Полный текст (6 163 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.
стр. 4236
هَذِهِ نُسْخَتُهُ: " يَقُولُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْأَزْهَرِيِّ: قَرَأَ عَلَيَّ الشَّارُ أَبُو نَصْرٍ هَذَا الْجُزْءَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، وَكَتَبَهُ بِيَدِهِ صَحَّ ". فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِغَالِهِ وَعِلْمِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّ مَنْ يَصْحَبُ مِثْلَ الْأَزْهَرِيِّ، وَيَقْرَأُ كِتَابَهُ " التَّهْذِيبَ "، يَكُونُ فَاضِلًا.
ذِكْرُ انْقِرَاضِ دَوْلَةِ السَّامَانِيَّةِ وَمُلْكِ التُّرْكِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْقَرَضَتْ دَوْلَةُ آلِ سَامَانَ عَلَى يَدِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، وَأَيْلَكَ الْخَانِ التُّرْكِيِّ، وَاسْمُهُ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَلَقَبُهُ شَمْسُ الدَّوْلَةِ.
فَأَمَّا مَحْمُودٌ فَإِنَّهُ مَلَكَ خُرَاسَانَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَبَقِيَ بِيَدِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ نُوحٍ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَلَمَّا انْهَزَمَ مِنْ مَحْمُودٍ قَصَدَ بُخَارَى وَاجْتَمَعَ بِهَا هُوَ وَفَائِقٌ وَبَكْتُوزُونُ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْأَكَابِرِ، فَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وَشَرَعُوا فِي جَمْعِ الْعَسَاكِرِ، وَعَزَمُوا عَلَى الْعَوْدِ إِلَى خُرَاسَانَ، فَاتُّفِقَ أَنْ مَاتَ فَائِقٌ، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَلَمَّا مَاتَ ضَعُفَتْ نُفُوسُهُمْ، وَوَهَنَتْ قُوَّتُهُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ هُوَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَكَانَ خَصِيًّا مِنْ مَوَالِي نُوحِ بْنِ نَصْرٍ.
وَبَلَغَ خَبَرُهُمْ إِلَى أَيْلَكَ الْخَانِ، فَسَارَ فِي جَمْعِ الْأَتْرَاكِ إِلَى بُخَارَى، وَأَظْهَرَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ الْمَوَدَّةَ وَالْمُوَالَاةَ، وَالْحَمِيَّةَ لَهُ، فَظَنُّوهُ صَادِقًا، وَلَمْ يَحْتَرِسُوا مِنْهُ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ بَكْتُوزُونُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْقُوَّادِ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَبَضَ عَلَيْهِمْ، وَسَارَ حَتَّى دَخَلَ بُخَارَى يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ عَاشِرَ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَلَمْ يَدْرِ عَبْدُ الْمَلِكِ مَا يَصْنَعُ لِقِلَّةِ عَدَدِهِ، فَاخْتَفَى وَنَزَلَ أَيْلَكُ الْخَانُ دَارَ الْإِمَارَةِ، وَبَثَّ الطَّلَبَ وَالْعُيُونَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، حَتَّى ظَفِرَ بِهِ، فَأَوْدَعَهُ بَافْكَنْدَ فَمَاتَ بِهَا، وَكَانَ آخِرَ مُلُوكِ السَّامَانِيَّةِ، وَانْتَقَضَتْ دَوْلَتُهُمْ عَلَى يَدِهِ كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ، كَدَأْبِ الدُّوَلِ قَبْلَهَا، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ. وَحُبِسَ مَعَهُ أَخُوهُ أَبُو الْحَرْثِ مَنْصُورُ بْنُ نُوحٍ الَّذِي كَانَ فِي الْمُلْكِ قَبْلَهُ، وَأَخَوَاهُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ، وَأَبُو يَعْقُوبَ ابْنَا نُوحٍ، وَعَمَّاهُ أَبُو زَكَرِيَّاءَ وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ آلِ سَامَانَ، وَأَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي حُجْرَةٍ.
стр. 4237
وَكَانَتْ دَوْلَتُهُمْ قَدِ انْتَشَرَتْ وَطَبَّقَتْ كَثِيرًا مِنَ الْأَرْضِ مِنْ حُدُودِ حُلْوَانَ إِلَى بِلَادِ التُّرْكِ، بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَكَانَتْ مِنْ أَحْسَنِ الدُّوَلِ سِيرَةً وَعَدْلًا، وَعَبْدُ الْمَلِكِ هَذَا هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ نُوحِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ نُوحِ بْنِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ كُلُّهُمْ مَلَكُوا، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ لَيْسَ مَذْكُورًا فِي هَذَا النَّسَبِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ نُوحِ بْنِ نَصْرٍ مَلَكَ قَبْلَ أَخِيهِ مَنْصُورِ بْنِ نُوحٍ الْمَذْكُورِ، وَكَانَ مِنْهُمْ أَيْضًا مَنْصُورُ بْنُ نُوحِ بْنِ مَنْصُورٍ أَخُو عَبْدِ الْمَلِكِ هَذَا الْأَخِيرِ الَّذِي زَالَ الْمُلْكُ فِي وِلَايَتِهِ وَلِيَ قَبْلَهُ.
ذِكْرُ مُلْكِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ فَارِسَ وَخُوزِسْتَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ الدَّيْلَمُ الَّذِينَ مَعَ أَبِي عَلِيِّ بْنُ أُسْتَاذِ هُرْمُزَ بِالْأَهْوَازِ فِي طَاعَةِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَيْ بَخْتِيَارَ لَمَّا قَتَلَا صَمْصَامَ الدَّوْلَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَلَكَا بِلَادَ فَارِسَ، كَتَبَا إِلَى أَبِي عَلِيِّ بْنِ أُسْتَاذِ هُرْمُزَ بِالْخَبَرِ، وَيَذْكُرَانِ تَعْوِيلَهُمَا عَلَيْهِ، وَاعْتِضَادَهُمَا بِهِ، وَيَأْمُرَانِهِ بِأَخْذِ الْيَمِينِ لَهُمَا عَلَى مَنْ مَعَهُ مِنَ الدَّيْلَمِ، وَالْمُقَامِ بِمَكَانِهِ، وَالْجِدِّ بِمُحَارَبَةِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ. فَخَافَهُمَا أَبُو عَلِيٍّ لِمَا كَانَ أَسْلَفَهُ إِلَيْهِمَا مِنْ قِبَلِ أَخَوَيْهِمَا وَأَسْرِهِمَا، فَجَمَعَ الدَّيْلَمَ الَّذِي مَعَهُ وَأَخْبَرَهُمُ الْحَالَ، وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَا يَفْعَلُ، فَأَشَارُوا بِطَاعَةِ ابْنَيْ بَخْتِيَارَ وَمُقَاتَلَةِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، فَلَمْ يُوَافِقْهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَرَأَى أَنْ يُرَاسِلَ بَهَاءَ الدَّوْلَةِ وَيَسْتَمِيلَهُ وَيُحَلِّفَهُ لَهُمْ، فَقَالُوا: إِنَّا نَخَافُ الْأَتْرَاكَ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ وَتَفَرَّقُوا.
وَرَاسَلَهُ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ يَسْتَمِيلُهُ، وَيَبْذُلُ لَهُ وَلِلدَّيْلَمِ الْأَمَانَ وَالْإِحْسَانَ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ، وَقَالَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ: إِنَّ ثَأْرِي وَثَأْرَكُمْ عِنْدَ مَنْ قَتَلَ أَخِي، فَلَا عُذْرَ لَكُمْ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْأَخْذِ بِثَأْرِهِ، وَاسْتَمَالَ الدَّيْلَمَ فَأَجَابُوهُ إِلَى الدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ، وَأَنْفَذُوا
стр. 4238
جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِهِمْ إِلَى بَهَاءِ الدَّوْلَةِ فَحَلَّفُوهُ وَاسْتَوْثَقُوا مِنْهُ، وَكَتَبُوا إِلَى أَصْحَابِهِمُ الْمُقِيمِينَ بِالسُّوسِ بِصُورَةِ الْحَالِ.
وَرَكِبَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ مِنَ الْغَدِ إِلَى بَابِ السُّوسِ، رَجَاءَ أَنْ يَخْرُجَ مَنْ فِيهِ إِلَى طَاعَتِهِ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ فِي السِّلَاحِ، وَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا لَمْ يُقَاتِلُوا مِثْلَهُ، فَضَاقَ صَدْرُهُ، فَقِيلَ لَهُ إِنَّ هَذِهِ عَادَةُ الدَّيْلَمِ أَنْ يَشْتَدَّ قِتَالُهُمْ عِنْدَ الصُّلْحِ، لِئَلَّا يُظَنَّ بِهِمْ، ثُمَّ كَفُّوا عَنِ الْقِتَالِ وَأَرْسَلُوا مَنْ يُحَلِّفُهُ لَهُمْ، وَنَزَلُوا إِلَى خِدْمَتِهِ، وَاخْتَلَطَ الْعَسْكَرَانِ، وَسَارُوا إِلَى الْأَهْوَازِ، فَقَرَّرَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أُمُورَهَا، وَقَسَّمَ الْإِقْطَاعَاتِ بَيْنَ الْأَتْرَاكِ وَالدَّيْلَمِ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى رَامَهُرْمُزَ فَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا وَعَلَى أَرَّجَانَ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ خُوزِسْتَانَ.
وَسَارَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ إِلَى شِيرَازَ، فَنَزَلَ بِظَاهِرِهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ ابْنَا بَخْتِيَارَ فِي أَصْحَابِهِمَا، فَحَارَبُوهُ، فَلَمَّا اشْتَدَّتِ الْحَرْبُ مَالَ بَعْضُ مَنْ مَعَهُمَا إِلَيْهِ، وَدَخَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ الْبَلَدَ، وَنَادَوْا بِشِعَارِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ النَّقِيبُ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوسَوِيُّ بِشِيرَازَ قَدْ وَرَدَهَا رَسُولًا مِنْ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ إِلَى صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا قُتِلَ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ كَانَ بِشِيرَازَ، فَلَمَّا سَمِعَ النِّدَاءَ بِشِعَارِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ ظَنَّ أَنَّ الْفَتْحَ قَدْ تَمَّ، فَقَصَدَ الْجَامِعَ، وَكَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَأَقَامَ الْخُطْبَةَ لِبَهَاءِ الدَّوْلَةِ.
ثُمَّ عَادَ ابْنَا بَخْتِيَارَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمَا أَصْحَابُهُمَا، فَخَافَ النَّقِيبُ، فَاخْتَفَى، وَحُمِلَ فِي سَلَّةٍ إِلَى أَبِي عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ثُمَّ إِنَّ أَصْحَابَ ابْنَيْ بَخْتِيَارَ قَصَدُوا أَبَا عَلِيٍّ وَأَطَاعُوهُ، فَاسْتَوْلَى عَلَى شِيرَازَ، وَهَرَبَ ابْنَا بَخْتِيَارَ فَأَمَّا أَبُو نَصْرٍ فَإِنَّهُ لَحِقَ بِبِلَادِ الدَّيْلَمِ، وَأَمَّا الثَّانِي، وَهُوَ أَبُو الْقَاسِمِ، فَلَحِقَ بِبَدْرِ بْنِ حَسْنُوَيْهِ ثُمَّ قَصَدَ الْبَطِيحَةَ.
وَلَمَّا مَلَكَ أَبُو عَلِيٍّ شِيرَازَ كَتَبَ إِلَى بَهَاءِ الدَّوْلَةِ بِالْفَتْحِ، فَسَارَ إِلَيْهَا وَنَزَلَهَا، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِهَا أَمَرَ بِنَهْبِ قَرْيَةِ الدُّودَمَانِ وَإِحْرَاقِهَا، وَقَتْلِ كُلِّ مَنْ كَانَ بِهَا مِنْ أَهْلِهِمْ فَاسْتَأْصَلَهُمْ، وَأَخْرَجَ أَخَاهُ صَمْصَامَ الدَّوْلَةِ وَجَدَّدَ أَكْفَانَهُ، وَحُمِلَ إِلَى التُّرْبَةِ بِشِيرَازَ فَدُفِنَ
стр. 4239
بِهَا، وَسَيَّرَ عَسْكَرًا مَعَ أَبِي الْفَتْحِ أُسْتَاذِ هُرْمُزَ إِلَى كَرْمَانَ فَمَلَكَهَا وَأَقَامَ بِهَا نَائِبًا عَنْ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ.
إِلَى هَاهُنَا آخِرُ مَا فِي " ذَيْلِ " الْوَزِيرِ أَبِي شُجَاعٍ، ﵀.
ذِكْرُ مَسِيرِ بَادِيسَ إِلَى زَنَاتَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، مُنْتَصَفَ صَفَرَ، أَمَرَ بَادِيسُ بْنُ الْمَنْصُورِ، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ، نَائِبَهُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي الْعَرَبِ بِالتَّجَهُّزِ وَالِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْعَسَاكِرِ وَالْعُدَدِ، وَالْمَسِيرِ إِلَى زَنَاتَةَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَمَّهُ يَطُّوفَتَ كَتَبَ إِلَيْهِ يُعْلِمُهُ أَنَّ زِيرِيَ بْنَ عَطِيَّةَ الْمُلَقَّبَ بِالْقِرْطَاسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، نَزَلَ عَلَيْهِ بِتَاهَرْتَ مُحَارِبًا، فَأَمَرَ مُحَمَّدًا بِالتَّجَهُّزِ إِلَيْهِ، فَسَارَ فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ حَتَّى وَصَلَ إِلَى أَشِيرَ، وَبِهَا حَمَّادُ بْنُ يُوسُفَ عَمُّ بَادِيسَ، كَانَ قَدْ أَقْطَعَهُ إِيَّاهَا بَادِيسُ، فَرَحَلَ حَمَّادٌ مَعَهُ، فَوَصَلَ إِلَى تَاهَرْتَ، وَاجْتَمَعَا بَيَطُّوفَتَ، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ زِيرِي بْنِ عَطِيَّةَ مَرْحَلَتَانِ، فَزَحَفُوا إِلَيْهِ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمَا حُرُوبٌ عَظِيمَةٌ.
وَكَانَ أَكْثَرُ عَسْكَرِ حَمَّادٍ يَكْرَهُونَهُ لِقِلَّةِ عَطَائِهِ، فَلَمَّا اشْتَدَّ الْقِتَالُ انْهَزَمُوا، فَتَبِعَهُمْ جَمِيعُ الْعَسْكَرِ، فَأَرَادَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَرَبِ أَنْ يَرُدَّ النَّاسَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ، وَمَلَكَ زِيرِي بْنُ عَطِيَّةَ مَالَهُمْ وَعُدَدَهُمْ وَرَجَعَتِ الْعَسَاكِرُ إِلَى أَشِيرَ.
وَبَلَغَ خَبَرُ الْهَزِيمَةِ إِلَى بَادِيسَ، فَرَحَلَ، فَلَمَّا قَارَبَ طُبْنَةَ بَعَثَ فِي طَلَبِ فُلْفُلِ بْنِ سَعِيدٍ، فَخَافَ فَأَرْسَلَ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ، وَطَلَبَ عَهْدًا بِإِقْطَاعِ مَدِينَةِ طُبْنَةَ، فَكَتَبَ لَهُ، وَسَارَ بَادِيسُ، فَلَمَّا أَبْعَدَ قَصَدَ فُلْفُلٌ مَدِينَةَ طُبْنَةَ، وَغَلَبَ عَلَى مَا حَوْلَهَا، وَقَصَدَ بَاغَايَةَ فَحَصَرَهَا، وَبَادِيسُ سَائِرٌ إِلَى أَشِيرَ. فَلَمَّا سَمِعَ زِيرِي بْنُ عَطِيَّةَ بِأَنَّهُ قَدْ قَرُبَ مِنْهُ رَحَلَ إِلَى تَاهَرْتَ، فَقَصَدَهُ بَادِيسُ، فَسَارَ زِيرِي إِلَى الْعَرَبِ. فَلَمَّا سَمِعَ بَادِيسُ بِرَحِيلِهِ اسْتَعْمَلَ عَمَّهُ يَطُّوفَتَ عَلَى أَشِيرَ، وَأَعْطَاهُ أَمْوَالًا وَعُدَدًا، وَعَادَ إِلَى أَشِيرَ، فَبَلَغَهُ مَا
стр. 4240
فَعَلَ فُلْفُلُ بْنُ سَعِيدٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْعَسَاكِرَ، وَبَقِيَ يَطُّوفَتُ وَمَعَهُ أَعْمَامُهُ وَأَوْلَادُ أَعْمَامِهِ، فَلَمَّا أَبْعَدَ عَنْهُمْ بَادِيسُ عَصَوْا، وَخَالَفُوا عَلَيْهِ، مِنْهُمْ مَاكْسَنُ، وَزَاوِي وَغَيْرُهُمَا، وَقَبَضُوا عَلَى يَطُّوفَتَ، وَأَخَذُوا جَمِيعَ مَا مَعَهُ مِنَ الْمَالِ، فَهَرَبَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَعَادَ إِلَى بَادِيسَ.
وَأَمَّا فُلْفُلُ بْنُ سَعِيدٍ فَإِنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ الْعَسْكَرُ (الْمُسَيَّرُ إِلَى قِتَالِهِ لَقِيَهُمْ) وَقَاتَلَهُمْ وَهَزَمَهُمْ، وَقَتَّلَ فِيهِمْ، وَسَارَ يَطْلُبُ الْقَيْرَوَانَ. فَسَارَ عِنْدَ ذَلِكَ بَادِيسُ إِلَى بَاغَايَةَ، فَلَقِيَهُ أَهْلُهَا، فَعَرَّفُوهُ مَا قَاسَوْهُ مِنْ قِتَالِ فُلْفُلٍ، وَأَنَّهُ حَصَرَهُمْ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَشَكَرَهُمْ، وَوَعَدَهُمُ الْإِحْسَانَ، وَسَارَ يَطْلُبُ فُلْفُلًا، فَوَصَلَ إِلَى مَرْمَجَنَّةَ، وَسَارَ فُلْفُلٌ إِلَيْهِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الْبَرْبَرِ وَزَنَاتَةَ، وَمَعَهُ كُلُّ مَنْ فِي نَفْسِهِ حِقْدٌ عَلَى بَادِيسَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، فَالْتَقَوْا بِوَادِي أَغْلَانَ وَكَانَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ عَظِيمَةٌ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا، وَطَالَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى نَصْرَهُ عَلَى بَادِيسَ وَصِنْهَاجَةَ، وَانْهَزَمَ الْبَرْبَرُ وَزَنَاتَةُ هَزِيمَةً قَبِيحَةً، وَانْهَزَمَ فُلْفُلٌ فَأَبْعَدَ فِي الْهَزِيمَةِ، وَقُتِلَ مِنْ زُوَيْلَةَ تِسْعَةُ آلَافِ قَتِيلٍ سِوَى مَنْ قُتِلَ مِنَ الْبَرْبَرِ، وَعَادَ بَادِيسُ إِلَى قَصْرِهِ، وَفَرِحَ أَهْلُ الْقَيْرَوَانِ لِأَنَّهُمْ خَافُوا أَنْ يَأْتِيَهُمْ فُلْفُلٌ.
ثُمَّ إِنَّ عُمُومَةَ بَادِيسَ اتَّصَلُوا بِفُلْفُلٍ، وَصَارُوا مَعَهُ عَلَى بَادِيسَ، فَلَمَّا سَمِعَ بَادِيسُ بِذَلِكَ سَارَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا وَصَلَ قَصْرَ الْإِفْرِيقِيِّ وَصَلَهُ أَنَّ عُمُومَتَهُ فَارَقُوا فُلْفُلًا، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ سِوَى مَاكْسَنَ بْنِ زِيرِي، وَذَلِكَ أَوَّلُ سَنَةِ تِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
ذِكْرُ مُلْكِ الْحَاكِمِ طَرَابُلُسِ الْغَرْبِ وَعَوْدِهَا إِلَى بَادِيسَ
كَانَ لِبَادِيسَ نَائِبٌ بِطَرَابُلُسِ الْغَرْبِ، فَكَاتَبَ الْحَاكِمَ بِأَمْرِ اللَّهِ بِمِصْرَ، وَطَلَبَ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ طَرَابُلُسَ وَيَلْتَحِقَ بِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْحَاكِمُ يَأْنَسَ الصِقِلِّيَّ، وَكَانَ خِصِّيصًا
стр. 4241
بِالْحَاكِمِ، وَهُوَ الْمُتَوَلِّي لِبِلَادِ بَرْقَةَ، فَوَصَلَ يَأْنَسُ وَتَسَلَّمَ طَرَابُلُسَ وَأَقَامَ بِهَا، وَذَلِكَ سَنَةَ تِسْعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] .
فَأَرْسَلَ بَادِيسُ إِلَى يَأْنَسَ يَسْأَلُهُ عَنْ سَبَبِ وُصُولِهِ إِلَى طَرَابُلُسَ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ كَانَ الْحَاكِمُ اسْتَعْمَلَكَ عَلَيْهَا فَأَرْسِلِ الْعَهْدَ لِأَقِفَ عَلَيْهِ. فَقَالَ يَأْنَسُ: إِنَّمَا أَرْسَلَنِي مُعِينًا وَنَجْدَةً إِنِ احْتِيجَ إِلَيَّ، مِثْلِي لَا يُطْلَبُ مِنْهُ عَهْدٌ بِوِلَايَةٍ لِمَحَلِّي مِنْ دَوْلَةِ الْحَاكِمِ. فَسَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا، فَلَقِيَهُمْ يَأْنَسُ خَارِجَ طَرَابُلُسَ فَقُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ وَدَخَلُوا طَرَابُلُسَ فَتَحَصَّنُوا بِهَا.
وَكَانَ قَدْ قُتِلَ مِنْهُمْ فِي الْمَعْرَكَةِ كَثِيرٌ، وَنَزَلَ عَلَيْهِمُ الْجَيْشُ وَحَصَرَهُمْ، وَأَرْسَلُوا إِلَى الْحَاكِمِ يَسْتَمِدُّونَهُ، فَجَهَّزَ جَيْشًا عَلَيْهِمْ يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الْأَنْدَلُسِيُّ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى طَرَابُلُسَ، وَأَطْلَقَ لَهُمْ مَالًا عَلَى بَرْقَةَ، فَلَمْ يَجِدْ يَحْيَى فِيهَا مَالًا، فَاخْتَلَّتْ حَالُهُ، فَسَارَ إِلَى فُلْفُلٍ وَكَانَ قَدْ دَخَلَ إِلَى طَرَابُلُسَ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، فَأَقَامَ مَعَهُ فِيهَا، وَاسْتَوْطَنَهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَسَنَذْكُرُ بَاقِيَ خَبَرِهِمْ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] .
(وَفِي سَنَةِ إِحْدَى وَتِسْعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] سَارَ مَاكْسَنُ بْنُ زِيرِي، عَمُّ أَبِي بَادِيسَ، إِلَى أَشِيرَ، وَبِهَا ابْنُ أَخِيهِ حَمَّادُ بْنُ يُوسُفَ بُلُكِّينَ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا حَرْبٌ شَدِيدَةٌ قُتِلَ فِيهَا مَاكْسَنُ وَأَوْلَادُهُ مُحْسِنٌ، وَبَادِيسُ، وَحَبَّاسَةُ، وَتُوُفِّيَ زِيرِي بْنُ عَطِيَّةَ بَعْدَ قَتْلِ مَاكْسَنَ بِتِسْعَةِ أَيَّامٍ) .
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، عَاشِرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، انْقَضَّ كَوْكَبٌ عَظِيمٌ ضَحْوَةَ نَهَارٍ.
وَفِيهَا عَمِلَ أَهْلُ بَابِ الْبَصْرَةِ يَوْمَ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ زِينَةً عَظِيمَةً وَفَرَحًا كَثِيرًا، وَكَذَلِكَ عَمِلُوا ثَامِنَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ الشِّيعَةُ فِي عَاشُورَاءَ،
стр. 4242
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الشِّيعَةَ بِالْكَرْخِ كَانُوا يَنْصِبُونَ الْقِبَابَ، (وَتُعَلَّقُ الثِّيَابُ) لِلزِّينَةِ، الْيَوْمَ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهُوَ يَوْمُ الْغَدِيرِ، وَكَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنَ الْمَأْتَمِ، وَالنَّوْحِ، وَإِظْهَارِ الْحُزْنِ مَا هُوَ مَشْهُورٌ، فَعَمِلَ أَهْلُ بَابِ الْبَصْرَةِ فِي مُقَابِلِ ذَلِكَ، بَعْدَ يَوْمِ الْغَدِيرِ بِثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، مِثْلُهُمْ قَالُوا: هُوَ يَوْمٌ دَخَلَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ الْغَارَ، وَعَمِلُوا بَعْدَ عَاشُورَاءَ بِثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ مِثْلَ مَا يَعْمَلُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَقَالُوا: هُوَ يَوْمٌ قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَتُوُفِّيَ هَذِهِ السَّنَةَ [زَاهِرُ بْنُ] أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى أَبُو مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ الْمُقْرِئُ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَلَهُ رِوَايَةٌ لِلْحَدِيثِ أَيْضًا، وَكَانَ شَيْخَ خُرَاسَانَ فِي زَمَانِهِ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ مُجَاهِدٍ، وَالْأَدَبَ عَلَى ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ، وَمَاتَ وَلَهُ سِتٌّ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَزَّازُ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ حَبَابَةَ، وَكَانَ شَيْخَ الْحَنَابِلَةِ فِي زَمَانِهِ.
стр. 4243
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٩٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ خُرُوجِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ نُوحٍ وَمَا جَرَى لَهُ بِخُرَاسَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُوحٍ مِنْ مَحْبِسِهِ، وَكَانَ قَدْ حَبَسَهُ أَيْلَكُ الْخَانُ لَمَّا مَلَكَ بُخَارَى مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِهِ.
وَسَبَبُ خَلَاصِهِ أَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِ جَارِيَةٌ تَخْدِمُهُ، وَتَتَعَرَّفُ أَحْوَالَهُ، فَلَبِسَ مَا كَانَ عَلَيْهَا وَخَرَجَ، فَظَنَّهُ الْمُوَكَّلُونَ الْجَارِيَةَ فَلَمَّا خَرَجَ اسْتَخْفَى عِنْدَ عَجُوزٍ مِنْ أَهْلِ بُخَارَى، فَلَمَّا سَكَنَ الطَّلَبُ عَنْهُ سَارَ مِنْ بُخَارَى إِلَى خُوَارَزْمَ، وَتَلَقَّبَ الْمُنْتَصِرَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ بَقَايَا الْقُوَّادِ السَّامَانِيَّةِ وَالْأَجْنَادِ، فَكَثُفَ جَمْعُهُ، وَسَيَّرَ قَائِدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي عَسْكَرٍ إِلَى بُخَارَى، فَبَيَّتَ مَنْ بِهَا مِنْ أَصْحَابِ أَيْلَكَ الْخَانِ، فَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ، وَكَبَسَ جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِهِمْ، مِثْلِ جَعْفَرٍ تِكِينَ وَغَيْرِهِ، وَتَبِعَ الْمُنْهَزِمِينَ نَحْوَ أَيْلَكَ الْخَانِ إِلَى حُدُودِ سَمَرْقَنْدَ، فَلَقِيَ هُنَاكَ عَسْكَرًا جَرَّارًا جَعَلَهُمُ أَيْلَكُ الْخَانُ يَحْفَظُونَ سَمَرْقَنْدَ، فَانْضَافَ إِلَيْهِمُ الْمُنْهَزِمُونَ، وَلَقَوْا عَسْكَرَ الْمُنْتَصِرِ، فَانْهَزَمَ أَيْضًا عَسْكَرُ أَيْلَكَ الْخَانِ، وَتَبِعَهُمْ عَسْكَرُ الْمُنْتَصِرِ، فَغَنِمُوا أَثْقَالَهُمْ فَصَلُحَتْ أَحْوَالُهُمْ بِهَا، وَعَادُوا إِلَى بُخَارَى، فَاسْتَبْشَرَ أَهْلُهَا بِعَوْدِ السَّامَانِيَّةِ.
ثُمَّ إِنَّ أَيْلَكَ جَمَعَ التُّرْكَ وَقَصَدَ بُخَارَى، فَانْحَازَ مَنْ بِهَا مِنَ السَّامَانِيَّةِ وَعَبَرُوا النَّهْرَ إِلَى آمُلِ الشَّطِّ، فَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ، فَسَارُوا هُمْ وَالْمُنْتَصِرُ نَحْوَ أَبِيوَرْدَ فَمَلَكَهَا، وَجَبَوْا أَمْوَالَهَا، وَسَارُوا نَحْوَ نَيْسَابُورَ، وَبِهَا مَنْصُورُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ، نَائِبًا عَنْ أَخِيهِ مَحْمُودٍ، فَالْتَقَوْا قُرْبَ نَيْسَابُورَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ مَنْصُورٌ وَأَصْحَابُهُ، وَقَصَدُوا هَرَاةَ، وَمَلَكَ الْمُنْتَصِرُ نَيْسَابُورَ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ.
стр. 4244
وَبَلَغَ يَمِينَ الدَّوْلَةِ الْخَبَرُ، (فَسَارَ مُجِدًّا نَحْوَ نَيْسَابُورَ، فَلَمَّا قَارَبَهَا سَارَ) عَنْهَا الْمُنْتَصِرُ إِلَى أَسْفَرَايِينَ، فَلَمَّا أَزْعَجَهُ الطَّلَبُ سَارَ نَحْوَ شَمْسِ الْمَعَالِي قَابُوسِ بْنِ وَشْمَكِيرَ مُلْتَجِئًا إِلَيْهِ وَمُتَكَثِّرًا بِهِ، فَأَكْرَمَ مَوْرِدَهُ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَأَشَارَ عَلَى الْمُنْتَصِرِ بِقَصْدِ الرَّيِّ إِذْ كَانَتْ لَيْسَ بِهَا مَنْ يَذُبُّ عَنْهَا، لِاشْتِغَالِ أَصْحَابِهَا بِاخْتِلَافِهِمْ، وَوَعَدَهُ بِأَنْ يُنْجِدَهُ بِعَسْكَرٍ جَرَّارٍ مَعَ أَوْلَادِهِ، فَقَبِلَ مَشُورَتَهُ وَسَارَ نَحْوَ الرَّيِّ، فَنَازَلَهَا، فَضَعُفَ مَنْ بِهَا عَنْ مُقَاوَمَتِهِ، إِلَّا أَنَّهُمْ حَفِظُوا الْبَلَدَ مِنْهُ، وَدَسُّوا إِلَى أَعْيَانِ عَسْكَرِهِ كَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ سِيمْجُورَ وَغَيْرِهِ، وَبَذَلُوا لَهُمُ الْأَمْوَالَ لِيَرُدُّوهُ عَنْهُمْ، فَفَعَلُوا، ذَلِكَ، وَصَغَّرُوا أَمْرَ الرَّيِّ عِنْدَهُ وَحَسَّنُوا لَهُ الْعَوْدَ إِلَى خُرَاسَانَ. فَسَارَ نَحْوَ الدَّامِغَانِ، وَعَادَ عَنْهُ عَسْكَرُ قَابُوسٍ.
وَوَصَلَ الْمُنْتَصِرُ إِلَى نَيْسَابُورَ (فِي آخِرِ شَوَّالٍ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَجَبَى لَهُ الْأَمْوَالَ بِهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ) ، يَمِينُ الدَّوْلَةِ جَيْشًا فَلَقَوْهُ، فَانْهَزَمَ الْمُنْتَصِرُ وَسَارَ نَحْوَ أَبِيوَرْدَ، وَقَصَدَ جُرْجَانَ، فَرَدَّهُ شَمْسُ الْمَعَالِي عَنْهَا، فَقَصَدَ سَرَخْسَ وَجَبَى أَمْوَالَهَا وَسَكَنَهَا. فَسَارَ إِلَيْهِ مَنْصُورُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ مِنْ نَيْسَابُورَ، فَالْتَقَوْا بِظَاهِرِ سَرَخْسَ وَاقْتَتَلُوا فَانْهَزَمَ الْمُنْتَصِرُ وَأَصْحَابُهُ، وَأُسِرَ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيمْجُورَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ عَسْكَرِهِ، وَحُمِلُوا إِلَى الْمَنْصُورِ، فَسَيَّرَهُمْ إِلَى غَزْنَةَ، وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] .
وَسَارَ الْمُنْتَصِرُ تَائِهًا حَتَّى وَافَى الْأَتْرَاكَ الْغُزِّيَّةَ وَلَهُمْ مَيْلٌ إِلَى آلِ سَامَانَ، فَحَرَّكَتْهُمُ الْحَمِيَّةُ، وَاجْتَمَعُوا مَعَهُ، وَسَارَ بِهِمْ نَحْوَ أَيْلَكَ الْخَانِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، فَلَقِيَهُمْ أَيْلَكُ بِنَوَاحِي سَمَرْقَنْدَ، فَهَزَمُوهُ وَاسْتَوْلَوْا عَلَى أَمْوَالِهِ وَسَوَادِهِ، وَأَسَرُوا جَمَاعَةً مِنْ قُوَّادِهِ وَعَادُوا إِلَى أَوْطَانِهِمْ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى إِطْلَاقِ
стр. 4245
الْأَسْرَى تَقُرُّبًا إِلَى أَيْلَكَ الْخَانِ بِذَلِكَ. فَعَلِمَ الْمُنْتَصِرُ، فَاخْتَارَ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةً يَثِقُ بِهِمْ، وَسَارَ بِهِمْ، فَعَبَرَ النَّهْرَ، وَنَزَلَ بِآمُلِ الشَّطِّ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ مَكَانٌ، وَكُلَّمَا قَصَدَ مَكَانًا رَدَّهُ أَهْلُهُ خَوْفًا مِنْ مَعَرَّتِهِ، فَعَادَ وَعَبَرَ النَّهْرَ إِلَى بُخَارَى، وَطَلَبَ وَالِيَهَا لِأَيْلَكَ الْخَانِ، فَلَقِيَهُ وَاقْتَتَلُوا فَانْهَزَمَ الْمُنْتَصِرُ إِلَى دَبُوسِيَةَ وَجَمَعَ بِهَا، ثُمَّ عَاوَدَهُمْ فَهَزَمَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ فِتْيَانِ سَمَرْقَنْدَ، وَصَارُوا فِي جُمْلَتِهِ، وَحَمَلَ لَهُ أَهْلُهَا الْمَالَ وَالْآلَاتِ وَالثِّيَابَ وَالدَّوَابَّ وَغَيْرَ ذَلِكَ.
فَلَمَّا سَمِعَ أَيْلَكُ الْخَانُ بِحَالِهِ جَمَعَ الْأَتْرَاكَ وَسَارَ إِلَيْهِ فِي قَضِّهِ وَقَضِيضِهِ، وَالْتَقَوْا بِنَوَاحِي سَمَرْقَنْدَ، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، فَانْهَزَمَ أَيْلَكُ الْخَانُ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُ وَدَوَابَّهُ.
وَعَادَ أَيْلَكُ الْخَانُ إِلَى بِلَادِ التُّرْكِ، فَجَمَعَ وَحَشَدَ وَعَادَ إِلَى الْمُنْتَصِرِ، فَوَافَقَ عَوْدُهُ تَرَاجُعَ الْغُزِّيَّةِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ الْمُنْتَصِرِ إِلَى أَوْطَانِهِمْ، وَقَدْ زَحَفَ جَمْعُهُ، فَاقْتَتَلُوا بِنُوَاحِي أَسْرُوشَنَةَ، فَانْهَزَمَ الْمُنْتَصِرُ، وَأَكْثَرَ التُّرْكُ فِي أَصْحَابِهِ الْقَتْلَ.
وَسَارَ الْمُنْتَصِرُ مُنْهَزِمًا، حَتَّى عَبَرَ النَّهْرَ، وَسَارَ إِلَى الْجُوزَجَانَ فَنَهَبَ أَمْوَالَهَا، وَسَارَ يَطْلُبُ مَرْوَ، فَسَيَّرَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ الْعَسَاكِرَ، فَفَارَقَ مَكَانَهُ وَسَارَ وَهُمْ فِي أَثَرِهِ، حَتَّى أَتَى بِسْطَامٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ قَابُوسٌ عَسْكَرًا أَزْعَجَهُ عَنْهَا، فَلَمَّا ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَذَاهِبُ عَادَ إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَعَبَرَ أَصْحَابُهُ وَقَدْ ضَجِرُوا وَسَئِمُوا مِنَ السَّهَرِ وَالتَّعَبِ وَالْخَوْفِ، فَفَارَقَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِ أَيْلَكَ الْخَانِ، فَأَعْلَمُوهُمْ بِمَكَانِهِ، فَلَمْ يَشْعُرِ الْمُنْتَصِرُ إِلَّا وَقَدْ أَحَاطَتِ الْخَيْلُ بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَطَارَدَهُمْ سَاعَةً ثُمَّ وَلَّاهُمُ الدُّبُرَ وَسَارَ فَنَزَلَ بِحُلَّةٍ مِنَ الْعَرَبِ فِي طَاعَةِ يَمِينِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ قَدْ أَوْصَاهُمْ بِطَلَبِهِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ أَمْهَلُوهُ حَتَّى أَظْلَمَ اللَّيْلُ، ثُمَّ وَثَبُوا عَلَيْهِ فَأَخَذُوهُ وَقَتَلُوهُ، وَكَانَ ذَلِكَ خَاتِمَةَ أَمْرِهِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدْتُ الْحَادِثَةَ هَذِهِ السَّنَةَ لِتَرِدَ مُتَتَابِعَةً، فَلَوْ تَفَرَّقَتْ فِي السِّنِينَ لَمْ تُعْلَمْ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ لِقِلَّتِهَا.
стр. 4246
ذِكْرُ مُحَاصَرَةِ يَمِينِ الدَّوْلَةِ سِجِسْتَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ إِلَى سِجِسْتَانَ، وَصَاحِبُهَا خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ، فَحَصَرَهُ بِهَا.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ يَمِينَ الدَّوْلَةِ لَمَّا اشْتَغَلَ بِالْحُرُوبِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا سَيَّرَ خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ ابْنَهُ طَاهِرًا إِلَى قُهُسْتَانَ فَمَلَكَهَا، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى بُوشَنْجَ فَمَلَكَهَا، وَكَانَتْ هِيَ وَهَرَاةُ لِبَغْرَاجِقَ، عَمِّ يَمِينِ الدَّوْلَةِ، (فَلَمَّا فَرَغَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ) مِنْ تِلْكَ الْحُرُوبِ اسْتَأْذَنَهُ عَمُّهُ فِي إِخْرَاجِ طَاهِرِ بْنِ خَلَفٍ مِنْ وِلَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَلَقِيَهُ طَاهِرٌ بِنَوَاحِي بُوشَنْجَ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ طَاهِرٌ وَلَجَّ بَغْرَاجِقُ فِي طَلَبِهِ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ طَاهِرٌ فَقَتَلَهُ وَنَزَلَ إِلَيْهِ وَأَخَذَ رَأْسَهُ.
فَلَمَّا سَمِعَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ بِقَتْلِ عَمِّهِ عَظُمَ عَلَيْهِ، وَكَبُرَ لَدَيْهِ، وَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ نَحْوَ خَلَفِ بْنِ أَحْمَدَ، فَتَحَصَّنَ مِنْهُ خَلَفٌ بِحِصْنِ أَصْبَهْبَذَ، وَهُوَ حِصْنٌ يُنَاطِحُ النُّجُومَ عُلُوًّا وَارْتِفَاعًا، فَحَصَرَهُ فِيهِ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، فَذَلَّ وَخَضَعَ، وَبَذَلَ أَمْوَالًا جَلِيلَةً لِيُنَفِّسَ عَنْ خُنَاقِهِ، فَأَجَابَهُ يَمِينُ الدَّوْلَةِ إِلَى ذَلِكَ، وَأَخَذَ رَهْنَهُ عَلَى الْمَالِ.
ذِكْرُ قَتْلِ ابْنِ بَخْتِيَارَ بِكَرْمَانَ وَاسْتِيلَاءِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ عَلَيْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، قُتِلَ الْأَمِيرُ أَبُو نَصْرِ بْنُ بَخْتِيَارَ، الَّذِي كَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِ فَارِسَ.
وَسَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ لَمَّا انْهَزَمَ مِنْ عَسْكَرِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ بِشِيرَازَ سَارَ إِلَى بِلَادِ الدَّيْلَمِ، وَكَاتَبَ الدَّيْلَمَ بِفَارِسَ وَكَرْمَانَ مِنْ هُنَاكَ يَسْتَمِيلُهُمْ، وَكَاتَبُوهُ وَاسْتَدْعَوْهُ، فَسَارَ إِلَى بِلَادِ فَارِسَ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الزُّطِّ، وَالدَّيْلَمِ، وَالْأَتْرَاكِ، وَتَرَدَّدَ فِي تِلْكَ النَّوَاحِي.
ثُمَّ سَارَ إِلَى كَرْمَانَ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ الدَّيْلَمُ الَّذِينَ بِهَا، وَكَانَ الْمُقَدَّمَ عَلَيْهِمْ أَبُو
стр. 4247
جَعْفَرِ بْنُ أُسْتَاذِ هُرْمُزَ، فَجَمَعَ وَقَصَدَ أَبَا جَعْفَرٍ، فَالْتَقَيَا، فَانْهَزَمَ أَبُو جَعْفَرٍ إِلَى السِّيرَجَانِ، وَمَضَى ابْنُ بَخْتِيَارَ إِلَى جِيرُفْتَ فَمَلَكَهُ، وَمَلَكَ أَكْثَرَ كَرْمَانَ، فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ الْمُوَفَّقَ عَلِيَّ بْنَ إِسْمَاعِيلَ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ، وَسَارَ مُجِدًّا حَتَّى أَطَلَّ عَلَى جِيرُفْتَ، فَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ مَنْ بِهَا مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ بَخْتِيَارَ وَدَخَلَهَا. فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْقُوَّادِ سُرْعَةَ سَيْرِهِ، وَخَوَّفُوهُ عَاقِبَةَ ذَلِكَ، فَلَمْ يُصْغِ إِلَيْهِمْ، وَسَأَلَ عَنْ حَالِ ابْنِ بَخْتِيَارَ، فَأُخْبِرَ أَنَّهُ عَلَى ثَمَانِيَةِ فَرَاسِخَ مِنْ جِيرُفْتَ، فَاخْتَارَ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ شُجْعَانِ أَصْحَابِهِ وَسَارَ بِهِمْ، وَتَرَكَ الْبَاقِينَ مَعَ السَّوَادِ بِجِيرُفْتَ.
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ لَمْ يَجِدْهُ وَدُلَّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ يَتْبَعُهُ مِنْ مَنْزِلٍ إِلَى مَنْزِلٍ، حَتَّى لَحِقَهُ بِدَارَزِينَ، فَسَارَ لَيْلًا، وَقُدِّرَ وُصُولُهُ إِلَيْهِ عِنْدَ الصُّبْحِ فَأَدْرَكَهُ. فَرَكِبَ ابْنُ بَخْتِيَارَ وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَسَارَ الْمُوَفَّقُ فِي نَفَرٍ مِنْ غِلْمَانِهِ، فَأَتَى ابْنُ بَخْتِيَارَ مِنْ وَرَائِهِ، فَانْهَزَمَ ابْنُ بَخْتِيَارَ وَأَصْحَابُهُ، وَوُضِعَ فِيهِمُ السَّيْفُ، فَقُتِلَ مِنْهُمُ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ. فَغَدَرَ بِابْنِ بَخْتِيَارَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، وَضَرَبَهُ بِلِتُّ فَأَلْقَاهُ وَعَادَ إِلَى الْمُوَفَّقِ لِيُخْبِرَهُ بِقَتْلِهِ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَرَآهُ وَقَدْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى الْمُوَفَّقِ.
وَأَكْثَرَ الْمُوَفَّقُ الْقَتْلَ فِي أَصْحَابِ ابْنِ بَخْتِيَارَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِ كَرْمَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا أَبَا مُوسَى سَيَاهَجِيلَ، وَعَادَ إِلَى بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ وَلَقِيَهُ، وَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ ثُمَّ قَبَضَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَيَّامٍ.
وَمِنْ أَعْجَبِ مَا يُذْكَرُ أَنَّ الْمُوَفَّقَ أَخْبَرَهُ مُنَجِّمٌ أَنَّهُ يَقْتُلُ ابْنَ بَخْتِيَارَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ الِاثْنَيْنِ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ قَالَ لِلْمُنَجِّمِ: قَدْ بَقِيَ خَمْسَةُ أَيَّامٍ وَلَيْسَ لَنَا عِلْمٌ بِهِ. فَقَالَ لَهُ الْمُنَجِّمُ: إِنْ لَمْ تَقْتُلْهُ فَاقْتُلْنِي عِوَضَهُ، وَإِلَّا فَأَحْسِنْ إِلَيَّ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ أَدْرَكَهُ وَقَتَلَهُ، وَأَحْسَنَ إِلَى الْمُنَجِّمِ إِحْسَانًا كَثِيرًا.
стр. 4248
ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى الْمُوَفَّقِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ
قَدْ ذَكَرْنَا مَسِيرَهُ إِلَى قِتَالِ ابْنِ بَخْتِيَارَ، (وَقَتَلَهُ ابْنُ بَخْتِيَارَ) ، فَلَمَّا عَادَ أَكْرَمَهُ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ وَلَقِيَهُ بِنَفْسِهِ، فَاسْتَعْفَى الْمُوَفَّقَ مِنَ الْخِدْمَةِ، فَلَمْ يُعْفِهِ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ، فَأَلَحَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَأَشَارَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مُكْرَمٍ عَلَى الْمُوَفَّقِ بِتَرْكِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْبَلْ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُ، وَكَتَبَ إِلَى وَزِيرِهِ سَابُورَ بِبَغْدَاذَ بِالْقَبْضِ عَلَى أَنْسَابِ الْمُوَفَّقِ، فَعَرَّفَهُمْ ذَلِكَ سِرًّا، فَاحْتَالُوا لِنُفُوسِهِمْ وَهَرَبُوا، وَاسْتَعْمَلَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ مُكْرَمٍ عَلَى عُمَانَ، ثُمَّ إِنَّ بَهَاءَ الدَّوْلَةِ قَتَلَ الْمُوَفَّقَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ أَبَا عَلِيٍّ الْحَسَنَ بْنَ أُسْتَاذِ هُرْمُزَ عَلَى خُوزِسْتَانَ، وَكَانَتْ قَدْ فَسَدَتْ أَحْوَالُهَا بِوِلَايَةِ أَبِي جَعْفَرٍ الْحَجَّاجِ لَهَا، وَمُصَادَرَتِهِ لِأَهْلِهَا، فَعَمَّرَهَا أَبُو عَلِيٍّ، وَلَقَّبَهُ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ عَمِيدَ الْجُيُوشِ، وَحَمَلَ إِلَى بَهَاءِ الدَّوْلَةِ مِنْهَا أَمْوَالًا جَلِيلَةً مَعَ حُسْنِ سِيرَةٍ فِي أَهْلِهَا وَعَدْلٍ.
وَفِيهَا ظَهَرَ فِي سِجِسْتَانَ مَعْدِنُ الذَّهَبِ، فَكَانُوا يَحْفِرُونَ التُّرَابَ وَيُخْرِجُونَ مِنْهُ الذَّهَبَ الْأَحْمَرَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الشَّرِيفُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْعَلَوِيَّ، وَدُفِنَ بِالْكَرْخِ،
стр. 4249
وَعُمْرُهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْعَقَارِ، وَالْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ ابْنُ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ مَعْرُوفٍ، الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ طَرَارٍ الْجَرِيرِيِّ، بِفَتْحِ الْجِيمِ، مَنْسُوبٌ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَفَقَّهُ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَكَانَ عَالِمًا بِفُنُونِ الْعُلُومِ، كَثِيرَ الرِّوَايَةِ وَالتَّصْنِيفِ فِيهَا.
стр. 4250
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٩١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ قَتْلِ الْمُقَلِّدِ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ قِرْوَاشٍ
هَذِهِ السَّنَةُ قَتَلَ حُسَامُ الدَّوْلَةِ الْمُقَلِّدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ الْعُقَيْلِيَّ غِيلَةً، قَتَلَهُ مَمَالِيكُ لَهُ تُرْكٌ.
وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْغِلْمَانَ كَانُوا قَدْ هَرَبُوا مِنْهُ، فَتَبِعَهُمْ وَظَفِرَ بِهِمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ وَقَطَعَ، وَأَعَادَ الْبَاقِينَ، فَخَافُوهُ عَلَى نُفُوسِهِمْ، فَاغْتَنَمَ بَعْضُهُمْ غَفْلَتَهُ وَقَتَلَهُ بِالْأَنْبَارِ، وَكَانَ قَدْ عَظُمَ أَمْرُهُ، وَرَاسَلَ وُجُوهَ الْعَسَاكِرِ بِبَغْدَاذَ وَأَرَادَ التَّغَلُّبَ عَلَى الْمَلِكِ، فَأَتَاهُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ.
وَلَمَّا قُتِلَ كَانَ وَلَدُهُ الْأَكْبَرُ قِرْوَاشٌ غَائِبًا، وَكَانَتْ أَمْوَالُهُ وَخَزَائِنُهُ بِالْأَنْبَارِ، فَخَافَ نَائِبُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَهْرَوَيْهِ بَادِرَةَ الْجُنْدِ، فَرَاسَلَ أَبَا مَنْصُورِ بْنَ قُرَادٍ اللَّدِيدَ، وَكَانَ بِالسِّنْدِيَّةِ، فَاسْتَدْعَاهُ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: أَنَا أَجْعَلُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ قِرْوَاشٍ عَهْدًا، وَأُزَوِّجُهُ ابْنَتَكَ وَأُقَاسِمُكَ عَلَى مَا خَلَّفَهُ أَبُوهُ، وَنُسَاعِدُهُ عَلَى عَمِّهِ الْحَسَنِ إِنْ قَصَدَهُ وَطَمِعَ فِيهِ. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ وَحَمَى الْخَزَائِنَ وَالْبَلَدَ.
وَأَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى قِرْوَاشٍ يَحُثُّهُ عَلَى الْوُصُولِ، فَوَصَلَ وَقَاسَمَهُ عَلَى الْمَالِ، وَأَقَامَ قُرَادٌ عِنْدَهُ.
ثُمَّ إِنَّ الْحَسَنَ بْنَ الْمُسَيَّبِ جَمَعَ مَشَايِخَ عُقَيْلٍ، وَشَكَا قِرْوَاشًا إِلَيْهِمْ وَمَا صَنَعَ مَعَ قُرَادٍ، فَقَالُوا لَهُ: خَوْفُهُ مِنْكَ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَبَذَلَ مِنْ نَفْسِهِ الْمُوَافَقَةَ لَهُ، وَالْوُقُوفَ
стр. 4251
عِنْدَ رِضَاهُ، وَسَفَّرَ الْمَشَايِخَ بَيْنَهُمَا فَاصْطَلَحَا، وَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَسِيرَ الْحَسَنُ إِلَى قِرْوَاشٍ شِبْهَ الْمُحَارِبِ، وَيَخْرُجَ هُوَ وَقُرَادٌ لِقِتَالِهِ، فَإِذَا لَقِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَادُوا جَمِيعًا عَلَى قُرَادٍ فَأَخَذُوهُ، فَسَارَ الْحَسَنُ وَخَرَجَ قِرْوَاشٌ وَقُرَادٌ لِقِتَالِهِ.
فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ جَاءَ بَعْضُ أَصْحَابِ قُرَادٍ إِلَيْهِ فَأَعْلَمَهُ الْحَالَ، فَهَرَبَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ، وَتَبِعَهُ قِرْوَاشٌ وَالْحَسَنُ فَلَمْ يُدْرِكَاهُ، وَعَادَ قِرْوَاشٌ إِلَى بَيْتِ قُرَادٍ فَأَخَذَ مَا فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ قِرْوَاشٍ، وَهِيَ بِحَالِهَا، وَسَارَ قِرْوَاشٌ إِلَى الْكُوفَةِ، فَأَوْقَعَ بِخَفَاجَةَ عِنْدَهَا وَقْعَةً عَظِيمَةً، فَسَارُوا بَعْدَهَا إِلَى الشَّامِ، فَأَقَامُوا هُنَاكَ حَتَّى أَحْضَرَهُمْ (أَبُو جَعْفَرٍ) الْحَجَّاجُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ذِكْرُ الْبَيْعَةِ لِوَلِيِّ الْعَهْدِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، أَمَرَ الْقَادِرُ بِاللَّهِ بِالْبَيْعَةِ لِوَلَدِهِ أَبِي الْفَضْلِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَأَحْضَرَ حُجَّاجَ خُرَاسَانَ وَأَعْلَمَهُمْ ذَلِكَ، وَلَقَّبَهُ الْغَالِبَ بِاللَّهِ.
وَكَانَ سَبَبُ الْبَيْعَةِ لَهُ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُثْمَانَ الْوَاثِقِيَّ، مِنْ وَلَدِ الْوَاثِقِ بِاللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، كَانَ مِنْ أَهْلِ نَصِيبِينَ، فَقَصَدَ بَغْدَاذَ، ثُمَّ سَارَ عَنْهَا إِلَى خُرَاسَانَ، وَعَبَرَ النَّهْرَ إِلَى هَارُونَ بْنِ أَيْلَكَ بَغْرَاخَاقَانَ، وَصَحِبَهُ الْفَقِيهُ أَبُو الْفَضْلِ التَّمِيمِيُّ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنَ الْخَلِيفَةِ إِلَى هَارُونَ يَأْمُرُهُ بِالْبَيْعَةِ لِهَذَا الْوَاثِقِيِّ، فَإِنَّهُ وَلِيُّ عَهْدٍ، فَأَجَابَهُ خَاقَانُ إِلَى ذَلِكَ، وَبَايَعَ لَهُ وَخَطَبَ لَهُ بِبِلَادِهِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ الْقَادِرَ بِاللَّهِ، فَعَظُمَ عَلَيْهِ، وَرَاسَلَ خَاقَانَ فِي مَعْنَاهُ، فَلَمْ يُصْغِ إِلَى رِسَالَتِهِ.
فَلَمَّا تُوُفِّيَ هَارُونُ خَاقَانُ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ أَحْمَدُ قُرَّاخَاقَانُ، كَاتَبَهُ الْخَلِيفَةُ فِي مَعْنَاهُ، فَأَمَرَ بِإِبْعَادِهِ، فَحِينَئِذٍ بَايَعَ الْخَلِيفَةُ لِوَلَدِهِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ.
وَأَمَّا الْوَاثِقِيُّ فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ أَحْمَدَ قُرَّاخَاقَانَ وَقَصَدَ بَغْدَاذَ فَعُرِفَ بِهَا وَطُلِبَ، فَهَرَبَ مِنْهَا إِلَى الْبَصْرَةِ، ثُمَّ إِلَى فَارِسَ وَكَرْمَانَ، ثُمَّ إِلَى بِلَادِ التُّرْكِ، فَلَمْ يَتِمَّ لَهُ مَا
стр. 4252
أَرَادَ، وَرَاسَلَ الْخَلِيفَةُ الْمُلُوكَ يَطْلُبُهُ، فَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ، وَسَارَ إِلَى خُوَارَزْمَ وَأَقَامَ بِهَا، ثُمَّ فَارَقَهَا، فَأَخَذَهُ يَمِينُ الدَّوْلَةِ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ فَحَبَسَهُ (فِي قَلْعَةٍ) إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ بِهَا.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ طَاهِرِ بْنِ خَلَفٍ عَلَى كَرْمَانَ وَعَوْدِهِ عَنْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ طَاهِرُ بْنُ خَلَفِ بْنِ أَحْمَدَ، صَاحِبُ سِجِسْتَانَ، إِلَى كَرْمَانَ طَالِبًا مُلْكَهَا.
وَكَانَ سَبَبُ مَسِيرِهِ إِلَيْهَا أَنَّهُ كَانَ قَدْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ أَبِيهِ، وَجَرَى بَيْنَهُمَا حُرُوبٌ كَانَ الظَّفَرُ فِيهَا لِأَبِيهِ، فَفَارَقَ سِجِسْتَانَ وَسَارَ إِلَى كَرْمَانَ، وَبِهَا عَسْكَرُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، وَهِيَ لَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَاجْتَمَعَ مَنْ بِهَا مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِمْ (وَمُتَوَلِّي أَمْرِ الْبِلَادِ، هُوَ أَبُو مُوسَى سَيَاهَجِيلُ) ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ وَصَلَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالرَّأْيُ أَنْ تُبَادِرَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْوَى أَمْرُهُ وَيَكْثُرَ جَمْعُهُ. فَلَمْ يَفْعَلْ وَاسْتَهَانَ بِهِ، فَكَثُرَ جَمْعُ طَاهِرٍ، وَصَعِدَ إِلَى الْجِبَالِ، وَبِهَا قَوْمٌ مِنَ الْعُصَاةِ عَلَى السُّلْطَانِ، فَاحْتَمَى بِهِمْ وَقَوِيَ، فَنَزَلَ إِلَى جِيرُفْتَ فَمَلَكَهَا وَمَلَكَ غَيْرَهَا، وَقَوِيَ طَمَعُهُ فِي الْبَاقِي.
فَقَصَدَهُ أَبُو مُوسَى وَالدَّيْلَمُ، فَهَزَمَهُمْ، وَأَخَذَ بَعْضَ مَا بَقِيَ بِأَيْدِيهِمْ، فَكَاتَبُوا بَهَاءَ الدَّوْلَةِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا عَلَيْهِمْ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ أُسْتَاذِ هُرْمُزَ، فَسَارَ إِلَى كَرْمَانَ، وَقَصَدَ بَمَّ، وَبِهَا طَاهِرٌ، فَجَرَى بَيْنَ طَلَائِعِ الْعَسْكَرَيْنِ حَرْبٌ، وَعَادَ طَاهِرٌ إِلَى سِجِسْتَانَ، وَفَارَقَ كَرْمَانَ، فَلَمَّا بَلَغَ سِجِسْتَانَ أَطْلَقَ الْمَأْسُورِينَ، وَدَعَاهُمْ إِلَى قِتَالِ أَبِيهِ مَعَهُ، وَحَلَفَ لَهُمْ أَنَّهُمْ إِذَا نَصَرُوهُ وَقَاتَلُوا مَعَهُ أَطْلَقَهُمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَقَاتَلَ أَبَاهُ، فَهَزَمَهُ وَمَلَكَ طَاهِرٌ الْبِلَادَ وَدَخَلَ أَبُوهُ إِلَى حِصْنٍ لَهُ مَنِيعٍ فَاحْتَمَى بِهِ.
وَأَحَبَّ النَّاسُ طَاهِرًا لِحُسْنِ سِيرَتِهِ، وَسُوءِ سِيرَةِ وَالِدِهِ، وَأَطْلَقَ طَاهِرٌ الدَّيْلَمَ، ثُمَّ
стр. 4253
إِنَّ أَبَاهُ رَاسَلَ أَصْحَابَهُ لِيُفْسِدَهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا فَعَدَلَ إِلَى مُخَادَعَتِهِ، وَرَاسَلَهُ يُظْهِرُ لَهُ النَّدَمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، وَيَسْتَمِيلُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ غَيْرَهُ، وَأَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يَمُوتَ فَيَمْلِكَ بِلَادَهُ غَيْرُ وَلَدِهِ. ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ إِلَيْهِ جَرِيدَةً لِيَجْتَمِعَ بِهِ وَيُعَرِّفَهُ أَحْوَالَهُ، فَتَوَاعَدَا تَحْتَ قَلْعَةِ خَلَفٍ، فَأَتَاهُ ابْنُهُ جَرِيدَةً، وَنَزَلَ هُوَ إِلَيْهِ كَذَلِكَ، وَكَانَ قَدْ كَمَّنَ بِالْقُرْبِ مِنْهُ كَمِينًا، فَلَمَّا لَقِيَهُ اعْتَنَقَهُ، وَبَكَى خَلَفٌ، وَصَاحَ فِي بُكَائِهِ، فَخَرَجَ الْكَمِينُ وَأَسَرُوا طَاهِرًا، فَقَتَلَهُ أَبَوْهُ بِيَدِهِ، وَغَسَلَهُ وَدَفَنَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ غَيْرَهُ.
فَلَمَّا قُتِلَ طَمِعَ النَّاسُ فِي خَلَفٍ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَخَافُونَ ابْنَهُ لِشَهَامَتِهِ، وَقَصَدَهُ حِينَئِذٍ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ، فَمَلَكَ بِلَادَهُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَأَمَّا الْعُتْبِيُّ فَذَكَرَ فِي سَبَبِ فَتْحِهَا غَيْرَ هَذَا، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَارَ الْأَتْرَاكُ بِبَغْدَاذَ بِنَائِبِ السُّلْطَانِ، وَهُوَ أَبُو نَصْرٍ سَابُورُ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ، وَوَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ الْأَتْرَاكِ الْعَامَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكَرْخِ، وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى كَثِيرَةٌ، ثُمَّ إِنَّ السُّنَّةَ مِنْ أَهْلِ بَغْدَاذَ سَاعَدُوا الْأَتْرَاكَ عَلَى أَهْلِ الْكَرْخِ، فَضَعُفُوا عَنِ الْجَمِيعِ، فَسَعَى الْأَشْرَافُ فِي إِصْلَاحِ الْحَالِ فَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ.
وَفِيهَا وُلِدَ الْأَمِيرُ أَبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْقَادِرِ، وَهُوَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، وَكَانَ فَاضِلًا [عَالِمًا] بِعُلُومِ الْإِسْلَامِ وَبِالْمَنْطِقِ، وَكَانَ يَجْلِسُ لِلتَّحْدِيثِ، وَرَوَى النَّاسُ عَنْهُ.
стр. 4254
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ الْجَوْزِيُّ، وَكَانَ عَلَى مَذْهَبِ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَكَانَ يَصْحَبُ عَضُدَ الدَّوْلَةِ قَدِيمًا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَجَّاجِ الشَّاعِرُ بِطَرِيقِ النِّيلِ، وَحُمِلَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَدِيوَانُهُ مَشْهُورٌ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ بَكْرَانُ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ خَالُ الْمَلِكِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ بِوَاسِطَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ جَعْفَرُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ جَعْفَرِ (بْنِ مُحَمَّدِ) بْنِ الْفُرَاتِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ حِنْزَابَةَ، الْوَزِيرِ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ سَارَ إِلَى مِصْرَ فَوَلِيَ وِزَارَةَ كَافُورٍ وَرَوَى حَدِيثًا كَثِيرًا.
стр. 4255
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٩٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ وَقْعَةٍ لِيَمِينِ الدَّوْلَةِ بِالْهِنْدِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَوْقَعَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ بِجِيبَالَ مَلِكِ الْهِنْدِ وَقْعَةً عَظِيمَةً.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا اشْتَغَلَ بِأَمْرِ خُرَاسَانَ وَمُلْكَهَا، وَفَرَغَ مِنْهَا وَمِنْ قِتَالِ خَلَفِ بْنِ أَحْمَدَ، وَخَلَا وَجْهُهُ مِنْ ذَلِكَ، أَحَبَّ أَنْ يَغْزُوَ الْهِنْدَ غَزْوَةً تَكُونُ كَفَّارَةً لِمَا كَانَ مِنْهُ مِنْ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَثَنَى عِنَانَهُ نَحْوَ تِلْكَ الْبِلَادِ، فَنَزَلَ عَلَى مَدِينَةِ بَرْشُورَ، فَأَتَاهُ عَدُوُّ اللَّهِ جِيبَالُ مَلِكُ الْهِنْدِ فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ، فَاخْتَارَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ مِنْ عَسَاكِرِهِ وَالْمُطَّوَّعَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَسَارَ نَحْوَهُ، فَالْتَقَوْا فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَاقْتَتَلُوا، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ.
فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ انْهَزَمَ الْهِنْدُ، وَقُتِلَ فِيهِمْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأُسِرَ جِيبَالُ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ أَمْوَالًا جَلِيلَةً، وَجَوَاهِرَ نَفِيسَةً، وَأُخِذَ مِنْ عُنُقِ (عَدُوِّ اللَّهِ) جِيبَالَ قِلَادَةٌ مِنَ الْجَوْهَرِ الْعَدِيمِ النَّظِيرِ قُوِّمَتْ بِمِائَتَيْ أَلْفَ دِينَارٍ، وَأُصِيبَ أَمْثَالُهَا فِي أَعْنَاقِ مُقَدَّمِي الْأَسْرَى، وَغَنِمُوا خَمْسَمِائَةِ أَلْفَ رَأْسٍ مِنَ الْعَبِيدِ، وَفَتَحَ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ بِلَادًا كَثِيرَةً، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غَزَوَاتِهِ أَحَبَّ أَنْ يُطْلِقَ جِيبَالَ لِيَرَاهُ الْهُنُودُ فِي شِعَارِ الذُّلِّ، فَأَطْلَقَهُ بِمَالٍ، قَرَّرَهُ عَلَيْهِ، فَأَدَّى الْمَالَ.
стр. 4256
وَمِنْ عَادَةِ الْهِنْدِ أَنَّهُمْ مَنْ حَصَلَ مِنْهُمْ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ أَسِيرًا لَمْ يَنْعَقِدْ لَهُ بَعْدَهَا رِئَاسَةٌ، فَلَمَّا رَأَى جِيبَالُ حَالَهُ بَعْدَ خَلَاصِهِ حَلَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي النَّارِ، فَأُحْرِقَ بِنَارِ الدُّنْيَا قَبْلَ نَارِ الْآخِرَةِ.
ذِكْرُ غَزْوَةٍ أُخْرَى إِلَى الْهِنْدِ أَيْضًا
فَلَمَّا فَرَغَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ مِنْ أَمْرِ جِيبَالَ رَأَى أَنْ يَغْزُوَ غَزْوَةً أُخْرَى، فَسَارَ نَحْوَ وَيْهَنْدَ، فَأَقَامَ عَلَيْهَا مُحَاصِرًا لَهَا، حَتَّى فَتَحَهَا قَهْرًا، وَبَلَغَهُ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْهِنْدِ قَدِ اجْتَمَعُوا بِشِعَابِ تِلْكَ الْجِبَالِ عَازِمِينَ عَلَى الْفَسَادِ وَالْعِنَادِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِهِ، فَأَوْقَعُوا بِهِمْ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ الْفَرِيدُ، وَعَادَ إِلَى غَزْنَةَ سَالِمًا ظَافِرًا.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ قِرْوَاشٍ وَعَسْكَرِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ قِرْوَاشُ بْنُ الْمُقَلِّدِ جَمْعًا مِنْ عُقَيْلٍ إِلَى الْمَدَائِنِ فَحَصَرُوهَا، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ أَبُو جَعْفَرٍ نَائِبُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ جَيْشًا فَأَزَالُوهُمْ عَنْهَا، فَاجْتَمَعَتْ عُقَيْلٌ وَأَبُو الْحَسَنِ مَزْيَدٌ فِي بَنِي أَسَدٍ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ، فَخَرَجَ الْحَجَّاجُ إِلَيْهِمْ، وَاسْتَنْجَدَ خَفَاجَةَ، وَأَحْضَرَهُمْ مِنَ الشَّامِ، فَاجْتَمَعُوا مَعَهُ، وَاقْتَتَلُوا بِنَوَاحِي بَاكَرْمَ فِي رَمَضَانَ، فَانْهَزَمَتِ الدَّيْلَمُ وَالْأَتْرَاكُ، وَأُسِرَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَاسْتُبِيحَ عَسْكَرُهُمْ.
فَجَمَعَ أَبُو جَعْفَرٍ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسْكَرِ وَخَرَجَ إِلَى بَنِي عُقَيْلٍ وَابْنِ مَزْيَدٍ فَالْتَقَوْا بِنَوَاحِي الْكُوفَةِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، فَانْهَزَمَتْ عُقَيْلٌ وَابْنُ مَزْيَدٍ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأُسِرَ مِثْلُهُمْ، وَسَارَ إِلَى حُلَلِ ابْنِ مَزْيَدٍ فَأَوْقَعَ بِمَنْ فِيهَا فَانْهَزَمُوا أَيْضًا، فَنُهِبَتِ الْحُلَلُ وَالْبُيُوتُ وَالْأَمْوَالُ، وَرَأَوْا فِيهَا مِنَ الْعَيْنِ وَالْمَصَاغِ وَالثِّيَابِ مَا لَا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ.
وَلَمَّا سَارَ أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ بَغْدَاذَ اخْتَلَتِ الْأَحْوَالُ بِهَا، وَعَادَ أَمْرُ الْعَيَّارِينَ فَظَهَرَ،
стр. 4257
وَاشْتَدَّ الْفَسَادُ، وَقُتِلَتِ النُّفُوسُ، وَنُهِبَتِ الْأَمْوَالُ، وَأُحْرِقَتِ الْمِسَاكِنُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ بَهَاءَ الدَّوْلَةِ، فَسَيَّرَ إِلَى الْعِرَاقِ لِحِفْظِهِ أَبَا عَلِيِّ بْنَ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَعْرُوفَ بِأُسْتَاذِ هُرْمُزَ، وَلَقَّبَهُ عَمِيدَ الْجُيُوشِ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْحَجَّاجِ، وَطَيَّبَ قَلْبَهُ، وَوَصَلَ أَبُو عَلِيٍّ إِلَى بَغْدَاذَ فَأَقَامَ السِّيَاسَةَ، وَمَنَعَ الْمُفْسِدِينَ، فَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ وَأَمِنَ النَّاسُ.
[الْوَفَيَاتُ]
(وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ أَبُو بَكْرٍ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الدَّقَّاقِ، صَاحِبُ الْأُصُولِ) .
стр. 4258
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٩٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ مُلْكِ يَمِينِ الدَّوْلَةِ سِجِسْتَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ سِجِسْتَانَ، وَانْتَزَعَهَا مِنْ يَدِ خَلَفِ بْنِ أَحْمَدَ.
قَالَ الْعُتْبِيُّ: وَكَانَ سَبَبُ أَخْذِهَا أَنَّ يَمِينَ الدَّوْلَةِ لَمَّا رَحَلَ عَنْ خَلَفٍ بَعْدَ أَنْ صَالَحَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ سَنَةَ تِسْعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، عَهِدَ خَلَفٌ إِلَى وَلَدِهِ طَاهِرٍ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ مَمْلَكَتَهُ، وَانْعَكَفَ هُوَ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالْعِلْمِ، وَكَانَ عَالِمًا، فَاضِلًا، مُحِبًّا لِلْعُلَمَاءِ، وَكَانَ قَصْدُهُ أَنْ يُوهِمَ يَمِينَ الدَّوْلَةِ أَنَّهُ تَرَكَ الْمُلْكَ وَأَقْبَلَ عَلَى طَلَبِ الْآخِرَةِ لِيَقْطَعَ طَمَعَهُ عَنْ بِلَادِهِ.
فَلَمَّا اسْتَقَرَّ طَاهِرٌ فِي الْمُلْكِ عَقَّ أَبَاهُ وَأَهْمَلَ أَمْرَهُ، فَلَاطَفَهُ أَبُوهُ وَرَفَقَ بِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَمَارَضَ فِي حِصْنِهِ الْمَذْكُورِ، وَاسْتَدْعَى وَلَدَهُ لِيُوصِيَ إِلَيْهِ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ غَيْرَ مُحْتَاطٍ، وَنَسِيَ إِسَاءَتَهُ، فَلَمَّا صَارَ عِنْدَهُ قَبَضَ عَلَيْهِ وَسَجَنَهُ، وَبَقِيَ فِي السِّجْنِ إِلَى أَنْ مَاتَ فِيهِ، وَأُظْهِرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ.
وَلَمَّا سَمِعَ عَسْكَرُ خَلَفٍ وَصَاحِبُ جَيْشِهِ بِذَلِكَ تَغَيَّرَتْ نِيَّاتُهُمْ فِي طَاعَتِهِ، وَكَرِهُوهُ، وَامْتَنَعُوا عَلَيْهِ فِي مَدِينَتِهِ، (وَأَظْهَرُوا طَاعَةَ يَمِينِ الدَّوْلَةِ، وَخَطَبُوا لَهُ، وَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَطْلُبُونَ مَنْ يَتَسَلَّمُ الْمَدِينَةَ) ، فَفَعَلَ وَمَلَكَهَا، وَاحْتَوَى عَلَيْهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَعَزَمَ عَلَى قَصْدِ خَلَفٍ وَأَخْذِ مَا بِيَدِهِ وَالِاسْتِرَاحَةِ مِنْ مَكْرِهِ. فَسَارَ إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي حِصْنِ
стр. 4259
الطَّاقِ، وَلَهُ سَبْعَةُ أَسْوَارٍ مُحْكَمَةٍ، يُحِيطُ بِهَا خَنْدَقٌ عَمِيقٌ، عَرِيضٌ، لَا يُخَاضُ إِلَّا مِنْ طَرِيقٍ عَلَى جِسْرٍ يُرْفَعُ عِنْدَ الْخَوْفِ، فَنَازَلَهُ وَضَايَقَهُ فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ، فَأَمَرَ بِطَمِّ الْخَنْدَقِ لِيُمْكِنَ الْعُبُورُ إِلَيْهِ، فَقُطِعَتِ الْأَخْشَابُ وَطُمَّ بِهَا بِالتُّرَابِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مَكَانًا يَعْبُرُونَ فِيهِ وَيُقَاتِلُونَ مِنْهُ.
وَزَحَفَ النَّاسُ وَمَعَهُمُ الْفُيُولُ، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، وَعَظُمَ الْأَمْرُ، وَتَقَدَّمَ أَعْظَمُ الْفُيُولِ إِلَى بَابِ السُّورِ فَاقْتَلَعَهُ بِنَابَيْهِ وَأَلْقَاهُ، وَمَلَكَهُ أَصْحَابُ يَمِينِ الدَّوْلَةِ، وَتَأَخَّرَ أَصْحَابُ خَلَفٍ إِلَى السُّورِ الثَّانِي، فَلَمْ يَزَلْ أَصْحَابُ يَمِينِ الدَّوْلَةِ يَدْفَعُونَهُمْ عَنْ سُورٍ سُورٍ، فَلَمَّا رَأَى خَلَفٌ اشْتِدَادَ الْحَرْبِ، وَأَنَّ أَسْوَارَهُ تُمْلَكُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ أَصْحَابَهُ قَدْ عَجَزُوا، وَأَنَّ الْفِيَلَةَ تُحَطِّمُ النَّاسَ طَارَ قَلْبُهُ خَوْفًا وَفَرَقًا، فَأَرْسَلَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَأَجَابَهُ يَمِينُ الدَّوْلَةِ إِلَى مَا طَلَبَ وَكَفَّ عَنْهُ، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ أَكْرَمَهُ وَاحْتَرَمَهُ، وَأَمَرَهُ بِالْمُقَامِ فِي أَيِّ الْبِلَادِ شَاءَ، فَاخْتَارَ أَرْضَ الْجُوزَجَانِ، فَسُيِّرَ إِلَيْهَا فِي هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ، فَأَقَامَ بِهَا نَحْوَ أَرْبَعِ سِنِينَ.
وَنُقِلَ إِلَى يَمِينِ الدَّوْلَةِ عَنْهُ أَنَّهُ يُرَاسِلُ أَيْلَكَ الْخَانَ يُغْرِيهِ بِقَصْدِ يَمِينِ الدَّوْلَةِ، فَنَقَلَهُ إِلَى جَرْدِينَ، وَاحْتَاطَ عَلَيْهِ هُنَاكَ، إِلَى أَنْ أَدْرَكَهُ أَجَلُهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، فَسَلَّمَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ جَمِيعَ مَا خَلَّفَهُ إِلَى وَلَدِهِ أَبِي حَفْصٍ. وَكَانَ خَلَفٌ مَشْهُورًا بِطَلَبِ الْعِلْمِ وَجَمْعِ الْعُلَمَاءِ، وَلَهُ كِتَابٌ صَنَّفَهُ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ مِنْ أَكْبَرِ الْكُتُبِ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَمِيدِ الْجُيُوشِ أَبِي عَلِيٍّ وَبَيْنَ أَبِي جَعْفَرٍ الْحَجَّاجِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ أُسْتَاذِ هُرْمُزَ، وَبَيْنَ أَبِي جَعْفَرٍ الْحَجَّاجِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ كَانَ نَائِبًا عَنْ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ بِالْعِرَاقِ، فَجَمَعَ وَغَزَا،
стр. 4260
وَاسْتَنَابَ بَعْدَهُ عَمِيدَ الْجُيُوشِ أَبَا عَلِيٍّ، فَأَقَامَ أَبُو جَعْفَرٍ بِنَوَاحِي الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَسْتَقِرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي عَلِيٍّ صُلْحٌ.
وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ قَدْ جَمَعَ جَمْعًا مِنَ الدَّيْلَمِ وَالْأَتْرَاكِ وَخَفَاجَةَ فَجَمَعَ أَبُو عَلِيٍّ أَيْضًا جَمْعًا كَثِيرًا وَسَارَ إِلَيْهِ، وَالْتَقَوْا بِنَوَاحِي النُّعْمَانِيَّةِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا عَظِيمًا، وَأَرْسَلَ أَبُو عَلِيٍّ بَعْضَ عَسْكَرِهِ، فَأَتَوْا أَبَا جَعْفَرٍ مِنْ وَرَائِهِ، فَانْهَزَمَ أَبُو جَعْفَرٍ وَمَضَى مُنْهَزِمًا.
فَلَمَّا أَمِنَ أَبُو عَلِيٍّ سَارَ مِنَ الْعِرَاقِ، بَعْدَ الْهَزِيمَةِ، إِلَى خُوزِسْتَانَ، وَبَلَغَ السُّوسَ، وَأَتَاهُ الْخَبَرُ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ قَدْ عَادَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَرَجَعَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي جَعْفَرٍ مُنَازَعَاتٌ وَمُرَاجَعَاتٌ إِلَى أَنْ آلَ الْأَمْرُ إِلَى الْحَرْبِ فَاسْتَنْجَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَنِي عُقَيْلٍ وَبَنِيَ خَفَاجَةَ وَبَنِي أَسَدٍ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ أَرْسَلَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ إِلَى عَمِيدِ الْجُيُوشِ أَبِي عَلِيٍّ يَسْتَدْعِيهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ إِلَى خُوزِسْتَانَ لِأَجْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ وَاصِلٍ، صَاحِبِ الْبَطِيحَةِ.
ذِكْرُ عِصْيَانِ سِجِسْتَانَ وَفَتْحِهَا ثَانِيَةً
لَمَّا مَلَكَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ سِجِسْتَانَ عَادَ عَنْهَا وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا أَمِيرًا كَبِيرًا مِنْ أَصْحَابِهِ، يُعْرَفُ بِقَنْجَى الْحَاجِبِ، فَأَحْسَنَ السِّيرَةَ فِي أَهْلِهَا.
ثُمَّ إِنَّ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْعَيْثِ وَالْفَسَادِ قَدَّمُوا عَلَيْهِمْ رَجُلًا يَجْمَعُهُمْ، وَخَالَفُوا عَلَى السُّلْطَانِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ يَمِينُ الدَّوْلَةِ، وَحَصَرَهُمْ فِي حِصْنِ أَرَكَ، وَنَشِبَتِ الْحَرْبُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ، وَظَفِرَ بِهِمْ، وَمَلَكَ حِصْنَهُمْ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَانْهَزَمَ بَعْضُهُمْ فَسَيَّرَ فِي آثَارِهِمْ مَنْ يَطْلُبُهُمْ، فَأَدْرَكُوهُمْ، فَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِيهِمْ حَتَّى خَلَتْ سِجِسْتَانُ مِنْهُمْ وَصَفَتْ لَهُ وَاسْتَقَرَّ مُلْكُهَا عَلَيْهِ، فَأَقْطَعَهَا أَخَاهُ نَصْرًا مُضَافَةً إِلَى نَيْسَابُورَ.
стр. 4261
ذِكْرُ وَفَاةِ الطَّائِعِ لِلَّهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، (فِي شَوَّالٍ مِنْهَا) ،، تُوُفِّيَ الطَّائِعُ لِلَّهِ الْمَخْلُوعُ ابْنُ الْمُطِيعِ لِلَّهِ، وَحَضَرَ الْأَشْرَافُ وَالْقُضَاةُ وَغَيْرُهُمْ دَارَ الْخِلَافَةِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالتَّعْزِيَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْقَادِرُ بِاللَّهِ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ خَمْسًا، وَتَكَلَّمَتِ الْعَامَّةُ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: إِنَّ هَذَا مِمَّا يُفْعَلُ بِالْخُلَفَاءِ، وَشَيَّعَ جِنَازَتَهُ ابْنُ حَاجِبٍ النُّعْمَانُ، وَرَثَاهُ الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ فَقَالَ: مَا بَعْدَ يَوْمِكَ مَا يَسْلُو بِهِ السَّالِي وَمِثْلُ يَوْمِكَ لَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالَى
وَهِيَ طَوِيلَةٌ.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمَنْصُورِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَبُو عَامِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ الْمَعَافِرِيُّ، الْمُلَقَّبُ بِالْمَنْصُورِ، أَمِيرُ الْأَنْدَلُسِ مَعَ الْمُؤَيِّدِ هِشَامِ بْنِ الْحَاكِمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْمُؤَيِّدِ، وَكَانَ أَصْلُهُ مِنَ الْجَزِيرَةِ الْخَضْرَاءِ مِنْ بَيْتٍ مَشْهُورٍ بِهَا، وَقَدِمَ قُرْطُبَةَ طَالِبًا لِلْعِلْمِ، وَكَانَتْ لَهُ هِمَّةٌ، فَتَعَلَّقَ بِوَالِدَةِ الْمُؤَيَّدِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ الْمُسْتَنْصِرِ.
فَلَمَّا وَلِيَ هِشَامٌ كَانَ صَغِيرًا، فَتَكَفَّلَ الْمَنْصُورُ لِوَالِدَتِهِ الْقِيَامَ بِأَمْرِهِ، وَإِخْمَادَ الْفِتَنِ الثَّائِرَةِ عَلَيْهِ، وَإِقْرَارَ الْمُلْكِ عَلَيْهِ، فَوَلَّتْهُ أَمْرَهُ وَكَانَ شَهْمًا، شُجَاعًا، قَوِيَّ النَّفْسِ، حَسَنَ التَّدَبُّرِ، فَاسْتَمَالَ الْعَسَاكِرَ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، فَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَتَلَقَّبَ بِالْمَنْصُورِ، وَتَابَعَ الْغَزَوَاتِ إِلَى الْفِرِنْجِ وَغَيْرِهِمْ، وَسَكَنَتِ الْبِلَادُ مَعَهُ، فَلَمْ يَضْطَرِبْ مِنْهَا شَيْءٌ.
وَكَانَ عَالِمًا، مُحِبًّا لِلْعُلَمَاءِ، يُكْثِرُ مُجَالَسَتَهُمْ وَيُنَاظِرُهُمْ، وَقَدْ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءُ ذِكْرَ مَنَاقِبِهِ، وَصَنَّفُوا لَهَا تَصَانِيفَ كَثِيرَةً، وَلَمَّا مَرِضَ كَانَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْغَزْوِ، فَلَمْ يَرْجِعْ،
стр. 4262
وَدَخَلَ بِلَادَ الْعَدُوِّ فَنَالَ مِنْهُمْ وَعَادَ وَهُوَ مُثْقَلٌ، فَتُوُفِّيَ بِمَدِينَةِ سَالِمٍ، وَكَانَ قَدْ جَمَعَ الْغُبَارَ الَّذِي وَقَعَ عَلَى دِرْعِهِ (فِي غَزَوَاتِهِ شَيْئًا صَالِحًا) ، فَأَمَرَ أَنْ يُجْعَلَ فِي كَفَنِهِ تَبَرُّكًا بِهِ.
وَكَانَ حَسَنَ الِاعْتِقَادِ وَالسِّيرَةِ، عَادِلًا، كَانَتْ أَيَّامُهُ أَعْيَادًا لِنَضَارَتِهَا، وَأَمِنَ النَّاسُ فِيهَا، ﵀. وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تَمِيمِيَّةً، وَلَمَّا مَاتَ وَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْمُظَفَّرُ أَبُو مَرْوَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَجَرَى مَجْرَى أَبِيهِ.
ذِكْرُ مُحَاصَرَةِ فُلْفُلٍ مَدِينَةَ قَابِسَ وَمَا كَانَ مِنْهُ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الْأَنْدَلُسِيُّ وَفُلْفُلٌ مِنْ طَرَابُلُسَ إِلَى مَدِينَةِ قَابِسَ فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ، فَحَصَرُوهَا، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى طَرَابُلُسَ. وَلَمَّا رَأَى يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ قِلَّةِ الْمَالِ، وَاخْتِلَالِ حَالِهِ وَسُوءِ مُجَاوَرَةِ فُلْفُلٍ وَأَصْحَابِهِ لَهُ، رَجَعَ إِلَى مِصْرَ إِلَى الْحَاكِمِ، بَعْدَ أَنْ أَخَذَ فُلْفُلٌ وَأَصْحَابُهُ خُيُولَهُمْ، وَمَا اخْتَارُوهُ مِنْ عُدَدِهِمْ بَيْنَ الشِّرَاءِ وَالْغَصْبِ، فَأَرَادَا الْحَاكِمُ قَتْلَهُ ثُمَّ عَفَا عَنْهُ.
وَأَقَامَ فُلْفُلٌ بِطَرَابُلُسَ إِلَى سَنَةِ أَرْبَعِمِائَةٍ، فَمَرِضَ وَتُوُفِّيَ، وَوُلِيَ أَخُوهُ وَرُّو، فَأَطَاعَتْهُ زَنَاتَةُ، وَاسْتَقَامَ أَمْرُهُ، فَرَحَلَ بَادِيسُ إِلَى طَرَابُلُسَ لِحَرْبِ زَنَاتَةَ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ رَحِيلُهُ فَارَقُوهَا وَمَلَكَهَا بَادِيسُ، فَفَرَّ أَهْلُهَا وَأَرْسَلَ وَرُّو أَخُو فُلْفُلٍ إِلَى بَادِيسَ يَطْلُبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ زَنَاتَةَ فِي أَمَانِهِ، وَيَدْخُلُونَ فِي طَاعَتِهِ، وَيَجْعَلُهُمْ عُمَّالًا كَسَائِرِ عُمَّالِهِ، فَأَمَّنَهُمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَأَعْطَاهُمْ نِفْزَاوَةَ وَقَسْطِيلَةَ عَلَى أَنْ يَرْحَلُوا مِنْ أَعْمَالِ طَرَابُلُسَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ.
ثُمَّ إِنَّ خَزْرُونَ بْنَ سَعِيدٍ أَخَا وَرُّو جَاءَ إِلَى بَادِيسَ، وَدَخَلَ فِي طَاعَتِهِ، وَفَارَقَ
стр. 4263
أَخَاهُ، فَأَكْرَمَهُ بَادِيسُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِنَّ أَخَاهُ خَالَفَ عَلَى بَادِيسَ، وَسَارَ إِلَى طَرَابُلُسَ فَحَصَرَهَا، وَسَارَ إِلَيْهِ خَزْرُونُ لِيَمْنَعَهُ عَنْ حِصَارِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَمَضَانَ، طَلَعَ كَوْكَبٌ كَبِيرٌ لَهُ ذُؤَابَةٌ، وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ انْقَضَّ كَوْكَبٌ كَبِيرٌ أَيْضًا كَضَوْءِ الْقَمَرِ عِنْدَ تَمَامِهِ، وَانْمَحَقَ نُورُهُ وَبَقِيَ جَرْمُهُ يَتَمَوَّجُ.
وَفِيهَا اشْتَدَّتِ الْفِتْنَةُ بِبَغْدَاذَ، وَانْتَشَرَ الْعَيَّارُونَ وَالْمُفْسِدُونَ، فَبَعَثَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ عَمِيدَ الْجُيُوشِ أَبَا عَلِيِّ بْنَ أُسْتَاذِ هُرْمُزَ إِلَى الْعِرَاقِ لِيُدَبِّرَ أَمْرَهُ، فَوَصَلَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَزُيِّنَتْ لَهُ، وَقَمَعَ الْمُفْسِدِينَ، وَمَنَعَ السُّنَّةَ وَالشِّيعَةَ مِنْ إِظْهَارِ مَذَاهِبِهِمْ، وَنَفَى، بَعْدَ ذَلِكَ، ابْنَ الْمُعَلِّمِ فَقِيهَ الْإِمَامِيَّةِ، فَاسْتَقَامَ الْبَلَدُ.
وَفِيهَا، فِي ذِي الْحِجَّةِ، وُلِدَ الْأَمِيرُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ الَّذِي مَلَكَ الْأَمْرَ، وَتَلَقَّبَ بِمُشْرِفِ الدَّوْلَةِ.
وَفِيهَا هَرَبَ الْوَزِيرُ أَبُو الْعَبَّاسِ الضَّبِّيُّ، وَزِيرُ مَجْدِ الدَّوْلَةِ بْنِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهٍ، مِنَ الرَّيِّ إِلَى بَدْرِ بْنِ حَسْنُوَيْهِ، فَأَكْرَمَهُ، وَقَامَ بِالْوِزَارَةِ بَعْدَهُ الْخُطَيْرُ أَبُو عَلِيٍّ.
وَفِيهَا وَلَّى الْحَاكِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ عَلَى دِمَشْقَ، وَقِيَادَةِ الْعَسَاكِرِ الشَّامِيَّةِ، أَبَا مُحَمَّدٍ الْأَسْوَدَ، وَاسْمُهُ تَمْصُولْتُ، فَقَدِمَ إِلَيْهَا، وَنَزَلَ فِي قَصْرِ الْإِمَارَةِ، فَأَقَامَ وَالِيًا عَلَيْهَا
стр. 4264
سَنَةً وَشَهْرَيْنِ وَمِنْ أَعْمَالِهِ فِيهَا أَنَّهُ أَطَافَ إِنْسَانًا مَغْرِبِيًّا، وَشَهَّرَهُ، وَنَادَى عَلَيْهِ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ يُحِبُّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ! ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْهَا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُثْمَانُ بْنُ جِنِّيٍّ النَّحْوِيُّ، مُصَنِّفُ " اللُّمَعِ " وَغَيْرِهَا، بِبَغْدَاذَ، وَلَهُ شِعْرٌ بَارِزٌ. وَالْقَاضِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجُرْجَانِيُّ بِالرَّيِّ، وَكَانَ إِمَامًا فَاضِلًا، ذَا فُنُونٍ كَثِيرَةٍ. وَالْوَلِيدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُخَلَّدٍ الْأَنْدَلُسِيُّ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ، وَهُوَ مُحَدِّثٌ مَشْهُورٌ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَامِيُّ الشَّاعِرُ الْبَغْدَاذَيُّ وَمِنْ شِعْرِهِ يَصِفُ الدِّرْعَ، (وَهِيَ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ) :
يَا رُبَّ سَابِغَةٍ حَبَتْنِي نِعْمَةً ... كَافَأْتُهَا بِالسُّوءِ غَيْرَ مُفَنَّدِ
أَضْحَتْ تَصُونُ عَنِ الْمَنَايَا مُهْجَتِي ... وَظَلَلْتُ أَبْذُلُهَا لِكُلِّ مُهَنَّدِ
وَلَهُ مِنْ أَحْسَنِ الْمَدِيحِ (فِي عَضُدِ الدَّوْلَةِ) :
وَلِيتَ، وَعَزْمِي وَالظَّلَامُ وَصَارِمِي ... ثَلَاثَةُ أَشْبَاحٍ كَمَا اجْتَمَعَ النَّسْرُ
стр. 4265
وَبَشَّرْتُ آمَالِي بِمُلْكٍ هُوَ الْوَرَى
وَدَارٍ هِيَ الدُّنْيَا، وَيَوْمٍ هُوَ الدَّهْرُ
(وَقَدِمَ الْمَوْصِلَ، فَاجْتَمَعَ بِالْخَالِدِيِّينَ مِنَ الشُّعَرَاءِ مِنْهُمْ أَبُو الْفَرَجِ الْبَبَّغَاءُ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ التَّلْعَفْرِيُّ، فَامْتَحَنُوهُ، وَكَانَ صَبِيًّا، فَبَرَزَ عِنْدَ الِامْتِحَانِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخُوَارَزْمِيُّ الْأَدِيبُ الشَّاعِرُ، وَكَانَ فَاضِلًا، وَتُوُفِّيَ بِنَيْسَابُورَ) .
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَكَرِيَّاءَ أَبُو طَاهِرٍ الْمُخَلِّصُ الْمُحَدِّثُ الْمَشْهُورُ، وَأَوَّلُ سَمَاعِهِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
стр. 4266
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٩٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ أَبِي الْعَبَّاسِ عَلَى الْبَطِيحَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَعْبَانَ، غَلَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ وَاصِلٍ عَلَى الْبَطِيحَةِ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا مُهَذَّبُ الدَّوْلَةِ.
وَكَانَ ابْتِدَاءُ حَالِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَنَّهُ كَانَ يَنُوبُ عَنْ طَاهِرِ بْنِ زِيرَكٍ الْحَاجِبِ فِي الْجَهْبَذَةِ، وَارْتَفَعَ مَعَهُ، ثُمَّ أَشْفَقَ مِنْهُ فَفَارَقَهُ وَسَارَ إِلَى شِيرَازَ، وَاتَّصَلَ بِخِدْمَةِ فُولَاذٍ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا قُبِضَ عَلَى فُولَاذٍ عَادَ أَبُو الْعَبَّاسِ إِلَى الْأَهْوَازِ بِحَالٍ سَيِّئَةٍ، فَخَدَمَ فِيهَا.
ثُمَّ أُصْعِدَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ مِنْهَا، وَخَدَمَ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ مُكْرَمٍ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى خِدْمَةِ مُهَذَّبِ الدَّوْلَةِ بِالْبَطِيحَةِ، فَجَرَّدَ مَعَهُ عَسْكَرًا، وَسَيَّرَهُ إِلَى حَرْبِ لَشْكُرِسْتَانَ حِينَ اسْتَوْلَى عَلَى الْبَصْرَةِ، وَمَضَى إِلَى سِيرَافَ وَأَخَذَ مَا بِهَا لِأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ مُكْرَمٍ مِنْ سُفُنٍ وَمَالٍ، وَأَتَى أَسَافِلَ دِجْلَةَ، فَغَلَبَ عَلَيْهَا، وَخَلَعَ طَاعَةَ مُهَذَّبِ الدَّوْلَةِ.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُهَذَّبُ الدَّوْلَةِ مِائَةَ سُمَيْرِيَّةٍ فِيهَا مُقَاتِلَةٌ، فَغَرِقَ بَعْضُهَا، وَأَخَذَ أَبُو الْعَبَّاسِ مَا بَقِيَ مِنْهَا، وَعَدَلَ إِلَى الْأُبُلَّةِ، فَهَزَمَ أَبَا سَعْدِ بْنَ مَاكُولَا، وَهُوَ يَصْحَبُ لَشُكْرِسْتَانَ، فَانْهَزَمَ أَيْضًا لَشُكْرِسْتَانُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَاسْتَوْلَى ابْنُ وَاصِلٍ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَنَزَلَ دَارَ الْإِمَارَةِ، وَأَمِنَ الدَّيْلَمَ وَالْأَجْنَادَ.
стр. 4267
وَقَصَدَ لَشُكْرِسْتَانُ مُهَذَّبَ الدَّوْلَةِ، فَأَعَادَهُ إِلَى قِتَالِ أَبِي الْعَبَّاسِ فِي جَيْشٍ، فَلَقِيَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ وَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ لَشْكُرِسْتَانُ وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْ رِجَالِهِ، وَاسْتَوْلَى أَبُو الْعَبَّاسِ عَلَى ثَقَلِهِ وَأَمْوَالِهِ، وَأَصْعَدَ إِلَى الْبَطِيحَةِ، (وَأَرْسَلَ إِلَى) مُهَذَّبِ الدَّوْلَةِ يَقُولُ لَهُ: قَدْ هَزَمْتُ جُنْدَكَ، وَدَخَلْتُ بَلَدَكَ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ، فَسَارَ مُهَذَّبُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَشَامْنِي، وَصَارَ عِنْدَ أَبِي شُجَاعٍ فَارِسِ بْنِ مَرْدَانَ وَابْنِهِ صَدَقَةَ، فَغَدَرَا بِهِ وَأَخَذَا أَمْوَالَهُ، فَاضْطَرَّ إِلَى الْهَرَبِ، وَسَارَ إِلَى وَاسِطَ فَوَصَلَهَا عَلَى أَقْبَحِ صُورَةٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا فَلَقَوْهُ وَأَصْعَدَتْ زَوْجَتُهُ ابْنَةُ الْمَلِكِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ وَأَصْعَدَ مُهَذَّبُ الدَّوْلَةِ إِلَيْهَا فَلَمْ يُمَكَّنْ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا.
وَأَمَّا ابْنُ وَاصِلٍ فَإِنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَى أَمْوَالِ مُهَذَّبِ الدَّوْلَةِ وَبِلَادِهِ، وَكَانَتْ عَظِيمَةً، وَوَكَّلَ بِدَارِ زَوْجَتِهِ ابْنَةِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ مَنْ يَحْرُسُهَا، ثُمَّ جَمَعَ كُلَّ مَا فِيهَا وَأَرْسَلَهُ إِلَى أَبِيهَا، وَاضْطَرَبَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْبَطَائِحِ وَاخْتَلَفُوا، فَسَيَّرَ سَبْعَمِائَةِ فَارِسٍ إِلَى الْجَازِرَةِ لِإِصْلَاحِهَا، فَقَاتَلَهُمْ أَهْلُهَا، فَظَفِرُوا بِالْعَسْكَرِ، وَقَتَلُوا فِيهِمْ كَثِيرًا.
وَانْتَشَرَ الْأَمْرُ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ وَاصِلٍ. فَعَادَ إِلَى الْبَصْرَةِ خَوْفًا أَنْ يَنْتَشِرَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ بِهَا، وَتَرَكَ الْبَطَائِحَ شَاغِرَةً لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ يَحْفَظُهَا.
وَلَمَّا سَمِعَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ بِحَالِ أَبِي الْعَبَّاسِ وَقُوَّتِهِ خَافَهُ عَلَى الْبِلَادِ، فَسَارَ مِنْ فَارِسَ إِلَى الْأَهْوَازِ لِتَلَافِي أَمْرِهِ، وَأَحْضَرَ عِنْدَهُ عَمِيدَ الْجُيُوشِ مِنْ بَغْدَاذَ، وَجَهَّزَ مَعَهُ عَسْكَرًا كَثِيفًا وَسَيَّرَهُمْ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ، فَأَتَى إِلَى وَاسِطَ وَعَمِلَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ سُفُنٍ وَغَيْرِهَا، وَسَارَ إِلَى الْبَطَائِحِ، وَفَرَّقَ جُنْدَهُ فِي الْبِلَادِ لِتَقْرِيرِ قَوَاعِدِهَا.
وَسَمِعَ أَبُو الْعَبَّاسِ بِمَسِيرِهِ إِلَيْهِ، فَأَصْعَدَ إِلَيْهِ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَأَرْسَلَ يَقُولُ لَهُ: مَا أَحْوَجَكَ تَتَكَلَّفُ الِانْحِدَارَ، وَقَدْ أَتَيْتُكَ فَخُذْ لِنَفْسِكَ.
стр. 4268
وَوَصَلَ إِلَى عَمِيدِ الْجُيُوشِ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ مِنْ (تَفَرُّقِ الْعَسْكَرِ عَنْهُ) ، فَلَقِيَهُ فِيمَنْ مَعَهُ بِالصَّلِيقِ، فَانْهَزَمَ عَمِيدُ الْجُيُوشِ، وَوَقَعَ مَنْ مَعَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَقِيَ عَمِيدُ الْجُيُوشِ شِدَّةً إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى وَاسِطَ، وَذَهَبَ ثَقَلُهُ وَخِيَامُهُ وَخَزَائِنُهُ، فَأَخْبَرَهُ خَازِنُهُ أَنَّهُ قَدْ دَفَنَ فِي الْخَيْمَةِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَأَنْفَذَ [مَنْ] أَحْضَرَهَا، فَقَوِيَ بِهَا. وَنَذْكُرُ بَاقِيَ خَبَرِ الْبَطَائِحِ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] .
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَلَّدَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ النَّقِيبَ أَبَا أَحْمَدَ الْمُوسَوِيَّ، (وَالِدَ الشَّرِيفِ الرَّضِيِّ) ، نِقَابَةَ الْعَلَوِيِّينَ بِالْعِرَاقِ، وَقَضَاءَ الْقُضَاةِ، وَالْحَجَّ، وَالْمَظَالِمَ، وَكَتَبَ عَهْدَهُ بِذَلِكَ مِنْ شِيرَازَ، وَلَقَّبَ الطَّاهِرَ ذَا الْمَنَاقِبِ، فَامْتَنَعَ الْخَلِيفَةُ مِنْ تَقْلِيدِهِ قَضَاءَ الْقُضَاةِ، وَأَمْضَى مَا سِوَاهُ.
وَفِيهَا خَرَجَ الْأُصَيْفِرُ الْمُنْتَفِقِي عَلَى الْحَاجِّ، وَحَصَرَهُمْ بِالْبَطَانِيَةِ، وَعَزَمَ عَلَى أَخْذِهِمْ وَكَانَ فِيهِمْ أَبُو الْحَسَنِ الرَّفَّاءُ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدَّجَاجِيُّ وَكَانَا يَقْرَآنِ الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتٍ لَمْ يُسْمَعْ مِثْلُهَا، فَحَضَرَا عِنْدَ الْأُصَيْفِرِ وَقَرَآ الْقُرْآنَ، فَتَرَكَ الْحُجَّاجَ وَعَادَ، وَقَالَ لَهُمَا: قَدْ تَرَكْتُ لَكُمَا أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ.
стр. 4269
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٩٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ عَوْدِ مُهَذَّبِ الدَّوْلَةِ إِلَى الْبَطِيحَةِ
قَدْ ذَكَرْنَا انْهِزَامَ عَمِيدِ الْجُيُوشِ مِنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ وَاصِلٍ، فَلَمَّا انْهَزَمَ أَقَامَ بِوَاسِطَ، وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ عَازِمًا عَلَى الْعَوْدِ إِلَى الْبَطَائِحِ، وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ قَدْ تَرَكَ بِهَا نَائِبًا لَهُ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْمُقَامِ بِهَا، فَفَارَقَهَا إِلَى صَاحِبِهِ، فَأَرْسَلَ عَمِيدُ الْجُيُوشِ إِلَيْهَا نَائِبًا مِنْ أَهْلِ الْبَطَائِحِ، فَعَسَفَ النَّاسَ، وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى عَمِيدِ الْجُيُوشِ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَغْدَاذَ وَأَحْضَرَ مُهَذَّبَ الدَّوْلَةِ، وَسَيَّرَ مَعَهُ الْعَسَاكِرَ فِي السُّفُنِ إِلَى الْبَطِيحَةِ، فَلَمَّا وَصَلَهَا لَقِيَهُ أَهْلُ الْبِلَادِ، وَسُرُّوا بِقُدُومِهِ، وَسَلَّمُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ الْوِلَايَاتِ، وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ كُلَّ سَنَةٍ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ ابْنُ وَاصِلٍ، فَاشْتَغَلَ عَنْهُ (بِالتَّجْهِيزِ إِلَى) خُوزِسْتَانَ، وَحَفَرَ نَهْرًا إِلَى جَانِبِ النَّهْرِ الْعَضُدِيِّ، بَيْنَ الْبَصْرَةِ وَالْأَهْوَازِ، وَكَثُرَ مَاؤُهُ، وَكَانَ قَدِ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الدَّيْلَمِ وَأَنْوَاعِ الْأَجْنَادِ.
وَلَمَّا كَثُرَ مَالُهُ وَذَخَائِرُهُ، وَ [مَا] اسْتَوْلَى عَلَيْهِ مِنَ الْبَطِيحَةِ، قَوِيَ طَمَعُهُ فِي الْمُلْكِ، وَسَارَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ إِلَى الْأَهْوَازِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَجَهَّزَ إِلَيْهَا بَهَاءُ الدَّوْلَةِ جَيْشًا فِي الْمَاءِ، فَالْتَقَوْا بِنَهْرِ السِّدْرَةِ، فَاقْتَتَلُوا، وَخَاتَلَهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَسَارَ إِلَى الْأَهْوَازِ وَتَبِعَهُ مَنْ كَانَ قَدْ لَقِيَهُ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَالْتَقَوْا بِظَاهِرِ الْأَهْوَازِ، وَانْضَافَ إِلَى عَسْكَرِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ الْعَسَاكِرُ الَّتِي بِالْأَهْوَازِ، فَاسْتَظْهَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَلَيْهِمْ.
стр. 4270
وَرَحَلَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ إِلَى قَنْطَرَةِ أَرْبُقَ، عَازِمًا عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى فَارِسَ، وَدَخَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ إِلَى دَارِ الْمَمْلَكَةِ وَأَخَذَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالْأَثَاثِ الْمُتَخَلَّفِ عَنْ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْهُ الْمُقَامُ لِأَنَّ بَهَاءَ الدَّوْلَةِ كَانَ قَدْ جَهَّزَ عَسْكَرًا لِيَسِيرَ فِي الْبَحْرِ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَخَافَ أَبُو الْعَبَّاسِ مِنْ ذَلِكَ، وَرَاسَلَ بَهَاءَ الدَّوْلَةِ، وَصَالَحَهُ وَزَادَ فِي أَقْطَاعِهِ، وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَعَادَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَحَمَلَ مَعَهُ كُلَّ مَا أَخَذَهُ مِنْ دَارِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ وَدُورِ الْأَكَابِرِ وَالْقُوَّادِ وَالتُّجَّارِ.
ذِكْرُ غَزْوَةِ بَهَاطِيَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا يَمِينُ الدَّوْلَةِ بَهَاطِيَةَ مِنْ أَعْمَالِ الْهِنْدِ، وَهِيَ وَرَاءَ الْمُولْتَانِ، وَصَاحِبُهَا يُعْرَفُ بِبَحِيرَا، وَهِيَ مَدِينَةٌ حَصِينَةٌ، عَالِيَةُ السُّورِ، يُحِيطُ بِهَا خَنْدَقٌ عَظِيمٌ، فَامْتَنَعَ صَاحِبُهَا بِهَا، ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ إِلَى ظَاهِرِهَا، فَقَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ انْهَزَمَ فِي الرَّابِعِ، وَطَلَبَ الْمَدِينَةَ لِيَدْخُلَهَا، فَسَبَقَهُمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى بَابِ الْبَلَدِ فَمَلَكُوهُ عَلَيْهِمْ، وَأَخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ، فَقُتِلَ الْمُقَاتِلَةُ وَسُبِيَتِ الذُّرِّيَّةُ وَأُخِذَتِ الْأَمْوَالُ.
أَمَّا بَحِيرَا فَإِنَّهُ لَمَّا عَايَنَ الْهَلَاكَ أَخَذَ جَمَاعَةً مِنْ ثِقَاتِهِ وَسَارَ إِلَى رُءُوسِ تِلْكَ الْجِبَالِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ يَمِينُ الدَّوْلَةِ سَرِيَّةً، فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ بَحِيرَا إِلَّا وَقَدْ أَحَاطُوا بِهِ، وَحَكَّمُوا السُّيُوفَ فِي أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا أَيْقَنَ بِالْعَطَبِ أَخَذَ خِنْجَرًا مَعَهُ فَقَتَلَ بِهِ نَفْسَهُ، وَأَقَامَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ بِبَهَاطِيَةَ حَتَّى أَصْلَحَ أَمْرَهَا، وَرَتَّبَ قَوَاعِدَهَا، وَعَادَ عَنْهَا إِلَى غَزْنَةَ، وَاسْتَخْلَفَ بِهَا مَنْ يُعَلِّمُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِهَا وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ تَعَلُّمُهُ، وَلَقِيَ فِي عَوْدِهِ شِدَّةً شَدِيدَةً مِنَ الْأَمْطَارِ وَكَثْرَتِهَا، وَزِيَادَةِ الْأَنْهَارِ، فَغَرِقَ مِنْهُ مِنْ عَسْكَرِهِ عَظِيمٌ.
стр. 4271
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ بِإِفْرِيقِيَّةَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ بِحَيْثُ تَعَطَّلَتِ الْمَخَابِزُ وَالْحَمَّامَاتُ، وَهَلَكَ النَّاسُ، وَذَهَبَتِ الْأَمْوَالُ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ، وَكَثُرَ الْوَبَاءُ، فَكَانَ يَمُوتُ كُلَّ يَوْمٍ مَا بَيْنَ خَمْسِمِائَةٍ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ.
وَفِيهَا وَصَلَ قِرْوَاشٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ الْحَجَّاجُ إِلَى الْكُوفَةِ، فَقَبَضَا عَلَى أَبِي عَلِيٍّ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْعَلَوِيِّ، وَأَخَذَ مِنْهُ قِرْوَاشٌ مِائَةَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَحَمَلَهُ مَعَهُ إِلَى الْأَنْبَارِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُوحٍ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُهَلَّبِيُّ.
(وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْعَلَوِيُّ الْهَمَذَانِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى) .
стр. 4272
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٩٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ غَزْوَةِ الْمُولْتَانِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا السُّلْطَانُ يَمِينُ الدَّوْلَةِ الْمُولْتَانَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ وَالِيَهَا أَبَا الْفُتُوحِ نُقِلَ عَنْهُ خُبْثُ اعْتِقَادِهِ، وَنُسِبَ إِلَى الْإِلْحَادِ، وَأَنَّهُ قَدْ دَعَا أَهْلَ وِلَايَتِهِ إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَأَجَابُوهُ. فَرَأَى يَمِينُ الدَّوْلَةِ أَنْ يُجَاهِدَهُ وَيَسْتَنْزِلَهُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ، فَسَارَ نَحْوَهُ، فَرَأَى الْأَنْهَارَ الَّتِي فِي طَرِيقِهِ كَثِيرَةَ الزِّيَادَةِ، عَظِيمَةَ الْمَدِّ، وَخَاصَّةً سَيْحُونَ، فَإِنَّهُ مَنَعَ جَانِبَهُ مِنَ الْعُبُورِ فَأَرْسَلَ إِلَى أَنْدِبَالَ يَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْعُبُورِ بِبِلَادِهِ إِلَى الْمُولْتَانِ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَابْتَدَأَ بِهِ قَبْلَ الْمُولْتَانِ، وَقَالَ: نَجْمَعُ بَيْنَ غَزْوَتَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا غَزْوَ إِلَّا التَّعْقِيبُ فَدَخَلَ بِلَادَهُ، وَجَاسَهَا، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهَا، وَالنَّهْبَ لِأَمْوَالِ أَهْلِهَا، وَالْإِحْرَاقَ لِأَبْنِيَتِهَا، فَفَرَّ أَنْدِبَالُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَهُوَ فِي أَثَرِهِ كَالشِّهَابِ فِي أَثَرِ الشَّيْطَانِ، مِنْ مَضِيقٍ إِلَى مَضِيقٍ، إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى قِشْمِيرَ.
وَلَمَّا سَمِعَ أَبُو الْفُتُوحِ بِخَبَرِ إِقْبَالِهِ إِلَيْهِ عَلِمَ عَجْزَهُ عَنِ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالْعِصْيَانِ عَلَيْهِ، فَنَقَلَ أَمْوَالَهُ إِلَى سَرَنْدِيبَ، وَأَخْلَى الْمُولْتَانَ، فَوَصَلَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ إِلَيْهَا وَنَازَلَهَا، فَإِذَا أَهْلُهَا فِي ضَلَالِهِمْ يَعْمَهُونَ، فَحَصَرَهُمْ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، وَتَابَعَ الْقِتَالَ حَتَّى افْتَتَحَهَا عَنْوَةً، وَأَلْزَمَ أَهْلَهَا عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ عُقُوبَةً لِعِصْيَانِهِمْ.
стр. 4273
ذِكْرُ غَزْوَةِ كَوَاكِيرَ
ثُمَّ سَارَ عَنْهَا إِلَى قَلْعَةِ كَوَاكِيرَ، وَكَانَ صَاحِبُهَا يُعْرَفُ بِبِيدَا، وَكَانَ بِهَا سِتُّمِائَةِ صَنَمٍ، فَافْتَتَحَهَا وَأَحْرَقَ الْأَصْنَامَ، فَهَرَبَ صَاحِبُهَا إِلَى قَلْعَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ بِكَالَنْجَارَ، فَسَارَ خَلْفَهُ إِلَيْهَا، وَهُوَ حِصْنٌ كَبِيرٌ يَسَعُ خَمْسَمِائَةِ أَلْفَ إِنْسَانٍ، وَفِيهِ خَمْسُمِائَةِ فِيلٍ، وَعِشْرُونَ أَلْفَ دَابَّةٍ، وَفِي الْحِصْنِ مَا يَكْفِي الْجَمِيعَ مُدَّةً. فَلَمَّا قَارَبَهَا يَمِينُ الدَّوْلَةِ بَقِيَ بَيْنَهُمَا سَبْعَةُ فَرَاسِخَ رَأَى مِنَ الْغِيَاضِ الْمَانِعَةِ مِنْ سُلُوكِ الطَّرِيقِ مَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهَا، وَرَأَى فِي الطَّرِيقِ وَادِيًا عَظِيمَ الْعُمْقِ، بَعِيدَ الْقَعْرِ، فَأَمَرَ أَنْ يُطَمَّ مِنْهُ مِقْدَارُ مَا يَسَعُ عِشْرِينَ فَارِسًا،، فَطَّمُوهُ بِالْجُلُودِ الْمَمْلُوءَةِ تُرَابًا، وَوَصَلَ إِلَى الْقَلْعَةِ فَحَصَرَهَا ثَلَاثَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَرَاسَلَهُ صَاحِبُهَا فِي الصُّلْحِ فَلَمْ يُجِبْهُ.
ثُمَّ بَلَغَهُ عَنْ خُرَاسَانَ اخْتِلَافٌ بِسَبَبِ قَصْدِ أَيْلَكَ الْخَانِ لَهَا، فَصَالَحَ مَلِكَ الْهِنْدِ عَلَى خَمْسِمِائَةِ فِيلٍ، وَثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَلَبِسَ خِلْعَةَ يَمِينِ الدَّوْلَةِ بَعْدَ أَنِ اسْتَعْفَى مِنْ شَدِّ الْمِنْطَقَةِ، فَإِنَّهُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ يَمِينُ الدَّوْلَةِ إِلَى ذَلِكَ، فَشَدَّ الْمِنْطَقَةَ، وَقَطَعَ إِصْبَعَهُ الْخِنْصَرَ وَأَنْفَذَهَا إِلَى يَمِينِ الدَّوْلَةِ تَوْثِقَةً فِيمَا يَعْتَقِدُونَهُ، وَعَادَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ إِلَى خُرَاسَانَ لِإِصْلَاحِ مَا اخْتُلِفَ فِيهَا، وَكَانَ عَازِمًا عَلَى الْوُغُولِ فِي بِلَادِ الْهِنْدِ.
ذِكْرُ عُبُورِ عَسْكَرِ أَيْلَكَ الْخَانِ إِلَى خُرَاسَانَ
كَانَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ لَمَّا اسْتَقَرَّ لَهُ مُلْكُ خُرَاسَانَ، وَمَلَكَ أَيْلِكُ الْخَانُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، قَدْ رَاسَلَهُ وَوَافَقَهُ، وَتَزَوَّجَ ابْنَتَهُ وَانْعَقَدَتْ بَيْنَهُمَا مُصَاهَرَةٌ وَمُصَالَحَةٌ، فَلَمْ تَزَلِ السَّعَادَةُ حَتَّى أَفْسَدُوا ذَاتَ بَيْنِهِمَا، وَكَتَمَ أَيْلَكُ الْخَانُ مَا فِي نَفْسِهِ، فَلَمَّا سَارَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْمُولْتَانِ اغْتَنَمَ أَيْلَكُ الْخَانُ خُلُوَّ خُرَاسَانَ، فَسَيَّرَ سَبَاشِي تِكِينَ، صَاحِبَ جَيْشِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، إِلَى خُرَاسَانَ فِي مُعْظَمِ جُنْدِهِ، وَسَيَّرَ أَخَاهُ جَعْفَرَ تِكِينَ إِلَى بَلْخَ فِي عِدَّةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ.
стр. 4274
وَكَانَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ قَدْ جَعَلَ بِهَرَاةَ أَمِيرًا مِنْ أَكَابِرِ أُمَرَائِهِ يُقَالُ لَهُ: أَرْسِلَانُ الْجَاذِبُ. فَأَمَرُهُ إِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ مُخَالِفٌ أَنْ يَنْحَازَ إِلَى غَزْنَةَ. فَلَمَّا عَبَرَ سَبَاشِي تِكِينُ إِلَى خُرَاسَانَ سَارَ أَرْسِلَانُ إِلَى غَزْنَةَ، وَمَلَكَ سَبَاشِي هَرَاةَ وَأَقَامَ بِهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى نَيْسَابُورَ مَنِ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا. وَاتَّصَلَتِ الْأَخْبَارُ بِيَمِينِ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ بِالْهِنْدِ، فَرَجَعَ إِلَى غَزْنَةَ لَا يَلْوِي عَلَى دَارٍ، وَلَا يَرَكَنُ إِلَى قَرَارٍ، فَلَمَّا بَلَغَهَا فَرَّقَ فِي عَسَاكِرِهِ الْأَمْوَالَ، وَقَوَّاهُمْ، وَأَصْلَحَ مَا أَرَادَ إِصْلَاحَهُ، وَاسْتَمَدَّ الْأَتْرَاكَ الْخُلَّجِيَّةَ، فَجَاءَهُ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَسَارَ بِهِمْ نَحْوَ بَلْخَ، وَبِهَا جَعْفَرٌ تِكِينُ أَخُو أَيْلَكَ الْخَانِ، فَعَبَرَ إِلَى تِرْمِذَ، وَنَزَلَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ بِبَلْخَ، وَسَيَّرَ الْعَسَاكِرَ إِلَى سَبَاشِي تِكِينَ بِهَرَاةَ، فَلَمَّا قَارَبُوهُ سَارَ نَحْوَ مَرْوَ لِيَعْبُرَ النَّهْرَ، فَلَقِيَهُ التُّرْكُمَانُ الْغُزِّيَّةُ، فَقَاتَلُوهُ فَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً.
ثُمَّ سَارَ نَحْوَ أَبِيوَرْدَ لِتَعَذُّرِ الْعُبُورِ عَلَيْهِ، فَتَبِعَهُ عَسْكَرُ يَمِينِ الدَّوْلَةِ، كُلَّمَا رَحَلَ نَزَلُوا، حَتَّى سَاقَهُ الْخَوْفُ مِنَ الطَّلَبِ إِلَى جُرْجَانَ فَأُخْرِجَ عَنْهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَعَارَضَهُ يَمِينُ الدَّوْلَةِ، فَمَنَعَهُ عَنْ مَقْصِدِهِ، وَأُسِرَ أَخُو سَبَاشِي تِكِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ قُوَّادِهِ، وَنَجَا هُوَ فِي خُفٍّ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَعَبَرَ النَّهْرَ.
وَكَانَ أَيْلَكُ الْخَانُ قَدْ عَبَّرَ أَخَاهُ جَعْفَرَ تِكِينَ إِلَى بَلْخَ لِيَلْفِتَ يَمِينَ الدَّوْلَةِ عَنْ طَلَبِ سَبَاشِي، فَلَمْ يَرْجِعْ، وَجَعَلَ دَأْبَهُ إِخْرَاجَ سَبَاشِي مِنْ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا أَخْرَجَهُ عَنْهَا عَادَ إِلَى بَلْخَ، فَانْهَزَمَ مَنْ كَانَ بِهَا مَعَ جَعْفَرٍ تِكِينَ، وَسُلِّمَتْ خُرَاسَانُ لِيَمِينِ الدَّوْلَةِ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَسْكَرِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ وَالْأَكْرَادِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ عَمِيدُ الْجُيُوشِ عَسْكَرًا إِلَى الْبَنْدَنِيجِينِ، وَجَعَلَ الْمُقَدَّمَ عَلَيْهِمْ قَائِدًا كَبِيرًا مِنَ الدَّيْلَمِ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا سَارَ إِلَيْهِمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَكْرَادِ، فَاقْتَتَلُوا،
стр. 4275
فَانْهَزَمَ الدَّيْلَمُ، وَغَنِمَ الْأَكْرَادُ رَحْلَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ، وَجَرَّدَ الْمُقَدَّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ ثِيَابِهِ، فَأَخَذَ قَمِيصًا مِنْ رَجُلٍ سَوَادِيٍّ، وَعَادَ رَاجِلًا حَافِيًا، وَلَمْ يَكُنْ مُقَامُهُمْ غَيْرَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُلِّدَ الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ نِقَابَةَ الطَّالِبِيِّينَ بِالْعِرَاقِ، وَلُقِّبَ بِالرَّضِيِّ ذِي الْحَسَبَيْنِ، وَلُقِّبَ أَخُوهُ الْمُرْتَضَى ذَا الْمَجْدَيْنِ، فَعَلَ ذَلِكَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمَرْزُبَانِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَاضِي خُرَاسَانَ، وَكَانَ إِلَيْهِ أَمْرُ الْبِيمَارِسْتَانِ بِبَغْدَاذَ.
وَفِيهَا، مُسْتَهَلَّ شَعْبَانَ، طَلَعَ كَوْكَبٌ كَبِيرٌ يُشْبِهُ الزَّهْرَةَ عَنْ يَسْرَةِ قِبْلَةِ الْعِرَاقِ، لَهُ شُعَاعٌ عَلَى الْأَرْضِ كَشُعَاعِ الْقَمَرِ، وَبَقِيَ إِلَى مُنْتَصَفِ ذِي الْقَعْدَةِ وَغَابَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو سَعْدٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، الْإِمَامُ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، بِجُرْجَانَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ. وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَنْدَهْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ الْأَصْبَهَانِيُّ الْمَشْهُورُ، لَهُ التَّصَانِيفُ الْمَعْرُوفَةُ.
следующие страницы →