Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
مِنْ بَعْضِ التُّجَّارِ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَحَضَرَ التَّاجِرُ عِنْدَ السَّعِيدِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَدِ اشْتَرَى جَوْهَرًا نَفِيسًا لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلسُّلْطَانِ، وَأَحْضَرَ الْجَوْهَرَ عِنْدَهُ، فَحِينَ رَآهُ عَرَفَهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ وَقَدْ سُرِقَ، فَسَأَلَهُ عَنْ ثَمَنِهِ، وَمِنْ أَيْنَ اشْتَرَاهُ، فَذَكَرَ لَهُ الْخَادِمَ وَالثَّمَنَ، فَأَمَرَ فَأُحْضِرَ ثَمَنُهُ فِي الْحَالِ، وَأَرْبَحَهُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ زِيَادَةً.
ثُمَّ إِنَّ التَّاجِرَ سَأَلَهُ فِي دَمِ الْخَادِمِ، فَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ تَأْدِيبِهِ، وَأَمَّا دَمُهُ فَهُوَ لَكَ، فَأَحْضَرَهُ وَأَدَّبَهُ، ثُمَّ أَنْفَذَهُ إِلَى التَّاجِرِ، وَقَالَ: كُنَّا وَهَبْنَا لَكَ دَمَهُ، فَقَدَ أَنْفَذْنَاهُ إِلَيْكَ، فَلَوْ أَنَّ صَاحِبَ الْجَوْهَرِ بَعْضُ الرَّعَايَا، لَقَالَ: هَذَا مَالِي قَدْ عَادَ إِلَيَّ، وَخُذْ أَنْتَ مَالَكَ مِمَّنْ سَلَّمْتَهُ إِلَيْهِ.
وَحُكِيَ أَنَّهُ اسْتَعْرَضَ جُنْدَهُ، وَفِيهِمْ إِنْسَانٌ اسْمُهُ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْعَرْضُ، سَأَلَهُ عَنِ اسْمِهِ فَسَكَتَ، فَأَعَادَ السُّؤَالَ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ: اسْمُهُ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ، وَإِنَّمَا سَكَتَ إِجْلَالًا لِلْأَمِيرِ، فَقَالَ السَّعِيدُ: إِذًا يُوجَبُ حَقُّهُ، وَنَزِيدُ فِي رِزْقِهِ، ثُمَّ قَرَّبَهُ وَزَادَ فِي أَرْزَاقِهِ.
وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ عَلَيْهِ أَخُوهُ أَبُو زَكَرِيَّاءَ، نَهَبَ خَزَائِنَهُ وَأَمْوَالَهُ، فَلَمَّا عَادَ السَّعِيدُ إِلَى مُلْكِهِ، قِيلَ لَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ انْتَهَبُوا مَالَهُ، فَلَمْ يَعْرِضْ إِلَيْهِمْ، وَأَخْبَرُوهُ أَنَّ بَعْضَ السُّوقَةِ اشْتَرَى مِنْهَا سِكِّينًا نَفِيسًا بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَطَلَبَ السِّكِّينَ، فَأَبَى أَنْ يَبِيعَهُ إِلَّا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا؟ أَرَى عِنْدَهُ مَالِيَ فَلَمْ أُعَاقِبْهُ، وَأَعْطَيْتُهُ حَقَّهُ، فَاشْتَطَّ فِي الطَّلَبِ، ثُمَّ أَمَرَ بِرِضَائِهِ.
وَحُكِيَ أَنَّهُ طَالَ مَرَضُهُ فَبَقِيَ بِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَأَقْبَلَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ، وَبَنَى لَهُ فِي قَصْرِهِ بَيتًا سَمَّاهُ بَيْتَ الْعِبَادَةِ، فَكَانَ يَلْبَسُ ثِيابًا نِظَافًا وَيَمْشِي إِلَيْهِ حَافِيًا، وَيُصَلِّي فِيهِ، وَيَدْعُو وَيَتَضَرَّعُ، وَيَجْتَنِبُ الْمُنْكَرَاتِ وَالْآثَامِ إِلَى أَنْ مَاتَ وَدُفِنَ عِنْدَ وَالِدِهِ.
ذِكْرُ وَلَايَةِ ابْنِهِ الْأَمِيرِ نُوحِ بْنِ نَصْرٍ
لَمَّا مَاتَ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ، تَوَلَّى بَعْدَهُ خُرَاسَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ ابْنُهُ نُوحٌ، وَاسْتَقَرَّ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ وَحَلَفُوا لَهُ، وَلُقِّبَ بِالْأَمِيرِ الْحَمِيدِ، وَفَوَّضَ أَمْرَهُ
стр. 3852
وَتَدْبِيرَ مَمْلَكَتِهِ إِلَى أَبِي الْفَضْلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَاكِمِ، وَصَدَرَ عَنْ رَأْيِهِ.
وَلَمَّا وَلِيَ نُوحٌ، هَرَبَ مِنْهُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَوَيْهِ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ أَبِيهِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ السَّعِيدَ نَصْرًا كَانَ قَدْ وَلَّى ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ بُخَارَى، وَكَانَ أَبُو الْفَضْلِ يَتَوَلَّى أَمْرَهُ وَخِلَافَتَهُ، فَأَسَاءَ السِّيرَةَ مَعَ نُوحٍ وَأَصْحَابِهِ، فَحَقَدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ إِسْمَاعِيلُ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ.
وَكَانَ نَصْرٌ يَمِيلُ إِلَى أَبِي الْفَضْلِ وَيُؤْثِرُهُ، فَقَالَ لَهُ: إِذَا حَدَثَ عَلَيَّ حَادِثُ الْمَوْتِ فَانْجُ بِنَفْسِكَ، فَإِنِّي لَا آمَنُ نُوحًا عَلَيْكَ، فَلَمَّا مَاتَ الْأَمِيرُ نَصْرٌ، سَارَ أَبُو الْفَضْلِ مِنْ بُخَارَى وَعَبَرَ جَيْحُونَ، وَوَرَدَ آمُلَ، وَكَاتَبَ أَبَا عَلِيِّ بْنَ مُحْتَاجٍ وَهُوَ بِنَيْسَابُورَ، يُعَرِّفُهُ الْحَالُ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا مُصَاهَرَةٌ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو عَلِيٍّ يَنْهَاهُ عَنِ الْإِلْمَامِ بِنَاحِيَتِهِ لِمَصْلَحَةٍ.
ثُمَّ إِنَّ الْأَمِيرَ نُوحًا أَرْسَلَ إِلَى أَبِي الْفَضْلِ كِتَابَ أَمَانٍ بِخَطِّهِ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَأَحْسَنَ الْفِعْلَ مَعَهُ، وَوَلَّاهُ سَمَرْقَنْدَ وَكَانَ أَبُو الْفَضْلِ مُعْرِضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَاكِمِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، وَيُسَمِّيهِ الْخَيَّاطَ، فَأَضْمَرَ الْحَاكِمُ بُغْضَهُ وَالْإِعْرَاضَ عَنْهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ وَصَلَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَحَارَبَ الْبَرِيدِيِّينَ، وَأَقَامَ عَلَيْهِمْ مُدَّةً، ثُمَّ اسْتَأْمَنَ جَمَاعَةٌ مِنْ قُوَّادِهِ إِلَى الْبَرِيدِيِّينَ، فَاسْتَوْحَشَ مِنَ الْبَاقِينَ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ.
وَفِيهَا تَزَوَّجَ الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ الْمُتَّقِي لِلَّهِ بِابْنَةِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، وَكَانَ الصَّدَاقُ أَلْفَ أَلْفِ دَرْهَمٍ، وَالْحِمْلُ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ.
وَفِيهَا قَبَضَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ عَلَى الْوَزِيرِ أَبِي إِسْحَاقَ الْقَرَارِيطِيِّ، وَرَتَّبَ مَكَانَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانَيَّ فِي رَجَبٍ، وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ هُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ الْأُمُورَ، وَكَانَتْ وِزَارَةُ الْقَرَارِيطِيِّ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ يَوَمًا، وَكَانَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ يَنْظُرُ فِي قِصَصِ النَّاسِ وَتُقَامُ الْحُدُودُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ.
стр. 3853
وَفِيهَا كَانَتِ الزَّلْزَلَةُ الْمَشْهُورَةُ بِنَاحِيَةِ نَسَا (مِنْ خُرَاسَانَ) ، فَخَرِبَتْ قُرًى كَثِيرَةً، وَمَاتَ تَحْتَ الْهَدْمِ عَالَمٌ عَظِيمٌ، وَكَانَتْ عَظِيمَةً جِدًّا.
وَفِيهَا اسْتَقْدَمَ الْأَمِيرُ نُوحٌ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ النَّسَفِيَّ الْبَرْدَهِيَّ، وَكَانَ قَدْ طُعِنَ فِيهِ عِنْدَهُ، فَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ، فَسُرِقَ مِنَ الْجِذْعِ، وَلَمْ يُعْلَمْ مَنْ سَرَقَهُ.
وَفِيهَا اسْتَوْزَرَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ أَبَا الْحُسَيْنِ بْنَ مُقْلَةَ ثَامِنَ شَهْرِ رَمَضَانَ، بَعْدَ إِصْعَادِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَقَبْلَ إِصْعَادِ أَخِيهِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ مِنْ وَاسِطَ إِلَى بَغْدَادَ.
وَفِيهَا أَرْسَلَ مَلِكُ الرُّومِ إِلَى الْمُتَّقِي لِلَّهِ يَطْلُبُ مِنْدِيلًا، زَعَمَ أَنَّ الْمَسِيحَ مَسَحَ بِهِ وَجْهَهُ، فَصَارَتْ صُورَةُ وَجْهِهِ فِيهِ، وَأَنَّهُ فِي بَيْعَةِ الرُّهَا. وَذَكَرَ أَنَّهُ إِنْ أَرْسَلَ الْمِنْدِيلَ، أَطْلَقَ عَدَدًا كَثِيرًا مِنْ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَحْضَرَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ الْقُضَاةَ وَالْفُقَهَاءَ، وَاسْتَفْتَاهُمْ فَاخْتَلَفُوا، فَبَعْضٌ رَأَى تَسْلِيمَهُ إِلَى الْمَلِكِ وَإِطْلَاقَ الْأَسْرَى، وَبَعْضٌ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْمِنْدِيلَ لَمْ يَزَلْ مِنْ قَدِيمِ الدَّهْرِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَطْلُبْهُ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ، وَفِي دَفْعِهِ إِلَيْهِمْ غَضَاضَةٌ.
وَكَانَ فِي الْجَمَاعَةِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْوَزِيرُ، فَقَالَ: إِنَّ خَلَاصَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَسْرِ وَمِنَ الضُّرِّ وَالضَّنْكِ الَّذِي هُمْ فِيهِ أَوْلَى مِنْ حِفْظِ هَذَا الْمِنْدِيلِ، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِتَسْلِيمِهِ إِلَيْهِمْ، وَإِطْلَاقِ الْأَسْرَى، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَأَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ مَنْ يَتَسَلَّمُ الْأَسْرَى مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، فَأُطْلِقُوا.
стр. 3854
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْفَرَغَانِيُّ الصُّوفِيُّ أُسْتَاذُ أَبِي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْمَشَايِخِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزْدَادَ الشَّهْرُزُورِيُّ، وَكَانَ يَلِي إِمْرَةَ دِمَشْقَ لِمُحَمَّدِ بْنِ رَائِقٍ، ثُمَّ اتَّصَلَ بِالْإِخْشِيدِ فَجَعَلَهُ عَلَى شُرْطَتِهِ بِمِصْرَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ سِنَانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ قُرَّةَ، مُسْتَهَلَّ ذِي الْقِعْدَةِ، بِعِلَّةِ الذَّرَبِ، وَكَانَ حَاذِقًا فِي الطِّبِّ، فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُ عِنْدَ دُنُوِّ الْأَجَلِ شَيْئًا.
وَفِيهَا أَيْضًا مَاتَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ الْجِهْشَيَارِيُّ.
стр. 3855
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣٣٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ مَسِيرِ الْمُتَّقِي إِلَى الْمَوْصِلِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أُصْعِدَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ إِلَى الْمَوْصِلِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا مِنْ سِعَايَةِ ابْنِ مُقْلَةَ وَالتُّرْجُمَانِ مَعَ الْمُتَّقِي بِتُوزُونَ وَابْنِ شَيْرَزَادَ، ثُمَّ إِنَّ ابْنَ شَيْرَزَادَ وَصَلَ خَامِسَ الْمُحَرَّمِ إِلَى بَغْدَاذَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ غُلَامٍ جَرِيدَةً، فَازْدَادَ خَوْفُ الْمُتَّقِي، وَأَقَامَ بِبَغْدَاذَ يَأْمُرُ وَيَنْهَى، وَلَا يُرَاجِعُ الْمُتَّقِي فِي شَيْءٍ.
وَكَانَ الْمُتَّقِي قَدْ أَنْفَذَ يَطْلُبُ مِنْ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ إِنْفَاذَ جَيْشٍ إِلَيْهِ لِيَصْحَبُوهُ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَأَنْفَذَهُمْ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَمْدَانَ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى بَغْدَاذَ نَزَلُوا بِبَابِ حَرْبٍ، وَاسْتَتَرَ ابْنُ شَيْرَزَادَ، وَخَرَجَ الْمُتَّقِي إِلَيْهِمْ فِي حَرَمِهِ، وَأَهْلِهِ، وَوَزِيرِهِ، وَأَعْيَانِ بَغْدَاذَ، مِثْلِ سَلَامَةَ الطُّولُونِيِّ، وَأَبِي زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ السُّوسِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ الْمَارَدَانِيِّ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الْقَرَارِيطِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمُوسَوِيِّ، وَثَابِتِ بْنِ سِنَانَ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قُرَّةَ الطَّبِيبِ، وَأَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ يَنَالَ التُّرْجُمَانِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَلَمَّا سَارَ الْمُتَّقِي مِنْ بَغْدَاذَ، ظَلَمَ ابْنُ شَيْرَزَادَ النَّاسَ وَعَسَفَهُمْ وَصَادَرَهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى تُوزُونَ وَهُوَ بِوَاسِطَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا بَلَغَ تُوزُونَ الْخَبَرُ، عَقَدَ ضَمَانَ وَاسِطَ عَلَى الْبَرِيدِيِّ وَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ، وَسَارَ إِلَى بَغْدَاذَ وَانْحَدَرَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ وَحْدَهُ إِلَى الْمُتَّقِي لِلَّهِ بِتَكْرِيتَ، فَأَرْسَلَ الْمُتَّقِي (إِلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ يَسْتَدْعِيهِ وَيَقُولُ لَهُ: لَمْ يَكُنِ الشَّرْطُ مَعَكَ إِلَّا أَنْ تَنْحَدِرَ إِلَيْنَا، فَانْحَدَرَ، فَوَصَلَ إِلَى تَكْرِيتَ فِي الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَرَكِبَ الْمُتَّقِي إِلَيْهِ، فَلَقِيَهُ بِنَفْسِهِ وَأَكْرَمَهُ.
وَأَصْعَدَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَأَقَامَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بِتَكْرِيتَ، وَسَارَ تُوزُونُ نَحْوَ تَكْرِيتَ، فَالْتَقَى هُوَ وَسَيْفُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ تَحْتَ تَكْرِيتَ بِفَرْسَخَيْنِ، فَاقْتَتَلُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ انْهَزَمَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَغَنِمَ تُوزُونُ وَالْأَعْرَابُ سَوَادَهُ وَسَوَادَ أَخِيهِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَعَادَا مِنْ تَكْرِيتَ إِلَى الْمَوْصِلِ وَمَعَهُمَا الْمُتَّقِي لِلَّهِ) .
стр. 3856
وَشَغَبَ أَصْحَابُ تُوزُونَ (فَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَعَادَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ وَانْحَدَرَ، فَالْتَقَى هُوَ وَتُوزُونُ بِحَرْبَى) فِي شَعْبَانَ، فَانْهَزَمَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَتَبِعَهُ تُوزُونُ.
وَلَمَّا بَلَغَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْمَوْصِلِ، سَارَ عَنْهَا هُوَ وَأَخُوهُ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ وَالْمُتَّقِي لِلَّهِ وَمِنْ مَعَهُمْ إِلَى نَصِيبِينَ، وَدَخَلَ تُوزُونُ الْمَوْصِلَ، فَسَارَ الْمُتَّقِي إِلَى الرَّقَّةِ، وَلَحِقَهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ، وَأَرْسَلَ الْمُتَّقِي إِلَى تُوزُونَ يَذْكُرُ أَنَّهُ اسْتَوْحَشَ مِنْهُ لِاتِّصَالِهِ بِالْبَرِيدِيِّ، وَأَنَّهُمَا صَارَا يَدًا وَاحِدَةً، فَإِنْ آثَرَ رِضَاهُ يُصَالِحُ سَيْفَ الدَّوْلَةِ وَنَاصِرَ الدَّوْلَةِ لِيَعُودَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَتَرَدَّدَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِيُّ مِنَ الْمَوْصِلِ إِلَى تُوزُونَ فِي ذَلِكَ، فَتَمَّ الصُّلْحُ، وَعُقِدَ الضَّمَانُ عَلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ لِمَا بِيَدِهِ مِنَ الْبِلَادِ ثَلَاثَ سِنِينَ، كُلُّ سَنَةٍ بِثَلَاثَةِ آلَافِ أَلْفِ وَسِتِّمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَعَادَ تُوزُونُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَأَقَامَ الْمُتَّقِي عِنْدَ بَنِي حَمْدَانَ بِالْمَوْصِلِ، ثُمَّ سَارُوا عَنْهَا إِلَى الرَّقَّةِ فَأَقَامُوا بِهَا.
ذِكْرُ وُصُولِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ إِلَى وَاسِطَ وَدِيَالِي وَعَوْدِهِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَلَغَ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ أَبَا الْحُسَيْنِ بْنَ بُوَيْهِ إِصْعَادُ تُوزُونَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَسَارَ هُوَ إِلَى وَاسِطَ لِمِيعَادٍ مِنَ الْبَرِيدِيِّينَ، وَكَانُوا قَدْ وَعَدُوهُ أَنْ يَمُدُّوهُ بِعَسْكَرٍ فِي الْمَاءِ، فَأَخْلَفُوهُ.
وَعَادَ تُوزُونُ مِنَ الْمَوْصِلِ إِلَى بَغْدَاذَ، وَانْحَدَرَ مِنْهَا إِلَى لِقَاءِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَالْتَقَوْا سَابِعَ عَشَرَ ذِي الْقَعْدَةِ بِقِبَابِ حُمَيْدٍ، وَطَالَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمَا بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَ تُوزُونَ يَتَأَخَّرُونَ، وَالدَّيْلَمُ يَتَقَدَّمُونَ، إِلَى أَنْ عَبَرَ تُوزُونُ نَهَرَ دِيَالِي، وَوَقَفَ عَلَيْهِ، وَمَنَعَ الدَّيْلَمَ مِنَ الْعُبُورِ.
وَكَانَ مَعَ تُوزُونَ مُقَابَلَةٌ فِي الْمَاءِ فِي دِجْلَةَ، فَكَانُوا يَوَدُّونَ [أَنَّ] الدَّيْلَمَ يَسْتَوْلُونَ عَلَى أَطْرَافِهِمْ، فَرَأَى ابْنَ بُوَيْهِ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى دِيَالِي لِيَبْعُدَ عَنْ دِجْلَةَ وَقِتَالِ مَنْ بِهَا، وَيَتَمَكَّنَ مِنَ الْمَاءِ، فَعَلِمَ تُوزُونُ بِذَلِكَ، فَسَيَّرَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ، وَعَبَرُوا دِيَالِي وَكَمِنُوا، فَلَمَّا سَارَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ مُصْعِدًا وَسَارَ سَوَادُهُ فِي أَثَرِهِ، خَرَجَ الْكَمِينُ عَلَيْهِ، فَحَالُوا بَيْنَهُمَا، وَوَقَعُوا فِي الْعَسْكَرِ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ تَعْبِيَةٍ.
стр. 3857
وَسَمِعَ تُوزُونُ الصِّيَاحَ، فَتَعَجَّلَ وَعَبَرَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ سِبَاحَةً، فَوَقَعُوا فِي عَسْكَرِ ابْنِ بُوَيْهِ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ حَتَّى مَلُّوا، وَانْهَزَمَ ابْنُ بُوَيْهِ وَوَزِيرُهُ الصَّيْمَرِيُّ إِلَى السُّوسِ رَابِعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَحِقَ بِهِ مَنْ سَلِمَ مِنْ عَسْكَرِهِ، وَكَانَ قَدْ أُسِرَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَائِدًا مِنْهُمُ ابْنُ الدَّاعِي الْعَلَوِيُّ، وَاسْتَأْمَنَ كَثِيرٌ مِنَ الدَّيْلَمِ إِلَى تُوزُونَ.
ثُمَّ إِنَّ تُوزُونَ عَاوَدَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الصَّرَعِ، فَشُغِلَ بِنَفْسِهِ عَنْ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ.
ذِكْرُ قَتْلِ أَبِي يُوسُفَ الْبَرِيدِيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيُّ أَخَاهُ أَبَا يُوسُفَ.
وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيَّ كَانَ قَدْ نَفَذَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ فِي مُحَارَبَةِ بَنِي حَمْدَانَ وَمَقَامِهِمْ بِوَاسِطٍ، وَفِي مُحَارَبَةِ تُوزُونَ، فَلَمَّا رَأَى جُنْدُهُ قِلَّةَ مَالِهِ، مَالُوا إِلَى أَخِيهِ أَبِي يُوسُفَ ; لِكَثْرَةِ مَالِهِ، فَاسْتَقْرَضَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مِنْ أَخِيهِ أَبِي يُوسُفَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَكَانَ يُعْطِيهِ الْقَلِيلَ مِنَ الْمَالِ، وَيَعِيبُهُ وَيَذْكُرُ تَضْيِيعَهُ وَسُوءَ تَدْبِيرِهِ وَجُنُونَهُ وَتَهَوُّرَهُ، فَصَحَّ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ صَحَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ الْقَبْضَ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَالِاسْتِبْدَادَ بِالْأَمْرِ وَحْدَهُ، فَاسْتَوْحَشَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَنْفَذَ إِلَى أَخِيهِ جَوهَرًا نَفِيسًا كَانَ بُجْكُمُ قَدْ وَهَبَهُ لِبِنْتِهِ لَمَّا تَزَوَّجَهَا الْبَرِيدِيُّ، وَكَانَ قَدْ أَخَذَهُ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ، فَأَخَذَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مِنْهَا حِينَ تَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ وَأَبْلَغَهُ ذَلِكَ وَعَرَضَ عَلَيْهِ (الْجَوْهَرَ، أَحْضَرَ) الْجَوْهَرِيِّينَ لِيُثَمِّنُوهُ، فَلَمَّا أَخَذُوا فِي وَصْفِهِ، أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَحَرَدَ وَنَزَلَ فِي ثَمَنِهِ إِلَى خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَخَذَ فِي الْوَقِيعَةِ فِي أَخِيهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَذَكَرَ مَعَايِبَهُ وَمَا وَصَلَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَالِ، وَأَنْفَذَ مَعَ الرَّسُولِ خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا عَادَ الرَّسُولُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَبْلَغَهُ ذَلِكَ فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، وَقَالَ: أَلَا قُلْتَ لَهُ: جُنُونِي وَقِلَّةُ تَحْصِيلِي أَقْعَدَكَ هَذَا الْمَقْعَدَ وَصَيَّرَكَ كَقَارُونَ، ثُمَّ عَدَّدَ مَا عَمِلَهُ مَعَهُ مِنَ الْإِحْسَانِ.
стр. 3858
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ، أَقَامَ غِلْمَانَهُ فِي طَرِيقٍ (مُسْقَفٍ) بَيْنَ دَارِهِ وَالشَّطِّ، وَأَقْبَلَ أَخُوهُ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الشَّطِّ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ، فَثَارُوا بِهِ فَقَتَلُوهُ وَهُوَ يَصِيحُ: يَا أَخِي، يَا أَخِي، قَتَلُونِي. وَأَخُوهُ يَسْمَعُهُ، وَيَقُولُ: إِلَى لَعْنَةِ اللَّهِ! فَخَرَجَ أَخُوهُمَا أَبُو الْحُسَيْنِ مِنْ دَارِهِ، وَكَانَ بِجَنْبِ دَارِ أَخِيهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ يَسْتَغِيثُ: يَا أَخِي، قَتَلْتَهُ! فَسَبَّهُ وَهَدَّدَهُ، فَسَكَتَ، فَلَمَّا قُتِلَ دَفَنَهُ، وَبَلَغَ ذَلِكَ الْخَبَرُ الْجُنْدَ، فَثَارُوا وَشَغَبُوا ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ حَيٌّ، فَأَمَرَ بِهِ فَنُبِشَ وَأَلْقَاهُ عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ سَكَتُوا، فَأَمَرَ بِهِ فَدُفِنَ، وَانْتَقَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إِلَى دَارِ أَخِيهِ أَبِي يُوسُفَ، فَأَخَذَ مَا فِيهَا، وَالْجَوْهَرَ فِي جُمْلَتِهِ، وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْ مَالِ أَخِيهِ عَلَى طَائِلٍ، فَإِنَّ أَكْثَرَهُ انْكَسَرَ عَلَى النَّاسِ، وَذَهَبَتْ نَفْسُ أَخِيهِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيِّ
وَفِيهَا فِي شَوَّالٍ مَاتَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيُّ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ أَخَاهُ بِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ بِحُمَّى حَادَّةٍ، وَاسْتَقَرَّ فِي الْأَمْرِ بَعْدَهُ أَخُوهُ أَبُو الْحُسَيْنِ، فَأَسَاءَ السِّيرَةَ إِلَى الْأَجْنَادِ، فَثَارُوا بِهِ لِيَقْتُلُوهُ وَيَجْعَلُوهُ أَبَا الْقَاسِمِ ابْنَ أَخِيهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَكَانَهُ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ إِلَى هَجَرَ، وَاسْتَجَارَ بِالْقَرَامِطَةِ فَأَعَانُوهُ، وَسَارَ مَعَهُ إِخْوَانٌ لِأَبِي طَاهِرٍ الْقُرْمُطِيِّ فِي جَيْشٍ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَرَأَوْا أَبَا الْقَاسِمِ قَدْ حَفِظَهَا، فَرَدَّهُمْ عَنْهَا، فَحَصَرُوهُ مُدَّةً ثُمَّ ضَجِرُوا وَأَصْلَحُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمِّهِ وَعَادُوا، وَدَخَلَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرَةَ، فَتَجَهَّزَ مِنْهَا، وَسَارَ إِلَى بَغْدَاذَ فَدَخَلَ عَلَى تُوزُونَ.
ثُمَّ طَمِعَ يَأْنَسُ مَوْلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيِّ فِي التَّقَدُّمِ، فَوَاطَأَ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِ الدَّيْلَمِ عَلَى أَنْ تَكُونَ الرِّئَاسَةُ بَيْنَهُمَا، وَيُزِيلَا أَبَا الْقَاسِمِ مَوْلَاهُ، فَاجْتَمَعَتِ الدَّيْلَمُ عِنْدَ ذَلِكَ الْقَائِدِ، فَأَرْسَلَ أَبُو الْقَاسِمِ إِلَيْهِمْ يَأْنَسُ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِالْأَمْرِ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ يَأْنَسُ، أَشَارَ عَلَيْهِمْ بِالتَّوَقُّفِ، فَطَمِعَ فِيهِ ذَلِكَ الْقَائِدُ الدَّيْلِمِيُّ، وَأَحَبَّ التَّفَرُّدَ بِالرِّئَاسَةِ، فَأُمِرَ بِهِ فَضُرِبَ بِزَوْبِينَ فِي ظَهْرِهِ فَجُرِحَ، وَهَرَبَ يَأْنَسُ وَاخْتَفَى.
ثُمَّ إِنَّ الدَّيْلَمَ اخْتَلَفَتْ كَلِمَتُهُمْ فَتَفَرَّقُوا، وَاخْتَفَى ذَلِكَ الْقَائِدُ، فَأُخِذَ وَنُفِيَ، وَأَمَرَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَرِيدِيُّ بِمُعَالَجَةِ يَأْنَسَ، وَقَدْ ظَهَرَ لَهُ حَالُهُ، فَعُولِجَ حَتَّى بَرَأَ، ثُمَّ قَبَضَ عَلَيْهِ أَبُو الْقَاسِمِ بَعْدَ نَيِّفٍ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَصَادَرَهُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَقَتَلَهُ، وَاسْتَقَامَ أَمْرُ أَبِي الْقَاسِمِ إِلَى أَنْ أَتَاهُ أَمْرُ اللَّهِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
стр. 3859
ذِكْرُ مُرَاسَلَةِ الْمُتَّقِي تُوزُونَ فِي الْعَوْدِ
وَفِيهَا أَرْسَلَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ إِلَى تُوزُونَ يَطْلُبُ [مِنْهُ] الْعَوْدَ إِلَى بَغْدَاذَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى مِنْ بَنِي حَمْدَانَ تَضَجُّرًا بِهِ وَإِيثَارَ الْمُفَارَقَةِ، فَاضْطُرَّ إِلَى مُرَاسَلَةِ تُوزُونَ، فَأَرْسَلَ الْحَسَنَ بْنَ هَارُونَ وَأَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِيَّ إِلَيْهِ فِي الصُّلْحِ، فَلَقِيَهُمَا تُوزُونُ وَابْنُ شَيْرَزَادَ بِنِهَايَةِ الرَّغْبَةِ فِيهِ وَالْحِرْصِ عَلَيْهِ، فَاسْتَوْثَقَا مِنْ تُوزُونَ وَحَلَّفَاهُ لِلْمُتَّقِي لِلَّهِ، وَأَحْضَرَ لِلْيَمِينِ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْقُضَاةِ، وَالْعُدُولِ، وَالْعَبَّاسِيِّينَ، وَالْعَلَوِيِّينَ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْنَافِ النَّاسِ، وَحَلَفَ تُوزُونُ لِلْمُتَّقِي وَالْوَزِيرِ، وَكَتَبُوا خُطُوطَهُمْ بِذَلِكَ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ الْمُتَّقِي لِلَّهِ مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
ذِكْرُ مِلْكِ الرُّوسِ مَدِينَةَ بَرْدَعَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الرُّوسِيَّةِ فِي الْبَحْرِ إِلَى نَوَاحِي أَذْرَبِيجَانَ، وَرَكِبُوا فِي الْبَحْرِ فِي نَهْرِ الْكَرِّ، وَهُوَ نَهْرٌ كَبِيرٌ، فَانْتَهَوْا إِلَى بَرْدَعَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ نَائِبُ الْمَرْزُبَانِ بِبَرْدَعَةَ فِي جَمْعٍ مِنَ الدَّيْلَمِ وَالْمُطَّوَّعَةِ يَزِيدُونَ عَلَى خَمْسَةِ آلَافِ رَجُلٍ، فَلَقُوا الرُّوسَ، فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا سَاعَةً حَتَّى انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ، وَقُتِلَ الدَّيْلَمُ عَنْ آخِرِهِمْ، تَبِعَهُمُ الرُّوسُ إِلَى الْبَلَدِ، فَهَرَبَ مَنْ كَانَ لَهُ مَرْكُوبٌ وَتَرَكَ الْبَلَدَ، فَنَزَلَهُ الرُّوسُ وَنَادَوْا فِيهِ بِالْأَمَانِ فَأَحْسَنُوا السِّيرَةَ.
وَأَقْبَلَتِ الْعَسَاكِرُ الْإِسْلَامِيَّةُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَكَانَتِ الرُّوسُ تُقَاتِلُهُمْ، فَلَا يَثْبُتُ الْمُسْلِمُونَ لَهُمْ، وَكَانَ عَامَّةُ الْبَلَدِ يَخْرُجُونَ وَيَرْجُمُونَ الرُّوسَ بِالْحِجَارَةِ، وَيَصِيحُونَ بِهِمْ،
стр. 3860
فَيَنْهَاهُمُ الرُّوسُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَنْتَهُوا، سِوَى الْعُقَلَاءِ فَإِنَّهُمْ كَفُّوا أَنْفُسَهُمْ وَسَائِرُ الْعَامَّةِ وَالرُّعَاعُ لَا يَضْبِطُونَ أَنْفُسَهُمْ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ نَادَى مُنَادِيهِمْ بِخُرُوجِ أَهْلِ الْبَلَدِ مِنْهُ، وَأَنْ لَا يُقِيمُوا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَخَرَجَ مَنْ كَانَ لَهُ ظَهْرٌ يَحْمِلُهُ، وَبَقِيَ أَكْثَرُهُمْ بَعْدَ الْأَجَلِ، فَوَضَعَ الرُّوسِيَّةُ فِيهِمُ السِّلَاحَ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَسَرُوا بَعْدَ الْقَتْلِ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ نَفْسٍ، وَجَمَعُوا مَنْ بَقِيَ بِالْجَامِعِ، وَقَالُوا: اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ وَإِلَّا قَتَلْنَاكُمْ، وَسَعَى لَهُمْ إِنْسَانٌ نَصْرَانِيٌّ، فَقَرَّرَ عَنْ كُلِّ رَجُلٍ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ إِلَّا عُقَلَاؤُهُمْ، فَلَمَّا رَأَى الرُّوسِيَّةُ أَنَّهُ لَا يُحَصَّلُ مِنْهُمْ شَيْءٌ، قَتَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَغَنِمُوا أَمْوَالَ أَهْلِهَا وَاسْتَعْبَدُوا السَّبْيَ، وَاخْتَارُوا مِنَ النِّسَاءِ مَنِ اسْتَحْسَنُوهَا.
ذِكْرُ مَسِيرِ الْمَرْزُبَانِ إِلَيْهِمْ، وَالظَّفَرِ بِهِمْ
لَمَّا فَعَلَ الرُّوسُ بِأَهْلِ بَرْدَعَةَ مَا ذَكَرْنَاهُ، اسْتَعْظَمَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَتَنَادَوْا بِالنَّفِيرِ، وَجَمَعَ الْمَرْزُبَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاسَ وَاسْتَنْفَرَهُمْ، فَبَلَغَ عِدَّةُ مَنْ مَعَهُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَسَارَ بِهِمْ فَلَمْ يُقَاوِمِ الرُّوسِيَّةَ، وَكَانَ يُغَادِيهُمُ الْقِتَالَ وَيُرَاوِحُهُمْ، فَلَا يَعُودُ إِلَّا مَفْلُولًا، فَبَقُوا كَذَلِكَ أَيَّامًا كَثِيرَةً، وَكَانَ الرُّوسِيَّةُ قَدْ تَوَجَّهُوا نَحْوَ مَرَاغَةَ، فَأَكْثَرُوا مِنْ أَكْلِ الْفَوَاكِهِ، فَأَصَابَهُمُ الْوَبَاءُ، وَكَثُرَتِ الْأَمْرَاضُ وَالْمَوْتُ فِيهِمْ.
وَلَمَّا طَالَ الْأَمْرُ عَلَى الْمَرْزُبَانِ، أَعْمَلَ الْحِيلَةَ، فَرَأَى أَنْ يَكْمُنَ كَمِينًا، ثُمَّ يَلْقَاهُمْ فِي عَسْكَرِهِ، وَيَتَطَارَدَ لَهُمْ، فَإِذَا خَرَجَ الْكَمِينُ عَادَ عَلَيْهِمْ، فَتَقَدَّمَ إِلَى أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ، وَرَتَّبَ الْكَمِينَ ثُمَّ لَقِيَهُمْ، (وَاقْتَتَلُوا، فَتَطَارَدَ لَهُمُ الْمَرْزُبَانُ وَأَصْحَابُهُ، وَتَبِعَهُمُ الرُّوسِيَّةُ) حَتَّى جَازَوْا مَوْضِعَ الْكَمِينِ، فَاسْتَمَرَّ النَّاسُ عَلَى هَزِيمَتِهِمْ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ.
فَحَكَى الْمَرْزُبَانُ، قَالَ: صِحْتُ بِالنَّاسِ لِيَرْجِعُوا، فَلَمْ يَفْعَلُوا لِمَا تَقَدَّمَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ هَيْبَةِ الرُّوسِيَّةِ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ إِنِ اسْتَمَرَّ النَّاسُ عَلَى الْهَزِيمَةِ، قَتَلَ الرُّوسُ أَكْثَرَهُمْ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى الْكَمِينِ (فَفَطِنُوا بِهِمْ) ، فَقَتَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ.
стр. 3861
قَالَ: فَرَجَعْتُ وَحْدِي، وَتَبِعَنِي أَخِي وَصَاحِبِي، وَوَطَّنْتُ نَفْسِي عَلَى الشَّهَادَةِ، فَحِينَئِذٍ عَادَ أَكْثَرُ الدَّيْلَمِ اسْتِحْيَاءً فَرَجَعُوا وَقَاتَلْنَاهُمْ، وَنَادَيْنَا بِالْكَمِينِ بِالْعَلَامَةِ بَيْنَنَا، فَخَرَجُوا مِنْ وَرَائِهِمْ، وَصَدَقْنَاهُمُ الْقِتَالَ، فَقَتَلْنَا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْهُمْ أَمِيرُهُمْ، وَالْتَجَأَ الْبَاقُونَ إِلَى حِصْنِ الْبَلَدِ، وَيُسَمَّى شِهْرِسْتَانَ، وَكَانُوا قَدْ نَقَلُوا إِلَيْهِ مِيرَةً كَثِيرَةً، وَجَعَلُوا مَعَهُمُ السَّبْيَ وَالْأَمْوَالَ، فَحَاصَرَهُمُ الْمَرْزُبَانُ وَصَابَرَهُمْ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِأَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ حَمْدَانَ قَدْ سَارَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، (وَأَنَّهُ وَاصِلٌ إِلَى سَلْمَاسَ، وَكَانَ ابْنُ عَمِّهِ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ قَدْ سَيَّرَهُ لِيَسْتَوْلِيَ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ) ، فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمَرْزُبَانِ، تَرَكَ عَلَى الرُّوسِيَّةِ مَنْ يُحَاصِرُهُمْ وَسَارَ إِلَى ابْنِ حَمْدَانَ، فَاقْتَتَلُوا، ثُمَّ نَزَلَ الثَّلْجُ، فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُ ابْنِ حَمْدَانَ ; لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ أَعْرَابٌ، ثُمَّ أَتَاهُ كِتَابُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ يُخْبِرُهُ بِمَوْتِ تُوزُونَ، وَأَنَّهُ يُرِيدُ الِانْحِدَارَ إِلَى بَغْدَاذَ وَيَأْمُرُهُ بِالْعَوْدِ إِلَيْهِ، فَرَجَعَ.
وَأَمَّا أَصْحَابُ الْمَرْزُبَانِ فَإِنَّهُمْ أَقَامُوا يُقَاتِلُونَ الرُّوسِيَّةَ، (وَزَادَ الْوَبَاءُ عَلَى الرُّوسِيَّةِ) (فَكَانُوا إِذَا دَفَنُوا الرَّجُلَ، دَفَنُوا مَعَهُ سِلَاحَهُ، فَاسْتَخْرَجَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) كَثِيرًا بَعْدَ انْصِرَافِ الرُّوسِ.
ثُمَّ إِنَّهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْحِصْنِ لَيْلًا وَقَدْ حَمَلُوا عَلَى ظُهُورِهِمْ مَا أَرَادُوا مِنَ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا، وَمَضَوْا إِلَى الْكَرِّ، وَرَكِبُوا فِي سُفُنِهِمْ وَمَضَوْا، وَعَجَزَ أَصْحَابُ الْمَرْزُبَانِ عَنِ اتِّبَاعِهِمْ وَأَخْذِ مَا مَعَهُمْ، فَتَرَكُوهُمْ وَطَهَّرَ اللَّهُ الْبِلَادَ مِنْهُمْ.
ذِكْرُ خُرُوجِ ابْنِ أَشْكَامَ عَلَى نُوحٍ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَالَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَشْكَامَ عَلَى الْأَمِيرِ نُوحٍ، وَامْتَنَعَ بِخُوَارَزْمَ، فَسَارَ نُوحٌ مِنْ بُخَارَى إِلَى مَرْوَ بِسَبَبِهِ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا، وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَارِسَ، وَسَارُوا نَحْوَهُ، فَمَاتَ إِبْرَاهِيمُ فِي الطَّرِيقِ، وَكَاتَبَ ابْنُ أَشْكَامَ مَلِكَ التُّرْكِ وَرَاسَلَهُ، وَاحْتَمَى بِهِ.
وَكَانَ لِمَلِكِ التُّرْكِ وَلَدٌ فِي يَدِ نُوحٍ، وَهُوَ مَحْبُوسٌ بِبُخَارَى، فَرَاسَلَ نُوحٌ أَبَاهُ فِي إِطْلَاقِهِ لِيَقْبِضَ عَلَى ابْنِ أَشْكَامَ، فَأَجَابَهُ مَلِكُ التُّرْكِ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا عَلِمَ ابْنُ أَشْكَامَ الْحَالَ، عَادَ إِلَى طَاعَةِ نُوحٍ، وَفَارَقَ خُوَارَزْمَ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ نُوحٌ وَأَكْرَمَهُ، وَعَفَا عَنْهُ.
стр. 3862
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَمَضَانَ مَاتَ أَبُو طَاهِرٍ الْهَجَرِيُّ رَئِيسُ الْقَرَامِطَةِ، أَصَابَهُ جُدَرِيٌّ فَمَاتَ، وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ إِخْوَةٍ مِنْهُمْ: أَبُو الْقَاسِمِ سَعِيدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَهُوَ الْأَكْبَرُ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْفَضْلُ بْنُ الْحَسَنِ، وَهَذَانَ كَانَا يَتَّفِقَانِ مَعَ أَبِي طَاهِرٍ عَلَى الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ، وَكَانَ لَهُمَا أَخٌ ثَالِثٌ لَا يَجْتَمِعُ بِهِمَا، وَهُوَ مَشْغُولٌ بِالشُّرْبِ وَاللَّهْوِ.
وَفِيهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى غَلَتِ الْأَسْعَارُ فِي بَغْدَاذَ حَتَّى بِيعَ الْقَفِيزُ الْوَاحِدُ مِنَ الدَّقِيقِ الْخُشْكَارِ بِنَيِّفٍ وَسِتِّينَ دِرْهَمًا، وَالْخُبْزُ الْخُشْكَارُ ثَلَاثَةُ أَرْطَالٍ بِدِرْهَمٍ.
وَكَانَتِ الْأَمْطَارُ كَثِيرَةً مُسْرِفَةً جِدًّا حَتَّى (خَرِبَتِ الْمَنَازِلُ، وَمَاتَ خَلْقٌ كَثِيرٌ تَحْتَ الْهَدْمِ، وَنَقُصَتْ قِيمَةُ الْعَقَارِ حَتَّى) صَارَ مَا كَانَ يُسَاوِي دِينَارًا يُبَاعُ بِأَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ حَقِيقَةً، وَمَا يَسْقُطُ مِنَ الْأَبْنِيَةِ لَا يُعَادُ، وَتَعَطَّلَ كَثِيرٌ مِنَ الْحَمَّامَاتِ، وَالْمَسَاجِدِ، وَالْأَسْوَاقِ ; لِقِلَّةِ النَّاسِ، وَتَعَطَّلَ كَثِيرٌ مِنْ أَتَاتِينِ الْآجُرِّ ; لِقِلَّةِ الْبِنَاءِ، وَمَنْ يَضْطَّرُّ إِلَيْهِ اجْتَزَأَ بِالْأَنْقَاضِ، وَكَثُرَتِ الْكَبْسَاتُ مِنَ اللُّصُوصِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ حَمْدِيٍّ، وَتَحَارَسَ النَّاسُ بِالْبُوقَاتِ، وَعَظُمَ أَمْرُ ابْنِ حَمْدِيٍّ فَأَعْجَزَ النَّاسَ، وَأَمَّنَهُ ابْنُ شَيْرَزَادَ وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَشَرَطَ مَعَهُ أَنْ يُوَصِّلَهُ كُلَّ شَهْرٍ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ مِمَّا يَسْرِقُهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ يَسْتَوْفِيهَا مِنِ ابْنِ حَمْدِيٍّ بِالرَّوْزَاتِ، فَعَظُمَ شَرُّهُ حِينَئِذٍ، وَهَذَا مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ.
ثُمَّ إِنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ الدَّيْلِمِيَّ، صَاحِبَ الشُّرْطَةِ بِبَغْدَاذَ، ظَفِرَ بِابْنِ حَمْدِيٍّ فَقَتَلَهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَخَفَّ عَنِ النَّاسِ بَعْضُ مَا هُمْ فِيهِ.
وَفِيهَا فِي شَعْبَانَ وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي نِيسَانَ، ظَهَرَ فِي الْجَوِّ شَيْءٌ كَثِيرٌ سَتَرَ عَيْنَ
стр. 3863
الشَّمْسِ بِبَغْدَادَ، فَتَوَهَّمَهُ النَّاسُ جَرَادًا لِكَثْرَتِهِ، وَلَمْ يَشُكُّوا فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ سَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى الْأَرْضِ، فَإِذَا هُوَ حَيَوَانٌ يَطِيرُ فِي الْبَسَاتِينِ وَلَهُ جَنَاحَانِ قَائِمَانِ مَنْقُوشَانِ، فَإِذَا أَخَذَ الْإِنْسَانُ جَنَاحَهُ بِيَدِهِ بَقِيَ أَثَرُ أَلْوَانِ الْجَنَاحِ فِي يَدِهِ وَيَعْدِمُ الْجَنَاحَ، وَيُسَمِّيهِ الصِّبْيَانُ طَحَّانَ الذَّرِيرَةِ.
وَفِيهَا اسْتَوْلَى مُعِزُّ الدَّوْلَةِ عَلَى وَاسِطٍ، وَانْحَدَرَ مَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْبَرِيدِيِّ فِيهَا إِلَى الْبَصْرَةِ.
وَفِيهَا قَبَضَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَنَالَ التُّرْجُمَانِ بِالرَّقَّةِ وَقَتَلَهُ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّهُ قَدْ وَاطَأَ الْمُتَّقِيَ عَلَى الْإِيقَاعِ بِسَيْفِ الدَّوْلَةِ.
وَفِيهَا عَرَضَ لِتُوزُونَ صَرَعٌ وَهُوَ جَالِسٌ لِلسَّلَامِ، وَالنَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَامَ ابْنُ شَيْرَزَادَ وَمَدَّ فِي وَجْهِهِ مَا سَتَرَهُ عَنِ النَّاسِ، فَصَرَفَهُمْ وَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ ثَارَ بِهِ خُمَارٌ لَحِقَهُ.
وَفِيهَا ثَارَ نَافِعٌ غُلَامُ يُوسُفَ بْنِ وَجِيهٍ صَاحِبِ عَمَّانَ عَلَى مَوْلَاهُ يُوسُفَ، وَمَلَكَ الْبَلَدَ بَعْدَهُ.
وَفِيهَا دَخَلَ الرُّومُ رَأَسَ عَيْنٍ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَأَقَامُوا بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَنَهَبُوهَا، وَسَبَوْا مِنْ أَهْلِهَا، وَقَصَدَهُمُ الْأَعْرَابُ، فَقَاتَلُوهُمْ فَفَارَقَهَا الرُّومُ، وَكَانَ الرُّومُ فِي ثَمَانِينَ أَلْفًا مَعَ الدُّمُسْتُقِ.
وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، اسْتَعْمَلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ مُقَاتِلٍ عَلَى طَرِيقِ الْفُرَاتِ، وَدِيَارِ مُضَرَ، وَجُنْدِ قِنَّسْرِينَ، وَالْعَوَاصِمِ، وَحِمْصَ، وَأَنْفَذَهُ إِلَيْهَا مِنَ الْمَوْصِلِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُوَّادِ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ بَعْدَهُ فِي رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ ابْنَ عَمِّهِ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ حَمْدَانَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الرَّقَّةِ مَنَعَهُ أَهْلُهَا، فَقَاتَلَهُمْ فَظَفِرَ بِهِمْ، وَأَحْرَقَ مِنَ الْبَلَدِ قِطْعَةً، وَأَخَذَ رُؤَسَاءَ أَهْلِهَا وَسَارَ إِلَى حَلَبَ.
стр. 3864
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣٣٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ مَسِيرِ الْمُتَّقِي إِلَى بَغْدَاذَ وَخَلْعِهِ
كَانَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ قَدْ كَتَبَ إِلَى الْإِخْشِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ طُغْجَ مُتَوَلِّي مِصْرَ يَشْكُو حَالَهُ وَيَسْتَقْدِمُهُ إِلَيْهِ، فَأَتَاهُ مِنْ مِصْرَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى حَلَبَ، سَارَ عَنْهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَمْدَانَ، وَكَانَ ابْنُ مُقَاتِلٍ بِهَا مَعَهُ، فَلَمَّا عَلِمَ بِرَحِيلِهِ عَنْهَا اخْتَفَى، فَلَمَّا قَدِمَ الْإِخْشِيدُ إِلَيْهَا، ظَهَرَ إِلَيْهِ ابْنُ مُقَاتِلٍ، فَأَكْرَمَهُ الْإِخْشِيدُ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَرَاجِ مِصْرَ، وَانْكَسَرَ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ مِنَ الْمُصَادَرَةِ الَّتِي صَادَرَهُ بِهَا نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ، وَمَبْلَغُهُ خَمْسُونَ أَلْفِ دِينَارٍ.
وَسَارَ الْإِخْشِيدُ مِنْ حَلَبَ، فَوَصَلَ إِلَى الْمُتَّقِي مُنْتَصَفَ مُحَرَّمٍ وَهُوَ بِالرَّقَّةِ، فَأَكْرَمَهُ الْمُتَّقِي وَاحْتَرَمَهُ، وَوَقَفَ الْإِخْشِيدُ وُقُوفَ الْغِلْمَانِ، وَمَشَى بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَمَرَهُ الْمُتَّقِي بِالرُّكُوبِ فَلَمْ يَفْعَلْ إِلَى أَنْ نَزَلَ الْمُتَّقِي، وَحَمَلَ إِلَى الْمُتَّقِي هَدَايَا عَظِيمَةً، وَإِلَى الْوَزِيرِ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ مُقْلَةَ وَسَائِرِ الْأَصْحَابِ، وَاجْتَهَدَ بِالْمُتَّقِي لِيَسِيرَ مَعَهُ إِلَى مِصْرَ وَالشَّامِ، وَيَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالْمُقَامِ مَكَانَهُ، وَلَا يَرْجِعُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَخَوَّفَهُ مِنْ تُوزُونَ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَأَشَارَ عَلَى ابْنِ مُقْلَةَ أَنْ يَسِيرَ مَعَهُ إِلَى مِصْرَ لِيُحَكِّمَهُ فِي جَمِيعِ بِلَادِهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَخَوَّفَهُ أَيْضًا مَنْ تُوزُونَ، فَكَانَ ابْنُ مُقْلَةَ يَقُولُ (بَعْدَ ذَلِكَ) : نَصَحَنِي الْإِخْشِيدُ، فَلَمْ أَقْبَلْ نَصِيحَتَهُ.
وَكَانَ قَدْ أَنْفَذَ رُسُلًا إِلَى تُوزُونَ فِي الصُّلْحِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَحَلَّفُوا تُوزُونَ لِلْخَلِيفَةِ وَالْوَزِيرِ، فَلَمَّا حَلَفَ كَتَبَ الرُّسُلُ إِلَى الْمُتَّقِي بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ النَّاسُ أَيْضًا بِمَا شَاهَدُوا مِنْ تَأْكِيدِ الْيَمِينِ، فَانْحَدَرَ الْمُتَّقِي مِنَ الرَّقَّةِ فِي الْفُرَاتِ إِلَى بَغْدَاذَ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَعَادَ الْإِخْشِيدُ إِلَى مِصْرَ، فَلَمَّا وَصَلَ الْمُتَّقِي إِلَى هَيْتَ أَقَامَ بِهَا، وَأَنْفَذَ مَنْ
стр. 3865
يُجَدِّدُ الْيَمِينَ عَلَى تُوزُونَ، فَعَادَ وَحَلَفَ، وَسَارَ عَنْ بَغْدَاذَ لِعَشَرٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ لِيَلْتَقِيَ الْمُتَّقِيَ، فَالْتَقَاهُ بِالسَّنَدِيَّةِ، فَنَزَلَ تُوزُونُ وَقَبَّلَ الْأَرْضَ وَقَالَ: هَا أَنَا قَدْ وَفَّيْتُ بِيَمِينِي وَالطَّاعَةُ لَكَ، ثُمَّ وَكَّلَ بِهِ وَبِالْوَزِيرِ وَبِالْجَمَاعَةِ، وَأَنْزَلَهُمْ فِي مَضْرِبِ نَفْسِهِ مَعَ حُرَمِ الْمُتَّقِي، ثُمَّ كَحَّلَهُ فَأَذْهَبَ عَيْنَيْهِ، فَلَمَّا سَمَلَهُ صَاحَ، وَصَاحَ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْحُرَمِ وَالْخَدَمِ، وَارْتَجَّتِ الدُّنْيَا، فَأَمَرَ تُوزُونُ بِضَرْبِ الدَّبَادَبِ لِئَلَّا تَظْهَرَ أَصْوَاتُهُمْ، فَخَفِيَتْ أَصْوَاتُهُمْ، وَعَمِيَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ، وَانْحَدَرَ تُوزُونُ مِنَ الْغَدِ إِلَى بَغْدَاذَ وَالْجَمَاعَةُ فِي قَبْضَتِهِ.
وَكَانَتْ خِلَافَةُ الْمُتَّقِي لِلَّهِ ثَلَاثَ سِنِينَ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَانَ أَبْيَضَ (أَشْهَلَ) الْعَيْنَيْنِ، وَأُمُّهُ أَمُّ وَلَدٍ اسْمُهَا خَلُوبُ، وَكَانَتْ وِزَارَةُ ابْنِ مُقْلَةَ سَنَةً وَاحِدَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَاثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا.
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ
هُوَ الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ عَلِيِّ بْنِ الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ، يَجْتَمِعُ هُوَ وَالْمُتَّقِي لِلَّهِ فِي الْمُعْتَضِدِ، لَمَّا قَبَضَ تُوزُونُ عَلَى الْمُتَّقِي لِلَّهِ، أَحْضَرَ الْمُسْتَكْفِيَ إِلَيْهِ إِلَى السَّنَدِيَّةِ، وَبَايَعَهُ هُوَ وَعَامَّةُ النَّاسِ.
وَكَانَ سَبَبُ الْبَيْعَةِ لَهُ مَا حَكَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ التَّمِيمِيُّ الرَّازِيُّ، وَكَانَ مِنْ خَوَاصِّ تُوزُونَ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا السَّبَبَ فِي الْبَيْعَةِ لِلْمُسْتَكْفِي، وَذَلِكَ أَنَّنِي دَعَانِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الزُّوبَيْنَدَارِ الدَّيْلَمَيُّ، فَمَضَيْتُ إِلَيْهِ، فَذَكَرَ لِي أَنَّهُ تَزَوَّجَ إِلَى قَوْمٍ وَأَنَّ امْرَأَةً مِنْهُمْ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ الْمُتَّقِيَ هَذَا قَدْ عَادَاكُمْ وَعَادَيْتُمُوهُ، وَكَاشَفَكُمْ وَلَا يَصْفُو قَلْبُهُ لَكُمْ، وَهَا هُنَا رَجُلٌ مِنْ أَوْلَادِ الْخُلَفَاءِ مِنْ وَلَدِ الْمُكْتَفِي - وَذَكَرَتْ عَقْلَهُ، وَأَدَبَهُ، وَدِينَهُ - تُنَصِّبُونَهُ لِلْخِلَافَةِ فَيَكُونُ صَنِيعَتَكُمْ وَغَرْسَكُمْ، وَيَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْوَالٍ جَلِيلَةٍ لَا يَعْرِفُهَا غَيْرُهُ، وَتَسْتَرِيحُونَ مِنَ الْخَوْفِ وَالْحِرَاسَةِ.
стр. 3866
قَالَ: فَعَلِمْتُ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِكَ، فَدَعَوْتُكَ لَهُ، فَقُلْتُ: أُرِيدُ [أَنْ] أَسْمَعُ كَلَامَ الْمَرْأَةِ، فَجَاءَنِي بِهَا، فَرَأَيْتُ امْرَأَةً عَاقِلَةً جَزْلَةً، فَذَكَرَتْ لِي نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: لَا بُدَّ أَنْ أَلْقَى الرَّجُلَ، فَقَالَتْ: تَعُودُ غَدًا إِلَى هَا هُنَا حَتَّى أَجْمَعَ بَيْنَكُمَا، فَعُدْتُ إِلَيْهَا مِنَ الْغَدِ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ أُخْرِجَ مِنْ دَارِ ابْنِ طَاهِرٍ فِي زِيِّ امْرَأَةٍ، فَعَرَّفَنِي نَفْسَهُ، وَضَمِنَ إِظْهَارَ ثَمَانِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ مِنْهَا مِائَةُ أَلْفٍ لِتُوزُونَ، وَذَكَرَ وُجُوهَهَا وَخَاطَبَنِي خِطَابَ رَجُلٍ فَهْمٍ عَاقِلٍ، وَرَأَيْتُهُ يَتَشَيَّعُ، قَالَ: فَأَتَيْتُ تُوزُونَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَوَقَعَ كَلَامِي بِقَلْبِهِ، وَقَالَ: أُرِيدُ [أَنْ] أُبْصِرَ الرَّجُلَ، فَقُلْتُ: لَكَ ذَلِكَ، وَلَكِنِ اكْتُمْ أَمْرَنَا مِنِ ابْنِ شَيْرَزَادَ، فَقَالَ: أَفْعَلُ، وَعُدْتُ إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرْتُهُمُ الَّذِي ذُكِرَ، وَوَعَدْتُهُمْ حُضُورَ تُوزُونَ مِنَ الْغَدِ.
فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْأَحَدِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ صَفَرٍ، مَشَيْتُ مَعَ تُوزُونَ مُسْتَخْفِيَيْنِ، فَاجْتَمَعْنَا بِهِ، وَخَاطَبَهُ تُوزُونُ وَبَايَعَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَتَمَ الْأَمْرَ، فَلَمَّا وَصَلَ الْمُتَّقِي، قُلْتُ لِتُوزُونَ لَمَّا لَقِيَهُ: أَنْتَ عَلَى ذَلِكَ الْعَزْمِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَلْتُ: فَافْعَلْهُ السَّاعَةَ، فَإِنَّهُ إِنْ دَخَلَ الدَّارَ بَعُدَ عَلَيْكَ مَرَامُهُ، فَوَكَّلَ بِهِ وَسَمَلَهُ، وَجَرَى مَا جَرَى.
وَبُويِعَ الْمُسْتَكْفِي بِالْخِلَافَةِ يَوْمَ خَلْعِ الْمُتَّقِي. وَأُحْضِرَ الْمُتَّقِي، فَبَايَعَهُ وَأَخَذَ مِنْهُ الْبُرْدَةَ وَالْقَضِيبَ، وَصَارَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ قَهْرَمَانَةَ الْمُسْتَكْفِي، وَسَمَّتْ نَفْسَهَا عَلَمًا، وَغَلَبَتْ عَلَى أَمْرِهِ كُلِّهِ.
وَاسْتَوْزَرَ الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ أَبَا الْفَرَجِ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ السَّامَّرِّيَّ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا اسْمُ الْوِزَارَةِ، وَالَّذِي يَتَوَلَّى الْأُمُورَ ابْنُ شَيْرَزَادَ، وَحُبِسَ الْمُتَّقِي، وَخَلَعَ الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ عَلَى تُوزُونَ خُلْعَةً وَتَاجًا، وَطَلَبَ الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ أَبَا الْقَاسِمِ الْفَضْلَ بْنَ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ، وَهُوَ الَّذِي وَلِيَ الْخِلَافَةَ، وَلُقِّبَ " الْمُطِيعُ لِلَّهِ " ;
стр. 3867
لِأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُهُ يَطْلُبُ الْخِلَافَةَ، فَاسْتَتَرَ مُدَّةَ خِلَافَةِ الْمُسْتَكْفِي، فَهُدِمَتْ دَارُهُ الَّتِي عَلَى دِجْلَةَ عِنْدَ دَارِ ابْنِ طَاهِرٍ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ.
ذِكْرُ خُرُوجِ أَبِي يَزِيدَ الْخَارِجِيِّ بِإِفْرِيقِيَّةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اشْتَدَّتْ شَوْكَةُ أَبِي يَزِيدَ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ وَهَزَمَ الْجُيُوشَ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهِ أَنَّهُ مِنْ زَنَاتَةَ، وَاسْمُ وَالِدِهِ كَيْدَادُ مِنْ مَدِينَةِ تَوْزَرَ مِنْ قَسْطِيلِيَّةَ، وَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى بِلَادِ السُّودَانِ لِتِجَارَةٍ، فَوُلِدَ لَهُ بِهَا أَبُو يَزِيدَ مِنْ جَارِيَةٍ هَوَّارِيَّةٍ، فَأَتَى بِهَا إِلَى تَوْزَرَ، فَنَشَأَ بِهَا، وَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، وَخَالَطَ جَمَاعَةً مِنَ النَّكَارِيَّةِ، فَمَالَتْ نَفْسُهُ إِلَى مَذْهَبِهِمْ، ثُمَّ سَافَرَ إِلَى تَاهَرْتَ فَأَقَامَ بِهَا يُعَلِّمُ الصِّبْيَانَ إِلَى أَنْ خَرَجَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيعِيُّ إِلَى سِجِلْمَاسَةَ فِي طَلَبِ الْمَهْدِيِّ، فَانْتَقَلَ إِلَى تَقْيَوَسَ، وَاشْتَرَى ضَيْعَةً وَأَقَامَ يُعَلِّمُ فِيهَا.
وَكَانَ مَذْهَبُهُ تَكْفِيرَ أَهْلِ الْمِلَّةِ، وَاسْتِبَاحَةَ الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ وَالْخُرُوجَ عَلَى السُّلْطَانِ، فَابْتَدَأَ يَحْتَسِبُ عَلَى النَّاسِ فِي أَفْعَالِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ، فَصَارَ لَهُ جَمَاعَةٌ يُعَظِّمُونَهُ، وَذَلِكَ أَيَّامَ الْمَهْدِيِّ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنِ اشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ فِي أَيَّامِ الْقَائِمِ (وَلَدِ الْمَهْدِيِّ، فَصَارَ يُغُيْرُ وَيَحْرِقُ وَيُفْسِدُ، وَزَحَفَ إِلَى بِلَادِ الْقَائِمِ) وَحَاصَرَ بَاغَايَةَ، وَهَزَمَ الْجُيُوشَ الْكَثِيرَةَ عَلَيْهَا، ثُمَّ حَاصَرَ قَسْطِيلِيَّةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَفَتَحَ تَبْسَةَ وَمَجَانَةَ وَهَدَمَ سُورَهَا، وَأَمَّنَ أَهْلَهَا، وَدَخَلَ مَرْمَجَنَّةَ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِهَا، وَأَهْدَى لَهُ حِمَارًا أَشْهَبَ مَلِيحَ الصُّورَةِ، فَرَكِبَهُ أَبُو يَزِيدَ مِنْ ذَلِكَ الْيَومِ.
وَكَانَ قَصِيرًا أَعْرَجَ يَلْبِسُ جُبَّةَ صُوفٍ قَصِيرَةً، قَبِيحَ الصُّورَةِ.
ثُمَّ إِنَّهُ هَزَمَ كُتَامَةَ، وَأَنْفَذَ طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِهِ إِلَى سَبِيبَةَ، فَفَتَحَهَا وَصَلَبَ عَامِلَهَا، وَسَارَ إِلَى الْأَرْبَسِ، فَفَتَحَهَا وَأَحْرَقَهَا وَنَهَبَهَا، وَجَاءَ النَّاسُ إِلَى الْجَامِعِ، فَقَتَلَهُمْ فِيهِ، فَلَمَّا اتَّصَلَ ذَلِكَ بِأَهْلِ الْمَهْدِيَّةِ اسْتَعْظَمُوهُ، وَقَالُوا لِلْقَائِمِ: الْأَرْبَسُ بَابُ إِفْرِيقِيَّةَ، وَلَمَّا أُخِذَتْ، زَالَتْ دَوْلَةُ بَنِي الْأَغْلَبِ، فَقَالَ: لَا بُدَّ أَنْ يَبْلُغَ أَبُو يَزِيدَ الْمُصَلَّى، وَهُوَ أَقْصَى غَايَتَهُ.
стр. 3868
ثُمَّ إِنَّ الْقَائِمَ أَخْرَجَ الْجُيُوشَ لِضَبْطِ الْبِلَادِ، فَأَخْرَجَ جَيْشًا إِلَى رَقَّادَةَ، وَجَيْشًا إِلَى الْقَيْرَوَانِ، وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ، فَخَافَ أَبُو يَزِيدَ، وَعَوَّلَ عَلَى أَخْذِ بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ وَإِخْرَابِهَا وَقَتْلِ أَهْلِهَا، وَسَيَّرَ الْقَائِمُ الْجَيْشَ الَّذِي اجْتَمَعَ لَهُ مَعَ فَتَاهُ مَيْسُورٍ، وَسَيَّرَ بَعْضَهُ مَعَ فَتَاهُ بُشْرَى إِلَى بَاجَّةَ، فَلَمَّا بَلَغَ أَبَا يَزِيدَ خَبَرُ بُشْرَى، تَرَكَ أَثْقَالَهُ (وَسَارَ جَرِيدَةً إِلَيْهِ، فَالْتَقَوْا) بِبَاجَّةَ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ أَبِي يَزِيدَ، وَبَقِيَ فِي نَحْوِ أَرْبَعِمِائَةِ مُقَاتِلٍ، فَقَالَ لَهُمْ: مِيلُوا بِنَا نُخَالِفُهُمْ إِلَى خِيَامِهِمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَانْهَزَمَ بُشْرَى إِلَى تُونُسَ، وَقُتِلَ مِنْ عَسْكَرِهِ كَثِيرٌ مِنْ وُجُوهِ كُتَامَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَدَخَلَ أَبُو يَزِيدَ بَاجَّةَ فَأَحْرَقَهَا وَنَهَبَهَا، وَقَتَلُوا الْأَطْفَالَ، وَأَخَذُوا النِّسَاءَ، وَكَتَبَ إِلَى الْقَبَائِلِ يَدْعُوهُمْ إِلَى نَفْسِهِ فَأَتَوْهُ، وَعَمِلَ الْأَخْبِيَةَ وَالْبُنُودَ وَآلَاتِ الْحَرْبِ.
وَلَمَّا وَصَلَ بُشْرَى إِلَى تُونُسَ، جَمَعَ النَّاسَ وَأَعْطَاهُمُ الْأَمْوَالَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَجَهَّزَهُمْ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى أَبِي يَزِيدَ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ أَبُو يَزِيدَ جَيْشًا، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ أَبِي يَزِيدَ، وَرَجَعَ أَصْحَابُ بُشْرَى إِلَى تُونُسَ غَانِمِينَ، وَوَقَعَتْ فِتْنَةٌ فِي تُونُسَ، وَنَهَبَ أَهْلُهَا دَارَ عَامِلِهَا، فَهَرَبَ، وَكَاتَبُوا أَبَا يَزِيدَ، فَأَعْطَاهُمُ الْأَمَانَ، وَوَلَّى عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ رَحْمُونُ، وَانْتَقَلَ إِلَى فَحْصِ أَبِي صَالِحٍ، وَخَافَهُ النَّاسُ، فَانْتَقَلُوا إِلَى الْقَيْرَوَانِ، وَأَتَاهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ خَوفًا وَرُعْبًا.
وَأَمَرَ الْقَائِمُ بُشْرَى أَنْ يَتَجَسَّسَ أَخْبَارَ أَبِي يَزِيدَ، (فَمَضَى نَحْوَهُ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى أَبِي يَزِيدَ) ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ طَائِفَةٌ مِنْ عَسْكَرِهِ، وَأَمَرَ مُقَدِّمَهُ أَنْ يَقْتُلَ، وَيُمَثِّلَ وَيَنْهَبَ، لِيُرْعِبَ قُلُوبَ النَّاسِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَالْتَقَى هُوَ وَبُشْرَى، وَاقْتَتَلُوا وَانْهَزَمَ عَسْكَرُ أَبِي يَزِيدَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَأُسِرَ خَمْسُمِائَةٍ، فَسَيَّرَهُمْ بُشْرَى إِلَى الْمَهْدِيَّةِ فِي السَّلَاسِلِ، فَقَتَلَهُمُ الْعَامَّةُ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ أَبِي يَزِيدَ عَلَى الْقَيْرَوَانِ وَرَقَّادَةَ
لَمَّا انْهَزَمَ أَصْحَابُ أَبِي يَزِيدَ، غَاظَهُ ذَلِكَ، وَجَمَعَ الْجُمُوعَ، وَرَحَلَ وَسَارَ إِلَى قِتَالِ الْكُتَامِيِّينَ، فَوَصَلَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَتَلَاقَتِ الطَّلَائِعُ، وَجَرَى بَيْنَهُمَا قِتَالٌ، فَانْهَزَمَتْ طَلَائِعُ الْكُتَامِيِّينَ، وَتَبِعَهُمُ الْبَرْبَرُ إِلَى رَقَّادَةَ، وَنَزَلَ أَبُو يَزِيدَ بِالْغَرْبِ مِنَ الْقَيْرَوَانِ فِي مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَنَزَلَ مِنَ الْغَدِ شَرْقِيَّ رَقَّادَةَ، وَعَامِلُهَا خَلِيلٌ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى أَبِي يَزِيدَ، وَلَا يُبَالِي بِهِ، وَالنَّاسُ يَأْتُونَهُ وَيُخْبِرُونَهُ بِقُرْبِهِمْ، فَأَمَرَ أَنْ لَا يَخْرُجَ أَحَدٌ لِقِتَالٍ، وَكَانَ يَنْتَظِرُ وُصُولَ مَيْسُورٍ فِي الْجَيْشِ الَّذِي مَعَهُ.
стр. 3869
فَلَمَّا عَلِمَ أَبُو يَزِيدَ ذَلِكَ، زَحَفَ إِلَى الْبَلَدِ بَعْضُ عَسْكَرِهِ، فَأَنْشَبُوا الْقِتَالَ، فَجَرَى بَيْنَهُمْ قَتِالٌ (عَظِيمٌ) قُتِلَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْقَيْرَوَانِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَانْهَزَمُوا وَخَلِيلٌ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمْ، فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ، فَخَرَجَ مُتَكَارِهًا مِنْ بَابِ تُونُسَ، وَأَقْبَلَ أَبُو يَزِيدَ، فَانْهَزَمَ خَلِيلٌ بِغَيْرِ قِتَالٍ، وَدَخَلَ الْقَيْرَوَانَ وَنَزَلَ بِدَارِهِ وَأَغْلَقَ بَابَهَا يَنْتَظِرُ وُصُولَ مَيْسُورٍ، وَفَعَلَ كَذَلِكَ أَصْحَابُهُ، وَدَخَلَ الْبَرْبَرُ الْمَدِينَةَ فَقَتَلُوا وَأَفْسَدُوا، وَقَاتَلَ بَعْضُ النَّاسِ فِي أَطْرَافِ الْبَلَدِ.
وَبَعَثَ أَبُو يَزِيدَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ اسْمُهُ أَيُّوبُ الزُّوَيْلِيُّ إِلَى الْقَيْرَوَانِ بِعَسْكَرٍ، فَدَخَلَهَا أَوَاخِرَ صَفَرٍ، فَنَهَبَ الْبَلَدَ وَقَتَلَ، وَعَمِلَ أَعْمَالًا عَظِيمَةً، وَحَصَرَ خَلِيلًا فِي دَارِهِ، فَنَزَلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ بِالْأَمَانِ، فَحُمِلَ خَلِيلٌ إِلَى أَبِي يَزِيدَ فَقَتَلَهُ، وَخَرَجَ شُيُوخُ أَهْلِ الْقَيْرَوَانِ إِلَى أَبِي يَزِيدَ وَهُوَ بِرَقَّادَةَ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَمَاطَلَهُمْ، وَأَصْحَابُهُ يَقْتُلُونَ وَيَنْهَبُونَ، فَعَاوَدُوا الشَّكْوَى، وَقَالُوا: خَرِبَتِ الْمَدِينَةُ، فَقَالَ: وَمَا يَكُونُ؟ خَرِبَتْ مَكَّةُ، وَالْبَيْتُ الْمُقَدَّسُ! ثُمَّ أَمَرَ بِالْأَمَانِ، وَبَقِيَ طَائِفَةٌ مِنَ الْبَرْبَرِ يَنْهَبُونَ، فَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِوُصُولِ مَيْسُورٍ فِي عَسَاكِرَ عَظِيمَةً، فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ الْبَرْبَرُ مِنَ الْمَدِينَةِ خَوفًا مِنْهُ.
وَقَارَبَ مَيْسُورٌ مَدِينَةَ الْقَيْرَوَانِ، وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِالْقَائِمِ أَنَّ بَنِي كَمْلَانَ قَدْ كَاتَبَ بَعْضُهُمْ أَبَا يَزِيدَ عَلَى أَنْ يُمَكِّنُوهُ مِنْ مَيْسُورٍ، فَكَتَبَ إِلَى مَيْسُورٍ يُعَرِّفُهُ وَيُحَذِّرُهُ، وَيَأْمُرُهُ بِطَرْدِهِمْ، فَرَجَعُوا إِلَى أَبِي يَزِيدَ، وَقَالُوا لَهُ: إِنْ عَجَّلْتَ ظَفِرْتَ بِهِ، فَسَارَ مِنْ يَوْمِهِ، فَالْتَقَوْا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، وَانْهَزَمَتْ مَيْسَرَةُ أَبِي يَزِيدَ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو يَزِيدَ ذَلِكَ، حَمَلَ عَلَى مَيْسُورٍ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ مَيْسُورٍ، فَعَطَفَ مَيْسُورٌ فَرَسَهُ، فَكَبَا بِهِ، فَسَقَطَ عَنْهُ، وَقَاتَلَ أَصْحَابُهُ عَلَيْهِ لِيَمْنَعُوهُ، فَقَصَدَهُ بَنُو كَمْلَانَ الَّذِينَ طَرَدَهُمْ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ حِينَئِذٍ، فَقُتِلَ مَيْسُورٌ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى أَبِي يَزِيدَ، وَانْهَزَمَ عَامَّةُ عَسْكَرِهِ، وَسَيَّرَ الْكُتُبَ إِلَى عَامَّةِ الْبِلَادِ يُخْبِرُ بِهَذَا الظَّفَرِ، وَطِيفَ بِرَأْسِ مَيْسُورٍ بِالْقَيْرَوَانِ.
وَاتَّصَلَ خَبَرُ الْهَزِيمَةِ بِالْقَائِمِ، فَخَافَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ بِالْمَهْدِيَّةِ، وَانْتَقَلَ أَهْلُهَا مِنْ أَرْبَاضِهَا إِلَى الْبَلَدِ، فَاجْتَمَعُوا وَاحْتَمَوْا بِسُورِهِ، فَمَنَعَهُمُ الْقَائِمُ، وَوَعَدَهُمُ الظَّفَرَ، فَعَادُوا إِلَى زَوِيلَةَ، وَاسْتَعَدُّوا لِلْحِصَارِ، وَأَقَامَ أَبُو يَزِيدَ شَهْرَيْنِ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ فِي خِيَمِ مَيْسُورٍ، وَهُوَ يَبْعَثُ السَّرَايَا إِلَى كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَيَغْنَمُونَ وَيَعُودُونَ، وَأَرْسَلَ سَرِيَّةً إِلَى سُوسَةَ فَفَتَحُوهَا بِالسَّيْفِ، وَقَتَلُوا الرِّجَالَ، وَسَبَوُا النِّسَاءَ، وَأَحْرَقُوهَا، وَشَقُّوا فُرُوجَ النِّسَاءِ، وَبَقَرُوا الْبُطُونَ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِي إِفْرِيقِيَّةَ مَوْضِعٌ مَعْمُورٌ
стр. 3870
وَلَا سَقْفٌ مَرْفُوعٌ، وَمَضَى جَمِيعُ مَنْ بَقِيَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ حُفَاةً عُرَاةً، وَمَنْ تَخَلَّصَ مِنَ السَّبْيِ، مَاتَ جُوعًا وَعَطَشًا.
وَفِي آخِرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ أَمَرَ الْقَائِمُ بِحَفْرِ الْخَنَادِقِ حَوْلَ أَرْبَاضِ الْمَهْدِيَّةِ، وَكَتَبَ إِلَى زِيرِي بْنِ مَنَادٍ سَيِّدِ صِنْهَاجَةَ، وَإِلَى سَادَاتِ كُتَامَةَ وَالْقَبَائِلِ يُحُثُّهُمْ عَلَى الِاجْتِمَاعِ بِالْمَهْدِيَّةِ وَقِتَالِ النِّكَارِ، فَتَأَهَّبُوا لِلْمَسِيرِ إِلَى الْقَائِمِ.
ذِكْرُ حِصَارِ أَبِي يَزِيدَ الْمَهْدِيَّةَ
لَمَّا سَمِعَ أَبُو يَزِيدَ بِتَأَهُّبِ صِنْهَاجَةَ وَكُتَامَةَ وَغَيْرِهِمْ لِنُصْرَةِ الْقَائِدِ، خَافَ وَرَحَلَ مِنْ سَاعَتِهِ نَحْوَ الْمَهْدِيَّةِ، فَنَزَلَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ مِيلًا مِنْهَا، وَبَثَّ سَرَايَاهُ إِلَى نَاحِيَةِ الْمَهْدِيَّةِ، فَانْتَهَبَتْ مَا وَجَدَتْ، وَقَتَلَتْ مَنْ أَصَابَتْ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، وَاتَّفَقَتْ كُتَامَةُ وَأَصْحَابُ الْقَائِمِ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى أَبِي يَزِيدَ لِيَضْرِبُوا عَلَيْهِ فِي مُعَسْكَرِهِ؛ لَمَّا سَمِعُوا أَنَّ عَسْكَرَهُ قَدْ تَفَرَّقَ فِي الْغَارَةِ، فَخَرَجُوا يَوْمَ الْخَمِيسِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ.
وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا يَزِيدَ، وَقَدْ أَتَاهُ فَضْلٌ بِعَسْكَرٍ مِنَ الْقَيْرَوَانِ، فَوَجَّهَهُمْ إِلَى قِتَالِ كُتَامَةَ، وَقَدَّمَ عَلَيْهِمُ ابْنَهُ، فَالْتَقَوْا عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَهْدِيَّةِ وَاقْتَتَلُوا، وَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا يَزِيدَ، فَرَكِبَ بِجَمِيعِ مَنْ بَقِيَ مَعَهُ، فَلَقِيَ أَصْحَابَهُ مُنْهَزِمِينَ، وَقَدْ قُتِلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَآهُ الْكُتَامِيُّونَ انْهَزَمُوا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَأَبُو يَزِيدَ فِي أَثَرِهِمْ إِلَى بَابِ الْفَتْحِ، وَاقْتَحَمَ قَوْمٌ مِنَ الْبَرْبَرِ فَدَخَلُوا بَابَ الْفَتْحِ، فَأَشْرَفَ أَبُو يَزِيدَ عَلَى الْمَهْدِيَّةِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَأَتَى بَابَ الْفَتْحِ، وَوَجَّهَ زَوِيلَةَ إِلَى بَابِ بَكْرٍ، ثُمَّ وَقَفَ هُوَ عَلَى الْخَنْدَقِ الْمُحْدَثِ، وَبِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَبِيدِ، فَنَاشَبَهُمْ أَبُو يَزِيدَ الْقِتَالَ عَلَى الْخَنْدَقِ، ثُمَّ اقْتَحَمَ أَبُو يَزِيدَ وَمَنْ مَعَهُ الْبَحْرَ، فَبَلَغَ الْمَاءُ صُدُورَ الدَّوَابِّ، حَتَّى جَاوَزُوا السُّورَ الْمُحْدَثَ، فَانْهَزَمَ الْعَبِيدُ، وَأَبُو يَزِيدَ فِي طَلَبِهِمْ.
وَوَصَلَ أَبُو يَزِيدَ إِلَى بَابِ الْمَهْدِيَّةِ، عِنْدَ الْمُصَلَّى الَّذِي لِلْعِيدِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَهْدِيَّةِ رَمْيَةَ سَهْمٍ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ فِي زَوِيلَةَ يَنْهَبُونَ وَيَقْتُلُونَ، وَأَهْلُهَا يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ، وَالْقِتَالُ عِنْدَ بَابِ الْفَتْحِ بَيْنَ كُتَامَةَ وَالْبَرْبَرِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ أَبُو يَزِيدَ فِي ذَلِكَ
стр. 3871
الْجَانِبِ، فَحَمَلَ الْكُتَّامِيُّونَ عَلَى الْبَرْبَرِ، فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوا فِيهِمْ، وَسَمِعَ أَبُو يَزِيدَ بِذَلِكَ، وَوُصُولَ زِيرِي بْنِ مَنَادٍ (فِي صِنْهَاجَةَ) ، فَخَافَ الْمَقَامَ، فَقَصَدَ بَابَ الْفَتْحِ لِيَأْتِيَ زِيرِي وَكُتَامَةَ مِنْ وَرَائِهِمْ بِطُبُولِهِ وَبُنُودِهِ، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ الْأَرْبَاضِ ذَلِكَ، ظَنُّوا أَنَّ الْقَائِمَ قَدْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ مِنَ الْمَهْدِيَّةِ، فَكَبَّرُوا وَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وَاشْتَدَّ قِتَالُهُمْ، فَتَحَيَّرَ أَبُو يَزِيدَ، وَعَرَفَهُ أَهْلُ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَمَالُوا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ عِنْدَهُ، فَهَدَمَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ حَائِطًا وَخَرَجَ مِنْهُ فَتَخَلَّصَ، وَوَصَلَ إِلَى مَنْزِلِهِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَهُمْ يُقَاتِلُونَ الْعَبِيدَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَوِيَتْ قُلُوبُهُمْ، وَانْهَزَمَ الْعَبِيدُ وَافْتَرَقُوا.
ثُمَّ رَحَلَ أَبُو يَزِيدَ إِلَى ثَرْنُوطَةَ، وَحَفَرَ عَلَى عَسْكَرِهِ خَنْدَقًا، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ عَظِيمٌ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ، وَالْبَرْبَرِ، وَنَفُوسَةَ، وَالزَّابِّ، وَأَقَاصِي الْمَغْرِبِ، فَحَصَرَ الْمَهْدِيَّةَ حِصَارًا شَدِيدًا، وَمَنَعَ النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهَا وَالْخُرُوجِ مِنْهَا، ثُمَّ زَحَفَ إِلَيْهَا لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنَ السَّنَةِ، فَجَرَى قِتَالٌ عَظِيمٌ قُتِلَ [فِيهِ] جَمَاعَةٌ مِنْ وُجُوهِ عَسْكَرِ الْقَائِمِ، وَاقْتَحَمَ أَبُو يَزِيدَ بِنَفْسِهِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى قُرْبِ الْبَابِ، فَعَرَفَهُ بَعْضُ الْعَبِيدِ، فَقَبَضَ عَلَى لِجَامِهِ وَصَاحَ: هَذَا أَبُو يَزِيدَ فَاقْتُلُوهُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي يَزِيدَ فَقَطَعَ يَدَهُ، وَخَلَّصَ أَبُو يَزِيدَ.
فَلَمَّا رَأَى شِدَّةَ قِتَالِ أَصْحَابِ الْقَائِمِ، كَتَبَ إِلَى عَامِلِ الْقَيْرَوَانِ يَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِ مُقَاتِلَةِ أَهْلِهَا إِلَيْهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَوَصَلُوا إِلَيْهِ، فَزَحَفَ بِهِمْ آخِرَ رَجَبٍ، فَجَرَى قِتَالٌ شَدِيدٌ انْهَزَمَ فِيهِ أَبُو يَزِيدَ هَزِيمَةً مُنْكَرَةً، وَقُتِلَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْقَيْرَوَانِ، ثُمَّ زَحَفَ الزَّحْفَةَ الرَّابِعَةَ فِي الْعَشْرِ الْآخَرِ مِنْ شَوَّالٍ، فَجَرَى قِتَالٌ عَظِيمٌ، وَانْصَرَفَ (إِلَى مَنْزِلِهِ، وَكَثُرَ خُرُوجُ) النَّاسِ مِنَ الْجُوعِ وَالْغَلَاءِ، فَفَتَحَ عِنْدَ ذَلِكَ الْقَائِمُ الْأَهْرَاءَ الَّتِي عَمِلَهَا الْمَهْدِيُّ وَمَلَأَهَا طَعَامًا، وَفَرَّقَ مَا فِيهَا عَلَى رِجَالِهِ، وَعَظُمَ الْبَلَاءُ عَلَى الرَّعِيَّةِ حَتَّى أَكَلُوا الدَّوَابَّ وَالْمَيْتَةَ، وَخَرَجَ مِنَ الْمَهْدِيَّةِ أَكْثَرُ السُّوقَةِ وَالتُّجَّارِ، وَلَمْ يَبْقَ بِهَا سِوَى الْجُنْدِ، فَكَانَ الْبَرْبَرُ يَأْخُذُونَ مَنْ خَرَجَ وَيَقْتُلُونَهُمْ وَيَشُقُّونَ بُطُونَهُمْ طَلَبًا لِلذَّهَبِ.
стр. 3872
(ثُمَّ وَصَلَتْ كُتَامَةُ) فَنَزَلَتْ بِقَسَنْطِينَةَ، فَخَافَ أَبُو يَزِيدَ، فَسَارَ رَجُلٌ مِنْ عَسْكَرِهِ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنْ وَرْفَجُومَةَ وَغَيْرِهِمْ (إِلَى كُتَامَةَ) ، فَقَاتَلَهُمْ فَهَزَمَهُمْ، فَتَفَرَّقُوا، وَكَانَ الْبَرْبَرُ يَأْتُونَ إِلَى أَبِي يَزِيدَ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَيَنْهَبُونَ، وَيَقْتُلُونَ، وَيَرْجِعُونَ إِلَى مَنَازِلِهِمْ، حَتَّى أَفْنَوْا مَا كَانَ فِي إِفْرِيقِيَّةَ: (فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ مَا يُنْهَبُ، تَوَقَّفُوا عَنِ الْمَجِيءِ إِلَيْهِ) فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ سِوَى أَهْلِ أُورَاسَ وَبَنِي كَمْلَانَ.
(فَلَمَّا عَلِمَ الْقَائِمُ) تَفَرُّقَ عَسَاكِرِهِ، أَخْرَجَ عَسْكَرَهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ شَدِيدٌ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، ثُمَّ صَبَّحُوهُمْ مِنَ الْغَدِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ أَحَدٌ، وَكَانَ أَبُو يَزِيدَ قَدْ بَعَثَ فِي طَلَبِ الرِّجَالِ مِنْ أُورَاسَ، ثُمَّ زَحَفَتْ عَسَاكِرُ الْقَائِمِ إِلَيْهِ، فَخَرَجَ مِنْ خَنْدَقِهِ، وَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ بَيْنَهُمُ الْقِتَالُ، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي يَزِيدَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ رَجُلٌ مِنْ وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، فَعَظُمَ قَتْلُهُ عَلَيْهِ، وَدَخَلَ خَنْدَقَهُ ثُمَّ عَاوَدَ الْقِتَالَ، فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ مُظْلِمَةٌ، فَكَانَ الرَّجُلُ لَا يُبْصِرُ صَاحِبَهُ، فَانْهَزَمَ (عَسْكَرُ الْقَائِمِ) (وَقُتِلَ مِنْهُمْ) جَمَاعَةٌ وَعَادَ الْحِصَارُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَهَرَبَ (كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَهْدِيَّةِ) إِلَى جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ، وَطَرَابُلُسَ، وَمِصْرَ، وَبَلَدِ الرُّومِ.
وَفِي آخِرِ ذِي الْقِعْدَةِ اجْتَمَعَ عِنْدَ أَبِي يَزِيدَ جُمُوعٌ عَظِيمَةٌ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ فَقَاتَلَ عَلَيْهَا، فَتَخَيَّرَ الْكُتَامِيُّونَ مِنْهُمْ مِائَتَيْ فَارِسٍ، فَحَمَلُوا حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَقَتَلُوا فِي أَصْحَابِهِ كَثِيرًا، وَأَسَرُوا مِثْلَهُمْ، وَكَادُوا يَصِلُونَ إِلَيْهِ، فَقَاتَلَ أَصْحَابُهُ دُونَهُ وَخَلَّصُوهُ، وَفَرِحَ أَهْلُ الْمَهْدِيَّةِ، وَأَخَذُوا الْأَسْرَى فِي الْحِبَالِ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، (وَدَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ
стр. 3873
وَثَلَاثِمِائَةٍ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى الْمَهْدِيَّةِ) .
وَفِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا ظَهَرَ بِإِفْرِيقِيَّةَ رَجُلٌ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى نَفْسِهِ، فَأَجَابَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَأَطَاعُوهُ، وَادَّعَى أَنَّهُ عَبَّاسِيٌّ وَرَدَ مِنْ بَغْدَاذَ وَمَعَهُ أَعْلَامٌ سُودٌ، فَظَفِرَ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي يَزِيدَ وَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَسَيَّرَهُ إِلَى أَبِي يَزِيدَ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ أَبِي يَزِيدَ هَرَبَ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ؛ بِسَبَبِ عَدَاوَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَقْوَامٍ سَعَوْا بِهِمْ إِلَيْهِ، فَخَرَجُوا مِنَ الْمَهْدِيَّةِ (مَعَ أَصْحَابِ الْقَائِمِ) فَقَتَلُوا أَصْحَابَ أَبِي يَزِيدَ، فَظَفِرُوا، فَتَفَرَّقَ عِنْدَ ذَلِكَ أَصْحَابُ أَبِي يَزِيدَ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ غَيْرُ هَوَارَةَ وَأُورَاسَ وَبَنِي كَمْلَانَ، وَكَانَ اعْتِمَادُهُ عَلَيْهِمْ.
ذِكْرُ رَحِيلِ أَبِي يَزِيدَ عَنِ الْمَهْدِيَّةِ
لَمَّا تَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ عَنْهُ كَمَا ذَكَرْنَا، اجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ مَنْ بَقِيَ مَعَهُ وَتَشَاوَرُوا، وَقَالُوا: نَمْضِي إِلَى الْقَيْرَوَانِ، وَنَجْمَعُ الْبَرْبَرَ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَنَرْجِعُ إِلَى أَبِي يَزِيدَ، فَإِنَّنَا لَا نَأْمَنُ أَنْ يَعْرِفَ الْقَائِمُ خَبَرَنَا فَيَقْصِدَنَا، فَرَكِبُوا وَمَضَوْا، وَلَمْ يُشَاوِرُوا أَبَا يَزِيدَ، وَمَعَهُمْ أَكْثَرُ الْعَسْكَرِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ أَبُو يَزِيدَ لِيَرُدَّهُمْ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، فَرَحَلَ مُسْرِعًا فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَتَرَكَ جَمِيعَ أَثْقَالِهِ، فَوَصَلَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ سَادِسَ صَفَرٍ، فَنَزَلَ الْمُصَلَّى، وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقَيْرَوَانِ سِوَى عَامِلِهِ، وَخَرَجَ الصِّبْيَانُ يَلْعَبُونَ حَوْلَهُ وَيَضْحَكُونَ مِنْهُ.
وَبَلَغَ الْقَائِمُ رُجُوعَهُ، فَخَرَجَ النَّاسُ إِلَى أَثْقَالِهِ، فَوَجَدُوا الطَّعَامَ وَالْخِيَامَ (وَغَيْرَ ذَلِكَ) عَلَى حَالِهِ، فَأَخَذُوهُ وَحَسُنَتْ أَحْوَالُهُمْ، وَاسْتَرَاحُوا مِنْ شِدَّةِ الْحِصَارِ، وَرَخُصَتِ الْأَسْعَارُ، وَأَنْفَذَ الْقَائِمُ إِلَى الْبِلَادِ عُمَّالًا يَطْرُدُونَ عُمَّالَ أَبِي يَزِيدَ عَنْهَا، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ الْقَيْرَوَانِ قِلَّةَ عَسْكَرِ أَبِي يَزِيدَ خَافُوا الْقَائِمَ، فَأَرَادُوا أَنْ يَقْبِضُوا أَبَا يَزِيدَ، ثُمَّ هَابُوهُ، فَكَاتَبُوا الْقَائِمَ يَسْأَلُونَهُ الْأَمَانَ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ.
وَبَلَغَ أَبَا يَزِيدَ الْخَبَرُ، فَأَنْكَرَ عَلَى عَامِلِهِ بِالْقَيْرَوَانِ اشْتِغَالَهُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَغَيْرِ
стр. 3874
ذَلِكَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُخْرِجَ الْعَسَاكِرَ مِنَ الْقَيْرَوَانِ لِلْجِهَادِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَأَلَانَ لَهُمُ الْقَوْلَ، وَخَوَّفَهُمُ الْقَائِمُ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ.
وَتَسَامَعَ النَّاسُ فِي الْبِلَادِ بِذَلِكَ، فَأَتَاهُ الْعَسَاكِرُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَكُلُّ أَهْلِ الْمَدَائِنِ وَالْقُرَى لَمَّا سُمِعُوا تَفَرُّقَ عَسَاكِرِهِ عَنْهُ، أَخَذُوا عُمَّالَهُ، فَمِنْهُمْ (مَنْ قُتِلَ، وَمِنْهُمْ) مَنْ أُرْسِلَ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ.
وَثَارَ أَهْلُ سُوسَةَ، فَقَبَضُوا عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَرْسَلُوهُمْ إِلَى الْقَائِمِ، فَشَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ سَبْعَةَ مَرَاكِبَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ عَسَاكِرُ أَبِي يَزِيدَ، أَرْسَلَ الْجُيُوشَ إِلَى الْبِلَادِ وَأَمَرَهُمْ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَالنَّهْبِ وَالْخَرَابِ وَإِحْرَاقِ الْمَنَازِلِ، فَوَصَلَ عَسْكَرُهُ إِلَى تُونُسَ، فَدَخَلُوهَا بِالسَّيْفِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَنَهَبُوا جَمِيعَ مَا فِيهَا، وَسَبَوُا النِّسَاءَ وَالْأَطْفَالَ، وَقَتَلُوا الرِّجَالَ، (وَهَدَمُوا الْمَسَاجِدَ) ، وَنَجَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى الْبَحْرِ فَغَرِقَ.
فَسَيَّرَ إِلَيْهِمُ الْقَائِمُ عَسْكَرًا إِلَى تُونُسَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَصْحَابُ أَبِي يَزِيدَ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْقَائِمِ هَزِيمَةً قَبِيحَةً، وَحَالَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، وَالْتَجَئُوا إِلَى جَبَلِ الرُّصَاصِ، ثُمَّ إِلَى اصْطَفُورَةَ، فَتَبِعَهُمْ عَسْكَرُ أَبِي يَزِيدَ فَلَحِقُوهُمْ وَاقْتَتَلُوا، وَصَبَرَ عَسْكَرُ الْقَائِمِ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ أَبِي يَزِيدَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلَقٌ كَثِيرٌ، وَقَتَلُوا، حَتَّى دَخَلُوا تُونُسَ خَامِسَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَأَخْرَجُوا مَنْ فِيهَا مِنْ أَصْحَابِ أَبِي يَزِيدَ بَعْدَ أَنْ قَتَلُوا أَكْثَرَهُمْ، وَأُخِذَ لَهُمْ مِنَ الطَّعَامِ شَيْءٌ كَثِيرٌ.
وَكَانَ لِأَبِي يَزِيدَ وَلَدٌ اسْمُهُ أَيُّوبُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ أَخْرَجَ مَعَهُ عَسْكَرًا كَثِيرًا، فَاجْتَمَعَ مَعَ مَنْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ الْجَيْشِ، وَرَجَعُوا إِلَى تُونُسَ فَقَتَلُوا مَنْ عَادَ إِلَيْهَا وَأَحْرَقُوا مَا بَقِيَ فِيهَا، وَتَوَجَّهَ إِلَى بَاجَّةَ، فَقَتَلَ مَنْ بِهَا مِنْ أَصْحَابِ الْقَائِمِ، وَدَخَلَهَا بِالسَّيْفِ وَأَحْرَقَهَا، وَكَانَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَالتَّخْرِيبِ مَا لَا يُوصَفُ.
وَاتَّفَقَ جَمَاعَةٌ عَلَى قَتْلِ أَبِي يَزِيدَ، وَأَرْسَلُوا إِلَى الْقَائِمِ فَرَغَّبَهُمْ وَوَعَدَهُمْ، فَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِأَبِي يَزِيدَ فَقَتَلَهُمْ، وَهَجَمَ رِجَالٌ مِنَ الْبَرْبَرِ فِي اللَّيْلِ عَلَى رَجُلٍ مَنْ أَهْلِ الْقَيْرَوَانِ، وَأَخَذُوا مَالَهُ وَثَلَاثَ بَنَاتٍ أَبْكَارٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، قَامَ الرَّجُلُ فِي
стр. 3875
الْجَامِعِ وَصَاحَ، وَذَكَرَ مَا حَلَّ بِهِ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَصَاحُوا، فَاجْتَمَعَ الْخَلْقُ الْعَظِيمُ، وَوَصَلُوا إِلَى أَبِي يَزِيدَ فَأَسْمَعُوهُ كَلَامًا غَلِيظًا، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَلَطَفَ بِهِمْ وَأَمَرَ بَرِدِّ الْبَنَاتِ.
فَلَمَّا انْصَرَفُوا وَجَدُوا فِي طَرِيقِهِمْ رَجُلًا مَقْتُولًا، فَسَأَلُوا عَنْهُ، فَقِيلَ إِنَّ فَضْلَ بْنَ أَبِي يَزِيدَ قَتَلَهُ وَأَخَذَ امْرَأَتَهُ، وَكَانَتْ جَمِيلَةً، فَحَمَلَ النَّاسُ الْمَقْتُولَ إِلَى الْجَامِعِ، وَقَالُوا: لَا طَاعَةَ إِلَّا لِلْقَائِمِ، وَأَرَادُوا الْوُثُوبَ بِأَبِي يَزِيدَ، فَاجْتَمَعَ أَصْحَابُ أَبِي يَزِيدَ عِنْدَهُ وَلَامُوهُ، وَقَالُوا: فَتَحْتَ عَلَى نَفْسِكِ مَا لَا طَاقَةَ لَكَ بِهِ لَا سِيَّمَا وَالْقَائِمُ قَرِيبٌ مِنَّا، فَجَمَعَ أَهْلَ الْقَيْرَوَانِ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ، وَأَعْطَاهُمُ الْعُهُودَ أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ، وَيَنْهَبُ، وَلَا يَأْخُذُ الْحَرِيمَ، فَأَتَاهُ سَبْيُ أَهْلِ تُونُسَ وَهُمْ عِنْدَهُ، فَوَثَبُوا إِلَيْهِمْ وَخَلَّصُوهُمْ.
وَكَانَ الْقَائِمُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى مُقَدَّمٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يُسَمَّى عَلِيَّ بْنَ حَمْدُونَ يَأْمُرُهُ بِجَمْعِ الْعَسَاكِرِ وَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَسِيلَةِ، فَجَمَعَ مِنْهَا وَمِنْ سَطِيفَ وَغَيْرِهَا، فَاجْتَمَعَ لَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَتَبِعَهُ بَعْضُ بَنِي هَرَاسَ فَقَصَدَ الْمَهْدِيَّةَ، فَسَمِعَ بِهِ أَيُّوبُ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، وَهُوَ بِمَدِينَةِ بَاجَّةَ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ عَلِيُّ بْنُ حَمْدُونَ، فَسَارَ إِلَيْهِ أَيُّوبُ وَكَبَسَهُ وَاسْتَبَاحَ عَسْكَرَهُ، وَقَتَلَ فِيهِمْ وَغَنِمَ أَثْقَالَهُمْ، وَهَرَبَ عَلِيٌّ الْمَذْكُورُ، ثُمَّ سَيَّرَ أَيُّوبُ جَرِيدَةَ خَيْلٍ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْ عَسْكَرِ الْمَهْدِيِّ خَرَجُوا إِلَى تُونُسَ، فَسَارُوا وَاجْتَمَعُوا، وَوَقَعَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ (فَكَانَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ قِتَالٌ عَظِيمٌ) (قُتِلَ فِيهِ) جَمْعٌ كَثِيرٌ وَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْقَائِمِ، ثُمَّ عَادُوا ثَانِيَةً وَثَالِثَةً، (وَعَزَمُوا عَلَى الْمَوْتِ، وَحَمَلُوا) حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ أَبِي يَزِيدَ وَقَتَلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَأُخِذَتْ أَثْقَالُهُمْ وَعِدَدُهُمْ، وَانْهَزَمَ أَيُّوبُ وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْقَيْرَوَانِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى أَبِي يَزِيدَ، وَأَرَادَ أَنْ يَهْرَبَ (عَنِ الْقَيْرَوَانِ) ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ
стр. 3876
أَصْحَابُهُ بِالتَّوَقُّفِ وَتَرْكِ الْعَجَلَةِ، ثُمَّ جَمَعَ عَسْكَرًا عَظِيمًا، وَأَخْرَجَ ابْنَهُ أَيُّوبَ ثَانِيَةً لِقِتَالِ عَلِيِّ بْنِ حَمْدُونَ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ بَلْطَةُ، وَكَانُوا يَقْتَتِلُونَ، فَمَرَّةً يَظْفَرُ أَيُّوبُ، وَمَرَّةً يَظْفَرُ عَلِيٌّ، وَكَانَ عَلِيٌّ قَدْ وَكَّلَ بِحِرَاسَةِ الْمَدِينَةِ مَنْ يَثِقُ بِهِ، وَكَانَ يَحْرُسُ بَابًا مِنْهَا رَجُلٌ اسْمُهُ أَحْمَدُ، فَرَاسَلَ أَيُّوبَ فِي التَّسْلِيمِ إِلَيْهِ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ، فَأَجَابَهُ أَيُّوبُ إِلَى مَا طَلَبَ، وَقَاتَلَ عَلَى ذَلِكَ الْبَابِ، فَفَتَحَهُ أَحْمَدُ وَدَخَلَهُ أَصْحَابُ أَبِي يَزِيدَ، فَقَتَلُوا مَنْ كَانَ بِهَا، وَهَرَبَ عَلِيٌّ إِلَى بِلَادِ كُتَامَةَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ رَاجِلٍ، وَكَتَبَ إِلَى قَبَائِلِ كُتَامَةَ وَنَفْزَةَ وَمَزَاتَةَ وَغَيْرِهِمْ، فَاجْتَمَعُوا وَعَسْكَرُوا عَلَى مَدِينَةِ الْقَسَنْطِينَةِ.
وَوَجَّهَ عَسْكَرًا إِلَى هَوَّارَةَ، فَقَتَلُوا هَوَّارَةَ، وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ، وَكَانَ اعْتِمَادُ أَبِي يَزِيدَ عَلَيْهِمْ، فَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِأَبِي يَزِيدَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَسَاكِرَ عَظِيمَةً يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَكَانَ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ، وَالْفَتْحُ وَالظَّفَرُ فِي كُلِّهَا لِعَلِيٍّ وَعَسْكَرِ الْقَائِمِ، وَمَلَكَ مَدِينَةَ تَيْجَسَ، وَمَدِينَةَ بَاغَايَةَ، وَأَخَذَهُمَا مِنْ أَبِي يَزِيدَ.
ذِكْرُ مُحَاصَرَةِ أَبِي يَزِيدَ سُوسَةَ وَانْهِزَامِهِ مِنْهَا
لَمَّا رَأَى أَبُو يَزِيدَ مَا جَرَى عَلَى عَسْكَرِهِ مِنَ الْهَزِيمَةِ، جَدَّ فِي أَمْرِهِ، فَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَسَارَ إِلَى سُوسَةَ سَادِسَ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنَ السَّنَةِ، وَبِهَا جَيْشٌ كَثِيرٌ لِلْقَائِمِ، فَحَصَرَهَا حَصْرًا شَدِيدًا، فَكَانَ يُقَاتِلُهَا كُلَّ يَوْمٍ، فَمَرَّةً لَهُ، وَمَرَّةً عَلَيْهِ، وَعَمِلَ الدَّبَّابَاتِ وَالْمَنْجَنِيقَاتِ، فَقُتِلَ مِنْ أَهْلِ سُوسَةَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَحَاصَرَهَا إِلَى أَنْ فَوَّضَ الْقَائِمُ الْعَهْدَ إِلَى وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ الْمَنْصُورِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَتُوُفِّيَ الْقَائِمُ وَمَلَكَ الْمُلْكَ ابْنُهُ الْمَنْصُورُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَكَتَمَ مَوْتَ أَبِيهِ خَوْفًا مِنْ أَبِي يَزِيدَ لِقُرْبِهِ، وَهُوَ عَلَى مَدِينَةِ سُوسَةَ.
فَلَمَّا وَلِيَ عَمِلَ الْمَرَاكِبَ، وَشَحَنَهَا بِالرِّجَالِ، وَسَيَّرَهَا إِلَى سُوسَةَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا رَشِيقًا الْكَاتِبَ، وَيَعْقُوبَ بْنَ إِسْحَاقَ، وَوَصَّاهُمَا أَنْ لَا يُقَاتِلَا حَتَّى يَأْمُرَهُمَا، ثُمَّ سَارَ مِنَ الْغَدِ يُرِيدُ السُّوسَةَ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَصْحَابُهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ الطَّرِيقُ عَلِمُوا فَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَعُودَ وَلَا يُخَاطِرَ بِنَفْسِهِ، فَعَادَ وَأَرْسَلَ إِلَى رَشِيقٍ وَيَعْقُوبَ بِالْجِدِّ فِي الْقِتَالِ، فَوَصَلُوا إِلَى سُوسَةَ وَقَدْ أَعَدَّ أَبُو يَزِيدَ الْحَطَبَ لِإِحْرَاقِ السُّورِ، وَعَمِلَ دَبَّابَةً عَظِيمَةً
стр. 3877
فَوَصَلَ أُسْطُولُ الْمَنْصُورِ إِلَى سُوسَةَ، وَاجْتَمَعُوا بِمَنْ فِيهَا، وَخَرَجُوا إِلَى قِتَالِ أَبِي يَزِيدَ، فَرَكِبَ بِنَفْسِهِ، وَاقْتَتَلُوا وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، وَانْهَزَمَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْمَنْصُورِ حَتَّى دَخَلُوا الْمَدِينَةَ، فَأَلْقَى رَشِيقٌ النَّارَ فِي الْحَطَبِ الَّذِي جَمَعَهُ أَبُو يَزِيدَ، وَفِي الدَّبَّابَةِ، فَأَظْلَمَ الْجَوُّ بِالدُّخَانِ، وَاشْتَعَلَتِ النَّارُ.
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو يَزِيدَ وَأَصْحَابُهُ خَافُوا، وَظَنُّوا أَنَّ أَصْحَابَهُ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ قَدْ هَلَكُوا، فَلِهَذَا تَمَكَّنَ أَصْحَابُ الْمَنْصُورِ مِنْ إِحْرَاقِ الْحَطَبِ إِذْ لَمْ يَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَانْهَزَمَ أَبُو يَزِيدَ وَأَصْحَابُهُ، وَخَرَجَتْ عَسَاكِرُ الْمَنْصُورِ، فَوَضَعُوا السَّيْفَ فِيمَنْ تَخَلَّفَ مِنَ الْبَرْبَرِ، وَأَحْرَقُوا خِيَامَهُ.
وَجَدَّ أَبُو يَزِيدَ هَارِبًا حَتَّى دَخَلَ الْقَيْرَوَانَ مِنْ يَوْمِهِ، وَهَرَبَ الْبَرْبَرُ عَلَى وُجُوهِهِمْ، فَمَنْ سَلِمَ مِنَ السَّيْفِ، مَاتَ جُوعًا وَعَطَشًا.
وَلَمَّا وَصَلَ أَبُو يَزِيدَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، أَرَادَ الدُّخُولَ إِلَيْهَا، فَمَنَعَهُ أَهْلُهَا، وَرَجَعُوا إِلَى دَارِ عَامِلِهِ فَحَصَرُوهُ، وَأَرَادُوا كَسْرَ الْبَابِ، فَنَثَرَ الدَّنَانِيرَ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ فَاشْتَغَلُوا عَنْهُ، فَخَرَجَ إِلَى أَبِي يَزِيدَ، وَأَخَذَ أَبُو يَزِيدَ امْرَأَتَهُ أَمَّ أَيُّوبَ، وَتَبِعَهُ أَصْحَابُهُ بِعِيَالَاتِهِمْ، وَرَحَلُوا إِلَى نَاحِيَةِ سَبِيبَةَ، وَهِيَ عَلَى مَسَافَةِ يَوْمَيْنِ مِنَ الْقَيْرَوَانِ، فَنَزَلُوهَا.
ذِكْرُ مِلْكِ الْمَنْصُورِ مَدِينَةَ الْقَيْرَوَانِ وَانْهِزَامِ أَبِي يَزِيدَ
لَمَّا بَلَغَ الْمَنْصُورَ الْخَبَرُ، سَارَ إِلَى مَدِينَةِ سُوسَةَ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ، فَنَزَلَ خَارِجًا مِنْهَا، وَسُرَّ بِمَا فَعَلَهُ أَهْلُ الْقَيْرَوَانِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ كِتَابًا يُؤَمِّنُهُمْ فِيهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ وَاجِدًا عَلَيْهِمْ لِطَاعَتِهِمْ أَبَا يَزِيدَ، وَأَرْسَلَ مَنْ يُنَادِي فِي النَّاسِ بِالْأَمَانِ، وَطَابَتْ نُفُوسُهُمْ، وَرَحَلَ إِلَيْهِمْ، فَوَصَلَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا، فَأَمَّنَهُمْ وَوَعَدَهُمْ خَيْرًا.
وَوَجَدَ فِي الْقَيْرَوَانِ مِنْ حُرَمِ أَبِي يَزِيدَ وَأَوْلَادِهِ جَمَاعَةً، فَحَمَلَهُمْ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ وَأَجْرَى عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ.
ثُمَّ إِنَّ أَبَا يَزِيدَ جَمَعَ عَسَاكِرَهُ، وَأَرْسَلَ سَرِيَّةً (إِلَى الْقَيْرَوَانِ) يَتَخَبَّرُونَ لَهُ، فَاتَّصَلَ
стр. 3878
خَبَرُهُمْ بِالْمَنْصُورِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ سَرِيَّةً، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، وَكَانَ أَصْحَابُ أَبِي يَزِيدَ قَدْ جَعَلُوا كَمِينًا، فَانْهَزَمُوا، وَتَبِعَهُمْ أَصْحَابُ الْمَنْصُورِ، فَخَرَجَ الْكَمِينُ عَلَيْهِمْ، فَأَكْثَرَ فِيهِمُ الْقَتْلَ وَالْجِرَاحَ.
فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ ذَلِكَ، سَارَعُوا إِلَى أَبِي يَزِيدَ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ، فَعَادَ وَنَازَلَ الْقَيْرَوَانَ، وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ جَعَلَ خَنْدَقًا فِي عَسْكَرِهِ، فَفَرَّقَ أَبُو يَزِيدَ عَسْكَرَهُ ثَلَاثَ فِرَقٍ، وَقَصَدَ هُوَ بِشُجْعَانِ أَصْحَابِهِ إِلَى خَنْدَقِ الْمَنْصُورِ، فَاقْتَتَلُوا، وَعَظُمَ الْأَمْرُ، وَكَانَ الظَّفَرُ لِلْمَنْصُورِ، ثُمَّ عَاوَدُوا الْقِتَالَ، فَبَاشَرَ الْمَنْصُورُ الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ، وَجَعَلَ يَحْمِلُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَالْمِظَلَّةُ عَلَى رَأْسِهِ كَالْعَلَمِ، وَمَعَهُ خَمْسُمِائَةِ فَارِسٍ، وَأَبُو يَزِيدَ فِي مِقْدَارِ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْمَنْصُورِ هَزِيمَةً عَظِيمَةً حَتَّى دَخَلُوا الْخَنْدَقَ وَنَهَبُوا، وَبَقِيَ الْمَنْصُورُ فِي نَحْوِ عِشْرِينَ فَارِسًا.
وَأَقْبَلَ أَبُو يَزِيدَ قَاصِدًا إِلَى الْمَنْصُورِ، فَلَمَّا رَآهُمْ شَهَرَ سَيْفَهُ وَثَبَتَ مَكَانَهُ، وَحَمَلَ بِنَفْسِهِ عَلَى أَبِي يَزِيدَ حَتَّى كَادَ يَقْتُلُهُ، فَوَلَّى أَبُو يَزِيدَ هَارِبًا، وَقَتَلَ الْمَنْصُورُ مَنْ أَدْرَكَ مِنْهُمْ، وَأَرْسَلَ مَنْ يَرُدُّ عَسْكَرَهُ فَعَادُوا، وَكَانُوا قَدْ سَلَكُوا طَرِيقَ الْمَهْدِيَّةِ وَسُوسَةَ، وَتَمَادَى الْقِتَالُ إِلَى الظُّهْرِ فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ الْمَشْهُودَةِ لَمْ يَكُنْ فِي مَاضِي الْأَيَّامِ مِثْلُهُ.
وَرَأَى النَّاسُ مِنْ شَجَاعَةِ الْمَنْصُورِ مَا لَمْ يَظُنُّوهُ، فَزَادَتْ هَيْبَتُهُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَرَحَلَ أَبُو يَزِيدَ عَنِ الْقَيْرَوَانِ أَوَاخِرَ ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ أَحَدٌ، فَفَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَنَادَى الْمَنْصُورُ: مَنْ أَتَى بِرَأْسِ أَبِي يَزِيدَ، فَلَهُ عَشَرَةُ آلَافِ دِينَارٍ، وَأَذِنَ النَّاسُ فِي الْقِتَالِ، فَجَرَى قِتَالٌ شَدِيدٌ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْمَنْصُورِ حَتَّى دَخَلُوا الْخَنْدَقَ، ثُمَّ رَجَعَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى أَبِي يَزِيدَ، فَافْتَرَقُوا وَقَدِ انْتَصَفَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ جَمْعٌ عَظِيمٌ، وَعَادَتِ الْحَرْبُ مَرَّةً لِهَذَا وَمَرَّةً لِهَذَا، وَصَارَ أَبُو يَزِيدَ يُرْسِلُ السَّرَايَا، فَيَقْطَعُ الطَّرِيقَ بَيْنَ الْمَهْدِيَّةِ وَالْقَيْرَوَانِ وَسْوَسَةَ.
ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى الْمَنْصُورِ يَسْأَلُ أَنْ يُسَلَّمَ إِلَيْهِ حَرَمَهُ وَعِيَالَهُ الَّذِينَ خَلَّفَهُمْ بِالْقَيْرَوَانِ وَأَخَذَهُمُ الْمَنْصُورُ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، دَخَلَ فِي طَاعَتِهِ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنَهُ وَأَصْحَابَهُ، وَحَلَفَ لَهُ بِأَغْلَظِ الْأَيْمَانِ عَلَى ذَلِكَ، فَأَجَابَهُ الْمَنْصُورُ إِلَى مَا طَلَبَ، وَأَحْضَرَ عِيَالَهُ وَسَيَّرَهُمْ إِلَيْهِ
стр. 3879
مُكَرَّمِينَ، بَعْدَ أَنْ وَصَلَهُمْ، وَأَحْسَنَ كُسْوَتَهُمْ، وَأَكْرَمَهُمْ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ، نَكَثَ جَمِيعَ مَا عَقَدَهُ، وَقَالَ: إِنَّمَا وَجَّهَهُمْ خَوفًا مِنِّي، فَانْقَضَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَدَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَهُمْ عَلَى حَالِهِمْ (فِي الْقِتَالِ) .
فَفِي خَامِسِ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا زَحَفَ أَبُو يَزِيدَ، وَرَكِبَ الْمَنْصُورُ، وَكَانَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ قِتَالٌ مَا سُمِعَ بِمِثْلِهِ، وَحَمَلَتِ الْبَرْبَرُ عَلَى الْمَنْصُورِ وَحَمَلَ عَلَيْهَا، وَجَعَلَ يَضْرِبُ فِيهِمْ، فَانْهَزَمُوا مِنْهُ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَلَمَّا انْتَصَفَ الْمُحَرَّمُ عَبَّأَ الْمَنْصُورُ عَسْكَرَهُ، فَجَعَلَ فِي الْمَيْمَنَةِ أَهْلَ إِفْرِيقِيَّةَ، وَكُتَامَةَ فِي الْمَيْسَرَةِ، وَهُوَ فِي عَبِيدِهِ وَخَاصَّتِهِ فِي الْقَلْبِ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ شَدِيدٌ، فَحَمَلَ أَبُو يَزِيدَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ فَهَزَمَهَا، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى الْقَلْبِ فَبَادَرَ إِلَيْهِ الْمَنْصُورُ، وَقَالَ: هَذَا يَوْمُ الْفَتْحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَحَمَلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَانْهَزَمَ أَبُو يَزِيدَ، وَأَخَذَتِ السُّيُوفُ أَصْحَابَهُ فَوَلُّوا مُنْهَزِمِينَ، وَأَسْلَمُوا أَثْقَالَهُمْ، وَهَرَبَ أَبُو يَزِيدَ عَلَى وَجْهِهِ، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَا لَا يُحْصَى، فَكَانَ مَا أَخَذَهُ أَطْفَالُ أَهْلِ الْقَيْرَوَانِ مِنْ رُءُوسِ الْقَتْلَى عَشَرَةَ آلَافِ رَأْسٍ، وَسَارَ أَبُو يَزِيدَ إِلَى تَاهِ مَدِيتَ.
ذِكْرُ قَتْلِ أَبِي يَزِيدَ
لَمَّا تَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى أَبِي يَزِيدَ، أَقَامَ الْمَنْصُورُ يَتَجَهَّزُ لِلْمَسِيرِ فِي أَثَرِهِ، ثُمَّ رَحَلَ أَوَاخِرَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْبَلَدِ مَذَامًا الصِّقِلِّيَّ، فَأَدْرَكَ أَبَا يَزِيدَ وَهُوَ مُحَاصِرٌ مَدِينَةَ بَاغَايَةَ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ دُخُولَهَا لَمَّا انْهَزَمَ، فَمُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، فَحَصَرَهَا، فَأَدْرَكَهُ الْمَنْصُورُ وَقَدْ كَادَ يَفْتَحُهَا، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ هَرَبَ أَبُو يَزِيدَ، وَجَعَلَ كُلَّمَا قَصَدَ مَوْضِعًا يَتَحَصَّنُ فِيهِ، سَبَقَهُ الْمَنْصُورُ، حَتَّى وَصَلَ طَبَنَةَ، فَوَصَلَتْ رُسُلُ مُحَمَّدِ بْنِ خَزَرٍ
стр. 3880
الزُّنَاتِيِّ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِ أَبِي يَزِيدَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُ الْمَنْصُورُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْصُدَ أَبَا يَزِيدَ، وَاسْتَمَرَّ الْهَرَبُ بِأَبِي يَزِيدَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى جَبَلِ الْبَرْبَرِ وَيُسَمَّى بَرْزَالَ، وَأَهْلُهُ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَسَلَكَ الرِّمَالَ لِيَخْتَفِيَ أَثَرُهُ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَعَادَ إِلَى نَوَاحِي مَقْبَرَةَ وَالْمَنْصُورُ (بِهَا، فَكَمَّنَ أَبُو يَزِيدَ أَصْحَابَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ عَسْكَرُ الْمَنْصُورِ رَآهُمْ، فَحَذَّرُوا مِنْهُمْ، فَعَبَّأَ حِينَئِذٍ أَبُو يَزِيدَ أَصْحَابَهُ، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتْ مَيْمَنَةُ الْمَنْصُورِ) ، وَحَمَلَ هُوَ بِنَفْسِهِ وَمَنْ مَعَهُ، فَانْهَزَمَ أَبُو يَزِيدَ إِلَى جَبَلِ سَالَّاتَ، وَرَحَلَ الْمَنْصُورُ فِي أَثَرِهِ، (فَدَخَلَ مَدِينَةَ الْمَسِيلَةِ، وَرَحَلَ فِي أَثَرِ أَبِي يَزِيدَ) فِي جِبَالٍ وَعِرَةٍ، وَأَوْدِيَةٍ عَمِيقَةٍ خَشِنَةِ الْأَرْضِ، فَأَرَادَ الدُّخُولَ وَرَاءَهُ، فَعَرَّفَهُ الْأَدِلَّاءُ أَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ لَمْ يَسْلُكْهَا جَيْشٌ قَطُّ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى أَهْلِ الْعَسْكَرِ، فَبَلَغَ عَلِيقُ كُلِّ دَابَّةٍ دِينَارًا وَنِصْفًا، وَبَلَغَتْ قِرْبَةُ الْمَاءِ دِينَارًا، وَإِنَّ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ رِمَالٌ وَقِفَارُ بِلَادِ السُّودَانِ، لَيْسَ فِيهَا عِمَارَةٌ، وَإِنَّ أَبَا يَزِيدَ اخْتَارَ الْمَوْتَ جُوعًا وَعَطَشًا عَلَى الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ.
فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ، رَجَعَ إِلَى بِلَادِ صِنْهَاجَةَ، فَوَصَلَ إِلَى مَوْضِعٍ يُسَمَّى قَرْيَةَ دَمُرَهُ، فَاتَّصَلَ بِهِ الْأَمِيرُ زِيرِي بْنُ مَنَادٍ الصِّنْهَاجِيُّ الْحِمْيَرِيُّ بِعَسَاكِرِ صِنْهَاجَةَ، وَزِيرِي هَذَا هُوَ جَدُّ بَنِي بَادِيسَ مُلُوكِ إِفْرِيقِيَّةَ - كَمَا يَأْتِي ذِكْرُهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَأَكْرَمَهُ الْمَنْصُورُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَوَصَلَ كِتَابُ مُحَمَّدِ بْنِ خَزَرٍ يَذْكُرُ الْمَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ أَبُو يَزِيدَ مِنَ الرِّمَالِ.
وَمَرِضَ الْمَنْصُورُ مَرَضًا شَدِيدًا أَشَفَى مِنْهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ مِنْ مَرَضِهِ، رَحَلَ إِلَى الْمَسِيلَةِ ثَانِيَ رَجَبٍ، وَكَانَ أَبُو يَزِيدَ قَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهَا لَمَّا بَلَغَهُ مِنْ مَرَضِ الْمَنْصُورِ، وَحَصَرَهَا، فَلَمَّا قَصَدَهُ الْمَنْصُورُ، هَرَبَ مِنْهُ يُرِيدُ بِلَادَ السُّودَانِ، فَأَبَى ذَلِكَ بَنُو كَمْلَانَ وَهَوَارَةَ وَخَدَعُوهُ، وَصَعِدَ
стр. 3881
إِلَى جِبَالِ كُتَامَةَ وَعَجِيسَةَ وَغَيْرِهِمْ، فَتَحَصَّنَ بِهَا وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا، وَصَارُوا يَنْزِلُونَ يَتَخَطَّفُونَ النَّاسَ، فَسَارَ الْمَنْصُورُ عَاشِرَ شَعْبَانَ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَنْزِلْ أَبُو يَزِيدَ، فَلَمَّا عَادَ نَزَلَ إِلَى سَاقَةِ الْعَسْكَرِ، فَرَجَعَ الْمَنْصُورُ، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ فَانْهَزَمَ أَبُو يَزِيدَ، وَأَسْلَمَ أَوْلَادَهُ وَأَصْحَابَهُ، وَلَحِقَهُ فَارِسَانِ فَعَقَرَا فَرَسَهُ فَسَقَطَ عَنْهُ، فَأَرْكَبَهُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ، وَلَحِقَهُ زِيرِي بْنُ مُنَادٍ فَطَعَنَهُ فَأَلْقَاهُ، وَكَثُرَ الْقِتَالُ عَلَيْهِ، فَخَلَّصَهُ أَصْحَابُهُ وَخَلَصُوا مَعَهُ، وَتَبِعَهُمْ أَصْحَابُ الْمَنْصُورِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَا يَزِيدُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ.
ثُمَّ سَارَ الْمَنْصُورُ فِي أَثَرِهِ أَوَّلَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَاقْتَتَلُوا أَيْضًا أَشَدَّ قِتَالٍ، وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى الْهَزِيمَةِ لِضِيقِ الْمَكَانِ وَخُشُونَتِهِ، ثُمَّ انْهَزَمَ أَبُو يَزِيدَ أَيْضًا، وَاحْتَرَقَتْ أَثْقَالُهُ وَمَا فِيهَا، وَطَلَعَ أَصْحَابُهُ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ يَرْمُونَ بِالصَّخْرِ، وَأَحَاطَ الْقِتَالُ (بِالْمَنْصُورِ وَتَوَاخَذُوا بِالْأَيْدِي، وَكَثُرَ الْقَتْلُ) حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ الْفَنَاءُ، وَافْتَرَقُوا عَلَى السَّوَاءِ، وَالْتَجَأَ أَبُو يَزِيدَ إِلَى قَلْعَةِ كُتَامَةَ، وَهِيَ مَنِيعَةٌ، فَاحْتَمَى بِهَا.
وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (أَتَى إِلَى الْمَنْصُورِ) جُنْدٌ لَهُ مَنْ كُتَامَةَ بِرَجُلٍ ظَهَرَ فِي أَرْضِهِمُ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ، فَأَمَرَ الْمَنْصُورُ بِقَتْلِهِ، وَأَقْبَلَتْ هَوَارَةُ وَأَكْثَرُ مَنْ مَعَ أَبِي يَزِيدَ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمُ الْمَنْصُورُ، وَسَارَ إِلَى قَلْعَةِ كُتَامَةَ، فَحَصَرَ أَبَا يَزِيدَ فِيهَا، وَفَرَّقَ جُنْدَهُ حَوْلَهَا، فَنَاشَبَهُ أَصْحَابُ أَبِي يَزِيدَ الْقِتَالَ، وَزَحَفَ إِلَيْهَا الْمَنْصُورُ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَفِي آخِرِهَا مَلَكَ أَصْحَابُهُ بَعْضَ الْقَلْعَةِ، وَأَلْقَوْا فِيهَا النِّيرَانَ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُ أَبِي يَزِيدَ (وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَدَخَلَ أَبُو يَزِيدَ) وَأَوْلَادُهُ وَأَعْيَانُ أَصْحَابِهِ إِلَى قَصْرٍ فِي الْقَلْعَةِ، فَاجْتَمَعُوا فِيهِ، فَاحْتَرَقَتْ أَبْوَابُهُ وَأَدْرَكَهُمُ الْقَتْلُ، فَأَمَرَ الْمَنْصُورُ بِإِشْعَالِ النَّارِ فِي شِعَارِي الْجَبَلِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ لِئَلًا يَهْرَبَ أَبُو يَزِيدَ، فَصَارَ اللَّيْلُ كَالنَّهَارِ.
فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ، خَرَجَ أَصْحَابُهُ وَهُمْ يَحْمِلُونَهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَحَمَلُوا عَلَى
стр. 3882
النَّاسِ حَمْلَةً مُنْكَرَةً، فَأَفْرَجُوا لَهُمْ، فَنَجَوْا بِهِ، وَنَزَلَ مِنَ الْقَلْعَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَأُخِذُوا، فَأَخْبَرُوا بِخُرُوجِ أَبِي يَزِيدَ، فَأَمَرَ الْمَنْصُورُ يَطْلُبُهُ، وَقَالَ: مَا أَظُنُّهُ إِلَّا قَرِيبًا مِنَّا، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أُتِيَ بِأَبِي يَزِيدَ، وَذَلِكَ أَنَّ ثَلَاثَةً مِنْ أَصْحَابِهِ حَمَلُوهُ مِنَ الْمَعْرَكَةِ ثُمَّ وَلَّوْا عَنْهُ، وَإِنَّمَا حَمَلُوهُ لِقُبْحِ عَرَجِهِ، فَذَهَبَ لِيَنْزِلَ مِنَ الْوَعْرِ، فَسَقَطَ فِي مَكَانٍ صَعْبٍ، فَأُدْرِكَ فَأُخِذَ وَحُمِلَ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَسَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ - تَعَالَى، وَالنَّاسُ يُكَبِّرُونَ حَوْلَهُ، وَبَقِيَ عِنْدَهُ إِلَى سَلْخِ الْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَمَاتَ مِنَ الْجِرَاحِ الَّتِي بِهِ، فَأَمَرَ بِإِدْخَالِهِ فِي قَفَصٍ عُمِلَ لَهُ، وَجَعَلَ مَعَهُ قِرْدَيْنِ يَلْعَبَانِ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ بِسَلْخِ جِلْدِهِ وَحَشَاهُ تِبْنًا، وَأَمَرَ بِالْكُتُبِ إِلَى سَائِرِ الْبِلَادِ بِالْبِشَارَةِ.
ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ عِدَّةُ خَوَارِجَ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ خَزَرٍ، فَظَفِرَ بِهِ الْمَنْصُورُ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ يُرِيدُ نُصْرَةَ أَبِي يَزِيدَ، وَخَرَجَ أَيْضًا فَضْلُ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، وَأَفْسَدَ وَقَطَعَ الطَّرِيقَ، فَغَدَرَ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَقَتَلَهُ، وَحَمَلَ رَأْسَهُ إِلَى الْمَنْصُورِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] أَيْضًا، وَعَادَ الْمَنْصُورُ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، فَدَخَلَهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ.
ذِكْرُ قَتْلِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَرِيدِيِّ وَإِحْرَاقِهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، قَدِمَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَرِيدِيُّ إِلَى بَغْدَاذَ مُسْتَأْمِنًا إِلَى تُوزُونَ، فَأَمَّنَهُ، وَأَنْزَلَهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ شَيْرَزَادَ إِلَى جَانِبِ دَارِهِ، وَأَكْرَمَهُ، وَطَلَبَ أَنْ يُقَوِّيَ يَدَهُ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ، وَضَمِنَ أَنَّهُ إِذَا أَخَذَ الْبَصْرَةَ يُوصِلُ لَهُ مَالًا كَثِيرًا، فَوَعَدُوهُ النَّجْدَةَ وَالْمُسَاعَدَةَ، فَأَنْفَذَ ابْنُ أَخِيهِ مِنَ الْبَصْرَةِ مَالًا كَثِيرًا (خَدَمَ بِهِ) تُوزُونَ وَابْنَ شَيْرَزَادَ، فَأَنْفَذُوا لَهُ الْخِلَعَ وَأَقَرُّوهُ عَلَى عَمَلِهِ.
فَلَمَّا عَلِمَ أَبُو الْحُسَيْنِ بِذَلِكَ سَعَى فِي أَنْ يَكْتُبَ لِتُوزُونَ، وَيَقْبِضَ عَلَى ابْنِ شَيْرَزَادَ، فَعَلَمَ ابْنُ شَيْرَزَادَ بِذَلِكَ، فَسَعَى بِهِ إِلَى أَنْ قُبِضَ عَلَيْهِ، وَقُيِّدَ وَضُرِبَ ضَرْبًا عَنِيفًا، وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِيُّ قَدْ أَخَذَ أَيَّامَ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ فَتْوَى الْفُقَهَاءِ
стр. 3883
وَالْقُضَاةِ بِإِحْلَالِ دَمِهِ، فَأَحْضَرَهَا، وَأَحْضَرَ الْقُضَاةَ وَالْفُقَهَاءَ فِي دَارِ الْخَلِيفَةِ، وَأُخْرِجَ أَبُو الْحُسَيْنِ، وَسُئِلَ الْفُقَهَاءُ عَنِ الْفَتَاوَى، فَاعْتَرَفُوا أَنَّهُمْ أَفْتَوْا بِذَلِكَ، فَأَمَرَ بِضَرْبِ رَقَبَتِهِ، فَقُتِلَ وَصُلِبَ، ثُمَّ أُنْزِلَ وَأُحْرِقَ، وَنُهِبَتْ دَارُهُ، وَكَانَ هَذَا آخِرَ أَمْرِ الْبَرِيدِيِّينَ، وَكَانَ قَتْلُهُ مُنْتَصَفَ ذِي الْحِجَّةِ.
وَفِيهَا نَقَلَ الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ الْقَاهِرَ بِاللَّهِ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ إِلَى دَارِ ابْنِ طَاهِرٍ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَ بِهِ الضُّرُّ وَالْفَقْرُ إِلَى أَنْ كَانَ مُلْتَفًّا بِقُطْنِ جُبَّةٍ، وَفِي رِجْلِهِ قَبْقَابُ خَشَبٍ.
ذِكْرُ مَسِيرِ أَبِي عَلِيٍّ إِلَى الرَّيِّ وَعَوْدِهِ قَبْلَ مِلْكِهَا
لَمَّا اسْتَقَرَّ الْأَمِيرُ نُوحٌ فِي وَلَايَتِهِ (بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَخُرَاسَانَ) ، أَمَرَ أَبَا عَلِيِّ بْنَ مُحْتَاجٍ أَنْ يَسِيرَ فِي عَسَاكِرِ خُرَاسَانَ إِلَى الرَّيِّ وَيَسْتَنْقِذَهَا مِنْ يَدِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، فَسَارَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَلَقِيَهُ وَشْمَكِيرُ بِخُرَاسَانَ وَهُوَ يَقْصِدُ الْأَمِيرَ نُوحًا، فَسَيَّرَهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ نُوحٌ حِينَئِذٍ بِمَرْوَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَكْرَمَهُ وَأَنْزَلَهُ، وَبَالَغَ فِي إِكْرَامِهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا أَبُو عَلِيٍّ فَإِنَّهُ سَارَ نَحْوَ الرَّيِّ، فَلَمَّا نَزَلَ بِبِسْطَامَ خَالَفَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ مَعَهُ، وَعَادُوا عَنْهُ مَعَ مَنْصُورِ بْنِ قَرَاتَكِينَ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ نُوحٍ وَخَوَاصِّهِ، فَسَارُوا نَحْوَ جُرْجَانَ، وَبِهَا الْحَسَنُ بْنُ الْفَيْرُزَانِ، فَصَدَّهُمُ الْحَسَنُ عَنْهَا، فَانْصَرَفُوا إِلَى نَيْسَابُورَ، وَسَارَ أَبُو عَلِيٍّ (نَحْوَ الرَّيِّ) فِيمَنْ بَقِيَ مَعَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رُكْنُ الدَّوْلَةِ مُحَارِبًا، فَالْتَقَوْا عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ مِنَ الرَّيِّ، وَكَانَ مَعَ أَبِي عَلِيٍّ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْأَكْرَادِ، فَغَدَرُوا بِهِ، وَاسْتَأْمَنُوا إِلَى رُكْنِ الدَّوْلَةِ، فَانْهَزَمَ أَبُو عَلِيٍّ، وَعَادَ نَحْوَ نَيْسَابُورَ وَغَنِمُوا بَعْضَ أَثْقَالِهِ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ وَشْمَكِيرَ عَلَى جُرْجَانَ
لَمَّا عَادَ أَبُو عَلِيٍّ إِلَى نَيْسَابُورَ، لَقِيَهُ وَشْمَكِيرُ، وَقَدْ سَيَّرَهُ الْأَمِيرُ نُوحٍ وَمَعَهُ جَيْشٌ فِيهِمْ مَالِكُ بْنُ شَكَرْتَكِينَ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي عَلِيٍّ يَأْمُرُهُ بِمُسَاعَدَةِ وَشْمَكِيرَ، فَوُجِّهَ فِيمَنْ مَعَهُ إِلَى جُرْجَانَ، وَبِهَا الْحَسَنُ بْنُ الْفَيْرُزَانِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا فَانْهَزَمَ الْحَسَنُ، وَاسْتَوْلَى وَشْمَكِيرُ عَلَى جُرْجَانَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
стр. 3884
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ أَبِي عَلِيٍّ عَلَى الرَّيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ أَبُو عَلِيٍّ مِنْ نَيْسَابُورَ إِلَى نُوحٍ، وَهُوَ بِمَرْوَ، فَاجْتَمَعَ بِهِ فَأَعَادَهُ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَأَمَرَهُ بِقَصْدِ الرَّيِّ، وَأَمَدَّهُ بِجَيْشٍ كَثِيرٍ، فَعَادَ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى الرَّيِّ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَبِهَا رُكْنُ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا عَلِمَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بِكَثْرَةِ جُمُوعِهِ، سَارَ عَنِ الرَّيِّ وَاسْتَوْلَى أَبُو عَلِيٍّ عَلَيْهَا وَعَلَى سَائِرِ أَعْمَالِ الْجِبَالِ، وَأَنْفَذَ نُوَّابَهُ إِلَى الْأَعْمَالِ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
ثُمَّ إِنَّ الْأَمِيرَ نُوحًا سَارَ مِنْ مَرْوَ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا فِي رَجَبٍ، وَأَقَامَ بِهَا خَمْسِينَ يَوْمًا، فَوَضَعَ (أَعْدَاءَ أَبِي) عَلِيٍّ جَمَاعَةً مِنَ الْغَوْغَاءِ وَالْعَامَّةِ، فَاجْتَمَعُوا وَاسْتَغَاثُوا عَلَيْهِ، وَشَكُوا سُوءَ سِيرَتِهِ وَسِيرَةِ نُوَّابِهِ، فَاسْتَعْمَلَ الْأَمِيرُ نُوحٌ عَلَى نَيْسَابُورَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سِيمَجُورَ وَعَادَ عَنْهَا (إِلَى بُخَارَى فِي رَمَضَانَ، وَكَانَ مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ أَنْ يَقْطَعُوا طَمَعَ أَبِي عَلِيٍّ عَنْ خُرَاسَانَ) لِيُقِيمَ بِالرَّيِّ وَبِلَادِ الْجَبَلِ، فَاسْتَوْحَشَ أَبُو عَلِيٍّ لِذَلِكَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُحْسِنُ إِلَيْهِ بِسَبَبِ فَتْحِ الرَّيِّ وَتِلْكَ الْأَعْمَالِ، فَلَمَّا عُزِلَ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَوَجَّهَ أَخَاهُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْفَضْلَ بْنَ مُحَمَّدٍ إِلَى كُوَرِ الْجِبَالِ، وَوَلَّاهُ هَمَذَانَ، وَجَعَلَهُ خَلِيفَةً عَلَى مَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ، فَقَصَدَ الْفَضْلُ نَهَاوَنْدَ وَالدِّينَوَرَ وَغَيْرَهُمَا وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ رُؤَسَاءُ الْأَكْرَادِ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَأَنْفَذُوا رَهَائِنَهُمْ.
ذِكْرُ وَصُولِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ إِلَى وَاسِطَ وَعَوْدِهِ عَنْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ آخِرَ رَجَبٍ، وَصَلَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ بُوَيْهِ إِلَى مَدِينَةِ وَاسِطَ، فَسَمِعَ تُوزُونَ بِهِ، فَسَارَ هُوَ وَالْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى وَاسِطَ، فَلَمَّا سَمِعَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بِمَسِيرِهِمْ إِلَيْهِ، فَارَقَهَا سَادِسَ رَمَضَانَ، وَوَصَلَ الْخَلِيفَةُ وَتُوزُونُ إِلَى وَاسِطَ، فَأَرْسَلَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَرِيدِيُّ يَضْمَنُ الْبَصْرَةَ، فَأَجَابَهُ تُوزُونُ إِلَى ذَلِكَ وَضَمِنَهُ، وَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، وَعَادَ الْخَلِيفَةُ وَتُوزُونُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَدَخَلَاهَا ثَامِنَ شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ.
ذِكْرُ مِلْكِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ مَدِينَةَ حَلَبَ وَحِمْصَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ (عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْهَيْجَاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ) إِلَى حَلَبَ، فَمَلَكَهَا وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَكَانَ مَعَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ بِالرَّقَّةِ، فَلَمَّا عَادَ الْمُتَّقِي إِلَى بَغْدَاذَ وَانْصَرَفَ الْإِخْشِيدُ إِلَى الشَّامِ، بَقِيَ يَأْنَسُ الْمُؤْنِسِيُّ بِحَلَبَ، فَقَصَدَهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ، (فَلَمَّا
стр. 3885
نَازَلَهَا، فَارَقَهَا يَأْنَسُ وَسَارَ إِلَى الْإِخْشِيدِ، فَمَلَكَهَا سَيْفُ الدَّوْلَةِ) ، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى حِمْصَ، فَلَقِيَهُ بِهَا عَسْكَرُ الْإِخْشِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ طُغْجَ، صَاحِبِ الشَّامِ وَمِصْرَ مَعَ مَوْلَاهُ كَافُورٍ، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْإِخْشِيدِ وَكَافُورٌ، وَمَلَكَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ مَدِينَةَ حِمْصَ، وَسَارَ إِلَى دِمَشْقَ فَحَصَرَهَا، فَلَمْ يَفْتَحْهَا أَهْلُهَا لَهُ فَرَجَعَ.
وَكَانَ الْإِخْشِيدُ قَدْ خَرَجَ مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ، وَسَارَ خَلْفَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، فَالْتَقَيَا بِقِنَّسْرِينَ، فَلَمْ يَظْفَرْ أَحَدُ الْعَسْكَرَيْنِ بِالْآخَرِ، وَرَجَعَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْجَزِيرَةِ، فَلَمَّا عَادَ الْإِخْشِيدُ إِلَى دِمَشْقَ، رَجَعَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ إِلَى حَلَبَ، وَلَمَّا مَلَكَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ حَلَبَ، سَارَتِ الرُّومُ إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَاتَلَهُمْ بِالْقُرْبِ مِنْهَا، فَظَفَرَ بِهِمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَامِنِ جُمَادَى الْأُولَى، قَبَضَ الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ عَلَى كَاتِبِهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَعَلَى أَخِيهِ، وَاسْتَكْتَبَ أَبَا أَحْمَدَ الْفَضْلَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشِّيرَازِيَّ عَلَى خَاصِّ أَمْرِهِ، وَكَانَ أَبُو أَحْمَدَ لَمَّا تَقَلَّدَ الْمُسْتَكْفِي الْخِلَافَةَ بِالْمَوْصِلِ، يَكْتُبُ لِنَاصِرِ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ تَقَلُّدِهِ الْخِلَافَةَ، انْحَدَرَ إِلَى بَغْدَاذَ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَخْدِمُ الْمُسْتَكْفِيَ بِاللَّهِ، وَيَكْتُبُ لَهُ وَهُوَ فِي دَارِ ابْنِ طَاهِرٍ.
وَفِيهَا فِي رَجَبٍ سَارَ تُوزُونُ وَمَعَهُ الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ مِنْ بَغْدَاذَ يُرِيدَانِ الْمَوْصِلَ، وَقَصَدَ نَاصِرَ الدَّوْلَةِ ; لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَخَّرَ حَمْلَ الْمَالِ الَّذِي عَلَيْهِ مِنْ ضَمَانِ الْبِلَادِ، وَاسْتَخْدَمَ غِلْمَانًا هَرَبُوا مِنْ تُوزُونَ، وَكَانَ الشَّرْطُ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ أَحَدًا مِنْ عَسْكَرِ تُوزُونَ.
فَلَمَّا خَرَجَ الْخَلِيفَةُ وَتُوزُونُ مِنْ بَغْدَاذَ، تَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ فِي الصُّلْحِ، وَتَوَسَّطَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ شَيْرَزَادَ الْأَمْرَ، وَانْقَادَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ لِحَمْلِ الْمَالِ، وَكَانَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مُكْرَمٍ كَاتِبُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ هُوَ الرَّسُولُ فِي ذَلِكَ، وَلَمَّا تَقَرَّرَ الصُّلْحُ عَادَ الْمُسْتَكْفِي وَتُوزُونُ فَدَخَلَا بَغْدَاذَ.
стр. 3886
وَفِيهَا فِي (سَابِعِ) رَبِيعٍ الْآخَرِ، قَبَضَ الْمُسْتَكْفِي عَلَى وَزِيرِهِ أَبِي الْفَرَجِ (السُّرْمَرَائِيِّ) ، وَصُودِرَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَكَانَتْ مُدَّةُ وِزَارَتِهِ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا.
стр. 3887
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣٣٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ مَوْتِ تُوزُونَ وَإِمَارَةِ ابْنِ شَيْرَزَادَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ، مَاتَ تُوزُونُ فِي دَارِهِ بِبَغْدَاذَ، وَكَانَتْ مُدَّةُ إِمَارَتِهِ سَنَتَيْنِ وَأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَتَبَ لَهُ ابْنُ شَيْرَزَادَ مُدَّةَ إِمَارَتِهِ، غَيْرَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَلَمَّا مَاتَ تُوزُونُ كَانَ ابْنُ شَيْرَزَادَ بِهَيْتَ لِتَخْلِيصِ أَمْوَالِهَا، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ، عَزَمَ عَلَى عَقْدِ الْإِمَارَةِ لِنَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، فَاضْطَرَبَتِ الْأَجْنَادُ، وَعَقَدُوا الرِّئَاسَةَ عَلَيْهِمْ لِابْنِ شَيْرَزَادَ، فَحَضَرَ وَنَزَلَ بِبَابِ حَرْبٍ مُسْتَهَلَّ صَفَرٍ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ الْأَجْنَادُ جَمِيعُهُمْ، وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَحَلَفُوا لَهُ، وَوَجَّهَ إِلَى الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ لِيَحْلِفَ لَهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، (وَحَلَفَ لَهُ بِحَضْرَةِ الْقُضَاةِ وَالْعُدُولِ، وَدَخَلَ إِلَيْهِ ابْنُ شَيْرَزَادَ) ، وَعَادَ مُكْرَمًا يُخَاطَبُ بِأَمِيرِ الْأُمَرَاءِ، وَزَادَ الْأَجْنَادُ زِيَادَةً كَثِيرَةً، فَضَاقَتِ الْأَمْوَالُ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِيِّ وَهُوَ بِالْمَوْصِلِ، يُطَالِبُهُ بِحَمْلِ الْمَالِ، وَيَعِدُهُ بِرَدِّ الرِّئَاسَةِ إِلَيْهِ، وَأَنْفَذَ لَهُ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَطَعَامًا كَثِيرًا، فَفَرَّقَهَا فِي عَسْكَرِهِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ، فَقَسَّطَ الْأَمْوَالَ عَلَى الْعُمَّالِ وَالْكُتَّابِ وَالتُّجَّارِ وَغَيْرِهِمْ لِأَرْزَاقِ الْجُنْدِ، وَظُلِمَ النَّاسُ بِبَغْدَاذَ.
стр. 3888
وَظَهَرَ اللُّصُوصُ وَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ، وَجَلَا التُّجَّارُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى وَاسِطَ يَنَالُ كُوشَةَ، وَعَلَى تَكْرِيتَ الْلَشْكُرِيَّ، فَأَمَّا يَنَالُ فَإِنَّهُ كَاتِبُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، وَاسْتَقْدَمَهُ وَصَارَ مَعَهُ، وَأَمَّا الْفَتْحُ الْلَشْكُرِيُّ فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بِالْمَوْصِلِ، وَصَارَ مَعَهُ، فَأَقَرَّهُ عَلَى تَكْرِيتَ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ عَلَى بَغْدَاذَ
لَمَّا كَاتَبَ يَنَالُ كُوشَةَ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ بْنَ بُوَيْهِ وَهُوَ بِالْأَهْوَازِ، وَدَخَلَ فِي طَاعَتِهِ، سَارَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ نَحْوَهُ، فَاضْطَرَبَ النَّاسُ بِبَغْدَاذَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَاجِسْرَى، اخْتَفَى الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ وَابْنُ شَيْرَزَادَ، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، فَلَمَّا اسْتَتَرَ، سَارَ الْأَتْرَاكُ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَلَمَّا أُبْعِدُوا ظَهَرَ الْمُسْتَكْفِي وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، وَقَدِمَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُهَلَّبِيُّ صَاحِبُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ، فَاجْتَمَعَ بِابْنِ شَيْرَزَادَ بِالْمَكَانِ الَّذِي اسْتَتَرَ فِيهِ، ثُمَّ اجْتَمَعَ بِالْمُسْتَكْفِي، فَأَظْهَرَ الْمُسْتَكْفِي السُّرُورَ بِقُدُومِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَتَرَ مِنَ الْأَتْرَاكِ لِيَتَفَرَّقُوا فَيَحْصُلَ الْأَمْرُ لِمُعِزِّ الدَّوْلَةِ بِلَا قِتَالٍ.
وَوَصَلَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ حَادِي عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى، فَنَزَلَ بِبَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ، وَدَخَلَ مِنَ الْغَدِ عَلَى الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَكْفِي وَبَايَعَهُ، وَحَلَفَ لَهُ الْمُسْتَكْفِي، وَسَأَلَهُ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ أَنْ يَأْذَنَ لِابْنِ شَيْرَزَادَ بِالظُّهُورِ، وَأَنْ يَأْذَنَ أَنْ يَسْتَكْتِبَهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَظَهَرَ ابْنُ شَيْرَزَادَ، وَلَقِيَ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ، فَوَلَّاهُ الْخَرَاجَ وَجِبَايَةَ الْأَمْوَالِ، وَخَلَعَ الْخَلِيفَةُ عَلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَلَقَّبَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ " مُعِزَّ الدَّوْلَةِ "، وَلَقَّبَ أَخَاهُ (عَلِيًّا) " عِمَادَ الدَّوْلَةِ "، وَلَقَّبَ أَخَاهُ الْحَسَنَ " رُكْنَ الدَّوْلَةِ "، وَأَمَرَ أَنْ تُضْرَبَ أَلْقَابُهُمْ وَكُنَاهُمْ عَلَى الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ.
стр. 3889
وَنَزَلَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بِدَارِ مُؤْنِسٍ، وَنَزَلَ أَصْحَابُهُ فِي دُورِ النَّاسِ، فَلَحِقَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ شِدَّةً عَظِيمَةً، وَصَارَ رَسْمًا عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ بِبَغْدَاذَ، وَلَمْ يُعْرَفْ بِهَا قَبْلَهُ.
وَأُقِيمُ لِلْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ لِنَفَقَاتِهِ، وَكَانَتْ رُبَّمَا تَأَخَّرَتْ عَنْهُ، فَأُقِرَّتْ لَهُ مَعَ ذَلِكَ ضَيَاعٌ سُلِّمَتْ إِلَيْهِ تَوَلَّاهَا أَبُو أَحْمَدَ الشِّيرَازِيُّ كَاتِبُهُ.
ذِكْرُ خَلْعِ الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خُلِعَ الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَلَمًا الْقَهْرَمَانَةَ صَنَعَتْ دَعْوَةً، حَضَرَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ قُوَّادِ الدَّيْلَمِ وَالْأَتْرَاكِ، فَاتَّهَمَهَا مُعِزُّ الدَّوْلَةِ أَنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ لِتَأْخُذَ عَلَيْهِمُ الْبَيْعَةَ لِلْمُسْتَكْفِي وَيُزِيلُوا مُعِزَّ الدَّوْلَةِ، فَسَاءَ ظَنُّهُ لِذَلِكَ لَمَّا رَأَى مِنْ إِقْدَامِ عَلَمٍ، وَحَضَرَ أَصْفَهَدُوَسْتُ عِنْدَ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَقَالَ: قَدْ رَاسَلَنِي الْخَلِيفَةُ فِي أَنْ أَلْقَاهُ مُتَنَكِّرًا.
فَلَمَّا مَضَى اثْنَانِ وَعِشْرُونَ يَوْمًا مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، حَضَرَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ وَالنَّاسُ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ، وَحَضَرَ رَسُولُ صَاحِبِ خُرَاسَانَ، وَمُعِزُّ الدَّوْلَةِ جَالِسٌ، ثُمَّ حَضَرَ رَجُلًا مِنْ نُقَبَاءِ الدَّيْلَمِ يَصِيحَانِ، فَتَنَاوَلَا يَدَ الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ، فَظَنَّ أَنَّهُمَا يُرِيدَانِ تَقْبِيلَهَا، (فَمَدَّهَا إِلَيْهِمَا) ، فَجَذَبَاهُ عَنْ سَرِيرِهِ، وَجَعَلَا عِمَامَتَهُ فِي حَلْقِهِ، وَنَهَضَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ، وَاضْطَرَبَ النَّاسُ، وَنُهِبَتِ الْأَمْوَالُ، وَسَاقَ الدَّيْلَمِيَّانِ الْمُسْتَكْفِيَ بِاللَّهِ مَاشِيًا إِلَى دَارِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَاعْتُقِلَ بِهَا، وَنُهِبَتْ دَارُ الْخِلَافَةِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِهَا شَيْءٌ،
стр. 3890
وَقُبِضَ عَلَى أَبِي أَحْمَدَ الشِّيرَازِيِّ كَاتِبِ الْمُسْتَكْفِي، وَأُخِذَتْ عَلَمُ الْقَهْرَمَانَةُ فَقُطِعَ لِسَانُهَا.
وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَةِ الْمُسْتَكْفِي سَنَةً وَاحِدَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَمَا زَالَ مَغْلُوبًا عَلَى أَمْرِهِ مَعَ تُوزُونَ وَابْنِ شَيْرَزَادَ، وَلَمَّا بُويِعَ الْمُطِيعُ لِلَّهِ، سُلِّمَ إِلَيْهِ الْمُسْتَكْفِي، فَسَمَلَهُ وَأَعْمَاهُ، وَبَقِيَ مَحْبُوسًا إِلَى أَنْ مَاتَ (فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ ثَالِثَ عَشَرَ صَفَرٍ سَنَةَ) سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأُمُّهُ أَمُّ وَلَدٍ اسْمُهَا غُصْنٌ.
وَكَانَ أَبْيَضَ، حَسَنَ الْوَجْهِ، قَدْ وَخَطَهُ الشَّيْبُ.
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْمُطِيعِ لِلَّهِ
لَمَّا وَلِيَ الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ الْخِلَافَةَ، خَافَهُ الْمُطِيعُ، وَهُوَ أَبُو الْقَاسِمِ الْفَضْلُ بْنُ الْمُقْتَدِرِ ; لِأَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ، وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَطْلُبُ الْخِلَافَةَ، وَهُوَ يَسْعَى فِيهَا، فَلَمَّا وَلِيَ الْمُسْتَكْفِي (خَافَهُ وَاسْتَتَرَ مِنْهُ، فَطَلَبَهُ الْمُسْتَكْفِي) أَشَدَّ الطَّلَبِ، فَلَمْ يَظْفَرْ بِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بَغْدَاذَ، قِيلَ: إِنَّ الْمُطِيعَ انْتَقَلَ إِلَيْهِ، وَاسْتَتَرَ عِنْدَهُ، وَأَغْرَاهُ بِالْمُسْتَكْفِي حَتَّى قَبَضَ عَلَيْهِ وَسَمَلَهُ، فَلَمَّا قُبِضَ الْمُسْتَكْفِي، بُويِعَ لِلْمُطِيعِ لِلَّهِ بِالْخِلَافَةِ يَوْمَ الْخَمِيسَ ثَانِي عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَلُقِّبَ الْمُطِيعُ لِلَّهِ، وَأَحْضَرَ الْمُسْتَكْفِيَ عِنْدَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْخَلْعِ.
следующие страницы →