Полный текст (6 163 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.
стр. 4271
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ بِإِفْرِيقِيَّةَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ بِحَيْثُ تَعَطَّلَتِ الْمَخَابِزُ وَالْحَمَّامَاتُ، وَهَلَكَ النَّاسُ، وَذَهَبَتِ الْأَمْوَالُ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ، وَكَثُرَ الْوَبَاءُ، فَكَانَ يَمُوتُ كُلَّ يَوْمٍ مَا بَيْنَ خَمْسِمِائَةٍ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ.
وَفِيهَا وَصَلَ قِرْوَاشٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ الْحَجَّاجُ إِلَى الْكُوفَةِ، فَقَبَضَا عَلَى أَبِي عَلِيٍّ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْعَلَوِيِّ، وَأَخَذَ مِنْهُ قِرْوَاشٌ مِائَةَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَحَمَلَهُ مَعَهُ إِلَى الْأَنْبَارِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُوحٍ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُهَلَّبِيُّ.
(وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْعَلَوِيُّ الْهَمَذَانِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى) .
стр. 4272
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٩٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ غَزْوَةِ الْمُولْتَانِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا السُّلْطَانُ يَمِينُ الدَّوْلَةِ الْمُولْتَانَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ وَالِيَهَا أَبَا الْفُتُوحِ نُقِلَ عَنْهُ خُبْثُ اعْتِقَادِهِ، وَنُسِبَ إِلَى الْإِلْحَادِ، وَأَنَّهُ قَدْ دَعَا أَهْلَ وِلَايَتِهِ إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَأَجَابُوهُ. فَرَأَى يَمِينُ الدَّوْلَةِ أَنْ يُجَاهِدَهُ وَيَسْتَنْزِلَهُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ، فَسَارَ نَحْوَهُ، فَرَأَى الْأَنْهَارَ الَّتِي فِي طَرِيقِهِ كَثِيرَةَ الزِّيَادَةِ، عَظِيمَةَ الْمَدِّ، وَخَاصَّةً سَيْحُونَ، فَإِنَّهُ مَنَعَ جَانِبَهُ مِنَ الْعُبُورِ فَأَرْسَلَ إِلَى أَنْدِبَالَ يَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْعُبُورِ بِبِلَادِهِ إِلَى الْمُولْتَانِ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَابْتَدَأَ بِهِ قَبْلَ الْمُولْتَانِ، وَقَالَ: نَجْمَعُ بَيْنَ غَزْوَتَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا غَزْوَ إِلَّا التَّعْقِيبُ فَدَخَلَ بِلَادَهُ، وَجَاسَهَا، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهَا، وَالنَّهْبَ لِأَمْوَالِ أَهْلِهَا، وَالْإِحْرَاقَ لِأَبْنِيَتِهَا، فَفَرَّ أَنْدِبَالُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَهُوَ فِي أَثَرِهِ كَالشِّهَابِ فِي أَثَرِ الشَّيْطَانِ، مِنْ مَضِيقٍ إِلَى مَضِيقٍ، إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى قِشْمِيرَ.
وَلَمَّا سَمِعَ أَبُو الْفُتُوحِ بِخَبَرِ إِقْبَالِهِ إِلَيْهِ عَلِمَ عَجْزَهُ عَنِ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالْعِصْيَانِ عَلَيْهِ، فَنَقَلَ أَمْوَالَهُ إِلَى سَرَنْدِيبَ، وَأَخْلَى الْمُولْتَانَ، فَوَصَلَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ إِلَيْهَا وَنَازَلَهَا، فَإِذَا أَهْلُهَا فِي ضَلَالِهِمْ يَعْمَهُونَ، فَحَصَرَهُمْ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، وَتَابَعَ الْقِتَالَ حَتَّى افْتَتَحَهَا عَنْوَةً، وَأَلْزَمَ أَهْلَهَا عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ عُقُوبَةً لِعِصْيَانِهِمْ.
стр. 4273
ذِكْرُ غَزْوَةِ كَوَاكِيرَ
ثُمَّ سَارَ عَنْهَا إِلَى قَلْعَةِ كَوَاكِيرَ، وَكَانَ صَاحِبُهَا يُعْرَفُ بِبِيدَا، وَكَانَ بِهَا سِتُّمِائَةِ صَنَمٍ، فَافْتَتَحَهَا وَأَحْرَقَ الْأَصْنَامَ، فَهَرَبَ صَاحِبُهَا إِلَى قَلْعَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ بِكَالَنْجَارَ، فَسَارَ خَلْفَهُ إِلَيْهَا، وَهُوَ حِصْنٌ كَبِيرٌ يَسَعُ خَمْسَمِائَةِ أَلْفَ إِنْسَانٍ، وَفِيهِ خَمْسُمِائَةِ فِيلٍ، وَعِشْرُونَ أَلْفَ دَابَّةٍ، وَفِي الْحِصْنِ مَا يَكْفِي الْجَمِيعَ مُدَّةً. فَلَمَّا قَارَبَهَا يَمِينُ الدَّوْلَةِ بَقِيَ بَيْنَهُمَا سَبْعَةُ فَرَاسِخَ رَأَى مِنَ الْغِيَاضِ الْمَانِعَةِ مِنْ سُلُوكِ الطَّرِيقِ مَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهَا، وَرَأَى فِي الطَّرِيقِ وَادِيًا عَظِيمَ الْعُمْقِ، بَعِيدَ الْقَعْرِ، فَأَمَرَ أَنْ يُطَمَّ مِنْهُ مِقْدَارُ مَا يَسَعُ عِشْرِينَ فَارِسًا،، فَطَّمُوهُ بِالْجُلُودِ الْمَمْلُوءَةِ تُرَابًا، وَوَصَلَ إِلَى الْقَلْعَةِ فَحَصَرَهَا ثَلَاثَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَرَاسَلَهُ صَاحِبُهَا فِي الصُّلْحِ فَلَمْ يُجِبْهُ.
ثُمَّ بَلَغَهُ عَنْ خُرَاسَانَ اخْتِلَافٌ بِسَبَبِ قَصْدِ أَيْلَكَ الْخَانِ لَهَا، فَصَالَحَ مَلِكَ الْهِنْدِ عَلَى خَمْسِمِائَةِ فِيلٍ، وَثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَلَبِسَ خِلْعَةَ يَمِينِ الدَّوْلَةِ بَعْدَ أَنِ اسْتَعْفَى مِنْ شَدِّ الْمِنْطَقَةِ، فَإِنَّهُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ يَمِينُ الدَّوْلَةِ إِلَى ذَلِكَ، فَشَدَّ الْمِنْطَقَةَ، وَقَطَعَ إِصْبَعَهُ الْخِنْصَرَ وَأَنْفَذَهَا إِلَى يَمِينِ الدَّوْلَةِ تَوْثِقَةً فِيمَا يَعْتَقِدُونَهُ، وَعَادَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ إِلَى خُرَاسَانَ لِإِصْلَاحِ مَا اخْتُلِفَ فِيهَا، وَكَانَ عَازِمًا عَلَى الْوُغُولِ فِي بِلَادِ الْهِنْدِ.
ذِكْرُ عُبُورِ عَسْكَرِ أَيْلَكَ الْخَانِ إِلَى خُرَاسَانَ
كَانَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ لَمَّا اسْتَقَرَّ لَهُ مُلْكُ خُرَاسَانَ، وَمَلَكَ أَيْلِكُ الْخَانُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، قَدْ رَاسَلَهُ وَوَافَقَهُ، وَتَزَوَّجَ ابْنَتَهُ وَانْعَقَدَتْ بَيْنَهُمَا مُصَاهَرَةٌ وَمُصَالَحَةٌ، فَلَمْ تَزَلِ السَّعَادَةُ حَتَّى أَفْسَدُوا ذَاتَ بَيْنِهِمَا، وَكَتَمَ أَيْلَكُ الْخَانُ مَا فِي نَفْسِهِ، فَلَمَّا سَارَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْمُولْتَانِ اغْتَنَمَ أَيْلَكُ الْخَانُ خُلُوَّ خُرَاسَانَ، فَسَيَّرَ سَبَاشِي تِكِينَ، صَاحِبَ جَيْشِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، إِلَى خُرَاسَانَ فِي مُعْظَمِ جُنْدِهِ، وَسَيَّرَ أَخَاهُ جَعْفَرَ تِكِينَ إِلَى بَلْخَ فِي عِدَّةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ.
стр. 4274
وَكَانَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ قَدْ جَعَلَ بِهَرَاةَ أَمِيرًا مِنْ أَكَابِرِ أُمَرَائِهِ يُقَالُ لَهُ: أَرْسِلَانُ الْجَاذِبُ. فَأَمَرُهُ إِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ مُخَالِفٌ أَنْ يَنْحَازَ إِلَى غَزْنَةَ. فَلَمَّا عَبَرَ سَبَاشِي تِكِينُ إِلَى خُرَاسَانَ سَارَ أَرْسِلَانُ إِلَى غَزْنَةَ، وَمَلَكَ سَبَاشِي هَرَاةَ وَأَقَامَ بِهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى نَيْسَابُورَ مَنِ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا. وَاتَّصَلَتِ الْأَخْبَارُ بِيَمِينِ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ بِالْهِنْدِ، فَرَجَعَ إِلَى غَزْنَةَ لَا يَلْوِي عَلَى دَارٍ، وَلَا يَرَكَنُ إِلَى قَرَارٍ، فَلَمَّا بَلَغَهَا فَرَّقَ فِي عَسَاكِرِهِ الْأَمْوَالَ، وَقَوَّاهُمْ، وَأَصْلَحَ مَا أَرَادَ إِصْلَاحَهُ، وَاسْتَمَدَّ الْأَتْرَاكَ الْخُلَّجِيَّةَ، فَجَاءَهُ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَسَارَ بِهِمْ نَحْوَ بَلْخَ، وَبِهَا جَعْفَرٌ تِكِينُ أَخُو أَيْلَكَ الْخَانِ، فَعَبَرَ إِلَى تِرْمِذَ، وَنَزَلَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ بِبَلْخَ، وَسَيَّرَ الْعَسَاكِرَ إِلَى سَبَاشِي تِكِينَ بِهَرَاةَ، فَلَمَّا قَارَبُوهُ سَارَ نَحْوَ مَرْوَ لِيَعْبُرَ النَّهْرَ، فَلَقِيَهُ التُّرْكُمَانُ الْغُزِّيَّةُ، فَقَاتَلُوهُ فَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً.
ثُمَّ سَارَ نَحْوَ أَبِيوَرْدَ لِتَعَذُّرِ الْعُبُورِ عَلَيْهِ، فَتَبِعَهُ عَسْكَرُ يَمِينِ الدَّوْلَةِ، كُلَّمَا رَحَلَ نَزَلُوا، حَتَّى سَاقَهُ الْخَوْفُ مِنَ الطَّلَبِ إِلَى جُرْجَانَ فَأُخْرِجَ عَنْهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَعَارَضَهُ يَمِينُ الدَّوْلَةِ، فَمَنَعَهُ عَنْ مَقْصِدِهِ، وَأُسِرَ أَخُو سَبَاشِي تِكِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ قُوَّادِهِ، وَنَجَا هُوَ فِي خُفٍّ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَعَبَرَ النَّهْرَ.
وَكَانَ أَيْلَكُ الْخَانُ قَدْ عَبَّرَ أَخَاهُ جَعْفَرَ تِكِينَ إِلَى بَلْخَ لِيَلْفِتَ يَمِينَ الدَّوْلَةِ عَنْ طَلَبِ سَبَاشِي، فَلَمْ يَرْجِعْ، وَجَعَلَ دَأْبَهُ إِخْرَاجَ سَبَاشِي مِنْ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا أَخْرَجَهُ عَنْهَا عَادَ إِلَى بَلْخَ، فَانْهَزَمَ مَنْ كَانَ بِهَا مَعَ جَعْفَرٍ تِكِينَ، وَسُلِّمَتْ خُرَاسَانُ لِيَمِينِ الدَّوْلَةِ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَسْكَرِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ وَالْأَكْرَادِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ عَمِيدُ الْجُيُوشِ عَسْكَرًا إِلَى الْبَنْدَنِيجِينِ، وَجَعَلَ الْمُقَدَّمَ عَلَيْهِمْ قَائِدًا كَبِيرًا مِنَ الدَّيْلَمِ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا سَارَ إِلَيْهِمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَكْرَادِ، فَاقْتَتَلُوا،
стр. 4275
فَانْهَزَمَ الدَّيْلَمُ، وَغَنِمَ الْأَكْرَادُ رَحْلَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ، وَجَرَّدَ الْمُقَدَّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ ثِيَابِهِ، فَأَخَذَ قَمِيصًا مِنْ رَجُلٍ سَوَادِيٍّ، وَعَادَ رَاجِلًا حَافِيًا، وَلَمْ يَكُنْ مُقَامُهُمْ غَيْرَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُلِّدَ الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ نِقَابَةَ الطَّالِبِيِّينَ بِالْعِرَاقِ، وَلُقِّبَ بِالرَّضِيِّ ذِي الْحَسَبَيْنِ، وَلُقِّبَ أَخُوهُ الْمُرْتَضَى ذَا الْمَجْدَيْنِ، فَعَلَ ذَلِكَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمَرْزُبَانِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَاضِي خُرَاسَانَ، وَكَانَ إِلَيْهِ أَمْرُ الْبِيمَارِسْتَانِ بِبَغْدَاذَ.
وَفِيهَا، مُسْتَهَلَّ شَعْبَانَ، طَلَعَ كَوْكَبٌ كَبِيرٌ يُشْبِهُ الزَّهْرَةَ عَنْ يَسْرَةِ قِبْلَةِ الْعِرَاقِ، لَهُ شُعَاعٌ عَلَى الْأَرْضِ كَشُعَاعِ الْقَمَرِ، وَبَقِيَ إِلَى مُنْتَصَفِ ذِي الْقَعْدَةِ وَغَابَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو سَعْدٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، الْإِمَامُ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، بِجُرْجَانَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ. وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَنْدَهْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ الْأَصْبَهَانِيُّ الْمَشْهُورُ، لَهُ التَّصَانِيفُ الْمَعْرُوفَةُ.
стр. 4276
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٩٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ هَزِيمَةِ أَيْلَكَ الْخَانِ
لَمَّا أَخْرَجَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ عَسَاكِرَ أَيْلَكَ الْخَانِ مِنْ خُرَاسَانَ، رَاسَلَ أَيْلَكُ الْخَانُ قَدْرَ خَانَ بْنَ بَغْرَا خَانَ مَلِكَ الْخُتَنِ لِقَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا، وَذَكَرَ لَهُ حَالَهُ، وَاسْتَعَانَ بِهِ وَاسْتَنْصَرَهُ، وَاسْتَنْفَرَ التُّرْكَ مِنْ أَقَاصِي بِلَادِهَا، وَسَارَ نَحْوَ خُرَاسَانَ، وَاجْتَمَعَ هُوَ وَأَيْلَكُ الْخَانُ، فَعَبَرَا النَّهْرَ.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ يَمِينَ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ بِطَخَارِسْتَانَ، فَسَارَ وَسَبَقَهُمَا إِلَى بَلْخَ، وَاسْتَعَدَّ لِلْحَرْبِ، وَجَمَعَ التُّرْكَ الْغُزِّيَّةَ وَالْخَلَجَ، وَالْهِنْدَ، وَالْأَفْغَانِيَّةَ وَالْغَزْنَوِيَّةَ، وَخَرَجَ عَنْ بَلْخَ، فَعَسْكَرَ عَلَى فَرْسَخَيْنِ بِمَكَانٍ فَسِيحٍ يَصْلُحُ لِلْحَرْبِ، وَتَقَدَّمَ أَيْلَكُ الْخَانُ، وَقَدْرُخَانُ فِي عَسْكَرِهِمَا، فَنَزَلُوا بِإِزَائِهِ، وَاقْتَتَلُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ إِلَى اللَّيْلِ.
فَلَمَّا حَانَ الْغَدُ بَرَزَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَاقْتَتَلُوا، وَاعْتَزَلَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ إِلَى نَشَزٍ مُرْتَفِعٍ يَنْظُرُ إِلَى الْحَرْبِ، وَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ وَعَفَّرَ وَجْهَهُ عَلَى الصَّعِيدِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَسَأَلَهُ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ، ثُمَّ نَزَلَ وَحَمَلَ فِي فِيَلَتِهِ عَلَى قَلْبِ أَيْلَكَ الْخَانِ، فَأَزَالَهُ عَنْ مَكَانِهِ، وَوَقَعَتِ الْهَزِيمَةُ فِيهِمْ، وَتَبِعَهُمْ أَصْحَابُ يَمِينِ الدَّوْلَةِ يَقْتُلُونَ، وَيَأْسِرُونَ، وَيَغْنَمُونَ إِلَى أَنْ عَبَرُوا بِهِمُ النَّهْرَ، وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ تَهْنِئَةَ يَمِينِ الدَّوْلَةِ بِهَذَا الْفَتْحِ.
стр. 4277
ذِكْرُ غَزْوِهِ إِلَى الْهِنْدِ
فَلَمَّا فَرَغَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ مِنَ التُّرْكِ سَارَ نَحْوَ الْهِنْدِ لِلْغَزَاةِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ أَوْلَادِ مُلُوكِ الْهِنْدِ، يُعْرَفُ بِنُوَاسَهْ شَاهْ، كَانَ قَدْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ، وَاسْتَخْلَفَهُ عَلَى بَعْضِ مَا افْتَتَحَهُ مِنْ بِلَادِهِمْ.
فَلَمَّا كَانَ الْآنَ بَلَغَهُ أَنَّهُ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَمَالَأَ أَهْلَ الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ، فَسَارَ إِلَيْهِ مُجِدًّا، فَحِينَ قَارَبَهُ فَرَّ الْهِنْدِيُّ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَاسْتَعَادَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ تِلْكَ الْوِلَايَةَ، وَأَعَادَهَا إِلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا بَعْضَ أَصْحَابِهِ، وَعَادَ إِلَى غَزْنَةَ.
ذِكْرُ حَصْرِ أَبِي جَعْفَرٍ الْحَجَّاجِ بِغَدَاذَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَمَعَ أَبُو جَعْفَرٍ الْحَجَّاجُ جَمْعًا كَثِيرًا، وَأَمَدَّهُ بَدْرُ بْنُ حَسَنَوَيْهِ بِجَيْشٍ كَثِيرٍ، فَسَارَ بِالْجَمِيعِ وَحَصَرَ بَغْدَاذَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ كَانَ نَازِلًا عَلَى قَلَجَ حَامِي طَرِيقِ خُرَاسَانَ، وَكَانَ قَلَجُ مُبَايِنًا لِعَمِيدِ الْجُيُوشِ، فَاجْتَمَعَا لِذَلِكَ. فَتُوُفِّيَ قَلَجُ هَذِهِ السَّنَةَ، فَجَعَلَ عَمِيدُ الْجُيُوشِ عَلَى حِمَايَةِ الطَّرِيقِ أَبَا الْفَتْحِ بْنَ عَنَّازٍ، وَكَانَ عَدُوًّا لِبَدْرِ بْنِ حَسَنَوَيْهِ، فَحَقَدَ ذَلِكَ بَدْرٌ، فَاسْتَدْعَى أَبَا جَعْفَرٍ الْحَجَّاجَ، وَجَمَعَ لَهُ جَمْعًا كَثِيرًا، مِنْهُمُ الْأَمِيرُ هِنْدِيُّ بْنُ سَعْدِيٍّ، وَأَبُو عِيسَى شَاذِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَوَرَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى بَغْدَاذَ.
وَكَانَ الْأَمِيرُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مَزْيَدٍ الْأَسَدِيُّ قَدْ عَادَ مِنْ عِنْدِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ بِخُوزِسْتَانَ مُغْضَبًا، فَاجْتَمَعَ مَعَهُمْ، فَزَادَتْ عِدَّتُهُمْ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ.
وَكَانَ عَمِيدُ الْجُيُوشِ عِنْدَ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ لِقِتَالِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ وَاصِلٍ، فَسَارَ أَبُو جَعْفَرٍ وَمَنِ اجْتَمَعَ مَعَهُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَنَزَلُوا عَلَى فَرْسَخٍ مِنْهَا، وَأَقَامُوا شَهْرًا، وَبِبَغْدَاذَ جَمْعٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ، وَمَعَهُمْ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ عَنَّازٍ، فَحَفِظُوا الْبَلَدَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ أَتَاهُمْ خَبَرُ انْهِزَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ وَقُوَّةِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، فَفَتَّ ذَلِكَ فِي أَعْضَادِ أَبِي جَعْفَرٍ وَمَنْ
стр. 4278
مَعَهُ، فَتَفَرَّقُوا، فَعَادَ ابْنُ مَزْيَدٍ إِلَى بَلَدِهِ، وَسَارَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو عِيسَى إِلَى حُلْوَانَ، وَرَاسَلَ أَبُو جَعْفَرٍ فِي إِصْلَاحِ حَالِهِ مَعَ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ بِتُسْتَرَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ لِئَلَّا يَسْتَوْحِشَ عَمِيدَ الْجُيُوشِ.
ذِكْرُ قِصَّةِ بَدْرٍ وَوِلَايَةِ رَافِعِ بْنِ مَقْنٍ
كَانَ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ عَنَّازٍ الْتَجَأَ إِلَى رَافِعِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَقْنٍ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ، حِينَ أَخَذَ بَدْرُ بْنُ حَسَنَوَيْهِ مِنْهُ حُلْوَانَ وَقَرْمِيسِينَ، فَأَرْسَلَ بَدْرٌ إِلَى رَافِعٍ يَذْكُرُ مَوَدَّةَ أَبِيهِ، وَحُقُوقَهُ عَلَيْهِ، وَيَعْتِبُ عَلَيْهِ حَيْثُ آوَى خَصْمَهُ، وَيَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يُبْعِدَهُ لِيَدُومَ لَهُ عَلَى الْعَهْدِ وَالْوُدِّ الْقَدِيمِ. فَلَمْ يَفْعَلْ رَافِعٌ ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ بَدْرٌ جَيْشًا إِلَى أَعْمَالِ رَافِعٍ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ دِجْلَةَ فَنَهَبَهَا، وَقَصَدُوا دَارَهُ بِالْمَطِيرَةِ فَنَهَبُوهَا، وَأَحْرَقُوهَا وَسَارُوا إِلَى قَلْعَةِ الْبَرَدَانِ، وَهِيَ لِرَافِعٍ أَيْضًا، فَفَتَحُوهَا قَهْرًا، وَأَحْرَقُوا مَا كَانَ بِهَا مِنَ الْغَلَّاتِ، وَطَمُّوا بِئْرَهَا، فَسَارَ أَبُو الْفَتْحِ إِلَى عَمِيدِ الْجُيُوشِ بِبَغْدَاذَ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ وَأَكْرَمَهُ وَوَعَدَهُ نَصْرَهُ.
ذِكْرُ قَتْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ وَاصِلٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ وَاصِلٍ صَاحِبُ الْبَصْرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ابْتِدَاءِ حَالِهِ، وَارْتِفَاعِهِ، وَاسْتِيلَائِهِ عَلَى الْبَطِيحَةِ، وَمَا أَخَذَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَمَا هَزَمَ مِنْ جُيُوشِ السُّلْطَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوَاضِعِهِ.
فَلَمَّا عَظُمَ أَمْرُهُ سَارَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ مِنْ فَارِسَ إِلَى الْأَهْوَازِ لِيَحْفَظَ خُوزِسْتَانَ مِنْهُ، وَكَانَ فِي الْبَطَائِحِ مُقَابِلَ عَمِيدِ الْجُيُوشِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ سَارَ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَبِهَا بَهَاءُ الدَّوْلَةِ، فَمَلَكَهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، (وَعَادَ عَنْهَا عَلَى صُلْحٍ مَعَ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ) أَيْضًا.
стр. 4279
ثُمَّ تَجَدَّدَ مَا أَوْجَبَ عَوْدَهُ إِلَى الْأَهْوَازِ، فَعَادَ إِلَيْهَا فِي جَيْشِهِ، وَبَهَاءُ الدَّوْلَةِ مُقِيمٌ بِهَا، فَلَمَّا قَارَبَهَا رَحَلَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ عَنْهَا لِقِلَّةِ عَسْكَرِهِ، وَتَفَرُّقِهِمْ: بَعْضُهُمْ بِفَارِسَ، وَبَعْضُهُمْ بِالْعِرَاقِ، وَقَطَعَ قَنْطَرَةَ أَرْبَقَ، وَبَقِيَ النَّهْرُ يَحْجُزُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَاسْتَوْلَى أَبُو الْعَبَّاسِ عَلَى الْأَهْوَازِ، وَأَتَاهُ مَدَدٌ مِنْ بَدْرِ بْنِ حَسَنَوَيْهِ ثَلَاثَةُ آلَافِ فَارِسٍ، فَقَوِيَ بِهِمْ.
وَعَزَمَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى فَارِسَ، فَمَنَعَهُ أَصْحَابُهُ فَأَصْلَحَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَنْطَرَةَ، وَجَرَى بَيْنَ الْعَسْكَرَيْنِ قِتَالٌ شَدِيدٌ دَامَ إِلَى السَّحَرِ، ثُمَّ عَبَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَلَى الْقَنْطَرَةِ بَعْدَ أَنْ أَصْلَحَهَا، وَالْتَقَى الْعَسْكَرَانِ وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَانْهَزَمَ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ كَثِيرٌ، وَعَادَ إِلَى الْبَصْرَةِ مَهْزُومًا مُنْتَصَفَ رَمَضَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
فَلَمَّا عَادَ مُنْهَزِمًا جَهَّزَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ إِلَيْهِ الْعَسَاكِرَ مَعَ وَزِيرِهِ أَبِي غَالِبٍ، فَسَارَ إِلَيْهِ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ مُحَاصِرًا لَهُ، وَجَرَى بَيْنَ الْعَسْكَرَيْنِ الْقِتَالُ، وَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى الْوَزِيرِ، وَقَلَّ الْمَالُ عِنْدَهُ، وَاسْتَمَدَّ بَهَاءَ الدَّوْلَةِ فَلَمْ يَمُدَّهُ
ثُمَّ إِنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ جَمَعَ سُفُنَهُ وَعَسَاكِرَهُ، وَأَصْعَدَ إِلَى عَسْكَرِ الْوَزِيرِ، وَهَجَمَ عَلَيْهِ، فَانْهَزَمَ الْوَزِيرُ، وَكَادَ يُتِمُّ عَلَى الْهَزِيمَةِ، فَاسْتَوْقَفَهُ بَعْضُ الدَّيْلَمِ وَثَبَّتَهُ، وَحَمَلُوا عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ فَانْهَزَمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَأَخَذَ الْوَزِيرُ سُفُنَهُ، فَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَمَضَى أَبُو الْعَبَّاسِ مُنْهَزِمًا، وَرَكِبَ مَعَ حَسَّانَ بْنِ ثِمَالٍ الْخَفَاجِيِّ هَارِبًا إِلَى الْكُوفَةِ، وَدَخَلَ الْوَزِيرُ الْبَصْرَةَ، وَكَتَبَ إِلَى بَهَاءِ الدَّوْلَةِ بِالْفَتْحِ.
ثُمَّ إِنَّ (أَبَا الْعَبَّاسِ) سَارَ مِنَ الْكُوفَةِ، وَقَطَعَ دِجْلَةَ، وَمَضَى عَازِمًا عَلَى اللَّحَاقِ بِبَدْرِ بْنِ حَسَنَوَيْهِ، فَبَلَغَ خَانِقِينَ، وَبِهَا جَعْفَرُ بْنُ الْعَوَّامِ فِي طَاعَةِ بَدْرٍ، فَأَنْزَلَهُ وَأَكْرَمَهُ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالْمَسِيرِ فِي وَقْتِهِ، وَحَذَّرَهُ الطَّلَبَ، فَاعْتَلَّ بِالتَّعَبِ، وَطَلَبَ الِاسْتِرَاحَةَ، وَنَامَ، وَبَلَغَ خَبَرُهُ إِلَى أَبِي الْفَتْحِ بْنِ عَنَّازٍ، وَهُوَ فِي طَاعَةِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ بِخَانِقِينَ، وَهُوَ بِهَا، فَحَصَرَهُ وَأَخَذَهُ وَسَارَ بِهِ إِلَى بَغْدَاذَ، فَسَيَّرَهُ عَمِيدُ الْجُيُوشِ إِلَى بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، فَلَقِيَهُمْ فِي الطَّرِيقِ قَاصِدٌ مِنْ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِ، فَقُتِلَ وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، وَطِيفَ بِهِ بِخُوزِسْتَانَ وَفَارِسَ، وَكَانَ بِوَاسِطَ عَاشِرَ صَفَرٍ.
стр. 4280
ذِكْرُ مَسِيرِ عَمِيدِ الْجُيُوشِ إِلَى حَرْبِ بَدْرٍ وَصُلْحِهِ مَعَهُ
كَانَ فِي نَفْسِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ عَلَى بَدْرِ بْنِ حَسَنَوَيْهِ حِقْدٌ لِمَا اعْتَمَدَهُ فِي بِلَادِهِ لِاشْتِغَالِهِ عَنْهُ بِأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ وَاصِلٍ، فَلَمَّا قُتِلَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَمَرَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ عَمِيدَ الْجُيُوشِ بِالْمَسِيرِ إِلَى بِلَادِهِ، وَأَعْطَاهُ مَالًا أَنْفَقَهُ فِي الْجُنْدِ، فَجَمَعَ عَسْكَرًا وَسَارَ يُرِيدُ بِلَادَهُ، فَنَزَلَ جُنْدَيْسَابُورَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بَدْرٌ: إِنَّكَ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى أَنْ تَأْخُذَ مَا تَغَلَّبَ عَلَيْهِ بَنُو عُقَيْلٍ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَغْدَاذَ فَرْسَخٌ، حَتَّى صَالَحْتَهُمْ، فَكَيْفَ تَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ بِلَادِي وَحُصُونِي مِنِّي، وَمَعِي مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَيْسَ مَعَكَ مِثْلُهَا؟
وَأَنَا مَعَكَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِنْ حَارَبْتُكَ، فَالْحَرْبُ سِجَالٌ، وَلَا نَعْلَمُ لِمَنِ الْعَاقِبَةُ، فَإِنِ انْهَزَمْتُ أَنَا لَمْ يَنْفَعْكَ ذَلِكَ لِأَنَّنِي أَحْتَمِي بِقِلَاعِي وَمَعَاقِلِي، وَأُنْفِقُ أَمْوَالِي، وَإِذَا عَجَزْتُ فَأَنَا رَجُلٌ صَحْرَاوِيٌّ، صَاحِبُ عَمَدٍ، أَبْعُدُ ثُمَّ أَقْرُبُ، وَإِنِ انْهَزَمْتَ أَنْتَ لَمْ تَجْتَمِعْ، وَتَلْقَى مِنْ صَاحِبِكَ الْعَتْبَ، وَالرَّأْيُ أَنْ أَحْمِلَ إِلَيْكَ مَالًا تُرْضِي بِهِ صَاحِبَكَ، وَنَصْطَلِحُ فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَصَالَحَهُ، وَأَخَذَ مِنْهُ مَا كَانَ أَخْرَجَهُ عَلَى تَجْهِيزِ الْجَيْشِ وَعَادَ عَنْهُ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ قِرْوَاشٍ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ ثِمَالٍ الْخَفَاجِيِّ
فِي الْمُحَرَّمِ جَرَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ مُعْتَمَدِ الدَّوْلَةِ أَبِي الْمَنِيعِ قِرْوَاشِ بْنِ الْمُقَلَّدِ الْعُقَيْلِيِّ، وَبَيْنَ أَبِي عَلِيِّ بْنِ ثِمَالٍ الْخَفَاجِيِّ، وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ قِرْوَاشًا جَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا وَسَارَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَأَبُو عَلِيٍّ غَائِبٌ عَنْهَا، فَدَخَلَهَا وَنَزَلَ بِهَا، وَعَرَفَ أَبُو عَلِيٍّ الْخَبَرَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ قِرْوَاشٌ وَعَادَ إِلَى الْأَنْبَارِ مَفْلُولًا وَمَلَكَ أَبُو عَلِيٍّ الْكُوفَةَ، وَأَخَذَ أَصْحَابَ قِرْوَاشٍ فَصَادَرَهُمْ.
ذِكْرُ خُرُوجِ أَبِي رَكْوَةَ عَلَى الْحَاكِمِ بِمِصْرَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَفِرَ الْحَاكِمُ بِأَبِي رَكْوَةَ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ هَاهُنَا خَبَرَهُ أَجْمَعَ.
стр. 4281
كَانَ أَبُو رَكْوَةَ اسْمُهُ الْوَلِيدُ وَإِنَّمَا كُنِّيَ أَبَا رَكْوَةَ لِرَكْوَةٍ كَانَ يَحْمِلُهَا فِي أَسْفَارِهِ، سُنَّةُ الصُّوفِيَّةِ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَيَقْرُبُ فِي النَّسَبِ مِنَ الْمُؤَيَّدِ هِشَامِ بْنِ الْحَاكِمِ الْأُمَوِيِّ، صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ، وَإِنَّ الْمَنْصُورَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ لَمَّا اسْتَوْلَى عَلَى الْمُؤَيَّدِ وَأَخْفَاهُ عَنِ النَّاسِ، تَتَبَّعَ أَهْلَهُ وَمَنْ يَصْلُحُ مِنْهُمْ لِلْمُلْكِ، فَطَلَبَهُ، فَقُتِلَ الْبَعْضُ، وَهَرَبَ الْبَعْضُ.
وَكَانَ أَبُو رَكْوَةَ مِمَّنْ هَرَبَ، وَعُمْرُهُ حِينَئِذٍ قَدْ زَادَ عَلَى الْعِشْرِينَ سَنَةً، وَقَصَدَ مِصْرَ، وَكَتَبَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَكَّةَ وَالْيَمَنِ، (وَعَادَ إِلَى مِصْرَ وَدَعَا بِهَا) إِلَى الْقَائِمِ، فَأَجَابَهُ بَنُو قُرَّةَ وَغَيْرُهُمْ.
وَسَبَبُ اسْتِجَابَتِهِمْ أَنَّ الْحَاكِمَ بِأَمْرِ اللَّهِ كَانَ قَدْ أَسْرَفَ فِي مِصْرَ فِي قَتْلِ الْقُوَّادِ، وَحَبْسِهِمْ، وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ، وَسَائِرُ الْقَبَائِلِ مَعَهُ فِي ضَنْكٍ وَضِيقٍ، وَيَوَدُّونَ خُرُوجَ الْمُلْكِ عَنْ يَدِهِ، وَكَانَ الْحَاكِمُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي دَعَا أَبُو رَكْوَةَ بَنِي قُرَّةَ قَدْ آذَاهُمْ، وَحَبَسَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِهِمْ، وَقَتَلَ بَعْضَهُمْ، فَلَمَّا دَعَاهُمْ أَبُو رَكْوَةَ انْقَادُوا لَهُ.
وَكَانَ بَيْنَ بَنِي قُرَّةَ وَبَيْنَ زِنَاتَةَ حُرُوبٌ وَدِمَاءٌ، فَاتَّفَقُوا عَلَى الصُّلْحِ، وَمَنْعِ أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْحَاكِمِ، فَقَصَدَ بَنِي قُرَّةَ، وَفَتَحَ يُعَلِّمُ الصِّبْيَانَ الْخَطَّ، وَتَظَاهَرَ بِالدِّينِ وَالنُّسُكِ، وَأَمَّهُمْ فِي صَلَوَاتِهِمْ، فَشَرَعَ فِي دَعْوَتِهِمْ إِلَى مَا يُرِيدُ، فَأَجَابُوهُ وَبَايَعُوهُ، وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَعَرَّفَهُمْ حِينَئِذٍ نَفْسَهُ، وَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ عِنْدَهُمْ فِي الْكُتُبِ أَنَّهُ يَمْلِكُ مِصْرَ وَغَيْرَهَا، وَوَعَدَهُمْ وَمَنَّاهُمْ، وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا. فَاجْتَمَعَتْ بَنُو قُرَّةَ وَزِنَاتَةُ عَلَى بَيْعَتِهِ، وَخَاطَبُوهُ بِالْإِمَامَةِ، وَكَانُوا بِنَوَاحِي بَرْقَةَ. فَلَمَّا سَمِعَ الْوَالِي بِبَرْقَةَ خَبَرَهُ كَتَبَ إِلَى الْحَاكِمِ (يُنْهِيهِ إِلَيْهِ) ، وَيَسْتَأْذِنُهُ فِي قَصْدِهِمْ وَإِصْلَاحِهِمْ، فَأَمَرَهُ بِالْكَفِّ عَنْهُمْ وَاطِّرَاحِهِمْ.
стр. 4282
ثُمَّ إِنَّ أَبَا رَكْوَةَ جَمَعَهُمْ وَسَارَ إِلَى بَرْقَةَ، وَاسْتَقَرَّ بَيْنَهُمْ عَلَى أَنْ يَكُونَ الثُّلُثُ مِنَ الْغَنَائِمِ لَهُ، وَالثُّلُثَانِ لِبَنِي قُرَّةَ وَزِنَاتَةَ، فَلَمَّا قَارَبَهَا خَرَجَ إِلَيْهِ وَالِيهَا، فَالْتَقَوْا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْحَاكِمِ، وَمَلَكَ أَبُو رَكْوَةَ بَرْقَةَ، وَقَوِيَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ بِمَا أَخَذُوا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالسِّلَاحِ وَغَيْرِهِ، وَنَادَى بِالْكَفِّ عَنِ الرَّعِيَّةِ وَالنَّهْبِ، وَأَظْهَرَ الْعَدْلَ وَأَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ.
فَلَمَّا وَصَلَ الْمُنْهَزِمُونَ إِلَى الْحَاكِمِ عَظُمَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، وَأَهَمَّتْهُ نَفْسُهُ وَمُلْكُهُ، وَعَاوَدَ الْإِحْسَانَ إِلَى النَّاسِ، وَالْكَفَّ عَنْ أَذَاهُمْ، وَنَدَبَ عَسْكَرًا نَحْوَ خَمْسَةِ آلَافِ فَارِسٍ وَسَيَّرَهُمْ، وَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ قَائِدًا يُعْرَفُ بِيَنَالَ الطَّوِيلِ، وَسَيَّرَهُ، فَبَلَغَ ذَاتَ الْحَمَّامِ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ بَرْقَةَ مَفَازَةٌ فِيهَا مَنْزِلَانِ، لَا يَلْقَى السَّالِكُ الْمَاءَ إِلَّا فِي آبَارٍ عَمِيقَةٍ بِصُعُوبَةٍ وَشِدَّةٍ. فَسَيَّرَ أَبُو رَكْوَةَ قَائِدًا فِي أَلْفِ فَارِسٍ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى يَنَالَ وَمَنْ مَعَهُ وَمُطَارَدَتِهِمْ قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَى الْمَنْزِلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَأَمَرَهُمْ إِذَا عَادُوا أَنْ يُغَوِّرُوا الْآبَارَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَعَادُوا، فَحِينَئِذٍ سَارَ أَبُو رَكْوَةَ فِي عَسَاكِرِهِ وَلَقِيَهُمْ وَقَدْ خَرَجُوا مِنَ الْمَفَازَةِ عَلَى ضَعْفٍ وَعَطَشٍ، فَقَاتَلَهُمْ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَحَمَلَ يَنَالُ عَلَى عَسْكَرِ أَبِي رَكْوَةَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَبُو رَكْوَةَ وَاقِفٌ لَمْ يَحْمِلْ هُوَ وَلَا عَسْكَرُهُ، فَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ كُتَامَةَ لِمَا نَالَهُمْ مِنَ الْأَذَى وَالْقَتْلِ مِنَ الْحَاكِمِ، وَأَخَذُوا الْأَمَانَ لِمَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِهِمْ، وَلَحِقَهُمُ الْبَاقُونَ، فَحَمَلَ حِينَئِذٍ بِهِمْ عَلَى عَسَاكِرِ الْحَاكِمِ، فَانْهَزَمَتْ وَأُسِرَ يَنَالُ وَقُتِلَ، وَأُسِرَ أَكْثَرُ عَسْكَرِهِ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَعَادَ إِلَى بَرْقَةَ وَقَدِ امْتَلَأَتْ أَيْدِيهِمْ مِنَ الْغَنَائِمِ.
وَانْتَشَرَ ذِكْرُهُ، وَعَظُمَتْ هَيْبَتُهُ، وَأَقَامَ بِبَرْقَةَ، وَتَرَدَّدَتْ سَرَايَاهُ إِلَى الصَّعِيدِ وَأَرْضِ مِصْرَ، وَقَامَ الْحَاكِمُ مِنْ ذَلِكَ وَقَعَدَ، وَسَقَطَ فِي يَدِهِ، وَنَدِمَ عَلَى مَا فَرَّطَ، وَفَرِحَ جُنْدُ مِصْرَ وَأَعْيَانُهَا، وَعَلِمَ الْحَاكِمُ ذَلِكَ، فَاشْتَدَّ قَلَقُهُ، وَأَظْهَرَ الِاعْتِذَارَ عَنِ الَّذِي فَعَلَهُ.
وَكَتَبَ النَّاسُ إِلَى أَبِي رَكْوَةَ يَسْتَدْعُونَهُ، وَمِمَّنْ كَتَبَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ بْنُ جَوْهَرٍ الْمَعْرُوفُ بِقَائِدِ الْقُوَّادِ، فَسَارَ حِينَئِذٍ عَنْ بَرْقَةَ إِلَى الصَّعِيدِ، وَعَلِمَ الْحَاكِمُ، فَاشْتَدَّ خَوْفُهُ، وَبَلَغَ الْأَمْرُ كُلَّ مَبْلَغٍ، وَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَاسْتَشَارَهُمْ، وَكَتَبَ إِلَى الشَّامِ يَسْتَدْعِي
стр. 4283
الْعَسَاكِرَ فَجَاءَتْهُ، وَفَرَّقَ الْأَمْوَالَ، وَالدَّوَابَ، وَالسِّلَاحَ، وَسَيَّرَهُمْ وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ بَيْنَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، سِوَى الْعَرَبِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمُ الْفَضْلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ. فَلَمَّا قَارَبُوا أَبَا رَكْوَةَ لَقِيَهُمْ فِي عَسَاكِرِهِ، وَرَامَ مُنَاجَزَةَ الْمِصْرِيِّينَ، وَالْفَضْلُ يُحَاجِزُهُ وَيُدَافِعُ، وَيُرَاسِلُ أَصْحَابَ أَبِي رَكْوَةَ يَسْتَمِيلُهُمْ وَيَبْذُلُ لَهُمُ الرَّغَائِبَ، فَأَجَابَهُ قَائِدٌ كَبِيرٌ مِنْ بَنِي قُرَّةَ يُعْرَفُ بِالْمَاضِي، وَكَانَ يُطَالِعُهُ بِأَخْبَارِ الْقَوْمِ وَمَا هُمْ عَازِمُونَ، فَيُدَبِّرُ الْفَضْلُ أَمْرَهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَعْلَمُهُ مِنْهُ.
وَضَاقَتِ الْمِيرَةُ عَلَى الْعَسَاكِرِ فَاضْطُرَّ الْفَضْلُ إِلَى اللِّقَاءِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا بِكَوْمِ شَرِيكٍ، فَقُتِلَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ قَتْلَى كَثِيرَةٌ، وَرَأَى الْفَضْلُ مِنْ جَمْعِ أَبِي رَكْوَةَ مَا هَالَهُ، وَخَافَ الْمُنَاجَزَةَ فَعَادَ إِلَى عَسْكَرِهِ.
وَرَاسَلَ بَنُو قُرَّةَ الْعَرَبَ الَّذِينَ فِي عَسْكَرِ الْحَاكِمِ يَسْتَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِمْ وَيُذَكِّرُونَهُمْ أَعْمَالَ الْحَاكِمِ بِهِمْ، فَأَجَابُوهُمْ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ أَنْ يَكُونَ الشَّامُ لِلْعَرَبِ وَيَصِيرَ لِأَبِي رَكْوَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِصْرُ، وَتَوَاعَدُوا لَيْلَةً يَسِيرُ فِيهَا أَبُو رَكْوَةَ إِلَى الْفَضْلِ، فَإِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ انْهَزَمَتِ الْعَرَبُ، وَلَا يَبْقَى دُونَ مِصْرَ مَانِعٌ. فَكَتَبَ الْمَاضِي إِلَى الْفَضْلِ بِذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْمِيعَادِ جَمَعَ الْفَضْلُ رُؤَسَاءَ الْعَرَبِ لِيُفْطِرُوا عِنْدَهُ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ صَائِمٌ، وَطَاوَلَهُمُ الْحَدِيثَ، وَتَرَكَهُمْ فِي خَيْمَةٍ وَاعْتَزَلَهُمْ، وَوَصَّى أَصْحَابَهُ بِالْحَذَرِ، وَرَامَ الْعَرَبُ الْعَوْدَ إِلَى خِيَامِهِمْ، فَعَلَّلَهُمْ وَطَاوَلَهُمْ، ثُمَّ أَحْضَرَ الطَّعَامَ وَأَحْضَرَهُمْ، فَأَكَلُوا وَتَحَدَّثُوا.
وَسَيَّرَ الْفَضْلُ سَرِيَّةً إِلَى طَرِيقِ أَبِي رَكْوَةَ، فَلَقُوا الْعَسْكَرَ الْوَارِدَ مِنْ عِنْدِهِ، فَاقْتَتَلُوا، وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى الْعَسْكَرِ وَارْتَجَّ، وَأَرَادَ الْعَرَبُ الرُّكُوبَ، فَمَنَعَهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ فَأَمَرَهُمْ بِالرُّكُوبِ وَالْقِتَالِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ بِمَا فَعَلَ رُؤَسَاؤُهُمْ، فَرَكِبُوا وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَرَأَى بَنُو قُرَّةَ الْأَمْرَ عَلَى خِلَافِ مَا قَرَّرُوهُ.
ثُمَّ رَكِبَ الْفَضْلُ وَمَعَهُ رُؤَسَاءُ الْعَرَبِ، وَقَدْ فَاتَهُمْ مَا عَزَمُوا عَلَيْهِ، فَبَاشَرُوا الْحَرْبَ وَغَاصُوا فِيهَا، وَوَرَدَ أَبُو رَكْوَةَ مَدَدًا لِأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَآهُ الْفَضْلُ رَدَّ أَصْحَابَهُ وَعَادَ إِلَى الْمُدَافَعَةِ.
стр. 4284
وَجَهَّزَ الْحَاكِمُ عَسْكَرًا آخَرَ، أَرْبَعَةَ آلَافِ فَارِسٍ، وَعَبَرُوا إِلَى الْجِيزَةِ، فَسَمِعَ أَبُو رَكْوَةَ بِهِمْ، فَسَارَ مُجِدًّا فِي عَسْكَرِهِ لِيُوَافِقَهُمْ عِنْدَ مِصْرَ، وَضَبَطَ الطُّرُقَ لِئَلَّا يَسْمَعَ الْفَضْلُ، وَلَمْ يَكُنِ الْمَاضِي يُكَاتِبُهُ، فَسَارُوا، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّرِيقِ يُعَرِّفُهُ الْخَبَرَ، وَقَطَعَ أَبُو رَكْوَةَ مَسِيرَةَ خَمْسِ لَيَالٍ فِي لَيْلَتَيْنِ، وَكَبَسُوا عَسْكَرَ الْحَاكِمِ بِالْجِيزَةِ، وَقَتَلُوا نَحْوَ أَلْفِ فَارِسٍ، وَخَافَ أَهْلُ مِصْرَ، وَلَمْ يَبْرُزِ الْحَاكِمُ مِنْ قَصْرِهِ، وَأَمَرَ الْحَاكِمُ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ بِالْعُبُورِ إِلَى الْجِيزَةِ، وَرَجَعَ أَبُو رَكْوَةَ فَنَزَلَ عِنْدَ الْهَرَمَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ مِنْ يَوْمِهِ، وَكَتَبَ الْحَاكِمُ إِلَى الْفَضْلِ كِتَابًا ظَاهِرًا يَقُولُ فِيهِ: إِنَّ أَبَا رَكْوَةَ انْهَزَمَ مِنْ عَسَاكِرِنَا، لِيَقْرَأَهُ عَلَى الْقُوَّادِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ سِرًّا يُعْلِمُهُ الْحَالَ. فَأَظْهَرَ الْفَضْلُ الْبِشَارَةَ بِانْهِزَامِ أَبِي رَكْوَةَ تَسْكِينًا لِلنَّاسِ.
ثُمَّ سَارَ أَبُو رَكْوَةَ إِلَى مَوْضِعٍ يُعْرَفُ بِالسَّبَخَةِ، كَثِيرِ الْأَشْجَارِ، وَتَبِعَهُ الْفَضْلُ، وَكَمَنَ أَبُو رَكْوَةَ بَيْنَ الْأَشْجَارِ، وَطَارَدَ عَسْكَرَ الْفَضْلِ، وَرَجَعَ عَسْكَرُهُ الْقَهْقَرَى لِيَسْتَجِرُّوا عَسْكَرَ الْفَضْلِ وَيَخْرُجَ الْكَمِينُ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَى الْكُمَنَاءُ رُجُوعَ عَسْكَرِ أَبِي رَكْوَةَ ظَنُّوهَا الْهَزِيمَةَ لَا شَكَّ فِيهَا، فَوَلَّوْا يَتْبَعُونَهُمْ، وَرَكِبَهُمْ أَصْحَابُ الْفَضْلِ، وَعَلَوْهُمْ بِالسُّيُوفِ فَقُتِلَ مِنْهُمْ أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ، وَانْهَزَمَ أَبُو رَكْوَةَ وَمَعَهُ بَنُو قُرَّةَ وَسَارُوا إِلَى حُلَلِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغُوهَا ثَبَّطَهُمُ الْمَاضِي عَنْهُ فَقَالُوا لَهُ: قَدْ قَاتَلْنَا مَعَكَ، وَلَمْ يَبْقَ فِينَا قِتَالٌ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ وَانْجُ; فَسَارَ إِلَى بَلَدِ النُّوبَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى حِصْنٍ يُعْرَفُ بِحِصْنِ الْجَبَلِ لِلنُّوبَةِ أَظْهَرَ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنَ الْحَاكِمِ إِلَى مَلِكِهِمْ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الْحِصْنِ: الْمَلِكُ عَلِيلٌ، وَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِخْرَاجِ أَمْرِهِ فِي مَسِيرِكَ إِلَيْهِ.
وَبَلَغَ الْفَضْلَ الْخَبَرُ، فَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِ الْقَلْعَةِ بِالْخَبَرِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ بِالْحَالِ، وَكَانَ مَلِكُ النُّوبَةِ قَدْ تُوُفِّيَ وَمَلَكَ وَلَدُهُ فَأَمَرَ بِأَنْ يُسَلَّمَ إِلَى نَائِبِ الْحَاكِمِ، فَتَسَلَّمَهُ رَسُولُ الْفَضْلِ وَسَارَ بِهِ، فَلَقِيَهُ الْفَضْلُ وَأَكْرَمَهُ وَأَنْزَلَهُ فِي مَضَارِبِهِ، وَحَمَلَهُ إِلَى مِصْرَ فَأُشْهِرَ بِهَا، وَطِيفَ بِهِ.
وَكَتَبَ أَبُو رَكْوَةَ إِلَى الْحَاكِمِ رُقْعَةً يَقُولُ فِيهَا: يَا مَوْلَانَا الذُّنُوبُ عَظِيمَةٌ، وَأَعْظَمُ
стр. 4285
مِنْهَا عَفْوُكَ، وَالدِّمَاءُ حَرَامٌ مَا لَمْ يُحَلِّلْهَا سُخْطُكَ، وَقَدْ أَحْسَنْتَ وَأَسَأْتُ وَمَا ظَلَمْتُ إِلَّا نَفْسِي، وَسُوءُ عَمَلِي أَوْبَقَنِي، وَأَقُولُ:
فَرَرْتُ فَلَمْ يُغْنِ الْفِرَارُ، وَمَنْ يَكُنْ ... مَعَ اللَّهِ لَمْ يُعْجِزْهُ فِي الْأَرْضِ هَارِبُ
وَوَاللَّهِ مَا كَانَ الْفِرَارُ لِحَاجَةٍ
،
سِوَى فَزَعِ الْمَوْتِ الَّذِي أَنَا شَارِبُ ... وَقَدْ قَادَنِي جُرْمِي إِلَيْكَ بِرُمَّتِي
،
كَمَا خَرَّ مَيِّتٌ فِي رَحَا الْمَوْتِ سَارِبُ
وَأَجْمَعَ كُلُّ النَّاسِ أَنَّكَ قَاتِلِي
،
فَيَا رُبَّ ظَنٍّ رَبُّهُ فِيكَ كَاذِبُ ... وَمَا هُوَ إِلَّا الِانْتِقَامُ، وَيَنْتَهِي
،
وَأَخْذُكَ مِنْهُ وَاجِبًا لَكَ وَاجِبُ
وَلَمَّا طِيفَ بِهِ أُلْبِسَ طُرْطُورًا، وَجُعِلَ خَلْفَهُ قِرْدٌ يَصْفَعُهُ، كَانَ مُعَلَّمًا بِذَلِكَ، ثُمَّ حُمِلَ إِلَى ظَاهِرِ الْقَاهِرَةِ لِيُقْتَلَ وَيُصْلَبَ، فَتُوُفِّيَ قَبْلَ وُصُولِهِ، فَقُطِعَ رَأْسُهُ وَصُلِبَ، وَبَالَغَ الْحَاكِمُ فِي إِكْرَامِ الْفَضْلِ إِلَى حَدِّ أَنَّهُ عَادَهُ فِي مَرْضَةٍ مَرِضَهَا دَفْعَتَيْنِ، فَاسْتَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ عَمِلَ فِي قَتْلِ الْفَضْلِ لَمَّا عُوفِيَ فَقَتَلَهُ.
ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى مَجْدِ الدَّوْلَةِ وَعَوْدِهِ إِلَى مُلْكِهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَتْ وَالِدَةُ مَجْدِ الدَّوْلَةِ بْنِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، صَاحِبِ الرَّيِّ وَبَلَدِ الْجَبَلِ عَلَيْهِ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ كَانَ إِلَيْهَا فِي جَمِيعِ أَعْمَالِ ابْنِهَا، فَلَمَّا وَزَرَ لَهُ
стр. 4286
الْخَطِيرُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْقَاسِمِ اسْتَمَالَ الْأُمَرَاءَ، وَوَضَعَهُمْ عَلَيْهَا، وَالشَّكْوَى عَلَيْهَا، وَخَوَّفَ ابْنَهَا مِنْهَا، فَصَارَ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ. فَخَرَجَتْ مِنَ الرَّيِّ إِلَى الْقَلْعَةِ فَوَضَعَ عَلَيْهَا مَنْ يَحْفَظُهَا، فَعَمِلَتِ الْحِيلَةَ حَتَّى هَرَبَتْ إِلَى بَدْرِ بْنِ حَسَنَوَيْهِ، وَاسْتَعَانَتْ بِهِ فِي رَدِّهَا إِلَى الرَّيِّ.
وَجَاءَهَا وَلَدُهَا شَمْسُ الدَّوْلَةِ، وَعَسَاكِرُ هَمَذَانَ، وَسَارَ مَعَهَا بَدْرٌ إِلَى الرَّيِّ فَحَصَرُوهَا، وَجَرَى بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ قِتَالٌ كَثِيرٌ مُدَّةً، ثُمَّ اسْتَظْهَرَ بَدْرٌ، وَدَخَلَ الْبَلَدَ، وَأَسَرَ مَجْدَ الدَّوْلَةِ، فَقَيَّدَتْهُ وَالِدَتُهُ وَسَجَنَتْهُ بِالْقَلْعَةِ، وَأَجْلَسَتْ أَخَاهُ شَمْسَ الدَّوْلَةِ فِي الْمُلْكِ وَصَارَ الْأَمْرُ إِلَيْهَا.
وَعَادَ بَدْرٌ إِلَى بَلَدِهِ، وَبَقِيَ شَمْسُ الدَّوْلَةِ فِي الْمُلْكِ نَحْوَ سَنَةٍ، فَرَأَتْ وَالِدَتُهُ مِنْهُ تَنَكُّرًا وَتَغَيُّرًا، وَأَنَّ أَخَاهُ مَجْدَ الدَّوْلَةِ أَلْيَنُ عَرِيكَةً، وَأَسْلَمُ جَانِبًا، فَأَعَادَتْهُ إِلَى الْمُلْكِ، وَسَارَ شَمْسُ الدَّوْلَةِ إِلَى هَمَذَانَ، وَكَرِهَ بَدْرٌ هَذِهِ الْحَالَةَ إِلَّا أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِوَلَدِهِ هِلَالٍ عَنِ الْحَرَكَةِ فِيهَا، وَصَارَتْ هِيَ تُدَبِّرُ الْأَمْرَ، وَتَسْمَعُ رَسَائِلَ الْمُلُوكِ، وَتُعْطِي الْأَجْوِبَةَ.
وَأَرْسَلَ شَمْسُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَدْرٍ يَسْتَمِدُّهُ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ جُنْدًا، فَأَخَذَهُمْ وَسَارَ بِهِمْ إِلَى قُمٍّ، فَحَصَرُوهَا، فَمَنَعَهَا أَهْلُهَا. ثُمَّ إِنَّ الْعَسَاكِرَ دَخَلُوا طَرَفًا مِنْهَا وَاشْتَغَلُوا بِالنَّهْبِ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِمُ الْعَامَّةُ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ نَحْوَ سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ، ثُمَّ قَبَضَ هِلَالُ بْنُ بَدْرٍ عَلَى أَبِيهِ، فَتَفَرَّقَ ذَلِكَ الْجَمْعُ كُلُّهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اشْتَدَّ الْغَلَاءُ بِالْعِرَاقِ، فَضَجَّ الْعَامَّةُ، وَشَغَبَ الْجُنْدُ وَكَانَتْ فِتْنَةٌ.
стр. 4287
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الصَّمَدِ الزَّاهِدُ، وَدُفِنَ عِنْدَ قَبْرِ أَحْمَدَ، وَكَانَ غَايَةً فِي الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ.
وَفِيهَا هَبَّ عَلَى الْحُجَّاجِ رِيحٌ سَوْدَاءُ بِالثَّعْلَبِيَّةِ أَظْلَمَتْ لَهَا الْأَرْضُ، وَلَمْ يَرَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَصَابَهُمْ عَطَشٌ شَدِيدٌ، وَمَنَعَهُمُ ابْنُ الْجَرَّاحِ الطَّائِيُّ مِنَ الْمَسِيرِ لِيَأْخُذَ مِنْهُمْ مَالًا، فَضَاقَ الْوَقْتُ عَلَيْهِمْ، فَعَادُوا وَلَمْ يَحُجُّوا.
وَفِيهَا مَاتَ عَلِيُّ بْنُ [عُمَرَ بْنِ] أَحْمَدَ أَبُو الْحَسَنِ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْقَصَّارِ.
стр. 4288
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٩٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ غَزْوَةِ بَهِيمِ نُغُرَ
لَمَّا فَرَغَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ مِنَ الْغَزْوَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَعَادَ إِلَى غَزْنَةَ، وَاسْتَرَاحَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ، اسْتَعَدَّ لِغَزْوَةٍ أُخْرَى، فَسَارَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَانْتَهَى إِلَى شَاطِئِ نَهْرِ هِنْدَمَنْدَ، فَلَاقَاهُ هُنَاكَ إِبْرَهْمَنُ بَالُ بْنُ إِنْدِبَالَ فِي جُيُوشِ الْهِنْدِ، فَاقْتَتَلُوا مَلِيًّا مِنَ النَّهَارِ، وَكَادَتِ الْهِنْدُ تَظْفَرُ بِالْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَرَ عَلَيْهِمْ، فَظَفِرَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ فَانْهَزَمُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ، وَأَخَذَهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِالسَّيْفِ.
وَتَبِعَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ أَثَرَ إِبْرَهْمَنَ بَالَ، حَتَّى بَلَغَ قَلْعَةَ بَهِيمِ نُغُرَ، وَهِيَ عَلَى جَبَلٍ عَالٍ كَانَ الْهِنْدُ قَدْ جَعَلُوهَا خِزَانَةً لِصَنَمِهِمُ الْأَعْظَمِ، فَيَنْقُلُونَ إِلَيْهَا أَنْوَاعَ الذَّخَائِرِ، قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وَأَعْلَاقَ الْجَوَاهِرِ، وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ دِينًا وَعِبَادَةً، فَاجْتَمَعَ فِيهَا عَلَى طُولِ الْأَزْمَانِ مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، فَنَازَلَهُمْ يَمِينُ الدَّوْلَةِ وَحَصَرَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ.
فَلَمَّا رَأَى الْهُنُودُ كَثْرَةَ جَمْعِهِ، وَحِرْصِهِمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَزَحْفِهِمْ إِلَيْهِمْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، خَافُوا وَجَبُنُوا، وَطَلَبُوا الْأَمَانَ، وَفَتَحُوا بَابَ الْحِصْنِ، وَمَلَكَ الْمُسْلِمُونَ الْقَلْعَةَ، وَصَعِدَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ إِلَيْهَا فِي خَوَاصِّ أَصْحَابِهِ وَثِقَاتِهِ، فَأَخَذَ مِنْهَا مِنَ الْجَوَاهِرِ مَا لَا يُحَدُّ، وَمِنَ الدَّرَاهِمِ تِسْعِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ شَاهِيَّةٍ، وَمِنَ الْأَوَانِي الذَّهَبِيَّاتِ وَالْفِضِّيَّاتِ سَبْعَمِائَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعَمِائَةِ مَنٍّ، وَكَانَ فِيهَا بَيْتٌ مَمْلُوءٌ مِنْ فِضَّةٍ طُولُهُ ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا وَعَرْضُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْتِعَةِ. وَعَادَ إِلَى غَزْنَةَ بِهَذِهِ
стр. 4289
الْغَنَائِمِ، فَفَرَشَ تِلْكَ الْجَوَاهِرَ فِي صَحْنِ دَارِهِ، وَكَانَ قَدِ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ رُسُلُ الْمُلُوكِ، فَأَدْخَلَهُمْ إِلَيْهِ، فَرَأَوْا مَا لَمْ يَسْمَعُوا بِمِثْلِهِ.
ذِكْرُ حَالِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ كَاكَوَيْهِ
هُوَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ دَشْمَنَزْيَارَ، وَإِنَّمَا قِيلَ كَاكَوَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ ابْنَ خَالِ وَالِدَةِ مَجْدِ الدَّوْلَةِ بْنِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، وَكَاكَوَيْهِ هُوَ الْخَالُ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَكَانَتْ وَالِدَةُ مَجْدِ الدَّوْلَةِ قَدِ اسْتَعْمَلَتْهُ عَلَى أَصْبَهَانَ، فَلَمَّا فَارَقَتْ وَلَدَهَا فَسَدَ حَالُهُ، فَقَصَدَ الْمَلِكَ بَهَاءَ الدَّوْلَةِ وَأَقَامَ عِنْدَهُ مُدَّةً، ثُمَّ عَادَتْ وَالِدَةُ مَجْدِ الدَّوْلَةِ إِلَى ابْنِهَا بِالرَّيِّ فَهَرَبَ أَبُو جَعْفَرٍ وَسَارَ إِلَيْهَا، فَأَعَادَتْهُ إِلَى أَصْبَهَانَ، وَاسْتَقَرَّ فِيهَا قَدَمُهُ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ وَسَيَأْتِي مِنْ أَخْبَارِهِ مَا يُعْلَمُ [بِهِ] صِحَّةُ ذَلِكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي (رَبِيعٍ الْأَوَّلِ) وَقَعَ ثَلْجٌ كَثِيرٌ بِبَغْدَاذَ وَوَاسِطٍ وَالْكُوفَةِ، وَالْبَطَائِحِ إِلَى عَبَّادَانَ، وَكَانَ بِبَغْدَاذَ نَحْوَ ذِرَاعٍ، وَبَقِيَ فِي الطُّرُقِ نَحْوَ عِشْرِينَ يَوْمًا.
وَفِيهَا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بِبَغْدَاذَ فِي رَجَبٍ، وَكَانَ أَوَّلُهَا أَنَّ بَعْضَ الْهَاشِمِيِّينَ مِنْ بَابِ الْبَصْرَةِ أَتَى ابْنَ الْمُعَلِّمِ فَقِيهَ الشِّيعَةِ فِي مَسْجِدِهِ بِالْكَرْخِ، فَآذَاهُ، وَنَالَ مِنْهُ، فَثَارَ بِهِ أَصْحَابُ ابْنِ الْمُعَلِّمِ، وَاسْتَنْفَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَقَصَدُوا أَبَا حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيَّ وَابْنَ الْأَكْفَانِيِّ فَسَبُّوهُمَا وَطَلَبُوا الْفُقَهَاءَ لِيُوقِعُوا بِهِمْ، فَهَرَبُوا، وَانْتَقَلَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ إِلَى دَارِ الْقُطْنِ، وَعَظُمَتِ الْفِتْنَةُ، ثُمَّ إِنَّ السُّلْطَانَ أَخَذَ جَمَاعَةً وَسَجَنَهُمْ، فَسَكَنُوا، وَعَادَ أَبُو حَامِدٍ إِلَى مَسْجِدِهِ، وَأَخْرَجَ ابْنَ الْمُعَلِّمِ مِنْ بَغْدَاذَ، فَشَفَعَ فِيهِ عَلِيُّ بْنُ مَزْيَدٍ فَأُعِيدَ.
стр. 4290
وَفِيهَا (وَقَعَ الْغَلَاءُ بِمِصْرَ وَاشْتَدَّ) ، وَعَظُمَ الْأَمْرُ، وَعُدِمَتِ الْأَقْوَاتُ، ثُمَّ تَعَقَّبَهُ وَبَاءٌ كَثِيرٌ أَفْنَى كَثِيرًا مِنْ أَهْلِهَا.
وَفِيهَا زُلْزِلَتِ الدِّينَوَرُ زَلْزَلَةً شَدِيدَةً خَرَّبَتِ الْمَسَاكِنَ، وَهَلَكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا، وَكَانَ الَّذِينَ دُفِنُوا سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا سِوَى مَنْ بَقِيَ تَحْتَ الْهَدْمِ وَلَمْ يُشَاهَدْ. وَفِيهَا أَمَرَ الْحَاكِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ، صَاحِبَ مِصْرَ، بِهَدْمِ بِيعَةِ قُمَامَةَ، وَهِيَ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَتُسَمِّيهَا الْعَامَّةُ الْقِيَامَةَ، وَفِيهَا الْمَوْضِعُ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ الْمَسِيحُ، ﵇، فِيمَا يَزْعُمُهُ النَّصَارَى، وَإِلَيْهَا يَحُجُّونَ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَأَمَرَ بِهَدْمِ الْبِيَعِ فِي جَمِيعِ مَمْلَكَتِهِ، فَهُدِمَتْ، وَأَمَرَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى إِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا، أَوْ يَسِيرُوا إِلَى بِلَادِ الرُّومِ وَيَلْبَسُوا الْغِيَارَ، فَأَسْلَمَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَمَرَ بِعِمَارَةِ الْبِيَعِ وَمَنِ اخْتَارَ الْعَوْدَ إِلَى دِينِهِ عَادَ، فَارْتَدَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّصَارَى.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الضَّبِّيُّ، وَزِيرُ مَجْدِ الدَّوْلَةِ،
стр. 4291
بِبَرُوجِرْدَ، وَكَانَ سَبَبُ مَجِيئِهِ إِلَيْهَا أَنَّ أُمَّ مَجْدِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ اتَّهَمَتْهُ أَنَّهُ سَمَّ أَخَاهُ فَمَاتَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَخُوهُ طَلَبَتْ مِنْهُ مِائَتَيْ دِينَارٍ لِتُنْفِقَهَا فِي مَأْتَمِهِ، فَلَمْ يُعْطِهَا، فَأَخْرَجَتْهُ، فَقَصَدَ بَرُوجِرْدَ، وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ بَدْرِ بْنِ حَسَنَوَيْهِ، فَبَذَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ لِيَعُودَ إِلَى عَمَلِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، وَأَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ بِمَشْهَدِ الْحُسَيْنِ ﵇، فَقِيلَ لِلشَّرِيفِ أَبِي أَحْمَدَ، وَالِدِ الشَّرِيفِ الرَّضِيِّ، أَنْ يَبِيعَهُ بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ مَوْضِعَ قَبْرِهِ، فَقَالَ: مَنْ يُرِيدُ جِوَارَ جَدِّي لَا يُبَاعُ؛ وَأَمَرَ أَنْ يُعْمَلَ لَهُ قَبْرٌ، وَسَيَّرَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ خَمْسِينَ رَجُلًا، فَدَفَنَهُ بِالْمَشْهَدِ.
وَتُوُفِّيَ بَعْدَهُ بِيَسِيرٍ ابْنُهُ أَبُو الْقَاسِمِ سَعْدٌ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ الْحَنَفِيُّ بَعْدَ أَنْ فُلِجَ، وَأَبُو الْفَرَجِ (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ نَصْرٍ الْمَعْرُوفُ بِالْبَبَّغَاءِ) الشَّاعِرِ، وَدِيوَانُهُ مَشْهُورٌ، وَالْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ بِالْبَصْرَةِ، وَالْبَدِيعُ أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهَمَذَانِيُّ، صَاحِبُ الْمَقَامَاتِ الْمَشْهُورَةِ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، وَقَرَأَ الْأَدَبَ عَلَى أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ فَارِسٍ مُصَنِّفِ الْمُجْمَلِ.
وَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ لَالٍ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الْهَمَذَانِيُّ بِنَوَاحِي عَكَّا بِالشَّامِ، وَكَانَ انْتَقَلَ إِلَى هُنَاكَ) .
стр. 4292
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمَائَة]
٣٩٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمَائَةٍ
ذِكْرُ ابْتِدَاءِ حَالِ صَالِحِ بْنِ مِرْدَاسٍ
لَمَّا قَتَلَ عِيسَى بْنُ خَلَّاطٍ أَبَا عَلِيِّ بْنَ ثِمَالٍ بِالرَّحْبَةِ وَمَلَكَهَا، أَقَامَ فِيهَا مُدَّةً، ثُمَّ قَصَدَهُ بَدْرَانُ بْنُ الْمُقَلَّدُ الْعُقَيْلِيُّ، فَأَخَذَ الرَّحْبَةَ مِنْهُ وَبَقِيَتْ لِبَدْرَانَ. فَأَمَرَ الْحَاكِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ نَائِبَهُ بِدِمَشْقَ لُؤْلُؤًا الْبَشَّارِيَّ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهَا، فَقَصَدَ الرِّقَّةَ أَوَّلًا وَمَلَكَهَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى الرَّحْبَةِ وَمَلَكَهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى دِمَشْقَ.
وَكَانَ بِالرَّحْبَةِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِهَا يُعْرَفُ بِابْنِ مَحْكَانَ، فَمَلَكَ الْبَلَدَ، وَاحْتَاجَ إِلَى مَنْ يَجْعَلُهُ ظَهْرَهُ، وَيَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى مَنْ يَطْمَعُ فِيهِ، فَكَاتَبَ صَالِحَ بْنَ مِرْدَاسٍ الْكِلَابِيَّ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ وَأَقَامَ عِنْدَهُ مُدَّةً، ثُمَّ إِنَّ صَالِحًا تَغَيَّرَ عَنْ ذَلِكَ، فَسَارَ إِلَى ابْنِ مَحْكَانَ وَقَاتَلَهُ عَلَى الْبَلَدِ، وَقَطَعَ الْأَشْجَارَ، ثُمَّ تَصَالَحَا، وَتَزَوَّجَ ابْنَةَ ابْنِ مَحْكَانَ، وَدَخَلَ صَالِحٌ الْبَلَدَ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ أَكْثَرُ مُقَامِهِ بِالْحِلَّةِ.
ثُمَّ إِنَّ ابْنَ مَحْكَانَ رَاسَلَ أَهْلَ عَانَةَ فَأَطَاعُوهُ، وَنَقَلَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ إِلَيْهِمْ، وَأَخَذَ رَهَائِنَهُمْ، ثُمَّ خَرَجُوا عَنْ طَاعَتِهِ وَأَخَذُوا مَالَهُ، وَاسْتَعَادُوا رَهَائِنَهُمْ، وَرَدُّوا أَوْلَادَهُ، فَاجْتَمَعَ ابْنُ مَحْكَانَ وَصَالِحٌ عَلَى قَصْدِ عَانَةَ، فَسَارَا إِلَيْهَا، فَوَضَعَ صَالِحٌ عَلَى ابْنِ مَحْكَانَ مَنْ يَقْتُلُهُ، فَقُتِلَ غِيلَةً، وَسَارَ صَالَحٌ إِلَى الرَّحْبَةِ فَمَلَكَهَا، وَأَخَذَ أَمْوَالَ ابْنِ مَحْكَانَ وَأَحْسَنَ إِلَى الرَّعِيَّةِ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ الدَّعْوَةَ لِلْمِصْرِيِّينَ.
стр. 4293
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ ثِمَالٍ الْخَفَاجِيُّ، وَكَانَ الْحَاكِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ صَاحِبُ مِصْرَ، قَدْ وَلَّاهُ الرَّحْبَةَ، فَسَارَ إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عِيسَى بْنُ خَلَّاطٍ الْعُقَيْلِيُّ فَقَتَلَهُ وَمَلَكَ الرَّحْبَةَ، ثُمَّ مَلَكَهَا بَعْدَهُ غَيْرُهُ، فَصَارَ أَمْرُهَا إِلَى صَالِحِ بْنِ مِرْدَاسٍ الْكِلَابِيِّ صَاحِبِ حَلَبَ.
وَفِيهَا صُرِفَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيُّ عَنْ قَضَاءِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ قَدْ عَلَا إِسْنَادُهُ فِي رِوَايَةِ السُّنَنِ لِأَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ، وَمِنْ طَرِيقِهِ سَمِعْنَاهُ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بَعْدَهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، فَقَالَ الْعُصْفُرِيُّ الشَّاعِرُ:
عِنْدِي حَدِيثٌ طَرِيفٌ بِمِثْلِهِ يُتَغَنَّى ... مِنْ قَاضِيَيْنِ يُعَزَّى هَذَا وَهَذَا يُهَنَّا
فَذَا يَقُولُ أَكْرَهُونَا وَذَا يَقُولُ اسْتَرَحْنَا ... وَيَكْذِبَانِ وَنَهْذِي فَمَنْ يُصَدَّقُ مِنَّا
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو دَاوُدَ بْنُ سِيَامِرْدَ بْنِ بَاجَعْفَرٍ، وَدُفِنَ عِنْدَ قَبْرِ النُّذُورِ بِنَهْرِ الْمُعَلَّى، وَقُبَّتُهُ مَشْهُورَةٌ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَافِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ الْقَائِلُ:
يَا ذَا الَّذِي قَاسَمَنِي فِي الْبِلَى
،
فَاخْتَارَ أَنْ يَسْكُنَهُ أَوَّلَا ... مَا وَطَّنْتُ نَفْسِي، وَلَكِنَّهَا
تَسْرِي إِلَيْكُمْ مَنْزِلًا مَنْزِلَا
стр. 4294
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعِمِائَة]
٤٠٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ وَقْعَةِ نَارَيْنَ بِالْهِنْدِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَجَهَّزَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْهِنْدِ عَازِمًا عَلَى غَزْوِهَا، فَسَارَ إِلَيْهَا وَاخْتَرَقَهَا وَاسْتَبَاحَهَا وَنَكَّسَ أَصْنَامَهَا. فَلَمَّا رَأَى مَلِكُ الْهِنْدِ أَنَّهُ لَا قُوَّةَ لَهُ بِهِ رَاسَلَهُ فِي الصُّلْحِ وَالْهُدْنَةِ عَلَى مَالٍ يُؤَدِّيهِ، وَخَمْسِينَ فِيلًا، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ فِي خِدْمَتِهِ أَلْفَا فَارِسٍ لَا يُزَالُونَ. فَقَبَضَ مِنْهُ مَا بَذَلَهُ وَعَادَ عَنْهُ إِلَى غَزْنَةَ.
ذِكْرُ الْخُلْفِ بَيْنَ بَدْرِ بْنِ حَسَنَوَيْهِ وَابْنِهِ هِلَالٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ حَرْبٌ بَيْنَ بَدْرِ بْنِ حَسَنَوَيْهِ الْكُرْدِيِّ وَبَيْنَ ابْنِهِ هِلَالٍ.
وَكَانَ سَبَبُ الْوَحْشَةِ بَيْنَهُمَا أَنَّ أُمَّ هِلَالٍ كَانَتْ مِنَ الشَّاذَنْجَانَ، فَاعْتَزَلَهَا أَبُوهُ عِنْدَ وِلَادَتِهِ، فَنَشَأَ هِلَالٌ مُبْعَدًا مِنْهُ لَا يَمِيلُ إِلَيْهِ، وَكَانَتْ نِعْمَةُ بَدْرٍ لِابْنِهِ الْآخَرِ أَبِي عِيسَى.
فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ خَرَجَ هِلَالٌ مَعَ أَبِيهِ مُتَصَيِّدًا، فَرَأَيَا سَبُعًا، وَكَانَ بَدْرٌ إِذَا رَأَى سَبُعًا قَتَلَهُ بِيَدِهِ، فَتَقَدَّمَ هِلَالٌ إِلَى الْأَسَدِ بِغَيْرِ إِذَنْ أَبِيهِ فَقَتَلَهُ، فَاغْتَاظَ أَبُوهُ وَقَالَ: كَأَنَّكَ قَدْ فَتَحْتَ فَتْحًا، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ السَّبُعِ وَالْكَلْبِ؟ وَرَأَى إِبْعَادَهُ عَنْهُ لِشِدَّتِهِ، فَأَقْطَعَهُ الصَّامَغَانَ، وَسَهَّلَ ذَلِكَ عَلَى هِلَالٍ لِيَنْفَرِدَ بِنَفْسِهِ عَنْ أَبِيهِ، فَأَوَّلُ مَا فَعَلَهُ أَنَّهُ أَسَاءَ مُجَاوَرَةَ ابْنِ الْمَاضِي صَاحِبِ شَهْرَزُورَ، وَكَانَ مُوَافِقًا لِأَبِيهِ بَدْرٍ، فَنَهَى بَدْرٌ ابْنَهُ هِلَالًا عَنْ مُعَارَضَتِهِ فَلَمْ يَسْمَعْ قَوْلَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الْمَاضِي يَتَهَدَّدُهُ، فَأَعَادَ بَدْرٌ
стр. 4295
مُرَاسَلَةَ ابْنِهِ فِي مَعْنَاهُ، وَتَهَدَّدَهُ إِنْ تَعَرَّضَ بِشَيْءٍ هُوَ لَهُ، فَكَانَ جَوَابُ نَهْيِهِ أَنَّهُ جَمَعَ عَسْكَرَهُ وَحَصَرَ شَهْرَزُورَ فَفَتَحَهَا، وَقَتَلَ ابْنَ الْمَاضِي وَأَهْلَهُ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ. فَوَرَدَ عَلَى بَدْرٍ مِنْ ذَلِكَ مَا أَزْعَجَهُ وَأَقْلَقَهُ، وَأَظْهَرَ السُّخْطَ عَلَى هِلَالٍ.
وَشَرَعَ هِلَالٌ يُفْسِدُ جُنْدَ أَبِيهِ وَيَسْتَمِيلُهُمْ وَيَبْذُلُ لَهُمْ، فَكَثُرَ أَصْحَابُ هِلَالٍ لِإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ وَبَذْلِهِ الْمَالَ لَهُمْ، وَأَعْرَضَ النَّاسُ عَنْ بَدْرٍ لِإِمْسَاكِهِ الْمَالَ، فَسَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ، فَالْتَقَيَا عَلَى بَابِ الدِّينَوَرَ، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ انْحَازَتِ الْأَكْرَادُ إِلَى هِلَالٍ، فَأُخِذَ بَدْرٌ أَسِيرًا، وَحُمِلَ إِلَى ابْنِهِ، فَأُشِيرَ عَلَى هِلَالٍ بِقَتْلِهِ، وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ تَسْتَبْقِيَهُ بَعْدَمَا أَوْحَشْتَهُ، فَقَالَ: مَا بَلَغَ مِنْ عُقُوقِي لَهُ أَنْ أَقْتُلَهُ، وَحَضَرَ عِنْدَ أَبِيهِ وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الْأَمِيرُ، وَأَنَا مُدَبِّرُ جَيْشِكِ. فَخَادَعُهُ أَبُوهُ بِأَنْ قَالَ لَهُ: لَا يَسْمَعَنَّ هَذَا مِنْكَ أَحَدٌ فَيَكُونَ هَلَاكُنَا جَمِيعًا، وَهَذِهِ الْقَلْعَةُ لَكَ، وَالْعَلَامَةُ فِي تَسْلِيمِهَا كَذَا وَكَذَا، وَاحْفَظِ الْمَالَ الَّذِي بِهَا، فَإِنَّكَ الْأَمِيرُ مَا دَامَ النَّاسُ يَظُنُّونَ بَقَاءَهُ، وَأُرِيدُ أَنْ تُفْرِدَ لِي قَلْعَةً أَتَفَرَّغُ فِيهَا لِلْعِبَادَةِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَاهُ جُمْلَةً مِنَ الْمَالِ.
فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بَدْرٌ بِالْقَلْعَةِ عَمَّرَهَا وَحَصَّنَهَا، وَرَاسَلَ أَبَا الْفَتْحِ بْنَ عَنَّازٍ، وَأَبَا عِيسَى شَاذِي بْنَ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ بِأَسَادَابَاذَ، يَقُولُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِيَقْصِدَ أَعْمَالَ هِلَالٍ وَيُشَعِّثَهَا. فَسَارَ أَبُو الْفَتْحِ إِلَى قَرْمِيسِينَ فَمَلَكَهَا، وَسَارَ أَبُو عِيسَى إِلَى سَابُورَ خَوَاسْتَ، فَنَهَبَ حُلَلَ هِلَالٍ، وَمَضَى إِلَى نَهَاوَنْدَ، وَبِهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ رَافِعٍ، فَاتَّبَعَهُ هِلَالٌ إِلَيْهَا وَوَضَعَ السَّيْفَ فِي الدَّيْلَمِ فَقَتَلَ مِنْهُمْ أَرْبَعَمِائَةِ نَفْسٍ، مِنْهُمْ تِسْعُونَ أَمِيرًا، وَأَسْلَمَ ابْنُ رَافِعٍ أَبَا عِيسَى إِلَى هِلَالٍ فَعَفَا عَنْهُ، وَلَمْ يُؤَاخِذْهُ عَلَى فِعْلِهِ، وَأَخَذَهُ مَعَهُ.
وَأَرْسَلَ بَدْرٌ إِلَى الْمَلِكِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ يَسْتَنْجِدُهُ فَجَهَّزَ فَخْرَ الْمُلْكِ أَبَا غَالِبٍ فِي جَيْشٍ وَسَيَّرَهُ إِلَى بَدْرٍ، فَسَارَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى سَابُورَ خَوَاسْتَ فَقَالَ هِلَالٌ لِأَبِي عِيسَى شَاذِي: قَدْ جَاءَتْ عَسَاكِرُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، فَمَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: الرَّأْيُ أَنْ تَتَوَقَّفَ عَنْ لِقَائِهِمْ، وَتَبْذُلَ لِبَهَاءِ الدَّوْلَةِ الطَّاعَةَ. وَتُرْضِيهِ بِالْمَالِ فَإِنْ لَمْ يُجِيبُوكَ فَضَيِّقْ عَلَيْهِمْ، وَانْصَرِفْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَإِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْمُطَاوَلَةَ، وَلَا تَظُنَّ هَذَا الْعَسْكَرَ كَمَنْ لَقِيتَهُ بِبَابِ نَهَاوَنْدَ، فَإِنَّ أُولَئِكَ ذَلَّلَهُمْ أَبُوكَ عَلَى مَمَرِّ السِّنِينَ.
стр. 4296
فَقَالَ: غَشَشْتَنِي وَلَمْ تَنْصَحْنِي، وَأَرَدْتَ بِالْمُطَاوَلَةِ أَنْ يَقْوَى أَبِي وَأَضْعُفَ أَنَا، وَقَتَلَهُ، وَسَارَ لِيَكْبِسَ الْعَسْكَرَ لَيْلًا. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ وَقَعَ الصَّوْتُ، فَرَكِبَ فَخْرُ الْمُلْكِ فِي الْعَسَاكِرِ، وَجَعَلَ عِنْدَ أَثْقَالِهِمْ مَنْ يَحْمِيهَا، وَتَقَدَّمَ إِلَى قِتَالِ هِلَالٍ، فَلَمَّا رَأَى هِلَالٌ صُعُوبَةَ الْأَمْرِ نَدِمَ، وَعَلِمَ أَنَّ أَبَا عِيسَى بْنَ شَاذِي نَصَحَهُ، فَنَدِمَ عَلَى قَتْلِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى فَخْرِ الْمُلْكِ يَقُولُ لَهُ: إِنَّنِي مَا جِئْتُ لِقِتَالٍ وَحَرْبٍ، إِنَّمَا جِئْتُ لِأَكُونَ قَرِيبًا مِنْكَ وَأَنْزِلَ عَلَى حُكْمِكَ، فَتَرُدَّ الْعَسْكَرَ عَنِ الْحَرْبِ، فَإِنَّنِي أَدْخُلُ فِي الطَّاعَةِ.
فَمَالَ فَخْرُ الْمُلْكِ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَأَرْسَلَ الرَّسُولَ إِلَى بَدْرٍ لِيُخْبِرَهُ بِمَا جَاءَ بِهِ. فَلَمَّا رَأَى بَدْرٌ الرَّسُولَ سَبَّهُ وَطَرَدَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى فَخْرِ الْمُلْكِ يَقُولُ لَهُ:
إِنَّ هَذَا مَكْرٌ مِنْ هِلَالٍ، لَمَّا رَأَى ضَعْفَهُ، وَالرَّأْيُ أَنْ لَا تُنَفِّسَ خِنَاقَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ فَخْرُ الْمُلْكِ الْجَوَابَ قَوِيَتْ نَفْسُهُ، وَكَانَ يَتَّهِمُ بَدْرًا بِالْمَيْلِ إِلَى ابْنِهِ وَتَقَدَّمَ إِلَى الْجَيْشِ بِالْحَرْبِ، فَقَاتَلُوا، فَلَمْ يَكُنْ أَسْرَعَ مِنْ أَنْ أُتِيَ بِهِلَالٍ أَسِيرًا، فَقَبَّلَ الْأَرْضَ، وَطَلَبَ أَنْ لَا يُسَلِّمَهُ إِلَى أَبِيهِ فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَطَلَبَ عَلَامَتَهُ بِتَسْلِيمِ الْقَلْعَةِ، فَأَعْطَاهُمُ الْعَلَامَةَ، فَامْتَنَعَتْ أُمُّهُ وَمَنْ بِالْقَلْعَةِ مِنَ التَّسْلِيمِ، وَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ فَخْرُ الْمُلْكِ، وَصَعِدَ الْقَلْعَةَ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ نَزَلَ مِنْهَا وَسَلَّمَهَا إِلَى بَدْرٍ، وَأَخَذَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا، وَكَانَتْ عَظِيمَةً، قِيلَ: كَانَ بِهَا أَرْبَعُونَ أَلْفَ بَدْرَةٍ دَرَاهِمَ، وَأَرْبَعُمِائَةِ بَدْرَةٍ ذَهَبًا، سِوَى الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ، وَالثِّيَابِ، وَالسِّلَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ ذِكْرَ هَذَا، فَمِمَّنْ قَالَ مِهْيَارُ:
فَظَنُّوكَ تَعِبًا بِحَمْلِ الْعِرَاقِ
،
كَأَنْ لَمْ يَرَوْكَ حَمَلْتَ الْجِبَالَا ... وَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِي الْعُلُوِّ السَّمَاءُ
لَمَا كَانَ غُنْمُكَ مِنْهَا هِلَالَا ... سَرَيْتَ إِلَيْهِ، فَكُنْتَ السِّرَارَ
لَهُ، وَلِبَدْرٍ أَبِيهِ كَمَالَا
وَهِيَ كَثِيرَةٌ.
ذِكْرُ عَوْدِ الْمُؤَيَّدِ إِلَى إِمَارَةِ الْأَنْدَلُسِ وَمَا كَانَ مِنْهُ
قَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَ خَلْعِهِ وَحَبْسِهِ، فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةُ أُعِيدَ إِلَى خِلَافَتِهِ، وَاسْمُهُ هِشَامُ بْنُ الْحَاكِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّاصِرِ، وَكَانَ عَوْدُهُ تَاسِعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَ الْحُكْمُ
стр. 4297
فِي دَوْلَتِهِ هَذِهِ إِلَى وَاضِحٍ الْعَامِرِيِّ، وَأَدْخَلَ أَهْلَ قُرْطُبَةَ إِلَيْهِ، فَوَعَدَهُمْ وَمَنَّاهُمْ، وَكَتَبَ إِلَى الْبَرْبَرِ الَّذِينَ مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَاكِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّاصِرِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ وَالْوَفَاءِ بِبَيْعَتِهِ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَمَرَ أَجْنَادَهُ وَأَهْلَ قُرْطُبَةَ بِالْحَذَرِ وَالِاحْتِيَاطِ، فَأَحَبَّهُ النَّاسُ.
ثُمَّ نُقِلَ إِلَيْهِ أَنْ نَفَرًا مِنَ الْأُمَوِيِّينَ بِقُرْطُبَةَ قَدْ كَاتَبُوا سُلَيْمَانَ، وَوَاعَدُوهُ لِيَكُونَ بِقُرْطُبَةَ فِي السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ الْبَلَدَ، فَأَخَذَهُمْ وَحَبَسَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ الْمِيعَادُ قَدِمَ الْبَرْبَرُ إِلَى قُرْطُبَةَ، فَرَكِبَ الْجُنْدُ وَأَهْلُ قُرْطُبَةَ، وَخَرَجُوا إِلَيْهِمْ مَعَ الْمُؤَيَّدِ، فَعَادَ الْبَرْبَرُ وَتَبِعَتْهُمْ عَسَاكِرُهُ، فَلَمْ يَلْحَقُوهُمْ. وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ فَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى شَيْءٍ.
ثُمَّ إِنَّ سُلَيْمَانَ وَالْبَرْبَرَ رَاسَلُوا مَلِكَ الْفِرِنْجَ يَسْتَمِدُّونَهُ، وَبَذَلُوا لَهُ تَسْلِيمَ حُصُونٍ كَانَ الْمَنْصُورُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ قَدْ فَتَحَهَا مِنْهُمْ، فَأَرْسَلَ مَلِكُ الْفِرِنْجَ إِلَى الْمُؤَيَّدِ يُعَرِّفُهُ الْحَالَ، وَيَطْلُبُ مِنْهُ تَسْلِيمَ هَذِهِ الْحُصُونِ لِئَلَّا يَمُدَّ سُلَيْمَانَ بِالْعَسَاكِرِ. فَاسْتَشَارَ أَهْلَ قُرْطُبَةَ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارُوا بِتَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُنْجِدُوا سُلَيْمَانَ، وَاسْتَقَرَّ الصُّلْحُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِمِائَةٍ. فَلَمَّا أَيِسَ الْبَرْبَرُ مِنْ إِنْجَادِ الْفِرِنْجَ رَحَلُوا، فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنْ قُرْطُبَةَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَجَعَلَتْ خَيْلُهُمْ تُغِيرُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَخَرَّبُوا الْبِلَادَ.
وَعَمِلَ الْمُؤَيَّدُ وَوَاضِحٌ الْعَامِرِيُّ سُورًا وَخَنْدَقًا عَلَى قُرْطُبَةَ أَمَامَ السُّورِ الْكَبِيرِ، ثُمَّ نَزَلَ سُلَيْمَانُ قُرْطُبَةَ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَلَمْ يَمْلِكْهَا، فَانْتَقَلَ إِلَى الزَّهْرَاءِ وَحَصَرَهَا، وَقَاتَلَ مَنْ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ الْمُوَكَّلِينَ بِحِفْظِهَا سَلَّمَ إِلَيْهِ الْبَابَ الَّذِي هُوَ مُوَكَّلٌ بِحِفْظِهِ، فَصَعِدَ الْبَرْبَرُ السُّورَ، وَقَاتَلُوا مَنْ عَلَيْهِ حَتَّى أَزَالُوهُمْ، وَمَلَكُوا الْبَلَدَ عَنْوَةً، وَقُتِلَ أَكْثَرُ مَنْ بِهِ مِنَ الْجُنْدِ، وَصَعِدَ أَهْلُ الْجَبَلِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ بِالْجَامِعِ، فَأَخَذَهُمُ الْبَرْبَرُ وَذَبَحُوهُمْ حَتَّى النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، وَأَلْقَوُا النَّارَ فِي الْجَامِعِ وَالْقَصْرِ وَالدِّيَارِ، فَاحْتَرَقَ أَكْثَرُ ذَلِكَ وَنُهِبَتِ الْأَمْوَالُ.
ثُمَّ إِنَّ وَاضِحًا كَاتَبَ سُلَيْمَانَ يُعَرِّفُهُ أَنَّهُ يُرِيدُ الِانْتِقَالَ عَنْ قُرْطُبَةَ سِرًّا، وَيُشِيرُ عَلَيْهِ بِمُنَازَلَتِهَا بَعْدَ مَسِيرِهِ عَنْهَا، وَنَمَى الْخَبَرُ إِلَى الْمُؤَيَّدِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَقَتَلَهُ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ
стр. 4298
بِقُرْطُبَةَ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ، وَقَلَّتِ الْأَقْوَاتُ، وَكَثُرَ الْمَوْتُ، وَكَانَتِ الْأَقْوَاتُ عِنْدَ الْبَرْبَرِ أَقَلَّ مِنْهَا بِالْبَلَدِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ خَرَّبُوا الْبِلَادَ، وَجَلَا أَهْلُ قُرْطُبَةَ، وَقَتَلَ الْمُؤَيَّدُ كُلَّ مَنْ مَالَ إِلَى سُلَيْمَانَ.
ثُمَّ إِنَّ الْبَرْبَرَ وَسُلَيْمَانَ لَازَمُوا الْحِصَارَ وَالْقِتَالَ لِأَهْلِ قُرْطُبَةَ، وَضَيَّقُوا عَلَيْهِمْ، وَفِي مُدَّةِ هَذَا الْحِصَارِ ظَهَرَ بِطُلَيْطِلَةَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَبَايَعَهُ أَهْلُهَا، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمُ الْمُؤَيَّدُ جَيْشًا، فَحَصَرُوهُمْ، فَعَادُوا إِلَى الطَّاعَةِ، وَأُخِذَ عُبَيْدُ اللَّهِ أَسِيرًا، وَقُتِلَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ قُرْطُبَةَ قَاتَلُوا فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ الْبَرْبَرَ فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَغَرِقَ فِي النَّهْرِ مِثْلُهُمْ، فَرَحَلُوا عَنْهَا، وَسَارُوا إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ فَحَصَرُوهَا، فَأَرْسَلَ الْمُؤَيَّدُ إِلَيْهَا جَيْشًا فَحَمَاهَا وَمَنَعَ الْبَرْبَرَ عَنْهَا، وَرَاسَلَ سُلَيْمَانُ نَائِبَ الْمُؤَيَّدِ بِسَرَقُسْطَةَ وَغَيْرِهَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، فَأَجَابُوهُ وَأَطَاعُوهُ، فَسَارَ الْبَرْبَرُ وَسُلَيْمَانُ عَنْ إِشْبِيلِيَّةَ إِلَى قَلْعَةِ رَبَاحٍ فَمَلَكُوهَا وَغَنِمُوا مَا فِيهَا، وَاتَّخَذُوهَا دَارًا، ثُمَّ عَادُوا إِلَى قُرْطُبَةَ فَحَصَرُوهَا، وَقَدْ خَرَجَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا وَعَسَاكِرِهَا مِنَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ عَلَيْهَا، وَمَلَكَهَا سُلَيْمَانُ عَنْوَةً وَقَهْرًا، وَقَتَلُوا مَنْ وَجَدُوا فِي الطُّرُقِ، وَنَهَبُوا الْبَلَدَ وَأَحْرَقُوهُ، فَلَمْ تُحْصَ الْقَتْلَى لِكَثْرَتِهِمْ.
وَنَزَلَ الْبَرْبَرُ فِي الدُّورِ الَّتِي لَمْ تُحْرَقْ، فَنَالَ أَهْلُ قُرْطُبَةَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَأُخْرِجَ الْمُؤَيَّدُ مِنَ الْقَصْرِ، وَحُمِلَ إِلَى سُلَيْمَانَ، وَدَخَلَ سُلَيْمَانُ قُرْطُبَةَ مُنْتَصَفَ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَبُويِعَ لَهُ بِهَا.
ثُمَّ إِنَّ الْمُؤَيَّدَ جَرَى لَهُ مَعَ سُلَيْمَانَ أَقَاصِيصُ طَوِيلَةٌ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى شَرْقِ الْأَنْدَلُسِ (مِنْ عِنْدِهِ) . وَكَانَ مِمَّنْ قُتِلَ فِي هَذَا الْحَصْرِ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ الْفَرَضِيِّ مَظْلُومًا ﵀.
стр. 4299
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَرْسَلَ الْحَاكِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ مِنْ مِصْرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَفُتِحَ بَيْتُ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ، وَأُخْرِجَ مِنْهُ مُصْحَفٌ وَسَيْفٌ وَكِسَاءٌ وَقَعْبٌ وَسَرِيرٌ.
وَفِيهَا نَقَصَ الْمَاءُ بِدِجْلَةَ حَتَّى أُصْلِحَتْ مَا بَيْنَ أَوَانَا وَقَرِيبِ بَغْدَاذَ، حَتَّى جَرَتِ السُّفُنُ فِيهَا.
وَفِيهَا مَرِضَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ سَهْلَانَ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، فَنَذَرَ إِنْ عُوفِيَ بَنَى سُورًا عَلَى مَشْهَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، ﵇، فَعُوفِيَ، فَأَمَرَ بِبِنَاءِ سُورٍ عَلَيْهِ، فَبُنِيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، تَوَلَّى بِنَاءَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْأَرَّجَانِيُّ. وَفِيهَا وُلِدَ عَدْنَانُ بْنُ الشَّرِيفِ الرَّضِيِّ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ النَّقِيبُ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوسَوِيُّ، وَالِدُ الرَّضِيِّ، بَعْدَ أَنْ أَضَرَّ، وَوَقَفَ بَعْضَ أَمْلَاكِهِ عَلَى الْبِرِّ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْأَكْبَرُ الْمُرْتَضَى، وَدُفِنَ بِدَارِهِ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى مَشْهَدِ الْحُسَيْنِ، ﵇، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَيْضًا أَبُو جَعْفَرٍ الْحَجَّاجُ بْنُ هُرْمُزَ، بِالْأَهْوَازِ، وَعُمْدَةُ الدَّوْلَةِ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ بِمِصْرَ.
стр. 4300
وَفِيهَا مَرِضَ الْخَلِيفَةُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ، وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، فَأُرْجِفَ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ لِلنَّاسِ وَبِيَدِهِ الْقَضِيبُ، فَدَخَلَ إِلَيْهِ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، فَقَالَ لِابْنِ حَاجِبٍ النُّعْمَانِ: اسْأَلْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ لِيَسْمَعَ النَّاسُ قِرَاءَتَهُ، فَقَرَأَ:
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٠] الْآيَاتِ الثَّلَاثَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْعَبَّاسِ النَّامِي الشَّاعِرُ.
(وَأَبُو الْفَتْحِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُسْتِيُّ الْكَاتِبُ الشَّاعِرُ، صَاحِبُ الطَّرِيقَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي التَّجْنِيسِ، فَمِنْ شِعْرِهِ:
يَا أَيُّهَا السَّائِلُ عَنْ مَذْهَبِي ... لِيَقْتَدِي فِيهِ بِمِنْهَاجِي
مِنْهَاجِيَ الْعَدْلُ. وَقَمْعُ الْهَوَى
،
فَهَلْ لِمِنْهَاجِي مِنْ هَاجِي
) ؟
стр. 4301
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِمِائَة]
ذِكْرُ غَزْوَةِ يَمِينِ الدَّوْلَةِ بِلَادَ الْغَوْرِ وَغَيْرِهَا
بِلَادُ الْغَوْرِ تُجَاوِرُ غَزْنَةَ، وَكَانَ الْغَوْرُ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ، وَيُخِيفُونَ السَّبِيلَ، وَبِلَادُهُمْ جِبَالٌ وَعْرَةٌ، وَمَضَايِقُ غَلِقَةٌ، وَكَانُوا يَحْتَمُونَ بِهَا، وَيَعْتَصِمُونَ بِصُعُوبَةِ مَسْلَكِهَا، فَلَمَّا كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَنِفَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ أَنَّ يَكُونَ مِثْلَ أُولَئِكَ الْمُفْسِدِينَ جِيرَانَهُ، وَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ مِنَ الْفَسَادِ وَالْكُفْرِ، فَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَسَارَ إِلَيْهِمْ وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ الْتُونْتَاشُ الْحَاجِبُ، صَاحِبُ هَرَاةَ، وَأَرْسَلَانُ الْجَاذِبُ، صَاحِبُ طُوسَ، وَهُمَا أَكْبَرُ أُمَرَائِهِ، فَسَارَا فَيِمَنْ مَعَهُمَا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَضِيقٍ قَدْ شُحِنَ بِالْمُقَاتَلَةِ، فَتَنَاوَشُوا الْحَرْبَ، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ.
فَسَمِعَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ الْحَالَ، فَجَدَّ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ، وَمَلَكَ عَلَيْهِمْ مَسَالِكَهُمْ، فَتَفَرَّقُوا، وَسَارُوا إِلَى عَظِيمِ الْغُورِيَّةِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ سُورَى، فَانْتَهَوْا إِلَى مَدِينَتِهِ الَّتِي تُدْعَى آهِنَكْرَانَ، فَبَرَزَ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي عَشَرَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ، فَقَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى أَنِ انْتَصَفَ النَّهَارُ، فَرَأَوْا أَشْجَعَ النَّاسِ وَأَقْوَاهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، فَأَمَرَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ أَنْ يُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِدْرَاجِ، فَفَعَلُوا. فَلَمَّا رَأَى الْغَوْرِيَّةُ ذَلِكَ ظَنُّوهُ هَزِيمَةً، فَاتَّبَعُوهُمْ حَتَّى أَبْعَدُوا عَنْ مَدِينَتِهِمْ، فَحِينَئِذٍ عَطَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ وَوَضَعُوا السُّيُوفَ فِيهِمْ فَأَبَادُوهُمْ قَتْلًا وَأَسْرًا، وَكَانَ فِي الْأَسْرَى كَبِيرُهُمْ وَزَعِيمُهُمُ ابْنُ سُورَى، وَدَخَلَ
стр. 4302
الْمُسْلِمُونَ الْمَدِينَةَ وَمَلَكُوهَا، وَغَنِمُوا مَا فِيهَا، وَفَتَحُوا تِلْكَ الْقِلَاعَ وَالْحُصُونَ الَّتِي لَهُمْ جَمِيعَهَا، فَلَمَّا عَايَنَ ابْنُ سُورَى مَا فَعَلَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ شَرِبَ سُمًّا كَانَ مَعَهُ، فَمَاتَ وَخَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١] .
وَأَظْهَرَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ فِي تِلْكَ الْأَعْمَالِ شِعَارَ الْإِسْلَامِ، وَجَعَلَ عِنْدَهُمْ مَنْ يُعَلِّمُهُمْ شَرَائِعَهُ وَعَادَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى طَائِفَةٍ أُخْرَى مِنَ الْكُفَّارِ، فَقَطَعَ عَلَيْهِمْ مَفَازَةً مِنْ رَمْلٍ، وَلَحِقَ عَسَاكِرَهُ عَطَشٌ شَدِيدٌ وَكَادُوا يَهْلِكُونَ، فَلَطَفَ اللَّهُ، ، بِهِمْ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ مَطَرًا سَقَاهُمْ، وَسَهَّلَ عَلَيْهِمُ السَّيْرَ فِي الرَّمْلِ، فَوَصَلَ إِلَى الْكُفَّارِ، وَهُمْ جَمْعٌ عَظِيمٌ، وَمَعَهُمْ سِتُّمِائَةِ فِيلٍ، فَقَاتَلَهُمْ أَشَدَّ قِتَالٍ صَبَرَ فِيهِ، (بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ) ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ نَصَرَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَزَمَ الْكُفَّارَ، وَأَخَذَ غَنَائِمَهُمْ، وَعَادَ سَالِمًا مُظَفَّرًا مَنْصُورًا.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ أَيْلَكَ الْخَانِ وَبَيْنَ أَخِيهِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ أَيْلَكُ الْخَانُ فِي جُيُوشٍ قَاصِدًا قِتَالَ أَخِيهِ طُغَانَ خَانَ، فَلَمَّا بَلَغَ يَوْزَكَنْدَ سَقَطَ مِنَ الثَّلْجِ مَا مَنَعَهُمْ مِنْ سُلُوكِ الطُّرُقِ، فَعَادَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ.
وَكَانَ سَبَبُ قَصْدِهِ أَنَّ أَخَاهُ أَرْسَلَ إِلَى يَمِينِ الدَّوْلَةِ يَعْتَذِرُ، وَيَتَنَصَّلُ مِنْ قَصْدِ أَخِيهِ أَيْلَكَ الْخَانِ بِلَادَ خُرَاسَانَ، وَيَقُولُ: إِنَّنِي مَا رَضِيتُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَيُلْزِمُ أَخَاهُ وَحْدَهُ الذَّنْبَ، وَتَبَرَّأَ هُوَ مِنْهُ، فَلَمَّا عَلِمَ أَخُوهُ أَيْلَكُ الْخَانُ ذَلِكَ سَاءَهُ وَحَمَلَهُ عَلَى قَصْدِهِ.
ذِكْرُ الْخُطْبَةِ لِلْمِصْرِيِّينَ الْعَلَوِيِّينَ بِالْكُوفَةِ وَالْمَوْصِلِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا خَطَبَ قِرْوَاشُ بْنُ الْمُقَلَّدِ أَمِيرُ بَنِي عُقَيْلٍ لِلْحَاكِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ (الْعَلَوِيِّ، صَاحِبِ مِصْرَ) ، بِأَعْمَالِهِ كُلِّهَا، وَهِيَ: الْمَوْصِلُ، وَالْأَنْبَارُ، وَالْمَدَائِنُ،
стр. 4303
وَالْكُوفَةُ وَغَيْرُهَا، وَكَانَ ابْتِدَاءُ الْخُطْبَةِ بِالْمَوْصِلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي انْجَلَتْ بِنُورِهِ غَمَرَاتُ الْغَضَبِ. وَانْهَدَّتْ بِقُدْرَتِهِ أَرْكَانُ النَّصْبِ. وَاطَّلَعَ بِنُورِهِ شَمْسُ الْحَقِّ مِنَ الْغَرْبِ.
فَأَرْسَلَ الْقَادِرُ بِاللَّهِ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرِ بْنَ الْبَاقِلَّانِيِّ إِلَى بَهَاءِ الدَّوْلَةِ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْعَلَوِيِّينَ وَالْعَبَّاسِيِّينَ انْتَقَلُوا مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى بَغْدَاذَ، فَأَكْرَمَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ، وَكَتَبَ إِلَى عَمِيدِ الْجُيُوشِ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى حَرْبِ قِرْوَاشٍ، وَأَطْلَقَ لَهُ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ يُنْفِقُهَا فِي الْعَسْكَرِ، وَخَلَعَ عَلَى الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَوَلَّاهُ قَضَاءَ عُمَانَ وَالسَّوَاحِلِ. وَسَارَ عَمِيدُ الْجُيُوشِ إِلَى حَرْبِ قِرْوَاشٍ فَأَرْسَلَ يَعْتَذِرُ، وَقَطَعَ خُطْبَةَ الْعَلَوِيِّينَ وَأَعَادَ خُطْبَةَ الْقَادِرِ بِاللَّهِ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ بَنِي مَزْيَدٍ وَبَنِي دُبَيْسٍ
كَانَ أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ مَزْيَدٍ مُقِيمًا عِنْدَ بَنِي دُبَيْسٍ فِي جَزِيرَتِهِمْ، بِنَوَاحِي خُوزِسْتَانَ، لِمُصَاهَرَةٍ بَيْنَهُمْ، فَقَتَلَ أَبُو الْغَنَائِمِ أَحَدَ وُجُوهِهِمْ، وَلَحِقَ بِأَخِيهِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مَزْيَدٍ، فَتَبِعُوهُ فَلَمْ يُدْرِكُوهُ، وَانْحَدَرَ إِلَيْهِمْ سَنَدُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مَزْيَدٍ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ، وَاسْتَنْجَدَ عَمِيدُ الْجُيُوشِ، فَانْحَدَرَ إِلَيْهِ عَجِلًا فِي زَبْزَبَةٍ فِي ثَلَاثِينَ دَيْلَمِيًّا، وَسَارَ ابْنُ مَزْيَدٍ إِلَيْهِمْ فَلَقِيَهُمْ، وَاقْتَتَلُوا فَقُتِلَ أَبُو الْغَنَائِمِ، وَانْهَزَمَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مَزْيَدٍ، فَوَصَلَ الْخَبَرُ بِهَزِيمَتِهِ إِلَى عَمِيدِ الْجُيُوشِ وَهُوَ مُنْحَدِرٌ فَعَادَ.
ذِكْرُ وَفَاةِ عَمِيدِ الْجُيُوشِ وَوِلَايَةِ فَخْرِ الْمُلْكِ الْعِرَاقَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ عَمِيدُ الْجُيُوشِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَسْتَاذِ هُرْمُزَ بِبَغْدَاذَ، وَكَانَتْ
стр. 4304
وِلَايَتُهُ ثَمَانِيَ سِنِينَ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَانَ عُمْرُهُ تِسْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَتَوَلَّى تَجْهِيزَهُ وَدَفْنَهُ الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ، دَفَنَهُ بِمَقَابِرِ قُرَيْشٍ، وَرَثَاهُ الرَّضِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَكَانَ أَبُوهُ، أَبُو جَعْفَرٍ أَسْتَاذُ هُرْمُزَ، مِنْ حُجَّابِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَجَعَلَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَمِيدَ الْجُيُوشِ فِي خِدْمَةِ ابْنِهِ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا قُتِلَ اتَّصَلَ بِخِدْمَةِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ. فَلَمَّا اسْتَوْلَى الْخَرَابُ عَلَى بَغْدَاذَ، وَظَهَرَ الْعَيَّارُونَ، وَانْحَلَّتِ الْأُمُورُ بِهَا، أَرْسَلَهُ إِلَيْهَا، فَأَصْلَحَ الْأُمُورَ، وَقَمَعَ الْمُفْسِدِينَ وَقَتَلَهُمْ. فَلَمَّا مَاتَ اسْتَعْمَلَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ مَكَانَهُ بِالْعِرَاقِ فَخْرَ الْمُلْكِ أَبَا غَالِبٍ، فَأَصْعَدَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَلَقِيَهُ الْكُتَّابُ وَالْقُوَّادُ وَأَعْيَانُ النَّاسِ، وَزَيَّنُوا لَهُ الْبِلَادَ، وَوَصَلَ بَغْدَاذَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَمَدَحَهُ مِهْيَارُ وَغَيْرُهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ.
وَمِنْ مَحَاسِنِ أَعْمَالِ عَمِيدِ الْجُيُوشِ أَنَّهُ حُمِلَ إِلَيْهِ مَالٌ كَثِيرٌ قَدْ خَلَّفَهُ بَعْضُ التُّجَّارِ الْمِصْرِيِّينَ، وَقِيلَ لَهُ: لَيْسَ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ فَقَالَ: لَا يَدْخُلُ خِزَانَةَ السُّلْطَانِ مَا لَيْسَ لَهَا، يُتْرَكُ إِلَى أَنْ يَصِحَّ خَبَرُهُ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ مُدَّةٍ جَاءَ أَخٌ لِلْمَيِّتِ بِكِتَابٍ مِنْ مِصْرَ بِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلتَّرِكَةِ، فَقَصَدَ بَابَ عَمِيدِ الْجُيُوشِ لِيُوصِلَ الْكِتَابَ، فَرَآهُ يُصَلِّي عَلَى رَوْشَنِ دَارِهِ فَظَنَّهُ بَعْضَ الْحُجَّابِ، فَأَوْصَلَ الْكِتَابَ إِلَيْهِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، فَلَمَّا عَلِمَ التَّاجِرُ أَنَّ الَّذِي أَخَذَ الْكِتَابَ كَانَ عَمِيدَ الْجُيُوشِ عَظَّمَ الْأَمْرَ عِنْدَهُ، فَأَظْهَرَ ذَلِكَ فَاسْتَحْسَنَهُ النَّاسُ، وَلَمَّا وَصَلَ التَّاجِرُ إِلَى مِصْرَ أَظْهَرَ الدُّعَاءَ لَهُ، فَضَجَّ النَّاسُ بِالدُّعَاءِ لَهُ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، فَبَلَغَهُ الْخَبَرُ فَسَرَّهُ ذَلِكَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اشْتَدَّ الْغَلَاءُ بِخُرَاسَانَ جَمِيعِهَا، وَعُدِمَ الْقُوتُ حَتَّى أَكَلَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَكَانَ الْإِنْسَانُ يَصِيحُ: الْخُبْزَ الْخُبْزَ وَيَمُوتُ، ثُمَّ تَبِعَهُ وَبَاءٌ عَظِيمٌ حَتَّى عَجِزَ النَّاسُ عَنْ دَفْنِ الْمَوْتَى.
стр. 4305
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَنَّازٍ بِحُلْوَانَ، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَقَامَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو الشَّوْكِ فَسُيِّرَتْ إِلَيْهِ الْعَسَاكِرُ مِنْ بَغْدَاذَ لِقِتَالِهِ وَلَقِيَهُمْ أَبُو الشَّوْكِ وَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَ أَبُو الشَّوْكِ إِلَى حُلْوَانَ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ أَصْلَحَ حَالَهُ مَعَ الْوَزِيرِ أَبِي غَالِبٍ لَمَّا قَدِمَ الْعِرَاقَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَقْنِ بْنِ مُقَلَّدِ بْنِ جَعْفَرِ (بْنِ عَمْرِو) بْنِ الْمُهَيَّا الْعُقَيْلِيُّ، وَفِي مُقَلَّدٍ يَجْتَمِعُ آلُ الْمُسَيَّبِ وَآلُ مَقْنٍ، وَكَانَ عُمُرُهُ مِائَةً وَعَشْرَ سِنِينَ، وَكَانَ بَخِيلًا شَدِيدَ الْبُخْلِ، وَشَهِدَ مَعَ الْقَرَامِطَةِ أَخْذَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَارِثِ مُحَمَّدِ بْنِ فَرِيغَوْنَ صَاحِبُ الْجُوزَجَانِ، وَكَانَ صِهْرَ يَمِينِ الدَّوْلَةِ عَلَى أُخْتِهِ، وَكَانَ هُوَ وَأَبُوهُ قَبْلَهُ يُحِبَّانِ الْعُلَمَاءَ وَيُحْسِنَانِ إِلَيْهِمْ.
وَفِيهَا انْقَضَّ كَوْكَبٌ كَبِيرٌ لَمْ يُرَ أَكْبَرَ مِنْهُ.
وَفِيهَا زَادَتْ دِجْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا، وَغَرِقَ كَثِيرٌ مِنْ بَغْدَاذَ وَالْعِرَاقِ، وَتَفَجَّرَتِ الْبُثُوقُ، وَلَمْ يَحُجَّ هَذِهِ السَّنَةَ مِنَ الْعِرَاقِ أَحَدٌ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ الْحَافِظُ، سَافَرَ
стр. 4306
الْكَثِيرَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ، وَلَهُ عِنَايَةٌ بِصَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ.
وَتُوُفِّيَ أَيْضًا خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَمْدُونَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ، كَانَ فَاضِلًا، وَلَهُ " أَطْرَافُ الصَّحِيحَيْنِ " أَيْضًا.
стр. 4307
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِمِائَة]
ذِكْرُ مُلْكِ يَمِينِ الدَّوْلَةِ قُصْدَارَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْلَى يَمِينُ الدَّوْلَةِ عَلَى قُصْدَارَ، وَمَلَكَهَا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَلِكَهَا كَانَ قَدْ صَالَحَهُ عَلَى قَطِيعَةٍ يُؤَدِّيهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَطَعَهَا اغْتِرَارًا بِحَصَانَةِ بَلَدِهِ، وَكَثْرَةِ الْمَضَايِقِ فِي الطَّرِيقِ، وَاحْتَمَى بِأَيْلَكَ الْخَانِ، وَكَانَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ يُرِيدُ قَصْدَهَا، فَيَتَّقِي نَاحِيَةَ أَيْلَكَ الْخَانِ. فَلَمَّا فَسَدَ ذَاتُ بَيْنِهِمَا صَمَّمَ الْعَزْمَ وَقَصَدَهَا وَتَجَهَّزَ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ هَرَاةَ. فَسَارَ مِنْ غَزْنَةَ فِي جُمَادَى الْأَوَّلِ، فَلَمَّا اسْتَقَلَّ عَلَى الطَّرِيقِ سَارَ نَحْوَ قُصْدَارَ، فَسَبَقَ خَبَرُهُ، وَقَطَعَ تِلْكَ الْمَضَايِقَ وَالْجَبَلَ، فَلَمْ يَشْعُرْ صَاحِبُهَا إِلَّا وَعَسْكَرُ يَمِينِ الدَّوْلَةِ قَدْ أَحَاطَ بِهِ لَيْلًا، فَطَلَبَ الْأَمَانَ فَأَجَابَهُ وَأَخَذَ مِنْهُ الْمَالَ الَّذِي كَانَ قَدِ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ، وَأَقَرَّهُ عَلَى وِلَايَتِهِ وَعَادَ.
ذِكْرُ أَسْرِ صَالِحِ بْنِ مِرْدَاسٍ وَمُلْكِهِ حَلَبَ وَمُلْكِ أَوْلَادِهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ أَبِي نَصْرِ بْنِ لُؤْلُؤٍ صَاحِبِ حَلَبَ، وَبَيْنَ صَالِحِ بْنِ مِرْدَاسٍ، وَكَانَ ابْنُ لُؤْلُؤٍ مِنْ مَوَالِي سَعْدِ الدَّوْلَةِ بْنِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، فَقَوِيَ عَلَى وَلَدِ سَعْدِ الدَّوْلَةِ وَأَخَذَ الْبَلَدَ مِنْهُ، وَخَطَبَ لِلْحَاكِمِ صَاحِبِ مِصْرَ، وَلَقَّبَهُ الْحَاكِمُ مُرْتَضَى الدَّوْلَةِ.
стр. 4308
ثُمَّ فَسَدَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَاكِمِ، فَطَمِعَ فِيهِ ابْنُ مِرْدَاسٍ، وَبَنُو كِلَابٍ، وَكَانُوا يُطَالِبُونَهُ بِالصِّلَاتِ وَالْخِلَعِ. ثُمَّ إِنَّهُمُ اجْتَمَعُوا هَذِهِ السَّنَةَ فِي خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ، وَدَخَلُوا مَدِينَةَ حَلَبَ، فَأَمَرَ ابْنُ لُؤْلُؤٍ بِإِغْلَاقِ الْأَبْوَابِ وَالْقَبْضِ عَلَيْهِمْ، فَقَبَضَ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا، مِنْهُمْ صَالِحُ بْنُ مِرْدَاسٍ، وَحَبَسَهُمْ، وَقَتَلَ مِائَتَيْنِ، وَأَطْلَقَ مَنْ لَمْ يُفَكِّرْ بِهِ.
وَكَانَ صَالِحٌ قَدْ تَزَوَّجَ بِابْنَةِ عَمٍّ لَهُ يُسَمَّى جَابِرًا، وَكَانَتْ جَمِيلَةً، فَوُصِفَتْ لِابْنِ لُؤْلُؤٍ، فَخَطَبَهَا إِلَى إِخْوَتِهَا، وَكَانُوا فِي حَبْسِهِ، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ صَالِحًا قَدْ تَزَوَّجَهَا، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَتَزَوَّجَهَا، ثُمَّ أَطْلَقَهُمْ، وَبَقِيَ صَالِحُ بْنُ مِرْدَاسٍ فِي الْحَبْسِ، فَتَوَصَّلَ حَتَّى صَعِدَ مِنَ السُّورِ وَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنْ أَعْلَى الْقَلْعَةِ إِلَى تَلِّهَا، وَاخْتَفَى فِي مَسِيلِ مَاءٍ.
وَوَقَعَ الْخَبَرُ بِهَرَبِهِ، فَأَرْسَلَ ابْنُ لُؤْلُؤٍ الْخَيْلَ فِي طَلَبِهِ، فَعَادُوا وَلَمْ يَظْفَرُوا بِهِ. فَلَمَّا سَكَنَ عَنْهُ الطَّلَبُ سَارَ بِقَيْدِهِ وَلَبِنَةِ حَدِيدٍ فِي رِجْلَيْهِ، حَتَّى وَصَلَ قَرْيَةً تُعْرَفُ بِالْيَاسِرِيَّةِ، فَرَأَى نَاسًا مِنَ الْعَرَبِ فَعَرَفُوهُ وَحَمَلُوهُ إِلَى أَهْلِهِ بِمَرْجِ دَابِقٍ، فَجَمَعَ أَلْفَيْ فَارِسٍ فَقَصَدَ حَلَبَ وَحَاصَرَهَا اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ ابْنُ لُؤْلُؤٍ، (فَقَاتَلَهُ، فَهَزَمَهُمْ) صَالِحٌ وَأَسَرَ ابْنَ لُؤْلُؤٍ، وَقَيَّدَهُ بِقَيْدِهِ الَّذِي كَانَ فِي رِجْلِهِ وَلَبِنَتِهِ. وَكَانَ لِابْنِ لُؤْلُؤٍ أَخٌ فَنَجَا وَحَفِظَ مَدِينَةَ حَلَبَ.
ثُمَّ إِنَّ ابْنَ لُؤْلُؤٍ بَذَلَ لِابْنِ مِرْدَاسٍ مَالًا عَلَى أَنْ يُطْلِقَهُ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْحَالُ بَيْنَهُمَا أَخَذَ رَهَائِنَهُ وَأَطْلَقَهُ، فَقَالَتْ أَمُّ صَالِحٍ لِابْنِهَا: قَدْ أَعْطَاكَ اللَّهُ مَا لَا كُنْتَ تُؤَمِّلُهُ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُتِمَّ صَنِيعَكَ بِإِطْلَاقِ الرَّهَائِنِ فَهُوَ الْمَصْلَحَةُ، فَإِنَّهُ إِنْ أَرَادَ الْغَدْرَ بِكَ لَا يَمْنَعُهُ مَنْ عِنْدَكَ؛ فَأَطْلَقَهُمْ، فَلَمَّا دَخَلُوا الْبَلَدَ حَمَلَ ابْنُ لُؤْلُؤٍ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا اسْتَقَرَّ، وَكَانَ قَدْ تَقَرَّرَ عَلَيْهِ مِائَتَا أَلْفِ دِينَارٍ، وَمِائَةُ ثَوْبٍ، وَإِطْلَاقُ كُلِّ أَسِيرٍ عِنْدَهُ مِنْ بَنِي كِلَابٍ
стр. 4309
فَلَمَّا انْفَصَلَ الْحَالُ وَرَحَلَ صَالِحٌ أَرَادَ ابْنُ لُؤْلُؤٍ قَبْضَ غُلَامِهِ فَتْحٍ، وَكَانَ دَزْدَارَ الْقَلْعَةِ، لِأَنَّهُ اتَّهَمَهُ بِالْمُمَالَأَةِ عَلَى الْهَزِيمَةِ، وَكَانَ خِلَافَ ظَنِّهِ، فَأَطْلَعَ عَلَى ذَلِكَ غُلَامًا لَهُ اسْمُهُ سُرُورٌ، وَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ مَكَانَ فَتْحٍ، فَأَعْلَمَ سُرُورٌ بَعْضَ أَصْدِقَائِهِ وَيُعْرَفُ بِابْنِ غَانِمٍ.
وَسَبَبُ إِعْلَامِهِ أَنَّهُ حَضَرَ عِنْدَهُ، وَكَانَ يَخَافُ ابْنَ لُؤْلُؤٍ لِكَثْرَةِ مَالِهِ، فَشَكَا إِلَى سُرُورٍ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: سَيَكُونُ أَمْرٌ تَأْمَنُ مَعَهُ; فَسَأَلَهُ، فَكَتَمَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَخْدَعُهُ حَتَّى أَعْلَمَهُ الْخَبَرَ.
وَكَانَ بَيْنَ ابْنِ غَانِمٍ وَبَيْنَ فَتْحٍ مَوَدَّةٌ، فَصَعِدَ إِلَيْهِ بِالْقَلْعَةِ مُتَنَكِّرًا، فَأَعْلَمَهُ الْخَبَرَ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِمُكَاتَبَةِ الْحَاكِمِ صَاحِبِ مِصْرَ، وَأَمَرَ ابْنُ لُؤْلُؤٍ أَخَاهُ أَبَا الْجَيْشِ بِالصُّعُودِ إِلَى الْقَلْعَةِ بِحُجَّةِ افْتِقَادِ الْخَزَائِنِ، فَإِذَا صَارَ فِيهَا قَبَضَ عَلَى فَتْحٍ، وَأَرْسَلَ إِلَى فَتْحٍ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ يُرِيدُ افْتِقَادَ الْخَزَائِنِ، وَيَأْمُرُهُ بِفَتْحِ الْأَبْوَابِ، فَقَالَ فَتْحٌ: إِنَّنِي قَدْ شَرِبْتُ الْيَوْمَ دَوَاءً، وَأَسْأَلُ تَأْخِيرَ الصُّعُودِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَإِنَّنِي لَا أَثِقُ فِي فَتْحِ الْأَبْوَابِ لِغَيْرِي ; وَقَالَ لِلرَّسُولِ: إِذَا لَقِيتَهُ فَارْدُدْهُ. فَلَمَّا عَلِمَ ابْنُ لُؤْلُؤٍ الْحَالَ، أَرْسَلَ وَالِدَتَهُ إِلَى فَتْحٍ لِيَعْلَمَ سَبَبَ ذَلِكَ، فَلَمَّا صَعِدَتْ إِلَيْهِ أَكْرَمَهَا، وَأَظْهَرَ لَهَا الطَّاعَةَ، فَعَادَتْ وَأَشَارَتْ عَلَى ابْنِهَا بِتَرْكِ مُحَاقَّتِهِ فَفَعَلَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَطْلُبُ جَوْهَرًا كَانَ لَهُ بِالْقَلْعَةِ، فَغَالَطَهُ فَتْحٌ وَلَمْ يُرْسِلْهُ، فَسَكَتَ عَلَى مَضَضٍ لِعِلْمِهِ أَنَّ الْمُحَاقَّةَ لَا تُفِيدُ لِحَصَانَةِ الْقَلْعَةِ، وَأَشَارَتْ وَالِدَةُ ابْنِ لُؤْلُؤٍ عَلَيْهِ بِأَنْ يَتَمَارَضَ، وَيُظْهِرَ شِدَّةَ الْمَرَضِ، وَيَسْتَدْعِيَ الْفَتْحَ لِيَنْزِلَ إِلَيْهِ لِيَجْعَلَهُ وَصِيًّا، فَإِذَا حَضَرَ قَبَضَهُ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَنْزِلِ الْفَتْحُ، وَاعْتَذَرَ، وَكَاتَبَ الْحَاكِمَ، وَأَظْهَرَ طَاعَتَهُ، وَخَطَبَ لَهُ، وَأَظْهَرَ الْعِصْيَانَ عَلَى أُسْتَاذِهِ، وَأَخَذَ مِنَ الْحَاكِمِ صَيْدَا، وَبَيْرُوتَ، وَكُلَّ مَا فِي حَلَبَ مِنَ الْأَمْوَالِ. وَخَرَجَ ابْنُ لُؤْلُؤٍ مِنْ حَلَبَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، وَبِهَا الرُّومُ، فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ.
وَكَانَ صَالِحُ بْنُ مِرْدَاسٍ قَدْ مَالَأَ الْفَتْحَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا عَادَ عَنْ حَلَبَ اسْتَصْحَبَ مَعَهُ وَالِدَةَ ابْنِ لُؤْلُؤٍ وَنِسَاءَهُ، وَتَرَكَهُنَّ بِمَنْبِجَ، وَتَسَلَّمَ حَلَبَ نُوَّابُ الْحَاكِمِ، وَتَنَقَّلَتْ
стр. 4310
بِأَيْدِيهِمْ حَتَّى صَارَتْ بِيَدِ إِنْسَانٍ مِنَ الْحَمْدَانِيَّةِ يُعْرَفُ بِعَزِيزِ الْمُلْكِ، فَقَدَّمَهُ الْحَاكِمُ وَاصْطَنَعَهُ وَوَلَّاهُ حَلَبَ، فَلَمَّا قُتِلَ الْحَاكِمُ وَوَلِيَ الظَّاهِرُ عَصَى عَلَيْهِ، فَوَضَعَتْ سِتُّ الْمَلِكِ أُخْتُ الْحَاكِمِ فَرَّاشًا لَهُ عَلَى قَتْلِهِ فَقَتَلَهُ.
وَكَانَ لِلْمِصْرِيِّينَ بِالشَّامِ نَائِبٌ يُعْرَفُ بِأَنُوشْتِكِينَ الدِّزْبَرِيِّ، وَبِيَدِهِ دِمَشْقُ، وَالرَّمْلَةُ، وَعَسْقَلَانُ، وَغَيْرُهَا، فَاجْتَمَعَ حَسَّانُ أَمِيرُ بَنِي طَيٍّ، وَصَالِحُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَمِيرُ بَنِي كِلَابٍ، وَسِنَانُ بْنُ عُلَيَّانَ، وَتَحَالَفُوا، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ حَلَبَ إِلَى عَانَةَ لِصَالِحٍ، وَمِنَ الرَّمْلَةِ إِلَى مِصْرَ لِحَسَّانَ، وَدِمَشْقُ لِسِنَانٍ، فَسَارَ حَسَّانُ إِلَى الرَّمْلَةِ فَحَصَرَهَا، وَبِهَا أَنُوشْتِكِينُ، فَسَارَ عَنْهَا إِلَى عَسْقَلَانَ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا حَسَّانُ وَنَهَبَهَا
следующие страницы →