Полный текст (6 163 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.
стр. 4131
الْمَدِينَةِ، وَقَتَلُوا كُلَّ مَنْ بِهِ وَقَطَعُوا أَشْجَارَهُ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا خَرَجَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْبَلَدِ فَضَرَبُوا عَلَيْهِمْ وَأَخَذُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ جَمِيعَهُمْ وَرَجَعُوا.
وَتَسَامَعَ الْعَدُوُّ، فَرَكِبُوا فِي أَثَرِهِمْ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِذَلِكَ كَمَنُوا وَرَاءَ رَبْوَةٍ، فَلَمَّا جَاوَزَهُمُ الْعَدُوُّ خَرَجُوا عَلَيْهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَضَرَبُوا فِي سَاقَتِهِمْ وَكَبَّرُوا، فَلَمَّا سَمِعَ الْعَدُوُّ تَكْبِيرَهُمْ ظَنُّوا أَنَّ الْعَدَدَ كَثِيرٌ، فَانْهَزَمُوا، وَتَبِعَهُمْ صِنْهَاجَةُ، فَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا، وَغَنِمُوا دَوَابَّهُمْ وَسِلَاحَهُمْ وَعَادُوا إِلَى قُرْطُبَةَ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي عَامِرٍ، وَرَأَى مِنْ شَجَاعَتِهِمْ مَا لَمْ يَرَهُ مِنْ جُنْدِ الْأَنْدَلُسِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَجَعَلَهُمْ بِطَانَتَهُ.
ذِكْرُ غَزْوِ ابْنِ أَبِي عَامِرٍ إِلَى الْفِرِنْجِ بِالْأَنْدَلُسِ
لَمَّا رَأَى أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ فِعْلَ صِنْهَاجَةَ حَسَدُوهُمْ، وَرَغِبُوا فِي الْجِهَادِ، وَقَالُوا لِلْمَنْصُورِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ: لَقَدْ نَشَّطْنَا هَؤُلَاءِ لِلْغَزْوِ. فَجَمَعَ الْجُيُوشَ الْكَثِيرَةَ مِنْ سَائِرِ الْأَقْطَارِ، وَخَرَجَ إِلَى الْجِهَادِ، وَكَانَ رَأَى فِي مَنَامِهِ، تِلْكَ اللَّيَالِيَ، كَأَنَّ رَجُلًا أَعْطَاهُ الْأَسْبَرَاجَ، فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ وَأَكَلَ مِنْهُ، فَعَبَرَهُ عَلَى ابْنِ أَبِي جُمْعَةَ، فَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ إِلَى بَلَدِ إَلْيُونَ فَإِنَّكَ سَتَفْتَحُهَا فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَخَذْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: لِأَنَّ الْأَسْبَرَاجَ يُقَالُ لَهُ فِي الْمَشْرِقِ الْهِلْيَوْنُ، فَمَلَكُ الرُّؤْيَا قَالَ لَكَ: هَا لِيُونُ.
فَخَرَجَ إِلَيْهَا وَنَازَلَهَا، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ مَدَائِنِهِمْ، وَاسْتَمَدَّ أَهْلُهَا الْفِرِنْجَ، فَأَمَدُّوهُمْ بِجُيُوشٍ كَثِيرَةٍ، وَاقْتَتَلُوا لَيْلًا وَنَهَارًا، فَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَصَبَرَتْ صِنْهَاجَةُ صَبْرًا عَظِيمًا، ثُمَّ خَرَجَ قُومَصٌ كَبِيرٌ مِنَ الْفِرِنْجِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِثْلُهُ، فَجَالَ بَيْنَ الصُّفُوفِ وَطَلَبَ الْبَرَازَ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ جَلَالَةُ بْنُ زِيرِي الصِّنْهَاجِيُّ فَحَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، فَطَعَنَهُ الْفِرِنْجِيُّ فَمَالَ عَنِ الطَّعْنَةِ وَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى عَاتِقِهِ فَأَبَانَ عَاتِقَهُ، فَسَقَطَ الْفِرِنْجِيُّ إِلَى الْأَرْضِ، وَحَمَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى النَّصَارَى، فَانْهَزَمُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَا لَا يُحْصَى (وَمَلَكَ الْمَدِينَةَ) .
стр. 4132
وَغَنِمَ ابْنُ أَبِي عَامِرٍ غَنِيمَةً عَظِيمَةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا، وَاجْتَمَعَ مِنَ السَّبْيِ ثَلَاثُونَ أَلْفًا، وَأَمَرَ بِالْقَتْلَى فَنُضِّدَتْ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَأَمَرَ مُؤَذِّنًا أَذَّنَ فَوْقَ الْقَتْلَى الْمَغْرِبَ، وَخَرَّبَ مَدِينَةَ قَامُونَةَ، وَرَجَعَ سَالِمًا هُوَ وَعَسَاكِرُهُ.
ذِكْرُ وَفَاةِ يُوسُفَ بُلُكِّينَ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ الْمَنْصُورِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، تُوُفِّيَ يُوسُفُ بُلُكِّينُ بْنُ زِيرِي صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ بِوَارْقَلِينَ.
وَسَبَبُ مُضِيِّهِ إِلَيْهَا أَنَّ خَزَرُونَ الزَّنَاتِيَّ دَخَلَ سِجِلْمَاسَةَ، وَطَرَدَ عَنْهَا نَائِبَ يُوسُفَ بُلُكِّينَ، وَنَهَبَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْعُدَدِ، وَتَغَلَّبَ عَلَى فَاسَ زِيرِي بْنُ عَطِيَّةَ الزَّنَاتِيُّ، فَرَحَلَ يُوسُفُ إِلَيْهَا، فَاعْتَلَّ فِي الطَّرِيقِ بِقُولَنْجٍ، وَقِيلَ خَرَجَ فِي يَدِهِ بَثْرَةٌ فَمَاتَ مِنْهَا، فَأَوْصَى بِوِلَايَةِ ابْنِهِ الْمَنْصُورِ، وَكَانَ الْمَنْصُورُ بِمَدِينَةِ أَشِيرَ، فَجَلَسَ لِلْعَزَاءِ بِأَبِيهِ، وَأَتَاهُ أَهْلُ الْقَيْرَوَانِ وَسَائِرِ الْبِلَادِ يُعَزُّونَهُ بِأَبِيهِ وَيُهَنُّونَهُ بِالْوِلَايَةِ، فَأَحْسَنَ إِلَى النَّاسِ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبِي يُوسُفَ وَجَدِّي زِيرِي كَانَا يَأْخُذَانِ النَّاسَ بِالسَّيْفِ، وَأَنَا لَا آخُذُهُمْ إِلَّا بِالْإِحْسَانِ، وَلَسْتُ مِمَّنْ يُوَلَّى بِكِتَابٍ وَيُعْزَلُ بِكِتَابٍ، يَعْنِي أَنَّ الْخَلِيفَةَ بِمِصْرَ لَا يَقْدِرُ عَلَى عَزْلِهِ بِكِتَابٍ.
ثُمَّ سَارَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، وَسَكَنَ بِرِقَّادَةَ، وَوَلِيَ الْأَعْمَالَ، وَاسْتَعْمَلَ الْأُمَرَاءَ وَأَرْسَلَ هَدِيَّةً عَظِيمَةً إِلَى الْعَزِيزِ بِاللَّهِ بِمِصْرَ، قِيلَ: كَانَتْ قِيمَتُهَا أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ عَادَ إِلَى أَشِيرَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى جِبَايَةِ الْأَمْوَالِ بِالْقَيْرَوَانِ، وَالْمَهْدِيَّةِ، وَجَمِيعِ إِفْرِيقِيَّةَ إِنْسَانًا يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْكَاتِبِ.
ذِكْرُ أَمْرِ بَاذٍ الْكُرْدِيِّ خَالِ بَنِي مَرْوَانَ وَمُلْكِهِ الْمَوْصِلَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَوِيَ أَمْرُ بَاذٍ الْكُرْدِيِّ، وَاسْمُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ دُوسْتَكَ
стр. 4133
وَهُوَ مِنَ الْأَكْرَادِ الْحُمَيْدِيَّةِ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَغْزُو بِثُغُورِ دِيَارِ بَكْرٍ كَثِيرًا، وَكَانَ عَظِيمَ الْخِلْقَةِ، لَهُ بَأْسٌ وَشِدَّةٌ، فَلَمَّا مَلَكَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ الْمَوْصِلَ حَضَرَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَأَى عَضُدَ الدَّوْلَةِ خَافَهُ وَقَالَ: مَا أَظُنُّهُ يُبْقِي عَلَيَّ فَهَرَبَ حِينَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، وَطَلَبَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بَعْدَ خُرُوجِهِ لِيَقْبِضَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَهُ بَأْسٌ وَشِدَّةٌ، وَفِيهِ شَرٌّ، وَيَجُوزُ الْإِبْقَاءُ عَلَى مِثْلِهِ فَأُخْبِرَ بِهَرَبِهِ فَكَفَّ عَنْ طَلَبِهِ.
وَحَصَلَ بِثُغُورِ دِيَارِ بَكْرٍ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنِ اسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ وَقَوِيَ، وَمَلَكَ مَيَّافَارِقِينَ وَكَثِيرًا مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ بَعْدَ مَوْتِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَوَصَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ إِلَى نَصِيبِينَ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، فَجَهَّزَ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ إِلَيْهِ الْعَسَاكِرَ مَعَ أَبِي سَعْدٍ بَهْرَامَ بْنِ أَرْدَشِيَرَ، فَوَاقَعَهُ، فَانْهَزَمَ بَهْرَامُ وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَوِيَ أَمْرُ بَاذٍ، فَأَرْسَلَ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ إِلَيْهِ أَبَا الْقَاسِمِ سَعْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْحَاجِبَ فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ، فَالْتَقَوْا بِبَاجُلَايَا عَلَى خَابُورِ الْحُسَيْنِيَّةِ، مِنْ بَلَدِ كَوَاشَى، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ سَعْدٌ وَأَصْحَابُهُ، وَاسْتَوْلَى بَاذٌ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الدَّيْلَمِ، فَقَتَلَ وَأَسَرَ، ثُمَّ قَتَلَ الْأَسْرَى صَبْرًا. وَفِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ يَقُولُ أَبُو الْحَسَنِ الْبَشْنَوِيُّ:
بِبَاجُلَايَا جَلَوْنَا عَنْهُ غُمَّتَهُ
،
وَنَحْنُ فِي الرَّوْعِ جَلَّاءُونَ لِلْكُرَبِ
(يَعْنِي بَاذًا) ، (وَسَنَذْكُرُ سَبَبَهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَمَّا هَزَمَ بَاذٌ الدَّيْلَمَ وَسَعْدًا، وَفَعَلَ بِهِمْ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، سَبَقَهُ سَعْدٌ فَدَخَلَ الْمَوْصِلَ، وَسَارَ بَاذٌ فِي أَثَرِهِ، فَثَارَ الْعَامَّةُ بِسَعْدٍ لِسُوءِ سِيرَةِ الدَّيْلَمِ فِيهِمْ، فَنَجَا مِنْهُمْ بِنَفْسِهِ، وَدَخَلَ بَاذٌ إِلَى الْمَوْصِلِ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، وَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِالتَّغَلُّبِ عَلَى بَغْدَاذَ وَإِزَالَةِ الدَّيْلَمِ عَنْهَا، وَخَرَجَ مِنْ حَدِّ الْمُتَطَرِّفِينَ، وَصَارَ فِي عِدَادِ أَصْحَابِ
стр. 4134
الْأَطْرَافِ. فَخَافَهُ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ، وَأَهَمَّهُ أَمْرُهُ، وَشَغَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ لِيُسَيِّرَهَا إِلَيْهِ، فَانْقَضَتِ السَّنَةُ.
وَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْدِقَائِنَا مِنَ الْأَكْرَادِ الْحُمَيْدِيَّةِ مِمَّنْ يَعْتَنِي بِأَخْبَارِ بَاذٍ أَنَّ بَاذًا كُنْيَتُهُ أَبُو شُجَاعٍ، وَاسْمُهُ بَاذٍ، وَأَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْحُسَيْنُ بْنُ دُوسْتَكَ، وَهُوَ أَخُو بَاذٍ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهِ أَنَّهُ، كَانَ يَرْعَى الْغَنَمَ، وَكَانَ كَرِيمًا جَوَادًا، وَكَانَ يَذْبَحُ الْغَنَمَ الَّتِي لَهُ وَيُطْعِمُ النَّاسَ، فَظَهَرَ عَنْهُ اسْمُ الْجُودِ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَصَارَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، وَكُلَّمَا حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ أَخْرَجَهُ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَصَارَ يَغْزُو، ثُمَّ إِنَّهُ دَخَلَ أَرْمِينِيَّةَ، فَمَلَكَ مَدِينَةَ أَرْجِيشَ، وَهِيَ أَوَّلُ مَدِينَةٍ مَلَكَهَا، فَقَوِيَ بِهَا، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى دِيَارِ بَكْرٍ، فَمَلَكَ مَدِينَةَ آمِدَ، ثُمَّ مَلَكَ مَدِينَةَ مَيَّافَارِقِينَ وَغَيْرَهَا مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ، وَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ فَمَلَكَهَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ الْعَزِيزُ بِاللَّهِ (الْخَلِيفَةُ الْعَلَوِيُّ) عَلَى دِمَشْقَ وَأَعْمَالِهَا بَكْجُورَ التُّرْكِيَّ مَوْلَى قَرْغَوَيْهِ أَحَدِ غِلْمَانِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، وَكَانَ لَهُ حِمْصُ، فَسَارَ مِنْهَا إِلَى دِمَشْقَ، وَظَلَمَ أَهْلَهَا، وَعَسَفَهُمْ وَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِيهِمْ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] مُسْتَقْصًى.
وَفِيهَا وَزَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ فَسَانْجِسَ لِشَرَفِ الدَّوْلَةِ.
وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، انْقَضَّ كَوْكَبٌ عَظِيمٌ أَضَاءَتْ لَهُ الدُّنْيَا، وَسُمِعَ لَهُ مِثْلُ دَوِيِّ الرَّعْدِ الشَّدِيدِ.
وَفِيهَا غَلَتِ الْأَسْعَارُ بِالْعِرَاقِ وَمَا يُجَاوِرُهُ مِنَ الْبِلَادِ، وَعَدَمَتِ الْأَقْوَاتُ، فَمَاتَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ جُوعًا.
стр. 4135
وَفِيهَا وَزَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعْدَانَ لِصَمْصَامِ الدَّوْلَةِ.
وَفِيهَا وَرَدَ الْقَرَامِطَةُ إِلَى قُرَيْبِ بَغْدَاذَ، وَطَمِعُوا بِمَوْتِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَصُولِحُوا عَلَى مَالٍ أَخَذُوهُ وَعَادُوا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا، (فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ) ، تُوُفِّيَ (سَعِيدُ بْنُ سَلَامٍ) أَبُو عُثْمَانَ الْمَغْرِبِيُّ بِنَيْسَابُورَ، وَمَوْلِدُهُ بِالْقَيْرَوَانِ، وَدَخَلَ الشَّامَ، فَصَحِبَ الشُّيُوخَ مِنْهُمْ أَبُو الْخَيْرِ الْأَقْطَعُ وَغَيْرُهُ، (وَكَانَ مِنْ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ) .
стр. 4136
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمَائَة]
٣٧٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمَائَةٍ
ذِكْرُ عَوْدِ الدَّيْلَمِ إِلَى الْمَوْصِلِ وَانْهِزَامِ بَاذٍ
لَمَّا اسْتَوْلَى بَاذٌ الْكُرْدِيُّ عَلَى الْمَوْصِلِ اهْتَمَّ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ وَوَزِيرُهُ ابْنُ سَعْدَانَ بِأَمْرِهِ، فَوَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَى إِنْفَاذِ زَيَّارِ بْنِ شَهْرَاكَوَيْهِ، وَهُوَ أَكْبَرُ قُوَّادِهِمْ، فَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى قِتَالِهِ، وَجَهَّزَهُ، وَبَالَغَ فِي أَمْرِهِ، وَأَكْثَرَ مَعَهُ الرِّجَالَ وَالْعُدَدَ وَالْأَمْوَالَ، وَسَارَ إِلَى بَاذٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، وَلَقِيَهُمْ فِي صَفَرَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَأَجْلَتِ الْوَقْعَةُ عَنْ هَزِيمَةِ بَاذٍ وَأَصْحَابِهِ وَأُسِرَ كَثِيرٌ مِنْ عَسْكَرِهِ وَأَهْلِهِ، وَحُمِلُوا إِلَى بَغْدَاذَ فَشُهِّرُوا بِهَا، وَمَلَكَ الدَّيْلَمُ الْمَوْصِلَ.
وَأَرْسَلَ زَيَّارٌ عَسْكَرًا مَعَ سَعْدٍ الْحَاجِبِ فِي طَلَبِ بَاذٍ، فَسَلَكُوا عَلَى جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَرْسَلَ عَسْكَرًا آخَرَ إِلَى نَصِيبِينَ، فَاخْتَلَفُوا عَلَى مُقَدَّمِيهِمْ، فَلَمْ يُطَاوِعُوهُمْ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَيْهِ، وَكَانَ بَاذٌ بِدِيَارِ بَكْرٍ قَدْ جَمَعَ خَلْقًا كَثِيرًا، فَكَتَبَ وَزِيرُ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ إِلَى سَعْدِ الدَّوْلَةِ بْنِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، وَبَذَلَ لَهُ تَسْلِيمَ دِيَارِ بَكْرٍ إِلَيْهِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهَا جَيْشًا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ قُوَّةٌ بِأَصْحَابِ بَاذٍ، فَعَادُوا إِلَى حَلَبَ، وَكَانُوا قَدْ حَصَرُوا مَيَّافَارِقِينَ، فَلَمَّا شَاهَدَ سَعْدٌ ذَلِكَ مِنْ عَسْكَرِهِ أَعْمَلَ الْحِيلَةَ فِي قَتْلِ بَاذٍ، فَوَضَعَ رَجُلًا عَلَى ذَلِكَ فَدَخَلَ الرَّجُلُ خَيْمَةَ بَاذٍ لَيْلًا، وَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَضْرِبُ رَأْسَهُ، فَوَقَعَتِ الضَّرْبَةُ عَلَى سَاقِهِ، فَصَاحَ، وَهَرَبَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَمَرِضَ بَاذٌ مِنْ تِلْكَ الضَّرْبَةِ، فَأَشْفَى عَلَى الْمَوْتِ، وَكَانَ قَدْ جَمَعَ مَعَهُ مِنَ الرِّجَالِ خَلْقًا كَثِيرًا، فَرَاسَلَ زَيَّارًا وَسَعْدًا
стр. 4137
يَطْلُبُ الصُّلْحَ، فَاسْتَقَرَّ الْحَالُ بَيْنَهُمْ، وَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ تَكُونَ دِيَارُ بَكْرٍ لِبَاذٍ، وَالنِّصْفُ مِنْ طَوْرِ عَبْدِينَ أَيْضًا، وَانْحَدَرَ زَيَّارٌ إِلَى بَغْدَاذَ، وَأَقَامَ سَعْدٌ بِالْمَوْصِلِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُلِّدَ أَبُو طَرِيفٍ عِلْيَانُ بْنُ ثُمَالَ الْخَفَاجِيُّ حِمَايَةَ الْكُوفَةِ، وَهِيَ أَوَّلُ إِمَارَةِ بَنِي ثُمَالَ.
وَفِيهَا خَطَبَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بِالْأَهْوَازِ لِفَخْرِ الدَّوْلَةِ، وَخَطَبَ لَهُ أَبُو طَاهِرِ بْنُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بِالْبَصْرَةِ، وَنَقْشَا اسْمَهُ عَلَى السِّكَّةِ.
وَفِيهَا خُطِبَ لِصَمْصَامِ الدَّوْلَةِ بِعُمَانَ، وَكَانَتْ لِشَرَفِ الدَّوْلَةِ، وَنَائِبُهُ بِهَا أُسْتَاذُ هُرْمُزَ، فَصَارَ مَعَ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى شَرَفِ الدَّوْلَةِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ جَيْشًا، فَانْهَزَمَ أُسْتَاذُ هُرْمُزَ وَأُخِذَ أَسِيرًا، وَعَادَتْ عُمَانُ إِلَى شَرَفِ الدَّوْلَةِ، وَحُبِسَ أُسْتَاذُ هُرْمُزَ فِي بَعْضِ الْقِلَاعِ وَطُولِبَ بِمَالٍ كَثِيرٍ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ كَامَةَ، مُقَدَّمُ عَسْكَرِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ.
وَفِيهَا أَفْرَجَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ عَنْ أَبِي مَنْصُورِ بْنِ صَالِحَانَ وَاسْتَوْزَرَهُ، وَقَبَضَ عَلَى وَزِيرِهِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ فَسَانْجِسَ.
وَفِيهَا أَرْسَلَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ رَسُولًا إِلَى الْقَرَامِطَةِ، فَلَمَّا عَادَ قَالَ: إِنَّ الْقَرَامِطَةَ سَأَلُونِي عَنِ الْمَلِكِ فَأَخْبَرْتُهُمْ (بِحُسْنِ سِيرَتِهِ) فَقَالُوا: مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَوْزَرَ ثَلَاثَةً فِي سَنَةٍ لِغَيْرِ سَبَبٍ، فَلَمْ يُغَيِّرْ شَرَفُ الدَّوْلَةِ بَعْدَ هَذَا (عَلَى وَزِيرِهِ) أَبِي مَنْصُورِ بْنِ صَالِحَانَ.
стр. 4138
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَزْدِيُّ الْمَوْصِلِيُّ، الْحَافِظُ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ فِي سَنَةِ (تِسْعٍ وَسِتِّينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، وَكَانَ ضَعِيفًا فِي الْحَدِيثِ) .
стр. 4139
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ سَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣٧٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ سَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِبَغْدَاذَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَرَتْ فِتْنَةٌ بِبَغْدَاذَ بَيْنَ الدَّيْلَمِ، وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ أَسْفَارَ بْنَ كَرْدَوَيْهِ، وَهُوَ مَنْ أَكَابِرِ الْقُوَّادِ، اسْتُنْفِرَ مِنْ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ، وَاسْتَمَالَ كَثِيرًا مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى طَاعَةِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، وَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يُوَلُّوا الْأَمِيرَ بَهَاءَ الدَّوْلَةِ أَبَا نَصْرِ بْنَ عَضُدِ الدَّوْلَةِ (الْعِرَاقَ نِيَابَةً عَنْ أَخِيهِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ) .
وَكَانَ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ مَرِيضًا، فَتَمَكَّنَ أَسْفَارٌ مِنَ الَّذِي عَزَمَ عَلَيْهِ، وَأَظْهَرَ ذَلِكَ، وَتَأَخَّرَ عَنِ الدَّارِ، وَرَاسَلَهُ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ يَسْتَمِيلُهُ وَيُسَكِّنُهُ، فَمَا زَادَهُ إِلَّا تَمَادِيًا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْ حَالِهِ رَاسَلَ الطَّائِعَ يَطْلُبُ مِنْهُ الرُّكُوبَ مَعَهُ، وَكَانَ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ قَدْ أَبَلَّ مِنْ مَرَضِهِ، فَامْتَنَعَ الطَّائِعُ مِنْ ذَلِكَ، فَشَرَعَ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ، وَاسْتَمَالَ فُولَاذَ زَمَانْدَارَ، وَكَانَ مُوَافِقًا لِأَسْفَارَ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَأْنَفُ مِنْ مُتَابَعَتِهِ لِكِبَرِ شَأْنِهِ. فَلَمَّا رَاسَلَهُ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ أَجَابَهُ، وَاسْتَحْلَفَهُ عَلَى مَا أَرَادَ، وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، وَقَاتَلَ أَسْفَارَ، فَهَزَمَهُ فُولَاذٌ، وَأُخِذَ الْأَمِيرُ أَبُو نَصْرٍ أَسِيرًا، وَأُحْضِرَ عِنْدَ أَخِيهِ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ، فَرَقَّ لَهُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَهُ، فَاعْتَقَلَهُ مُكَرَّمًا، وَكَانَ عُمْرُهُ حِينَئِذٍ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَثَبَتَ أَمْرُ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ، وَسَعَى إِلَيْهِ بِابْنِ سَعْدَانَ الَّذِي كَانَ وَزِيرَهُ، فَعَزَلَهُ،
стр. 4140
وَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ هَوَاهُ مَعَهُمْ، فَقَتَلَ وَمَضَى أَسْفَارُ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَاتَّصَلَ بِالْأَمِيرِ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَخَدَمَهُ، وَسَارَ بَاقِي الْعَسْكَرِ إِلَى شَرَفِ الدَّوْلَةِ.
ذِكْرُ أَخْبَارِ الْقَرَامِطَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَرَدَ إِسْحَاقُ وَجَعْفَرٌ الْبَحْرِيَّانِ، وَهُمَا مِنَ السِّتَّةِ الْقَرَامِطَةِ الَّذِينَ يُلَقَّبُونَ بِالسَّادَةِ، فَمَلَكَا الْكُوفَةَ وَخَطَبَا لِشَرَفِ الدَّوْلَةِ، فَانْزَعَجَ النَّاسُ لِذَلِكَ لِمَا فِي النُّفُوسِ مِنْ هَيْبَتِهِمْ وَبَأْسِهِمْ وَكَانَ لَهُمْ مِنَ الْهَيْبَةِ مَا إِنَّ عَضُدَ الدَّوْلَةِ وَبَخْتِيَارُ أَقْطَعَاهُمُ الْكَثِيرَ.
وَكَانَ نَائِبُهُمْ بِبَغْدَاذَ يُعْرَفُ بِأَبِي بَكْرِ بْنِ شَاهَوَيْهِ يَتَحَكَّمُ تَحَكُّمَ الْوُزَرَاءِ فَقَبَضَ عَلَيْهِ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا وَرَدَ الْقَرَامِطَةُ الْكُوفَةَ كَتَبَ إِلَيْهِمَا صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ يَتَلَطَّفُهُمَا وَيَسْأَلُهُمَا عَنْ سَبَبِ حَرَكَتِهِمَا، فَذَكَرَا أَنَّ قَبْضَ نَائِبِهِمْ هُوَ السَّبَبُ فِي قَصْدِهِمْ بِلَادَهُ، وَبَثَّا أَصْحَابَهُمَا وَجَبَيَا الْمَالَ.
وَوَصَلَ أَبُو قَيْسٍ الْحَسَنُ بْنُ الْمُنْذِرِ إِلَى الْجَامِعَيْنِ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِهِمْ، فَأَرْسَلَ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ الْعَسَاكِرَ وَمَعَهُمُ الْعَرَبُ فَعَبَرُوا الْفُرَاتَ إِلَيْهِ وَقَاتَلُوهُ فَانْهَزَمَ عَنْهُمْ، وَأُسِرَ أَبُو قَيْسٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ قُوَّادِهِمْ فَقُتِلُوا فَعَادَ الْقَرَامِطَةُ وَسَيَّرُوا جَيْشًا آخَرَ فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ وَعُدَّةٍ فَالْتَقَوْا هُمْ وَعَسَاكِرُ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ بِالْجَامِعَيْنِ أَيْضًا، فَأَجْلَتِ الْوَقْعَةُ عَنْ هَزِيمَةِ الْقَرَامِطَةِ، وَقُتِلَ مُقَدَّمُهُمْ وَغَيْرُهُ، وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ، وَنُهِبَ سَوَادُهُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمُنْهَزِمُونَ إِلَى الْكُوفَةِ رَحَلَ الْقَرَامِطَةُ وَتَبِعَهُمُ الْعَسْكَرُ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ فَلَمْ يُدْرِكُوهُمْ وَزَالَ مِنْ حِينَئِذٍ نَامُوسُهُمْ.
ذِكْرُ الْإِفْرَاجِ عَنْ وَرْدٍ الرُّومِيِّ وَمَا صَارَ أَمْرُهُ إِلَيْهِ وَدُخُولِ الرُّوسِ فِي النَّصْرَانِيَّةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَفْرَجَ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ عَنْ وَرْدٍ الرُّومِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ حَبْسِهِ. فَلَمَّا كَانَ الْآنَ أَفْرَجَ عَنْهُ وَأَطْلَقَهُ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ إِطْلَاقَ عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنْ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ،
стр. 4141
وَأَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ سَبْعَةَ حُصُونٍ مِنْ بَلَدِ الرُّومِ بِرَسَاتِيقِهَا، وَأَنْ لَا يَقْصِدَ بِلَادَ الْإِسْلَامِ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مَا عَاشَ، وَجَهَّزَهُ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ، فَسَارَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، وَاسْتَمَالَ فِي طَرِيقِهِ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْبَوَادِي وَغَيْرِهِمْ، وَأَطْمَعَهُمْ فِي الْعَطَاءِ وَالْغَنِيمَةِ، وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بِمَلَطْيَةَ، فَتَسَلَّمَهَا، وَقَوِيَ بِهَا وَبِمَا فِيهَا مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ.
وَقَصَدَ وَرْدِيسَ بْنَ لَاوَنَ، فَتَرَاسَلَا، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنْ تَكُونَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، وَمَا جَاوَرَهَا مِنْ شَمَالِيِّ الْخَلِيجِ، لِوَرْدِيسَ. وَهَذَا الْجَانِبُ مِنَ الْخَلِيجِ لِوَرْدٍ، وَتَحَالَفَا وَاجْتَمَعَا، فَقَبَضَ وَرْدِيسُ عَلَى وَرْدٍ وَحَبَسَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ نَدِمَ فَأَطْلَقَهُ عَنْ قَرِيبٍ، وَعَبَرَ وَرْدِيسُ الْخَلِيجَ، وَحَصَرَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَبِهَا الْمَلَكَانِ ابْنَا أَرْمَانُوسَ، وَهُمَا بَسِيلُ وَقُسْطَنْطِينُ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِمَا، فَرَاسَلَا مَلِكَ الرُّوسِيَّةِ، وَاسْتَنْجَدَاهُ وَزَوَّجَاهُ بِأُخْتٍ لَهُمَا، فَامْتَنَعَتْ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا إِلَى مَنْ يُخَالِفُهَا فِي الدِّينِ، فَتَنَصَّرَ، وَكَانَ هَذَا أَوَّلَ النَّصْرَانِيَّةِ بِالرُّوسِ، وَتَزَوَّجَهَا وَسَارَ إِلَى لِقَاءِ وَرْدِيسَ، فَاقْتَتَلُوا وَتَحَارَبُوا فَقُتِلَ وَرْدِيسُ، وَاسْتَقَرَّ الْمَلِكَانِ فِي مُلْكِهِمَا، وَرَاسَلَا وَرْدًا وَأَقَرَّاهُ عَلَى مَا بِيَدِهِ، فَبَقِيَ مُدَيْدَةً وَمَاتَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ مَسْمُومًا.
وَتَقَدَّمَ بَسِيلُ فِي الْمُلْكِ، وَكَانَ شُجَاعًا عَادِلًا، وَحَسَنَ الرَّأْيِ، وَدَامَ مُلْكُهُ، وَحَارَبَ الْبُلْغَارَ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَظَفِرَ بِهِمْ، وَأَجْلَى كَثِيرًا مِنْهُمْ مِنْ بِلَادِهِمْ، وَأَسْكَنَهَا الرُّومَ، وَكَانَ كَثِيرَ الْإِحْسَانِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْمَيْلِ إِلَيْهِمْ.
ذِكْرُ مُلْكِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ الْأَهْوَازَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْفَوَارِسِ بْنُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ مِنْ فَارِسَ يَطْلُبُ الْأَهْوَازَ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ أَبِي الْحُسَيْنِ وَهُوَ بِهَا يُطَيِّبُ نَفْسَهُ، وَيَعِدُهُ الْإِحْسَانَ، وَأَنْ يُقِرَّهُ عَلَى مَا بِيَدِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ مَقْصِدَهُ الْعِرَاقُ، وَتَخْلِيصُ أَخِيهِ الْأَمِيرِ أَبِي نَصْرٍ مِنْ مَحْبِسِهِ، فَلَمْ يُصْغِ أَبُو الْحُسَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ، وَعَزَمَ عَلَى مَنْعِهِ، وَتَجَهَّزَ لِذَلِكَ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِوُصُولِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ إِلَى أَرَّجَانَ، ثُمَّ إِلَى رَامَهُرْمُزَ، فَتَسَلَّلَ أَجْنَادُهُ إِلَى شَرَفِ الدَّوْلَةِ وَنَادَوْا بِشِعَارِهِ، فَهَرَبَ أَبُو الْحُسَيْنِ نَحْوَ الرَّيِّ إِلَى عَمِّهِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ، فَبَلَغَ أَصْبَهَانَ وَأَقَامَ بِهَا، وَاسْتَنْصَرَ عَمُّهُ فَأَطْلَقَ لَهُ مَالًا وَوَعَدَهُ بِنَصْرِهِ.
стр. 4142
فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ قَصَدَ التَّغَلُّبَ عَلَى أَصْبَهَانَ وَنَادَى بِشِعَارِ أَخِيهِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، فَثَارَ بِهِ جُنْدُهَا وَأَخَذُوهُ أَسِيرًا وَسَيَّرُوهُ إِلَى الرَّيِّ، فَحَبَسَهُ عَمُّهُ، وَبَقِيَ مَحْبُوسًا إِلَى أَنْ مَرِضَ عَمُّهُ فَخْرُ الدَّوْلَةِ مَرَضَ الْمَوْتِ، فَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ، وَكَانَ يَقُولُ شِعْرًا، فَمِنْ قَوْلِهِ:
هَبِ الدَّهْرَ أَرْضَانِي وَأَعْتَبَ صَرْفُهُ ... وَأَعْقَبَ بِالْحُسْنَى، وَفَكَّ مِنَ الْأَسْرِ
فَمَنْ لِي بِأَيَّامِ الشَّبَابِ الَّتِي مَضَتْ ... وَمَنْ لِي بِمَا قَدْ فَاتَ فِي الْحَبْسِ مِنْ عُمْرِي
وَأَمَّا شَرَفُ الدَّوْلَةِ فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى الْأَهْوَازِ وَمَلَكَهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ فَمَلَكَهَا، وَقَبَضَ عَلَى أَخِيهِ أَبِي طَاهِرٍ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ، فَرَاسَلَهُ فِي الصُّلْحِ، فَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى أَنْ يَخْطُبَ لِشَرَفِ الدَّوْلَةِ بِالْعِرَاقِ قَبْلَ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ، وَيَكُونُ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ نَائِبًا عَنْهُ، وَيُطْلِقُ أَخَاهُ الْأَمِيرَ بَهَاءَ الدَّوْلَةِ أَبَا نَصْرٍ، فَأَطْلَقَهُ وَسَيَّرَهُ إِلَيْهِ، وَصَلُحَ الْحَالُ وَاسْتَقَامَ.
وَكَانَ قُوَّادُ شَرَفِ الدَّوْلَةِ يُحِبُّونَ الصُّلْحَ لِأَجْلِ الْعَوْدِ إِلَى أَوْطَانِهِمْ، وَخُطِبَ لِشَرَفِ الدَّوْلَةِ بِالْعِرَاقِ، وَسُيِّرَتْ إِلَيْهِ الْخِلَعُ وَالْأَلْقَابُ مِنَ الطَّائِعِ لِلَّهِ، فَإِلَى أَنْ عَادَتِ الرُّسُلُ إِلَى شَرَفِ الدَّوْلَةِ لِيُحَلِّفُوهُ أَلْقَتْ إِلَيْهِ الْبِلَادُ مَقَالِيدَهَا كَوَاسِطَ وَغَيْرِهَا، وَكَاتَبَهُ الْقَوَّادُ بِالطَّاعَةِ، فَعَادَ عَنِ الصُّلْحِ، وَعَزَمَ عَلَى قَصْدِ بَغْدَاذَ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْمُلْكِ، وَلَمْ يَحْلِفْ لِأَخِيهِ.
وَكَانَ مَعَهُ الشَّرِيفُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ يُشِيرُ عَلَيْهِ بِقَصْدِ الْعِرَاقِ، وَيَحُثُّهُ عَلَيْهِ، وَيُطْمِعُهُ فِيهِ، فَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَسَنَذْكُرُ بَاقِيَ خَبَرِهِ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ انْهِزَامِ عَسَاكِرِ الْمَنْصُورِ مِنْ صَاحِبِ سِجِلْمَاسَةَ
قَدْ ذَكَرْنَا اسْتِيلَاءَ خَزَرُونَ وَزِيرِي الزَّنَاتِيَّيْنِ عَلَى سِجِلْمَاسَةَ وَفَاسَ، وَمَوْتَ يُوسُفَ بُلُكِّينَ لَمَّا قَصَدَهُمَا، فَلَمَّا مَاتَ تَمَكَّنَا مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْمَنْصُورُ سَيَّرَ
стр. 4143
جَيْشًا كَثِيفًا إِلَيْهِمَا لِيَرُدَّهُمَا إِلَى طَاعَتِهِ، فَلَمَّا صَارَ الْجَيْشُ قُرَيْبَ فَاسَ خَرَجَ إِلَيْهِمْ صَاحِبُهَا زِيرِي بْنُ عَطِيَّةَ الزَّنَاتِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِالْقِرْطَاسِ، فِي عَسَاكِرِهِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْمَنْصُورِ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَثَبَتَ قَدَمُهُ فِي وِلَايَتِهِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ بِعُمَانَ طَائِرٌ مِنَ الْبَحْرِ كَبِيرٌ، أَكْبَرُ مِنَ الْفِيلِ، وَوَقَفَ عَلَى تَلٍّ هُنَاكَ، وَصَاحَ بِصَوْتٍ عَالٍ، وَلِسَانٍ فَصِيحٍ: قَدْ قَرُبَ، قَدْ قَرُبَ، قَدْ قَرُبَ، ثَلَاثًا ثُمَّ غَاصَ فِي الْبَحْرِ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ غَابَ وَلَمْ يُرَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَفِيهَا جَدَّدَ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ بِبَغْدَاذَ عَلَى الثِّيَابِ الْإِبْرِيسَمِ وَالْقُطْنِ الْمَبِيعَةِ ضَرِيبَةً مِقْدَارُهَا عُشْرُ الثَّمَنِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فِي جَامِعِ الْمَنْصُورِ، وَعَزَمُوا عَلَى قَطْعِ الصَّلَاةِ، وَكَادَ الْبَلَدُ يَفْتَتِنُ، فَأُعْفُوا مِنْ ذَلِكَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ ابْنُ مُؤَيَّدِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهٍ، فَجَلَسَ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ لِلْعَزَاءِ، فَأَتَاهُ الطَّائِعُ لِلَّهِ مُعَزِّيًا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الْمَشْهُورُ، وَأَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدَّارَكِيُّ، وَكَانَ رَئِيسَ أَصْحَابِ
стр. 4144
الشَّافِعِيِّ بِالْعِرَاقِ، وَتُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ وَلَهُ نَيِّفٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَسُئِلَ أَنْ يَلِيَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ فَامْتَنَعَ. وَالْوَلِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَبُو الْعَبَّاسِ الزَّوَزَنِيُّ الصُّوفِيُّ الْمُحَدِّثُ، كَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْحَقَائِقِ، وَلَهُ تَصَانِيفُ حَسَنَةٌ.
стр. 4145
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٧٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ مُلْكِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ الْعِرَاقَ وَقَبْضِ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْفَوَارِسِ بْنُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ مِنَ الْأَهْوَازَ إِلَى وَاسِطَ فَمَلَكَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ أَخَاهُ أَبَا نَصْرٍ يَسْتَعْطِفُهُ بِإِطْلَاقِهِ، وَكَانَ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ، فَلَمْ يَتَعَطَّفْ لَهُ، وَاتَّسَعَ الْخَرْقُ عَلَى صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ، وَشَغَبَ عَلَيْهِ جُنْدُهُ،، فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِي قَصْدِ أَخِيهِ وَالدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ، فَنَهَوْهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الرَّأْيُ أَنَّنَا نَصْعَدُ إِلَى عُكْبَرَا لِنَعْلَمَ بِذَلِكَ مَنْ هُوَ لَنَا مِمَّنْ هُوَ عَلَيْنَا، فَإِنْ رَأَيْنَا عُدَّتَنَا كَثِيرَةً قَاتَلْنَاهُمْ وَأَخْرَجْنَا الْأَمْوَالَ، وَإِنْ عَجَزْنَا سِرْنَا إِلَى الْمَوْصِلِ، فَهِيَ وَسَائِرُ بِلَادِ الْجَبَلِ لَنَا، فَيَقْوَى أَمْرُنَا، وَلَا بُدَّ أَنَّ الدَّيْلَمَ وَالْأَتْرَاكَ تَجْرِي بَيْنَهُمْ مُنَافَسَةٌ وَمُحَاسَدَةٌ وَيَحْدُثُ اخْتِلَالٌ فَنَبْلُغُ الْغَرَضَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الرَّأْيُ أَنَّنَا نَسِيرُ إِلَى قِرْمِيسِينَ تُكَاتِبُ عَمَّكَ فَخْرَ الدَّوْلَةِ وَتَسْتَنْجِدُهُ، وَتَسِيرُ عَلَى طَرِيقِ خُرَاسَانَ وَأَصْبَهَانَ إِلَى فَارِسَ، فَتَتَغَلَّبُ عَلَيْهَا، عَلَى خَزَائِنِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ وَذَخَائِرِهِ، فَمَا هُنَاكَ مُمَانِعٌ وَلَا مُدَافِعٌ، فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ لَا يَقْدِرُ شَرَفُ الدَّوْلَةِ عَلَى الْمُقَامِ بِالْعِرَاقِ، فَيَعُودُ حِينَئِذٍ فَيَقَعُ الصُّلْحُ.
فَأَعْرَضَ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ عَنِ الْجَمِيعِ، وَسَارَ فِي طَيَّارٍ إِلَى أَخِيهِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ فِي خَوَاصِّهِ، فَوَصَلَ إِلَى أَخِيهِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، فَلَقِيَهُ وَطَيَّبَ قَلْبَهُ. فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ قَبَضَ عَلَيْهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَغْدَاذَ مَنْ يَحْتَاطُ عَلَى دَارِ الْمَمْلَكَةِ، وَسَارَ فَوَصَلَ إِلَى بَغْدَاذَ فِي شَهْرِ
стр. 4146
رَمَضَانَ، فَنَزَلَ بِالشُّفَيْعِيِّ، وَأَخُوهُ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ مَعَهُ تَحْتَ الِاعْتِقَالِ، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ بِالْعِرَاقِ ثَلَاثَ سِنِينَ وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا.
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْأَتْرَاكِ وَالدَّيْلَمِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَرَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ الدَّيْلَمِ وَالْأَتْرَاكِ الَّذِينَ مَعَ شَرَفِ الدَّوْلَةِ بِبَغْدَاذَ.
وَسَبَبُهَا أَنَّ الدَّيْلَمَ اجْتَمَعُوا مَعَ شَرَفِ الدَّوْلَةِ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ بَلَغَتْ عُدَّتُهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ، وَكَانَ الْأَتْرَاكُ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، فَاسْتَطَالَ عَلَيْهِمُ الدَّيْلَمُ، فَجَرَتْ مُنَازَعَةٌ بَيْنَ بَعْضِهِمْ فِي دَارٍ وَإِصْطَبْلٍ، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى الْمُحَارَبَةِ، فَاسْتَظْهَرَ الدَّيْلَمُ لِكَثْرَتِهِمْ، وَأَرَادُوا إِخْرَاجَ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ وَإِعَادَتَهُ إِلَى مُلْكِهِ.
وَبَلَغَ شَرَفَ الدَّوْلَةِ الْخَبَرُ، فَوَكَّلَ بِصَمْصَامِ الدَّوْلَةِ مَنْ يَقْتُلُهُ إِنْ هَمَّ الدَّيْلَمُ بِإِخْرَاجِهِ. ثُمَّ إِنَّ الدَّيْلَمَ لَمَّا اسْتَظْهَرُوا عَلَى الْأَتْرَاكِ تَبِعُوهُمْ، فَتَشَوَّشَتْ صُفُوفُهُمْ، فَعَادَتِ الْأَتْرَاكُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمَامِهِمْ وَخَلْفِهِمْ، فَانْهَزَمُوا وَقُتِلَ مِنْهُمْ زِيَادَةٌ عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَدَخَلَ الْأَتْرَاكُ الْبَلَدَ، فَقَتَلُوا مَنْ وَجَدُوهُ مِنْهُمْ، وَنَهَبُوا أَمْوَالَهُمْ، وَتَفَرَّقَ الدَّيْلَمُ، فَبَعْضُهُمُ اعْتَصَمَ بِشَرَفِ الدَّوْلَةِ، وَبَعْضُهُمْ سَارَ عَنْهُ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ دَخَلَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ بَغْدَاذَ، وَالدَّيْلَمُ الْمُعْتَصِمُونَ بِهِ مَعَهُ، فَخَرَجَ الطَّائِعُ لِلَّهِ وَلَقِيَهُ وَهَنَّأَهُ بِالسَّلَامَةِ، وَقَبَّلَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ الْأَرْضَ، وَأَخَذَ الدَّيْلَمُ يَذْكُرُونَ صَمْصَامَ الدَّوْلَةِ، فَقِيلَ لِشَرَفِ الدَّوْلَةِ: اقْتُلْهُ، وَإِلَّا مَلَّكُوهُ الْأَمْرَ.
ثُمَّ إِنَّ شَرَفَ الدَّوْلَةِ أَصْلَحَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ، وَحَلَفَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَحُمِلَ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ إِلَى فَارِسَ، فَاعْتُقِلَ فِي قَلْعَةٍ هُنَاكَ، فَرَدَّ شَرَفُ الدَّوْلَةِ عَلَى الشَّرِيفِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ جَمِيعَ أَمْلَاكِهِ وَزَادَهُ عَلَيْهَا، وَكَانَ خَرَاجُ أَمْلَاكِهِ كُلَّ سَنَةٍ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَخَمْسَ مِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَرَدَّ عَلَى النَّقِيبِ أَبِي أَحْمَدَ الْمُوسَوِيِّ أَمْلَاكَهُ، وَأَقَرَّ النَّاسَ
стр. 4147
عَلَى مَرَاتِبِهِمْ، وَمَنَعَ النَّاسَ مِنَ السِّعَايَاتِ وَلَمْ يَقْبَلْهَا، فَأَمِنُوا وَسَكَنُوا وَوَزَرَ لَهُ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ صَالِحَانَ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ مُهَذَّبِ الدَّوْلَةِ الْبَطِيحَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمُظَفَّرُ بْنُ عَلِيٍّ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُ أُخْتِهِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ بِالْعَهْدِ الْمَذْكُورِ، وَكَتَبَ إِلَى شَرَفِ الدَّوْلَةِ يَبْذُلُ لَهُ الطَّاعَةَ، وَيَطْلُبُ التَّقْلِيدَ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَلُقِّبَ بِمُهَذَّبِ الدَّوْلَةِ، فَأَحْسَنَ السِّيرَةَ، وَبَذَلَ الْخَيْرَ وَالْإِحْسَانَ، فَقَصَدَهُ النَّاسُ، وَأَمِنَ عِنْدَهُ الْخَائِفُ.
وَصَارَتِ الْبَطِيحَةُ مَعْقِلًا لِكُلِّ مَنْ قَصْدَهَا، وَاتَّخَذَهَا الْأَكَابِرُ وَطَنًا، وَبَنَوْا فِيهَا الدُّورَ الْحَسَنَةَ، وَوَسِعَهُمْ بِرُّهُ وَإِحْسَانُهُ، وَكَاتَبَ مُلُوكَ الْأَطْرَافِ وَكَاتَبُوهُ، وَزَوَّجَهُ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ ابْنَتَهُ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ إِلَى أَنْ قَصَدَهُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ فَحَمَاهُ، وَبَقِيَ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ أَتَتْهُ الْخِلَافَةُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ الصُّوفِيُّ، الْمُنَجِّمُ لِعَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِالرَّيِّ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَفِيهَا كَانَ بِالْمَوْصِلِ زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ تَهَدَّمَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْمَنَازِلِ، وَهَلَكَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ.
وَفِيهَا قَتَلَ الْمَنْصُورُ بْنُ يُوسُفَ، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ، عَبْدَ اللَّهِ الْكَاتِبَ، وَقَامَ عَلَى وِلَايَةِ الْأَعْمَالِ بِإِفْرِيقِيَّةَ عِوَضَهُ يُوسُفُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَكَانَ وَالِيَ قَفْصَةَ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَفِيهَا كَانَ بِالْعِرَاقِ غَلَاءٌ شَدِيدٌ جَلَا لِشِدَّتِهِ أَكْثَرُ أَهْلِهِ.
стр. 4148
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ الْبُهْلُولِ التَّنُوخِيُّ الْأَزْرَقُ، الْأَنْبَارِيُّ الْكَاتِبُ.
وَأَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ الطَّبَرِيِّ الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ، تَفَقَّهَ بِبَغْدَاذَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ، وَوَلِيَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ بِخُرَاسَانَ، وَمَاتَ فِي صَفَرَ وَكَانَ عَابِدًا مُحَدِّثًا ثِقَةً.
وَإِسْحَاقُ بْنُ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالِدُ الْقَادِرِ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْقَادِرُ وَهُوَ حِينَئِذٍ أَمِيرٌ.
وَأَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْغَفَّارِ الْفَارِسِيُّ النَّحْوِيُّ، صَاحِبُ " الْإِيضَاحِ " قِيلَ: كَانَ مُعْتَزِلِيًّا. وَقَدْ جَاوَزَ تِسْعِينَ سَنَةً.
وَأَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْغِطْرِيفِ الْجُرْجَانِيُّ، تُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ، (وَهُوَ عَالِي الْإِسْنَادِ فِي الْحَدِيثِ) .
стр. 4149
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٧٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ بَدْرِ بْنِ حَسْنُوَيْهِ وَعَسْكَرِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَهَّزَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ عَسْكَرًا كَثِيفًا مَعَ قُرَاتِكِينَ الْجَهْشِيَارِيِّ، وَهُوَ مُقَدَّمُ عَسْكَرِهِ وَكَبِيرُهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى بَدْرِ بْنِ حَسْنُوَيْهِ وَقِتَالِهِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ شَرَفَ الدَّوْلَةِ كَانَ مَغِيظًا حَنِقًا عَلَى بَدْرٍ لِانْحِرَافِهِ عَنْهُ، وَمَيْلِهِ إِلَى عَمِّهِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ مُلْكُهُ بِبَغْدَاذَ وَأَطَاعَهُ النَّاسُ شَرَعَ فِي أَمْرِ بَدْرٍ، وَكَانَ قُرَاتِكِينُ قَدْ جَاوَزَ الْحَدَّ فِي التَّحَكُّمِ وَالْإِدْلَالِ، وَحِمَايَةِ النَّاسِ عَلَى نُوَّابِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، فَرَأَى أَنْ يُخْرِجَهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ، فَإِنْ ظَفِرَ بِبَدْرٍ شَفَى غَيْظَهُ مِنْهُ، وَإِنْ ظَفِرَ بِهِ بَدْرٌ اسْتَرَاحَ مِنْهُ.
فَسَارُوا نَحْوَ بَدْرٍ، وَتَجَهَّزَ بَدْرٌ وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ، وَتَلَاقَيَا عَلَى الْوَادِي بِقِرْمِيسِينَ، فَلَمَّا اقْتَتَلُوا انْهَزَمَ بَدْرٌ حَتَّى تَوَارَى عَنْهُ، وَظَنَّ قُرَاتِكِينُ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ مَضَى عَلَى وَجْهِهِ، فَنَزَلُوا عَنْ خُيُولِهِمْ وَتَفَرَّقُوا فِي خِيَامِهِمْ، فَلَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً حَتَّى كَرَّ بَدْرٌ رَاجِعًا إِلَيْهِمْ، وَأَكَبَّ عَلَيْهِمْ، وَأَعْجَلَهُمْ عَنِ الرُّكُوبِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَاحْتَوَى عَلَى جَمِيعِ مَا فِي عَسْكَرِهِمْ، وَنَجَا قُرَاتِكِينُ فِي نَفَرٍ مِنْ غِلْمَانِهِ، فَبَلَغَ جِسْرَ النَّهْرَوَانِ، وَأَقَامَ بِهِ حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْمُنْهَزِمُونَ، وَدَخَلَ بَغْدَاذَ.
وَاسْتَوْلَى بَدْرٌ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَعْمَالِ الْجَبَلِ وَمَا وَالَاهَا، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ.
وَأَمَّا قُرَاتِكِينُ فَإِنَّهُ لَمَّا عَادَ مِنَ الْهَزِيمَةِ زَادَ إِدْلَالُهُ وَتَجَنِّيهِ، وَأَغْرَى الْعَسْكَرَ
стр. 4150
بِالشَّغَبِ، وَالتَّوَثُّبِ عَلَى الْوَزِيرِ أَبِي مَنْصُورِ بْنِ صَالِحَانَ، فَلَقُوهُ بِمَا يَكْرَهُ، فَلَاطَفَهُمْ وَدَفَعَهُمْ، وَأَصْلَحَ لِشَرَفِ الدَّوْلَةِ بَيْنَ الْوَزِيرِ وَبَيْنَ قُرَاتِكِينَ، (وَشَرَعَ فِي إِعْمَالِ الْحِيلَةِ عَلَى قُرَاتِكِينَ) ، فَلَمْ تَمْضِ غَيْرُ أَيَّامٍ حَتَّى قَبَضَ عَلَيْهِ وَعَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَكُتَّابِهِ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، وَشَغَبَ الْجُنْدُ لِأَجْلِهِ، فَقَتَلَهُ شَرَفُ الدَّوْلَةِ، فَسَكَنُوا، وَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ طُغَانَ الْحَاجِبَ، فَصَلُحَتْ طَاعَتُهُ.
ذِكْرُ مَسِيرِ الْمَنْصُورِ بْنِ يُوسُفَ لِحَرْبِ كُتَامَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَمَعَ الْمَنْصُورُ، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ، عَسَاكِرَهُ وَسَارَ إِلَى كُتَامَةَ قَاصِدًا حَرْبَهَا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَزِيزَ بِاللَّهِ الْعَلَوِيَّ بِمِصْرَ كَانَ قَدْ أَرْسَلَ دَاعِيًا لَهُ إِلَى كُتَامَةَ، يُقَالُ لَهُ أَبُو الْفَهْمِ، وَاسْمُهُ حَسَنُ بْنُ نَصْرٍ، يَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ، وَغَرَضُهُ أَنْ تَمِيلَ كُتَامَةُ إِلَيْهِ وَتُرْسِلَ إِلَيْهِ جُنْدًا يُقَاتِلُونَ الْمَنْصُورَ، وَيَأْخُذُونَ إِفْرِيقِيَّةَ مِنْهُ، لِمَا رَأَى مِنْ قُوَّتِهِ. فَدَعَاهُمْ أَبُو الْفَهْمِ، فَكَثُرَ تَبَعُهُ، وَقَادَ الْجُيُوشَ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ، وَعَزَمَ الْمَنْصُورُ عَلَى قَصْدِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْعَزِيزِ بِمِصْرَ يُعَرِّفُهُ الْحَالَ، فَأَرْسَلَ الْعَزِيزُ رَسُولَيْنِ إِلَى الْمَنْصُورِ يَنْهَاهُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِأَبِي الْفَهْمِ وَكُتَامَةَ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَسِيرَا إِلَى كُتَامَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ رِسَالَةِ الْمَنْصُورِ.
فَلَمَّا وَصَلَا إِلَى الْمَنْصُورِ وَأَبْلَغَاهُ رِسَالَةَ الْعَزِيزِ أَغْلَظَ الْقَوْلَ لَهُمَا وَلِلْعَزِيزِ أَيْضًا، وَأَغْلَظَا لَهُ، فَأَمَرَهُمَا بِالْمُقَامِ عِنْدَهُ بَقِيَّةَ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ، وَلَمْ يَتْرُكْهُمَا يَمْضِيَانِ إِلَى كُتَامَةَ، وَتَجَهَّزَ لِحَرْبِ كُتَامَةَ وَأَبِي الْفَهْمِ، وَسَارَ بَعْدَ عِيدِ الْأَضْحَى، فَقَصَدَ مَدِينَةَ مِيلَةَ، وَأَرَادَ قَتْلَ أَهْلِهَا وَسَبْيَ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ يَتَضَرَّعُونَ وَيَبْكُونَ فَعَفَا عَنْهُمْ، (وَخَرَّبَ سُورَهَا، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى كُتَامَةَ وَالرَّسُولَانِ مَعَهُ) .
فَكَانَ لَا يَمُرُّ بِقَصْرٍ وَلَا مَنْزِلٍ إِلَّا هَدَمَهُ، حَتَّى بَلَغَ مَدِينَةَ سَطِيفَ، وَهِيَ كُرْسِيُّ
стр. 4151
عِزِّهِمْ، فَاقْتَتَلُوا عِنْدَهَا قِتَالًا عَظِيمًا، فَانْهَزَمَتْ كُتَامَةُ، وَهَرَبَ أَبُو الْفَهْمِ إِلَى جَبَلٍ وَعْرٍ فِيهِ نَاسٌ مِنْ كُتَامَةَ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو إِبْرَاهِيمَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الْمَنْصُورُ يَتَهَدَّدُهُمْ إِنْ لَمْ يُسَلِّمُوهُ، فَقَالُوا: هُوَ ضَيْفُنَا وَلَا نُسَلِّمُهُ، وَلَكِنْ أَرْسِلْ أَنْتَ إِلَيْهِ فَخُذْهُ وَنَحْنُ لَا نَمْنَعُهُ. فَأَرْسَلَ فَأَخَذَهُ، وَضَرَبَهُ ضَرْبًا شَدِيدًا، ثُمَّ قَتَلَهُ وَسَلَخَهُ، وَأَكَلَتْ صِنْهَاجَةُ وَعَبِيدُ الْمَنْصُورِ لَحْمَهُ، وَقَتَلَ مَعَهُ جَمَاعَةً مِنَ الدُّعَاةِ وَوُجُوهِ كُتَامَةَ، وَعَادَ (إِلَى أَشِيرَ) ، وَرَدَّ الرَّسُولَيْنِ إِلَى الْعَزِيزِ، فَأَخْبَرَاهُ بِمَا فَعَلَ بِأَبِي الْفَهْمِ، وَقَالَا: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ شَيَاطِينَ يَأْكُلُونَ النَّاسَ. فَأَرْسَلَ الْعَزِيزُ إِلَى الْمَنْصُورِ يُطَيِّبُ قَلْبَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ هَدِيَّةً، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ أَبَا الْفَهْمِ.
ذِكْرُ مُعَاوَدَةِ بَاذٍ الْقِتَالَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَجَدَّدَ لِبَاذٍ الْكُرْدِيِّ طَمَعٌ فِي بِلَادِ الْمَوْصِلِ وَغَيْرِهَا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ سَعْدًا الْحَاجِبَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ تُوُفِّيَ بِالْمَوْصِلِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهَا شَرَفُ الدَّوْلَةِ أَبَا نَصْرٍ خُوَاشَاذَهْ، وَجَهَّزَ إِلَيْهِ الْعَسَاكِرَ، وَكَتَبَ يَسْتَمِدُّ مِنْ شَرَفِ الدَّوْلَةِ الْعَسَاكِرَ وَالْأَمْوَالَ، فَتَأَخَّرَتِ الْأَمْوَالُ عَنْهُ فَأَحْضَرَ الْعَرَبَ مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ وَأَقْطَعَهُمُ الْبِلَادَ لِيَمْنَعُوا عَنْهَا، وَانْحَدَرَ بَاذٌ فَاسْتَوْلَى عَلَى طَوْرِ عَبْدِينَ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى النُّزُولِ إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَأَرْسَلَ أَخَاهُ فِي عَسْكَرٍ، فَقَاتَلُوا الْعَرَبَ، فَقُتِلَ أَخُوهُ وَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ، وَأَقَامَ بَعْضُهُمْ مُقَابِلَ بَعْضٍ.
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ أَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِمَوْتِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، فَعَادَ خُوَاشَاذَهْ إِلَى الْمَوْصِلِ وَأَظْهَرَ مَوْتَهُ، وَأَقَامَتِ الْعَرَبُ بِالصَّحْرَاءِ تَمْنَعُ بَاذًا مِنَ النُّزُولِ إِلَيْهَا، وَبَاذٌ بِالْجَبَلِ، وَكَانَ
стр. 4152
خُوَاشَاذَهْ يُصْلِحُ أَمْرَهُ لِيُعَاوِدَ حَرْبَ بَاذٍ، فَأَتَاهُ إِبْرَاهِيمُ وَأَبُو الْحَسَنِ ابْنَا نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَلَسَ الطَّائِعُ لِلَّهِ لِشَرَفِ الدَّوْلَةِ جُلُوسًا عَامًّا حَضَرَهُ أَعْيَانُ الدَّوْلَةِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ.
وَفِيهَا وُلِدَ الْأَمِيرُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ فَخْرِ الدَّوْلَةِ فِي رَجَبٍ.
وَفِيهَا سَارَ الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ إِلَى طَبَرِسْتَانَ فَأَصْلَحَهَا، وَنَفَى الْمُتَغَلِّبِينَ عَنْهَا، وَفَتَحَ عِدَّةَ حُصُونٍ (مِنْهَا: حِصْنُ قُرَيْمٍ) ، وَعَادَ فِي سَنَتِهِ.
وَفِيهَا عَصَى الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ كُورِيكَنْجَ، صَاحِبُ قَزْوِينَ، عَلَى فَخْرِ الدَّوْلَةِ، فَلَاطَفَهُ فَخْرُ الدَّوْلَةِ، وَبَذَلَ لَهُ الْأَمَانَ وَالْإِحْسَانَ، فَعَادَ إِلَى طَاعَتِهِ.
وَفِيهَا، فِي رَمَضَانَ، حَدَثَتْ فِتْنَةٌ شَدِيدَةٌ بَيْنَ الدَّيْلَمِ وَالْعَامَّةِ بِمَدِينَةِ الْمَوْصِلِ، قُتِلَ فِيهَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، ثُمَّ أُصْلِحَ الْحَالُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ.
وَفِيهَا تَأَخَّرَ الْمَطَرُ حَتَّى انْتَصَفَ كَانُونُ الثَّانِي، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ بِالْعِرَاقِ وَمَا يُجَاوِرُهُ مِنَ الْبِلَادِ، وَاسْتَسْقَى النَّاسُ مَرَّتَيْنِ فَلَمْ يُسْقَوْا، حَتَّى جَاءَ الْمَطَرُ سَابِعَ عَشَرَ كَانُونَ الثَّانِي، وَزَالَ الْقُنُوطُ، وَتَتَابَعَتِ الْأَمْطَارُ.
стр. 4153
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٧٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى شُكْرٍ الْخَادِمِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ عَلَى شُكْرٍ الْخَادِمِ، وَكَانَ أَخَصَّ النَّاسِ عِنْدَ وَالِدِهِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَأَقْرَبَهُمْ إِلَيْهِ، يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ وَيُعَوِّلُ عَلَيْهِ.
وَكَانَ سَبَبُ قَبْضِهِ أَنَّهُ كَانَ أَيَّامَ وَالِدِهِ يَقْصِدُ شَرَفَ الدَّوْلَةِ وَيُؤْذِيهِ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى إِبْعَادَهُ إِلَى كَرْمَانَ مِنْ بَغْدَاذَ، وَقَامَ بِأَمْرِ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ، فَحَقَدَ عَلَيْهِ شَرَفُ الدَّوْلَةِ ذَلِكَ، فَلَمَّا مَلَكَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ الْعِرَاقَ اخْتَفَى شُكْرٌ، فَطَلَبَهُ أَشَدَّ الطَّلَبِ فَلَمْ يُوجَدْ، وَكَانَ لَهُ جَارِيَةٌ حَبَشِيَّةٌ قَدْ تَزَوَّجَهَا، فَطَلَبَهَا إِلَيْهِ، فَأَقَامَتْ عِنْدَهُ مُدَّةً تَخْدِمُهُ.
وَكَانَ قَدْ عَلِقَ بِقَلْبِهَا غَيْرُهُ، فَصَارَتْ تَأْخُذُ الْمَأْكُولَ وَغَيْرَهُ وَتَحْمِلُهُ إِلَى حَيْثُ شَاءَتْ، فَأَحَسَّ بِهَا شُكْرٌ، فَلَمْ يَحْتَمِلْهَا، فَضَرَبَهَا، فَخَرَجَتْ غَضْبَى إِلَى بَابِ دَارِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، فَأَخْبَرَتْ بِحَالِ شُكْرٍ، فَأُخِذَ وَأُحْضِرَ عِنْدَ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، فَأَرَادَ قَتْلَهُ، فَشَفَعَ فِيهِ نِحْرِيرٌ الْخَادِمُ، فَوَهَبَهُ لَهُ، وَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْحَجِّ، فَأَذِنَ لَهُ، فَسَارَ إِلَى مَكَّةَ ثُمَّ مِنْهَا إِلَى مِصْرَ، فَنَالَ هُنَاكَ مَنْزِلَةً كَبِيرَةً، وَسَيَرِدُ خَبَرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عَزْلِ بَكْجُورَ عَنْ دِمَشْقَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ بَكْجُورُ عَنْ دِمَشْقَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَسَاءَ السِّيرَةَ فِي دِمَشْقَ، وَفَعَلَ الْأَعْمَالَ الذَّمِيمَةَ، وَكَانَ الْوَزِيرُ يَعْقُوبُ بْنُ كِلِّسٍ مُنْحَرِفًا عَنْهُ، يُسِيءُ الرَّأْيَ فِيهِ، وَانْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مَا فَعَلَهُ بِأَصْحَابِهِ بِدِمَشْقَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. فَلَمَّا بَلَغَهُ فِعْلُهُ بِدِمَشْقَ تَحَرَّكَ فِي عَزْلِهِ، وَقَبُحَ ذِكْرُهُ عِنْدَ الْعَزِيزِ
стр. 4154
بِاللَّهِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَجُهِّزَتِ الْعَسَاكِرُ مِنْ مِصْرَ مَعَ الْقَائِدِ مُنِيرٍ الْخَادِمِ، فَسَارُوا إِلَى الشَّامِ.
فَجَمَعَ بَكْجُورُ الْعَرَبَ وَغَيْرَهَا وَخَرَجَ، فَلَقِيَ الْعَسْكَرَ الْمِصْرِيَّ عِنْدَ دَارَيَّا، وَقَاتَلَهُمْ فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، فَانْهَزَمَ بَكْجُورُ وَعَسْكَرُهُ، وَخَافَ مِنْ وُصُولِ نَزَّالٍ وَالِي طَرَابُلُسَ، وَكَانَ قَدْ كُوتِبَ مِنْ مِصْرَ بِمُعَاضَدَةِ مُنِيرٍ، فَلَمَّا انْهَزَمَ بَكْجُورُ خَافَ أَنْ يَجِيءَ نَزَّالٌ فَيُؤْخَذُ، فَأَرْسَلَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ لِيُسَلِّمَ الْبَلَدَ إِلَيْهِمْ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَجَمَعَ مَالَهُ جَمِيعَهُ وَسَارَ، وَأَخْفَى أَثَرَهُ لِئَلَّا يَغْدِرَ الْمِصْرِيُّونَ بِهِ، وَتَوَجَّهَ إِلَى الرَّقَّةِ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَتَسَلَّمَ مُنِيرٌ الْبَلَدَ، فَفَرِحَ بِهِ أَهْلُهُ وَسَرَّهُمْ وِلَايَتُهُ، وَسَنَذْكُرُ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] بَاقِيَ أَخْبَارِهِ وَقَتْلَهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ ظَفَرِ الْأَصْفَرِ بِالْقَرَامِطَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَمَعَ إِنْسَانٌ يُعْرَفُ بِالْأَصْفَرِ مِنْ بَنِي الْمُنْتَفِقِ جَمْعًا كَثِيرًا، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَمْعٍ مِنَ الْقَرَامِطَةِ وَقْعَةٌ شَدِيدَةٌ قُتِلَ فِيهَا مُقَدَّمُ الْقَرَامِطَةِ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ وَقُتِلَ مِنْهُمْ، وَأُسِرَ كَثِيرٌ.
وَسَارَ الْأَصْفَرُ إِلَى الْأَحْسَاءِ، فَتَحَصَّنَ مِنْهُ الْقَرَامِطَةُ، فَعَدَلَ إِلَى الْقَطِيفِ فَأَخَذَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ عَبِيدِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ وَسَارَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ.
ذِكْرُ نُكْتَةٍ حَسَنَةٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَهْدَى الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ، أَوَّلَ الْمُحَرَّمِ، إِلَى فَخْرِ الدَّوْلَةِ دِينَارًا وَزْنُهُ أَلْفُ مِثْقَالٍ، وَكَانَ عَلَى أَحَدِ جَانِبَيْهِ مَكْتُوبٌ:
وَأَحْمَرَ يَحْكِي الشَّمْسَ شَكْلًا وَصُورَةً ... فَأَوْصَافُهُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ صِفَاتِهِ
فَإِنْ قِيلَ دِينَارٌ فَقَدْ صَدَقَ اسْمُهُ ... وَإِنْ قِيلَ أَلْفٌ كَانَ بَعْضَ سِمَاتِهِ
стр. 4155
بَدِيعٌ، وَلَمْ يُطْبَعْ عَلَى الدَّهْرِ مِثْلُهُ
وَلَا ضُرِبَتْ أَضْرَابُهُ لِسُرَاتِهِ ... فَقَدْ أَبْرَزَتْهُ دَوْلَةٌ فَلَكِيَّةٌ
أَقَامَ بِهَا الْإِقْبَالُ صَدْرَ قَنَاتِهِ ... وَصَارَ إِلَى شَاهَانْشَاهَ انْتِسَابُهُ
عَلَى أَنَّهُ مُسْتَصْغِرٌ لِعُفَاتِهِ ... يُخَبِّرُ أَنْ يَبْقَى سِنِينَ كَوَزْنِهِ
لِتَسْتَبْشِرَ الدُّنْيَا بِطُولِ حَيَاتِهِ ... تَأَنَّقَ فِيهِ عَبْدُهُ، وَابْنُ عَبْدِهِ
وَغَرْسُ أَيَادِيهِ، وَكَافِي كُفَاتِهِ
(وَكَانَ عَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ، وَلَقَبُ الْخَلِيفَةِ الطَّائِعِ لِلَّهِ، وَلَقَبُ فَخْرِ الدَّوْلَةِ، وَاسْمُ جُرْجَانَ لِأَنَّهُ ضُرِبَ بِهَا. قَوْلُهُ: " دَوْلَةٌ فَلَكِيَّةٌ " يَعْنِي أَنَّ لَقَبَ فَخْرِ الدَّوْلَةِ كَانَ فَلَكَ الْأُمَّةِ. وَقَوْلُهُ: " وَكَافِي كُفَاتِهِ "، فَإِنَّ الصَّاحِبَ كَانَ لَقَبُهُ كَافِيَ الْكُفَاةِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَتَابَعَتِ الْأَمْطَارُ، وَكَثُرَتِ الْبُرُوقُ وَالرُّعُودُ، وَالْبَرَدُ الْكِبَارُ، وَسَالَتْ مِنْهُ الْأَوْدِيَةُ، وَامْتَلَأَتِ الْأَنْهَارُ وَالْآبَارُ بِبِلَادِ الْجَبَلِ، وَخَرِبَتِ الْمَسَاكِنُ، وَامْتَلَأَتِ الْأَقْنَاءُ طِينًا وَحِجَارَةً، وَانْقَطَعَتِ الطُّرُقُ.
وَفِيهَا عَصَى نَصْرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْفَيْرَزَانِ بِالدَّامَغَانَ عَلَى فَخْرِ الدَّوْلَةِ، وَاجْتَازَ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّبِيبِيُّ الْخُرَاسَانِيُّ مُقْبِلًا مِنَ الرَّيِّ وَمَعَهُ عَسْكَرٌ مِنَ الدَّيْلَمِ لِمُحَارَبَتِهِ، فَلَمَّا رَأَى الْجِدَّ فِي أَمْرِهِ رَاسَلَ فَخْرَ الدَّوْلَةِ، وَعَاوَدَ طَاعَتَهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى قَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُ وَأَقَرَّهُ عَلَى حَالِهِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ فَخْرِ الدَّوْلَةِ فِي رَجَبٍ.
وَفِيهَا وَقَعَ الْوَبَاءُ بِالْبَصْرَةِ وَالْبَطَائِحِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، فَمَاتَ خَلْقٌ كَثِيرٌ حَتَّى امْتَلَأَتْ مِنْهُمُ الشَّوَارِعُ.
стр. 4156
وَفِي شَعْبَانَ كَثُرَتِ الرِّيَاحُ الْعَوَاصِفُ، وَجَاءَتْ وَقْتَ الْعَصْرِ، خَامِسَ شَعْبَانَ، رِيحٌ عَظِيمَةٌ بِفَمِ الصِّلْحِ، فَهَدَمَتْ قِطْعَةً مِنَ الْجَامِعِ، وَأَهْلَكَتْ جَمَاعَةً مِنَ النَّاسِ، وَغَرَّقَتْ كَثِيرًا مِنَ السُّفُنِ الْكِبَارِ الْمَمْلُوءَةِ، وَاحْتَمَلَتْ زَوْرَقًا مُنْحَدِرًا فِيهِ دَوَابُّ، وَعِدَّةً مِنَ السُّفُنِ، وَأَلْقَتِ الْجَمِيعَ عَلَى مَسَافَةٍ مِنْ مَوْضِعِهَا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْمُفِيدُ، كَانَ مُحَدِّثًا مُكْثِرًا، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَأَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الْحَاكِمُ النَّيْسَابُورِيُّ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَهُوَ صَاحِبُ التَّصَانِيفِ الْمَشْهُورَةِ.
стр. 4157
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٧٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ سَمْلِ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ
كَانَ نِحْرِيرٌ الْخَادِمُ يُشِيرُ عَلَى شَرَفِ الدَّوْلَةِ بِقَتْلِ أَخِيهِ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ، وَشَرَفُ الدَّوْلَةِ يُعْرِضُ عَنْ كَلَامِهِ، فَلَمَّا اعْتَلَّ شَرَفُ الدَّوْلَةِ وَاشْتَدَّتْ عِلَّتُهُ أَلَحَّ عَلَيْهِ نِحْرِيرٌ وَقَالَ لَهُ: (الدَّوْلَةُ مَعَهُ عَلَى خَطَرٍ) ، فَإِنْ لَمْ تَقْتُلْهُ فَاسْمُلْهُ.
فَأَرْسَلَ فِي ذَلِكَ مُحَمَّدًا الشِّيرَازِيَّ الْفَرَّاشَ، فَمَاتَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْفَرَّاشُ إِلَى صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا وَصَلَ الْفَرَّاشُ إِلَى الْقَلْعَةِ الَّتِي بِهَا صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ لَمْ يُقْدِمْ عَلَى سَمْلِهِ، فَاسْتَشَارَ أَبَا الْقَاسِمِ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَسَنِ النَّاظِرَ هُنَاكَ، فَأَشَارَ بِذَلِكَ، فَسَمَلَهُ. وَكَانَ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ يَقُولُ: مَا أَعْمَانِي إِلَّا الْعَلَاءُ لِأَنَّهُ أَمْضَى فِي حُكْمِ سُلْطَانٍ قَدْ مَاتَ.
ذِكْرُ وَفَاةِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ وَمُلْكِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، مُسْتَهَلِّ جُمَادَى الْآخِرَةِ، تُوُفِّيَ الْمَلِكُ شَرَفُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْفَوَارِسِ شِيرَزِيلُ بْنُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ مُسْتَسْقِيًا، وَحُمِلَ إِلَى مَشْهَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، ﵇، فَدُفِنَ بِهِ، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ بِالْعِرَاقِ سَنَتَيْنِ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ.
وَلَمَّا اشْتَدَّتْ عِلَّتُهُ سَيَّرَ وَلَدَهُ أَبَا عَلِيٍّ إِلَى بِلَادِ فَارِسَ، وَأَصْحَبَهُ الْخَزَائِنَ وَالْعُدَدَ وَجَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنَ الْأَتْرَاكِ، فَلَمَّا أَيِسَ أَصْحَابُهُ مِنْهُ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَعْيَانُهُمْ وَسَأَلُوهُ أَنْ يُمَلِّكَ أَحَدًا، فَقَالَ: أَنَا فِي شُغْلٍ عَمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ. فَقَالُوا لَهُ لِيَأْمُرَ أَخَاهُ بَهَاءَ الدَّوْلَةِ أَبَا نَصْرٍ
стр. 4158
أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ إِلَى أَنْ يُعَافَى لِيَحْفَظَ النَّاسَ لِئَلَّا تَثُورَ فِتْنَةٌ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَتَوَقَّفَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ ثُمَّ أَجَابَ إِلَيْهِ.
فَلَمَّا مَاتَ جَلَسَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ فِي الْمَمْلَكَةِ، وَقَعَدَ لِلْعَزَاءِ، وَرَكِبَ الطَّائِعُ لِلَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْعَزَاءِ فِي الزَّبْزَبِ، فَتَلَقَّاهُ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ، وَقَبَّلَ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَانْحَدَرَ الطَّائِعُ لِلَّهِ إِلَى دَارِهِ، وَخَلَعَ عَلَى بَهَاءِ الدَّوْلَةِ خِلَعَ السَّلْطَنَةِ، وَأَقَرَّ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ أَبَا مَنْصُورِ بْنَ صَالِحَانَ عَلَى وِزَارَتِهِ.
ذِكْرُ مَسِيرِ الْأَمِيرِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ إِلَى فَارِسَ وَمَا كَانَ مِنْهُ مَعَ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ
لَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُ شَرَفِ الدَّوْلَةِ جَهَّزَ وَلَدَهُ الْأَمِيرَ أَبَا عَلِيٍّ وَسَيَّرَهُ إِلَى فَارِسَ وَمَعَهُ وَالِدَتُهُ وَجَوَارِيهِ، وَسَيَّرَ مَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْجَوَاهِرِ وَالسِّلَاحِ أَكْثَرَهَا. فَلَمَّا بَلَغَ الْبَصْرَةَ أَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِمَوْتِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، فَسَيَّرَ مَا مَعَهُ فِي الْبَحْرِ إِلَى أَرَّجَانَ، وَسَارَ هُوَ مُجِدًّا إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَيْهَا، وَاجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ بِهَا مِنَ الْأَتْرَاكِ، وَسَارُوا نَحْوَ شِيرَازَ، وَكَاتَبَهُمْ مُتَوَلِّيهَا وَهُوَ أَبُو الْقَاسِمِ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَسَنِ بِالْوُصُولِ إِلَيْهَا لِيُسَلِّمَهَا إِلَيْهِمْ، وَكَانَ الْمُرَتِّبُونَ فِي الْقَلْعَةِ الَّتِي بِهَا صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ وَأَخُوهُ أَبُو طَاهِرٍ قَدْ أَطْلَقُوهُمَا وَمَعَهُمَا فُولَاذٌ وَسَارُوا إِلَى سِيرَافَ.
(وَاجْتَمَعَ عَلَى صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ كَثِيرٌ مِنَ الدَّيْلَمِ. وَسَارَ الْأَمِيرُ أَبُو عَلِيٍّ إِلَى شِيرَازَ) ، وَوَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بِهَا بَيْنَ الْأَتْرَاكِ وَالدَّيْلَمِ، وَخَرَجَ الْأَمِيرُ أَبُو عَلِيٍّ مِنْ دَارِهِ إِلَى مُعَسْكَرِ الْأَتْرَاكِ، فَنَزَلَ مَعَهُمْ، وَاجْتَمَعَ الدَّيْلَمُ وَقَصَدُوا لِيَأْخُذُوهُ وَيُسَلِّمُوهُ إِلَى صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ، فَرَأَوْهُ قَدِ انْتَقَلَ إِلَى الْأَتْرَاكِ، فَكَشَفُوا الْقِنَاعَ، وَنَابَذُوا الْأَتْرَاكَ، وَجَرَى بَيْنَهُمْ قِتَالٌ عِدَّةَ أَيَّامٍ.
ثُمَّ سَارَ أَبُو عَلِيٍّ وَالْأَتْرَاكُ إِلَى فَسَا، فَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا وَأَخَذُوا مَا بِهَا مِنَ الْمَالِ، وَقَتَلُوا مَنْ بِهَا مِنَ الدَّيْلَمِ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ وَسِلَاحَهُمْ فَقَوَوْا بِذَلِكَ.
стр. 4159
وَسَارَ أَبُو عَلِيٍّ إِلَى أَرَّجَانَ، وَعَادَ الْأَتْرَاكُ إِلَى شِيرَازَ، فَقَاتَلُوا صَمْصَامَ الدَّوْلَةِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الدَّيْلَمِ، وَنَهَبُوا الْبَلَدَ، وَعَادُوا إِلَى أَبِي عَلِيٍّ بِأَرَّجَانَ وَأَقَامُوا مَعَهُ مُدَيْدَةً.
ثُمَّ وَصَلَ رَسُولٌ مِنْ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ إِلَى أَبِي عَلِيٍّ وَأَدَّى الرِّسَالَةَ، وَطَيَّبَ قَلْبَهُ وَوَعَدَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ رَاسَلَ الْأَتْرَاكَ سِرًّا، وَاسْتَمَالَهُمْ إِلَى نَفْسِهِ وَأَطْمَعَهُمْ، فَحَسَّنُوا لِأَبِي عَلِيٍّ الْمَسِيرَ إِلَى بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَلَقِيَهُ بِوَاسِطَ مُنْتَصَفَ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَأَنْزَلَهُ وَأَكْرَمَهُ، وَتَرَكَهُ عِدَّةَ أَيَّامٍ، وَقَبَضَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَتَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ، وَتَجَهَّزَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ لِلْمَسِيرِ إِلَى الْأَهْوَازِ لِقَصْدِ بِلَادِ فَارِسَ.
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِبَغْدَاذَ بَيْنَ الْأَتْرَاكِ وَالدَّيْلَمِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بِبَغْدَاذَ بَيْنَ الْأَتْرَاكِ وَالدَّيْلَمِ وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ، وَدَامَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَبَهَاءُ الدَّوْلَةِ فِي دَارِهِ يُرَاسِلُهُمْ فِي الصُّلْحِ، فَلَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَهُ، وَقُتِلَ بَعْضُ رُسُلِهِ.
ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ إِلَى الْأَتْرَاكِ، وَحَضَرَ الْقِتَالَ مَعَهُمْ، فَاشْتَدَّ حِينَئِذٍ الْأَمْرُ، وَعَظُمَ الشَّرُّ، ثُمَّ إِنَّهُ شَرَعَ فِي الصُّلْحِ، وَرَفَقَ بِالْأَتْرَاكِ، وَرَاسَلَ الدَّيْلَمَ، فَاسْتَقَرَّ الْحَالُ بَيْنَهُمْ، وَحَلَفَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَكَانَتْ مُدَّةُ الْحَرْبِ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا.
ثُمَّ إِنَّ الدَّيْلَمَ تَفَرَّقُوا، فَمَضَى فَرِيقٌ بَعْدَ فَرِيقٍ، وَأُخْرِجَ بَعْضُهُمْ، وَقُبِضَ عَلَى الْبَعْضِ، فَضَعُفَ أَمْرُهُمْ، وَقَوِيَتْ شَوْكَةُ الْأَتْرَاكِ، وَاشْتَدَّتْ حَالُهُمْ.
ذِكْرُ مَسِيرِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ إِلَى الْعِرَاقِ وَمَا كَانَ مِنْهُ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ فَخْرُ الدَّوْلَةِ بْنُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ مِنَ الرَّيِّ إِلَى هَمَذَانَ عَازِمًا عَلَى قَصْدِ الْعِرَاقِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا.
وَكَانَ سَبَبُ حَرَكَتِهِ أَنَّ الصَّاحِبَ بْنَ عَبَّادٍ كَانَ يُحِبُّ الْعِرَاقَ لَا سِيَّمَا بَغْدَاذَ، وَيُؤْثِرُ
стр. 4160
التَّقَدُّمَ بِهَا وَيَرْصُدُ أَوْقَاتَ الْفُرْصَةِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ عَلِمَ أَنَّ الْفُرْصَةَ قَدْ أَمْكَنَتْ، فَوَضَعَ عَلَى فَخْرِ الدَّوْلَةِ مَنْ يُعَظِّمُ عِنْدَهُ مُلْكَ الْعِرَاقِ وَيُسَهِّلُ أَمْرَهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُبَاشِرْ عَلَى ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ خَطَرِ الْعَاقِبَةِ، إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ فَخْرُ الدَّوْلَةِ: مَا عِنْدَكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ؟ فَأَحَالَ عَلَى أَنَّ سَعَادَتَهُ تُسَهِّلُ كُلَّ صَعْبٍ، وَعَظَّمَ الْبِلَادَ. فَتَجَهَّزَ وَسَارَ إِلَى هَمَذَانَ، وَأَتَاهُ بَدْرُ بْنُ حَسْنُوَيْهِ، وَقَصَدَهُ دُبَيْسُ بْنُ عَفِيفٍ الْأَسَدِيُّ، فَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى أَنْ يَسِيرَ الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ وَبَدْرٌ إِلَى الْعِرَاقِ عَلَى الْجَادَّةِ، وَيَسِيرَ فَخْرُ الدَّوْلَةِ عَلَى خُوزِسْتَانَ، فَلَمَّا سَارَ الصَّاحِبُ حَذِرَ فَخْرُ الدَّوْلَةِ مِنْ نَاحِيَتِهِ وَقِيلَ لَهُ: رُبَّمَا اسْتَمَالَهُ أَوْلَادُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ. فَاسْتَعَادَهُ إِلَيْهِ، وَأَخَذَهُ مَعَهُ إِلَى الْأَهْوَازِ فَمَلَكَهَا وَأَسَاءَ السِّيرَةَ مَعَ جُنْدِهَا وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَبْذُلِ الْمَالَ فَخَابَتْ ظُنُونُ النَّاسِ فِيهِ، وَاسْتَشْعَرَ مِنْهُ أَيْضًا عَسْكَرُهُ وَقَالُوا: هَكَذَا يَفْعَلُ بِنَا إِذَا تَمَكَّنَ مِنْ إِرَادَتِهِ فَتَخَاذَلُوا.
وَكَانَ الصَّاحِبُ قَدْ أَمْسَكَ نَفْسَهُ تَأَثُّرًا بِمَا قِيلَ عَنْهُ مِنِ اتِّهَامِهِ، فَالْأُمُورُ بِسُكُوتِهِ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ، فَلَمَّا سَمِعَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ بِوُصُولِهِمْ إِلَى الْأَهْوَازِ سَيَّرَ إِلَيْهِمُ الْعَسَاكِرَ، وَالْتَقَوْا هُمْ وَعَسَاكِرُ فَخْرِ الدَّوْلَةِ.
فَاتُّفِقَ أَنَّ دِجْلَةَ الْأَهْوَازِ زَادَتِ الْوَقْتَ زِيَادَةً عَظِيمَةً، وَانْفَتَحَتِ الْبُثُوقُ مِنْهَا فَظَنَّهَا عَسْكَرُ فَخْرِ الدَّوْلَةِ مَكِيدَةً فَانْهَزَمُوا، فَقَلِقَ فَخْرُ الدَّوْلَةِ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ قَدِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ، فَعَادَ حِينَئِذٍ إِلَى رَأْيِ الصَّاحِبِ، فَأَشَارَ لِبَذْلِ الْمَالِ وَاسْتِصْلَاحِ الْجُنْدِ وَقَالَ لَهُ: إِنَّ الرَّأْيَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ إِخْرَاجُ الْمَالِ، وَتَرْكُ مُضَايَقَةِ الْجُنْدِ، فَإِنْ أَطْلَقْتَ الْمَالَ ضَمِنْتُ لَكَ حُصُولَ أَضْعَافِهِ بَعْدَ سَنَةٍ. فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنْ عَسْكَرِ الْأَهْوَازِ، وَاتَّسَعَ الْخَرْقُ عَلَيْهِ وَضَاقَتِ الْأُمُورُ بِهِ، فَعَادَ إِلَى الرَّيِّ وَقَبَضَ فِي طَرِيقِهِ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْقُوَّادِ الرَّازِيِّينَ وَمَلَكَ أَصْحَابُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ الْأَهْوَازَ.
ذِكْرُ هَرَبِ الْقَادِرِ بِاللَّهِ إِلَى الْبَطِيحَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ هَرَبَ الْقَادِرُ بِاللَّهِ مِنَ الطَّائِعِ لِلَّهِ إِلَى الْبَطِيحَةِ فَاحْتَمَى فِيهَا.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ الْمُقْتَدِرِ وَالِدَ الْقَادِرِ لَمَّا تُوُفِّيَ جَرَى بَيْنَ الْقَادِرِ
стр. 4161
وَبَيْنَ أُخْتٍ لَهُ مُنَازَعَةٌ فِي ضَيْعَةٍ طَالَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ إِنَّ الطَّائِعَ لِلَّهِ مَرِضَ مَرَضًا أَشْفَى مِنْهُ، ثُمَّ أَبَلَّ، فَسَعَتْ إِلَيْهِ بِأَخِيهِ الْقَادِرِ وَقَالَتْ لَهُ: إِنَّهُ شَرَعَ فِي طَلَبِ الْخِلَافَةِ عِنْدَ مَرَضِكَ فَتَغَيَّرَ رَأْيُهُ فِيهِ، فَأَنْفَذَ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ النُّعْمَانِ وَغَيْرَهُ لِلْقَبْضِ عَلَيْهِ، وَكَانَ بِالْحَرِيمِ الطَّاهِرِيِّ، فَأَصْعَدُوا فِي الْمَاءِ إِلَيْهِ.
وَكَانَ الْقَادِرُ قَدْ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ رَجُلًا يَقْرَأُ عَلَيْهِ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فَهُوَ يَحْكِي هَذَا الْمَنَامَ لِأَهْلِهِ وَيَقُولُ: أَنَا خَائِفٌ مِنْ طَالِبٍ يَطْلُبُنِي وَوَصَلَ أَصْحَابُ الطَّائِعِ لِلَّهِ إِلَيْهِ وَاسْتَدْعَوْهُ، فَأَرَادَ لُبْسَ ثِيَابِهِ، فَلَمْ يُمَكِّنُوهُ مِنْ مُفَارَقَتِهِمْ، فَأَخَذَهُ النِّسَاءُ مِنْهُمْ قَهْرًا، وَخَرَجَ عَنْ دَارِهِ وَاسْتَتَرَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الْبَطِيحَةِ، فَنَزَلَ عَلَى مُهَذَّبِ الدَّوْلَةِ، فَأَكْرَمَ نُزُلَهُ، وَوَسَّعَ عَلَيْهِ، وَحَفِظَهُ، وَبَالَغَ فِي خِدْمَتِهِ، وَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ أَتَتْهُ الْخِلَافَةُ، فَلَمَّا وَلِيَهَا جَعَلَ عَلَامَتَهُ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] .
ذِكْرُ عَوْدِ بَنِي حَمْدَانَ إِلَى الْمَوْصِلِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ أَبُو طَاهِرٍ إِبْرَاهِيمُ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ ابْنَا نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ الْمَوْصِلَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا كَانَا فِي خِدْمَةِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ بِبَغْدَاذَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَمَلَكَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ اسْتَأْذَنَا فِي الْإِصْعَادِ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَأَذِنَ لَهُمَا، فَأَصْعَدَا، ثُمَّ عَلِمَ الْقُوَّادُ الْغَلَطَ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ إِلَى خُوَاشَاذَهْ، وَهُوَ يَتَوَلَّى الْمَوْصِلَ، يَأْمُرُهُ بِدَفْعِهِمَا عَنْهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا خُوَاشَاذَهْ يَأْمُرُهُمَا بِالْعَوْدِ عَنْهُ، فَأَعَادَا جَوَابًا جَمِيلًا، وَجَدَّا فِي السَّيْرِ حَتَّى نَزَلَا بِالدَّيْرِ الْأَعْلَى بِظَاهِرِ الْمَوْصِلِ.
стр. 4162
وَثَارَ أَهْلُ الْمَوْصِلِ بِالدَّيْلَمِ وَالْأَتْرَاكِ، فَنَهَبُوهُمْ، وَخَرَجُوا إِلَى بَنِي حَمْدَانَ، وَخَرَجَ الدَّيْلَمُ إِلَى قِتَالِهِمْ، فَهَزَمَهُمُ الْمَوَاصِلَةُ وَبَنُو حَمْدَانَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَاعْتَصَمَ الْبَاقُونَ بِدَارِ الْإِمَارَةِ، وَعَزَمَ أَهْلُ الْمَوْصِلِ عَلَى قَتْلِهِمْ وَالِاسْتِرَاحَةِ مِنْهُمْ، فَمَنَعَهُمْ بَنُو حَمْدَانَ عَنْ ذَلِكَ، وَسَيَّرُوا خُوَاشَاذَهْ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَأَقَامُوا بِالْمَوْصِلِ، وَكَثُرَ الْعَرَبُ عِنْدَهُمْ.
ذِكْرُ خِلَافِ كُتَامَةَ عَلَى الْمَنْصُورِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ إِنْسَانٌ آخَرُ مِنْ كُتَامَةَ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْفَرَجِ، لَا يُعْرَفُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ هُوَ، وَزَعَمَ أَنَّ أَبَاهُ وَلَدُ الْقَائِمِ الْعَلَوِيِّ، جَدِّ الْمُعِزِّ لِدِينِ اللَّهِ، فَعَمِلَ أَكْثَرَ مِمَّا عَمِلَهُ أَبُو الْفَهْمِ، وَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ كُتَامَةُ، وَاتَّخَذَ الْبُنُودَ وَالطُّبُولَ، وَضَرَبَ السِّكَّةَ، وَجَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَائِبِ الْمَنْصُورِ وَعَسَاكِرِهِ بِمَدِينَةِ مِيلَةَ وَسَطِيفَ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ وَوَقَعَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ، فَسَارَ الْمَنْصُورُ إِلَيْهِ فِي عَسَاكِرِهِ، وَزَحَفَ هُوَ إِلَى الْمَنْصُورِ فِي عَسَاكِرِ كُتَامَةَ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا حَرْبٌ شَدِيدَةٌ، فَانْهَزَمَ أَبُو الْفَرَجِ وَكُتَامَةُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَاخْتَفَى أَبُو الْفَرَجِ فِي غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ غُلَامَانِ كَانَا لَهُ فَأَخَذَاهُ وَأَتَيَا بِهِ الْمَنْصُورَ، فَسَّرَهُ ذَلِكَ وَقَتَلَهُ شَرَّ قِتْلَةٍ.
وَشَحَنَ الْمَنْصُورُ بِلَادَ كُتَامَةَ بِالْعَسَاكِرِ، وَبَثَّ عُمَّالَهُ فِيهَا، وَلَمْ يَدْخُلْهَا عَامِلٌ قَبْلَ ذَلِكَ، فَجَبَوْا أَمْوَالَهَا وَضَيَّقُوا عَلَى أَهْلِهَا.
وَرَجَعَ الْمَنْصُورُ إِلَى مَدِينَةِ أَشِيرَ، فَأَتَاهُ سَعِيدُ بْنُ خَزَرُونَ الزَّنَاتِيُّ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى سِجِلْمَاسَةَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَصَارَ فِي طَاعَةِ الْمَنْصُورِ، وَاخْتَصَّ بِهِ، وَعَلَتْ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ يَوْمًا: يَا سَعِيدُ هَلْ تَعْرِفُ أَحَدًا أَكْرَمَ مِنِّي؟ وَكَانَ قَدْ وَصَلَهُ بِمَالٍ كَثِيرٍ، فَقَالَ: نَعَمْ! أَنَا أَكْرَمُ مِنْكَ. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ جُدْتَ عَلَيَّ بِالْمَالِ، وَأَنَا جُدْتُ عَلَيْكَ بِنَفْسِي. فَاسْتَعْمَلَهُ الْمَنْصُورُ عَلَى طُبْنَةَ، وَزَوَّجَ ابْنَهُ بِبَعْضِ بَنَاتِ سَعِيدٍ. فَلَامَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِهِ، فَقَالَ: كَانَ أَبِي وَجَدِّي يَسْتَتْبِعَانِهِمْ بِالسَّيْفِ، [وَأَمَّا] أَنَا فَمَنْ رَمَانِي بِرُمْحِ رَمَيْتُهُ بِكِيسٍ، حَتَّى تَكُونَ مَوَدَّتُهُمْ طَبْعًا وَاخْتِيَارًا.
стр. 4163
وَرَجَعَ سَعِيدٌ إِلَى أَهْلِهِ، وَبَقِيَ إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمَنْصُورِ زَائِرًا، فَاعْتَلَّ سَعِيدٌ أَيَّامًا، وَتُوُفِّيَ أَوَّلَ رَجَبٍ. ثُمَّ قَدِمَ فُلْفُلُ بْنُ سَعِيدٍ عَلَى الْمَنْصُورِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ مَالًا كَثِيرًا، فَرَدَّهُ إِلَى طُبْنَةَ وِلَايَةِ أَبِيهِ.
ذِكْرُ خِلَافِ عَمِّ الْمَنْصُورِ عَلَيْهِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا خَالَفَ أَبُو الْبَهَارِ عَمُّ الْمَنْصُورِ بْنِ يُوسُفَ بُلُكِّينَ، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ، عَلَيْهِ لِشَيْءٍ جَرَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَنْصُورِ لَمْ يَحْمِلْهُ لَهُ لِعِزَّةِ نَفْسِهِ، فَسَارَ الْمَنْصُورُ إِلَيْهِ بِتَاهَرْتَ، فَفَارَقَهَا عَمُّهُ إِلَى الْغَرْبِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَدَخَلَ عَسْكَرُ الْمَنْصُورِ تَاهَرْتَ فَانْتَهَبُوهَا، ثُمَّ طَلَبَ أَهْلُهَا الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، ثُمَّ سَارَ فِي طَلَبِ عَمِّهِ حَتَّى جَاوَزَ تَاهَرْتَ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً، وَلَقِيَ الْعَسْكَرُ شِدَّةً.
وَقَصَدَ عَمُّهُ زِيرِي بْنَ عَطِيَّةَ، صَاحِبَ فَاسَ، فَأَكْرَمَهُ، وَأَعْلَى مَحَلَّهُ، وَبَقِيَ جُنْدُهُ يُغِيرُونَ عَلَى نَوَاحِي الْمَنْصُورِ.
وَفِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ قَصَدُوا النَّوَاحِيَ الْمُجَاوِرَةَ لِفَاسَ، فَأَوْقَعُوا بِأَصْحَابِ الْمَنْصُورِ بِهَا وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا. ثُمَّ نَدِمَ أَبُو الْبَهَارِ، فَسَارَ إِلَى الْمَنْصُورِ مُعْتَذِرًا مِمَّا جَرَى مِنْهُ، فَقَبِلَهُ الْمَنْصُورُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَكْرَمَهُ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْعَلَوِيِّ الْكُوفِيِّ، وَكَانَ قَدْ عَظُمَ شَأْنُهُ مَعَ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، وَاتَّسَعَ جَاهُهُ، وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُ، فَلَمَّا وَلِيَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ سَعَى بِهِ أَبُو الْحَسَنِ الْمُعَلِّمُ إِلَيْهِ، وَأَطْمَعَهُ فِي أَمْوَالِهِ وَمُلْكِهِ، وَعَظُمَ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَقَبَضَ عَلَيْهِ.
стр. 4164
وَفِيهَا أَسْقَطَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ مَا كَانَ يُؤْخَذُ مِنَ الْمَرَاعِي مِنْ سَائِرِ السَّوَادِ.
وَفِيهَا وُلِدَ الْأَمِيرُ أَبُو طَالِبٍ رُسْتَمُ بْنُ فَخْرِ الدَّوْلَةِ.
وَفِيهَا خَرَجَ ابْنُ الْجَرَّاحِ الطَّائِيُّ عَلَى الْحُجَّاجِ بَيْنَ سَمِيرَاءَ وَفَيْدَ وَنَازَلَهُمْ، فَصَالَحُوهُ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَشَيْءٍ مِنَ الثِّيَابِ، فَأَخَذَهَا وَانْصَرَفَ.
وَفِيهَا بُنِيَ جَامِعُ الْقَطِيعَةِ بِبَغْدَاذَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَلَّادٍ أَبُو الْعَبَّاسِ السُّلَمِيُّ النَّقَّاشُ، كَانَ مِنْ مُتَكَلِّمِي الْأَشْعَرِيَّةِ، وَعَنْهُ أَخَذَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ الْكَلَامَ، وَكَانَ ثِقَةً فِي الْحَدِيثِ.
стр. 4165
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٨٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ قَتْلِ بَاذٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ بَاذٌ الْكُرْدِيُّ، صَاحِبُ دِيَارِ بَكْرٍ.
وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ أَبَا طَاهِرٍ وَالْحُسَيْنَ ابْنَيْ حَمْدَانَ لَمَّا مَلَكَا الْمَوْصِلَ طَمِعَ فِيهَا بَاذٌ، وَجَمَعَ الْأَكْرَادَ فَأَكْثَرَ، وَمِمَّنْ أَطَاعَهُ الْأَكْرَادُ الْبَشْنَوِيَّةُ أَصْحَابُ قَلْعَةِ فَنَكَ، وَكَانُوا كَثِيرًا، فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الْحُسَيْنُ الْبَشْنَوِيُّ الشَّاعِرُ لِبَنِي مَرْوَانَ يَعْتَدُّ عَلَيْهِمْ بِنَجْدَتِهِمْ خَالَهُمْ بَاذًا مِنْ قَصِيدَةٍ: الْبَشْنَوِيَّةُ
أَنْصَارٌ لِدَوْلَتِكُمْ وَلَيْسَ فِي ذَا ... خَفًا فِي الْعُجْمِ وَالْعَرَبِ أَنْصَارُ
بَاذٍ بِأَرْجِيشَ وَشِيعَتِهِ ... بِظَاهِرِ الْمَوْصِلِ الْحَدْبَاءِ فِي الْعَطَبِ
بِبَاجُلَايَا جَلَوْنَا عَنْهُ غُمَّتَهُ ... وَنَحْنُ فِي الرَّوْعِ جَلَّاءُونَ لِلْكُرَبِ
وَكَاتَبَ أَهْلَ الْمَوْصِلِ فَاسْتَمَالَهُمْ، فَأَجَابَهُ بَعْضُهُمْ فَسَارَ إِلَيْهِمْ، وَنَزَلَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَضَعُفَا عَنْهُ، وَرَاسَلَا أَبَا الذَّوَّادِ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، أَمِيرَ بَنَى عُقَيْلٍ، وَاسْتَنْصَرَاهُ، فَطَلَبَ مِنْهُمَا جَزِيرَةَ ابْنِ عُمَرَ، وَنَصِيبِينَ، وَبَلَدًا، وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَأَجَابَاهُ إِلَى مَا طَلَبَ، وَاتَّفَقُوا، وَسَارَ إِلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ وَأَقَامَ أَبُو طَاهِرٍ بِالْمَوْصِلِ يُحَارِبُ بَاذًا.
فَلَمَّا اجْتَمَعَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو الذَّوَّادِ سَارَا إِلَى بَلَدٍ، وَعَبَرَا دِجْلَةَ، وَصَارَا مَعَ بَاذٍ
стр. 4166
عَلَى أَرْضٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِعُبُورِهِمَا وَقَدْ قَارَبَاهُ، فَأَرَادَ الِانْتِقَالَ إِلَى الْجَبَلِ لِئَلَّا يَأْتِيَهُ هَؤُلَاءِ مِنْ خَلْفِهِ وَأَبُو طَاهِرٍ مِنْ أَمَامِهِ، فَاخْتَلَطَ أَصْحَابُهُ، وَأَدْرَكَهُ الْحَمْدَانِيَّةُ، فَنَاوَشُوهُمُ الْقِتَالَ، وَأَرَادَ بَاذٌ الِانْتِقَالَ مِنْ فَرَسٍ إِلَى آخَرَ، فَسَقَطَ وَانْدَقَّتْ تَرْقُوَتُهُ، فَأَتَاهُ ابْنُ أُخْتِهِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مَرْوَانَ، وَأَرَادَهُ عَلَى الرُّكُوبِ فَلَمْ يَقْدِرْ، فَتَرَكُوهُ وَانْصَرَفُوا وَاحْتَمَوْا بِالْجَبَلِ.
وَوَقَعَ بَاذٌ بَيْنَ الْقَتْلَى فَعَرَفَهُ بَعْضُ الْعَرَبِ فَقَتَلَهُ وَحَمَلَ رَأَسَهُ إِلَى بَنِي حَمْدَانَ وَأَخَذَ جَائِزَةً سَنِيَّةً، وَصُلِبَتْ جُثَّتُهُ عَلَى دَارِ الْإِمَارَةِ، فَثَارَ الْعَامَّةُ وَقَالُوا: رَجُلٌ غَازٍ، وَلَا يَحِلُّ فِعْلُ هَذَا بِهِ. وَظَهَرَ مِنْهُمْ مَحَبَّةٌ كَثِيرَةٌ لَهُ، وَأَنْزَلُوهُ وَكَفَّنُوهُ وَصَلَّوْا عَلَيْهِ وَدَفَنُوهُ.
ذِكْرُ ابْتِدَاءِ دَوْلَةِ بَنِي مَرْوَانَ
لَمَّا قُتِلَ بَاذٌ سَارَ ابْنُ أُخْتِهِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مَرْوَانَ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْجَيْشِ إِلَى حِصْنِ كِيفَا، وَهُوَ عَلَى دِجْلَةَ، وَهُوَ مِنْ أَحْصَنِ الْمَعَاقِلِ، وَكَانَ بِهِ امْرَأَةُ بَاذٍ وَأَهْلُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ الْحِصْنَ قَالَ لِزَوْجَةِ خَالِهِ: قَدْ أَنْفَذَنِي خَالِي إِلَيْكِ فِي مُهِمٍّ فَظَنَّتْهُ حَقًّا، فَلَمَّا صَعِدَ إِلَيْهَا أَعْلَمَهَا بِهَلَاكِهِ، وَأَطْمَعَهَا فِي التَّزَوُّجِ بِهَا، فَوَافَقَتْهُ عَلَى مُلْكِ الْحِصْنِ وَغَيْرِهِ، وَنَزَلَ وَقَصَدَ حِصْنًا حِصْنًا، حَتَّى مَلَكَ مَا كَانَ لِخَالِهِ، وَسَارَ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ وَسَارَ إِلَيْهِ أَبُو طَاهِرٍ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنَا حَمْدَانَ وَطَمِعَا فِيهِ، وَمَعَهُمَا رَأْسُ بَاذٍ، فَوَجَدَا أَبَا عَلِيٍّ قَدْ أَحْكَمَ أَمْرَهُ، فَتَصَافُّوا وَاقْتَتَلُوا، وَظَفِرَ أَبُو عَلِيٍّ وَأَسَرَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ حَمْدَانَ، فَأَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ فَسَارَ إِلَى أَخِيهِ أَبِي طَاهِرٍ، وَهُوَ بِآمِدَ يَحْصُرُهَا، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِمُصَالَحَةِ ابْنِ مَرْوَانَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَاضْطَرَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إِلَى مُوَافَقَتِهِ، وَسَارَا إِلَى ابْنِ مَرْوَانَ فَوَاقَعَاهُ، فَهَزَمَهُمَا، وَأَسَرَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَيْضًا فَأَسَاءَ إِلَيْهِ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، إِلَى أَنْ كَاتَبَهُ صَاحِبُ مِصْرَ وَشَفَعَ فِيهِ فَأَطْلَقَهُ، وَمَضَى إِلَى مِصْرَ وَتَقَلَّدَ مِنْهَا وِلَايَةَ حَلَبَ، وَأَقَامَ بِتِلْكَ الدِّيَارِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ.
وَأَمَّا أَبُو طَاهِرٍ فَإِنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى نَصِيبِينَ قَصَدَهُ أَبُو الذَّوَّادِ فَأَسَرَهُ وَعَلِيًّا ابْنَهُ، وَالْمُزَعْفَرَ أَمِيرَ بَنِي نُمَيْرٍ، وَقَتَلَهُمْ صَبْرًا.
стр. 4167
وَأَقَامَ ابْنُ مَرْوَانَ بِدِيَارِ بَكْرٍ وَضَبَطَهَا، وَأَحْسَنَ إِلَى أَهْلِهَا، وَأَلَانَ جَانِبَهُ لَهُمْ، فَطَمِعَ فِيهِ أَهْلُ مَيَّافَارِقِينَ، فَاسْتَطَالُوا عَلَى أَصْحَابِهِ، فَأَمْسَكَ عَنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْعِيدِ، وَقَدْ خَرَجُوا إِلَى الْمُصَلَّى، فَلَمَّا تَكَامَلُوا فِي الصَّحْرَاءِ وَافَى إِلَى الْبَلَدِ، وَأَخَذَ أَبَا الصَّقْرِ شَيْخَ الْبَلَدِ فَأَلْقَاهُ مِنْ عَلَى السُّورِ، وَقَبَضَ عَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ، وَأَخَذَ الْأَكْرَادُ ثِيَابَ النَّاسِ خَارِجَ الْبَلَدِ، وَأَغْلَقَ أَبْوَابَ الْبَلَدِ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يَنْصَرِفُوا حَيْثُ شَاءُوا، وَلَمْ يُمَكِّنْهُمْ مِنَ الدُّخُولِ فَذَهَبُوا كُلَّ مَذْهَبٍ.
وَكَانَ قَدْ تَزَوَّجَ سِتَّ النَّاسِ بِنْتَ سَعْدِ الدَّوْلَةِ بْنِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، فَأَتَتْهُ مِنْ حَلَبَ، فَعَزَمَ عَلَى زِفَافِهَا بِآمِدَ، فَخَافَ شَيْخُ الْبَلَدِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْبَرِّ، أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مِثْلَ فِعْلِهِ بِأَهْلِ مَيَّافَارِقِينَ، فَأَحْضَرَ ثِقَاتَهُ وَحَلَّفَهُمْ عَلَى كِتْمَانِ سِرِّهِ، وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ صَحَّ عَزْمُ الْأَمِيرِ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ بِكُمْ مِثْلَ فِعْلِهِ بِأَهْلِ مَيَّافَارِقِينَ، وَهُوَ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الْمَاءِ وَيَخْرُجُ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، فَقِفُوا لَهُ فِي الدَّرَكَاهِ، وَانْثُرُوا عَلَيْهِ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ، ثُمَّ اعْتَمِدُوا بِهَا وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ سَيُغَطِّيهِ بِكُمِّهِ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّكَاكِينِ فِي مَقْتَلِهِ فَفَعَلُوا.
وَجَرَتِ الْحَالُ كَمَا وَصَفَ، وَتَوَلَّى قَتْلَهُ إِنْسَانٌ يُقَالُ [لَهُ] ابْنُ دِمْنَةَ كَانَ فِيهِ إِقْدَامٌ وَجُرْأَةٌ، فَاخْتَبَطَ النَّاسُ وَمَاجُوا، فَرَمَى بِرَأْسِهِ إِلَيْهِمْ، فَأَسْرَعُوا السَّيْرَ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ.
وَحَدَّثَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَكْرَادِ نُفُوسَهُمْ بِمُلْكِ الْبَلَدِ، فَاسْتَرَابَ بِهِمْ مُسْتَحْفِظُ مَيَّافَارِقِينَ لِإِسْرَاعِهِمْ، وَقَالَ: إِنْ كَانَ الْأَمِيرُ حَيًّا فَادْخُلُوا مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ قُتِلَ فَأَخُوهُ مُسْتَحِقٌّ لِمَوْضِعِهِ. فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ وَصَلَ مُمَهِّدُ الدَّوْلَةِ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ مَرْوَانَ أَخُو أَبِي عَلِيٍّ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ، فَفُتِحَ لَهُ بَابُ الْبَلَدِ فَدَخَلَهُ وَمَلَكَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ إِلَّا السِّكَّةُ وَالْخُطْبَةُ لِمَا نَذْكُرُهُ.
وَأَمَّا عَبْدُ الْبَرِّ فَاسْتَوْلَى عَلَى آمِدَ، وَزَوَّجَ ابْنَ دِمْنَةَ، الَّذِي قَتَلَ أَبَا عَلِيٍّ، ابْنَتَهُ فَعَمِلَ لَهُ ابْنُ دِمْنَةَ دَعْوَةً وَقَتَلَهُ، وَمَلَكَ آمِدَ، وَعَمَّرَ الْبَلَدَ وَبَنَى لِنَفْسِهِ قَصْرًا عِنْدَ السُّورِ، وَأَصْلَحَ أَمْرَهُ مَعَ مُمَهِّدِ الدَّوْلَةِ، وَهَادَى مَلِكَ الرُّومِ، وَصَاحِبَ مِصْرَ، وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْمُلُوكِ وَانْتَشَرَ ذِكْرُهُ.
стр. 4168
وَأَمَا مُمَهِّدُ الدَّوْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ مَعَهُ إِنْسَانٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُسَمَّى شَرْوَةَ، حَاكِمًا فِي مَمْلَكَتِهِ، وَكَانَ لِشَرْوَةَ غُلَامٌ قَدْ وَلَّاهُ الشُّرْطَةَ، وَكَانَ مُمَهِّدُ الدَّوْلَةِ يُبْغِضُهُ، وَيُرِيدُ قَتْلَهُ، وَيَتْرُكُهُ احْتِرَامًا لِصَاحِبِهِ، فَفَطِنَ الْغُلَامُ لِذَلِكَ، فَأَفْسَدَ مَا بَيْنَهُمَا، فَعَمِلَ شَرْوَةُ طَعَامًا بِقَلْعَةِ الْهَتَّاخِ، وَهِيَ إِقْطَاعُهُ، وَدَعَا إِلَيْهَا مُمَهِّدَ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ قَتَلَهُ، وَذَلِكَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَخَرَجَ مِنَ الدَّارِ إِلَى بَنِي عَمِّ مُمَهِّدِ الدَّوْلَةِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِمْ وَقَيَّدَهُمْ، وَأَظْهَرَ أَنَّ مُمَهِّدَ الدَّوْلَةِ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَمَضَى إِلَى مَيَّافَارِقِينَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْمَشَاعِلُ، فَفَتَحُوا لَهُ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ مُمَهِّدُ الدَّوْلَةِ، فَمَلَكَهَا، وَكَتَبَ إِلَى أَصْحَابِ الْقِلَاعِ يَسْتَدْعِيهِمْ، وَأَنْفَذَ إِنْسَانًا إِلَى أَرْزَنَ لِيُحْضِرَ مُتَوَلِّيَهَا، وَيُعْرَفُ بِخَوَاجَهْ أَبِي الْقَاسِمِ، فَسَارَ خَوَاجَهْ نَحْوَ مَيَّافَارِقِينَ، وَلَمْ يُسَلِّمِ الْقَلْعَةَ إِلَى الْقَاصِدِ إِلَيْهِ.
فَلَمَّا تَوَسَّطَ الطَّرِيقَ سَمِعَ بِقَتْلِ مُمَهِّدِ الدَّوْلَةِ فَعَادَ إِلَى أَرْزَنَ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَسْعَرْدَ، فَأَحْضَرَ أَبَا نَصْرِ بْنَ مَرْوَانَ أَخَا مُمَهِّدِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ أَخُوهُ قَدْ (أَبْعَدَهُ عَنْهُ، وَكَانَ يُبْغِضُهُ لِمَنَامٍ رَآهُ، وَهُوَ أَنَّهُ رَأَى) كَأَنَّ الشَّمْسَ سَقَطَتْ فِي حِجْرِهِ، فَنَازَعَهُ أَبُو نَصْرٍ عَلَيْهَا وَأَخَذَهَا، فَأَبْعَدَهُ لِهَذَا، وَتَرَكَهُ بِأَسْعَرْدَ مُضَيَّقًا عَلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَدْعَاهُ خَوَاجَهْ قَالَ لَهُ دُبَيْرٌ: تَفْلَحُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَكَانَ شَرْوَةُ قَدْ أَنْفَذَ إِلَى أَبِي نَصْرٍ، فَوَجَدُوهُ قَدْ سَارَ إِلَى أَرْزَنَ، فَعَلِمَ حِينَئِذٍ انْتِقَاضَ أَمْرِهِ. وَكَانَ مَرْوَانُ وَالِدُ مُمَهِّدِ الدَّوْلَةِ قَدْ أَضَرَّ، وَهُوَ بِأَرْزَنَ، عِنْدَ قَبْرِ ابْنِهِ أَبِي عَلِيٍّ، وَهُوَ وَزَوْجَتُهُ، فَأَحْضَرَ خَوَاجَهْ أَبَا نَصْرٍ عِنْدَهُمَا، وَحَلَّفَهُ عَلَى الْقَبُولِ مِنْهُ، وَالْعَدْلِ، وَأَحْضَرَ الْقَاضِي وَالشُّهُودَ عَلَى الْيَمِينِ وَمَلَّكَهُ أَرْزَنَ، ثُمَّ مَلَكَ سَائِرَ بِلَادِ دِيَارِ بَكْرٍ، فَدَامَتْ أَيَّامُهُ، وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ، وَكَانَ مَقْصِدًا لِلْعُلَمَاءِ مِنْ سَائِرِ الْآفَاقِ، وَكَثُرُوا بِبِلَادِهِ.
стр. 4169
وَمِمَّنْ قَصَدَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكَازَرُونِيُّ، وَعَنْهُ انْتَشَرَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ بِدِيَارِ بَكْرٍ، وَقَصَدَهُ الشُّعَرَاءُ وَأَكْثَرُوا مَدْحَهُ وَأَجْزَلَ جَوَائِزَهُمْ، وَبَقِيَ كَذَلِكَ مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِمِائَةٍ إِلَى سَنَةِ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ، فَتُوُفِّيَ فِيهَا وَكَانَ عُمْرُهُ نَيِّفًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَكَانَتِ الثُّغُورُ مَعَهُ آمِنَةً، وَسِيرَتُهُ فِي رَعِيَّتِهِ أَحْسَنَ سِيرَةٍ، فَلَمَّا مَاتَ مَلَكَ بِلَادَهُ وَلَدُهُ.
ذِكْرُ مُلْكِ آلِ الْمُسَيَّبِ الْمَوْصِلَ
لَمَّا انْهَزَمَ أَبُو طَاهِرِ بْنُ حَمْدَانَ مِنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مَرْوَانَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، سَارَ إِلَى نَصِيبِينَ فِي قِلَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَكَانُوا قَدْ تَفَرَّقُوا، فَطَمِعَ فِيهِ أَبُو الذَّوَّادِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَمِيرُ بَنِي عُقَيْلٍ، وَكَانَ صَاحِبَ نَصِيبِينَ حِينَئِذٍ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَثَارَ بِأَبِي طَاهِرٍ، فَأَسَرَهُ وَأَسَرَ وَلَدَهُ وَعُدَّةً مِنْ قُوَّادِهِمْ، وَقَتَلَهُمْ، وَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ فَمَلَكَهَا وَأَعْمَالَهَا، وَكَاتَبَ بَهَاءَ الدَّوْلَةِ يَسْأَلُهُ أَنْ يُنْفِذَ إِلَيْهِ مَنْ يُقِيمُ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ يَتَوَلَّى الْأُمُورَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ.
وَكَانَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ قَدْ سَارَ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الْأَهْوَازِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَقَامَ نَائِبُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، لَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ وَلَا يَحْكُمُ إِلَّا فِيمَا يُرِيدُهُ أَبُو الذَّوَّادِ، وَسَيَرِدُ مِنْ ذِكْرِهِ وَذِكْرِ عَقِبِهِ مَا تَقِفُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ مَسِيرِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ إِلَى الْأَهْوَازِ وَمَا كَانَ مِنْهُ وَمِنْ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ عَنْ بَغْدَاذَ إِلَى خُوزِسْتَانَ عَازِمًا عَلَى قَصْدِ فَارِسَ، وَاسْتَخْلَفَ بِبَغْدَاذَ أَبَا نَصْرٍ خُوَاشَاذَهْ، وَوَصَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَدَخَلَهَا، وَسَارَ عَنْهَا إِلَى خُوزِسْتَانَ، فَأَتَاهُ نَعْيُ أَخِيهِ أَبِي طَاهِرٍ، فَجَلَسَ لِلْعَزَاءِ بِهِ، وَدَخَلَ أَرَّجَانَ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَأَخَذَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ، فَكَانَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ وَثَمَانِيَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَمِنَ الثِّيَابِ وَالْجَوَاهِرِ وَمَا لَا يُحْصَى، فَلَمَّا عَلِمَ الْجُنْدُ بِذَلِكَ شَغَبُوا شَغَبًا مُتَتَابِعًا فَأُطْلِقَتْ تِلْكَ الْأَمْوَالُ كُلُّهَا لَهُمْ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيلُ. ثُمَّ سَارَتْ مُقَدَّمَتُهُ وَعَلَيْهَا أَبُو
стр. 4170
الْعَلَاءِ بْنُ الْفَضْلِ إِلَى النَّوْبَنْدَجَانِ، وَبِهَا عَسَاكِرُ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ، فَهَزَمَهُمْ، وَبَثَّ أَصْحَابَهُ فِي نَوَاحِي فَارِسَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ عَسْكَرًا وَعَلَيْهِمْ فُولَاذٌ زَمَانْدَارُ، فَوَاقَعَهُمْ، فَانْهَزَمَ أَبُو الْعَلَاءِ وَعَادَ مَهْزُومًا.
وَكَانَ سَبَبُ الْهَزِيمَةِ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْعَسْكَرَيْنِ وَادٍ عَلَيْهِ قَنْطَرَةٌ، وَكَانَ أَصْحَابُ أَبِي الْعَلَاءِ يَعْبُرُونَ الْقَنْطَرَةَ وَيُغِيرُونَ عَلَى أَثْقَالِ الدَّيْلَمِ، عَسْكَرِ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ، فَوَضَعَ فُولَاذٌ كَمِينًا عِنْدَ الْقَنْطَرَةِ، فَلَمَّا عَبَرَ أَصْحَابُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ خَرَجُوا عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُمْ جَمِيعَهُمْ، وَرَاسَلَ فُولَاذٌ أَبَا الْعَلَاءِ وَخَدَعَهُ، ثُمَّ سَارَ إِلَيْهِ وَكَبَسَهُ، فَانْهَزَمَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَعَادَ إِلَى أَرَّجَانَ مَهْزُومًا، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ بِهَا.
وَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ سَارَ عَنْ شِيرَازَ إِلَى فُولَاذٍ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ فِي الصُّلْحِ، فَتَمَّ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِصَمْصَامِ الدَّوْلَةِ بِلَادُ فَارِسَ وَأَرَّجَانَ، وَلِبَهَاءِ الدَّوْلَةِ خُوزِسْتَانُ وَالْعِرَاقُ، وَأَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِقْطَاعٌ فِي بَلَدِ صَاحِبِهِ، وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَعَادَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْأَهْوَازِ.
وَلَمَّا سَارَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ عَنْ بَغْدَاذَ ثَارَ الْعَيَّارُونَ بِجَانِبَيْ بَغْدَاذَ، وَوَقَعَتِ الْفِتَنُ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ بَيْنَهُمْ، وَزَالَتِ الطَّاعَةُ، وَأُحْرِقَ عِدَّةُ مَحَالٍّ، وَنُهِبَتِ الْأَمْوَالُ، وَأُخْرِبَتِ الْمَسَاكِنُ، وَدَامَ ذَلِكَ عِدَّةَ شُهُورٍ إِلَى أَنْ عَادَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ عَلَى وَزِيرِهِ أَبِي مَنْصُورِ بْنِ صَالِحَانَ، وَاسْتَوْزَرَ أَبَا نَصْرٍ سَابُورَ بْنَ أَرْدَشِيَرَ قَبْلَ مَسِيرِهِ إِلَى خُوزِسْتَانَ، وَكَانَ الْمُدَبِّرُ لِدَوْلَةِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ أَبَا الْحُسَيْنِ الْمُعَلِّمَ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ.
следующие страницы →