← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قَالَ هُبَيْرَةُ بْنُ حُدَيْرٍ الْعَدَوِيُّ: رَجَعَ إِلَيْنَا بَعْدَمَا فُتِحَتْ إِصْطَخْرُ عِدَّةٌ مِنْهُمْ، وَشَدَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ عُبَيْدُ بْنُ وَهْبٍ عَلَى سِلْسِلَةِ الْبَابِ فَقَطَعَهَا وَخَرَجَ، وَاسْتَوْهَبَ هَوْذَةُ مِنَ الْمُكَعْبِرِ مِائَةَ أَسِيرٍ مِنْهُمْ فَأَطْلَقَهُمْ. (حُدَيْرٌ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الدَّالِ) . [ذِكْرُ مُلْكِ ابْنِهِ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشِرْوَانَ] وَكَانَتْ أُمُّهُ ابْنَةَ خَاقَانَ الْأَكْبَرِ، وَكَانَ هُرْمُزُ بْنُ كِسْرَى أَدِيبًا ذَا نِيَّةٍ فِي الْإِحْسَانِ إِلَى الضُّعَفَاءِ وَالْحَمْلِ عَلَى الْأَشْرَافِ، فَعَادُوهُ وَأَبْغَضُوهُ، وَكَانَ فِي نَفْسِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَكَانَ عَادِلًا بَلَغَ مِنْ عَدْلِهِ أَنَّهُ رَكِبَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى سَابَاطِ الْمَدَائِنِ فَاجْتَازَ بِكُرُومٍ، فَاطَّلَعَ أَسْوَارٌ مِنْ أَسَاوِرَتِهِ فِي كَرْمٍ وَأَخَذَ مِنْهُ عَنَاقِيدَ حُصْرُمٍ، فَلَزِمَهُ حَافِظُ الْكُرُومِ وَصَرَخَ، فَبَلَغَ مِنْ خَوْفِ الْأَسْوَارِ مِنْ عُقُوبَةِ كِسْرَى هُرْمُزَ أَنْ دَفَعَ إِلَى حَافِظِ الْكَرْمِ، مِنْطَعَةً مُحَلَّاةً بِذَهَبٍ عِوَضًا مِنَ الْحُصْرُمِ فَتَرَكَهُ. وَقِيلَ: كَانَ مُظَفَّرًا مَنْصُورًا لَا يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى شَيْءٍ إِلَّا نَالَهُ، وَكَانَ دَاهِيًا رَدِيَّ النِّيَّةِ، قَدْ نَزَعَ إِلَى أَخْوَالِهِ التُّرْكِ، وَإِنَّهُ قَتَلَ الْعُلَمَاءَ وَأَهْلَ الْبُيُوتَاتِ وَالشَّرَفِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ وَسِتَّمِائَةِ رَجُلٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ إِلَّا فِي تَأَلُّفِ السِّفْلَةِ. وَحَبَسَ كَثِيرًا مِنَ الْعُظَمَاءِ وَأَسْقَطَهُمْ وَحَطَّ مَرَاتِبَهُمْ وَحَرَمَ الْجُنُودَ، فَفَسَدَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِمَّنْ كَانَ حَوْلَهُ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ شَابَهْ مَلِكُ التُّرْكِ فِي ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ مِنْ مُلْكِهِ، فَوَصَلَ هَرَاةَ وَبَاذَغِيسَ، وَأَرْسَلَ إِلَى هُرْمُزَ وَالْفُرْسِ يَأْمُرُهُمْ بِإِصْلَاحِ الطُّرُقِ لِيَجُوزَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ.

стр. 422

وَوَصَلَ مَلِكُ الرُّومِ فِي ثَمَانِينَ أَلْفًا إِلَى الضَّوَاحِي قَاصِدًا لَهُ، وَوَصَلَ مَلِكُ الْخَزَرِ إِلَى الْبَابِ وَالْأَبْوَابِ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ، فَإِنَّ جَمْعًا مِنَ الْعَرَبِ شَنُّوا الْغَارَةَ عَلَى السَّوَادِ. فَأَرْسَلَ هُرْمُزُ بَهْرَامَ خُشْنَشْ، وَيُعْرَفُ بِجُوبِينَ، فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ اخْتَارَهُمْ مِنْ عَسْكَرِهِ، فَسَارَ مُجِدًّا وَوَاقَعَ شَابَهْ مَلِكَ التُّرْكِ فَقَتَلَهُ بِرَمْيَةٍ رَمَاهَا وَاسْتَبَاحَ عَسْكَرَهُ، ثُمَّ وَافَاهُ بَرْمُودَهْ بْنُ شَابَهْ فَهَزَمَهُ أَيْضًا وَحَصَرَهُ فِي بَعْضِ الْحُصُونِ حَتَّى اسْتَسْلَمَ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى هُرْمُزَ أَسِيرًا وَغَنِمَ مَا فِي الْحِصْنِ، فَكَانَ عَظِيمًا. ثُمَّ خَافَ بَهْرَامُ وَمَنْ مَعَهُ هُرْمُزَ، فَخَلَعُوهُ وَسَارُوا نَحْوَ الْمَدَائِنِ، وَأَظْهَرُوا أَنَّ ابْنَهُ أَبْرَوِيزَ أَصْلَحُ لِلْمُلْكِ مِنْهُ، وَسَاعَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ كَانَ بِحَضْرَةِ هُرْمُزَ، وَكَانَ غَرَضُ بَهْرَامَ أَنْ يَسْتَوْحِشَ هُرْمُزُ مِنِ ابْنِهِ أَبْرَوِيزَ، وَيَسْتَوْحِشَ ابْنُهُ مِنْهُ فَيَخْتَلِفَا، فَإِنْ ظَفِرَ أَبْرَوِيزُ بِأَبِيهِ كَانَ أَمْرُهُ عَلَى بَهْرَامَ سَهْلًا، وَإِنْ ظَفِرَ أَبُوهُ بِهِ نَجَا بَهْرَامُ وَالْكَلِمَةُ مُخْتَلِفَةٌ، فَيَنَالُ مِنْ هُرْمُزَ غَرَضَهُ، وَكَانَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالِاسْتِقْلَالِ بِالْمُلْكِ. فَلَمَّا عَلِمَ أَبْرَوِيزُ ذَلِكَ خَافَ أَبَاهُ، فَهَرَبَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ عِدَّةٌ مِنَ الْمَرَازِبَةِ وَالْأَصْبَهْبَذِينَ، وَوَثَبَ الْعُظَمَاءُ بِالْمَدَائِنِ، وَفِيهِمْ بِنْدَوَيْهِ وَبِسْطَامٌ خَالَا أَبْرَوِيزَ، فَخَلَعُوا هُرْمُزَ وَسَمَلُوا عَيْنَيْهِ وَتَرَكُوهُ تَحَرُّجًا مِنْ قَتْلِهِ، وَبَلَغَ أَبْرَوِيزَ الْخَبَرُ فَأَقْبَلَ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى دَارِ الْمُلْكِ. وَكَانَ مُلْكُ هُرْمُزَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَمْ يُسْمَلْ مِنْ مُلُوكِ الْفُرْسِ غَيْرُهُ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ. وَمِنْ مَحَاسِنِ السِّيَرِ مَا حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ دَارِهِ الَّتِي تُشْرِفُ عَلَى دِجْلَةَ مُقَابِلَ الْمَدَائِنِ عَمِلَ وَلِيمَةً عَظِيمَةً وَأَحْضَرَ النَّاسَ مِنَ الْأَطْرَافِ، فَأَكَلُوا، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: هَلْ

стр. 423

رَأَيْتُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ عَيْبًا؟ فَكُلُّهُمْ قَالَ: لَا عَيْبَ فِيهَا. فَقَامَ رَجُلٌ وَقَالَ: فِيهَا ثَلَاثَةُ عُيُوبٍ فَاحِشَةٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ النَّاسَ يَجْعَلُونَ دُورَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَأَنْتَ جَعَلْتَ الدُّنْيَا فِي دَارِكَ، فَقَدْ أَفْرَطْتَ فِي تَوْسِيعِ صُحُونِهَا وَبُيُوتِهَا، فَتَتَمَكَّنُ الشَّمْسُ فِي الصَّيْفِ وَالسَّمُومُ، فَيُؤْذِي ذَلِكَ أَهْلَهَا، وَيَكْثُرُ فِيهَا فِي الشِّتَاءِ الْبَرْدُ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُلُوكَ يَتَوَصَّلُونَ فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْأَنْهَارِ ; لِتَزُولَ هُمُومُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمِيَاهِ، وَيَتَرَطَّبَ الْهَوَاءُ، وَتُضِيءَ أَبْصَارُهُمْ، وَأَنْتَ قَدْ تَرَكْتَ دِجْلَةَ وَبَنَيْتَهَا فِي الْقَفْرِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّكَ جَعَلْتَ حُجْرَةَ النِّسَاءِ مِمَّا يَلِي الشِّمَالَ مِنْ مَسَاكِنِ الرِّجَالِ، وَهُوَ أَدْوَمُ هُبُوبًا، فَلَا يَزَالُ الْهَوَاءُ يَجِيءُ بِأَصْوَاتِ النِّسَاءِ وَرِيحِ طِيبِهِنَّ، وَهَذَا مَا تَمْنَعُهُ الْغَيْرَةُ وَالْحَمِيَّةُ. فَقَالَ هُرْمُزُ: أَمَّا سِعَةُ الصُّحُونِ وَالْمَجَالِسِ فَخَيْرُ الْمَسَاكِنِ مَا سَافَرَ فِيهِ الْبَصَرُ، وَشِدَّةُ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ يُدْفَعَانِ بِالْخَيْشِ وَالْمَلَابِسِ وَالنِّيرَانِ. وَأَمَّا مُجَاوَرَةُ الْمَاءِ فَكُنْتُ عِنْدَ أَبِي وَهُوَ يُشْرِفُ عَلَى دِجْلَةَ، فَغَرِقَتْ سَفِينَةٌ تَحْتَهُ فَاسْتَغَاثَ مَنْ بِهَا إِلَيْهِ، وَأَبِي يَتَأَسَّفُ عَلَيْهِمْ وَيَصِيحُ بِالسُّفُنِ الَّتِي تَحْتَ دَارِهِ لِيَلْحَقُوهُ، فَإِلَى أَنْ لَحِقُوهُمْ غَرِقَ جَمِيعُهُمْ، فَجَعَلْتُ فِي نَفْسِي أَنَّنِي لَا أُجَاوِرُ سُلْطَانًا هُوَ أَقْوَى مِنِّي. وَأَمَّا عَمَلُ حُجْرَةِ النِّسَاءِ فِي جِهَةِ الشِّمَالِ، فَقَصَدْنَا بِهِ أَنَّ الشِّمَالَ أَرَقُّ هَوَاءً، وَأَقَلُّ وَخَامَةً، وَالنِّسَاءُ يُلَازِمْنَ الْبُيُوتَ، فَعُمِلَ لِذَلِكَ. وَأَمَّا الْغَيْرَةُ فَإِنَّ الرِّجَالَ لَا يَخْلُوُنَّ بِالنِّسَاءِ، وَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ إِنَّمَا هُوَ مَمْلُوكٌ وَعَبْدٌ لِقَيِّمٍ، وَأَمَّا أَنْتَ فَمَا أَخْرَجَ هَذَا مِنْكَ إِلَّا بُغْضٌ لِي، فَأَخْبِرْنِي عَنْ سَبَبِهِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: لِي قَرْيَةٌ مِلْكٌ كُنْتُ أُنْفِقُ حَاصِلَهَا عَلَى عِيَالِي، فَغَلَبَنِي الْمَرْزُبَانُ فَأَخَذَهَا مِنِّي، فَقَصَدْتُكَ أَتَظَلَّمُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ فَلَمْ أَصِلْ إِلَيْكَ، فَقَصَدْتُ وَزِيرَكَ وَتَظَلَّمْتُ إِلَيْهِ فَلَمْ يُنْصِفْنِي، وَأَنَا أُؤَدِّي خَرَاجَ الْقَرْيَةِ حَتَّى لَا يَزُولَ اسْمِي عَنْهَا، وَهَذَا غَايَةُ الظُّلْمِ أَنْ يَكُونَ غَيْرِي يَأْخُذُ دَخْلَهَا وَأَنَا أُؤَدِّي خَرَاجَهَا.

стр. 424

فَسَأَلَ هُرْمُزُ وَزِيرَهُ فَصَدَّقَهُ وَقَالَ: خِفْتُ أُعْلِمُكَ فَيُؤْذِينِي الْمَرْزُبَانُ. فَأَمَرَ هُرْمُزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الْمَرْزُبَانِ ضِعْفُ مَا أَخَذَ، وَأَنْ يَسْتَخْدِمَهُ صَاحِبُ الْقَرْيَةِ فِي أَيِّ شُغْلٍ شَاءَ سَنَتَيْنِ، وَعَزَلَ وَزِيرَهُ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: إِذَا كَانَ الْوَزِيرُ يُرَاقِبُ الظَّالِمَ فَالْأَحْرَى أَنَّ غَيْرَهُ يُرَاقِبُهُ، فَأَمَرَ بِاتِّخَاذِ صُنْدُوقٍ، وَكَانَ يَقْفِلُهُ وَيَخْتِمُهُ بِخَاتَمٍ وَيُتْرَكُ عَلَى بَابِ دَارِهِ وَفِيهِ خَرْقٌ يُلْقَى فِيهِ رِقَاعُ الْمُتَظَلِّمِينَ، وَكَانَ يَفْتَحُهُ كُلَّ أُسْبُوعٍ وَيَكْشِفُ الْمَظَالِمَ، فَأَفْكَرَ وَقَالَ: أُرِيدُ أَعْرِفُ ظُلْمَ الرَّعِيَّةِ سَاعَةً فَسَاعَةً، فَاتَّخَذَ سِلْسِلَةً طَرَفُهَا فِي مَجْلِسِهِ فِي السَّقْفِ، وَالطَّرَفُ الْآخَرُ خَارِجَ الدَّارِ فِي رَوْزَنَةٍ وَفِيهَا جَرَسٌ، وَكَانَ الْمُتَظَلِّمُ يُحَرِّكُ السِّلْسِلَةَ فَيُحَرِّكُ الْجَرَسَ فَيَحْضُرُهُ وَيَكْشِفُ ظُلَامَتَهُ. [ذِكْرُ مُلْكِ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ بْنِ هُرْمُزَ] وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ مُلُوكِهِمْ بَطْشًا، وَأَنْفَذِهِمْ رَأْيًا، وَبَلَغَ مِنَ الْبَأْسِ وَالنَّجْدَةِ وَجَمْعِ الْأَمْوَالِ وَمُسَاعَدَةِ الْأَقْدَارِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ مَلِكٌ قَبْلَهُ، وَلِذَلِكَ لُقِّبَ أَبْرَوِيزَ، وَمَعْنَاهُ الْمُظَفَّرُ، وَكَانَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ قَدْ سَعَى بِهِ بَهْرَامُ جُوبِينَ إِلَى أَبِيهِ أَنَّهُ يُرِيدُ الْمُلْكَ لِنَفْسِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ سَارَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ سِرًّا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، فَلَمَّا وَصَلَهَا بَايَعَهُ مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الْعُظَمَاءِ، وَاجْتَمَعَ مَنْ بِالْمَدَائِنِ عَلَى خَلْعِ أَبِيهِ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبْرَوِيزُ بَادَرَ الْوُصُولَ إِلَى الْمَدَائِنِ قَبْلَ بَهْرَامَ جُوبِينَ، فَدَخَلَهَا قَبْلَهُ وَلَبِسَ التَّاجَ وَجَلَسَ عَلَى السَّرِيرِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى أَبِيهِ، وَكَانَ قَدْ سُمِلَ، فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِمَّا فُعِلَ بِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ هَرَبُهُ لِلْخَوْفِ مِنْهُ، فَصَدَّقَهُ وَسَأَلَهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مَنْ يُؤْنِسُهُ، وَأَنْ يَنْتَقِمَ مِمَّنْ خَلَعَهُ وَسَمَلَ عَيْنَيْهِ، فَاعْتَذَرَ بِقُرْبِ بَهْرَامَ مِنْهُ فِي الْعَسَاكِرِ وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَنْتَقِمَ مِمَّنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ الظَّفَرِ بِبَهْرَامَ. وَسَارَ بَهْرَامُ إِلَى النَّهْرَوَانِ وَسَارَ أَبْرَوِيزُ إِلَيْهِ، فَالْتَقَيَا هُنَاكَ، وَرَأَى أَبْرَوِيزُ مِنْ أَصْحَابِهِ فُتُورًا فِي الْقِتَالِ فَانْهَزَمَ، وَدَخَلَ عَلَى أَبِيهِ وَعَرَّفَهُ الْحَالَ، فَاسْتَشَارَهُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِقَصْدِ مُورِيقَ مَلِكِ الرُّومِ، وَجَهَّزَ ثَانِيًا وَسَارَ فِي عِدَّةٍ يَسِيرَةٍ، فِيهِمْ خَالَاهُ بِنْدَوَيْهِ وَبِسْطَامٌ وَكُرْدِيٌّ أَخُو بَهْرَامَ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْمَدَائِنِ خَافَ مَنْ مَعَهُ أَنَّ بَهْرَامَ يَرُدُّ هُرْمُزَ إِلَى الْمُلْكِ

стр. 425

وَيُرْسِلُ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ فِي رَدِّهِمْ فَيَرُدُّهُمْ إِلَيْهِ، فَاسْتَأْذَنُوا أَبْرَوِيزَ فِي قَتْلِ أَبِيهِ هُرْمُزَ فَلَمْ يُحِرْ جَوَابًا، فَانْصَرَفَ بِنْدَوَيْهِ وَبِسْطَامٌ وَبَعْضُ مَنْ مَعَهُمْ إِلَى هُرْمُزَ فَقَتَلُوهُ خَنْقًا، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى أَبْرَوِيزَ وَسَارُوا مُجِدِّينَ إِلَى أَنْ جَاوَزُوا الْفُرَاتَ، وَدَخَلُوا دَيْرًا يَسْتَرِيحُونَ فِيهِ، فَلَمَّا دَخَلُوا غَشِيَتْهُمْ خَيْلُ بَهْرَامَ جُوبِينَ وَمُقَدِّمُهَا رَجُلٌ اسْمُهُ بَهْرَامُ بْنُ سِيَاوِشَ، فَقَالَ بِنْدَوَيْهِ لِأَبْرَوِيزَ: احْتَلْ لِنَفْسِكَ. قَالَ: مَا عِنْدِي حِيلَةٌ! قَالَ بِنْدَوَيْهِ: أَنَا أَبْذُلُ نَفْسِي دُونَكَ، وَطَلَبَ مِنْهُ بَزَّتَهُ فَلَبِسَهَا، وَخَرَجَ أَبْرَوِيزُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الدَّيْرِ وَتَوَارَوْا بِالْجَبَلِ، وَوَافَى بَهْرَامُ الدَّيْرَ فَرَأَى بِنْدَوَيْهِ فَوْقَ الدَّيْرِ وَعَلَيْهِ بَزَّةُ أَبْرَوِيزَ، فَاعْتَقَدَهُ هُوَ وَسَأَلَهُ أَنْ يُنْظِرَهُ إِلَى غَدٍ لِيَصِيرَ إِلَيْهِ سِلْمًا، فَفَعَلَ، ثُمَّ ظَهَرَ مِنَ الْغَدِ عَلَى حِيلَتِهِ فَحَمَلَهُ إِلَى بَهْرَامَ جُوبِينَ فَحَبَسَهُ، وَدَخَلَ بَهْرَامُ جُوبِينَ دَارَ الْمُلْكِ وَقَعَدَ عَلَى السَّرِيرِ وَلَبِسَ التَّاجَ، فَانْصَرَفَتِ الْوُجُوهُ عَنْهُ، لَكِنَّ النَّاسَ أَطَاعُوهُ خَوْفًا، وَوَاطَأَ بَهْرَامُ بْنُ سِيَاوِشَ بِنْدَوَيْهِ عَلَى الْفَتْكِ بِبَهْرَامَ جُوبِينَ، فَعَلِمَ بَهْرَامُ جُوبِينَ بِذَلِكَ فَقَتَلَ بَهْرَامَ وَأَفْلَتَ بِنْدَوَيْهِ فَلَحِقَ بِأَذْرَبِيجَانَ. وَسَارَ أَبْرَوِيزُ إِلَى أَنْطَاكِيَّةَ، وَأَرْسَلَ أَصْحَابَهُ إِلَى الْمَلِكِ، فَوَعَدَهُ النُّصْرَةَ وَتَزَوَّجَ أَبْرَوِيزُ ابْنَةَ الْمَلِكِ مُورِيقَ، وَاسْمُهَا مَرْيَمُ، وَجَهَّزَ مَعَهُ الْعَسَاكِرَ الْكَثِيرَةَ، فَبَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ سَبْعِينَ أَلْفًا فِيهِمْ رَجُلٌ يُعَدُّ بِأَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَرَتَّبَهُمْ أَبْرَوِيزُ وَسَارَ بِهِمْ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَوَافَاهُ بِنْدَوَيْهِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُقَدَّمِينَ وَالْأَسَاوِرَةِ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ أَصْبَهَانَ وَفَارِسَ وَخُرَاسَانَ، وَسَارَ إِلَى الْمَدَائِنِ. وَخَرَجَ بَهْرَامُ جُوبِينَ نَحْوَهُ، فَجَرَى بَيْنَهُمَا حَرْبٌ شَدِيدَةٌ، فَقُتِلَ فِيهَا الْفَارِسُ الرُّومِيُّ الَّذِي يُعَدُّ بِأَلْفِ فَارِسٍ. ثُمَّ انْهَزَمَ بَهْرَامُ جُوبِينَ، وَسَارَ إِلَى التُّرْكِ، وَسَارَ أَبْرَوِيزُ مِنَ الْمَعْرَكَةِ وَدَخَلَ الْمَدَائِنَ وَفَرَّقَ الْأَمْوَالَ فِي الرُّومِ، فَبَلَغَتْ جُمْلَتُهَا عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفٍ فَأَعَادَهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ. وَأَقَامَ بَهْرَامُ جُوبِينَ عِنْدَ التُّرْكِ مُكَرَّمًا، فَأَرْسَلَ أَبْرَوِيزُ إِلَى زَوْجَةِ الْمَلِكِ، وَأَجْزَلَ لَهَا الْهَدِيَّةَ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا، وَطَلَبَ مِنْهَا قَتْلَ بَهْرَامَ، فَوَضَعَتْ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ، فَاشْتَدَّ قَتْلُهُ عَلَى مَلِكِ التُّرْكِ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ زَوْجَتَهُ قَتَلَتْهُ فَطَلَّقَهَا. ثُمَّ إِنَّ أَبْرَوِيزَ قَتَلَ بِنْدَوَيْهِ، وَأَرَادَ قَتْلَ بِسْطَامٍ فَهَرَبَ مِنْهُ إِلَى طَبَرِسْتَانَ لِحَصَانَتِهَا، فَوَضَعَ أَبْرَوِيزُ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ. وَأَمَّا الرُّومُ فَإِنَّهُمْ خَلَعُوا مَلِكَهُمْ مُورِيقَ بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ أَبْرَوِيزَ، وَقَتَلُوهُ وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بَطْرِيقًا اسْمُهُ فُوقَاسُ، فَأَبَادَ ذُرِّيَّةَ مُورِيقَ سِوَى ابْنٍ لَهُ هَرَبَ إِلَى

стр. 426

كِسْرَى أَبْرَوِيزَ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ الْعَسَاكِرَ وَتَوَجَّهَ وَمَلَّكَهُ عَلَى الرُّومِ وَجَعَلَ عَلَى عَسَاكِرِهِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِنْ قُوَّادِهِ وَأَسَاوِرَتِهِ. أَمَّا أَحَدُهُمْ فَكَانَ يُقَالُ لَهُ بُورَانُ، وَجَّهَهُ فِي جَيْشٍ مِنْهَا إِلَى الشَّامِ، فَدَخَلَهَا حَتَّى دَخَلَ إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، فَأَخَذَ خَشَبَةَ الصَّلِيبِ الَّتِي تَزْعُمُ النَّصَارَى أَنَّ الْمَسِيحَ ﵇ صُلِبَ عَلَيْهَا فَأَرْسَلَهَا إِلَى كِسْرَى أَبْرَوِيزَ. وَأَمَّا الْقَائِدُ الثَّانِي فَكَانَ يُقَالُ لَهُ شَاهِينُ، فَسَيَّرَهُ فِي جَيْشٍ آخَرَ إِلَى مِصْرَ، فَافْتَتَحَهَا وَأَرْسَلَ مَفَاتِيحَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ إِلَى أَبْرَوِيزَ. وَأَمَّا الْقَائِدُ الثَّالِثُ، وَهُوَ أَعْظَمُهُمْ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ فَرُّخَانُ، وَتُدْعَى مَرْتَبَتُهُ شَهْرَبَرَازْ، وَجَعَلَ مَرْجِعَ الْقَائِدَيْنِ الْأَوَّلِينَ إِلَيْهِ. وَكَانَتْ وَالِدَتُهُ مُنْجِبَةً لَا تَلِدُ إِلَّا نَجِيبًا، فَأَحْضَرَهَا أَبْرَوِيزُ وَقَالَ لَهَا: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُوَجِّهَ جَيْشًا إِلَى الرُّومِ، أَسْتَعْمِلُ عَلَيْهِ بَعْضَ بَنِيكِ، فَأَشِيرِي عَلَيَّ أَيَّهُمْ أَسْتَعْمِلُ؟ . فَقَالَتْ: أَمَّا فُلَانٌ فَأَرْوَغُ مِنْ ثَعْلَبٍ، وَأَحْذَرُ مِنْ صَقْرٍ، وَأَمَّا فَرُّخَانُ فَهُوَ أَنْفَذُ مِنْ سِنَانٍ، وَأَمَّا شَهْرَبَرَازْ فَهُوَ أَحْلَمُ مِنْ كَذَا. فَقَالَ: قَدِ اسْتَعْمَلْتُ الْحَلِيمَ، فَوَلَّاهُ أَمْرَ الْجَيْشِ، فَسَارَ إِلَى الرُّومِ فَقَتَلَهُمْ، وَخَرَّبَ مَدَائِنَهُمْ، وَقَطَعَ أَشْجَارَهُمْ، وَسَارَ فِي بِلَادِهِمْ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، حَتَّى نَزَلَ عَلَى خَلِيجِهَا الْقَرِيبِ مِنْهَا يَنْهَبُ وَيُغِيرُ وَيُخَرِّبُ، فَلَمْ يَخْضَعْ لِابْنِ مُورِيقَ أَحَدٌ وَلَا أَطَاعَهُ، غَيْرَ أَنَّ الرُّومَ قَتَلُوا فُوقَاسَ لِفَسَادِهِ وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بَعْدَهُ هِرَقْلَ، وَهُوَ الَّذِي أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ الشَّامَ مِنْهُ. فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ مَا أَهَمَّ الرُّومَ مِنَ النَّهْبِ وَالْقَتْلِ وَالْبَلَاءِ تَضَرَّعَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَدَعَاهُ، فَرَأَى فِي مَنَامِهِ رَجُلًا كَثَّ اللِّحْيَةِ رَفِيعَ الْمَجْلِسِ عَلَيْهِ بَزَّةٌ حَسَنَةٌ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا دَاخِلٌ فَأَلْقَى ذَلِكَ الرَّجُلَ عَنْ مَجْلِسِهِ وَقَالَ لِهِرَقْلَ: إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُهُ فِي يَدِكَ، فَاسْتَيْقَظَ، فَلَمْ

стр. 427

يَقُصَّ رُؤْيَاهُ، فَرَأَى فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ ذَلِكَ الرَّجُلَ جَالِسًا فِي مَجْلِسِهِ، وَقَدْ دَخَلَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ وَبِيَدِهِ سِلْسِلَةٌ، فَأَلْقَاهَا فِي عُنُقِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَسَلَّمَهُ إِلَى هِرَقْلَ وَقَالَ: قَدْ دَفَعْتُ إِلَيْكَ كِسْرَى بِرُمَّتِهِ فَاغْزُهُ، فَإِنَّكَ مُدَالٌ عَلَيْهِ، وَبَالِغْ أُمْنِيَّتَكَ فِي أَعْدَائِكَ. فَقَصَّ حِينَئِذٍ هَذِهِ الرُّؤْيَا عَلَى عُظَمَاءِ الرُّومِ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ أَنْ يَغْزُوَهُ، فَاسْتَعَدَّ هِرَقْلُ وَأَخْلَفَ ابْنًا لَهُ عَلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَسَلَكَ غَيْرَ الطَّرِيقِ الَّذِي عَلَيْهِ شَهْرَبَرَازْ، وَسَارَ حَتَّى أَوْغَلَ فِي بِلَادِ أَرْمِينِيَّةَ، وَقَصَدَ الْجَزِيرَةَ فَنَزَلَ نَصِيبِينَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ كِسْرَى جُنْدًا وَأَمَرَهُمْ بِالْمُقَامِ بِالْمَوْصِلِ، وَأَرْسَلَ إِلَى شَهْرَبَرَازْ يَسْتَحِثُّهُ عَلَى الْقُدُومِ لِيَتَضَافَرَا عَلَى قِتَالِ هِرَقْلَ. وَقِيلَ فِي مَسِيرِهِ غَيْرُ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ شَهْرَبَرَازْ سَارَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ فَوَطِئَ الشَّامَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى أَذْرُعَاتٍ، وَلَقِيَ جُيُوشَ الرُّومِ بِهَا فَهَزَمَهَا وَظَفِرَ بِهَا وَسَبَى وَغَنِمَ وَعَظُمَ شَأْنُهُ. ثُمَّ إِنَّ فَرُّخَانَ أَخَا شَهْرَبَرَازْ شَرِبَ الْخَمْرَ يَوْمًا وَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنِّي جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِ كِسْرَى، فَبَلَغَ الْخَبَرُ كِسْرَى فَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ شَهْرَبَرَازْ يَأْمُرُهُ بِقَتْلِهِ، فَعَاوَدَهُ وَأَعْلَمَهُ شَجَاعَتَهُ وَنِكَايَتَهُ فِي الْعَدُوِّ، فَعَادَ كِسْرَى وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِقَتْلِهِ، فَرَاجَعَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الثَّالِثَةَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَكَتَبَ كِسْرَى بِعَزْلِ شَهْرَبَرَازْ وَوِلَايَةِ فَرُّخَانَ الْعَسْكَرَ، فَأَطَاعَ شَهْرَبَرَازْ فَلَمَّا جَلَسَ عَلَى سَرِيرِ الْإِمَارَةِ أَلْقَى إِلَيْهِ الْقَاصِدُ بِوِلَايَتِهِ كِتَابًا صَغِيرًا مِنْ كِسْرَى يَأْمُرُهُ بِقَتْلِ شَهْرَبَرَازَ فَعَزَمَ عَلَى قَتْلِهِ، فَقَالَ لَهُ شَهْرَبَرَازُ: أَمْهِلْنِي حَتَّى أَكْتُبَ وَصِيَّتِي، فَأَمْهَلَهُ، فَأَحْضَرَ دُرْجًا وَأَخْرَجَ مِنْهُ كُتُبَ كِسْرَى الثَّلَاثَةَ وَأَطْلَعَهُ عَلَيْهَا وَقَالَ: أَنَا رَاجَعْتُ فِيكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلَمْ أَقْتُلْكَ، وَأَنْتَ تَقْتُلُنِي فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَاعْتَذَرَ أَخُوهُ إِلَيْهِ وَأَعَادَهُ إِلَى الْإِمَارَةِ وَاتَّفَقَا عَلَى مُوَافَقَةِ مَلِكِ الرُّومِ عَلَى كِسْرَى، فَأَرْسَلَ شَهْرَبَرَازْ إِلَى هِرَقْلَ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً لَا يَبْلُغُهَا الْبَرِيدُ وَلَا تَسَعُهَا الصُّحُفُ، فَالْقَنِي فِي خَمْسِينَ رُومِيًّا، فَإِنِّي أَلْقَاكَ فِي خَمْسِينَ فَارِسِيًّا، فَأَقْبَلَ قَيْصَرُ فِي جُيُوشِهِ جَمِيعِهَا، وَوَضَعَ عُيُونَهُ تَأْتِيهِ بِخَبَرِ شَهْرَبَرَازْ، وَخَافَ أَنْ يَكُونَ مَكِيدَةً، فَأَتَتْهُ عُيُونُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ فِي خَمْسِينَ فَارِسِيًّا، فَحَضَرَ عِنْدَهُ فِي مِثْلِهَا، وَاجْتَمَعَا وَبَيْنَهُمَا تُرْجُمَانٌ فَقَالَ لَهُ: أَنَا وَأَخِي خَرَّبْنَا بِلَادَكَ وَفَعَلْنَا مَا عَلِمْتَ، وَقَدْ حَسَدَنَا كِسْرَى وَأَرَادَ قَتْلَنَا، وَقَدْ خَلَعْنَاهُ وَنَحْنُ نُقَاتِلُ مَعَكَ. فَفَرِحَ هِرَقْلُ بِذَلِكَ وَاتَّفَقَا

стр. 428

عَلَيْهِ وَقَتَلَا التُّرْجُمَانَ لِئَلَّا يُفْشِيَ سِرَّهُمَا، وَسَارَ هِرَقْلُ فِي جَيْشِهِ إِلَى نَصِيبِينَ. وَبَلَغَ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ الْخَبَرُ وَأَرْسَلَ لِمُحَارَبَةِ هِرَقْلَ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ اسْمُهُ رَاهَزَارُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ بِنِينَوَى مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ عَلَى دِجْلَةَ يَمْنَعُ هِرَقْلَ مِنْ أَنْ يَجُوزَهَا، وَأَقَامَ هُوَ بِدَسْكَرَةِ الْمُلْكِ، فَأَرْسَلَ رَاهَزَارُ الْعُيُونَ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ هِرَقْلَ فِي سَبْعِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى كِسْرَى يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يَعْجَزُ عَنْ قِتَالِ هَذَا الْجَمْعِ الْكَثِيرِ، فَلَمْ يَعْذُرْهُ وَأَمَرَهُ بِقِتَالِهِ، فَأَطَاعَ وَعَبَّى جُنْدَهُ، وَسَارَ هِرَقْلُ نَحْوَ جُنُودِ كِسْرَى، وَقَطَعَ دِجْلَةَ مِنْ غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ رَاهَزَارُ، فَقَصَدَهُ رَاهَزَارُ وَلَقِيَهُ، فَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ رَاهَزَارُ وَسِتَّةُ آلَافٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبْرَوِيزَ وَهُوَ بِدَسْكَرَةِ الْمُلْكِ، فَهَدَّهُ ذَلِكَ وَعَادَ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَتَحَصَّنَ بِهَا لِعَجْزِهِ عَنْ مُحَارَبَةِ هِرَقْلَ، وَكُتَبَ إِلَى قُوَّادِ الْجُنْدِ الَّذِينَ انْهَزَمُوا يَتَهَدَّدُهُمْ بِالْعُقُوبَةِ فَأَحْوَجَهُمْ إِلَى الْخِلَافِ عَلَيْهِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَسَارَ هِرَقْلُ حَتَّى قَارَبَ الْمَدَائِنَ ثُمَّ عَادَ إِلَى بِلَادِهِ. وَكَانَ سَبَبَ عَوْدِهِ أَنَّ كِسْرَى لَمَّا عَجِزَ عَنْ هِرَقْلَ أَعْمَلَ الْحِيلَةَ، فَكَتَبَ كِتَابًا إِلَى شَهْرَبَرَازْ يَشْكُرُهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيَقُولُ لَهُ: أَحْسَنْتَ فِي فِعْلِ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ مِنْ مُوَاصَلَةِ مَلِكِ الرُّومِ وَتَمْكِينِهِ مِنَ الْبِلَادِ، وَالْآنَ قَدْ أَوْغَلَ وَأَمْكَنَ مِنْ نَفْسِهِ، فَتَجِيءُ أَنْتَ مِنْ خَلْفِهِ وَأَنَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَيَكُونُ اجْتِمَاعُنَا عَلَيْهِ يَوْمَ كَذَا فَلَا يُفْلِتُ مِنْهُمْ أَحَدٌ. ثُمَّ جَعَلَ الْكِتَابَ فِي عُكَّازِ أَبَنُوسَ، وَأَحْضَرَ رَاهِبًا كَانَ فِي دَيْرٍ عِنْدَ الْمَدَائِنِ وَقَالَ لَهُ: لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ. فَقَالَ الرَّاهِبُ: الْمَلِكُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ إِلَيَّ حَاجَةٌ وَلَكِنَّنِي عَبْدُهُ. قَالَ: إِنَّ الرُّومَ قَدْ نَزَلُوا قَرِيبًا مِنَّا، وَقَدْ حَفِظُوا الطُّرُقَ عَنَّا، وَلِي إِلَى أَصْحَابِي الَّذِينَ بِالشَّامِ حَاجَةٌ، وَأَنْتَ نَصْرَانِيٌّ إِذَا جُزْتَ عَلَى الرُّومِ لَا يُنْكِرُونَكَ، وَقَدْ كَتَبْتُ كِتَابًا وَهُوَ فِي هَذِهِ الْعُكَّازَةِ فَتُوصِلُهُ إِلَى شَهْرَبَرَازْ، وَأَعْطَاهُ مِائَتَيْ دِينَارٍ. فَأَخَذَ الْكِتَابِ وَفَتَحَهُ وَقَرَأَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ وَسَارَ، فَلَمَّا صَارَ بِالْعَسْكَرِ وَرَأَى الرُّومَ وَالرُّهْبَانَ وَالنَّوَاقِيسَ رَقَّ قَلْبُهُ وَقَالَ: أَنَا شَرُّ النَّاسِ إِنْ أَهْلَكْتُ النَّصْرَانِيَّةَ! فَأَقْبَلَ إِلَى سُرَادِقِ الْمَلِكِ وَأَنْهَى حَالَهُ وَأَوْصَلَ الْكِتَابَ إِلَيْهِ. فَقَرَأَهُ ثُمَّ أَحْضَرَ أَصْحَابُهُ رَجُلًا قَدْ أَخَذُوهُ مِنْ طَرِيقِ الشَّامِ قَدْ وَاطَأَهُ كِسْرَى وَمَعَهُ كِتَابٌ

стр. 429

قَدِ افْتَعَلَهُ عَلَى لِسَانِ شَهْرَبَرَازْ إِلَى كِسْرَى يَقُولُ: إِنَّنِي مَازِلْتُ أُخَادِعُ مَلِكَ الرُّومِ، حَتَّى اطْمَأَنَّ إِلَيَّ، وَجَازَ إِلَى الْبِلَادِ كَمَا أَمَرْتَنِي، فَيُعَرِّفُنِي الْمَلِكُ فِي أَيِّ يَوْمٍ يَكُونُ لِقَاؤُهُ، حَتَّى أَهْجُمَ أَنَا عَلَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ وَالْمَلِكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَلَا يَسْلَمُ هُوَ وَلَا أَصْحَابُهُ، وَآمَرَهُ أَنْ يَتَعَمَّدَ طَرِيقًا يُؤْخَذُ فِيهَا. فَلَمَّا قَرَأَ مَلِكُ الرُّومِ الْكِتَابَ الثَّانِيَ تَحَقَّقَ الْخَبَرَ، فَعَادَ شِبْهَ الْمُنْهَزِمِ مُبَادِرًا إِلَى بِلَادِهِ، وَوَصَلَ خَبَرُ عَوْدَةِ مَلِكِ الرُّومِ إِلَى شَهْرَبَرَازْ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَدْرِكَ مَا فَرَّطَ مِنْهُ، فَعَارَضَ الرُّومَ فَقَتَلَ مِنْهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا وَكَتَبَ إِلَى كِسْرَى: إِنَّنِي عَمِلْتُ الْحِيلَةَ عَلَى الرُّومِ حَتَّى صَارُوا فِي الْعِرَاقِ، وَأَنْفَذَ مِنْ رُءُوسِهِمْ شَيْئًا كَثِيرًا. وَفِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الم - غُلِبَتِ الرُّومُ - فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ١ - ٣] ، يَعْنِي بِأَدْنَى الْأَرْضِ أَذْرُعَاتٍ، وَهِيَ أَدْنَى أَرْضِ الرُّومِ إِلَى الْعَرَبِ، وَكَانَتِ الرُّومُ قَدْ هُزِمَتْ بِهَا فِي بَعْضِ حُرُوبِهَا. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ قَدْ سَاءَهُمْ ظَفَرُ الْفُرْسِ أَوَّلًا بِالرُّومِ ; لِأَنَّ الرُّومَ أَهْلُ كِتَابٍ، وَفَرِحَ الْكُفَّارُ لِأَنَّ الْمَجُوسَ أُمِّيُّونَ مِثْلُهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ رَاهَنَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ عَلَى أَنَّ الظَّفَرَ يَكُونُ لِلرُّومِ إِلَى تِسْعِ سِنِينَ، وَالرَّهْنُ مِائَةُ بَعِيرٍ، فَغَلَبَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّهْنُ ذَلِكَ الْوَقْتُ حَرَامًا، فَلَمَّا ظَفِرَتِ الرُّومُ أَتَى الْخَبَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ. [ذِكْرُ مَا رَأَى كِسْرَى مِنَ الْآيَاتِ بِسَبَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ]

стр. 430

فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ سَكَنَ دِجْلَةَ الْعَوْرَاءَ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً، وَكَانَ طَاقُ مَجْلِسِهِ قَدْ بُنِيَ بُنْيَانًا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، وَكَانَ عِنْدَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ رَجُلًا مِنَ الْحُزَاةِ مِنْ بَيْنِ كَاهِنٍ وَسَاحِرٍ وَمُنَجِّمٍ، وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ اسْمُهُ السَّايِبُ، بَعَثَ بِهِ بَاذَانُ مِنَ الْيَمَنِ، وَكَانَ كِسْرَى إِذَا أَحْزَنَهُ أَمْرُ جَمَعَهُمْ فَقَالَ: انْظُرُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ مَا هُوَ. فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ أَصْبَحَ كِسْرَى وَقَدِ انْقَصَمَ طَاقُ مُلْكِهِ مِنْ غَيْرِ ثُقْلٍ، وَانْحَرَفَتْ عَلَيْهِ دِجْلَةُ الْعَوْرَاءُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ حَزَنَهُ فَقَالَ: انْقَصَمَ طَاقُ مُلْكِي مِنْ غَيْرِ ثُقْلٍ، وَانْخَرَقَتْ دِجْلَةُ الْعَوْرَاءُ " شَاهْ بِشْكَسْتَ "، يَقُولُ: الْمُلْكُ انْكَسَرَ. ثُمَّ دَعَا كُهَّانَهُ وَسُحَّارَهُ وَمُنَجِّمِيهِ، وَفِيهِمُ السَّايِبُ، فَقَالَ لَهُمْ: انْظُرُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ. فَنَظَرُوا فِي أَمْرِهِ فَأَخَذَتْ عَلَيْهِ أَقْطَارُ السَّمَاءِ وَأَظْلَمَتِ الْأَرْضُ، فَلَمْ يَمْضِ لَهُمْ مَا رَامُوهُ، وَبَاتَ السَّايِبُ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ عَلَى رَبْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ يَنْظُرُ، فَرَأَى بَرْقًا مِنْ قِبَلِ الْحِجَازِ اسْتِطَارَ فَبَلَغَ الْمَشْرِقَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَأَى تَحْتَ قَدَمَيْهِ رَوْضَةً خَضْرَاءَ، فَقَالَ فِيمَا يَعْتَافُ: إِنْ صَدَقَ مَا أَرَى لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الْحِجَازِ سُلْطَانٌ يَبْلُغُ الْمَشْرِقَ تَخْصُبُ عَلَيْهِ الْأَرْضُ كَأَفْضَلِ مَا أَخْصَبَتْ عَلَى مَلِكٍ. فَلَمَّا خَلُصَ الْكُهَّانُ وَالْمُنَجِّمُونَ وَالسُّحَّارُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَرَأَوْا مَا أَصَابَهُمْ، وَرَأَى السَّايِبُ مَا رَأَى، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: وَاللَّهِ مَا حِيلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عِلْمِكُمْ إِلَّا لِأَمْرٍ جَاءَ مِنَ السَّمَاءِ، وَإِنَّهُ لَنَبِيٌّ بُعِثَ أَوْ هُوَ مَبْعُوثٌ يَسْلُبُ هَذَا الْمُلْكَ وَيَكْسِرُهُ، وَلَئِنْ نَعَيْتُمْ لِكِسْرَى مُلْكَهُ لَيَقْتُلَنَّكُمْ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَكْتُمُوهُ الْأَمْرَ وَقَالُوا لَهُ: قَدْ نَظَرْنَا فَوَجَدْنَا أَنَّ وَضْعَ دِجْلَةَ الْعَوْرَاءَ وَطَاقَ الْمُلْكِ قَدْ وُضِعَ عَلَى النُّحُوسِ، فَلَمَّا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَقَعَتِ النُّحُوسُ

стр. 431

مَوَاقِعَهَا فَزَالَ كُلُّ مَا وُضِعَ عَلَيْهَا، وَإِنَّا نَحْسِبُ لَكَ حِسَابًا تَضَعُ عَلَيْهِ بُنْيَانَكَ فَلَا يَزُولُ، فَحَسَبُوا وَأَمَرُوهُ بِالْبِنَاءِ، فَبَنَى دِجْلَةَ الْعَوْرَاءَ فِي ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا أَمْوَالًا جَلِيلَةً حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهَا قَالَ لَهُمْ: أَجْلِسُ عَلَى سُورِهَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَجَلَسَ فِي أَسَاوِرَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ هُنَاكَ انْتَسَفَتْ دِجْلَةُ الْبُنْيَانَ مِنْ تَحْتِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَّا بِآخِرِ رَمَقٍ. فَلَمَّا أَخْرَجُوهُ جَمَعَ كُهَّانَهُ وَسُحَّارَهُ وَمُنَجِّمِيهِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائَةٍ وَقَالَ: قَرَّبْتُكُمْ وَأَجْرَيْتُ عَلَيْكُمُ الْأَرْزَاقَ ثُمَّ أَنْتُمْ تَلْعَبُونَ بِي! فَقَالُوا: أَيُّهَا الْمَلِكُ أَخْطَأْنَا كَمَا أَخْطَأَ مَنْ قَبْلَنَا. ثُمَّ حَسَبُوا لَهُ وَبَنَاهُ وَفَرَغَ مِنْهُ وَأَمَرُوهُ بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ، فَخَافَ فَرَكِبَ فَرَسًا وَسَارَ عَلَى الْبِنَاءِ فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ انْتَسَفَتْهُ دِجْلَةُ فَلَمْ يُدْرَكْ إِلَّا بِآخِرِ رَمَقٍ، فَدَعَاهُمْ وَقَالَ: لَأَقْتُلَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ أَوْ لَتَصْدُقُونِي. فَصَدَقُوهُ الْأَمْرَ، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ هَلَّا بَيَّنْتُمْ لِي فَأَرَى فِيهِ رَأْيِي؟ قَالُوا: مَنَعَنَا الْخَوْفُ. فَتَرَكَهُمْ وَلَهَا عَنْ دِجْلَةَ حِينَ غَلَبَتْهُ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الْبَطَائِحِ، وَلَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ وَكَانَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا عَامِرَةً. فَلَمَّا جَاءَتْ سَنَةُ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ إِلَى كِسْرَى، فَزَادَتِ الْفُرَاتُ وَالدِّجْلَةُ زِيَادَةً عَظِيمَةً لَمْ يُرَ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا مِثْلَهَا، فَانْبَثَقَتِ الْبُثُوقُ وَانْتَسَفَتْ مَا كَانَ بَنَاهُ كِسْرَى وَاجْتَهَدَ أَنْ يَكْسِرَهَا فَغَلَبَهُ الْمَاءُ، كَمَا بَيَّنَّا، وَمَالَ إِلَى مَوْضِعِ الْبَطَائِحِ فَطَمَا الْمَاءُ عَلَى الزُّرُوعِ وَغَرِقَ عِدَّةُ طَسَاسِيجَ، ثُمَّ دَخَلَتِ الْعَرَبُ أَرْضَ الْفُرْسِ، وَشَغَلَتْهُمْ عَنْ عَمَلِهَا بِالْحُرُوبِ وَاتَّسَعَ الْخَرْقُ. فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ الْحَجَّاجِ تَفَجَّرَتْ بُثُوقٌ أُخَرُ فَلَمْ يَسُدَّهَا مُضَارَّةً لِلدَّهَاقِينِ لِأَنَّهُ اتَّهَمَهُمْ بِمُمَالَأَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَعَظُمَ الْخَطْبُ فِيهَا وَعَجِزَ النَّاسُ عَنْ عَمَلِهَا، فَبَقِيَتْ عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْآنَ. وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: بَعَثَ اللَّهُ إِلَى كِسْرَى مَلَكًا وَهُوَ فِي بَيْتِ إِيوَانِهِ الَّذِي لَا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُعْهُ إِلَّا بِهِ قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ فِي يَدِهِ عَصًا بِالْهَاجِرَةِ فِي سَاعَتِهِ الَّتِي يُقِيلُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا كِسْرَى أَتُسْلِمُ أَوْ أَكْسِرُ هَذِهِ الْعَصَا؟ فَقَالَ: بِهِلْ بِهِلْ! وَانْصَرَفَ عَنْهُ فَدَعَا بِحُرَّاسِهِ وَحُجَّابِهِ فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: مَنْ أَدْخَلَ هَذَا الرَّجُلَ؟ فَقَالُوا: مَا دَخَلَ عَلَيْنَا أَحَدٌ وَلَا رَأَيْنَاهُ! حَتَّى إِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ أَتَاهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ أَوْ أَكْسِرُ الْعَصَا؟ فَقَالَ: بِهِلْ بِهِلْ! وَتَغَيَّظَ عَلَى حُجَّابِهِ وَحُرَّاسِهِ. فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ

стр. 432

الثَّالِثُ أَتَاهُ فَقَالَ: أَتُسْلِمُ أَوْ أَكْسِرُ الْعَصَا؟ فَقَالَ: بِهِلْ بِهِلْ! فَكَسَرَ الْعَصَا ثُمَّ خَرَجَ. فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا تَهَوُّرُ مُلْكِهِ وَانْبِعَاثُ ابْنِهِ وَالْفُرْسِ حَتَّى قَتَلُوهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: «قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى كِسْرَى فِيكَ؟ قَالَ: (بَعَثَ إِلَيْهِ مَلَكًا، فَأَخْرَجَ يَدَهُ إِلَيْهِ مِنْ جِدَارِ بَيْتِهِ تَلَأْلَأُ نُورًا، فَلَمَّا رَآهَا فَزِعَ فَقَالَ لَهُ: لَا تُرَعْ يَا كِسْرَى! إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا فَاتَّبِعْهُ تَسْلَمْ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ. قَالَ: سَأَنْظُرُ) » . ذِكْرُ وَقْعَةِ ذِي قَارٍ وَسَبَبِهِ ذَكَرُوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «قَالَ لَمَّا بَلَغَهُ مَا كَانَ مِنْ ظَفَرِ رَبِيعَةَ بِجَيْشِ كِسْرَى: (هَذَا أَوَّلُ يَوْمٍ انْتَصَفَ الْعَرَبُ فِيهِ مِنَ الْعَجَمِ وَبِي نُصِرُوا) » . فَحَفِظَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَكَانَ يَوْمَ الْوَاقِعَةِ. قَالَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ: كَانَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ التَّمِيمِيُّ وَأَخُوهُ عَمَّارٌ، وَهُوَ أُبَيٌّ، وَعَمْرٌو، وَهُوَ سُمَيٌّ، يَكُونُونَ مَعَ الْأَكَاسِرَةِ وَلَهُمْ إِلَيْهِمُ انْقِطَاعٌ، وَكَانَ الْمُنْذِرُ بْنُ الْمُنْذِرِ لَمَّا مَلَكَ جَعَلَ ابْنَهُ النُّعْمَانَ فِي حِجْرِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ، وَكَانَ لَهُ غَيْرَ النُّعْمَانِ أَحَدَ عَشَرَ وَلَدًا وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْأَشَاهِبَ لِجَمَالِهِمْ. فَلَمَّا مَاتَ الْمُنْذِرُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَخَلَّفَ أَوْلَادَهُ أَرَادَ كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ أَنْ يُمَلِّكَ عَلَى الْعَرَبِ مَنْ يَخْتَارُهُ، فَأَحْضَرَ عَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ وَسَأَلَهُ عَنْ أَوْلَادِ الْمُنْذِرِ، فَقَالَ: هُمْ رِجَالٌ، فَأَمَرَهُ بِإِحْضَارِهِمْ. فَكَتَبَ عَدِيٌّ فَأَحْضَرَهُمْ وَأَنْزَلَهُمْ، وَكَانَ يُفَضِّلُ إِخْوَةَ النُّعْمَانِ عَلَيْهِ وَيُرِيهِمْ أَنَّهُ لَا يَرْجُو النُّعْمَانَ وَيَخْلُو بِوَاحِدٍ وَاحِدٍ وَيَقُولُ لَهُ: إِذَا سَأَلَكَ الْمَلِكُ أَتَكْفُونَنِي الْعَرَبَ؟ قُولُوا: نَكْفِيكَهُمْ إِلَّا النُّعْمَانَ. وَقَالَ لِلنُّعْمَانِ: إِذَا سَأَلَكَ الْمَلِكُ عَنْ إِخْوَتِكَ فَقُلْ لَهُ: إِذَا عَجِزْتُ عَنْ إِخْوَتِي فَأَنَا عَنْ غَيْرِهِمْ أَعْجَزُ. وَكَانَ مِنْ بَنِي مَرِينَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ عَدِيُّ بْنُ أَوْسِ بْنِ مَرِينَا، وَكَانَ دَاهِيًا شَاعِرًا، وَكَانَ

стр. 433

يَقُولُ لِلْأَسْوَدِ بْنِ الْمُنْذِرِ: قَدْ عَرَفْتَ أَنِّي أَرْجُوكَ وَعَيْنِي إِلَيْكَ، وَإِنَّنِي أُرِيدُكَ أَنْ تُخَالِفَ عَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَا يَنْصَحُ لَكَ أَبَدًا! فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِهِ. فَلَمَّا أَمَرَ كِسْرَى عَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ أَنْ يُحْضِرَهُمْ، أَحْضَرَهُمْ رَجُلًا رَجُلًا وَسَأَلَهُمْ كِسْرَى: أَتَكْفُونَنِي الْعَرَبَ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ إِلَّا النُّعْمَانَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ النُّعْمَانُ رَأَى رَجُلًا دَمِيمًا أَحْمَرَ أَبْرَشَ قَصِيرًا فَقَالَ لَهُ: أَتَكْفِينِي إِخْوَتَكَ وَالْعَرَبَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ عَجَزْتُ عَنْ إِخْوَتِي فَأَنَا عَنْ غَيْرِهِمْ أَعْجَزُ. فَمَلَّكَهُ وَكَسَاهُ وَأَلْبَسَهُ تَاجًا قِيمَتُهُ سِتُّونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَقَالَ عَدِيُّ بْنُ مَرِينَا لِلْأَسْوَدِ: دُونَكَ فَقَدْ خَالَفْتَ الرَّأْيَ. ثُمَّ صَنَعَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ طَعَامًا وَدَعَا عَدِيَّ بْنَ مَرِينَا إِلَيْهِ وَقَالَ: إِنِّي عَرَفْتُ أَنَّ صَاحِبَكَ الْأَسْوَدَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ صَاحِبِي النُّعْمَانِ، فَلَا تَلُمْنِي عَلَى شَيْءٍ كُنْتَ عَلَى مِثْلِهِ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَلَّا تَحْقِدَ عَلَيَّ، وَإِنَّ نَصِيبِي مِنْ هَذَا الْأَمْرِ لَيْسَ بِأَوْفَرَ مِنْ نَصِيبِكَ، وَحَلَفَ لِابْنِ مَرِينَا أَنْ لَا يَهْجُوهُ وَلَا يَبْغِيهِ غَائِلَةً أَبَدًا، فَقَامَ ابْنُ مَرِينَا وَحَلَفَ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يَهْجُوهُ وَيَبْغِيهِ الْغَوَائِلَ. وَسَارَ النُّعْمَانُ حَتَّى نَزَلَ الْحِيرَةَ، وَقَالَ ابْنُ مَرِينَا لِلْأَسْوَدِ: إِذَا فَاتَكَ فَلَا تَعْجَزْ أَنْ تَطْلُبَ بِثَأْرِكَ مِنْ عَدِيٍّ فَإِنَّ مَعَدًّا لَا يَنَامُ مُكْرَهًا، وَأَمَرْتُكَ بِمَعْصِيَتِهِ فَخَالَفْتَنِي، وَأُرِيدُ أَنْ لَا يَأْتِيَكَ مِنْ مَالِكَ شَيْءٌ إِلَّا عَرَضْتَهُ عَلَيَّ. فَفَعَلَ. وَكَانَ ابْنُ مَرِينَا كَثِيرَ الْمَالِ، وَكَانَ لَا يُخَلِّي النُّعْمَانَ يَوْمًا مِنْ هَدِيَّةٍ وَطُرْفَةٍ، فَصَارَ مِنْ أَكْرَمِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَكَانَ إِذَا ذُكِرَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ وَصَفَهُ وَقَالَ: إِلَّا أَنَّهُ فِيهِ مَكْرٌ وَخَدِيعَةٌ، وَاسْتَمَالَ أَصْحَابَ النُّعْمَانِ، فَمَالُوا إِلَيْهِ، وَوَاضَعَهُمْ عَلَى أَنْ قَالُوا لِلنُّعْمَانِ: إِنَّ عَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ إِنَّكَ عَامِلُهُ، وَلَمْ يَزَالُوا بِالنُّعْمَانِ حَتَّى أَضْغَنُوهُ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَدِيٍّ يَسْتَزِيرُهُ، فَاسْتَأْذَنَ عَدِيٌّ كِسْرَى فِي ذَلِكَ فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا أَتَاهُ لَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهِ حَتَّى حَبَسَهُ وَمَنَعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ عَدِيٌّ يَقُولُ الشِّعْرَ وَهُوَ فِي السِّجْنِ، وَبَلَغَ النُّعْمَانَ قَوْلُهُ فَنَدِمَ عَلَى حَبْسِهِ إِيَّاهُ وَخَافَ مِنْهُ إِذَا أَطْلَقَهُ. فَكَتَبَ عَدِيٌّ إِلَى أَخِيهِ أُبَيٍّ أَبْيَاتًا يُعْلِمُهُ بِحَالِهِ، فَلَمَّا قَرَأَ أَبْيَاتَهُ وَكِتَابَهُ كَلَّمَ كِسْرَى فِيهِ، فَكَتَبَ إِلَى النُّعْمَانِ وَأَرْسَلَ رَجُلًا فِي إِطْلَاقِ عَدِيٍّ، وَتَقَدَّمَ أَخُو عَدِيٍّ إِلَى الرَّسُولِ بِالدُّخُولِ إِلَى عَدِيٍّ قَبْلَ النُّعْمَانِ، فَفَعَلَ وَدَخَلَ عَلَى عَدِيٍّ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ أُرْسِلَ لِإِطْلَاقِهِ،

стр. 434

فَقَالَ لَهُ عَدِيٌّ: لَا تَخْرُجْ مِنْ عِنْدِي وَأَعْطِنِي الْكِتَابَ حَتَّى أُرْسِلَهُ، فَإِنَّكَ إِنْ خَرَجْتَ مِنْ عِنْدِي قَتَلَنِي، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَدَخَلَ أَعْدَاءُ عَدِيٍّ عَلَى النُّعْمَانِ فَأَعْلَمُوهُ الْحَالَ وَخَوَّفُوهُ مِنْ إِطْلَاقِهِ، فَأَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِ فَخَنَقُوهُ ثُمَّ دَفَنُوهُ. وَجَاءَ الرَّسُولُ فَدَخَلَ عَلَى النُّعْمَانِ بِالْكِتَابِ فَقَالَ: نَعَمْ وَكَرَامَةٌ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ مِثْقَالٍ وَجَارِيَةٍ وَقَالَ: إِذَا أَصْبَحْتَ ادْخُلْ إِلَيْهِ فَخُذْهُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ الرَّسُولُ غَدَا إِلَى السِّجْنِ فَلَمْ يَرَ عَدِيًّا، وَقَالَ لَهُ الْحَرَسُ: إِنَّهُ مَاتَ مُنْذُ أَيَّامٍ. فَرَجَعَ إِلَى النُّعْمَانِ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَآهُ بِالْأَمْسِ وَلَمْ يَرَهُ الْيَوْمَ، فَقَالَ: كَذَبْتَ! وَزَادَهُ رِشْوَةً وَاسْتَوْثَقَ مِنْهُ أَنْ لَا يُخْبِرَ كِسْرَى، إِلَّا أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى النُّعْمَانِ. قَالَ: وَنَدِمَ النُّعْمَانُ عَلَى قَتْلِهِ، وَاجْتَرَأَ أَعْدَاءُ عَدِيٍّ عَلَى النُّعْمَانِ وَهَابَهُمْ هَيْبَةً شَدِيدَةً. فَخَرَجَ النُّعْمَانُ فِي بَعْضِ صَيْدِهِ، فَرَأَى ابْنًا لِعَدِيٍّ يُقَالُ لَهُ زَيْدٌ، فَكَلَّمَهُ وَفَرِحَ بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ أَبِيهِ وَسَيَّرَهُ، إِلَى كِسْرَى وَوَصَفَهُ لَهُ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهُ مَكَانَ أَبِيهِ، فَفَعَلَ كِسْرَى، وَكَانَ يَلِي مَا يُكْتَبُ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، وَسَأَلَهُ كِسْرَى عَنِ النُّعْمَانِ فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ، وَأَقَامَ عِنْدَ الْمَلِكِ سَنَوَاتٍ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ، وَكَانَ يُكْثِرُ الدُّخُولَ عَلَى كِسْرَى. وَكَانَ لِمُلُوكِ الْأَعَاجِمِ صِفَةٌ لِلنِّسَاءِ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُمْ، وَكَانُوا يَبْعَثُونَ فِي طَلَبِ مَنْ يَكُونُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ النِّسَاءِ وَلَا يَقْصِدُونَ الْعَرَبَ، فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ عَدِيٍّ: إِنِّي أَعْرِفُ عِنْدَ عَبْدِكَ النُّعْمَانِ مِنْ بَنَاتِهِ وَبَنَاتِ عَمِّهِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ امْرَأَةً عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ. قَالَ: فَتَكْتُبُ فِيهِنَّ. قَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ شَرَّ شَيْءٍ فِي الْعَرَبِ، وَفِي النُّعْمَانِ أَنَّهُمْ يَتَكَرَّمُونَ بِأَنْفُسِهِمْ عَنِ الْعَجَمِ، فَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تُعْنِتَهُنَّ، وَإِنْ قَدِمْتُ أَنَا عَلَيْهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، فَابْعَثْنِي وَابْعَثْ مَعِيَ رَجُلًا يَفْقَهُ الْعَرَبِيَّةَ، فَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا جَلْدًا، فَخَرَجَا حَتَّى بَلَغَا الْحِيرَةَ وَدَخَلَا عَلَى النُّعْمَانِ. قَالَ لَهُ زَيْدٌ: إِنَّ الْمَلِكَ احْتَاجَ إِلَى نِسَاءٍ لِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَأَرَادَ كَرَامَتَكَ فَبَعَثَ إِلَيْكَ. قَالَ: وَمَا هَؤُلَاءِ النِّسْوَةُ؟ قَالَ: هَذِهِ صِفَتُهُنَّ قَدْ جِئْنَا بِهَا. وَكَانَتِ الصِّفَةُ أَنَّ الْمُنْذِرَ أَهْدَى إِلَى أَنُوشِرْوَانَ جَارِيَةً أَصَابَهَا عِنْدَ الْغَارَةِ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيِّ، وَكَتَبَ يَصِفُهَا أَنَّهَا مُعْتَدِلَةُ الْخَلْقِ، نَقِيَّةُ اللَّوْنِ وَالثَّغْرِ، بَيْضَاءُ، وَطْفَاءُ، قَمْرَاءُ، دَعْجَاءُ، حَوْرَاءُ، عَيْنَاءُ، قَنْوَاءُ، شَمَّاءُ، زَجَّاءُ

стр. 435

بَرْجَاءُ، أَسِيلَةُ الْخَدِّ، شَهِيَّةُ الْقَدِّ، جَثِيلَةُ الشَّعْرِ، بَعِيدَةُ مَهْوَى الْقُرْطِ، عَيْطَاءُ، عَرِيضَةُ الصَّدْرِ، كَاعِبُ الثَّدْيِ، ضَخْمَةُ مُشَاشَةِ الْمَنْكِبِ وَالْعَضُدِ، حَسَنَةُ الْمِعْصَمِ، لَطِيفَةُ الْكَفِّ، سَبْطَةُ الْبَنَانِ، لَطِيفَةُ طَيِّ الْبَطْنِ، خَمِيصَةُ الْخَصْرِ، غَرْثَى الْوِشَاحِ، رَدَاحُ الْقَبَلِ، رَابِيَةُ الْكَفَلِ، لَفَّاءُ الْفَخِذَيْنِ، رَيَّا الرَّوَادِفِ، ضَخْمَةُ الْمَأْكِمَتَيْنِ، عَظِيمَةُ الرُّكْبَةِ، مُفْعَمَةُ السَّاقِ، مُشْبَعَةُ الْخَلْخَالِ، لَطِيفَةُ الْكَعْبِ وَالْقَدَمِ، قَطُوفُ الْمَشْيِ، مِكْسَالُ الضُّحَى، بَضَّةُ الْمُتَجَرَّدِ، سَمُوعٌ لِلسَّيِّدِ، لَيْسَتْ بِخَنْسَاءَ وَلَا سَفْعَاءَ، ذَلِيلَةُ الْأَنْفِ، عَزِيزَةُ النَّفَرِ، لَمْ تُغَذَّ فِي بُؤْسٍ، حَيِيَّةٌ، رَزِينَةٌ، رَكِينَةٌ،

стр. 436

كَرِيمَةُ الْخَالِ، تَقْتَصِرُ بِنَسَبِ أَبِيهَا دُونَ فَصِيلَتِهَا، وَبِفَصِيلَتِهَا دُونَ جِمَاعِ قَبِيلَتِهَا، قَدْ أَحْكَمَتْهَا الْأُمُورُ فِي الْأَدَبِ، فَرَأْيُهَا رَأْيُ أَهْلِ الشَّرَفِ، وَعَمَلُهَا عَمَلُ أَهْلِ الْحَاجَةِ، صَنَاعُ الْكَفَّيْنِ، قَطِيعَةُ اللِّسَانِ، رَهْوَةُ الصَّوْتِ، تَزِينُ الْبَيْتَ وَتَشِينُ الْعَدُوَّ، إِنْ أَرَدْتَهَا اشْتَهَتْ، وَإِنْ تَرَكْتَهَا انْتَهَتْ، تُحَمْلِقُ عَيْنَاهَا، وَيَحْمَرُّ خَدَّاهَا، وَتَذَبْذَبُ شَفَتَاهَا، وَتُبَادِرُ الْوَثْبَةَ، وَلَا تَجْلِسُ إِلَّا بِأَمْرِكَ إِذَا جَلَسَتْ. فَقَبِلَهَا كِسْرَى وَأَمَرَ بِإِثْبَاتِ هَذِهِ الصِّفَةِ، فَبَقِيَتْ إِلَى أَيَّامِ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ. فَقَرَأَ زَيْدٌ هَذِهِ الصِّفَةَ عَلَى النُّعْمَانِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَالَ لِزَيْدٍ، وَالرَّسُولُ يَسْمَعُ: أَمَا فِي عَيْنِ السَّوَادِ وَفَارِسَ مَا تَبْلُغُونَ حَاجَتَكُمْ! قَالَ الرَّسُولُ لِزَيْدٍ: مَا الْعَيْنُ؟ قَالَ: الْبَقَرُ. وَأَنْزَلَهُمَا يَوْمَيْنِ وَكَتَبَ إِلَى كِسْرَى: إِنَّ الَّذِي طَلَبَ الْمَلِكُ لَيْسَ عِنْدِي وَقَالَ لِزَيْدٍ اعْذُرْنِي عِنْدَهُ. فَلَمَّا عَادَ إِلَى كِسْرَى قَالَ لِزَيْدٍ: أَيْنَ مَا كُنْتَ أَخْبَرْتَنِي بِهِ؟ قَالَ: قَدْ قُلْتُ لِلْمَلِكِ وَعَرَّفْتُهُ بُخْلَهُمْ بِنِسَائِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ وَأَنَّ ذَلِكَ لِشَقَائِهِمْ وَسُوءِ اخْتِيَارِهِمْ، وَسَلْ هَذَا الرَّسُولَ عَنِ الَّذِي قَالَ، فَإِنِّي أُكْرِمُ الْمَلِكَ عَنْ ذَلِكَ. فَسَأَلَ الرَّسُولَ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَالَ: أَمَا فِي بَقَرِ السَّوَادِ وَفَارِسَ مَا يَكْفِيهِ حَتَّى يَطْلُبَ مَا عِنْدَنَا؟ فَعُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ وَقَالَ: رُبَّ عَبْدٍ قَدْ أَرَادَ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا فَصَارَ أَمْرُهُ إِلَى التَّبَابِ. وَبَلَغَ هَذَا الْكَلَامُ النُّعْمَانَ، وَسَكَتَ كِسْرَى عَلَى ذَلِكَ أَشْهُرًا وَالنُّعْمَانُ يَسْتَعِدُّ، حَتَّى أَتَاهُ كِتَابُ كِسْرَى يَسْتَدْعِيهِ. فَحِينَ وَصَلَ الْكِتَابُ أَخَذَ سِلَاحَهُ وَمَا قَوِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ

стр. 437

لَحِقَ بِجَبَلَيْ طَيِّءٍ، وَكَانَ مُتَزَوِّجًا إِلَيْهِمْ، وَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ. فَأَبَوْا عَلَيْهِ خَوْفًا مِنْ كِسْرَى، فَأَقْبَلَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْبَلُهُ، حَتَّى نَزَلَ فِي ذِي قَارٍ فِي بَنِي شَيْبَانَ سِرًّا، فَلَقِيَ هَانِئَ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ وَكَانَ سَيِّدًا مَنِيعًا، وَالْبَيْتُ مِنْ رَبِيعَةَ فِي آلِ ذِي الْجَدَّيْنِ لِقَيْسِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ ذِي الْجَدَّيْنِ، وَكَانَ كِسْرَى قَدْ أَطْعَمَهُ الْأُبُلَّةَ، فَكَرِهَ النُّعْمَانُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ أَهْلَهُ لِذَلِكَ، وَعَلِمَ أَنَّ هَانِئًا يَمْنَعُهُ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْهُ أَهْلَهُ، فَأَوْدَعَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَفِيهِ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْعٍ، وَقِيلَ: ثَمَانِمِائَةِ دِرْعٍ. وَتَوَجَّهَ النُّعْمَانُ إِلَى كِسْرَى فَلَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَدِيٍّ عَلَى قَنْطَرَةِ سَابَاطَ، فَقَالَ: انْجُ نُعَيْمُ. فَقَالَ: أَنْتَ يَا زَيْدُ فَعَلْتَ هَذَا! أَمَا وَاللَّهِ لَئِنِ انْفَلَتُّ لِأَفْعَلَنَّ بِكَ مَا فَعَلْتُ بِأَبِيكَ. فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: امْضِ نُعَيْمُ فَقَدْ وَاللَّهِ وَضَعْتُ لَكَ عِنْدَهُ أَخِيَّةً لَا يَقْطَعُهَا الْمُهْرُ الْأَرِنُ. فَلَمَّا بَلَغَ كِسْرَى أَنَّهُ بِالْبَابِ بَعَثَ إِلَيْهِ فَقَيَّدَهُ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى خَانِقِينَ حَتَّى وَقَعَ الطَّاعُونُ فَمَاتَ فِيهِ، قَالَ: وَالنَّاسُ يَظُنُّونَ أَنَّهُ مَاتَ بِسَابَاطَ بِبَيْتِ الْأَعْشَى وَهُوَ يَقُولُ: فَذَاكَ وَمَا أَنْجَى مِنَ الْمَوْتِ رَبُّهُ ... بِسَابَاطَ حَتَّى مَاتَ وَهْوَ مُحَرْزَقُ ؟

стр. 438

وَكَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ. فَلَمَّا مَاتَ اسْتَعْمَلَ كِسْرَى إِيَاسَ بْنَ قَبِيصَةَ الطَّائِيَّ عَلَى الْحِيرَةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ النُّعْمَانُ. وَكَانَ كِسْرَى اجْتَازَ بِهِ لَمَّا سَارَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، فَشَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَبَعَثَ كِسْرَى بِأَنْ يَجْمَعَ مَا خَلَّفَهُ النُّعْمَانُ وَيُرْسِلَهُ إِلَيْهِ، فَبَعَثَ إِيَاسٌ إِلَى هَانِئِ بْنِ مَسْعُودٍ الشَّيْبَانِيِّ يَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِ مَا اسْتَوْدَعَهُ النُّعْمَانُ، فَأَبَى هَانِئٌ أَنْ يُسَلِّمَ مَا عِنْدَهُ. فَلَمَّا أَبَى هَانِئٌ غَضِبَ كِسْرَى، وَعِنْدَهُ النُّعْمَانُ بْنُ زُرْعَةَ التَّغْلِبِيُّ، وَهُوَ يُحِبُّ هَلَاكَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَقَالَ لِكِسْرَى: أَمْهِلْهُمْ حَتَّى يَقِيظُوا وَيَتَسَاقَطُوا عَلَى ذِي قَارٍ تَسَاقُطَ الْفَرَاشِ فِي النَّارِ فَتَأْخُذَهُمْ كَيْفَ شِئْتَ. فَصَبَرَ كِسْرَى حَتَّى جَاءُوا حِنْوَ ذِي قَارٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ كِسْرَى النُّعْمَانَ بْنَ زُرْعَةَ يُخَيِّرُهُمْ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُعْطُوا بِأَيْدِيهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكُوا دِيَارَهُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُحَارِبُوا. فَوَلُّوا أَمْرَهُمْ حَنْظَلَةَ بْنَ ثَعْلَبَةَ الْعِجْلِيَّ، فَأَشَارَ بِالْحَرْبِ، فَآذَنُوا الْمَلِكَ بِالْحَرْبِ، فَأَرْسَلَ كِسْرَى إِيَاسَ بْنَ قَبِيصَةَ الطَّائِيَّ أَمِيرَ الْجَيْشِ، وَمَعَهُ مَرَازِبَةُ الْفُرْسِ وَالْهَامَرْزُ التُّسْتَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعَرَبِ تَغْلِبَ وَإِيَادَ وَقَيْسَ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ قَيْسِ بْنِ ذِي الْجَدَّيْنِ، وَكَانَ عَلَى طَفِّ سَفَوَانَ، فَأَرْسَلَ الْفُيُولَ، وَكَانَ قَدْ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَسَّمَ هَانِئُ بْنُ مَسْعُودٍ دُرُوعَ النُّعْمَانِ وَسِلَاحَهُ. فَلَمَّا دَنَتِ الْفُرْسُ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ قَالَ هَانِئُ بْنُ مَسْعُودٍ: يَا مَعْشَرَ بَكْرٍ، إِنَّهُ لَا طَاقَةَ لَكُمْ فِي قِتَالِ كِسْرَى فَارْكَنُوا إِلَى الْفَلَاةِ. فَسَارَعَ النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ، فَوَثَبَ حَنْظَلَةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ الْعِجْلِيُّ وَقَالَ: يَا هَانِئُ أَرَدْتَ نَجَاءَنَا فَأَلْقَيْتَنَا فِي الْهَلَكَةِ، وَرَدَّ النَّاسَ وَقَطَّعَ وُضُنَ الْهَوَادِجِ، وَهِيَ الْحُزُمُ لِلرِّجَالِ، فَسُمِّيَ مُقَطِّعَ الْوُضُنِ، وَضَرَبَ عَلَى نَفْسِهِ قُبَّةً، وَأَقْسَمَ أَلَّا يَفِرَّ حَتَّى تَفِرَّ الْقُبَّةُ، فَرَجَعَ النَّاسُ وَاسْتَقَوْا مَاءً لِنِصْفِ شَهْرٍ. فَأَتَتْهُمُ الْعَجَمُ فَقَاتَلَتْهُمْ بِالْحِنْوِ، فَانْهَزَمَتِ الْعَجَمُ خَوْفًا مِنَ الْعَطَشِ إِلَى الْجُبَابَاتِ، فَتَبِعَتْهُمْ بَكْرٌ وَعِجْلٌ وَأَبْلَتْ يَوْمَئِذٍ بَلَاءً حَسَنًا، وَاضْطَمَّتْ عَلَيْهِمْ جُنُودُ الْعَجَمِ، فَقَالَ النَّاسُ: هَلَكَتْ عِجْلٌ.

стр. 439

ثُمَّ حَمَلَتْ بَكْرٌ فَوَجَدَتْ عِجْلًا تُقَاتِلُ، وَامْرَأَةً مِنْهُمْ تَقُولُ: إِنْ يَظْفَرُوا يُحَرِّزُوا فِينَا الْغُرَلْ ... إِيهًا فِدَاءٌ لَكُمْ بَنِي عِجِلْ فَقَاتَلُوهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَمَالَتِ الْعَجَمُ إِلَى بَطْحَاءِ ذِي قَارٍ خَوْفًا مِنَ الْعَطَشِ، فَأَرْسَلَتْ إِيَادٌ إِلَى بَكْرٍ، وَكَانُوا مَعَ الْفُرْسِ، وَقَالُوا لَهُمْ: إِنْ شِئْتُمْ هَرَبْنَا اللَّيْلَةَ، وَإِنْ شِئْتُمْ أَقَمْنَا وَنَفِرُّ حِينَ تُلَاقُونَ النَّاسَ. فَقَالُوا: بَلْ تُقِيمُونَ وَتَنْهَزِمُونَ إِذَا الْتَقَيْنَا. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ حَسَّانَ السَّكُونِيُّ، وَكَانَ حَلِيفًا لَبَنِي شَيْبَانَ: أَطِيعُونِي وَاكْتُمُوا لَهُمْ فَفَعَلُوا، ثُمَّ قَاتَلُوا وَحَرَّضَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَقَالَتِ ابْنَةُ الْقَرِينِ الشَّيْبَانِيَّةُ: وَيْهًا بَنِي شَيْبَانَ صَفًّا بَعْدَ صَفْ ... إِنْ تُهْزَمُوا يُصَبِّغُوا فِينَا الْقُلَفْ فَقَطَعَ سَبْعُمِائَةٍ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ أَيْدِي أَقْبِيَتِهِمْ مِنْ مَنَاكِبِهِمْ لِتَخِفَّ أَيْدِيهِمْ لِضَرْبِ السُّيُوفِ، فَجَالَدُوهُمْ وَبَارَزَ الْهَامَرْزُ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ بُرْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْيَشْكُرِيُّ فَقَتَلَهُ بُرْدٌ، ثُمَّ حَمَلَتْ مَيْسَرَةُ بَكْرٍ وَمَيْمَنَتُهَا، وَخَرَجَ الْكَمِينُ فَشَدُّوا عَلَى قَلْبِ الْجَيْشِ وَفِيهِمْ إِيَاسُ بْنُ قَبِيصَةَ الطَّائِيُّ، وَوَلَّتْ إِيَادٌ مُنْهَزِمَةً كَمَا وَعَدَتْهُمْ، فَانْهَزَمَتِ الْفُرْسُ وَاتَّبَعَتْهُمْ بَكْرٌ تَقْتُلُ وَلَا تَلْتَفِتُ إِلَى سَلَبٍ وَغَنِيمَةٍ. وَقَالَ الشُّعَرَاءُ فِي وَقْعَةِ ذِي قَارٍ فَأَكْثَرُوا. [ذِكْرُ مُلُوكِ الْحِيرَةِ بَعْدَ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ]

стр. 440

قَدْ ذَكَرْنَا مَنْ مَلَكَ مِنْ آلِ نَصْرِ بْنِ رَبِيعَةَ إِلَى هَلَاكِ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ. فَلَمَّا هَلَكَ عَمْرٌو مَلَكَ مَوْضِعَهُ أَخُوهُ قَابُوسُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَرْبَعَ سِنِينَ، مِنْ ذَلِكَ أَيَّامَ أَنُوشِرْوَانَ ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، وَفِي أَيَّامِ هُرْمُزَ ثَلَاثُ سِنِينَ وَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَ قَابُوسَ السُّهْرَبُ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ أَرْبَعَ سِنِينَ. ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَبُو قَابُوسَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، مِنْ ذَلِكَ فِي زَمَانِ هُرْمُزَ سَبْعُ سِنِينَ وَثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، وَفِي زَمَانِ ابْنِهِ أَبْرَوِيزَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. ثُمَّ وَلِيَ إِيَاسُ بْنُ قَبِيصَةَ الطَّائِيُّ وَمَعَهُ النَّخِيرَخَانُ فِي زَمَانِ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ مِنْ وِلَايَةِ إِيَاسٍ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ .

стр. 441

ثُمَّ وَلِيَ ازَّادَبِهُ بْنُ مَابِيَانَ الْهَمْدَانِيُّ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، مِنْ ذَلِكَ فِي زَمَانِ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، وَفِي زَمَانِ شِيرَوَيْهِ بْنِ كِسْرَى ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، وَفِي زَمَنِ أَرْدَشِيرَ بْنِ شِيرَوَيْهِ سَنَةٌ وَسَبْعَةُ أَشْهُرٍ، وَفِي زَمَنِ بُورَانَ دُخْتَ ابْنَةِ كِسْرَى شَهْرًا. ثُمَّ وَلِيَ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْعَرَبُ الْمَغْرُورَ الَّذِي قُتِلَ بِالْبَحْرَيْنِ يَوْمَ جُوَاثَاءَ. وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ إِلَى أَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْحِيرَةَ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ آخِرَ مَنْ بَقِيَ مِنْ آلِ نَصْرٍ، وَانْقَرَضَ مُلْكُهُمْ مَعَ انْقِرَاضِ مُلْكِ فَارِسَ، فَجَمِيعُ مُلُوكِ آلِ نَصْرٍ فِيمَا زَعَمَ هِشَامٌ عِشْرُونَ مَلِكًا مَلَكُوا خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ وَاثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ. ذِكْرُ الْمَرْوَزَانِ وَوِلَايَتِهِ الْيَمَنَ مِنْ قِبَلِ هُرْمُزَ قَالَ هِشَامٌ: اسْتَعْمَلَ كِسْرَى هُرْمُزَ الْمَرْوَزَانَ بَعْدَ عَزْلِ زَرِينَ عَنِ الْيَمَنِ، وَأَقَامَ بِالْيَمَنِ حَتَّى وُلِدَ لَهُ فِيهَا، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ الْمَضَايِعُ مَنَعُوهُ الْخَرَاجَ، فَقَصَدَهُمْ فَرَأَى جَبَلَهُمْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لِحَصَانَتِهِ وَلَهُ طَرِيقٌ وَاحِدٌ يَحْمِيهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَكَانَ يُحَاذِي ذَلِكَ الْجَبَلَ جَبَلٌ آخَرُ، وَقَدْ قَارَبَ هَذَا الْجَبَلَ، فَأَجْرَى فَرَسَهُ فَعَبَرَ بِهِ ذَلِكَ الْمَضِيقَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ حِمْيَرُ قَالُوا: هَذَا شَيْطَانٌ! وَمَلَكَ حِصْنَهُمْ وَأَدَّوُا الْخَرَاجَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كِسْرَى يُعْلِمُهُ، فَاسْتَدْعَاهُ إِلَيْهِ فَاسْتَخْلَفَ ابْنَهُ خُرَّخُسْرَهْ عَلَى الْيَمَنِ وَسَارَ إِلَيْهِ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ، وَعَزَلَ كِسْرَى خُرَّخُسْرَهْ عَنِ الْيَمَنِ وَوَلَّى بَاذَانَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ قَدِمَ الْيَمَنَ مِنْ وُلَاةِ الْعَجَمِ. ذِكْرُ قَتْلِ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ

стр. 442

كَانَ كِسْرَى قَدْ طَغَى لِكَثْرَةِ مَالِهِ وَمَا فَتَحَهُ مِنْ بِلَادِ الْعَدُوِّ وَمُسَاعَدَةِ الْأَقْدَارِ وَشَرِهَ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ، فَفَسَدَتْ قُلُوبُهُمْ. وَقِيلَ: كَانَتْ لَهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ امْرَأَةٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ آلَافِ امْرَأَةٍ، يَطَؤُهُنَّ، وَأُلُوفٌ جِوَارٍ، وَكَانَ لَهُ خَمْسُونَ أَلْفَ دَابَّةٍ، وَكَانَ أَرْغَبَ النَّاسِ فِي الْجَوَاهِرِ وَالْأَوَانِي وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُحْصَى مَا جُبِيَ مِنْ خَرَاجِ بِلَادِهِ فِي سَنَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ مِنْ مُلْكِهِ، فَكَانَ مِنَ الْوَرِقِ مِائَةُ أَلْفِ أَلْفِ مِثْقَالٍ وَعِشْرُونَ أَلْفَ أَلْفِ مِثْقَالٍ، وَإِنَّهُ احْتَقَرَ النَّاسَ وَأَمَرَ رَجُلًا اسْمُهُ زَاذَانُ بِقَتْلِ كُلِّ مُقَيَّدٍ فِي سُجُونِهِ، فَبَلَغُوا سِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَلَمْ يُقْدِمْ زَاذَانُ عَلَى قَتْلِهِمْ، فَصَارُوا أَعْدَاءً لَهُ، وَكَانَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْمُنْهَزِمِينَ مِنَ الرُّومِ فَصَارُوا أَيْضًا أَعْدَاءً لَهُ، وَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى اسْتِخْلَاصِ بَوَاقِي الْخَرَاجِ، فَعَسَفَ النَّاسَ وَظَلَمَهُمْ، فَفَسَدَتْ نِيَّاتُهُمْ، وَمَضَى نَاسٌ مِنَ الْعُظَمَاءِ إِلَى بَابِلَ، فَأَحْضَرُوا وَلَدَهُ شِيرَوَيْهِ بْنِ أَبْرَوِيزَ، فَإِنَّ كِسْرَى كَانَ قَدْ تَرَكَ أَوْلَادَهُ بِهَا وَمَنَعَهُمْ مِنَ التَّصَرُّفِ، وَجَعَلَ عِنْدَهُمْ مَنْ يُؤَدِّبُهُمْ، فَوَصَلَ إِلَى بَهْرَسِيرَ فَدَخَلَهَا لَيْلًا فَأَخْرَجَ مَنْ كَانَ فِي سُجُونِهَا، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَيْضًا الَّذِينَ كَانَ كِسْرَى أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، فَنَادَوْا قُبَاذَ شَاهِنْشَاهْ، وَسَارُوا حِينَ أَصْبَحُوا إِلَى رَحْبَةِ كِسْرَى، فَهَرَبَ حَرَسُهُ، خَرَجَ كِسْرَى إِلَى بُسْتَانٍ قَرِيبٍ مِنْ قَصْرِهِ هَارِبًا فَأُخِذَ أَسِيرًا، وَمَلَّكُوا ابْنَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِيهِ يَقْرَعُهُ بِمَا كَانَ مِنْهُ، ثُمَّ قَتَلَتْهُ الْفُرْسُ وَسَاعَدَهُمُ ابْنُهُ، وَكَانَ مُلْكُهُ ثَمَانِيًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَلِمُضِيِّ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَخَمْسَةِ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ. قِيلَ: وَكَانَ لِكِسْرَى أَبْرَوِيزَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَلَدًا، وَكَانَ أَكْبَرَهُمْ شَهْرِيَارُ، وَكَانَتْ شِيرِينُ قَدْ تَبَنَّتْهُ، فَقَالَ الْمُنَجِّمُونَ لِكِسْرَى: إِنَّهُ سَيُولَدُ لِبَعْضِ وَلَدِكَ غُلَامٌ يَكُونُ خَرَابُ هَذَا الْمَجْلِسِ وَذَهَابُ الْمُلْكِ عَلَى يَدَيْهِ، وَعَلَامَتُهُ نَقْصٌ فِي بَعْضِ بَدَنِهِ، فَمَنَعَ وَلَدَهُ عَنِ النِّسَاءِ لِذَلِكَ حَتَّى شَكَا شَهْرِيَارُ إِلَى شِيرِينَ الشَّبَقَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ جَارِيَةً كَانَتْ تُحَجِّمُهَا، وَكَانَتْ

стр. 443

تَظُنُّ أَنَّهَا لَا تَلِدُ، فَلَمَّا وَطِئَهَا عَلِقَتْ بِيَزْدَجِرْدَ فَكَتَمَتْهُ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ إِنَّهَا رَأَتْ مِنْ كِسْرَى رِقَّةً لِلصِّبْيَانِ حِينَ كَبِرَ فَقَالَتْ: أَيَسُرُّكَ أَنْ تَرَى لِبَعْضِ بَنِيكَ وَلَدًا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَتَتْهُ بِيَزْدَجِرْدَ، فَأَحَبَّهُ وَقَرَّبَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَلْعَبُ ذَاتَ يَوْمٍ ذَكَرَ مَا قِيلَ، فَأَمَرَ بِهِ، فَجُرِّدَ مِنْ ثِيَابِهِ، فَرَأَى النَّقْصَ فِي أَحَدِ وَرِكَيْهِ فَأَرَادَ قَتْلَهُ، فَمَنَعَتْهُ شِيرِينُ وَقَالَتْ: إِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِي الْمُلْكِ قَدْ حَضَرَ فَلَا مَرَدَّ لَهُ، فَأَمَرَتْ بِهِ فَحُمِلَ إِلَى سِجِسْتَانَ، وَقِيلَ: بَلْ تَرَكَتْهُ فِي السَّوَادِ فِي قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا خَمَانِيَّةُ. وَلَمَّا قُتِلَ كِسْرَى أَبْرَوِيزُ بْنُ هُرْمُزَ مَلَكَ ابْنُهُ شِيرَوَيْهِ. ذِكْرُ مُلْكِ كِسْرَى شِيرَوَيْهِ بْنِ أَبْرَوِيزَ بْنِ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشِرْوَانَ لَمَّا مَلَكَ شِيرَوَيْهِ بْنُ أَبْرَوِيزَ وَأُمُّهُ مَرْيَمُ ابْنَةُ مُورِيقَ مَلِكُ الرُّومِ وَاسْمُهُ قُبَاذُ، دَخَلَ عَلَيْهِ الْعُظَمَاءُ وَالْأَشْرَافُ فَقَالُوا: لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ لَنَا مَلِكَانِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتُلَ كِسْرَى وَنَحْنُ عَبِيدُكَ، وَإِمَّا أَنْ نَخْلَعَكَ وَنُطِيعَهُ. فَانْكَسَرَ شِيرَوَيْهِ وَنَقَلَ أَبَاهُ مِنْ دَارِ الْمُلْكِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ حَبَسَهُ فِيهِ، ثُمَّ جَمَعَ الْعُظَمَاءَ وَقَالَ: قَدْ رَأَيْنَا الْإِرْسَالَ إِلَى كِسْرَى بِمَا كَانَ مِنْ إِسَاءَتِهِ وَنُوقِفُهُ عَلَى أَشْيَاءَ مِنْهَا. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ أُسْتَاذُ خُشْنُشْ كَانَ يَلِي تَدْبِيرَ الْمَمْلَكَةِ، وَقَالَ لَهُ: قُلْ لِأَبِينَا الْمَلِكَ عَنْ رِسَالَتِنَا: إِنَّ سُوءَ أَعْمَالِكَ فَعَلَ بِكَ مَا تَرَى، مِنْهَا جُرْأَتُكَ عَلَى أَبِيكَ، وَسَمْلُكَ عَيْنَيْهِ وَقَتْلُكَ إِيَّاهُ، وَمِنْهَا سُوءُ صَنِيعِكَ إِلَيْنَا مَعْشَرَ أَبْنَائِكَ فِي مَنْعِنَا مِنْ مُجَالَسَةِ النَّاسِ وَكُلِّ مَا لَنَا فِيهِ دَعَةٌ، وَمِنْهَا إِسَاءَتُكَ إِلَى مَنْ خَلَّدْتَ فِي السُّجُونِ، وَمِنْهَا إِسَاءَتُكَ إِلَى النِّسَاءِ تَأْخُذُهُنَّ لِنَفْسِكَ وَتَرْكُكَ الْعَطْفَ عَلَيْهِنَّ، وَمَنْعُهُنَّ مِمَّنْ يُعَاشِرُهُنَّ وَيُرْزَقْنَ مِنْهُ الْوَلَدَ، وَمِنْهَا مَا أَتَيْتَ إِلَى رَعِيَّتِكَ عَامَّةً مِنَ الْعُنْفِ وَالْغِلْظَةِ وَالْفَظَاظَةِ، وَمِنْهَا جَمْعُ الْأَمْوَالِ فِي شِدَّةٍ وَعُنْفٍ مِنْ أَرْبَابِهَا، وَمِنْهَا تَجْمِيرُكَ الْجُنُودَ فِي ثُغُورِ الرُّومِ وَغَيْرِهَا، وَتَفْرِيقُكَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِيهِمْ، وَمِنْهَا غَدْرُكَ بِمُورِيقَ مَلِكِ الرُّومِ مَعَ إِحْسَانِهِ إِلَيْكَ وَحُسْنِ بَلَائِهِ عِنْدَكَ وَتَزْوِيجِهِ

стр. 444

إِيَّاكَ بِابْنَتِهِ، وَمَنْعُكَ إِيَّاهُ خَشَبَةَ الصَّلِيبِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ بِكَ وَلَا بِأَهْلِ بِلَادِكَ إِلَيْهَا حَاجَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَكَ حُجَّةٌ تَذْكُرُهَا فَافْعَلْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ حُجَّةٌ فَتُبْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَأْمُرَ فِيكَ بِأَمْرِهِ. قَالَ: فَجَاءَ الرَّسُولُ إِلَى كِسْرَى أَبْرَوِيزَ فَأَدَّى إِلَيْهِ الرِّسَالَةَ، فَقَالَ أَبْرَوِيزُ: قُلْ عَنِّي لِشِيرَوَيْهِ الْقَصِيرِ الْعُمْرِ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتُوبَ مِنْ أَجْلِ الصَّغِيرِ مِنَ الذَّنْبِ، إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَتَيَقَّنَهُ فَضْلًا عَنْ عَظِيمِهِ مَا ذَكَرْتَ وَكَثَّرْتَ مِنَّا، وَلَوْ كُنَّا كَمَا تَقُولُ لَمْ يَكُنْ لَكَ أَيُّهَا الْجَاهِلُ أَنْ تَنْشُرَ عَنَّا مِثْلَ هَذَا الْعَظِيمِ الَّذِي يُوجِبُ عَلَيْنَا الْقَتْلَ، لِمَا يَلْزَمُكَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْعُيُوبِ، فَإِنَّ قُضَاةَ أَهْلِ مِلَّتِكَ يَنْفُونَ وَلَدَ الْمُسْتَوْجِبِ لِلْقَتْلِ مِنْ أَبِيهِ، وَيَنْفُونَهُ مِنْ مُضَامَّةِ أَهْلِ الْأَخْيَارِ وَمُجَالَسَتِهِمْ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَمْلِكَ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مِنَّا بِحَمْدِ اللَّهِ مِنْ إِصْلَاحِنَا أَنْفُسَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَرَعِيَّتَنَا مَا لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ تَقْصِيرٌ، وَنَحْنُ نَشْرَحُ الْحَالَ فِيمَا لَزِمَنَا مِنَ الذُّنُوبِ لِتَزْدَادَ عِلْمًا بِجَهْلِكَ. فَمِنْ جَوَابِنَا: أَنَّ الْأَشْرَارَ أَغْرَوْا كِسْرَى هُرْمُزَ وَالِدَنَا بِنَا حَتَّى اتَّهَمَنَا، فَرَأَيْنَا مِنْ سُوءِ رَأْيِهِ فِينَا مَا يُخَوِّفُنَا مِنْهُ، فَاعْتَزَلْنَا بَابَهُ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَقَدِ اسْتَفَاضَ ذَلِكَ، فَلَمَّا انْتَهَكَ مِنْهُ مَا انْتَهَكَ شَخَصْنَا إِلَى بَابِهِ، فَهَجَمَ الْمُنَافِقُ بَهْرَامُ عَلَيْنَا فَأَجْلَانَا عَنِ الْمَمْلَكَةِ، فَسِرْنَا إِلَى الرُّومِ وَعُدْنَا إِلَى مُلْكِنَا وَاسْتَحْكَمَ أَمْرُنَا، فَبَدَأْنَا بِأَخْذِ الثَّأْرِ مِمَّنْ قَتَلَ أَبَانَا أَوْ شَرَكَ فِي دَمِهِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ أَبْنَائِنَا، فَإِنَّنَا وَكَّلْنَا بِكُمْ مَنْ يَكُفُّكُمْ عَنْ الِانْتِشَارِ فِيمَا لَا يَعْنِيكُمْ فَتَتَأَذَّى بِكُمُ الرَّعِيَّةُ وَالْبِلَادُ، وَكُنَّا أَقَمْنَا لَكُمُ النَّفَقَاتِ الْوَاسِعَةَ وَجَمِيعَ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا أَنْتَ خَاصَّةً فَإِنَّ الْمُنَجِّمِينَ قَضَوْا فِي مَوْلِدِكَ أَنَّكَ مُثَرِّبٌ عَلَيْنَا، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِسَبَبِكَ، وَإِنَّ مَلِكَ الْهِنْدِ كَتَبَ إِلَيْكَ كِتَابًا وَأَهْدَى لَكَ هَدِيَّةً، فَقَرَأْنَا الْكِتَابَ فَإِذَا هُوَ يُبَشِّرُكَ بِالْمُلْكِ بَعْدَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِنَا، وَقَدْ خَتَمْنَا عَلَى الْكِتَابِ وَعَلَى مَوْلِدِكَ وَهُمَا عِنْدَ شِيرِينَ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَقْرَأَهُمَا فَافْعَلْ، فَلَمْ يَمْنَعْنَا ذَلِكَ عَنْ بِرِّكَ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْكَ فَضْلًا عَنْ قَتْلِكَ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ عَمَّنْ خَلَّدْنَاهُ فِي السُّجُونِ، فَجَوَابُنَا: إِنَّنَا لَمْ نَحْبِسْ إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ أَوْ قَطْعُ بَعْضِ الْأَطْرَافِ، وَقَدْ كَانَ الْمُوَكَّلُونَ بِهِمْ وَالْوُزَرَاءُ يَأْمُرُونَنَا بِقَتْلِ مَنْ وَجَبَ قَتْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَحْتَالُوا لِأَنْفُسِهِمْ، فَكُنَّا بِحُبِّنَا الِاسْتِبْقَاءَ وَكَرَاهَتِنَا لِسَفْكِ الدِّمَاءِ نَتَأَنَّى

стр. 445

بِهِمْ وَنَكِلُ أَمْرَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ أَخْرَجْتَهُمْ مِنْ مَحْبَسِهِمْ عَصَيْتَ رَبَّكَ، وَلِتَجِدَنَّ غِبَّ ذَلِكَ. أَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّا جَمَعْنَا الْأَمْوَالَ، وَأَنْوَاعَ الْجَوَاهِرِ وَالْأَمْتِعَةَ بِأَعْنَفِ جَمْعٍ وَأَشَدِّ إِلْحَاحٍ، فَاعْلَمْ أَيُّهَا الْجَاهِلُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُقِيمُ الْمُلْكَ بَعْدَ اللَّهِ تَعَالَى الْأَمْوَالُ وَالْجُنُودُ، وَخَاصَّةً مُلْكُ فَارِسَ الَّذِي قَدِ اكْتَنَفَهُ الْأَعْدَاءُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى كَفِّهِمْ وَرَدْعِهِمْ عَمَّا يُرِيدُونَهُ إِلَّا بِالْجُنُودِ وَالْأَسْلِحَةِ وَالْعُدَدِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِالْمَالِ، وَقَدْ كَانَ أَسْلَافُنَا جَمَعُوا الْأَمْوَالَ وَالسِّلَاحَ وَغَيْرَ ذَلِكَ فَأَغَارَ الْمُنَافِقُ بَهْرَامُ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا الْيَسِيرَ، فَلَمَّا ارْتَجَعْنَا مُلْكَنَا وَأَذْعَنَ لَنَا الرَّعِيَّةُ بِالطَّاعَةِ، أَرْسَلْنَا إِلَى نَوَاحِي بِلَادِنَا أَصْبَهْبَذِينَ وَقَامَرْسَانِينَ، فَكَفُّوا الْأَعْدَاءَ وَأَغَارُوا عَلَى بِلَادِهِمْ، وَوَصَلَ إِلَيْنَا غَنَائِمُ بِلَادِهِمْ مِنْ أَصْنَافِ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْتِعَةِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّكَ هَمَمْتَ بِتَفْرِيقِ هَذِهِ الْأَمْوَالِ عَلَى رَأْيِ الْأَشْرَارِ الْمُسْتَوْجِبِينَ لِلْقَتْلِ، وَنَحْنُ نُعْلِمُكَ أَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ لَمْ تَجْتَمِعْ إِلَّا بَعْدَ الْكِدِّ وَالتَّعَبِ وَالْمُخَاطَرَةِ بِالنُّفُوسِ، فَلَا تَفْعَلْ ذَلِكَ فَإِنَّهَا كَهْفُ مُلْكِكَ وَبِلَادِكَ وَقُوَّةٌ عَلَى عَدُوِّكَ. فَلَمَّا انْصَرَفَ أُسْتَاذُ خُشْنَشْ إِلَى شِيرَوَيْهِ قَصَّ عَلَيْهِ جَوَابَ أَبِيهِ، ثُمَّ إِنَّ عُظَمَاءَ الْفُرْسِ عَادُوا إِلَى شِيرَوَيْهِ فَقَالُوا: إِمَّا أَنْ تَأْمُرَ بِقَتْلِ أَبِيكَ وَإِمَّا أَنْ نُطِيعَهُ وَنَخْلَعَكَ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُ وَانْتَدَبَ لِقَتْلِهِ رِجَالًا مِمَّنْ وَتِرَهُمْ كِسْرَى أَبْرَوِيزُ، وَكَانَ الَّذِي بَاشَرَ قَتْلَهُ شَابٌّ يُقَالُ لَهُ مِهْرَهُرْمُزُ بْنُ مَرْدَانْشَاهْ مِنْ نَاحِيَةِ نِيمَرُوذَ. فَلَمَّا قُتِلَ شَقَّ شِيرَوَيْهِ ثِيَابَهُ وَبَكَى وَلَطَمَ وَجْهَهُ، وَحُمِلَتْ جِنَازَتُهُ وَتَبِعَهَا الْعُظَمَاءُ وَأَشْرَافُ النَّاسِ، فَلَمَّا دُفِنَ أَمَرَ شِيرَوَيْهِ بِقَتْلِ مِهْرَهُرْمُزَ قَاتِلِ أَبِيهِ. وَكَانَ مُلْكُهُ ثَمَانِيًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. ثُمَّ إِنَّ شِيرَوَيْهِ قَتَلَ إِخْوَتَهُ، فَهَلَكَ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ أَخًا ذَوُو شَجَاعَةٍ وَأَدَبٍ، بِمَشُورَةِ وَزِيرِهِ فَيْرُوزَ. وَابْتُلِيَ شِيرَوَيْهِ بِالْأَمْرَاضِ، وَلَمْ يَلْتَذَّ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَكَانَ هَلَاكُهُ بِدَسْكَرَةِ الْمُلْكِ، وَجَزِعَ بَعْدَ قَتْلِ إِخْوَتِهِ جَزَعًا شَدِيدًا. وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنْ قَتْلِ إِخْوَتِهِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ بُورَانُ وَآزَرْمِيدُخْتَ أُخْتَاهُ

стр. 446

فَأَغْلَظَتَا لَهُ وَقَالَتَا: حَمَلَكَ الْحِرْصُ عَلَى الْمُلْكِ الَّذِي لَا يَتِمُّ لَكَ عَلَى قَتْلِ أَبِيكَ وَإِخْوَتِكَ. فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ بَكَى بُكَاءً شَدِيدًا وَرَمَى التَّاجَ عَنْ رَأْسِهِ وَلَمْ يَزَلْ مَهْمُومًا مُدْنَفًا. وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَبَادَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ. وَفَشَا الطَّاعُونُ فِي أَيَّامِهِ فَهَلَكَ مِنَ الْفُرْسِ أَكْثَرُهُمْ، ثُمَّ هَلَكَ هُوَ. وَكَانَ مُلْكُهُ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ. ذِكْرُ مُلْكِ أَرْدَشِيرَ وَكَانَ عُمْرُهُ سَبْعَ سِنِينَ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ شِيرَوَيْهِ مَلَّكَ الْفُرْسُ عَلَيْهِمُ ابْنَهُ أَرْدَشِيرَ، وَحَضَنَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ بَهَادِرُ جُسْنَسْ، مَرْتَبَتُهُ رِئَاسَةُ أَصْحَابِ الْمَائِدَةِ، فَأَحْسَنَ سِيَاسَةَ الْمُلْكِ، فَبَلَغَ مِنْ إِحْكَامِهِ ذَلِكَ مَا لَمْ يُحَسَّ مَعَهُ بِحَدَاثَةِ سِنِّ أَرْدَشِيرَ. وَكَانَ شَهْرَبَرَازُ بِثَغْرِ الرُّومِ فِي جُنْدٍ ضَمَّهُمْ إِلَيْهِ كِسْرَى أَبْرَوِيزُ، وَكَانَ قَدْ صَلَحَ لَهُ بَعْدَهُ مَا فَعَلَ بِالرُّومِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، وَكَانَ يُنْفِذُ لَهُ الْخُلَعَ وَالْهَدَايَا، وَكَانَ أَبْرَوِيزُ وَشِيرَوَيْهِ يُكَاتِبَانِهِ وَيَسْتَشِيرَانِهِ، فَلَمَّا لَمْ يُشَاوِرْهُ عُظَمَاءُ الْفُرْسِ فِي تَمْلِيكِ أَرْدَشِيرَ اتَّخَذَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى التَّعَنُّتِ، وَبَسَطَ يَدَهُ فِي الْقَتْلِ، وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِلطَّمَعِ فِي الْمُلْكِ احْتِقَارًا لِأَرْدَشِيرَ لِصِغَرِ سِنِّهِ، فَأَقْبَلَ بِجُنْدِهِ نَحْوَ الْمَدَائِنِ، فَتَحَوَّلَ أَرْدَشِيرُ وَبَهَادِرُ جُسْنَسْ وَمَنْ بَقِيَ مِنْ نَسْلِ الْمَلِكِ إِلَى مَدِينَةِ طَيْسَفُونْ، فَحَاصَرَهُمْ شَهْرَبَرَازُ وَنَصَبَ عَلَيْهِمُ الْمَجَانِيقَ فَلَمْ يَظْفَرْ بِشَيْءٍ، فَأَتَاهَا مِنْ قِبَلِ الْمَكِيدَةِ، فَلَمْ يَزَلْ يَخْدَعُ رَئِيسَ الْحَرَسِ وَأَصْبَهْبَذَ نِيمَرُوذَ، حَتَّى فَتَحَا لَهُ بَابَ الْمَدِينَةِ فَدَخَلَهَا، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنَ الرُّؤَسَاءِ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَقَتَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَرْدَشِيرَ فِي إِيوَانِ خُسْرُوشَاهْ قُبَاذَ بِأَمْرِ شَهْرَبَرَازَ. وَكَانَ مُلْكُهُ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ.

стр. 447

ذِكْرُ مُلْكِ شَهْرَبَرَازَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَيْتِ الْمُلْكِ. لَمَّا قُتِلَ أَرْدَشِيرُ جَلَسَ شَهْرَبَرَازُ، وَاسْمُهُ فَرُّخَانُ، عَلَى تَخْتِ الْمَمْلَكَةِ، فَحِينَ جَلَسَ عَلَيْهِ ضَرَبَ عَلَيْهِ بَطْنُهُ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ. ثُمَّ عُوفِيَ. وَتَعَاهَدَ ثَلَاثَةُ إِخْوَةٍ مِنْ أَهْلِ إِصْطَخْرَ عَلَى قَتْلِهِ غَضَبًا لِقَتْلِ أَرْدَشِيرَ، وَكَانُوا فِي حَرَسِهِ، وَكَانَ الْحَرَسُ يَقِفُونَ سِمَاطَيْنِ إِذَا رَكِبَ الْمَلِكُ عَلَيْهِمُ السِّلَاحُ وَبِأَيْدِيهِمُ السُّيُوفُ وَالرِّمَاحُ، فَإِذَا حَاذَى الْمَلِكُ بَعْضَهُمْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى تُرْسِهِ فَوْقَ التُّرْسِ كَهَيْئَةِ السُّجُودِ. فَرَكِبَ شَهْرَبَرَازُ يَوْمًا فَوَقَفَ الْإِخْوَةُ الثَّلَاثَةُ بَعْضُهُمْ قَرِيبٌ مِنْ بَعْضٍ، فَلَمَّا حَاذَاهُمْ طَعَنُوهُ فَسَقَطَ مَيِّتًا، فَشَدُّوا فِي رِجْلِهِ حَبْلًا وَجَرُّوهُ، وَسَاعَدَهُمْ بَعْضُ الْعُظَمَاءِ وَتَسَاعَدُوا عَلَى قَتْلِ جَمَاعَةٍ قَتَلُوا أَرْدَشِيرَ، وَكَانَ جَمِيعُ مُلْكِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. ذِكْرُ مُلْكِ بُورَانَ ابْنَةِ أَبْرَوِيزَ بْنِ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشِرْوَانَ لَمَّا قُتِلَ شَهْرَبَرَازُ مَلَّكَتِ الْفُرْسُ بُورَانَ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا مِنْ بَيْتِ الْمَمْلَكَةِ رَجُلًا يُمَلِّكُونَهُ. فَلَمَّا مَلَكَتْ أَحْسَنَتِ السِّيرَةَ فِي رَعِيَّتِهَا وَعَدَلَتْ فِيهِمْ، فَأَصْلَحَتِ الْقَنَاطِرَ، وَوَضَعَتْ مَا بَقِيَ مِنَ الْخَرَاجِ، وَرَدَّتْ خَشَبَةَ الصَّلِيبِ عَلَى مَلِكِ الرُّومِ، وَكَانَتْ مَمْلَكَتُهَا سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ خُشَنْشَبَنْدَهْ مِنْ بَنِي عَمِّ أَبْرَوِيزَ الْأَبْعَدِينَ، وَكَانَ مُلْكُهُ أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ، وَقَتَلَهُ الْجُنْدُ لِأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا سِيرَتَهُ. ذِكْرُ مُلْكِ آزَرْمِيدُخْتَ ابْنَةِ أَبْرَوِيزَ لَمَّا قُتِلَ خُشَنْشَبَنْدَهْ مَلَّكَتِ الْفُرْسُ آزَرْمِيدُخْتَ ابْنَةَ أَبْرَوِيزَ، وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ، وَكَانَ عَظِيمُ الْفُرْسِ يَوْمَئِذٍ فَرُّخْهُرْمُزْ أَصْبَهْبَذَ خُرَاسَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا يَخْتَطِبُهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ

стр. 448

التَّزَوُّجَ لِلْمَلِكَةِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَغَرَضُكَ قَضَاءُ حَاجَتِكَ مِنِّي فَصِرْ إِلَيَّ وَقْتَ كَذَا. فَفَعَلَ وَسَارَ إِلَيْهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَتَقَدَّمَتْ إِلَى صَاحِبِ حَرَسِهَا أَنْ يَقْتُلَهُ، فَقَتَلَهُ وَطُرِحَ فِي رَحْبَةِ دَارِ الْمَمْلَكَةِ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا رَأَوْهُ قَتِيلًا فَغَيَّبُوهُ. وَكَانَ ابْنُهُ رُسْتُمْ، وَهُوَ الَّذِي قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقَادِسِيَّةِ، خَلِيفَةَ أَبِيهِ بِخُرَاسَانَ، فَسَارَ فِي عَسْكَرٍ حَتَّى نَزَلَ بِالْمَدَائِنِ، وَسَمَلَ عَيْنَيْ آزَرْمِيدُخْتَ وَقَتَلَهَا، وَقِيلَ: بَلْ سُمَّتْ. وَكَانَ مُلْكُهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ. قِيلَ: ثُمَّ أَتَى رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِسْرَى بْنُ مِهْرُجُسْنَسْ مِنْ عَقِبِ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ، كَانَ يَنْزِلُ الْأَهْوَازَ، فَمَلَّكَهُ الْعُظَمَاءُ وَلَبِسَ التَّاجَ وَقُتِلَ بَعْدَ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي مَلَكَ بَعْدَ آزَرْمِيدُخْتَ خُرَّزَادُ خُسْرُو مِنْ وَلَدِ أَبْرَوِيزَ، وَأُمُّهُ كُرْدِيَّةُ أُخْتُ بِسْطَامَ، وَقِيلَ: وُجِدَ بِحِصْنِ الْحِجَارَةِ بِقُرْبِ نَصِيبِينَ، فَمَكَثَ أَيَّامًا يَسِيرَةً ثُمَّ خَلَعُوهُ وَقَتَلُوهُ. وَكَانَ مُلْكُهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ. وَقَالَ الَّذِينَ قَالُوا مَلَكَ كِسْرَى بْنُ مِهْرَجُسْنُسَ: إِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ طَلَبَ عُظَمَاءُ الْفُرْسِ مَنْ لَهُ نَسَبٌ بَيْنَ الْمَمْلَكَةِ وَلَوْ مِنَ النِّسَاءِ، فَأَتَوْا بِرَجُلٍ كَانَ يَسْكُنُ مَيْسَانَ يُقَالُ لَهُ فَيْرُوزُ بْنُ مِهْرَانَ جُسْنُسْ، وَيُسَمَّى أَيْضًا جُسْنَسَنْدِهْ، أُمُّهُ صَهَارْ بُخْتُ ابْنَةُ يَزْدَانْزَانَ بْنِ أَنُوشِرْوَانَ فَمَلَّكُوهُ، وَكَانَ ضَخْمَ الرَّأْسِ. فَلَمَّا تُوِّجَ قَالَ: مَا أَضْيَقَ هَذَا التَّاجَ! فَتَطَيَّرُوا مِنْ كَلَامِهِ فَقَتَلُوهُ فِي الْحَالِ، وَقِيلَ كَانَ قَتْلُهُ بَعْدَ أَيَّامٍ. ذِكْرُ مُلْكِ يَزْدَجِرْدَ بْنِ شَهْرَيَارَ بْنِ أَبْرَوِيزَ ثُمَّ إِنَّ الْفُرْسَ اضْطَرَبَ أَمْرُهُمْ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ بِلَادَهُمْ فَطَلَبُوا أَحَدًا مِنْ بَيْنِ الْمَمْلَكَةِ لِيُمَلِّكُوهُ وَيُقَاتِلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَحْفَظُوا بِلَادَهُمْ، فَظَفِرُوا بِيَزْدَجِرْدَ بْنِ شَهْرَيَارَ بْنِ أَبْرَوِيزَ بِإِصْطَخْرَ، فَأَخَذُوهُ وَسَارُوا بِهِ إِلَى الْمَدَائِنِ فَمَلَّكُوهُ وَاسْتَقَرَّ فِي الْمُلْكِ، غَيْرَ أَنَّ مُلْكَهُ كَانَ

стр. 449

كَالْخَيَالِ عِنْدَ مُلْكِ أَهْلِ بَيْتِهِ. وَكَانَ الْوُزَرَاءُ وَالْعُظَمَاءُ يُدَبِّرُونَ مُلْكَهُ لِحَدَاثَةِ سِنِّهِ وَضَعْفِ أَمْرِ مَمْلَكَةِ فَارِسَ، وَاجْتَرَأَ عَلَيْهِمُ الْأَعْدَاءُ وَتَطَرَّقُوا بِلَادَهُمْ، وَغَزَتِ الْعَرَبُ بِلَادَهُ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنْ مُلْكِهِ سَنَتَانِ. وَكَانَ عُمْرُهُ كُلُّهُ إِلَى أَنْ قُتِلَ ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَبَقِيَ مِنْ أَخْبَارِهِ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ فُتُوحِ الْمُسْلِمِينَ. هَذَا آخِرُ مُلُوكِ الْفُرْسِ وَنَذْكُرُ بَعْدَهُ التَّوَارِيخَ الْإِسْلَامِيَّةَ عَلَى سِيَاقَةِ سِنِيِّ الْهِجْرَةِ، وَنُقَدِّمُ قَبْلَ ذَلِكَ الْأَيَّامَ الْمَشْهُورَةَ لِلْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ نَأْتِي بَعْدَهَا بِالْحَوَادِثِ الْإِسْلَامِيَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [ذِكْرُ أَيَّامِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ]

стр. 450

لَمْ يَذْكُرْ أَبُو جَعْفَرٍ مِنْ أَيَّامِهَا غَيْرَ يَوْمِ ذِي قَارٍ، وَجَذِيمَةَ الْأَبْرَشِ، وَالزَّبَّاءِ، وَطَسْمٍ، وَجِدِيسٍ، وَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا حَيْثُ أَنَّهُمْ مُلُوكٌ، فَأَغْفَلَ مَا سِوَى ذَلِكَ. وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْأَيَّامَ الْمَشْهُورَةَ وَالْوَقَائِعَ الْمَذْكُورَةَ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَى جَمْعٍ كَثِيرٍ وَقِتَالٍ شَدِيدٍ، وَلَمْ أُعَرِّجْ عَلَى ذِكْرِ غَارَاتٍ تَشْتَمِلُ عَلَى النَّفَرِ الْيَسِيرِ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ وَيَخْرُجُ عَنِ الْحَصْرِ، فَنَقُولُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: ذِكْرُ حَرْبِ زُهَيْرِ بْنِ جَنَابٍ الْكَلْبِيِّ مَعَ غَطَفَانَ وَبَكْرٍ وَتَغْلِبَ وَبَنِي الْقَيْنِ كَانَ زُهَيْرُ بْنُ جَنَابِ بْنِ هُبَلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُذْرَةَ الْكَلْبِيُّ أَحَدَ مَنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قُضَاعَةُ، وَكَانَ يُدْعَى الْكَاهِنَ لِصِحَّةِ رَأْيِهِ، وَعَاشَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً، أَوْقَعَ فِيهَا مِائَتَيْ وَقْعَةٍ، وَقِيلَ: عَاشَ أَرْبَعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَ شُجَاعًا مُظَفَّرًا مَيْمُونَ النَّقِيبَةِ.

стр. 451

وَكَانَ سَبَبَ غَزَاتِهِ غَطَفَانَ أَنَّ بَنِي بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ حِينَ خَرَجُوا مِنْ تِهَامَةَ سَارُوا بِأَجْمَعِهِمْ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُمْ صُدَاءُ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ مِنْ مَذْحِجٍ، فَقَاتَلُوهُمْ، وَبَنُو بَغِيضٍ سَائِرُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَقَاتَلُوهُمْ عَنْ حَرِيمِهِمْ فَظَهَرُوا عَلَى صُدَاءَ وَفَتَكُوا فِيهِمْ، فَعَزَّتْ بَغِيضٌ بِذَلِكَ وَأَثْرَتْ وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهَا. فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا: وَاللَّهِ لَنَتَّخِذَنَّ حَرَمًا مِثْلَ مَكَّةَ لَا يُقْتَلُ صَيْدُهُ وَلَا يُهَاجُ عَائِذُهُ، فَبَنَوْا حَرَمًا وَوَلِيَهُ بَنُو مُرَّةَ بْنِ عَوْفٍ، فَلَمَّا بَلَغَ فِعْلُهُمْ وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ زُهَيْرَ بْنَ جَنَابٍ قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ أَبَدًا وَأَنَا حَيٌّ، وَلَا أُخَلِّي غَطَفَانَ تَتَّخِذُ حَرَمًا أَبَدًا. فَنَادَى فِي قَوْمِهِ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَامَ فِيهِمْ فَذَكَرَ حَالَ غَطَفَانَ وَمَا بَلَغَهُ عَنْهُمْ وَقَالَ: إِنَّ أَعْظَمَ مَأْثُرَةٍ يَدَّخِرُهَا هُوَ وَقَوْمُهُ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَأَجَابُوا، فَغَزَا بِهِمْ غَطَفَانَ وَقَاتَلَهُمْ أَبْرَحَ قِتَالٍ وَأَشَدَّهُ، وَظَفِرَ بِهِمْ زُهَيْرٌ وَأَصَابَ حَاجَتَهُ مِنْهُمْ وَأَخَذَ فَارِسًا مِنْهُمْ فِي حَرَمِهِمْ فَقَتَلَهُ وَعَطَّلَ ذَلِكَ الْحَرَمَ. ثُمَّ مَنَّ عَلَى غَطَفَانَ وَرَدَّ النِّسَاءَ وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ، وَقَالَ زُهَيْرٌ فِي ذَلِكَ: فَلَمْ تَصْبِرْ لَنَا غَطَفَانُ لَمَّا ... تَلَاقَيْنَا وَأُحْرِزَتِ النِّسَاءُ فَلَوْلَا الْفَضْلُ مِنَّا مَا رَجَعْتُمْ ... إِلَى عَذْرَاءَ شِيمَتُهَا الْحَيَاءُ فَدُونَكُمُ دُيُونًا فَاطْلُبُوهَا ... وَأَوْتَارًا وَدُونَكُمُ اللِّقَاءُ فَإِنَّا حَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ ... لُيُوثٌ حِينَ يُحْتَضَرُ اللِّوَاءُ فَقَدْ أَضْحَى لِحَيِّ بَنِي جَنَابٍ ... فَضَاءُ الْأَرْضِ وَالْمَاءُ الرَّوَاءُ نَفَيْنَا نَخْوَةَ الْأَعْدَاءِ عَنَّا ... بِأَرْمَاحٍ أَسِنَّتُهَا ظِمَاءُ وَلَوْلَا صَبْرُنَا يَوْمَ الْتَقَيْنَا ... لَقِينَا مِثْلَ مَا لَقِيَتْ صُدَاءُ غَدَاةَ تَضَرَّعُوا لِبَنِي بَغِيضٍ ... وَصِدْقُ الطَّعْنِ لِلنَّوْكَى شِفَاءُ وَأَمَّا حَرْبُهُ مَعَ بَكْرٍ وَتَغْلِبَ ابْنَيْ وَائِلٍ، فَكَانَ سَبَبَهَا أَنَّ أَبْرَهَةَ حِينَ طَلَعَ إِلَى نَجْدٍ أَتَاهُ زُهَيْرٌ، فَأَكْرَمَهُ وَفَضَّلَهُ عَلَى مَنْ أَتَاهُ مِنَ الْعَرَبِ، ثُمَّ أَمَّرَهُ عَلَى بَكْرٍ وَتَغْلِبَ ابْنَيْ وَائِلٍ،

стр. 452

فَوَلِيَهُمْ حَتَّى أَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ مَا يَطْلُبُ مِنْهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ، فَأَقَامَ بِهِمْ زُهَيْرٌ فِي الْحَرْبِ وَمَنَعَهُمْ مِنَ النُّجْعَةِ حَتَّى يُؤَدُّوا مَا عَلَيْهِمْ، فَكَادَتْ مَوَاشِيهِمْ تَهْلِكُ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ زَيَّابَةَ أَحَدُ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَكَانَ فَاتِكًا، أَتَى زُهَيْرًا وَهُوَ نَائِمٌ، فَاعْتَمَدَ التَّيْمِيُّ بِالسَّيْفِ عَلَى بَطْنِ زُهَيْرٍ فَمَرَّ فِيهَا حَتَّى خَرَجَ مِنْ ظَهْرِهِ مَارِقًا بَيْنَ الصِّفَاقِ، وَسَلِمَتْ أَمْعَاؤُهُ وَمَا فِي بَطْنِهِ، وَظَنَّ التَّيْمِيُّ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ، وَعَلِمَ زُهَيْرٌ أَنَّهُ قَدْ سَلِمَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ لِئَلَّا يُجْهِزَ عَلَيْهِ، فَسَكَتَ. فَانْصَرَفَ التَّيْمِيُّ إِلَى قَوْمِهِ فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ قَتَلَ زُهَيْرًا، فَسَرَّهُمْ ذَلِكَ. وَلَمْ يَكُنْ مَعَ زُهَيْرٍ إِلَّا نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُظْهِرُوا أَنَّهُ مَيِّتٌ وَأَنْ يَسْتَأْذِنُوا بَكْرًا وَتَغْلِبَ فِي دَفْنِهِ فَإِذَا أَذِنُوا دَفَنُوا ثِيَابًا مَلْفُوفَةً وَسَارُوا بِهِ مُجِدِّينَ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. فَأَذِنَتْ لَهُمْ بَكْرٌ وَتَغْلِبُ فِي دَفْنِهِ، فَحَفَرُوا وَعَمَّقُوا وَدَفَنُوا ثِيَابًا مَلْفُوفَةً لَمْ يَشُكَّ مَنْ رَآهَا أَنَّ فِيهَا مَيِّتًا، ثُمَّ سَارُوا مُجِدِّينَ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَجَمَعَ لَهُمْ زُهَيْرٌ الْجُمُوعَ، وَبَلَغَهُمُ الْخَبَرُ فَقَالَ ابْنُ زَيَّابَةَ: طَعْنَةً مَا طَعَنْتُ فِي غَلَسِ اللَّيْ ... لِ زُهَيْرًا وَقَدْ تَوَافَى الْخُصُومُ حِينَ يَحْمِي لَهُ الْمَوَاسِمَ بَكْرٌ ... أَيْنَ بَكْرٌ وَأَيْنَ مِنْهَا الْحُلُومُ خَانَنِي السَّيْفُ إِذْ طَعَنْتُ ... زُهَيْرًا وَهُوَ سَيْفٌ مُضَلَّلٌ مَشْؤُومُ وَجَمَعَ زُهَيْرٌ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَغَزَا بَكْرًا وَتَغْلِبَ، وَكَانُوا عَلِمُوا بِهِ، فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا انْهَزَمَتْ بِهِ بَكْرٌ، وَقَاتَلَتْ تَغْلِبُ بَعْدَهَا فَانْهَزَمَتْ أَيْضًا، وَأُسِرَ كُلَيْبٌ وَمُهَلْهِلٌ ابْنَا رَبِيعَةَ وَأُخِذَتِ الْأَمْوَالُ وَكَثُرَتِ الْقَتْلَى فِي بَنِي تَغْلِبَ وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ مِنْ فُرْسَانِهِمْ وَوُجُوهِهِمْ، فَقَالَ زُهَيْرٌ فِي ذَلِكَ مِنْ قَصِيدَةٍ: أَيْنَ أَيْنَ الْفِرَارُ مِنْ حَذَرِ ... الْمَوْ تِ إِذَا يَتَّقُونَ بِالْأَسْلَابِ

стр. 453

إِذْ أَسَرْنَا مُهْلَهِلًا وَأَخَاهُ وَابْنُ ... عَمْرٍو فِي الْقَيْدِ وَابْنُ شِهَابِ وَسَبَيْنَا مِنْ تَغْلِبَ كُلَّ بَيْضَا ... ءٍ رَقُودِ الضُّحَى بَرُودِ الرُّضَابِ حِينَ تَدْعُو مُهَلْهِلًا يَالَ بَكْرٍ ... هَا أَهْذِي حَفِيظَةُ الْأَحْسَابِ وَيْحَكُمْ وَيْحَكُمْ أُبِيحَ حِمَاكُمْ يَا ... بَنِي تَغْلِبَ أَنَا ابْنُ رُضَابِ وَهُمْ هَارِبُونَ فِي كُلِّ فَجٍّ ... كَشَرِيدِ النَّعَامِ فَوْقَ الرَّوَابِي وَاسْتَدَارَتْ رَحَى الْمَنَايَا ... عَلَيْهِمْ بِلُيُوثٍ مِنْ عَامِرٍ وَجَنَابِ فَهُمْ بَيْنَ هَارِبٍ لَيْسَ يَأْلُو ... وَقَتِيلٍ مُعَفَّرٍ فِي التُّرَابِ فَضَلَّ الْعِزُّ عِزُّنَا حِينَ نَسْمُو ... مِثْلَ فَضْلِ السَّمَاءِ فَوْقَ السَّحَابِ وَأَمَّا حَرْبُهُ مَعَ بَنِي الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ فَكَانَ سَبَبَهَا أَنَّ أُخْتًا لِزُهَيْرٍ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً فِيهِمْ. فَجَاءَ رَسُولُهَا إِلَى زُهَيْرٍ وَمَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا رَمْلٌ، وَصُرَّةٌ فِيهَا شَوْكُ قَتَادٍ، فَقَالَ زُهَيْرٌ: إِنَّهَا تُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ يَأْتِيكُمْ عَدُوٌّ كَثِيرٌ ذُو شَوْكَةٍ شَدِيدَةٍ، فَاحْتَمَلُوا. فَقَالَ الْجُلَاحُ بْنُ عَوْفٍ السُّحَمِيُّ: لَا نَحْتَمِلُ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، فَظَعَنَ زُهَيْرٌ وَأَقَامَ الْجُلَاحُ، وَصَبَّحَهُ الْجَيْشُ فَقَتَلُوا عَامَّةَ قَوْمِ الْجُلَاحِ وَذَهَبُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَمَالِهِ. وَمَضَى زُهَيْرٌ فَاجْتَمَعَ مَعَ عَشِيرَتِهِ مِنْ بَنِي جَنَابٍ، وَبَلَغَ الْجَيْشَ خَبَرُهُ فَقَصَدُوهُ، فَقَاتَلَهُمْ وَصَبَرَ لَهُمْ فَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ رَئِيسَهُمْ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ خَائِبِينَ. وَلَمَّا طَالَ عُمْرُ زُهَيْرٍ وَكَبِرَتْ سِنُّهُ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أَخِيهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُلَيْمٍ، فَقَالَ زُهَيْرٌ يَوْمًا: أَلَا إِنَّ الْحَيَّ ظَاعِنٌ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَا إِنَّ الْحَيَّ مُقِيمٌ. فَقَالَ زُهَيْرٌ: مَنْ هَذَا الْمُخَالِفُ عَلَيَّ؟ .

стр. 454

فَقَالُوا: ابْنُ أَخِيكِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُلَيْمٍ. فَقَالَ: أَعْدَى النَّاسِ لِلْمَرْءِ ابْنُ أَخِيهِ. ثُمَّ شَرِبَ الْخَمْرَ صِرْفًا حَتَّى مَاتَ. وَمِمَّنْ شَرِبَ الْخَمْرَ صِرْفًا حَتَّى مَاتَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ التَّغْلِبِيُّ، وَأَبُو عَامِرٍ مُلَاعِبُ الْأَسِنَّةِ الْعَامِرِيُّ. [ذِكْرُ يَوْمِ الْبَرَدَانِ] فَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّ زِيَادَ بْنَ الْهَبُولَةِ مَلَكَ الشَّامَ،، وَكَانَ مِنْ سَلِيحِ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ. فَأَغَارَ عَلَى حُجْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْكِنْدِيِّ، مَلِكِ عَرَبٍ بِنَجْدٍ وَنَوَاحِي الْعِرَاقِ وَهُوَ يُلَقَّبُ آكِلَ الْمُرَارِ، وَكَانَ حُجْرٌ قَدْ أَغَارَ فِي كِنْدَةَ وَرَبِيعَةَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، فَبَلَغَ زِيَادًا خَبَرُهُمْ فَسَارَ إِلَى أَهْلِ حُجْرٍ وَرَبِيعَةَ وَأَمْوَالِهِمْ، وَهُمْ خُلُوفٌ وَرِجَالُهُمْ فِي غَزَاتِهِمُ الْمَذْكُورَةِ، فَأَخَذَ الْحَرِيمَ وَالْأَمْوَالَ، وَسَبَى فِيهِمْ هِنْدًا بِنْتَ ظَالِمِ بْنِ وَهْبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ. وَسَمِعَ حُجْرٌ وَكِنْدَةُ وَرَبِيعَةُ بِغَارَةِ زِيَادٍ، فَعَادُوا عَنْ غَزْوِهِمْ فِي طَلَبِ ابْنِ الْهَبُولَةِ، وَمَعَ حُجْرٍ أَشْرَافُ رَبِيعَةَ عَوْفُ بْنُ مُحَلَّمِ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ. وَعَمْرُو بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ وَغَيْرُهُمَا، فَأَدْرَكُوا عَمْرًا بِالْبَرَدَانِ دُونَ عَيْنِ أُبَاغٍ وَقَدْ أَمِنَ الطَّلَبَ، فَنَزَلَ حُجْرٌ فِي سَفْحِ جَبَلٍ، وَنَزَلَتْ بَكْرٌ وَتَغْلِبُ وَكِنْدَةُ مَعَ حُجْرٍ دُونَ الْجَبَلِ بِالصَّحْصَحَانِ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ حَفِيرٌ. فَتَعَجَّلَ عَوْفُ بْنُ مُحَلَّمٍ وَعَمْرُو بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ وَقَالَا لِحُجْرٍ: إِنَّا مُتَعَجِّلَانِ إِلَى زِيَادٍ لَعَلَّنَا نَأْخُذُ مِنْهُ بَعْضَ مَا أَصَابَ مِنَّا. فَسَارَا إِلَيْهِ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَوْفٍ إِخَاءٌ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: يَا خَيْرَ الْفِتْيَانِ ارْدُدْ عَلَيَّ امْرَأَتِي أُمَامَةُ. فَرَدَّهَا عَلَيْهِ وَهِيَ حَامِلٌ، فَوَلَدَتْ لَهُ بِنْتًا أَرَادَ عَوْفٌ أَنْ يَئِدَهَا فَاسْتَوْهَبَهَا مِنْهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَقَالَ:

стр. 455

لَعَلَّهَا تَلِدُ أُنَاسًا، فَسُمِّيَتْ أُمَّ أُنَاسٍ، فَتَزَوَّجَهَا الْحَارِثُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُجْرٍ آكِلُ الْمُرَارِ، فَوَلَدَتْ عَمْرًا، وَيُعْرَفُ بِابْنِ أُمِّ أُنَاسٍ. ثُمَّ إِنَّ عَمْرَو بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ قَالَ لِزِيَادٍ: يَا خَيْرَ الْفِتْيَانِ ارْدُدْ عَلَيَّ مَا أَخَذْتَ مِنْ إِبِلِي. فَرَدَّهَا عَلَيْهِ وَفِيهَا فَحْلُهَا، فَنَازَعَهُ الْفَحْلُ إِلَى الْإِبِلِ، فَصَرَعَهُ عَمْرٌو فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ: يَا عَمْرُو لَوْ صَرَعْتُمْ يَا بَنِي شَيْبَانَ الرِّجَالَ كَمَا تَصْرَعُونَ الْإِبِلَ لَكُنْتُمْ أَنْتُمْ أَنْتُمْ! فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: لَقَدْ أُعْطِيتَ قَلِيلًا، وَسَمَّيْتَ جَلِيلًا، وَجَرَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ وَيْلًا طَوِيلًا! وَلَتَجِدَنَّ مِنْهُ، وَلَا وَاللَّهِ لَا تَبْرَحُ حَتَّى أَرْوِيَ سِنَانِي مِنْ دَمِكَ! ثُمَّ رَكَضَ فَرَسُهُ حَتَّى صَارَ إِلَى حُجْرٍ، فَلَمْ يُوَضِّحْ لَهُ الْخَبَرَ، فَأَرْسَلَ سَدُوسَ بْنَ شَيْبَانَ بْنِ ذُهْلٍ وَصُلَيْعَ بْنَ عَبْدِ غَنْمٍ يَتَجَسَّسَانِ لَهُ الْخَبَرَ وَيَعْلَمَانِ عِلْمَ الْعَسْكَرِ، فَخَرَجَا حَتَّى هَجَمَا عَلَى عَسْكَرِهِ لَيْلًا وَقَدْ قَسَّمَ الْغَنِيمَةَ وَجِيءَ بِالشَّمْعِ فَأَطْعَمَ النَّاسَ تَمْرًا وَسَمْنًا، فَلَمَّا أَكَلَ النَّاسُ نَادَى: مَنْ جَاءَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ فَلَهُ قِدْرَةُ تَمْرٍ. فَجَاءَ سَدُوسٌ وَصُلَيْعٌ بِحَطَبٍ وَأَخَذَا قِدْرَتَيْنِ مِنْ تَمْرٍ وَجَلَسَا قَرِيبًا مِنْ قُبَّتِهِ. ثُمَّ انْصَرَفَ صُلَيْعٌ إِلَى حُجْرٍ فَأَخْبَرَهُ بِعَسْكَرِ زِيَادٍ وَأَرَاهُ التَّمْرَ. وَأَمَّا سَدُوسٌ فَقَالَ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى آتِيَهُ بِأَمْرٍ جَلِيٍّ. وَجَلَسَ مَعَ الْقَوْمِ يَتَسَمَّعُ مَا يَقُولُونَ، وَهِنْدٌ امْرَأَةُ حُجْرٍ خَلْفَ زِيَادٍ، فَقَالَتْ لِزِيَادٍ: إِنَّ هَذَا التَّمْرَ أُهْدِيَ إِلَى حُجْرٍ مِنْ هَجَرَ، وَالسَّمْنَ مِنْ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ. ثُمَّ تَفَرَّقَ أَصْحَابُ زِيَادٍ عَنْهُ، فَضَرَبَ سَدُوسٌ يَدَهُ إِلَى جَلِيسٍ لَهُ وَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ مَخَافَةَ أَنْ يَسْتَنْكِرَهُ الرَّجُلُ. فَقَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ. وَدَنَا سَدُوسٌ مِنْ قُبَّةِ زِيَادٍ بِحَيْثُ يَسْمَعُ كَلَامَهُ، وَدَنَا زِيَادٌ مِنَ امْرَأَةِ حُجْرٍ فَقَبَّلَهَا وَدَاعَبَهَا وَقَالَ لَهَا: مَا ظَنُّكِ الْآنَ بِحُجْرٍ؟ فَقَالَتْ: مَا هُوَ ظَنٌّ وَلَكِنَّهُ يَقِينٌ، إِنَّهُ وَاللَّهِ لَنْ يَدَعَ طَلَبَكَ حَتَّى تُعَايِنَ الْقُصُورَ الْحُمْرَ، يَعْنِي قُصُورَ الشَّامِ، وَكَأَنِّي بِهِ فِي فَوَارِسَ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ يُذَمِّرُهُمْ وَيُذَمِّرُونَهُ، وَهُوَ شَدِيدُ الْكَلَبِ تُزْبِدُ شَفَتَاهُ كَأَنَّهُ بَعِيرٌ أَكَلَ مُرَارًا، فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ! فَإِنَّ وَرَاءَكَ طَالِبًا حَثِيثًا، وَجَمْعًا كَثِيفًا، وَكَيْدًا مَتِينًا، وَرَأْيًا صَلِيبًا فَرَفَعَ يَدَهُ فَلَطَمَهَا ثُمَّ قَالَ لَهَا: مَا قُلْتِ هَذَا إِلَّا مِنْ عُجْبِكِ بِهِ وَحُبِّكِ لَهُ! فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَبْغَضْتُ أَحَدًا بُغْضِي لَهُ

стр. 456

وَلَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَحْزَمَ مِنْهُ نَائِمًا وَمُسْتَيْقِظًا، إِنْ كَانَ لَتَنَامُ عَيْنَاهُ فَبَعْضُ أَعْضَائِهِ مُسْتَيْقِظٌ! وَكَانَ إِذَا أَرَادَ النَّوْمَ أَمَرَنِي أَنْ أَجْعَلَ عِنْدَهُ عُسًّا مِنْ لَبَنٍ، فَبَيْنَا هُوَ ذَاتَ لَيْلَةِ نَائِمٌ وَأَنَا قَرِيبٌ مِنْهُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ، إِذْ أَقْبَلَ أَسْوَدُ سَالِخٍ إِلَى رَأْسِهِ فَنَحَّى رَأْسَهُ، فَمَالَ إِلَى يَدِهِ فَقَبَضَهَا، فَمَالَ إِلَى رِجْلِهِ فَقَبَضَهَا، فَمَالَ إِلَى الْعُسِّ فَشَرِبَهُ ثُمَّ مَجَّهُ. فَقُلْتُ: يَسْتَيْقِظُ فَيَشْرَبُهُ فَيَمُوتُ فَأَسْتَرِيحُ مِنْهُ فَانْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ فَقَالَ: عَلَيَّ بِالْإِنَاءِ، فَنَاوَلْتُهُ فَشَمَّهُ ثُمَّ أَلْقَاهُ فَهُرِيقَ. فَقَالَ: أَيْنَ ذَهَبَ الْأَسْوَدُ؟ فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُهُ. فَقَالَ: كَذَبْتِ وَاللَّهِ! وَذَلِكَ كُلُّهُ يَسْمَعُهُ سَدُوسٌ، فَسَارَ حَتَّى أَتَى حُجْرًا، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ: أَتَاكَ الْمُرْجِفُونَ بِأَمْرِ غَيْبٍ ... عَلَى دَهْشٍ وَجِئْتُكَ بِالْيَقِينِ فَمَنْ يَكُ قَدْ أَتَاكَ بِأَمْرِ لَبْسٍ ... فَقَدْ آتِي بِأَمْرٍ مُسْتَبِينِ ثُمَّ قَصَّ عَلَيْهِ مَا سَمِعَ، فَجَعَلَ حُجْرٌ يَعْبَثُ بِالْمُرَارِ وَيَأْكُلُ مِنْهُ غَضَبًا وَأَسَفًا، وَلَا يَشْعُرُ أَنَّهُ يَأْكُلُهُ مِنْ شِدَّةِ الْغَضَبِ، فَلَمَّا فَرَغَ سَدُوسٌ مِنْ حَدِيثِهِ وَجَدَ حُجْرٌ الْمُرَارَ فَسُمِّيَ يَوْمَئِذٍ آكِلَ الْمُرَارِ، وَالْمُرَارُ نَبْتٌ شَدِيدُ الْمَرَارَةِ لَا تَأْكُلُهُ دَابَّةٌ إِلَّا قَتَلَهَا. ثُمَّ أَمَرَ حُجْرٌ فَنُودِيَ فِي النَّاسِ، وَرَكِبَ وَسَارَ إِلَى زِيَادٍ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ زِيَادٌ وَأَهْلُ الشَّامِ وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَاسْتَنْقَذَتْ بَكْرٌ وَكِنْدَةُ مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْغَنَائِمِ وَالسَّبْيِ، وَعَرَفَ سَدُوسٌ زِيَادًا فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَاعْتَنَقَهُ وَصَرَعَهُ وَأَخَذَهُ أَسِيرًا، فَلَمَّا رَآهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ حَسَدَهُ فَطَعَنَ زِيَادًا فَقَتَلَهُ. فَغَضِبَ سَدُوسٌ وَقَالَ: قَتَلْتَ أَسِيرِي وَدِيَتُهُ دِيَةُ مَلِكٍ، فَتَحَاكَمَا إِلَى حُجْرٍ، فَحَكَمَ عَلَى عَمْرٍو وَقَوْمِهِ لِسَدُوسٍ بِدِيَةِ مَلِكٍ وَأَعَانَهُمْ مِنْ مَالِهِ. وَأَخَذَ حُجْرٌ زَوْجَتَهُ هِنْدًا فَرَبَطَهَا فِي فَرَسَيْنِ ثُمَّ رَكَضَهَا حَتَّى قَطَّعَاهَا، وَيُقَالُ: بَلْ أَحْرَقَهَا، وَقَالَ فِيهَا: إِنَّ مَنْ غَرَّهُ النِّسَاءُ بِشَيْءٍ ... بَعْدَ هِنْدٍ لَجَاهِلٌ مَغْرُورُ حُلْوَةُ الْعَيْنِ وَالْحَدِيثِ وَمُرُّ ... كُلِّ شَيْءٍ أَجَنَّ مِنْهَا الضَّمِيرُ كُلُّ أُنْثَى وَإِنْ بَدَا لَكَ مِنْهَا ... آيَةُ الْحُبِّ حُبُّهَا خَيْتَعُورُ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْحِيرَةِ.

стр. 457

قُلْتُ: هَكَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّ زِيَادَ بْنَ هَبُولَةَ السَّلِيحِيَّ مَلِكَ الشَّامِ غَزَا حُجْرًا، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ مُلُوكَ سَلِيحٍ كَانُوا بِأَطْرَافِ الشَّامِ مِمَّا يَلِي الْبَرَّ مِنْ فَلَسْطِينَ إِلَى قَنْسَرِينَ وَالْبِلَادُ لِلرُّومِ، وَمِنْهُمْ أَخَذَتْ غَسَّانُ هَذِهِ الْبِلَادَ، وَكُلُّهُمْ كَانُوا عُمَّالًا لِمُلُوكِ الرُّومِ كَمَا كَانَ مُلُوكُ الْحِيرَةِ عُمَّالًا لِمُلُوكِ الْفُرْسِ عَلَى الْبَرِّ وَالْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ سَلِيحُ وَلَا غَسَّانُ مُسْتَقِلِّينَ بِمُلْكِ الشَّامِ وَلَا بِشِبْرٍ وَاحِدٍ عَلَى سَبِيلِ التَّفَرُّدِ وَالِاسْتِقْلَالِ. وَقَوْلُهُمْ: مَلِكُ الشَّامِ، غَيْرُ صَحِيحٍ، وَزِيَادُ بْنُ هَبُولَةَ السَّلِيحِيُّ مَلِكُ مَشَارِفِ الشَّامِ أَقْدَمُ مِنْ حُجْرٍ الَّذِي مَلَكَ الْحِيرَةَ وَالْعَرَبَ بِالْعِرَاقِ أَيَّامَ قُبَاذَ أَبِي أَنُوشِرْوَانَ. وَبَيْنَ مُلْكِ قُبَاذَ وَالْهِجْرَةِ نَحْوَ مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقَدْ مَلَكَتْ غَسَّانُ أَطْرَافَ الشَّامِ بَعْدَ سَلِيحٍ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ، وَقِيلَ: خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، وَأَقَلُّ مَا سَمِعْتُ فِيهِ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانُوا بَعْدَ سَلِيحٍ وَلَمْ يَكُنْ زِيَادٌ آخِرَ مُلُوكِ سَلِيحٍ، فَتَزِيدُ الْمُدَّةُ زِيَادَةً أُخْرَى، وَهَذَا تَفَاوُتٌ كَثِيرٌ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ هَبُولَةَ الْمَلِكَ أَيَّامَ حُجْرٍ حَتَّى يُغِيرَ عَلَيْهِ؟ ! وَحَيْثُ أَطْبَقَتْ رُوَاةُ الْعَرَبِ عَلَى هَذِهِ الْغَزَاةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَوْجِيهِهَا، وَأَصْلَحُ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّ زِيَادَ بْنَ هَبُولَةَ الْمُعَاصِرَ لِحُجْرٍ كَانَ رَئِيسًا عَلَى قَوْمٍ أَوْ مُتَغَلِّبًا عَلَى بَعْضِ أَطْرَافِ الشَّامِ حَتَّى يَسْتَقِيمَ هَذَا الْقَوْلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُمْ أَيْضًا: إِنَّ حُجْرًا عَادَ إِلَى الْحِيرَةِ، لَا يَسْتَقِيمُ أَيْضًا لِأَنَّ مُلُوكَ الْحِيرَةِ مِنْ وَلَدِ عَدِيِّ بْنِ نَصْرٍ اللَّخْمِيِّ لَمْ يَنْقَطِعْ مُلْكُهُمْ لَهَا إِلَّا أَيَّامَ قُبَاذَ، فَإِنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حُجْرٍ آكِلَ الْمُرَارِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ. فَلَمَّا وَلِيَ أَنُوشِرْوَانُ عَزَلَ الْحَارِثَ وَأَعَادَ اللَّخْمِيِّينَ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْكِنْدِيِّينَ قَدْ ذَكَرَ هَذَا تَعَصُّبًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ ذَكَرَ هَذَا الْيَوْمَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ ابْنَ هَبُولَةَ مِنْ سَلِيحٍ بَلْ قَالَ: هُوَ غَالِبُ بْنُ هَبُولَةَ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَوْدَهُ إِلَى الْحِيرَةِ، فَزَالَ هَذَا الْوَهْمُ. وَسَلِيحٌ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِ اللَّامِ، وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ. [ذِكْرُ مَقْتَلِ حُجْرٍ أَبِي امْرِئِ الْقَيْسِ وَالْحُرُوبِ الْحَادِثَةِ بِمَقْتَلِهِ إِلَى أَنْ مَاتَ امْرُؤُ الْقَيْسِ] نَذْكُرُ أَوَّلًا سَبَبَ مُلْكِهِمُ الْعَرَبَ بِنَجْدٍ وَنَسُوقُ الْحَادِثَةَ إِلَى قَتْلِهِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ فَنَقُولُ:

стр. 458

كَانَ سُفَهَاءُ بَكْرٍ قَدْ غَلَبُوا عَلَى عُقَلَائِهَا وَغَلَبُوهُمْ عَلَى الْأَمْرِ وَأَكَلَ الْقَوِيُّ الضَّعِيفَ، فَنَظَرَ الْعُقَلَاءُ فِي أَمْرِهِمْ فَرَأَوْا أَنْ يُمَلِّكُوا عَلَيْهِمْ مَلِكًا يَأْخُذُ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ. فَنَهَاهُمُ الْعَرَبُ وَعَرَفُوا أَنَّ هَذَا لَا يَسْتَقِيمُ بِأَنْ يَكُونَ الْمَلِكُ مِنْهُمْ لِأَنَّهُ يُطِيعُهُ قَوْمٌ وَيُخَالِفُهُ آخَرُونَ، فَسَارُوا إِلَى بَعْضِ تَبَابِعَةِ الْيَمَنِ، وَكَانُوا لِلْعَرَبِ بِمَنْزِلَةِ الْخُلَفَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُمَلِّكَ عَلَيْهِمْ مَلِكًا، فَمَلَّكَ عَلَيْهِمْ حُجْرَ بْنَ عَمْرٍو آكِلَ الْمُرَارِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ وَنَزَلَ بِبَطْنِ عَاقِلٍ وَأَغَارَ بِبَكْرٍ فَانْتَزَعَ عَامَّةَ مَا كَانَ بِأَيْدِي اللَّخْمِيِّينَ مِنْ أَرْضِ بَكْرٍ وَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ فَدُفِنَ بِبَطْنِ عَاقِلٍ. فَلَمَّا مَاتَ صَارَ عَمْرُو بْنُ حُجْرٍ آكِلُ الْمُرَارِ، وَهُوَ الْمَقْصُورُ، مَلِكًا بَعْدَ أَبِيهِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ الْمَقْصُورُ لِأَنَّهُ قَصَرَ عَلَى مُلْكِ أَبِيهِ، وَكَانَ أَخُوهُ مُعَاوِيَةُ، وَهُوَ الْجَوْنُ، عَلَى الْيَمَامَةِ. فَلَمَّا مَاتَ عَمْرٌو مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ، وَكَانَ شَدِيدَ الْمُلْكِ بَعِيدَ الصَّوْتِ، فَلَمَّا مَلَكَ قُبَاذُ بْنُ فَيْرُوزَ الْفُرْسَ خَرَجَ فِي أَيَّامِهِ مَزْدَكُ فَدَعَا النَّاسَ إِلَى الزَّنْدَقَةِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَأَجَابَهُ قُبَاذُ إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ الْمُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ عَامِلًا لِلْأَكَاسِرَةِ عَلَى الْحِيرَةِ وَنَوَاحِيهَا، فَدَعَاهُ قُبَاذُ إِلَى الدُّخُولِ مَعَهُ، فَامْتَنَعَ، فَدَعَا الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو إِلَى ذَلِكَ فَأَجَابَهُ، فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْحِيرَةِ وَطَرَدَ الْمُنْذِرَ عَنْ مَمْلَكَتِهِ. وَقِيلَ فِي تَمَلُّكِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ أَيَّامَ قُبَاذَ. فَبَقُوا كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَلَكَ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانُ بْنُ قُبَاذَ بَعْدَ أَبِيهِ فَقَتَلَ مَزْدَكَ وَأَصْحَابَهُ وَأَعَادَ الْمُنْذِرَ بْنَ مَاءِ السَّمَاءِ إِلَى وِلَايَةِ الْحِيرَةِ وَطَلَبَ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو، وَكَانَ بِالْأَنْبَارِ، وَبِهَا مَنْزِلُهُ، فَهَرَبَ بِأَوْلَادِهِ وَمَالِهِ وَهَجَائِنِهِ، وَتَبِعَهُ الْمُنْذِرُ بِالْخَيْلِ مِنْ تَغْلِبَ وَإِيَادٍ وَبَهْرَاءَ فَلَحِقَ بِأَرْضِ كَلْبٍ فَنَجَا، وَانْتَهَبُوا مَالَهُ وَهَجَائِنَهُ، وَأَخَذَتْ تَغْلِبُ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ نَفْسًا مِنْ بَنِي آكِلِ الْمُرَارِ، فِيهِمْ عَمْرٌو وَمَالِكٌ ابْنَا الْحَارِثِ، فَقَدِمُوا بِهِمْ عَلَى الْمُنْذِرِ، فَقَتَلَهُمْ فِي دِيَارِ بَنِي مَرِينَا، وَفِيهِمْ يَقُولُ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:

стр. 459

فَآبُوا بِالنِّهَابِ وَبِالسَّبَايَا ... وَأُبْنَا بِالْمُلُوكِ مُصَفَّدِينَا وَفِيهِمْ يَقُولُ امْرُؤُ الْقَيْسَ: مُلُوكٌ مِنْ بَنِي حُجْرِ بْنِ ... عَمْرٍو يُسَاقُونَ الْعَشِيَّةَ يُقْتَلُونَا فَلَوْ فِي يَوْمِ مَعْرَكَةٍ أُصِيبُوا ... وَلَكِنْ فِي دِيَارِ بَنِي مَرِينَا وَلَمْ تُغْسَلْ جَمَاجِمُهُمْ بِغُسْلٍ ... وَلَكِنْ فِي الدِّمَاءِ مُرَمَّلِينَا تَظَلُّ الطَّيْرُ عَاكِفَةً عَلَيْهِمْ ... وَتَنْتَزِعُ الْحَوَاجِبَ وَالْعَيُونَا وَأَقَامَ الْحَارِثُ بِدِيَارِ كَلْبٍ، فَتَزْعُمُ كَلْبٌ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ، وَعُلَمَاءُ كِنْدَةَ تَزْعُمُ أَنَّهُ خَرَجَ يَتَصَيَّدُ، فَتَبِعَ تَيْسًا مِنَ الظِّبَاءِ فَأَعْجَزَهُ، فَأَقْسَمَ أَنْ لَا يَأْكُلَ شَيْئًا إِلَّا مِنْ كَبِدِهِ، فَطَلَبَتْهُ الْخَيْلُ، فَأُتِيَ بِهِ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ، وَقَدْ كَادَ يَهْلِكُ جُوعًا، فَشُوِيَ لَهُ بَطْنُهُ فَأَكَلَ فِلْذَةً مِنْ كَبِدِهِ حَارَةً فَمَاتَ. وَلَمَّا كَانَ الْحَارِثُ بِالْحِيرَةِ أَتَاهُ أَشْرَافُ عِدَّةِ قَبَائِلَ مِنْ نِزَارٍ فَقَالُوا: إِنَّا فِي طَاعَتِكَ وَقَدْ وَقَعَ بَيْنَنَا مِنَ الشَّرِّ بِالْقَتْلِ مَا تَعْلَمُ وَنَخَافُ الْفَنَاءَ فَوَجِّهْ مَعَنَا بَنِيكَ يَنْزِلُونَ فِينَا فَيَكُفُّونَ بَعْضَنَا عَنْ بَعْضٍ. فَفَرَّقَ أَوْلَادَهُ فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ، فَمَلَّكَ ابْنَهُ حُجْرًا عَلَى بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَغَطَفَانَ، وَمَلَّكَ ابْنَهُ شُرَحْبِيلَ، وَهُوَ الَّذِي قُتِلَ يَوْمَ الْكُلَابِ، عَلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ بِأَسْرِهَا وَعَلَى غَيْرِهَا، وَمَلَّكَ ابْنَهُ مَعْدِي كَرِبَ، وَهُوَ غَلْفَاءُ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ غَلْفَاءُ لِأَنَّهُ كَانَ يُغَلِّفُ رَأْسَهُ بِالطِّيبِ، عَلَى قَيْسِ عَيْلَانَ وَطَوَائِفَ غَيْرِهِمْ، وَمَلَّكَ ابْنَهُ سَلَمَةَ عَلَى تَغْلِبَ وَالنَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ وَبَنِي سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ مِنْ تَمِيمٍ. فَبَقِيَ حُجْرٌ فِي بَنِي أَسَدٍ وَلَهُ عَلَيْهِمْ جَائِزَةٌ وَإِتَاوَةٌ كُلَّ سَنَةٍ لِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ دَهْرًا، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمْ مَنْ يَجْبِي ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَكَانُوا بِتِهَامَةَ، وَطَرَدُوا رُسُلَهُ

стр. 460

وَضَرَبُوهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ حُجْرًا، فَسَارَ إِلَيْهِمْ بِجُنْدٍ مِنْ رَبِيعَةَ، وَجُنْدٍ مِنْ جُنْدِ أَخِيهِ مِنْ قَيْسٍ وَكِنَانَةَ، فَأَتَاهُمْ فَأَخَذَ سَرَوَاتِهِمْ وَخِيَارَهُمْ، وَجَعَلَ يَقْتُلُهُمْ بِالْعَصَا وَأَبَاحَ الْأَمْوَالَ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى تِهَامَةَ، وَحَبَسَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً مِنْ أَشْرَافِهِمْ، مِنْهُمْ عُبَيْدُ بْنُ الْأَبْرَصِ الشَّاعِرُ، فَقَالَ شِعْرًا يَسْتَعْطِفُهُ لَهُمْ، فَرَقَّ لَهُمْ وَأَرْسَلَ مَنْ يَرُدُّهُمْ، فَلَمَّا صَارُوا عَلَى يَوْمٍ مِنْهُ تَكَهَّنَ كَاهِنُهُمْ، وَهُوَ عَوْفُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرٍ الْأَسَدِيُّ، فَقَالَ لَهُمْ: مَنِ الْمَلِكُ الصَّلْهَبْ، الْغَلَّابُ غَيْرُ الْمُغَلَّبْ، فِي الْإِبِلِ كَأَنَّهَا الرَّبْرَبْ، هَذَا دَمُهُ يَتَثَعَّبْ، وَهُوَ غَدًا أَوَّلُ مَنْ يُسْتَلَبْ؟ قَالُوا: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: لَوْلَا تَجِيشُ نَفْسٌ خَاشِيَهْ، لَأَخْبَرْتُكُمْ أَنَّهُ حُجْرُ ضَاحِيَهْ، فَرَكِبُوا كُلَّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ حَتَّى بَلَغُوا إِلَى عَسْكَرِ حُجْرٍ فَهَجَمُوا عَلَيْهِ فِي قُبَّتِهِ فَقَتَلُوهُ، طَعَنَهُ عِلْبَاءُ بْنُ الْحَارِثِ الْكَاهِلِيُّ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ حُجْرٌ قَتَلَ أَبَاهُ، فَلَمَّا قُتِلَ قَالَتْ بَنُو أَسَدٍ: يَا مَعْشَرَ كِنَانَةَ وَقَيْسٍ أَنْتُمْ إِخْوَانُنَا وَبَنُو عَمِّنَا، وَالرَّجُلُ بَعِيدُ النَّسَبِ مِنَّا وَمِنْكُمْ، وَقَدْ رَأَيْتُمْ سِيرَتَهُ وَمَا كَانَ يَصْنَعُ بِكُمْ هُوَ وَقَوْمُهُ فَانْتَهِبُوهُمْ. فَشَدُّوا عَلَى هَجَائِنِهِ فَانْتَهَبُوهَا، وَلَفُّوهُ فِي رَيْطَةٍ بَيْضَاءَ وَأَلْقُوهُ عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَيْسٌ وَكِنَانَةُ انْتَهَبُوا أَسْلَابَهُ وَأَجَارَ عَمْرُو بْنُ مَسْعُودٍ عِيَالَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ حُجْرًا لَمَّا رَأَى اجْتِمَاعَ بَنِي أَسَدٍ عَلَيْهِ خَافَهُمْ فَاسْتَجَارَ عُوَيْمِرُ بْنُ شُجْنَةَ أَحَدَ بَنِي عُطَارِدَ بْنِ كَعْبِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ لِبِنْتِهِ هِنْدٍ بِنْتِ حُجْرٍ وَعِيَالِهِ، وَقَالَ لِبَنِي أَسَدٍ: إِنْ كَانَ هَذَا شَأْنَكُمْ فَإِنِّي مُرْتَحِلٌ عَنْكُمْ وَمُخَلِّيكُمْ وَشَأْنَكُمْ. فَوَادَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ وَسَارَ عَنْهُمْ وَأَقَامَ فِي قَوْمِهِ مُدَّةً، ثُمَّ جَمَعَ لَهُمْ جَمْعًا عَظِيمًا وَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ مُدِلًّا بِمَنْ مَعَهُ، فَتَآمَرَ بَنُو أَسَدٍ وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ قَهَرَكُمْ لِيَحْكُمَنَّ عَلَيْكُمْ حُكْمَ الصَّبِيِّ، فَمَا خَيْرُ
следующие страницы →