← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

وَقَالُوا: قَدْ أَخْطَأَ هَذَا، وَالْقِيَامُ بِأُمُورِنَا مُتَعَيَّنٌ عَلَيْهِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ فَتَحَ بَابَهُ، وَمَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. وَكَانَ السُّلْطَانُ أَلْبُ أَرْسَلَانَ قَدْ قَصَدَ بِلَادَهُ وَنَهَبَهَا أَيَّامَ عَمِّهِ طُغْرُلْبَكَ، فَلَمْ يُقَابِلِ الشَّرَّ بِمِثْلِهِ، وَأَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] يُهَنِّئُهُ بِعَوْدِهِ إِلَى مُسْتَقَرِّهِ، وَيَسْأَلُ التَّقَدُّمَ إِلَى أَلْبِ أَرْسَلَانَ بِالْكَفِّ عَنْ بِلَادِهِ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْخِلَعَ وَالْأَلْقَابَ، ثُمَّ فُلِجَ سَنَةَ سِتِّينَ. وَكَانَ فِي حَيَاتِهِ قَدْ جَعَلَ الْمُلْكَ فِي وَلَدِهِ شَمْسِ الْمُلْكِ، فَقَصَدَهُ أَخُوهُ طُغَانُ خَانَ بْنُ طُفْغَاجَ، وَحَصَرَهُ بِسَمَرْقَنْدَ، فَاجْتَمَعَ أَهْلُهَا إِلَى شَمْسِ الْمُلْكِ، وَقَالُوا لَهُ: قَدْ خَرَّبَ أَخُوكَ ضَيَاعَنَا وَأَفْسَدَهَا، وَلَوْ كَانَ غَيْرَهُ لَسَاعَدْنَاكَ، وَلَكِنَّهُ أَخُوكَ فَلَا نَدْخُلُ بَيْنَكُمَا فَوَعَدَهُمُ الْمُنَاجَزَةَ، وَخَرَجَ مِنَ الْبَلَدِ نِصْفَ اللَّيْلِ فِي خَمْسِمِائَةِ غُلَامٍ مُعَدِّينَ، وَكَبَسَ أَخَاهُ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاطٍ، فَظَفِرَ بِهِ، فَهَزَمَهُ، وَكَانَ هَذَا وَأَبُوهُمَا حَيٌّ. ثُمَّ قَصَدَهُ هَارُونُ بَغْرَا خَانَ بْنُ يُوسُفَ قَدْرَ خَانَ، وَطُغْرُلُ قَرَا خَانَ، وَكَانَ طُفْغَاجُ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى مَمَالِكِهِمَا، وَقَارَبَا سَمَرْقَنْدَ، فَلَمْ يَظْفَرْ بِشَمْسِ الْمُلْكِ، فَصَالَحَاهُ وَعَادَا فَصَارَتِ الْأَعْمَالُ الْمُتَاخِمَةُ لِجَيْحُونَ لِشَمْسِ الْمُلْكِ، وَأَعْمَالِ الْخَاهِرَ فِي أَيْدِيهِمَا، وَالْحَدُّ بَيْنَهُمَا خُجَنْدَةُ. وَكَانَ السُّلْطَانُ أَلْبُ أَرْسَلَانَ قَدْ تَزَوَّجَ ابْنَةَ قَدْرَ خَانَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، وَتَزَوَّجَ شَمْسُ الْمُلْكِ ابْنَةَ أَلْبِ أَرْسَلَانَ، وَزَوَّجَ بِنْتَ عَمِّهِ عِيسَى خَانَ مِنَ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، وَهُوَ خَاتُونُ الْجَلَالِيَّةُ أَمُّ الْمَلِكِ مَحْمُودٍ الَّذِي وَلِيَ السَّلْطَنَةَ بَعْدَ أَبِيهِ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ اخْتَلَفَ أَلْبُ أَرْسَلَانَ وَشَمْسُ الْمُلْكِ، وَسَنَذْكُرُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] عِنْدَ قَتْلِ أَلْبِ أَرْسَلَانَ، ثُمَّ مَاتَ شَمْسُ الْمُلْكِ، فَوَلِيَ بَعْدَهُ أَخُوهُ خِضْرُ خَانَ ثُمَّ مَاتَ فَوَلِيَ ابْنُهُ أَحْمَدُ خَانَ وَهُوَ الَّذِي قَبَضَ عَلَيْهِ مَلِكْشَاهْ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى وِلَايَتِهِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ، وَسَنَذْكُرُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 4377

ثُمَّ إِنَّ جُنْدَهُ ثَارُوا بِهِ فَقَتَلُوهُ وَمَلَكَ بَعْدَهُ مَحْمُودُ خَانَ، وَكَانَ جَدُّهُ مِنْ مُلُوكِهِمْ، وَكَانَ أَصَمَّ، فَقَصَدَهُ طُغَانُ خَانَ بْنُ قَرَا خَانَ، صَاحِبُ طِرَازَ، فَقَتَلَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَى الْمُلْكِ، وَاسْتَنَابَ بِسَمَرْقَنْدَ أَبَا الْمَعَالِي مُحَمَّدَ بْنَ زَيْدٍ الْعَلَوِيَّ الْبَغْدَاذِيَّ، فَوَلِيَ ثَلَاثَ سِنِينَ ثُمَّ عَصَى عَلَيْهِ، فَحَاصَرَهُ طُغَانُ خَانَ وَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا مَعَهُ. ثُمَّ خَرَجَ طُغَانُ خَانَ إِلَى تِرْمِذَ يُرِيدُ خُرَاسَانَ، فَلَقِيَهُ السُّلْطَانُ سِنْجَرُ وَظَفِرَ بِهِ وَقَتَلَهُ وَصَارَتْ أَعْمَالُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ لَهُ، فَاسْتَنَابَ بِهَا مُحَمَّدَ خَانَ بْنَ كَمَشْتَكِينَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طُفْغَاجَ خَانَ، فَأَخَذَهَا مِنْهُ عُمَرُ خَانَ، وَمَلَكَ سَمَرْقَنْدَ، ثُمَّ هَرَبَ مِنْ جُنْدِهِ وَقَصَدَ خُوَارَزْمَ فَظَفِرَ بِهِ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ فَقَتَلَهُ وَوَلِيَ سَمَرْقَنْدَ مُحَمَّدُ خَانَ وَوَلِيَ بُخَارَى مُحَمَّدُ تِكِينَ بْنُ طُغَانْتِكِينَ. ذِكْرُ كَاشْغَرَ وَتُرْكُسْتَانَ وَأَمَّا كَاشْغَرُ، وَهِيَ مَدِينَةُ تُرْكُسْتَانَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ لِأَرْسَلَانَ خَانَ بْنِ يُوسُفَ قَدْرَ خَانَ، كَمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ صَارَتْ بَعْدَهُ لِمَحْمُودِ بَغْرَا خَانَ، صَاحِبِ طِرَازَ وَالشَّاشَ، خَمْسَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ مَاتَ فَوَلِيَ بَعْدَهُ طُغْرُلُ خَانَ بْنُ يُوسُفَ قَدْرَ خَانَ فَاسْتَوْلَى عَلَى الْمُلْكِ، وَمَلَكَ بَلَاسَاغُونَ، وَكَانَ مُلْكُهُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ. وَمَلَكَ ابْنُهُ طُغْرُلْتِكِينُ، وَأَقَامَ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ أَتَى هَارُونُ بَغْرَا خَانَ أَخُو يُوسُفَ طُغْرُلْخَانَ بْنِ طُفْغَاجَ بَغْرَا خَانَ، وَعَبَرَ كَاشْغَرَ، وَقَبَضَ عَلَى هَارُونَ، وَأَطَاعَهُ عَسْكَرُهُ، وَمَلَكَ كَاشْغَرَ، وَخُتَنَ، وَمَا يَتَّصِلُ بِهِمَا إِلَى بَلَاسَاغُونَ، وَأَقَامَ مَالِكًا تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَوَلِيَ ابْنُهُ أَحْمَدُ بْنُ أَرْسَلَانَ خَانَ، وَأَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ يَطْلُبُ مِنْهُ الْخِلَعَ وَالْأَلْقَابَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَا طَلَبَ، وَلَقَّبَهُ نُورَ الدَّوْلَةِ.

стр. 4378

ذِكْرُ وَفَاةِ مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ وَحَالِ الْبَطِيحَةِ بَعْدَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، تُوُفِّيَ مُهَذِّبُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَهُوَ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ الْقَادِرُ بِاللَّهِ. وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّهُ افْتَصَدَ، فَانْتَفَخَ سَاعِدُهُ، وَمَرِضَ مِنْهُ، وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تَحَدَّثَ الْجُنْدُ بِإِقَامَةِ وَلَدِهِ أَبِي الْحُسَيْنِ أَحْمَدَ مَقَامَهُ، فَبَلَغَ ابْنَ أُخْتِ مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَنِّي، فَاسْتَدْعَى الدَّيْلَمَ وَالْأَتْرَاكَ، وَرَغَّبَهُمْ وَوَعَدَهُمْ، وَاسْتَحْلَفَهُمْ لِنَفْسِهِ، وَقَرَّرَ مَعَهُمُ الْقَبْضَ عَلَى أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ وَتَسْلِيمِهِ إِلَيْهِ، فَمَضَوْا إِلَيْهِ لَيْلًا وَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ وَلَدُ الْأَمِيرِ، وَوَارِثُ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ، فَلَوْ قُمْتَ مَعَنَا إِلَى دَارِ الْإِمَارَةِ لِيَظْهَرَ أَمْرُكَ وَتَجْتَمِعَ الْكَلِمَةُ عَلَيْكَ لَكَانَ حَسَنًا. فَخَرَجَ مِنْ دَارِهِ مَعَهُمْ، فَلَمَّا فَارَقَهَا قَبَضُوا عَلَيْهِ وَحَمَلُوهُ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ، فَسَمِعَتْ وَالِدَتُهُ، فَدَخَلَتْ إِلَى مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَوْمٍ، فَأَعْلَمَتْهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَقْدِرُ أَعْمَلُ وَأَنَا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ؟ وَتُوُفِّيَ فِي الْغَدِ، وَوَلِيَ الْأَمْرَ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَتَسَلَّمَ الْأَمْوَالَ وَالْبَلَدَ، وَأَمَرَ بِضَرْبِ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ، فَضُرِبَ ضَرْبًا شَدِيدًا تُوُفِّيَ مِنْهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ مَوْتِ أَبِيهِ. وَبَقِيَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَمِيرًا إِلَى مُنْتَصَفِ شَعْبَانَ، وَتُوُفِّيَ بِالذُّبَحَةِ، وَكَانَ قَدْ قَالَ قَبْلَ مَوْتِهِ: رَأَيْتُ مُهَذِّبَ الدَّوْلَةِ فِي الْمَنَامِ وَقَدْ مَسَكَ حَلْقِي لِيَخْنُقَنِي، وَيَقُولُ: قَتَلْتَ ابْنِي أَحْمَدَ، وَقَابَلْتَ نِعْمَتِي عَلَيْكَ بِذَاكَ. فَمَاتَ بَعْدَ أَيَّامٍ، فَكَانَ مُلْكُهُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ اتَّفَقَ الْجَمَاعَةُ عَلَى تَأْمِيرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ بَكْرٍ الشَّرَابِيِّ، وَكَانَ مِنْ خَوَاصِّ مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ فَصَارَ أَمِيرَ الْبَطِيحَةِ، وَبَذَلَ لِلْمَلِكِ سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ بُذُولًا، فَأَقَرَّهُ عَلَيْهَا، وَبَقِيَ إِلَى سَنَةِ عَشْرٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ صَدَقَةَ بْنَ فَارِسٍ

стр. 4379

الْمَازِيَارِيَّ، فَمَلَكَ الْبَطِيحَةَ، وَأَسَرَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الشَّرَابِيَّ، فَبَقِيَ عِنْدَهُ أَسِيرًا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ صَدَقَةُ وَخُلِّصَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ وَفَاةِ عَلِيِّ بْنِ مَزْيَدٍ وَإِمَارَةِ ابْنِهِ دُبَيْسٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مَزْيَدٍ الْأَسَدِيُّ، وَقَامَ بَعْدَهُ ابْنُهُ نُورُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْأَغَرِّ دُبَيْسٌ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ جَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ سُلْطَانَ الدَّوْلَةِ، وَأَذِنَ فِي وِلَايَتِهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَالِدُهُ اخْتَلَفَتِ الْعَشِيرَةُ عَلَى دُبَيْسٍ، فَطَلَبَ أَخُوهُ الْمُقَلَّدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيٍّ الْإِمَارَةَ، وَسَارَ إِلَى بَغْدَاذَ وَبَذَلَ لِلْأَتْرَاكِ بُذُولًا كَثِيرَةً لِيُعَاضِدُوهُ، فَسَارَ مَعَهُ مِنْهُمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَكَبَسُوا دُبَيْسًا بِالنُّعْمَانِيَّةِ وَنَهَبُوا حُلَّتَهُ، فَانْهَزَمَ إِلَى نَوَاحِي وَاسِطٍ، وَعَادَ الْأَتْرَاكُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَقَامَ الْأَثِيرُ الْخَادِمُ بِأَمْرِ دُبَيْسٍ حَتَّى ثَبَتَ قَدَمُهُ، وَمَضَى الْمُقَلَّدُ أَخُوهُ إِلَى بَنِي عُقَيْلٍ وَنَذْكُرُ بَاقِيَ أَخْبَارِهِ مَوْضِعَهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ضَعُفَ أَمْرُ الدَّيْلَمِ بِبَغْدَاذَ، وَطَمِعَ فِيهِمُ الْعَامَّةُ، فَانْحَدَرُوا إِلَى وَاسِطٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَامَّتُهَا وَأَتْرَاكُهَا فَقَاتَلُوهُمْ، فَدَفَعَ الدَّيْلَمُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَقَتَلُوا مِنْ أَتْرَاكِ وَاسِطٍ وَعَامَّتِهَا خَلْقًا كَثِيرًا، وَعَظُمَ أَمْرُ الْعَيَّارِينَ بِبَغْدَاذَ، فَأَفْسَدُوا وَنَهَبُوا الْأَمْوَالَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحَاجِبُ أَبُو طَاهِرٍ شَبَاشِيُّ الْمُشَطَّبِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمَعْرُوفِ.

стр. 4380

وَأَبُو الْحَسَنِ الْهُمَانِيُّ وَكَانَ مُتَوَلِّيَ الْبَصْرَةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ الَّذِي مَدَحَهُ مِهْيَارُ بِقَوْلِهِ: أَسْتَنْجِدُ الصَّبْرَ فِيكُمْ، وَهُوَ مَغْلُوبٌ [ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ] وَفِيهَا قَدِمَ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ بَغْدَاذَ، وَضُرِبَ الطَّبْلُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَلَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ، إِنَّمَا كَانَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي أَوْقَاتِ ثَلَاثِ صَلَوَاتٍ. وَفِيهَا هَرَبَ ابْنُ سَهْلَانَ مِنْ سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ إِلَى هِيتَ وَأَقَامَ عِنْدَ قِرْوَاشٍ، وَوَلَّى سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ مَوْضِعَهُ أَبَا الْقَاسِمِ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ فَسَانْجِسَ، وَمَوْلِدُهُ بِبَغْدَاذَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. (وَفِيهَا كَانَتْ بِبَغْدَاذَ فِتْنَةٌ بَيْنَ أَهْلِ الْكَرْخِ مِنَ الشِّيعَةِ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِنَ السُّنَّةِ اشْتَدَّتْ. وَفِيهَا اسْتَنَابَ الْقَادِرُ بِاللَّهِ الْمُعْتَزِلَةَ وَالشِّيعَةَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ أَرْبَابِ الْمَقَالَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِمَا يَعْتَقِدُهُ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ، وَنَهَى مِنَ الْمُنَاظَرَةِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ نُكِّلَ بِهِ وَعُوقِبَ) .

стр. 4381

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤٠٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ وِلَايَةِ ابْنِ سَهْلَانَ الْعِرَاقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَرَضَ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ عَلَى الرُّخَّجِيِّ وِلَايَةَ الْعِرَاقِ، فَقَالَ: وِلَايَةُ الْعِرَاقِ تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ فِيهِ عَسْفٌ وَخَرَقٌ، وَلَيْسَ غَيْرُ ابْنِ سَهْلَانَ، وَأَنَا أَخْلُفُهُ هَاهُنَا. فَوَلَّاهُ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ الْعِرَاقَ فِي الْمُحَرَّمِ، فَسَارَ مِنْ عِنْدِ سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ تَرَكَ ثَقَلَهُ، وَالْكُتَّابَ، وَأَصْحَابَهُ، وَسَارَ جَرِيدَةً فِي خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ مَعَ طَرَّادِ بْنِ دُبَيْسٍ الْأَسَدِيِّ يَطْلُبُ مُهَارِشَ وَمُضَرًا ابْنَيْ دُبَيْسٍ، وَكَانَ مُضَرُ قَدْ قُبِضَ قَدِيمًا عَلَيْهِ بِأَمْرِ فَخْرِ الْمُلْكِ، فَكَانَ يَبْغَضُهُ لِذَلِكَ، وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ جَزِيرَةَ بَنِي أَسَدٍ مِنْهُ وَيُسَلِّمُهَا إِلَى طَرَّادٍ. فَلَمَّا عَلِمَ مُضِرُ وَمُهَارِشُ قَصْدَهُ لَهُمَا سَارَا عَنِ الْمَذَارِ، فَتَبِعَهُمَا، وَالْحَرُّ شَدِيدٌ، فَكَادَ يَهْلِكُ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ عَطَشًا فَكَانَ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ بِهِ أَنَّ بَنِي أَسَدٍ اشْتَغَلُوا بِجَمْعِ أَمْوَالِهِمْ وَإِبْعَادِهَا، وَبَقِيَ الْحَسَنُ بْنُ دُبَيْسٍ فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الدَّيْلَمِ وَالْأَتْرَاكِ، ثُمَّ انْهَزَمُوا وَنَهَبَ ابْنُ سَهْلَانَ أَمْوَالَهُمْ، وَصَانَ حُرَمَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَ فِي خَيْمَتِهِ قَالَ: الْآنَ وَلَدَتْنِي أُمِّي، وَبَذَلَ الْأَمَانَ لِمُهَارِشَ وَمُضَرَ وَأَهْلِهِمَا، وَأَشْرَكَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ طَرَّادٍ فِي الْجَزِيرَةِ وَرَحَلَ. وَأَنْكَرَ عَلَى سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ فِعْلَهُ ذَلِكَ، وَوَصَلَ إِلَى وَاسِطٍ وَالْفِتَنُ بِهَا قَائِمَةٌ، فَأَصْلَحَهَا، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِهَا.

стр. 4382

وَوَرَدَ عَلَيْهِ الْخَبَرُ بِاشْتِدَادِ الْفِتَنِ (بِبَغْدَاذَ، فَسَارَ إِلَيْهَا) ، فَدَخَلَهَا أَوَاخِرَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ، فَهَرَبَ مِنْهُ الْعَيَّارُونَ، وَنَفَى جَمَاعَةً مِنَ الْعَبَّاسِيِّينَ وَغَيْرَهُمْ، وَنَفَى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ النُّعْمَانِ فَقِيهَ الشِّيعَةِ، وَأَنْزَلَ الدَّيْلَمَ أَطْرَافَ الْكَرْخِ وَبَابَ الْبَصْرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلُوا مِنَ الْفَسَادِ مَا لَمْ يُشَاهَدْ مِثْلُهُ. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمَسْتُورِينَ أَغْلَقَ بَابَهُ عَلَيْهِ خَوْفًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَرَآهُمْ عَلَى حَالٍ عَظِيمٍ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَالْفَسَادِ، فَأَرَادَ الرُّجُوعَ إِلَى بَيْتِهِ، فَأَكْرَهُوهُ عَلَى الدُّخُولِ مَعَهُمْ إِلَى دَارٍ نَزَلُوهَا، وَأَلْزَمُوهُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ فَامْتَنَعَ فَصَبُّوهَا فِي فِيهِ قَهْرًا، وَقَالُوا لَهُ: قُمْ إِلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ فَافْعَلْ بِهَا، فَامْتَنَعَ فَأَلْزَمُوهُ فَدَخَلَ مَعَهَا إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ، وَأَعْطَاهَا دَرَاهِمَ، وَقَالَ: هَذَا أَوَّلُ يَوْمٍ فِي رَمَضَانَ، وَالْمَعْصِيَةُ فِيهِ تَتَضَاعَفُ، وَأُحِبُّ أَنْ تُخْبِرِيهِمْ أَنَّنِي قَدْ فَعَلْتُ. فَقَالَتْ: لَا كَرَامَةَ وَلَا عَزَازَةَ، أَنْتَ تَصُونُ دِينَكَ عَنِ الزِّنَاءِ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَصُونَ أَمَانَتِي فِي هَذَا الشَّهْرِ عَنِ الْكَذِبِ! فَصَارَتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ سَائِرَةً فِي بَغْدَاذَ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ سَهْلَانَ أَفْسَدَ الْأَتْرَاكَ وَالْعَامَّةَ، فَانْحَدَرَ الْأَتْرَاكُ إِلَى وَاسِطٍ، فَلَقُوا بِهَا سُلْطَانَ الدَّوْلَةِ، فَشَكَوْا إِلَيْهِ فَسَكَّنَهُمْ وَوَعَدَهُمُ الْإِصْعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ وَإِصْلَاحَ الْحَالِ. وَاسْتَحْضَرَ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ ابْنَ سَهْلَانَ، فَخَافَهُ وَمَضَى إِلَى بَنِي خَفَاجَةَ ثُمَّ أَصْعَدَ إِلَى الْمَوْصِلِ فَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً، ثُمَّ انْحَدَرَ إِلَى الْأَنْبَارِ وَمِنْهَا إِلَى الْبَطِيحَةِ. فَأَرْسَلَ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْبَطِيحَةِ رَسُولًا مِنَ الشَّرَابِيِّ، فَلَمْ يُسَلِّمْهُ، فَسَيَّرَ إِلَيْهَا عَسْكَرًا فَانْهَزَمَ الشَّرَابِيُّ، وَانْحَدَرَ ابْنُ سَهْلَانَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَاتَّصَلَ بِالْمَلِكِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ الرُّخَّجِيُّ قَدْ خَرَجَ مَعَ ابْنِ سَهْلَانَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَفَارَقَهُ بِهَا، وَأَصْلَحَ حَالَهُ مَعَ سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ وَعَادَ إِلَيْهِ.

стр. 4383

ذِكْرُ غَزْوَةِ يَمِينِ الدَّوْلَةِ إِلَى الْهِنْدِ وَالْأَفْغَانِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْهِنْدِ غَازِيًا، وَاحْتَشَدَ وَجَمَعَ، وَاسْتَعَدَّ وَأَعَدَّ أَكْثَرَ مِمَّا تَقَدَّمَ. وَسَبَبُ هَذَا الِاهْتِمَامِ أَنَّهُ لَمَّا فَتَحَ قَنُّوجَ، وَهَرَبَ صَاحِبُهَا مِنْهُ، وَيُلَقَّبُ رَآي قَنُّوجَ، وَمَعْنَى رَآي هُوَ لَقَبُ الْمَلِكِ كَقَيْصَرَ وَكِسْرَى، فَلَمَّا عَادَ إِلَى غَزْنَةَ أَرْسَلَ بِيدَا اللَّعِينُ، وَهُوَ أَعْظَمُ مُلُوكِ الْهِنْدِ مَمْلَكَةً، وَأَكْثَرُهُمْ جَيْشًا، وَتُسَمَّى مَمْلَكَتُهُ كَجُورَاهَةَ، رُسُلًا إِلَى رَآي قَنُّوجَ، وَاسْمُهُ رَاجِيبَالُ، يُوَبِّخُهُ عَلَى انْهِزَامِهِ، وَإِسْلَامِ بِلَادِهِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَطَالَ الْكَلَامُ بَيْنَهُمَا، وَآلَ أَمْرُهُمَا إِلَى الِاخْتِلَافِ. وَتَأَهَّبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَسَارَ إِلَيْهِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ رَاجِيبَالُ، وَأَتَى الْقَتْلُ عَلَى أَكْثَرِ جُنُودِهِ، فَازْدَادَ بِيدَا بِمَا اتَّفَقَ لَهُ شَرًّا وَعُتُوًّا، وَبُعْدَ صِيتٍ فِي الْهِنْدِ، وَعُلُوًّا، وَقَصَدَهُ بَعْضُ مُلُوكِ الْهِنْدِ الَّذِي مَلَكَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ بِلَادَهُ، وَهَزَمَهُ وَأَبَادَ أَجْنَادَهُ، وَصَارَ فِي جُمْلَتِهِ وَخِدْمَتِهِ وَالْتَجَأَ إِلَيْهِ، فَوَعَدَهُ بِإِعَادَةِ مُلْكِهِ إِلَيْهِ، وَحِفْظِ ضَالَّتِهِ عَلَيْهِ، وَاعْتَذَرَ بِهُجُومِ الشِّتَاءِ وَتَتَابُعِ الْأَنْدَاءِ. فَنَمَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ إِلَى يَمِينِ الدَّوْلَةِ فَأَزْعَجَتْهُ وَتَجَهَّزَ لِلْغَزْوِ، وَقَصَدَ بِيدَا، وَأَخَذَ مُلْكَهُ مِنْهُ، وَسَارَ عَنْ غَزْنَةَ، وَابْتَدَأَ فِي طَرِيقِهِ بِالْأَفْغَانِيَّةِ، وَهُمْ كُفَّارٌ يَسْكُنُونَ الْجِبَالَ، وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، وَيَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ بَيْنَ غَزْنَةَ وَبَيْنَهُ، فَقَصَدَ بِلَادَهُمْ، وَسَلَكَ مَضَايِقَهَا، وَفَتَحَ مَغَالِقَهَا، وَخَرَّبَ عَامِرَهَا، وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ وَالْأَسْرَ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمُ الْكَثِيرَ. ثُمَّ اسْتَقَلَّ عَلَى الْمَسِيرِ، وَبَلَغَ إِلَى مَكَانٍ لَمْ يَبْلُغْهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ غَزَوَاتِهِ، وَعَبَرَ نَهْرَ

стр. 4384

كُنْكَ، وَلَمْ يَعْبُرْهُ قَبْلَهَا، فَلَمَّا جَازَهُ رَأَى قَفَلًا قَدْ بَلَغَتْ عِدَّةُ أَحْمَالِهِمْ أَلْفَ عَدَدٍ، فَغَنِمَهَا، وَهِيَ مِنَ الْعُودِ، وَالْأَمْتِعَةِ الْفَائِقَةِ، وَجَدَّ بِهِ السَّيْرُ، فَأَتَاهُ فِي الطَّرِيقِ خَبَرُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الْهِنْدِ يُقَالُ لَهُ تُرُوجِنْبَالُ، قَدْ سَارَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ مُلْتَجِئًا إِلَى بِيدَا لِيَحْتَمِيَ بِهِ عَلَيْهِ، فَطَوَى الْمَرَاحِلَ، فَلَحِقَ تُرُوجِنْبَالَ وَمَنْ مَعَهُ، رَابِعَ عَشَرَ شَعْبَانَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْهُنُودِ نَهْرٌ عَمِيقٌ فَعَبَرَ إِلَيْهِمْ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَشَغَلَهُمْ بِالْقِتَالِ، ثُمَّ عَبَرَ هُوَ وَبَاقِي الْعَسْكَرِ إِلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا عَامَّةَ نَهَارِهِمْ وَانْهَزَمَ تُرُوجِنْبَالُ وَمَنْ مَعَهُ، وَكَثُرَ فِيهِ الْقَتْلُ وَالْأَسْرُ، وَأَسْلَمُوا أَمْوَالَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ، فَغَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ، وَأَخَذُوا مِنْهُمُ الْكَثِيرَ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَأُخِذَ مَا يَزِيدُ عَلَى مِائَتَيْ فِيلٍ، وَسَارَ الْمُسْلِمُونَ يَقْتَصُّونَ آثَارَهُمْ، وَانْهَزَمَ مَلِكُهُمْ جَرِيحًا وَتَحَيَّرَ فِي أَمْرِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى يَمِينِ الدَّوْلَةِ يَطْلُبُ الْأَمَانَ فَلَمْ يُؤَمِّنْهُ، وَلَمْ يَقْنَعْ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَقُتِلَ مِنْ عَسَاكِرِهِ مَا لَا يُحْصَى. وَسَارَ تُرُوجِنْبَالُ لِيَلْحَقَ بِبِيدَا، فَانْفَرَدَ [بِهِ] بَعْضُ الْهُنُودِ فَقَتَلَهُ. فَلَمَّا رَأَى مُلُوكُ الْهِنْدِ ذَلِكَ تَابَعُوا رُسُلَهُمْ إِلَى يَمِينِ الدَّوْلَةِ يَبْذُلُونَ لَهُ الطَّاعَةَ وَالْإِتَاوَةَ، وَسَارَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ بَعْدَ الْوَقْعَةِ إِلَى مَدِينَةِ بَارِي، وَهِيَ مِنْ أَحْصَنِ الْقِلَاعِ وَالْبِلَادِ وَأَقْوَاهَا، فَرَآهَا مِنْ سُكَّانِهَا خَالِيَةً، وَعَلَى عُرُوشِهَا خَاوِيَةً، فَأَمَرَ بِهَدْمِهَا وَتَخْرِيبِهَا وَعَشْرِ قِلَاعٍ مَعَهَا مُتَنَاهِيَةِ الْحَصَانَةِ، وَقَتَلَ مِنْ أَهْلِهَا خَلْقًا كَثِيرًا، وَسَارَ يَطْلُبُ بِيدَا الْمَلِكَ فَلَحِقَهُ وَقَدْ نَزَلَ إِلَى جَانِبِ نَهْرٍ، وَأَجْرَى الْمَاءَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَصَارَ وَحْلًا، وَتَرَكَ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ طَرِيقًا يَبَسًا يُقَاتِلُ مِنْهُ إِذَا أَرَادَ الْقِتَالَ، وَكَانَ عِدَّةُ مَنْ مَعَهُ سِتَّةً وَخَمْسِينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَمِائَةَ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةً وَثَمَانِينَ أَلْفَ رَاجِلٍ، وَسَبْعَمِائَةٍ وَسِتَّةً وَأَرْبَعِينَ فِيلًا. فَأَرْسَلَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ

стр. 4385

طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِهِ لِلْقِتَالِ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِمْ بِيدَا مِثْلَهُمْ، وَلَمْ يَزَلْ كُلُّ عَسْكَرٍ يَمُدُّ أَصْحَابَهُ، حَتَّى كَثُرَ الْجَمْعَانِ، وَاشْتَدَّ الضَّرْبُ وَالطِّعَانُ، فَأَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ وَحَجَزَ بَيْنَهُمْ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ بَكَّرَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ إِلَيْهِمْ، فَرَأَى الدِّيَارَ مِنْهُمْ بَلَاقِعَ، وَرَكِبَ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَرِيقًا مُخَالِفًا لِطَرِيقِ الْأُخْرَى. وَوَجَدَ خَزَائِنَ الْأَمْوَالِ وَالسِّلَاحِ بِحَالِهَا، فَغَنِمُوا الْجَمِيعَ، وَاقْتَفَى آثَارَ الْمُنْهَزِمِينَ، فَلَحِقُوهُمْ فِي الْغِيَاضِ وَالْآجَامِ، وَأَكْثَرُوا فِيهِمُ الْقَتْلَ وَالْأَسْرَ، وَنَجَا بِيدَا فَرِيدًا وَحِيدًا، وَعَادَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ إِلَى غَزْنَةَ مَنْصُورًا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ عَلَى وَزِيرِهِ ابْنِ فَسَانْجَسَ وَإِخْوَتِهِ، وَوَلَّى وَزَارَتَهُ ذَا السَّعَادَتَيْنِ أَبَا غَالِبٍ الْحَسَنَ بْنَ مَنْصُورٍ، وَمَوْلِدُهُ بِسِيرَافَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْغَالِبُ بِاللَّهِ وَلِيُّ عَهْدِ أَبِيهِ الْقَادِرِ بِاللَّهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَتُوُفِّيَ أَيْضًا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَلَّانَ، قَاضِي الْأَهْوَازِ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَلَهُ تَصَانِيفُ حَسَنَةٌ، وَكَانَ مُعْتَزِلِيًّا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ الْحَافِظُ الْمِصْرِيُّ، صَاحِبُ " الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ "، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.

стр. 4386

وَتُوُفِّيَ رَجَاءُ بْنُ عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَنْصِنَاوِيُّ، وَأَنْصِنَا مِنْ قُرَى مِصْرَ، وَهُوَ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَسَمِعَ (الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ) .

стр. 4387

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤١٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ [ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى الْوَزِيرِ ابْنِ مَاكُولَا] فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ الْمَلِكُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ أَبُو طَاهِرِ بْنُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ عَلَى وَزِيرِهِ أَبِي سَعْدٍ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَاكُولَا، وَكَانَ ابْنُ عَمِّهِ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ كَاتِبًا فَاضِلًا، وَكَانَ يَعْرِضُ الدَّيْلَمَ لِعَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَلِأَبِي سَعْدٍ شِعْرٌ مِنْهُ: وَإِنَّ لِقَائِي لِلشُّجَاعِ لَهَيِّنٌ ... وَلَكِنَّ حَمْلَ الضَّيْمِ مِنْهُ شَدِيدُ إِذَا كَانَ قَلْبُ الْقِرْنِ يَنْبُو عَنِ الْوَغَى ... فَإِنَّ جَنَانِي جَلْمَدٌ وَحَدِيدُ [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ وَثَّابُ بْنُ سَابِقٍ النُّمَيْرِيُّ، صَاحِبُ حَرَّانَ، وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَسَدٍ الْكَاتِبُ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْهَاشِمِيُّ الْقَاضِي بِالْبَصْرَةِ، وَأَبُو الْفَضْلِ (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) التَّمِيمِيُّ، (الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ الْبَغْدَاذِيُّ) ، عَمُّ أَبِي مُحَمَّدٍ. قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ الْقَصَّابِ الصُّوفِيَّ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَجَمَاعَةٌ إِلَى الْبَيْمَارِسْتَانِ بِبَغْدَاذَ، فَرَأَيْنَا شَابًّا مَجْنُونًا شَدِيدَ الْهَوَسِ فَوَلِعْنَا بِهِ، فَرَدَّ بِفَصَاحَةٍ وَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى شُعُورٍ مُطَرَّرَةٍ. وَأَجْسَادٍ مُعَطَّرَةٍ. . . وَقَدْ جَعَلُوا اللَّهْوَ صِنَاعَةً.

стр. 4388

وَاللَّعِبَ بِضَاعَةً. وَجَانَبُوا الْعِلْمَ رَأْسًا. فَقُلْتُ: أَتَعْرِفُ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ فَنَسْأَلُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنَّ عِنْدِي عِلْمًا جَمًّا، فَاسْأَلُونِي. فَقَالَ بَعْضُنَا: مَنِ الْكَرِيمُ فِي الْحَقِيقَةِ؟ قَالَ: مَنْ رُزِقَ أَمْثَالُكُمْ، وَأَنْتُمْ لَا تُسَاوُونَ ثُومَةً. فَأَضْحَكَنَا. فَقَالَ آخَرُ: مَنْ أَقَلُّ النَّاسِ شُكْرًا؟ فَقَالَ: مَنْ عُوفِيَ مِنْ بَلِيَّةٍ ثُمَّ رَآهَا فِي غَيْرِهِ فَتَرَكَ الِاعْتِبَارَ، فَإِنَّ الشُّكْرَ عَلَيْهَا وَاجِبٌ. فَأَبْكَانَا بَعْدَ أَنْ أَضْحَكَنَا. فَقُلْنَا: مَا الظُّرْفُ؟ قَالَ: خِلَافُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ لَمْ تَرُدَّ عَقْلِي، فَرُدَّ يَدِي لِأَصْفَعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَفْعَةً! فَتَرَكْنَاهُ وَانْصَرَفْنَا. وَفِيهَا مَاتَ الْأُصَيْفِرُ الْمُنْتَفِقِيُّ الَّذِي كَانَ يُؤْذِي الْحَاجَّ فِي طَرِيقِهِمْ، وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ مَرْدَوَيْهِ الْحَافِظُ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ بَابَكَ (أَبُو الْقَاسِمِ) الشَّاعِرُ، قَدِمَ عَلَى الصَّاحِبِ بْنِ عَبَّادٍ فَقَالَ: أَنْتَ ابْنُ بَابَكَ فَقَالَ: أَنَا ابْنُ بَابِكَ، فَاسْتَحْسَنَ قَوْلَهُ.

стр. 4389

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ٤١١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ قَتْلِ الْحَاكِمِ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ الظَّاهِرِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ، فُقِدَ الْحَاكِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبُو عَلِيٍّ الْمَنْصُورُ بْنُ الْعَزِيزِ بِاللَّهِ نِزَارِ بْنِ الْمُعِزِّ الْعَلَوِيُّ، صَاحِبُ مِصْرَ بِهَا، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ خَبَرٌ. وَكَانَ سَبَبُ فَقْدِهِ أَنَّهُ خَرَجَ يَطُوفُ لَيْلَةً عَلَى رَسْمِهِ، وَأَصْبَحَ عِنْدَ قَبْرِ الْفُقَّاعِيِّ، وَتَوَجَّهَ إِلَى شَرْقَيْ حُلْوَانَ وَمَعَهُ رِكَابِيَّانِ، فَأَعَادَ أَحَدَهُمَا مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعَرَبِ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَأَمَرَ لَهُمْ بِجَائِزَةٍ ثُمَّ عَادَ الرِّكَابِيُّ الْآخَرُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ خَلَّفَهُ عِنْدَ الْعَيْنِ وَالْمَقْصَبَةِ. وَبَقِيَ النَّاسُ عَلَى رَسْمِهِمْ يَخْرُجُونَ كُلَّ يَوْمٍ يَلْتَمِسُونَ رُجُوعَهُ إِلَى سَلْخِ شَوَّالٍ، فَلَمَّا كَانَ ثَالِثُ ذِي الْقَعْدَةِ خَرَجَ مُظَفَّرٌ الصَّقْلَبِيُّ، صَاحِبُ الْمِظَلَّةِ وَغَيْرُهُ مِنْ خَوَاصِّ الْحَاكِمِ، وَمَعَهُمُ الْقَاضِي، فَبَلَغُوا سُلْوَانَ، وَدَخَلُوا فِي الْجَبَلِ، فَبَصُرُوا بِالْحِمَارِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ رَاكِبًا، وَقَدْ ضُرِبَتْ يَدَاهُ بِسَيْفٍ فَأَثَّرَ فِيهِمَا، وَعَلَيْهِ سَرْجُهُ وَلِجَامُهُ، فَاتَّبَعُوا الْأَثَرَ، فَانْتَهَوْا بِهِ إِلَى الْبِرْكَةِ الَّتِي شَرْقَيْ حُلْوَانَ، فَرَأَوْا ثِيَابَهُ، وَهِيَ سَبْعُ قِطَعٍ

стр. 4390

صُوفٍ، وَهِيَ مُزَرَّرَةٌ بِحَالِهَا، لَمْ تُحَلَّ وَفِيهَا أَثَرُ السَّكَاكِينِ، فَعَادُوا وَلَمْ يَشُكُّوا فِي قَتْلِهِ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ أَهْلَ مِصْرَ كَانُوا يَكْرَهُونَهُ لِمَا يَظْهَرُ مِنْهُ مِنْ سُوءِ أَفْعَالِهِ، فَكَانُوا يَكْتُبُونَ إِلَيْهِ الرِّقَاعَ فِيهَا سَبُّهُ، وَسَبُّ أَسْلَافِهِ، وَالدُّعَاءُ عَلَيْهِ، حَتَّى إِنَّهُمْ عَمِلُوا مِنْ قَرَاطِيسَ صُورَةَ امْرَأَةٍ وَبِيَدِهَا رُقْعَةٌ، فَلَمَّا رَآهَا ظَنَّ أَنَّهَا امْرَأَةٌ تَشْتَكِي، (فَأَمَرَ بِأَخْذِ) الرُّقْعَةِ مِنْهَا، فَقَرَأَهَا، وَفِيهَا كُلُّ لَعْنٍ وَشَتِيمَةٍ قَبِيحَةٍ، وَذِكْرِ حُرَمِهِ بِمَا يَكْرَهُ، فَأَمَرَ بِطَلَبِ الْمَرْأَةِ، فَقِيلَ إِنَّهَا مِنْ قَرَاطِيسَ، فَأَمَرَ بِإِحْرَاقِ مِصْرَ وَنَهْبِهَا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَقَاتَلَ أَهْلُهَا أَشَدَّ قِتَالٍ، وَانْضَافَ إِلَيْهِمْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ الْأَتْرَاكُ وَالْمَشَارِقَةُ، فَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ وَأَرْسَلُوا إِلَى الْحَاكِمِ يَسْأَلُونَهُ الصَّفْحَ وَيَعْتَذِرُونَ، فَلَمْ يَقْبَلْ، فَصَارُوا إِلَى التَّهْدِيدِ، فَلَمَّا رَأَى قُوَّتَهُمْ أَمَرَ بِالْكَفِّ عَنْهُمْ، وَقَدْ أَحْرَقَ بَعْضَ مِصْرَ وَنَهَبَ بَعْضَهَا، وَتَتَبَّعَ الْمِصْرِيُّونَ مَنْ أَخَذَ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ، فَابْتَاعُوا ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ فَضَحُوهُنَّ، فَازْدَادَ غَيْظُهُمْ مِنْهُ وَحُنْقُهُمْ عَلَيْهِ. ثُمَّ إِنَّهُ أَوْحَشَ أُخْتَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا مُرَاسَلَاتٍ قَبِيحَةً يَقُولُ فِيهَا: بَلَغَنِي أَنَّ الرِّجَالَ يُدْخِلُونَ إِلَيْكِ، وَتَهَدَّدَهَا بِالْقَتْلِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى قَائِدٍ كَبِيرٍ مِنْ قُوَّادِ الْحَاكِمِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ دَوَّاسٍ، وَكَانَ أَيْضًا يَخَافُ الْحَاكِمَ، تَقُولُ لَهُ: إِنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أَلْقَاكَ فَحَضَرَتْ عِنْدَهُ وَقَالَتْ لَهُ: قَدْ جِئْتُ إِلَيْكَ فِي أَمْرٍ تَحْفَظُ فِيهِ نَفْسَكَ وَنَفْسِي، وَأَنْتَ تَعْلَمُ مَا يَعْتَقِدُهُ أَخِي فِيكَ، وَأَنَّهُ مَتَى تَمَكَّنَ مِنْكَ لَا يُبْقِي عَلَيْكَ، وَأَنَا كَذَلِكَ، وَقَدِ انْضَافَ إِلَى هَذَا مَا تَظَاهَرَ بِهِ مِمَّا يَكْرَهُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَلَا يَصْبِرُونَ عَلَيْهِ، وَأَخَافُ أَنْ يَثُورُوا بِهِ فَيَهْلِكَ هُوَ وَنَحْنُ مَعَهُ، وَتَنْقَلِعَ هَذِهِ الدَّوْلَةُ، فَأَجَابَهَا إِلَى مَا تُرِيدُ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ يَصْعَدُ إِلَى هَذَا الْجَبَلِ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَهُ غُلَامٌ إِلَّا الرِّكَابِيُّ وَصَبِيٌّ، وَيَنْفَرِدُ بِنَفْسِهِ، فَتُقِيمُ رَجُلَيْنِ تَثِقُ بِهِمَا

стр. 4391

يَقْتُلَانِهِ، وَيَقْتُلَانِ الصَّبِيَّ، وَتُقِيمُ وَلَدَهُ بَعْدَهُ، وَتَكُونُ أَنْتَ مُدَبِّرَ الدَّوْلَةِ، وَأَزِيدُ فِي إِقْطَاعِكَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ. فَأَقَامَ رَجُلَيْنِ، وَأَعْطَتْهُمَا هِيَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَمَضَيَا إِلَى الْجَبَلِ، وَرَكِبَ الْحَاكِمُ عَلَى عَادَتِهِ، وَسَارَ مُنْفَرِدًا إِلَيْهِ، فَقَتَلَاهُ، وَكَانَ عُمْرُهُ سِتًّا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَوِلَايَتُهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَكَانَ جَوَّادًا بِالْمَالِ، سَفَّاكًا لِلدِّمَاءِ، قَتَلَ عَدَدًا كَثِيرًا مِنْ أَمَاثِلِ دَوْلَتِهِ وَغَيْرِهِمْ، فَكَانَتْ سِيرَتُهُ عَجِيبَةً. مِنْهَا: أَنَّهُ أَمَرَ فِي صَدْرِ خِلَافَتِهِ بِسَبِّ الصَّحَابَةِ، ﵃، (وَأَنْ تُكْتَبَ) عَلَى حِيطَانِ الْجَوَامِعِ وَالْأَسْوَاقِ، وَكَتَبَ إِلَى سَائِرِ عُمَّالِهِ بِذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. ثُمَّ أَمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ بِالْكَفِّ عَنِ السَّبِّ، وَتَأْدِيبِ مَنْ يَسُبُّهُمْ، أَوْ يَذْكُرُهُمْ بِسُوءٍ، ثُمَّ أَمَرَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] بِتَرْكِ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ بِالْجَامِعِ الْعَتِيقِ وَصَلَّى بِهِمْ إِمَامٌ جَمِيعَ رَمَضَانَ، فَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ، وَلَمْ يُصَلِّ أَحَدٌ التَّرَاوِيحَ إِلَى سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِإِقَامَتِهَا عَلَى الْعَادَةِ. وَبَنَى الْجَامِعَ بِرَاشِدَةَ، وَأَخْرَجَ إِلَى الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ مِنَ الْآلَاتِ

стр. 4392

وَالْمَصَاحِفِ، وَالسُّتُورِ، وَالْحُصْرِ، مَا لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ، وَحَمَلَ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَلَى الْإِسْلَامِ، أَوِ الْمَسِيرِ إِلَى مَأْمَنِهِمْ أَوْ لُبْسِ الْغِيَارِ، فَأَسْلَمَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ يَلْقَاهُ فَيَقُولُ لَهُ: إِنَّنِي أُرِيدُ الْعَوْدَةَ إِلَى دِينِي، فَيَأْذَنُ لَهُ، وَمَنَعَ النِّسَاءَ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَقَتَلَ مَنْ خَرَجَ مِنْهُنَّ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ مَنْ لَا قَيِّمَ لَهَا يَقُومُ بِأَمْرِهَا، فَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَحْمِلُوا كُلَّ مَا يُبَاعُ فِي الْأَسْوَاقِ إِلَى الدُّرُوبِ وَيَبِيعُوهُ (عَلَى النِّسَاءِ) ، وَأَمَرَ مَنْ يَبِيعُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شِبْهُ الْمِغْرَفَةِ بِسَاعِدٍ طَوِيلٍ يَمُدُّهُ إِلَى الْمَرْأَةِ، وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ، وَفِيهِ مَا تَشْتَرِيهِ، فَإِذَا رَضِيَتْ وَضَعَتِ الثَّمَنَ فِي الْمِغْرَفَةِ، وَأَخَذَتْ مَا فِيهَا لِئَلَّا يَرَاهَا، فَنَالَ النَّاسَ مِنْ ذَلِكَ شِدَّةٌ عَظِيمَةٌ. (وَلَمَّا فُقِدَ الْحَاكِمُ وَلِيَ الْأَمْرَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ، وَلُقِّبَ الظَّاهِرَ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ، وَأُخِذَتْ لَهُ الْبَيْعَةُ، وَرَدَّ النَّظَرَ فِي الْأُمُورِ جَمِيعِهَا إِلَى الْوَزِيرِ أَبِي الْقَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْجَرْجَرَائِيِّ) . ذِكْرُ مُلْكِ مُشَرِّفِ الدَّوْلَةِ الْعِرَاقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْحِجَّةِ، عَظُمَ أَمْرُ أَبِي عَلِيٍّ مُشَرِّفِ الدَّوْلَةِ بْنِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، وَخُوطِبَ بِأَمِيرِ الْأُمَرَاءِ، ثُمَّ مَلِكِ الْعِرَاقِ، وَأَزَالَ عَنْهُ أَخَاهُ سُلْطَانَ الدَّوْلَةِ. وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ الْجُنْدَ شَغَبُوا عَلَى سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ، وَمَنَعُوهُ مِنَ الْحَرَكَةِ، وَأَرَادَ تَرْتِيبَ أَخِيهِ مُشَرِّفِ الدَّوْلَةِ فِي الْمُلْكِ، فَأُشِيرَ عَلَى سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ، وَأَرَادَ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ الِانْحِدَارَ إِلَى وَاسِطٍ، فَقَالَ الْجُنْدُ: إِمَّا أَنْ تَجْعَلَ

стр. 4393

عِنْدَنَا وَلَدَكَ أَوْ أَخَاكَ مُشَرِّفَ الدَّوْلَةِ. فَرَاسَلَ أَخَاهُ بِذَلِكَ، فَامْتَنَعَ، ثُمَّ أَجَابَ بَعْدَ مُعَاوَدَةٍ، ثُمَّ إِنَّهُمَا اتَّفَقَا، وَاجْتَمَعَا بِبَغْدَاذَ، وَاسْتَقَرَّ بَيْنَهُمَا أَنَّهُمَا لَا يَسْتَخْدِمَانِ ابْنَ سَهْلَانَ، وَفَارَقَ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ بَغْدَاذَ، وَقَصَدَ الْأَهْوَازَ وَاسْتَخْلَفَ أَخَاهُ مُشَرِّفَ الدَّوْلَةِ عَلَى الْعِرَاقِ. فَلَمَّا انْحَدَرَ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ وَوَصَلَ إِلَى تُسْتَرَ اسْتَوْزَرَ ابْنَ سَهْلَانَ، فَاسْتَوْحَشَ مُشَرِّفُ الدَّوْلَةِ، فَأَنْفَذَ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ وَزِيرَهُ ابْنَ سَهْلَانَ لِيُخْرِجَ أَخَاهُ مُشَرِّفَ الدَّوْلَةِ مِنَ الْعِرَاقِ، فَجَمَعَ مُشَرِّفُ الدَّوْلَةِ عَسْكَرًا كَثِيرًا مِنْهُمْ أَتْرَاكُ وَاسِطٍ، وَأَبُو الْأَغَرِّ دُبَيْسُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَزْيَدٍ، وَلَقِيَ ابْنَ سَهْلَانَ عِنْدَ وَاسِطٍ، فَانْهَزَمَ ابْنُ سَهْلَانَ وَتَحَصَّنَ بِوَاسِطٍ، وَحَاصَرَهُ مُشَرِّفُ الدَّوْلَةِ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ حَتَّى بَلَغَ الْكُرُّ مِنَ الطَّعَامِ أَلْفَ دِينَارٍ قَاسَانِيَّةٍ، وَأَكَلَ النَّاسُ الدَّوَابَّ، حَتَّى الْكِلَابَ، فَلَمَّا رَأَى ابْنُ سَهْلَانَ إِدْبَارَ أُمُورِهِ سَلَّمَ الْبَلَدَ، وَاسْتَحْلَفَ مُشَرِّفَ الدَّوْلَةِ وَخَرَجَ إِلَيْهِ، وَخُوطِبَ حِينَئِذٍ مُشَرِّفُ الدَّوْلَةِ بِشَاهِنْشَاهْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَمَضَتِ الدَّيْلَمُ الَّذِينَ كَانُوا بِوَاسِطٍ فِي خِدْمَتِهِ، وَسَارُوا مَعَهُ، فَحَلَفَ لَهُمْ وَأَقْطَعَهُمْ، وَاتَّفَقَ هُوَ وَأَخُوهُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ أَبُو طَاهِرٍ، فَلَمَّا سَمِعَ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ ذَلِكَ سَارَ عَنِ الْأَهْوَازِ إِلَى أَرَّجَانَ، وَقُطِعَتْ خُطْبَتُهُ مِنَ الْعِرَاقِ، وَخُطِبَ لِأَخِيهِ بِبَغْدَاذَ آخِرَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَقُبِضَ عَلَى ابْنِ سَهْلَانَ وَكُحِّلَ. وَلَمَّا سَمِعَ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ بِذَلِكَ ضَعُفَتْ نَفْسُهُ، وَسَارَ إِلَى الْأَهْوَازِ فِي أَرْبَعِمِائَةِ فَارِسٍ، فَقَلَّتْ عَلَيْهِمُ الْمِيرَةُ، فَنَهَبُوا السَّوَادَ فِي طَرِيقِهِمْ، فَاجْتَمَعَ الْأَتْرَاكُ الَّذِينَ بِالْأَهْوَازِ، (وَقَاتَلُوا أَصْحَابَ سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ) ، وَنَادَوْا بِشِعَارِ مُشَرِّفِ الدَّوْلَةِ وَسَارُوا مِنْهَا، فَقَطَعُوا الطَّرِيقَ عَلَى قَافِلَةٍ وَأَخَذُوهَا وَانْصَرَفُوا. ذِكْرُ وِلَايَةِ الظَّاهِرِ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ لَمَّا قُتِلَ الْحَاكِمُ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، بَقِيَ الْجُنْدُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ اجْتَمَعُوا إِلَى أُخْتِهِ

стр. 4394

وَاسْمُهَا سِتُّ الْمُلْكِ، وَقَالُوا: قَدْ تَأَخَّرَ مَوْلَانَا وَلَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِذَلِكَ. فَقَالَتْ: قَدْ جَاءَتْنِي رُقْعَتُهُ بِأَنَّهُ يَأْتِي بَعْدَ غَدٍ. فَتَفَرَّقُوا، وَبَعَثَتْ بِالْأَمْوَالِ إِلَى الْقُوَّادِ عَلَى يَدِ ابْنِ دَوَّاسٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ السَّابِعُ أَلْبَسَتْ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيًّا ابْنَ أَخِيهَا الْحَاكِمِ أَفْخَرَ الْمَلَابِسِ، وَكَانَ الْجُنْدُ قَدْ حَضَرُوا لِلْمِيعَادِ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا وَقَدْ أُخْرِجَ أَبُو الْحَسَنِ، وَهُوَ صَبِيٌّ، وَالْوَزِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَصَاحَ: يَا عَبِيدَ الدَّوْلَةِ، مَوْلَاتُنَا تَقُولُ لَكُمْ: هَذَا مَوْلَاكُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَسَلِّمُوا عَلَيْهِ! فَقَبَّلَ ابْنُ دَوَّاسٍ الْأَرْضَ، وَالْقُوَّادُ الَّذِينَ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمُ الْأَمْوَالَ، وَدَعَوْا لَهُ، فَتَبِعَهُمُ الْبَاقُونَ وَمَشَوْا مَعَهُ، وَلَمْ يَزَلْ رَاكِبًا إِلَى الظُّهْرِ، فَنَزَلَ وَدَعَا النَّاسَ مِنَ الْغَدِ فَبَايَعُوا لَهُ، وَلُقِّبَ الظَّاهِرَ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ، وَكُتِبَتِ الْكُتُبُ إِلَى الْبِلَادِ بِمِصْرَ وَالشَّامِ بِأَخْذِ الْبَيْعَةِ لَهُ. وَجَمَعَتْ أُخْتُ الْحَاكِمِ النَّاسَ، وَوَعَدَتْهُمْ، وَأَحْسَنَتْ إِلَيْهِمْ، وَرَتَّبَتِ الْأَمْرَ تَرْتِيبًا حَسَنًا، وَجَعَلَتِ الْأَمْرَ بِيَدِ ابْنِ دَوَّاسٍ، وَقَالَتْ لَهُ: إِنَّنَا نُرِيدُ أَنْ نَرُدَّ جَمِيعَ أَحْوَالِ الْمَمْلَكَةِ إِلَيْكَ، وَنَزِيدُ فِي إِقْطَاعِكَ، وَنُشَرِّفُكَ بِالْخِلَعِ، فَاخْتَرْ يَوْمًا يَكُونُ ذَلِكَ. فَقَبَّلَ الْأَرْضَ وَدَعَا، وَظَهَرَ الْخَبَرُ بِهِ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ أَحْضَرَتْهُ، وَأَحْضَرَتِ الْقُوَّادَ مَعَهُ، وَأَغْلَقَتْ أَبْوَابَ الْقَصْرِ، وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ خَادِمًا وَقَالَتْ لَهُ: قُلْ لِلْقُوَّادِ إِنَّ هَذَا قَتَلَ سَيِّدَكُمْ، وَاضْرِبْهُ بِالسَّيْفِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَقَتَلَهُ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ رَجُلَانِ، وَبَاشَرَتِ الْأُمُورَ بِنَفْسِهَا، وَقَامَتْ هَيْبَتُهَا عِنْدَ النَّاسِ، وَاسْتَقَامَتِ الْأُمُورُ، وَعَاشَتْ بَعْدَ الْحَاكِمِ أَرْبَعَ سِنِينَ وَمَاتَتْ. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْأَتْرَاكِ وَالْأَكْرَادِ بِهَمَذَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ زَادَ شَغَبُ الْأَتْرَاكِ بِهَمَذَانَ عَلَى صَاحِبِهِمْ شَمْسِ الدَّوْلَةِ بْنِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ قَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مِنْهُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَهُوَ يَحْلُمُ عَنْهُمْ بَلْ يَعْجِزُ، فَقَوِيَ طَمَعُهُمْ

стр. 4395

فَزَادُوا فِي التَّوَثُّبِ وَالشَّغَبِ، وَأَرَادُوا إِخْرَاجَ الْقُوَّادِ الْقُوهِيَّةِ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَعَزَمُوا عَلَى الْإِيقَاعِ بِهِمْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَاعْتَزَلَ الْأَكْرَادُ مَعَ وَزِيرِهِ تَاجِ الْمُلْكِ أَبِي نَصْرِ بْنِ بَهْرَامَ إِلَى قَلْعَةِ بَرْجِينَ، فَسَارَ الْأَتْرَاكُ إِلَيْهِمْ فَحَصَرُوهُمْ، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى شَمْسِ الدَّوْلَةِ فَكَتَبَ الْوَزِيرُ إِلَى أَبِي جَعْفَرِ بْنِ كَاكَوَيْهِ صَاحِبِ أَصْبَهَانَ، يَسْتَنْجِدُهُ، وَعَيَّنَ لَهُ لَيْلَةً يَكُونُ قُدُومُ الْعَسَاكِرِ إِلَيْهِ فِيهَا بَغْتَةً، لِيَخْرُجَ هُوَ أَيْضًا تِلْكَ اللَّيْلَةَ لِيَكْبِسُوا الْأَتْرَاكَ. (فَفَعَلَ أَبُو) جَعْفَرٍ ذَلِكَ، وَسَيَّرَ أَلْفَيْ فَارِسٍ، وَضَبَطُوا الطُّرُقَ لِئَلَّا يَسْبِقَهُمُ الْخَبَرُ، وَكَبَسُوا الْأَتْرَاكَ سَحَرًا عَلَى غَفْلَةٍ، وَنَزَلَ الْوَزِيرُ وَالْقُوهِيَّةُ مِنَ الْقَلْعَةِ، فَوَضَعُوا فِيهِمُ السَّيْفَ، فَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ، وَأَخَذُوا الْمَالَ، وَمَنْ سَلِمَ مِنَ الْأَتْرَاكِ نَجَا فَقِيرًا. وَفَعَلَ شَمْسُ الدَّوْلَةِ بِمَنْ عِنْدَهُ فِي هَمَذَانَ كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُمْ، فَمَضَى ثَلَاثُمِائَةٍ مِنْهُمْ إِلَى كِرْمَانَ، وَخَدَمُوا أَبَا الْفَوَارِسِ بْنَ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ صَاحِبَهَا. ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ الْمَغْرِبِيِّ وَابْنِ فَهْدٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ مُعْتَمَدُ الدَّوْلَةِ قِرْوَاشُ بْنُ الْمُقَلَّدِ عَلَى وَزِيرِهِ أَبِي الْقَاسِمِ الْمَغْرِبِيِّ، وَعَلَى أَبِي الْقَاسِمِ سُلَيْمَانَ بْنِ فَهْدٍ بِالْمَوْصِلِ، وَكَانَ ابْنُ فَهْدٍ يَكْتُبُ فِي حَدَاثَتِهِ بَيْنَ يَدَيِ الصَّابِي، وَخَدَمَ الْمُقَلَّدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَأَصْعَدَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَاقْتَنَى بِهَا ضِيَاعًا، وَنَظَرَ فِيهَا لِقِرْوَاشٍ، فَظَلَمَ أَهْلَهَا وَصَادَرَهُمْ، ثُمَّ سَخِطَ قِرْوَاشٌ عَلَيْهِمَا فَحَبَسَهُمَا، وَطُولِبَ سُلَيْمَانُ بِالْمَالِ، فَادَّعَى الْفَقْرَ فَقُتِلَ. وَأَمَّا الْمَغْرِبِيُّ فَإِنَّهُ خَدَعَ قِرْوَاشًا، وَوَعَدَهُ بِمَالٍ لَهُ فِي الْكُوفَةِ وَبَغْدَاذَ، فَأَمَرَ بِحَمْلِهِ وَتُرِكَ. وَفِي قِرْوَاشٍ وَابْنِ فَهْدٍ يَقُولُ الشَّاعِرُ، وَهُوَ ابْنُ الزَّمَكْدَمِ: وَلَيْلٍ كَوَجْهِ الْبَرْقَعِيدِيِّ ظُلْمَةً ... وَبَرْدِ أَغَانِيهِ، وَطُولِ قُرُونِهِ سَرَّيْتُ، وَنَوْمِي فِيهِ نَوْمٌ مُشَرَّدٌ ... كَعَقْلِ سُلَيْمَانَ بْنِ فَهْدٍ وَدِينِهِ

стр. 4396

عَلَى أَوْلَقٍ فِيهِ الْتِفَاتٌ كَأَنَّهُ أَبُو جَابِرٍ فِي خَطْبِهِ وَجُنُونِهِ ... إِلَى أَنْ بَدَا ضَوْءُ الصَّبَاحِ كَأَنَّهُ سَنَا وَجْهِ قِرْوَاشٍ وَضَوْءَ جَبِينِهِ وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ قَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْبَيَانِ عَلَى أَنَّهَا غَايَةٌ فِي الْجَوْدَةِ لَمْ يُقَلْ خَيْرٌ مِنْهَا فِي مَعْنَاهَا. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ قِرْوَاشٍ وَغَرِيبِ بْنِ مَقْنٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، اجْتَمَعَ غَرِيبُ بْنُ مَقْنٍ، وَنُورُ الدَّوْلَةِ دُبَيْسُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَزْيَدٍ الْأَسَدِيُّ، وَأَتَاهُمْ عَسْكَرٌ مِنْ بَغْدَاذَ، فَقَاتَلُوا قِرْوَاشًا، وَمَعَهُ رَافِعُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عِنْدَ كَرْخِ سُرَّ مَنْ رَأَى، فَانْهَزَمَ قِرْوَاشٌ وَمَنْ مَعَهُ، وَأُسِرَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَنُهِبَتْ خَزَائِنَهُ وَأَثْقَالُهُ، وَاسْتَجَارَ رَافِعٌ بِغَرِيبٍ، وَفَتَحُوا تَكْرِيتَ عَنْوَةً، وَعَادَ عَسْكَرُ بَغْدَاذَ إِلَيْهَا بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ. ثُمَّ إِنَّ قِرْوَاشًا خَلَصَ، وَقَصَدَ سُلْطَانَ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ ثِمَالٍ، أَمِيرَ خَفَاجَةَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ، فَعَادَ قِرْوَاشٌ وَانْهَزَمَ ثَانِيًا هُوَ وَسُلْطَانٌ، وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ بَيْنَهُمْ غَرْبَيِ الْفُرَاتِ. وَلَمَّا انْهَزَمَ قِرْوَاشٌ مَدَّ نُوَّابُ السُّلْطَانِ أَيْدِيَهُمْ إِلَى أَعْمَالِهِ، فَأَرْسَلَ يَسْأَلُ الصَّفْحَ عَنْهُ، وَيَبْذُلُ الطَّاعَةَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِيهَا أَغَارَتْ زِنَاتَةُ بِإِفْرِيقِيَّةَ عَلَى دَوَابِّ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ، صَاحِبِ الْبِلَادِ لِيَأْخُذُوهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَامِلُ مَدِينَةِ قَابِسٍ فَقَاتَلَهُمْ فَهَزَمَهُمْ. وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، نَشَأَتْ سَحَابَةٌ بِإِفْرِيقِيَّةَ أَيْضًا شَدِيدَةُ الْبَرْقِ وَالرَّعْدِ

стр. 4397

فَأَمْطَرَتْ حِجَارَةً كَثِيرَةً مَا رَأَى النَّاسُ أَكْبَرَ مِنْهَا، فَهَلَكَ كُلُّ مَنْ أَصَابَهُ (شَيْءٌ مِنْهَا) . [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْعَنْبَرِيُّ الشَّاعِرُ، وَدِيوَانُهُ مَشْهُورٌ، وَمِنْ قَوْلِهِ: ذَنْبِي إِلَى الدَّهْرِ أَنِّي لَمْ أَمُدَّ يَدِي ... فِي الرَّاغِبِينَ، وَلَمْ أَطْلُبْ وَلَمْ أَسَلِ وَأَنَّنِي كُلَّمَا نَابَتْ نَوَائِبُهُ ... أَلْفَيْتَنِي بِالرَّزَايَا غَيْرَ مُحْتَفِلِ

стр. 4398

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤١٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ الْخُطْبَةِ لِمُشَرِّفِ الدَّوْلَةِ بِبَغْدَاذَ وَقَتْلِ وَزِيرِهِ أَبِي غَالِبٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، قُطِعَتْ خُطْبَةُ سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ مِنَ الْعِرَاقِ، وَخُطِبَ لِمُشَرِّفِ الدَّوْلَةِ، فَطَلَبَ الدَّيْلَمُ مِنْ مُشَرِّفِ الدَّوْلَةِ أَنْ يَنْحَدِرُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ بِخُوزِسْتَانَ، فَأَذِنَ لَهُمْ وَأَمَرَ وَزِيرَهُ أَبَا غَالِبٍ بِالِانْحِدَارِ مَعَهُمْ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي إِنْ فَعَلْتُ خَاطَرْتُ بِنَفْسِي، وَلَكِنْ أَبْذُلُهَا فِي خِدْمَتِكَ. ثُمَّ انْحَدَرَ فِي الْعَسَاكِرِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْأَهْوَازِ نَادَى الدَّيْلَمُ بِشِعَارِ سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ، وَهَجَمُوا عَلَى أَبِي غَالِبٍ فَقَتَلُوهُ، فَسَارَ الْأَتْرَاكُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ إِلَى طَرَّادِ بْنِ دُبَيْسٍ الْأَسَدِيِّ بِالْجَزِيرَةِ الَّتِي لِبَنِي دُبْيَسٍ، وَلَمْ يَقْدِرُوا [أَنْ] يَدْفَعُوا عَنْهُ، فَكَانَتْ وَزَارَتُهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَعُمْرُهُ سِتِّينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، فَأُخِذَ وَلَدُهُ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَصُودِرَ عَلَى ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ. فَلَمَّا بَلَغَ سُلْطَانَ الدَّوْلَةِ قَتْلُهُ اطْمَأَنَّ، وَقَوِيَتْ نَفْسُهُ، وَكَانَ قَدْ خَافَهُ، وَأَنْفَذَ ابْنَهُ أَبَا كَالِيجَارَ إِلَى الْأَهْوَازِ فَمَلَكَهَا. ذِكْرُ وَفَاةِ صَدَقَةَ صَاحِبِ الْبَطِيحَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَرِضَ صَدَقَةُ صَاحِبُ الْبَطِيحَةِ، فَقَصَدَهَا أَبُو الْهَيْجَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ، فِي صَفَرٍ، لِيَمْلِكَهَا، وَكَانَ أَبُو الْهَيْجَاءِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ قَدْ تَمَزَّقَ فِي الْبِلَادِ ; تَارَةً بِمِصْرَ، وَتَارَةً عِنْدَ بَدْرِ بْنِ حَسَنَوَيْهِ، وَتَارَةً بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا وَلِيَ الْوَزِيرُ أَبُو غَالِبٍ أَنْفَقَ عَلَيْهِ لِأَدَبٍ كَانَ فِيهِ، فَكَاتَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْبَطِيحَةِ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ فَسَارَ إِلَيْهِمْ

стр. 4399

فَسَمِعَ بِهِ صَدَقَةُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَوْمَيْنِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا فَقَاتَلُوهُ فَانْهَزَمَ أَبُو الْهَيْجَاءِ وَأُخِذَ أَسِيرًا فَأَرَادَ اسْتِبْقَاءَهُ فَمَنَعَهُ سَابُورُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ بْنِ مَرْوَانَ وَقَتَلَهُ بِيَدِهِ. ثُمَّ تُوُفِّيَ صَدَقَةُ، بَعْدَ قَتْلِهِ، فِي صَفَرٍ فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْبَطِيحَةِ عَلَى وِلَايَةِ سَابُورَ بْنِ الْمَرْزُبَانِ فَوَلِيَهُمْ وَكَتَبَ إِلَى مُشَرِّفِ الدَّوْلَةِ يَطْلُبُ أَنْ يُقَرِّرَ عَلَيْهِ مَا كَانَ عَلَى صَدَقَةَ مِنَ الْحَمْلِ، وَيَسْتَعْمِلَ عَلَى الْبَطِيحَةِ فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَزَادَ فِي الْقَرَارِ عَلَيْهِ وَاسْتَقَرَّ فِي الْأَمْرِ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا نَصْرٍ شِيرَازَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ مَرْوَانَ زَادَ فِي الْمُقَاطَعَةِ، فَلَمْ يَدْخُلْ سَابُورُ فِي الزِّيَادَةِ، فَوَلِيَ أَبُو نَصْرٍ الْبَطِيحَةَ، وَسَارَ إِلَيْهَا وَفَارَقَهَا سَابُورُ إِلَى جَزِيرَةِ بَنِي دُبَيْسٍ، وَاسْتَقَرَّ أَبُو نَصْرٍ فِي الْوِلَايَةِ، وَأَمِنَتْ بِهِ الطُّرُقُ. [ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ هِلَالٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْبَوَّابِ، الْكَاتِبُ الْمَشْهُورُ، وَإِلَيْهِ انْتَهَى الْخَطُّ، وَدُفِنَ بِجِوَارِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَكَانَ يَقُصُّ بِجَامِعِ بَغْدَاذَ، وَرَثَاهُ الْمُرْتَضَى، وَقِيلَ كَانَ مَوْتُهُ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. وَفِيهَا حَجَّ النَّاسُ مِنَ الْعِرَاقِ، وَكَانَ قَدِ انْقَطَعَ سَنَةَ عَشْرٍ وَسَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةُ قَصَدَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ خُرَاسَانَ السُّلْطَانَ مَحْمُودَ بْنَ سُبُكْتِكِينَ وَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ أَعْظَمُ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ، وَأَثَرُكَ فِي الْجِهَادِ مَشْهُورٌ، وَالْحَجُّ قَدِ انْقَطَعَ كَمَا تَرَى، وَالتَّشَاغُلُ بِهِ وَاجِبٌ، وَقَدْ كَانَ بَدْرُ بْنُ حَسَنَوَيْهِ، وَفِي أَصْحَابِكَ كَثِيرٌ أَعْظَمُ مِنْهُ، يَسِيرُ الْحَاجُّ بِتَدْبِيرِهِ، وَمَا لَهُ عِشْرُونَ، فَاجْعَلْ لِهَذَا الْأَمْرِ حَظًّا مِنِ اهْتِمَامِكَ. فَتَقَدَّمَ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ النَّاصِحِيِّ قَاضِي قُضَاةِ بِلَادِهِ بِأَنْ يَسِيرَ بِالْحَاجِّ، وَأَعْطَاهُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ يُعْطِيهَا لِلْعَرَبِ وَسِوَى النَّفَقَةِ فِي الصَّدَقَاتِ، وَنَادَى فِي خُرَاسَانَ بِالتَّأَهُّبِ لِلْحَجِّ، فَاجْتَمَعَ خَلْقٌ عَظِيمٌ، وَسَارُوا، وَحَجَّ بِهِمْ أَبُو الْحَسَنِ الْأَقْسَاسِيُّ، فَلَمَّا

стр. 4400

بَلَغُوا فَيْدَ حَصَرَهُمُ الْعَرَبُ، فَبَذَلَ لَهُمُ النَّاصِحِيُّ خَمْسَةَ آلَافِ دِينَارٍ، فَلَمْ يَقْنَعُوا، وَصَمَّمُوا الْعَزْمَ عَلَى أَخْذِ الْحَاجِّ، وَكَانَ مُقَدَّمَهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ حِمَارُ بْنُ عُدَيٍّ، بِضَمِّ الْعَيْنِ، مِنْ بَنِي نَبْهَانَ فَرَكِبَ فَرَسَهُ، وَعَلَيْهِ دِرْعُهُ وَسِلَاحُهُ، وَجَالَ جَوْلَةً يُرْهِبُ بِهَا، وَكَانَ مِنْ سَمَرْقَنْدَ شَابٌّ يُوصَفُ بِجَوْدَةِ الرَّمْيِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ، وَسَلِمَ الْحَاجُّ فَحَجُّوا، وَعَادُوا سَالِمِينَ. وَفِيهَا قَلَّدَ أَبُو جَعْفَرٍ السِّمْنَانِيُّ الْحِسْبَةَ، وَالْمَوَارِيثَ، بِبَغْدَاذَ، وَالْمَوْتَى. [الْوَفَيَاتُ] وَتُوُفِّيَ هَذِهِ السَّنَةَ أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَالِينِيُّ الصُّوفِيُّ بِمِصْرَ، فِي شَوَّالٍ، وَهُوَ مِنَ الْمُكْثِرِينَ فِي الْحَدِيثِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ رِزْقٍ الْبَزَّازُ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَزْقَوَيْهِ، شَيْخُ الْخَطِيبِ أَبِي بَكْرٍ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ فَقِيهًا شَافِعِيًّا، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ السُّلَمِيُّ الصُّوفِيُّ، النَّيْسَابُورِيُّ، صَاحِبُ " طَبَقَاتِ الصُّوفِيَّةِ "، وَأَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ النَّيْسَابُورِيُّ، الصُّوفِيُّ، شَيْخُ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ (وَأَبُو الْفَتْحِ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ) .

стр. 4401

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤١٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ الصُّلْحِ بَيْنَ سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ وَمُشَرِّفِ الدَّوْلَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اصْطَلَحَ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ وَأَخُوهُ مُشَرِّفُ الدَّوْلَةِ وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَكَانَ الصُّلْحُ بِسَعْيٍ مِنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ مُكْرَمٍ، وَمُؤَيِّدِ الْمُلْكِ الرُّخَّجِيِّ وَزِيرِ مُشَرِّفِ الدَّوْلَةِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ الْعِرَاقُ جَمِيعُهُ لِمُشَرِّفِ الدَّوْلَةِ، وَفَارِسُ وَكِرْمَانُ لِسُلْطَانِ الدَّوْلَةِ. ذِكْرُ قَتْلِ الْمُعِزِّ وَزِيرَهُ وَصَاحِبَ جَيْشِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ الْمُعِزُّ بْنُ بَادِيسَ، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ، وَزِيرَهُ وَصَاحِبَ جَيْشِهِ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَقَامَ سَبْعَ سِنِينَ لَمْ يَحْمِلْ إِلَى الْمُعِزِّ مِنَ الْأَمْوَالِ شَيْئًا بَلْ يَجْبِيهَا وَيَرْفَعُهَا عِنْدَهُ، وَطَمِعَ طَمَعًا عَظِيمًا، لَا يُصْبَرُ عَلَى مِثْلِهِ، بِكَثْرَةِ أَتْبَاعِهِ، وَلِأَنَّ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بِطَرَابُلُسَ الْغَرْبِ مُجَاوِرٌ لِزِنَاتَةَ، وَهُمْ أَعْدَاءُ دَوْلَتِهِ، فَصَارَ الْمُعِزُّ لَا يُكَاتِبُ مَلِكًا، وَلَا يُرَاسِلُهُ، إِلَّا وَيَكْتُبُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُعِزِّ وَقَتَلَهُ. يُحْكَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: سَهِرْتُ لَيْلَةً أُفَكِّرُ فِي شَيْءٍ أُحْدِثُهُ فِي النَّاسِ وَأُخْرِجُهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْخَدَمِ الَّتِي الْتَزَمْتُهَا، فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبَ، وَكَانَ

стр. 4402

وَزِيرًا لِبَادِيسَ، وَالِدِ هَذَا الْمُعِزِّ، وَكَانَ عَظِيمَ الْقَدْرِ وَالْمَحَلِّ، وَهُوَ يَقُولُ لِي: اتَّقِ اللَّهَ، أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فِي النَّاسِ كَافَّةً، وَفِي نَفْسِكَ خَاصَّةً، فَقَدْ أَسَهَرْتَ عَيْنَيْكَ، وَأَبْرَمْتَ حَافِظَيْكَ، وَقَدْ بَدَا لِي مِنْكَ مَا خَفِيَ عَلَيْكَ، وَعَنْ قَلِيلٍ تَرِدُ عَلَى مَا وَرَدْنَا، وَتُقْدِمُ عَلَى مَا قَدِمْنَا. فَاكْتُبْ عَنِّي مَا أَقُولُ فَإِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا. فَأَمْلَى عَلَيَّ (هَذِهِ الْأَبْيَاتَ) : وُلِّيتَ، وَقَدْ رَأَيْتَ مَصِيرَ قَوْمٍ ... هُمْ كَانُوا السَّمَاءَ وَكُنْتَ أَرْضَا سَمَوْا دَرَجَ الْعُلَى حَتَّى اطْمَأَنُّوا ... وَهَدَّ بِهِمْ، فَعَادَ الرَّفْعُ خَفْضَا وَأَعْظَمُ أُسْوَةٍ لَكَ بِي لِأَنِّي ... مَلَكْتُ وَلَمْ أَعِشْ طُولًا وَعَرْضَا فَلَا تَغْتَرَّ بِالدُّنْيَا وَأَقْصِرْ ... فَإِنَّ أَوَانَ أَمْرِكَ قَدْ تَقَضَّى قَالَ: فَانْتَبَهْتُ مَرْعُوبًا، وَرَسَخَتِ الْأَبْيَاتُ فِي حِفْظِي، فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذَا الْمَنَامِ غَيْرُ شَهْرَيْنِ حَتَّى قُتِلَ. وَلَمَّا وَصَلَ خَبَرُ قَتْلِهِ إِلَى أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بِطَرَابُلُسَ بَعَثَ إِلَى زِنَاتَةَ فَعَاهَدَهُمْ، وَأَدْخَلَهُمْ مَدِينَةَ طَرَابُلُسَ، فَقَتَلُوا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ صِنْهَاجَةَ وَسَائِرِ الْجَيْشِ، وَأَخَذُوا الْمَدِينَةَ. فَلَمَّا سَمِعَ الْمُعِزُّ ذَلِكَ أَخَذَ أَوْلَادَ عَبْدِ اللَّهِ وَنَفَرًا مِنْ أَهْلِهِمْ فَحَبَسَهُمْ، ثُمَّ قَتَلَهُمْ بَعْدَ أَيَّامٍ، لِأَنَّ نِسَاءَ الْمَقْتُولِينَ بِطَرَابُلُسَ اسْتَغَثْنَ إِلَى الْمُعِزِّ فِي قَتْلِهِمْ فَقَتَلَهُمْ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا كَانَ بِإِفْرِيقِيَّةَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ، وَمَجَاعَةٌ عَظِيمَةٌ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهَا فِي تَعَذُّرِ الْأَقْوَاتِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ فِيهَا أَحَدٌ بِسَبَبِ الْجُوعِ، وَلَمْ يَجِدِ النَّاسُ كَبِيرَ مَشَقَّةٍ. وَفِيهَا، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ اسْتَوْزَرَ مُشَرِّفُ الدَّوْلَةِ أَبَا الْحُسَيْنِ بْنَ الْحَسَنِ الرُّخَّجِيَّ

стр. 4403

وَلُقِّبَ مُؤَيِّدَ الْمُلْكِ، وَامْتَدَحَهُ مِهْيَارُ وَغَيْرُهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ وَبَنَى مَارَسْتَانًا بِوَاسِطٍ، وَأَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الْأَدْوِيَةِ وَالْأَشْرِبَةِ، وَرَتَّبَ لَهُ الْخُزَّانَ وَالْأَطِبَّاءَ، وَوَقَفَ عَلَيْهِ الْوُقُوفَ الْكَثِيرَةَ، وَكَانَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْوَزَارَةَ فَيَأْبَاهَا، فَلَمَّا قُتِلَ أَبُو غَالِبٍ أَلْزَمَهُ بِهَا مُشَرِّفُ الدَّوْلَةِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِامْتِنَاعِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى السُّكَّرِيُّ شَاعِرُ السُّنَّةِ، وَمَوْلِدُهُ بِبَغْدَاذَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. وَكَانَ قَدْ قَرَأَ الْكَلَامَ عَلَى الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ، (وَإِنَّمَا سُمِّيَ شَاعِرَ السُّنَّةِ لِأَنَّهُ أَكْثَرَ مَدْحَ الصَّحَابَةِ، وَمُنَاقَضَاتِ شُعَرَاءِ الشِّيعَةِ) . وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَلِيٍّ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْعَلَوِيُّ، وَأَخَذَ السُّلْطَانُ مَالَهُ جَمِيعَهُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُعَلِّمِ، فَقِيهُ الْإِمَامِيَّةِ، وَرَثَاهُ الْمُرْتَضَى.

стр. 4404

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤١٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ عَلَى هَمَذَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْلَى أَبُو جَعْفَرِ بْنُ كَاكَوَيْهِ عَلَى هَمَذَانَ وَمَلَكَهَا وَكَذَلِكَ غَيْرَهَا مِمَّا يُقَارِبُهَا. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ فَرْهَاذَ بْنَ مَرْدَاوِيجَ الدَّيْلَمِيَّ، مُقْطَعُ بُرُوجِرْدَ، قَصَدَهُ سَمَاءُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ شَمْسِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، صَاحِبُ هَمَذَانَ، وَحَصَرَهُ فَالْتَجَأَ فَرْهَاذُ إِلَى عَلَاءِ الدَّوْلَةِ، فَحَمَاهُ وَمَنَعَ عَنْهُ، وَسَارَا جَمِيعًا إِلَى هَمَذَانَ فَحَصَرَاهَا وَقَطَعَا الْمِيرَةَ عَنْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا مَنْ بِهَا مِنَ الْعَسْكَرِ، فَاقْتَتَلُوا فَرَحَلَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ إِلَى جَرَبَاذَقَانَ، فَهَلَكَ مِنْ عَسْكَرِهِ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ. فَسَارَ إِلَيْهِ تَاجُ الْمُلْكِ الْقُوهِيُّ، مُقَدَّمُ عَسْكَرِ هَمَذَانَ، فَحَصَرَهُ بِهَا، فَصَانَعَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ الْأَكْرَادَ الَّذِينَ مَعَ تَاجِ الْمُلْكِ، فَرَحَلُوا عَنْهُ، فَخَلَصَ مِنَ الْحِصَارِ، وَشَرَعَ بِالتَّجَهُّزِ لِيُعَاوِدَ حِصَارَ هَمَذَانَ، فَأَكْثَرَ مِنَ الْجُمُوعِ، وَسَارَ إِلَيْهَا. فَلَقِيَهُ سَمَاءُ الدَّوْلَةِ فِي عَسَاكِرِهِ وَمَعَهُ تَاجُ الْمُلْكِ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ هَمَذَانَ، وَمَضَى تَاجُ الْمُلْكِ إِلَى قَلْعَةٍ فَاحْتَمَى بِهَا، وَتَقَدَّمَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ إِلَى سَمَاءِ الدَّوْلَةِ، فَتَرَجَّلَ لَهُ وَخَدَمَهُ، وَأَخَذَهُ وَأَنْزَلَهُ فِي خَيْمَتِهِ وَحَمَلَ إِلَيْهِ الْمَالَ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَسَارَ وَهُوَ مَعَهُ إِلَى الْقَلْعَةِ الَّتِي بِهَا تَاجُ الْمُلْكِ، فَحَصَرَهُ وَقَطَعَ الْمَاءَ عَنِ الْقَلْعَةِ، فَطَلَبَ تَاجُ الْمُلْكِ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُ فَنَزَلَ إِلَيْهِ، وَدَخَلَ مَعَهُ هَمَذَانَ.

стр. 4405

وَلَمَّا مَلَكَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ هَمَذَانَ سَارَ إِلَى الدِّينَوَرِ فَمَلَكَهَا، ثُمَّ إِلَى سَابُورَ خُوَاسْتَ فَمَلَكَهَا أَيْضًا، وَجَمَعَ تِلْكَ الْأَعْمَالَ، وَقَبَضَ عَلَى أُمَرَاءِ الدَّيْلَمِ (الَّذِينَ بِهَمَذَانَ) ، وَسَجَنَهُمْ بِقَلْعَةٍ عِنْدَ أَصْبَهَانَ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَأَقْطَاعَهُمْ، وَأَبْعَدَ كُلَّ مَنْ فِيهِ شَرٌّ مِنَ الدَّيْلَمِ، وَتَرَكَ عِنْدَهُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا شَرَّ فِيهِ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ، فَقَامَتْ هَيْبَتُهُ، وَخَافَهُ النَّاسُ، وَضَبَطَ الْمَمْلَكَةَ. وَقَصَدَ حُسَامَ الدَّوْلَةِ أَبَا الشَّوْكِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُشَرِّفُ الدَّوْلَةِ يَشْفَعُ فِيهِ، فَعَادَ عَنْهُ. ذِكْرُ وَزَارَةِ أَبِي الْقَاسِمِ الْمَغْرِبِيِّ لِمُشَرِّفِ الدَّوْلَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ مُشَرِّفُ الدَّوْلَةِ عَلَى وَزِيرِهِ مُؤَيِّدِ الْمُلْكِ الرُّخَّجِيِّ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانَتْ وَزَارَتُهُ سَنَتَيْنِ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ أَنَّ الْأَثِيرَ الْخَادِمَ تَغَيَّرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ صَادِرَ ابْنَ شَعْيَا الْيَهُودِيَّ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَانَ مُتَعَلِّقًا عَلَى الْأَثِيرِ، فَسَعَى وَعَزَلَهُ، وَاسْتَوْزَرَ بَعْدَهُ أَبَا الْقَاسِمِ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمَغْرِبِيَّ، وَمَوْلِدُهُ بِمِصْرَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَصْحَابِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ فِي هَمَذَانَ، فَسَارَ إِلَى مِصْرَ، فَتَوَلَّى بِهَا، فَقَتَلَهُ الْحَاكِمُ، فَهَرَبَ وَلَدُهُ أَبُو الْقَاسِمِ إِلَى الشَّامِ، وَقَصَدَ حَسَّانَ بْنَ الْفَرَجِ بْنِ الْجَرَّاحِ الطَّائِيَّ، وَحَمَلَهُ عَلَى مُخَالَفَةِ الْحَاكِمِ وَالْخُرُوجِ عَنْ طَاعَتِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَحَسَّنَ لَهُ أَنْ يُبَايِعَ أَبَا الْفُتُوحِ الْحَسَنَ بْنَ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيَّ، أَمِيرَ مَكَّةَ، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ، وَاسْتَقْدَمَهُ إِلَى الرَّمْلَةِ، وَخُوطِبَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَأَنْفَذَ الْحَاكِمُ إِلَى حَسَّانَ مَالًا جَلِيلًا، وَأَفْسَدَ مَعَهُ حَالَ أَبِي الْفُتُوحِ، فَأَعَادَهُ حَسَّانُ إِلَى وَادِي الْقُرَى، وَسَارَ أَبُو الْفُتُوحِ مِنْهُ إِلَى مَكَّةَ. ثُمَّ قَصَدَ أَبُو الْقَاسِمِ الْعِرَاقَ

стр. 4406

وَاتَّصَلَ بِفَخْرِ الْمُلْكِ، فَاتَّهَمَهُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ لِأَنَّهُ مِنْ مِصْرَ، فَأَبْعَدَهُ فَخْرُ الْمُلْكِ، فَقَصَدَ قِرْوَاشًا بِالْمَوْصِلِ، فَكَتَبَ لَهُ، ثُمَّ عَادَ عَنْهُ وَتَنَقَّلَتْ بِهِ الْحَالُ إِلَى أَنْ وَزَرَ بَعْدَ مُؤَيِّدِ الْمُلْكِ الرُّخَّجِيِّ. وَكَانَ خَبِيثًا، مُحْتَالًا، حَسُودًا، إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ ذُو فَضِيلَةٍ سَأَلَهُ عَنْ غَيْرِهَا لِيُظْهِرَ لِلنَّاسِ جَهْلَهُ. وَفِيهَا، فِي الْمُحَرَّمِ، قَدِمَ مُشَرِّفُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ، وَلَقِيَهُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ فِي الطَّيَّارِ، وَعَلَيْهِ السَّوَادُ، وَلَمْ يَلْقَ قَبْلَهُ أَحَدًا مِنْ مُلُوكِ بَنِي بُوَيْهِ. وَفِيهَا قُتِلَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ سَهْلَانَ، قَتَلَهُ نَبْكِيرُ بْنُ عِيَاضٍ عِنْدَ إِيذَجَ. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِمَكَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ مِصْرَ، بِإِحْدَى يَدَيْهِ سَيْفٌ مَسْلُولٌ، وَفِي الْأُخْرَى دَبُّوسٌ، بَعْدَمَا فَرَغَ الْإِمَامُ مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَصَدَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ كَأَنَّهُ يَسْتَلِمُهُ، فَضَرَبَ الْحَجَرَ ثَلَاثَ ضَرَبَاتٍ بِالدَّبُّوسِ، وَقَالَ: إِلَى مَتَى يُعْبَدُ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَمُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ؟ فَلْيَمْنَعْنِي مَانِعٌ مِنْ هَذَا، فَإِنِّي أُرِيدُ [أَنْ] أَهْدِمَ الْبَيْتَ. فَخَافَ أَكْثَرُ الْحَاضِرِينَ وَتَرَاجَعُوا عَنْهُ، وَكَادَ يُفْلِتُ فَثَارَ بِهِ رَجُلٌ فَضَرَبَهُ بِخِنْجَرٍ فَقَتَلَهُ، وَقَطَّعَهُ النَّاسُ وَأَحْرَقُوهُ، وَقُتِلَ مِمَّنِ اتُّهِمَ بِمُصَاحَبَتِهِ جَمَاعَةٌ وَأُحْرِقُوا، وَثَارَتِ الْفِتْنَةُ، وَكَانَ الظَّاهِرُ مِنَ الْقَتْلَى أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ رَجُلًا غَيْرَ مَنِ اخْتَفَى مِنْهُمْ. وَأَلَحَّ النَّاسُ، ذَلِكَ الْيَوْمَ، عَلَى الْمَغَارِبَةِ وَالْمِصْرِيِّينَ بِالنَّهْبِ وَالسَّلْبِ، وَعَلَى

стр. 4407

غَيْرِهِمْ فِي طَرِيقِ مِنًى إِلَى الْبَلَدِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مَاجَ النَّاسُ وَاضْطَرَبُوا، وَأَخَذُوا أَرْبَعَةً مِنْ أَصْحَابِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقَالُوا: نَحْنُ مِائَةُ رَجُلٍ فَضُرِبَتْ أَعْنَاقُ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَتَقَشَّرَ بَعْضُ وَجْهِ الْحَجَرِ مِنَ الضَّرَبَاتِ، فَأُخِذَ ذَلِكَ الْفُتَاتُ وَعُجِنَ بِلَكٍّ وَأُعِيدَ إِلَى مَوْضِعِهِ. ذِكْرُ فَتْحِ (قَلْعَةٍ مِنَ) الْهِنْدِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَوْغَلَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ فِي بِلَادِ الْهِنْدِ، فَغَنِمَ وَقَتَلَ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى قَلْعَةٍ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ مَنِيعٍ، وَلَيْسَ لَهُ مِصْعَدٌ إِلَّا مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهِيَ كَبِيرَةٌ تَسَعُ خَلْقًا، وَبِهَا خَمْسُمِائَةِ فِيلٍ، وَفِي رَأْسِ الْجَبَلِ مِنَ الْغَلَّاتِ، وَالْمِيَاهِ، وَجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَحَصَرَهُمْ يَمِينُ الدَّوْلَةِ، وَأَدَامَ الْحِصَارَ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَمَرَّ الْقِتَالُ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ. فَلَمَّا رَأَوْا مَا حَلَّ بِهِمْ أَذْعَنُوا لَهُ، وَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ وَأَقَرَّ مَلِكَهُمْ فِيهَا عَلَى خَرَاجٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ، وَأَهْدَى لَهُ هَدَايَا كَثِيرَةً، مِنْهَا طَائِرٌ عَلَى هَيْئَةِ الْقُمْرِيِّ مِنْ خَاصِّيَّتِهِ إِذَا أُحْضِرَ الطَّعَامُ وَفِيهِ سُمٌّ دَمَعَتْ عَيْنَا هَذَا الطَّائِرِ وَجَرَى مِنْهُمَا مَاءٌ وَتَحَجَّرَ، فَإِذَا حُكَّ وَجُعِلَ عَلَى الْجِرَاحَاتِ الْوَاسِعَةِ أَلْحَمَهَا.

стр. 4408

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ [الْوَفَيَاتُ] فِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُعْتَزِلِيُّ الرَّازِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْكَلَامِ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِمَدِينَةِ الرَّيِّ، وَقَدْ جَاوَزَ تِسْعِينَ سَنَةً، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكَشْفُلِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ. وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ النَّسَفِيُّ، وَكَانَ زَاهِدًا مُصَنِّفًا (وَهِلَالُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ أَبُو الْفَتْحِ الْحَفَّارُ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْحَدِيثِ، عَالِيَ الْإِسْنَادِ) .

стр. 4409

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤١٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ الْخُلْفِ بَيْنَ مُشَرِّفِ الدَّوْلَةِ وَالْأَتْرَاكِ وَعَزْلِ الْوَزِيرِ الْمَغْرِبِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَأَكَّدَتِ الْوَحْشَةُ بَيْنَ الْأَثِيرِ عَنْبَرٍ الْخَادِمِ، وَمَعَهُ الْوَزِيرُ ابْنُ الْمَغْرِبِيِّ، وَبَيْنَ الْأَتْرَاكِ، فَاسْتَأْذَنَ الْأَثِيرُ وَالْوَزِيرُ ابْنُ الْمَغْرِبِيِّ الْمَلِكَ مُشَرِّفَ الدَّوْلَةِ فِي الِانْتِزَاحِ إِلَى بَلَدٍ يَأْمَنَانِ فِيهِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا، فَقَالَ: أَنَا أَسِيرُ مَعَكُمَا. فَسَارُوا جَمِيعًا وَمَعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ مُقَدَّمِي الدَّيْلَمِ إِلَى السِّنْدِيَّةِ، وَبِهَا قِرْوَاشٌ، فَأَنْزَلَهُمْ، ثُمَّ سَارُوا كُلُّهُمْ إِلَى أَوَانَا. فَلَمَّا عَلِمَ الْأَتْرَاكُ ذَلِكَ عَظُمَ عَلَيْهِمْ، وَانْزَعَجُوا مِنْهُ، وَأَرْسَلُوا الْمُرْتَضَى وَأَبَا الْحَسَنِ الزَّيْنَبِيَّ وَجَمَاعَةً مِنْ قُوَّادِ الْأَتْرَاكِ يَعْتَذِرُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْعَبِيدُ فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَبُو الْقَاسِمِ الْمَغْرِبِيُّ: إِنَّنِي تَأَمَّلْتُ مَا لَكَمَ مِنَ الْجَامَكِيَّاتِ، فَإِذَا هِيَ سِتُّمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَعَمِلْتُ دَخْلَ بَغْدَاذَ، فَإِذَا هُوَ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَإِنْ أَسْقَطْتُمْ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ تَحَمَّلْتُ بِالْبَاقِي فَقَالُوا: نَحْنُ نُسْقِطُهَا، فَاسْتَشْعَرَ مِنْهُمْ أَبُو الْقَاسِمِ الْمَغْرِبِيُّ، فَهَرَبَ إِلَى قِرْوَاشٍ، فَكَانَتْ وَزَارَتُهُ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا أَبْعَدَ خَرَجَ الْأَتْرَاكُ فَسَأَلُوا الْمَلِكَ وَالْأَثِيرَ الِانْحِدَارَ مَعَهُمْ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ (وَانْحَدَرُوا جَمِيعُهُمْ) . ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِالْكُوفَةِ وَوَزَارَةِ أَبِي الْقَاسِمِ الْمَغْرِبِيِّ لِابْنِ مَرْوَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بِالْكُوفَةِ بَيْنَ الْعَلَوِيِّينَ وَالْعَبَّاسِيِّينَ.

стр. 4410

وَسَبَبُهَا أَنَّ الْمُخْتَارَ أَبَا عَلِيِّ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَلَوِيَّ وَقَعَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّكِيِّ أَبِي عَلِيٍّ النَّهْرَسَابُسِيِّ، وَبَيْنَ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ بْنِ عُمَرَ مُبَايَنَةٌ، فَاعْتَضَدَ، الْمُخْتَارُ بِالْعَبَّاسِيِّينَ، فَسَارُوا إِلَى بَغْدَاذَ، وَشَكَوْا مَا يَفْعَلُ بِهِمُ النَّهْرَسَابُسِيُّ، فَتَقَدَّمَ الْخَلِيفَةُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ مُرَاعَاةً لِأَبِي الْقَاسِمِ الْوَزِيرِ الْمَغْرِبِيِّ لِأَنَّ النَّهْرَسَابُسِيَّ كَانَ صَدِيقَهُ، وَابْنُ أَبِي طَالِبٍ كَانَ صِهْرَهُ، فَعَادُوا، وَاسْتَعَانَ كُلُّ فَرِيقٍ بِخَفَاجَةَ، فَأَعَانَ كُلَّ فَرِيقٍ مِنَ الْكُوفِيِّينَ طَائِفَةٌ مِنْ خَفَاجَةَ، فَجَرَى بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، فَظَهَرَ الْعَلَوِيُّونَ، وَقُتِلَ مِنَ الْعَبَّاسِيِّينَ سِتَّةُ نَفَرٍ، وَأُحْرِقَتْ دُورُهُمْ وَنُهِبَتْ، فَعَادُوا إِلَى بَغْدَاذَ وَمُنِعُوا مِنَ الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَثَارُوا، وَقَتَلُوا ابْنَ أَبِي الْعَبَّاسِ الْعَلَوِيَّ وَقَالُوا: إِنَّ أَخَاهُ كَانَ فِي جُمْلَةِ الْفَتَكَةِ بِالْكُوفَةِ. فَبَرَزَ أَمْرُ الْخَلِيفَةِ إِلَى الْمُرْتَضَى يَأْمُرُهُ بِصَرْفِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ نِقَابَةِ الْكُوفَةِ وَرَدِّهَا إِلَى الْمُخْتَارِ، فَأَنْكَرَ الْوَزِيرُ الْمَغْرِبِيُّ مَا يَجْرِي عَلَى صِهْرِهِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْعَزْلِ وَكَانَ عِنْدَ قِرْوَاشٍ بِسُرَّ مَنْ رَأَى، فَاعْتَرَضَ أَرْحَاءً كَانَتْ لِلْخَلِيفَةِ بِدَرْزِيجَانَ، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ الْقَاضِيَ أَبَا جَعْفَرٍ السِّمْنَانِيَّ فِي رِسَالَةٍ إِلَى قِرْوَاشٍ يَأْمُرُهُ بِإِبْعَادِ الْمَغْرِبِيِّ عَنْهُ فَفَعَلَ، فَسَارَ الْمَغْرِبِيُّ إِلَى ابْنِ مَرْوَانَ بِدِيَارِ بَكْرٍ، وَغَضِبَ الْخَلِيفَةُ عَلَى النَّهْرَسَابُسِيِّ، وَبَقِيَ تَحْتَ السُّخْطِ إِلَى سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَشَفَعَ فِيهِ الْأَتْرَاكُ وَغَيْرُهُمْ، فَرَضِيَ عَنْهُ، وَحَلَّفَهُ عَلَى الطَّاعَةِ فَحَلَفَ. ذِكْرُ وَفَاةِ سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ وَمُلْكِ وَلَدِهِ أَبِي كَالِيجَارَ وَقَتْلِ ابْنِ مُكْرَمٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، تُوُفِّيَ الْمَلِكُ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ (أَبُو شُجَاعِ بْنُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ أَبِي نَصْرِ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ) بِشِيرَازَ، وَكَانَ عُمْرُهُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ.

стр. 4411

وَكَانَ ابْنُهُ أَبُو كَالِيجَارَ بِالْأَهْوَازِ، فَطَلَبَهُ الْأَوْحَدُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مُكْرَمٍ لِيَمْلِكَ بَعْدَ أَبِيهِ، وَكَانَ هَوَاهُ مَعَهُ، وَكَانَ الْأَتْرَاكُ يُرِيدُونَ عَمَّهُ أَبَا الْفَوَارِسِ بْنَ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، صَاحِبَ كِرْمَانَ، فَكَاتَبُوهُ يَطْلُبُونَهُ إِلَيْهِمْ أَيْضًا، فَتَأَخَّرَ أَبُو كَالِيجَارَ عَنْهَا، فَسَبَقَهُ عَمُّهُ أَبُو الْفَوَارِسِ إِلَيْهَا فَمَلَكَهَا. وَكَانَ أَبُو الْمَكَارِمِ بْنُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ مُكْرَمٍ قَدْ أَشَارَ عَلَى أَبِيهِ، لَمَّا رَأَى الِاخْتِلَافَ، أَنْ يَسِيرَ إِلَى مَكَانٍ يَأْمَنُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُ، فَسَارَ وَتَرَكَهُ وَقَصَدَ الْبَصْرَةَ فَنَدِمَ أَبُوهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَادِلُ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ مَافَنَّةَ: الْمَصْلَحَةُ أَنْ تَقْصِدَ سِيرَافَ، وَتَكُونَ مَالِكَ أَمْرِكَ، وَابْنُكَ أَبُو الْقَاسِمِ بِعُمَانَ، فَتَحْتَاجُ الْمُلُوكُ إِلَيْكَ. فَرَكِبَ سَفِينَةً لِيَمْضِيَ إِلَيْهَا، فَأَصَابَهُ بَرْدٌ، فَبَطَلَ عَنِ الْحَرَكَةِ، وَأَرْسَلَ الْعَادِلَ بْنَ مَافَنَّةَ إِلَى كِرْمَانَ لِإِحْضَارِ أَبِي الْفَوَارِسِ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْعَادِلُ، وَأَبْلَغَهُ رِسَالَةَ ابْنِ مُكْرَمٍ بِاسْتِدْعَائِهِ، فَسَارَ مُجِدًّا وَمَعَهُ الْعَادِلُ، فَوَصَلُوا إِلَى فَارِسَ، وَخَرَجَ ابْنُ مُكْرَمٍ يَلْتَقِي أَبَا الْفَوَارِسِ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَطَالَبَهُ الْأَجْنَادُ بِحَقِّ الْبَيْعَةِ، فَأَحَالَهُمْ عَلَى ابْنِ مُكْرَمٍ، فَتَضَجَّرَ ابْنُ مُكْرَمٍ، فَقَالَ لَهُ الْعَادِلُ: الرَّأْيُ أَنْ تَبْذُلَ مَالَكَ وَأَمْوَالَنَا حَتَّى تَمْشِيَ الْأُمُورُ، فَانْتَهَرَهُ فَسَكَتَ، وَتَلَوَّمَ ابْنُ مُكْرَمٍ بِإِيصَالِ الْمَالِ إِلَى الْأَجْنَادِ، فَشَكَوْهُ إِلَى أَبِي الْفَوَارِسِ فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْعَادِلِ بْنِ مَافَنَّةَ، ثُمَّ قَتَلَ ابْنَ مُكْرَمٍ وَاسْتَبْقَى ابْنَ مَافَنَّةَ. فَلَمَّا سَمِعَ ابْنُهُ أَبُو الْقَاسِمِ بِقَتْلِهِ صَارَ مَعَ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ وَأَطَاعَهُ، وَتَجَهَّزَ أَبُو كَالِيجَارَ، وَقَامَ بِأَمْرِهِ أَبُو مُزَاحِمٍ صَنْدَلٌ الْخَادِمُ، وَكَانَ مُرَبِّيهِ، وَسَارُوا بِالْعَسَاكِرِ إِلَى فَارِسَ، فَسَيَّرَ عَمُّهُ أَبُو الْفَوَارِسِ عَسْكَرًا مَعَ وَزِيرِهِ أَبِي مَنْصُورٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْفَسَوِيِّ لِقِتَالِهِ، فَوَصَلَ أَبُو كَالِيجَارَ وَالْوَزِيرُ مُتَهَاوِنٌ بِهِ لِكَثْرَةِ عَسْكَرِهِ، فَأَتَوْهُ وَهُوَ نَائِمٌ، وَقَدْ تَفَرَّقَ عَسْكَرُهُ فِي الْبَلَدِ يَبْتَاعُونَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ جَاهِلًا بِالْحَرْبِ، فَلَمَّا شَاهَدُوا أَعْلَامَ أَبِي كَالِيجَارَ شَرَعَ الْوَزِيرُ يُرَتِّبُ الْعَسْكَرَ، وَقَدْ دَاخَلَهُمُ الرُّعْبُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو كَالِيجَارَ وَهُمْ عَلَى اضْطِرَابٍ، فَانْهَزَمُوا، وَغَنِمَ أَبُو كَالِيجَارَ وَعَسْكَرُهُ

стр. 4412

أَمْوَالَهُمْ، وَدَوَابَّهُمْ وَكُلَّ مَا لَهُمْ، فَلَمَّا انْتَهَى خَبَرُ الْهَزِيمَةِ إِلَى عَمِّهِ أَبِي الْفَوَارِسِ سَارَ إِلَى كِرْمَانَ، وَمَلَكَ أَبُو كَالِيجَارَ بِلَادَ فَارِسَ وَدَخَلَ شِيرَازَ. ذِكْرُ عَوْدِ أَبِي الْفَوَارِسِ إِلَى فَارِسَ وَإِخْرَاجِهِ عَنْهَا وَلَمَّا مَلَكُ أَبُو كَالِيجَارَ بِلَادَ فَارِسَ دَخَلَ شِيرَازَ جَرَى عَلَى الدَّيْلَمِ الشِّيرَازِيَّةِ مِنْ عَسْكَرِهِ مَا أَخْرَجَهُمْ عَنْ طَاعَتِهِ وَتَمَنَّوْا مَعَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا قُتِلُوا مَعَ عَمِّهِ. وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الدَّيْلَمِ بِمَدِينَةِ فَسَا فِي طَاعَةِ أَبِي الْفَوَارِسِ، وَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُصْلِحُوا حَالَهُمْ مَعَ أَبِي كَالِيجَارَ وَيَصِيرُوا مَعَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الدَّيْلَمُ الَّذِينَ بِشِيرَازَ يُعَرِّفُونَهُمْ مَا يَلْقَوْنَ مِنَ الْأَذَى، وَيَأْمُرُونَهُمْ بِالتَّمَسُّكِ بِطَاعَةِ أَبِي الْفَوَارِسِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ عَسْكَرَ أَبِي كَالِيجَارَ طَالَبُوهُ بِالْمَالِ، وَشَغَبُوا عَلَيْهِ، فَأَظْهَرَ الدَّيْلَمُ الشِّيرَازِيَّةُ مَا فِي نُفُوسِهِمْ مِنَ الْحِقْدِ، فَعَجَزَ عَنِ الْمُقَامِ مَعَهُمْ، فَسَارَ عَنْ شِيرَازَ إِلَى النُّوبَنْدَجَانَ، وَلَقِيَ شِدَّةً فِي طَرِيقِهِ، ثُمَّ انْتَقَلَ عَنْهَا لِشِدَّةِ حَرِّهَا، وَوَخَامَةِ هَوَائِهَا، وَمَرِضَ أَصْحَابُهُ، فَأَتَى شِعْبَ بَوَّانَ فَأَقَامَ بِهِ. فَلَمَّا سَارَ عَنْ شِيرَازَ أَرْسَلَ الدَّيْلَمُ الشِّيرَازِيَّةُ إِلَى عَمِّهِ أَبِي الْفَوَارِسِ يَحُثُّونَهُ عَلَى الْمَجِيءِ إِلَيْهِمْ، وَيُعَرِّفُونَهُ بُعْدَ أَبِي كَالِيجَارَ عَنْهُمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَسَلَّمُوا إِلَيْهِ شِيرَازَ، وَقَصَدَ إِلَى أَبِي كَالِيجَارَ بِشِعْبِ بَوَّانَ لِيُحَارِبَهُ وَيُخْرِجَهُ عَنِ الْبِلَادِ، فَاخْتَارَ الْعَسْكَرَانِ الصُّلْحَ، فَسَفَرُوا فِيهِ، فَاسْتَقَرَّ لِأَبِي الْفَوَارِسِ كِرْمَانُ وَفَارِسُ، وَلِأَبِي كَالْيَجَارَ خُوزِسْتَانُ، وَعَادَ أَبُو الْفَوَارِسِ إِلَى شِيرَازَ، وَسَارَ أَبُو كَالْيَجَارَ إِلَى أَرْجَانَ. ثُمَّ إِنَّ وَزِيرَ أَبِي الْفَوَارِسِ خَبَّطَ النَّاسَ، وَأَفْسَدَ قُلُوبَهُمْ، وَصَادَرَهُمْ، وَجَازَ بِهِ مَالَ لِأَبِي كَالِيجَارَ وَالدَّيْلَمِ الَّذِينَ مَعَهُ، فَأَخَذَهُ، فَحِينَئِذٍ حَثَّ الْعَادِلُ بْنُ مَافَنَّةَ صَنْدَلًا الْخَادِمَ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى شِيرَازَ، وَكَانَ قَدْ فَارَقَ بِهَا نِعْمَةً عَظِيمَةً، وَصَارَ مَعَ أَبِي كَالِيجَارَ، وَكَانَ الدَّيْلَمُ يُطِيعُونَهُ، فَعَادَتِ الْحَالُ إِلَى أَشَدَّ مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ، فَسَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَبِي

стр. 4413

كَالِيجَارَ وَعَمِّهِ أَبِي الْفَوَارِسِ إِلَى صَاحِبِهِ وَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ أَبُو الْفَوَارِسِ إِلَى دَارَابْجِرْدَ وَمَلَكَ أَبُو كَالِيجَارَ فَارِسَ، وَعَادَ أَبُو الْفَوَارِسِ فَجَمَعَ الْأَكْرَادَ فَأَكْثَرَ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ مِنْهُمْ نَحْوُ عَشَرَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ، فَالْتَقَوْا بَيْنَ الْبَيْضَاءِ وَإِصْطَخْرَ فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ مِنَ الْقِتَالِ الْأَوَّلِ، فَعَاوَدَ أَبُو الْفَوَارِسِ الْهَزِيمَةُ، فَسَارَ إِلَى كِرْمَانَ، وَاسْتَقَرَّ مُلْكُ أَبِي كَالِيجَارَ بِفَارِسَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ أَهْلُ شِيرَازَ يَكْرَهُونَهُ. ذِكْرُ خُرُوجِ زِنَاتَةَ وَالظَّفَرِ بِهِمْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ بِإِفْرِيقِيَّةَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ زِنَاتَةَ، فَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، وَأَفْسَدُوا بِقَسْطِيلِيَةَ وَنِفْزَاوَةَ، وَأَغَارُوا وَغَنِمُوا، وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُمْ، وَكَثُرَ جَمْعُهُمْ. فَسَيَّرَ إِلَيْهِمُ الْمُعِزُّ بْنُ بَادِيسَ جَيْشًا جَرِيدَةً، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجِدُّوا السَّيْرَ وَيَسْبِقُوا أَخْبَارَهُمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَكَتَمُوا خَبَرَهُمْ، وَطَوَوُا الْمَرَاحِلَ حَتَّى أَدْرَكُوهُمْ وَهُمْ آمِنُونَ مِنَ الطَّلَبِ، فَوَضَعُوا فِيهِمُ السَّيْفَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَعُلِّقَ خَمْسُمِائَةِ رَأْسٍ فِي أَعْنَاقِ الْخُيُولِ وَسُيِّرَتْ إِلَى الْمُعِزِّ، وَكَانَ يَوْمُ دُخُولِهَا يَوْمًا مَشْهُودًا. ذِكْرُ عَوْدِ الْحَاجِّ عَلَى الشَّامِ وَمَا كَانَ مِنَ الظَّاهِرِ إِلَيْهِمْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَادَ الْحُجَّاجُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْعِرَاقِ عَلَى الشَّامِ لِصُعُوبَةِ الطَّرِيقِ الْمُعْتَادِ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى مَكَّةَ بَذَلَ لَهُمُ الظَّاهِرُ الْعَلَوِيُّ، صَاحِبُ مِصْرَ، أَمْوَالًا جَلِيلَةً وَخِلَعًا نَفِيسَةً، وَتَكَلَّفَ شَيْئًا كَثِيرًا، وَأَعْطَى لِكُلِّ رَجُلٍ فِي الصُّحْبَةِ جُمْلَةً مِنَ الْمَالِ لِيُظْهِرَ لِأَهْلِ خُرَاسَانَ ذَلِكَ. وَكَانَ عَلَى تَسْيِيرِ الْحُجَّاجِ الشَّرِيفُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَقْسَاسِيُّ، وَعَلَى حُجَّاجِ خُرَاسَانَ حَسَنَكُ نَائِبُ يَمِينِ الدَّوْلَةِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، فَعَظُمَ مَا جَرَى عَلَى الْخَلِيفَةِ الْقَادِرِ بِاللَّهِ، وَعَبَرَ حَسَنَكُ دِجْلَةَ عِنْدَ أَوَانَا، وَسَارَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَتَهَدَّدَ الْقَادِرُ بِاللَّهِ ابْنَ الْأَقْسَاسِيِّ، فَمَرِضَ فَمَاتَ، وَرَثَاهُ الْمُرْتَضَى وَغَيْرُهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى يَمِينِ الدَّوْلَةِ فِي الْمَعْنَى، فَسَيَّرَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ الْخِلَعَ الَّتِي خُلِعَتْ عَلَى صَاحِبِهِ حَسَنَكَ إِلَى بَغْدَاذَ فَأُحْرِقَتْ.

стр. 4414

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَزَوَّجَ السُّلْطَانُ مُشَرِّفُ الدَّوْلَةِ بِابْنَةِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ كَاكَوَيْهِ، وَكَانَ الصَّدَاقُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَتَوَلَّى الْعَقْدَ الْمُرْتَضَى. وَفِيهَا قُلِّدَ الْقَاضِي أَبُو جَعْفَرٍ السِّمْنَانِيُّ قَضَاءَ الرُّصَافَةِ وَبَابِ الطَّاقِ. [الْوَفَيَاتُ] (وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ السِّمْسِمِيُّ الْأَدِيبُ، وَابْنُ الدَّقِيقِيِّ النَّحْوِيُّ) ، أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بِشْرَانَ الْمُحَدِّثُ، وَعُمْرُهُ سَبْعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَالْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَرُّوذِيُّ قَاضِي الْبَصْرَةِ بِهَا، وَأَبُو الْفَرَجِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْمَسْلَمَةِ، الشَّاهِدِ، وَهُوَ جَدُّ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ أَبُو الْحَسَنِ الْمَحَامِلِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي حَامِدٍ، وَصَنَّفَ الْمُصَنَّفَاتِ الْمَشْهُورَةَ (وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْرَسِ أَبُو الْقَاسِمِ الْمُقْرِئُ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ) .

стр. 4415

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤١٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ فَتْحِ سُومَنَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَتَحَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ فِي بِلَادِ الْهِنْدِ عِدَّةَ حُصُونٍ وَمُدُنٍ، وَأَخَذَ الصَّنَمَ الْمَعْرُوفَ بِسُومَنَاتَ، وَهَذَا الصَّنَمُ كَانَ أَعْظَمَ أَصْنَامِ الْهِنْدِ، وَهُمْ يَحُجُّونَ إِلَيْهِ كُلَّ لَيْلَةِ خُسُوفٍ، فَيَجْتَمِعُ عِنْدَهُ مَا يَنِيفُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ، وَتَزْعُمُ الْهُنُودُ أَنَّ الْأَرْوَاحَ إِذَا فَارَقَتِ الْأَجْسَامَ (اجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ) عَلَى مَذْهَبِ التَّنَاسُخِ، فَيُنْشِئُهَا فِيمَنْ شَاءَ، وَأَنَّ الْمَدَّ وَالْجَزْرَ الَّذِي عِنْدَهُ إِنَّمَا هُوَ عِبَادَةُ الْبَحْرِ عَلَى قَدْرِ اسْتِطَاعَتِهِ. وَكَانُوا يَحْمِلُونَ إِلَيْهِ كُلَّ عِلْقٍ نَفِيسٍ، وَيُعْطُونَ سَدَنَتَهُ كُلَّ مَالٍ جَزِيلٍ، وَلَهُ مِنَ الْمَوْقُوفِ مَا يَزِيدُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ قَرْيَةٍ، وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مِنْ نَفِيسِ الْجَوْهَرِ مَا لَا تُحْصَى قِيمَتُهُ. وَلِأَهْلِ الْهِنْدِ نَهْرٌ كَبِيرٌ يُسَمَّى كُنْكَ يُعَظِّمُونَهُ غَايَةَ التَّعْظِيمِ، وَيُلْقُونَ فِيهِ عِظَامَ مَنْ يَمُوتُ مِنْ كُبَرَائِهِمْ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا تُسَاقُ إِلَى جَنَّةِ النَّعِيمِ. وَبَيْنَ هَذَا النَّهْرِ وَبَيْنَ سُومَنَاتَ نَحْوُ مِائَتَيْ فَرْسَخٍ، وَكَانَ يُحْمَلُ مِنْ مَائِهِ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى سُومَنَاتَ مَا يُغْسَلُ بِهِ، وَيَكُونُ عِنْدَهُ مِنَ الْبَرَهْمِيِّينَ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفُ رَجُلٍ لِعِبَادَتِهِ
следующие страницы →