← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

وَكَانَ ابْنُهُ أَبُو كَالِيجَارَ بِالْأَهْوَازِ، فَطَلَبَهُ الْأَوْحَدُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مُكْرَمٍ لِيَمْلِكَ بَعْدَ أَبِيهِ، وَكَانَ هَوَاهُ مَعَهُ، وَكَانَ الْأَتْرَاكُ يُرِيدُونَ عَمَّهُ أَبَا الْفَوَارِسِ بْنَ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، صَاحِبَ كِرْمَانَ، فَكَاتَبُوهُ يَطْلُبُونَهُ إِلَيْهِمْ أَيْضًا، فَتَأَخَّرَ أَبُو كَالِيجَارَ عَنْهَا، فَسَبَقَهُ عَمُّهُ أَبُو الْفَوَارِسِ إِلَيْهَا فَمَلَكَهَا. وَكَانَ أَبُو الْمَكَارِمِ بْنُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ مُكْرَمٍ قَدْ أَشَارَ عَلَى أَبِيهِ، لَمَّا رَأَى الِاخْتِلَافَ، أَنْ يَسِيرَ إِلَى مَكَانٍ يَأْمَنُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُ، فَسَارَ وَتَرَكَهُ وَقَصَدَ الْبَصْرَةَ فَنَدِمَ أَبُوهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَادِلُ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ مَافَنَّةَ: الْمَصْلَحَةُ أَنْ تَقْصِدَ سِيرَافَ، وَتَكُونَ مَالِكَ أَمْرِكَ، وَابْنُكَ أَبُو الْقَاسِمِ بِعُمَانَ، فَتَحْتَاجُ الْمُلُوكُ إِلَيْكَ. فَرَكِبَ سَفِينَةً لِيَمْضِيَ إِلَيْهَا، فَأَصَابَهُ بَرْدٌ، فَبَطَلَ عَنِ الْحَرَكَةِ، وَأَرْسَلَ الْعَادِلَ بْنَ مَافَنَّةَ إِلَى كِرْمَانَ لِإِحْضَارِ أَبِي الْفَوَارِسِ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْعَادِلُ، وَأَبْلَغَهُ رِسَالَةَ ابْنِ مُكْرَمٍ بِاسْتِدْعَائِهِ، فَسَارَ مُجِدًّا وَمَعَهُ الْعَادِلُ، فَوَصَلُوا إِلَى فَارِسَ، وَخَرَجَ ابْنُ مُكْرَمٍ يَلْتَقِي أَبَا الْفَوَارِسِ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَطَالَبَهُ الْأَجْنَادُ بِحَقِّ الْبَيْعَةِ، فَأَحَالَهُمْ عَلَى ابْنِ مُكْرَمٍ، فَتَضَجَّرَ ابْنُ مُكْرَمٍ، فَقَالَ لَهُ الْعَادِلُ: الرَّأْيُ أَنْ تَبْذُلَ مَالَكَ وَأَمْوَالَنَا حَتَّى تَمْشِيَ الْأُمُورُ، فَانْتَهَرَهُ فَسَكَتَ، وَتَلَوَّمَ ابْنُ مُكْرَمٍ بِإِيصَالِ الْمَالِ إِلَى الْأَجْنَادِ، فَشَكَوْهُ إِلَى أَبِي الْفَوَارِسِ فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْعَادِلِ بْنِ مَافَنَّةَ، ثُمَّ قَتَلَ ابْنَ مُكْرَمٍ وَاسْتَبْقَى ابْنَ مَافَنَّةَ. فَلَمَّا سَمِعَ ابْنُهُ أَبُو الْقَاسِمِ بِقَتْلِهِ صَارَ مَعَ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ وَأَطَاعَهُ، وَتَجَهَّزَ أَبُو كَالِيجَارَ، وَقَامَ بِأَمْرِهِ أَبُو مُزَاحِمٍ صَنْدَلٌ الْخَادِمُ، وَكَانَ مُرَبِّيهِ، وَسَارُوا بِالْعَسَاكِرِ إِلَى فَارِسَ، فَسَيَّرَ عَمُّهُ أَبُو الْفَوَارِسِ عَسْكَرًا مَعَ وَزِيرِهِ أَبِي مَنْصُورٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْفَسَوِيِّ لِقِتَالِهِ، فَوَصَلَ أَبُو كَالِيجَارَ وَالْوَزِيرُ مُتَهَاوِنٌ بِهِ لِكَثْرَةِ عَسْكَرِهِ، فَأَتَوْهُ وَهُوَ نَائِمٌ، وَقَدْ تَفَرَّقَ عَسْكَرُهُ فِي الْبَلَدِ يَبْتَاعُونَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ جَاهِلًا بِالْحَرْبِ، فَلَمَّا شَاهَدُوا أَعْلَامَ أَبِي كَالِيجَارَ شَرَعَ الْوَزِيرُ يُرَتِّبُ الْعَسْكَرَ، وَقَدْ دَاخَلَهُمُ الرُّعْبُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو كَالِيجَارَ وَهُمْ عَلَى اضْطِرَابٍ، فَانْهَزَمُوا، وَغَنِمَ أَبُو كَالِيجَارَ وَعَسْكَرُهُ

стр. 4412

أَمْوَالَهُمْ، وَدَوَابَّهُمْ وَكُلَّ مَا لَهُمْ، فَلَمَّا انْتَهَى خَبَرُ الْهَزِيمَةِ إِلَى عَمِّهِ أَبِي الْفَوَارِسِ سَارَ إِلَى كِرْمَانَ، وَمَلَكَ أَبُو كَالِيجَارَ بِلَادَ فَارِسَ وَدَخَلَ شِيرَازَ. ذِكْرُ عَوْدِ أَبِي الْفَوَارِسِ إِلَى فَارِسَ وَإِخْرَاجِهِ عَنْهَا وَلَمَّا مَلَكُ أَبُو كَالِيجَارَ بِلَادَ فَارِسَ دَخَلَ شِيرَازَ جَرَى عَلَى الدَّيْلَمِ الشِّيرَازِيَّةِ مِنْ عَسْكَرِهِ مَا أَخْرَجَهُمْ عَنْ طَاعَتِهِ وَتَمَنَّوْا مَعَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا قُتِلُوا مَعَ عَمِّهِ. وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الدَّيْلَمِ بِمَدِينَةِ فَسَا فِي طَاعَةِ أَبِي الْفَوَارِسِ، وَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُصْلِحُوا حَالَهُمْ مَعَ أَبِي كَالِيجَارَ وَيَصِيرُوا مَعَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الدَّيْلَمُ الَّذِينَ بِشِيرَازَ يُعَرِّفُونَهُمْ مَا يَلْقَوْنَ مِنَ الْأَذَى، وَيَأْمُرُونَهُمْ بِالتَّمَسُّكِ بِطَاعَةِ أَبِي الْفَوَارِسِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ عَسْكَرَ أَبِي كَالِيجَارَ طَالَبُوهُ بِالْمَالِ، وَشَغَبُوا عَلَيْهِ، فَأَظْهَرَ الدَّيْلَمُ الشِّيرَازِيَّةُ مَا فِي نُفُوسِهِمْ مِنَ الْحِقْدِ، فَعَجَزَ عَنِ الْمُقَامِ مَعَهُمْ، فَسَارَ عَنْ شِيرَازَ إِلَى النُّوبَنْدَجَانَ، وَلَقِيَ شِدَّةً فِي طَرِيقِهِ، ثُمَّ انْتَقَلَ عَنْهَا لِشِدَّةِ حَرِّهَا، وَوَخَامَةِ هَوَائِهَا، وَمَرِضَ أَصْحَابُهُ، فَأَتَى شِعْبَ بَوَّانَ فَأَقَامَ بِهِ. فَلَمَّا سَارَ عَنْ شِيرَازَ أَرْسَلَ الدَّيْلَمُ الشِّيرَازِيَّةُ إِلَى عَمِّهِ أَبِي الْفَوَارِسِ يَحُثُّونَهُ عَلَى الْمَجِيءِ إِلَيْهِمْ، وَيُعَرِّفُونَهُ بُعْدَ أَبِي كَالِيجَارَ عَنْهُمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَسَلَّمُوا إِلَيْهِ شِيرَازَ، وَقَصَدَ إِلَى أَبِي كَالِيجَارَ بِشِعْبِ بَوَّانَ لِيُحَارِبَهُ وَيُخْرِجَهُ عَنِ الْبِلَادِ، فَاخْتَارَ الْعَسْكَرَانِ الصُّلْحَ، فَسَفَرُوا فِيهِ، فَاسْتَقَرَّ لِأَبِي الْفَوَارِسِ كِرْمَانُ وَفَارِسُ، وَلِأَبِي كَالْيَجَارَ خُوزِسْتَانُ، وَعَادَ أَبُو الْفَوَارِسِ إِلَى شِيرَازَ، وَسَارَ أَبُو كَالْيَجَارَ إِلَى أَرْجَانَ. ثُمَّ إِنَّ وَزِيرَ أَبِي الْفَوَارِسِ خَبَّطَ النَّاسَ، وَأَفْسَدَ قُلُوبَهُمْ، وَصَادَرَهُمْ، وَجَازَ بِهِ مَالَ لِأَبِي كَالِيجَارَ وَالدَّيْلَمِ الَّذِينَ مَعَهُ، فَأَخَذَهُ، فَحِينَئِذٍ حَثَّ الْعَادِلُ بْنُ مَافَنَّةَ صَنْدَلًا الْخَادِمَ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى شِيرَازَ، وَكَانَ قَدْ فَارَقَ بِهَا نِعْمَةً عَظِيمَةً، وَصَارَ مَعَ أَبِي كَالِيجَارَ، وَكَانَ الدَّيْلَمُ يُطِيعُونَهُ، فَعَادَتِ الْحَالُ إِلَى أَشَدَّ مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ، فَسَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَبِي

стр. 4413

كَالِيجَارَ وَعَمِّهِ أَبِي الْفَوَارِسِ إِلَى صَاحِبِهِ وَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ أَبُو الْفَوَارِسِ إِلَى دَارَابْجِرْدَ وَمَلَكَ أَبُو كَالِيجَارَ فَارِسَ، وَعَادَ أَبُو الْفَوَارِسِ فَجَمَعَ الْأَكْرَادَ فَأَكْثَرَ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ مِنْهُمْ نَحْوُ عَشَرَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ، فَالْتَقَوْا بَيْنَ الْبَيْضَاءِ وَإِصْطَخْرَ فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ مِنَ الْقِتَالِ الْأَوَّلِ، فَعَاوَدَ أَبُو الْفَوَارِسِ الْهَزِيمَةُ، فَسَارَ إِلَى كِرْمَانَ، وَاسْتَقَرَّ مُلْكُ أَبِي كَالِيجَارَ بِفَارِسَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ أَهْلُ شِيرَازَ يَكْرَهُونَهُ. ذِكْرُ خُرُوجِ زِنَاتَةَ وَالظَّفَرِ بِهِمْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ بِإِفْرِيقِيَّةَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ زِنَاتَةَ، فَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، وَأَفْسَدُوا بِقَسْطِيلِيَةَ وَنِفْزَاوَةَ، وَأَغَارُوا وَغَنِمُوا، وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُمْ، وَكَثُرَ جَمْعُهُمْ. فَسَيَّرَ إِلَيْهِمُ الْمُعِزُّ بْنُ بَادِيسَ جَيْشًا جَرِيدَةً، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجِدُّوا السَّيْرَ وَيَسْبِقُوا أَخْبَارَهُمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَكَتَمُوا خَبَرَهُمْ، وَطَوَوُا الْمَرَاحِلَ حَتَّى أَدْرَكُوهُمْ وَهُمْ آمِنُونَ مِنَ الطَّلَبِ، فَوَضَعُوا فِيهِمُ السَّيْفَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَعُلِّقَ خَمْسُمِائَةِ رَأْسٍ فِي أَعْنَاقِ الْخُيُولِ وَسُيِّرَتْ إِلَى الْمُعِزِّ، وَكَانَ يَوْمُ دُخُولِهَا يَوْمًا مَشْهُودًا. ذِكْرُ عَوْدِ الْحَاجِّ عَلَى الشَّامِ وَمَا كَانَ مِنَ الظَّاهِرِ إِلَيْهِمْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَادَ الْحُجَّاجُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْعِرَاقِ عَلَى الشَّامِ لِصُعُوبَةِ الطَّرِيقِ الْمُعْتَادِ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى مَكَّةَ بَذَلَ لَهُمُ الظَّاهِرُ الْعَلَوِيُّ، صَاحِبُ مِصْرَ، أَمْوَالًا جَلِيلَةً وَخِلَعًا نَفِيسَةً، وَتَكَلَّفَ شَيْئًا كَثِيرًا، وَأَعْطَى لِكُلِّ رَجُلٍ فِي الصُّحْبَةِ جُمْلَةً مِنَ الْمَالِ لِيُظْهِرَ لِأَهْلِ خُرَاسَانَ ذَلِكَ. وَكَانَ عَلَى تَسْيِيرِ الْحُجَّاجِ الشَّرِيفُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَقْسَاسِيُّ، وَعَلَى حُجَّاجِ خُرَاسَانَ حَسَنَكُ نَائِبُ يَمِينِ الدَّوْلَةِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، فَعَظُمَ مَا جَرَى عَلَى الْخَلِيفَةِ الْقَادِرِ بِاللَّهِ، وَعَبَرَ حَسَنَكُ دِجْلَةَ عِنْدَ أَوَانَا، وَسَارَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَتَهَدَّدَ الْقَادِرُ بِاللَّهِ ابْنَ الْأَقْسَاسِيِّ، فَمَرِضَ فَمَاتَ، وَرَثَاهُ الْمُرْتَضَى وَغَيْرُهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى يَمِينِ الدَّوْلَةِ فِي الْمَعْنَى، فَسَيَّرَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ الْخِلَعَ الَّتِي خُلِعَتْ عَلَى صَاحِبِهِ حَسَنَكَ إِلَى بَغْدَاذَ فَأُحْرِقَتْ.

стр. 4414

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَزَوَّجَ السُّلْطَانُ مُشَرِّفُ الدَّوْلَةِ بِابْنَةِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ كَاكَوَيْهِ، وَكَانَ الصَّدَاقُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَتَوَلَّى الْعَقْدَ الْمُرْتَضَى. وَفِيهَا قُلِّدَ الْقَاضِي أَبُو جَعْفَرٍ السِّمْنَانِيُّ قَضَاءَ الرُّصَافَةِ وَبَابِ الطَّاقِ. [الْوَفَيَاتُ] (وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ السِّمْسِمِيُّ الْأَدِيبُ، وَابْنُ الدَّقِيقِيِّ النَّحْوِيُّ) ، أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بِشْرَانَ الْمُحَدِّثُ، وَعُمْرُهُ سَبْعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَالْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَرُّوذِيُّ قَاضِي الْبَصْرَةِ بِهَا، وَأَبُو الْفَرَجِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْمَسْلَمَةِ، الشَّاهِدِ، وَهُوَ جَدُّ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ أَبُو الْحَسَنِ الْمَحَامِلِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي حَامِدٍ، وَصَنَّفَ الْمُصَنَّفَاتِ الْمَشْهُورَةَ (وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْرَسِ أَبُو الْقَاسِمِ الْمُقْرِئُ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ) .

стр. 4415

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤١٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ فَتْحِ سُومَنَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَتَحَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ فِي بِلَادِ الْهِنْدِ عِدَّةَ حُصُونٍ وَمُدُنٍ، وَأَخَذَ الصَّنَمَ الْمَعْرُوفَ بِسُومَنَاتَ، وَهَذَا الصَّنَمُ كَانَ أَعْظَمَ أَصْنَامِ الْهِنْدِ، وَهُمْ يَحُجُّونَ إِلَيْهِ كُلَّ لَيْلَةِ خُسُوفٍ، فَيَجْتَمِعُ عِنْدَهُ مَا يَنِيفُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ، وَتَزْعُمُ الْهُنُودُ أَنَّ الْأَرْوَاحَ إِذَا فَارَقَتِ الْأَجْسَامَ (اجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ) عَلَى مَذْهَبِ التَّنَاسُخِ، فَيُنْشِئُهَا فِيمَنْ شَاءَ، وَأَنَّ الْمَدَّ وَالْجَزْرَ الَّذِي عِنْدَهُ إِنَّمَا هُوَ عِبَادَةُ الْبَحْرِ عَلَى قَدْرِ اسْتِطَاعَتِهِ. وَكَانُوا يَحْمِلُونَ إِلَيْهِ كُلَّ عِلْقٍ نَفِيسٍ، وَيُعْطُونَ سَدَنَتَهُ كُلَّ مَالٍ جَزِيلٍ، وَلَهُ مِنَ الْمَوْقُوفِ مَا يَزِيدُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ قَرْيَةٍ، وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مِنْ نَفِيسِ الْجَوْهَرِ مَا لَا تُحْصَى قِيمَتُهُ. وَلِأَهْلِ الْهِنْدِ نَهْرٌ كَبِيرٌ يُسَمَّى كُنْكَ يُعَظِّمُونَهُ غَايَةَ التَّعْظِيمِ، وَيُلْقُونَ فِيهِ عِظَامَ مَنْ يَمُوتُ مِنْ كُبَرَائِهِمْ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا تُسَاقُ إِلَى جَنَّةِ النَّعِيمِ. وَبَيْنَ هَذَا النَّهْرِ وَبَيْنَ سُومَنَاتَ نَحْوُ مِائَتَيْ فَرْسَخٍ، وَكَانَ يُحْمَلُ مِنْ مَائِهِ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى سُومَنَاتَ مَا يُغْسَلُ بِهِ، وَيَكُونُ عِنْدَهُ مِنَ الْبَرَهْمِيِّينَ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفُ رَجُلٍ لِعِبَادَتِهِ

стр. 4416

وَتَقْدِيمِ الْوُفُودِ إِلَيْهِ، وَثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ يَحْلِقُونَ رُءُوسَ زُوَّارِهِ وَلِحَاهُمْ، وَثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ وَخَمْسُمِائَةِ أَمَةٍ يُغَنُّونَ وَيَرْقُصُونَ عَلَى بَابِ الصَّنَمِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ شَيْءٌ مَعْلُومٌ كُلَّ يَوْمٍ. وَكَانَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ كُلَّمَا فَتَحَ مِنَ الْهِنْدِ فَتْحًا، وَكَسَرَ صَنَمًا يَقُولُ الْهُنُودُ: إِنَّ هَذِهِ الْأَصْنَامَ قَدْ سَخِطَ عَلَيْهَا سُومَنَاتُ، وَلَوْ أَنَّهُ رَاضٍ عَنْهَا لَأَهْلَكَ مَنْ تَقَصَّدَهَا بِسُوءٍ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ يَمِينَ الدَّوْلَةِ عَزَمَ عَلَى غَزْوِهِ وَإِهْلَاكِهِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الْهُنُودَ إِذَا فَقَدُوهُ، وَرَأَوْا كَذِبَ ادِّعَائِهِمُ الْبَاطِلِ، دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ فَاسْتَخَارَ اللَّهَ تَعَالَى وَسَارَ عَنْ غَزْنَةَ عَاشِرَ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ثَلَاثِينَ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ عَسَاكِرِهِ سِوَى الْمُتَطَوِّعَةِ، وَسَلَكَ سَبِيلَ الْمُلْتَانِ، فَوَصَلَهَا مُنْتَصَفَ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَفِي طَرِيقِهِ إِلَى الْهِنْدِ بَرِيَّةُ قَفْرٍ، لَا سَاكِنَ فِيهَا، وَلَا مَاءَ، وَلَا مِيرَةَ. فَتَجَهَّزَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ عَلَى قَدْرِهَا، ثُمَّ زَادَ بَعْدَ الْحَاجَةِ عِشْرِينَ أَلْفَ جَمَلٍ تَحْمِلُ الْمَاءَ وَالْمِيرَةَ، وَقَصَدَ أَنْهَلْوَارَةَ، فَلَمَّا قَطَعَ الْمَفَازَةَ رَأَى فِي طَرَفِهَا حُصُونًا مَشْحُونَةً بِالرِّجَالِ، وَعِنْدَهَا آبَارٌ قَدْ غَوَّرُوهَا لِيَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ حَصْرُهَا، فَيَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى فَتْحَهَا عِنْدَ قُرْبِهِ مِنْهَا بِالرُّعْبِ الَّذِي قَذَفَهُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَتَسَلَّمَهَا، وَقَتَلَ سُكَّانَهَا وَأَهْلَكَ أَوْثَانَهَا، وَامْتَارُوا مِنْهَا الْمَاءَ وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ. وَسَارَ إِلَى أَنْهَلْوَارَةَ فَوَصَلَهَا مُسْتَهَلَّ ذِي الْقَعْدَةِ، فَرَأَى صَاحِبَهَا الْمَدْعُوَّ بَهِيمَ قَدْ أَجْفَلَ عَنْهَا وَتَرَكَهَا وَأَمْعَنَ فِي الْهَرَبِ، وَقَصَدَ حِصْنًا لَهُ يَحْتَمِي بِهِ فَاسْتَوْلَى يَمِينُ الدَّوْلَةِ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَسَارَ إِلَى سُومَنَاتَ، فَلَقِيَ فِي طَرِيقِهِ عِدَّةَ حُصُونٍ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَوْثَانِ شِبْهَ الْحُجَّابِ وَالنُّقَبَاءِ لِسُومَنَاتَ، عَلَى مَا سَوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ، فَقَاتَلَ مَنْ بِهَا، وَفَتَحَهَا وَخَرَّبَهَا، وَكَسَرَ أَصْنَامَهَا، وَسَارَ إِلَى سُومَنَاتَ فِي مَفَازَةٍ قَفْرَةٍ قَلِيلَةِ الْمَاءِ، فَلَقِيَ فِيهَا عِشْرِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ مِنْ سُكَّانِهَا لَمْ يَدِينُوا لِلْمَلِكِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ السَّرَايَا، فَقَاتَلُوهُمْ

стр. 4417

فَهَزَمُوهُمْ وَغَنِمُوا مَالَهُمْ، وَامْتَارُوا مِنْ عِنْدِهِمْ، وَسَارُوا حَتَّى بَلَغُوا دَبُولْوَارَةَ، وَهِيَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ سُومَنَاتَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَهْلُهَا لَهُ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ سُومَنَاتَ يَمْنَعُهُمْ وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَشَلَّ رِجَالَهَا، وَغَنِمَ أَمْوَالَهَا، وَسَارَ عَنْهَا إِلَى سُومَنَاتَ، فَوَصَلَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ مُنْتَصَفَ ذِي الْقَعْدَةِ فَرَأَى حِصْنًا حَصِينًا مَبْنِيًّا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ بِحَيْثُ تَبْلُغُهُ أَمْوَاجُهُ، وَأَهْلُهُ عَلَى الْأَسْوَارِ يَتَفَرَّجُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاثِقِينَ أَنَّ مَعْبُودَهُمْ يَقْطَعُ دَابِرَهُمْ وَيُهْلِكُهُمْ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، هُوَ الْجُمُعَةُ، زَحَفَ وَقَاتَلَ مَنْ بِهِ، فَرَأَى الْهُنُودُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قِتَالًا لَمْ يَعْهَدُوا مِثْلَهُ، فَفَارَقُوا السُّورَ فَنَصَبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ السَّلَالِمَ، وَصَعِدُوا إِلَيْهِ وَأَعْلَنُوا بِكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، وَأَظْهَرُوا شِعَارَ الْإِسْلَامِ، فَحِينَئِذٍ اشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ وَتَقَدَّمَ جَمَاعَةُ الْهُنُودِ إِلَى سُومَنَاتَ، فَعَفَّرُوا لَهُ خُدُودَهُمْ، وَسَأَلُوهُ النَّصْرَ، وَأَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ فَكَفَّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ بَكَّرَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ وَقَاتَلُوهُمْ، فَأَكْثَرُوا فِي الْهُنُودِ الْقَتْلَ، وَأَجْلُوهُمْ عَنِ الْمَدِينَةِ إِلَى بَيْتِ صَنَمِهِمْ سُومَنَاتَ، فَقَاتَلُوا عَلَى بَابِهِ أَشَدَّ قِتَالٍ، وَكَانَ الْفَرِيقُ مِنْهُمْ بَعْدَ الْفَرِيقِ يَدْخُلُونَ إِلَى سُومَنَاتَ فَيَعْتَنِقُونَهُ وَيَبْكُونَ، وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ، وَيَخْرُجُونَ فَيُقَاتِلُونَ إِلَى أَنْ يُقْتَلُوا، حَتَّى كَادَ الْفَنَاءُ يَسْتَوْعِبُهُمْ، فَبَقِيَ مِنْهُمُ الْقَلِيلُ، فَدَخَلُوا الْبَحْرَ إِلَى مَرْكَبَيْنِ لَهُمْ لِيَنْجُوا فِيهِمَا، فَأَدْرَكَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَقَتَلُوا بَعْضًا وَغَرِقَ بَعْضٌ. وَأَمَّا الْبَيْتُ الَّذِي فِيهِ سُومَنَاتُ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى سِتٍّ وَخَمْسِينَ سَارِيَةً مِنَ السَّاجِ الْمُصَفَّحِ بِالرَّصَاصِ، وَسُومَنَاتُ مِنْ حَجَرٍ طُولُهُ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ: ثَلَاثَةٌ مُدَوَّرَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَذِرَاعَانِ فِي الْبِنَاءِ، وَلَيْسَ بِصُورَةٍ مُصَوَّرَةٍ، فَأَخَذَهُ يَمِينُ الدَّوْلَةِ فَكَسَرَهُ، وَأَحْرَقَ بَعْضَهُ، وَأَخَذَ بَعْضَهُ مَعَهُ إِلَى غَزْنَةَ، فَجَعَلَهُ عَتَبَةَ الْجَامِعِ. وَكَانَ بَيْتُ الصَّنَمِ مُظْلِمًا، وَإِنَّمَا الضَّوْءُ الَّذِي عِنْدَهُ مِنْ قَنَادِيلِ الْجَوْهَرِ الْفَائِقِ، وَكَانَ عِنْدَهُ سِلْسِلَةُ ذَهَبٍ فِيهَا جَرَسٌ، وَوَزْنُهَا مِائَتَا مَنٍّ، كُلَّمَا مَضَى طَائِفَةٌ مَعْلُومَةٌ مِنَ

стр. 4418

اللَّيْلِ حُرِّكَتِ السِّلْسِلَةُ فَيُصَوِّتُ الْجَرَسُ فَيَقُومُ طَائِفَةٌ مِنَ الْبَرَهْمِيِّينَ إِلَى عِبَادَتِهِمْ، وَعِنْدَهُ خِزَانَةٌ فِيهَا عَدَدٌ مِنَ الْأَصْنَامِ الذَّهَبِيَّةِ وَالْفِضِّيَّةِ، وَعَلَيْهَا السُّتُورُ الْمُعَلَّقَةُ الْمُرَصَّعَةُ بِالْجَوْهَرِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَنْسُوبٌ إِلَى عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَائِهِمْ، وَقِيمَةُ مَا فِي الْبُيُوتِ تَزِيدُ عَلَى عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ، فَأُخِذَ الْجَمِيعُ، وَكَانَتْ عَدَدُ الْقَتْلَى تَزِيدُ عَلَى خَمْسِينَ أَلْفَ قَتِيلٍ. ثُمَّ إِنَّ يَمِينَ الدَّوْلَةِ وَرَدَ عَلَيْهِ الْخَبَرُ أَنَّ بَهِيمَ صَاحِبَ أَنْهَلْوَارَةَ قَدْ قَصَدَ قَلْعَةً تُسَمَّى كَنَدْهَةَ فِي الْبَحْرِ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَرِّ مِنْ جِهَةِ سُومَنَاتَ أَرْبَعُونَ فَرْسَخًا، فَسَارَ إِلَيْهَا يَمِينُ الدَّوْلَةِ مِنْ سُومَنَاتَ، فَلَمَّا حَاذَى الْقَلْعَةَ رَأَى رَجُلَيْنِ مِنَ الصَّيَّادِينَ، فَسَأَلَهُمَا عَنْ خَوْضِ الْبَحْرِ هُنَاكَ، فَعَرَّفَاهُ أَنَّهُ يُمْكِنُ خَوْضُهُ لَكِنْ إِنْ تَحَرَّكَ الْهَوَاءُ يَسِيرًا غَرِقَ مَنْ فِيهِ. فَاسْتَخَارَ اللَّهَ تَعَالَى، وَخَاضَهُ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ فَخَرَجُوا سَالِمِينَ، فَرَأَوْا بَهِيمَ وَقَدْ فَارَقَ قَلْعَتَهُ وَأَخْلَاهَا فَعَادَ عَنْهَا، وَقَصَدَ الْمَنْصُورَةَ، وَكَانَ صَاحِبُهَا قَدِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ مَجِيءِ يَمِينِ الدَّوْلَةِ فَارَقَهَا وَاحْتَمَى بِغِيَاضِ أَشِبَةَ، فَقَصَدَهُ يَمِينُ الدَّوْلَةِ مِنْ مَوْضِعَيْنِ، فَأَحَاطَ بِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ، فَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ، وَغَرِقَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ. ثُمَّ سَارَ إِلَى بَهَاطِيَةَ، فَأَطَاعَهُ أَهْلُهَا، وَدَانُوا لَهُ، فَرَحَلَ إِلَى غَزْنَةَ، فَوَصَلَهَا عَاشِرَ صَفَرٍ مِنْ سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. ذِكْرُ وَفَاةِ مُشَرِّفِ الدَّوْلَةِ وَمُلْكِ أَخِيهِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تُوُفِّيَ الْمَلِكُ مُشَرِّفُ الدَّوْلَةِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ بَهَاءِ

стр. 4419

الدَّوْلَةِ بِمَرَضٍ حَادٍّ، وَعُمْرُهُ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَمُلْكُهُ خَمْسَ سِنِينَ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَكَانَ كَثِيرَ الْخَيْرِ، قَلِيلَ الشَّرِّ، عَادِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، وَكَانَتْ وَالِدَتُهُ فِي الْحَيَاةِ، وَتُوُفِّيَتْ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] . وَلَمَّا تُوُفِّيَ مُشَرِّفُ الدَّوْلَةِ خُطِبَ بِبَغْدَاذَ، بَعْدَ مَوْتِهِ، لِأَخِيهِ أَبِي ظَاهِرٍ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ بِالْبَصْرَةِ، وَطُلِبَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَلَمْ يَصْعَدْ إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا بَلَغَ إِلَى وَاسِطٍ، وَأَقَامَ بِهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَقُطِعَتْ خُطْبَتُهُ، وَخُطِبَ لِابْنِ أَخِيهِ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ بْنِ سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ بْنِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ فِي شَوَّالٍ، وَهُوَ حِينَئِذٍ صَاحِبُ خُوزِسْتَانَ، وَالْحَرْبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمِّهِ أَبِي الْفَوَارِسِ، صَاحِبِ كِرْمَانَ، بِفَارِسَ، فَلَمَّا سَمِعَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ بِذَلِكَ أَصْعَدَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَانْحَدَرَ عَسْكَرُهَا لِيَرُدُّوهُ عَنْهَا، فَلَقُوهُ بِالسَّيِّبِ مِنْ أَعْمَالِ النَّهْرَوَانِ، فَرَدُّوهُ فَلَمْ يَرْجِعْ، فَرَمَوْهُ بِالنِّشَابِ، وَنَهَبُوا بَعْضَ خَزَائِنِهِ، فَعَادَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَأَرْسَلُوا إِلَى الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ لِيَصْعَدَ إِلَى بَغْدَاذَ لِيُمَلِّكُوهُ فَوَعَدَهُمُ الْإِصْعَادَ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ لِأَجْلِ صَاحِبِ كِرْمَانَ وَلَمَّا أُصْعِدَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ كَانَ وَزِيرُهُ أَبَا سَعْدِ بْنِ مَاكُولَا. ذِكْرُ مُلْكِ نَصْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ مَرْوَانَ مَدِينَةَ الرُّهَا وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ نَصْرُ الدَّوْلَةِ بْنُ مَرْوَانَ، صَاحِبُ دِيَارِ بَكْرٍ، مَدِينَةَ الرُّهَا. وَكَانَ سَبَبُ مُلْكِهَا أَنَّ الرُّهَا كَانَتْ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي نُمَيْرٍ يُسَمَّى عُطَيْرًا، وَفِيهِ شَرٌّ وَجَهْلٌ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا نَائِبًا لَهُ اسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَأَحْسَنَ السِّيرَةَ، وَعَدَلَ فِي الرَّعِيَّةِ، فَمَالُوا إِلَيْهِ. وَكَانَ عُطَيْرٌ يُقِيمُ بِحُلَّتِهِ، وَيَدْخُلُ الْبَلَدَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُتَفَرِّقَةِ، فَرَأَى أَنَّ نَائِبَهُ

стр. 4420

يَحَكُمُ فِي الْبَلَدِ، وَيَأْمُرُ وَيَنْهَى، فَحَسَدَهُ، فَقَالَ لَهُ يَوْمًا: قَدْ أَكَلْتَ مَالِي، وَاسْتَوْلَيْتَ عَلَى بَلَدِي، وَصِرْتَ الْأَمِيرَ وَأَنَا النَّائِبُ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُ وَقَتَلَهُ. فَأَنْكَرَتِ الرَّعِيَّةُ قَتْلَهُ، وَغَضِبُوا عَلَى عُطَيْرٍ، وَكَاتَبُوا نَصْرَ الدَّوْلَةِ بْنَ مَرْوَانَ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ الْبَلَدَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ نَائِبًا كَانَ لَهُ بِآمِدَ يُسَمَّى زَنْكَ، فَتَسَلَّمَهَا وَأَقَامَ بِهَا وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَجْنَادِ، وَمَضَى عُطَيْرٌ إِلَى صَالِحِ بْنِ مِرْدَاسٍ، وَسَأَلَهُ الشَّفَاعَةَ لَهُ إِلَى نَصْرِ الدَّوْلَةِ، فَشَفَعَ فِيهِ، فَأَعْطَاهُ نِصْفَ الْبَلَدِ، وَدَخَلَ عُطَيْرٌ إِلَى نَصْرِ الدَّوْلَةِ بِمَيَّافَارِقِينَ، فَأَشَارَ أَصْحَابُ نَصْرِ الدَّوْلَةِ بِقَبْضِهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَقَالَ: لَا أَغْدِرُ بِهِ وَإِنْ كَانَ أَفْسَدَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُفَّ شَرَّهُ بِالْوَفَاءِ. وَتَسَلَّمَ عُطَيْرٌ نِصْفَ الْبَلَدِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَأَقَامَ فِيهِ مَعَ نَائِبِ نَصْرِ الدَّوْلَةِ. ثُمَّ إِنَّ نَائِبَ نَصْرِ الدَّوْلَةِ عَمِلَ طَعَامًا وَدَعَاهُ فَأَكَلَ وَشَرِبَ، وَاسْتَدْعَى وَلَدًا كَانَ لِأَحْمَدَ الَّذِي قَتَلَهُ عُطَيْرٌ، وَقَالَ: تُرِيدُ أَنْ تَأْخُذَ بِثَأْرِ أَبِيكَ؟ قَالَ: نَعَمْ! قَالَ: هَذَا عُطَيْرٌ عِنْدِي فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَإِذَا خَرَجَ فَتَعَلَّقْ بِهِ فِي السُّوقِ وَقُلْ لَهُ: يَا ظَالِمُ قَتَلْتَ أَبِي فَإِنَّهُ سَيُجَرِّدُ سَيْفَهُ عَلَيْكَ، فَإِذَا فَعَلَ فَاسْتَنْفِرِ النَّاسَ عَلَيْهِ وَاقْتُلْهُ وَأَنَا مِنْ وَرَائِكَ. فَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ، وَقَتَلَ عُطَيْرًا وَمَعَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنَ الْعَرَبِ. فَاجْتَمَعَ بَنُو نُمَيْرٍ وَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ زَنْكَ، وَلَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَسْكُتَ عَنْ ثَأْرِنَا، وَلَئِنْ لَمْ نَقْتُلْهُ لَيُخْرِجُنَا مِنْ بِلَادِنَا. فَاجْتَمَعَتْ نُمَيْرٌ، وَكَمَنُوا لَهُ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ كَمِينًا، وَقَصَدَ فَرِيقٌ مِنْهُمُ الْبَلَدَ، فَأَغَارُوا عَلَى مَا يُقَارِبُهُ. فَسَمِعَ زَنْكُ الْخَبَرَ، فَخَرَجَ فِيمَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَطَلَبَ الْقَوْمَ، فَلَمَّا جَاوَزَ الْكُمَنَاءَ خَرَجُوا عَلَيْهِ، فَقَاتَلَهُمْ، فَأَصَابَهُ حَجَرُ مِقْلَاعٍ فَسَقَطَ وَقُتِلَ، وَكَانَ قَتْلُهُ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِي أَوَّلِهَا، وَخَلَصَتِ الْمَدِينَةُ لِنَصْرِ الدَّوْلَةِ. ثُمَّ إِنَّ صَالِحَ بْنَ مِرْدَاسٍ شَفَعَ فِي ابْنِ عُطَيْرٍ وَابْنِ شِبْلٍ النُّمَيْرِيَّيْنِ لِيَرُدَّ الرُّهَا إِلَيْهِمَا، فَشَفَّعَهُ وَسَلَّمَهَا إِلَيْهِمَا، وَكَانَ فِيهَا بُرْجَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، فَأَخَذَ ابْنُ عُطَيْرٍ الْبُرْجَ الْكَبِيرَ، وَأَخَذَ ابْنُ شِبْلٍ الْبُرْجَ الصَّغِيرَ، وَأَقَامَا فِي الْبَلَدِ، إِلَى أَنْ بَاعَهُ ابْنُ عُطَيْرٍ مِنَ الرُّومِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ غَرَقِ الْأُسْطُولِ بِجَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الرُّومُ إِلَى جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَمَلَكُوا مَا كَانَ

стр. 4421

لِلْمُسْلِمِينَ فِي جَزِيرَةِ قِلَّوْرِيَةَ، وَهِيَ مُجَاوِرَةٌ لِجَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ، وَشَرَعُوا فِي بِنَاءِ الْمَسَاكِنِ يَنْتَظِرُونَ وُصُولَ مَرَاكِبِهِمْ وَجُمُوعِهِمْ مَعَ ابْنِ أُخْتِ الْمَلِكِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُعِزَّ بْنَ بَادِيسَ، فَجَهَّزَ أُسْطُولًا كَبِيرًا: أَرْبَعَمِائَةِ قِطْعَةٍ، وَحَشَدَ فِيهَا، وَجَمَعَ خَلْقًا كَثِيرًا وَتَطَوَّعَ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِالْجِهَادِ، رَغْبَةً فِي الْأَجْرِ، فَسَارَ الْأُسْطُولُ فِي كَانُونَ الثَّانِي، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ جَزِيرَةِ قَوْصَرَةَ، وَهِيَ قَرِيبٌ مِنْ بَرِّ إِفْرِيقِيَّةَ، خَرَجَ عَلَيْهِمْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، وَنَوْءٌ عَظِيمٌ، فَغَرِقَ أَكْثَرُهُمْ وَلَمْ يَنْجُ إِلَّا الْيَسِيرُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ أَمْرُ الْعَيَّارِينَ بِبَغْدَاذَ وَعَظُمَ شَرُّهُمْ، فَقَتَلُوا النُّفُوسَ، وَنَهَبُوا الْأَمْوَالَ، وَفَعَلُوا مَا أَرَادُوا، وَأَحْرَقُوا الْكَرْخَ، وَغَلَا السِّعْرُ بِهَا حَتَّى بِيعَ كُرُّ الْحِنْطَةِ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ قَاسَانِيَّةٍ. وَفِيهَا قَبَضَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ عَلَى وَزِيرِهِ أَبِي سَعْدِ بْنِ مَاكُولَا، وَاسْتَوْزَرَ ابْنَ عَمِّهِ أَبَا عَلِيِّ بْنَ مَاكُولَا. وَفِيهَا أَرْسَلَ الْقَادِرُ بِاللَّهِ الْقَاضِيَ أَبَا جَعْفَرٍ السِّمْنَانِيَّ إِلَى قِرْوَاشٍ يَأْمُرُهُ بِإِبْعَادِ الْوَزِيرِ أَبِي الْقَاسِمِ الْمَغْرِبِيِّ وَكَانَ عِنْدَهُ، فَأَبْعَدَهُ، فَقَصَدَ نَصْرَ الدَّوْلَةِ بْنَ مَرْوَانَ بِمَيَّافَارِقِينَ (وَقَدْ تَقَدَّمَ السَّبَبُ فِيهِ) . وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْوَزِيرُ أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحَانِ، وَزِيرُ مُشَرِّفِ الدَّوْلَةِ أَبِي الْفَوَارِسِ، وَعُمْرُهُ سِتٌّ وَسَبْعُونَ سَنَةً.

стр. 4422

وَقَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، وَمَوْلِدُهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَكَانَ عَفِيفًا نَزِهًا، وَقِيلَ تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ. وَبَسِيلُ مَلِكُ الرُّومِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ أَخُوهُ قُسْطَنْطِينُ. وَفِيهَا وَرَدَ رَسُولُ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ إِلَى الْقَادِرِ بِاللَّهِ وَمَعَهُ خِلَعٌ قَدْ سَيَّرَهَا لَهُ الظَّاهِرُ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ الْعَلَوِيُّ، صَاحِبُ مِصْرَ، وَيَقُولُ: أَنَا الْخَادِمُ الَّذِي أَرَى الطَّاعَةَ مَرَضًا، وَيَذْكُرُ إِرْسَالَ هَذِهِ الْخَالِعِ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ سَيَّرَهَا إِلَى الدِّيوَانِ لِيَرْسِمَ فِيهَا بِمَا يَرَى، فَأُحْرِقَتْ عَلَى بَابِ النُّوبِيِّ، فَخَرَجَ مِنْهَا ذَهَبٌ كَثِيرٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى ضُعَفَاءِ بَنِي هَاشِمٍ. [تَابِعُ الْوَفَيَاتِ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ سَابُورُ بْنُ أَرْدَشِيرَ، وَزِيرُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ وَكَانَ كَاتِبًا سَدِيدًا، وَعَمِلَ دَارَ الْكُتُبِ بِبَغْدَادَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَجَعَلَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ مُجَلَّدٍ، وَبَقِيَتْ إِلَى أَنِ احْتَرَقَتْ عِنْدَ مَجِيءِ طُغْرُلْبَكَ إِلَى بَغْدَاذَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُثْمَانُ الْخَرْكُوشِيُّ، الْوَاعِظُ النَّيْسَابُورِيُّ، وَكَانَ صَالِحًا، خَيِّرًا، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ يَقُومُ وَيَلْتَقِيهِ، وَكَانَ مَحْمُودٌ قَدْ قَسَّطَ عَلَى نَيْسَابُورَ مَالًا يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ الْخَرْكُوشِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّكَ (تُكَدِّي النَّاسَ، وَضَاقَ صَدْرِي، فَقَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ) تَأْخُذُ أَمْوَالَ الضُّعَفَاءِ، وَهَذِهِ كُدْيَةٌ. فَتَرَكَ الْقِسْطَ وَأَطْلَقَهُ. وَفِيهَا بَطَلَ الْحَجُّ مِنَ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ.

стр. 4423

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤١٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَسْكَرِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ وَالْجُوزَقَانِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ بَيْنَ عَسَاكِرِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ كَاكَوَيْهِ وَبَيْنَ الْأَكْرَادِ الْجُوزَقَانِ. وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ عَلَاءَ الدَّوْلَةِ اسْتَعْمَلَ أَبَا جَعْفَرٍ ابْنَ عَمِّهِ عَلَى سَابُورَ خُوَاسْتَ وَتِلْكَ النَّوَاحِي، فَضَمَّ إِلَيْهِ الْأَكْرَادَ الْجُوزَقَانَ، وَجَعَلَ مَعَهُ عَلَى الْأَكْرَادِ أَبَا الْفَرَجِ الْبَابُونِيَّ، مَنْسُوبٌ إِلَى بَطْنٍ مِنْهُمْ، فَجَرَى بَيْنَ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي الْفَرَجِ مُشَاجَرَةٌ أَدَّتْ إِلَى الْمُنَافَرَةِ، فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا عَلَاءُ الدَّوْلَةِ، وَأَعَادَهُمَا إِلَى عَمَلِهِمَا. فَلَمْ يَزَلِ الْحِقْدُ يَقْوَى، وَالشَّرُّ يَتَجَدَّدُ، فَضَرَبَ أَبُو جَعْفَرٍ أَبَا الْفَرَجِ بِلُتٍّ كَانَ فِي يَدِهِ فَقَتَلَهُ، فَنَفَرَ الْجُوزَقَانُ بِأَسْرِهِمْ، وَنَهَبُوا وَأَفْسَدُوا، فَطَلَبَهُمْ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ، وَسَيَّرَ عَسْكَرًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ أَبَا مَنْصُورٍ ابْنَ عَمِّهِ أَخَا أَبِي جَعْفَرٍ الْأَكْبَرِ، وَجَعَلَ مَعَهُ فَرْهَاذَ بْنَ مَرْدَاوَيْجَ، وَعَلِيَّ بْنَ عِمْرَانَ. فَلَمَّا عَلِمَ الْجُوزَقَانُ ذَلِكَ أَرْسَلُوا عَلِيَّ بْنَ عِمْرَانَ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يُصْلِحَ حَالَهُمْ مَعَ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ، وَقَصَدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، فَشَرَعَ فِي الْإِصْلَاحِ فَطَالَبَهُ أَبُو جَعْفَرٍ وَفَرْهَاذُ بِالْجَمَاعَةِ الَّذِينَ قَصَدُوهُ لِيُسَلِّمَهُمْ إِلَيْهِمَا، وَأَرَادَا أَخْذَهُمْ مِنْهُ قَهْرًا، فَانْتَقَلَ إِلَى الْجُوزَقَانِ، وَاحْتَمَى كُلٌّ مِنْهُمْ بِصَاحِبِهِ، وَجَرَى بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ قِتَالٌ غَيْرَ مَرَّةٍ كَانَ فِي

стр. 4424

آخِرِهِ لِعَلِيِّ بْنِ عِمْرَانَ وَالْجُوزَقَانِ فَانْهَزَمَ فَرْهَاذُ، وَأُسِرَ أَبُو مَنْصُورٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ، ابْنَا عَمِّ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ. فَأَمَّا أَبُو جَعْفَرٍ فَقُتِلَ (قِصَاصًا بِأَبِي الْفَرَجِ) وَأَمَّا أَبُو مَنْصُورٍ فَسُجِنَ. فَلَمَّا قُتِلَ أَبُو جَعْفَرٍ عَلِمَ عَلِيُّ بْنُ عِمْرَانَ أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ فَسَدَ مَعَ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ وَلَا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ، فَشَرَعَ فِي الِاحْتِيَاطِ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ قِرْوَاشٍ وَبَنِي أَسَدٍ وَخَفَاجَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اجْتَمَعَ دُبَيْسُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَزْيَدٍ الْأَسَدِيُّ وَأَبُو الْفِتْيَانِ مَنِيعُ بْنُ حَسَّانَ، أَمِيرُ بَنِي خَفَاجَةَ، وَجَمَعَا عَشَائِرَهُمَا وَغَيْرَهُمْ، وَانْضَافَ إِلَيْهِمَا عَسْكَرُ بَغْدَاذَ عَلَى قِتَالِ قِرْوَاشِ بْنِ الْمُقَلَّدِ الْعُقَيْلِيِّ. وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ خَفَاجَةَ تَعَرَّضُوا إِلَى السَّوَادِ وَمَا بِيَدِ قِرْوَاشٍ مِنْهُ، فَانْحَدَرَ مِنَ الْمَوْصِلِ لِدَفْعِهِمْ فَاسْتَعَانُوا بِدُبَيْسٍ فَسَارَ إِلَيْهِمْ، وَاجْتَمَعُوا، فَأَتَاهُمْ عَسْكَرُ بَغْدَاذَ فَالْتَقَوْا بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ، وَهِيَ لِقِرْوَاشٍ، فَجَرَى بَيْنَ مُقَدَّمَتِهِ وَمُقَدَّمَتِهِمَا مُنَاوَشَةٌ. وَعَلِمَ قِرْوَاشٌ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِمْ، فَسَارَ لَيْلًا جَرِيدَةً فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، وَعَلِمَ أَصْحَابُهُ بِذَلِكَ، فَتَبِعُوهُ مُنْهَزِمِينَ، فَوَصَلُوا إِلَى الْأَنْبَارِ، وَسَارَتْ أَسَدٌ وَخَفَاجَةُ خَلْفَهُمْ، فَلَمَّا قَارَبُوا الْأَنْبَارَ فَارَقَهَا قِرْوَاشٌ إِلَى حُلَلِهِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى الْأَنْبَارِ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِبَغْدَاذَ وَطَمَعِ الْأَتْرَاكِ وَالْعَيَّارِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَثُرَ تَسَلُّطُ الْأَتْرَاكِ بِبَغْدَاذَ، فَأَكْثَرُوا مُصَادَرَاتِ النَّاسِ، وَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ حَتَّى إِنَّهُمْ قَسَّطُوا عَلَى الْكَرْخِ خَاصَّةً مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ، وَزَادَ الشَّرُّ وَأُحْرِقَتِ الْمَنَازِلُ، وَالدُّرُوبُ، وَالْأَسْوَاقُ، وَدَخَلَ فِي الطَّمَعِ الْعَامَّةُ وَالْعَيَّارُونَ، فَكَانُوا يَدْخُلُونَ عَلَى الرَّجُلِ فَيُطَالِبُونَهُ بِذَخَائِرِهِ، كَمَا يَفْعَلُ السُّلْطَانُ بِمَنْ يُصَادِرُهُ، فَعَمِلَ النَّاسُ الْأَبْوَابَ عَلَى الدُّرُوبِ، فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْجُنْدِ وَالْعَامَّةِ، فَظَفِرَ الْجُنْدُ، وَنَهَبُوا الْكَرْخَ وَغَيْرَهُ، فَأُخِذَ مِنْهُ مَالٌ جَلِيلٌ، وَهَلَكَ أَهْلُ السِّتْرِ وَالْخَيْرِ. فَلَمَّا رَأَى الْقُوَّادُ وَعُقَلَاءُ الْجُنْدِ أَنَّ الْمَلِكَ أَبَا كَالِيجَارَ لَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ، وَأَنَّ الْبِلَادَ

стр. 4425

قَدْ خَرِبَتْ، وَطَمِعَ فِيهِمُ الْمُجَاوِرُونَ مِنَ الْعَرَبِ وَالْأَكْرَادِ، رَاسَلُوا جَلَالَ الدَّوْلَةِ فِي الْحُضُورِ إِلَى بَغْدَاذَ، فَحَضَرَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. ذِكْرُ إِصْعَادِ الْأَثِيرِ إِلَى الْمَوْصِلِ وَالْحَرْبِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ بَنِي عُقَيْلٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَصْعَدَ الْأَثِيرُ عَنْبَرٌ إِلَى الْمَوْصِلِ مِنْ بَغْدَاذَ. وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ الْأَثِيرَ كَانَ حَاكِمًا فِي الدَّوْلَةِ الْبُوَيْهِيَّةِ، مَاضِيَ الْحُكْمِ، نَافِذَ الْأَمْرِ، وَالْجُنْدُ مِنْ أَطْوَعِ النَّاسِ لَهُ، وَأَسْمَعِهِمْ لِقَوْلِهِ. فَلَمَّا كَانَ الْآنَ زَالَ ذَلِكَ، وَخَالَفَهُ الْجُنْدُ، فَزَالَتْ طَاعَتُهُ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، فَخَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، فَسَارَ إِلَى قِرْوَاشٍ، فَنَدِمَ الْجُنْدُ عَلَى ذَلِكَ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَعُودَ فَلَمْ يَفْعَلْ وَأَصْعَدَ إِلَى الْمَوْصِلِ مَعَ قِرْوَاشٍ فَأَخَذَ مُلْكَهُ وَإِقْطَاعَهُ بِالْعِرَاقِ. ثُمَّ إِنَّ نَجْدَةَ الدَّوْلَةِ بْنَ قُرَادٍ وَرَافِعَ بْنَ الْحُسَيْنِ جَمَعَا جَمْعًا كَثِيرًا مِنْ عُقَيْلٍ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِمْ بَدْرَانُ أَخُو قِرْوَاشٍ وَسَارُوا يُرِيدُونَ حَرْبَ قِرْوَاشٍ، وَكَانَ قِرْوَاشٌ لَمَّا سَمِعَ خَبَرَهُمْ قَدِ اجْتَمَعَ هُوَ وَغَرِيبُ بْنُ مَقْنٍ، وَالْأَثِيرُ عَنْبَرٌ، وَأَتَاهُ مَدَدٌ مِنِ ابْنِ مَرْوَانَ فَاجْتَمَعَ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ فَالْتَقَوْا عِنْدَ بَلَدٍ وَاقْتَتَلُوا، وَثَبَتَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ، فَفَعَلَ ثَرْوَانُ بْنُ قُرَادٍ فِعْلًا جَمِيلًا، وَذَاكَ أَنَّهُ قَصَدَ غَرِيبًا فِي وَسَطِ الْمَصَافِّ وَاعْتَنَقَهُ وَصَالَحَهُ، وَفَعَلَ أَبُو الْفَضْلِ بَدْرَانُ بْنُ الْمُقَلَّدِ بِأَخِيهِ قِرْوَاشٍ كَذَلِكَ، فَاصْطَلَحَ الْجَمِيعُ، وَأَعَادَ قِرْوَاشٌ إِلَى أَخِيهِ بَدْرَانَ مَدِينَةَ نَصِيبِينَ.

стр. 4426

ذِكْرُ إِحْرَاقِ خَفَاجَةَ الْأَنْبَارَ وَطَاعَتِهِمْ لِأَبِي كَالِيجَارَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ مَنِيعُ بْنُ حَسَّانَ أَمِيرُ خَفَاجَةَ إِلَى الْجَامِعَيْنِ، وَهِيَ لِنُورِ الدَّوْلَةِ دُبَيْسٍ، فَنَهَبَهَا، فَسَارَ دُبَيْسٌ فِي طَلَبِهِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَفَارَقَهَا وَقَصَدَ الْأَنْبَارَ، وَهِيَ لِقِرْوَاشٍ كَانَ اسْتَعَادَهَا بَعْدَ مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ. فَلَمَّا نَازَلَهَا مَنِيعٌ قَاتَلَهُ أَهْلُهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِخَفَاجَةَ طَاقَةٌ، فَدَخَلَ خَفَاجَةُ الْأَنْبَارَ وَنَهَبُوهَا، وَأَحْرَقُوا أَسْوَاقَهَا، فَانْحَدَرَ قِرْوَاشٌ إِلَيْهِمْ لِيَمْنَعَهُمْ، وَكَانَ مَرِيضًا، وَمَعَهُ غَرِيبٌ وَالْأَثِيرُ عَنْبَرٌ، إِلَى الْأَنْبَارِ ثُمَّ تَرَكَهَا وَمَضَى إِلَى الْقَصْرِ، فَاشْتَدَّ طَمَعُ خَفَاجَةَ، وَعَادُوا إِلَى الْأَنْبَارِ فَأَحْرَقُوهَا مَرَّةً ثَانِيَةً. وَسَارَ قِرْوَاشٌ إِلَى الْجَامِعَيْنِ، فَاجْتَمَعَ هُوَ وَنُورُ الدَّوْلَةِ دُبَيْسُ بْنُ مَزْيَدٍ فِي عَشَرَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ، (وَكَانَتْ خَفَاجَةُ فِي أَلْفٍ) ، فَلَمْ يُقْدِمْ قِرْوَاشٌ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ الْعَظِيمِ عَلَى هَذِهِ الْأَلْفِ، وَشَرَعَ أَهْلُ الْأَنْبَارِ فِي بِنَاءِ سُورٍ عَلَى الْبَلَدِ وَأَعَانَهُمْ قِرْوَاشٌ وَأَقَامَ عِنْدَهُمُ الشِّتَاءَ. ثُمَّ إِنَّ مَنِيعَ بْنَ حَسَّانَ سَارَ إِلَى الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، فَأَطَاعَهُ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ، (وَأَتَى مَنِيعٌ الْخَفَاجِيُّ إِلَى الْكُوفَةِ فَخَطَبَ فِيهَا لِأَبِي كَالِيجَارَ) ، وَأَزَالَ حُكْمَ عُقَيْلٍ عَنْ سَقْيِ الْفُرَاتِ. ذِكْرُ الصُّلْحِ بِإِفْرِيقِيَّةَ بَيْنَ كُتَامَةَ وَزِنَاتَةَ وَبَيْنَ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَرَدَتْ رُسُلُ زِنَاتَةَ وَكُتَامَةَ إِلَى الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ، صَاحِبِ إِفْرِيقِيَّةَ، يَطْلُبُونَ مِنْهُ الصُّلْحَ، وَأَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمُ الطَّاعَةَ وَالدُّخُولَ تَحْتَ حُكْمِهِ، وَشَرَطُوا أَنَّهُمْ يَحْفَظُونَ الطَّرِيقَ، وَأَعْطَوْا عَلَى ذَلِكَ عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهُمْ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوا، وَجَاءَتْ مَشْيَخَةُ زِنَاتَةَ وَكُتَامَةَ إِلَيْهِ، فَقَبِلَهُمْ وَأَنْزَلَهُمْ وَوَصَلَهُمْ، وَبَذَلَ لَهُمْ أَمْوَالًا جَلِيلَةً. ذِكْرُ وَفَاةِ حَمَّادِ بْنِ الْمَنْصُورِ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ الْقَائِدِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ حَمَّادُ بْنُ بُلَكِّينَ، عَمُّ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ، صَاحِبِ إِفْرِيقِيَّةَ

стр. 4427

وَكَانَ خَرَجَ مِنْ قَلْعَتِهِ مُتَنَزِّهًا، فَمَرِضَ وَمَاتَ وَحُمِلَ إِلَى الْقَلْعَةِ فَدُفِنَ بِهَا، وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْقَائِدُ، وَعَظُمَ عَلَى الْمُعِزِّ مَوْتُهُ، لِأَنَّ الْأَمْرَ بَيْنَهُمَا كَانَ قَدْ صَلُحَ، وَاسْتَقَامَتِ الْأُمُورُ لِلْمُعِزِّ بَعْدَهُ، وَأَذْعَنَ لَهُ أَوْلَادُ عَمِّهِ حَمَّادٍ بِالطَّاعَةِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ بِالْعِرَاقِ بَرْدٌ شَدِيدٌ جَمَدَ فِيهِ الْمَاءُ فِي دِجْلَةَ وَالْأَنْهَارِ الْكَبِيرَةِ، فَأَمَّا السَّوَاقِي فَإِنَّهَا جَمَدَتْ كُلُّهَا، وَتَأَخَّرَ الْمَطَرُ وَزِيَادَةُ دِجْلَةَ، فَلَمْ يُزْرَعْ فِي السَّوَادِ إِلَّا الْقَلِيلُ. وَفِيهَا بَطَلَ الْحَجُّ مِنْ خُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ. (وَفِيهَا انْقَضَّ كَوْكَبٌ عَظِيمٌ اسْتَنَارَتْ لَهُ الْأَرْضُ، فَسُمِعَ لَهُ دَوِيٌّ عَظِيمٌ، كَانَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ) . [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ أَبُو سَعْدِ بْنُ مَاكُولَا، وَزِيرُ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، فِي مَحْبِسِهِ. وَأَبُو حَازِمٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْعَبْدَوِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ الْحَافِظُ، وَهُوَ مِنْ مَشَايِخِ خَطِيبِ بَغْدَاذَ.

стр. 4428

وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْحَمَّامِيُّ الْمُقْرِئُ، مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.

стр. 4429

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤١٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ وَإِصْبَهْبَذَ وَمَنْ مَعَهُ وَمَا تَبِعَ ذَلِكَ مِنَ الْفِتَنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، كَانَتْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ بَيْنَ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ كَاكَوَيْهِ وَبَيْنَ الْإِصْبَهْبَذِ وَمَنْ مَعَهُ. وَكَانَ سَبَبُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ خُرُوجِ عَلِيِّ بْنِ عِمْرَانَ عَنْ طَاعَةِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ. فَلَمَّا فَارَقَهُ اشْتَدَّ خَوْفُهُ مِنْ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ، فَكَاتَبَ إِصْبَهْبَذَ صَاحِبَ طَبَرِسْتَانَ. وَكَانَ مُقِيمًا بِالرَّيِّ مَعَ وَلْكِينَ بْنِ وَنَدْرِينَ، وَحَثَّهُ عَلَى قَصْدِ بِلَادِ الْجَبَلِ، وَكَاتَبَ أَيْضًا مُنُوجَهْرَ بْنَ قَابُوسَ بْنِ وَشْمَكِيرَ، وَاسْتَمَدَّهُ، وَأَوْهَمَ الْجَمِيعَ أَنَّ الْبِلَادَ فِي يَدِهِ لَا دَافِعَ لَهُ عَنْهَا. وَكَانَ إِصْبَهْبَذُ مُعَادِيًا لِعَلَاءِ الدَّوْلَةِ، فَسَارَ هُوَ وَوَلْكِينَ إِلَى هَمَذَانَ، فَمَلَكَاهَا وَمَلَكَا أَعْمَالَ الْجَبَلِ، وَأَجْلَيَا عَنْهَا عُمَّالَ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ، وَأَتَاهُمْ عَسْكَرُ مُنُوجَهْرَ وَعَلِيِّ بْنِ عِمْرَانَ، فَازْدَادُوا قُوَّةً، وَسَارُوا كُلُّهُمْ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَتَحَصَّنَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ بِهَا، وَأَخْرَجَ الْأَمْوَالَ فَحَصَرُوهُ، وَجَرَى بَيْنَهُمْ قِتَالٌ اسْتَظْهَرَ فِيهِ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ، وَقَصَدَهُ كَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ الْعَسْكَرِ، وَهُوَ يَبْذُلُ لِمَنْ يَجِيءُ إِلَيْهِ الْمَالَ الْجَزِيلَ وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، فَأَقَامُوا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْمِيرَةُ، فَعَادُوا عَنْهَا. وَتَبِعَهُمْ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ، وَاسْتَمَالَ الْجُوزَقَانَ، فَمَالَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ، وَتَبِعَهُمْ إِلَى نَهَاوَنْدَ، فَالْتَقَوْا عِنْدَهَا، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا كَثُرَ فِيهِ الْقَتْلَى وَالْأَسْرَى فَظَفِرَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ

стр. 4430

وَقَتَلَ ابْنَيْنِ لِوَلْكِينَ فِي الْمَعْرَكَةِ. وَأُسِرَ الْإِصْبَهْبَذُ وَابْنَانِ لَهُ وَوَزِيرُهُ، وَمَضَى وَلْكِينُ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ إِلَى جُرْجَانَ. وَقَصَدَ عَلِيُّ بْنُ عِمْرَانَ قَلْعَةَ كِنْكَوَرَ، فَتَحَصَّنَ بِهَا، فَسَارَ إِلَيْهِ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ فَحَصَرَهُ بِهَا، وَبَقِيَ إِصْبَهْبَذُ مَحْبُوسًا عِنْدَ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. ثُمَّ إِنَّ وَلْكِينَ بْنَ وَنَدْرِينَ سَارَ بَعْدَ خَلَاصِهِ مِنَ الْوَقْعَةِ إِلَى مُنُوجَهْرَ بْنِ قَابُوسَ، وَأَطْمَعَهُ فِي الرَّيِّ وَمُلْكِهَا، وَهَوَّنَ عَلَيْهِ أَمْرَ الْبِلَادِ لَا سِيَّمَا مَعَ اشْتِغَالِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ بِمُحَاصَرَةِ عَلِيِّ بْنِ عِمْرَانَ، وَانْضَافَ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ وَلَدَ وَلْكِينَ، كَانَ صِهْرَ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ عَلَى ابْنَتِهِ، وَقَدْ أَقْطَعَهُ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ مَدِينَةَ قُمٍّ، فَعَصَى عَلَيْهِ وَصَارَ مَعَ أَبِيهِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَحُثُّهُ عَلَى قَصْدِ الْبِلَادِ، فَسَارَ إِلَيْهَا وَمَعَهُ عَسْكَرُهُ، وَعَسَاكِرُ مُنُوجَهْرَ، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الرَّيِّ، وَقَاتَلُوا مَجْدَ الدَّوْلَةِ بْنَ بُوَيْهِ وَمَنْ مَعَهُ، وَجَرَى بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَقَائِعُ اسْتَظْهَرَ فِيهَا أَهْلُ الرَّيِّ. فَلَمَّا رَأَى عَلَاءُ الدَّوْلَةِ ذَلِكَ صَالَحَ عَلِيَّ بْنَ عِمْرَانَ. فَلَمَّا بَلَغَ وَلْكِينَ الصُّلْحُ بَيْنَ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ وَعَلِيِّ بْنِ عِمْرَانَ رَحَلَ عَنِ الرَّيِّ مِنْ غَيْرِ بُلُوغِ غَرَضٍ، فَتَوَجَّهَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ إِلَى الرَّيِّ، وَرَاسَلَ مُنُوجَهْرَ، وَوَبَّخَهُ وَتَهَدَّدَهُ، وَأَظْهَرَ قَصْدَ بِلَادِهِ، فَسَمِعَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ عِمْرَانَ قَدْ كَاتَبَ مُنُوجَهْرَ، وَأَطْمَعَهُ وَوَعَدَهُ النُّصْرَةَ، وَحَثَّهُ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى الرَّيِّ، فَعَادَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ عَنْ قَصْدِ بِلَادِ مُنُوجَهْرَ، وَتَجَهَّزَ لِقَصْدِ عَلِيِّ بْنِ عِمْرَانَ، فَأَرْسَلَ ابْنُ عِمْرَانَ إِلَى مُنُوجَهْرَ يَسْتَمِدُّهُ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ سِتَّمِائَةِ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ مَعَ قَائِدٍ مِنْ قُوَّادِهِ وَتَحَصَّنَ ابْنُ عِمْرَانَ، وَجَمَعَ عِنْدَهُ الذَّخَائِرَ بِكِنْكَوَرَ، وَقَصَدَهُ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ وَحَصَرَهُ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، فَفَنِيَ مَا عِنْدَهُ، فَأَرْسَلَ يَطْلُبُ الصُّلْحَ، فَاشْتَرَطَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ أَنْ يُسَلِّمَ قَلْعَةَ كِنْكَوَرَ وَالَّذِينَ قَتَلُوا أَبَا جَعْفَرٍ ابْنَ عَمِّهِ، وَالْقَائِدَ الَّذِي سَيَّرَهُ إِلَيْهِ مُنُوجَهْرُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ وَسَيَّرَهُمْ إِلَيْهِ (فَقَتَلَ قَتَلَةَ) ابْنِ عَمِّهِ، وَسَجَنَ الْقَائِدَ، وَتَسَلَّمَ الْقَلْعَةَ، وَأَقْطَعَ عَلِيًّا عِوَضًا عَنْهَا مَدِينَةَ الدِّينَوَرِ، وَأَرْسَلَ مُنُوجَهْرُ إِلَى عَلَاءِ الدَّوْلَةِ فَصَالَحَهُ، فَأَطْلَقَ صَاحِبَهُ.

стр. 4431

ذِكْرُ عِصْيَانِ الْبَطِيحَةِ عَلَى أَبِي كَالِيجَارَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَصَى أَهْلُ الْبَطِيحَةِ عَلَى الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، وَمُقَدَّمُهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ بَكْرٍ الشَّرَابِيُّ، الَّذِي كَانَ قَدِيمًا صَاحِبَ الْبَطِيحَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ. وَكَانَ سَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ أَنَّ الْمَلِكَ أَبَا كَالِيجَارَ سَيَّرَ وَزِيرَهُ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ بَابَشَاذَ إِلَى الْبَطِيحَةِ، فَعَسَفَ النَّاسَ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، وَأَمَرَ الشَّرَابِيَّ فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ دَارٍ بِالصَّلِيقِ قِسْطًا، وَكَانَ فِي صُحْبَتِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ، وَفَارَقُوا أَوْطَانَهُمْ، فَعَزَمَ مَنْ بَقِيَ عَلَى أَنْ يَسْتَدْعُوا مَنْ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِمْ فِي الْعِصْيَانِ عَلَى أَبِي كَالِيجَارَ، وَقَتْلِ الشَّرَابِيِّ، وَكَانُوا يَنْسُبُونَ كُلَّ مَا يَجْرِي (عَلَيْهِمْ إِلَى الشَّرَابِيِّ) . فَعَلِمَ الشَّرَابِيُّ بِذَلِكَ، فَحَضَرَ عِنْدَهُمْ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ، وَبَذَلَ مِنْ نَفْسِهِ مُسَاعَدَتَهُمْ عَلَى مَا يُرِيدُونَهُ، (فَرَضُوا بِهِ) ، وَحَلَفُوا لَهُ، وَحَلَفَ لَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِكِتْمَانِ الْحَالِ. وَعَادَ إِلَى الْوَزِيرِ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِإِرْسَالِ أَصْحَابِهِ إِلَى جِهَاتٍ ذَكَرَهَا لِيُحَصِّلُوا الْأَمْوَالَ، فَقَبِلَ مِنْهُ، ثُمَّ أَشَارَ عَلَيْهِ بِإِحْضَارِ سُفُنِهِ إِلَى مَكَانٍ ذَكَرَهُ لِيُصْلِحَ مَا فَسَدَ مِنْهَا، فَفَعَلَ. فَلَمَّا تَمَّ لَهُ ذَلِكَ وَثَبَ هُوَ وَأَهْلُ الْبَطِيحَةِ عَلَيْهِ، وَأَخْرَجُوهُ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَكَانَ عِنْدَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ عَسْكَرِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ فِي الْحَبْسِ، فَأَخْرَجُوهُمْ، وَاسْتَعَانُوا بِهِمْ، وَاتَّفَقُوا مَعَهُمْ، وَفَتَحُوا السَّوَاقِيَ، وَعَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ أَيَّامَ مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ، وَقَاتَلُوا كُلَّ مَنْ قَصَدَهُمْ، وَامْتَنَعُوا فَتَمَّ لَهُمْ ذَلِكَ. ثُمَّ قَصَدَهُ ابْنُ الْمَعْبَرَانِيِّ فَاسْتَوْلَى عَلَى الْبَطِيحَةِ، وَفَارَقَهَا الشَّرَابِيُّ إِلَى دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ مُكَرَّمًا. ذِكْرُ صُلْحِ أَبِي كَالِيجَارَ مَعَ عَمِّهِ صَاحِبِ كِرْمَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَقَرَّ الصُّلْحُ بَيْنَ أَبِي كَالِيجَارَ وَبَيْنَ عَمِّهِ أَبِي الْفَوَارِسِ، صَاحِبِ

стр. 4432

كِرْمَانَ، وَكَانَ أَبُو كَالِيجَارَ قَدْ سَارَ إِلَى كِرْمَانَ لِقِتَالِ عَمِّهِ وَأَخْذِ كِرْمَانَ مِنْهُ، فَاحْتَمَى مِنْهُ بِالْجِبَالِ، وَحَمِيَ الْحَرُّ عَلَى أَبِي كَالِيجَارَ وَعَسْكَرِهِ، فَكَثُرَتِ الْأَمْرَاضُ، فَتَرَاسَلَا فِي الصُّلْحِ، فَاصْطَلَحَا عَلَى أَنْ تَكُونَ كِرْمَانُ لِأَبِي الْفَوَارِسِ، وَبِلَادُ فَارِسَ لِأَبِي كَالِيجَارَ، وَيَحْمِلُ إِلَى عَمِّهِ كُلَّ سَنَةٍ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَلَمَّا عَادَ أَبُو كَالِيجَارَ إِلَى الْأَهْوَازِ جَعَلَ أُمُورَ دَوْلَتِهِ إِلَى الْعَادِلِ بْنِ مَافَنَّةَ، فَأَجَابَهُ بَعْدَ امْتِنَاعٍ، وَكَانَ مَوْلِدُ الْعَادِلِ بِكَازَرُونَ سَنَةَ سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَشَرَطَ الْعَادِلُ أَنْ لَا يُعَارَضَ فِي الَّذِي يَفْعَلُهُ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ. ذِكْرُ الْخُطْبَةِ لِجَلَالِ الدَّوْلَةِ بِبَغْدَاذَ وَإِصْعَادِهِ إِلَيْهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، (خُطِبَ لِلْمَلِكِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ) أَبِي طَاهِرِ بْنِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ بِبَغْدَاذَ، وَأَصْعَدَ إِلَيْهَا مِنَ الْبَصْرَةِ فَدَخَلَهَا ثَالِثَ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَتْرَاكَ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْبِلَادَ تُخَرَّبُ، وَأَنَّ الْعَامَّةَ وَالْعَرَبَ وَالْأَكْرَادَ قَدْ طَمِعُوا، وَأَنَّهُمْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ سُلْطَانٌ يَجْمَعُ كَلِمَتَهُمْ، قَصَدُوا دَارَ الْخِلَافَةِ، وَأَرْسَلُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَى الْخَلِيفَةِ مِنِ انْفِرَادِهِمْ بِالْخُطْبَةِ لِجَلَالِ الدَّوْلَةِ أَوَّلًا، ثُمَّ بَرَدِّهِ ثَانِيًا، وَبِالْخُطْبَةِ لِأَبِي كَالِيجَارَ، وَيَشْكُرُونَ الْخَلِيفَةَ حَيْثُ لَمْ يُخَالِفْهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالُوا: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صَاحِبُ الْأَمْرِ، وَنَحْنُ الْعَبِيدُ، وَقَدْ أَخْطَأْنَا وَنَسْأَلُ الْعَفْوَ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا الْآنَ مَنْ يَجْمَعُ كَلِمَتَنَا، وَنَسْأَلُ أَنْ تُرْسِلَ إِلَى جَلَالِ الدَّوْلَةِ لِيَصْعَدَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَيَمْلِكَ الْأَمْرَ، وَيَجْمَعَ الْكَلِمَةَ، وَيُخْطُبَ لَهُ فِيهَا، وَيَسْأَلُونَ أَنْ يُحَلِّفَهُ الرَّسُولُ السَّائِرُ لِإِحْضَارِهِ لَهُمْ. فَأَجَابَهُمُ الْخَلِيفَةُ إِلَى مَا سَأَلُوا، وَرَاسَلَهُ هُوَ وَقُوَّادُ الْجُنْدِ فِي الْإِصْعَادِ وَالْيَمِينِ لِلْخَلِيفَةِ وَالْأَتْرَاكِ، فَحَلَفَ لَهُمْ، وَأَصْعَدَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَانْحَدَرَ الْأَتْرَاكُ إِلَيْهِ، فَلَقُوهُ فِي الطَّرِيقِ، وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِ الْقَاضِيَ أَبَا جَعْفَرٍ السِّمْنَانِيَّ، فَأَعَادَ تَجْدِيدَ الْعَهْدِ عَلَيْهِ لِلْخَلِيفَةِ وَالْأَتْرَاكِ، فَفَعَلَ. وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَغْدَاذَ نَزَلَ النَّجْمِيُّ، فَرَكِبَ الْخَلِيفَةُ فِي الطَّيَّارِ وَانْحَدَرَ يَلْتَقِيهِ

стр. 4433

فَلَمَّا رَآهُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ قَبَّلَ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَرَكِبَ فِي زَبْزَبِهِ، وَوَقَفَ قَائِمًا، فَأَمَرَهُ الْخَلِيفَةُ بِالْجُلُوسِ، فَخَدَمَ وَجَلَسَ وَدَخَلَ إِلَى دَارِ الْمَمْلَكَةِ بَعْدَ أَنْ مَضَى إِلَى مَشْهَدِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ فَزَارَ، وَقَصَدَ الدَّارَ فَدَخَلَهَا، وَأَمَرَ بِضَرْبِ الطَّبْلِ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَرَاسَلَهُ الْخَلِيفَةُ فِي مَنْعِهِ، فَقَطَعَهُ غَضَبًا، حَتَّى أَذِنَ لَهُ فِي إِعَادَتِهِ فَفَعَلَ. وَأَرْسَلَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ مُؤَيِّدَ الْمُلْكِ أَبَا عَالِي الرُّخَّجِيَّ إِلَى الْأَثِيرِ عَنْبَرٍ الْخَادِمِ. وَهُوَ عِنْدَ قِرْوَاشٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ، يُعَرِّفُهُ اعْتِضَادَهُ بِهِ، وَاعْتِمَادَهُ عَلَيْهِ، وَمَحَبَّتَهُ لَهُ، وَيَعْتَذِرُ إِلَيْهِ عَنِ الْأَتْرَاكِ، فَعَذَرَهُمْ وَقَالَ: هُمْ أَوْلَادٌ وَإِخْوَةٌ. ذِكْرُ وَفَاةِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْمَغْرِبِيِّ وَأَبِي الْخَطَّابِ أَمَّا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْمَغْرِبِيِّ فَتُوُفِّيَ هَذِهِ السَّنَةَ بِمَيَّافَارِقِينَ، وَكَانَ عُمْرُهُ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَمَّا أَحَسَّ بِالْمَوْتِ كَتَبَ كُتُبًا عَنْ نَفْسِهِ إِلَى كُلِّ مَنْ يَعْرِفُهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ الَّذِينَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُوفَةِ، وَيُعَرِّفُهُمْ أَنَّ حَظِيَّةً لَهُ تُوُفِّيَتْ، وَأَنَّهُ قَدْ سَيَّرَ تَابُوتَهَا إِلَى مَشْهَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، عَلِيٍّ، ﵇، وَخَاطَبَهُمْ فِي الْمُرَاعَاةِ لِمَنْ فِي صُحْبَتِهِ. وَكَانَ قَصْدُهُ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ أَحَدٌ لِتَابُوتِهِ بِمَنْعٍ، وَيَنْطَوِي خَبَرُهُ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ سَارَ بِهِ أَصْحَابُهُ، كَمَا أَمَرَهُمْ، وَأَوْصَلُوا الْكُتُبَ، فَلَمْ يَعْرِضْ أَحَدٌ إِلَيْهِ فَدُفِنَ بِالْمَشْهَدِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَحَدٌ إِلَّا بَعْدَ دَفْنِهِ. وَلِأَبِي الْقَاسِمِ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْهُ (هَذِهِ الْأَبْيَاتُ) : وَمَا ظَبْيَةٌ أَدْمَاءُ تَحْنُو عَلَى طَلًا ، تَرَى الْإِنْسَ وَحْشًا وَهِيَ تَأْنَسُ بِالْوَحْشِ ... غَدَتْ فَارْتَعَتْ ثُمَّ انْثَنَتْ لِرَضَاعِهِ ، فَلَمْ تُلْفِ شَيْئًا مِنْ قَوَائِمِهِ الْحُمْشِ

стр. 4434

فَطَافَتْ بِذَاكَ الْقَاعِ وَلْهَى ، فَصَادَفَتْ سِبَاعَ الْفَلَا يَنْهَشْنَهُ أَيَّمَا نَهْشِ بِأَوْجَعَ مِنِّي يَوْمَ ظَلَّتْ أَنَامِلٌ ... تُوَدِّعُنِي بِالدُّرِّ مِنْ شَبَكِ النَّقْشِ وَأَجْمَالُهُمْ تُحْدَى وَقَدْ خَيَّلَ الْهَوَى ... كَأَنَّ مَطَايَاهُمْ عَلَى نَاظِرَيْ تَمْشِي وَأَعْجَبُ مَا فِي الْأَمْرِ أَنْ عِشْتُ بَعْدَهُمْ ... عَلَى أَنَّهُمْ مَا خَلَّفُوا لِي مِنْ بَطْشِ وَأَمَّا أَبُو الْخَطَّابِ حَمْزَةُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ مَاتَ بِكَرْخِ سَامَرَّا مَفْلُوجًا، غَرِيبًا، قَدْ زَالَ عَنْهُ أَمْرُهُ وَجَاهُهُ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَرَثَاهُ الْمُرْتَضَى، وَكَانَ سَبَبُ اتِّصَالِهِ بِبَهَاءِ الدَّوْلَةِ مَعْرِفَةَ النُّجُومِ، وَبَلَغَ مِنْهُ مَنْزِلَةً لَمْ يَبْلُغْهَا أَمْثَالُهُ، فَكَانَ الْوُزَرَاءُ يَخْدُمُونَهُ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ فَخْرُ الْمُلْكِ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ فَاسْتَقَلَّهَا، وَصَارَ أَمْرُهُ إِلَى مَا صَارَ مِنَ الضِّيقِ وَالْفَقْرِ وَالْغُرْبَةِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَقَطَ فِي الْعِرَاقِ جَمِيعِهِ بَرَدٌ كِبَارٌ (يَكُونُ فِي) الْوَاحِدَةِ رِطْلٌ أَوْ رِطْلَانِ، وَأَصْغَرُهُ كَالْبَيْضَةِ، فَأَهْلَكَ الْغَلَّاتِ، وَلَمْ يَصِحَّ مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيلُ. وَفِيهَا آخِرَ تِشْرِينَ الثَّانِي هَبَّتْ رِيحٌ بَارِدَةٌ بِالْعِرَاقِ جَمَدَ مِنْهَا الْمَاءُ وَالْخَلُّ، وَبَطَلَ دَوَرَانُ الدَّوَالِيبِ عَلَى دِجْلَةَ. وَفِيهَا انْقَطَعَ الْحَجُّ مِنْ خُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ.

стр. 4435

وَفِيهَا نُقِضَتِ الدَّارُ الْمُعِزِّيَةُ، وَكَانَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ بَنَاهَا وَعَظَّمَهَا، وَغَرِمَ عَلَيْهَا أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَوَّلُ مَنْ شَرَعَ فِي تَخْرِيبِهَا بَهَاءُ الدَّوْلَةِ، فَإِنَّهُ لَمَّا عَمَّرَ دَارَهُ بِسُوقِ الثُّلَاثَاءِ نَقَلَ إِلَيْهَا مِنْ أَنْقَاضِهَا، وَأَخَذَ سَقْفًا مِنْهَا وَأَرَادَ أَنْ يَنْقُلَهُ إِلَى شِيرَازَ، فَلَمْ يَتِمَّ ذَلِكَ، فَبَذَلَ فِيهِ مَنْ يَحُكُّ ذَهَبَهُ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَنُقِضَتِ الْآنَ، وَبِيعَ أَنْقَاضُهَا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مَنْصُورٍ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالْكَائِيُّ الرَّازِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، وَصَنَّفَ كُتُبًا. وَأَبُو الْقَاسِمِ طَبَاطَبَا الشَّرِيفُ الْعَلَوِيُّ، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ، فَمِنْهُ أَنَّ صَدِيقًا لَهُ كَتَبَ إِلَيْهِ رُقْعَةً، فَأَجَابَهُ عَلَى ظَهْرِهَا (هَذِهِ الْأَبْيَاتِ) : وَقَرَأْتُ الَّذِي كَتَبْتَ، وَمَا ... زَا لَ نَجِيِّي وَمُؤْنِسِي وَسَمِيرِي وَغَدَا الْفَأْلُ بِامْتِزَاجِ السُّطُورِ ... حَاكِمًا بِامْتِزَاجِ مَا فِي الضَّمِيرِ وَاقْتِرَانُ الْكَلَامِ لَفْظًا وَخَطًّا ... شَاهِدًا بِاقْتِرَانِ وُدِّ الصُّدُورِ وَتَبَرَّكْتُ بِاجْتِمَاعِ الْكَلَامَيْ ... نِ رَجَاءَ اجْتِمَاعِنَا فِي سُرُورِ وَتَفَاءَلْتُ بِالظُّهُورِ عَلَى الْوَا شِيِ ، فَصَارَتْ إِجَابَتِي فِي الصُّدُورِ

стр. 4436

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤١٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ بَدْرَانَ وَعَسْكَرِ نَصْرِ الدَّوْلَةِ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، سَارَ بَدْرَانُ بْنُ الْمُقَلَّدُ الْعُقَيْلِيُّ فِي جَمْعٍ مِنَ الْعَرَبِ إِلَى نَصِيبِينَ وَحَصَرَهَا، وَكَانَتْ لِنَصْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ مَرْوَانَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَسْكَرُ نَصْرِ الدَّوْلَةِ الَّذِينَ بِهَا، وَقَاتَلُوهُ، فَهَزَمَهُمْ، وَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهِمْ، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ نَصِيبِينَ وَالْعَسْكَرِ، فَسَيَّرَ نَصْرُ الدَّوْلَةِ عَسْكَرًا آخَرَ نَجْدَةً لِمَنْ بِنَصِيبِينَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ بَدْرَانُ عَسْكَرًا، فَلَقُوهُمْ، فَقَاتَلُوهُمْ وَهَزَمُوهُمْ، وَقَتَلُوا أَكْثَرَهُمْ. فَأَزْعَجَ ذَلِكَ ابْنَ مَرْوَانَ، وَأَقْلَقَهُ فَسَيَّرَ عَسْكَرًا آخَرَ ثَلَاثَةَ آلَافِ فَارِسٍ، فَدَخَلُوا نَصِيبِينَ، وَاجْتَمَعُوا بِمَنْ فِيهَا، وَخَرَجُوا إِلَى بَدْرَانَ فَاقْتَتَلُوا فَانْهَزَمَ بَدْرَانُ وَمَنْ مَعَهُ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ، وَقْتَ الظُّهْرِ، وَتَبِعَهُمْ عَسْكَرُ ابْنِ مَرْوَانَ. ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِمْ بَدْرَانُ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَثْبُتُوا لَهُ، فَأَكْثَرَ فِيهِمُ الْقَتْلَ وَالْأَسْرَ، وَغَنِمَ الْأَمْوَالَ، فَعَادَ عَسْكَرُ ابْنِ مَرْوَانَ مَفْلُولِينَ، فَدَخَلُوا نَصِيبِينَ، فَاجْتَمَعُوا بِهَا وَاقْتَتَلُوا مَرَّةً أُخْرَى، وَكَانُوا عَلَى السَّوَاءِ، ثُمَّ سَمِعَ بَدْرَانُ بِأَنَّ أَخَاهُ قِرْوَاشًا قَدْ وَصَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ فَرَحَلَ خَوْفًا مِنْهُ لِأَنَّهُمَا كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ. ذِكْرُ شَغَبِ الْأَتْرَاكِ بِبَغْدَاذَ عَلَى جَلَالِ الدَّوْلَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَارَ الْأَتْرَاكُ بِبَغْدَاذَ عَلَى جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَشَغَبُوا، وَطَالَبُوا الْوَزِيرَ أَبَا عَلِيِّ بْنَ مَاكُولَا بِمَا لَهُمْ مِنَ الْعَلُوفَةِ وَالْإِدْرَارِ، وَنَهَبُوا دَارَهُ، وَدُورَ كُتَّابِ الْمَلِكِ

стр. 4437

وَحَوَاشِيهِ، حَتَّى الْمُغَنِّينَ وَالْمُخَنَّثِينَ، وَنَهَبُوا صِيَاغَاتٍ أَخْرَجَهَا جَلَالُ الدَّوْلَةِ لِتُضْرَبَ دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ، وَتُفَرَّقَ فِيهِمْ وَحَصَرُوا جَلَالَ الدَّوْلَةِ فِي دَارِهِ، وَمَنَعُوهُ الطَّعَامَ وَالْمَاءَ حَتَّى شَرِبَ أَهْلُهُ مَاءَ الْبِئْرِ، وَأَكَلُوا ثَمَرَةَ الْبُسْتَانِ. فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُمَكِّنُوهُ مِنَ الِانْحِدَارِ، فَاسْتَأْجَرُوا لَهُ وَلِأَهْلِهِ وَأَثْقَالِهِ سُفُنًا، فَجَعَلَ بَيْنَ الدَّارِ وَالسُّفُنِ سُرَادِقًا لِتَجْتَازَ حُرَمُهُ فِيهِ، لِئَلَّا يَرَاهُمُ الْعَامَّةُ وَالْأَجْنَادُ فَقَصَدَ بَعْضُ الْأَتْرَاكِ السُّرَادِقَ، فَظَنَّ جَلَالُ الدَّوْلَةِ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْحُرَمَ، فَصَاحَ بِهِمْ يَقُولُ لَهُمْ: بَلَغَ أَمْرُكُمْ إِلَى الْحُرَمِ! وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ، وَبِيَدِهِ طَبَرٌ، فَصَاحَ صِغَارُ الْغِلْمَانِ وَالْعَامَّةِ: جَلَالُ الدَّوْلَةِ يَا مَنْصُورُ، وَنَزَلَ أَحَدُهُمْ عَنْ فَرَسِهِ وَأَرْكَبَهُ إِيَّاهُ، وَقَبَّلُوا الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَلَمَّا رَأَى قُوَّادُ الْأَتْرَاكِ ذَلِكَ هَرَبُوا إِلَى خِيَامِهِمْ بِالرَّمْلَةِ، وَخَافُوا عَلَى نُفُوسِهِمْ، وَكَانَ فِي الْخِزَانَةِ سِلَاحٌ كَثِيرٌ، فَأَعْطَاهُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ أَصَاغِرَ الْغِلْمَانِ وَجَعَلَهُمْ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ لِيُصْلِحَ الْأَمْرَ مَعَ أُولَئِكَ الْقُوَّادِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الْخَلِيفَةُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ، فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَحَلَفُوا، فَقَبَّلُوا الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَرَجَعُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ، فَلَمْ يَمْضِ غَيْرُ أَيَّامٍ حَتَّى عَادُوا إِلَى الشَّغَبِ، فَبَاعَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ فَرْشَهُ وَثِيَابَهُ وَخِيَمَهُ وَفَرَّقَ ثَمَنَهُ فِيهِمْ حَتَّى سَكَنُوا. ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الدَّيْلَمِ وَالْأَتْرَاكِ بِالْبَصْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلِيَ النَّفِيسُ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ أَرْدَشِيرَ الْبَصْرَةَ، اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا جَلَالُ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْمَشَانِ مُنْحَدِرًا إِلَيْهَا وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّيْلَمِ الَّذِينَ بِالْمَشَانِ وَقْعَةٌ فَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهِمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ. وَكَانَتِ الْفِتَنُ بِالْبَصْرَةِ بَيْنَ الْأَتْرَاكِ وَالدَّيْلَمِ، وَبِهَا الْمَلِكُ الْعَزِيزُ أَبُو مَنْصُورِ [بْنُ] جَلَالِ الدَّوْلَةِ، فَقَوِيَ الْأَتْرَاكُ بِهَا فَأَخْرَجُوا الدَّيْلَمَ، فَمَضُوا إِلَى الْأُبُلَّةِ، وَصَارُوا مَعَ بَخْتَيَارَ بْنِ عَلِيٍّ، فَسَارَ إِلَيْهِمُ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ بِالْأُبُلَّةِ لِيُعِيدَهُمْ وَيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَتْرَاكِ

стр. 4438

فَكَاشَفُوهُ وَحَمَلُوا عَلَيْهِ، وَنَادَوْا بِشِعَارِ أَبِي كَالِيجَارَ، فَعَادَ مُنْهَزِمًا فِي الْمَاءِ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَنَهَبَ بَخْتَيَارُ نَهْرَ الدَّيْرِ وَالْأُبُلَّةِ وَغَيْرَهُمَا مِنَ السَّوَادِ، وَأَعَانَهُ الدَّيْلَمُ، وَنَهَبَ الْأَتْرَاكُ أَيْضًا، وَارْتَكَبُوا الْمَحْظُورَ، وَنَهَبُوا دَارَ بِنْتِ الْأَوْحَدِ بْنِ مُكْرَمٍ زَوْجَةِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ أَبِي كَالِيجَارَ عَلَى الْبَصْرَةِ لَمَّا بَلَغَ الْمَلِكَ أَبَا كَالِيجَارَ مَا كَانَ بِالْبَصْرَةِ سَيَّرَ جَيْشًا إِلَى بَخْتَيَارَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْصِدَ الْبَصْرَةَ فَيَأْخُذَهَا. فَسَارُوا إِلَيْهَا، وَبِهَا الْمَلِكُ الْعَزِيزُ بْنُ جَلَالِ الدَّوْلَةِ فَقَاتَلَهُمْ لِيَمْنَعَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِمْ قُوَّةٌ، فَانْهَزَمَ مِنْهُمْ، وَفَارَقَ الْبَصْرَةَ، وَكَادَ يَهْلِكُ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ عَطَشًا، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِمَطَرٍ جُودٍ، فَشَرِبُوا مِنْهُ، وَأَصْعَدُوا إِلَى وَاسِطٍ. وَمَلَكَ عَسْكَرُ أَبِي كَالِيجَارَ الْبَصْرَةَ، وَنَهَبَ الدَّيْلَمُ أَسْوَاقَهَا، وَسَلِمَ مِنْهَا الْبَعْضُ بِمَالٍ بَذَلُوهُ لِمَنْ يَحْمِيهِمْ، وَتَتَبَّعُوا أَمْوَالَ أَصْحَابِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ مِنَ الْأَتْرَاكِ وَغَيْرِهِمْ. فَلَمَّا بَلَغَ جَلَالَ الدَّوْلَةِ الْخَبَرُ أَرَادَ الِانْحِدَارَ إِلَى وَاسِطٍ، فَلَمْ يُوَافِقْهُ الْجُنْدُ، وَطَلَبُوا مِنْهُ مَالًا يُفَرَّقُ فِيهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ، فَمَدَّ يَدَهُ فِي مُصَادَرَاتِ النَّاسِ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ لَا سِيَّمَا أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ، فَصَادَرَ جَمَاعَةً. ذِكْرُ وَفَاةِ صَاحِبِ كِرْمَانَ وَاسْتِيلَاءِ أَبِي كَالِيجَارَ عَلَيْهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، تُوُفِّيَ قِوَامُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْفَوَارِسِ بْنُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، صَاحِبُ كِرْمَانَ، وَكَانَ قَدْ تَجَهَّزَ لِقَصْدِ بِلَادِ فَارِسَ، وَجَمَعَ عَسْكَرًا كَثِيرًا، فَأَدْرَكَهُ أَجَلُهُ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ نَادَى أَصْحَابُهُ بِشِعَارِ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، وَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَطْلُبُونَهُ إِلَيْهِمْ، فَسَارَ مُجِدًّا، وَمَلَكَ الْبِلَادَ بِغَيْرِ حَرْبٍ وَلَا قِتَالٍ، وَأَمِنَ النَّاسُ مَعَهُ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَ عَمَّهُ أَبَا الْفَوَارِسِ لِظُلْمِهِ وَسُوءِ سِيرَتِهِ، وَكَانَ إِذَا شَرِبَ ضَرَبَ أَصْحَابَهُ، وَضَرَبَ وَزِيرَهُ يَوْمًا مِائَتَيْ مِقْرَعَةٍ، وَحَلَّفَهُ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا يَتَأَوَّهُ، وَلَا يُخْبِرُ بِذَلِكَ أَحَدًا، فَقِيلَ إِنَّهُمْ سَمُّوهُ فَمَاتَ.

стр. 4439

ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ مَنْصُورِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَلَى الْجَزِيرَةِ الدُّبَيْسِيَّةِ كَانَ مَنْصُورُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَسَدِيُّ قَدْ مَلَكَ الْجَزِيرَةَ الدُّبَيْسِيَّةَ، وَهِيَ تُجَاوِرُ خُوزِسْتَانَ، وَنَادَى بِشِعَارِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَأَخْرَجَ صَاحِبَهَا طَرَّادَ بْنَ دُبَيْسٍ الْأَسَدِيَّ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَمَاتَ طَرَّادٌ عَنْ قَرِيبٍ، فَلَمَّا مَاتَ طَرَّادٌ سَارَ ابْنُهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ إِلَى بَغْدَاذَ يَسْأَلُ أَنْ يُرْسِلَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ مَعَهُ عَسْكَرًا إِلَى بَلَدِهِلِيُخْرِجَ مَنْصُورًا مِنْهُ وَيُسَلِّمَهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ مَنْصُورٌ قَدْ قَطَعَ خُطْبَةَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ وَخَطَبَ لِلْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، فَسَيَّرَ مَعَهُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ طَائِفَةً مِنَ الْأَتْرَاكِ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى وَاسِطٍ لَمْ يَقِفْ عَلِيُّ بْنُ طَرَّادٍ حَتَّى تَجْتَمِعَ مَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ عَسْكَرِ وَاسِطٍ، وَسَارَ عَجِلًا. وَاتَّفَقَ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ كُورَكِيرَ كَانَ قَدْ هَرَبَ مِنْ جَلَالِ الدَّوْلَةِ وَهُوَ يُرِيدُ اللَّحَاقَ بِأَبِي كَالِيجَارَ، فَسَمِعَ هَذَا الْخَبَرَ، فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: الْمَصْلَحَةُ أَنَّنَا نُعِينُ مَنْصُورًا، وَلَا نُمَكِّنُ عَسْكَرَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ مِنْ إِخْرَاجِهِ، وَنَتَّخِذُ بِهَذَا الْفِعْلِ يَدًا عِنْدَ أَبِي كَالِيجَارَ. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَسَارَ إِلَى مَنْصُورٍ وَاجْتَمَعَ مَعَهُ، وَالْتَقَوْا هُمْ وَعَسْكَرُ جَلَالِ الدَّوْلَةِ الَّذِينَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ طَرَّادٍ بِيَسْبَرُوذَ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَقَتَلَ عَلِيُّ بْنُ طَرَّادٍ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنَ الْأَتْرَاكِ، وَهَلَكَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ بِالْعَطَشِ، وَاسْتَقَرَّ مُلْكُ مَنْصُورٍ بِهَا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الدِّزْبَرِيُّ وَعَسَاكِرُ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ، فَأَوْقَعُوا بِصَالِحِ بْنِ مِرْدَاسٍ وَابْنِ الْجَرَّاحِ الطَّائِيِّ، فَهَزَمَهُمَا، وَقَتَلَ صَالِحًا وَابْنَهُ الْأَصْغَرَ، وَمَلَكَ جَمِيعَ الشَّامِ، (وَقِيلَ سَنَةَ عِشْرِينَ) [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] .

стр. 4440

وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ أَمُّ مَجْدِ الدَّوْلَةِ بْنِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، وَهِيَ الَّتِي تُدَبِّرُ الْمَمْلَكَةَ وَتُرَتِّبُ الْأُمُورُ. وَفِيهَا عُزِلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مَاكُولَا مِنْ وَزَارَةِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَوَلِيَ الْوَزَارَةَ بَعْدَهُ أَبُو طَاهِرٍ الْمُحْسِنُ بْنُ طَاهِرٍ ثُمَّ عُزِلَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَوَلِيَ بَعْدَهُ أَبُو سَعْدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ قُسْطَنْطِينُ مَلِكُ الرُّومِ، وَانْتَقَلَ الْمُلْكُ إِلَى بِنْتٍ لَهُ، وَقَامَ بِتَدَبُّرِ الْمُلْكِ وَالْجُيُوشِ زَوْجُهَا، وَهُوَ ابْنُ خَالِهَا. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْوَزِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فَسَانْجَسَ بَأَرْبَقَ. وَفِيهَا عُدِمَتِ الْأَرْطَابُ بِالْعِرَاقِلِلْبَرْدِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي السَّنَةِ قَبْلَهَا، وَكَانَ يُحْمَلُ مِنَ الْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ مِنْهُ. وَفِيهَا انْقَطَعَ الْحَجُّ مِنَ الْعِرَاقِ، فَمَضَى حُجَّاجُ خُرَاسَانَ إِلَى كِرْمَانَ، وَرَكِبُوا فِي الْبَحْرِ إِلَى جُدَّةَ، وَحَجُّوا. [الْوَفَيَاتُ] وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَخْلَدٍ أَبُو الْحَسَنِ التَّاجِرُ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الرَّزَّازِ وَعُمَرَ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ، وَكَانَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ فَسَافَرَ إِلَى مِصْرَ خَوْفَ الْمُصَادَرَةِ، فَأَقَامَ بِهَا سَنَةً، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَأُخِذَ مَالُهُ فِي التَّقْسِيطِ عَلَى الْكَرْخِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَافْتَقَرَ، فَلَمَّا مَاتَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنٌ، فَأَرْسَلَ لَهُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ.

стр. 4441

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ٤٢٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ يَمِينِ الدَّوْلَةِ الرَّيَّ وَبَلَدَ الْجَبَلِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ نَحْوَ الرَّيِّ، فَانْصَرَفَ مُنُوجَهْرُ بْنُ قَابُوسَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَهُوَ صَاحِبُ جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَأَنْزَالًا كَثِيرَةً. وَكَانَ مَجْدُ الدَّوْلَةِ بْنُ فَخْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، صَاحِبُ الرَّيِّ، قَدْ كَاتَبَهُ يَشْكُو إِلَيْهِ جُنْدَهُ وَكَانَ مُتَشَاغِلًا بِالنِّسَاءِ، وَمُطَالَعَةِ الْكُتُبِ وَنَسْخِهَا، وَكَانَتْ وَالِدَتُهُ تُدَبِّرُ مَمْلَكَتَهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ طَمِعَ جُنْدُهُ فِيهِ. وَاخْتَلَّتْ أَحْوَالُهُ، فَحِينَ وَصَلَتْ كُتُبُهُ إِلَى مَحْمُودٍ سَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا، وَجَعَلَ مُقَدَّمَهُمْ حَاجِبَهُ، وَأَمَرَهَ أَنْ يَقْبِضَ عَلَى مَجْدِ الدَّوْلَةِ. فَلَمَّا وَصَلَ الْعَسْكَرُ إِلَى الرَّيِّ رَكِبَ مَجْدُ الدَّوْلَةِ يَلْتَقِيهِمْ. فَقَبَضُوا عَلَيْهِ وَعَلَى أَبِي دُلَفَ وَلَدِهِ. فَلَمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى يَمِينِ الدَّوْلَةِ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ سَارَ إِلَى الرَّيِّ، فَوَصَلَهَا فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَدَخَلَهَا، وَأَخَذَ مِنَ الْأَمْوَالِ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَمِنَ الْجَوَاهِرِ مَا قِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَمِنَ الثِّيَابِ سِتَّةَ آلَافِ ثَوْبٍ، وَمِنَ الْآلَاتِ وَغَيْرِهَا مَا لَا يُحْصَى، وَأَحْضَرَ مَجْدَ الدَّوْلَةِ، وَقَالَ لَهُ: أَمَا قَرَأْتَ شَاهْنَامَهْ، وَهُوَ تَارِيخُ الْفُرْسِ، وَتَارِيخُ الطَّبَرِيِّ، وَهُوَ تَارِيخُ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: بَلَى! قَالَ: مَا حَالُكَ مَنْ قَرَأَهَا. أَمَا لَعِبْتَ بِالشَّطْرَنْجِ؟ قَالَ: بَلَى! قَالَ: فَهَلْ رَأَيْتَ شَاهًا يَدْخُلُ عَلَى شَاهٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ سَلَّمْتَ نَفْسَكَ إِلَى مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْكَ؟ ثُمَّ سَيَّرَهُ إِلَى خُرَاسَانَ مَقْبُوضًا، ثُمَّ مَلَكَ قَزْوِينَ

стр. 4442

وَقِلَاعَهَا. وَمَدِينَةَ سَاوَةَ وَآبَهَ، وَيَافَتَ، وَقَبَضَ عَلَى صَاحِبِهَا وَلْكِينَ بْنِ وَنَدْرِينَ، وَسَيَّرَهُ إِلَى خُرَاسَانَ. وَلَمَّا مَلَكَ مَحْمُودٌ الرَّيَّ كَتَبَ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْقَادِرِ بِاللَّهِ يَذْكُرُ أَنَّهُ وَجَدَ لِمَجْدِ الدَّوْلَةِ مِنَ النِّسَاءِ الْحَرَائِرِ مَا يَزِيدُ عَلَى خَمْسِينَ امْرَأَةً وَلَدْنَ لَهُ نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ وَلَدًا، وَلَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: هَذِهِ عَادَةُ سَلَفِي. وَصُلِبَ مِنْ أَصْحَابِهِ الْبَاطِنِيَّةِ خَلْقًا كَثِيرًا. وَنَفَى الْمُعْتَزِلَةَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَأَحْرَقَ كُتُبَ الْفَلْسَفَةِ وَمَذَاهِبِ الِاعْتِزَالِ وَالنُّجُومِ، وَأَخَذَ مِنَ الْكُتُبِ مَا سِوَى ذَلِكَ مِائَةَ حِمْلٍ. وَتَحَصَّنَ مِنْهُ مُنُوجَهْرُ بْنُ قَابُوسَ بْنِ وَشْمَكِيرَ بِجِبَالٍ حَصِينَةٍ، وَعْرَةِ الْمَسَالِكِ، فَلَمْ يَشْعُرْ إِلَّا وَقَدْ أَطَلَّ عَلَيْهِ يَمِينُ الدَّوْلَةِ، فَهَرَبَ مِنْهُ إِلَى غِيَاضٍ حَصِينَةٍ، وَبَذَلَ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ لِيُصْلِحَهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ الْمَالَ إِلَيْهِ، فَسَارَ عَنْهُ إِلَى نَيْسَابُورَ. ثُمَّ تُوُفِّيَ مُنُوجَهْرُ عَقِيبَ ذَلِكَ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَنُوشَرْوَانُ، فَأَقَرَّهُ مَحْمُودٌ عَلَى وِلَايَتِهِ. وَقَرَّرَ عَلَيْهِ خَمْسَمِائَةِ أَلْفٍ دِينَارٍ أُخْرَى، وَخُطِبَ لِمَحْمُودٍ فِي أَكْثَرِ بِلَادِ الْجَبَلِ إِلَى حُدُودِ أَرْمِينِيَّةَ، وَافْتَتَحَ ابْنُهُ مَسْعُودٌ زَنْجَانَ وَأَبْهَرَ، وَخَطَبَ لَهُ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ بَأَصْبَهَانَ، وَعَادَ مَحْمُودٌ إِلَى خُرَاسَانَ وَاسْتَخْلَفَ بِالرَّيِّ ابْنَهُ مَسْعُودًا، فَقَصَدَ أَصْبَهَانَ، وَمَلَكَهَا مِنْ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ، وَعَادَ عَنْهَا، وَاسْتَخْلَفَ بِهَا بَعْضَ أَصْحَابِهِ، فَثَارَ بِهِ أَهْلُهَا فَقَتَلُوهُ، فَعَادَ إِلَيْهِمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً نَحْوَ خَمْسَةِ آلَافِ قَتِيلٍ. وَسَارَ إِلَى الرَّيِّ فَأَقَامَ بِهَا. ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ السَّالَارُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ بَعْدَ عَوْدِ يَمِينِ الدَّوْلَةِ عَنِ الرَّيِّ هَذَا السَّالَارُ هُوَ إِبْرَاهِيمُ الْمَرْزُبَانُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ وَهْسُوذَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسَافِرٍ الدَّيْلَمِيُّ، وَكَانَ لَهُ مِنْ بِلَادِ سَرْجَهَانَ، وَزَنْجَانَ، وَأَبْهَرَ، وَشَهْرَزُورَ، وَغَيْرِهَا، وَهِيَ مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا بَعْدَ وَفَاةِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ. فَلَمَّا مَلَكَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ مَحْمُودُ بْنُ

стр. 4443

سُبُكْتِكِينَ الرَّيَّ سَيَّرَ الْمَرْزُبَانَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ خَرَامِيلَ، وَهُمْ مِنْ أَوْلَادِ مُلُوكِ الدَّيْلَمِ، وَكَانَ قَدِ الْتَجَأَ إِلَى يَمِينِ الدَّوْلَةِ، فَسَيَّرَهُ إِلَى بِلَادِ السَّالَارِ إِبْرَاهِيمَ لِيَمْلِكَهَا فَقَصَدَهَا وَاسْتَمَالَ الدَّيْلَمَ فَمَالَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ. وَاتَّفَقَ عَوْدُ يَمِينِ الدَّوْلَةِ إِلَى خُرَاسَانَ، فَسَارَ السَّالَارُ إِبْرَاهِيمُ إِلَى قَزْوِينَ، وَبِهَا عَسْكَرُ يَمِينِ الدَّوْلَةِ فَقَاتَلَهُمْ، فَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ. وَهَرَبَ الْبَاقُونَ، وَأَعَانَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ، وَسَارَ السَّالَارُ أَيْضًا إِلَى مَكَانٍ بِقُرْبِ سَرْجَهَانَ تُطِيفُ بِهِ الْأَنْهَارُ وَالْجِبَالُ، فَتَحَصَّنَ بِهِ. فَسَمِعَ مَسْعُودُ بْنُ يَمِينِ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ بِالرَّيِّ، بِمَا فَعَلَ فَسَارَ مُجِدًّا إِلَى السَّالَارِ فَجَرَى بَيْنَهُمَا وَقَائِعُ كَانَ الِاسْتِظْهَارُ فِيهَا لِلسَّالَارِ. ثُمَّ إِنَّ مَسْعُودًا رَاسَلَ طَائِفَةً مِنْ جُنْدِ السَّالَارِ وَاسْتَمَالَهُمْ، وَأَعْطَاهُمُ الْأَمْوَالَ فَمَالُوا إِلَيْهِ. وَدَلُّوهُ عَلَى عَوْرَةِ السَّالَارِ. وَحَمَلُوا طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِهِ فِي طَرِيقٍ غَامِضَةٍ، حَتَّى جَعَلُوهُ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَكَبَسُوا السَّالَارَ أَوَّلَ رَمَضَانَ وَقَاتَلَهُ مَسْعُودٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَأُولَئِكَ مِنْ خَلْفِهِ فَاضْطَرَبَ السَّالَارُ وَمَنْ مَعَهُ، وَانْهَزَمُوا وَطَلَبَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَهْرَبًا، وَاخْتَفَى السَّالَارُ فِي مَكَانٍ، فَدَلَّتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ سَوَادِيَّةٌ، فَأَخَذَهُ مَسْعُودٌ وَحَمَلَهُ إِلَى سَرْجَهَانَ، وَبِهَا وَلَدُهُ، فَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُسَلِّمَهَا فَلَمْ يَفْعَلْ، فَعَادَ عَنْهَا وَتَسَلَّمَ بَاقِيَ قِلَاعِهِ وَبِلَادِهِ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُ، وَقَرَّرَ عَلَى ابْنِهِ الْمُقِيمِ بِسَرْجَهَانَ مَالًا، وَعَلَى كُلِّ مَنْ جَاوَرَهُ مِنْ مُقَدَّمِي الْأَكْرَادِ. وَعَادَ إِلَى الرَّيِّ. ذِكْرُ مُلْكِ أَبِي كَالِيجَارَ مَدِينَةَ وَاسِطٍ وَمَسِيرِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ إِلَى الْأَهْوَازِ وَنَهْبِهَا (وَعَوْدِ وَاسِطٍ إِلَيْهِ) فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَصْعَدَ الْمَلِكُ أَبُو كَالِيجَارَ إِلَى مَدِينَةَ وَاسِطٍ فَمَلَكَهَا، وَكَانَ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ أَنَّ نُورَ الدَّوْلَةِ دُبَيْسَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ مَزْيَدٍ، صَاحِبَ الْحِلَّةِ وَالنِّيلِ، وَلَمْ تَكُنِ الْحِلَّةُ بُنِيَتْ ذَلِكَ الْوَقْتَ، خُطِبَ لِأَبِي كَالِيجَارَ فِي أَعْمَالِهِ. وَسَبَبُهُ أَنَّ أَبَا حَسَّانَ الْمُقَلَّدَ بْنَ أَبِي الْأَغَرِّ الْحَسَنِ بْنِ مَزْيَدٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُورِ الدَّوْلَةِ عَدَاوَةٌ، فَاجْتَمَعَ، هُوَ وَمَنِيعٌ أَمِيرُ بَنِي خَفَاجَةَ، وَأَرْسَلَا إِلَى بَغْدَاذَ يَبْذُلَانِ مَالًا

стр. 4444

يَتَجَهَّزُ بِهِ الْعَسْكَرُ لِقِتَالِ نُورِ الدَّوْلَةِ، فَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى نُورِ الدَّوْلَةِ، فَخَطَبَ لِأَبِي كَالِيجَارَ بِهِ وَرَاسَلَهُ يُطْمِعُهُ فِي الْبِلَادِ. ثُمَّ اتَّفَقَ أَنَّهُ مَلَكَ الْبَصْرَةَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَقَوِيَ طَمَعُهُ، فَسَارَ مِنَ الْأَهْوَازِ إِلَى وَاسِطٍ، وَبِهَا الْمَلِكُ الْعَزِيزُ بْنُ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَمَعَهُ جَمْعٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ. فَفَارَقَهَا الْعَزِيزُ، وَقَصَدَ النُّعْمَانِيَّةَ، فَفَجَّرَ عَلَيْهِ نُورُ الدَّوْلَةِ الْبُثُوقَ مِنْ بَلَدِهِ، فَهَلَكَ كَثِيرٌ مِنْ أَثْقَالِهِمْ، وَغَرِقَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، وَخُطِبَ فِي الْبَطِيحَةِ لِأَبِي كَالِيجَارَ، وَوَرَدَ إِلَيْهِ نُورُ الدَّوْلَةِ. وَأَرْسَلَ أَبُو كَالِيجَارَ إِلَى قِرْوَاشٍ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَعِنْدَهُ الْأَثِيرُ عَنْبَرٌ، يَطْلُبُ (مِنْهُ أَنْ يَنْحَدِرَ) إِلَى الْعِرَاقِ لِيَبْقَى جَلَالُ الدَّوْلَةِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ. فَانْحَدَرَ إِلَى الْكُحَيْلِ، فَمَاتَ بِهِ الْأَثِيرُ عَنْبَرٌ، وَلَمْ يَنْحَدِرْ مَعَهُ قِرْوَاشٌ، وَجَمَعَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ عَسَاكِرَهُ، وَاسْتَنْجَدَ أَبَا الشَّوْكِ وَغَيْرَهُ، وَانْحَدَرَ إِلَى وَاسِطٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْعَسْكَرَيْنِ قِتَالٌ، وَتَتَابَعَتِ الْأَمْطَارُ حَتَّى هَلَكُوا. وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى جَلَالِ الدَّوْلَةِ لِفَقْرِهِ وَقِلَّةِ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهِ عِنْدَهُ، فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِيمَا يَفْعَلُ، فَأَشَارُوا أَنْ يَقْصِدُوا الْأَهْوَازَ وَيَنْهَبَهَا، وَيَأْخُذَ مَا بِهَا مِنْ أَمْوَالِ أَبِي كَالِيجَارَ وَعَسْكَرِهِ. فَسَمِعَ أَبُو كَالِيجَارَ ذَلِكَ فَاسْتَشَارَ أَيْضًا أَصْحَابَهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا عَدَلَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ عَنِ الْقَتْلِ إِلَّا لِضَعْفٍ فِيهِ، وَالرَّأْيُ أَنْ تَسِيرَ إِلَى الْعِرَاقِ فَتَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِبَغْدَاذَ أَضْعَافَ مَا يَأْخُذُونَ مِنَّا، فَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ فَأَتَاهُمْ جَاسُوسٌ مِنْ أَبِي الشَّوْكِ يُخْبِرُ بِمَجِيءِ عَسَاكِرِ مَحْمُودِ بْنَ سُبُكْتِكِينَ إِلَى (طَخْرٍ، وَأَنَّهُمْ) يُرِيدُونَ الْعِرَاقَ، وَيُشِيرُ بِالصُّلْحِ، وَاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ عَلَى دَفْعِهِمْ عَنِ الْبِلَادِ. فَأَنْفَذَ أَبُو كَالِيجَارَ الْكِتَابَ إِلَى جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَقَدْ سَارَ إِلَى الْأَهْوَازِ وَأَقَامَ يَنْتَظِرُ الْجَوَابَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ جَلَالَ الدَّوْلَةِ يَعُودُ بِالْكِتَابِ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ جَلَالُ الدَّوْلَةِ وَمَضَى إِلَى الْأَهْوَازِ فَنَهَبَهَا، وَأَخَذَ مِنْ دَارِ الْإِمَارَةِ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَخَذُوا مَا لَا يُحْصَى، وَدَخَلَ الْأَكْرَادُ وَالْأَعْرَابُ وَغَيْرُهُمْ إِلَى الْبَلَدِ، فَأَهْلَكُوا النَّاسَ بِالنَّهْبِ وَالسَّبْيِ، وَأُخِذَتْ وَالِدَةُ أَبِي

стр. 4445

كَالِيجَارَ وَابْنَتُهُ وَأُمُّ وَلَدِهِ وَزَوْجَتُهُ، فَمَاتَتْ أُمُّهُ، وَحُمِلَ مَنْ عَدَاهَا إِلَى بَغْدَاذَ. وَلَمَّا سَمِعَ أَبُو كَالِيجَارَ الْخَبَرَ سَارَ لِيَلْقَى جَلَالَ الدَّوْلَةِ فَتَخَلَّفَ عَنْهُ دُبَيْسُ بْنُ مَزْيَدٍ، خَوْفًا عَلَى أَهْلِهِ وَحُلَلِهِ مِنْ خَفَاجَةَ، وَالْتَقَى أَبُو كَالِيجَارَ، وَجَلَالُ الدَّوْلَةِ آخِرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، فَاقْتَتَلُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَانْهَزَمَ أَبُو كَالِيجَارَ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَلْفَا رَجُلٍ، وَوَصَلَ إِلَى الْأَهْوَازِ بِأَسْوَأِ حَالٍ، فَأَتَاهُ الْعَادِلُ بْنُ مَافَنَّةَ بِمَالٍ، فَحَسُنَتْ حَالُهُ. وَأَمَّا جَلَالُ الدَّوْلَةِ فَإِنَّهُ عَادَ وَاسْتَوْلَى عَلَى وَاسِطٍ، وَجَعَلَ ابْنَهُ الْعَزِيزَ بِهَا، وَأَصْعَدَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَمَدَحَهُ الْمُرْتَضَى وَمِهْيَارُ وَغَيْرُهُمَا، وَهَنَّأُوهُ بِالظَّفَرِ. ذِكْرُ حَالِ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ لَمَّا عَادَ دُبَيْسُ بْنُ مَزْيَدٍ الْأَسَدِيُّ، وَفَارَقَ أَبَا كَالِيجَارَ، وَصَلَ إِلَى بَلَدِهِ، وَكَانَ قَدْ خَالَفَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ بَنِي عَمِّهِ، وَنَزَلُوا الْجَامِعَيْنِ، وَأَتَاهُمْ وَقَاتَلَهُمْ، فَظَفِرَ بِهِمْ، وَأَسَرَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً مِنْهُمْ شَبِيبٌ، وَسَرَايَا، وَوَهْبٌ، بَنُو حَمَّادِ بْنِ مَزْيَدٍ، (وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْغَنَائِمِ بْنِ مَزْيَدٍ، وَحَمَلَهُمْ إِلَى الْجَوْسَقِ. ثُمَّ إِنَّ الْمُقَلَّدَ بْنَ أَبِي الْأَعَزِّ بْنِ مَزْيَدٍ) وَغَيْرَهُ اجْتَمَعُوا وَمَعَهُمْ عَسْكَرٌ مِنْ جَلَالِ الدَّوْلَةِ وَقَصَدُوا دُبَيْسًا وَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ مِنْهُمْ، وَأُسِرَ مِنْ بَنِي عَمِّهِ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَ الْمُعْتَقَلُونَ بِالْجَوْسَقِ، وَهُمْ شَبِيبٌ وَأَصْحَابُهُ، إِلَى حُلَلِهِ فَحَرَسُوهَا، وَسَارَ دُبَيْسٌ مُنْهَزِمًا إِلَى السِّنْدِيَّةِ، إِلَى نَجْدَةِ الدَّوْلَةِ أَبِي مَنْصُورٍ كَامِلِ بْنِ قُرَادٍ فَاصْطَحَبَهُ إِلَى أَبِي سِنَانٍ غَرِيبِ بْنِ مَقْنٍ، حَتَّى أَصْلَحَ أَمْرَهُ مَعَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ وَعَسْكَرِهِ، وَتَكَفَّلَ بِهِ، وَضَمِنَ عَنْهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ سَابُورِيَّةٍ إِذَا أُعِيدَ إِلَى وِلَايَتِهِ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ. فَعَرَفَ الْمُقَلَّدُ الْحَالَ وَمَعَهُ جَمْعٌ مِنْ خَفَاجَةَ فَنَهَبُوا مَطِيرَابَاذَ، وَالنِّيلَ، وَسُورًا، أَقْبَحَ نَهْبٍ، وَاسْتَاقُوا مَوَاشِيَهَا، وَأَحْرَقُوا مَنَازِلَهَا، وَعَبَرَ الْمُقَلَّدُ دِجْلَةَ إِلَى أَبِي الشَّوْكِ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ أَحْكَمَ أَمْرَهُ.

стр. 4446

ذِكْرُ عِصْيَانِ زِنَاتَةَ وَمُحَارَبَتِهِمْ بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَجَمَّعَتْ زِنَاتَةُ وَعَاوَدَتِ الْخِلَافَ عَلَى الْمُعِزِّ بِإِفْرِيقِيَّةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُعِزَّ، فَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ، فَالْتَقَوْا بِمَوْضِعٍ يُعْرَفُ بِحَمْدِيسِ الصَّابُونِ، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَانْهَزَمَتْ زِنَاتَةُ وَقُتِلَ مِنْهُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ، وَأُسَرِ مِثْلُهُمْ، وَعَادَ الْمُعِزُّ ظَافِرًا غَانِمًا. ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ يَمِينُ الدَّوْلَةِ وَوَلَدُهُ بَعْدَهُ بِالْغُزِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَوْقَعَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ بِالْأَتْرَاكِ الْغُزِّيَّةِ، وَفَرَّقَهُمْ فِي بِلَادِهِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَفْسَدُوا فِيهَا، وَهَؤُلَاءِ كَانُوا أَصْحَابَ أَرْسَلَانَ بْنِ سَلْجُوقَ التُّرْكِيِّ، وَكَانُوا بِمَفَازَةِ بُخَارَى، فَلَمَّا عَبَرَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ النَّهْرَ إِلَى بُخَارَى هَرَبَ عَلَيُّ تِكِينَ صَاحِبُهَا مِنْهُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. وَحَضَرَ أَرْسَلَانُ بْنُ سَلْجُوقَ عِنْدَ يَمِينِ الدَّوْلَةِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَسَجَنَهُ بِبِلَادِ الْهِنْدِ، وَأَسْرَى إِلَى خَرْكَاهَاتِهِ، فَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَسَلِمَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَهَرَبُوا مِنْهُ وَلَحِقُوا بِخُرَاسَانَ فَأَفْسَدُوا فِيهَا، وَنَهَبُوا هَذِهِ السَّنَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا فَسَبَوْهُمْ وَأَجْلَوْهُمْ عَنْ خُرَاسَانَ، فَسَارَ مِنْهُمْ أَهْلُ أَلْفَيْ خَرْكَاةَ، فَلَحِقُوا بِأَصْبَهَانَ، فَكَتَبَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ إِلَى عَلَاءِ الدَّوْلَةِ بِإِنْفَاذِهِمْ، أَوْ إِنْفَاذِ رُءُوسِهِمْ فَأَمَرَ نَائِبَهُ أَنْ يَعْمَلَ طَعَامًا وَيَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ وَيَقْتُلَهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يُرِيدُ إِثْبَاتَ أَسْمَائِهِمْ لِيَسْتَخْدِمَهُمْ، وَكَمَنَ الدَّيْلَمُ فِي الْبَسَاتِينِ فَحَضَرَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فَلَقِيَهُمْ مَمْلُوكٌ تُرْكِيٌّ لِعَلَاءِ الدَّوْلَةِ، فَأَعْلَمَهُمُ الْحَالَ، فَعَادُوا، فَأَرَادَ نَائِبُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنَ الْعَوْدِ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، فَحَمَلَ دَيْلَمِيُّ مِنْ قُوَّادِ الدَّيْلَمِ عَلَى إِنْسَانٍ مِنْهُمْ، فَرَمَاهُ التُّرْكِيُّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ. وَوَقَعَ الصَّوْتُ بِذَلِكَ، فَخَرَجَتِ الدَّيْلَمُ وَانْضَافَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْبَلَدِ، فَجَرَى بَيْنَهُمْ حَرْبٌ، فَهَزَمُوهُمْ، فَقَلَعَ التُّرْكُ خَرْكَاهَاتِهِمْ وَسَارُوا، وَلَمْ يَجْتَازُوا عَلَى قَرْيَةٍ إِلَّا نَهَبُوهَا إِلَى أَنْ وَصَلُوا إِلَى وَهْسُوذَانَ بِأَذْرَبِيجَانَ، فَرَاعَاهُمْ وَتَفَقَّدَهُمْ. وَبَقِيَ بِخُرَاسَانَ أَكْثَرُ مِمَّنْ قَصَدَ أَصْبَهَانَ، فَأَتَوْا جَبَلَ بَلْجَانَ وَهُوَ الَّذِي عِنْدَهُ

стр. 4447

خُوَارَزْمُ الْقَدِيمَةُ، فَنَزَلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مِنَ الْجَبَلِ إِلَى الْبِلَادِ فَنَهَبُوا، وَأَخْرَبُوا وَقَتَلُوا، فَجَرَّدَ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ إِلَيْهِمْ أَرْسَلَانَ الْجَاذِبَ، أَمِيرَ طُوسَ فَسَارَ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَزَلْ يَتْبَعُهُمْ نَحْوَ سَنَتَيْنِ فِي جُمُوعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْعَسَاكِرِ، فَاضْطَرَّ مَحْمُودٌ إِلَى قَصْدِ خُرَاسَانَ بِسَبَبِهِمْ، فَسَارَ يَطْلُبُهُمْ مِنْ نَيْسَابُورَ إِلَى دِهِسْتَانَ، فَسَارُوا إِلَى جُرْجَانَ، ثُمَّ عَادَ عَنْهُمْ، وَجَعَلَ ابْنَهُ مَسْعُودًا بِالرَّيِّ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَاسْتَخْدَمَ بَعْضَهُمْ وَمُقَدَّمُهُمْ يَغْمُرُ. فَلَمَّا مَاتَ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ سَارَ مَسْعُودٌ ابْنُهُ إِلَى خُرَاسَانَ وَهُمْ مَعَهُ، فَلَمَّا مَلَكَ غَزْنَةَ سَأَلُوهُ فِيمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ بِجَبَلِ بَلْجَانَ، فَأَذِنَ لَهُمْ فِي الْعَوْدِ عَلَى شَرْطِ الطَّاعَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ. ثُمَّ إِنَّ مَسْعُودًا قَصَدَ بِلَادَ الْهِنْدِ عِنْدَ عِصْيَانِ أَحْمَدَ يَنَالْتِكِينَ، فَعَاوَدُوا الْفَسَادَ، فَسَيَّرَ تَاشَ فِرَاشَ فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ إِلَى الرَّيِّ لِأَخْذِهَا مِنْ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ فَلَمَّا بَلَغَ نَيْسَابُورَ، وَرَأَى سُوءَ فِعْلِهِمْ، دَعَا مُقَدَّمِيهِمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ رَجُلًا، فِيهِمْ يَغْمُرُ، فَلَمْ يَنْتَهُوا، وَسَارُوا إِلَى الرَّيِّ. وَبَلَغَ مَسْعُودًا مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ، فَأَخَذَ حُلَلَهُمْ، وَسَيَّرَهَا إِلَى الْهِنْدِ، وَقَطَعَ أَيْدِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ وَأَرْجُلِهِمْ وَصَلَبَهُمْ. هَذِهِ أَخْبَارُ عَشِيرَةِ أَرْسَلَانِ بْنِ سَلْجُوقَ، وَأَمَّا أَخْبَارُ طُغْرُلْبَكَ، وَدَاوُدَ، وَأَخِيهِمَا بِيغُو، فَإِنَّهُمْ كَانُوا بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا نَذْكُرُهُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّهُمْ صَارُوا مُلُوكًا تَجِيءُ أَخْبَارُهُمْ عَلَى السِّنِينَ. وَلَمَّا أَوْقَعَ تَاشُ فِرَاشُ حَاجِبُ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ بِالْغُزِّ سَارُوا إِلَى الرَّيِّ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَذْرَبِيجَانَ، وَاللَّحَاقَ بِمَنْ مَضَى مِنْهُمْ أَوَّلًا إِلَى هُنَاكَ، وَيُسَمَّوْنَ الْعِرَاقِيَّةَ، وَكَانَ اسْمُ أُمَرَاءِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ كُوكْتَاشَ، وَبُوقَا، وَقَزَلَ، وَيَغْمُرَ، وَنَاصِغْلِي، فَوَصَلُوا إِلَى الدَّامَغَانِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرُهَا وَأَهْلُ الْبَلَدِ لِيَمْنَعُوهُمْ عَنْهُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا، فَصَعِدُوا

стр. 4448

الْجَبَلَ وَتَحَصَّنُوا بِهِ وَدَخَلَ الْغُزُّ الْبَلَدَ وَنَهَبُوا، وَانْتَقَلُوا إِلَى سِمْنَانَ فَفَعَلُوا فِيهَا مِثْلَ ذَلِكَ، وَدَخَلُوا خُوَارَ الرَّيِّ فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، وَنَهَبُوا إِسْحَاقَ آبَاذَ وَمَا يُجَاوِرُهَا مِنَ الْقُرَى، وَسَارُوا إِلَى مُشْكُوَيْهِ مِنْ أَعْمَالِ الرَّيِّ فَنَهَبُوهَا. وَتَجَهَّزَ أَبُو سَهْلٍ الْحَمْدُونِيُّ، وَتَاشُ فِرَاشَ، وَكَاتَبَا الْمَلِكَ مَسْعُودًا، وَصَاحِبَ جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ بِالْحَالِ، وَطَلَبَا النَّجْدَةَ، وَأَخَذَ تَاشُ ثَلَاثَةَ آلَافِ فَارِسٍ، وَمَا عِنْدَهُ مِنَ الْفِيَلَةِ وَالسِّلَاحِ وَسَارَ إِلَى الْغُزِّ لِيُوَاقِعَهُمْ، وَبَلَغَهُمْ خَبَرُهُ،، فَتَرَكُوا نِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَمَا غَنِمُوا مِنْ خُرَاسَانَ وَهَذِهِ الْبِلَادِ الْمَذْكُورَةِ، وَسَارُوا جَرِيدَةً، فَالْتَقَوْا فَرَكِبَ تَاشُ الْفِيلَ، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَكَانَتْ أَوَّلًا لِتَاشَ، ثُمَّ إِنَّ الْغُزَّ أَسَرُوا مُقَدَّمَ الْأَكْرَادِ الَّذِينَ مَعَ تَاشَ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: اسْتَبْقُونِي حَتَّى آمُرَ الْأَكْرَادَ (الَّذِينَ مَعَ تَاشَ) بِتَرْكِ قِتَالِهِمْ، فَتَرَكُوهُ، وَعَاهَدُوهُ عَلَى إِطْلَاقِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْأَكْرَادِ يَقُولُ لَهُمْ: إِنْ قَاتَلَهُمْ قُتِلْتُ ; فَفَتَرُوا فِي الْقِتَالِ. وَحَمَلَتِ الْغُزُّ، وَكَانُوا خَمْسَةَ آلَافٍ، عَلَى تَاشَ فِرَاشَ وَعَسْكَرِهِ، فَانْهَزَمَ الْأَكْرَادُ، وَثَبَتَ تَاشُ، وَأَصْحَابُهُ، فَقَتَلَ الْغُزُّ الْفِيلَ الَّذِي تَحْتَهُ فَسَقَطَ فَقَتَلُوهُ وَقَطَّعُوهُ أَخْذًا بِثَأْرِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، وَقُتِلَ مَعَهُ عَدَدٌ كَثِيرٌ مِنَ الْخُرَاسَانِيَّةِ وَأَكَابِرِ الْقُوَّادِ وَغَنِمُوا بَقِيَّةَ الْفِيَلَةِ وَأَثْقَالِ الْعَسْكَرِ، وَسَارُوا إِلَى الرَّيِّ فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَأَبُو سَهْلٍ الْحَمْدُونِيُّ. وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنْدِ وَأَهْلِ الْبَلَدِ فَصَعِدَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ قَلْعَةَ طَبَرَكَ، وَدَخَلَ الْغُزُّ الْبَلَدَ، وَنَهَبُوا عِدَّةَ مَحَالٍّ نَهْبًا اجْتَاحُوا [بِهِ] الْأَمْوَالَ، ثُمَّ اقْتَتَلُوا هُمْ وَأَبُو سَهْلٍ، فَأَسَرَ مِنْهُمُ ابْنَ أُخْتٍ لِيَغْمُرَ أَمِيرِ الْغُزِّ وَقَائِدًا كَبِيرًا مِنْ قُوَّادِهِمْ، فَبَذَلُوا فِيهِمَا إِعَادَةَ مَا أَخَذُوا مِنْ عَسْكَرِ تَاشَ، وَإِطْلَاقَ الْأَسْرَى، وَحَمْلَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ إِلَّا بِأَمْرِ السُّلْطَانِ. وَخَرَجَ الْغُزُّ عَنِ الْبَلَدِ، وَوَصَلَ عَسْكَرٌ مِنْ جُرْجَانَ، فَلَمَّا قَرَبُوا مِنَ الرَّيِّ سَارَ إِلَيْهِمُ الْغُزُّ فَكَبَسُوهُمْ، وَأَسَرُوا مُقَدَّمَهُمْ، وَأَسَرُوا مَعَهُ نَحْوَ أَلْفَيْ رَجُلٍ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ وَعَادُوا، وَكَانَ هَذَا سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.

стр. 4449

ذِكْرُ وُصُولِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ إِلَى الرَّيِّ وَاتِّفَاقِهِ مَعَ الْغُزِّ وَعَوْدِهِمْ إِلَى الْخِلَافِ عَلَيْهِ لَمَّا فَارَقَ الْغُزُّ الرَّيَّ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ عَلِمَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ ذَلِكَ، فَسَارَ إِلَيْهَا، وَدَخَلَهَا وَهُوَ يُظْهِرُ طَاعَةَ السُّلْطَانِ مَسْعُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي سَهْلٍ الْحَمْدُونِيِّ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُقَرِّرَ الَّذِي عَلَيْهِ بِمَالٍ يُؤَدِّيهِ فَامْتَنَعَ مِنْ إِجَابَتِهِ مَخَافَةَ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ فَأَرْسَلَ إِلَى الْغُزِّ يَسْتَدْعِيهِمْ لِيُعْطِيَهُمُ الْأَقْطَاعَ، وَيَتَقَوَّى بِهِمْ عَلَى الْحَمْدُونِيِّ، فَعَادَ مِنْهُمْ نَحْوُ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، مُقَدَّمُهُمْ قَزَلُ، وَسَارَ الْبَاقُونَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ. فَلَمَّا وَصَلَ الْغُزُّ إِلَى عَلَاءِ الدَّوْلَةِ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَتَمَسَّكَ بِهِمْ، وَأَقَامُوا عِنْدَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى بَعْضِ الْقُوَّادِ الْخُرَاسَانِيَّةِ الَّذِينَ عِنْدَهُ أَنَّهُ دَعَا الْغُزَّ إِلَى مُوَافَقَتِهِ عَلَى الْخُرُوجِ عَلَيْهِ وَالْعِصْيَانِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ وَأَحْضَرَهُ وَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَسَجَنَهُ فِي قَلْعَةِ طَبَرَكَ، فَاسْتَوْحَشَ الْغُزُّ لِذَلِكَ وَنَفَرُوا فَاجْتَهَدَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ فِي تَسْكِينِهِمْ فَلَمْ يَفْعَلُوا وَعَاوَدُوا الْفَسَادَ وَالنَّهْبَ وَقَطْعَ الطَّرِيقِ، وَعَادَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ فَرَاسَلَ أَبَا سَهْلٍ الْحَمْدُونِيَّ، وَهُوَ بِطَبَرِسْتَانَ، وَقَرَّرَ مَعَهُ أَمْرَ الرَّيِّ لِيَكُونَ فِي طَاعَةِ مَسْعُودٍ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَسَارَ إِلَى نَيْسَابُورَ وَبَقِيَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ بِالرَّيِّ. ذِكْرُ مَا كَانَ مِنَ الْغُزِّ الَّذِينَ بِأَذْرَبِيجَانَ وَمُفَارَقَتِهَا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ طَائِفَةً مِنَ الْغُزِّ وَصَلُوا إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَأَكْرَمَهُمْ وَهْسُوذَانُ، وَصَاهَرَهُمْ، رَجَاءَ نَصْرِهِمْ وَكَفِّ شَرِّهِمْ. وَكَانَ أَسْمَاءُ مُقَدَّمِيهِمْ: بُوقَا، وَكُوكَتَاشُ، وَمَنْصُورٌ، وَدَانَا، وَكَانَ مَا أَمَّلَهُ بَعِيدًا فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتْرُكُوا الشَّرَّ وَالْفَسَادَ، وَالْقَتْلَ وَالنَّهْبَ، وَسَارُوا إِلَى مَرَاغَةَ، فَدَخَلُوهَا سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَأَحْرَقُوا جَامِعَهَا، وَقَتَلُوا مِنْ عَوَامِّهَا مَقْتَلَةً كَثِيرَةً، وَمِنَ الْأَكْرَادِ الْهُذْبَانِيَّةِ كَذَلِكَ، وَعَظُمَ الْأَمْرُ، وَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ. فَلَمَّا رَأَى الْأَكْرَادُ مَا حَلَّ بِهِمْ وَبِأَهْلِ الْبِلَادِ شَرَعُوا فِي الصُّلْحِ وَالِاتِّفَاقِ عَلَى دَفْعِ

стр. 4450

شَرِّهِمْ، فَاصْطَلَحَ أَبُو الْهَيْجَاءِ بْنُ رَبِيبِ الدَّوْلَةِ وَوَهْسُوذَانُ صَاحِبُ أَذْرَبِيجَانَ وَاتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمَا، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمَا أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ، فَانْتَصَفُوا مِنَ الْغُزِّ.، فَلَمَّا رَأَوُا اجْتِمَاعَ أَهْلِ الْبِلَادِ عَلَى حَرْبِهِمُ انْصَرَفُوا عَنْ أَذْرَبِيجَانَ، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمُ الْمُقَامُ بِهَا، ثُمَّ إِنَّهُمُ افْتَرَقُوا، فَسَارَ طَائِفَةٌ إِلَى (الَّذِينَ عَلَى) الرَّيِّ، وَمُقَدَّمُهُمْ بُوقَا، وَسَارَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، وَمُقَدَّمُهُمْ مَنْصُورٌ وَكُوكَتَاشُ إِلَى هَمَذَانَ فَحَصَرُوهَا، وَبِهَا أَبُو كَالِيجَارَ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ كَاكَوَيْهِ، فَاتَّفَقَ هُوَ وَأَهْلُ الْبِلَادِ عَلَى قِتَالِهِمْ، وَدَفْعِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَبَلَدِهِمْ فَقُتِلَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَطَالَ مُقَامُهُمْ عَلَى هَمَذَانَ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو كَالِيجَارَ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ ذَلِكَ، وَضَعْفَهُ عَنْ مُقَاوَمَتِهِمْ، رَاسَلَ كُوكَتَاشَ وَصَالَحَهُ وَصَاهَرَهُ. وَأَمَّا الَّذِينَ قَصَدُوا الرَّيَّ فَإِنَّهُمْ حَصَرُوهَا، وَبِهَا عَلَاءُ الدَّوْلَةِ بْنُ كَاكَوَيْهِ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمْ فَنَّاخَسْرُو بْنُ مَجْدِ الدَّوْلَةِ، وَكَامْرُو الدَّيْلَمِيُّ، صَاحِبُ سَاوَةَ، فَكَثُرَ جَمْعُهُمْ، وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُمْ. فَلَمَّا رَأَى عَلَاءُ الدَّوْلَةِ أَنَّهُمْ كُلَّمَا جَاءَ أَمْرُهُمُ ازْدَادُوا قُوَّةً، وَضَعُفَ هُوَ، خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، وَفَارَقَ الْبَلَدَ فِي رَجَبٍ لَيْلًا، وَمَضَى هَارِبًا إِلَى أَصْبَهَانَ، وَأَجْفَلَ أَهْلُ الْبَلَدِ وَتَمَزَّقُوا، وَعَدَلُوا عَنِ الْقِتَالِ إِلَى الِاحْتِيَالِ لِلْهَرَبِ، وَغَادَاهُمُ الْغُزُّ مِنَ الْغَدِ الْقِتَالَ، فَلَمْ يَثْبُتُوا لَهُمْ، وَدَخَلُوا الْبَلَدَ، وَنَهَبُوا نَهْبًا فَاحِشًا، وَسَبَوُا النِّسَاءَ، وَبَقُوا كَذَلِكَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، حَتَّى لَجَأَ الْحُرَمُ إِلَى الْجَامِعِ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي كُلِّ مَذْهَبٍ وَمَهْرَبٍ، وَكَانَ السَّعِيدُ مَنْ نَجَا بِنَفْسِهِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ بَعْدَ الَّتِي تَقَدَّمَتْهَا مُسْتَأْصِلَةً، حَتَّى قِيلَ إِنَّ بَعْضَ الْجُمَعِ لَمْ يَكُنْ بِالْجَامِعِ إِلَّا خَمْسُونَ نَفْسًا. وَلَمَّا فَارَقَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ الرَّيَّ تَبِعَهُ جَمْعٌ مِنَ الْغُزِّ فَلَمْ يُدْرِكُوهُ فَعَدَلُوا إِلَى كَرَجَ فَنَهَبُوهَا، وَفَعَلُوا فِيهَا الْأَفَاعِيلَ الْقَبِيحَةَ. وَمَضَى طَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَمُقَدَّمُهُمْ نَاصُغْلِي، إِلَى قَزْوِينَ، فَقَاتَلَهُمْ أَهْلُهَا، ثُمَّ صَالَحُوهُمْ عَلَى سَبْعَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَصَارُوا فِي طَاعَتِهِ. وَكَانَ بِأُرْمِيَةَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، فَسَارُوا إِلَى بَلَدِ الْأَرْمَنِ، فَأَوْقَعُوا بِهِمْ وَأَثْخَنُو فِيهِمْ
следующие страницы →