← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

دَخَلَ الْحُجْرَةَ أَلْقَى الرَّجُلُ الثَّوْبَ عَنِ ابْنِهِ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ، فَدَعَا لَهُ فَأَبْصَرَ. وَعَرَفَ فِيمْيُونْ أَنَّهُ قَدْ عُرِفَ بِالْقَرْيَةِ، فَخَرَجَ هُوَ وَصَالِحٌ وَمَرَّ بِشَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ بِالشَّامِ. فَنَادَاهُ رَجُلٌ وَقَالَ: مَا زِلْتُ أَنْتَظِرُكَ، لَا تَبْرَحْ حَتَّى تَقُومَ عَلَيَّ فَإِنِّي مَيِّتٌ، قَالَ: فَمَاتَ، فَوَارَاهُ فِيمْيُونْ وَانْصَرَفَ وَمَعَهُ صَالِحٌ، حَتَّى وَطِئَا بَعْضَ أَرْضِ الْعَرَبِ، وَأَخَذَهُمَا بَعْضُ الْعَرَبِ فَبَاعُوهُمَا بِنَجْرَانَ، وَأَهْلُ نَجْرَانَ عَلَى دِينِ الْعَرَبِ تَعْبُدُ نَخْلَةً طَوِيلَةً بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، لَهَا عِيدٌ كُلَّ سَنَةٍ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْعِيدُ عَلَّقُوا عَلَيْهَا كُلَّ ثَوْبٍ حَسَنٍ وَحُلِيٍّ جَمِيلٍ، فَعَكَفُوا عَلَيْهَا يَوْمًا، فَابْتَاعَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ فِيمْيُونْ، وَابْتَاعَ رَجُلٌ آخَرُ صَالِحًا، فَكَانَ فِيمْيُونْ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ، اسْتَسْرَجَ لَهُ الْبَيْتُ حَتَّى يُصْبِحَ مِنْ غَيْرِ مِصْبَاحٍ. فَلَمَّا رَأَى سَيِّدَهُ ذَلِكَ أَعْجَبَهُ، فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِ فَأَخْبَرَهُ، وَعَابَ دِينَ سَيِّدِهِ. وَقَالَ لَهُ: لَوْ دَعَوْتُ إِلَهِي الَّذِي أَعْبُدُ لَأَهْلَكَ النَّخْلَةَ. فَقَالَ: افْعَلْ فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ دَخَلْنَا فِي دِينِكَ وَتَرَكْنَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ. فَصَلَّى فِيمْيُونْ وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا رِيحًا فَجَفَّفَتْهَا وَأَلْقَتْهَا، فَاتَّبَعَهُ عِنْدَ ذَلِكَ أَهْلُ نَجْرَانَ عَلَى دِينِهِ، فَحَمَلَهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ دِينِ عِيسَى وَدَخَلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَحْدَاثُ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَى أَهْلِ دِينِهِمْ بِكُلِّ أَرْضٍ. فَمِنْ هُنَالِكَ كَانَ أَصْلُ النَّصْرَانِيَّةِ بِنَجْرَانَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: كَانَ أَهْلُ نَجْرَانَ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، وَكَانَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهَا سَاحِرٌ، كَانَ أَهْلُ نَجْرَانَ يُرْسِلُونَ أَوْلَادَهُمْ يُعَلِّمُهُمُ السِّحْرَ فَلَمَّا نَزَلَهَا فِيمْيُونْ، وَهُوَ رَجُلٌ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى دِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ فَإِذَا عُرِفَ فِي قَرْيَةٍ خَرَجَ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ يُبْرِئُ الْمَرْضَى، وَلَهُ كَرَامَاتٌ، فَوَصَلَ نَجْرَانَ فَسَكَنَ خَيْمَةً بَيْنَ نَجْرَانَ وَبَيْنَ السَّاحِرِ، فَأَرْسَلَ الثَّامِرُ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ مَعَ الْغِلْمَانِ إِلَى السَّاحِرِ، فَاجْتَازَ بِفِيمْيُونْ فَرَأَى مَا أَعْجَبَهُ مِنْ صَلَاتِهِ، فَجَعَلَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ وَيَسْتَمِعُ مِنْهُ، فَأَسْلَمَ مَعَهُ وَوَحَّدَ اللَّهَ تَعَالَى وَعَبَدَهُ، وَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ وَكَانَ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ إِيَّاهُ وَقَالَ: لَنْ تَحْتَمِلَهُ، وَالثَّامِرُ يَعْتَقِدُ أَنَّ ابْنَهُ يَخْتَلِفُ إِلَى السَّاحِرِ مَعَ الْغِلْمَانِ. فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ ضَنَّ عَلَيْهِ بِالِاسْمِ الْأَعْظَمِ عَمَدَ إِلَى قِدَاحٍ فَكَتَبَ عَلَيْهَا أَسْمَاءَ اللَّهِ جَمِيعَهَا، ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي النَّارِ وَاحِدًا وَاحِدًا، حَتَّى إِذَا أَلْقَى الْقَدَحَ الَّذِي عَلَيْهِ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ وَثَبَ مِنْهَا فَلَمْ تَضُرَّهُ شَيْئًا،

стр. 387

فَأَخَذَهُ وَعَادَ إِلَى صَاحِبِهِ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ لَهُ: أَمْسِكْ عَلَى نَفْسِكَ، وَمَا أَظُنُّ أَنْ تَفْعَلَ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِذَا أَتَى نَجْرَانَ بِهِ ضُرٌّ إِلَّا قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَدْخُلُ فِي دِينِي حَتَّى أَدْعُوَ اللَّهَ فَيُعَافِيَكَ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُوَحِّدُ اللَّهَ وَيُسْلِمُ، وَيَدْعُو لَهُ عَبْدُ اللَّهِ فَيُشْفَى، حَتَّى لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ مِمَّنْ بِهِ ضُرٌّ إِلَّا أَتَاهُ وَاتَّبَعَهُ وَدَعَا لَهُ فَعُوفِيَ. فَرُفِعَ شَأْنُهُ إِلَى مَلِكِ نَجْرَانَ، فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: أَفْسَدْتَ عَلَيَّ أَهْلَ قَرْيَتِي وَخَالَفْتَ دِينِي، لَأُمَثِّلَنَّ بِكَ! فَقَالَ: لَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ. فَجَعَلَ يُرْسِلُهُ إِلَى الْجَبَلِ الطَّوِيلِ فَيُلْقَى مِنْ رَأْسِهِ فَيَقَعُ عَلَى الْأَرْضِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى مِيَاهِ نَجْرَانَ، وَهِيَ بُحُورٌ لَا يَقَعُ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا هَلَكَ، فَيُلْقَى فِيهَا فَيَخْرُجُ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. فَلَمَّا غَلَبَهُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثَّامِرِ: إِنَّكَ لَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِي حَتَّى تُوَحِّدَ اللَّهَ وَتُؤْمِنَ كَمَا آمَنْتُ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ قَتَلْتَنِي. فَوَحَّدَ اللَّهَ الْمَلِكُ، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِعَصَا بِيَدِهِ فَشَجَّهُ شَجَّةً غَيْرَ كَبِيرَةٍ فَقَتَلَهُ، فَهَلَكَ الْمَلِكُ مَكَانَهُ، وَاجْتَمَعَ أَهْلُ نَجْرَانَ عَلَى دِينِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الثَّامِرِ. قَالَ: فَسَارَ إِلَيْهِمْ ذُو نُوَاسٍ بِجُنُودِهِ، فَجَمَعَهُمْ ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ وَخَيَّرَهُمْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَتْلِ، فَاخْتَارُوا الْقَتْلَ، فَخَدَّ لَهُمُ الْأُخْدُودَ، فَحَرَقَ بِالنَّارِ وَقَتَلَ بِالسَّيْفِ، حَتَّى قَتَلَ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ بِنَجْرَانَ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ حِمْيَرَ يُقَالُ لَهُ: ذُو نُوَاسٍ وَاسْمُهُ يُوسُفُ بْنُ شُرَحْبِيلَ، وَكَانَ قَبْلَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ بِسَبْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ حَاذِقٌ. فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي كَبِرْتُ فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلَامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلَامًا اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثَّامِرِ لِيُعَلِّمَهُ، فَجَعَلَ يَخْتَلِفُ إِلَى السَّاحِرِ، وَكَانَ فِي طَرِيقِهِ رَاهِبٌ حَسَنُ الْقِرَاءَةِ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ الْغُلَامُ، فَأَعْجَبَهُ أَمْرُهُ، فَكَانَ إِذَا جَاءَ إِلَى الْمُعَلِّمِ يَدْخُلُ إِلَى الرَّاهِبِ فَيَقْعُدُ عِنْدَهُ، فَإِذَا جَاءَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى الْمُعَلِّمِ ضَرَبَهُ وَقَالَ لَهُ: مَا الَّذِي حَبَسَكَ؟ وَإِذَا انْقَلَبَ إِلَى أَبِيهِ دَخَلَ إِلَى الرَّاهِبِ فَيَضْرِبُهُ أَبُوهُ وَيَقُولُ: مَا الَّذِي أَبْطَأَ بِكَ؟ فَشَكَا الْغُلَامُ ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ لَهُ: إِذَا أَتَيْتَ الْمُعَلِّمَ فَقُلْ حَبَسَنِي أَبِي، وَإِذَا أَتَيْتَ أَبَاكَ فَقُلْ حَبَسَنِي الْمُعَلِّمُ. وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ قَطَعَتْ طَرِيقَ النَّاسِ، فَمَرَّ بِهَا الْغُلَامُ فَرَمَاهَا بِحَجَرٍ

стр. 388

فَقَتَلَهَا، وَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: إِنَّ لَكَ لَشَأْنًا، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّنَّ عَلَيَّ. وَصَارَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الْأَكَمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيَشْفِي النَّاسَ. وَكَانَ لِلْمَلِكِ ابْنُ عَمٍّ أَعْمَى، فَسَمِعَ بِالْغُلَامِ وَقَتْلِ الْحَيَّةِ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ بَصَرِي. فَقَالَ الْغُلَامُ: إِنْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ بَصَرَكَ تُؤْمِنُ بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ صَادِقًا فَارْدُدْ عَلَيْهِ بَصَرَهُ، فَعَادَ إِلَيْهِ بَصَرُهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ، فَلَمَّا رَآهُ تَعَجَّبَ مِنْهُ وَسَأَلَهُ، فَلَمْ يُخْبِرْهُ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِ فَدَلَّهُ عَلَى الْغُلَامِ، فَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا أَرَى. فَقَالَ: أَنَا لَا أَشْفِي أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ، فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الرَّاهِبِ، فَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى، فَأَمَرَ بِهِ فَوُضِعَ الْمِنْشَارُ عَلَى رَأْسِهِ فَشُقَّ بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لِلْغُلَامِ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى، فَأَرْسَلَهُ إِلَى جَبَلٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ! فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ وَهَلَكُوا. وَرَجَعَ الْغُلَامُ إِلَى الْمَلِكِ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ. فَغَاظَهُ ذَلِكَ وَأَرْسَلَهُ فِي سَفِينَةٍ إِلَى الْبَحْرِ لِيُلْقُوهُ فِيهِ، فَذَهَبُوا بِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ! فَغَرِقُوا وَنَجَا، وَجَاءَ إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ: اقْتُلُوهُ بِالسَّيْفِ، فَضَرَبُوهُ فَنَبَا عَنْهُ. وَفَشَا خَبَرُهُ فِي الْيَمَنِ، فَأَعْظَمَهُ النَّاسُ وَعَلِمُوا أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ، فَقَالَ الْغُلَامُ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَنْ تَقْدِرَ عَلَى قَتْلِي إِلَّا أَنْ تَجْمَعَ أَهْلَ مَمْلَكَتِكَ وَتَرْمِيَنِي بِسَهْمٍ وَتَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ. فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ! فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: قَدْ نَزَلَ بِكَ مَا تَحْذَرُ. فَأَغْلَقَ أَبْوَابَ الْمَدِينَةِ وَخَدَّ أُخْدُودًا وَمَلَأَهُ نَارًا وَعَرَضَ النَّاسَ، فَمَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ تَرَكَهُ، وَمَنْ لَمْ يَرْجِعْ أَلْقَاهُ فِي الْأُخْدُودِ فَأَحْرَقَهُ. وَكَانَتِ امْرَأَةٌ مُؤْمِنَةٌ، وَكَانَ لَهَا ثَلَاثُ بَنِينَ، أَحَدُهُمْ رَضِيعٌ، فَقَالَ لَهَا الْمَلِكُ: ارْجِعِي وَإِلَّا قَتَلْتُكِ أَنْتِ وَأَوْلَادَكِ، فَأَبَتْ، فَأَلْقَى ابْنَيْهَا الْكَبِيرَيْنِ، فَأَبَتْ، ثُمَّ أَخَذَ الصَّغِيرَ لِيُلْقِيَهُ فَهَمَّتْ بِالرُّجُوعِ. قَالَ لَهَا الصَّغِيرُ: يَا أُمَّاهُ لَا تَرْجِعِي عَنْ دِينِكِ، لَا بَأْسَ عَلَيْكِ! فَأَلْقَاهُ وَأَلْقَاهَا فِي أَثَرِهِ، وَهَذَا الطِّفْلُ أَحَدُ مَنْ تَكَلَّمَ صَغِيرًا. قِيلَ: حَفَرَ رَجُلٌ خَرِبَةً بِنَجْرَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَرَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الثَّامِرِ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى ضَرْبَةٍ فِي رَأْسِهِ، فَإِذَا رُفِعَتْ عَنْهَا يَدُهُ جَرَتْ دَمًا، وَإِذَا أُرْسِلَتْ يَدُهُ رَدَّهَا إِلَيْهَا وَهُوَ قَاعِدٌ، فَكَتَبَ فِيهِ إِلَى عُمَرَ، فَأَمَرَ بِتَرْكِهِ عَلَى حَالِهِ.

стр. 389

ذِكْرُ مُلْكِ الْحَبَشَةِ الْيَمَنَ قِيلَ: لَمَّا قَتَلَ ذُو نُوَاسٍ مَنْ قَتَلَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فِي الْأُخْدُودِ لِأَجْلِ الْعَوْدِ عَنِ النَّصْرَانِيَّةِ، أَفْلَتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: دَوْسٌ ذُو ثَعْلَبَانَ حَتَّى أَعْجَزَ الْقَوْمَ، فَقَدِمَ عَلَى قَيْصَرَ فَاسْتَنْصَرَهُ عَلَى ذِي نُوَاسٍ وَجُنُودِهِ وَأَخْبَرَهُ بِمَا فَعَلَ بِهِمْ. فَقَالَ لَهُ قَيْصَرُ: بَعُدَتْ بِلَادُكَ عَنَّا، وَلَكِنْ سَأَكْتُبُ إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ وَهُوَ عَلَى هَذَا الدِّينِ وَقَرِيبٌ مِنْكُمْ. فَكَتَبَ قَيْصَرُ إِلَى مَلِكِ الْحَبَشَةِ يَأْمُرُهُ بِنَصْرِهِ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ مَلِكُ الْحَبَشَةِ سَبْعِينَ أَلْفًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ أَرْيَاطُ، وَفِي جُنُودِهِ أَبْرَهَةُ الْأَشْرَمُ، فَسَارُوا فِي الْبَحْرِ حَتَّى نَزَلُوا بِسَاحِلِ الْيَمَنِ، وَجَمَعَ ذُو نُوَاسٍ جُنُودَهُ فَاجْتَمَعُوا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَرْبٌ غَيْرَ أَنَّهُ نَاوَشَ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ ثُمَّ انْهَزَمُوا، وَدَخَلَهَا أَرْيَاطُ. فَلَمَّا رَأَى ذُو نُوَاسٍ مَا نَزَلْ بِهِ وَبِقَوْمِهِ اقْتَحَمَ الْبَحْرَ بِفَرَسِهِ فَغَرِقَ، وَوَطِئَ أَرْيَاطُ الْيَمَنَ فَقَتَلَ ثُلُثَ رِجَالِهِمْ، وَبَعَثَ إِلَى النَّجَاشِيِّ بِثُلُثِ سَبَايَاهُمْ، ثُمَّ أَقَامَ بِهَا وَذَلَّ أَهْلُهَا. وَقِيلَ: إِنَّ الْحَبَشَةَ لَمَّا خَرَجُوا إِلَى الْمَنْدَبِ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ، كَتَبَ ذُو نُوَاسٍ إِلَى أَقْيَالِ الْيَمَنِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الِاجْتِمَاعِ عَلَى عَدُوِّهِمْ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ وَقَالُوا: يُقَاتِلُ كُلُّ رَجُلٍ عَنْ بِلَادِهِ. فَصَنَعَ مَفَاتِيحَ وَحَمَلَهَا عَلَى عِدَّةٍ مِنَ الْإِبِلِ وَلَقِيَ الْحَبَشَةَ وَقَالَ: هَذِهِ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِ الْأَمْوَالِ بِالْيَمَنِ، فَهِيَ لَكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا الرِّجَالَ وَالذُّرِّيَّةَ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَسَارُوا مَعَهُ إِلَى صَنْعَاءَ، فَقَالَ لِكَبِيرِهِمْ: وَجِّهْ أَصْحَابَكَ لِقَبْضِ الْخَزَائِنِ. فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ وَدَفَعَ إِلَيْهِمُ الْمَفَاتِيحَ، وَكَتَبَ إِلَى الْأَقْيَالِ يَقْتُلُ كُلَّ ثَوْرٍ أَسْوَدَ، فَقُتِلَتِ الْحَبَشَةُ وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ. فَلَمَّا سَمِعَ النَّجَاشِيُّ جَهَّزَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ أَلْفًا مَعَ أَرْيَاطَ وَالْأَشْرَمِ، فَمَلَكَ الْبِلَادَ وَأَقَامَ بِهَا سِنِينَ، وَنَازَعَهُ أَبْرَهَةُ الْأَشْرَمُ، وَكَانَ فِي جُنْدِهِ، فَمَالَ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، وَبَقِيَ أَرْيَاطُ فِي طَائِفَةٍ، وَسَارَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ، وَأَرْسَلَ أَبْرَهَةُ: إِنَّكَ لَنْ تَصْنَعَ بِأَنْ تُلْقِيَ الْحَبَشَةَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضِهَا شَيْئًا، فَيَهْلِكُوا، وَلَكِنِ ابْرُزْ إِلَيَّ فَأَيُّنَا قَهَرَ صَاحِبَهُ اسْتَوْلَى عَلَى جُنْدِهِ.

стр. 390

فَتَبَارَزَا، فَرَفَعَ أَرْيَاطُ الْحَرْبَةَ فَضَرَبَ أَبْرَهَةَ، فَوَقَعَتْ عَلَى رَأْسِهِ فَشَرَمَتْ أَنْفَهُ وَعَيْنَهُ، فَسُمِّيَ الْأَشْرَمَ. وَحَمَلَ غُلَامٌ لِأَبْرَهَةَ يُقَالُ لَهُ عَتُودَةُ، كَانَ قَدْ تَرَكَهُ كَمِينًا مِنْ خَلْفِ أَرْيَاطَ، عَلَى أَرْيَاطَ فَقَتَلَهُ، وَاسْتَوْلَى أَبْرَهَةُ عَلَى الْجُنْدِ وَالْبِلَادِ وَقَالَ لِعَتُودَةَ: احْتَكِمْ. فَقَالَ: لَا تَدْخُلُ عَرُوسٌ عَلَى زَوْجِهَا مِنَ الْيَمَنِ حَتَّى أُصِيبَهَا قَبْلَهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَبَقِيَ يَفْعَلُ بِهِمْ هَذَا الْفِعْلَ حِينًا، ثُمَّ عَدَا عَلَيْهِ إِنْسَانٌ مِنَ الْيَمَنِ فَقَتَلَهُ، فَسُرَّ أَبْرَهَةُ بِقَتْلِهِ وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّهُ يَحْتَكِمُ هَكَذَا لَمْ أُحَكِّمْهُ. وَلَمَّا بَلَغَ النَّجَاشِيَّ قَتْلُ أَرْيَاطَ غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَحَلَفَ أَلَّا يَدَعَ أَبْرَهَةَ حَتَّى يَطَأَ أَرْضَهُ وَيَجُزَّ نَاصِيَتَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبْرَهَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَى النَّجَاشِيِّ مِنْ تُرَابِ الْيَمَنِ وَجَزَّ نَاصِيَتَهُ وَأَرْسَلَهَا أَيْضًا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ وَإِرْسَالِ شَعْرِهِ وَتُرَابِهِ لِيَبِرَّ قَسَمَهُ بِوَضْعِ التُّرَابِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَرَضِيَ عَنْهُ وَأَقَرَّهُ عَلَى عَمَلِهِ. فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِالْيَمَنِ بَعَثَ إِلَى أَبِي مُرَّةَ ذِي يَزَنٍ، فَأَخَذَ زَوْجَتَهُ رَيْحَانَةَ بِنْتَ ذِي جُدْنٍ وَنَكَحَهَا، فَوَلَدَتْ لَهُ مَسْرُوقًا وَكَانَتْ قَدْ وَلَدَتْ لِذِي يَزَنٍ وَلَدًا اسْمُهُ مَعْدِي كَرِبَ، وَهُوَ سَيْفٌ، فَخَرَجَ ذُو يَزَنٍ مِنَ الْيَمَنِ فَقَدِمَ الْحِيرَةَ عَلَى عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ إِلَى كِسْرَى كِتَابًا يُعْلِمْهُ مَحَلَّهُ وَشَرَفَهُ وَحَاجَتَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أَفِدُ إِلَى الْمَلِكِ كُلَّ سَنَةٍ وَهَذَا وَقْتُهَا، فَأَقَامَ عِنْدَهُ حَتَّى وَفَدَ مَعَهُ وَدَخَلَ إِلَى كِسْرَى مَعَهُ، فَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ وَذَكَرَ حَاجَتَهُ وَشَكَا مَا يَلْقَوْنَ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَاسْتَنْصَرَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَطْمَعَهُ فِي الْيَمَنِ وَكَثْرَةِ مَالِهَا، فَقَالَ لَهُ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ: إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أُسْعِفَكَ بِحَاجَتِكَ وَلَكِنَّ الْمَسَالِكَ إِلَيْهَا صَعْبَةٌ وَسَأَنْظُرُ، وَأَمَرَ بِإِنْزَالِهِ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ حَتَّى هَلَكَ. وَنَشَأَ ابْنُهُ مَعْدِي كَرِبَ ذِي يَزَنٍ فِي حُجْرَةِ أَبْرَهَةَ، وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ أَبُوهُ، فَسَبَّهُ ابْنٌ لَأَبْرَهَةَ وَسَبَّ أَبَاهُ، فَسَأَلَ أُمَّهُ عَنْ أَبِيهِ، فَصَدَقَتْهُ، وَأَقَامَ حَتَّى مَاتَ أَبْرَهَةُ وَابْنُهُ يَكْسُومُ وَسَارَ عَنِ الْيَمَنِ، فَفَعَلَ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. [ذِكْرُ مُلْكِ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ بْنِ قُبَاذَ بْنِ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ بْنِ بَهْرَامَ جَوْرَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ الْأَثِيمِ]

стр. 391

لَمَّا لَبِسَ التَّاجَ خَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ مَا ابْتُلُوا بِهِ مِنْ فَسَادِ أُمُورِهِمْ وَدِينِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يُصْلِحُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَمَرَ بِرُءُوسِ الْمَزْدَكِيَّةِ فَقُتِلُوا وَقُسِّمَتْ أَمْوَالُهُمْ فِي أَهْلِ الْحَاجَةِ. وَكَانَ سَبَبَ قَتْلِهِمْ أَنَّ قُبَاذَ كَانَ، كَمَا ذَكَرْنَا، قَدِ اتَّبَعَ مَزْدَكَ عَلَى دِينِهِ وَمَا دَعَاهُ إِلَيْهِ، وَأَطَاعَهُ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ مِنَ الزَّنْدَقَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا ذَكَرْنَا أَيَّامَ قُبَاذَ، وَكَانَ الْمُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ يَوْمَئِذٍ عَامِلًا عَلَى الْحِيرَةِ وَنَوَاحِيهَا، فَدَعَاهُ قُبَاذُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَبَى، فَدَعَا الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ، فَأَجَابَهُ، فَسَدَّدَ لَهُ مُلْكَهُ وَطَرَدَ الْمُنْذِرَ عَنْ مَمْلَكَتِهِ، وَكَانَتْ أُمُّ أَنُوشِرْوَانَ يَوْمًا بَيْنَ يَدَيْ قُبَاذَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَزْدَكُ. فَلَمَّا رَأَى أُمَّ أَنُوشِرْوَانَ قَالَ لِقُبَاذَ: ادْفَعْهَا إِلَيَّ لِأَقْضِيَ حَاجَتِي مِنْهَا. فَقَالَ دُونَكَهَا. فَوَثَبَ إِلَيْهِ أَنُوشِرْوَانُ، وَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ أَنْ يَهَبَ لَهُ أُمَّهُ حَتَّى قَبَّلَ رِجْلَهُ، فَتَرَكَهَا فَحَاكَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ. فَهَلَكَ قُبَاذُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ وَمَلَكَ أَنُوشِرْوَانُ، فَجَلَسَ لِلْمُلْكِ، وَلَمَّا بَلَغَ الْمُنْذِرَ هَلَاكُ قُبَاذَ أَقْبَلَ إِلَى أَنُوشِرْوَانَ، وَقَدْ عَلِمَ خِلَافَهُ عَلَى أَبِيهِ فِي مَذْهَبِهِ وَاتِّبَاعِ مَزْدَكَ، فَإِنَّ أَنُوشِرْوَانَ كَانَ مُنْكِرًا لِهَذَا الْمَذْهَبِ كَارِهًا لَهُ، ثُمَّ إِنَّ أَنُوشِرْوَانَ أَذِنَ لِلنَّاسِ إِذْنًا عَامًّا، وَدَخَلَ عَلَيْهِ مَزْدَكُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ الْمُنْذِرُ، فَقَالَ أَنُوشِرْوَانُ: إِنِّي كُنْتُ تَمَنَّيْتُ أُمْنِيَتَيْنِ، أَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ جَمَعَهَا إِلَيَّ. فَقَالَ مَزْدَكُ: وَمَا هُمَا أَيُّهَا الْمَلِكُ؟ .

стр. 392

قَالَ: تَمَنَّيْتُ أَنْ أَمْلِكَ وَأَسْتَعْمِلَ هَذَا الرَّجُلَ الشَّرِيفَ، يَعْنِي الْمُنْذِرَ، وَأَنْ أَقْتُلَ هَذِهِ الزَّنَادِقَةَ. فَقَالَ مَزْدَكُ: أَوَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَقْتُلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ؟ فَقَالَ: وَإِنَّكَ هَاهُنَا يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ! وَاللَّهِ مَا ذَهَبَ نَتَنُ رِيحِ جَوْرَبِكَ مِنْ أَنْفِي مُنْذُ قَبَّلْتُ رِجْلَكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا. وَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ وَصُلِبَ. وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَا بَيْنَ جَازِرَ إِلَى النَّهْرَوَانِ وَإِلَى الْمَدَائِنِ فِي ضَحْوَةٍ وَاحِدَةٍ مِائَةَ أَلْفِ زِنْدِيقٍ وَصَلَبَهُمْ، وَسُمِّيَ يَوْمَئِذٍ أَنُوشِرْوَانُ. وَطَلَبَ أَنُوشِرْوَانُ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ وَهُوَ بِالْأَنْبَارِ، فَخَرَجَ هَارِبًا فِي صَحَابَتِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ، فَمَرَّ بِالثَّوِيَّةِ، فَتَبِعَهُ الْمُنْذِرُ بِالْخَيْلِ مِنْ تَغْلِبَ وَإِيَادَ وَبَهْرَاءَ، فَلَحِقَ بِأَرْضِ كَلْبٍ وَنَجَا وَانْتَهَبُوا مَالَهُ وَهَجَائِنَهُ، وَأَخَذَتْ بَنُو تَغْلِبَ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ نَفْسًا مِنْ بَنِي آكِلِ الْمُرَارِ فَقَدِمُوا بِهِمْ عَلَى الْمُنْذِرِ، فَضَرَبَ رِقَابَهُمْ بِجَفْرِ الْأَمْلَاكِ فِي دِيَارِ بَنِي مَرِينَ الْعَبَّادِيِّينَ بَيْنَ دَيْرِ بَنِي هِنْدٍ وَالْكُوفَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: فَآبُوا بِالنِّهَابِ وَبِالسَّبَايَا ... وَأُبْنَا بِالْمُلُوكِ مُصَفَّدِينَا. وَفِيهِمْ يَقُولُ امْرُؤُ الْقَيْسِ: مُلُوكٌ مِنْ بَنِي حُجْرِ بْنِ عَمْرٍو ... يُسَاقُونَ الْعَشِيَّةَ يَقْتُلُونَا. فَلَوْ فِي يَوْمِ مَعْرَكَةٍ أُصِيبُوا ... وَلَكِنْ فِي دِيَارِ بَنِي مَرِينَا وَلَمْ تُغْسَلْ جَمَاجِمُهُمْ بِغُسْلٍ ... وَلَكِنْ فِي الدِّمَاءِ مُرَمَّلِينَا تَظَلُّ الطَّيْرُ عَاكِفَةً عَلَيْهِمْ ... وَتَنْتَزِعُ الْحَوَاجِبَ وَالْعَيُونَا

стр. 393

وَلَمَّا قَتَلَ أَنُوشِرْوَانُ مَزْدَكَ وَأَصْحَابَهُ، أَمَرَ بِقَتْلِ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ دَخَلَ عَلَى النَّاسِ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَرَدَّ الْأَمْوَالَ إِلَى أَهْلِهَا، وَأَمَرَ بِكُلِّ مَوْلُودٍ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَنْ يَلْحَقَ بِمَنْ هُوَ مِنْهُمْ إِذَا لَمْ يُعْرَفْ أَبُوهُ، وَأَنْ يُعْطَى نَصِيبًا مِنْ مِلْكِ الرَّجُلِ الَّذِي يُسْنَدُ إِلَيْهِ إِذَا قَبِلَهُ الرَّجُلُ، وَبِكُلِّ امْرَأَةٍ غُلِبَتْ عَلَى نَفْسِهَا أَنْ يُؤْخَذَ مَهْرُهَا مِنَ الْغَالِبِ، ثُمَّ تُخَيَّرَ الْمَرْأَةُ بَيْنَ الْإِقَامَةِ عِنْدَهُ وَبَيْنَ فِرَاقِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا زَوْجٌ فَتُرَدَّ إِلَيْهِ. وَأَمَرَ بِعِيَالِ ذَوِي الْأَحْسَابِ الَّذِينَ مَاتَ قَيِّمُهُمْ فَأَنْكَحَ بَنَاتِهِمُ الْأَكْفَاءَ، وَجَهَّزَهُنَّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَأَنْكَحَ نِسَاءَهُمْ مِنَ الْأَشْرَافِ، وَاسْتَعَانَ بِأَبْنَائِهِمْ فِي أَعْمَالِهِ، وَعَمَّرَ الْجُسُورَ وَالْقَنَاطِرَ، وَأَصْلَحَ الْخَرَابَ، وَتَفَقَّدَ الْأَسَاوِرَةَ وَأَعْطَاهُمْ، وَبَنَى فِي الطُّرُقِ الْقُصُورَ وَالْحُصُونَ، وَتَخَيَّرَ الْوُلَاةَ وَالْعُمَّالَ وَالْحُكَّامَ، وَاقْتَدَى بِسِيرَةِ أَرْدَشِيرَ، وَارْتَجَعَ بِلَادًا كَانَتْ مَمْلَكَةَ الْفُرْسِ، مِنْهَا: السِّنْدُ وَسِنْدُوسِتْ وَالرُّخَّجُ وَزَابُلِسْتَانُ وَطَخَارِسْتَانُ، وَأَعْظَمَ الْقَتْلَ فِي الْبَازِرِ وَأَجْلَى بَقِيَّتَهُمْ عَنْ بِلَادِهِ. وَاجْتَمَعَ أَبْخَزُ وَبَنْجَرُ وَبَلَنْجَرُ وَاللَّانُ عَلَى قَصْدِ بِلَادِهِ، فَقَصَدُوا أَرْمِينِيَّةَ لِلْغَارَةِ عَلَى أَهْلِهَا، وَكَانَ الطَّرِيقُ سَهْلًا، فَأَمْهَلَهُمْ كِسْرَى حَتَّى تَوَغَّلُوا فِي الْبِلَادِ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ جُنُودًا، فَقَاتَلُوهُمْ فَأَهْلَكُوهُمْ مَا خَلَا عَشَرَةَ آلَافِ رَجُلٍ أُسِرُوا فَأُسْكِنُوا أَذْرَبِيجَانَ. وَكَانَ لِكِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ وَلَدٌ هُوَ أَكْبَرُ أَوْلَادِهِ اسْمُهُ أَنُوشَزَادَ، فَبَلَغَهُ عَنْهُ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ، فَسَيَّرَهُ إِلَى جُنْدَيْسَابُورَ وَجَعَلَ مَعَهُ جَمَاعَةً يَثِقُ بِدِينِهِمْ لِيُصْلِحُوا دِينَهُ وَأَدَبَهُ. فَبَيْنَمَا هُمْ عِنْدَهُ إِذْ بَلَغَهُ خَبَرُ مَرَضِ وَالِدِهِ لَمَّا دَخَلَ بِلَادَ الرُّومِ، فَوَثَبَ بِمَنْ عِنْدَهُ فَقَتَلَهُمْ وَأَخْرَجَ أَهْلَ السُّجُونِ فَاسْتَعَانَ بِهِمْ وَجَمَعَ عِنْدَهُ جُمُوعًا مِنَ الْأَشْرَارِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ نَائِبَ أَبِيهِ بِالْمَدَائِنِ عَسْكَرًا، فَحَصَرُوهُ بِجُنْدَيْسَابُورَ، وَأَرْسَلَ الْخَبَرَ إِلَى كِسْرَى، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْجِدِّ فِي أَمْرِهِ وَأَخْذِهِ أَسِيرًا، فَاشْتَدَّ الْحِصَارُ حِينَئِذٍ عَلَيْهِ وَدَخَلَ الْعَسَاكِرُ الْمَدِينَةَ عَنْوَةً فَقَتَلُوا بِهَا خَلْقًا كَثِيرًا وَأَسَرُوا أَنُوشَزَادَ، فَبَلَغَهُ خَبَرُ جَدِّهِ لِأُمِّهِ الدَّاوُرِ الرَّازِيِّ، فَوَثَبَ بِعَامِلِ سِجِسْتَانَ

стр. 394

وَقَاتَلَهُ، فَهَزَمَهُ الْعَامِلُ، فَالْتَجَأَ إِلَى مَدِينَةِ الرُّخَّجِ وَامْتَنَعَ بِهَا، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى يَعْتَذِرُ وَيَسْأَلُهُ أَنْ يُنْفِذَ إِلَيْهِ مَنْ يُسَلِّمُ لَهُ الْبَلَدَ، فَفَعَلَ وَآمَنُهُ. وَكَانَ الْمَلِكُ فَيْرُوزُ قَدْ بَنَى بِنَاحِيَةِ صُولٍ وَاللَّانِ بِنَاءً يُحَصِّنُ بِهِ بِلَادَهُ، وَبَنَى عَلَيْهِ ابْنُهُ قُبَاذُ زِيَادَةً، فَلَمَّا مَلَكَ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانُ بَنَى فِي نَاحِيَةِ صُولٍ وَجُرْجَانَ بِنَاءً كَثِيرًا وَحُصُونًا حَصَّنَ بِهَا بِلَادَهُ جَمِيعَهَا. وَإِنَّ سَيْجَيُورْ خَاقَانَ قَصَدَ بِلَادَهُ، وَكَانَ أَعْظَمَ التُّرْكِ، وَاسْتَمَالَ الْخَزَرَ وَأَبْخَزَ وَبَلَنْجَرَ، فَأَطَاعُوهُ، فَأَقْبَلَ فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ وَكَتَبَ إِلَى كِسْرَى يَطْلُبُ مِنْهُ الْإِتَاوَةَ وَيَتَهَدَّدُهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَلَمْ يُجِبْهُ كِسْرَى إِلَى شَيْءٍ مِمَّا طَلَبَ لِتَحْصِينِهِ بِلَادَهُ، وَإِنَّ ثَغْرَ أَرْمِينِيَّةَ قَدْ حَصَّنَهُ، فَصَارَ يَكْتَفِي بِالْعَدَدِ الْيَسِيرِ، فَقَصَدَهُ خَاقَانُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ، وَعَادَ خَائِبًا، وَهَذَا خَاقَانُ هُوَ الَّذِي قَتَلَ وِرْدَ مَلِكِ الْهَيَاطِلَةِ وَأَخَذَ كَثِيرًا مِنْ بِلَادِهِمْ. ذِكْرُ مُلْكِ كِسْرَى بِلَادَ الرُّومِ كَانَ بَيْنَ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ وَبَيْنَ غَطْيَانُوسْ مَلِكِ الرُّومِ هُدْنَةٌ، فَوَقَعَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ، كَانَ مَلَّكَهُ غَطْيَانُوسْ عَلَى عَرَبِ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ خَالِدُ بْنُ جَبَلَةَ، وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ لَخْمٍ كَانَ مَلَّكَهُ كِسْرَى عَلَى عُمَانَ وَالْبَحْرَيْنِ وَالْيَمَامَةِ إِلَى الطَّائِفِ وَسَائِرِ الْحِجَازِ يُقَالُ لَهُ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ، فِتْنَةٌ، فَأَغَارَ خَالِدٌ عَلَى ابْنِ النُّعْمَانِ، فَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَغَنِمَ أَمْوَالَهُ ; فَكَتَبَ كِسْرَى إِلَى غَطْيَانُوسْ يُذَكِّرُهُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْعَهْدِ وَالصُّلْحِ وَيُعْلِمُهُ مَا لَقِيَ الْمُنْذِرُ مِنْ خَالِدٍ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَأْمُرَ خَالِدًا بِرَدِّ مَا غَنِمَ إِلَى الْمُنْذِرِ، وَيَدْفَعَ لَهُ دِيَةَ مَنْ قَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَيُنْصِفَهُ مِنْ خَالِدٍ، وَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ يَنْقُضُ الصُّلْحَ. وَوَالَى الْكُتُبَ إِلَى غَطْيَانُوسْ فِي إِنْصَافِ الْمُنْذِرِ، فَلَمْ يَحْفِلْ بِهِ.

стр. 395

فَاسْتَعَدَّ كِسْرَى وَغَزَا بِلَادَ غَطْيَانُوسْ فِي بِضْعَةٍ وَسَبْعِينَ أَلْفًا، وَكَانَ طَرِيقُهُ عَلَى الْجَزِيرَةِ، فَأَخَذَ مَدِينَةَ دَارَا وَمَدِينَةَ الرُّهَاءِ، وَعَبَرَ إِلَى الشَّامِ فَمَلَكَ مَنْبِجَ وَحَلَبَ وَأَنْطَاكِيَّةَ، وَكَانَتْ أَفْضَلَ مَدَائِنِ الشَّامِ وَفَامِيَّةَ وَحِمْصَ وَمُدُنًا كَثِيرَةً مُتَاخِمَةً لِهَذِهِ الْمَدَائِنِ عَنْوَةً، وَاحْتَوَى كُلَّ مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْعُرُوضِ، وَسَبَى أَهْلَ مَدِينَةِ أَنْطَاكِيَّةَ وَنَقَلَهُمْ إِلَى أَرْضِ السَّوَادِ، وَأَمَرَ فَبُنِيَتْ لَهُمْ مَدِينَةٌ إِلَى جَانِبِ مَدِينَةِ طَيْسَفُونَ عَلَى بِنَاءِ مَدِينَةِ أَنْطَاكِيَّةَ وَأَسْكَنَهُمْ إِيَّاهَا، وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى الرُّومِيَّةُ، وَكَوَّرَ لَهَا خَمْسَةَ طَسَاسِيجَ: طَسُّوجُ النَّهْرَوَانِ الْأَعْلَى، وَطَسُّوجُ النَّهْرَوَانِ الْأَوْسَطُ، وَطَسُّوجُ النَّهْرَوَانِ الْأَسْفَلُ، وَطَسُّوجُ بَادَرَايَا، وَطَسُّوجُ بَاكُسَايَا، وَأَجْرَى عَلَى السَّبْيِ الَّذِينَ نَقَلَهُمْ إِلَيْهَا مِنْ أَنْطَاكِيَّةَ الْأَرْزَاقَ، وَوَلَّى الْقِيَامَ بِأَمْرِهِمْ رَجُلًا مِنْ نَصَارَى الْأَهْوَازِ لِيَسْتَأْنِسُوا بِهِ لِمُوَافَقَتِهِ عَلَى الدِّينِ. وَأَمَّا سَائِرُ مُدُنِ الشَّامِ وَمُضَرَ فَإِنَّ غَطْيَانُوسْ ابْتَاعَهَا مِنْ كِسْرَى بِأَمْوَالٍ عَظِيمَةٍ حَمَلَهَا إِلَيْهِ، وَضَمِنَ لَهُ فِدْيَةً يَحْمِلُهَا إِلَيْهِ كُلَّ سَنَةٍ عَلَى أَنْ لَا يَغْزُوَ بِلَادَهُ، فَكَانُوا يَحْمِلُونَهَا كُلَّ عَامٍ. وَسَارَ أَنُوشِرْوَانُ مِنَ الرُّومِ إِلَى الْخَزَرِ فَقَتَلَ مِنْهُمْ وَغَنِمَ وَأَخَذَ مِنْهُمْ بِثَأْرِ رَعِيَّتِهِ، ثُمَّ قَصَدَ الْيَمَنَ فَقَتَلَ فِيهَا وَغَنِمَ، وَعَادَ إِلَى الْمَدَائِنِ وَقَدْ مَلَكَ مَا دُونَ هِقْلَةَ وَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَحْرَيْنِ وَعُمَانَ. وَمَلَّكَ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ عَلَى الْحِيرَةِ وَأَكْرَمَهُ، وَسَارَ نَحْوَ الْهَيَاطِلَةِ لِيَأْخُذَ بِثَأْرِ جَدِّهِ فَيْرُوزَ، وَكَانَ أَنُوشِرْوَانُ قَدْ صَاهَرَ خَاقَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَدَخَلَ كِسْرَى بِلَادَهُمْ فَقَتَلَ مَلِكُهُمْ، وَاسْتَأْصَلَ أَهْلَ بَيْتِهِ، وَتَجَاوَزَ بَلْخَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَأَنْزَلَ جُنُودَهُ فَرْغَانَةَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَغَزَا الْبُرْجَانَ ثُمَّ رَجَعَ وَأَرْسَلَ جُنْدَهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَتَلُوا الْحَبَشَةَ وَمَلَكُوا الْبِلَادَ. وَكَانَ مُلْكُهُ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: سَبْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. وَكَانَ مَوْلِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي آخِرِ مُلْكِهِ.

стр. 396

وَقِيلَ: وُلِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَبُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً مَضَتْ مِنْ مُلْكِ أَنُوشِرْوَانَ، وَوُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ مِنْ مُلْكِهِ. قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: مَلَكَ الْعَرَبَ مِنْ قِبَلِ مُلُوكِ الْفُرْسِ بَعْدَ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَخُوهُ الْمُنْذِرُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ النُّعْمَانُ بْنُ الْأَسْوَدِ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ اسْتُخْلِفَ أَبُو يَعْفُرَ بْنُ عَلْقَمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَدِيٍّ اللَّخْمِيُّ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ الْمُنْذِرُ بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ الْبَدْءِ وَلُقِّبَ ذَا الْقَرْنَيْنِ لِضَفِيرَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ، وَأُمُّهُ مَاءُ السَّمَاءِ، وَهِيَ مَاوِيَّةُ ابْنَةُ عَمْرِو بْنِ جُشَمَ بْنِ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، تِسْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ عَمْرُو بْنُ الْمُنْذِرِ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً. قَالَ: وَلِثَمَانِي سِنِينَ وَثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ مِنْ وِلَايَتِهِ وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ وَذَلِكَ أَيَّامَ أَنُوشِرْوَانَ عَامَ الْفِيلِ. فَلَمَّا دَانَتْ لِكِسْرَى بِلَادُ الْيَمَنِ وَجَّهَ إِلَى سَرَنْدِيبَ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ، وَهِيَ أَرْضُ الْجَوْهَرِ، قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ مِنْ جُنْدٍ كَثِيفٍ، فَقَاتَلَ مَلِكَهَا، فَقَتَلَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَحَمَلَ إِلَى كِسْرَى مِنْهَا أَمْوَالًا عَظِيمَةً وَجَوَاهِرَ كَثِيرَةً. وَلَمْ يَكُنْ بِبِلَادِ فَارِسَ بَنَاتُ آوَى، فَجَاءَتْ إِلَيْهَا مِنْ بِلَادِ التُّرْكِ فِي مُلْكِ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ، فَشَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَأَحْضَرَ مُوبَذَانْ مُوبَذْ وَقَالَ لَهُ: قَدْ بَلَغَنَا تَسَاقُطُ هَذِهِ السِّبَاعِ إِلَى بِلَادِنَا وَقَدْ تَعَاظَمْنَا ذَلِكَ، فَأَخْبِرْنَا بِرَأْيِكَ فِيهَا. فَقَالَ: سَمِعْتُ فُقَهَاءَنَا يَقُولُونَ: مَتَى لَمْ يَغْلِبِ الْعَدْلُ الْجَوْرَ فِي الْبِلَادِ بَلْ جَارَ أَهْلُهَا، غَزَاهُمْ أَعْدَاؤُهُمْ وَأَتَاهُمْ مَا يَكْرَهُونَ. فَلَمْ يَلْبَثْ كِسْرَى أَنْ أَتَاهُ أَنَّ فِتْيَانًا مِنَ التُّرْكِ قَدْ غَزَوْا أَقْصَى بِلَادِهِ، فَأَمَرَ وُزَرَاءَهُ وَعُمَّالَهُ أَنْ

стр. 397

لَا يَتَعَدُّوا فِيمَا هُمْ بِسَبِيلِهِ الْعَدْلَ، وَلَا يَعْمَلُوا فِي شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا بِهِ، فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ، فَصَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ الْعَدُوَّ عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ. ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ أَنُوشِرْوَانُ بِأَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ كَانَتْ أَرْمِينِيَّةُ وَأَذْرَبِيجَانُ بَعْضُهَا لِلرُّومِ وَبَعْضُهَا لِلْخَزَرِ، فَبَنَى قُبَاذُ سُورًا مِمَّا يَلِي بَعْضَ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَمَلَكَ ابْنُهُ أَنُوشِرْوَانُ وَقَوِيَ أَمْرُهُ وَغَزَا فَرْغَانَةَ وَالْبُرْجَانَ، وَعَادَ بَنَى الشَّابَرَانَ وَمَدِينَةَ مَسْقَطَ وَمَدِينَةَ الْبَابِ وَالْأَبْوَابَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ أَبْوَابًا لِأَنَّهَا بُنِيَتْ عَلَى طَرِيقٍ فِي الْجَبَلِ، وَأَسْكَنَ الْمُدُنَ قَوْمًا سَمَّاهُمُ السَّيَاسَجِينَ، وَبَنَى غَيْرَ هَذِهِ الْمُدُنِ، وَبَنَى لِكُلِّ بَابٍ قَصْرًا مِنْ حِجَارَةٍ، وَبَنَى بِأَرْضِ جُرْزَانَ مَدِينَةَ سَغْدَبِيلَ وَأَنْزَلَهَا السُّغْدَ وَأَبْنَاءَ فَارِسَ، وَبَنَى بَابَ اللَّانِ، وَفَتَحَ جَمِيعَ مَا كَانَ بِأَرْضِ الرُّومِ مِنْ أَرْمِينِيَّةَ، وَعَمَّرَ مَدِينَةَ أَرْدَبِيلَ وَعِدَّةَ حُصُونٍ، وَكَتَبَ إِلَى مَلِكِ التُّرْكِ يَسْأَلُهُ الْمُوَادَعَةَ وَالِاتِّفَاقَ وَيَخْطُبُ إِلَيْهِ ابْنَتَهُ، وَرَغِبَ فِي صِهْرِهِ، وَتَزَوَّجَ كُلُّ وَاحِدٍ بِابْنَةِ الْآخَرِ. فَأَمَّا كِسْرَى فَإِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى خَاقَانَ مَلِكِ التُّرْكِ بِنْتًا كَانَتْ قَدْ تَبَنَّتْهَا بَعْضُ نِسَائِهِ وَذَكَرَ أَنَّهَا ابْنَتُهُ، وَأَرْسَلَ مَلِكُ التُّرْكِ ابْنَتَهُ، وَاجْتَمَعَا، فَأَمَرَ أَنُوشِرْوَانُ جَمَاعَةً مِنْ ثِقَاتِهِ أَنْ يَكْبِسُوا طَرَفًا مِنْ عَسْكَرِ التُّرْكِ وَيُحْرِقُوا فِيهِ، فَفَعَلُوا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا شَكَا مَلِكُ التُّرْكِ ذَلِكَ، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِلْمٌ بِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ بَعْدَ لَيَالٍ، فَضَجَّ التُّرْكِيُّ، فَرَفُقَ بِهِ أَنُوشِرْوَانُ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ أَنُوشِرْوَانُ أَنْ تُلْقَى النَّارُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ عَسْكَرِهِ فِيهَا أَكْوَاخٌ مِنْ حَشِيشٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ شَكَا إِلَى التُّرْكِيِّ، قَالَ: كَافَأْتَنِي بِالتُّهْمَةِ! فَحَلَفَ التُّرْكِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ أَنُوشِرْوَانُ لَهُ: إِنَّ جُنْدَنَا قَدْ كَرِهُوا صُلْحَنَا لِانْقِطَاعِ الْعَطَاءِ وَالْغَارَاتِ، وَلَا آمَنُ أَنْ يُحْدِثُوا حَدَثًا يُفْسِدُ قُلُوبَنَا فَنَعُودَ إِلَى الْعَدَاوَةِ، وَالرَّأْيُ أَنْ تَأْذَنَ لِي فِي بِنَاءِ سُورٍ يَكُونُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ نَجْعَلُ عَلَيْهِ أَبْوَابًا فَلَا يَدْخُلُ إِلَيْكَ إِلَّا مَنْ تُرِيدُهُ وَلَا يَدْخُلُ إِلَيْنَا إِلَّا مَنْ نُرِيدُهُ. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ. وَبَنَى أَنُوشِرْوَانُ السُّورَ مِنَ الْبَحْرِ وَأَلْحَقَهُ بِرُءُوسِ الْجِبَالِ، وَعَمِلَ عَلَيْهِ أَبْوَابَ الْحَدِيدِ وَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يَحْرُسُهُ. فَقِيلَ لِمَلِكِ التُّرْكِ: إِنَّهُ خَدَعَكَ وَزَوَّجَكَ غَيْرَ ابْنَتِهِ

стр. 398

وَتَحَصَّنَ مِنْكَ فَلَمْ تَقْدِرْ لَهُ عَلَى حِيلَةٍ. وَمَلَّكَ أَنُوشِرْوَانُ مُلُوكًا رَتَّبَهُمْ عَلَى النَّوَاحِي، فَمِنْهُمْ صَاحِبُ السَّرِيرِ، وَفِيلَانْ شَاهْ، وَاللَّكْزُ وَمَسْقَطُ وَغَيْرُهَا، وَلَمْ تَزَلْ أَرْمِينِيَّةُ بِأَيْدِي الْفُرْسِ حَتَّى ظَهَرَ الْإِسْلَامُ، فَرَفَضَ كَثِيرٌ مِنَ السَّيَاسَجِينُ حُصُونَهُمْ وَمَدَائِنَهُمْ حَتَّى خُرِّبَتْ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْخَزَرُ وَالرُّومُ، وَجَاءَ الْإِسْلَامُ وَهِيَ كَذَلِكَ. ذِكْرُ أَمْرِ الْفِيلِ لَمَا دَامَ مُلْكُ أَبْرَهَةَ بِالْيَمَنِ وَتَمَكَّنَ بِهِ، بَنَى الْقُلَّيْسَ بِصَنْعَاءَ، وَهِيَ كَنِيسَةٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا فِي زَمَانِهَا بِشَيْءٍ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى النَّجَاشِيِّ: إِنِّي قَدْ بَنَيْتُ لَكَ كَنِيسَةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا، وَلَسْتُ بِمُنْتَهٍ حَتَّى أَصْرِفَ إِلَيْهَا حَاجَّ الْعَرَبِ. فَلَمَّا تَحَدَّثَتِ الْعَرَبُ بِذَلِكَ غَضِبَ رَجُلٌ مِنَ النَّسَأَةِ مِنْ بَنِي فُقَيْمٍ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَاهَا فَقَعَدَ فِيهَا وَتَغَوَّطَ، ثُمَّ لَحِقَ بِأَهْلِهِ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ أَبْرَهَةُ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ فِعْلُ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، الَّذِي تَحُجُّهُ الْعَرَبُ بِمَكَّةَ، غَضِبَ لَمَّا سَمِعَ أَنَّكَ تُرِيدُ صَرْفَ الْحُجَّاجِ عَنْهُ فَفَعَلَ هَذَا. فَغَضِبَ أَبْرَهَةُ وَحَلَفَ لَيَسِيرَنَّ إِلَى الْبَيْتِ فَيَهْدِمَهُ، وَأَمَرَ الْحَبَشَةَ فَتَجَهَّزَتْ، وَخَرَجَ مَعَهُ بِالْفِيلِ وَاسْمُهُ مَحْمُودُ.

стр. 399

وَقِيلَ: كَانَ مَعَهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ فِيلًا وَهِيَ تَتْبَعُ مَحْمُودًا، وَإِنَّمَا وَحَّدَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - الْفِيلَ لِأَنَّهُ عَنَى بِهِ كَبِيرَهَا مَحْمُودًا، وَقِيلَ فِي عَدَدِهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ. فَلَمَّا سَارَ سَمِعَتِ الْعَرَبُ بِهِ، فَأَعْظَمُوهُ وَرَأَوْا جِهَادَهُ حَقًّا عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ ذُو نَفَرٍ وَقَاتَلَهُ، فَهُزِمَ ذُو نَفَرٍ وَأُخِذَ أَسِيرًا، فَأَرَادَ قَتْلَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ، ثُمَّ مَضَى عَلَى وَجْهِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ الْخَثْعَمِيُّ فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ نُفَيْلٌ وَأُخِذَ أَسِيرًا، فَضَمِنَ لِأَبْرَهَةَ أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ، فَتَرَكَهُ وَسَارَ حَتَّى إِذَا مَرَّ عَلَى الطَّائِفِ بَعَثَتْ مَعَهُ ثَقِيفٌ أَبَا رِغَالٍ يَدُلُّهُ عَلَى الطَّرِيقِ حَتَّى أَنْزَلَهُ بِالْمُغَمَّسِ، فَلَمَّا نَزَلَهُ مَاتَ أَبُو رِغَالٍ، فَرَجَمَتِ الْعَرَبُ قَبْرَهُ، فَهُوَ الْقَبْرُ الَّذِي يُرْجَمُ. وَبَعَثَ أَبْرَهَةُ الْأَسْوَدَ بْنَ مَقْصُودٍ إِلَى مَكَّةَ، فَسَاقَ أَمْوَالَ أَهْلِهَا وَأَصَابَ فِيهَا مِائَتَيْ بَعِيرٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ أَبْرَهَةُ حَنَاطَةَ الْحِمْيَرِيَّ إِلَى مَكَّةَ فَقَالَ: سَلْ عَنْ سَيِّدِ قُرَيْشٍ وَقُلْ لَهُ: إِنِّي لَمْ آتِ لِحَرْبِكُمْ إِنَّمَا جِئْتُ لِهَدْمِ هَذَا الْبَيْتِ، فَإِنْ لَمْ تَمْنَعُوا عَنْهُ فَلَا حَاجَةَ لِي بِقِتَالِكُمْ. فَلَمَّا بَلَّغَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ مَا أَمَرَهُ قَالَ لَهُ: وَاللَّهِ مَا نُرِيدُ حَرْبَهُ، هَذَا بَيْتُ اللَّهِ وَبَيْتُ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنْ يَمْنَعْهُ يَمْنَعْ بَيْتَهُ وَحَرَمَهُ، وَإِنْ يُخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَوَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا مِنْ دَفْعٍ، فَقَالَ لَهُ: انْطَلِقْ مَعِي إِلَى الْمَلِكِ. فَانْطَلَقَ مَعَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أَتَى الْعَسْكَرَ، فَسَأَلَ عَنْ ذِي نَفَرٍ، وَكَانَ لَهُ صَدِيقًا، فَدُلَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَحْبِسِهِ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ عِنْدَكَ غَنَاءٌ فِيمَا نَزَلَ بِنَا؟ فَقَالَ: وَمَا غَنَاءُ رَجُلٍ أَسِيرٍ بِيَدَيْ مَلِكٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَقْتُلَهُ؟ وَلَكِنْ أَنِيسٌ سَائِسُ الْفِيلِ صَدِيقٌ لِي فَأُوصِيهِ بِكَ وَأُعَظِّمُ حَقَّكَ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ لَكَ عَلَى الْمَلِكِ، فَتُكَلِّمَهُ بِمَا تُرِيدُ، وَيَشْفَعَ لَكَ عِنْدَهُ إِنْ قَدَرَ. قَالَ: حَسْبِي. فَبَعَثَ ذُو نَفَرٍ إِلَى أُنَيْسٍ، فَحَضَرَهُ وَأَوْصَاهُ بِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ سَيِّدُ قُرَيْشٍ. فَكَلَّمَ أُنَيْسٌ أَبْرَهَةَ وَقَالَ: هَذَا سَيِّدُ قُرَيْشٍ يَسْتَأْذِنُ، فَأَذِنَ لَهُ. وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ رَجُلًا عَظِيمًا وَسِيمًا، فَلَمَّا رَآهُ أَبْرَهَةُ أَجَلَّهُ وَأَكْرَمَهُ وَنَزَلَ

стр. 400

عَنْ سَرِيرِهِ إِلَيْهِ وَجَلَسَ مَعَهُ عَلَى بِسَاطٍ وَأَجْلَسَهُ إِلَى جَنْبِهِ وَقَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ مَا حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ لَهُ التُّرْجُمَانُ ذَلِكَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: حَاجَتِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ مِائَتَيْ بَعِيرٍ أَصَابَهَا لِي. فَقَالَ أَبْرَهَةُ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ قَدْ كُنْتَ أَعْجَبْتَنِي حِينَ رَأَيْتُكَ، ثُمَّ زَهِدْتُ فِيكَ حِينَ كَلَّمْتَنِي، أَتُكَلِّمُنِي فِي إِبِلِكَ، وَتَتْرُكُ بَيْتًا هُوَ دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ قَدْ جِئْتُ لِهَدْمِهِ؟ . قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: أَنَا رَبُّ الْإِبِلِ وَلِلْبَيْتِ رَبٌّ يَمْنَعُهُ. قَالَ: مَا كَانَ لِيَمْنَعَ مِنِّي، وَأَمَرَ بِرَدِّ إِبِلِهِ، فَلَمَّا أَخَذَهَا قَلَّدَهَا وَجَعَلَهَا هَدْيًا، وَبَثَّهَا فِي الْحَرَامِ لِكَيْ يُصَابَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَغْضَبَ اللَّهُ. وَانْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى قُرَيْشٍ وَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ مِنْ مَكَّةَ، وَالتَّحَرُّزِ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ خَوْفًا مِنْ مَعَرَّةِ الْجَيْشِ، ثُمَّ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَأَخَذَ بِحَلْقَةِ الْكَعْبَةِ، وَقَامَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَسْتَنْصِرُونَهُ عَلَى أَبْرَهَةَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ آخِذٌ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ: يَا رَبِّ لَا أَرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا ... يَا رَبِّ فَامْنَعْ مِنْهُمُ حِمَاكَا. إِنَّ عَدُوَّ الْبَيْتِ مَنْ عَادَاكَا امْنَعْهُمْ أَنْ يُخَرِّبُوا قُرَاكَا. وَقَالَ أَيْضًا: لَاهُمَّ إِنَّ الْعَبْدَ يَمْنَعُ ... رَحْلَهُ فَامْنَعْ حَلَالَكْ لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ ... وَمِحَالُهُمْ غَدْرًا مِحَالَكْ

стр. 401

وَلَئِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّهُ أَمْرٌ تُتِمُّ بِهِ فِعَالَكْ ... أَنْتَ الَّذِي إِنْ جَاءَ بَا غٍ نَرْتَجِيكَ لَهُ كَذَلِكْ ... وَلَّوْا وَلَمْ يَحْوُوا سِوَى خِزْيٍ وَتُهْلِكُهُمْ هُنَالِكْ ... لَمْ أَسْتَمِعْ يَوْمًا بِأَرْجَسَ مِنْهُمُ يَبْغُوا قِتَالَكْ ... جَرُّوا جُمُوعَ بِلَادِهِمْ وَالْفِيلَ كَيْ يَسْبُوا عِيَالَكْ ... عَمَدُوا حِمَاكَ بِكَيْدِهِمْ جَهْلًا وَمَا رَقَبُوا جَلَالَكْ ثُمَّ أَرْسَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَلْقَةَ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَانْطَلَقَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى شَعَفِ الْجِبَالِ، فَتَحَرَّزُوا بِهَا يَنْتَظِرُونَ مَا يَفْعَلُ أَبْرَهَةُ بِمَكَّةَ إِذَا دَخَلَ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبْرَهَةُ تَهَيَّأَ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَهَيَّأَ فِيلَهُ، وَكَانَ اسْمُهُ مَحْمُودًا، وَأَبْرَهَةُ مُجْمِعٌ لِهَدْمِ الْبَيْتِ وَالْعَوْدِ إِلَى الْيَمَنِ، فَلَمَّا وَجَّهُوا الْفِيلَ أَقْبَلَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ الْخَثْعَمِيُّ فَمَسَكَ بِأُذُنِهِ وَقَالَ: ارْجِعْ مَحْمُودُ، ارْجِعْ رَاشِدًا مِنْ حَيْثُ جِئْتَ فَإِنَّكَ فِي بَلَدِ اللَّهِ الْحَرَامِ! ثُمَّ أَرْسَلَ أُذُنَهُ، فَأَلْقَى الْفِيلُ نَفْسَهُ إِلَى الْأَرْضِ وَاشْتَدَّ نُفَيْلٌ فَصَعِدَ الْجَبَلَ، فَضَرَبُوا الْفِيلَ، فَأَبَى، فَوَجَّهُوهُ رَاجِعًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَامَ يُهَرْوِلُ، وَوَجَّهُوهُ إِلَى الشَّامِ فَفَعَلَ كَذَلِكَ، وَوَجَّهُوهُ إِلَى الْمَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَوَجَّهُوهُ إِلَى مَكَّةَ فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ. وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ مِنَ الْبَحْرِ، أَمْثَالَ الْخَطَاطِيفِ، مَعَ كُلِّ طَيْرٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ تَحْمِلُهَا، حَجَرٌ فِي مِنْقَارِهِ وَحَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ، فَقَذَفَتْهُمْ بِهَا وَهِيَ مِثْلُ الْحِمَّصِ وَالْعَدَسِ لَا تُصِيبُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا هَلَكَ، وَلَيْسَ كُلُّهُمْ أَصَابَتْ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ سَيْلًا أَلْقَاهُمْ فِي الْبَحْرِ وَخَرَجَ مَنْ سَلِمَ مَعَ أَبْرَهَةَ هَارِبًا يَبْتَدِرُونَ الطَّرِيقَ الَّذِي جَاءُوا مِنْهُ وَيَسْأَلُونَ عَنْ نُفَيْلِ بْنِ حَبِيبٍ لِيَدُلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ نُفَيْلٌ حِينَ رَأَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ نِقْمَتِهِ: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبْ ... وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ غَيْرُ الْغَالِبْ وَقَالَ أَيْضًا:

стр. 402

أَلَا حُيِّيتَ عَنَّا يَا رُدَيْنَا ... نَعِمْنَاكُمْ مِعَ الْإِصْبَاحِ عَيْنَا أَتَانَا قَابِسٌ مِنْكُمْ عِشَاءً ... فَلَمْ يُقْدَرْ لِقَابِسِكُمْ لَدَيْنَا رُدَيْنَةُ لَوْ رَأَيْتِ وَلَمْ تَرَيْهِ ... لَدَى جَنْبِ الْمُحَصَّبِ مَا رَأَيْنَا إِذًا لَعَذَرْتِنِي وَحَمِدْتِ رَأْيِي ... وَلَمْ تَأْسَيْ لِمَا قَدْ فَاتَ بَيْنَا حَمِدْتُ اللَّهَ إِذْ عَايَنْتُ طَيْرًا ... وَخِفْتُ حِجَارَةً تُلْقَى عَلَيْنَا وَكُلُّ الْقَوْمِ يَسْأَلُ عَنْ نُفَيْلٍ ... كَأَنَّ عَلَيَّ لِلْحُبْشَانِ دَيْنَا وَأُصِيبَ أَبْرَهَةُ فِي جَسَدِهِ فَسَقَطَتْ أَعْضَاؤُهُ عُضْوًا عُضْوًا، حَتَّى قَدِمُوا بِهِ صَنْعَاءَ وَهُوَ مِثْلُ الْفَرْخِ، فَمَا مَاتَ حَتَّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ. فَلَمَّا هَلَكَ مَلَكَ ابْنُهُ يَكْسُومُ بْنُ أَبْرَهَةَ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، وَذَلَّتْ حِمْيَرُ وَالْيَمَنُ لَهُ، وَنَكَحَتِ الْحَبَشَةُ نِسَاءَهُمْ وَقَتَلُوا رِجَالَهُمْ وَاتَّخَذُوا أَبْنَاءَهُمْ تَرَاجِمَةً بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَرَبِ. وَلَمَّا أَهْلَكَ اللَّهُ الْحَبَشَةَ، وَعَادَ مَلِكُهُمْ وَمَعَهُ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ، وَنَزَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مِنَ الْغَدِ إِلَيْهِمْ لِيَنْظُرَ مَا يَصْنَعُونَ وَمَعَهُ أَبُو مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ لَمْ يَسْمَعَا حِسًّا، فَدَخَلَا مُعَسْكَرَهُمْ فَرَأَيَا الْقَوْمَ هَلْكَى، فَاحْتَفَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حُفْرَتَيْنِ مَلْأَهُمَا ذَهَبًا وَجَوْهَرًا لَهُ وَلِأَبِي مَسْعُودٍ وَنَادَى فِي النَّاسِ، فَتَرَاجَعُوا فَأَصَابُوا مِنْ فَضْلِهِمَا شَيْئًا كَثِيرًا، فَبَقِيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي غِنًى مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ حَتَّى مَاتَ. وَبَعَثَ اللَّهُ السَّيْلَ فَأَلْقَى الْحَبَشَةَ فِي الْبَحْرِ، وَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ الْحَبَشَةَ عَنِ الْكَعْبَةِ

стр. 403

وَأَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ عَظَّمَتِ الْعَرَبُ قُرَيْشًا، وَقَالُوا: أَهْلُ اللَّهِ قَاتَلَ عَنْهُمْ. ثُمَّ مَاتَ يَكْسُومُ وَمَلَكَ بَعْدَهُ أَخُوهُ مَسْرُوقٌ. ذِكْرُ عَوْدِ الْيَمَنِ إِلَى حِمْيَرَ وَإِخْرَاجِ الْحَبَشَةِ عَنْهُ لَمَّا هَلَكَ يَكْسُومُ مَلَكَ الْيَمَنَ أَخُوهُ مَسْرُوقُ بْنُ أَبْرَهَةُ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ وَهْرِزُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ خَرَجَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنٍ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو مُرَّةَ، وَقِيلَ: كُنْيَةُ ذِي يَزَنٍ أَبُو مُرَّةَ، حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَيْصَرَ، وَتَنَكَّبَ كِسْرَى لِإِبْطَائِهِ عَنْ نَصْرِ أَبِيهِ، فَإِنَّهُ كَانَ قَصَدَ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ لَمَّا أُخِذَتْ زَوْجَتُهُ يَسْتَنْصِرُهُ عَلَى الْحَبَشَةِ، فَوَعَدَهُ، فَأَقَامَ ذُو يَزَنٍ عِنْدَهُ، فَمَاتَ عَلَى بَابِهِ. وَكَانَ ابْنُهُ سَيْفٌ مَعَ أُمِّهِ فِي حِجْرِ أَبْرَهَةَ، وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَسَبَّهُ وَلَدُ أَبْرَهَةَ وَسَبَّ أَبَاهُ فَسَأَلَ أُمَّهُ عَنْ أَبِيهِ فَأَعْلَمَتْهُ خَبَرَهُ بَعْدَ مُرَاجَعَةٍ بَيْنَهُمَا، فَأَقَامَ حَتَّى مَاتَ أَبْرَهَةُ وَابْنُهُ يَكْسُومُ. ثُمَّ سَارَ إِلَى الرُّومِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَ مَلِكِهِمْ مَا يُحِبُّ لِمُوَافَقَتِهِ الْحَبَشَةَ فِي الدِّينِ، فَعَادَ إِلَى كِسْرَى، فَاعْتَرَضَهُ يَوْمًا وَقَدْ رَكِبَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ لِي عِنْدَكَ مِيرَاثًا، فَدَعَا بِهِ كِسْرَى لَمَّا نَزَلَ فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ وَمَا مِيرَاثُكَ؟ قَالَ: أَنَا ابْنُ الشَّيْخِ الْيَمَانِيِّ الَّذِي وَعَدْتَهُ النُّصْرَةَ فَمَاتَ بِبَابِكَ، فَتِلْكَ الْعِدَةُ حَقٌّ لِي وَمِيرَاثٌ. فَرَقَّ كِسْرَى لَهُ وَقَالَ لَهُ: بَعُدَتْ بِلَادُكَ عَنَّا وَقَلَّ خَيْرُهَا وَالْمَسْلَكُ إِلَيْهَا وَعْرٌ وَلَسْتُ أُغَرِّرُ بِجَيْشِي. وَأَمَرَ لَهُ بِمَالٍ، فَخَرَجَ وَجَعَلَ يَنْثُرُ الدَّرَاهِمَ، فَانْتَهَبَهَا النَّاسُ، فَسَمِعَ كِسْرَى فَسَأَلَهُ مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: لَمْ آتِكَ لِلْمَالِ وَإِنَّمَا جِئْتُكَ لِلرِّجَالِ وَلِتَمْنَعَنِي مِنَ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ، وَإِنَّ جِبَالَ بِلَادِنَا ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ. فَأُعْجِبَ كِسْرَى بِقَوْلِهِ وَقَالَ: يَظُنُّ الْمِسْكِينُ أَنَّهُ أَعْرَفُ بِبِلَادِهِ مِنِّي، وَاسْتَشَارَ وُزَرَاءَهُ فِي تَوْجِيهِ الْجُنْدِ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوبَذَانْ مُوبَذْ: أَيُّهَا الْمَلِكُ: إِنَّ لِهَذَا الْغُلَامِ حَقًّا بِنُزُوعِهِ إِلَيْكَ وَمَوْتِ أَبِيهِ بِبَابِكَ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ عِدَتِهِ بِالنُّصْرَةِ، وَفِي سُجُونِكَ رِجَالٌ ذَوُو نَجْدَةٍ وَبَأْسٍ فَلَوْ أَنَّ الْمَلِكَ وَجَّهَهُمْ مَعَهُ فَإِنْ أَصَابُوا ظَفَرًا كَانَ لِلْمَلِكِ، وَإِنْ هَلَكُوا فَقَدِ اسْتَرَاحَ وَأَرَاحَ أَهْلَ مَمْلَكَتِهِ مِنْهُمْ. فَقَالَ كِسْرَى: هَذَا الرَّأْيُ. فَأَمَرَ بِمَنْ فِي السُّجُونِ، فَأُحْضِرُوا، فَكَانُوا ثَمَانِمِائَةٍ، فَقَوَّدَ عَلَيْهِمْ قَائِدًا مِنْ أَسَاوِرَتِهِ يُقَالُ لَهُ وَهْرِزُ.

стр. 404

وَقِيلَ: بَلْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّجُونِ سَخِطَ عَلَيْهِ كِسْرَى لِحَدَثٍ أَحْدَثَهُ فَحَبَسَهُ، وَكَانَ يَعْدِلُهُ بِأَلْفِ أَسْوَارٍ، وَأَمَرَ بِحَمْلِهِمْ فِي ثَمَانِي سُفُنٍ، فَرَكِبُوا الْبَحْرَ، فَغَرِقَتْ سَفِينَتَانِ وَخَرَجُوا بِسَاحِلِ حَضْرَمَوْتَ، وَلَحِقَ بِابْنِ ذِي يَزَنٍ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ مَسْرُوقٌ فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْحَبَشَةِ وَحِمْيَرَ وَالْأَعْرَابِ، وَجَعَلَ وَهْرِزُ الْبَحْرَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَأَحْرَقَ السُّفُنَ لِئَلَّا يَطْمَعَ أَصْحَابُهُ فِي النَّجَاةِ، وَأَحْرَقَ كُلَّ مَا مَعَهُمْ مِنْ زَادٍ وَكِسْوَةٍ إِلَّا مَا أَكَلُوا وَمَا عَلَى أَبْدَانِهِمْ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّمَا أَحْرَقْتُ ذَلِكَ لِئَلَّا يَأْخُذَهُ الْحَبَشَةُ إِنْ ظَفِرُوا بِكُمْ، وَإِنْ نَحْنُ ظَفِرْنَا بِهِمْ فَسَنَأْخُذُ أَضْعَافَهُ، فَإِنْ كُنْتُمْ تُقَاتِلُونَ مَعِي وَتَصْبِرُونَ أَعْلَمْتُمُونِي ذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتُمْ لَا تَفْعَلُونَ اعْتَمَدْتُ عَلَى سَيْفِي حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي، فَانْظُرُوا مَا حَالُكُمْ إِذَا فَعَلَ رَئِيسُكُمْ هَذَا بِنَفْسِهِ. قَالُوا: بَلْ نُقَاتِلُ مَعَكَ حَتَّى نَمُوتَ أَوْ نَظْفَرَ. وَقَالَ لِسَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنٍ: مَا عِنْدَكَ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ مِنْ رَجُلٍ عَرَبِيٍّ وَسَيْفٍ عَرَبِيٍّ، ثُمَّ أَجْعَلُ رَجُلِي مَعَ رَجُلِكَ حَتَّى نَمُوتَ جَمِيعًا أَوْ نَظْفَرَ جَمِيعًا. قَالَ: أَنْصَفْتَ. فَجَمَعَ إِلَيْهِ سَيْفٌ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْ قَوْمِهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَحِقَهُ السَّكَاسِكَ مِنْ كِنْدَةَ، وَسَمِعَ بِهِمْ مَسْرُوقُ بْنُ أَبْرَهَةَ فَجَمَعَ إِلَيْهِ جُنْدَهُ، فَعَبَّأَ وَهْرِزُ أَصْحَابَهُ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُوتِرُوا قِسِيَّهُمْ، وَقَالَ: إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالرَّمْيِ فَارْمُوا رَشْقًا. وَأَقْبَلَ مَسْرُوقٌ فِي جَمْعٍ لَا يُرَى طَرَفَاهُ، وَهُوَ عَلَى فِيلٍ، وَعَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ، وَبَيْنَ عَيْنَيْهِ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ مِثْلُ الْبَيْضَةِ لَا يَرَى دُونَ الظَّفَرِ شَيْئًا. وَكَانَ وَهْرِزُ كَلَّ بَصَرُهُ، فَقَالَ: أَرُونِي عَظِيمَهُمْ. فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُ الْفِيلِ، ثُمَّ رَكِبَ فَرَسًا، فَقَالُوا: رَكِبَ فَرَسًا، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى بَغْلَةٍ، فَقَالَ وَهْرِزُ: ذَلَّ وَذَلَّ مُلْكُهُ! وَقَالَ وَهْرِزُ: ارْفَعُوا لِي حَاجِبِي، وَكَانَ قَدْ سَقَطَا عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ، فَرَفَعُوهُمَا لَهُ بِعِصَابَةٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَشَّابَةً فِي كَبِدِ فَرَسِهِ وَقَالَ: أَشِيرُوا إِلَى مَسْرُوقٍ، فَأَشَارُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ: سَأَرْمِيهِ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَصْحَابَهُ وُقُوفًا لَمْ يَتَحَرَّكُوا فَاثْبُتُوا حَتَّى أُؤْذِنَكُمْ، فَإِنِّي قَدْ أَخْطَأْتُ الرَّجُلَ، وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ قَدِ اسْتَدَارُوا وَلَاثُوا بِهِ فَقَدْ أَصَبْتُهُ فَاحْمِلُوا عَلَيْهِمْ. ثُمَّ رَمَاهُ فَأَصَابَ السَّهْمَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَرَمَى أَصْحَابُهُ، فَقُتِلَ مَسْرُوقٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَاسْتَدَارَتِ الْحَبَشَةُ بِمَسْرُوقٍ وَقَدْ سَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ، وَحَمَلَتِ الْفُرْسُ عَلَيْهِمْ

стр. 405

فَلَمْ يَكُنْ دُونَ الْهَزِيمَةِ شَيْءٌ، وَغَنِمَ الْفُرْسُ مِنْ عَسْكَرِهِمْ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُحْصَى. وَقَالَ وَهْرِزُ: كُفُّوا عَنِ الْعَرَبِ وَاقْتُلُوا السُّودَانَ وَلَا تُبْقُوا مِنْهُمْ أَحَدًا. وَهَرَبَ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ الْتَفَتَ فَرَأَى فِي جُعْبَتِهِ نَشَّابَةً فَقَالَ: لِأُمِّكَ الْوَيْلُ! أَبُعْدٌ أَمْ طُولُ مَسِيرٍ! . وَسَارَ وَهْرِزُ حَتَّى دَخَلَ صَنْعَاءَ وَغَلَبَ عَلَى بِلَادِ الْيَمَنِ وَأَرْسَلَ عُمَّالَهُ فِي الْمَخَالِيفِ. وَكَانَ مُدَّةُ مُلْكِ الْحَبَشَةِ الْيَمَنَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً، تَوَارَثَ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ مُلُوكٍ: أَرْيَاطُ، ثُمَّ أَبْرَهَةُ، ثُمَّ ابْنُهُ يَكْسُومُ، ثُمَّ مَسْرُوقُ بْنُ أَبْرَهَةَ، وَقِيلَ: كَانَ مُلْكُهُمْ نَحْوًا مِنْ مِائَتَيْ سَنَةٍ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. فَلَمَّا مَلَكَ وَهْرِزُ الْيَمَنَ، أَرْسَلَ إِلَى كِسْرَى يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَمْوَالٍ، وَكِتَبَ إِلَيْهِ كِسْرَى يَأْمُرُهُ أَنْ يُمَلِّكَ سَيْفَ بْنَ ذِي يَزَنٍ - وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: مَعْدِي كَرِبَ بْنَ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنٍ - عَلَى الْيَمَنِ وَأَرْضِهَا، وَفَرَضَ عَلَيْهِ كِسْرَى جِزْيَةً وَخَرَاجًا مَعْلُومًا فِي كُلِّ عَامٍ، فَمَلَّكَهُ وَهْرِزُ وَانْصَرَفَ إِلَى كِسْرَى، وَأَقَامَ سَيْفٌ عَلَى الْيَمَنِ مَلِكًا يَقْتُلُ الْحَبَشَةَ، وَيَبْقُرُ بُطُونَ الْحَبَالَى عَنِ الْحَمْلِ، وَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلَ جَعَلَهُمْ خَوَلًا، فَاتَّخَذَ مِنْهُمْ جَمَّازِينَ يَسْعَوْنَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالْحِرَابِ، فَمَكَثَ غَيْرَ كَثِيرٍ، ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا وَالْحَبَشَةُ يَسْعَوْنَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِحِرَابِهِمْ فَضَرَبُوهُ بِالْحِرَابِ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَكَانَ مُلْكُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَوَثَبَ بِهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْحَبَشَةِ فَقَتَلَ بِالْيَمَنِ وَأَفْسَدَ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ كِسْرَى بَعَثَ إِلَيْهِمْ وَهْرِزَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ، وَأَمَرَهُ أَلَّا يَتْرُكَ بِالْيَمَنِ أَسْوَدَ وَلَا وَلَدَ عَرَبِيَّةٍ مِنْ أَسْوَدَ إِلَّا قَتَلَهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، وَلَا يَدَعَ رَجُلًا جَعْدًا قَطُّ شَرَكَ فِيهِ السُّودَانُ إِلَّا

стр. 406

قَتَلَهُ، وَأَقْبَلَ حَتَّى دَخَلَ الْيَمَنَ فَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ، وَكَتَبَ إِلَى كِسْرَى يُخْبِرُهُ، فَأَقَرَّهُ عَلَى مُلْكِ الْيَمَنِ، فَكَانَ يَجْبِيهَا لِكِسْرَى حَتَّى هَلَكَ، وَأَمَّرَ بَعْدَهُ كِسْرَى ابْنَهُ الْمَرْزُبَانَ بْنَ وَهْرِزَ حَتَّى هَلَكَ، ثُمَّ أَمَّرَ بَعْدَهُ كِسْرَى التَّيْنَجَانَ بْنَ الْمَرْزُبَانِ، ثُمَّ أَمَّرَ بَعْدَهُ خَرَّ خِسْرَهْ بْنَ التَّيْنَجَانِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ. ثُمَّ إِنَّ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ غَضِبَ عَلَيْهِ فَأَحْضَرَهُ مِنَ الْيَمَنِ، فَلَمَّا قَدِمَ تَلَقَّاهُ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْفُرْسِ فَأَلْقَى عَلَيْهِ سَيْفًا كَانَ لِأَبِي كِسْرَى، فَأَجَارَهُ كِسْرَى بِذَلِكَ مِنَ الْقَتْلِ وَعَزَلَهُ عَنِ الْيَمَنِ، وَبَعَثَ بَاذَانَ إِلَى الْيَمَنِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ . وَقِيلَ: إِنَّ أَنُوشِرْوَانَ اسْتَعْمَلَ بَعْدَ وَهْرِزَ زَرِينَ، وَكَانَ مُسْرِفًا، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ قَتَلَ قَتِيلًا ثُمَّ سَارَ بَيْنَ أَوْصَالِهِ، فَمَاتَ أَنُوشِرْوَانُ وَهُوَ عَلَى الْيَمَنِ، فَعَزَلَهُ ابْنُهُ هُرْمُزُ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي وُلَاةِ الْيَمَنِ لِلْأَكَاسِرَةِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا لَمْ أَرَ لِذِكْرِهِ فَائِدَةً. ذِكْرُ مَا أَحْدَثَهُ قُرَيْشٌ بَعْدَ الْفِيلِ لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ أَصْحَابِ الْفِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ عَظُمَتْ قُرَيْشٌ عِنْدَ الْعَرَبِ، فَقَالُوا لَهُمْ: أَهْلُ اللَّهِ وَقَطَنُهُ يُحَامِي عَنْهُمْ، فَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ بَيْنَهَا وَقَالُوا: نَحْنُ بَنُو إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَأَهْلُ الْحَرَمِ وَوُلَاةُ الْبَيْتِ وَقَاطِنُو مَكَّةَ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ مِثْلُ مَنْزِلَتِنَا، وَلَا يَعْرِفُ الْعَرَبُ لِأَحَدٍ مِثْلَ مَا يُعْرَفُ لَنَا، فَهَلُمُّوا فَلْنَتَّفِقْ عَلَى ائْتِلَافٍ أَنَّنَا لَا نُعَظِّمُ شَيْئًا مِنَ الْحِلِّ كَمَا يُعَظَّمُ الْحَرَمُ، فَإِنَّنَا إِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ اسْتَخَفَّتِ الْعَرَبُ بِنَا وَبِحَرَمِنَا وَقَالُوا: قَدْ عَظَّمَتْ قُرَيْشٌ مِنَ الْحِلِّ مِثْلَ مَا عَظَّمَتْ مِنَ الْحَرَمِ، فَتَرَكُوا الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ وَالْإِفَاضَةَ مِنْهَا، وَهُمْ يَعْرِفُونَ وَيُقِرُّونَ أَنَّهَا مِنَ الْمَشَاعِرِ وَالْحَجِّ وَدِينِ إِبْرَاهِيمَ، وَيَرَوْنَ لِسَائِرِ الْعَرَبِ أَنْ

стр. 407

يَقِفُوا عَلَيْهَا وَأَنْ يُفِيضُوا مِنْهَا. وَقَالُوا: نَحْنُ أَهْلُ الْحَرَمِ فَلَا نُعَظِّمُ غَيْرَهُ، وَنَحْنُ الْحُمُسُ، وَأَصْلُ الْحَمَاسَةِ الشِّدَّةُ أَنَّهُمْ تَشَدَّدُوا فِي دِينِهِمْ، وَجَعَلُوا لِمَنْ وَلَدَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ سَاكِنِي الْحِلِّ مِثْلَ مَا لَهُمْ بِوِلَادَتِهِمْ، وَدَخَلَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ كِنَانَةُ وَخُزَاعَةُ وَعَامِرٌ لِوِلَادَةٍ لَهُمْ، ثُمَّ ابْتَدَعُوا فَقَالُوا: لَا يَنْبَغِي لِلْحُمُسِ أَنْ يَعْمَلُوا الْأَقِطَ، وَلَا يَسْلُأُوا السَّمْنَ وَهُمْ حُرُمٌ، وَلَا يَدْخُلُوا بَيْتًا مِنْ شَعْرٍ، وَلَا يَسْتَظِلُّوا إِلَّا بُيُوتَ الْأُدُمِ مَا كَانُوا حُرُمًا. وَقَالُوا: وَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْحِلِّ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ طَعَامٍ جَاءُوا بِهِ مَعَهُمْ مِنَ الْحِلِّ فِي الْحَرَامِ إِذَا جَاءُوا حُجَّاجًا أَوْ عُمَّارًا، وَلَا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ طَوَافَهُمْ إِذَا قَدِمُوا إِلَّا فِي ثِيَابِ الْحُمُسِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا طَافُوا بِالْبَيْتِ عُرَاةً، فَإِنْ أَنِفَ أَحَدٌ مِنْ عُظَمَائِهِمْ أَنْ يَطُوفَ عُرْيَانًا إِذَا لَمْ يَجِدْ ثِيَابَ الْحُمُسِ فَطَافَ فِي ثِيَابِهِ أَلْقَاهَا إِذَا فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ وَلَا يَمَسُّهَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ غَيْرُهُ، وَكَانُوا يُسَمُّونَهَا اللِّقَى. فَدَانَتِ الْعَرَبُ لَهُمْ بِذَلِكَ، فَكَانُوا يَطُوفُونَ كَمَا شَرَعُوا لَهُمْ، وَيَتْرُكُونَ أَزْوَادَهُمُ الَّتِي جَاءُوا بِهَا مِنَ الْحِلِّ، وَيَشْتَرُونَ مِنْ طَعَامِ الْحَرَمِ وَيَأْكُلُونَهُ. هَذَا فِي الرِّجَالِ. وَأَمَّا النِّسَاءُ فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَضَعُ ثِيَابَهَا كُلَّهَا إِلَّا دِرْعَهَا مُفْرَجًا ثُمَّ تَطُوفُ فِيهِ وَتَقُولُ: الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أَحِلُّهُ فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهَ مُحَمَّدًا ﷺ فَنَسَخَهُ، فَأَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَطَافَ الْحُجَّاجُ بِالثِّيَابِ الَّتِي مَعَهُمْ مِنَ الْحِلِّ، وَأَكَلُوا مِنْ طَعَامِ الْحِلِّ، فِي الْحَرَمِ أَيَّامَ الْحَجِّ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩] ، أَرَادَ بِالنَّاسِ الْعَرَبَ، أَمَرَ قُرَيْشًا أَنْ يُفِيضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي اللِّبَاسِ وَالطَّعَامِ الَّذِي مِنَ الْحِلِّ وَتَرْكَهُمْ إِيَّاهُ فِي الْحَرَمِ: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الأعراف: ٣١]- إِلَى قَوْلِهِ -: (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) . ذِكْرُ حِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ وَالْأَحْلَافِ

стр. 408

قَدْ ذَكَرْنَا مَا كَانَ قُصَيٌّ أَعْطَى وَلَدَهُ عَبْدَ الدَّارِ مِنَ الْحِجَابَةِ وَالسِّقَايَةِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّدْوَةِ وَاللِّوَاءِ، ثُمَّ إِنَّ هَاشِمًا وَعَبْدَ شَمْسٍ وَالْمُطَّلِبَ وَنَوْفَلًا بَنِي عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ رَأَوْا أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ لِشَرَفِهِمْ عَلَيْهِمْ وَلِفَضْلِهِمْ فِي قَوْمِهِمْ، وَأَرَادُوا أَخْذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَتَفَرَّقَتْ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْشٌ، كَانَتْ طَائِفَةٌ مَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَطَائِفَةٌ مَعَ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ مَا كَانَ قُصَيٌّ جَعَلَهُ لَهُمْ ; إِذْ كَانَ أَمْرُ قُصَيٍّ فِيهِمْ شَرْعًا مُتَّبَعًا مَعْرِفَةً مِنْهُمْ لِفَضْلِهِ تَيَمُّنًا بِأَمْرِهِ. وَكَانَ صَاحِبُ أَمْرِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ الَّذِي قَامَ فِي الْمَنْعِ عَنْهُمْ عَامِرُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، فَاجْتَمَعَ بَنُو أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، وَبَنُو زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ، وَبَنُو تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ، وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ مَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَاجْتَمَعَ بَنُو مَخْزُومٍ، وَبَنُو سَهْمٍ، وَبَنُو جُمَحٍ، وَبَنُو عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ مَعَ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَخَرَجَتْ عَامِرُ بْنُ لُؤَيٍّ وَمُحَارِبُ بْنُ فِهْرٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَكُونُوا مَعَ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ، وَعَقَدَ كُلُّ طَائِفَةٍ بَيْنَهُمْ حِلْفًا مُؤَكَّدًا عَلَى أَنْ لَا يَتَخَاذَلُوا وَلَا يُسْلِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مَا بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً، فَأَخْرَجَتْ بَنُو عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً طِيبًا، قِيلَ: إِنَّ بَعْضَ نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَخْرَجَتْهَا لَهُمْ، فَوَضَعُوهَا فِي الْمَسْجِدِ وَغَمَسُوا أَيْدِيَهُمْ فِيهَا وَتَعَاهَدُوا وَتَعَاقَدُوا، وَمَسَحُوا الْكَعْبَةَ بِأَيْدِيهِمْ تَوْكِيدًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَسُمُّوا بِذَلِكَ الْمُطَيَّبِينَ. وَتَعَاقَدَ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْقَبَائِلِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ عَلَى أَنْ لَا يَتَخَاذَلُوا وَلَا يُسْلِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَسُمُّوا الْأَحْلَافَ، ثُمَّ تَصَافُّوا لِلْقِتَالِ وَأَجْمَعُوا عَلَى الْحَرْبِ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ تَدَاعَوْا لِلصُّلْحِ، عَلَى أَنْ يُعْطُوا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ، وَأَنْ تَكُونَ الْحِجَابَةُ وَاللِّوَاءُ وَالنَّدْوَةُ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَاصْطَلَحُوا وَرَضِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ بِذَلِكَ وَتَحَاجَزُوا عَنِ الْحَرْبِ، وَثَبَتَ كُلُّ قَوْمٍ مَعَ مَنْ حَالَفُوا حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَزِدْهُ إِلَّا شِدَّةً

стр. 409

وَلَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ» ) . فَوَلِيَ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ لِأَنَّ عَبْدَ شَمْسٍ كَانَ كَثِيرَ الْأَسْفَارِ قَلِيلَ الْمَالِ كَثِيرَ الْعِيَالِ، وَكَانَ هَاشِمٌ مُوسِرًا جَوَادًا. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَذْكُرَ هَذَا قَبْلَ الْفِيلِ وَمَا أَحْدَثَهُ قُرَيْشٌ، وَإِنَّمَا أَخَّرْنَاهُ لِلُزُومِ تِلْكَ الْحَوَادِثِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ. ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ كِسْرَى فِي أَمْرِ الْخَرَاجِ وَالْجُنْدِ كَانَ مُلُوكُ الْفُرْسِ يَأْخُذُونَ مِنْ غَلَّاتِ كُوَرِهِمْ قَبْلَ مُلْكِ كِسْرَى الْخُمُسَ وَالسُّدُسَ، عَلَى قَدْرِ شَرْبِهَا وَعِمَارَتِهَا، وَمِنَ الْجِزْيَةِ شَيْئًا مَعْلُومًا، فَأَمَرَ الْمَلِكُ قُبَاذُ بِمَسْحِ الْأَرَضِينَ لِيَصِحَّ الْخَرَاجُ عَلَيْهَا، فَمَاتَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا مَلَكَ أَنُوشِرْوَانُ أَمَرَ بِاسْتِتْمَامِ ذَلِكَ، وَوَضَعَ الْخَرَاجَ عَلَى الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْكَرْمِ وَالرُّطَبِ وَالنَّخْلِ وَالزَّيْتُونِ وَالْأَرْزِ، عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ شَيْئًا مَعْلُومًا، وَيُؤْخَذُ فِي السَّنَةِ فِي ثَلَاثِ أَنْجُمٍ، وَهِيَ الْوَضَائِعُ الَّتِي اقْتَدَى بِهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. وَكَتَبَ كِسْرَى إِلَى الْقُضَاةِ فِي الْبِلَادِ نُسْخَةً بِالْخَرَاجِ، لِيَمْتَنِعَ الْعُمَّالُ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ أَنْ يُوضَعَ عَمَّنْ أَصَابَتْ غَلَّتَهُ جَائِحَةٌ بِقَدْرِ جَائِحَتِهِ، وَأَلْزَمُوا النَّاسَ الْجِزْيَةَ مَا خَلَا الْعُظَمَاءَ وَأَهْلَ الْبُيُوتَاتِ وَالْجُنْدَ وَالْهَرَابِذَةَ وَالْكُتَّابَ وَمَنْ فِي خِدْمَةِ الْمَلِكِ، كُلُّ إِنْسَانٍ عَلَى قُدْرَتِهِ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَثَمَانِيَةِ دَرَاهِمَ، وَسِتَّةِ دَرَاهِمَ، وَأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ. وَأَسْقَطَهَا عُمَرُ عَمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ جَاوَزَ خَمْسِينَ سَنَةً. ثُمَّ إِنَّ كِسْرَى وَلَّى رَجُلًا مِنَ الْكُتَّابِ - مِنَ الْكُفَاةِ وَالنُّبَلَاءِ اسْمُهُ بَابَكُ - عَرْضَ جَيْشِهِ، فَطَلَبَ مِنْ كِسْرَى التَّمَكُّنَ مِنْ شُغْلِهِ إِلَى ذَلِكَ، فَتَقَدَّمَ بِبِنَاءِ مَصْطَبَةٍ مَوْضِعَ عَرْضِ الْجَيْشِ وَفَرَشَهَا، ثُمَّ نَادَى أَنْ يَحْضُرَ الْجُنْدُ بِسِلَاحِهِمْ وَكُرَاعِهِمْ لِلْعَرْضِ، فَحَضَرُوا، فَحَيْثُ لَمْ يَرَ مَعَهُمْ كِسْرَى أَمَرَهُمْ بِالِانْصِرَافِ، فَعَلَ ذَلِكَ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ أَمَرَ فَنُودِيَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ أَحَدٌ وَلَا مَنْ أُكْرِمَ بِتَاجٍ، فَسَمِعَ كِسْرَى فَحَضَرَ وَقَدْ لَبِسَ التَّاجَ وَالسِّلَاحَ،

стр. 410

ثُمَّ أَتَى بَابَكَ لِيَعْرِضَ عَلَيْهِ، فَرَأَى سِلَاحَهُ تَامًّا مَا عَدَا وَتَرَيْنِ لِلْقَوْسِ كَانَ عَادَتُهُمْ أَنْ يَسْتَظْهِرُوا بِهِمَا، فَلَمْ يَرَهُمَا بَابَكُ مَعَهُ فَلَمْ يُجِزْ عَلَى اسْمِهِ وَقَالَ لَهُ: هَلُمَّ كُلَّ مَا يَلْزَمُكَ. فَذَكَرَ كِسْرَى الْوَتَرَيْنِ فَتَعَلَّقَهُمَا، ثُمَّ نَادَى مُنَادِي بَابَكَ وَقَالَ: لِلْكَمِيِّ السَّيِّدِ، سَيِّدَةِ الْكُمَاةِ، أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَأَجَازَ عَلَى اسْمِهِ. فَلَمَّا قَامَ عَنْ مَجْلِسِهِ حَضَرَ عِنْدَ كِسْرَى يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ مِنْ غِلْظَتِهِ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ لَهُ أَنَّ أَمْرَهُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِمَا فَعَلَ. فَقَالَ كِسْرَى: مَا غَلُظَ عَلَيْنَا أَمْرٌ نُرِيدُ بِهِ إِصْلَاحَ دَوْلَتِنَا. وَمِنْ كَلَامِ كِسْرَى: الشُّكْرُ وَالنِّعْمَةُ كِفَّتَانِ كَكِفَّتَيِ الْمِيزَانِ، أَيُّهُمَا رَجَحَ بِصَاحِبِهِ احْتَاجَ الْأَخَفَّ، إِلَّا أَنْ يُزَادَ فِيهِ حَتَّى يُعَادِلَ صَاحِبَهُ، فَإِذَا كَانَتِ النِّعَمُ كَثِيرَةً وَالشُّكْرُ قَلِيلًا انْقَطَعَ الْحَمْدُ، فَكَثِيرُ النِّعَمِ يَحْتَاجُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الشُّكْرِ، وَكُلَّمَا زِيدَ فِي الشُّكْرِ ازْدَادَتِ النِّعَمُ وَجَاوَزَتْهُ، وَنَظَرْتُ فِي الشُّكْرِ فَوَجَدْتُ بَعْضَهُ بِالْقَوْلِ وَبَعْضَهُ بِالْفِعْلِ، وَنَظَرْتُ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ فَوَجَدْتُهُ الشَّيْءَ الَّذِي أَقَامَ بِهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَرْسَى بِهِ الْجِبَالَ وَأَجْرَى بِهِ الْأَنْهَارَ وَبَرَأَ بِهِ الْبَرِيَّةَ، وَهُوَ الْحَقُّ وَالْعَدْلُ، فَلَزِمْتُهُ. وَرَأَيْتُ ثَمَرَةَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ عِمَارَةَ الْبُلْدَانِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْحَيَاةِ لِلنَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ وَجَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ. وَلَمَّا نَظَرْتُ فِي ذَلِكَ وَجَدْتُ الْمُقَاتِلَةَ أُجَرَاءَ لِأَهْلِ الْعِمَارَةِ، وَأَهْلَ الْعِمَارَةِ أُجَرَاءَ لِلْمُقَاتِلَةِ، فَأَمَّا الْمُقَاتِلَةُ فَإِنَّهُمْ يَطْلُبُونَ أُجُورَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ وَسُكَّانِ الْبُلْدَانِ لِمُدَافَعَتِهِمْ عَنْهُمْ وَمُجَاهَدَتِهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَحَقَّ عَلَى أَهْلِ الْعِمَارَةِ أَنْ يُوَفُّوهُمْ أُجُورَهُمْ، فَإِنَّ الْعِمَارَةَ وَالْأَمْنَ وَالسَّلَامَةَ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِمْ. وَرَأَيْتُ الْمُقَاتِلَةَ لَا يَتِمُّ لَهُمُ الْمُقَامُ وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَتَثْمِيرُ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ إِلَّا بِأَهْلِ الْخَرَاجِ وَالْعِمَارَةِ، فَأَخَذْتُ لِلْمُقَاتِلَةِ مِنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ مَا يَقُومُ بِأَوْدِهِمْ وَتَرَكْتُ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ مِنْ مُسْتَغَلَّاتِهِمْ مَا يَقُومُ بِمَؤُونَتِهِمْ وَعِمَارَتِهِمْ وَلَمْ أُجْحِفْ بِوَاحِدٍ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَرَأَيْتُ الْمُقَاتِلَةَ وَأَهْلَ الْخَرَاجِ كَالْعَيْنَيْنِ الْمُبْصِرَتَيْنِ وَالْيَدَيْنِ الْمُتَسَاعِدَتَيْنِ

стр. 411

وَالرِّجْلَيْنِ عَلَى أَيِّهِمَا دَخَلَ الضَّرَرُ تَعَدَّى إِلَى الْأُخْرَى. وَنَظَرْنَا فِي سِيَرِ آبَائِنَا فَلَمْ نَتْرُكْ مِنْهَا شَيْئًا يَقْتَرِنُ بِالثَّوَابِ مِنَ اللَّهِ وَالذِّكْرِ الْجَمِيلِ بَيْنَ النَّاسِ وَالْمَصْلَحَةِ الشَّامِلَةِ لِلْجُنْدِ وَالرَّعِيَّةِ إِلَّا اعْتَمَدْنَاهُ، وَلَا فَسَادًا إِلَّا أَعْرَضْنَا عَنْهُ، وَلَمْ يَدْعُنَا إِلَى حُبِّ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ حُبُّ الْآبَاءِ. وَنَظَرْتُ فِي سِيَرِ أَهْلِ الْهِنْدِ وَالرُّومِ وَأَخَذْنَا مَحْمُودَهَا، وَلَمْ تُنَازِعْنَا أَنْفُسُنَا إِلَى مَا تَمِيلُ إِلَيْهِ أَهْوَاؤُنَا، وَكَتَبْنَا بِذَلِكَ إِلَى جَمِيعِ أَصْحَابِنَا وَنُوَّابِنَا فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ. فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْعِلْمِ وَتَوَفُّرِ الْعَقْلِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى مَنْعِ النَّفْسِ، وَمَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ اسْتَحَقَّ أَنْ يُضْرَبَ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْعَدْلِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ. وَكَانَ لِكِسْرَى أَوْلَادٌ مُتَأَدِّبُونَ، فَجُعِلَ الْمُلْكُ مِنْ بَعْدِهِ لِابْنِهِ هُرْمُزَ. وَكَانَ مَوْلِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفِيلِ، وَذَلِكَ لِمُضِيِّ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ، وَفِي هَذَا الْعَامِ كَانَ يَوْمُ ذِي جَبَلَةَ، وَهُوَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ الْعَرَبِ الْمَذْكُورَةِ. [ذِكْرُ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ]

стр. 412

قَالَ قَيْسُ بْنُ مَخْرَمَةَ وَقُبَاثُ بْنُ أَشْيَمَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وُلِدَ عَامَ الْفِيلِ» . قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: وُلِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَبُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مَضَتْ مِنْ سُلْطَانِ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ، وَوُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ مِنْ سُلْطَانِهِ، وَأَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُضِيِّ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ مِنْ مُلْكِ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ بْنِ كِسْرَى هُرْمُزَ بْنِ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ، فَهَاجَرَ لِثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً مَضَتْ مِنْ مُلْكِ أَبْرَوِيزَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: «وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِالدَّارِ الَّتِي تُعْرَفُ بِدَارِ ابْنِ يُوسُفَ» . قِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهَبَهَا عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمْ تَزَلْ فِي يَدِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ، فَبَاعَهَا وَلَدُهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ أَخِي الْحَجَّاجِ، فَبَنَى دَارَهُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا دَارُ ابْنِ يُوسُفَ، وَأَدْخَلَ ذَلِكَ الْبَيْتَ فِي الدَّارِ، حَتَّى أَخْرَجَتْهُ الْخَيْزُرَانُ فَجَعَلَتْهُ مَسْجِدًا يُصَلَّى فِيهِ. وَقِيلَ: وُلِدَ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْهُ، وَقِيلَ: لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْهُ.

стр. 413

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ آمِنَةَ ابْنَةَ وَهْبٍ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ تُحَدِّثُ أَنَّهَا أُتِيَتْ فِي مَنَامِهَا لَمَّا حَمَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ لَهَا: إِنَّكِ حَمَلْتِ بِسَيِّدِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِذَا وَقَعَ بِالْأَرْضِ قُولِي أُعِيذُهُ بِالْوَاحِدِ مِنْ شَرِّ كُلِّ حَاسِدٍ، ثُمَّ سَمِّيهِ مُحَمَّدًا. وَرَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ رَأَتْ بِهِ قُصُورَ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ. فَلَمَّا وَضَعَتْهُ أَرْسَلَتْ إِلَى جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: إِنَّهُ قَدْ وُلِدَ لَكَ غُلَامٌ فَأْتِهِ فَانْظُرْ إِلَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ، وَحَدَّثَتْهُ بِمَا رَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ، وَمَا قِيلَ لَهَا فِيهِ وَمَا أُمِرَتْ أَنْ تُسَمِّيَهُ. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ: حَدَّثَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا شَهِدَتْ وِلَادَةَ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَمَا شَيْءٌ أَنْ أَنْظُرَ إِلَيْهِ مِنَ الْبَيْتِ إِلَّا نُورٌ، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى النُّجُومِ تَدْنُو حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ لَتَقَعَنَّ عَلَيَّ. وَأَوَّلُ مَنْ أَرْضَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُوَيْبَةُ مَوْلَاةُ أَبِي لَهَبٍ بِلَبَنِ ابْنٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ مَسْرُوحٌ، وَكَانَتْ قَدْ أَرْضَعَتْ قَبْلَهُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَرْضَعَتْ بَعْدَهُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيَّ، فَكَانَتْ ثُوَيْبَةُ تَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ فَيُكْرِمَهَا وَتُكْرِمُهَا خَدِيجَةُ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي لَهَبٍ أَنْ يَبِيعَهَا إِيَّاهَا لِتُعْتِقَهَا، فَأَبَى، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ أَعْتَقَهَا أَبُو لَهَبٍ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْعَثُ إِلَيْهَا بِالصِّلَةِ، إِلَى أَنْ بَلَغَهُ خَبَرُ وَفَاتِهَا مُنْصَرَفَهُ مِنْ خَيْبَرَ، فَسَأَلَ عَنِ ابْنِهَا مَسْرُوحٍ، فَقِيلَ: تُوُفِّيَ قَبْلَهَا، فَسَأَلَ: هَلْ لَهَا مِنْ قَرَابَةٍ؟ فَقِيلَ: لَمْ يَبْقَ لَهَا أَحَدٌ. ثُمَّ أَرْضَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ثُوَيْبَةَ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ شِجْنَةَ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هُوزَانَ، وَاسْمُ زَوْجِهَا الَّذِي أَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِهِ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، وَاسْمُ إِخْوَتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ: عَبْدُ اللَّهِ، وَأُنَيْسَةُ، وَجُذَامَةُ، وَهِيَ الشَّيْمَاءُ، عُرِفَتْ بِذَلِكَ، وَكَانَتِ الشَّيْمَاءُ تَحْضُنُهُ مَعَ أُمِّهَا حَلِيمَةَ.

стр. 414

وَقَدِمَتْ حَلِيمَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ، فَأَكْرَمَهَا وَوَصَلَهَا، وَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ فَتْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، فَلَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ، قَدِمَتْ عَلَيْهِ أُخْتٌ لَهَا فَسَأَلَهَا عَنْهَا، فَأَخْبَرَتْهُ بِمَوْتِهَا، فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَسَأَلَهَا عَمَّنْ خَلَّفَتْ، فَأَخْبَرَتْهُ، فَسَأَلَتْهُ نِحْلَةً وَحَاجَةً فَوَصَلَهَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: كَانَتْ حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةُ تُحَدِّثُ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ بَلَدِهَا مَعَ نِسْوَةٍ يَلْتَمِسْنَ الرُّضَعَاءَ، وَذَلِكَ فِي سَنَةٍ شَهْبَاءَ لَمْ تُبْقِ شَيْئًا. قَالَتْ: فَخَرَجْتُ عَلَى أَتَانٍ لَنَا قَمْرَاءَ، مَعَنَا شَارِفٌ لَنَا، وَاللَّهِ مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةٍ، وَمَا نَنَامُ لَيْلَتَنَا أَجْمَعَ مِنْ صَبِيِّنَا الَّذِي مَعِي مِنْ بُكَائِهِ مِنَ الْجُوعِ، وَمَا فِي ثَدْيِي مَا يُغْنِيهِ، وَمَا فِي شَارِفِنَا مَا يَغْذُوهُ، وَلَكِنَّا نَرْجُو الْغَيْثَ وَالْفَرَجَ، فَلَقَدْ أَذَمَّتْ أَتَانِي بِالرَّكْبِ حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِمْ ضَعْفًا وَعَجَفًا، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ فَمَا مِنَّا امْرَأَةٌ إِلَّا وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَأْبَاهُ إِذَا قِيلَ لَهَا إِنَّهُ يَتِيمٌ، وَذَلِكَ أَنَّا إِنَّمَا نَرْجُو الْمَعْرُوفَ مِنْ أَبِي الصَّبِيِّ. فَكُنَّا نَقُولُ: يَتِيمٌ فَمَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ أُمُّهُ وَجَدُّهُ! فَمَا بَقِيَتِ امْرَأَةٌ مَعِي إِلَّا أَخَذَتْ رَضِيعًا غَيْرِي، فَلَمَّا أَجْمَعْنَا الِانْطِلَاقَ قُلْتُ لِصَاحِبِي، وَكَانَ مَعِي: إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرْجِعَ مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبِي وَلَمْ آخُذْ رَضِيعًا، وَاللَّهِ لَأَذْهَبَنَّ إِلَى ذَلِكَ الْيَتِيمِ فَلْآخُذَنَّهُ! قَالَ: افْعَلِي فَعَسَى أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لَنَا فِيهِ بَرَكَةً. قَالَتْ: فَذَهَبْتُ فَأَخَذْتُهُ، فَلَمَّا أَخَذْتُهُ وَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِي أَقْبَلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ مِمَّا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ حَتَّى رُوِيَ وَشَرِبَ مَعَهُ أَخُوهُ حَتَّى رُوِيَ ثُمَّ نَامَا، وَمَا كَانَ ابْنِي يَنَامُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَامَ زَوْجِي إِلَى شَارِفِنَا تِلْكَ فَإِذَا إِنَّهَا حَافِلٌ، فَحَلَبَ مِنْهَا ثُمَّ شَرِبَ حَتَّى رُوِيَ، ثُمَّ سَقَانِي فَشَرِبْتُ حَتَّى شَبِعْنَا. قَالَتْ: يَقُولُ لِي صَاحِبِي: تَعْلَمِينَ وَاللَّهِ يَا حَلِيمَةُ لَقَدْ أَخَذْتِ نَسَمَةً مُبَارَكَةً! قُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَرْجُو ذَلِكَ. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجْنَا، فَرَكِبْتُ أَتَانِي وَحَمَلْتُهُ عَلَيْهَا فَلَمْ يَلْحَقْنِي شَيْءٌ مِنْ حُمُرِهِمْ حَتَّى إِنَّ صَوَاحِبِي لَيَقُلْنَ لِي: يَا ابْنَةَ أَبِي ذُؤَيْبٍ ارْبِعِي عَلَيْنَا، أَلَيْسَتْ هَذِهِ أَتَانَكِ الَّتِي كُنْتِ خَرَجْتِ عَلَيْهَا؟ فَأَقُولُ: بَلَى وَاللَّهِ لَهِيَ هِيَ، فَيَقُلْنَ: إِنَّ لَهَا شَأْنًا، ثُمَّ

стр. 415

قَدِمْنَا مَنَازِلَنَا مِنْ بَنِي سَعِدٍ، وَمَا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللَّهِ أَجْدَبَ مِنْهَا، فَكَانَتْ غَنَمِي تَرُوحُ عَلَيَّ حِينَ قَدِمْنَا شِبَاعًا لُبَّنًا فَنَحْلِبُ وَنَشْرَبُ وَمَا يَحْلِبُ إِنْسَانٌ قَطْرَةً وَلَا يَجِدُهَا فِي ضَرْعٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ الْحَاضِرُ مِنْ قَوْمِنَا لَيَقُولُونَ لِرُعْيَانِهِمْ: وَيْلَكُمُ اسْرَحُوا حَيْثُ يَسْرَحُ رَاعِي ابْنَةِ أَبِي ذُؤَيْبٍ! فَتَرُوحُ أَغْنَامُهُمْ جِيَاعًا مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةٍ مِنْ لَبَنٍ، وَتَرُوحُ غَنَمِي شِبَاعًا لُبَّنًا. فَلَمْ نَزَلْ نَتَعَرَّفُ الْبَرَكَةَ مِنَ اللَّهِ وَالزِّيَادَةَ فِي الْخَيْرِ حَتَّى مَضَتْ سَنَتَانِ وَفَصَلْتُهُ، وَكَانَ يَشِبُّ شَبَابًا لَا يَشِبُّهُ الْغِلْمَانُ، فَلَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْهِ حَتَّى كَانَ غُلَامًا جَفْرًا، فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمِّهِ وَنَحْنُ أَحْرَصُ شَيْءٍ عَلَى مُكْثِهِ عِنْدَنَا لِمَا كُنَّا نَرَى مِنْ بَرَكَتِهِ، فَكَلَّمْنَا أُمَّهُ فِي تَرْكِهِ عِنْدَنَا، فَأَجَابَتْ. قَالَتْ: فَرَجَعْنَا بِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ بَعْدَ مَقْدِمِنَا بِهِ بِأَشْهُرٍ مَرَّ مَعَ أَخِيهِ فِي بُهْمٍ لَنَا خَلْفَ بُيُوتِنَا إِذْ أَتَانَا أَخُوهُ يَشْتَدُّ فَقَالَ لِي وَلِأَبِيهِ: ذَلِكَ أَخِي الْقُرَشِيُّ قَدْ جَاءَهُ رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ فَأَضْجَعَاهُ وَشَقَّا بَطْنَهُ وَهُمَا يَسُوطَانِهِ! قَالَتْ: فَخَرَجْنَا نَشْتَدُّ فَوَجَدْنَاهُ قَائِمًا مُنْتَقِعًا وَجْهُهُ. قَالَتْ: فَالْتَزَمْتُهُ أَنَا وَأَبُوهُ وَقُلْنَا لَهُ: مَالَكَ يَا بُنَيَّ؟ قَالَ: جَاءَنِي رَجُلَانِ فَأَضْجَعَانِي فَشَقَّا بَطْنِي فَالْتَمَسَا بِهِ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ. قَالَتْ: فَرَجَعْنَا إِلَى خِبَائِنَا، وَقَالَ لِي أَبُوهُ: وَاللَّهِ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغُلَامُ قَدْ أُصِيبَ فَأَلْحِقِيهِ بِأَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ. قَالَتْ: فَاحْتَمَلْنَاهُ فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمِّهِ. فَقَالَتْ: مَا أَقْدَمَكِ يَا ظِئْرُ بِهِ وَقَدْ كُنْتِ حَرِيصَةً عَلَى مُكْثِهِ عِنْدَكَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: قَدْ بَلَّغَ اللَّهُ بِابْنِي، وَقَضَيْتُ الَّذِي عَلَيَّ، وَتَخَوَّفْتُ عَلَيْهِ الْأَحْدَاثَ فَأَدَّيْتُهُ إِلَيْكِ كَمَا تُحِبِّينَ. قَالَتْ: مَا هَذَا بِشَأْنِكِ فَاصْدُقِينِي! وَلَمْ تَدَعْنِي حَتَّى أَخْبَرْتُهَا. قَالَتْ: فَتَخَوَّفْتِ عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَإِنَّ لِابْنِي لَشَأْنًا، أَفَلَا أُخْبِرُكِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: رَأَيْتُ حِينَ حَمَلْتُ بِهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنِّي نُورٌ أَضَاءَ لِي قُصُورَ بُصْرَى مِنَ الشَّامِ، ثُمَّ حَمَلْتُ بِهِ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِنْ حَمْلٍ قَطُّ كَانَ أَخَفَّ مِنْهُ وَلَا أَيْسَرَ، ثُمَّ وَقَعَ حِينَ وَضَعْتُهُ وَإِنَّهُ لَوَاضِعٌ يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ رَافِعٌ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ. دَعِيهِ عَنْكِ وَانْطَلِقِي رَاشِدَةً. وَكَانَتْ مُدَّةُ رَضَاعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَنَتَيْنِ، وَرَدَّتْهُ حَلِيمَةُ إِلَى أُمِّهِ وَجَدِّهِ

стр. 416

عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ فِي قَوْلٍ. وَقَالَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ: «بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ أَقْبَلَ شَيْخٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَهُوَ مَلِكُ قَوْمِهِ وَسَيِّدُهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ، مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا فَمَثُلَ قَائِمًا وَقَالَ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنِّي أُنْبِئْتُ أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ أَرْسَلَكَ بِمَا أَرْسَلَ بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، أَلَا وَإِنَّكَ فُهْتَ بِعَظِيمٍ، أَلَا وَقَدْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ هَذِهِ الْحِجَارَةَ وَالْأَوْثَانَ وَمَا لَكَ وَلِلنُّبُوَّةِ، وَإِنَّ لِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ قَوْلِكَ وَبَدْءُ شَأْنِكَ؟ فَأُعْجِبَ النَّبِيُّ، ﷺ ، بِمُسَاءَلَتِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا أَخَا بَنِي عَامِرٍ اجْلِسْ. فَجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِي وَبَدْءَ شَأْنِي أَنِّي دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى أَخِي عِيسَى، وَكُنْتُ بِكْرَ أُمِّي، وَحَمَلَتْنِي كَأَثْقَلِ مَا تَحْمِلُ النِّسَاءُ، ثُمَّ رَأَتْ فِي مَنَامِهَا أَنَّ الَّذِي فِي بَطْنِهَا نُورٌ، قَالَتْ: فَجَعَلْتُ أُتْبِعُ بَصَرِي النُّورَ وَهُوَ يَسْبِقُ بَصَرِي حَتَّى أَضَاءَتْ لِي مَشَارِقُ الْأَرْضِ وَمَغَارِبُهَا، ثُمَّ إِنَّهَا وَلَدَتْنِي فَنَشَأْتُ، فَلَمَّا نَشَأْتُ بُغِّضَتْ إِلَيَّ الْأَوْثَانُ وَالشِّعْرُ، فَكُنْتُ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ مُنْتَبِذًا مِنْ أَهْلِي مَعَ أَتْرَابٍ مِنَ الصِّبْيَانِ إِذْ أَتَانَا ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مَعَهُمْ طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءٌ ثَلْجًا فَأَخَذُونِي مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي، فَخَرَجَ أَصْحَابِي هُرَّابًا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى شَفِيرِ الْوَادِي ثُمَّ أَقْبَلُوا عَلَى الرَّهْطِ فَقَالُوا: مَا أَرَبُكُمْ إِلَى هَذَا الْغُلَامِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَبٌ وَمَا يَرُدُّ عَلَيْكُمْ قَتْلُهُ؟ فَلَمَّا رَأَى الصِّبْيَانُ الرَّهْطَ لَا يَرُدُّونَ جَوَابًا انْطَلَقُوا مُسْرِعِينَ إِلَى الْحَيِّ يُؤْذِنُونَهُمْ بِي وَيَسْتَصْرِخُونَهُمْ عَلَى الْقَوْمِ، فَعَمَدَ أَحَدُهُمْ فَأَضْجَعَنِي عَلَى الْأَرْضِ إِضْجَاعًا لَطِيفًا، ثُمَّ شَقَّ مَا بَيْنَ مَفْرِقِ صَدْرِي إِلَى مُنْتَهَى عَانَتِي، فَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ لَمْ أَجِدْ لِذَلِكَ مَسًّا، ثُمَّ أَخْرَجَ أَحْشَاءَ بَطْنِي فَغَسَلَهَا بِالثَّلْجِ فَأَنْعَمَ غَسْلَهَا، ثُمَّ أَخْرَجَ قَلْبِي فَصَدَعَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْهُ مُضْغَةً سَوْدَاءَ فَرَمَى بِهَا، قَالَ بِيَدِهِ يُمْنَةً مِنْهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَإِذَا أَنَا بِخَاتَمٍ فِي يَدِهِ مِنْ نُورٍ يَحَارُ النَّاظِرُونَ دُونَهُ، فَخَتَمَ بِهِ قَلْبِي، فَامْتَلَأَ نُورًا، وَذَلِكَ نُورُ النُّبُوَّةِ وَالْحِكْمَةِ، ثُمَّ أَعَادَهُ مَكَانَهُ، فَوَجَدْتُ بَرْدَ ذَلِكَ الْخَاتَمِ فِي قَلْبِي دَهْرًا، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثُ لِصَاحِبِهِ: تَنَحَّ، فَتَنَحَّى عَنِّي، فَأَمَرَّ يَدَهُ مَا بَيْنَ مَفْرِقِ صَدْرِي إِلَى مُنْتَهَى عَانَتِي فَالْتَأَمَ ذَلِكَ الشَّقُّ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَأَنْهَضَنِي إِنْهَاضًا لَطِيفًا ثُمَّ قَالَ لِلْأَوَّلِ الَّذِي شَقَّ بَطْنِي: زِنْهُ بِعَشَرَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ. فَوَزَنُونِي بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ. فَوَزَنُونِي بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ. ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِأَلْفٍ مِنْ

стр. 417

أُمَّتِهِ. فَوَزَنُونِي بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ. فَقَالَ: دَعُوهُ فَلَوْ وَزَنْتُهُ بِأُمَّتِهِ كُلِّهِمْ لَرَجَحَ بِهِمْ. ثُمَّ ضَمُّونِي إِلَى صُدُورِهِمْ وَقَبَّلُوا رَأْسِي وَمَا بَيْنَ عَيْنَيَّ ثُمَّ قَالُوا: يَا حَبِيبُ، لَمْ تُرَعْ، إِنَّكَ لَوْ تَدْرِي مَا يُرَادُ بِكَ مِنَ الْخَيْرِ لَقَرَّتْ عَيْنُكَ. قَالَ: فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ أَنَا بِالْحَيِّ قَدْ جَاءُوا بِحَذَافِيرِهِمْ، وَإِذَا ظِئْرِي أَمَامَ الْحَيِّ تَهْتِفُ بِأَعْلَى صَوْتِهَا وَهِيَ تَقُولُ: يَا ضَعِيفَاهُ! قَالَ: فَانْكَبُّوا عَلَيَّ وَقَبَّلُوا رَأْسِي وَمَا بَيْنَ عَيْنَيَّ وَقَالُوا: حَبَّذَا أَنْتَ مِنْ ضَعِيفٍ! ثُمَّ قَالَتْ ظِئْرِي: يَا وَحِيدَاهُ! فَانْكَبُّوا عَلَيَّ فَضَمُّونِي إِلَى صُدُورِهِمْ وَقَبَّلُوا مَا بَيْنَ عَيْنَيَّ وَقَالُوا حَبَّذَا أَنْتَ مِنْ وَحِيدٍ، وَمَا أَنْتَ بِوَحِيدٍ! إِنَّ اللَّهَ مَعَكَ! ثُمَّ قَالَتْ ظِئْرِي: يَا يَتِيمَاهُ اسْتُضْعِفْتَ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِكَ فَقُتِلْتَ لِضَعْفِكَ! فَانْكَبُّوا عَلَيَّ وَضَمُّونِي إِلَى صُدُورِهِمْ وَقَبَّلُوا مَا بَيْنَ عَيْنَيَّ وَقَالُوا: حَبَّذَا أَنْتَ مِنْ يَتِيمٍ! مَا أَكْرَمَكَ عَلَى اللَّهِ! لَوْ تَعْلَمُ مَا يُرَادُ بِكَ مِنَ الْخَيْرِ! قَالَ: فَوَصَلُوا بِي إِلَى شَفِيرِ الْوَادِي. فَلَمَّا بَصُرَتْ بِي ظِئْرِي قَالَتْ: يَا بُنَيَّ أَلَا أَرَاكَ حَيًّا بَعْدُ! فَجَاءَتْ حَتَّى انْكَبَّتْ عَلَيَّ وَضَمَّتْنِي إِلَى صَدْرِهَا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَفِي حِجْرِهَا وَقَدْ ضَمَّتْنِي إِلَيْهَا، وَإِنَّ يَدِي فِي يَدِ بَعْضِهِمْ، فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ، وَظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ يُبْصِرُونَهُمْ، يَقُولُ بَعْضُ الْقَوْمِ: إِنَّ هَذَا الْغُلَامَ أَصَابَهُ لَمَمٌ أَوْ طَائِفٌ مِنَ الْجِنِّ، انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى كَاهِنِنَا حَتَّى يَنْظُرَ إِلَيْهِ وَيُدَاوِيَهُ. فَقُلْتُ: مَا هَذَا! لَيْسَ بِي شَيْءٌ مِمَّا يُذْكَرُ، إِنَّ إِرَادَتِي سَلِيمَةٌ، وَفُؤَادِي صَحِيحٌ لَيْسَ فِيَّ قَلَبَةٌ. فَقَالَ أَبِي مِنَ الرَّضَاعِ: أَلَا تَرَوْنَ كَلَامَهُ صَحِيحًا؟ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِابْنِي بَأْسٌ. فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَذْهَبُوا بِي إِلَى الْكَاهِنِ، فَذَهَبُوا بِي إِلَيْهِ. فَلَمَّا قَصُّوا عَلَيْهِ قِصَّتِي قَالَ: اسْكُتُوا حَتَّى أَسْمَعَ مِنَ الْغُلَامِ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِأَمْرِهِ مِنْكُمْ. فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ أَمْرِي مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ قَوْلِي وَثَبَ إِلَيَّ وَضَمَّنِي إِلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا لِلْعَرَبِ اقْتُلُوا هَذَا الْغُلَامَ وَاقْتُلُونِي مَعَهُ! فَوَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ تَرَكْتُمُوهُ فَأَدْرَكَ لَيُبَدِّلَنَّ دِينَكُمْ وَلَيُخَالِفَنَّ أَمْرَكُمْ وَلِيَأْتِينَّكُمْ بِدِينٍ لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهِ قَطُّ. فَانْتَزَعَتْنِي ظِئْرِي وَقَالَتْ: لَأَنْتَ أَجَنُّ وَأَعْتَهُ مِنِ ابْنِي هَذَا فَاطْلُبْ لِنَفْسِكَ مَنْ يَقْتُلُكَ، فَإِنَّا غَيْرُ قَاتِلِيهِ!

стр. 418

ثُمَّ رَدُّونِي إِلَى أَهْلِي، فَأَصْبَحْتُ مُفْزَعًا مِمَّا فُعِلَ بِي، وَأَثَرُ الشَّقِّ مَا بَيْنَ صَدْرِي إِلَى عَانَتِي كَأَنَّهُ الشِّرَاكُ، فَذَلِكَ حَقِيقَةُ قَوْلِي وَبَدْءُ شَأْنِي يَا أَخَا بَنِي عَامِرٍ. فَقَالَ الْعَامِرِيُّ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَنَّ أَمْرَكَ حَقٌّ، فَأَنْبِئْنِي بِأَشْيَاءَ أَسْأَلُكَ عَنْهَا. قَالَ: سَلْ. قَالَ: أَخْبِرْنِي مَا يَزِيدُ فِي الْعِلْمِ؟ . قَالَ: التَّعَلُّمُ. قَالَ: فَمَا يَدُلُّ عَلَى الْعِلْمِ؟ . قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : السُّؤَالُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي مَاذَا يَزِيدُ فِي الشَّيْءِ؟ . قَالَ: التَّمَادِي. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي هَلْ يَنْفَعُ الْبِرُّ مَعَ الْفُجُورِ؟ . قَالَ: نَعَمْ، التَّوْبَةُ تَغْسِلُ الْحَوْبَةَ، وَالْحَسَنَاتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، وَإِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ اللَّهَ عِنْدَ الرَّخَاءِ أَعَانَهُ عِنْدَ الْبَلَاءِ. فَقَالَ الْعَامِرِيُّ: فَكَيْفَ ذَلِكَ؟ . قَالَ: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَجْمَعُ لِعَبْدِي أَمْنَيْنَ وَلَا أَجْمَعُ لَهُ خَوْفَيْنِ، إِنْ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ أَجْمَعُ عِبَادِي فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ، فَيَدُومُ لَهُ أَمْنُهُ، وَلَا أَمْحَقُهُ فِيمَنْ أَمَحَقُ، وَإِنْ هُوَ أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا خَافَنِي يَوْمَ أَجْمَعُ عِبَادِي لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ فَيَدُومُ لَهُ خَوْفُهُ. قَالَ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَخْبِرْنِي إِلَامَ تَدْعُو؟ . قَالَ: أَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْ تَخْلَعَ الْأَنْدَادَ، وَتَكْفُرَ بِاللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَتُقِرَّ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنْ كِتَابٍ وَرَسُولٍ، وَتُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِحَقَائِقِهِنَّ، وَتَصُومَ شَهْرًا مِنَ السَّنَةِ، وَتُؤَدِّيَ زَكَاةَ مَالِكَ يُطَهِّرُكَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا وَيُطَيِّبُ لَكَ مَالَكَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ إِذَا وَجَدْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَتُؤْمِنَ بِالْمَوْتِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَبِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ. قَالَ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَمَا لِي؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: ٧٦] . فَقَالَ: هَلْ مَعَ هَذَا مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ؟ فَإِنَّهُ يُعْجِبُنِي الْوَطْأَةُ مِنَ الْعَيْشِ.

стр. 419

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : النَّصْرُ وَالتَّمَكُّنُ فِي الْبِلَادِ. فَأَجَابَ وَأَنَابَ» . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: هَلَكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَبُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأُمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ حَامِلٌ بِهِ. قَالَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ: تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَبُو رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَمَا أَتَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: الثَّبْتُ عِنْدَنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَقْبَلَ مِنَ الشَّامِ فِي عِيرٍ لِقُرَيْشٍ، وَنَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ مَرِيضٌ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى تُوُفِّيَ وَدُفِنَ بِدَارِ النَّابِغَةِ، الدَّارِ الصُّغْرَى. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَتُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ وَلَهُ سِتُّ سِنِينَ بِالْأَبْوَاءِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، كَانَتْ قَدِمَتْ بِهِ الْمَدِينَةَ عَلَى أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ تُزِيرُهُ إِيَّاهُمْ فَمَاتَتْ وَهِيَ رَاجِعَةٌ، وَقِيلَ: إِنَّهَا أَتَتِ الْمَدِينَةَ تَزُورُ قَبْرَ زَوْجِهَا عَبْدِ اللَّهِ، وَمَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَأُمُّ أَيْمَنَ حَاضِنَةُ رَسُولِ اللَّهِ، فَلَمَّا عَادَتْ مَاتَتْ بِالْأَبْوَاءِ. وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ زَارَ أَخْوَالَهُ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وَحَمَلَ مَعَهُ آمِنَةَ وَرَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا رَجَعَ تُوُفِّيَتْ بِمَكَّةَ، وَدُفِنَتْ فِي شِعْبِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَلَمَّا سَارَتْ قُرَيْشٌ إِلَى أُحُدٍ هَمُّوا بِاسْتِخْرَاجِهَا مِنْ قَبْرِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ النِّسَاءَ عَوْرَةٌ وَرُبَّمَا أَصَابَ مُحَمَّدٌ مِنْ نِسَائِكُمْ، فَكَفَّهُمُ اللَّهُ بِهَذَا الْقَوْلِ إِكْرَامًا لِأُمِّ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَتُوُفِّيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنُ ثَمَانِي سِنِينَ، وَقِيلَ: ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ.

стр. 420

وَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ صَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حِجْرِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ بِوَصِيَّةٍ مِنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَيْهِ بِذَلِكَ لِمَا كَانَ يَرَى مِنْ بِرِّهِ بِهِ وَشَفَقَتِهِ وَحُنُوِّهَ عَلَيْهِ، فَيُصْبِحُ وَلَدُ أَبِي طَالِبٍ غُمْصًا رُمْصًا، وَيُصْبِحُ رَسُولُ اللَّهِ صَقِيلًا دَهِينًا. [ذِكْرُ قَتْلِ تَمِيمٍ بِالْمُشَقَّرِ] قَالَ هِشَامٌ: أَرْسَلَ وَهْرِزُ بِأَمْوَالٍ وَطُرَفٍ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا كَانَتْ بِبِلَادِ تَمِيمٍ دَعَا صَعْصَعَةُ بْنُ نَاجِيَةَ الْمُجَاشِعِيُّ، جَدُّ الْفَرَزْدَقِ الشَّاعِرِ، بَنِي تَمِيمٍ إِلَى الْوُثُوبِ عَلَيْهَا، فَأَبَوْا، فَقَالَ: كَأَنِّي بِأَبِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَقَدِ انْتَهَبُوا، فَاسْتَعَانُوا بِهَا عَلَى حَرْبِكُمْ، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ وَثَبُوا عَلَيْهَا وَأَخَذُوهَا، وَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِيطٍ يُقَالُ لَهُ النَّطِفُ خَرْجًا فِيهِ جَوْهَرٌ، فَكَانَ يُقَالُ: " أَصَابَ فُلَانٌ كَنْزَ النَّطِفِ " فَصَارَ مَثَلًا. وَصَارَ أَصْحَابُ الْعِيرِ إِلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ بِالْيَمَامَةِ، فَكَسَاهُمْ وَحَمَلَهُمْ وَسَارَ مَعَهُمْ حَتَّى دَخَلَ عَلَى كِسْرَى، فَأُعْجِبَ بِهِ كِسْرَى وَدَعَا بِعِقْدٍ مِنْ دُرٍّ فَعَقَدَ عَلَى رَأْسِهِ، فَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَ هَوْذَةُ " ذَا التَّاجِ "، وَسَأَلَهُ كِسْرَى عَنْ تَمِيمٍ هَلْ مِنْ قَوْمِهِ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ سِلْمٌ؟ فَقَالَ: لَا بَيْنَنَا إِلَّا الْمَوْتُ. قَالَ: قَدْ أَدْرَكْتَ ثَأْرَكَ، وَأَرَادَ إِرْسَالَ الْجُنُودِ إِلَى تَمِيمٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ مَاءَهُمْ قَلِيلٌ، وَبِلَادَهُمْ بِلَادُ سُوءٍ، وَأُشِيرَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْبَحْرَيْنِ، وَهُوَ إِزَادُ فَيْرُوزَ بْنُ جُشَيْشٍ الَّذِي سَمَّتْهُ الْعَرَبُ الْمُكَعْبِرَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْطَعُ الْأَيْدِيَ وَالْأَرْجُلَ، فَأَمَرَهُ بِقَتْلِ بَنِي تَمِيمٍ، فَفَعَلَ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِ رَسُولًا، وَدَعَا هَوْذَةَ وَجَدَّدَ لَهُ كَرَامَةً وَصِلَةً، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ مَعَ رَسُولِهِ، فَأَقْبَلَا إِلَى الْمُكَعْبِرِ أَيَّامَ اللُّقَاطِ، وَكَانَتْ تَمِيمٌ تَصِيرُ إِلَى هَجَرَ لِلْمِيرَةِ وَاللِّقَاطِ، فَأَمَرَ الْمُكَعْبِرُ مُنَادِيًا يُنَادِي: لِيَحْضُرْ مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَإِنَّ الْمَلِكَ قَدْ أَمَرَ لَهُمْ بِمِيرَةٍ وَطَعَامٍ. فَحَضَرُوا وَدَخَلُوا الْمُشَقَّرَ، وَهُوَ حِصْنٌ، فَلَمَّا دَخَلُوا قَتَلَ الْمُكَعْبِرُ رِجَالَهُمْ وَاسْتَبْقَى غِلْمَانَهُمْ، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ قَعْنَبُ الرِّيَاحِيُّ، وَكَانَ فَارِسَ يَرْبُوعٍ، وَجَعَلَ الْغِلْمَانَ فِي السُّفُنِ وَعَبَرَ بِهِمْ إِلَى فَارِسَ.

стр. 421

قَالَ هُبَيْرَةُ بْنُ حُدَيْرٍ الْعَدَوِيُّ: رَجَعَ إِلَيْنَا بَعْدَمَا فُتِحَتْ إِصْطَخْرُ عِدَّةٌ مِنْهُمْ، وَشَدَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ عُبَيْدُ بْنُ وَهْبٍ عَلَى سِلْسِلَةِ الْبَابِ فَقَطَعَهَا وَخَرَجَ، وَاسْتَوْهَبَ هَوْذَةُ مِنَ الْمُكَعْبِرِ مِائَةَ أَسِيرٍ مِنْهُمْ فَأَطْلَقَهُمْ. (حُدَيْرٌ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الدَّالِ) . [ذِكْرُ مُلْكِ ابْنِهِ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشِرْوَانَ] وَكَانَتْ أُمُّهُ ابْنَةَ خَاقَانَ الْأَكْبَرِ، وَكَانَ هُرْمُزُ بْنُ كِسْرَى أَدِيبًا ذَا نِيَّةٍ فِي الْإِحْسَانِ إِلَى الضُّعَفَاءِ وَالْحَمْلِ عَلَى الْأَشْرَافِ، فَعَادُوهُ وَأَبْغَضُوهُ، وَكَانَ فِي نَفْسِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَكَانَ عَادِلًا بَلَغَ مِنْ عَدْلِهِ أَنَّهُ رَكِبَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى سَابَاطِ الْمَدَائِنِ فَاجْتَازَ بِكُرُومٍ، فَاطَّلَعَ أَسْوَارٌ مِنْ أَسَاوِرَتِهِ فِي كَرْمٍ وَأَخَذَ مِنْهُ عَنَاقِيدَ حُصْرُمٍ، فَلَزِمَهُ حَافِظُ الْكُرُومِ وَصَرَخَ، فَبَلَغَ مِنْ خَوْفِ الْأَسْوَارِ مِنْ عُقُوبَةِ كِسْرَى هُرْمُزَ أَنْ دَفَعَ إِلَى حَافِظِ الْكَرْمِ، مِنْطَعَةً مُحَلَّاةً بِذَهَبٍ عِوَضًا مِنَ الْحُصْرُمِ فَتَرَكَهُ. وَقِيلَ: كَانَ مُظَفَّرًا مَنْصُورًا لَا يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى شَيْءٍ إِلَّا نَالَهُ، وَكَانَ دَاهِيًا رَدِيَّ النِّيَّةِ، قَدْ نَزَعَ إِلَى أَخْوَالِهِ التُّرْكِ، وَإِنَّهُ قَتَلَ الْعُلَمَاءَ وَأَهْلَ الْبُيُوتَاتِ وَالشَّرَفِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ وَسِتَّمِائَةِ رَجُلٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ إِلَّا فِي تَأَلُّفِ السِّفْلَةِ. وَحَبَسَ كَثِيرًا مِنَ الْعُظَمَاءِ وَأَسْقَطَهُمْ وَحَطَّ مَرَاتِبَهُمْ وَحَرَمَ الْجُنُودَ، فَفَسَدَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِمَّنْ كَانَ حَوْلَهُ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ شَابَهْ مَلِكُ التُّرْكِ فِي ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ مِنْ مُلْكِهِ، فَوَصَلَ هَرَاةَ وَبَاذَغِيسَ، وَأَرْسَلَ إِلَى هُرْمُزَ وَالْفُرْسِ يَأْمُرُهُمْ بِإِصْلَاحِ الطُّرُقِ لِيَجُوزَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ.

стр. 422

وَوَصَلَ مَلِكُ الرُّومِ فِي ثَمَانِينَ أَلْفًا إِلَى الضَّوَاحِي قَاصِدًا لَهُ، وَوَصَلَ مَلِكُ الْخَزَرِ إِلَى الْبَابِ وَالْأَبْوَابِ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ، فَإِنَّ جَمْعًا مِنَ الْعَرَبِ شَنُّوا الْغَارَةَ عَلَى السَّوَادِ. فَأَرْسَلَ هُرْمُزُ بَهْرَامَ خُشْنَشْ، وَيُعْرَفُ بِجُوبِينَ، فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ اخْتَارَهُمْ مِنْ عَسْكَرِهِ، فَسَارَ مُجِدًّا وَوَاقَعَ شَابَهْ مَلِكَ التُّرْكِ فَقَتَلَهُ بِرَمْيَةٍ رَمَاهَا وَاسْتَبَاحَ عَسْكَرَهُ، ثُمَّ وَافَاهُ بَرْمُودَهْ بْنُ شَابَهْ فَهَزَمَهُ أَيْضًا وَحَصَرَهُ فِي بَعْضِ الْحُصُونِ حَتَّى اسْتَسْلَمَ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى هُرْمُزَ أَسِيرًا وَغَنِمَ مَا فِي الْحِصْنِ، فَكَانَ عَظِيمًا. ثُمَّ خَافَ بَهْرَامُ وَمَنْ مَعَهُ هُرْمُزَ، فَخَلَعُوهُ وَسَارُوا نَحْوَ الْمَدَائِنِ، وَأَظْهَرُوا أَنَّ ابْنَهُ أَبْرَوِيزَ أَصْلَحُ لِلْمُلْكِ مِنْهُ، وَسَاعَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ كَانَ بِحَضْرَةِ هُرْمُزَ، وَكَانَ غَرَضُ بَهْرَامَ أَنْ يَسْتَوْحِشَ هُرْمُزُ مِنِ ابْنِهِ أَبْرَوِيزَ، وَيَسْتَوْحِشَ ابْنُهُ مِنْهُ فَيَخْتَلِفَا، فَإِنْ ظَفِرَ أَبْرَوِيزُ بِأَبِيهِ كَانَ أَمْرُهُ عَلَى بَهْرَامَ سَهْلًا، وَإِنْ ظَفِرَ أَبُوهُ بِهِ نَجَا بَهْرَامُ وَالْكَلِمَةُ مُخْتَلِفَةٌ، فَيَنَالُ مِنْ هُرْمُزَ غَرَضَهُ، وَكَانَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالِاسْتِقْلَالِ بِالْمُلْكِ. فَلَمَّا عَلِمَ أَبْرَوِيزُ ذَلِكَ خَافَ أَبَاهُ، فَهَرَبَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ عِدَّةٌ مِنَ الْمَرَازِبَةِ وَالْأَصْبَهْبَذِينَ، وَوَثَبَ الْعُظَمَاءُ بِالْمَدَائِنِ، وَفِيهِمْ بِنْدَوَيْهِ وَبِسْطَامٌ خَالَا أَبْرَوِيزَ، فَخَلَعُوا هُرْمُزَ وَسَمَلُوا عَيْنَيْهِ وَتَرَكُوهُ تَحَرُّجًا مِنْ قَتْلِهِ، وَبَلَغَ أَبْرَوِيزَ الْخَبَرُ فَأَقْبَلَ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى دَارِ الْمُلْكِ. وَكَانَ مُلْكُ هُرْمُزَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَمْ يُسْمَلْ مِنْ مُلُوكِ الْفُرْسِ غَيْرُهُ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ. وَمِنْ مَحَاسِنِ السِّيَرِ مَا حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ دَارِهِ الَّتِي تُشْرِفُ عَلَى دِجْلَةَ مُقَابِلَ الْمَدَائِنِ عَمِلَ وَلِيمَةً عَظِيمَةً وَأَحْضَرَ النَّاسَ مِنَ الْأَطْرَافِ، فَأَكَلُوا، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: هَلْ

стр. 423

رَأَيْتُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ عَيْبًا؟ فَكُلُّهُمْ قَالَ: لَا عَيْبَ فِيهَا. فَقَامَ رَجُلٌ وَقَالَ: فِيهَا ثَلَاثَةُ عُيُوبٍ فَاحِشَةٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ النَّاسَ يَجْعَلُونَ دُورَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَأَنْتَ جَعَلْتَ الدُّنْيَا فِي دَارِكَ، فَقَدْ أَفْرَطْتَ فِي تَوْسِيعِ صُحُونِهَا وَبُيُوتِهَا، فَتَتَمَكَّنُ الشَّمْسُ فِي الصَّيْفِ وَالسَّمُومُ، فَيُؤْذِي ذَلِكَ أَهْلَهَا، وَيَكْثُرُ فِيهَا فِي الشِّتَاءِ الْبَرْدُ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُلُوكَ يَتَوَصَّلُونَ فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْأَنْهَارِ ; لِتَزُولَ هُمُومُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمِيَاهِ، وَيَتَرَطَّبَ الْهَوَاءُ، وَتُضِيءَ أَبْصَارُهُمْ، وَأَنْتَ قَدْ تَرَكْتَ دِجْلَةَ وَبَنَيْتَهَا فِي الْقَفْرِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّكَ جَعَلْتَ حُجْرَةَ النِّسَاءِ مِمَّا يَلِي الشِّمَالَ مِنْ مَسَاكِنِ الرِّجَالِ، وَهُوَ أَدْوَمُ هُبُوبًا، فَلَا يَزَالُ الْهَوَاءُ يَجِيءُ بِأَصْوَاتِ النِّسَاءِ وَرِيحِ طِيبِهِنَّ، وَهَذَا مَا تَمْنَعُهُ الْغَيْرَةُ وَالْحَمِيَّةُ. فَقَالَ هُرْمُزُ: أَمَّا سِعَةُ الصُّحُونِ وَالْمَجَالِسِ فَخَيْرُ الْمَسَاكِنِ مَا سَافَرَ فِيهِ الْبَصَرُ، وَشِدَّةُ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ يُدْفَعَانِ بِالْخَيْشِ وَالْمَلَابِسِ وَالنِّيرَانِ. وَأَمَّا مُجَاوَرَةُ الْمَاءِ فَكُنْتُ عِنْدَ أَبِي وَهُوَ يُشْرِفُ عَلَى دِجْلَةَ، فَغَرِقَتْ سَفِينَةٌ تَحْتَهُ فَاسْتَغَاثَ مَنْ بِهَا إِلَيْهِ، وَأَبِي يَتَأَسَّفُ عَلَيْهِمْ وَيَصِيحُ بِالسُّفُنِ الَّتِي تَحْتَ دَارِهِ لِيَلْحَقُوهُ، فَإِلَى أَنْ لَحِقُوهُمْ غَرِقَ جَمِيعُهُمْ، فَجَعَلْتُ فِي نَفْسِي أَنَّنِي لَا أُجَاوِرُ سُلْطَانًا هُوَ أَقْوَى مِنِّي. وَأَمَّا عَمَلُ حُجْرَةِ النِّسَاءِ فِي جِهَةِ الشِّمَالِ، فَقَصَدْنَا بِهِ أَنَّ الشِّمَالَ أَرَقُّ هَوَاءً، وَأَقَلُّ وَخَامَةً، وَالنِّسَاءُ يُلَازِمْنَ الْبُيُوتَ، فَعُمِلَ لِذَلِكَ. وَأَمَّا الْغَيْرَةُ فَإِنَّ الرِّجَالَ لَا يَخْلُوُنَّ بِالنِّسَاءِ، وَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ إِنَّمَا هُوَ مَمْلُوكٌ وَعَبْدٌ لِقَيِّمٍ، وَأَمَّا أَنْتَ فَمَا أَخْرَجَ هَذَا مِنْكَ إِلَّا بُغْضٌ لِي، فَأَخْبِرْنِي عَنْ سَبَبِهِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: لِي قَرْيَةٌ مِلْكٌ كُنْتُ أُنْفِقُ حَاصِلَهَا عَلَى عِيَالِي، فَغَلَبَنِي الْمَرْزُبَانُ فَأَخَذَهَا مِنِّي، فَقَصَدْتُكَ أَتَظَلَّمُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ فَلَمْ أَصِلْ إِلَيْكَ، فَقَصَدْتُ وَزِيرَكَ وَتَظَلَّمْتُ إِلَيْهِ فَلَمْ يُنْصِفْنِي، وَأَنَا أُؤَدِّي خَرَاجَ الْقَرْيَةِ حَتَّى لَا يَزُولَ اسْمِي عَنْهَا، وَهَذَا غَايَةُ الظُّلْمِ أَنْ يَكُونَ غَيْرِي يَأْخُذُ دَخْلَهَا وَأَنَا أُؤَدِّي خَرَاجَهَا.

стр. 424

فَسَأَلَ هُرْمُزُ وَزِيرَهُ فَصَدَّقَهُ وَقَالَ: خِفْتُ أُعْلِمُكَ فَيُؤْذِينِي الْمَرْزُبَانُ. فَأَمَرَ هُرْمُزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الْمَرْزُبَانِ ضِعْفُ مَا أَخَذَ، وَأَنْ يَسْتَخْدِمَهُ صَاحِبُ الْقَرْيَةِ فِي أَيِّ شُغْلٍ شَاءَ سَنَتَيْنِ، وَعَزَلَ وَزِيرَهُ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: إِذَا كَانَ الْوَزِيرُ يُرَاقِبُ الظَّالِمَ فَالْأَحْرَى أَنَّ غَيْرَهُ يُرَاقِبُهُ، فَأَمَرَ بِاتِّخَاذِ صُنْدُوقٍ، وَكَانَ يَقْفِلُهُ وَيَخْتِمُهُ بِخَاتَمٍ وَيُتْرَكُ عَلَى بَابِ دَارِهِ وَفِيهِ خَرْقٌ يُلْقَى فِيهِ رِقَاعُ الْمُتَظَلِّمِينَ، وَكَانَ يَفْتَحُهُ كُلَّ أُسْبُوعٍ وَيَكْشِفُ الْمَظَالِمَ، فَأَفْكَرَ وَقَالَ: أُرِيدُ أَعْرِفُ ظُلْمَ الرَّعِيَّةِ سَاعَةً فَسَاعَةً، فَاتَّخَذَ سِلْسِلَةً طَرَفُهَا فِي مَجْلِسِهِ فِي السَّقْفِ، وَالطَّرَفُ الْآخَرُ خَارِجَ الدَّارِ فِي رَوْزَنَةٍ وَفِيهَا جَرَسٌ، وَكَانَ الْمُتَظَلِّمُ يُحَرِّكُ السِّلْسِلَةَ فَيُحَرِّكُ الْجَرَسَ فَيَحْضُرُهُ وَيَكْشِفُ ظُلَامَتَهُ. [ذِكْرُ مُلْكِ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ بْنِ هُرْمُزَ] وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ مُلُوكِهِمْ بَطْشًا، وَأَنْفَذِهِمْ رَأْيًا، وَبَلَغَ مِنَ الْبَأْسِ وَالنَّجْدَةِ وَجَمْعِ الْأَمْوَالِ وَمُسَاعَدَةِ الْأَقْدَارِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ مَلِكٌ قَبْلَهُ، وَلِذَلِكَ لُقِّبَ أَبْرَوِيزَ، وَمَعْنَاهُ الْمُظَفَّرُ، وَكَانَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ قَدْ سَعَى بِهِ بَهْرَامُ جُوبِينَ إِلَى أَبِيهِ أَنَّهُ يُرِيدُ الْمُلْكَ لِنَفْسِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ سَارَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ سِرًّا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، فَلَمَّا وَصَلَهَا بَايَعَهُ مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الْعُظَمَاءِ، وَاجْتَمَعَ مَنْ بِالْمَدَائِنِ عَلَى خَلْعِ أَبِيهِ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبْرَوِيزُ بَادَرَ الْوُصُولَ إِلَى الْمَدَائِنِ قَبْلَ بَهْرَامَ جُوبِينَ، فَدَخَلَهَا قَبْلَهُ وَلَبِسَ التَّاجَ وَجَلَسَ عَلَى السَّرِيرِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى أَبِيهِ، وَكَانَ قَدْ سُمِلَ، فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِمَّا فُعِلَ بِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ هَرَبُهُ لِلْخَوْفِ مِنْهُ، فَصَدَّقَهُ وَسَأَلَهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مَنْ يُؤْنِسُهُ، وَأَنْ يَنْتَقِمَ مِمَّنْ خَلَعَهُ وَسَمَلَ عَيْنَيْهِ، فَاعْتَذَرَ بِقُرْبِ بَهْرَامَ مِنْهُ فِي الْعَسَاكِرِ وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَنْتَقِمَ مِمَّنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ الظَّفَرِ بِبَهْرَامَ. وَسَارَ بَهْرَامُ إِلَى النَّهْرَوَانِ وَسَارَ أَبْرَوِيزُ إِلَيْهِ، فَالْتَقَيَا هُنَاكَ، وَرَأَى أَبْرَوِيزُ مِنْ أَصْحَابِهِ فُتُورًا فِي الْقِتَالِ فَانْهَزَمَ، وَدَخَلَ عَلَى أَبِيهِ وَعَرَّفَهُ الْحَالَ، فَاسْتَشَارَهُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِقَصْدِ مُورِيقَ مَلِكِ الرُّومِ، وَجَهَّزَ ثَانِيًا وَسَارَ فِي عِدَّةٍ يَسِيرَةٍ، فِيهِمْ خَالَاهُ بِنْدَوَيْهِ وَبِسْطَامٌ وَكُرْدِيٌّ أَخُو بَهْرَامَ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْمَدَائِنِ خَافَ مَنْ مَعَهُ أَنَّ بَهْرَامَ يَرُدُّ هُرْمُزَ إِلَى الْمُلْكِ

стр. 425

وَيُرْسِلُ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ فِي رَدِّهِمْ فَيَرُدُّهُمْ إِلَيْهِ، فَاسْتَأْذَنُوا أَبْرَوِيزَ فِي قَتْلِ أَبِيهِ هُرْمُزَ فَلَمْ يُحِرْ جَوَابًا، فَانْصَرَفَ بِنْدَوَيْهِ وَبِسْطَامٌ وَبَعْضُ مَنْ مَعَهُمْ إِلَى هُرْمُزَ فَقَتَلُوهُ خَنْقًا، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى أَبْرَوِيزَ وَسَارُوا مُجِدِّينَ إِلَى أَنْ جَاوَزُوا الْفُرَاتَ، وَدَخَلُوا دَيْرًا يَسْتَرِيحُونَ فِيهِ، فَلَمَّا دَخَلُوا غَشِيَتْهُمْ خَيْلُ بَهْرَامَ جُوبِينَ وَمُقَدِّمُهَا رَجُلٌ اسْمُهُ بَهْرَامُ بْنُ سِيَاوِشَ، فَقَالَ بِنْدَوَيْهِ لِأَبْرَوِيزَ: احْتَلْ لِنَفْسِكَ. قَالَ: مَا عِنْدِي حِيلَةٌ! قَالَ بِنْدَوَيْهِ: أَنَا أَبْذُلُ نَفْسِي دُونَكَ، وَطَلَبَ مِنْهُ بَزَّتَهُ فَلَبِسَهَا، وَخَرَجَ أَبْرَوِيزُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الدَّيْرِ وَتَوَارَوْا بِالْجَبَلِ، وَوَافَى بَهْرَامُ الدَّيْرَ فَرَأَى بِنْدَوَيْهِ فَوْقَ الدَّيْرِ وَعَلَيْهِ بَزَّةُ أَبْرَوِيزَ، فَاعْتَقَدَهُ هُوَ وَسَأَلَهُ أَنْ يُنْظِرَهُ إِلَى غَدٍ لِيَصِيرَ إِلَيْهِ سِلْمًا، فَفَعَلَ، ثُمَّ ظَهَرَ مِنَ الْغَدِ عَلَى حِيلَتِهِ فَحَمَلَهُ إِلَى بَهْرَامَ جُوبِينَ فَحَبَسَهُ، وَدَخَلَ بَهْرَامُ جُوبِينَ دَارَ الْمُلْكِ وَقَعَدَ عَلَى السَّرِيرِ وَلَبِسَ التَّاجَ، فَانْصَرَفَتِ الْوُجُوهُ عَنْهُ، لَكِنَّ النَّاسَ أَطَاعُوهُ خَوْفًا، وَوَاطَأَ بَهْرَامُ بْنُ سِيَاوِشَ بِنْدَوَيْهِ عَلَى الْفَتْكِ بِبَهْرَامَ جُوبِينَ، فَعَلِمَ بَهْرَامُ جُوبِينَ بِذَلِكَ فَقَتَلَ بَهْرَامَ وَأَفْلَتَ بِنْدَوَيْهِ فَلَحِقَ بِأَذْرَبِيجَانَ. وَسَارَ أَبْرَوِيزُ إِلَى أَنْطَاكِيَّةَ، وَأَرْسَلَ أَصْحَابَهُ إِلَى الْمَلِكِ، فَوَعَدَهُ النُّصْرَةَ وَتَزَوَّجَ أَبْرَوِيزُ ابْنَةَ الْمَلِكِ مُورِيقَ، وَاسْمُهَا مَرْيَمُ، وَجَهَّزَ مَعَهُ الْعَسَاكِرَ الْكَثِيرَةَ، فَبَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ سَبْعِينَ أَلْفًا فِيهِمْ رَجُلٌ يُعَدُّ بِأَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَرَتَّبَهُمْ أَبْرَوِيزُ وَسَارَ بِهِمْ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَوَافَاهُ بِنْدَوَيْهِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُقَدَّمِينَ وَالْأَسَاوِرَةِ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ أَصْبَهَانَ وَفَارِسَ وَخُرَاسَانَ، وَسَارَ إِلَى الْمَدَائِنِ. وَخَرَجَ بَهْرَامُ جُوبِينَ نَحْوَهُ، فَجَرَى بَيْنَهُمَا حَرْبٌ شَدِيدَةٌ، فَقُتِلَ فِيهَا الْفَارِسُ الرُّومِيُّ الَّذِي يُعَدُّ بِأَلْفِ فَارِسٍ. ثُمَّ انْهَزَمَ بَهْرَامُ جُوبِينَ، وَسَارَ إِلَى التُّرْكِ، وَسَارَ أَبْرَوِيزُ مِنَ الْمَعْرَكَةِ وَدَخَلَ الْمَدَائِنَ وَفَرَّقَ الْأَمْوَالَ فِي الرُّومِ، فَبَلَغَتْ جُمْلَتُهَا عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفٍ فَأَعَادَهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ. وَأَقَامَ بَهْرَامُ جُوبِينَ عِنْدَ التُّرْكِ مُكَرَّمًا، فَأَرْسَلَ أَبْرَوِيزُ إِلَى زَوْجَةِ الْمَلِكِ، وَأَجْزَلَ لَهَا الْهَدِيَّةَ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا، وَطَلَبَ مِنْهَا قَتْلَ بَهْرَامَ، فَوَضَعَتْ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ، فَاشْتَدَّ قَتْلُهُ عَلَى مَلِكِ التُّرْكِ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ زَوْجَتَهُ قَتَلَتْهُ فَطَلَّقَهَا. ثُمَّ إِنَّ أَبْرَوِيزَ قَتَلَ بِنْدَوَيْهِ، وَأَرَادَ قَتْلَ بِسْطَامٍ فَهَرَبَ مِنْهُ إِلَى طَبَرِسْتَانَ لِحَصَانَتِهَا، فَوَضَعَ أَبْرَوِيزُ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ. وَأَمَّا الرُّومُ فَإِنَّهُمْ خَلَعُوا مَلِكَهُمْ مُورِيقَ بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ أَبْرَوِيزَ، وَقَتَلُوهُ وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بَطْرِيقًا اسْمُهُ فُوقَاسُ، فَأَبَادَ ذُرِّيَّةَ مُورِيقَ سِوَى ابْنٍ لَهُ هَرَبَ إِلَى
следующие страницы →