّ إِنِّي ذَخَرْتُ عِنْ ... دَكَ أَرْجُوكَ مُدَّخَرْ
إِنَّنِي مُؤْمِنٌ بِمَا بَيْ ... نَ الْوَحْيِ فِي السُّوَرْ
وَاعْتِرَافِي بِتَرْكِ نَفْ ... عِي وَإِيثَارِي الضَّرَرْ
رَبِّ فَاغْفِرْ لِي الْخَطِي ... ئَةَ يَا خَيْرَ مَنْ غَفَرْ
وَكَانَ الرَّاضِي أَيْضًا سَمْحًا، سَخِيًّا، يُحِبُّ مُحَادَثَةَ الْأُدَبَاءِ وَالْفُضَلَاءِ وَالْجُلُوسَ مَعَهُمْ.
وَلَمَّا مَاتَ أَحْضَرَ بُجْكُمُ نُدَمَاءَهُ وَجُلَسَاءَهُ، وَطَمِعَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِمْ، فَلَمْ يَفْهَمْ مِنْهُمْ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَكَانَ مِنْهُمْ سِنَانُ بْنُ ثَابِتٍ الصَّابِيُّ الطَّبِيبُ، فَأَحْضَرَهُ وَشَكَا إِلَيْهِ غَلَبَةَ الْقُوَّةِ الْغَضَبِيَّةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَارِهٌ لَهَا، فَمَا زَالَ مَعَهُ فِي تَقْبِيحِ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَتَحْسِينِ ضِدِّهِ مِنَ الْحِلْمِ، وَالْعَفْوِ، وَالْعَدْلِ، وَتَوَصَّلَ مَعَهُ حَتَّى زَالَ أَكْثَرُ مَا كَانَ يَجِدُهُ، وَكَفَّ عَنِ الْقَتْلِ وَالْعُقُوبَاتِ.
وَكَانَ الرَّاضِي أَسْمَرَ، أَعْيَنَ، خَفِيفَ الْعَارِضِينَ، وَأُمُّهُ أَمُّ وَلَدٍ اسْمُهَا ظَلُومٌ، وَخَتَمَ الْخُلَفَاءَ فِي أُمُورٍ عِدَّةٍ، فَمِنْهَا: أَنَّهُ آخِرُ خَلِيفَةٍ لَهُ شِعْرٌ يُدَوَّنُ، وَآخِرُ خَلِيفَةٍ خَطَبَ كَثِيرًا
стр. 3822
عَلَى مِنْبَرٍ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ قَدْ خَطَبَ نَادِرًا لَا اعْتِبَارَ بِهِ، وَكَانَ آخِرَ خَلِيفَةٍ جَالَسَ الْجُلَسَاءَ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ النُّدَمَاءُ، وَآخِرَ خَلِيفَةٍ كَانَتْ لَهُ نَفَقَتُهُ، وَجَوَائِزُهُ، وَعَطَايَاهُ، وَجِرَايَاتُهُ، وَخَزَائِنُهُ، وَمَطَابِخُهُ، وَمَجَالِسُهُ، وَخَدَمُهُ، وَحِجَابُهُ، وَأُمُورُهُ عَلَى تَرْتِيبِ الْخُلَفَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ.
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْمُتَّقِي لِلَّهِ
لَمَّا مَاتَ الرَّاضِي بِاللَّهِ، بَقِيَ الْأَمْرُ فِي الْخِلَافَةِ مَوْقُوفًا انْتَظَارًا لِقُدُومِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ كَاتِبِ بُجْكُمَ (مِنْ وَاسِطَ، وَكَانَ بُجْكُمُ بِهَا) .
وَاحْتِيطَ عَلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، فَوَرَدَ كِتَابُ بُجْكُمَ مَعَ الْكُوفِيِّ يَأْمُرُ فِيهِ بِأَنْ يَجْتَمِعَ مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ وَزِيرِ الرَّاضِي، كُلُّ مَنْ تَقَلَّدَ الْوِزَارَةَ، وَأَصْحَابُ الدَّوَاوِينِ، وَالْعَلَوِيُّونَ، وَالْقُضَاةُ، وَالْعَبَّاسِيُّونَ، وَوُجُوهُ الْبَلَدِ، وَيُشَاوِرُهُمُ الْكُوفِيُّ فِيمَنْ يُنَصَّبُ لِلْخِلَافَةِ مِمَّنْ يَرْتَضِي مَذْهَبَهُ وَطَرِيقَتَهُ، فَجَمَعَهُمُ الْكُوفِيُّ وَاسْتَشَارَهُمْ، فَذَكَرَ بَعْضُهُمْ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمُقْتَدِرِ، وَتَفَرَّقُوا عَلَى هَذَا.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَأُحْضِرَ فِي دَارِ الْخِلَافَةِ، وَبُويِعَ لَهُ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَعُرِضَتْ عَلَيْهِ أَلْقَابٌ، فَاخْتَارَ " الْمُتَّقِي لِلَّهِ "، وَبَايَعَهُ النَّاسُ كَافَّةً، وَسَيَّرَ الْخِلَعَ وَاللِّوَاءَ إِلَى بُجْكُمَ بِوَاسِطَ.
وَكَانَ بُجْكُمُ بَعْدَ مَوْتِ الرَّاضِي وَقَبْلَ اسْتِخْلَافِ الْمُتَّقِي، قَدْ أَرْسَلَ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ
стр. 3823
فَأَخَذَ فَرْشًا وَآلَاتٍ كَانَ يَسْتَحْسِنُهَا، وَجَعَلَ سَلَامَةَ الطُّولُونِيَّ حَاجِبَهُ، وَأَقَرَّ سُلَيْمَانُ عَلَى وِزَارَتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْوِزَارَةِ إِلَّا اسْمُهَا، وَإِنَّمَا التَّدْبِيرُ كُلُّهُ إِلَى الْكُوفِيِّ كَاتِبِ بُجْكُمَ.
ذِكْرُ قَتْلِ مَاكَانَ بْنِ كَالِي، وَاسْتِيلَاءِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُحْتَاجٍ عَلَى الرَّيِّ
قَدْ ذَكَرْنَا مَسِيرَ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ مُحْتَاجٍ إِلَى جُرْجَانَ، وَإِخْرَاجِ مَاكَانَ عَنْهَا، فَلَمَّا سَارَ عَنْهَا مَاكَانُ، قَصَدَ طَبَرِسْتَانَ وَأَقَامَ بِهَا، وَأَقَامَ أَبُو عَلِيٍّ بِجُرْجَانَ يُصْلِحُ أَمْرَهَا، ثُمَّ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا إِبْرَاهِيمَ بْنَ سِيمَجُورَ الدَّوَاتِيَّ، وَسَارَ نَحْوَ الرَّيِّ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَوَصَلَهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَبِهَا وَشْمَكِيرُ بْنُ زِيَارَ أَخُو مَرْدَاوَيْجَ.
وَكَانَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ وَرُكْنُ الدَّوْلَةِ ابْنَا بُوَيْهِ يُكَاتِبَانِ أَبَا عَلِيٍّ، وَيَحُثَّانِهِ عَلَى قَصْدِ وَشْمَكِيرَ، وَيَعِدَانِهِ الْمُسَاعَدَةَ، وَكَانَ قَصْدُهُمَا أَنْ تُؤْخَذَ الرَّيُّ مِنْ وَشْمَكِيرَ، فَإِذَا أَخَذَهَا أَبُو عَلِيٍّ، لَا يُمْكِنُهُ الْمُقَامُ بِهَا لِسِعَةِ وَلَايَتِهِ بِخُرَاسَانَ، فَيَغْلِبَانِ عَلَيْهَا.
وَبَلَغَ أَمْرُ اتِّفَاقِهِمْ إِلَى وَشْمَكِيرَ. وَكَاتَبَ مَاكَانَ بْنَ كَالِي يَسْتَخْدِمُهُ وَيُعَرِّفُهُ الْحَالَ، فَسَارَ مَاكَانُ بْنُ كَالِي مَنْ طَبَرِسْتَانَ إِلَى الرَّيِّ، وَسَارَ أَبُو عَلِيٍّ وَأَتَاهُ عَسْكَرُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، فَاجْتَمَعُوا مَعَهُ بِإِسْحَاقَابَاذَ، وَالْتَقَوْا هُمْ وَوَشْمَكِيرُ، وَوَقَفَ مَاكَانُ بْنُ كَالِي فِي الْقَلْبِ وَبَاشَرَ الْحَرْبَ بِنَفْسِهِ، وَعَبَّأَ أَبُو عَلِيٍّ أَصْحَابَهُ كَرَادِيسَ، وَأَمَرَ مَنْ بِإِزَاءِ الْقَلْبِ أَنْ يَلُحُّوا عَلَيْهِمْ فِي الْقِتَالِ، ثُمَّ يَتَطَارَدُوا لَهُمْ وَيَسْتَجِرُّوهُمْ، ثُمَّ وَصَّى مَنْ بِإِزَاءِ الْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ أَنْ يُنَاوِشُوهُمْ مُنَاوَشَةً بِمِقْدَارِ مَا يَشْغَلُونَهُمْ عَنْ مُسَاعَدَةِ مَنْ فِي الْقَلْبِ، وَلَا يُنَاجِزُوهُمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ.
وَأَلَحَّ أَصْحَابُهُ عَلَى قَلْبِ وَشْمَكِيرَ بِالْحَرْبِ، ثُمَّ تَطَارَدُوا لَهُمْ، فَطَمِعَ فِيهِمْ مَاكَانُ وَمَنْ مَعَهُ، فَتَبِعُوهُمْ وَفَارَقُوا مَوَاقِفَهُمْ، فَحِينَئِذٍ أَمَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْكَرَادِيسَ الَّتِي بِإِزَاءِ الْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ أَنْ يَتَقَدَّمَ بَعْضُهُمْ، وَيَأْتِيَ مَنْ فِي قَلْبِ وَشْمَكِيرَ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو عَلِيٍّ أَصْحَابَهُ قَدْ أَقْبَلُوا مِنْ وَرَاءِ مَاكَانَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، أَمْرَ الْمُتَطَارِدِينَ
стр. 3824
بِالْعَوْدِ وَالْحَمْلَةِ عَلَى مَاكَانَ وَأَصْحَابِهِ، وَكَانَتْ نُفُوسُهُمْ قَدْ قَوِيَتْ بِأَصْحَابِهِمْ، فَرَجَعُوا وَحَمَلُوا عَلَى أُولَئِكَ، وَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ، فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ.
فَلَمَّا رَأَى مَاكَانُ ذَلِكَ، تَرَجَّلَ وَأَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا، وَظَهَرَتْ مِنْهُ شَجَاعَةٌ لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهَا، فَأَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَوَقَعَ فِي جَبِينِهِ، فَنَفَذَ فِي الْخُوذَةِ وَالرَّأْسِ حَتَّى طَلَعَ مِنْ قَفَاهُ وَسَقَطَ مَيِّتًا، وَهَرَبَ وَشْمَكِيرُ وَمَنْ سَلِمَ مَعَهُ إِلَى طَبَرِسْتَانَ، فَأَقَامَ بِهَا، وَاسْتَوْلَى أَبُو عَلِيٍّ عَلَى الرَّيِّ، وَأَنْفَذَ رَأْسَ مَاكَانَ إِلَى بُخَارَى وَالسَّهْمُ فِيهِ، وَلَمْ يُحْمَلْ إِلَى بَغْدَاذَ حَتَّى قُتِلَ بُجْكُمُ ; لِأَنَّ بُجْكُمَ كَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَجَلَسَ لِلْعَزَاءِ لَمَّا قُتِلَ، فَلَمَّا قُتِلَ بُجْكُمُ، حُمِلَ الرَّأْسُ مِنْ بُخَارَى إِلَى بَغْدَاذَ وَالسَّهْمُ فِيهِ وَفِي الْخُوذَةِ، وَأَنْفَذَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَسْرَى إِلَى بُخَارَى أَيْضًا، وَكَانُوا بِهَا حَتَّى دَخَلَ وَشْمَكِيرُ فِي طَاعَةِ آلِ سَامَانَ، وَسَارَ إِلَى خُرَاسَانَ فَاسْتَوْهَبَهُمْ، فَأَطْلَقُوا لَهُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ ثَلَاثِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] .
ذِكْرُ قَتْلِ بُجْكُمَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ بُجْكُمُ.
وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيَّ أَنْفَذَ جَيْشًا مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى مَذَارَ، فَأَنْفَذَ بُجْكُمُ جَيْشًا إِلَيْهِمْ عَلَيْهِمْ تُوزُونُ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا كَانَ أَوَّلًا عَلَى تُوزُونَ، فَكَتَبَ إِلَى بُجْكُمَ يَطْلُبُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ، فَسَارَ بُجْكُمُ إِلَيْهِمْ مِنْ وَاسِطَ مُنْتَصَفَ رَجَبٍ، فَلَقِيَهُ كِتَابُ تُوزُونَ بِأَنَّهُ ظَفِرَ بِهِمْ وَهَزَمَهُمْ، فَأَرَادَ الرُّجُوعَ إِلَى وَاسِطَ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِأَنْ يَتَصَيَّدَ، فَقَبِلَ مِنْهُ، وَتَصَيَّدَ حَتَّى بَلَغَ نَهْرَ جُورَ، فَسَمِعَ أَنَّ هُنَاكَ أَكْرَادًا لَهُمْ مَالٌ وَثَرْوَةٌ، فَشَرِهَتْ نَفْسُهُ (إِلَى أَخْذِهِ) ، فَقَصَدَهُمْ فِي قِلَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بِغَيْرِ جُنَّةٍ تَقِيهِ، فَهَرَبَ الْأَكْرَادُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَرَمَى هُوَ أَحَدَهُمْ فَلَمْ يُصِبْهُ، فَرَمَى آخَرَ فَأَخْطَأَهُ أَيْضًا، وَكَانَ لَا يَخِيبُ سَهْمُهُ، فَأَتَاهُ غُلَامٌ مِنَ الْأَكْرَادِ مِنْ خَلْفِهِ وَطَعَنَهُ فِي خَاصِرَتِهِ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَتَلَهُ وَذَلِكَ
стр. 3825
لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ، وَاخْتَلَفَ عَسْكَرُهُ، فَمَضَى الدَّيْلَمُ خَاصَّةً نَحْوَ الْبَرِيدِيِّ، وَكَانُوا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَأَضْعَفَ أَرْزَاقَهُمْ، وَأَوْصَلَهَا إِلَيْهِمْ دُفْعَةً وَاحِدَةً.
وَكَانَ الْبَرِيدِيُّ قَدْ عَزَمَ عَلَى الْهَرَبِ مِنَ الْبَصْرَةِ هُوَ وَإِخْوَتُهُ، وَكَانَ بُجْكُمُ قَدْ رَاسَلَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ وَطَيَّبَ قُلُوبَهُمْ، فَمَالُوا إِلَيْهِ، فَأَتَى الْبَرِيدِيِّينَ الْفَرَجُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وَعَادَ أَتْرَاكُ بُجْكُمَ إِلَى وَاسِطَ، وَكَانَ تُكَيْنَكُ مَحْبُوسًا بِهَا، حَبَسَهُ بُجْكُمُ، وَأَخْرَجُوهُ مِنْ مَحْبَسِهِ، فَسَارَ بِهِمْ إِلَى بَغْدَاذَ، وَأَظْهَرُوا طَاعَةَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ.
وَصَارَ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مَيْمُونٍ يُدَبِّرُ الْأُمُورَ، وَاسْتَوْلَى الْمُتَّقِي عَلَى دَارِ بُجْكُمَ، فَأَخَذَ مَالَهُ مِنْهَا، وَكَانَ قَدْ دَفَنَ فِيهَا مَالًا كَثِيرًا، وَكَذَلِكَ أَيْضًا فِي الصَّحْرَاءِ ; لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَنْكَبَّ فَلَا يَصِلَ إِلَى مَالِهِ فِي دَارِهِ.
وَكَانَ مَبْلَغُ مَا أَخَذَ مِنْ مَالِهِ وَدَفَائِنِهِ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ وَمِائَتَيْ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَانَتْ مُدَّةُ إِمَارَةِ بُجْكُمَ سَنَتَيْنِ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَتِسْعَةَ أَيَّامٍ.
ذِكْرُ إِصْعَادِ الْبَرِيدِيَّينَ إِلَى بَغْدَاذَ
لَمَّا قُتِلَ بُجْكُمُ، اجْتَمَعَتِ الدَّيْلَمُ عَلَى بَلْسَوَازَ بْنِ مَالِكِ بْنِ مُسَافِرٍ، فَقَتَلَهُ الْأَتْرَاكُ، فَانْحَدَرَ الدَّيْلَمُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيِّ، وَكَانُوا مُنْتَخَبِينَ لَيْسَ فِيهِمْ حَشْوٌ، فَقَوِيَ بِهِمْ، وَعَظُمَتْ شَوْكَتُهُ، فَأَصْعَدُوا مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى وَاسِطَ فِي شَعْبَانَ، فَأَرْسَلَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ إِلَيْهِمْ يَأْمُرُهُمْ أَنْ لَا يَصْعَدُوا، فَقَالُوا: نَحْنُ مُحْتَاجُونَ إِلَى مَالٍ، فَإِنْ أُنْفِذَ لَنَا مِنْهُ شَيْءٌ، لَمْ نَصْعَدْ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِمْ مِائَةَ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ الْأَتْرَاكُ لِلْمُتَّقِي: نَحْنُ نُقَاتِلُ بَنِي الْبَرِيدِيِّ، فَأَطْلِقْ لَنَا مَالًا وَانْصُبْ لَنَا مُقَدِّمًا، فَأَنْفَقَ فِيهِمْ مَالًا، وَفِي أَجْنَادِ بَغْدَاذَ الْقُدَمَاءِ أَرْبَعُمِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ مِنَ الْمَالِ الَّذِي أُخِذَ لِبُجْكُمَ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ سَلَامَةَ الطُّولُونِيَّ، وَبَرَزُوا مَعَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ إِلَى نَهْرِ دِيَالِيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ.
وَسَارَ الْبَرِيدِيُّ مِنْ وَاسِطَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَلَمْ يَقِفْ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ مَعَهُ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ بَغْدَاذَ اخْتَلَفَ الْأَتْرَاكُ الْبُجْكُمِيَّةُ، وَاسْتَأْمَنَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْبَرِيدِيِّ، وَبَعْضُهُمْ سَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَاسْتَتَرَ سَلَامَةُ الطُّولُونِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ، وَلَمْ يَحْصُلِ الْخَلِيفَةُ إِلَّا عَلَى
стр. 3826
إِخْرَاجِ الْمَالِ، وَهُمْ أَرْبَابُ النِّعَمِ وَالْأَمْوَالِ، بِالِانْتِقَالِ مِنْ بَغْدَاذَ خَوْفًا مِنَ الْبَرِيدِيِّ وَظُلْمِهِ وَتَهَوُّرِهِ.
وَدَخَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيُّ بَغْدَاذَ ثَانِ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَنَزَلَ بِالشَّفِيعِيِّ، وَلَقِيَهُ الْوَزِيرُ أَبُو الْحُسَيْنِ، وَالْقُضَاةُ، وَالْكُتَّابُ، وَأَعْيَانُ النَّاسِ، وَكَانَ مَعَهُ مِنْ أَنْوَاعِ السُّفُنِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ الْمُتَّقِي يُهَنِّيهِ بِسَلَامَتِهِ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ طَعَامًا وَغَيْرَهُ عِدَّةَ لَيَالٍ، وَكَانَ يُخَاطَبُ بِالْوَزِيرِ، وَكَذَلِكَ أَبْو الْحُسَيْنِ بْنُ مَيْمُونٍ وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ أَيْضًا، ثُمَّ عُزِلَ أَبُو الْحُسَيْنِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ وِزَارَةِ أَبِي الْحُسَيْنِ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ قَبَضَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيُّ عَلَى أَبِي الْحُسَيْنِ وَسَيَّرَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَحَبَسَهُ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ (فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ حُمَّى حَادَّةٍ) .
ثُمَّ أَنْفَذَ الْبَرِيدِيُّ إِلَى الْمُتَّقِي يَطْلُبُ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ لِيُفَرِّقَهَا فِي الْجُنْدِ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَتَهَدَّدُهُ، وَيُذَكِّرَهُ مَا جَرَى عَلَى الْمُعْتَزِّ، وَالْمُسْتَعِينِ، وَالْمُهْتَدِي، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ تَمَامَ خَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَلَمْ يَلْقَ الْبَرِيدِيُّ الْمُتَّقِيَ لِلَّهِ مُدَّةَ مَقَامِهِ بِبَغْدَاذَ.
ذِكْرُ عَوْدِ الْبَرِيدِيِّ إِلَى وَاسِطَ
كَانَ الْبَرِيدِيُّ يَأْمُرُ الْجُنْدَ بِطَلَبِ الْأَمْوَالِ مِنَ الْخَلِيفَةِ، فَلَمَّا أَنْفَذَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِ الْمَالَ الْمَذْكُورَ، انْصَرَفَتْ أَطْمَاعُ الْجُنْدِ عَنِ الْخَلِيفَةِ إِلَى الْبَرِيدِيِّ وَعَادَتْ مَكِيدَتُهُ عَلَيْهِ، فَشَغَبَ الْجُنْدُ عَلَيْهِ، وَكَانَ الدَّيْلَمُ قَدْ قَدَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ كُورَتِكِينُ الدَّيْلَمَيُّ، وَقَدَّمَ الْأَتْرَاكُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ تُكَيْنَكَ التُّرْكِيَّ غُلَامَ بُجْكُمَ، وَثَارَ الدَّيْلَمُ إِلَى دَارِ الْبَرِيدِيِّ، فَأَحْرَقُوا دَارَ أَخِيهِ أَبِي الْحُسَيْنِ الَّتِي كَانَ يَنْزِلُهَا، وَنَفَرُوا عَنِ الْبَرِيدِيِّ، وَانْضَافَ تُكَيْنَكُ إِلَيْهِمْ، وَصَارَتْ أَيْدِيهِمْ وَاحِدَةً، وَاتَّفَقُوا عَلَى قَصْدِ الْبَرِيدِيِّ وَنَهْبِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَسَارُوا إِلَى النَّجْمِيِّ وَوَافَقَهُمُ الْعَامَّةُ، (فَقَطَعَ الْبَرِيدِيُّ الْجِسْرَ، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ فِي الْمَاءِ، وَوَثَبَ الْعَامَّةُ) بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ عَلَى أَصْحَابِ الْبَرِيدِيِّ، فَهَرَبَ هُوَ وَأَخُوهُ وَابْنُهُ أَبُو الْقَاسِمِ وَأَصْحَابُهُ، وَانْحَدَرُوا فِي الْمَاءِ إِلَى وَاسِطَ، وَنُهِبَتْ دَارُهُ فِي النَّجْمِيِّ وَدُورُ قُوَّادِهِ، وَكَانَ هَرَبُهُ سَلْخَ رَمَضَانَ، وَكَانَتْ مُدَّةُ مَقَامِهِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا.
стр. 3827
ذِكْرُ إِمَارَةِ كُورَتِكِينَ الدَّيْلَمِيِّ
لَمَّا هَرَبَ الْبَرِيدِيُّ، اسْتَوْلَى كُورَتِكِينُ عَلَى الْأُمُورِ بِبَغْدَاذَ، وَدَخَلَ إِلَى الْمُتَّقِي لِلَّهِ، فَقَلَّدَهُ إِمَارَةَ الْأُمَرَاءِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَاسْتَدْعَى الْمُتَّقِي عَلِيَّ بْنَ عِيسَى وَأَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عِيسَى، فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَدَبَّرَ الْأَمْرَ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ بِوِزَارَةٍ، ثُمَّ إِنَّ كُورَتِكِينَ قَبَضَ تُكَيْنَكَ التُّرْكِيَّ خَامِسَ شَوَّالٍ، وَغَرَّقَهُ، وَتَفَرَّدَ بِالْأَمْرِ، ثُمَّ إِنَّ الْعَامَّةَ اجْتَمَعُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَادِسَ شَوَّالٍ، وَتَظَلَّمُوا مِنَ الدَّيْلَمِ وَنُزُولِهِمْ فِي دُورِهِمْ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ، فَمَنَعَتِ الْعَامَّةُ الْخَطِيبَ مِنَ الصَّلَاةِ، وَاقْتَتَلُوا هُمْ وَالدَّيْلَمُ، فَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمَاعَةٌ.
ذِكْرُ عَوْدِ ابْنِ رَائِقٍ إِلَى بَغْدَاذَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَادَ (أَبُو بَكْرٍ) مُحَمَّدُ بْنُ رَائِقٍ مِنَ الشَّامِ إِلَى بَغْدَاذَ، وَصَارَ أَمِيرَ الْأُمَرَاءِ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَتْرَاكَ الْبُجْكُمِيَّةَ لَمَّا سَارُوا إِلَى الْمَوْصِلِ، لَمْ يَرَوْا عِنْدَ ابْنِ حَمْدَانَ مَا يُرِيدُونَ، فَسَارُوا نَحْوَ الشَّامِ إِلَى ابْنِ رَائِقٍ، وَكَانَ فِيهِمْ مِنَ الْقُوَّادِ تُوزُونُ، وَخَجْخَجُ، وَنُوشْتِكِينُ، وَصِيغُونُ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ، أَطْمَعُوهُ فِي الْعَوْدِ إِلَى الْعِرَاقِ، ثُمَّ وَصَلَتْ إِلَيْهِ كُتُبُ الْمُتَّقِي يَسْتَدْعِيهِ، فَسَارَ مِنْ دِمَشْقَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الشَّامِ أَبَا الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ مُقَاتِلٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ، تَنَحَّى عَنْ طَرِيقِهِ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ، فَتَرَاسَلَا، وَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَتَصَالَحَا، وَحَمَلَ ابْنُ حَمْدَانَ إِلَيْهِ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَسَارَ ابْنُ رَائِقٍ إِلَى بَغْدَاذَ، فَقَبَضَ كُورَتِكِينُ عَلَى الْقَرَارِيطِيِّ الْوَزِيرِ، وَاسْتَوْزَرَ أَبَا
стр. 3828
جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْقَاسِمِ الْكَرْخِيَّ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، وَكَانَتْ وِزَارَةُ الْقَرَارِيطِيُّ ثَلَاثَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا.
وَبَلَغَ خَبَرُ ابْنِ رَائِقٍ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيِّ، فَسَيَّرَ إِخْوَتَهُ إِلَى وَاسِطَ فَدَخَلُوهَا، وَأَخْرَجُوا الدَّيْلَمَ عَنْهَا، وَخَطَبُوا لَهُ بِوَاسِطَ، وَخَرَجَ كُورَتِكِينُ عَنْ بَغْدَاذَ إِلَى عُكْبَرَا، وَوَصَلَ إِلَيْهِ ابْنُ رَائِقٍ، فَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، وَاتَّصَلَتْ عِدَّةَ أَيَّامٍ.
فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْخَمِيسِ لِتِسْعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، سَارَ ابْنُ رَائِقٍ لَيلًا مِنْ عُكْبَرَا هُوَ وَجَيْشُهُ، فَأَصْبَحَ بِبَغْدَاذَ فَدَخَلَهَا مِنَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ هُوَ وَجَمِيعُ جَيْشِهِ، وَنَزَلَ فِي النَّجْمِيِّ، وَعَبَرَ مِنَ الْغَدِ إِلَى الْخَلِيفَةِ فَلَقِيَهُ، وَرَكِبَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ مَعَهُ فِي دِجْلَةَ، ثُمَّ عَادَ وَوَصَلَ هَذَا الْيَوْمَ بَعْدَ الظُّهْرِ كُورَتِكِينُ مَعَ جَمِيعِ جَيْشِهِ مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَكَانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِأَصْحَابِ ابْنِ رَائِقٍ، وَيَقُولُونَ: أَيْنَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْقَافِلَةُ الْوَاصِلَةُ مِنَ الشَّامِ؟ وَنَزَلُوا بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ.
وَلَمَّا دَخَلَ كُورَتِكِينُ بَغْدَاذَ أَيِسَ ابْنُ رَائِقٍ مِنْ وَلَايَتِهَا، فَأَمَرَ بِحَمْلِ أَثْقَالِهِ وَالْعَوْدِ إِلَى الشَّامِ، فَرَفَعَ النَّاسُ أَثْقَالَهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُ عَزَمَ (أَنْ يُنَاوِشَهُمْ) شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ قَبْلَ مَسِيرِهِ، فَأَمَرَ طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِهِ أَنْ يَعْبُرُوا دِجْلَةَ وَيَأْتُوا الْأَتْرَاكَ مِنْ وَرَائِهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُ رَكِبَ فِي سُمَيْرِيِّةٍ، وَرَكِبَ مَعَهُ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي عِشْرِينَ سُمَيْرِيِّةٍ، وَوَقَفُوا يَرْمُونَ الْأَتْرَاكَ بِالنُّشَّابِ، وَوَصَلَ أَصْحَابُهُ وَصَاحُوا مِنْ خَلْفِهِمْ، وَاجْتَمَعَتِ الْعَامَّةُ مَعَ أَصْحَابِ ابْنِ رَائِقٍ يَضِجُّونَ، فَظَنَّ كُورَتِكِينُ أَنَّ الْعَسْكَرَ قَدْ جَاءَهُ مَنْ خَلْفِهِ وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَانْهَزَمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَاخْتَفَى هُوَ، وَرَجَمَهُمُ الْعَامَّةُ بِالْآجُرِّ وَغَيْرِهِ.
وَقَوِيَ أَمْرُ ابْنِ رَائِقٍ، وَأَخَذَ مَنِ اسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ مِنَ الدَّيْلَمِ فَقَتَلَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَكَانُوا نَحْوَ أَرْبَعِمِائَةٍ، فَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ اخْتَفَى بَيْنَ الْقَتْلَى، وَحُمِلَ مَعَهُمْ فِي الْجَوَالِيقِ، وَأُلْقِي فِي دِجْلَةَ فَسَلِمَ وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ دَهْرًا، وَقُتِلَ الْأَسْرَى مِنْ قُوَّادِ الدَّيْلَمِ، وَكَانُوا بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
стр. 3829
وَخَلَعَ الْمُتَّقِي عَلَى ابْنِ رَائِقٍ، وَجَعَلَهُ أَمِيرَ الْأُمَرَاءِ، وَأَمَرَ جَعْفَرَ الْكَرْخِيَّ بِلُزُومِ بَيْتِهِ، وَكَانَتْ وَزَارَتُهُ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَاسْتَوْلَى أَحْمَدُ الْكُوفِيُّ عَلَى الْأَمْرِ فَدَبَّرَهُ، ثُمَّ ظَفِرَ ابْنُ رَائِقٍ بِكُورَتِكِينَ فَحُبِسَ بِدَارِ الْخَلِيفَةِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ بِالْعِرَاقِ غَلَاءٌ شَدِيدٌ، فَاسْتَسْقَى النَّاسُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَسُقُوا مَطَرًا قَلِيلًا لَمْ يَجْرِ مِنْهُ مِيزَابٌ، ثُمَّ اشْتَدَّ الْغَلَاءُ وَالْوَبَاءُ، وَكَثُرَ الْمَوْتُ حَتَّى كَانَ يُدْفَنُ الْجَمَاعَةُ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ وَلَا يُغَسَّلُونَ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ، وَرَخَّصَ الْعَقَّارُ بِبَغْدَاذَ الْأَثَاثَ حَتَّى بِيعَ مَا ثَمَنُهُ دِينَارٌ بِدِرْهَمٍ، وَانْقَضَى تِشْرِينُ الْأَوَّلُ وَتِشْرِينُ الثَّانِي، وَالْكَانُونَانِ، وَشُبَاطُ، وَلَمْ يَجِئْ مَطَرٌ غَيْرُ الْمَطَرَةِ الَّتِي عِنْدَ الِاسْتِسْقَاءِ، ثُمَّ جَاءَ الْمَطَرُ فِي آذَارَ وَنِيسَانَ.
وَفِيهَا فِي شَوَّالٍ، اسْتَوْزَرَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ أَبَا إِسْحَاقَ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ الْإِسْكَافِيَّ الْمَعْرُوفَ بِالْقَرَارِيطِيَّ، بَعْدَ عَوْدِ بَنِي الْبَرِيدِيِّ مِنْ بَغْدَاذَ، وَجَعَلَ بَدْرًا الْخَرْشِيَّ حَاجِبَهُ، فَبَقِيَ وَزِيرًا إِلَى الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ كُورَتِكِينُ، وَكَانَتْ وَزَارَتُهُ ثَلَاثَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَاسْتَوْزَرَ بَعْدَهُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْقَاسِمِ الْكَرْخِيَّ، فَبَقِيَ وَزِيرًا إِلَى الثَّامِنِ
стр. 3830
وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَعَزَلَهُ ابْنُ رَائِقٍ لَمَّا اسْتَوْلَى عَلَى الْأُمُورِ بِبَغْدَاذَ، فَكَانَتْ وِزَارَتُهُ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَدَبَّرَ الْأُمُورَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ كَاتِبُ ابْنِ رَائِقٍ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ بِوِزَارَةٍ.
وَفِيهَا عَادَ الْحَجَّاجُ إِلَى الْعِرَاقِ، وَلَمْ يَصِلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، بَلْ سَلَكُوا الْجَادَّةَ بِسَبَبِ طَالِبِيٍّ ظَهَرَ بِتِلْكَ النَّاحِيَةِ وَقَوِيَ أَمْرُهُ.
وَفِيهَا كَثُرَتِ الْحُمَّيَاتُ وَوَجَعُ الْمَفَاصِلِ فِي النَّاسِ، وَمَنْ عَجَّلَ الْفِصَادَ بَرِئَ وَإِلَّا طَالَ مَرَضُهُ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي أَيَّامِ الرَّاضِي تُوُفِّيَ أَبُو بِشْرٍ أَخُو مَتَّى بْنِ يُونُسَ الْحَكِيمُ الْفَيْلَسُوفُ، وَلَهُ تَصَانِيفُ فِي شَرْحِ كُتُبِ أَرِسْطَاطَالِيسَ.
وَفِيهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ، مَاتَ بُخْتَيْشُوعُ بْنُ يَحْيَى الطَّبِيبُ.
وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَلْعَمِيُّ وَزِيرُ السَّعِيدِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ صَاحِبِ خُرَاسَانَ، وَكَانَ مِنْ عُقَلَاءِ الرِّجَالِ، وَكَانَ نَصْرٌ قَدْ صَرَفَهُ عَنْ وِزَارَتِهِ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَجَعَلَ مَكَانَهُ مُحَمَّدَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْجَيْهَانِيَّ.
стр. 3831
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ بْنِ مُحْتَاجٍ، وَدُفِنَ بِالصَّغَانِيَانِ. وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ الْبَرْبَهَارِيُّ رَئِيسُ الْحَنَابِلَةِ، تُوُفِّيَ مُسْتَتِرًا وَدُفِنَ فِي تُرْبَةِ نَصْرِ الْقُشُورِيِّ، وَكَانَ عُمُرُهُ سِتًّا وَسَبْعِينَ سَنَةً.
стр. 3832
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣٣٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ وِزَارَةِ الْبَرِيدِيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَزَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيُّ لِلْمُتَّقِي لِلَّهِ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ رَائِقٍ اسْتَوْحَشَ مِنَ الْبَرِيدِيِّ ; لِأَنَّهُ أَخَّرَ حَمْلَ الْمَالِ، وَانْحَدَرَ إِلَى وَاسِطَ عَاشِرَ الْمُحَرَّمِ، فَهَرَبَ بَنُو الْبَرِيدِيِّ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَسَعَى لَهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ حَتَّى عَادُوا وَضَمِنُوا بَقَايَا وَاسِطَ بِمِائَةٍ وَتِسْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَضَمَنُوهَا (كُلَّ سَنَةٍ) بِسِتِّمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ.
وَعَادَ ابْنُ رَائِقٍ إِلَى بَغْدَاذَ، فَشَغَبَ الْجُنْدُ عَلَيْهِ ثَانِيَ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَفِيهِمْ تُوزُونُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْقُوَّادِ، وَرَحَلُوا فِي الْعَشْرِ الْآخَرِ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيِّ بِوَاسِطَ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ قَوِيَ بِهِمْ، فَاحْتَاجَ ابْنُ رَائِقٍ إِلَى مُدَارَاتِهِ، فَكَاتَبَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيَّ بِالْوِزَارَةِ، وَأَنْفَذَ لَهُ الْخِلَعَ، وَاسْتَخْلَفَ أَبَا (عَبْدِ اللَّهِ) بْنِ شَيْرَزَادَ.
ثُمَّ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ إِلَى بَغْدَاذَ بِعَزْمِ الْبَرِيدِيِّ عَلَى الْإِصْعَادِ إِلَى بَغْدَاذَ، فَأَزَالَ ابْنُ رَائِقٍ اسْمَ الْوِزَارَةِ عَنْهُ، وَأَعَادَ أَبَا إِسْحَاقَ الْقَرَارِيطِيَّ، وَلَعَنَ بَنِي الْبَرِيدِيِّ عَلَى الْمَنَابِرِ بِجَانِبَيْ بَغْدَاذَ.
стр. 3833
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الْبَرِيدِيِّ عَلَى بَغْدَاذَ، وَإِصْعَادِ الْمُتَّقِي إِلَى الْمَوْصِلِ
وَسَيَّرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيُّ أَخَاهُ أَبَا الْحُسَيْنِ إِلَى بَغْدَاذَ فِي جَمِيعِ الْجَيْشِ مِنَ الْأَتْرَاكِ وَالدَّيْلَمِ، وَعَزَمَ ابْنُ رَائِقٍ عَلَى أَنْ يَتَحَصَّنَ بِدَارِ الْخَلِيفَةِ، فَأَصْلَحَ سُورَهَا، وَنَصَبَ عَلَيْهِ الْعَرَّادَاتِ وَالْمَنْجَنِيقَاتِ، وَعَلَى دِجْلَةَ، وَأَنْهَضَ الْعَامَّةَ، وَجَنَّدَ بَعْضَهُمْ، فَثَارُوا فِي بَغْدَاذَ وَأَحْرَقُوا وَنَهَبُوا، وَأَخَذُوا النَّاسَ لَيْلًا وَنَهَارًا.
وَخَرَجَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ وَابْنُ رَائِقٍ إِلَى نَهْرِ دِيَالِي مُنْتَصَفَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَوَافَاهُمْ أَبُو الْحُسَيْنِ عِنْدَهُ فِي الْمَاءِ وَالْبَرِّ، وَاقْتَتَلَ النَّاسُ، وَكَانَتِ الْعَامَّةُ عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ فِي الْجَانِبَيْنِ يُقَاتِلُونَ مَنْ فِي الْمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الْبَرِيدِيِّ، (وَانْهَزَمَ أَهْلُ بَغْدَاذَ، وَاسْتَوْلَى أَصْحَابُ الْبَرِيدِيِّ) عَلَى دَارِ الْخَلِيفَةِ، وَدَخَلُوا إِلَيْهَا فِي الْمَاءِ وَذَلِكَ لِتِسْعٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَهَرَبَ الْمُتَّقِي وَابْنُهُ الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورٍ فِي نَحْوِ عِشْرِينَ فَارِسًا، وَلَحِقَ بِهِمَا ابْنُ رَائِقٍ فِي جَيْشِهِ، فَسَارُوا جَمِيعًا نَحْوَ الْمَوْصِلِ، وَاسْتَتَرَ الْوَزِيرُ الْقَرَارِيطِيُّ، وَكَانَتْ مُدَّةُ وِزَارَتِهِ الثَّانِيَةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَإِمَارَةُ ابْنِ رَائِقٍ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَقَتَلَ أَصْحَابُ الْبَرِيدِيِّ مَنْ وَجَدُوا فِي دَارِ الْخَلِيفَةِ مِنَ الْحَاشِيَةِ، وَنَهَبُوهَا، وَنَهَبُوا دُورَ الْحُرَمِ.
وَكَثُرَ النَّهْبُ فِي بَغْدَاذَ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَأَخَذُوا كُورَتِكِينَ مِنْ حَبْسِهِ، وَأَنْفَذَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ إِلَى أَخِيهِ بِوَاسِطَ فَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْقَاهِرِ بِاللَّهِ، وَنَزَلَ أَبُو الْحُسَيْنِ بِدَارِ مُؤْنِسٍ الَّتِي يَسْكُنُهَا ابْنُ رَائِقٍ وَعَظُمَ النَّهْبُ، فَأَقَامَ أَبُو الْحُسَيْنِ تُوزُونَ عَلَى الشُّرْطَةِ بِشَرْقِيِّ بَغْدَاذَ، وَجَعَلَ نُوشْتِكِينَ عَلَى شُرْطَةِ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، فَسَكَنَ النَّاسُ شَيْئًا يَسِيرًا، وَأَخَذَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَرِيدِيُّ رَهَائِنَ الْقَوَّادِ الَّذِينَ مَعَ تُوزُونَ وَغَيْرِهِ، وَأَخَذَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ فَسَيَّرَهُمْ إِلَى أَخِيهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بِوَاسِطَ.
стр. 3834
ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ الْبَرِيدِيُّ بِبَغْدَاذَ
لَمَّا اسْتَوْلَى عَلَى بَغْدَاذَ أَخَذَ أَصْحَابُهُ فِي النَّهْبِ وَالسَّلْبِ وَأَخْذِ الدَّوَابِّ، وَجَعَلُوا طَلَبَهَا طَرِيقًا إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأَثَاثِ، وَكُبِسَتِ الدُّورُ، وَأُخْرِجَ أَهْلُهَا مِنْهَا وَنَزَلَتْ، وَعَظُمَ الْأَمْرُ، وَجُعِلَ عَلَى كُرٍّ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَأَصْنَافِ الْحُبُوبِ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ فَبِيعَ كُرُّ الْحِنْطَةِ بِثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ دِينَارًا، وَالْخُبْزُ الْخَشْكَوَارُ رِطْلَيْنِ بِقِيرَاطَيْنِ صَحِيحٍ أَمِيرِيٍّ، وَحَبِطَ أَهْلُ الذِّمَّةِ، وَأَخَذَ الْقَوِيُّ بِالضَّعِيفِ، وَوَرَدَ مِنَ الْكُوفَةِ وَسَوَادِهَا خَمْسُمِائَةُ كُرٍّ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، فَأَخَذَهُ جَمِيعَهُ وَادَّعَى أَنَّهُ لِلْعَامِلِ بِتِلْكَ النَّاحِيَةِ.
وَوَقَعَتِ الْفِتَنُ بَيْنَ النَّاسِ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْقَرَامِطَةِ، فَجَرَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَتْرَاكِ حَرْبٌ قُتِلَ فِيهَا جَمَاعَةٌ، وَانْهَزَمَ الْقَرَامِطَةُ، وَفَارَقُوا بَغْدَاذَ، وَوَقَعَتْ حَرْبٌ بَيْنَ الدَّيْلَمِ وَالْعَامَّةِ، قُتِلَ فِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ حَدِّ نَهْرِ طَابَقٍ إِلَى الْقَنْطَرَةِ الْجَدِيدَةِ.
وَفِي آخِرِ شَعْبَانَ زَادَ الْبَلَاءُ عَلَى النَّاسِ، فَكَبَسُوا مَنَازِلَهُمْ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَاسْتَتَرَ أَكْثَرُ الْعُمَّالِ (لِعَظِيمِ مَا) طُولِبُوا بِهِ مِمَّا لَيْسَ فِي السَّوَادِ، وَافْتَرَقَ النَّاسُ، (فَخَرَجَ النَّاسُ) وَأَصْحَابُ السُّلْطَانِ إِلَى قُرْبٍ مِنْ بَغْدَاذَ، فَحَصَدُوا مَا اسْتَحْصَدُوا مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَحَمَلُوهُ بِسُنْبُلِهِ إِلَى مَنَازِلِهِمْ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ يَنْهَبُ وَيَعْسِفُ أَهْلَ الْعِرَاقِ وَيَظْلِمُهُمْ ظُلْمًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ قَطُّ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
(وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا الْفَصْلَ لِيَعْلَمَ الظَّلَمَةُ أَنَّ أَخْبَارَهُمْ تُنْقَلُ وَتَبْقَى عَلَى وَجْهِ الدَّهْرِ، فَرُبَّمَا تَرَكُوا الظُّلْمَ لِهَذَا إِنْ لَمْ يَتْرُكُوهُ لِلَّهِ، .
стр. 3835
ذِكْرُ قَتْلِ ابْنِ رَائِقٍ، وَوَلَايَةِ ابْنِ حَمْدَانَ إِمْرَةَ الْأُمَرَاءِ
كَانَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ قَدْ أَنْفَذَ إِلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ يَسْتَمِدُّهُ عَلَى الْبَرِيدِيِّينَ، فَأَرْسَلَ أَخَاهُ سَيْفَ الدَّوْلَةِ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ نَجْدَةً لَهُ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، فَلَقِيَ الْمُتَّقِيَ وَابْنَ رَائِقٍ بِتَكْرِيتَ قَدِ انْهَزَمَا، فَخَدَمَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ لِلْمُتَّقِي خِدْمَةً عَظِيمَةً، وَسَارَ مَعَهُ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَفَارَقَهَا نَاصِرُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَتَوَجَّهَ نَحْوَ مَعْلَثَايَّا، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ رَائِقٍ، حَتَّى تَعَاهَدَا وَاتَّفَقَا، فَحَضَرَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ وَنَزَلَ عَلَى دِجْلَةَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَعَبَرَ إِلَيْهِ الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ الْمُتَّقِي وَابْنُ رَائِقٍ يُسَلِّمَانِ عَلَيْهِ، فَنَثَرَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ عَلَى وَلَدِ الْمُتَّقِي، فَلَمَّا أَرَادُوا الِانْصِرَافَ مِنْ عِنْدِهِ رَكِبَ ابْنُ الْمُتَّقِي، وَأَرَادَ ابْنُ رَائِقٍ الرُّكُوبَ، فَقَالَ لَهُ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ: تُقِيمُ الْيَوْمَ عِنْدِي لِنَتَحَدَّثَ فِيمَا نَفْعَلُهُ، فَاعْتَذَرَ ابْنُ رَائِقٍ بِابْنِ الْمُتَّقِي، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ ابْنُ حَمْدَانَ، فَاسْتَرَابَ بِهِ، وَجَذَبَ كُمَّهُ مِنْ يَدِهِ فَقَطَعَهُ، وَأَرَادَ الرُّكُوبَ فَشَبَّ بِهِ الْفَرَسُ فَسَقَطَ، فَصَاحَ ابْنُ حَمْدَانَ بِأَصْحَابِهِ: اقْتُلُوهُ. فَقَتَلُوهُ، وَأَلْقَوْهُ فِي دِجْلَةَ.
وَأَرْسَلَ ابْنُ حَمْدَانَ إِلَى الْمُتَّقِي يَقُولُ: إِنَّهُ عَلِمَ أَنَّ ابْنَ رَائِقٍ أَرَادَ أَنْ يَغْتَالَهُ، فَفَعَلَ بِهِ مَا فَعَلَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الْمُتَّقِي رَدًّا جَمِيلًا، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ، فَسَارَ ابْنُ حَمْدَانَ إِلَى الْمُتَّقِي لِلَّهِ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَلَقَّبَهُ " نَاصِرَ الدَّوْلَةِ "، وَجَعَلَهُ أَمِيرَ الْأُمَرَاءِ، وَذَلِكَ مُسْتَهَلَّ شَعْبَانَ، وَخَلَعَ عَلَى أَخِيهِ أَبِي الْحُسَيْنِ عَلِيٍّ، وَلَقَّبَهُ " سَيْفَ الدَّوْلَةِ ".
وَكَانَ قَتْلُ ابْنِ رَائِقٍ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِتِسْعٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ.
стр. 3836
وَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ رَائِقٍ، سَارَ الْإِخْشِيدُ مِنْ مِصْرَ إِلَى دِمَشْقَ، وَكَانَ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزْدَادَ خَلِيفَةُ ابْنِ رَائِقٍ، فَاسْتَأْمَنَ إِلَى الْإِخْشِيدِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ دِمَشْقَ، فَأَقَرَّهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَقَلَهُ عَنْهَا إِلَى مِصْرَ وَجَعَلَهُ عَلَى شُرْطَتِهَا، وَيُقَالُ أَنْ لِابنِ رَائِقٍ شِعْرًا مِنْهُ:
يَصْفَرُّ وَجْهِي إِذَا تَأَمَّلَهُ ... طَرْفِي وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ خَجَلَا
حَتَّى كَأَنَّ الَّذِي بِوَجْنَتِهِ ... مِنْ دَمِ قَلْبِي إِلَيْهِ قَدْ نُقِلَا.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا لِلرَّاضِي بِاللَّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
ذِكْرُ عَوْدِ الْمُتَّقِي إِلَى بَغْدَاذَ، وَهَرَبِ الْبَرِيدِيِّ عَنْهَا
لَمَّا اسْتَوْلَى أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَرِيدِيُّ عَلَى بَغْدَاذَ، وَأَسَاءَ السِّيرَةَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، نَفَرَتْ عَنْهُ قُلُوبُ النَّاسِ الْعَامَّةِ وَالْأَجْنَادِ، فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ رَائِقٍ، سَارَعَ الْجُنْدُ إِلَى الْهَرَبِ مِنَ الْبَرِيدِيِّ، فَهَرَبَ خَجْخَجُ إِلَى الْمُتَّقِي، وَكَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ الْبَرِيدِيُّ عَلَى الرَّاذَانَاتِ وَمَا يَلِيهَا، ثُمَّ تَحَالَفَ تُوزُونُ وَنُوشْتِكِينُ وَالْأَتْرَاكُ عَلَى كَبْسِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَرِيدِيِّ، فَغَدَرَ نُوشْتِكِينُ، فَأَعْلَمَ الْبَرِيدِيَّ الْخَبَرَ، فَاحْتَاطَ وَأَحْضَرَ الدَّيْلَمَ عِنْدَهُ، وَقَصَدَهُ تُوزُونُ، فَحَارَبَهُ الدَّيْلَمُ، وَعَلِمَ تُوزُونُ غَدْرَ نُوشْتِكِينَ بِهِ، فَعَادَ وَمَعَهُ جُمْلَةٌ وَافِرَةٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ، وَسَارَ نَحْوَ الْمَوْصِلِ خَامِسَ رَمَضَانَ، فَقَوِيَ بِهِمُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَعَزَمَ عَلَى الِانْحِدَارِ إِلَى بَغْدَاذَ، وَتَجَهَّزَ وَانْحَدَرَ هُوَ وَالْمُتَّقِي، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى أَعْمَالِ الْخَرَاجِ وَالضِّيَاعِ بِدِيَارِ مُضَرَ، وَهِيَ الرُّهَا وَحَرَّانُ وَالرَّقَّةُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ طِيَّابٍ، وَسَيَّرَهُ مِنَ الْمَوْصِلِ.
وَكَانَ عَلَى دِيَارِ مُضَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُقَاتِلٍ خَلِيفَةً لِابْنِ رَائِقٍ،
стр. 3837
فَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ مُقَاتِلٍ، وَاسْتَوْلَى ابْنُ طِيَّابٍ عَلَيْهَا، فَلَمَّا قَارَبَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ وَنَاصِرُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ بَغْدَاذَ، هَرَبَ أَبُو الْحُسَيْنِ مِنْهَا إِلَى وَاسِطَ، وَاضْطَرَبَتِ الْعَامَّةُ بِبَغْدَاذَ، وَنَهَبَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَكَانَ مَقَامُ أَبِي الْحُسَيْنِ بِبَغْدَاذَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَدَخَلَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ إِلَى بَغْدَاذَ وَمَعَهُ بَنُو حَمْدَانَ فِي جُيُوشٍ كَثِيرَةٍ، وَاسْتَوْزَرَ الْمُتَّقِي أَبَا إِسْحَاقَ الْقَرَارِيطِيَّ، وَقَلَّدَ تُوزُونَ شُرْطَةَ جَانِبَيْ بَغْدَاذَ، وَذَلِكَ فِي شَوَّالٍ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ ابْنِ حَمْدَانَ وَالْبَرِيدِيِّ
لَمَّا هَرَبَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَرِيدِيُّ إِلَى وَاسِطَ، وَوَصَلَ بَنُو حَمْدَانَ وَالْمُتَّقِي إِلَى بَغْدَاذَ، خَرَجَ بَنُو حَمْدَانَ عَنْ بَغْدَاذَ نَحْوَ وَاسِطَ، وَكَانَ أَبُو الْحُسَيْنِ قَدْ سَارَ مِنْ وَاسِطَ إِلَيْهِمْ بِبَغْدَاذَ، فَأَقَامَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بِالْمَدَائِنِ، وَسَيَّرَ أَخَاهُ سَيْفَ الدَّوْلَةِ وَابْنَ عَمِّهِ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ حَمْدَانَ فِي الْجَيْشِ إِلَى قِتَالِ أَبِي الْحُسَيْنِ، فَالْتَقَوْا نَحْوَ الْمَدَائِنِ بِفَرْسَخَيْنِ، وَاقْتَتَلُوا عِدَّةَ أَيَّامٍ آخِرُهَا رَابِعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَ تُوزُونُ وَخَجْخَجُ وَالْأَتْرَاكُ مَعَ ابْنِ حَمْدَانَ، فَانْهَزَمَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَبِهَا نَاصِرُ الدَّوْلَةِ، فَرَدَّهُمْ وَأَضَافَ إِلَيْهِمْ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْجَيْشِ، فَعَاوَدُوا الْقِتَالَ، فَانْهَزَمَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَرِيدِيُّ، وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِهِ، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ، وَعَادَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَرِيدِيُّ مُنْهَزِمًا إِلَى وَاسِطَ، وَلَمْ يَقْدِرْ سَيْفُ الدَّوْلَةِ عَلَى اتِّبَاعِهِ إِلَيْهَا ; لِمَا فِي أَصْحَابِهِ مِنَ الْوَهْنِ وَالْجِرَاحِ.
وَكَانَ الْمُتَّقِي قَدْ سَيَّرَ أَهْلَهُ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى، فَأَعَادَهُمْ، وَكَانَ أَعْيَانُ النَّاسِ قَدْ هَرَبُوا مِنْ بَغْدَاذَ، فَلَمَّا انْهَزَمَ الْبَرِيدِيُّ عَادُوا إِلَيْهَا، وَعَادَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَدَخَلَهَا ثَالِثَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْأَسْرَى عَلَى الْجِمَالِ، وَلَمَّا اسْتَرَاحَ
стр. 3838
سَيْفُ الدَّوْلَةِ وَأَصْحَابُهُ، انْحَدَرُوا مِنْ مَوْضِعِ الْمَعْرَكَةِ إِلَى وَاسِطَ، فَرَأَوُا الْبَرِيدِيَّيْنَ قَدِ انْحَدَرُوا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَأَقَامَ بِوَاسِطَ وَمَعَهُ الْجَيْشُ، وَسَنَذْكُرُ مِنْ أَخْبَارِهِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] .
وَلَمَّا عَادَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ، نَظَرَ فِي الْعِيَارِ، فَرَآهُ نَاقِصًا، فَأَمَرَ بِإِصْلَاحِ الدَّنَانِيرِ، فَضَرَبَ دَنَانِيرَ سَمَّاهَا الْإِبْرِيزِيَّةَ، عِيَارُهَا خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهَا، فَكَانَ الدِّينَارُ بِعَشَرَةِ دَارَهِمَ، فَبِيعَ هَذَا الدِّينَارُ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الدَّيْلَمِ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ
كَانَتْ أَذْرَبِيجَانُ بِيَدِ دَيْسَمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكُرْدِيِّ، وَكَانَ قَدْ صَحِبَ يُوسُفَ بْنَ أَبِي السَّاجِ، وَخَدَمَ وَتَقَدَّمَ حَتَّى اسْتَوْلَى عَلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَكَانَ يَقُولُ بِمَذْهَبِ الشُّرَاةِ هُوَ وَأَبُوهُ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَصْحَابِ هَارُونَ الشَّارِيِّ، فَلَمَّا قُتِلَ هَارُونُ، هَرَبَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَتَزَوَّجَ ابْنَةَ رَئِيسٍ مِنْ أَكْرَادِهَا، فَوَلَدَتْ لَهُ دَيْسَمَ، فَانْضَمَّ إِلَى أَبِي السَّاجِ، فَارْتَفَعَ وَكَبُرَ شَأْنُهُ، وَتَقَدَّمَ إِلَى أَنْ مَلَكَ أَذْرَبِيجَانَ بَعْدَ يُوسُفَ بْنِ أَبِي السَّاجِ، وَكَانَ مُعْظَمُ جُيُوشِهِ الْأَكْرَادُ، إِلَّا نَفَرًا يَسِيرًا مِنَ الدَّيْلَمِ مِنْ عَسْكَرِ وَشْمَكِيرَ، أَقَامُوا عِنْدَهُ حِينَ صَحِبُوهُ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ.
ثُمَّ إِنَّ الْأَكْرَادَ تَقَوَّوْا، وَتَحَكَّمُوا عَلَيْهِ، وَتَغَلَبُّوا عَلَى بَعْضِ قِلَاعِهِ وَأَطْرَافِ بِلَادِهِ، فَرَأَى أَنْ يَسْتَظْهِرَ عَلَيْهِمْ بِالدَّيْلَمِ، فَاسْتَكْثَرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَكَانَ فِيهِمْ صُعْلُوكُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسَافِرٍ، وَعَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ وَغَيْرُهُمَا، فَأَكْرَمَهُمْ دَيْسَمُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَانْتَزَعَ مِنَ الْأَكْرَادِ مَا تَغَلَّبُوا عَلَيْهِ مِنْ بِلَادِهِ، وَقَبَضَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ.
стр. 3839
وَكَانَ وَزِيرُهُ أَبَا الْقَاسِمِ عَلِيَّ بْنَ جَعْفَرٍ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ أَذْرَبِيجَانَ، فَسَعَى بِهِ أَعْدَاؤُهُ، فَأَخَافَهُ دَيْسَمُ، فَهَرَبَ إِلَى الطَّرْمِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مُسَافِرٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ رَأَى ابْنَيْهِ وَهْسُوذَانَ وَالْمَرْزُبَانَ قَدِ اسْتَوْحَشَا مِنْهُ، وَاسْتَوْلَيَا عَلَى بَعْضِ قِلَاعِهِ، وَكَانَ سَبَبُ وَحْشَتِهِمَا سُوءَ مُعَامَلَتِهِ مَعَهُمَا وَمَعَ غَيْرِهِمَا، ثُمَّ إِنَّهُمَا قَبَضَا عَلَى أَبِيهِمَا مُحَمَّدِ بْنِ مُسَافِرٍ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُ وَذَخَائِرَهُ، وَبَقِيَ فِي حِصْنٍ آخَرَ وَحِيدًا فَرِيدًا بِغَيْرِ مَالٍ وَلَا عُدَّةٍ، فَرَأَى عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ الْحَالَ، فَتَقَرَّبَ إِلَى الْمَزْرُبَانَ وَخَدَمَهُ وَأَطْعَمَهُ فِي أَذْرَبِيجَانَ، وَضَمِنَ لَهُ تَحْصِيلَ أَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ يَعْرِفُ هُوَ وُجُوهَهَا، فَقَلَّدَهُ وِزَارَتَهُ.
وَكَانَ يَجْمَعْهُمَا مَعَ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُمَا كَانَا مَعَ الشِّيعَةِ، فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ جَعْفَرٍ كَانَ مِنْ دُعَاةِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَالْمَزْرُبَانُ مَشْهُورٌ بِذَلِكَ، وَكَانَ دَيْسَمُ كَمَا ذَكَرْنَا يَذْهَبُ إِلَى مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ فِي بُغْضِ عَلِيٍّ، ﵇. فَنَفَرَ عَنْهُ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الدَّيْلَمِ، وَابْتَدَأَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ فَكَاتَبَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَوْحِشُ مِنْ دَيْسَمَ يَسْتَمِيلَهُ، إِلَى أَنْ أَجَابَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَفَسَدَتْ قُلُوبُهُمْ عَلَى دَيْسَمَ، وَخَاصَّةً الدَّيْلَمُ، وَسَارَ الْمَرْزُبَانُ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَسَارَ دَيْسَمُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا الْتَقَيَا لِلْحَرْبِ عَادَ الدَّيْلَمُ إِلَى الْمَرْزُبَانِ، وَتَبِعَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الْأَكْرَادِ مُسْتَأْمِنِينَ، فَحَمَلَ الْمَرْزُبَانُ عَلَى دَيْسَمَ، فَهَرَبَ فِي طَائِفَةٍ يَسِيرَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ، وَاعْتَصَمَ بِحَاجِيقَ بْنِ الدِّيرَانِيِّ، لِمَوَدَّةٍ بَيْنِهِمَا، فَأَكْرَمَهُ وَاسْتَأْنَفَ دَيْسَمُ يُؤَلِّفُ الْأَكْرَادَ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُشِيرُونَ عَلَيْهِ بِإِبْعَادِ الدَّيْلَمِ لِمُخَالَفَتِهِمْ إِيَّاهُ فِي الْجِنْسِ وَالْمَذْهَبِ، فَعَصَاهُمْ وَمَلَّكَ الْمَرْزُبَانَ أَذْرَبِيجَانَ، وَاسْتَقَامَ أَمْرُهُ إِلَى أَنْ فَسَدَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَزِيرِهِ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ.
وَكَانَ سَبَبُ الْوَحْشَةِ بَيْنَهُمَا أَنَّ عَلِيًّا أَسَاءَ السِّيرَةَ مَعَ أَصْحَابِ الْمَرْزُبَانِ، (فَتَضَافَرُوا عَلَيْهِ، فَأَحَسَّ بِذَلِكَ، فَاحْتَالَ عَلَى الْمَرْزُبَانِ) فَأَطْمَعَهُ فِي أَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ يَأْخُذُهَا لَهُ مِنْ بَلَدِ تِبْرِيزَ، فَضَمَّ جُنْدًا مِنَ الدَّيْلَمِ وَسَيَّرَهُمْ إِلَيْهَا، فَاسْتَمَالَ أَهْلَ الْبَلَدِ، فَعَرَّفَهُمْ أَنَّ الْمَرْزُبَانَ إِنَّمَا سَيَّرَهُ إِلَيْهِمْ لِيَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ، وَحَسَّنَ لَهُمْ قَتْلَ مَنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الدَّيْلَمِ، وَمُكَاتَبَةَ دَيْسَمَ لِيَقَدُمَ عَلَيْهِمْ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ.
стр. 3840
وَكَاتَبَ دَيْسَمَ، وَوَثَبَ أَهْلُ الْبَلَدِ بِالدَّيْلَمِ فَقَتَلُوهُمْ، وَسَارَ دَيْسَمُ فِيمَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى تِبْرِيزَ، وَكَانَ الْمَرْزُبَانُ قَدْ أَسَاءَ إِلَى مَنِ اسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَكْرَادِ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِدَيْسَمَ أَنَّهُ يُرِيدُ تِبْرِيزَ سَارُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا اتَّصَلَ ذَلِكَ بِالْمَرْزُبَانِ، نَدِمَ عَلَى إِيحَاشِ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، ثُمَّ جَمَعَ عَسْكَرَهُ وَسَارَ إِلَى تِبْرِيزَ، فَتَحَارَبَ هُوَ وَدَيْسَمُ بِظَاهِرِ تِبْرِيزَ، فَانْهَزَمَ دَيْسَمُ وَالْأَكْرَادُ، وَعَادُوا فَتَحَصَّنُوا بِتِبْرِيزَ، وَحَصَرَهُمُ الْمَرْزُبَانُ وَأَخَذَ فِي إِصْلَاحِ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ وَمُرَاسَلَتِهِ، وَبَذَلَ لَهُ الْأَيْمَانَ عَلَى مَا يُرِيدُهُ، فَأَجَابَهُ عَلِيٌّ: إِنَّنِي لَا أُرِيدُ مِنْ جَمِيعِ مَا بَذَلْتَهُ إِلَّا السَّلَامَةَ وَتَرْكَ الْعَمَلَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ وَحَلَفَ لَهُ.
وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَى دَيْسَمَ، فَسَارَ مِنْ تِبْرِيزَ إِلَى أَرْدَبِيلَ، (وَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ إِلَى الْمَزْرَبَانِ، فَسَارُوا إِلَى أَرْدَبِيلَ) وَتَرَكَ الْمَرْزُبَانُ عَلَى تِبْرِيزِ مَنْ يَحْصُرُهَا، وَحَصَرَ هُوَ دَيْسَمَ بِأَرْدَبِيلَ، فَلَمَّا طَالَ الْحِصَارُ عَلَيْهِ طَلَبَ الصُّلْحَ، وَرَاسَلَ الْمَرْزُبَانَ فِي ذَلِكَ، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ، فَاصْطَلَحَا وَتَسَلَّمَ الْمَرْزُبَانُ أَرْدَبِيلَ، فَأَكْرَمَ دَيْسَمَ وَعَظَّمَهُ، وَوَفَّى لَهُ بِمَا حَلَفَ لَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ دَيْسَمَ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْمَرْزُبَانِ، فَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُسَيِّرَهُ إِلَى قَلْعَتِهِ بِالطَّرْمِ فَيَكُونَ فِيهَا هُوَ وَأَهْلُهُ، وَيَقْنَعَ بِمَا يَتَحَصَّلُ لَهُ مِنْهَا، وَلَا يُكَلِّفَهُ شَيْئًا آخَرَ، فَفَعَلَ الْمَرْزُبَانُ ذَلِكَ، وَأَقَامَ دَيْسَمُ بِقَلْعَتِهِ هُوَ وَأَهْلُهُ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُحْتَاجٍ عَلَى بَلَدِ الْجَبَلِ، وَطَاعَةِ وَشْمَكِيرَ لِلْسَامَانِيِّةِ
قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] مَسِيرَ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُحْتَاجٍ صَاحِبِ جُيُوشِ خُرَاسَانَ لِلْسَامَانِيِّةِ إِلَى الرَّيِّ، وَأَخَذَهَا مِنْ وَشْمَكِيرَ، وَمَسِيرَ وَشْمَكِيرَ إِلَى طَبَرِسْتَانَ، وَأَقَامَ أَبُو عَلِيٍّ بِالرَّيِّ بَعْدَ مِلْكِهَا تِلْكَ الشَّتْوَةِ، وَسَيَّرَ الْعَسَاكِرَ إِلَى بَلَدِ الْجَبَلِ فَافْتَتَحَهَا، وَاسْتَوْلَى عَلَى زِنْكَانَ، وَأَبْهَرَ، وَقَزْوِينَ، وَقُمَّ، وَكَرَجَ، وَهَمَذَانَ، وَنَهَاوَنْدَ وَالدِّينَوَرَ إِلَى حُدُودِ حُلْوَانَ، وَرَتَّبَ فِيهَا الْعُمَّالَ، وَجَبَى أَمْوَالَهَا.
стр. 3841
وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ الْفَيْرُزَانِ بِسَارِيَةٍ، فَقَصَدَهُ وَشْمَكِيرُ وَحَصَرَهُ، فَسَارَ إِلَى أَبِي عَلِيٍّ وَاسْتَنْجَدَهُ، وَأَقَامَ وَشْمَكِيرُ مُتَحَصِّنًا بِسَارِيَةٍ، فَسَارَ إِلَيْهِ أَبُو عَلِيٍّ وَمَعَهُ الْحَسَنُ وَحَصَرَاهُ بِهَا سَنَةَ ثَلَاثِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِ بِالْقِتَالِ كُلَّ يَوْمٍ، وَهُمْ فِي شِتَاءٍ شَاتٍ كَثِيرِ الْمَطَرِ، فَسَأَلَ وَشْمَكِيرُ الْمُوَاعَدَةَ، فَصَالَحَهُ أَبُو عَلِيٍّ، وَأَخَذَ رَهَائِنَهُ عَلَى لُزُومِ طَاعَةِ الْأَمِيرِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ السَّامَانِيِّ، وَرَحَلَ عَنْهُ إِلَى جُرْجَانَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَأَتَاهُ مَوْتُ الْأَمِيرِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ، فَسَارَ عَنْهَا إِلَى خُرَاسَانَ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الْحَسَنِ بْنِ الْفَيْرُزَانِ عَلَى جُرْجَانَ
كَانَ الْحَسَنُ بْنُ الْفَيْرُزَانِ عَمَّ مَاكَانَ بْنِ كَالِي، وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ فِي الشَّجَاعَةِ، فَلَمَّا قُتِلَ مَاكَانُ، رَاسَلَهُ وَشْمَكِيرُ لِيَدْخُلَ فِي طَاعَتِهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَكَانَ بِمَدِينَةِ سَارِيَةَ، وَصَارَ يَسُبُّ وَشْمَكِيرَ، وَيَنْسُبُهُ إِلَى الْمُوَاطَأَةِ عَلَى قَتْلِ مَاكَانَ، فَقَصَدَهُ وَشْمَكِيرُ، فَسَارَ الْحَسَنُ مِنْ سَارِيَةَ إِلَى أَبِي عَلِيٍّ صَاحِبِ جُيُوشِ خُرَاسَانَ، وَاسْتَنْجَدَهُ، فَسَارَ مَعَهُ أَبُو عَلِيٍّ مِنَ الرَّيِّ، فَحَصَرَ وَشْمَكِيرَ بِسَارِيَةَ، وَأَقَامَ يُحَاصِرُهُ إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، وَاصْطَلَحَا.
وَعَادَ أَبُو عَلِيٍّ إِلَى خُرَاسَانَ، وَأَخَذَ ابْنًا لِوَشْمَكِيرَ - اسْمُهُ سَالَارُ - رَهِينَةً، وَصَحِبَهُ الْحَسَنُ بْنُ الْفَيْرُزَانِ، وَهُوَ كَارِهٌ لِلصُّلْحِ، فَبَلَغَهُ وَفَاةُ السَّعِيدِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ صَاحِبِ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا سَمِعَ الْحَسَنُ ذَلِكَ، عَزَمَ عَلَى الْفَتْكِ بِأَبِي عَلِيٍّ، فَثَارَ بِهِ وَبِعَسْكَرِهِ، فَسَلَّمَ أَبُو عَلَيٍّ، وَنَهَبَ الْحَسَنُ سَوَادَهُ، وَأَخَذَ ابْنَ وَشْمَكِيرَ، وَعَادَ إِلَى جُرْجَانَ فَمَلَكَهَا، وَمَلَكَ الدَّامَغَانَ وَسَمْنَانَ، وَلَمَّا وَصَلَ أَبُو عَلِيٍّ إِلَى نَيْسَابُورَ، رَأَى إِبْرَاهِيمَ بْنَ سِيمَجُورَ الدَّوَاتِيَّ قَدِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ بِهَا وَخَالَفَهُ، فَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ فَاصْطَلَحُوا.
ذِكْرُ مِلْكِ وَشْمَكِيرَ الرَّيَّ
لَمَّا انْصَرَفَ أَبُو عَلِيٍّ إِلَى خُرَاسَانَ، وَجَرَى عَلَيْهِ مِنَ الْحَسَنِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَعَادَ إِلَى جُرْجَانَ، سَارَ وَشْمَكِيرُ مِنْ طَبَرِسْتَانَ إِلَى الرَّيِّ، فَمَلَكَهَا وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَرَاسَلَهُ الْحَسَنُ بْنُ الْفَيْرُزَانِ يَسْتَمِيلُهُ، وَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنَهُ سَالَارَ الَّذِي كَانَ عِنْدَ أَبِي عَلِيٍّ رَهِينَةً، وَقَصَدَ أَنْ يَتَقَوَّى بِهِ
стр. 3842
عَلَى الْخُرَاسَانِيَّةِ إِنْ عَادُوا إِلَيْهِ، فَأَلَانَ لَهُ وَشْمَكِيرُ الْجَوَابَ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِمَا يُخَالِفُ قَاعِدَتَهُ مَعَ أَبِي عَلِيٍّ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ عَلَى الرَّيِّ
لَمَّا سَمِعَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ وَأَخُوهُ عِمَادُ الدَّوْلَةِ ابْنَا بُوَيْهِ بِمِلْكِ وَشْمَكِيرَ الرَّيَّ، طَمِعَا فِيهِ ; لِأَنَّ وَشْمَكِيرُ كَانَ قَدْ ضَعُفَ، وَقَلَّتْ رِجَالُهُ وَمَالُهُ بِتِلْكَ الْحَادِثَةِ مَعَ أَبِي عَلِيٍّ، فَسَارَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ الْحَسَنُ بْنُ بُوَيْهِ إِلَى الرَّيِّ، وَاقْتَتَلَ هُوَ وَوَشْمَكِيرُ، فَانْهَزَمَ وَشْمَكِيرُ، وَاسْتَأْمَنَ كَثِيرٌ مِنْ رِجَالِهِ إِلَى رُكْنِ الدَّوْلَةِ، فَسَارَ وَشْمَكِيرُ إِلَى طَبَرِسْتَانَ، فَقَصَدَهُ الْحَسَنُ بْنُ الْفَيْرُزَانِ، فَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ عَسْكَرِهِ أَيْضًا، فَانْهَزَمَ وَشْمَكِيرُ إِلَى خُرَاسَانَ.
ثُمَّ إِنَّ الْحَسَنَ بْنَ الْفَيْرُزَانِ رَاسَلَ رُكْنَ الدَّوْلَةِ وَوَاصَلَهُ، فَتَزَوَّجَ (رُكْنُ الدَّوْلَةِ) بِنْتًا لِلْحَسَنِ، فَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدَهُ فَخْرَ الدَّوْلَةِ عَلِيًّا.
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَذْكُرَ هَذِهِ الْحَوَادِثَ بَعْدَ وَفَاةِ السَّعِيدِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا هَاهُنَا ; لِيَتْلُوَ بَعْضُهَا بَعْضًا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ صُرِفَ بَدْرٌ الْخَرْشَنِيُّ عَنْ حَجَبَةِ الْخَلِيفَةِ، وَجُعِلَ مَكَانَهُ سَلَامَةُ الطُّولُونِيُّ.
وَفِيهَا ظَهَرَ كَوْكَبٌ فِي الْمُحَرَّمِ بِذَنَبٍ عَظِيمٍ فِي أَوَّلِ بُرْجِ الْقَوْسِ، وَآخِرِ بُرْجِ الْعَقْرَبِ بَيْنَ الْغَرْبِ وَالشَّمَالِ، (وَكَانَ رَأْسُهُ فِي الْمَغْرِبِ وَذَنَبُهُ فِي الْمَشْرِقِ، وَكَانَ عَظِيمًا مُنْتَشِرَ الذَّنَبِ، وَبَقِيَ ظَاهِرًا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَسَارَ فِي الْقَوْسِ وَالْجَدْيِ، ثُمَّ اضْمَحَلَّ) .
وَفِيهَا اشْتَدَّ الْغَلَاءُ لَا سِيَّمَا بِالْعِرَاقِ، وَبِيعَ الْخُبْزُ أَرْبَعَةُ أَرْطَالٍ بِقِيرَاطَيْنِ صَحِيحٍ أَمِيرِيٍّ، وَأَكَلَ الضُّعَفَاءُ الْمَيْتَةَ، وَكَثُرَ الْوَبَاءُ وَالْمَوْتُ جِدًّا.
стр. 3843
وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَصَلَ الرُّومُ إِلَى قُرْبِ حَلَبَ، وَنَهَبُوا وَخَرَّبُوا الْبِلَادَ، وَسَبَوْا نَحْوَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ إِنْسَانٍ.
وَفِيهَا دَخَلَ الثَّمَلِيُّ مِنْ نَاحِيَةِ طَرَسُوسَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، فَقَتَلَ وَسَبَى، وَغَنِمَ وَعَادَ سَالِمًا، وَقَدْ أَسَرَ عِدَّةً مِنْ بَطَارِقَتِهِمُ الْمَشْهُورِينَ.
وَفِيهَا فِي ذِي الْقِعْدَةِ، قَلَّدَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ بَدْرًا الْخَرْشَنِيَّ طَرِيقَ الْفُرَاتِ، فَسَارَ إِلَى الْإِخْشِيدِ مُسْتَأْمِنًا، فَقَلَّدَهُ بَلْدَةَ دِمَشْقَ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ مُدَّةٍ، حُمَّ وَمَاتَ بِهَا.
وَفِيهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وُلِدَ أَبُو مَنْصُورِ بُوَيْهِ بْنِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، وَهُوَ مُؤَيِّدُ الدَّوْلَةِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ (عَبْدِ اللَّهِ) الْمَعْرُوفُ بِالصَّيْرَفِيِّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَلَهُ تَصَانِيفُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ مِنَ الْمُكْثِرِينَ فِي الْحَدِيثِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ (خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ) (وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ وَفَارِسَ، فَاسْتَعْفَى مِنَ الْقَضَاءِ وَأَلَحَّ فِي ذَلِكَ، فَأُجِيبَ إِلَيْهِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي) بِشْرٍ الْأَشْعَرِيُّ الْمُتَكَلِّمُ، صَاحِبُ الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ.
стр. 3844
وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ (بْنُ مُحَمَّدٍ) الْجَيْهَانِيُّ وَزِيرُ السَّعِيدِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ تَحْتَ الْهَدْمِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ [بْنِ بِشْرِ] بْنِ النَّضْرِ الْهَرَوِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَخَذَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ وَتَعَلَّمَ مِنْهُ.
стр. 3845
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣٣١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ ظَفْرِ نَاصِرٍ بِعَدْلِ الْبُجْكُمِيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَفِرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَمْدَانَ بِعَدْلٍ حَاجِبِ بُجْكُمَ، وَسَمَلَهُ، وَسَيَّرَهُ إِلَى بَغْدَاذَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَدْلًا صَارَ بَعْدَ قَتْلِ بُجْكُمَ مَعَ ابْنِ رَائِقٍ، وَسَارَ مَعَهُ (إِلَى بَغْدَاذَ، وَأَصْعَدَ مَعَهُ) إِلَى الْمَوْصِلِ، فَلَمَّا قَتَلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ أَبَا بَكْرِ بْنَ رَائِقٍ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، صَارَ عَدْلٌ فِي جُمْلَةِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، فَسَيَّرَهُ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ مَعَ عَلِيِّ بْنِ خَلَفِ بْنِ طِيَّابٍ إِلَى دِيَارِ مُضَرَ، وَالشَّامِ الَّذِي كَانَ بِيَدِ ابْنِ رَائِقٍ، (وَكَانَ بِالرَّحْبَةِ مِنْ جِهَةِ ابْنِ رَائِقٍ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مُسَافِرُ بْنُ الْحَسَنِ، فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ رَائِقٍ، اسْتَوْلَى مُسَافِرٌ هَذَا عَلَى النَّاحِيَةِ، وَمَنَعَ مِنْهَا، وَجَبَى خَرَاجَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ طِيَّابٍ عَدْلًا فِي جَيْشٍ لِيُخْرِجَهُ عَنِ الرَّحْبَةِ، فَلَمَّا سَارَ إِلَيْهَا، فَارَقَهَا مُسَافِرٌ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَمَلَكَ عَدْلٌ الْحَاجِبُ الْبَلَدَ، وَكَاتَبَ مَنْ بِبَغْدَادَ مِنَ الْبُجْكُمِيَّةَ، فَقَصَدُوهُ مُسْتَخْفِينَ، فَقَوِيَ أَمْرُهُ بِهِمْ، وَاسْتَوْلَى عَلَى طَرِيقِ الْفُرَاتِ وَبَعْضِ الْخَابُورِ.
ثُمَّ إِنَّ مُسَافِرًا جَمَعَ جَمْعًا مِنْ بَنِي نُمَيرٍ وَسَارَ إِلَى قَرْقِيسِيَا، فَأَخْرَجَ مِنْهَا أَصْحَابَ عَدْلٍ وَمَلَكَهَا، فَسَارَ عَدْلٌ إِلَيْهَا، وَاسْتَتَرَ عَنْهَا، وَعَزَمَ عَدْلٌ عَلَى قَصْدِ الْخَابُورِ وَمَلْكِهِ، فَاحْتَاطَ أَهْلُهُ مِنْهُ، وَاسْتَنْصَرُوا بِبَنِي نُمَيرٍ، فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ عَدْلٌ، تَرَكَ قَصْدَهُمْ.
ثُمَّ صَارَ يَرْكَبُ كُلَّ يَوْمٍ قَبْلَ الْعَصْرِ بِسَاعَةٍ فِي جَمِيعِ عَسْكَرِهِ وَيَطُوفُ صَحَارِيَ قَرْقِيسِيَا إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، وَعُيُونُهُ تَأْتِيهِ مِنْ أَهْلِ الْخَابُورِ بِأَنَّهُمْ يَحْذَرُونَ كُلَّمَا سَمِعُوا
стр. 3846
بِحَرَكَتِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ الْخَابُورِ اتِّصَالَ رُكُوبِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْصِدُهُمْ، فَرَّقُوا جَمْعَهُمْ وَأَمِنُوهُ، فَأَتَتْهُ عُيُونُهُ بِذَلِكَ عَلَى رَسْمِهِ، فَلَمَّا تَكَامَلَ رِجَالُهُ أَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ، وَأَنْ يُرْسِلُوا غِلْمَانَهُمْ فِي حَمْلِ أَثْقَالِهِمْ، وَسَارَ لِوَقْتِهِ فَصَبَّحَ الشَّمْسَانِيَّةَ، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ قُرَى الْخَابُورِ وَأَحْصَنِهَا، فَتَحَصَّنَ أَهْلُهَا مِنْهُ، فَقَاتَلَهُمْ وَنَقَبَ السُّورَ وَمَلَكَهَا وَقَتَلَ فِيهَا، وَأَخَذَ مِنْ أَهْلِهَا مَالًا كَثِيرًا، وَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى غَيرِهَا، فَبَقِيَ فِي الْخَابُورِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَجَبَى الْخَرَاجَ وَالْأَمْوَالَ الْعَظِيمَةَ، وَاسْتَظْهَرَ بِهَا، وَقَوِيَ أَصْحَابُهُ بِمَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا، وَعَادَ إِلَى الرَّحْبَةِ، وَاتَّسَعَتْ حَالُهُ، وَاشْتَدَّ أَمْرُهُ، وَقَصَدَهُ الْعَسَاكِرُ مِنْ بَغْدَاذَ، فَعَظُمَ حَالُهُ.
ثُمَّ إِنَّهُ سَارَ يُرِيدُ نَصِيبِينَ لِعِلْمِهِ بِبُعْدِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ عَنِ الْمَوْصِلِ وَالْبِلَادِ الْجَزِيرِيَّةِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ قَصْدُ الرَّقَّةِ وَحَرَّانَ لِأَنَّهَا كَانَ بِهَا يَأْنَسُ الْمُؤْنِسِيُّ فِي عَسْكَرٍ، وَمَعَهُ جَمْعٌ مِنْ بَنِي نُمَيْرٍ، فَتَرَكَهَا وَسَارَ إِلَى رَأْسِ عَيْنٍ، وَمِنْهَا إِلَى نَصِيبِينَ، فَاتَّصَلَ خَبَرُهُ بِالْحُسَيْنِ بْنِ حَمْدَانَ، فَجَمَعَ الْجَيْشَ وَسَارَ إِلَيْهِ إِلَى نَصِيبِينَ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ لَقِيَهُ عَدْلٌ فِي جَيْشِهِ، فَلَمَّا الْتَقَى الْعَسْكَرَانِ، اسْتَأْمَنَ أَصْحَابُهُ مِنْ عَدْلٍ إِلَى ابْنِ حَمْدَانَ، وَبَقِيَ مَعَهُ مِنْهُمْ نَفَرٌ يَسِيرٌ مِنْ خَاصَّتِهِ، فَأَسَرَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَأَسَرَ مَعَهُ ابْنَهُ، فَسَمَلَ عَدْلًا، وَسَيَّرَهُمَا إِلَى بَغْدَاذَ، فَوَصَلَهَا فِي الْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ، فَشُهِّرَ هُوَ وَابْنُهُ فِيهَا.
ذِكْرُ حَالِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بِوَاسِطَ
قَدْ ذَكَرْنَا مُقَامَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ عَلِيِّ بْنِ حَمْدَانَ بِوَاسِطَ بَعْدَ انْحِدَارِ الْبَرِيدِيِّينَ عَنْهَا، وَكَانَ يُرِيدُ الِانْحِدَارَ إِلَى الْبَصْرَةِ لِأَخْذِهَا مِنَ الْبَرِيدِيِّ، وَلَا يُمْكِنُهُ لِقِلَّةِ الْمَالِ عِنْدَهُ، وَيَكْتُبُ إِلَى أَخِيهِ فِي ذَلِكَ، فَلَا يُنْفِذُ إِلَيْهِ شَيْئًا، وَكَانَ تُوزُونُ وَخَجْخَجُ يُسِيئَانِ الْأَدَبَ وَيَتَحَكَّمَانِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ إِنَّ نَاصِرَ الدَّوْلَةِ أَنْفَذَ إِلَى أَخِيهِ مَالًا مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ لِيُفَرِّقَهُ فِي الْأَتْرَاكِ، فَأَسْمَعَهُ تُوزُونُ وَخَجْخَجُ الْمَكْرُوهَ، وَثَارَا بِهِ، فَأَخَذَهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ وَغَيَّبَهُ عَنْهُمَا وَسَيَّرَهُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَأَمَرَ تُوزُونَ أَنْ يَسِيرَ إِلَى الْجَامِدَةِ وَيَأْخُذَهَا وَيَنْفَرِدَ بِحَاصِلِهَا، وَأَمَرَ خَجْخَجَ أَنْ يَسِيرَ إِلَى مَذَارَ وَيَحْفَظَهَا وَيَأْخُذَ حَاصِلَهَا،
стр. 3847
وَكَانَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ يَزْهَدُ بِالْأَتْرَاكِ فِي الْعِرَاقِ، وَيُحْسِنُ لَهُمْ قَصْدَ الشَّامِ مَعَهُ وَالِاسْتِيلَاءَ عَلَيْهِ وَعَلَى مِصْرَ، وَيَقَعُ فِي أَخِيهِ عِنْدَهُمْ، فَكَانُوا يُصَدِّقُونَهُ فِي أَخِيهِ، وَلَا يُجِيبُونَهُ إِلَى الْمَسِيرِ إِلَى الشَّامِ مَعَهُ، وَيَتَسَحَّبُونَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يُجِيبُهُمْ إِلَى الَّذِي يُرِيدُونَهُ.
فَلَمَّا كَانَ سَلْخُ شَعْبَانَ، ثَارَ الْأَتْرَاكُ بِسَيْفِ الدَّوْلَةِ فَكَبَسُوهُ لَيْلًا، فَهَرَبَ مِنْ مُعَسْكَرِهِ إِلَى بَغْدَاذَ، وَنَهَبَ سَوَادَهُ، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَأَمَّا نَاصِرُ الدَّوْلَةِ فَإِنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، بَرَزَ لِيَسِيرَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَرَكِبَ الْمُتَّقِي إِلَيْهِ، وَسَأَلَهُ التَّوَقُّفَ عَنِ الْمَسِيرِ، فَأَظْهَرَ لَهُ الْإِجَابَةَ إِلَى أَنْ عَادَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ وَنُهِبَتْ دَارُهُ، وَثَارَ الدَّيْلَمُ وَالْأَتْرَاكُ وَدَبَّرَ الْأَمْرَ أَبُو إِسْحَاقَ الْقَرَارِيطِيُّ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ بِوِزَارَةٍ.
وَكَانَتْ إِمَارَةُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ بِبَغْدَاذَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَوِزَارَةُ أَبِي الْعَبَّاسِ إِلَى الْأَصْبَهَانَيِّ أَحَدًا وَخَمْسِينَ يَوْمًا، وَوَصَلَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ.
ذِكْرُ حَالِ الْأَتْرَاكِ بَعْدَ إِصْعَادِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ
لَمَّا هَرَبَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ مِنْ وَاسِطَ، عَادَ الْأَتْرَاكُ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ، فَوَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ تُوزُونَ وَخَجْخَجَ، وَتَنَازَعَا الْإِمَارَةَ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْحَالُ عَلَى أَنْ يَكُونَ تُوزُونُ أَمِيرًا وَخَجْخَجُ صَاحِبَ الْجَيْشِ، وَتَصَاهَرَا.
وَطَمِعَ الْبَرِيدِيُّ فِي وَاسِطَ، فَأَصْعَدَ إِلَيْهَا، فَأَمَرَ تُوزُونُ خَجْخَجَ بِالْمَسِيرِ إِلَى نَهَرِ أَبَانٍ، وَأَرْسَلَ الْبَرِيدِيُّ إِلَى تُوزُونَ يَطْلُبُ أَنْ يُضَمِّنَهُ وَاسِطَ، فَرَدَّهُ رَدًا جَمِيلًا، وَلَمْ يَفْعَلْ. وَلَمَّا عَادَ الرَّسُولُ أَتْبَعَهُ تُوزُونُ بِجَاسُوسٍ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِ مَعَ خَجْخَجَ، فَعَادَ الْجَاسُوسُ فَأَخْبَرَ تُوزُونَ بِأَنَّ الرَّسُولَ اجْتَمَعَ هُوَ وَخَجْخَجُ وَطَالَ الْحَدِيثُ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّ خَجْخَجَ يُرِيدُ أَنْ
стр. 3848
يَنْتَقِلَ إِلَى الْبَرِيدِيِّ، فَسَارَ تُوزُونُ إِلَيْهِ جَرِيدَةً فِي مِائَتَيْ غُلَامٍ يَثِقُ بِهِمْ، وَكَبَسَهُ فِي فِرَاشِهِ لَيْلَةَ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِ رَكِبَ دَابَّتَهُ بِقَمِيصٍ، وَفِي يَدِهِ لُتٌّ، وَدَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ قَلَيْلًا، ثُمَّ أُخِذَ وَحُمِلَ إِلَى تُوزُونَ فَحَمَلَهُ إِلَى وَاسِطَ، فَسَمَلَهُ وَأَعْمَاهُ ثَانِيَ يَوْمِ وُصُولِهِ إِلَيْهَا.
ذِكْرُ عَوْدِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ وَهَرَبِهِ عَنْهَا
لَمَّا هَرَبَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا، لَحِقَ بِأَخِيهِ، فَبَلَغَهُ خِلَافُ تُوزُونَ وَخَجْخَجَ، فَطَمِعَ فِي بَغْدَاذَ، فَعَادَ وَنَزَلَ بِبَابِ حَرْبٍ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمُتَّقِي لِلَّهِ يَطْلُبُ مِنْهُ مَالًا لِيُقَاتِلَ تُوزُونَ إِنْ قَصَدَ بَغْدَاذَ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَفَرَّقَهَا فِي أَصْحَابِهِ، وَظَهَرَ مَنْ كَانَ مُسْتَخْفِيًا بِبَغْدَاذَ وَخَرَجُوا إِلَيْهِ، وَكَانَ وُصُولُهُ ثَالِثَ عَشَرَ رَمَضَانَ.
وَلَمَّا بَلَغَ تُوزُونَ وُصُولُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ، خَلَّفَ بِوَاسِطَ كَيَغْلَغُ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ وَأَصْعَدَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَلَمَّا سَمِعَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ بِإِصْعَادِهِ، رَحَلَ مِنْ بَابِ حَرْبٍ فِيمَنِ انْضَمَّ إِلَيْهِ مِنْ أَجْنَادِ بَغْدَاذَ، وَفِيهِمُ الْحَسَنُ بْنُ هَارُونَ.
ذِكْرُ إِمَارَةِ تُوزُونَ
قَدْ ذَكَرْنَا مَسِيرَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ مِنْ بَغْدَاذَ، فَلَمَّا فَارَقَهَا دَخَلَهَا تُوزُونُ، وَكَانَ دُخُولُهُ بَغْدَاذَ فِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ الْمُتَّقِي لِلَّهِ، وَجَعَلَهُ أَمِيرَ الْأُمَرَاءِ، وَصَارَ أَبُو جَعْفَرٍ الْكَرْخِيُّ يَنْظُرُ فِي الْأُمُورِ، كَمَا كَانَ الْكُوفِيُّ يَنْظُرُ فِيهَا.
وَلَمَّا سَارَ تُوزُونُ عَنْ وَاسِطَ، أَصْعَدَ إِلَيْهَا الْبَرِيدِيُّ، فَهَرَبَ مَنْ بِهَا مِنْ أَصْحَابِ تُوزُونَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَلَمْ يُمَكِّنْ تُوزُونَ الْمُبَادَرَةَ إِلَى وَاسِطَ إِلَى أَنْ تَسْتَقِرَّ الْأُمُورُ بِبَغْدَاذَ، فَأَقَامَ إِلَى أَنْ مَضَى بَعْضُ ذِي الْقِعْدَةِ.
وَكَانَ تُوزُونُ قَدْ أَسَرَ غُلَامًا عَزِيزًا عَلَى سَيْفِ الدَّوْلَةِ قَرِيبًا مِنْهُ، يُقَالُ لَهُ ثِمَالٌ، فَأَطْلَقَهُ
стр. 3849
وَأَكْرَمَهُ وَأَنَفَذَهُ إِلَيْهِ، فَحَسُنُ مَوْقِعُ ذَلِكَ مِنْ بَنِي حَمْدَانَ، ثُمَّ إِنَّ تُوزُونَ انْحَدَرَ إِلَى وَاسِطَ لِقَصْدِ الْبَرِيدِيِّ، فَأَتَاهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ شَيْرَزَادَ (هَارِبًا مِنَ الْبَرِيدِيِّ) ، فَقَبِلَهُ وَفَرِحَ بِهِ، وَقَلَّدَهُ أُمُورَهُ كُلَّهَا.
ذِكْرُ مَسِيرِ صَاحِبِ عَمَّانَ إِلَى الْبَصْرَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، سَارَ يُوسُفُ بْنُ وَجِيهٍ صَاحِبُ عَمَّانَ فِي مَرَاكِبَ كَثِيرَةٍ يُرِيدُ الْبَصْرَةَ، وَحَارَبَ الْبَرِيدِيَّ (فَمَلَكَ الْأُبُلَّةَ) ، وَقَوِيَ قُوَّةً عَظِيمَةً، وَقَارَبَ أَنْ يَمْلِكَ الْبَصْرَةَ، فَأَشْرَفَ الْبَرِيدِيُّ وَإِخْوَتُهُ عَلَى الْهَلَاكِ.
وَكَانَ لَهُ مَلَّاحٌ يُعْرَفُ بِالرَّنَّادِيِّ، فَضَمِنَ لِلْبَرِيدِيِّ هَزِيمَةَ يُوسُفَ، فَوَعَدَهُ الْإِحْسَانَ الْعَظِيمَ، وَأَخَذَ الْمَلَّاحُ زَوْرَقَيْنِ فَمَلَأَهُمَا سَعَفًا يَابِسًا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَحَدٌ، وَأَحْدَرَهُمَا فِي اللَّيْلِ حَتَّى قَارَبَ الْأُبُلَّةَ.
وَكَانَتْ مَرَاكِبُ ابْنُ وَجِيهٍ تُشَدُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ (فِي اللَّيْلِ) ، فَتَصِيرُ كَالْجِسْرِ، فَلَمَّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَشْعَلَ ذَلِكَ الْمَلَّاحُ النَّارَ فِي السَّعَفِ الَّذِي فِي الزَّوْرَقَيْنِ، وَأَرْسَلَهُمَا مَعَ الْجَزْرِ وَالنَّارُ فِيهِمَا، فَأَقْبَلَا أَسْرَعَ مِنَ الرِّيحِ، فَوَقَعَا فِي تِلْكَ السُّفُنِ وَالْمَرَاكِبِ، فَاشْتَعَلَتْ وَاحْتَرَقَتْ قُلُوسُهَا، وَاحْتَرَقَ مَنْ فِيهَا، وَنَهَبَ النَّاسُ مِنْهَا مَالًا عَظِيمًا، وَمَضَى يُوسُفُ بْنُ وَجِيهٍ هَارِبًا فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، (وَأَحْسَنَ الْبَرِيدِيُّ إِلَى ذَلِكَ الْمَلَّاحِ) ، وَفِي هَذِهِ الْفِتْنَةِ هَرَبَ ابْنُ شَيْرَزَادَ (مِنَ الْبَرِيدِيِّ) وَأَصْعَدَ إِلَى تُوزُونَ.
стр. 3850
ذِكْرُ الْوَحْشَةِ بَيْنَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ وَتُوزُونَ
كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ يَنَالَ التُّرْجُمَانُ مِنْ أَكْبَرِ قُوَّادٍ تُوزُونَ، وَهُوَ خَلِيفَتُهُ بِبَغْدَاذَ، فَلَمَّا انْحَدَرَ تُوزُونُ إِلَى وَاسِطَ، سَعَى بِمُحَمَّدٍ إِلَيْهِ وَقَبُحَ ذِكْرُهُ عِنْدَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُحَمَّدًا فَنَفَرَ مِنْهُ.
وَكَانَ الْوَزِيرُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ مُقْلَةَ قَدْ ضَمِنَ الْقُرَى الْمُخْتَصَّةَ بِتُوزُونَ بِبَغْدَاذَ، فَخَسِرَ فِيهَا جُمْلَةً، فَخَافَ أَنْ يُطَالَبَ بِهَا، وَانْضَافَ إِلَى ذَلِكَ اتِّصَالُ ابْنِ شَيْرَزَادَ بِتُوزُونَ، فَخَافَهُ الْوَزِيرُ وَغَيْرُهُ، وَظَنُّوا أَنَّ مَصِيرَهُ إِلَى تُوزُونَ بِاتِّفَاقٍ مِنَ الْبَرِيدِيِّ، فَاتَّفَقَ التُّرْجُمَانُ وَابْنُ مُقْلَةَ، وَكَتَبُوا إِلَى ابْنِ حَمْدَانَ لِيُنْفِذَ عَسْكَرًا يَسِيرًا صُحْبَةَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ إِلَيْهِ، وَقَالُوا لِلْمُتَّقِي: قَدْ رَأَيْتَ مَا فَعَلَ مَعَكَ الْبَرِيدِيُّ بِالْأَمْسِ، أَخَذَ مِنْكَ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَخْرَجْتَ عَلَى الْأَجْنَادِ مِثْلَهَا، وَقَدْ ضَمِنَكَ الْبَرِيدِيُّ مَنْ تُوزُونَ بِخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ أُخْرَى، زَعَمَ أَنَّهَا فِي يَدِكَ مِنْ تَرِكَةِ بُجْكُمَ، وَابْنُ شَيْرَزَادَ وَاصِلٌ لِيَتَسَلَّمَكَ وَيَخْلَعَكَ وَيُسَلِّمَكَ إِلَى الْبَرِيدِيِّ، فَانْزَعَجَ لِذَلِكَ، وَعَزَمَ عَلَى الْإِصْعَادِ إِلَى ابْنِ حَمْدَانَ، وَوَرَدَ ابْنُ شَيْرَزَادَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ جَرِيدَةً.
ذِكْرُ مَوْتِ السَّعِيدِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ السَّعِيدُ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ صَاحِبُ خُرَاسَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ (فِي رَجَبٍ) ، وَكَانَ مَرَضُهُ السُّلَّ، فَبَقِيَ مَرِيضًا ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ مَشَايِخِ دَوْلَتِهِمْ أَحَدٌ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ سَعَى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَهَلَكَ بَعْضُهُمْ، وَمَاتَ بَعْضُهُمْ، وَكَانَتْ وَلَايَتُهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً (وَثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَكَانَ عُمُرُهُ ثَمَانِيًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً) .
وَكَانَ حَلِيمًا، كَرِيمًا، عَاقِلًا، فَمِنْ حِلْمِهِ أَنَّ بَعْضَ الْخَدَمِ سَرَقَ جَوْهَرًا نَفِيسًا وَبَاعَهُ
стр. 3851
مِنْ بَعْضِ التُّجَّارِ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَحَضَرَ التَّاجِرُ عِنْدَ السَّعِيدِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَدِ اشْتَرَى جَوْهَرًا نَفِيسًا لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلسُّلْطَانِ، وَأَحْضَرَ الْجَوْهَرَ عِنْدَهُ، فَحِينَ رَآهُ عَرَفَهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ وَقَدْ سُرِقَ، فَسَأَلَهُ عَنْ ثَمَنِهِ، وَمِنْ أَيْنَ اشْتَرَاهُ، فَذَكَرَ لَهُ الْخَادِمَ وَالثَّمَنَ، فَأَمَرَ فَأُحْضِرَ ثَمَنُهُ فِي الْحَالِ، وَأَرْبَحَهُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ زِيَادَةً.
ثُمَّ إِنَّ التَّاجِرَ سَأَلَهُ فِي دَمِ الْخَادِمِ، فَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ تَأْدِيبِهِ، وَأَمَّا دَمُهُ فَهُوَ لَكَ، فَأَحْضَرَهُ وَأَدَّبَهُ، ثُمَّ أَنْفَذَهُ إِلَى التَّاجِرِ، وَقَالَ: كُنَّا وَهَبْنَا لَكَ دَمَهُ، فَقَدَ أَنْفَذْنَاهُ إِلَيْكَ، فَلَوْ أَنَّ صَاحِبَ الْجَوْهَرِ بَعْضُ الرَّعَايَا، لَقَالَ: هَذَا مَالِي قَدْ عَادَ إِلَيَّ، وَخُذْ أَنْتَ مَالَكَ مِمَّنْ سَلَّمْتَهُ إِلَيْهِ.
وَحُكِيَ أَنَّهُ اسْتَعْرَضَ جُنْدَهُ، وَفِيهِمْ إِنْسَانٌ اسْمُهُ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْعَرْضُ، سَأَلَهُ عَنِ اسْمِهِ فَسَكَتَ، فَأَعَادَ السُّؤَالَ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ: اسْمُهُ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ، وَإِنَّمَا سَكَتَ إِجْلَالًا لِلْأَمِيرِ، فَقَالَ السَّعِيدُ: إِذًا يُوجَبُ حَقُّهُ، وَنَزِيدُ فِي رِزْقِهِ، ثُمَّ قَرَّبَهُ وَزَادَ فِي أَرْزَاقِهِ.
وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ عَلَيْهِ أَخُوهُ أَبُو زَكَرِيَّاءَ، نَهَبَ خَزَائِنَهُ وَأَمْوَالَهُ، فَلَمَّا عَادَ السَّعِيدُ إِلَى مُلْكِهِ، قِيلَ لَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ انْتَهَبُوا مَالَهُ، فَلَمْ يَعْرِضْ إِلَيْهِمْ، وَأَخْبَرُوهُ أَنَّ بَعْضَ السُّوقَةِ اشْتَرَى مِنْهَا سِكِّينًا نَفِيسًا بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَطَلَبَ السِّكِّينَ، فَأَبَى أَنْ يَبِيعَهُ إِلَّا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا؟ أَرَى عِنْدَهُ مَالِيَ فَلَمْ أُعَاقِبْهُ، وَأَعْطَيْتُهُ حَقَّهُ، فَاشْتَطَّ فِي الطَّلَبِ، ثُمَّ أَمَرَ بِرِضَائِهِ.
وَحُكِيَ أَنَّهُ طَالَ مَرَضُهُ فَبَقِيَ بِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَأَقْبَلَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ، وَبَنَى لَهُ فِي قَصْرِهِ بَيتًا سَمَّاهُ بَيْتَ الْعِبَادَةِ، فَكَانَ يَلْبَسُ ثِيابًا نِظَافًا وَيَمْشِي إِلَيْهِ حَافِيًا، وَيُصَلِّي فِيهِ، وَيَدْعُو وَيَتَضَرَّعُ، وَيَجْتَنِبُ الْمُنْكَرَاتِ وَالْآثَامِ إِلَى أَنْ مَاتَ وَدُفِنَ عِنْدَ وَالِدِهِ.
ذِكْرُ وَلَايَةِ ابْنِهِ الْأَمِيرِ نُوحِ بْنِ نَصْرٍ
لَمَّا مَاتَ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ، تَوَلَّى بَعْدَهُ خُرَاسَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ ابْنُهُ نُوحٌ، وَاسْتَقَرَّ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ وَحَلَفُوا لَهُ، وَلُقِّبَ بِالْأَمِيرِ الْحَمِيدِ، وَفَوَّضَ أَمْرَهُ
стр. 3852
وَتَدْبِيرَ مَمْلَكَتِهِ إِلَى أَبِي الْفَضْلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَاكِمِ، وَصَدَرَ عَنْ رَأْيِهِ.
وَلَمَّا وَلِيَ نُوحٌ، هَرَبَ مِنْهُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَوَيْهِ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ أَبِيهِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ السَّعِيدَ نَصْرًا كَانَ قَدْ وَلَّى ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ بُخَارَى، وَكَانَ أَبُو الْفَضْلِ يَتَوَلَّى أَمْرَهُ وَخِلَافَتَهُ، فَأَسَاءَ السِّيرَةَ مَعَ نُوحٍ وَأَصْحَابِهِ، فَحَقَدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ إِسْمَاعِيلُ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ.
وَكَانَ نَصْرٌ يَمِيلُ إِلَى أَبِي الْفَضْلِ وَيُؤْثِرُهُ، فَقَالَ لَهُ: إِذَا حَدَثَ عَلَيَّ حَادِثُ الْمَوْتِ فَانْجُ بِنَفْسِكَ، فَإِنِّي لَا آمَنُ نُوحًا عَلَيْكَ، فَلَمَّا مَاتَ الْأَمِيرُ نَصْرٌ، سَارَ أَبُو الْفَضْلِ مِنْ بُخَارَى وَعَبَرَ جَيْحُونَ، وَوَرَدَ آمُلَ، وَكَاتَبَ أَبَا عَلِيِّ بْنَ مُحْتَاجٍ وَهُوَ بِنَيْسَابُورَ، يُعَرِّفُهُ الْحَالُ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا مُصَاهَرَةٌ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو عَلِيٍّ يَنْهَاهُ عَنِ الْإِلْمَامِ بِنَاحِيَتِهِ لِمَصْلَحَةٍ.
ثُمَّ إِنَّ الْأَمِيرَ نُوحًا أَرْسَلَ إِلَى أَبِي الْفَضْلِ كِتَابَ أَمَانٍ بِخَطِّهِ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَأَحْسَنَ الْفِعْلَ مَعَهُ، وَوَلَّاهُ سَمَرْقَنْدَ وَكَانَ أَبُو الْفَضْلِ مُعْرِضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَاكِمِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، وَيُسَمِّيهِ الْخَيَّاطَ، فَأَضْمَرَ الْحَاكِمُ بُغْضَهُ وَالْإِعْرَاضَ عَنْهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ وَصَلَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَحَارَبَ الْبَرِيدِيِّينَ، وَأَقَامَ عَلَيْهِمْ مُدَّةً، ثُمَّ اسْتَأْمَنَ جَمَاعَةٌ مِنْ قُوَّادِهِ إِلَى الْبَرِيدِيِّينَ، فَاسْتَوْحَشَ مِنَ الْبَاقِينَ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ.
وَفِيهَا تَزَوَّجَ الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ الْمُتَّقِي لِلَّهِ بِابْنَةِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، وَكَانَ الصَّدَاقُ أَلْفَ أَلْفِ دَرْهَمٍ، وَالْحِمْلُ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ.
وَفِيهَا قَبَضَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ عَلَى الْوَزِيرِ أَبِي إِسْحَاقَ الْقَرَارِيطِيِّ، وَرَتَّبَ مَكَانَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانَيَّ فِي رَجَبٍ، وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ هُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ الْأُمُورَ، وَكَانَتْ وِزَارَةُ الْقَرَارِيطِيِّ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ يَوَمًا، وَكَانَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ يَنْظُرُ فِي قِصَصِ النَّاسِ وَتُقَامُ الْحُدُودُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ.
стр. 3853
وَفِيهَا كَانَتِ الزَّلْزَلَةُ الْمَشْهُورَةُ بِنَاحِيَةِ نَسَا (مِنْ خُرَاسَانَ) ، فَخَرِبَتْ قُرًى كَثِيرَةً، وَمَاتَ تَحْتَ الْهَدْمِ عَالَمٌ عَظِيمٌ، وَكَانَتْ عَظِيمَةً جِدًّا.
وَفِيهَا اسْتَقْدَمَ الْأَمِيرُ نُوحٌ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ النَّسَفِيَّ الْبَرْدَهِيَّ، وَكَانَ قَدْ طُعِنَ فِيهِ عِنْدَهُ، فَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ، فَسُرِقَ مِنَ الْجِذْعِ، وَلَمْ يُعْلَمْ مَنْ سَرَقَهُ.
وَفِيهَا اسْتَوْزَرَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ أَبَا الْحُسَيْنِ بْنَ مُقْلَةَ ثَامِنَ شَهْرِ رَمَضَانَ، بَعْدَ إِصْعَادِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَقَبْلَ إِصْعَادِ أَخِيهِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ مِنْ وَاسِطَ إِلَى بَغْدَادَ.
وَفِيهَا أَرْسَلَ مَلِكُ الرُّومِ إِلَى الْمُتَّقِي لِلَّهِ يَطْلُبُ مِنْدِيلًا، زَعَمَ أَنَّ الْمَسِيحَ مَسَحَ بِهِ وَجْهَهُ، فَصَارَتْ صُورَةُ وَجْهِهِ فِيهِ، وَأَنَّهُ فِي بَيْعَةِ الرُّهَا. وَذَكَرَ أَنَّهُ إِنْ أَرْسَلَ الْمِنْدِيلَ، أَطْلَقَ عَدَدًا كَثِيرًا مِنْ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَحْضَرَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ الْقُضَاةَ وَالْفُقَهَاءَ، وَاسْتَفْتَاهُمْ فَاخْتَلَفُوا، فَبَعْضٌ رَأَى تَسْلِيمَهُ إِلَى الْمَلِكِ وَإِطْلَاقَ الْأَسْرَى، وَبَعْضٌ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْمِنْدِيلَ لَمْ يَزَلْ مِنْ قَدِيمِ الدَّهْرِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَطْلُبْهُ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ، وَفِي دَفْعِهِ إِلَيْهِمْ غَضَاضَةٌ.
وَكَانَ فِي الْجَمَاعَةِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْوَزِيرُ، فَقَالَ: إِنَّ خَلَاصَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَسْرِ وَمِنَ الضُّرِّ وَالضَّنْكِ الَّذِي هُمْ فِيهِ أَوْلَى مِنْ حِفْظِ هَذَا الْمِنْدِيلِ، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِتَسْلِيمِهِ إِلَيْهِمْ، وَإِطْلَاقِ الْأَسْرَى، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَأَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ مَنْ يَتَسَلَّمُ الْأَسْرَى مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، فَأُطْلِقُوا.
стр. 3854
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْفَرَغَانِيُّ الصُّوفِيُّ أُسْتَاذُ أَبِي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْمَشَايِخِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزْدَادَ الشَّهْرُزُورِيُّ، وَكَانَ يَلِي إِمْرَةَ دِمَشْقَ لِمُحَمَّدِ بْنِ رَائِقٍ، ثُمَّ اتَّصَلَ بِالْإِخْشِيدِ فَجَعَلَهُ عَلَى شُرْطَتِهِ بِمِصْرَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ سِنَانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ قُرَّةَ، مُسْتَهَلَّ ذِي الْقِعْدَةِ، بِعِلَّةِ الذَّرَبِ، وَكَانَ حَاذِقًا فِي الطِّبِّ، فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُ عِنْدَ دُنُوِّ الْأَجَلِ شَيْئًا.
وَفِيهَا أَيْضًا مَاتَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ الْجِهْشَيَارِيُّ.
стр. 3855
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣٣٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ مَسِيرِ الْمُتَّقِي إِلَى الْمَوْصِلِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أُصْعِدَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ إِلَى الْمَوْصِلِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا مِنْ سِعَايَةِ ابْنِ مُقْلَةَ وَالتُّرْجُمَانِ مَعَ الْمُتَّقِي بِتُوزُونَ وَابْنِ شَيْرَزَادَ، ثُمَّ إِنَّ ابْنَ شَيْرَزَادَ وَصَلَ خَامِسَ الْمُحَرَّمِ إِلَى بَغْدَاذَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ غُلَامٍ جَرِيدَةً، فَازْدَادَ خَوْفُ الْمُتَّقِي، وَأَقَامَ بِبَغْدَاذَ يَأْمُرُ وَيَنْهَى، وَلَا يُرَاجِعُ الْمُتَّقِي فِي شَيْءٍ.
وَكَانَ الْمُتَّقِي قَدْ أَنْفَذَ يَطْلُبُ مِنْ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ إِنْفَاذَ جَيْشٍ إِلَيْهِ لِيَصْحَبُوهُ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَأَنْفَذَهُمْ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَمْدَانَ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى بَغْدَاذَ نَزَلُوا بِبَابِ حَرْبٍ، وَاسْتَتَرَ ابْنُ شَيْرَزَادَ، وَخَرَجَ الْمُتَّقِي إِلَيْهِمْ فِي حَرَمِهِ، وَأَهْلِهِ، وَوَزِيرِهِ، وَأَعْيَانِ بَغْدَاذَ، مِثْلِ سَلَامَةَ الطُّولُونِيِّ، وَأَبِي زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ السُّوسِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ الْمَارَدَانِيِّ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الْقَرَارِيطِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمُوسَوِيِّ، وَثَابِتِ بْنِ سِنَانَ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قُرَّةَ الطَّبِيبِ، وَأَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ يَنَالَ التُّرْجُمَانِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَلَمَّا سَارَ الْمُتَّقِي مِنْ بَغْدَاذَ، ظَلَمَ ابْنُ شَيْرَزَادَ النَّاسَ وَعَسَفَهُمْ وَصَادَرَهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى تُوزُونَ وَهُوَ بِوَاسِطَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا بَلَغَ تُوزُونَ الْخَبَرُ، عَقَدَ ضَمَانَ وَاسِطَ عَلَى الْبَرِيدِيِّ وَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ، وَسَارَ إِلَى بَغْدَاذَ وَانْحَدَرَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ وَحْدَهُ إِلَى الْمُتَّقِي لِلَّهِ بِتَكْرِيتَ، فَأَرْسَلَ الْمُتَّقِي (إِلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ يَسْتَدْعِيهِ وَيَقُولُ لَهُ: لَمْ يَكُنِ الشَّرْطُ مَعَكَ إِلَّا أَنْ تَنْحَدِرَ إِلَيْنَا، فَانْحَدَرَ، فَوَصَلَ إِلَى تَكْرِيتَ فِي الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَرَكِبَ الْمُتَّقِي إِلَيْهِ، فَلَقِيَهُ بِنَفْسِهِ وَأَكْرَمَهُ.
وَأَصْعَدَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَأَقَامَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بِتَكْرِيتَ، وَسَارَ تُوزُونُ نَحْوَ تَكْرِيتَ، فَالْتَقَى هُوَ وَسَيْفُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ تَحْتَ تَكْرِيتَ بِفَرْسَخَيْنِ، فَاقْتَتَلُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ انْهَزَمَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَغَنِمَ تُوزُونُ وَالْأَعْرَابُ سَوَادَهُ وَسَوَادَ أَخِيهِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَعَادَا مِنْ تَكْرِيتَ إِلَى الْمَوْصِلِ وَمَعَهُمَا الْمُتَّقِي لِلَّهِ) .
следующие страницы →