← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

قَسَّامٌ مِنْ دُخُولِ دِمَشْقَ، وَخَافَهُ عَلَى الْبَلَدِ أَنْ يَتَوَلَّاهُ، إِمَّا غَلَبَةً، وَإِمَّا بِأَمْرِ الْعَزِيزِ، فَاسْتَوْحَشَ (أَبُو تَغْلِبَ) وَجَرَى بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ أَبِي تَغْلِبَ شَيْءٌ مِنْ قِتَالٍ، فَرَحَلَ أَبُو تَغْلِبَ إِلَى طَبَرِيَةَ. وَوَرَدَ مِنْ عِنْدِ الْعَزِيزِ قَائِدٌ اسْمُهُ الْفَضْلُ فِي جَيْشٍ، فَحَصَرَ قَسَّامًا بِدِمَشْقَ، فَلَمْ يَظْفَرْ بِهِ، فَعَادَ عَنْهُ، وَبَقِيَ قَسَّامٌ كَذَلِكَ إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَسَيَّرَ مِنْ مِصْرَ أَمِيرًا إِلَى دِمَشْقَ اسْمُهُ سَلْمَانُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ فَلَاحٍ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا، فَنَزَلَ بِظَاهِرِهَا، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ دُخُولِهَا، وَأَقَامَ فِي غَيْرِ شَيْءٍ، فَنَهَى النَّاسَ عَنْ حَمْلِ السِّلَاحِ، فَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ، وَوَضَعَ قَسَّامٌ أَصْحَابَهُ عَلَى سَلْمَانَ، فَقَاتَلُوهُ وَأَخْرَجُوهُ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ. وَكَانَ قَسَّامٌ بِالْجَامِعِ، وَالنَّاسُ عِنْدَهُ، فَكَتَبَ مَحْضَرًا وَسَيَّرَهُ إِلَى الْعَزِيزِ يَذْكُرُ أَنَّهُ كَانَ بِالْجَامِعِ عِنْدَ هَذِهِ الْفِتْنَةِ، وَلَمْ يَشْهَدْهَا، وَبَذَلَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ إِنْ قَصَدَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهٍ أَوْ عَسْكَرٌ لَهُ قَاتَلَهُ، (وَمَنَعَهُ مِنَ الْبَلَدِ، فَأَغْضَى الْعَزِيزُ لِقَسَّامٍ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ لِأَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يَقْصِدَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ الشَّامَ، فَلَمَّا فَارَقَ سَلْمَانُ دِمَشْقَ عَادَ إِلَيْهَا الْقَائِدُ أَبُو مَحْمُودٍ، وَلَا حُكْمَ لَهُ، وَالْحُكْمُ جَمِيعُهُ لِقَسَّامٍ) ، (فَدَامَ ذَلِكَ) . ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ زَلَازِلُ شَدِيدَةٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ أَشَدُّهَا بِالْعِرَاقِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السِّيرَافِيُّ النَّحْوِيُّ مُصَنِّفُ " شَرْحِ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ "، وَكَانَ فَقِيهًا، فَاضِلًا، مُهَنْدِسًا مَنْطِقِيًّا، فِيهِ كُلُّ فَضِيلَةٍ، وَعُمْرُهُ أَرْبَعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَوَلِيَ بَعْدَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مَعْرُوفٍ الْحَاكِمُ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ بِبَغْدَاذَ.

стр. 4097

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٦٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ قَتْلِ أَبِي تَغْلِبَ بْنِ حَمْدَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرَ، قُتِلَ أَبُو تَغْلِبَ فَضْلُ اللَّهِ بْنُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ. وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ سَارَ إِلَى الشَّامِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَوَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ، وَبِهَا قَسَّامٌ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَيْهَا، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمْ يُمَكِّنْ أَبَا تَغَلُّبٍ مِنْ دُخُولِهَا فَنَزَلَ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَأَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى الْعَزِيزِ بِمِصْرَ يَسْتَنْجِدُهُ لِيَفْتَحَ لَهُ دِمَشْقَ، فَوَقَعَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَأَصْحَابِ قَسَّامٍ فِتْنَةٌ، فَرَحَلَ إِلَى نَوَى، وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ دِمَشْقَ، فَأَتَاهُ كِتَابُ رَسُولِهِ مِنْ مِصْرَ يَذْكُرُ أَنَّ الْعَزِيزَ يُرِيدُ أَنْ يَحْضُرَ هُوَ عِنْدَهُ بِمِصْرَ لِيَسِيرَ مَعَهُ الْعَسَاكِرُ، فَامْتَنَعَ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ، وَرَحَلَ إِلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَةَ، وَسَيَّرَ الْعَزِيزُ عَسْكَرًا إِلَى دِمَشْقَ مَعَ قَائِدٍ اسْمُهُ الْفَضْلُ، فَاجْتَمَعَ بِأَبِي تَغْلِبَ عِنْدَ طَبَرِيَةَ، وَوَعْدَهُ، عَنِ الْعَزِيزِ، بِكُلِّ مَا أَحَبَّ، وَأَرَادَ أَبُو تَغْلِبَ الْمَسِيرَ مَعَهُ إِلَى دِمَشْقَ، فَمَنَعَهُ بِسَبَبِ الْفِتْنَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ قَسَّامٍ، لِئَلَّا يَسْتَوْحِشَ قَسَّامٌ، وَأَرَادَ أَخْذَ الْبَلَدِ مِنْهُ سِلْمًا، وَرَحَلَ الْفَضْلُ إِلَى دِمَشْقَ فَلَمْ يَفْتَحْهَا. وَكَانَ بِالرَّمْلَةِ دَغْفَلُ بْنُ الْمُفَرِّجِ بْنِ الْجَرَّاحِ الطَّائِيُّ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى هَذِهِ النَّاحِيَةِ، وَأَظْهَرَ طَاعَةَ الْعَزِيزِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِأَحْكَامِهِ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَسَارَ إِلَى أَحْيَاءِ عُقَيْلٍ الْمُقِيمَةِ بِالشَّامِ لِيُخْرِجَهَا مِنَ الشَّامِ، فَاجْتَمَعَتْ عُقَيْلٌ إِلَى أَبِي تَغْلِبَ وَسَأَلَتْهُ نُصْرَتَهَا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ دَغْفَلٌ يَسْأَلُهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ، فَتَوَسَّطَ أَبُو تَغْلِبَ الْحَالَ، فَرَضُوا بِمَا يَحْكُمُ بِهِ الْعَزِيزُ. (وَرَحَلَ أَبُو تَغْلِبَ، فَنَزَلَ فِي جِوَارِ عُقَيْلٍ) ، فَخَافَهُ دَغْفَلٌ، وَالْفَضْلُ صَاحِبُ الْعَزِيزِ، وَظَنَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أَخْذَ تِلْكَ الْأَعْمَالِ.

стр. 4098

ثُمَّ إِنَّ أَبَا تَغْلِبَ سَارَ إِلَى الرَّمْلَةِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، فَلَمْ يَشُكَّ ابْنُ الْجَرَّاحِ وَالْفَضْلُ أَنَّهُ يُرِيدُ حَرْبَهُمَا، وَكَانَا بِالرَّمْلَةِ، فَجَمَعَ الْفَضْلُ الْعَسَاكِرَ مِنَ السَّوَاحِلِ، وَكَذَلِكَ جَمَعَ دَغْفَلٌ مَنْ أَمْكَنَهُ (جَمْعُهُ) ، وَتَصَافَّ النَّاسُ لِلْحَرْبِ، فَلَمَّا رَأَتْ عُقَيْلٌ كَثْرَةَ الْجَمْعِ انْهَزَمَتْ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ أَبِي تَغْلِبَ إِلَّا نَحْوُ سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ، مِنْ غِلْمَانِهِ وَغِلْمَانِ أَبِيهِ، فَانْهَزَمَ وَلَحِقَهُ الطُّلَبُ، فَوَقَفَ يَحْمِي نَفْسَهُ وَأَصْحَابَهُ، فَضُرِبَ عَلَى رَأْسِهِ فَسَقَطَ، وَأُخِذَ أَسِيرًا، وَحُمِلَ إِلَى دَغْفَلٍ فَأَسَرَهُ وَكَتَّفَهُ. وَأَرَادَ الْفَضْلُ أَخْذَهُ وَحَمْلَهُ إِلَى الْعَزِيزِ بِمِصْرَ، فَخَافَ دَغْفَلٌ أَنْ يَصْطَنِعَهُ الْعَزِيزُ، كَمَا فَعَلَ بِالْفَتْكِينِ، وَيَجْعَلَهُ عِنْدَهُ، فَقَتَلَهُ، فَلَامَهُ الْفَضْلُ عَلَى قَتْلِهِ، وَأَخَذَ رَأْسَهُ وَحَمَلَهُ إِلَى مِصْرَ، وَكَانَ مَعَهُ أُخْتُهُ جَمِيلَةُ بِنْتُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ وَزَوْجَتُهُ، وَهِيَ بِنْتُ عَمِّهِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، (فَلَمَّا قُتِلَ حَمَلَهُمَا بَنُو عُقَيْلٍ إِلَى حَلَبَ إِلَى سَعْدِ الدَّوْلَةِ بْنِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ) ، فَأَخَذَ أُخْتَهُ، وَسَيَّرَ جَمِيلَةَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَسُلِّمَتْ إِلَى أَبِي الْوَفَاءِ نَائِبِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَأَرْسَلَهَا إِلَى بَغْدَاذَ، فَاعْتُقِلَتْ فِي حُجْرَةِ دَارِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ. ذِكْرُ مُحَارَبَةِ الْحَسَنِ بْنِ عِمْرَانَ مَعَ جُيُوشِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ عِمْرَانُ بْنُ شَاهِينَ، فَجْأَةً، فِي الْمُحَرَّمِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ، بَعْدَ أَنْ طَلَبَهُ الْمُلُوكُ وَالْخُلَفَاءُ وَبَذَلُوا الْجُهْدَ فِي أَخْذِهِ، وَأَعْمَلُوا الْحِيَلَ، أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمْ يُقَدِّرْهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَمَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ. فَلَمَّا مَاتَ وَلِيَ مَكَانَهُ ابْنُهُ الْحَسَنُ، فَتَجَدَّدَ لِعَضُدِ الدَّوْلَةِ طَمَعٌ فِي أَعْمَالِ الْبَطِيحَةِ، فَجَهَّزَ الْعَسَاكِرَ مَعَ وَزِيرِهِ الْمُطَهِّرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَمَدَّهُمْ بِالْأَمْوَالِ وَالسِّلَاحِ وَالْآلَاتِ، وَسَارَ الْمُطَهِّرُ فِي صَفَرَ، فَلَمَّا وَصَلَ شَرَعَ فِي سَدِّ أَفْوَاهِ الْأَنْهَارِ الدَّاخِلَةِ فِي الْبَطَائِحِ، فَضَاعَ فِيهَا الزَّمَانُ وَالْأَمْوَالُ، وَجَاءَتِ الْمُدُودُ، وَبَثَقَ الْحَسَنُ بْنُ عِمْرَانَ بَعْضَ تِلْكَ السُّدُودِ، فَأَعَانَهُ الْمَاءُ فَقَلَعَهَا.

стр. 4099

وَكَانَ الْمُطَهِّرُ إِذَا سَدَّ جَانِبًا انْفَتَحَتْ عِدَّةُ جَوَانِبَ، ثُمَّ جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَسَنِ وَقْعَةٌ فِي الْمَاءِ فَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهِ الْحَسَنُ، وَكَانَ الْمُطَهِّرُ سَرِيعًا قَدْ أَلِفَ الْمُنَاجَزَةَ، وَلَمْ يَأْلَفْ فِي الْمُصَابَرَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَكَانَ مَعَهُ فِي عَسْكَرِهِ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْعَلَوِيُّ الْكُوفِيُّ، فَاتَّهَمَهُ بِمُرَاسَلَةِ الْحَسَنِ، وَإِطْلَاعِهِ عَلَى أَسْرَارِهِ، وَخَافَ الْمُطَهِّرُ أَنْ تَنْقُصَ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَيَشْمَتَ بِهِ أَعْدَاؤُهُ، كَأَبِي الْوَفَاءِ وَغَيْرِهِ، فَعَزَمَ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ، فَأَخَذَ سِكِّينًا وَقَطَعَ شَرَايِينَ ذِرَاعِهِ، فَخَرَجَ الدَّمُ مِنْهُ، فَدَخَلَ فَرَّاشٌ لَهُ، فَرَأَى الدَّمَ فَصَاحَ، فَدَخَلَ النَّاسُ فَرَأَوْهُ، وَظَنُّوا أَنَّ أَحَدًا فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، فَتَكَلَّمَ، وَكَانَ بِآخِرِ رَمَقٍ، وَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَرَ أَحْوَجَنِي إِلَى هَذَا، ثُمَّ مَاتَ وَحُمِلَ إِلَى بَلَدِهِ كَازَرُونَ، فَدُفِنَ فِيهَا. وَأَرْسَلَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ مَنْ حَفَظَ الْعَسْكَرَ، وَصَالَحَ الْحَسَنَ بْنَ عِمْرَانَ عَلَى مَالٍ يُؤَدِّيهِ، وَأَخَذَ رَهَائِنَهُ، وَانْفَرَدَ نَصْرُ بْنُ هَارُونَ بِوِزَارَةِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ مُقِيمًا بِفَارِسَ فَاسْتَخْلَفَ لَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بِحَضْرَتِهِ أَبَا الرَّيَّانِ حَمَدَ بْنَ مُحَمَّدٍ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ بَنِي شَيْبَانَ وَعَسْكَرِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَجَبٍ، سَيَّرَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ جَيْشًا إِلَى بَنِي شَيْبَانَ، وَكَانُوا قَدْ أَكْثَرُوا الْغَارَاتِ عَلَى الْبِلَادِ وَالْفَسَادَ، وَعَجَزَ الْمُلُوكُ عَنْ طَلَبِهِمْ، وَكَانُوا قَدْ عَقَدُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَكْرَادِ شَهْرَزُورَ مُصَاهِرَاتٍ، وَكَانَتْ شَهْرَزُورُ مُمْتَنِعَةً عَلَى الْمُلُوكِ، فَأَمَرَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَسْكَرَهُ بِمُنَازَلَةِ شَهْرَزُورَ لِيَنْقَطِعَ طَمَعُ بَنِي شَيْبَانَ عَنِ التَّحَصُّنِ بِهَا، فَاسْتَوْلَى أَصْحَابُهُ عَلَيْهَا وَمَلَكُوهَا، فَهَرَبَ بَنُو شَيْبَانَ، وَسَارَ الْعَسْكَرُ فِي طَلَبِهِمْ، وَأَوْقَعُوا بِهِمْ وَقِيعَةً عَظِيمَةً قُتِلَ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَنُهِبَتْ أَمْوَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ، وَأُسِرَ مِنْهُمْ ثَمَانُمِائَةِ أَسِيرٍ وَحُمِلُوا إِلَى بَغْدَاذَ. ذِكْرُ وَصُولِ وَرْدٍ الرُّومِيِّ إِلَى دِيَارِ بَكْرٍ وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَ وَرْدٌ الرُّومِيُّ إِلَى دِيَارِ بَكْرٍ مُسْتَجِيرًا بِعَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَسْتَنْصِرُهُ عَلَى مُلُوكِ الرُّومِ، وَيَبْذُلُ لَهُ الطَّاعَةَ إِذَا مَلَكَ وَحَمْلَ الْخَرَاجِ.

стр. 4100

وَكَانَ سَبَبُ قُدُومِهِ أَنَّ أَرْمَانُوسَ مَلِكَ الرُّومِ لَمَّا تُوُفِّيَ خَلَّفَ وَلَدَيْنِ لَهُ صَغِيرَيْنِ، فَمَلَكَا بَعْدَهُ، وَكَانَ نَفْقُورُ، وَهُوَ حِينَئِذٍ الدُّمُسْتُقُ، قَدْ خَرَجَ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَنَكَى فِيهَا وَعَادَ، فَلَمَّا قَارَبَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ بَلَغَهُ مَوْتُ أَرْمَانُوسَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْجُنْدُ وَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلنِّيَابَةِ عَنِ الْمَلِكَيْنِ غَيْرُكُ، فَإِنَّهُمَا صَغِيرَانِ، فَامْتَنَعَ، فَأَلَحُّوا عَلَيْهِ فَأَجَابَهُمْ، وَخَدَمَ الْمَلِكَيْنِ، وَتَزَوَّجَ بِوَالِدَتِهِمَا، وَلَبِسَ التَّاجَ. ثُمَّ إِنَّهُ جَفَا وَالِدَتَهُمَا، فَرَاسَلَتِ ابْنَ الشَّمْشَقِيقِ فِي قَتْلِ نَقْفُورَ وَإِقَامَتِهِ مَقَامَهُ، فَأَجَابَهَا إِلَى ذَلِكَ، وَسَارَ إِلَيْهِ سِرًّا هُوَ وَعَشَرَةُ رِجَالٍ، فَاغْتَالُوا الدُّمُسْتُقَ فَقَتَلُوهُ، وَاسْتَوْلَى ابْنُ الشَّمْشَقِيقِ عَلَى الْأَمْرِ، وَقَبَضَ عَلَى لَاوِنَ أَخِي الدُّمُسْتُقِ، وَعَلَى وَرْدِيسَ بْنِ لَاوِنَ، وَاعْتَقَلَهُ فِي بَعْضِ الْقِلَاعِ، وَسَارَ إِلَى أَعْمَالِ الشَّامِ فَأَوْغَلَ فِيهَا، وَنَالَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَرَادَ، وَبَلَغَ إِلَى طَرَابُلُسَ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ أَهْلُهَا فَحَصَرَهُمْ. وَكَانَ لِوَالِدَةِ الْمَلِكَيْنِ أَخٌ خَصِيٌّ، وَهُوَ حِينَئِذٍ الْوَزِيرُ، فَوَضَعَ عَلَى ابْنِ الشَّمْشَقِيقِ مَنْ سَقَاهُ سُمًّا، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِ أَسْرَعَ الْعَوْدَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَمَاتَ فِي طَرِيقِهِ. وَكَانَ وَرْدُ بْنُ مُنِيرٍ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ الْجُيُوشِ وَعُظَمَاءِ الْبَطَارِقَةِ، فَطَمِعَ فِي الْأَمْرِ، وَكَاتَبَ أَبَا تَغْلِبَ بْنَ حَمْدَانَ وَصَاهَرَهُ، وَاسْتَجَاشَ بِالْمُسْلِمِينَ مِنَ الثُّغُورِ، فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، فَقَصَدَ الرُّومَ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ الْمَلِكَانِ جَيْشًا بَعْدَ جَيْشٍ وَهُوَ يَهْزِمُهُمْ، فَقَوِيَ جِنَانُهُ وَعَظُمَ شَأْنُهُ، وَقَصَدَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَخَافَهُ الْمَلِكَانِ، فَأَطْلَقَا وَرْدِيسَ بْنَ لَاوِنَ، وَقَدَّمَاهُ عَلَى الْجُيُوشِ، وَسَيَّرَاهُ لِقِتَالِ وَرْدٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَطَالَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ انْهَزَمَ وَرْدٌ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَقَصَدَ دِيَارَ بَكْرٍ، وَنَزَلَ بِظَاهِرِ مَيَّافَارِقِينَ، وَرَاسَلَ عَضُدَ الدَّوْلَةِ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ أَخَاهُ يَبْذُلُ الطَّاعَةَ وَالِاسْتِنْصَارَ بِهِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ وَوَعَدَهُ بِهِ. ثُمَّ إِنَّ مَلِكَيِ الرُّومِ رَاسَلَا عَضُدَ الدَّوْلَةِ وَاسْتَمَالَاهُ، فَقَوِيَ فِي نَفْسِهِ تَرْجِيحُ جَانِبِ الْمَلِكَيْنِ، وَعَادَ عَنْ نُصْرَةِ وَرْدٍ، وَكَاتَبَ أَبَا عَلِيٍّ التَّمِيمِيَّ، وَهُوَ حِينَئِذٍ يَنُوبُ عَنْهُ بِدِيَارِ بَكْرٍ، بِالْقَبْضِ عَلَى وَرْدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَشَرَعَ يُدَبِّرُ الْحِيلَةَ عَلَيْهِ، وَاجْتَمَعَ إِلَى وَرْدٍ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا لَهُ:

стр. 4101

إِنَّ مُلُوكَ الرُّومِ قَدْ كَاتَبُوا عَضُدَ الدَّوْلَةِ وَرَاسَلُوهُ فِي أَمْرِنَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ يُرَغِّبُونَهُ فِي الْمَالِ وَغَيْرِهِ فَيُسَلِّمُنَا إِلَيْهِمْ، وَالرَّأْيُ أَنْ نَرْجِعَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ عَلَى صُلْحٍ إِنْ أَمْكَنَنَا، أَوْ عَلَى حَرْبٍ نَبْذُلُ فِيهَا أَنْفُسَنَا، فَإِمَّا ظَفِرْنَا أَوْ مُتْنَا كِرَامًا. فَقَالَ: مَا هَذَا رَأْيٌ، وَلَا رَأَيْنَا مِنْ عَضُدِ الدَّوْلَةِ إِلَّا الْجَمِيلَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ نَنْصَرِفَ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ نَعْلَمَ مَا عِنْدَهُ، فَفَارَقَهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَطَمِعَ فِيهِ أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، وَرَاسَلَهُ فِي الِاجْتِمَاعِ، فَأَجَابَهُ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ بِهِ قَبَضَ عَلَيْهِ، وَعَلَى وَلَدِهِ وَأَخِيهِ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَاعْتَقَلَهُمْ بِمَيَّافَارِقِينَ ثُمَّ حَمَلَهُمْ إِلَى بَغْدَاذَ، فَبَقَوْا فِي الْحَبْسِ إِلَى أَنَّ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَكَانَ قَبْضُهُ سَنَةَ سَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. ذِكْرُ عِمَارَةِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بَغْدَاذَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ شَرَعَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ فِي عِمَارَةِ بَغْدَاذَ، وَكَانَتْ قَدْ خَرِبَتْ بِتَوَالِي الْفِتَنِ فِيهَا، وَعَمَّرَ مَسَاجِدَهَا وَأَسْوَاقَهَا، وَأَدَرَّ الْأَمْوَالَ عَلَى الْأَئِمَّةِ، وَالْمُؤَذِّنِينَ، وَالْعُلَمَاءِ، وَالْقُرَّاءِ، وَالْغُرَبَاءِ، وَالضُّعَفَاءِ، الَّذِينَ يَأْوُونَ [إِلَى] الْمَسَاجِدِ، وَأَلْزَمَ أَصْحَابَ الْأَمْلَاكِ الْخَرَابِ بِعِمَارَتِهَا، وَجَدَّدَ مَا دُثِرَ مِنَ الْأَنْهَارِ، وَأَعَادَ حَفْرَهَا وَتَسْوِيَتَهَا، وَأَطْلَقَ مُكُوسَ الْحُجَّاجِ، وَأَصْلَحَ الطَّرِيقَ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى مَكَّةَ، شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَأَطْلَقَ الصِّلَاتِ لِأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ وَالشَّرَفِ، وَالضُّعَفَاءِ الْمُجَاوِرِينَ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ بِمَشْهَدَيْ عَلِيٍّ وَالْحُسَيْنِ، ﵉، وَسَكَّنَ النَّاسَ مِنَ الْفِتَنِ، وَأَجْرَى الْجِرَايَاتِ عَلَى الْفُقَهَاءِ، وَالْمُحَدِّثِينَ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَالْمُفَسِّرِينَ، وَالنُّحَاةِ، وَالشُّعَرَاءِ، وَالنَّسَّابِينَ، وَالْأَطِبَّاءِ، وَالْحُسَّابِ، وَالْمُهَنْدِسِينَ، وَأَذِنَ لِوَزِيرِهِ نَصْرِ بْنِ هَارُونَ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، فِي عِمَارَةِ الْبِيَعِ وَالدِّيرَةِ، وَإِطْلَاقِ الْأَمْوَالِ لِفُقَرَائِهِمْ. ذِكْرُ وَفَاةِ حَسْنُوَيْهِ الْكُرْدِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ حَسْنُوَيْهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكُرْدِيُّ الْبَرْزِيكَانِيُّ بِسَرْمَاجَ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ مِنَ الْبَرْزِيكَانِ يُسَمَّوْنَ الْبَرْزِينِيَّةَ، وَكَانَ خَالَاهُ وَنْدَادٌ وَغَانِمٌ ابْنَا أَحْمَدَ أَمِيرَيْنِ

стр. 4102

صِنْفٍ آخَرَ مِنْهُمْ يُسَمَّوْنَ الْعَيْشَانِيَّةَ، وَغَلَبَا عَلَى أَطْرَافِ نَوَاحِي الدِّينَوَرِ، وَهَمَذَانَ، وَنَهَاوَنْدَ، وَالصَّامَغَانِ، وَبَعْضِ أَطْرَافِ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى حَدِّ شَهْرَزُورَ نَحْوَ خَمْسِينَ سَنَةً. وَكَانَ يَقُودُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِدَّةَ أُلُوفٍ، فَتُوُفِّيَ غَانِمٌ سَنَةَ خَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَكَانَ ابْنُهُ أَبُو سَالِمٍ دَيْسَمُ بْنُ غَانِمٍ مَكَانَهُ بِقَلْعَتِهِ قِسَانٍ، إِلَى أَنْ أَزَالَهُ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ الْعَمِيدِ، وَاسْتَصْفَى قِلَاعَهُ الْمُسَمَّاةَ قِسْنَانَ، وَغَانِمَ آبَاذَ وَغَيْرَهُمَا. وَتُوُفِّيَ وَنْدَادُ بْنُ أَحْمَدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، فَقَامَ مَقَامَهُ ابْنُهُ أَبُو الْغَنَائِمِ عَبْدُ الْوَهَّابِ إِلَى أَنْ أَسَرَهُ الشَّاذَنْخَانُ وَسَلَّمُوهُ إِلَى حَسْنُوَيْهِ، فَأَخَذَ قِلَاعَهُ وَأَمْلَاكَهُ. وَكَانَ حَسْنُوَيْهِ مَجْدُودًا، حَسَنَ السِّيَاسَةِ وَالسِّيرَةِ، ضَابِطًا لِأَمْرِهِ، وَمَنَعَ أَصْحَابَهُ مِنَ التَّلَصُّصِ، وَبَنَى قَلْعَةَ سِرْمَاجَ بِالصُّخُورِ الْمُهَنْدَمَةِ، وَبَنَى بِالدِّينَوَرِ جَامِعًا عَلَى هَذَا الْبِنَاءِ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ بِالْحَرَمَيْنِ، إِلَى أَنْ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَافْتَرَقَ أَوْلَادُهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَبَعْضُهُمُ انْحَازَ إِلَى فَخْرِ الدَّوْلَةِ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَهُمْ أَبُو الْعَلَاءِ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَبُو النَّجْمِ بَدْرٌ، وَعَاصِمٌ، وَأَبُو عَدْنَانَ، وَبَخْتِيَارُ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ. وَكَانَ بَخْتِيَارُ بِقَلْعَةِ سَرْمَاجَ وَمَعَهُ الْأَمْوَالُ وَالذَّخَائِرُ، فَكَاتَبَ عَضُدَ الدَّوْلَةِ وَرَغِبَ فِي طَاعَتِهِ، ثُمَّ تَلَوَّنَ عَنْهُ وَتَغَيَّرَ، فَسَيَّرَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَيْهِ جَيْشًا فَحَصَرَهُ وَأَخَذَ قَلْعَتَهُ، وَكَذَلِكَ قِلَاعُ غَيْرِهِ مِنْ إِخْوَتِهِ، وَاصْطَنَعَ مِنْ بَيْنِهِمْ أَبَا النَّجْمِ بَدْرَ بْنَ حَسْنُوَيْهِ، وَقَوَّاهُ بِالرِّجَالِ، فَضَبَطَ تِلْكَ النَّوَاحِي، وَكَفَّ عَادِيَّةَ مَنْ بِهَا مِنَ الْأَكْرَادِ، وَاسْتَقَامَ أَمْرُهُ، وَكَانَ عَاقِلًا. ذِكْرُ قَصْدِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ أَخَاهُ فَخْرَ الدَّوْلَةِ وَأَخْذِ بِلَادِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى بِلَادِ الْجَبَلِ، فَاحْتَوَى عَلَيْهَا. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بَخْتِيَارَ بْنَ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ كَانَ يُكَاتِبُ ابْنَ عَمِّهِ فَخْرَ الدَّوْلَةِ، بَعْدَ مَوْتِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، وَيَدْعُوهُ إِلَى الِاتِّفَاقِ مَعَهُ عَلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ وَاتَّفَقَا. وَعَلِمَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بِهِ، فَكَتَمَ ذَلِكَ إِلَى الْآنَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَعْدَائِهِ كَأَبِي تَغْلِبَ، وَبَخْتَيِارَ، وَغَيْرِهِمَا، وَمَاتَ حَسْنُوَيْهِ بْنُ الْحُسَيْنِ، ظَنَّ عَضُدُ الدَّوْلَةِ أَنَّ الْأَمْرَ يُصْلِحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخَوَيْهِ، فَرَاسَلَ أَخَوَيْهِ فَخْرَ الدَّوْلَةِ، وَمُؤَيَّدَ الدَّوْلَةِ، وَقَابُوسَ بْنَ وَشْمَكِيرَ.

стр. 4103

فَأَمَّا رِسَالَتُهُ إِلَى أَخِيهِ مُؤَيَّدِ الدَّوْلَةِ، فَيَشْكُرُهُ عَلَى طَاعَتِهِ وَمُوَافَقَتِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ مُطِيعًا لَهُ غَيْرَ مُخَالِفٍ. وَأَمَّا إِلَى فَخْرِ الدَّوْلَةِ، فَيُعَاتِبُهُ وَيَسْتَمِيلُهُ، وَيَذْكُرُ لَهُ مَا يَلْزَمُهُ بِهِ الْحُجَّةُ. وَأَمَّا إِلَى قَابُوسٍ، فَيُشِيرُ عَلَيْهِ بِحِفْظِ الْعُهُودِ الَّتِي بَيْنَهُمَا. فَأَجَابَ فَخْرُ الدَّوْلَةِ جَوَابَ الْمُنَاظِرِ الْمُنَاوِئِ، وَنَسِيَ كِبَرَ السِّنِّ، وَسَعَةَ الْمُلْكِ وَعَهْدَ أَبِيهِ. وَأَمَّا قَابُوسٌ فَأَجَابَ جَوَابَ الْمُرَاقِبِ. وَكَانَ الرَّسُولُ خَوَاشَادَهْ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِهِ، فَاسْتَمَالَ أَصْحَابَ فَخْرِ الدَّوْلَةِ، فَضَمِنَ لَهُ الْإِقْطَاعَاتِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعُهُودَ، فَلَمَّا عَادَ الرَّسُولُ بَرَزَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ مِنْ بَغْدَاذَ عَلَى عَزْمِ الْمَسِيرِ إِلَى الْجَبَلِ وَإِصْلَاحِ تِلْكَ الْأَعْمَالِ، وَابْتَدَأَ فَقَدَّمَ الْعَسَاكِرَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَتْلُو بَعْضُهَا بَعْضًا، مِنْهُمْ أَبُو الْوَفَاءِ عَلَى عَسْكَرٍ، وَخَوَاشَادَهْ عَلَى عَسْكَرٍ، وَأَبُو الْفَتْحِ الْمُظَفَّرُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي عَسْكَرٍ، فَسَارَتْ هَذِهِ الْعَسَاكِرُ، وَأَقَامَ هُوَ بِظَاهِرِ بَغْدَاذَ. ثُمَّ سَارَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ، فَلَقِيَتْهُ الْبَشَائِرُ بِدُخُولِ جُيُوشِهِ هَمَذَانَ، وَاسْتِئْمَانِ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنْ قُوَّادِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ وَرِجَالِ حَسْنُوَيْهِ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ وَزِيرُ فَخْرِ الدَّوْلَةِ، (وَمَعَهُ جَمَاهِيرُ أَصْحَابِهِ، فَانْحَلَّ أَمْرُ فَخْرِ الدَّوْلَةِ) ، وَكَانَ بِهَمَذَانَ، فَخَافَ مِنْ أَخِيهِ، وَتَذَكَّرَ قَتْلَ ابْنِ عَمِّهِ بَخْتِيَارَ، فَخَرَجَ هَارِبًا، وَقَصَدَ بَلَدَ الدَّيْلَمِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إِلَى جُرْجَانَ، فَنَزَلَ عَلَى شَمْسِ الْمَعَالِي قَابُوسِ بْنِ وَشْمَكِيرَ، وَالْتَجَأَ إِلَيْهِ فَأَمَّنَهُ وَآوَاهُ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ فَوْقَ مَا حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ، وَشَرَكَهُ فِيمَا تَحْتَ يَدِهِ مِنْ مُلْكٍ وَغَيْرِهِ. وَمَلَكَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ مَا كَانَ بِيَدِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ هَمَذَانَ، وَالرَّيَّ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْبِلَادِ (وَسَلَّمَهَا إِلَى أَخِيهِ مُؤَيَّدِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهٍ، وَجَعَلَهُ خَلِيفَتَهُ وَنَائِبَهُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ) ، وَنَزَلَ الرَّيَّ، وَاسْتَوْلَى عَلَى تِلْكَ النَّوَاحِي. ثُمَّ عَرَجَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى وِلَايَةِ حَسْنُوَيْهِ الْكُرْدِيِّ، فَقَصَدَ نَهَاوَنْدَ، وَكَذَلِكَ الدِّينَوَرُ، وَقَلْعَةُ سَرْمَاجُ، وَأَخَذَ مَا فِيهَا مِنْ ذَخَائِرِ حَسْنُوَيْهِ، وَكَانَتْ جَلِيلَةَ الْمِقْدَارِ، وَمَلَكَ مَعَهَا عِدَّةً

стр. 4104

مِنْ قِلَاعِ حَسْنُوَيْهِ، وَلَحِقَهُ فِي هَذِهِ السَّفْرَةِ صَرَعٌ، وَكَانَ هَذَا قَدْ أَخَذَهُ بِالْمَوْصِلِ، وَحَدَّثَ بِهِ فِيهَا، فَكَتَمَهُ، وَصَارَ كَثِيرَ النِّسْيَانِ لَا يَذْكُرُ الشَّيْءَ إِلَّا بَعْدَ جَهْدٍ، وَكَتَمَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَهَذَا دَأْبُ الدُّنْيَا لَا تَصْفُو لِأَحَدٍ. وَأَتَاهُ أَوْلَادُ حَسْنُوَيْهِ، فَقَبَضَ عَلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَأَبِي الْعَلَاءِ، وَأَبِي عَدْنَانَ، وَأَحْسَنَ إِلَى بَدْرِ بْنِ حَسْنُوَيْهِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَوَلَّاهُ رِعَايَةَ الْأَكْرَادِ، (هَذَا آخِرُ مَا فِي " تَجَارِبِ الْأُمَمِ " تَأْلِيفُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مِسْكَوَيْهِ) . ذِكْرُ مُلْكِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بَلَدَ الْهَكَّارِيَّةِ (وَمَا مَعَهَا) فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ جَيْشًا إِلَى الْأَكْرَادِ الْهَكَّارِيَّةِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ وَحَصَرَ قِلَاعَهُمْ، وَطَالَ مُقَامُ الْجُنْدِ فِي حَصْرِهَا. وَكَانَ مَنْ بِالْحُصُونِ مِنَ الْأَكْرَادِ يَنْتَظِرُونَ نُزُولَ الثَّلْجِ لِتَرْحَلَ الْعَسَاكِرُ عَنْهُمْ، فَقَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الثَّلْجَ تَأَخَّرَ نُزُولُهُ (فِي تِلْكَ السَّنَةِ) ، فَأَرْسَلُوا يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ، فَأُجِيبُوا إِلَى ذَلِكَ، وَسَلَّمُوا قِلَاعَهُمْ، وَنَزَلُوا مَعَ الْعَسْكَرِ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَلَمْ يُفَارِقُوا أَعْمَالَهُمْ غَيْرَ يَوْمٍ وَاحِدٍ حَتَّى نَزَلَ الثَّلْجُ. ثُمَّ إِنَّ مُقَدَّمَ الْجَيْشِ غَدَرَ بِهِمْ، وَصَلَبَهُمْ عَلَى جَانِبَيِ الطَّرِيقِ مِنْ مَعْلَثَايَا إِلَى الْمَوْصِلِ (نَحْوَ خَمْسَةِ فَرَاسِخَ) وَكَفَّ اللَّهُ شَرَّهُمْ عَنِ النَّاسِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَرَدَ رَسُولُ الْعَزِيزِ بِاللَّهِ صَاحِبِ مِصْرَ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ بِرَسَائِلَ أَدَّاهَا.

стр. 4105

وَفِيهَا قَبَضَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْعَلَوِيِّ وَأَنْفَذَهُ إِلَى فَارِسَ، وَكَانَ سَبَبُ قَبْضِهِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْمُطَهِّرُ فِي حَقِّهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْكُوفَةِ فَقَبَضَ أَمْوَالَهُ، فَوَجَدَ لَهُ مِنَ الْمَالِ وَالسِّلَاحِ وَالذَّخَائِرِ مَا لَا يُحْصَى، وَاصْطَنَعَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ أَخَاهُ أَبَا الْفَتْحِ أَحْمَدَ، وَوَلَّاهُ الْحَجَّ بِالنَّاسِ. وَفِيهَا تَجَدَّدَتْ وَصْلَةٌ بَيْنَ الطَّائِعِ لِلَّهِ وَبَيْنَ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَتَزَوَّجَ الطَّائِعُ ابْنَتَهُ، وَكَانَ غَرَضُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ أَنْ تَلِدَ ابْنَتُهُ وَلَدًا ذَكَرًا فَيَجْعَلُهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ، فَتَكُونُ الْخِلَافَةُ فِي (وَلَدٍ لَهُمْ فِيهِ نَسَبٌ) ، وَكَانَ الصَّدَاقُ مِائَةَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَفِيهَا كَانَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ عَامَّةِ شِيرَازَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ الْمَجُوسِ، نُهِبَتْ فِيهَا دُورُ الْمَجُوسِ، وَضُرِبُوا، وَقُتِلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، فَسَمِعَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ الْخَبَرَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ مَنْ جَمَعَ كُلَّ مَنْ لَهُ أَثَرٌ فِي ذَلِكَ، وَضَرَبَهُمْ، وَبَالَغَ فِي تَأْدِيبِهِمْ وَزَجْرِهِمْ. وَفِيهَا أَرْسَلَ سِرِيَّةً إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ، وَبِهَا ضَبَّةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيُّ، وَكَانَ يَسْلُكُ سَبِيلَ اللُّصُوصِ وَقُطَّاعَ الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَشْعُرْ إِلَّا وَالْعَسَاكِرُ مَعَهُ، فَتَرَكَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَنَجَا بِنَفْسِهِ فَرِيدًا، وَأُخِذَ مَالُهُ وَأَهْلُهُ، وَمُلِّكَتْ عَيْنُ التَّمْرِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ نَهَبَ مَشْهَدَ الْحُسَيْنِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَعُوقِبَ بِهَذَا. وَفِيهَا قَبَضَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَلَى النَّقِيبِ أَبِي أَحْمَدَ الْحُسَيْنِ الْمُوسَوِيِّ، وَالِدِ الشَّرِيفِ الرَّضِيِّ، وَعَلَى أَخِيهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى قَاضِي الْقُضَاةِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى فَارِسَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى قَضَاءِ الْقُضَاةِ أَبَا سَعْدٍ بِشْرَ بْنَ الْحُسَيْنِ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَكَانَ مُقِيمًا بِفَارِسَ، وَاسْتَنَابَ عَلَى الْقَضَاءِ بِبَغْدَاذَ.

стр. 4106

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَحْمَدَ (بْنِ مُحَمَّدِ) بْنِ عَطَاءٍ الرُّوذْبَارِيُّ، الصُّوفِيُّ، بِنَوَاحِي عَكَّا، وَكَانَ قَدِ انْتَقَلَ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى الشَّامِ. وَفِيهَا، فِي ذِي الْحِجَّةِ، تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ أَبُو أَحْمَدَ الْجَلُودِيُّ الزَّاهِدُ، رَاوِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنِ ابْنِ سُفْيَانَ، وَدُفِنَ بِالْحِيرَةِ فِي نَيْسَابُورَ (وَلَهُ ثَمَانُونَ سَنَةً) . (الْجَلُودِيُّ: بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَقِيلَ بِضَمِّهَا، وَهُوَ قَلِيلٌ، وَالْحِيرَةُ: بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهِيَ مَحَلَّةٌ بِنَيْسَابُورَ) . وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ فَارِسٍ اللُّغَوِيُّ، صَاحِبُ كِتَابِ " الْمُجْمَلِ " وَغَيْرِهِ، وَلَهُ شِعْرٌ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِيَوْمَيْنِ: يَا رَبِّ إِنَّ ذُنُوبِي [قَدْ] أَحَطْتَ بِهَا ... عِلْمًا، وَبِي وَبِإِعْلَانِي وَإِسْرَارِي أَنَا الْمُوَحِّدُ لَكِنِّي الْمُقِرُّ بِهَا ، فَهَبْ ذُنُوبِي لِتَوْحِيدِي وَإِقْرَارِي وَفِي شَوَّالٍ تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ ثَابِتُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرَّانِيُّ الْمُتَطَبِّبُ، الصَّابِيُّ، وَمَوْلِدُهُ بِالرَّقَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ عَارِفًا حَاذِقًا فِي الطِّبِّ.

стр. 4107

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَة] ٣٧٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ إِقْطَاعِ مُؤَيَّدِ الدَّوْلَةِ هَمَذَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَرْسَلَ الصَّاحِبُ أَبُو الْقَاسِمِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَّادٍ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ بِهَمَذَانَ رَسُولًا مِنْ عِنْدِ أَخِيهِ مُؤَيَّدِ الدَّوْلَةِ يَبْذُلُ لَهُ الطَّاعَةَ وَالْمُوَافَقَةَ، فَالْتَقَاهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بِنَفْسِهِ، وَأَكْرَمَهُ، وَأَقْطَعُ أَخَاهُ مُؤَيَّدَ الدَّوْلَةِ هَمَذَانَ وَغَيْرَهَا، وَأَقَامَ عِنْدَ عَضُدِ الدَّوْلَةِ إِلَى أَنْ عَادَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَرَدَّهُ إِلَى مُؤَيَّدِ الدَّوْلَةِ، فَأَقْطَعَهُ إِقْطَاعًا كَثِيرًا، وَسَيَّرَ مَعَهُ عَسْكَرًا يَكُونُ عِنْدَ مُؤَيَّدِ الدَّوْلَةِ فِي خِدْمَتِهِ. ذِكْرُ قَتْلِ أَوْلَادِ حَسْنُوَيْهِ سِوَى بَدْرٍ لَمَّا خَلَعَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَلَى بَدْرٍ وَأَخَوَيْهِ عَاصِمٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ، وَفَضَّلَ بَدْرًا عَلَيْهِمَا وَوَلَّاهُ الْأَكْرَادَ حَسَدَهُ أَخَوَاهُ، (فَشَقَّا الْعَصَا، وَخَرَجَا عَنِ الطَّاعَةِ، وَاسْتَمَالَ عَاصِمٌ جَمَاعَةَ الْأَكْرَادِ الْمُخَالِفِينَ) ، فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَسْكَرًا، فَأَوْقَعُوا بِعَاصِمٍ وَمَنْ مَعَهُ، فَانْهَزَمُوا، وَأُسِرَ عَاصِمٌ، وَأُدْخِلَ هَمَذَانُ عَلَى جَمَلٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ خَبَرٌ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَقُتِلَ أَوْلَادُ حَسْنُوَيْهِ، إِلَّا بَدْرًا فَإِنَّهُ تُرِكَ عَلَى حَالِهِ، وَأُقِرَّ عَلَى عَمَلِهِ، وَكَانَ عَاقِلًا، لَبِيبًا، حَازِمًا، كَرِيمًا، حَلِيمًا، وَسَيَرِدُ مِنْ أَخْبَارِهِ مَا يُعْلَمُ بِهِ ذَلِكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 4108

ذِكْرُ مُلْكِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ قَلْعَةَ سَنْدَهْ وَغَيْرَهَا وَفِيهَا اسْتَوْلَى عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَلَى قِلَاعِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمُرِّيِّ بِنَوَاحِي الْجَبَلِ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ بِسَنْدَهْ، وَلَهُ فِيهَا مَسَاكِنُ نَفِيسَةٌ، وَكَانَ قَدِيمَ الْبَيْتِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَوْلَادِهِ وَاعْتَقَلَهُمْ، فَبَقَوْا كَذَلِكَ إِلَى أَنْ أَطْلَقَهُمُ الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ فِيمَا بَعْدُ، وَاسْتَخْدَمَ ابْنَهُ أَبَا طَاهِرٍ، وَاسْتَكْتَبَهُ، وَكَانَ حَسَنَ الْخَطِّ وَاللَّفْظِ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَسْكَرِ الْعَزِيزِ وَابْنِ جَرَّاحٍ وَعَزْلِ قَسَّامٍ عَنْ دِمَشْقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سُيِّرَتِ الْعَسَاكِرُ مِنْ مِصْرَ لِقِتَالِ الْمُفَرِّجِ بْنِ جَرَّاحٍ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ جَرَّاحٍ عَظُمَ شَأْنُهُ بِأَرْضِ فِلَسْطِينَ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، وَبَالَغَ هُوَ فِي الْعَيْثِ وَالْفَسَادِ، وَتَخْرِيبِ الْبِلَادِ، فَجَهَّزَ الْعَزِيزُ بِاللَّهِ الْعَسَاكِرَ وَسَيَّرَهَا، وَجَعَلَ عَلَيْهَا الْقَائِدَ يَلْتَكِينَ التُّرْكِيَّ، فَسَارَ إِلَى الرَّمْلَةِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَرَبِ، مِنْ قَيْسٍ وَغَيْرِهَا، جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ مَعَ ابْنِ جَرَّاحٍ جَمْعٌ يَرْمُونَ بِالنُّشَّابِ، وَيُقَاتِلُونَ قِتَالَ التُّرْكِ، فَالْتَقَوْا وَنَشِبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمَا، وَجَعَلَ يَلْتَكِينُ كَمِينًا، فَخَرَجَ عَلَى عَسْكَرِ ابْنِ جَرَّاحٍ، مِنْ وَرَاءِ ظُهُورِهِمْ، عِنْدَ اشْتِدَادِ الْحَرْبِ، فَانْهَزَمُوا وَأَخَذَتْهُمْ سُيُوفُ الْمِصْرِيِّينَ، وَمَضَى ابْنُ جَرَّاحٍ مُنْهَزِمًا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، فَاسْتَجَارَ بِصَاحِبِهَا فَأَجَارَهُ، وَصَادَفَ خُرُوجَ مَلِكِ الرُّومِ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي عَسَاكِرَ عَظِيمَةٍ يُرِيدُ بِلَادَ الْإِسْلَامِ، فَخَافَ ابْنُ جَرَّاحٍ، وَكَاتَبَ بَكْجُورَ بِحِمْصَ وَالْتَجَأَ إِلَيْهِ. وَأَمَّا عَسْكَرُ مِصْرَ فَإِنَّهُمْ نَازَلُوا دِمَشْقَ، مُخَادِعِينَ لِقَسَّامٍ، لَمْ يُظْهِرُوا لَهُ إِلَّا أَنَّهُمْ جَاءُوا لِإِصْلَاحِ الْبَلَدِ، وَكَفِّ الْأَيْدِي الْمُتَطَرِّقَةِ (إِلَى الْأَذَى) وَكَانَ الْقَائِدُ أَبُو مَحْمُودٍ قَدْ مَاتَ سَنَةَ سَبْعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] وَهُوَ وَالِي الْبَلَدِ، وَلَا حُكْمَ لَهُ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ لِقَسَّامٍ، فَلَمَّا مَاتَ قَامَ بَعْدَهُ فِي الْوِلَايَةِ جَيْشُ بْنُ الصَّمْصَامَةِ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ أَبِي مَحْمُودٍ،

стр. 4109

فَخَرَجَ إِلَى يَلْتَكِينَ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يُرِيدُ إِصْلَاحَ الْبَلَدِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ وَيَنْزِلُوا بِظَاهِرِ الْبَلَدِ، فَفَعَلُوا. وَحَذَّرَ قَسَّامٌ، وَأَمَرَ مَنْ مَعَهُ بِمُبَاشَرَةِ الْحَرْبِ، فَقَاتَلُوا دَفْعَاتٍ عِدَّةً فَقَوِيَ عَسْكَرُ يَلْتَكِينَ، وَدَخَلُوا أَطْرَافَ الْبَلَدِ، وَمَلَكُوا الشَّاغُورَ، وَأَحْرَقُوا وَنَهَبُوا، فَاجْتَمَعَ مَشَايِخُ الْبَلَدِ عِنْدَ قَسَّامٍ، وَكَلَّمُوهُ فِي أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى يَلْتَكِينَ، وَيَأْخُذُوا أَمَانًا لَهُمْ وَلَهُ، فَانْخَذَلَ (وَذَلَّ، وَخَضَعَ بَعْدَ تَجَبُّرِهِ وَتَكَبُّرِهِ وَقَالَ: افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ. وَعَادَ أَصْحَابُ قَسَّامٍ) إِلَيْهِ، فَوَجَدُوهُ خَائِفًا، مُلْقِيًا بِيَدِهِ، فَأَخَذَ كُلٌّ لِنَفْسِهِ. وَخَرَجَ شُيُوخُ الْبَلَدِ إِلَى يَلْتَكِينَ، فَطَلَبُوا مِنْهُ الْأَمَانَ لَهُمْ وَلِقَسَّامٍ، فَأَجَابَهُمْ إِلَيْهِ وَقَالَ: أُرِيدُ [أَنْ] أَتَسَلَّمَ الْبَلَدَ الْيَوْمَ فَقَالُوا: افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ! فَأَرْسَلَ وَالِيًا يُقَالُ (لَهُ ابْنُ) خَطْلَخَ، وَمَعَهُ خَيْلٌ وَرَجْلٌ. وَكَانَ مَبْدَأُ هَذِهِ الْحَرْبِ وَالْحَصْرِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَ [ثَلَاثِمِائَةٍ] لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْهُ، وَالدُّخُولُ إِلَى الْبَلَدِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْهُ، وَلَمْ يَعْرِضْ لِقَسَّامٍ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَقَامَ قَسَّامٌ فِي الْبَلَدِ يَوْمَيْنِ ثُمَّ اسْتَتَرَ، فَأَخَذَ كُلَّ مَا فِي دَارِهِ وَمَا حَوْلَهَا مِنْ دُورِ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْخِيَامِ، فَقَصَدَ حَاجِبَ يَلْتَكِينَ وَعَرَّفَهُ نَفْسَهُ، فَأَخَذَهُ وَحَمَلَهُ إِلَى يَلْتَكِينَ، فَحَمَلَهُ يَلْتَكِينُ إِلَى مِصْرَ، فَأَطْلَقَهُ الْعَزِيزُ، وَاسْتَرَاحَ النَّاسُ مِنْ تَحَكُّمِهِ عَلَيْهِمْ، وَتَغَلُّبِهِ بِمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الْأَحْدَاثِ، مِنْ أَهْلِ الْعَيْثِ وَالْفَسَادِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَحْدَبُ الْمُزَوِّرُ، وَكَانَ يَكْتُبُ عَلَى خَطِّ كُلِّ وَاحِدٍ فَلَا

стр. 4110

يَشُكُّ الْمَكْتُوبُ عَنْهُ أَنَّهُ خَطُّهُ، وَكَانَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِذَا أَرَادَ الْإِيقَاعَ بَيْنَ الْمُلُوكِ أَمَرَهُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى خَطِّ بَعْضِهِمْ إِلَيْهِ فِي الْمُوَافَقَةِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ إِفْسَادَ الْحَالِ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ يَتَوَصَّلُ لِيَصِلَ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ، فَيَفْسُدُ الْحَالُ. وَكَانَ هَذَا الْأَحْدَبُ رُبَّمَا خُتِمَتْ يَدُهُ لِهَذَا السَّبَبِ. وَفِيهَا زَادَتِ الْفُرَاتُ زِيَادَةً عَظِيمَةً جَاوَزَتِ الْمَأْلُوفَ، وَغَرِقَ كَثِيرٌ مِنَ الْغَلَّاتِ، وَتَمَرَّدَتِ الصَّرَاةُ، وَخَرِبَتْ قَنَاطِرُهَا الْعَتِيقَةُ الْجَدِيدَةُ، وَأَشْفَى أَهْلُ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ بَغْدَاذَ عَلَى الْغَرَقِ، وَبَقِيَتِ الزِّيَادَةُ بِهَا وَبِدِجْلَةَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ نَقَصَتْ. وَفِيهَا زُفَّتِ ابْنَةُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ إِلَى الْخَلِيفَةِ الطَّائِعِ، وَمَعَهَا مِنَ الْجَوَاهِرِ شَيْءٌ لَا يُحْصَى. وَفِيهَا وَرَدَ عَلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ هَدِيَّةٌ مِنْ صَاحِبِ الْيَمَنِ فِيهَا قِطْعَةٌ وَاحِدَةٌ [مِنْ] عَنْبَرٍ وَزْنُهَا سِتَّةٌ وَخَمْسُونَ، رِطْلًا وَحَجَّ بِالنَّاسِ أَبُو الْفَتْحِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ يَحْيَى الْعَلَوِيُّ، وَخَطَبَ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لِلْعَزِيزِ بِاللَّهِ صَاحِبِ مِصْرَ الْعَلَوِيِّ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ (أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ) الرَّازِيُّ، إِمَامُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ فِي زَمَانِهِ، وَطُلِبَ لِيَلِيَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ، فَامْتَنَعَ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْكَرْخِيِّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُوسَى أَبُو يَعْلَى الْبَغْدَاذِيُّ، سَمِعَ الْبَغَوِيَّ

стр. 4111

وَابْنَ صَاعِدٍ، وَسَافَرَ إِلَى أَصْبَهَانَ وَخُرَاسَانَ وَأَذْرَبِيجَانَ وَغَيْرِهَا، وَسَمِعَ فِيهَا الْكَثِيرَ، وَتُوُفِّيَ بِالْمَوْصِلِ هَذِهِ السَّنَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو بَكْرٍ الْمُفِيدُ، الْمَعْرُوفُ بِغُنْدَرٍ، تُوُفِّيَ بِمَفَازَةِ بُخَارَى، وَأَبُو الْفَرَجِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ فَسَانْجِسَ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ الْآمِدِيُّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَائِدُ أَبُو مَحْمُودٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ وَالِي دِمَشْقَ لِلْعَزِيزِيِّ، وَقَامَ بَعْدَهُ جَيْشُ بْنُ الصَّمْصَامَةِ.

стр. 4112

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَة] ٣٧١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ عَزْلِ ابْنِ سِيمْجُورَ عَنْ خُرَاسَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سِيمْجُورَ عَنْ قِيَادَةِ جُيُوشِ خُرَاسَانَ، وَاسْتُعْمِلَ عِوَضَهُ حُسَامُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْعَبَّاسِ تَاشْ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَمِيرَ نُوحَ بْنَ مَنْصُورٍ لَمَّا مَلَكَ خُرَاسَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَهُوَ صَبِيٌّ، اسْتَوْزَرَ أَبَا الْحُسَيْنِ الْعُتْبِيَّ، فَقَامَ فِي حِفْظِ الدَّوْلَةِ الْقِيَامَ الْمَرْضِيَّ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيمْجُورَ قَدِ اسْتَوْطَنَ خُرَاسَانَ، وَطَالَتْ أَيَّامُهُ فِيهَا، فَلَا يُطِيعُ إِلَّا فِيمَا يُرِيدُ، فَعَزَلَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْعُتْبِيُّ عَنْهَا، وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ حُسَامُ الدَّوْلَةِ أَبَا الْعَبَّاسِ تَاشْ، وَسَيَّرَهُ مِنْ بُخَارَى إِلَى نَيْسَابُورَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَاسْتَقَرَّ بِهَا وَدَبَّرَ خُرَاسَانَ، وَنَظَرَ فِي أُمُورِهَا، وَأَطَاعَهُ جُنْدُهَا. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ عَلَى جُرْجَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، اسْتَوْلَى عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَلَى بِلَادِ جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ، وَأَجْلَى عَنْهَا صَاحِبَهَا قَابُوسَ بْنَ وَشْمَكِيرَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَضُدَ الدَّوْلَةِ لَمَّا اسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِ أَخِيهِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ انْهَزَمَ فَخْرُ

стр. 4113

الدَّوْلَةِ، فَلَحِقَ بِقَابُوسٍ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَبَلَغَ ذَلِكَ عَضُدَ الدَّوْلَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَى قَابُوسٍ يَبْذُلُ لَهُ الرَّغَائِبَ مِنَ الْبِلَادِ، وَالْأَمْوَالِ، وَالْعُهُودِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِيُسَلِّمَ إِلَيْهِ أَخَاهُ فَخْرَ الدَّوْلَةِ، فَامْتَنَعَ قَابُوسٌ مِنْ ذَلِكَ،، وَلَمْ يُجِبْ إِلَيْهِ. فَجَهَّزَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ أَخَاهُ مُؤَيَّدَ الدَّوْلَةِ، وَسَيَّرَهُ، وَمَعَهُ الْعَسَاكِرُ، وَالْأَمْوَالُ، وَالْعُدَدُ، إِلَى جُرْجَانَ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ قَابُوسًا، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَلَقِيَهُ بِنُوَاحِي أَسْتَرَابَاذَ، فَاقْتَتَلُوا مِنْ بُكْرَةٍ إِلَى الظُّهْرِ، فَانْهَزَمَ قَابُوسٌ وَأَصْحَابُهُ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَقَصَدَ قَابُوسٌ بَعْضَ قِلَاعِهِ الَّتِي فِيهَا ذَخَائِرُهُ وَأَمْوَالُهُ، فَأَخَذَ مَا أَرَادَ وَسَارَ نَحْوَ نَيْسَابُورَ، فَلَمَّا وَرَدَهَا لَحِقَ بِهِ فَخْرُ الدَّوْلَةِ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِمَا مَنْ تَفَرَّقَ مِنْ أَصْحَابِهِمَا. وَكَانَ وُصُولُهُمَا إِلَيْهَا عِنْدَ وِلَايَةِ حُسَامِ الدَّوْلَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ تَاشْ خُرَاسَانَ، فَكَتَبَ حُسَامُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْأَمِيرِ أَبِي الْقَاسِمِ نُوحِ بْنِ مَنْصُورٍ يُعَرِّفُهُ خَبَرَ وُصُولِهِمَا، وَكَتَبَا أَيْضًا إِلَى نُوحٍ يُعَرِّفَانِهِ حَالَهُمَا، وَيَسْتَنْصُرَانِهِ عَلَى مُؤَيَّدِ الدَّوْلَةِ. فَوَرَدَتْ كُتُبُ نُوحٍ عَلَى حُسَامِ الدَّوْلَةِ يَأْمُرُهُ بِإِجْلَالِ مَحَلِّهِمَا، وَإِكْرَامِهِمَا، وَجَمْعِ الْعَسَاكِرِ وَالْمَسِيرِ مَعَهُمَا، وَإِعَادَتِهِمَا إِلَى مُلْكِهِمَا، وَكَتَبَ وَزِيرُهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بِذَلِكَ أَيْضًا. ذِكْرُ مَسِيرِ حُسَامِ الدَّوْلَةِ وَقَابُوسٍ إِلَى جُرْجَانَ فَلَمَّا وَرَدَتِ الْكُتُبُ مِنَ الْأَمِيرِ نُوحٍ عَلَى حُسَامِ الدَّوْلَةِ بِالْمَسِيرِ بِعَسَاكِرِ خُرَاسَانَ جَمِيعِهَا مَعَ فَخْرِ الدَّوْلَةِ وَقَابُوسٍ، جَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَحَشَدَ، فَاجْتَمَعَ بِنَيْسَابُورَ عَسَاكِرٌ سَدَّتِ الْفَضَاءَ، وَسَارُوا نَحْوَ جُرْجَانَ فَنَازَلُوهَا وَحَصَرُوهَا، وَبِهَا مُؤَيَّدُ الدَّوْلَةِ، وَمَعَهُ مِنْ عَسَاكِرِهِ وَعَسَاكِرِ أَخِيهِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ جَمْعٌ كَثِيرٌ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يُقَارِبُونَ عَسَاكِرَ خُرَاسَانَ، فَحَصَرَهُمْ حُسَامُ الدَّوْلَةِ شَهْرَيْنِ يُغَادِيهِمُ الْقِتَالَ وَيُرَاوِحُهُمْ، وَضَاقَتِ الْمِيرَةُ عَلَى أَهْلِ جُرْجَانَ، حَتَّى كَانُوا يَأْكُلُونَ نُخَالَةَ الشَّعِيرِ مَعْجُونَةً بِالطِّينِ، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ خَرَجُوا مِنْ جُرْجَانَ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، عَلَى عَزْمِ صِدْقِ الْقِتَالِ إِمَّا لَهُمْ وَإِمَّا عَلَيْهِمْ. فَلَمَّا رَآهُمْ أَهْلُ خُرَاسَانَ ظَنُّوهَا كَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الدَّفْعَاتِ، يَكُونُ قِتَالٌ، ثُمَّ تَحَاجُزٌ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَرَأَوُا الْأَمْرَ خِلَافَ [مَا] ظَنُّوهُ.

стр. 4114

وَكَانَ مُؤَيَّدُ الدَّوْلَةِ قَدْ كَاتَبَ بَعْضَ قُوَّادِ خُرَاسَانَ، يُسَمَّى فَائِقَ الْخَاصَّةِ، وَأَطْمَعَهُ وَرَغَّبَهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى الِانْهِزَامِ عِنْدَ اللِّقَاءِ. وَسَيَرِدُ مِنْ أَخْبَارِ فَائِقٍ هَذَا مَا يُعْرَفُ بِهِ مَحَلُّهُ مِنَ الدَّوْلَةِ. فَلَمَّا خَرَجَ مُؤَيَّدُ الدَّوْلَةِ، هَذَا الْيَوْمَ، حَمَلَ عَسْكَرَهُ عَلَى فَائِقٍ وَأَصْحَابِهِ، فَانْهَزَمَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَتَبِعَهُ النَّاسُ، وَثَبَتَ فَخْرُ الدَّوْلَةِ، وَحُسَامُ الدَّوْلَةِ فِي الْقَلْبِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، فَلَمَّا رَأَوْا تَلَاحُقَ النَّاسِ فِي الْهَزِيمَةِ لَحِقُوا بِهِمْ، وَغَنِمَ أَصْحَابُ مُؤَيَّدِ الدَّوْلَةِ مِنْهُمْ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَأَخَذُوا مِنَ الْأَقْوَاتِ شَيْئًا كَثِيرًا. وَعَادَ حُسَامُ الدَّوْلَةِ، وَفَخْرُ الدَّوْلَةِ، وَقَابُوسٌ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَكَتَبُوا إِلَى بُخَارَى بِالْخَبَرِ، فَأَتَاهُمُ الْجَوَابُ يُمَنِّيهِمْ، وَيَعِدُهُمْ بِإِنْفَاذِ الْعَسَاكِرِ وَالْعَوْدِ إِلَى جُرْجَانَ وَالرَّيِّ، وَأَمَرَ الْأَمِيرُ نُوحٌ سَائِرَ الْعَسَاكِرِ بِالْمَسِيرِ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَأَتَوْهَا مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَاجْتَمَعَ بِظَاهِرِ نَيْسَابُورَ مِنَ الْعَسَاكِرِ أَكْثَرُ مِنَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَحُسَامُ الدَّوْلَةِ يَنْتَظِرُ تَلَاحُقَ الْأَمْدَادِ لِيَسِيرَ بِهِمْ، فَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِقَتْلِ الْوَزِيرِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْعُتْبِيِّ، فَتَفَرَّقَ ذَلِكَ الْجَمْعُ، وَبَطَلَ ذَلِكَ التَّدْبِيرُ. وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ سِيمْجُورَ وَضَعَ جَمَاعَةً مِنَ الْمَمَالِيكِ عَلَى قَتْلِهِ، فَوَثَبُوا بِهِ فَقَتَلُوهُ، فَلَمَّا قُتِلَ كَتَبَ الرَّضِيُّ نُوحُ بْنُ مَنْصُورٍ إِلَى حُسَامِ الدَّوْلَةِ يَسْتَدْعِيهِ إِلَى بُخَارَى لِيُدَبِّرَ دَوْلَتَهُ، وَيَجْمَعَ مَا انْتَشَرَ مِنْهَا بِقَتْلِ أَبِي الْحُسَيْنِ، فَسَارَ عَنْ نَيْسَابُورَ إِلَيْهَا، وَقَتَلَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْ قَتَلَةِ أَبِي الْحُسَيْنِ، وَكَانَ قَتْلُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] . ذِكْرُ قَتْلِ الْأَمِيرِ أَبِي الْقَاسِمِ أَمِيرِ صِقِلِّيَّةَ وَهَزِيمَةِ الْفِرِنْجِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، سَارَ الْأَمِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ، أَمِيرُ صِقِلِّيَّةَ، مِنَ الْمَدِينَةِ يُرِيدُ الْجِهَادَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ الْفِرِنْجِ، يُقَالُ لَهُ بَرْدَوِيلُ، خَرَجَ فِي جُمُوعٍ كَثِيرَةٍ

стр. 4115

مِنَ الْفِرِنْجِ إِلَى صِقِلِّيَّةَ، فَحَصَرَ قَلْعَةَ مَلْطَةَ، وَمَلَكَهَا، وَأَصَابَ سَرِيَّتَيْنِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَسَارَ الْأَمِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ بِعَسَاكِرِهِ لِيُرَحِّلَهُ عَنِ الْقَلْعَةِ، فَلَمَّا قَارَبَهَا خَافَ وَجَبُنَ فَجَمَعَ وُجُوهَ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي رَاجِعٌ مِنْ مَكَانِي هَذَا فَلَا تَكْسِرُوا عَلَيَّ رَأْيِي. فَرَجَعَ هُوَ وَعَسَاكِرُهُ. وَكَانَ أُسْطُولُ الْكُفَّارِ يُسَايِرُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْبَحْرِ، فَلَمَّا رَأَوُا الْمُسْلِمِينَ رَاجِعِينَ أَرْسَلُوا إِلَى بَرْدَوِيلَ، مَلِكِ الرُّومِ، يُعْلِمُونَهُ وَيَقُولُونَ لَهُ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ خَائِفُونَ مِنْكَ، فَالْحَقْ بِهِمْ فَإِنَّكَ تَظْفَرُ. فَجَرَّدَ الْفِرِنْجِيُّ عَسْكَرَهُ مِنْ أَثْقَالِهِمْ، وَسَارَ جَرِيدَةً، وَجَدَّ فِي السَّيْرِ، فَأَدْرَكَهُمْ فِي الْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، فَتَعَبَّأَ الْمُسْلِمُونَ لِلْقِتَالِ، وَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، فَحَمَلَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْفِرِنْجِ عَلَى الْقَلْبِ وَالْأَعْلَامِ، فَشَقُّوا الْعَسْكَرَ وَوَصَلُوا إِلَيْهَا، وَقَدْ تَفَرَّقَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ أَمِيرِهِمْ، وَاخْتَلَّ نِظَامُهُمْ، فَوَصَلَ الْفِرِنْجُ إِلَيْهِ، فَأَصَابَتْهُ ضَرْبَةٌ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ فَقُتِلَ، وَقُتِلَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ النَّاسِ وَشُجْعَانِهِمْ. ثُمَّ إِنَّ الْمُنْهَزِمِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجَعُوا مُصَمِّمِينَ عَلَى الْقِتَالِ لِيَظْفَرُوا أَوْ يَمُوتُوا، وَاشْتَدَّ حِينَئِذٍ الْأَمْرُ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ، فَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ أَقْبَحَ هَزِيمَةٍ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ نَحْوُ أَرْبَعَةِ آلَافِ قَتِيلٍ، وَأُسِرَ مِنْ بَطَارِقَتِهِمْ كَثِيرٌ وَتَبِعُوهُمْ إِلَى أَنْ أَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ، وَغَنِمُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ كَثِيرًا. وَأَفْلَتَ مَلِكُ الْفِرِنْجِ هَارِبًا وَمَعَهُ رَجُلٌ يَهُودِيٌّ كَانَ خِصِّيصًا بِهِ، فَوَقَفَ فَرَسُ الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: ارْكَبْ فَرَسِي، فَإِنْ قُتِلْتُ فَأَنْتَ لِوَلَدِي فَرَكِبَهُ الْمَلِكُ وَقُتِلَ الْيَهُودِيُّ، فَنَجَا الْمَلِكُ إِلَى خِيَامِهِ وَبِهَا زَوْجَتُهُ وَأَصْحَابُهُ فَأَخَذَهُمْ وَعَادَ إِلَى رُومِيَّةَ. وَلَمَّا قُتِلَ الْأَمِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ كَانَ مَعَهُ ابْنُهُ جَابِرٌ، فَقَامَ مَقَامَ أَبِيهِ، وَرَحَلَ بِالْمُسْلِمِينَ لِوَقْتِهِمْ، وَلَمْ يُمَكِّنْهُمْ مِنْ إِتْمَامِ الْغَنِيمَةِ، فَتَرَكُوا كَثِيرًا مِنْهَا، وَسَأَلَهُ أَصْحَابُهُ لِيُقِيمَ إِلَى أَنْ يَجْمَعَ السِّلَاحَ وَغَيْرَهُ وَيُعَمِّرَ بِهِ الْخَزَائِنَ، فَلَمْ يَفْعَلْ.

стр. 4116

وَكَانَتْ وِلَايَةُ أَبِي الْقَاسِمِ عَلَى صِقِلِّيَّةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ عَادِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، كَثِيرَ الشَّفَقَةِ عَلَى رَعِيَّتِهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، عَظِيمَ الصَّدَقَةِ، لَمْ يُخَلِّفْ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا عَقَارًا، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ وَقَفَ جَمِيعَ أَمْلَاكِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَأَبْوَابِ الْبِرِّ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ حَرِيقٌ بِالْكَرْخِ بِبَغْدَاذَ فَاحْتَرَقَ [فِيهَا] مَوَاضِعُ كَثِيرَةٌ هَلَكَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَبَقِيَ الْحَرِيقُ أُسْبُوعًا. وَفِيهَا قَبَضَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَلَى الْقَاضِي أَبِي عَلِيٍّ الْمُحْسِنِ بْنِ عَلِيٍّ التَّنُوخِيِّ، وَأَلْزَمَهُ مَنْزِلَهُ، وَعَزَلَهُ عَنْ أَعْمَالِهِ الَّتِي كَانَ يَتَوَلَّاهَا، وَكَانَ حَنَفِيَّ الْمَذْهَبِ شَدِيدَ التَّعَصُّبِ عَلَى الشَّافِعِيِّ يُطْلِقُ لِسَانَهُ فِيهِ، قَاتَلَهُ اللَّهُ! . وَفِيهَا أَفْرَجَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هِلَالٍ الصَّابِيِّ الْكَاتِبِ. وَكَانَ الْقَبْضُ عَلَيْهِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] . وَكَانَ سَبَبُ قَبْضِهِ أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ عَنْ بَخْتِيَارَ كُتُبًا فِي مَعْنَى الْخُلْفِ الْوَاقِعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَكَانَ يَنْصَحُ صَاحِبَهُ، فَمِمَّا كَتَبَهُ عَنِ الْخَلِيفَةِ الطَّائِعِ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ فِي الْمَعْنَى، وَقَدْ لُقِّبَ عِزُّ الدَّوْلَةِ بِشَاهِنْشَاهْ، فَتَزَحْزَحَ لَهُ عَنْ سُنَنِ الْمُسَاوَاةِ، فَنَقَمَ عَلَيْهِ عَضُدُ الدَّوْلَةِ ذَلِكَ، وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ الْأَشْيَاءِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَعْظُمَ فِي عَيْنِهِ لِنُصْحِهِ لِصَاحِبِهِ، فَلَمَّا أَطْلَقَهُ أَمْرَهُ بِعَمَلِ كِتَابٍ يَتَضَمَّنُ أَخْبَارَهُمْ وَمَحَاسِنَهَا، فَعَمِلَ التَّاجِيُّ فِي دَوْلَةِ الدَّيْلَمِ. وَفِيهَا أَرْسَلَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ الطَّيِّبِ الْأَشْعَرِيَّ الْمَعْرُوفَ

стр. 4117

بِابْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ فِي جَوَابِ رِسَالَةٍ وَرَدَتْ مِنْهُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْمَلِكِ قِيلَ لَهُ لِيُقَبِّلَ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَقِيلَ: لَا سَبِيلَ إِلَى الدُّخُولِ إِلَّا مَعَ تَقْبِيلِ الْأَرْضِ فَأَصَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَعَمِلَ الْمَلِكُ بَابًا صَغِيرًا يَدْخُلُ مِنْهُ الْقَاضِي مُنْحَنِيًا لِيُوهِمَ الْحَاضِرِينَ أَنَّهُ قَبَّلَ الْأَرْضَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَاضِي الْبَابَ عَلِمَ ذَلِكَ، فَاسْتَدْبَرَهُ وَدَخَلَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَازَهُ اسْتَقْبَلَ الْمَلِكَ وَهُوَ قَائِمٌ، فَعَظُمَ عِنْدَهُمْ مَحَلُّهُ. وَفِيهَا فُتِحَ الْمَارَسْتَانُ الْعَضُدِيُّ، غَرْبِيَّ بَغْدَاذَ، وَنُقِلَ إِلَيْهِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَدْوِيَةِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الْجُرْجَانِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ، وَالْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الزَّاهِدُ، يَرْوِي صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ (عَنِ الْفَرَبْرِيِّ) ، وَتُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَفِيفٍ الشِّيرَازِيُّ، شَيْخُ الصُّوفِيَّةِ فِي وَقْتِهِ، صَحِبَ الْجَرِيرِيَّ وَابْنَ عَطَاءٍ وَغَيْرَهُمَا. (وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْحُصْرِيِّ) .

стр. 4118

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَة] ٣٧٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ وِلَايَةِ بَكْجُورَ دِمَشْقَ قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] وِلَايَةَ بَكْجُورَ حِمْصَ لِأَبِي الْمَعَالِي بْنِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، فَلَمَّا وَلِيَهَا عَمَّرَهَا وَكَانَ بَلَدُ دِمَشْقَ قَدْ خَرَّبَهُ الْعَرَبُ وَأَهْلُ الْعَيْثِ وَالْفَسَادِ مُدَّةَ تَحَكُّمِ قَسَّامٍ عَلَيْهَا، وَانْتَقَلَ أَهْلُهُ إِلَى أَعْمَالِ حِمْصَ، فَعَمُرَتْ، وَكَثُرَ أَهْلُهَا وَالْغَلَّاتُ فِيهَا، وَوَقَعَ الْغَلَاءُ وَالْقَحْطُ بِدِمَشْقَ، فَحَمَلَ بَكْجُورُ الْأَقْوَاتَ مِنْ حِمْصَ إِلَيْهَا وَتَرَدَّدَ النَّاسُ فِي حَمْلِ الْغَلَّاتِ، وَحِفْظَ الطُّرُقَ وَحَمَاهَا. وَكَاتَبَ الْعَزِيزَ بِاللَّهِ بِمِصْرَ، وَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ، فَوَعَدَهُ وِلَايَةَ دِمَشْقَ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ. وَوَقَعَتْ وَحْشَةٌ بَيْنَ سَعْدِ الدَّوْلَةِ أَبِي الْمَعَالِي بْنِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ وَبَيْنَ بَكْجُورَ، فَأَرْسَلَ سَعْدُ الدَّوْلَةِ يَأْمُرُهُ بِأَنْ يُفَارِقَ بَلَدَهُ، فَأَرْسَلَ بَكْجُورُ إِلَى الْعَزِيزِ بِاللَّهِ يَطْلُبُ نِجَازَ مَا وَعَدَهُ مِنْ إِمَارَةِ دِمَشْقَ. وَكَانَ الْوَزِيرُ ابْنُ كِلِّسٍ يَمْنَعُ الْعَزِيزَ مِنْ وِلَايَتِهِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ. وَكَانَ الْقَائِدُ يَلْتَكِينُ قَدْ وَلِيَ دِمَشْقَ بَعْدَ قَسَّامٍ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَهُوَ مُقِيمٌ بِهَا. فَاجْتَمَعَ الْمَغَارِبَةُ بِمِصْرَ عَلَى الْوُثُوبِ بِالْوَزِيرِ ابْنِ كِلِّسٍ وَقَتْلِهِ، فَدَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إِلَى أَنْ

стр. 4119

يَسْتَحْضِرَ يَلْتَكِينَ مِنْ دِمَشْقَ، فَأَمَرَهُ الْعَزِيزُ بِإِحْضَارِهِ وَتَسْلِيمِ دِمَشْقَ إِلَى بَكْجُورَ. فَقَالَ: إِنَّ بَكْجُورَ إِنْ وَلِيَهَا عَصَى فِيهَا. فَلَمْ يُصْغِ إِلَى قَوْلِهِ وَأَرْسَلَ إِلَى يَلْتَكِينَ يَأْمُرُهُ بِقَصْدِ مِصْرَ، وَتَسْلِيمِ دِمَشْقَ إِلَى بَكْجُورَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَدَخَلَهَا فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَالِيًا عَلَيْهَا، فَأَسَاءَ السِّيرَةَ إِلَى أَصْحَابِ الْوَزِيرِ ابْنِ كِلِّسٍ وَالْمُتَعَلِّقِينَ بِهِ، حَتَّى إِنَّهُ صَلَبَ بَعْضَهُمْ، وَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْبَلَدِ، وَظَلَمَ النَّاسَ، وَكَانَ لَا يَخْلُو مِنْ أَخْذِ مَالٍ، وَقَتْلٍ، وَصَلْبٍ، وَعُقُوبَةٍ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى سَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَسَنَذْكُرُ هُنَاكَ عَزْلَهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ وَفَاةِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، اشْتَدَّتْ عِلَّةُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ مَا كَانَ يَعْتَادُهُ مِنَ الصَّرَعِ فَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ (عَنْ دَفْعِهِ) ، فَخَنَقَهُ، فَمَاتَ مِنْهُ ثَامِنَ شَوَّالٍ بِبَغْدَاذَ، وَحُمِلَ إِلَى مَشْهَدِ (أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ) عَلِيٍّ، ﵇، فَدُفِنَ بِهِ. وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ بِالْعِرَاقِ خَمْسَ سِنِينَ وَنِصْفًا. وَلَمَّا تُوُفِّيَ جَلَسَ ابْنُهُ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ أَبُو كَالِيجَارَ لِلْعَزَاءِ، فَأَتَاهُ الطَّائِعُ لِلَّهِ مُعَزِّيًا، وَكَانَ عُمْرُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ سَبْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. وَكَانَ قَدْ سَيَّرَ وَلَدَهُ شَرَفَ الدَّوْلَةِ أَبَا الْفَوَارِسِ إِلَى كَرْمَانَ مَالِكًا لَهَا، قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ مَرَضُهُ، وَقِيلَ إِنَّهُ لَمَّا احْتُضِرَ لَمْ يَنْطَلِقْ لِسَانُهُ إِلَّا بِتِلَاوَةِ ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ - هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨ - ٢٩] . وَكَانَ عَاقِلًا، فَاضِلًا، حَسَنَ السِّيَاسَةِ، كَثِيرَ الْإِصَابَةِ، شَدِيدَ الْهَيْبَةِ، بَعِيدَ الْهِمَّةِ، ثَاقِبَ الرَّأْيِ، مُحِبًّا لِلْفَضَائِلِ وَأَهْلِهَا، بَاذِلًا فِي مَوَاضِعِ الْعَطَاءِ، مَانِعًا فِي أَمَاكِنِ الْحَزْمِ نَاظِرًا فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ.

стр. 4120

قِيلَ: لَمَّا مَاتَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بَلَغَ خَبَرُهُ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ، وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الْفُضَلَاءِ، فَتَذَاكَرُوا الْكَلِمَاتِ الَّتِي قَالَهَا الْحُكَمَاءُ عِنْدَ مَوْتِ الْإِسْكَنْدَرِ، وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي أَخْبَارِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ قُلْتُمْ أَنْتُمْ مِثْلَهَا لَكَانَ ذَلِكَ يُؤْثَرُ عَنْكُمْ. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: لَقَدْ وَزَنَ هَذَا الشَّخْصُ الدُّنْيَا بِغَيْرِ مِثْقَالِهَا، وَأَعْطَاهَا فَوْقَ قِيمَتِهَا، وَطَلَبَ الرِّبْحَ فِيهَا فَخَسِرَ رُوحَهُ فِيهَا. وَقَالَ الثَّانِي: مَنِ اسْتَيْقَظَ لِلدُّنْيَا فَهَذَا نَوْمُهُ، وَمَنْ حَلَمَ فِيهَا فَهَذَا انْتِبَاهُهُ. وَقَالَ الثَّالِثُ: مَا رَأَيْتُ عَاقِلًا فِي عَقْلِهِ، وَلَا غَافِلًا فِي غَفْلَتِهِ مِثْلَهُ، لَقَدْ كَانَ يَنْقُضُ جَانِبًا وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مُبْرَمٌ، وَيَغْرَمُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ غَانِمٌ. وَقَالَ الرَّابِعُ: مَنْ جَدَّ لِلدُّنْيَا هَزَلَتْ بِهِ، وَمَنْ هَزَلَ رَاغِبًا عَنْهَا جَدَّتْ لَهُ. وَقَالَ الْخَامِسُ: تَرَكَ هَذَا الدُّنْيَا شَاغِرَةً، وَرَحَلَ عَنْهَا بِلَا زَادٍ وَلَا رَاحِلَةٍ. وَقَالَ السَّادِسُ: إِنَّ مَاءً أَطْفَأَ هَذِهِ النَّارَ لَعَظِيمٌ، وَإِنَّ رِيحًا زَعْزَعَتْ هَذَا الرُّكْنَ لَعَصُوفٌ. وَقَالَ السَّابِعُ: إِنَّمَا سَلَبَكَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْكَ. وَقَالَ الثَّامِنُ: أَمَا إِنَّهُ لَوْ كَانَ مُعْتَبِرًا فِي حَيَاتِهِ لَمَا صَارَ عِبْرَةً فِي مَمَاتِهِ. وَقَالَ التَّاسِعُ: الصَّاعِدُ فِي دَرَجَاتِ الدُّنْيَا إِلَى اسْتِفَالٍ، وَالنَّازِلُ فِي دَرَجَاتِهَا إِلَى تَعَالٍ. وَقَالَ الْعَاشِرُ: كَيْفَ غَفَلْتَ عَنْ كَيْدِ هَذَا الْأَمْرِ حَتَّى نَفَذَ فِيكَ، وَهَلَّا اتَّخَذْتَ دُونَهُ جُنَّةً تَقِيكَ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لِعِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وَإِنَّكَ لَآيَةٌ لِلْمُسْتَبْصِرِينَ. وَبَنَى عَلَى مَدِينَةِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ، سُورًا. وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْ شِعْرِهِ لَمَّاَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو تَغْلِبَ بْنُ حَمْدَانَ يَعْتَذِرُ مِنْ مُسَاعَدَتِهِ بَخْتِيَارَ، وَيَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَقَالَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ: أَأَفَاقَ حِينَ وَطِئْتُ ضَيْقَ خِنَاقِهِ ، يَبْغِي الْأَمَانَ وَكَانَ يَبْغِي صَارِمًا ... فَلْأَرْكَبَنَّ عَزِيمَةً عَضُدِيَّةً ، تَاجِيَّةً، تَدَعُ الْأُنُوفَ رَوَاغِمَا

стр. 4121

وَقَالَ أَبْيَاتًا مِنْهَا بَيْتٌ لَمْ يُفْلِحْ بَعْدَهُ، (وَهِيَ هَذِهِ) : لَيْسَ شُرْبُ الْكَأْسِ إِلَّا ... فِي الْمَطَرْ، وَغِنَاءٌ مِنْ جِوَارٍ فِي السَّحَرْ غَانِيَّاتٍ، سَالِبَاتٍ ... لِلنُّهَى، نَاغِمَاتٍ فِي تَضَاعِيفِ الْوَتَرْ مُبْرِزَاتِ الْكَأْسِ مِنْ مَطْلَعِهَا ، سَاقِيَاتِ الرَّاحِ مَنْ فَاقَ الْبَشَرْ ... عَضُدَ الدَّوْلَةِ وَابْنَ رُكْنِهَا ، مَلِكَ الْأَمْلَاكِ غَلَّابَ الْقَدَرْ وَهَذَا الْبَيْتُ هُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ. وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ فِي قَصْرِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْغِلْمَانِ يَحْمِلُ إِلَيْهِمْ مُشَاهَرَاتِهِمْ مِنَ الْخِزَانَةِ، فَأَمَرَ أَبَا نَصْرٍ خُوَاشَاذَهْ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَى الْخَازِنِ بِأَنْ يُسَلِّمَ جَامَكِيَّةِ الْغِلْمَانِ إِلَى نَقِيبِهِمْ فِي شَهْرٍ قَدْ بَقِيَ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. قَالَ أَبُو نَصْرٍ: فَأُنْسِيتُ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، فَسَأَلَنِي عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَنْ ذَلِكَ فَقُلْتُ: أُنْسِيتُهُ فَأَغْلَظَ لِي، فَقُلْتُ: أَمْسِ اسْتَهَلَّ الشَّهْرُ، وَالسَّاعَةَ نَحْمِلُ الْمَالَ، وَمَا هَاهُنَا مَا يُوجِبُ شَغْلَ الْقَلْبِ. فَقَالَ: الْمُصِيبَةُ بِمَا لَا تَعْلَمُهُ مِنَ الْغَلَطِ أَكْثَرُ مِنْهَا فِي التَّفْرِيطِ، أَلَا تَعْلَمُ أَنَّا إِذَا أَطْلَقْنَا لَهُمْ مَالَهُمْ قَبْلَ مَحَلِّهِ كَانَ الْفَضْلُ لَنَا عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَخَّرْنَا ذَلِكَ عَنْهُمْ، حَتَّى اسْتَهَلَّ الشَّهْرُ الْآخَرُ، حَضَرُوا عِنْدَ عَارِضِهِمْ وَطَالَبُوهُ، فَيَعِدُهُمْ فَيَحْضُرُونَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَيَعِدُهُمْ، ثُمَّ يَحْضُرُونَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، (وَيَبْسُطُونَ أَلْسِنَتَهُمْ) ، فَتَضِيعُ الْمِنَّةُ، وَتَحْصُلُ الْجُرْأَةُ، وَنَكُونُ إِلَى الْخَسَارَةِ أَقْرَبَ مِنَّا إِلَى الرِّبْحِ. وَكَانَ لَا يُعَوِّلُ فِي الْأُمُورِ إِلَّا عَلَى الْكُفَاةِ، وَلَا يَجْعَلُ لِلشَّفَاعَاتِ طَرِيقًا إِلَى مُعَارَضَةِ مَنْ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الشَّافِعِ، وَلَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ.

стр. 4122

حُكِيَ عَنْهُ أَنَّ مُقَدَّمَ جَيْشِهِ أَسْفَارُ بْنُ كَرْدَوَيْهِ شَفَعَ فِي بَعْضِ أَبْنَاءِ الْعُدُولِ لِيَتَقَدَّمَ إِلَى الْقَاضِي لِيَسْمَعَ تَزْكِيَتَهُ وَيَعْدِلَهُ، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ أَشْغَالِكَ، إِنَّمَا الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِكَ الْخِطَابُ فِي زِيَادَةِ قَائِدٍ، وَنَقْلِ مَرْتَبَةِ جُنْدِيٍّ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ، وَأَمَّا الشَّهَادَةُ وَقَبُولُهَا فَهُوَ إِلَى الْقَاضِي وَلَيْسَ لَنَا وَلَا لَكَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَمَتَى عَرَفَ الْقُضَاةُ مِنْ إِنْسَانٍ مَا يَجُوزُ مَعَهُ قَبُولُ شَهَادَتِهِ، فَعَلُوا ذَلِكَ بِغَيْرِ شَفَاعَةٍ. وَكَانَ يُخْرِجُ فِي ابْتِدَاءِ كُلِّ سَنَةٍ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْأَمْوَالِ لِلصَّدَقَةِ وَالْبِرِّ فِي سَائِرِ بِلَادِهِ، وَيَأْمُرُ بِتَسْلِيمِ ذَلِكَ إِلَى الْقُضَاةِ وَوُجُوهِ النَّاسِ لِيَصْرِفُوهُ إِلَى مُسْتَحِقِّيهِ. وَكَانَ يُوصِلُ إِلَى الْعُمَّالِ الْمُتَعَطِّلِينَ مَا يَقُومُ بِهِمْ وَيُحَاسِبُهُمْ بِهِ إِذَا عَمِلُوا. وَكَانَ مُحِبًّا لِلْعُلُومِ وَأَهْلِهَا، مُقَرِّبًا لَهُمْ، مُحْسِنًا إِلَيْهِمْ، وَكَانَ يَجْلِسُ مَعَهُمْ يُعَارِضُهُمْ فِي الْمَسَائِلِ، فَقَصَدَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ كُلِّ بَلَدٍ، وَصَنَّفُوا لَهُ الْكُتُبَ مِنْهَا " الْإِيضَاحُ " فِي النَّحْوِ، وَ " الْحُجَّةُ " فِي الْقِرَاءَاتِ، وَ " الْمَلَكِيُّ " فِي الطِّبِّ، وَ " التَّاجِيُّ " فِي التَّارِيخِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَعَمِلَ الْمَصَالِحَ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ كَالْبِيمَارِسْتَانَاتِ وَالْقَنَاطِرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ أَحْدَثَ فِي آخِرِ أَيَّامِهِ رُسُومًا جَائِرَةً فِي الْمِسَاحَةِ، وَالضَّرَائِبِ عَلَى بَيْعِ الدَّوَابِّ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَمْتِعَةِ، وَزَادَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَمَنَعَ مِنْ عَمَلِ الثَّلْجِ، وَالْقَزِّ، وَجَعَلَهُمَا مَتْجَرًا لِلْخَاصِّ، وَكَانَ يَتَوَصَّلُ إِلَى أَخْذِ الْمَالِ بِكُلِّ طَرِيقٍ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ قَبَضَ عَلَى نَائِبِهِ أَبِي الرَّيَّانِ مِنَ الْغَدِ، فَأُخِذَ مِنْ كُمِّهِ رُقْعَةٌ فِيهَا: أَيَا وَاثِقًا بِالدَّهْرِ عِنْدَ انْصِرَافِهِ! ... رُوَيْدَكَ إِنِّي بِالزَّمَانِ أَخُو خُبْرِ وَيَا شَامِتًا مَهْلًا، فَكَمْ ذِي شَمَاتَةٍ ... تَكُونُ لَهُ الْعُقْبَى بِقَاصِمَةِ الظَّهْرِ

стр. 4123

ذِكْرُ وِلَايَةِ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ الْعِرَاقَ وَمُلْكِ أَخِيهِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ بِلَادَ فَارِسَ لَمَّا تُوُفِّيَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ اجْتَمَعَ الْقُوَّادُ وَالْأُمَرَاءُ عَلَى وَلَدِهِ أَبِي كَالِيجَارَ الْمَرْزُبَانِ، فَبَايَعُوهُ وَوَلَّوْهُ الْإِمَارَةَ، وَلَقَّبُوهُ صَمْصَامَ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا وَلِيَ خَلَعَ عَلَى أَخَوَيْهِ أَبِي الْحُسَيْنِ أَحْمَدَ، وَأَبِي طَاهِرٍ فَيْرُوزْشَاهْ، وَأَقْطَعَهُمَا فَارِسَ، وَأَمَرَهُمَا بِالْجِدِّ فِي السَّيْرِ لِيَسْبِقَا أَخَاهُمَا شَرَفَ الدَّوْلَةِ أَبَا الْفَوَارِسِ شِيرَزِيلَ إِلَى شِيرَازَ. فَلَمَّا وَصَلَا إِلَى أَرَّجَانَ أَتَاهُمَا خَبَرُ وُصُولِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ إِلَى شِيرَازَ، فَعَادَا إِلَى الْأَهْوَازِ. وَكَانَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ بِكَرْمَانَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ وَفَاةِ أَبِيهِ سَارَ مُجِدًّا إِلَى فَارِسَ فَمَلَكَهَا، وَقَبَضَ عَلَى نَصْرِ بْنِ هَارُونَ النَّصْرَانِيِّ، وَزِيرِ أَبِيهِ، وَقَتَلَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يُسِيءُ صُحْبَتَهُ أَيَّامَ أَبِيهِ، وَأَصْلَحَ أَمْرَ الْبِلَادِ، وَأَطْلَقَ الشَّرِيفَ أَبَا الْحُسَيْنِ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَرَ الْعَلَوِيَّ وَالنَّقِيبَ أَبَا أَحْمَدَ الْمُوسَوِيَّ (وَالِدَ الشَّرِيفِ الرَّضِيِّ) ، وَالْقَاضِيَ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ مَعْرُوفٍ، وَأَبَا نَصْرٍ خُوَاشَاذَهْ، وَكَانَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ حَبَسَهُمْ، وَأَظْهَرَ مُشَاقَّةَ أَخِيهِ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ، وَقَطَعَ خُطْبَتَهُ، وَخَطَبَ لِنَفْسِهِ، وَتَلَقَّبَ بِتَاجِ الدَّوْلَةِ، وَفَرَّقَ الْأَمْوَالَ، وَجَمَعَ الرِّجَالَ، وَمَلَكَ الْبَصْرَةَ وَأَقْطَعَهَا أَخَاهُ أَبَا الْحُسَيْنِ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ ثَلَاثَ سِنِينَ إِلَى أَنْ قَبَضَ عَلَيْهِ شَرَفُ الدَّوْلَةِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَلَمَّا سَمِعَ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ بِمَا فَعَلَهُ شَرَفُ الدَّوْلَةِ سَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمُ الْأَمِيرَ (أَبَا الْحَسَنِ بْنَ دَبْعَشَ، حَاجِبَ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَجَهَّزَ تَاجُ الدَّوْلَةِ عَسْكَرًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمُ الْأَمِيرَ) أَبَا الْأَعَزِّ دُبَيْسَ بْنَ عَفِيفٍ الْأَسَدِيَّ، فَالْتَقَيَا بِظَاهِرِ قُرْقُوبَ، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ، وَأُسِرَ دَبْعَشُ، فَاسْتَوْلَى حِينَئِذٍ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ عَلَى الْأَهْوَازِ، وَأَخَذَ مَا فِيهَا وَفِي رَامَهُرْمُزَ، وَطَمِعَ فِي الْمُلْكِ، وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.

стр. 4124

ذِكْرُ قَتْلِ الْحُسَيْنِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ، صَاحِبُ الْبَطِيحَةِ، قَتَلَهُ أَخُوهُ أَبُو الْفَرَجِ وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبَطِيحَةِ. وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ حَسَدَهُ عَلَى وِلَايَتِهِ وَمَحَبَّةِ النَّاسِ لَهُ، فَاتُّفِقَ أَنَّ أُخْتًا لَهُمَا مَرِضَتْ، فَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ لِأَخِيهِ الْحُسَيْنِ: إِنَّ أُخْتَنَا مُشْفِيَةً، فَلَوْ عُدْتَهَا فَفَعَلَ وَسَارَ إِلَيْهَا، وَرَتَّبَ أَبُو الْفَرَجِ فِي الدَّارِ نَفَرًا يُسَاعِدُونَهُ عَلَى قَتْلِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْحُسَيْنُ الدَّارَ تَخَلَّفَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَدَخَلَ أَبُو الْفَرَجِ مَعَهُ وَبِيَدِهِ سَيْفُهُ، فَلَمَّا خَلَا بِهِ قَتَلَهُ، وَوَقَعَتِ الصَّيْحَةُ، فَصَعِدَ إِلَى السَّطْحِ وَأَعْلَمَ الْعَسْكَرَ بِقَتْلِهِ، وَوَعَدَهُمُ الْإِحْسَانَ فَسَكَتُوا، وَبَذَلَ لَهُمُ الْمَالَ، فَأَقَرُّوهُ فِي الْأَمْرِ، وَكَتَبَ إِلَى بَغْدَاذَ يُظْهِرُ الطَّاعَةَ، وَيَطْلُبُ تَقْلِيدَهُ الْوِلَايَةَ، وَكَانَ مُتَهَوِّرًا جَاهِلًا. ذِكْرُ عَوْدِ ابْنِ سِيمْجُورَ إِلَى خُرَاسَانَ لَمَّا عُزِلَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ سِيمْجُورَ عَنْ قِيَادَةِ جُيُوشِ خُرَاسَانَ وَوَلِيَهَا أَبُو الْعَبَّاسِ سَارَ ابْنُ سِيمْجُورَ إِلَى سِجِسْتَانَ فَأَقَامَ بِهَا، فَلَمَّا انْهَزَمَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَنْ جُرْجَانَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، رَأَى الْفِتْنَةَ قَدْ رَفَعَتْ رَأْسَهَا، سَارَ عَنْ سِجِسْتَانَ نَحْوَ خُرَاسَانَ، وَأَقَامَ بِقُهُسْتَانَ. فَلَمَّا سَارَ أَبُو الْعَبَّاسِ إِلَى بُخَارَى، وَخَلَتْ مِنْهُ خُرَاسَانُ، كَاتَبَ ابْنَ سِيمْجُورُ فَائِقًا يَطْلُبُ مُوَافَقَتَهُ عَلَى الِاسْتِيلَاءِ عَلَى خُرَاسَانَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَاجْتَمَعَا بِنَيْسَابُورَ، وَاسْتَوْلَيَا عَلَى تِلْكَ النَّوَاحِي. وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ فَسَارَ عَنْ بُخَارَى فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ إِلَى مَرْوَ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ تَكُونَ نَيْسَابُورُ وَقِيَادَةُ الْجُيُوشِ لِابْنِ الْعَبَّاسِ، وَتَكُونَ بَلْخَ لِفَائِقٍ، وَتَكُونَ هَرَاةُ لِأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ سِيمْجُورَ، وَتَفَرَّقُوا عَلَى ذَلِكَ، وَقَصَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وِلَايَتَهُ.

стр. 4125

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ [الْوَفَيَاتُ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ نَقِيبُ النُّقَبَاءِ أَبُو تَمَّامٍ الزَّيْنَبِيُّ، وَوَلِيَ النِّقَابَةَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَتُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْرُوفُ بِزَوْجِ الْحُرَّةِ فِي صَفَرَ بِبَغْدَاذَ، وَتُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى مَنْصُورُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ الزَّاهِدُ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.

стр. 4126

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَة] ٣٧٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ مَوْتِ مُؤَيَّدِ الدَّوْلَةِ وَعَوْدِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ إِلَى مَمْلَكَتِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَعْبَانَ، تُوُفِّيَ مُؤَيَّدُ الدَّوْلَةِ أَبُو مَنْصُورٍ بُوَيْهُ بْنُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بِجُرْجَانَ، وَكَانَتْ عِلَّتُهُ الْخَوَانِيقَ، وَقَالَ لَهُ الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ: لَوْ عَهِدْتَ إِلَى أَحَدٍ فَقَالَ: أَنَا فِي شُغْلٍ عَنْ هَذَا، وَلَمْ يَعْهَدْ بِالْمُلْكِ إِلَى أَحَدٍ وَكَانَ عُمْرُهُ ثَلَاثًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. وَجَلَسَ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ لِلْعَزَاءِ بِبَغْدَاذَ، فَأَتَاهُ الطَّائِعُ لِلَّهِ مُعَزِّيًا، فَلَقِيَهُ فِي طَيَّارَةٍ. وَلَمَّا مَاتَ مُؤَيَّدُ الدَّوْلَةِ تَشَاوَرَ أَكَابِرُ دَوْلَتِهِ فِيمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَأَشَارَ الصَّاحِبُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَّادٍ بِإِعَادَةِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ إِلَى مَمْلَكَتِهِ، إِذْ هُوَ كَبِيرُ الْبَيْتِ، وَمَالِكُ تِلْكَ الْبِلَادِ قَبْلَ مُؤَيَّدِ الدَّوْلَةِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ آيَاتِ الْإِمَارَةِ وَالْمُلْكِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ وَاسْتَدْعَاهُ، وَهُوَ بِنَيْسَابُورَ، وَأَرْسَلَ الصَّاحِبُ إِلَيْهِ مَنِ اسْتَخْلَفَهُ لِنَفْسِهِ، وَأَقَامَ فِي الْوَقْتِ خُسْرُو فَيْرُوزَ بْنَ رُكْنِ الدَّوْلَةِ لِيَسْكُنَ النَّاسُ إِلَى قُدُومِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ. فَلَمَّا وَصَلَتِ الْأَخْبَارُ إِلَى فَخْرِ الدَّوْلَةِ سَارَ إِلَى جُرْجَانَ، فَلَقِيَهُ الْعَسْكَرُ بِالطَّاعَةِ، وَجَلَسَ فِي دَسْتٍ مَلَكِيٍّ فِي رَمَضَانَ بِغَيْرِ مِنَّةٍ لِأَحَدٍ، فَسُبْحَانَ مَنْ إِذَا أَرَادَ أَمْرًا كَانَ. وَلَمَّا عَادَ إِلَى مَمْلَكَتِهِ قَالَ لَهُ الصَّاحِبُ: يَا مَوْلَانَا قَدْ بَلَّغَكَ اللَّهُ، وَبَلَّغَنِي فِيكَ مَا أَمَّلْتَهُ، مِنْ حُقُوقِ خِدْمَتِي لَكَ إِجَابَتِي إِلَى تَرْكِ الْجُنْدِيَّةِ، وَمُلَازَمَةِ دَارِي وَالتَّوَفُّرِ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ. فَقَالَ: لَا تَقُلْ هَذَا، فَمَا أُرِيدُ الْمُلْكَ إِلَّا لَكَ، وَلَا يَسْتَقِيمُ لِي أَمْرٌ إِلَّا بِكَ، وَإِذَا كَرِهْتَ مُلَابَسَةَ الْأُمُورِ كَرِهْتُهَا أَنَا أَيْضًا وَانْصَرَفْتُ.

стр. 4127

فَقَبَّلَ الْأَرْضَ، وَقَالَ: الْأَمْرُ لَكَ فَاسْتَوْزَرَهُ وَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ، وَصَدَرَ عَنْ رَأْيِهِ فِي جَلِيلِ الْأُمُورِ وَصَغِيرِهَا. وَسُيِّرَتِ الْخِلَعُ مِنَ الْخَلِيفَةِ إِلَى فَخْرِ الدَّوْلَةِ، وَالْعَهْدِ، وَاتَّفَقَ فَخْرُ الدَّوْلَةِ وَصَمْصَامُ الدَّوْلَةِ فَصَارَا يَدًا وَاحِدَةً. ذِكْرُ عَزْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ عَنْ خُرَاسَانَ وَوِلَايَةِ ابْنِ سِيمْجُورَ لَمَّا عَادَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَنْ بُخَارَى إِلَى نَيْسَابُورَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ،، اسْتَوْزَرَ الْأَمِيرُ نُوحٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُزَيْرٍ، وَكَانَ ضِدًّا لِأَبِي الْحُسَيْنِ الْعُتْبِيِّ، وَأَبِي الْعَبَّاسِ، فَلَمَّا وَلِيَ الْوِزَارَةَ بَدَأَ بِعَزْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ عَنْ خُرَاسَانَ، وَإِعَادَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ سِيمْجُورَ إِلَيْهَا، فَكَتَبَ مَنْ بِخُرَاسَانَ مِنَ الْقُوَّادِ إِلَيْهِ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يُقِرَّ أَبَا الْعَبَّاسِ عَلَى عَمَلِهِ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَكَتَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ إِلَى فَخْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهٍ يَسْتَمِدُّهُ، فَأَمَدَّهُ بِمَالٍ كَثِيرٍ وَعَسْكَرٍ، فَأَقَامُوا بِنَيْسَابُورَ، وَأَتَاهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مُعَاضِدًا لَهُمْ عَلَى ابْنِ سِيمْجُورَ. وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ حِينَئِذٍ بِمَرْوَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ سِيمْجُورَ وَفَائِقٌ بِوُصُولِ عَسْكَرِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ إِلَى نَيْسَابُورَ قَصَدُوهُمْ، فَانْحَازَ عَسْكَرُ فَخْرِ الدَّوْلَةِ وَابْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَأَقَامُوا يَنْتَظِرُونَ أَبَا الْعَبَّاسِ، وَنَزَلَ ابْنُ سِيمْجُورَ وَمَنْ مَعَهُ بِظَاهِرِ نَيْسَابُورَ، وَوَصَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِيمَنْ مَعَهُ وَاجْتَمَعَ بِعَسْكَرِ الدَّيْلَمِ، وَنَزَلَ بِالْجَانِبِ الْآخَرِ، وَجَرَى بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ عِدَّةَ أَيَّامٍ، وَتَحَصَّنَ ابْنُ سِيمْجُورَ بِالْبَلَدِ، وَأَنْفَذَ فَخْرُ الدَّوْلَةِ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ عَسْكَرًا آخَرَ، أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ فَارِسٍ، فَلَمَّا رَأَى ابْنُ سِيمْجُورَ قُوَّةَ أَبِي الْعَبَّاسِ انْحَازَ عَنْ نَيْسَابُورَ، فَسَارَ عَنْهَا لَيْلًا، وَتَبِعَهُ عَسْكَرُ أَبِي الْعَبَّاسِ، فَغَنِمُوا كَثِيرًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ، وَاسْتَوْلَى أَبُو الْعَبَّاسِ عَلَى نَيْسَابُورَ، وَرَاسَلَ الْأَمِيرَ نُوحَ بْنَ مَنْصُورٍ يَسْتَمِيلُهُ وَيَسْتَعْطِفُهُ، وَلَجَّ ابْنُ عُزَيْرٍ فِي عَزْلِهِ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ وَالِدَةُ الْأَمِيرِ نُوحٍ، وَكَانَتْ تَحْكُمُ فِي دَوْلَةِ وَلَدِهَا، وَكَانُوا يَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهَا، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ فِي ذَلِكَ:

стр. 4128

شَيْئَانِ يَعْجِزُ ذُو الرِّيَاضَةِ عَنْهُمَا ... رَأْيُ النِّسَاءِ، وَإِمْرَةُ الصِّبْيَانِ أَمَّا النِّسَاءُ فَمَيْلُهُنَّ إِلَى الْهَوَى ... وَأَخُو الصِّبَا يَجْرِي بِغَيْرِ عِنَانِ ذِكْرُ انْهِزَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ إِلَى جُرْجَانَ وَوَفَاتِهِ لَمَّا انْهَزَمَ ابْنُ سِيمْجُورَ أَقَامَ أَبُو الْعَبَّاسِ بِنَيْسَابُورَ يَسْتَعْطِفُ الْأَمِيرَ نُوحًا وَوَزِيرَهُ ابْنَ عُزَيْرٍ، وَتَرَكَ اتِّبَاعَ ابْنِ سِيمْجُورَ وَإِخْرَاجَهُ مِنْ خُرَاسَانَ، فَتَرَاجَعَ إِلَى ابْنِ سِيمْجُورَ أَصْحَابُهُ الْمُنْهَزِمُونَ، وَعَادَتْ قُوَّتُهُ، وَأَتَتْهُ الْأَمْدَادُ مِنْ بُخَارَى، وَكَاتَبَ شَرَفَ الدَّوْلَةِ أَبَا الْفَوَارِسِ بْنَ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ بِفَارِسَ، يَسْتَمِدُّهُ، فَأَمَدَّهُ بِأَلْفَيْ فَارِسٍ مُرَاغَمَةً لِعَمِّهِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا كَثُفَ جَمْعُهُ قَصَدَ أَبَا الْعَبَّاسِ، (فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، فَانْهَزَمَ أَبُو الْعَبَّاسِ) وَأَصْحَابُهُ، وَأُسِرَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ. وَقَصَدَ أَبُو الْعَبَّاسِ جُرْجَانَ، وَبِهَا فَخْرُ الدَّوْلَةِ، فَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ، وَتَرَكَ لَهُ جُرْجَانَ وَدِهِسْتَانَ وَأَسْتَرَابَاذَ صَافِيَةً لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ، وَسَارَ عَنْهَا إِلَى الرَّيِّ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْآلَاتِ مَا يَجِلُّ عَنِ الْوَصْفِ. وَأَقَامَ أَبُو الْعَبَّاسِ بِجُرْجَانَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَسَارَ نَحْوَ خُرَاسَانَ، فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا، وَعَادَ إِلَى جُرْجَانَ وَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ وَقَعَ بِهَا وَبَاءٌ شَدِيدٌ مَاتَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ مَاتَ هُوَ أَيْضًا، وَكَانَ مَوْتُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ مَسْمُومًا. وَكَانَ أَصْحَابُهُ قَدْ أَسَاءُوا السِّيرَةَ مَعَ أَهْلِ جُرْجَانَ، فَلَمَّا مَاتَ ثَارَ بِهِمْ أَهْلُهَا وَنَهَبُوهُمْ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ أَجْلَتْ عَنْ هَزِيمَةِ الْجُرْجَانِيَّةِ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأُحْرِقَتْ دُورُهُمْ، وَنُهِبَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَطَلَبَ مَشَايِخُهُمُ الْأَمَانَ، فَكَفُّوا عَنْهُمْ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ، فَسَارَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى خُرَاسَانَ، وَاتَّصَلُوا بِأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ سِيمْجُورَ، وَكَانَ حِينَئِذٍ صَاحِبَ الْجَيْشِ مَكَانَ أَبِيهِ، وَكَانَ وَالِدُهُ قَدْ تُوُفِّيَ فَجْأَةً، وَهُوَ يُجَامِعُ بَعْضَ حَظَايَاهُ، فَمَاتَ عَلَى صَدْرِهَا، فَلَمَّا مَاتَ قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو عَلِيٍّ،

стр. 4129

وَاجْتَمَعَ إِخْوَتُهُ عَلَى طَاعَتِهِ، مِنْهُمْ أَخُوهُ أَبُو الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ، فَنَازَعَهُ فَائِقٌ الْوِلَايَةَ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] عِنْدَ مُلْكِ التُّرْكِ بُخَارَى، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ قَتْلِ أَبِي الْفَرَجِ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ وَمُلْكِ أَبِي الْمَعَالِي ابْنِ أَخِيهِ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ أَبُو الْفَرَجِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ صَاحِبُ الْبَطِيحَةِ، وَوَلِيَ، أَبُو الْمَعَالِي ابْنُ أَخِيهِ الْحَسَنِ. وَسَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ أَبَا الْفَرَجِ قَدَّمَ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ سَاعَدُوهُ عَلَى قَتْلِ أَخِيهِ، وَوَضَعَ مِنْ حَالِ مُقَدَّمِي الْقُوَّادِ، فَجَمَعَهُمُ الْمُظَفَّرُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَاجِبُ، وَهُوَ أَكْبَرُ قُوَّادِ أَبِيهِ عِمْرَانَ وَأَخِيهِ الْحَسَنِ، وَحَذَّرَهُمْ عَاقِبَةَ أَمْرِهِمْ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِ أَبِي الْفَرَجِ، فَقَتَلَهُ الْمُظَفَّرُ وَأَجْلَسَ أَبَا الْمَعَالِي مَكَانَهُ، وَتَوَلَّى تَدْبِيرَهُ بِنَفْسِهِ، وَقَتَلَ كُلَّ مَنْ كَانَ يَخَافُهُ مِنَ الْقُوَّادِ، وَلَمْ يَتْرُكْ مَعَهُ إِلَّا مَنْ يَثِقُ بِهِ، وَكَانَ أَبُو الْمَعَالِي صَغِيرًا. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الْمُظَفَّرِ عَلَى الْبَطِيحَةِ لَمَّا طَالَتْ أَيَّامُ عَلِيٍّ الْمُظَفَّرِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَاجِبِ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، طَمِعَ فِي الِاسْتِقْلَالِ بِأَمْرِ الْبَطِيحَةِ، فَوَضَعَ كِتَابًا عَنْ لِسَانِ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ إِلَيْهِ يَتَضَمَّنُ التَّعْوِيلَ عَلَيْهِ فِي وِلَايَةِ الْبَطِيحَةِ، وَسَلَّمَهُ إِلَى رِكَابِيٍّ غَرِيبٍ، وَأَمْرَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ إِذَا كَانَ الْقُوَّادُ وَالْأَجْنَادُ عِنْدَهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَأَتَاهُ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الْغُبَارِ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْكِتَابَ، فَقَبَّلَهُ وَفَتَحَهُ، وَقَرَأَهُ بِمَحْضَرٍ مِنَ الْأَجْنَادِ، وَأَجَابَ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَعَزَلَ أَبَا الْمَعَالِي، وَجَعَلَهُ مَعَ وَالِدَتِهِ، وَأَجْرَى عَلَيْهِمَا جِرَايَةً، ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا إِلَى وَاسِطَ، وَكَانَ يَصِلُهُمَا بِمَا يُنْفِقَانِهِ، وَاسْتَبَدَّ بِالْأَمْرِ وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ، وَعَدَلَ فِي النَّاسِ مُدَّةً. ثُمَّ إِنَّهُ عَهِدَ إِلَى ابْنِ أُخْتِهِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ الْمُلَقَّبِ بِمُهَذَّبِ الدَّوْلَةِ وَكَانَ يُلَقَّبُ حِينَئِذٍ بِالْأَمِيرِ الْمُخْتَارِ، وَبَعْدَهُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِهِ الْأُخْرَى، وَانْقَرَضَ بَيْتُ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ، وَكَذَلِكَ الدُّنْيَا دُوَلٌ، وَمَا أَشْبَهَ حَالَهُ بِحَالِ بَاذٍ، فَإِنَّهُ مَلَكَ، وَانْتَقَلَ الْمُلْكُ إِلَى ابْنِ أُخْتِهِ مُمَهِّدِ الدَّوْلَةِ ابْنِ مَرْوَانَ.

стр. 4130

ذِكْرُ عِصْيَانِ مُحَمَّدِ بْنِ غَانِمٍ وَفِيهَا عَصَى مُحَمَّدُ بْنُ غَانِمٍ الْبَرْزِيكَانِيُّ بِنَاحِيَةِ كُورَدْرَ، مِنْ أَعْمَالٍ قُمَّ، عَلَى فَخْرِ الدَّوْلَةِ، وَأَخَذَ بَعْضَ غَلَّاتِ السُّلْطَانِ، وَامْتَنَعَ بِحِصْنِ الْهَفْتَجَانِ، وَجَمَعَ الْبَرْزِيكَانِيَّ إِلَى نَفْسِهِ، فَسَارَتْ إِلَيْهِ الْعَسَاكِرُ، فِي شَوَّالٍ، لِقِتَالِهِ، فَهَزَمَهَا، وَأُعِيدَتْ إِلَيْهِ مِنَ الرَّيِّ مَرَّةً أُخْرَى فَهَزَمَهَا. فَأَرْسَلَ فَخْرُ الدَّوْلَةِ إِلَى أَبِي النَّجْمِ بَدْرِ بْنِ حَسْنُوَيْهِ يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَيَأْمُرُهُ بِإِصْلَاحِ الْحَالِ مَعَهُ، فَفَعَلَ، وَرَاسَلَهُ، فَاصْطَلَحُوا أَوَّلَ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] (وَبَقِيَ إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ) ، فَسَارَ إِلَيْهِ جَيْشٌ لِفَخْرِ الدَّوْلَةِ، فَقَاتَلَهُ، فَأَصَابَتْهُ طَعْنَةٌ، وَأُخِذَ أَسِيرًا، فَمَاتَ مِنْ طَعْنَتِهِ. ذِكْرُ انْتِقَالِ بَعْضِ صِنْهَاجَةَ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ وَمَا فَعَلُوهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْتَقَلَ أَوْلَادُ زِيرِي بْنِ مَنَادٍ، وَهُمْ زَاوِي وَجَلَالَةُ وَمَاكْسَنُ إِخْوَةُ بُلُكِّينَ، إِلَى الْأَنْدَلُسِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ وَقَعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَخِيهِمْ حَمَّادٍ حُرُوبٌ وَقِتَالٌ عَلَى بِلَادٍ بَيْنَهُمْ، فَغَلَبَهُمْ حَمَّادٌ، فَتَوَجَّهُوا إِلَى طَنْجَةَ وَمِنْهَا إِلَى قُرْطُبَةَ، فَأَنْزَلَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ وَسُرَّ بِهِمْ، وَأَجْرَى عَلَيْهِمُ الْوَظَائِفَ وَأَكْرَمَهُمْ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ سَبَبِ انْتِقَالِهِمْ، فَأَخْبَرُوهُ، وَقَالُوا لَهُ: إِنَّمَا اخْتَرْنَاكَ عَلَى غَيْرِكَ، وَأَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ مَعَكَ نُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَوَعَدَهُمْ وَوَصَلَهُمْ، فَأَقَامُوا أَيَّامًا. ثُمَّ دَخَلُوا عَلَيْهِ وَسَأَلُوهُ إِتْمَامَ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ الْغَزْوِ، فَقَالَ: انْظُرُوا مَا أَرَدْتُمْ مِنَ الْجُنْدِ نُعْطِكُمْ فَقَالُوا: مَا يَدْخُلُ مَعَنَا بِلَادَ الْعَدُوِّ غَيْرُنَا إِلَّا الَّذِينَ مَعَنَا مِنْ بَنِي عَمِّنَا، وَصِنْهَاجَةَ وَمَوَالِينَا فَأَعْطَاهُمُ الْخَيْلَ وَالسِّلَاحَ وَالْأَمْوَالَ، وَبَعَثَ مَعَهُمْ دَلِيلًا، وَكَانَ الطَّرِيقُ ضَيِّقًا، فَأَتَوْا أَرْضَ جِلِّيقِيَّةَ، فَدَخَلُوهَا لَيْلًا، وَكَمَنُوا فِي بُسْتَانٍ بِالْقُرْبِ مِنَ

стр. 4131

الْمَدِينَةِ، وَقَتَلُوا كُلَّ مَنْ بِهِ وَقَطَعُوا أَشْجَارَهُ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا خَرَجَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْبَلَدِ فَضَرَبُوا عَلَيْهِمْ وَأَخَذُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ جَمِيعَهُمْ وَرَجَعُوا. وَتَسَامَعَ الْعَدُوُّ، فَرَكِبُوا فِي أَثَرِهِمْ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِذَلِكَ كَمَنُوا وَرَاءَ رَبْوَةٍ، فَلَمَّا جَاوَزَهُمُ الْعَدُوُّ خَرَجُوا عَلَيْهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَضَرَبُوا فِي سَاقَتِهِمْ وَكَبَّرُوا، فَلَمَّا سَمِعَ الْعَدُوُّ تَكْبِيرَهُمْ ظَنُّوا أَنَّ الْعَدَدَ كَثِيرٌ، فَانْهَزَمُوا، وَتَبِعَهُمْ صِنْهَاجَةُ، فَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا، وَغَنِمُوا دَوَابَّهُمْ وَسِلَاحَهُمْ وَعَادُوا إِلَى قُرْطُبَةَ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي عَامِرٍ، وَرَأَى مِنْ شَجَاعَتِهِمْ مَا لَمْ يَرَهُ مِنْ جُنْدِ الْأَنْدَلُسِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَجَعَلَهُمْ بِطَانَتَهُ. ذِكْرُ غَزْوِ ابْنِ أَبِي عَامِرٍ إِلَى الْفِرِنْجِ بِالْأَنْدَلُسِ لَمَّا رَأَى أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ فِعْلَ صِنْهَاجَةَ حَسَدُوهُمْ، وَرَغِبُوا فِي الْجِهَادِ، وَقَالُوا لِلْمَنْصُورِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ: لَقَدْ نَشَّطْنَا هَؤُلَاءِ لِلْغَزْوِ. فَجَمَعَ الْجُيُوشَ الْكَثِيرَةَ مِنْ سَائِرِ الْأَقْطَارِ، وَخَرَجَ إِلَى الْجِهَادِ، وَكَانَ رَأَى فِي مَنَامِهِ، تِلْكَ اللَّيَالِيَ، كَأَنَّ رَجُلًا أَعْطَاهُ الْأَسْبَرَاجَ، فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ وَأَكَلَ مِنْهُ، فَعَبَرَهُ عَلَى ابْنِ أَبِي جُمْعَةَ، فَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ إِلَى بَلَدِ إَلْيُونَ فَإِنَّكَ سَتَفْتَحُهَا فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَخَذْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: لِأَنَّ الْأَسْبَرَاجَ يُقَالُ لَهُ فِي الْمَشْرِقِ الْهِلْيَوْنُ، فَمَلَكُ الرُّؤْيَا قَالَ لَكَ: هَا لِيُونُ. فَخَرَجَ إِلَيْهَا وَنَازَلَهَا، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ مَدَائِنِهِمْ، وَاسْتَمَدَّ أَهْلُهَا الْفِرِنْجَ، فَأَمَدُّوهُمْ بِجُيُوشٍ كَثِيرَةٍ، وَاقْتَتَلُوا لَيْلًا وَنَهَارًا، فَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَصَبَرَتْ صِنْهَاجَةُ صَبْرًا عَظِيمًا، ثُمَّ خَرَجَ قُومَصٌ كَبِيرٌ مِنَ الْفِرِنْجِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِثْلُهُ، فَجَالَ بَيْنَ الصُّفُوفِ وَطَلَبَ الْبَرَازَ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ جَلَالَةُ بْنُ زِيرِي الصِّنْهَاجِيُّ فَحَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، فَطَعَنَهُ الْفِرِنْجِيُّ فَمَالَ عَنِ الطَّعْنَةِ وَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى عَاتِقِهِ فَأَبَانَ عَاتِقَهُ، فَسَقَطَ الْفِرِنْجِيُّ إِلَى الْأَرْضِ، وَحَمَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى النَّصَارَى، فَانْهَزَمُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَا لَا يُحْصَى (وَمَلَكَ الْمَدِينَةَ) .

стр. 4132

وَغَنِمَ ابْنُ أَبِي عَامِرٍ غَنِيمَةً عَظِيمَةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا، وَاجْتَمَعَ مِنَ السَّبْيِ ثَلَاثُونَ أَلْفًا، وَأَمَرَ بِالْقَتْلَى فَنُضِّدَتْ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَأَمَرَ مُؤَذِّنًا أَذَّنَ فَوْقَ الْقَتْلَى الْمَغْرِبَ، وَخَرَّبَ مَدِينَةَ قَامُونَةَ، وَرَجَعَ سَالِمًا هُوَ وَعَسَاكِرُهُ. ذِكْرُ وَفَاةِ يُوسُفَ بُلُكِّينَ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ الْمَنْصُورِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، تُوُفِّيَ يُوسُفُ بُلُكِّينُ بْنُ زِيرِي صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ بِوَارْقَلِينَ. وَسَبَبُ مُضِيِّهِ إِلَيْهَا أَنَّ خَزَرُونَ الزَّنَاتِيَّ دَخَلَ سِجِلْمَاسَةَ، وَطَرَدَ عَنْهَا نَائِبَ يُوسُفَ بُلُكِّينَ، وَنَهَبَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْعُدَدِ، وَتَغَلَّبَ عَلَى فَاسَ زِيرِي بْنُ عَطِيَّةَ الزَّنَاتِيُّ، فَرَحَلَ يُوسُفُ إِلَيْهَا، فَاعْتَلَّ فِي الطَّرِيقِ بِقُولَنْجٍ، وَقِيلَ خَرَجَ فِي يَدِهِ بَثْرَةٌ فَمَاتَ مِنْهَا، فَأَوْصَى بِوِلَايَةِ ابْنِهِ الْمَنْصُورِ، وَكَانَ الْمَنْصُورُ بِمَدِينَةِ أَشِيرَ، فَجَلَسَ لِلْعَزَاءِ بِأَبِيهِ، وَأَتَاهُ أَهْلُ الْقَيْرَوَانِ وَسَائِرِ الْبِلَادِ يُعَزُّونَهُ بِأَبِيهِ وَيُهَنُّونَهُ بِالْوِلَايَةِ، فَأَحْسَنَ إِلَى النَّاسِ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبِي يُوسُفَ وَجَدِّي زِيرِي كَانَا يَأْخُذَانِ النَّاسَ بِالسَّيْفِ، وَأَنَا لَا آخُذُهُمْ إِلَّا بِالْإِحْسَانِ، وَلَسْتُ مِمَّنْ يُوَلَّى بِكِتَابٍ وَيُعْزَلُ بِكِتَابٍ، يَعْنِي أَنَّ الْخَلِيفَةَ بِمِصْرَ لَا يَقْدِرُ عَلَى عَزْلِهِ بِكِتَابٍ. ثُمَّ سَارَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، وَسَكَنَ بِرِقَّادَةَ، وَوَلِيَ الْأَعْمَالَ، وَاسْتَعْمَلَ الْأُمَرَاءَ وَأَرْسَلَ هَدِيَّةً عَظِيمَةً إِلَى الْعَزِيزِ بِاللَّهِ بِمِصْرَ، قِيلَ: كَانَتْ قِيمَتُهَا أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ عَادَ إِلَى أَشِيرَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى جِبَايَةِ الْأَمْوَالِ بِالْقَيْرَوَانِ، وَالْمَهْدِيَّةِ، وَجَمِيعِ إِفْرِيقِيَّةَ إِنْسَانًا يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْكَاتِبِ. ذِكْرُ أَمْرِ بَاذٍ الْكُرْدِيِّ خَالِ بَنِي مَرْوَانَ وَمُلْكِهِ الْمَوْصِلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَوِيَ أَمْرُ بَاذٍ الْكُرْدِيِّ، وَاسْمُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ دُوسْتَكَ

стр. 4133

وَهُوَ مِنَ الْأَكْرَادِ الْحُمَيْدِيَّةِ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَغْزُو بِثُغُورِ دِيَارِ بَكْرٍ كَثِيرًا، وَكَانَ عَظِيمَ الْخِلْقَةِ، لَهُ بَأْسٌ وَشِدَّةٌ، فَلَمَّا مَلَكَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ الْمَوْصِلَ حَضَرَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَأَى عَضُدَ الدَّوْلَةِ خَافَهُ وَقَالَ: مَا أَظُنُّهُ يُبْقِي عَلَيَّ فَهَرَبَ حِينَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، وَطَلَبَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بَعْدَ خُرُوجِهِ لِيَقْبِضَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَهُ بَأْسٌ وَشِدَّةٌ، وَفِيهِ شَرٌّ، وَيَجُوزُ الْإِبْقَاءُ عَلَى مِثْلِهِ فَأُخْبِرَ بِهَرَبِهِ فَكَفَّ عَنْ طَلَبِهِ. وَحَصَلَ بِثُغُورِ دِيَارِ بَكْرٍ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنِ اسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ وَقَوِيَ، وَمَلَكَ مَيَّافَارِقِينَ وَكَثِيرًا مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ بَعْدَ مَوْتِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَوَصَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ إِلَى نَصِيبِينَ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، فَجَهَّزَ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ إِلَيْهِ الْعَسَاكِرَ مَعَ أَبِي سَعْدٍ بَهْرَامَ بْنِ أَرْدَشِيَرَ، فَوَاقَعَهُ، فَانْهَزَمَ بَهْرَامُ وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَوِيَ أَمْرُ بَاذٍ، فَأَرْسَلَ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ إِلَيْهِ أَبَا الْقَاسِمِ سَعْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْحَاجِبَ فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ، فَالْتَقَوْا بِبَاجُلَايَا عَلَى خَابُورِ الْحُسَيْنِيَّةِ، مِنْ بَلَدِ كَوَاشَى، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ سَعْدٌ وَأَصْحَابُهُ، وَاسْتَوْلَى بَاذٌ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الدَّيْلَمِ، فَقَتَلَ وَأَسَرَ، ثُمَّ قَتَلَ الْأَسْرَى صَبْرًا. وَفِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ يَقُولُ أَبُو الْحَسَنِ الْبَشْنَوِيُّ: بِبَاجُلَايَا جَلَوْنَا عَنْهُ غُمَّتَهُ ، وَنَحْنُ فِي الرَّوْعِ جَلَّاءُونَ لِلْكُرَبِ (يَعْنِي بَاذًا) ، (وَسَنَذْكُرُ سَبَبَهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَمَّا هَزَمَ بَاذٌ الدَّيْلَمَ وَسَعْدًا، وَفَعَلَ بِهِمْ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، سَبَقَهُ سَعْدٌ فَدَخَلَ الْمَوْصِلَ، وَسَارَ بَاذٌ فِي أَثَرِهِ، فَثَارَ الْعَامَّةُ بِسَعْدٍ لِسُوءِ سِيرَةِ الدَّيْلَمِ فِيهِمْ، فَنَجَا مِنْهُمْ بِنَفْسِهِ، وَدَخَلَ بَاذٌ إِلَى الْمَوْصِلِ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، وَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِالتَّغَلُّبِ عَلَى بَغْدَاذَ وَإِزَالَةِ الدَّيْلَمِ عَنْهَا، وَخَرَجَ مِنْ حَدِّ الْمُتَطَرِّفِينَ، وَصَارَ فِي عِدَادِ أَصْحَابِ

стр. 4134

الْأَطْرَافِ. فَخَافَهُ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ، وَأَهَمَّهُ أَمْرُهُ، وَشَغَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ لِيُسَيِّرَهَا إِلَيْهِ، فَانْقَضَتِ السَّنَةُ. وَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْدِقَائِنَا مِنَ الْأَكْرَادِ الْحُمَيْدِيَّةِ مِمَّنْ يَعْتَنِي بِأَخْبَارِ بَاذٍ أَنَّ بَاذًا كُنْيَتُهُ أَبُو شُجَاعٍ، وَاسْمُهُ بَاذٍ، وَأَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْحُسَيْنُ بْنُ دُوسْتَكَ، وَهُوَ أَخُو بَاذٍ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهِ أَنَّهُ، كَانَ يَرْعَى الْغَنَمَ، وَكَانَ كَرِيمًا جَوَادًا، وَكَانَ يَذْبَحُ الْغَنَمَ الَّتِي لَهُ وَيُطْعِمُ النَّاسَ، فَظَهَرَ عَنْهُ اسْمُ الْجُودِ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَصَارَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، وَكُلَّمَا حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ أَخْرَجَهُ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَصَارَ يَغْزُو، ثُمَّ إِنَّهُ دَخَلَ أَرْمِينِيَّةَ، فَمَلَكَ مَدِينَةَ أَرْجِيشَ، وَهِيَ أَوَّلُ مَدِينَةٍ مَلَكَهَا، فَقَوِيَ بِهَا، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى دِيَارِ بَكْرٍ، فَمَلَكَ مَدِينَةَ آمِدَ، ثُمَّ مَلَكَ مَدِينَةَ مَيَّافَارِقِينَ وَغَيْرَهَا مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ، وَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ فَمَلَكَهَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ الْعَزِيزُ بِاللَّهِ (الْخَلِيفَةُ الْعَلَوِيُّ) عَلَى دِمَشْقَ وَأَعْمَالِهَا بَكْجُورَ التُّرْكِيَّ مَوْلَى قَرْغَوَيْهِ أَحَدِ غِلْمَانِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، وَكَانَ لَهُ حِمْصُ، فَسَارَ مِنْهَا إِلَى دِمَشْقَ، وَظَلَمَ أَهْلَهَا، وَعَسَفَهُمْ وَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِيهِمْ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] مُسْتَقْصًى. وَفِيهَا وَزَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ فَسَانْجِسَ لِشَرَفِ الدَّوْلَةِ. وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، انْقَضَّ كَوْكَبٌ عَظِيمٌ أَضَاءَتْ لَهُ الدُّنْيَا، وَسُمِعَ لَهُ مِثْلُ دَوِيِّ الرَّعْدِ الشَّدِيدِ. وَفِيهَا غَلَتِ الْأَسْعَارُ بِالْعِرَاقِ وَمَا يُجَاوِرُهُ مِنَ الْبِلَادِ، وَعَدَمَتِ الْأَقْوَاتُ، فَمَاتَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ جُوعًا.

стр. 4135

وَفِيهَا وَزَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعْدَانَ لِصَمْصَامِ الدَّوْلَةِ. وَفِيهَا وَرَدَ الْقَرَامِطَةُ إِلَى قُرَيْبِ بَغْدَاذَ، وَطَمِعُوا بِمَوْتِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَصُولِحُوا عَلَى مَالٍ أَخَذُوهُ وَعَادُوا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا، (فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ) ، تُوُفِّيَ (سَعِيدُ بْنُ سَلَامٍ) أَبُو عُثْمَانَ الْمَغْرِبِيُّ بِنَيْسَابُورَ، وَمَوْلِدُهُ بِالْقَيْرَوَانِ، وَدَخَلَ الشَّامَ، فَصَحِبَ الشُّيُوخَ مِنْهُمْ أَبُو الْخَيْرِ الْأَقْطَعُ وَغَيْرُهُ، (وَكَانَ مِنْ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ) .
следующие страницы →