← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

ذِكْرُ الْوَحْشَةِ بَيْنَ بَارَسْطُغَانَ وَجَلَالِ الدَّوْلَةِ اجْتَمَعَ أَصَاغِرُ الْغِلْمَانِ هَذِهِ السَّنَةَ إِلَى جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَقَالُوا لَهُ: قَدْ هَلَكْنَا فَقْرًا وَجُوعًا، وَقَدِ اسْتَبَدَّ الْقُوَّادُ بِالدَّوْلَةِ وَالْأَمْوَالِ عَلَيْكَ وَعَلَيْنَا، وَهَذَا بَارَسْطُغَانُ وَيَلْدَرَكُ قَدْ أَفْقَرَانَا وَأَفْقَرَاكَ أَيْضًا. فَلَمَّا بَلَغَهُمَا ذَلِكَ امْتَنَعَا مِنَ الرُّكُوبِ إِلَى جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَاسْتَوْحَشَا، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا الْغِلْمَانُ يُطَالِبُونَهُمَا بِمَعْلُومِهِمْ، فَاعْتَذَرَا بِضِيقِ أَيْدِيهِمَا عَنْ ذَلِكَ، وَسَارَا إِلَى الْمَدَائِنِ. فَنَدِمَ الْأَتْرَاكُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا جَلَالُ الدَّوْلَةِ مُؤَيِّدَ الْمُلْكِ الرُّخَّجِيَّ وَالْمُرْتَضَى وَغَيْرَهُمَا، فَرَجَعَا، وَزَادَ تَسَحُّبُ الْغِلْمَانِ عَلَى جَلَالِ الدَّوْلَةِ إِلَى أَنْ نَهَبُوا مِنْ دَارِهِ فُرُشًا، وَآلَاتٍ، وَدَوَابًّا، وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَرَكِبَ وَقْتَ الْهَاجِرَةِ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، وَمَعَهُ نَفَرٌ قَلِيلٌ مِنَ الرِّكَابِيَّةِ وَالْغِلْمَانِ وَجَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الْعَامَّةِ وَهُوَ سَكْرَانُ، فَانْزَعَجَ الْخَلِيفَةُ مِنْ حُضُورِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ الْحَالَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْعَوْدِ إِلَى دَارِهِ، وَيُطَيِّبُ قَلْبَهُ، فَقَبَّلَ قَرَبُوسَ سَرْجِهِ وَمَسَحَ حَائِطَ الدَّارِ بِيَدِهِ وَأَمَرَّهَا عَلَى وَجْهِهِ، وَعَادَ إِلَى دَارِهِ وَالْعَامَّةُ مَعَهُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبِلَ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَاكُولَا شَهَادَةَ أَبِي الْفَضْلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْهَادِي، وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُهْتَدِي، وَشَهِدَ عِنْدَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ بِشْرَانَ، وَكَانَ قَدْ تَرَكَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ ذَلِكَ. وَفِيهَا فَوَّضَ مَسْعُودُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ إِمَارَةَ الرَّيِّ، وَهَمَذَانَ، وَالْجِبَالِ إِلَى تَاشَ فَرَّاشَ، وَكَتَبَ لَهُ إِلَى عَامِلِ نَيْسَابُورَ بِإِنْفَاقِ الْأَمْوَالِ عَلَى حَشَمِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَسَارَ إِلَى عَمَلِهِ، وَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِيهِ.

стр. 4482

وَفِيهَا، فِي رَجَبٍ، أَخْرَجَ الْمَلِكُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ دَوَابَّهُ مِنَ الْإِصْطَبْلِ، وَهِيَ خَمْسَ عَشْرَةَ دَابَّةً، وَسَيَّبَهَا فِي الْمَيْدَانِ بِغَيْرِ سَائِسٍ، وَلَا حَافِظٍ، وَلَا عَلَفٍ، فَعَلَ ذَلِكَ لِسَبَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَدَمُ الْعَلْفِ، وَالثَّانِي أَنَّ الْأَتْرَاكَ كَانُوا يَلْتَمِسُونَ دَوَابَّهُ وَيَطْلُبُونَهَا كَثِيرًا، فَضَجِرَ مِنْهُمْ، فَأَخْرَجَهَا وَقَالَ: هَذِهِ دَوَابِّي مِنْهَا: خَمْسٌ لِمَرْكُوبِي، وَالْبَاقِي لِأَصْحَابِي، ثُمَّ صَرَفَ حَوَاشِيَهُ، وَفَرَّاشِيهِ، وَأَتْبَاعَهُ، وَأَغْلَقَ بَابَ دَارِهِ لِانْقِطَاعِ الْجَارِي لَهُ، فَثَارَتْ لِذَلِكَ فِتْنَةٌ بَيْنَ الْعَامَّةِ وَالْجُنْدِ وَعَظُمَ الْأَمْرُ، وَظَهَرَ الْعَيَّارُونَ. وَفِيهَا عُزِلَ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ وَزِيرُ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَوَزَرَ بَعْدَهُ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَرْدَشِيرَ، فَبَقِيَ أَيَّامًا، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ، فَعُزِلَ، وَوَزَرَ بَعْدَهُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْحُسَيْنِ، (وَهُوَ ابْنُ أَخِي أَبِي الْحُسَيْنِ) السَّهْلِيُّ، وَزِيرُ مَأْمُونٍ صَاحِبِ خُوَارَزْمَ، فَبَقِيَ فِي الْوَزَارَةِ خَمْسَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا وَهَرَبَ. [الْوَفَيَاتُ] (وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ أَبُو نَصْرٍ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ بِمِصْرَ، وَكَانَ بِبَغْدَاذَ فَفَارَقَهَا إِلَى مِصْرَ عَنْ ضَائِقَةٍ، فَأَغْنَاهُ الْمَغَارِبَةُ) .

стр. 4483

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤٢٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ وُثُوبِ الْأَجْنَادِ بِجَلَالِ الدَّوْلَةِ وَإِخْرَاجِهِ مِنْ بَغْدَاذَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تَجَدَّدَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ وَبَيْنَ الْأَتْرَاكِ، فَأَغْلَقَ بَابَهُ فَجَاءَتِ الْأَتْرَاكُ وَنَهَبُوا دَارَهُ، وَسَلَبُوا الْكُتَّابَ وَأَرْبَابَ الدِّيوَانِ ثِيَابَهُمْ، وَطَلَبُوا الْوَزِيرَ أَبَا إِسْحَاقَ السَّهْلِيَّ، فَهَرَبَ إِلَى حُلَّةِ كَمَالِ الدَّوْلَةِ غَرِيبِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَخَرَجَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ إِلَى عُكْبَرَا فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَخَطَبَ الْأَتْرَاكُ بِبَغْدَاذَ لِلْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، وَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَطْلُبُونَهُ وَهُوَ بِالْأَهْوَازِ. فَمَنَعَهُ الْعَادِلُ بْنُ مَافَنَّةَ عَنِ الْإِصْعَادِ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ بَعْضُ قُوَّادِهِمْ. فَلَمَّا رَأَوُا امْتِنَاعَهُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِمْ، أَعَادُوا خُطْبَةَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَسَارُوا إِلَيْهِ، وَسَأَلُوهُ الْعَوْدَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَاعْتَذَرُوا، فَعَادَ إِلَيْهَا بَعْدَ ثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَوَزَرَ لَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَاكُولَا، ثُمَّ عُزِلَ، وَوَزَرَ بَعْدَهُ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ أَبُو سَعْدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، فَبَقِيَ وَزِيرًا أَيَّامًا ثُمَّ اسْتَتَرَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ جَلَالَ الدَّوْلَةِ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بِالْقَبْضِ عَلَى أَبِي الْمُعَمَّرِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَسَّامِيِّ طَمَعًا فِي مَالِهِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهُ فِي دَارِهِ. فَثَارَ الْأَتْرَاكُ، وَأَرَادُوا مَنْعَهُ، وَقَصَدُوا دَارَ الْوَزِيرِ، وَأَخَذُوهُ وَضَرَبُوهُ، وَأَخْرَجُوهُ مِنْ دَارِهِ حَافِيًا، وَمَزَّقُوا ثِيَابَهُ، وَأَخَذُوا عِمَامَتَهُ وَقَطَعُوهَا، وَأَخَذُوا خَوَاتِيمَهُ مِنْ يَدِهِ فَدَمِيَتْ أَصَابِعُهُ، وَكَانَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ فِي الْحَمَّامِ، فَخَرَجَ مُرْتَاعًا، فَرَكِبَ وَظَهَرَ لِيَنْظُرَ مَا الْخَبَرُ، فَأَكَبَّ الْوَزِيرُ يُقَبِّلُ الْأَرْضَ، وَيَذْكُرُ مَا فُعِلَ بِهِ، فَقَالَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ: أَنَا ابْنُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، وَقَدْ فُعِلَ بِي أَكْثَرُ مِنْ هَذَا ; ثُمَّ أَخَذَ مِنَ الْبَسَّامِيِّ أَلْفَ دِينَارٍ وَأَطْلَقَهُ، وَاخْتَفَى الْوَزِيرُ.

стр. 4484

ذِكْرُ انْهِزَامِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ كَاكَوَيْهِ مِنْ عَسْكَرِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ قَدْ ذَكَرْنَا انْهِزَامَ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ أَبِي جَعْفَرٍ مِنَ الرَّيِّ وَمَسِيرَهُ عَنْهَا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَلْعَةِ فَرْدَجَانَ أَقَامَ بِهَا لِتَنْدَمِلَ جِرَاحُهُ، وَمَعَهُ فَرْهَاذُ بْنُ مَرْدَاوِيجَ، كَانَ قَدْ جَاءَهُ مَدَدًا لَهُ، وَتَوَجَّهُوا مِنْهَا إِلَى بَرُوجِرْدَ فَسَيَّرَ تَاشُ فَرَّاشَ مُقَدَّمَ عَسْكَرِ خُرَاسَانَ جَيْشًا إِلَى عَلَاءِ الدَّوْلَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَلِيَّ بْنَ عِمْرَانَ، فَسَارَ يَقُصُّ أَثَرَ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ فَلَمَّا قَارَبَ بَرُوجِرْدَ صَعِدَ فَرْهَاذُ إِلَى قَلْعَةِ سَلِيمُوهْ، وَمَضَى أَبُو جَعْفَرٍ إِلَى سَابُورَ خُوَاسْتَ، وَنَزَلَ عِنْدَ الْأَكْرَادِ الْجُوزَقَانِ. وَمَلَكَ عَسْكَرُ خُرَاسَانَ بَرُوجِرْدَ، وَرَاسَلَ فَرْهَاذُ الْأَكْرَادَ الَّذِينَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ عِمْرَانَ، وَاسْتَمَالَهُمْ، فَصَارُوا مَعَهُ، وَأَرَادُوا أَنْ يَفْتِكُوا بِعَلِيٍّ، وَبَلَغَهُ الْخَبَرُ، فَرَكِبَ لَيْلًا فِي خَاصَّتِهِ وَسَارَ نَحْوَ هَمَذَانَ، وَنَزَلَ فِي الطَّرِيقِ بِقَرْيَةٍ تُعْرَفُ (بِكَسْبَ، وَهِيَ مَنِيعَةٌ) ، فَاسْتَرَاحَ فِيهَا، فَلَحِقُهُ فَرْهَاذُ وَعَسْكَرُهُ وَالْأَكْرَادُ الَّذِينَ صَارُوا مَعَهُ، وَحَصَرُوهُ فِي الْقَرْيَةِ، فَاسْتَسْلَمَ وَأَيْقَنَ بِالْهَلَاكِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ الْيَوْمَ مَطَرًا وَثَلْجًا، فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْمُقَامُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا جَرِيدَةً بِغَيْرِ خِيَامٍ وَلَا آلَةِ شِتَاءٍ، فَرَحَلُوا عَنْهُ، وَرَاسَلَ عَلِيُّ بْنُ عِمْرَانَ الْأَمِيرَ تَاشَ فَرَّاشَ يَسْتَنْجِدُهُ وَيَطْلُبُ الْعَسْكَرَ إِلَى هَمَذَانَ. ثُمَّ اجْتَمَعَ فَرْهَاذُ وَعَلَاءُ الدَّوْلَةِ بِبَرُوجِرْدَ، وَاتَّفَقَا عَلَى قَصْدِ هَمَذَانَ، وَسَيَّرَ عَلَاءَ الدَّوْلَةِ إِلَى أَصْبَهَانَ وَبِهَا ابْنُ أَخِيهِ، يَطْلُبُهُ، وَأَمَرَهُ بِإِحْضَارِ السِّلَاحِ وَالْمَالِ، فَفَعَلَ وَسَارَ. فَبَلَغَ خَبَرُهُ عَلِيَّ بْنَ عِمْرَانَ، فَسَارَ إِلَيْهِ مِنْ هَمَذَانَ جَرِيدَةً، فَكَبَسَهُ بِجَرْبَاذَقَانَ، وَأَسَرَهُ وَأَسَرَ كَثِيرًا مِنْ عَسْكَرِهِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ، وَغَنِمَ مَا مَعَهُ مِنْ سِلَاحٍ وَمَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَمَّا سَارَ عَلِيٌّ عَنْ هَمَذَانَ دَخَلَهَا عَلَاءُ الدَّوْلَةِ، وَمَلَكَهَا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ عَلِيًّا سَارَ مُنْهَزِمًا، وَسَارَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ مِنْ هَمَذَانَ إِلَى كَرَجَ، فَأَتَاهُ خَبَرُ ابْنِ أَخِيهِ فَفَتَّ فِي عَضُدِهِ.

стр. 4485

وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ عِمْرَانَ قَدْ سَارَ بَعْدَ الْوَقْعَةِ إِلَى أَصْبَهَانَ طَامِعًا فِي الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا، وَعَلَى مَالِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ وَأَهْلِهِ، فَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَمَنَعَهُ أَهْلُهَا وَالْعَسْكَرُ الَّذِي فِيهَا، فَعَادَ عَنْهَا، فَلَقِيَهُ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ وَفَرْهَاذُ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ مِنْهُمَا، وَأَخَذَا مَا مَعَهُ مِنَ الْأَسْرَى، إِلَّا أَبَا مَنْصُورٍ ابْنَ أَخِي عَلَاءِ الدَّوْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ سَيَّرَهُ إِلَى تَاشَ فَرَّاشَ، وَسَارَ عَلِيٌّ مِنَ الْمَعْرَكَةِ مُنْهَزِمًا نَحْوَ تَاشَ فَرَّاشَ، فَلَقِيَهُ بِكَرَجَ فَعَاتَبَهُ عَلَى تَأَخُّرِهِ عَنْهُ، وَاتَّفَقَا عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى عَلَاءِ الدَّوْلَةِ وَفَرْهَاذَ، وَكَانَ قَدْ نَزَلَ بِجَبَلٍ عِنْدَ بَرُوجِرْدَ مُتَحَصِّنًا فِيهِ، فَافْتَرَقَ تَاشُ وَعَلِيٌّ (وَقَصَدَاهُ مِنْ) جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا مِنْ خَلْفِهِ، وَالْأُخْرَى مِنَ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، فَلَمْ يَشْعُرْ إِلَّا وَقَدْ خَالَطَهُ الْعَسْكَرُ فَانْهَزَمَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ وَفَرْهَاذُ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْ رِجَالِهِمَا. فَمَضَى عَلَاءُ الدَّوْلَةِ إِلَى أَصْبَهَانَ، وَصَعِدَ فَرْهَاذُ إِلَى قَلْعَةِ سَلِيمُوهْ فَتَحَصَّنَ بِهَا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ قَدْرُ خَانَ مَلِكُ التُّرْكِ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ. وَفِيهَا وَرَدَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُنْكَدِرِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ رَسُولًا مِنْ مَسْعُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ إِلَى الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ مُعَزِّيًا لَهُ بِالْقَادِرِ بِاللَّهِ. وَفِيهَا نُقِلَ تَابُوتُ الْقَادِرِ بِاللَّهِ إِلَى الْمَقْبَرَةِ بِالرُّصَافَةِ، وَشَهِدَهُ الْخَلْقُ الْعَظِيمُ، وَحُجَّاجُ خُرَاسَانَ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا. وَفِيهَا كَانَ بِالْبِلَادِ غَلَاءٌ شَدِيدٌ، وَاسْتَسْقَى النَّاسُ فَلَمْ يُسْقَوْا، وَتَبِعَهُ وَبَاءٌ عَظِيمٌ، وَكَانَ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ بِالْعِرَاقِ، وَالْمَوْصِلِ، وَالشَّامِ، وَبَلَدِ الْجَبَلِ، وَخُرَاسَانَ، وَغَزْنَةَ، وَالْهِنْدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَثُرَ الْمَوْتُ، فَدُفِنَ فِي أَصْبَهَانَ، فِي عِدَّةِ أَيَّامٍ، أَرْبَعُونَ أَلْفَ مَيِّتٍ وَكَثُرَ الْجُدَرِيُّ فِي النَّاسِ فَأُحْصِيَ بِالْمَوْصِلِ أَنَّهُ مَاتَ بِهِ أَرْبَعَةُ آلَافِ صَبِيٍّ، وَلَمْ تَخْلُ دَارٌ مِنْ مُصِيبَةٍ لِعُمُومِ الْمَصَائِبِ، وَكَثْرَةِ الْمَوْتِ، وَمِمَّنْ جُدِرَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَسَلِمَ.

стр. 4486

وَفِيهَا جَمَعَ نَائِبُ نَصْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ مَرْوَانَ بِالْجَزِيرَةِ جَمْعًا يَنِيفُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ رَجُلٍ، وَغَزَا مَنْ يُقَارِبُهُ مِنَ الْأَرْمَنِ، وَأَوْقَعَ بِهِمْ، وَأَثْخَنَ فِيهِمْ، وَغَنِمَ وَسَبَى كَثِيرًا، وَعَادَ ظَافِرًا مَنْصُورًا. وَفِيهَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ تُونِسَ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ خُلْفٌ، فَسَارَ الْمُعِزُّ بْنُ بَادِيسَ إِلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ، فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ، وَسَكَّنَ الْفِتْنَةَ وَعَادَ. وَفِيهَا اجْتَمَعَ نَاسٌ كَثِيرٌ مِنَ الشِّيعَةِ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَسَارُوا إِلَى أَعْمَالِ نَفْطَةَ، فَاسْتَوْلَوْا عَلَى بَلَدٍ مِنْهَا وَسَكَنُوهُ فَجَرَّدَ إِلَيْهِمُ الْمُعِزُّ عَسْكَرًا، فَدَخَلُوا الْبِلَادَ وَحَارَبُوا الشِّيعَةَ وَقَتَلُوهُمْ أَجْمَعِينَ. (وَفِيهَا خَرَجَتِ الْعَرَبُ عَلَى حَاجِّ الْبَصْرَةِ وَنَهَبُوهُمْ، وَحَجَّ النَّاسُ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ إِلَّا مِنَ الْعِرَاقِ) . [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ رُضْوَانَ الْمِصْرِيُّ، النَّحْوِيُّ، فِي رَجَبٍ. وَفِيهَا قَتَلَ الْمَلِكُ أَبُو كَالِيجَارَ صَنْدَلًا الْخَصِيَّ، وَكَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى الْمَمْلَكَةِ، وَلَيْسَ لِأَبِي كَالِيجَارَ مَعَهُ غَيْرُ الِاسْمِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ أَبُو الْحَسَنِ النُّعَيْمِيُّ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَ عَنْ جَمَاعَةٍ، وَكَانَ حَافِظًا، شَاعِرًا، فَقِيهًا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.

стр. 4487

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤٢٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ عَوْدِ مَسْعُودٍ إِلَى غَزْنَةَ وَالْفِتَنِ بِالرَّيِّ وَبَلَدِ الْجَبَلِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَجَبٍ، عَادَ الْمَلِكُ مَسْعُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ مِنْ نَيْسَابُورَ إِلَى غَزْنَةَ وَبِلَادِ الْهِنْدِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَدِ اسْتَقَرَّ لَهُ الْمُلْكُ بَعْدَ أَبِيهِ أَقَرَّ بِمَا كَانَ قَدْ فَتَحَهُ أَبُوهُ مِنَ الْهِنْدِ نَائِبًا يُسَمَّى أَحْمَدَ يَنَالْتِكِينَ، وَقَدْ كَانَ أَبُوهُ مَحْمُودٌ اسْتَنَابَهُ بِهَا ثِقَةً بِجَلَدِهِ وَنَهْضَتِهِ، فَرَسَتْ قَدَمُهُ فِيهَا، وَظَهَرَتْ كِفَايَتُهُ. ثُمَّ إِنَّ مَسْعُودًا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ تَقْرِيرِ قَوَاعِدِ الْمُلْكِ، وَالْقَبْضِ عَلَى عَمِّهِ يُوسُفَ وَالْمُخَالِفِينَ لَهُ، سَارَ إِلَى خُرَاسَانَ عَازِمًا عَلَى قَصْدِ الْعِرَاقِ، فَلَمَّا أَبْعَدَ عَصَى ذَلِكَ النَّائِبُ بِالْهِنْدِ، فَاضْطَرَّ مَسْعُودٌ إِلَى الْعَوْدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَلَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ كَاكَوَيْهِ وَأَمَّرَهُ عَلَى أَصْبَهَانَ بِقَرَارٍ يُؤَدِّيهِ كُلَّ سَنَةٍ، وَكَانَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ قَدْ أَرْسَلَ يَطْلُبُ ذَلِكَ، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ، وَأَقَرَّ ابْنَ قَابُوسَ بْنِ وَشْمَكِيرَ عَلَى جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ عَلَى مَالٍ يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ، وَسَيَّرَ أَبَا سَهْلٍ الْحَمْدُونِيَّ إِلَى الرَّيِّ لِلنَّظَرِ فِي أُمُورِ هَذِهِ الْبِلَادِ الْجَبَلِيَّةِ، وَالْقِيَامِ بِحِفْظِهَا، وَعَادَ إِلَى الْهِنْدِ، فَأَصْلَحَ الْفَاسِدَ، وَأَعَادَ الْمُخَالِفَ إِلَى طَاعَتِهِ، وَفَتَحَ قَلْعَةً حَصِينَةً تُسَمَّى سُرْسَتَى، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَقَدْ كَانَ أَبُوهُ حَصَرَهَا غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ فَتْحُهَا. وَلَمَّا سَارَ أَبُو سَهْلٍ إِلَى الرَّيِّ أَحْسَنَ إِلَى النَّاسِ، وَأَظْهَرَ الْعَدْلَ، فَأَزَالَ الْأَقْسَاطَ وَالْمُصَادَرَاتِ.

стр. 4488

وَكَانَ تَاشُ فَرَّاشَ قَدْ مَلَأَ الْبِلَادَ ظُلْمًا وَجَوْرًا، حَتَّى تَمَنَّى النَّاسُ الْخَلَاصَ مِنْهُمْ وَمِنْ دَوْلَتِهِمْ، وَخُرِّبَتِ الْبِلَادُ، وَتَفَرَّقَ أَهْلُهَا، فَلَمَّا وَلِيَ الْحَمْدُونِيُّ، وَأَحْسَنَ، وَعَدَلَ، عَادَتِ الْبِلَادُ فَعُمِّرَتْ، وَالرَّعِيَّةُ أَمِنَتْ، وَكَانَ الْإِرْجَافُ شَدِيدًا بِالْعِرَاقِ لَمَّا كَانَ الْمَلِكُ مَسْعُودٌ بِنَيْسَابُورَ، فَلَمَّا عَادَ سَكَنَ النَّاسُ وَاطْمَأَنُّوا. ذِكْرُ ظَفَرِ مَسْعُودٍ بِصَاحِبِ سَاوَةَ وَقَتْلِهِ فِيهَا قَبَضَ عَسْكَرُ السُّلْطَانِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودٍ عَلَى شَهْرَيُوشَ بْنِ وَلْكِينَ، فَأَمَرَ بِهِ مَسْعُودٌ فَقُتِلَ وَصُلِبَ عَلَى سُورِ سَاوَةَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ شَهْرَيُوشَ كَانَ صَاحِبَ سَاوَةَ وَقُمٍّ وَتِلْكَ النَّوَاحِي، فَلَمَّا اشْتَغَلَ مَسْعُودٌ بِأَخِيهِ مُحَمَّدٍ بَعْدَ مَوْتِ وَالِدِهِ جَمَعَ شَهْرَيُوشُ جَمْعًا وَسَارَ إِلَى الرَّيِّ مُحَاصِرًا لَهَا، فَلَمْ يَتِمَّ مَا أَرَادَهُ، وَجَاءَتِ الْعَسَاكِرُ فَعَادَ عَنْهَا. ثُمَّ [فِي] هَذِهِ السَّنَةِ اعْتَرَضَ الْحُجَّاجَ الْوَارِدِينَ مِنْ خُرَاسَانَ، وَعَمَّهُمْ أَذَاهُ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ مَا لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ، وَأَسَاءَ إِلَيْهِمْ، وَبَلَغَ ذَلِكَ إِلَى مَسْعُودٍ، فَتَقَدَّمَ إِلَى تَاشَ فَرَّاشَ، وَإِلَى أَبِي الطَّيِّبِ طَاهِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَلِيفَتِهِ مَعَهُ، يَطْلُبُ شَهْرَيُوشَ وَقَصْدَهُ أَيْنَ كَانَ، وَاسْتِنْفَادَ الْوُسْعِ فِي قِتَالِهِ، فَسَارَتِ الْعَسَاكِرُ فِي أَثَرِهِ، فَاحْتَمَى بِقَلْعَةٍ تُقَارِبُ قُمًّا تُسَمَّى فُسْتُقَ، وَهِيَ حَصِينَةٌ، عَالِيَةُ الْمَكَانِ، وَثِيقَةُ الْبُنْيَانِ، فَأَحَاطُوا بِهِ وَأَخَذُوهُ، وَكَتَبُوا إِلَى مَسْعُودٍ فِي أَمْرِهِ، فَأَمَرَهُمْ بِصَلْبِهِ عَلَى سُورِ سَاوَةَ.

стр. 4489

ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ عَلَى الْبَصْرَةِ وَخُرُوجِهَا عَنْ طَاعَتِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَتْ عَسَاكِرُ جَلَالِ الدَّوْلَةِ مَعَ وَلَدِهِ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ فَدَخَلُوا الْبَصْرَةَ فِي جُمَادَى الْأُولَى. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بَخْتَيَارَ مُتَوَلِّي الْبَصْرَةِ تُوُفِّيَ، فَقَامَ بَعْدَهُ ظُهَيْرُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ خَالُ وَلَدِهِ لِجَلَدٍ كَانَ فِيهِ، وَكِفَايَةٍ، وَهُوَ فِي طَاعَةِ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، وَدَامَ كَذَلِكَ، فَقِيلَ لِأَبِي كَالِيجَارَ: إِنَّ أَبَا الْقَاسِمِ لَيْسَ لَكَ مِنْ طَاعَتِهِ غَيْرُ الِاسْمِ، وَلَوْ رُمْتَ عَزْلَهُ لَتَعَذَّرَ عَلَيْكَ. وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا الْقَاسِمِ، فَاسْتَعَدَّ لِلِامْتِنَاعِ وَأَرْسَلَ أَبُو كَالِيجَارَ إِلَيْهِ يَعْزِلُهُ فَامْتَنَعَ، وَأَظْهَرَ طَاعَةَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ. وَخَطَبَ لَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِهِ، وَهُوَ بِوَاسِطٍ، يَطْلُبُهُ، فَانْحَدَرَ إِلَيْهِ فِي عَسَاكِرِ أَبِيهِ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ بِوَاسِطٍ وَدَخَلُوا الْبَصْرَةَ وَأَقَامُوا بِهَا، وَأَخْرَجُوا عَسَاكِرَ أَبِي كَالِيجَارَ مِنْهَا. وَبَقِيَ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ بِالْبَصْرَةِ مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ إِلَى أَنْ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] وَلَيْسَ لَهُ مَعَهُ أَمْرٌ، وَالْحُكْمُ إِلَى أَبِي الْقَاسِمِ. ثُمَّ إِنَّهُ أَرَادَ الْقَبْضَ عَلَى بَعْضِ الدَّيْلَمِ، فَهَرَبَ وَدَخَلَ دَارَ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ مُسْتَجِيرًا، فَاجْتَمَعَ الدَّيْلَمُ إِلَيْهِ، وَشَكَوْا مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ، فَصَادَفَتْ شَكْوَاهُمْ صَدْرًا مُوغَرًا حَنِقًا عَلَيْهِ لِسُوءِ صُحْبَتِهِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى مَا أَرَادُوهُ مِنْ إِخْرَاجِهِ عَنِ الْبَصْرَةِ، وَاجْتَمَعُوا، وَعَلِمَ أَبُو الْقَاسِمِ بِذَلِكَ فَامْتَنَعَ بِالْأُبُلَّةِ، وَجَمَعَ أَصْحَابَهُ وَجَرَى بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ أَجْلَتْ عَنْ خُرُوجِ الْعَزِيزِ عَنِ الْبَصْرَةِ وَعَوْدِهِ إِلَى وَاسِطٍ، وَعَوْدِ أَبِي الْقَاسِمِ إِلَى طَاعَةِ أَبِي كَالِيجَارَ. ذِكْرُ إِخْرَاجِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ مِنْ دَارِ الْمَمْلَكَةِ وَإِعَادَتِهِ إِلَيْهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَمَضَانَ، شَغَبَ الْجُنْدُ عَلَى جَلَالِ الدَّوْلَةِ وَقَبَضُوا عَلَيْهِ ثُمَّ أَخْرَجُوهُ مِنْ دَارِهِ، ثُمَّ سَأَلُوهُ لِيَعُودَ إِلَيْهَا فَعَادَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَقْدَمَ الْوَزِيرَ أَبَا الْقَاسِمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمُوا، فَلَمَّا قَدِمَ ظَنُّوا

стр. 4490

أَنَّهُ إِنَّمَا وَرَدَ لِلتَّعَرُّضِ إِلَى أَمْوَالِهِمْ وَنَعَمِهِمْ فَاسْتَوْحَشُوا وَاجْتَمَعُوا إِلَى دَارِهِ وَهَجَمُوا عَلَيْهِ، وَأَخْرَجُوهُ إِلَى مَسْجِدٍ هُنَاكَ فَوَكَّلُوا بِهِ فِيهِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَسْمَعُوهُ مَا يَكْرَهُ، وَنَهَبُوا بَعْضَ مَا فِي دَارِهِ، فَلَمَّا وَكَّلُوا بِهِ جَاءَ بَعْضُ الْقُوَّادِ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْجُنْدِ، وَمَنِ انْضَافَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَامَّةِ وَالْعَيَّارِينَ، فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَأَعَادَهُ إِلَى دَارِهِ، فَنَقَلَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ وَلَدَهُ وَحُرَمَهُ وَمَا بَقِيَ لَهُ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَعَبَرَ هُوَ فِي اللَّيْلِ إِلَى الْكَرْخِ فَلَقِيَهُ أَهْلُ الْكَرْخِ بِالدُّعَاءِ، فَنَزَلَ بِدَارِ الْمُرْتَضَى، وَعَبَرَ الْوَزِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ مَعَهُ. ثُمَّ إِنَّ الْجُنْدَ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نُخْرِجُهُ مِنْ بِلَادِنَا وَنُمَلِّكُ غَيْرَهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ مِنْ بَنِي بُوَيْهِ غَيْرُهُ وَغَيْرُ أَبِي كَالِيجَارَ، وَذَلِكَ قَدْ عَادَ إِلَى بِلَادِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُدَارَاةِ هَذَا. فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَقُولُونَ لَهُ: نُرِيدُ أَنْ تَنْحَدِرَ عَنَّا إِلَى وَاسِطٍ، وَأَنْتَ مَلِكُنَا، وَتَتْرُكَ عِنْدَنَا بَعْضَ أَوْلَادِكَ الْأَصَاغِرِ. فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ سِرًّا إِلَى الْغِلْمَانِ الْأَصَاغِرِ فَاسْتَمَالَهُمْ، وَإِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَكَابِرِ، وَقَالَ: إِنَّمَا أَثِقُ بِكَ، وَأَسْكُنُ إِلَيْكَ وَاسْتَمَالَهُمْ أَيْضًا، فَعَبَرُوا إِلَيْهِ، وَقَبَّلُوا الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَسَأَلُوهُ الْعَوْدَ إِلَى دَارِ الْمُلْكِ، فَعَادَ، وَحَلَفَ لَهُمْ عَلَى إِخْلَاصِ النِّيَّةِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَحَلَفُوا لَهُ عَلَى الْمُنَاصَحَةِ، وَاسْتَقَرَّ فِي دَارِهِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْوَزِيرُ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِيمَنْدِيُّ، وَزِيرُ مَسْعُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، وَوَزَرَ بَعْدَهُ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، وَكَانَ وَزِيرَ هَارُونَ أَلْتُونَتَاشَ، صَاحِبِ خُوَارَزْمَ، وَوَزَرَ بَعْدَهُ لِهَارُونَ ابْنُهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ. وَفِيهَا ثَارَ الْعَيَّارُونَ بِبَغْدَاذَ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَ النَّاسِ ظَاهِرًا، وَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، وَطَمِعَ الْمُفْسِدُونَ إِلَى حَدِّ أَنَّ بَعْضَ الْقُوَّادِ الْكِبَارِ أَخَذَ أَرْبَعَةً مِنَ الْعَيَّارِينَ، فَجَاءَ عَقِيدُهُمْ وَأَخَذَ مِنْ أَصْحَابِ الْقَائِدِ أَرْبَعَةً، وَحَضَرَ بَابَ دَارِهِ وَدَقَّ عَلَيْهِ الْبَابَ، فَكَلَّمَهُ مِنْ دَاخِلٍ، فَقَالَ الْعَقِيدُ: قَدْ أَخَذْتُ مِنْ أَصْحَابِكَ أَرْبَعَةً فَإِنْ أَطْلَقْتَ مَنْ عِنْدَكَ أَطْلَقْتُ أَنَا

стр. 4491

مَنْ عِنْدِي، وَإِلَّا قَتَلْتُهُمْ، وَأَحْرَقْتُ دَارَكَ فَأَطْلَقَهُمُ الْقَائِدُ. وَفِيهَا تَأَخَّرَ الْحَاجُّ مِنْ خُرَاسَانَ. وَفِيهَا خَرَجَ حُجَّاجُ الْبَصْرَةِ بِخَفِيرٍ فَغَدَرَ بِهِمْ وَنَهَبَهُمْ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى، تُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْبَيْضَاوِيِّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ نَيِّفٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَفِيهَا، فِي شَوَّالٍ، تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ السَّمَّاكِ الْقَاضِي عَنْ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً.

стр. 4492

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤٢٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ فَتْحِ قَلْعَةِ سَرَسْتَى وَغَيْرِهَا مِنْ بَلَدِ الْهِنْدِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَتَحَ السُّلْطَانُ مَسْعُودُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ قَلْعَةَ سَرَسْتَى وَمَا جَاوَرَهَا مِنْ بَلَدِ الْهِنْدِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ، مِنْ عِصْيَانِ نَائِبِهِ بِالْهِنْدِ أَحْمَدَ يَنَالْتِكِينَ عَلَيْهِ وَمَسِيرِهِ إِلَيْهِ. فَلَمَّا عَادَ أَحْمَدُ إِلَى طَاعَتِهِ، أَقَامَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ طَوِيلًا حَتَّى أَمِنَتْ وَاسْتَقَرَّتْ، وَقَصَدَ قَلْعَةَ سَرَسْتَى، وَهِيَ مِنْ أَمْنَعِ حُصُونِ الْهِنْدِ وَأَحْصَنِهَا، فَحَصَرَهَا، وَقَدْ كَانَ أَبُوهُ حَصَرَهَا غَيْرَ مَرَّةٍ، فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ فَتْحُهَا، فَلَمَّا حَصَرَهَا مَسْعُودٌ رَاسَلَهُ صَاحِبُهَا، وَبَذَلَ لَهُ مَالًا عَلَى الصُّلْحِ فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ. وَكَانَ فِيهَا قَوْمٌ مِنَ التُّجَّارِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَزَمَ صَاحِبُهَا عَلَى أَخْذِ أَمْوَالِهِمْ وَحَمْلِهَا إِلَى مَسْعُودٍ مِنْ جُمْلَةِ الْقَرَارِ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ التُّجَّارُ رُقْعَةً فِي نُشَّابَةٍ، وَرَمَوْا بِهَا إِلَيْهِ يُعَرِّفُونَهُ فِيهَا ضَعْفَ الْهُنُودِ بِهَا، وَأَنَّهُ إِنْ صَابَرَهُمْ مَلَكَهَا، فَرَجَعَ عَنِ الصُّلْحِ إِلَى الْحَرْبِ وَطَمَّ خَنْدَقَهَا بِالشَّجَرِ وَقَصَبِ السُّكَّرِ وَغَيْرِهِ، وَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَقَتَلَ كُلَّ مَنْ فِيهَا، وَسَبَى ذَرَارِيِّهِمْ، وَأَخَذَ مَا جَاوَرَهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَكَانَ عَازِمًا عَلَى طُولِ الْمُقَامِ وَالْجِهَادِ، فَأَتَاهُ مِنْ خُرَاسَانَ خَبَرُ الْغُزِّ، فَعَادَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 4493

ذِكْرُ حَصْرِ قَلْعَةٍ بِالْهِنْدِ أَيْضًا لَمَّا مَلَكَ مَسْعُودٌ قَلْعَةَ سَرَسْتَى رَحَلَ عَنْهَا إِلَى قَلْعَةِ نَغْسَى، فَوَصَلَ إِلَيْهَا عَاشِرَ صَفَرٍ، وَحَصَرَهَا فَرَآهَا عَالِيَةً لَا تُرَامُ، يَرْتَدُّ الْبَصَرُ دُونَهَا وَهُوَ حَسِيرٌ، إِلَّا أَنَّهُ أَقَامَ عَلَيْهَا يَحْصُرُهَا، فَخَرَجَتْ عَجُوزٌ سَاحِرَةٌ، فَتَكَلَّمَتْ بِاللِّسَانِ الْهِنْدِيِّ طَوِيلًا، وَأَخَذَتْ مِكْنَسَةً فَبَلَّتْهَا بِالْمَاءِ وَرَشَّتْهُ مِنْهَا إِلَى جِهَةِ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَرِضَ وَأَصْبَحَ وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ ضَعْفًا شَدِيدًا، فَرَحَلَ عَنِ الْقَلْعَةِ لِشِدَّةِ الْمَرَضِ، فَحِينَ فَارَقَهَا زَالَ مَا كَانَ بِهِ، وَأَقْبَلَتِ الصِّحَّةُ وَالْعَافِيَةُ إِلَيْهِ، وَسَارَ نَحْوَ غَزْنَةَ. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِنَيْسَابُورَ لَمَّا اشْتَدَّ أَمْرُ الْأَتْرَاكِ بِخُرَاسَانَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، تَجَمَّعَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَأَهْلِ الْعَيْثِ وَالشَّرِّ، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ أَثَارَ الشَّرَّ أَهْلُ أَبِيوَرْدَ وَطُوسَ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَسَارُوا إِلَى نَيْسَابُورَ لِيَنْهَبُوهَا، وَكَانَ الْوَالِي عَلَيْهَا قَدْ سَارَ عَنْهَا إِلَى الْمَلِكِ مَسْعُودٍ فَخَافَهُمْ خَوْفًا عَظِيمًا، وَأَيْقَنُوا بِالْهَلَاكِ. فَبَيْنَمَا هُمْ يَتَرَقَّبُونَ الْبَوَارَ وَالِاسْتِئْصَالَ، وَذَهَابَ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ، إِذْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ أَمِيرُ كِرْمَانَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ، قَدِمَ مُتَوَجِّهًا إِلَى مَسْعُودٍ أَيْضًا، فَاسْتَغَاثَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُمْ لِيَكُفَّ عَنْهُمُ الْأَذَى، فَأَقَامَ عَلَيْهِمْ، وَقَاتَلَ مَعَهُمْ، وَعَظُمَ الْأَمْرُ، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، وَكَانَ الظَّفَرُ لَهُ وَلِأَهْلِ نَيْسَابُورَ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ طُوسَ وَأَبِيوَرْدَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ، وَأَخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَعَمِلَ بِهِمْ أَمِيرُ كِرْمَانَ أَعْمَالًا عَظِيمَةً، وَأَثْخَنَ فِيهِمْ، وَأَسَرَ كَثِيرًا مِنْهُمْ، وَصَلَبَهُمْ عَلَى الْأَشْجَارِ فِي الطُّرُقِ، فَقِيلَ إِنَّهُ عُدِمَ مِنْ أَهْلِ طُوسَ عِشْرُونَ أَلْفَ رَجُلٍ. ثُمَّ إِنَّ أَمِيرَ كِرْمَانَ أَحْضَرَ زُعَمَاءَ قُرَى طُوسَ، وَأَخَذَ أَوْلَادَهُمْ وَإِخْوَانَهُمْ وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِيهِمْ رَهَائِنَ، فَأَوْدَعَهُمُ السُّجُونَ، وَقَالَ: إِنِ اعْتَرَضَ مِنْكُمْ وَاحِدٌ إِلَى أَهْلِ نَيْسَابُورَ أَوْ غَيْرِهِمْ، أَوْ قَطَعَ طَرِيقًا، فَأَوْلَادُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَرَهَائِنُكُمْ مَأْخُوذُونَ بِجِنَايَاتِكُمْ. فَسَكَنَ النَّاسُ، وَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْ أَهْلِ نَيْسَابُورَ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِمْ.

стр. 4494

ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ وَعَسْكَرِ خُرَاسَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اجْتَمَعَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ بْنُ كَاكَوَيْهِ وَفَرْهَاذُ بْنُ مَرْدَاوِيجَ، وَاتَّفَقَا عَلَى قِتَالِ عَسْكَرِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، وَكَانَتِ الْعَسَاكِرُ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ خُرَاسَانَ مَعَ أَبِي سَهْلٍ الْحَمْدُونِيِّ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا صَبَرَ فِيهِ الْفَرِيقَانِ، ثُمَّ انْهَزَمَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ، وَقُتِلَ فَرْهَاذُ، وَاحْتَمَى عَلَاءُ الدَّوْلَةِ بِجِبَالٍ بَيْنَ أَصْبَهَانَ وَجَرْبَاذَقَانَ، وَنَزَلَ عَسْكَرُ مَسْعُودٍ بِكَرَجَ. وَأَرْسَلَ (أَبُو سَهْلٍ) إِلَى عَلَاءِ الدَّوْلَةِ يَقُولُ لَهُ لِيَبْذُلَ الْمَالَ، وَيُرَاجِعَ الطَّاعَةَ لِيُقِرَّهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنَ الْبِلَادِ. وَيُصْلِحَ حَالَهُ مَعَ مَسْعُودٍ. فَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ بَيْنَهُمْ أَمْرٌ، فَسَارَ أَبُو سَهْلٍ إِلَى أَصْبَهَانَ فَمَلَكَهَا، وَانْهَزَمَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ لَمَّا خَافَ الطَّلَبَ إِلَى إِيذَجَ، وَهِيَ لِلْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ. وَلَمَّا اسْتَوْلَى أَبُو سَهْلٍ عَلَى أَصْبَهَانَ نَهَبَ خَزَائِنَ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ (وَأَمْوَالَهُ، وَكَانَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ سِينَا فِي خِدْمَةِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ) فَأُخِذَتْ كُتُبُهُ وَحُمِلَتْ إِلَى غَزْنَةَ فَجُعِلَتْ فِي خَزَائِنِ كُتُبِهَا إِلَى أَنْ أَحْرَقَهَا عَسَاكِرُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْغُورِيِّ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ نُورِ الدَّوْلَةِ دُبَيْسٍ وَأَخِيهِ ثَابِتٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ بَيْنَ دُبَيْسِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَزْيَدٍ وَأَخِيهِ أَبِي قَوَّامٍ ثَابِتِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَزْيَدٍ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ ثَابِتًا كَانَ يَعْتَضِدُ بِالْبَسَاسِيرِيِّ وَيَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ سَارَ الْبَسَاسِيرِيُّ مَعَهُ إِلَى قِتَالِ أَخِيهِ دُبَيْسٍ، فَدَخَلُوا النِّيلَ وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ وَعَلَى أَعْمَالِ نُورِ الدَّوْلَةِ فَسَيَّرَ نُورُ الدَّوْلَةِ إِلَيْهِمْ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ. فَقَاتَلُوهُمْ فَانْهَزَمُوا فَلَمَّا رَأَى دُبَيْسٌ هَزِيمَةَ أَصْحَابِهِ سَارَ عَنْ بَلَدِهِ، وَبَقِيَ ثَابِتٌ فِيهِ إِلَى الْآنِ

стр. 4495

فَاجْتَمَعَ دُبَيْسٌ وَأَبُو الْمَغْرَا عَنَّازُ بْنُ الْمَغْرَا، وَبَنُو أَسَدٍ وَخَفَاجَةَ، وَأَعَانَهُ أَبُو كَامِلٍ مَنْصُورُ بْنُ قُرَادٍ، وَسَارُوا جَرِيدَةً لِإِعَادَةِ دُبَيْسٍ إِلَى بَلَدِهِ وَأَعْمَالِهِ، وَتَرَكُوا حُلَلَهُمْ بَيْنَ خُصَّا وَحَرْبَى. فَلَمَّا سَارُوا لَقِيَهُمْ ثَابِتٌ عِنْدَ جَرْجَرَايَا، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ قُتِلَ فِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، ثُمَّ تَرَاسَلُوا وَاصْطَلَحُوا لِيَعُودَ دُبَيْسٌ إِلَى أَعْمَالِهِ، وَيُقْطِعَ أَخَاهُ ثَابِتًا إِقْطَاعًا، وَتَحَالَفُوا عَلَى ذَلِكَ، وَسَارَ الْبَسَاسِيرِيُّ نَجْدَةً لِثَابِتٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى النُّعْمَانِيَّةِ سَمِعَ بِصُلْحِهِمْ، فَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ. ذِكْرُ مُلْكِ الرُّومِ قَلْعَةَ بِرْكَوِي هَذِهِ قَلْعَةٌ مُتَاخِمَةٌ لِلْأَرْمَنِ فِي يَدِ أَبِي الْهَيْجَاءِ بْنِ رَبِيبِ الدَّوْلَةِ، ابْنِ أُخْتِ وَهْسُوذَانَ بْنِ مُمِلَّانَ، فَتَنَافَرَ هُوَ وَخَالُهُ، فَأَرْسَلَ خَالُهُ إِلَى الرُّومِ فَأَطْمَعَهُمْ فِيهَا، فَسَيَّرَ الْمَلِكُ إِلَيْهَا جَمْعًا كَثِيرًا فَمَلَكُوهَا، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْخَلِيفَةِ فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي الْهَيْجَاءِ وَخَالِهِ مَنْ يُصْلِحُ بَيْنَهُمَا لِيَتَّفِقَا عَلَى اسْتِعَادَةِ الْقَلْعَةِ، فَاصْطَلَحَا، وَلَمْ يَتَمَكَّنَا مِنِ اسْتَعَادَتِهَا، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ لِثَبَاتِ قَدَمِ الرُّومِ بِهَا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْزَرَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ عَمِيدَ الدَّوْلَةِ أَبَا سَعْدِ بْنَ عَبْدِ الرَّحِيمِ، (وَهِيَ الْوَزَارَةُ الْخَامِسَةُ، وَكَانَ قَبْلَهُ) فِي الْوَزَارَةِ ابْنُ مَاكُولَا، فَفَارَقَهَا وَسَارَ إِلَى عُكْبَرَا، فَرَدَّهُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْوَزَارَةِ، وَعَزَلَ أَبَا سَعْدٍ. فَبَقِيَ أَيَّامًا، ثُمَّ فَارَقَهَا إِلَى أَوَانَا. وَفِيهَا اسْتُخْلِفَ الْبَسَاسِيرِيُّ، فِي حِمَايَةِ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ بِبَغْدَاذَ لِأَنَّ الْعَيَّارِينَ اشْتَدَّ

стр. 4496

أَمْرُهُمْ وَعَظُمَ فَسَادُهُمْ، وَعَجَزَ عَنْهُمْ نُوَّابُ السُّلْطَانِ، فَاسْتَعْمَلُوا الْبَسَاسِيرِيَّ لِكِفَايَتِهِ وَنَهْضَتِهِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو سِنَانٍ غَرِيبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَقْنٍ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ، فِي كَرْخِ سَامَرَّا، وَكَانَ يُلَقَّبُ سَيْفَ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ قَدْ ضَرَبَ دَرَاهِمَ سَمَّاهَا السَّيْفِيَّةَ، وَقَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو الرَّيَّانِ، وَخَلَّفَ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَأَمَرَ فَنُودِيَ: قَدْ أَحْلَلْتُ كُلَّ مَنْ لِي عِنْدَهُ شَيْءٌ فَحَلِّلُونِي كَذَلِكَ، فَحَلَّلُوهُ، وَكَانَ عُمْرُهُ سَبْعِينَ سَنَةً. وَفِيهَا تُوُفِّيَ بَدْرَانُ بْنُ الْمُقَلَّدِ، وَقَصَدَ وَلَدُهُ عَمَّهُ قِرْوَاشًا، فَأَقَرَّ عَلَيْهِ حَالَهُ وَمَالَهُ وَوِلَايَةَ نَصِيبِينَ، وَكَانَ بَنُو نُمَيْرٍ قَدْ طَمِعُوا فِيهَا وَحَصَرُوهَا، فَسَارَ إِلَيْهِمُ ابْنُ بَدْرَانَ فَدَفَعَهُمْ عَنْهَا. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَرْمَانُوسُ مَلِكُ الرُّومِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ رَجُلٌ صَيْرَفِيٌّ لَيْسَ مِنْ بَيْتِ الْمُلْكِ، وَإِنَّمَا بِنْتُ قُسْطَنْطِينَ اخْتَارَتْهُ. [تَابِعُ عِدَّةِ حَوَادِثَ] وَفِيهَا كَثُرَتِ الزَّلَازِلُ بِمِصْرَ وَالشَّامِ، وَكَانَ أَكْثَرُهَا بِالرَّمْلَةِ، فَإِنَّ أَهْلَهَا فَارَقُوا مَنَازِلَهُمْ عِدَّةَ أَيَّامٍ، وَانْهَدَمَ مِنْهَا نَحْوُ ثُلُثِهَا، وَهَلَكَ تَحْتَ الْهَدْمِ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَفِيهَا كَانَ بِإِفْرِيقِيَّةَ مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ وَغَلَاءٌ. وَفِيهَا قَبَضَ قِرْوَاشٌ عَلَى الْبُرْجُمِيِّ الْعَيَّارِ وَغَرَّقَهُ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ قِرْوَاشًا قَبَضَ عَلَى ابْنِ الْقَلَعِيِّ عَامَلِ عُكْبَرَا، فَحَضَرَ الْبُرْجُمِيُّ الْعَيَّارُ عِنْدَ قِرْوَاشٍ مُخَاطِبًا

стр. 4497

فِي أَمْرِهِ لِمَوَدَّةٍ بَيْنَهُمَا، فَأَخَذَهُ قِرْوَاشٌ وَقَبَضَ عَلَيْهِ، فَبَذَلَ مَالًا كَثِيرًا لِيُطْلِقَهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَغَرَّقَهُ، وَكَانَ هَذَا الْبُرْجُمِيُّ قَدْ عَظُمَ شَأْنُهُ وَزَادَ شَرُّهُ، وَكَبَسَ عِدَّةَ مَخَازِنَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَكَبَسَ دَارَ الْمُرْتَضَى، وَدَارَ ابْنِ عُدَيْسَةَ، وَهِيَ مُجَاوِرَةُ دَارِ الْوَزِيرِ، وَثَارَ الْعَامَّةُ بِالْخَطِيبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالُوا: إِمَّا أَنْ تَخْطُبَ لِلْبُرْجُمِيِّ، وَإِلَّا فَلَا تَخْطُبْ لِسُلْطَانٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَأَهْلَكَ النَّاسَ بِبَغْدَاذَ، وَحِكَايَاتُهُ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ مَعَ هَذَا فِيهِ فُتُوَّةٌ، وَلَهُ مُرُوءَةٌ، لَمْ يَعْرِضْ إِلَى امْرَأَةٍ، وَلَا إِلَى مَنْ يَسْتَسْلِمُ إِلَيْهِ. وَفِيهَا هَبَّتْ رِيحٌ سُودٌ بِنَصِيبِينَ فَقَلَعَتْ مِنْ بَسَاتِينِهَا كَثِيرًا مِنَ الْأَشْجَارِ، وَكَانَ فِي بَعْضِ الْبَسَاتِينِ قَصْرٌ مَبْنِيٌّ بِجَصٍّ وَآجُرٍّ وَكِلْسٍ، فَقَلَعَتْهُ مِنْ أَصْلِهِ. وَفِيهَا كَثُرَ الْمَوْتُ بِالْخَوَانِيقِ فِي كَثِيرٍ مِنْ بِلَادِ الْعِرَاقِ، وَالشَّامِ، وَالْمَوْصِلِ، وَخُوزِسْتَانَ، وَغَيْرِهَا حَتَّى كَانَتِ الدَّارُ يُسَدُّ بَابُهَا لِمَوْتِ أَهْلِهَا. (وَفِيهَا، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، انْقَضَّ كَوْكَبٌ هَالَ مَنْظَرُهُ النَّاسَ، وَبَعْدَهُ بِلَيْلَتَيْنِ انْقَضَّ شِهَابٌ آخَرُ أَعْظَمُ مِنْهُ كَأَنَّهُ الْبَرْقُ مُلَاصِقُ الْأَرْضِ، وَغَلَبَ عَلَى ضَوْءِ الْمَشَاعِلِ، وَمَكَثَ طَوِيلًا حَتَّى غَابَ أَثَرُهُ) . [تَابِعُ الْوَفَيَاتِ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَبِيوَرْدِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، قَاضِي الْبَصْرَةِ، وَأَبُو بَكْرٍ

стр. 4498

أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ (بْنِ غَالِبٍ) الْبَرْقَانِيُّ، الْمُحَدِّثُ، الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَجَبٍ. وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ. وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ أَبُو الْفَرَجِ التَّمِيمِيُّ الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ.

стр. 4499

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤٢٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ حَالِ الْخِلَافَةِ وَالسَّلْطَنَةِ بِبَغْدَاذَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْحَلَّ أَمْرُ الْخِلَافَةِ وَالسَّلْطَنَةِ بِبَغْدَاذَ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ الْجُنْدِ خَرَجُوا إِلَى قَرْيَةِ يَحْيَى، فَلَقِيَهُمْ أَكْرَادٌ، فَأَخَذُوا دَوَابَّهُمْ، فَعَادُوا إِلَى قِرَاحِ الْخَلِيفَةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ، فَنَهَبُوا شَيْئًا مِنْ ثَمَرَتِهِ، وَقَالُوا لِلْعُمَّالِينَ فِيهِ: أَنْتُمْ عَرَفْتُمْ حَالَ الْأَكْرَادِ وَلَمْ تُعْلِمُونَا. فَسَمِعَ الْخَلِيفَةُ الْحَالَ، فَعَظُمَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقْدِرْ جَلَالُ الدَّوْلَةِ عَلَى أَخْذِ أُولَئِكَ الْأَكْرَادِ لِعَجْزِهِ وَوَهَنِهِ، وَاجْتَهَدَ فِي تَسْلِيمِ الْجُنْدِ إِلَى نَائِبِ الْخَلِيفَةِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ، فَتَقَدَّمَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الْقُضَاةِ (بِتَرْكِ الْقَضَاءِ وَالِامْتِنَاعِ عَنْهُ) ، وَإِلَى الشُّهُودِ بِتَرْكِ الشَّهَادَةِ، وَإِلَى الْفُقَهَاءِ بِتَرْكِ الْفَتْوَى. فَلَمَّا رَأَى جَلَالُ الدَّوْلَةِ ذَلِكَ سَأَلَ أُولَئِكَ الْأَجْنَادَ لِيُجِيبُوهُ إِلَى أَنْ يَحْمِلَهُمْ إِلَى دِيوَانِ الْخِلَافَةِ، فَفَعَلُوا، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ أُطْلِقُوا، وَعَظُمَ أَمْرُ الْعَيَّارِينَ، وَصَارُوا يَأْخُذُونَ الْأَمْوَالَ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَا مَانِعَ لَهُمْ لِأَنَّ الْجُنْدَ يَحْمُونَهُمْ عَلَى السُّلْطَانِ وَنُوَّابِهِ، وَالسُّلْطَانُ عَاجِزٌ عَنْ قَهْرِهِمْ، وَانْتَشَرَ الْعَرَبُ فِي الْبِلَادِ فَنَهَبُوا النَّوَاحِيَ، وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، وَبَلَغُوا إِلَى أَطْرَافِ بَغْدَاذَ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى جَامِعِ الْمَنْصُورِ، وَأَخَذُوا ثِيَابَ النِّسَاءِ فِي الْمَقَابِرِ.

стр. 4500

ذِكْرُ إِظْهَارِ أَحْمَدَ يَنَالْتِكِينَ الْعِصْيَانَ وَقَتْلِهِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] عَادَ مَسْعُودُ بْنُ مَحْمُودٍ مِنَ الْهِنْدِ لِقِتَالِ الْغُزِّ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَعَادَ أَحْمَدُ يَنَالْتِكِينَ إِلَى إِظْهَارِ الْعِصْيَانِ بِبِلَادِ الْهِنْدِ، وَجَمَعَ الْجُمُوعَ، وَقَصَدَ الْبِلَادَ بِالْأَذَى، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ مَسْعُودٌ جَيْشًا كَثِيفًا، وَكَانَتْ مُلُوكُ الْهِنْدِ تَمْنَعُهُ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَسَدَّ مَنَافِذَ هَرَبِهِ. وَلَمَّا وَصَلَ الْجَيْشُ الْمُنْفَذُ إِلَيْهِ قَاتَلَهُمْ، فَانْهَزَمَ وَمَضَى هَارِبًا إِلَى الْمُلْتَانِ، وَقَصَدَ بَعْضَ مُلُوكِ الْهِنْدِ بِمَدِينَةِ بَهَاطِيةَ وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ عَسَاكِرِهِ الَّذِينَ سَلِمُوا، فَلَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ الْمَلِكِ قُدْرَةٌ عَلَى مَنْعِهِ، وَطَلَبَ مِنْهُ سُفُنًا لِيَعْبُرَ نَهْرَ السِّنْدِ، فَأَحْضَرَ لَهُ السُّفُنَ. وَكَانَ فِي وَسَطِ النَّهْرِ جَزِيرَةٌ ظَنَّهَا أَحْمَدُ وَمَنْ مَعَهُ مُتَّصِلَةً بِالْبَرِّ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْمَاءَ مُحِيطٌ بِهَا، فَتَقَدَّمَ مَلِكُ الْهِنْدِ إِلَى أَصْحَابِ السُّفُنِ بِإِنْزَالِهِمْ فِي الْجَزِيرَةِ وَالْعَوْدِ عَنْهُمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَبَقِيَ أَحْمَدُ وَمَنْ مَعَهُ فِيهَا وَلَيْسَ مَعَهُمْ طَعَامٌ (إِلَّا مَا مَعَهُمْ) ، فَبَقُوا بِهَا تِسْعَةَ أَيَّامٍ، فَفَنِيَ زَادُهُمْ، وَأَكَلُوا دَوَابَّهُمْ، وَضَعُفَتْ قُوَاهُمْ، فَأَرَادُوا خَوْضَ الْمَاءِ فَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْهُ لِعُمْقِهِ وَشِدَّةِ الْوَحْلِ فِيهِ، فَعَبَّرَ الْهِنْدُ إِلَيْهِمْ عَسْكَرَهُمْ فِي السُّفُنِ، وَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَأَوْقَعُوا بِهِمْ وَقَتَلُوا أَكْثَرَهُمْ، وَأَخَذُوا وَلَدًا لِأَحْمَدَ أَسِيرًا، فَلَمَّا رَآهُ أَحْمَدُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَاسْتَوْعَبَ أَصْحَابَهُ الْقَتْلُ وَالْأَسْرُ وَالْغَرَقُ. ذِكْرُ مُلْكِ مَسْعُودٍ جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ كَانَ الْمَلِكُ مَسْعُودٌ قَدْ أَقَرَّ دَارَا بْنَ مُنُوجَهْرَ بْنِ قَابُوسَ عَلَى جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ وَتَزَوَّجَ أَيْضًا بِابْنَةِ أَبِي كَالِيجَارَ الْقُوهِيِّ، مُقَدَّمِ جَيْشِ دَارَا، وَالْقَيِّمِ بِتَدْبِيرِ أَمْرِهِ اسْتِمَالَةً. فَلَمَّا سَارَ إِلَى الْهِنْدِ مَنَعُوا مَا كَانَ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَالِ، وَرَاسَلُوا عَلَاءَ الدَّوْلَةِ بْنَ كَاكَوَيْهِ وَفَرْهَاذَ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى الْعِصْيَانِ وَالْمُخَالَفَةِ، وَقَوَّى عَزْمَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا بَلَغَهُمْ (مِنْ خُرُوجِ الْغُزِّ بِخُرَاسَانَ) .

стр. 4501

فَلَمَّا عَادَ مَسْعُودٌ مِنَ الْهِنْدِ وَأَجْلَى الْغُزَّ وَهَزَمَهُمْ سَارَ إِلَى جُرْجَانَ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَمَلَكَهَا، وَسَارَ إِلَى آمُلِ طَبَرِسْتَانَ، وَقَدْ فَارَقَهَا أَصْحَابُهَا، وَاجْتَمَعُوا بِالْغِيَاضِ وَالْأَشْجَارِ الْمُلْتَفَّةِ، الضَّيِّقَةِ الْمَدْخَلِ، الْوَعْرَةِ الْمَسْلَكِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَاقْتَحَمَهَا عَلَيْهِمْ فَهَزَمَهُمْ وَأَسَرَ مِنْهُمْ وَقَتَلَ، ثُمَّ رَاسَلَهُ دَارَا وَأَبُو كَالِيجَارَ وَطَلَبُوا مِنْهُ الْعَفْوَ وَتَقْرِيرَ الْبِلَادِ عَلَيْهِمْ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَحَمَلُوا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا كَانَ عَلَيْهِمْ، وَعَادَ إِلَى خُرَاسَانَ. ذِكْرُ مَسِيرِ ابْنِ وَثَّابٍ وَالرُّومِ إِلَى بَلَدِ ابْنِ مَرْوَانَ فِيهَا جَمَعَ ابْنُ وَثَّابٍ النُّمَيْرِيُّ جَمْعًا كَثِيرًا مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، وَاسْتَنْجَدَ مَنْ بِالرُّهَا مِنَ الرُّومِ، فَسَارَ مَعَهُ مِنْهُمْ جَيْشٌ كَثِيفٌ، وَقَصَدَ بَلَدَ نَصْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ مَرْوَانَ، وَنَهَبَ وَأَخْرَبَ. فَجَمَعَ ابْنُ مَرْوَانَ جُمُوعَهُ وَعَسَاكِرَهُ وَاسْتَمَدَّ قِرْوَاشًا وَغَيْرَهُ، وَأَتَتْهُ الْجُنُودُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَلَمَّا رَأَى ابْنُ وَثَّابٍ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا يَتِمُّ لَهُ غَرَضٌ عَادَ عَنْ بِلَادِهِ. وَأَرْسَلَ ابْنُ مَرْوَانَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ يُعَاتِبُهُ عَلَى نَقْضِ الْهُدْنَةِ، وَفَسْخِ الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا، وَرَاسَلَ أَصْحَابَ الْأَطْرَافِ يَسْتَنْجِدُهُمْ لِلْغَزَاةِ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ مِنَ الْجُنْدِ وَالْمُتَطَوِّعَةِ، وَعَزَمَ عَلَى قَصْدِ الرُّهَا وَمُحَاصَرَتِهَا، فَوَرَدَتْ رُسُلُ مَلِكِ الرُّومِ يَعْتَذِرُ، وَيَحْلِفُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِمَا كَانَ، وَأَرْسَلَ إِلَى عَسْكَرِهِ الَّذِينَ بِالرُّهَا وَالْمُقَدَّمِ عَلَيْهِمْ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَأَهْدَى إِلَى نَصْرِ الدَّوْلَةِ هَدِيَّةً سَنِيَّةً، فَتَرَكَ مَا كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ مِنَ الْغَزْوِ، وَفَرَّقَ الْعَسَاكِرَ الْمُجْتَمِعَةَ عِنْدَهُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِيهَا خَرَجَ أَبُو سَعْدٍ، وَزِيرُ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، إِلَى أَبِي الشَّوْكِ مُفَارِقًا لِلْوَزَارَةِ، وَوَزَرَ بَعْدَهُ أَبُو الْقَاسِمِ، وَكَثُرَتْ (مُطَالَبَاتُ الْجُنْدِ) ، فَهَرَبَ، فَأُخْرِجَ وَحُمِلَ إِلَى دَارِ الْمَمْلَكَةِ

стр. 4502

مَكْشُوفَ الرَّأْسِ فِي قَمِيصٍ خَفِيفٍ، وَكَانَتْ وَزَارَتُهُ هَذِهِ شَهْرَيْنِ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، وَعَادَ أَبُو سَعْدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ إِلَى الْوَزَارَةِ. وَفِيهَا، فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَثَبَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْبَرَكَاتِ بْنِ ثِمَالٍ الْخَفَاجِيُّ بِعَمِّهِ عَلِيِّ بْنِ ثِمَالٍ أَمِيرِ بَنِي خَفَاجَةَ، فَقَتَلَهُ، وَقَامَ بِإِمَارَةِ بَنِي خَفَاجَةَ. وَفِيهَا جَمَعَتِ الرُّومُ وَسَارَتْ إِلَى وِلَايَةِ حَلَبَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ صَاحِبُهَا شِبْلُ الدَّوْلَةِ بْنُ صَالِحِ بْنِ مِرْدَاسٍ، فَتَصَافُّوا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ، وَتَبِعَهُمْ إِلَى عَزَازَ، وَغَنِمَ غَنَائِمَ كَثِيرَةً وَعَادَ سَالِمًا. وَفِيهَا قَصَدَتْ خَفَاجَةُ الْكُوفَةَ، وَمُقَدَّمُهُمُ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْبَرَكَاتِ بْنِ ثِمَالٍ، فَنَهَبُوهَا، وَأَرَادُوا تَخْرِيبَهَا، وَمَنَعُوا النَّخْلَ مِنَ الْمَاءِ فَهَلَكَ أَكْثَرُهُ. وَفِيهَا هَرَبَ الزَّكِيُّ أَبُو عَلِيٍّ النَّهْرَسَابُسِيُّ مِنْ مَحْبِسِهِ، وَكَانَ قِرْوَاشٌ قَدِ اعْتَقَلَهُ بِالْمَوْصِلِ، فَبَقِيَ سَنَتَيْنِ إِلَى الْآنَ، وَلَمْ يَحُجَّ هَذِهِ السَّنَةَ مِنِ الْعِرَاقِ أَحَدٌ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ كُلَيْبٍ، الْأَدِيبُ، الشَّاعِرُ الْأَنْدَلُسِيُّ، وَحَدِيثُهُ مَعَ أَسْلَمَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ مَشْهُورٌ، وَكَانَ يَهْوَاهُ، فَقَالَ فِيهِ:

стр. 4503

أَسْلَمَنِي فِي هَوَاهُ ... أَسْلَمُ هَذَا الرَّشَا غَزَالٌ لَهُ مُقْلَةٌ ... يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَا وَشَى بَيْنَنَا حَاسِدٌ ... سَيُسْأَلُ عَمَّا وَشَى وَلَوْ شَاءَ أَنْ يَرْتَشِيَ ... عَلَى الْوَصْلِ رُوحِي ارْتَشَى وَمَاتَ كَمَدًا مِنْ هَوَاهُ. وَتُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْهَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ (بْنِ أَحْمَدَ) بْنِ شَهِيدٍ الْأَدِيبُ الْأَنْدَلُسِيُّ، وَمِنْ شِعْرِهِ: ( إِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا نَالَتْهُ مَخْمَصَةٌ ... أَبْدَى إِلَى النَّاسِ شَبَعًا، وَهُوَ طَيَّانُ يَحْنِي الضُّلُوعَ عَلَى مِثْلِ اللَّظَى حُرْقًا ... وَالْوَجْهُ غَمْرٌ بِمَاءِ الْبِشْرِ مَلْآنُ ) وَلَهُ أَيْضًا: كَتَبْتُ لَهَا أَنَّنِي عَاشِقٌ ... عَلَى مُهْرَقِ اللَّثْمِ بِالنَّاظِرِ فَرَدَّتْ عَلَيَّ جَوَابَ الْهَوَى ... بِأَحْوَرَ عَنْ مَائِهِ حَائِرِ مُنَعَّمَةٌ نَطَقَتْ بِالْجُفُونِ ، فَدَلَّتْ عَلَى دِقَّةِ الْخَاطِرِ ... كَأَنَّ فُؤَادِي، إِذَا أَعْرَضَتْ ، تَعَلَّقَ فِي مِخْلَبَيْ طَائِرِ وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْمَعَالِي بْنُ سَخْطَةَ الْعَلَوِيُّ النَّقِيبُ بِالْبَصْرَةِ، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مَعِيَّةَ

стр. 4504

الْعَلَوِيُّ بِهَا أَيْضًا. وَأَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، الْمُحَدِّثُ الْأَشْعَرِيُّ مَذْهَبًا، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِبَغْدَاذَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمَائِةٍ. (وَحَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ الْجُرْجَانِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ) .

стр. 4505

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤٢٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ وُثُوبِ الْجُنْدِ بِجَلَالِ الدَّوْلَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَارَ الْجُنْدُ بِبَغْدَاذَ بِجَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَأَرَادُوا إِخْرَاجَهُ مِنْهَا، فَاسْتَنْظَرَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمْ يُنْظِرُوهُ، وَرَمَوْهُ بِالْآجُرِّ، فَأَصَابَهُ بَعْضُهُمْ، وَاجْتَمَعَ الْغِلْمَانُ فَرَدُّوهُمْ عَنْهُ، فَخَرَجَ مِنْ بَابٍ لَطِيفٍ فِي سُمَيْرِيَّةٍ مُتَنَكِّرًا، وَصَعِدَ رَاجِلًا مِنْهَا إِلَى دَارِ الْمُرْتَضَى بِالْكَرْخِ، وَخَرَجَ مِنْ دَارِ الْمُرْتَضَى، وَسَارَ إِلَى رَافِعِ (بْنِ الْحُسَيْنِ) بْنِ مَقْنٍ بِتَكْرِيتَ، وَكَسَرَ الْأَتْرَاكُ أَبْوَابَ دَارِهِ وَدَخَلُوهَا وَنَهَبُوهَا، وَقَلَعُوا كَثِيرًا مِنْ سَاجِهَا وَأَبْوَابِهَا، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِ، وَقَرَّرَ أَمْرَ الْجُنْدِ وَأَعَادَهُ إِلَى بَغْدَاذَ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ أَبِي سَهْلٍ الْحَمْدُونِيِّ وَعَلَاءِ الدَّوْلَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَسَاكِرِ الْخُرَاسَانِيَّةِ الَّتِي مَعَ الْوَزِيرِ أَبِي سَهْلٍ الْحَمْدُونِيِّ بِأَصْبَهَانَ يَطْلُبُونَ الْمِيرَةَ، فَوَضَعَ عَلَيْهِمْ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ مَنْ أَطْمَعَهُمْ فِي الِامْتِيَارِ مِنَ النَّوَاحِي الْقَرِيبَةِ مِنْهُ، فَسَارُوا إِلَيْهَا، وَلَا يَعْلَمُونَ قُرْبَهُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا أَتَاهُ خَبَرُهُمْ (خَرَجَ إِلَيْهِمْ) وَأَوْقَعَ بِهِمْ وَغَنِمَ مَا مَعَهُمْ. وَقَوِيَ طَمَعُهُ بِذَلِكَ، فَجَمَعَ جَمْعًا مِنَ الدَّيْلَمِ وَغَيْرِهِمْ وَسَارَ إِلَى أَصْبَهَانَ، وَبِهَا

стр. 4506

أَبُو سَهْلٍ فِي عَسَاكِرِ مَسْعُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ وَقَاتَلُوهُ، فَغَدَرَ الْأَتْرَاكُ بِعَلَاءِ الدَّوْلَةِ، فَانْهَزَمَ وَنُهِبَ سَوَادُهُ فَسَارَ إِلَى بَرُوجِرْدَ، وَمِنْهَا إِلَى الطِّرْمِ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ ابْنُ السَّلَّارِ، وَقَالَ: لَا قُدْرَةَ لِي عَلَى مُبَايَنَةِ الْخُرَاسَانِيَّةِ فَتَرَكَهُ وَسَارَ عَنْهُ. ذِكْرُ وَفَاةِ الظَّاهِرِ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ الْمُسْتَنْصِرِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي مُنْتَصَفِ شَعْبَانَ، تُوُفِّيَ الظَّاهِرُ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْمَنْصُورُ الْحَاكِمُ الْخَلِيفَةُ الْعَلَوِيُّ، بِمِصْرَ، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَانَ لَهُ مِصْرُ، وَالشَّامُ، وَالْخُطْبَةُ لَهُ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَ جَمِيلَ السِّيرَةِ، حَسَنَ السِّيَاسَةِ، مُنْصِفًا لِلرَّعِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِلَذَّاتِهِ مُحِبٌّ لِلدَّعَةِ وَالرَّاحَةِ، قَدْ فَوَّضَ الْأُمُورَ إِلَى وَزِيرِهِ أَبِي الْقَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْجَرْجَرَائِيِّ ; لِمَعْرِفَتِهِ بِكِفَايَتِهِ وَأَمَانَتِهِ. وَلَمَّا مَاتَ وَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو تَمِيمٍ مَعَدٌّ، وَلُقِّبَ الْمُسْتَنْصِرَ بِاللَّهِ، وَمَوْلِدُهُ بِالْقَاهِرَةِ سَنَةَ عَشْرٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَتْ قِصَّةُ الْبَسَاسِيرِيِّ، وَخُطِبَ لَهُ بِبَغْدَاذَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. وَكَانَ الْحَاكِمُ فِي دَوْلَتِهِ بَدْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْجَمَالِيَّ الْمُلَقَّبَ بِالْأَفْضَلِ، أَمِيرِ الْجُيُوشِ، وَكَانَ عَادِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ. وَفِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] وَصَلَ الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي زِيِّ تَاجِرٍ إِلَى الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ، وَخَاطَبَهُ فِي إِقَامَتِهِ الدَّعْوَةَ لَهُ بِخُرَاسَانَ وَبِلَادِ الْعَجَمِ فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَعَادَ وَدَعَا إِلَيْهِ سِرًّا، وَقَالَ لِلْمُسْتَنْصِرِ: مَنْ إِمَامِي بَعْدُ؟ فَقَالَ: ابْنِي نِزَارٌ. وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةُ يَعْتَقِدُونَ إِمَامَةَ نِزَارٍ، وَسَيَرِدُ كَيْفَ صُرِفَ الْأَمْرُ عَنْهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 4507

ذِكْرُ فَتْحِ السُّوَيْدَاءِ وَرَبَضِ الرُّهَا فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ اجْتَمَعَ ابْنُ وَثَّابٍ وَابْنُ عُطَيْرٍ، وَتَصَاهَرَا، وَجَمَعَا، وَأَمَدَّهُمَا نَصْرُ الدَّوْلَةِ بْنُ مَرْوَانَ بِعَسْكَرٍ كَثِيفٍ، فَسَارُوا جَمِيعَهُمْ إِلَى السُّوَيْدَاءِ، وَكَانَ الرُّومُ قَدْ أَحْدَثُوا عِمَارَتَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهَا أَهْلُ الْقُرَى الْمُجَاوِرَةِ لَهَا، فَحَصَرَهَا الْمُسْلِمُونَ وَفَتَحُوهَا عَنْوَةً، وَقَتَلُوا فِيهَا ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَخَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ، وَغَنِمُوا مَا فِيهَا، وَسَبَوْا خَلْقًا كَثِيرًا، وَقَصَدُوا الرُّهَا فَحَصَرُوهَا، وَقَطَعُوا الْمِيرَةَ عَنْهَا، حَتَّى بَلَغَ مَكُّوكُ الْحِنْطَةِ دِينَارًا، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ، فَخَرَجَ الْبِطْرِيقُ الَّذِي فِيهَا مُتَخَفِّيًا، وَلَحِقَ بِمَلِكِ الرُّومِ، وَعَرَّفَهُ الْحَالَ، فَسَيَّرَ مَعَهُ خَمْسَةَ آلَافِ فَارِسٍ، فَعَادَ بِهِمْ. فَعَرَفَ ابْنُ وَثَّابٍ وَمُقَدَّمُ عَسَاكِرِ نَصْرِ الدَّوْلَةِ الْحَالَ، فَكَمَنَا لَهُمْ، فَلَمَّا قَارَبُوهُمْ خَرَجَ الْكَمِينُ عَلَيْهِمْ، فَقُتِلَ مِنَ الرُّومِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأُسِرَ مِثْلُهُمْ، وَأُسِرَ الْبِطْرِيقُ وَحُمِلَ إِلَى بَابِ الرُّهَا، وَقَالُوا لِمَنْ فِيهَا: إِمَّا أَنْ تَفْتَحُوا الْبَلَدَ لَنَا، وَإِمَّا قَتَلْنَا الْبِطْرِيقَ وَالْأَسْرَى الَّذِينَ مَعَهُ! فَفَتَحُوا الْبَلَدَ لِلْعَجْزِ عَنْ حِفْظِهِ، وَتَحَصَّنَ أَجْنَادُ الرُّومِ بِالْقَلْعَةِ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ الْمَدِينَةَ، وَغَنِمُوا مَا فِيهَا، وَامْتَلَأَتْ أَيْدِيهِمْ مِنَ الْغَنَائِمِ وَالسَّبْيِ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ، (وَأَرْسَلَ ابْنُ وَثَّابٍ إِلَى آمِدَ مِائَةً وَسِتِّينَ رَاحِلَةً عَلَيْهَا رُءُوسُ الْقَتْلَى) وَأَقَامَ مُحَاصِرًا لِلْقَلْعَةِ. ثُمَّ إِنَّ حَسَّانَ بْنَ الْجَرَّاحِ الطَّائِيَّ سَارَ فِي خَمْسَةِ آلَافِ فَارِسٍ مِنَ الْعَرَبِ وَالرُّومِ نَجْدَةً لِمَنْ بِالرُّهَا فَسَمِعَ ابْنُ وَثَّابٍ بِقُرْبِهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ مُجِدًّا لِيَلْقَاهُ قَبْلَ وُصُولِهِ، فَخَرَجَ مِنَ الرُّهَا مِنَ الرُّومِ إِلَى حَرَّانَ فَقَاتَلَهُمْ أَهْلُهَا، وَسَمِعَ ابْنُ وَثَّابٍ الْخَبَرَ فَعَادَ مُسْرِعًا، فَوَقَعَ عَلَى الرُّومِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ كَثِيرًا، وَعَادَ الْمُنْهَزِمُونَ إِلَى الرُّهَا. ذِكْرُ غَدْرِ السَّنَاسِنَةِ وَأَخْذِ الْحَاجِّ وَإِعَادَةِ مَا أَخَذُوهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَرَدَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ وَخُرَاسَانَ، وَطَبَرِسْتَانَ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ يُرِيدُونَ الْحَجَّ، وَجَعَلُوا طَرِيقَهُمْ عَلَى أَرْمِينِيَّةَ وَخِلَاطَ، فَوَرَدُوا إِلَى آنِي وَوَسْطَانَ

стр. 4508

فَثَارَ بِهِمُ الْأَرْمَنُ مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَأَعَانَهُمُ السَّنَاسِنَةُ، وَهُمْ مِنَ الْأَرْمَنِ أَيْضًا إِلَّا أَنَّهُمْ لَهُمْ حُصُونٌ مَنِيعَةٌ تُجَاوِرُ خِلَاطَ، وَهُمْ صُلْحٌ مَعَ صَاحِبِ خِلَاطَ. (وَلَمْ تَزَلْ هَذِهِ الْحُصُونُ بِأَيْدِيهِمْ مُنْفَرِدِينَ بِهَا) ، إِلَّا أَنَّهُمْ مُتَعَاهِدُونَ إِلَى سَنَةِ ثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَمَلَكَهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ، وَأَزَالُوهُمْ عَنْهَا، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَلَمَّا اتَّفَقُوا مَعَ الْأَرْمَنِ مِنْ رَعِيَّةِ الْبِلَادِ أَخَذُوا الْحَاجَّ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ كَثِيرًا، وَأَسَرُوا، وَسَبَوْا، وَنَهَبُوا الْأَمْوَالَ، وَحَمَلُوا ذَلِكَ أَجْمَعَ إِلَى الرُّومِ، وَطَمِعَ الْأَرْمَنُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ، فَسَمِعَ نَصْرُ الدَّوْلَةِ بْنُ مَرْوَانَ الْخَبَرَ، فَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَعَزَمَ عَلَى غَزْوِهِمْ، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ، وَرَأَوْا جِدَّهُ فِيهِ رَاسَلَهُ مَلِكُ السَّنَاسِنَةِ، وَبَذَلَ إِعَادَةَ جَمِيعِ مَا أَخَذَ أَصْحَابُهُ، وَإِطْلَاقَ الْأَسْرَى وَالسَّبْيِ فَأَجَابَهُمْ إِلَى الصُّلْحِ، وَعَادَ عَنْهُمْ لِحَصَانَةِ قِلَاعِهِمْ، وَكَثْرَةِ الْمَضَايِقِ فِي بِلَادِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ بِالْقُرْبِ مِنَ الرُّومِ، فَخَافَ أَنْ يَسْتَنْجِدُوهُمْ وَيَمْتَنِعُوا بِهِمْ، فَصَالَحَهُمْ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْمُعِزِّ وَزِنَاتَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اجْتَمَعَتْ زِنَاتَةُ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَزَحَفَتْ فِي خَيْلِهَا وَرَجْلِهَا يُرِيدُونَ مَدِينَةَ الْمَنْصُورَةِ، فَلَقِيَهُمْ جُيُوشُ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ، صَاحِبِهَا، بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ الْجَفْنَةُ قَرِيبٌ مِنَ الْقَيْرَوَانِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَتْ عَسَاكِرُ الْمُعِزِّ، فَفَارَقَتِ الْمَعْرَكَةَ، وَهُمْ عَلَى حَامِيَةٍ، ثُمَّ عَاوَدُوا الْقِتَالَ، وَحَرَّضَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَصَبَرَتْ صِنْهَاجَةُ، وَانْهَزَمَتْ زِنَاتَةُ هَزِيمَةً قَبِيحَةً، وَقُتِلَ مِنْهُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ، وَأُسِرَ خَلْقٌ عَظِيمٌ، وَتُعْرَفُ هَذِهِ الْوَقْعَةُ بِوَقْعَةِ الْجَفْنَةِ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ لِعِظَمِهَا عِنْدَهُمْ.

стр. 4509

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَجَبٍ، انْقَضَّ كَوْكَبٌ عَظِيمٌ غَلَبَ نُورُهُ عَلَى نُورِ الشَّمْسِ، وَشُوهِدَ فِي آخِرِهَا مِثْلُ التِّنِّينِ يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ، وَبَقِيَ سَاعَةً وَذَهَبَ. وَفِيهَا كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَظِيمَةٌ اشْتَدَّتْ حَتَّى إِنَّ إِنْسَانًا كَانَ لَا يُبْصِرُ جَلِيسَهُ، وَأُخِذَ بِأَنْفَاسِ الْخَلْقِ، فَلَوْ تَأَخَّرَ انْكِشَافُهَا لَهَلَكَ أَكْثَرُهُمْ. وَفِيهَا قُبِضَ عَلَى الْوَزِيرِ أَبِي سَعْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، وَزِيرِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَهِيَ الْوَزَارَةُ السَّادِسَةُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا فِي رَمَضَانَ، تُوُفِّيَ رَافِعُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مَقْنٍ، وَكَانَ حَازِمًا، شُجَاعًا، وَخَلَّفَ بِتَكْرِيتَ مَا يَزِيدُ عَلَى خَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَمَلَكَهَا ابْنُ أَخِيهِ خَمِيسُ بْنُ ثَعْلَبٍ، وَكَانَ طَرِيدًا فِي أَيَّامِ عَمِّهِ. وَحَمَلَ إِلَى جَلَالِ الدَّوْلَةِ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَصْلَحَ بِهَا الْجُنْدَ، وَكَانَتْ يَدُهُ قَدْ قُطِعَتْ [لِأَنَّ] بَعْضَ عَبِيدِ بَنِي عَمِّهِ كَانَ يَشْرَبُ مَعَهُ، فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرٍ خُصُومَةٌ، فَجَرَّدَا سَيْفَيْهِمَا فَقَامَ رَافِعٌ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمَا، فَضَرَبَ الْعَبْدُ يَدَهُ فَقَطَعَهَا غَلَطًا، وَلِرَافِعٍ فِيهَا شِعْرٌ، وَلَمْ تَمْنَعْهُ مِنْ قِتَالٍ [فَقَدَ] عَمِلَ لَهُ كَفًّا أُخْرَى يُمْسِكُ بِهَا الْعِنَانَ وَيُقَاتِلُ، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: لَهَا رِيقَةٌ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِنَّهَا ... أَلَذُّ وَأَشْهَى فِي النُّفُوسِ مِنَ الْخَمْرِ وَصَارِمُ طَرْفٍ لَا يُزَايِلُ جَفْنَهُ ، وَلَمْ أَرَ سَيْفًا قَطُّ فِي جَفْنِهِ يَفْرِي ... فَقُلْتُ لَهَا، وَالْعِيسُ تُحْدَجُ بِالضُّحَى : أَعِدِّي لِفَقْدِي مَا اسْتَطَعْتِ مِنَ الصَّبْرِ

стр. 4510

سَأُنْفِقُ رَيْعَانَ الشَّبِيبَةِ آنِفًا عَلَى طَلَبِ الْعَلْيَاءِ أَوْ طَلَبِ الْأَجْرِ (أَلَيْسَ مِنَ الْخُسْرَانِ أَنَّ لَيَالِيًا تَمُرُّ بِلَا نَفْعٍ وَتُحْسَبُ مِنْ عُمْرِي ) (وَفِيهَا، فِي صَفَرٍ، أَمَرَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ بِتَرْكِ التَّعَامُلِ بِالدَّنَانِيرِ الْمَغْرِبِيَّةِ، وَأَمَرَ الشُّهُودَ أَنْ لَا يَشْهَدُوا فِي كِتَابِ ابْتِيَاعٍ وَلَا غَيْرِهِ يُذْكَرُ فِيهِ هَذَا الصِّنْفُ مِنَ الذَّهَبِ، فَعَدَلَ النَّاسُ إِلَى الْقَادِرِيَّةِ، وَالسَّابُورِيَّةِ، وَالْقَاسَانِيَّةِ) .

стр. 4511

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤٢٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ وَبَيْنِ بَارَسْطُغَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ وَبَيْنَ بَارَسْطُغَانَ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ وَيُلَقَّبُ حَاجِبَ الْحُجَّابِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ جَلَالَ الدَّوْلَةِ نَسَبَهُ إِلَى فَسَادِ الْأَتْرَاكِ، وَالْأَتْرَاكَ نَسَبُوهُ إِلَى أَخْذِ الْأَمْوَالِ، فَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ، فَالْتَجَأَ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ فِي رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ الْخَالِيَةِ. وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ وَالْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ فِي أَمْرِهِ، فَدَافَعَ الْخَلِيفَةُ عَنْهُ، وَبَارَسْطُغَانُ يُرَاسِلُ الْمَلِكَ أَبَا كَالِيجَارَ، فَأَرْسَلَ أَبُو كَالِيجَارَ جَيْشًا، فَوَصَلُوا إِلَى وَاسِطٍ وَاتَّفَقَ مَعَهُمْ عَسْكَرُ وَاسِطٍ، وَأَخْرَجُوا الْمَلِكَ الْعَزِيزَ بْنَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، فَأَصْعَدَ إِلَى أَبِيهِ، وَكَشَفَ بَارَسْطُغَانُ الْقِنَاعَ، فَاسْتَتْبَعَ أَصَاغِرَ الْمَمَالِيكِ وَنَادَوْا بِشِعَارِ أَبِي كَالِيجَارَ، وَأَخْرَجُوا جَلَالَ الدَّوْلَةِ مِنْ بَغْدَاذَ، فَسَارَ إِلَى أَوَانَا وَمَعَهُ الْبَسَاسِيرِيُّ، وَأَخْرَجَ بَارَسْطُغَانُ الْوَزِيرَ أَبَا الْفَضْلِ الْعَبَّاسَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ فَسَانْجَسَ، فَنَظَرَ فِي الْأُمُورِ نِيَابَةً عَنِ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، وَأَرْسَلَ بَارَسْطُغَانُ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَطْلُبُ الْخُطْبَةَ لِأَبِي كَالِيجَارَ فَاحْتَجَّ بِعُهُودِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، فَأَكْرَهَ الْخُطَبَاءَ عَلَى الْخُطْبَةِ لِأَبِي كَالِيجَارَ فَفَعَلُوا. وَجَرَى بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مُنَاوَشَاتٌ، وَسَارَ الْأَجْنَادُ الْوَاسِطِيُّونَ إِلَى بَارَسْطُغَانَ (بِبَغْدَاذَ فَكَانُوا مَعَهُ، وَتَنَقَّلَتِ الْحَالُ بَيْنَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ وَبَارَسْطُغَانَ) ، فَعَادَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ، وَنَزَلَ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ وَمَعَهُ قِرْوَاشُ بْنُ الْمُقَلَّدِ الْعُقَيْلِيُّ، وَدُبَيْسُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَزْيَدٍ

стр. 4512

الْأَسَدِيُّ، وَخُطِبَ لِجَلَالِ الدَّوْلَةِ بِهِ، وَبِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ لِأَبِي كَالِيجَارَ، وَأَعَانَ أَبُو الشَّوْكِ، وَأَبُو الْفَوَارِسِ مَنْصُورُ بْنُ الْحُسَيْنِ بَارَسْطُغَانَ عَلَى طَاعَةِ أَبِي كَالِيجَارَ. ثُمَّ سَارَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْأَنْبَارِ، وَسَارَ قِرْوَاشٌ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَقَبَضَ بَارَسْطُغَانُ عَلَى ابْنِ فَسَانْجَسَ، فَعَادَ مَنْصُورُ بْنُ الْحُسَيْنِ إِلَى بَلَدِهِ، وَأَتَى الْخَبَرُ إِلَى بَارَسْطُغَانَ بِعَوْدِ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ إِلَى فَارِسَ، فَفَارَقَهُ الدَّيْلَمُ الَّذِينَ جَاءُوا نَجْدَةً لَهُ، فَضَعُفَ أَمْرُهُ، (فَدَفَعَ مَالَهُ) وَحُرَمَهُ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، وَانْحَدَرَ إِلَى وَاسِطٍ، وَعَادَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ، وَأَرْسَلَ الْبَسَاسِيرِيَّ وَالْمُرْشِدَ وَبَنِي خَفَاجَةَ فِي أَثَرِهِ فَتَبِعَهُمْ جَلَالُ الدَّوْلَةِ وَدُبَيْسُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَزْيَدٍ، فَلَحِقُوهُ بِالْخَيْزُرَانِيَّةِ، فَقَاتَلُوهُ فَسَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ، فَأُخِذَ أَسِيرًا وَحُمِلَ إِلَى جَلَالِ الدَّوْلَةِ، فَقَتَلَهُ وَحَمَلَ رَأْسَهُ، وَكَانَ عُمْرُهُ نَحْوَ سَبْعِينَ سَنَةً. (وَسَارَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ إِلَى وَاسِطٍ فَمَلَكَهَا، وَأَصْعَدَ إِلَى بَغْدَاذَ) ، فَضَعُفَ أَمْرُ الْأَتْرَاكِ، وَطَمِعَ فِيهِمُ الْأَعْرَابُ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى إِقْطَاعَاتِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى كَفِّ أَيْدِيهِمْ عَنْهَا، وَكَانَتْ مُدَّةُ بَارَسْطُغَانَ مِنْ حِينِ كَاشَفَ جَلَالَ الدَّوْلَةِ إِلَى أَنْ قُتِلَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ. ذِكْرُ الصُّلْحِ بَيْنَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ وَأَبِي كَالِيجَارَ وَالْمُصَاهَرَةِ بَيْنَهُمَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ وَابْنِ أَخِيهِ أَبِي كَالِيجَارَ، سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ، فِي الصُّلْحِ وَالِاتِّفَاقِ، وَزَوَالِ الْخُلْفِ، وَكَانَ الرُّسُلُ (أَقْضَى الْقُضَاةِ) أَبَا الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيَّ، وَأَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْدُوسْتِيَّ، وَغَيْرَهُمَا، فَاتَّفَقَا عَلَى الصُّلْحِ. وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَلِكَيْنِ لِصَاحِبِهِ، وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ إِلَى أَبِي كَالِيجَارَ الْخِلَعَ

стр. 4513

النَّفِيسَةَ، وَوَقَعَ الْعَقْدُ لِأَبِي مَنْصُورِ بْنِ أَبِي كَالِيجَارَ عَلَى ابْنَةِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ الصَّدَاقُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ قَاسَانِيَّةٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ [الْوَفَيَاتُ] فِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُكْرَمٍ صَاحِبُ عُمَانَ، وَكَانَ جَوَّادًا، مُمَدَّحًا، وَقَامَ ابْنُهُ مَقَامَهُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ سَلَامَةَ، أَمِيرُ تِهَامَةَ، بِالْيَمَنِ، وَوَلِيَ ابْنُهُ بَعْدَهُ، فَعَصَى عَلَيْهِ خَادِمٌ كَانَ لِوَالِدِهِ. وَأَرَادَ أَنْ يَمْلِكَ فَجَرَى بَيْنَهُمَا حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ تَمَادَتْ أَيَّامُهَا، فَفَارَقَ أَهْلُ تِهَامَةَ أَوْطَانَهُمْ إِلَى غَيْرِ مَمْلَكَةِ وَلَدِ الْحُسَيْنِ هَرَبًا مِنَ الشَّرِّ وَتَفَاقُمِ الْأَمْرِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِهْيَارُ الشَّاعِرُ، وَكَانَ مَجُوسِيًّا، فَأَسْلَمَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَصَحِبَ الشَّرِيفَ الرَّضِيَّ، وَقَالَ لَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ بُرْهَانَ: يَا مِهْيَارُ قَدِ انْتَقَلْتَ بِإِسْلَامِكَ فِي النَّارِ مِنْ زَاوِيَةٍ إِلَى زَاوِيَةٍ! قَالَ: كَيْفَ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ كُنْتَ مَجُوسِيًّا، فَصِرْتَ تَسُبُّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ، ﷺ ، فِي شِعْرِكَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْقُدُورِيُّ الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ، وَالْحَاجِبُ أَبُو الْحُسَيْنِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أُخْتِ الْفَاضِلِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَدَبِ وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ، وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي الرَّيَّانِ بِمَطِيرَابَاذَ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَقَدْ مَدَحَهُ الرَّضِيُّ وَابْنُ نُبَاتَةَ وَغَيْرُهُمَا.

стр. 4514

وَفِيهَا عَاوَدَ الْمُعِزُّ بْنُ بَادِيسَ حَرْبَ زِنَاتَةَ بِإِفْرِيقِيَّةَ، فَهَزَمَهُمْ وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَخَرَّبَ مَسَاكِنَهُمْ وَقُصُورَهُمْ. وَفِي شَعْبَانَ تُوُفِّيَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ سِينَا الْحَكِيمُ، الْفَيْلَسُوفُ الْمَشْهُورُ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ السَّائِرَةِ عَلَى مَذَاهِبِ الْفَلَاسِفَةِ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِأَصْبَهَانَ، وَكَانَ يَخْدُمُ عَلَاءَ الدَّوْلَةِ أَبَا جَعْفَرِ بْنِ كَاكَوَيْهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ كَانَ فَاسِدَ الِاعْتِقَادِ، فَلِهَذَا أَقْدَمَ ابْنُ سِينَا عَلَى تَصَانِيفِهِ فِي الْإِلْحَادِ، وَالرَّدِّ عَلَى الشَّرَائِعِ (فِي بَلَدِهِ) .

стр. 4515

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤٢٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ مُحَاصَرَةِ الْأَبْخَازِ تَفْلِيسَ وَعَوْدِهِمْ عَنْهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَصَرَ مَلِكُ الْأَبْخَازِ مَدِينَةَ تَفْلِيسَ، وَامْتَنَعَ أَهْلُهَا عَلَيْهِ، فَأَقَامَ عَلَيْهِمْ مُحَاصِرًا وَمُضَيِّقًا، فَنَفِدَتِ الْأَقْوَاتُ، وَانْقَطَعَتِ الْمِيرَةُ، فَأَنْفَذَ أَهْلُهَا إِلَى أَذْرَبِيجَانَ يَسْتَنْفِرُونَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَسْأَلُونَهُمْ إِعَانَتَهُمْ، فَلَمَّا وَصَلَ الْغُزُّ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَسَمِعَ الْأَبْخَازُ بِقُرْبِهِمْ، وَبِمَا فَعَلُوا بِالْأَرْمَنِ، رَحَلُوا عَنْ تَفْلِيسَ مُجْفِلِينَ خَوْفًا. وَلَمَّا رَأَى وَهْسُوذَانُ صَاحِبُ أَذْرَبِيجَانَ قُوَّةَ الْغُزِّ، وَأَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِمْ، لَاطَفَهُمْ وَصَاهَرَهُمْ وَاسْتَعَانَ بِهِمْ، (وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ) . ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ طُغْرُلْبَكُ بِخُرَاسَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ رُكْنُ الدِّينِ أَبُو طَالِبٍ طُغْرُلْبَكُ مُحَمَّدُ بْنُ مِيكَائِيلَ بْنِ سَلْجُوقَ مَدِينَةَ نَيْسَابُورَ مَالِكًا لَهَا. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْغُزَّ السُّلْجُقِيَّةَ لَمَّا ظَهَرُوا بِخُرَاسَانَ أَفْسَدُوا، وَنَهَبُوا، وَخَرَّبُوا الْبِلَادَ، وَسَبَوْا، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَسَمِعَ الْمَلِكُ مَسْعُودُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ الْخَبَرَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ حَاجِبَهُ سَبَاشِيَ فِي ثَلَاثِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ مِنْ غَزْنَةَ، فَلَمَّا بَلَغَ خُرَاسَانَ ثَقُلَ عَلَى مَا سَلِمَ مِنَ الْبِلَادِ بِالْإِقَامَاتِ فَخَرَّبَ السَّالِمَ مِنْ تَخْرِيبِ الْغُزِّ، فَأَقَامَ مُدَّةَ سَنَةٍ عَلَى الْمُدَافَعَةِ وَالْمُطَاوَلَةِ، لَكِنَّهُ كَانَ يَتْبَعُ أَثَرَهُمْ إِذَا بَعُدُوا، وَيَرْجِعُ عَنْهُمْ إِذَا أَقْبَلُوا اسْتِعْمَالًا لِلْمُحَاجَزَةِ، وَإِشْفَاقًا مِنَ الْمُحَارَبَةِ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ

стр. 4516

وَهُوَ بِقَرْيَةٍ بِظَاهِرِ سَرَخْسَ، وَالْغُزُّ بِظَاهِرِ مَرْوٍ مَعَ طُغْرُلْبَكَ، وَقَدْ بَلَغَهُمْ خَبَرُهُ، أَسْرَوْا إِلَيْهِ وَقَاتَلُوهُ يَوْمَ وَصَلُوا فَلَمَّا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ أَخَذَ سَبَاشِي مَا خَفَّ مِنْ مَالٍ وَهَرَبَ فِي خَوَاصِّهِ، وَتَرَكَ خِيَمَهُ وَنِيرَانَهُ عَلَى حَالِهَا، قِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ مُوَاطَأَةً لِلْغُزِّ عَلَى الْهَزِيمَةِ، فَلَمَّا أَسْفَرَ الصُّبْحُ عَرَفَ الْبَاقُونَ مِنْ عَسْكَرِهِ خَبَرَهُ، فَانْهَزَمُوا، وَاسْتَوْلَى الْغُزُّ عَلَى مَا وَجَدُوهُ فِي مُعَسْكَرِهِمْ مِنْ سَوَادِهِمْ، وَقَتَلُوا مِنَ الْهُنُودِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا مَقْتَلَةً عَظِيمَةً. وَأَسْرَى دَاوُدُ أَخُو طُغْرُلْبَكَ، وَهُوَ وَالِدُ السُّلْطَانِ أَلْبِ أَرْسِلَانَ، إِلَى نَيْسَابُورَ، وَسَمِعَ أَبُو سَهْلٍ الْحَمْدُونِيُّ وَمَنْ مَعَهُ بِهَا، فَفَارَقُوهَا، وَوَصَلَ دَاوُدُ وَمَنْ مَعَهُ إِلَيْهَا، فَدَخَلُوهَا بِغَيْرِ قِتَالٍ، وَلَمْ يُغَيِّرُوا شَيْئًا مِنْ أُمُورِهَا، وَوَصَلَ بَعْدَهُمْ طُغْرُلْبَكُ ثُمَّ وَصَلَتْ إِلَيْهِمْ رُسُلُ الْخَلِيفَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَإِلَى الَّذِينَ بِالرَّيِّ وَهَمَذَانَ وَبَلَدِ الْجَبَلِ يَنْهَاهُمْ عَنِ النَّهْبِ وَالْقَتْلِ وَالْإِخْرَابِ، وَيَعِظُهُمْ، فَأَكْرَمُوا الرُّسُلَ، وَعَظَّمُوهُمْ، وَخَدَمُوهُمْ. وَخَاطَبَ دَاوُدُ طُغْرُلْبَكَ فِي نَهْبِ الْبَلَدِ فَمَنَعَهُ فَامْتَنَعَ وَاحْتَجَّ بِشَهْرِ رَمَضَانَ، فَلَمَّا انْسَلَخَ رَمَضَانُ صَمَّمَ دَاوُدُ عَلَى نَهْبِهِ، فَمَنَعَهُ طُغْرُلْبَكُ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِرُسُلِ الْخَلِيفَةِ وَكِتَابِهِ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ دَاوُدُ إِلَيْهِ، وَقَوِيَ عَزْمُهُ عَلَى النَّهْبِ، فَأَخْرَجَ طُغْرُلْبَكُ سِكِّينًا وَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ لَئِنْ نَهَبْتَ شَيْئًا لَأَقْتُلَنَّ نَفْسِي! فَكَفَّ عَنْ ذَلِكَ، وَعَدَلَ إِلَى التَّقْسِيطِ، فَقَسَّطَ عَلَى أَهْلِ نَيْسَابُورَ نَحْوَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَفَرَّقَهَا فِي أَصْحَابِهِ. وَأَقَامَ طُغْرُلْبَكُ بِدَارِ الْإِمَارَةِ، وَجَلَسَ عَلَى سَرِيرِ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ، وَصَارَ يَقْعُدُ لِلْمَظَالِمِ يَوْمَيْنِ فِي الْأُسْبُوعِ عَلَى قَاعِدَةِ وُلَاةِ خُرَاسَانَ (وَسَيَّرَ أَخَاهُ دَاوُدَ إِلَى سَرَخْسَ فَمَلَكَهَا، ثُمَّ اسْتَوْلَوْا عَلَى سَائِرِ بِلَادِ خُرَاسَانَ سِوَى بَلْخَ، وَكَانُوا يَخْطُبُونَ لِلْمَلِكِ مَسْعُودٍ عَلَى سَبِيلِ الْمُغَالَطَةِ. وَكَانُوا ثَلَاثَةَ إِخْوَةٍ: طُغْرُلْبَكَ، وَدَاوُدَ، وَبِيغُو، وَكَانَ يَنَالُ، وَاسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ أَخَا طُغْرُلْبَكَ وَدَاوُدَ لِأُمِّهِمَا، ثُمَّ خَرَجَ مَسْعُودٌ مِنْ غَزْنَةَ وَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 4517

ذِكْرُ مُخَاطَبَةِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ بِمَلِكِ الْمُلُوكِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَأَلَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ الْخَلِيفَةَ الْقَائِمَ بِأَمْرِ اللَّهِ لِيُخَاطَبَ بِمَلِكِ الْمُلُوكِ، فَامْتَنَعَ، ثُمَّ أَجَابَ إِلَيْهِ إِذَا أَفْتَى الْفُقَهَاءُ بِجَوَازِهِ، فَكَتَبَ فَتْوَى إِلَى الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ فَأَفْتَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ، وَالْقَاضِي ابْنُ الْبَيْضَاوِيِّ، وَأَبُو الْقَاسِمِ الْكَرْخِيُّ بِجَوَازِهِ، وَامْتَنَعَ مِنْهُ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ أَفْتَى بِجَوَازِهِ مُرَاجَعَاتٌ وَخُطِبَ لِجَلَالِ الدَّوْلَةِ بِمَلِكِ الْمُلُوكِ. وَكَانَ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ أَخَصِّ النَّاسِ بِجَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ يَتَرَدَّدُ إِلَى دَارِ الْمَمْلَكَةِ كُلَّ يَوْمٍ، فَلَمَّا أَفْتَى بِهَذِهِ الْفُتْيَا انْقَطَعَ وَلَزِمَ بَيْتَهُ خَائِفًا، فَأَقَامَ مُنْقَطِعًا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى يَوْمِ عِيدِ النَّحْرِ، فَاسْتَدْعَاهُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ، فَحَضَرَ خَائِفًا فَأَدْخَلَهُ وَحْدَهُ وَقَالَ لَهُ: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّكَ مِنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مَالًا وَجَاهًا وَقُرْبًا مِنَّا وَقَدْ خَالَفْتَهُمْ فِيمَا خَالَفَ هَوَايَ، وَلَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ إِلَّا لِعَدَمِ الْمُحَابَاةِ مِنْكَ، وَاتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَقَدْ بَانَ لِي مَوْضِعُكَ مِنَ الدِّينِ، وَمَكَانُكَ مِنَ الْعِلْمِ. وَجَعَلْتُ جَزَاءَ ذَلِكَ إِكْرَامَكَ بِأَنْ أَدْخَلْتُكَ إِلَيَّ وَحْدَكَ، وَجَعَلْتُ إِذْنَ الْحَاضِرِينَ إِلَيْكَ، لِيَتَحَقَّقُوا عَوْدِي إِلَى مَا تُحِبُّ. فَشَكَرَهُ وَدَعَا لَهُ، وَأَذِنَ لِكُلِّ مَنْ حَضَرَ بِالْخِدْمَةِ وَالِانْصِرَافِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ شِبْلُ الدَّوْلَةِ نَصْرُ بْنُ صَالِحِ بْنِ مِرْدَاسٍ، صَاحِبُ حَلَبَ، قَتَلَهُ الدِّزْبَرِيُّ وَعَسَاكِرُ مِصْرَ، وَمَلَكُوا حَلَبَ. وَفِيهَا أَنْكَرَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَبِي يَعْلَى بْنِ الْفَرَّاءِ الْحَنْبَلِيِّ مَا ضَمَّنَهُ كِتَابَهُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ، الْمُشْعِرَةِ بِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ التَّجَسُّمَ، وَحَضَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَزْوِينِيُّ الزَّاهِدُ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ، وَتَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

стр. 4518

وَفِيهَا صَالَحَ ابْنُ وَثَّابٍ النُّمَيْرِيُّ صَاحِبُ حَرَّانَ، الرُّومَ الَّذِينَ بِالرُّهَا لِعَجْزِهِ عَنْهُمْ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ رَبَضَ الرُّهَا، وَكَانَ تَسَلُّمُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا، فَنَزَلُوا مِنَ الْحِصْنِ الَّذِي لِلْبَلَدِ إِلَيْهِ، وَكَثُرَ الرُّومُ بِهَا، وَخَافَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى حَرَّانَ مِنْهُمْ، وَعَمَّرَ الرُّومُ الرُّهَا الْعِمَارَةَ الْحَسَنَةَ وَحَصَّنُوهَا. وَفِيهَا هَادَنَ الْمُسْتَنْصِرُ بِاللَّهِ الْخَلِيفَةُ الْعَلَوِيُّ، صَاحِبُ مِصْرَ، مَلِكَ الرُّومِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ إِطْلَاقَ خَمْسَةِ آلَافِ أَسِيرٍ، وَشَرَطَ الرُّومُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَمِّرُوا بِيعَةَ قُمَامَةَ، فَأَرْسَلَ الْمَلِكُ إِلَيْهَا مَنْ عَمَّرَهَا، وَأَخْرَجَ عَلَيْهَا مَالًا جَلِيلًا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَتْ عَسَاكِرُ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ، بِإِفْرِيقِيَّةَ إِلَى بَلَدِ الزَّابِّ، فَفَتَحُوا مَدِينَةً تُسَمَّى بُورَسَ، وَقَتَلُوا مِنَ الْبَرْبَرِ خَلْقًا كَثِيرًا، وَفَتَحَ مِنْ بِلَادِ زِنَاتَةَ قَلْعَةً تُسَمَّى كُرُومَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَخْلَدٍ أَبُو الْفَضْلِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْبَاقَرْحِيِّ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ.

стр. 4519

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤٣٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ وُصُولِ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ مِنْ غَزْنَةَ إِلَى خُرَاسَانَ وَإِجْلَاءِ السُّلْجُقِيَّةِ عَنْهَا فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَ الْمَلِكُ مَسْعُودٌ إِلَى بَلْخَ مِنْ غَزْنَةَ وَزَوَّجَ (ابْنَهُ مِنْ) ابْنَةِ بَعْضِ مُلُوكِ الْخَانِيَّةِ، كَانَ يَتَّقِي جَانِبَهُ، وَأَقْطَعَ خُوَارَزْمَ لِشَاهْ مَلِكَ الْجُنْدِيِّ، فَسَارَ إِلَيْهَا، وَبِهَا خُوَارَزْمَشَاهْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَلْتُونْتَاشَ، فَجَمَعَ أَصْحَابَهُ، وَلَقِيَ شَاهْ مَلِكَ وَقَاتَلَهُ، وَدَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمَا مُدَّةَ شَهْرٍ، وَانْهَزَمَ إِسْمَاعِيلُ وَالْتَجَأَ إِلَى طُغْرُلْبَكَ وَأَخِيهِ دَاوُدَ السُّلْجُقِيَّةِ، وَمَلَكَ شَاهْ مَلِكَ خُوَارَزْمَ. وَكَانَ مَسِيرُ مَسْعُودٍ مِنْ غَزْنَةَ أَوَّلَ سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ; وَسَبَبُ خُرُوجِهِ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ أَخْبَارِ الْغُزِّ، وَمَا فَعَلُوهُ بِالْبِلَادِ وَأَهْلِهَا مِنَ الْإِخْرَابِ وَالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَالِاسْتِيلَاءِ، وَأَقَامَ بِبَلْخَ حَتَّى أَرَاحَ وَاسْتَرَاحَ، وَفَرَغَ مِنْ أَمْرِ خَوَارَزْمَ وَالْخَانِيَّةِ ثُمَّ أَمَدَّ سَبَاشِيَ الْحَاجِبَ بِعَسْكَرٍ لِيَتَقَوَّى بِهِمْ وَيَهْتَمَّ بِأَمْرِ الْغُزِّ وَاسْتِئْصَالِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ الْكِفَايَةِ مَا يَقْهَرُهُمْ بَلْ أَخْلَدَ إِلَى الْمُطَاوَلَةِ الَّتِي هِيَ عَادَتُهُ. وَسَارَ مَسْعُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ مِنْ بَلْخَ بِنَفْسِهِ، وَقَصَدَ سَرَخْسَ، فَتَجَنَّبَ الْغُزُّ لِقَاءَهُ، وَعَدَلُوا إِلَى الْمُرَاوَغَةِ وَالْمُخَاتَلَةِ، وَأَظْهَرُوا الْعَزْمَ عَلَى دُخُولِ الْمَفَازَةِ الَّتِي بَيْنَ مَرْوَ وَخَوَارَزْمَ، فَبَيْنَمَا عَسَاكِرُ مَسْعُودٍ تَتْبَعُهُمْ وَتَطْلُبُهُمْ إِذْ لَقُوا طَائِفَةً مِنْهُمْ فَقَاتَلُوهُمْ وَظَفِرُوا بِهِمْ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ.

стр. 4520

ثُمَّ إِنَّهُ وَاقَعَهُمْ بِنَفْسِهِ، فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقْعَةً اسْتَظْهَرَ [فِيهَا] عَلَيْهِمْ، فَأَبْعَدُوا عَنْهُ، ثُمَّ عَاوَدُوا الْقُرْبَ مِنْهُ بِنَوَاحِي مَرْوَ، فَوَاقَعَهُمْ وَقْعَةً أُخْرَى قَتَلَ مِنْهُمْ [فِيهَا] نَحْوَ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ قَتِيلٍ، وَهَرَبَ الْبَاقُونَ فَدَخَلُوا الْبَرِّيَّةَ الَّتِي يَحْتَمُونَ بِهَا. وَثَارَ أَهْلُ نَيْسَابُورَ بِمَنْ عِنْدَهُمْ مِنْهُمْ، فَقَتَلُوا بَعْضًا وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ إِلَى أَصْحَابِهِمْ بِالْبَرِّيَّةِ. وَعَدَلَ مَسْعُودٌ إِلَى هَرَاةَ لِيَتَأَهَّبَ فِي الْعَسَاكِرِ لِلْمَسِيرِ خَلْفَهُمْ وَطَلَبِهِمْ أَيْنَ كَانُوا، فَعَادَ طُغْرُلْبَكُ إِلَى الْأَطْرَافِ النَّائِيَةِ عَنْ مَسْعُودٍ. فَنَهَبَهَا وَأَثْخَنَ فِيهَا، وَكَانَ النَّاسُ قَدْ تَرَاجَعُوا فَمَلَئُوا أَيْدِيَهُمْ مِنَ الْغَنَائِمِ، فَحِينَئِذٍ سَارَ مَسْعُودٌ يَطْلُبُهُ، فَلَمَّا قَارَبَهُ انْزَاحَ طُغْرُلْبَكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ إِلَى أُسْتُوَا وَأَقَامَ بِهَا، وَكَانَ الزَّمَانُ شِتَاءً، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الثَّلْجَ وَالْبَرَدَ يَمْنَعُ عَنْهُ، فَطَلَبَهُ مَسْعُودٌ إِلَيْهَا فَفَارَقَهُ طُغْرُلْبَكُ وَسَلَكَ الطَّرِيقَ عَلَى طُوسَ، وَاحْتَمَى بِجِبَالٍ مَنِيعَةٍ، وَمَضَايِقَ صَعْبَةِ الْمَسْلَكِ، فَسَيَّرَ مَسْعُودٌ فِي طَلَبِهِ وَزِيرَهُ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ، فَطَوَى الْمَرَاحِلَ إِلَيْهِ جَرِيدَةً، فَلَمَّا رَأَى طُغْرُلْبَكُ قُرْبَهُ مِنْهُ فَارَقَ مَكَانَهُ إِلَى نَوَاحِي أَبِيوَرْدَ. وَكَانَ مَسْعُودٌ قَدْ سَارَ لِيَقْطَعَهُ عَنْ جِهَةٍ إِنْ أَرَادَهَا فَلَقِيَ طُغْرُلْبَكُ مُقَدَّمَتَهُ فَوَاقَعَهُمْ فَانْتَصَرُوا عَلَيْهِ، وَاسْتَأْمَنَ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً، وَرَأَى الطَّلَبَ لَهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَعَاوَدَ دُخُولَ الْمَفَازَةِ إِلَى خُوَارَزْمَ وَأَوْغَلَ فِيهَا. فَلَمَّا فَارَقَ الْغُزُّ خُرَاسَانَ قَصَدَ مَسْعُودٌ جَبَلًا مِنْ جِبَالِ طُوسَ مَنِيعًا لَا يُرَامُ، وَكَانَ أَهْلُهُ قَدْ وَافَقُوا الْغُزَّ وَأَفْسَدُوا مَعَهُمْ، فَلَمَّا فَارَقَ الْغُزُّ تِلْكَ الْبِلَادَ تَحَصَّنَ هَؤُلَاءِ بِجَبَلِهِمْ ثِقَةً مِنْهُمْ بِحَصَانَتِهِ وَامْتِنَاعِهِ، فَسَرَى مَسْعُودٌ إِلَيْهِمْ جَرِيدَةً، فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا وَقَدْ خَالَطَهُمْ، فَتَرَكُوا أَهْلَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَصَعِدُوا إِلَى قُلَّةِ الْجَبَلِ وَاعْتَصَمُوا بِهَا وَامْتَنَعُوا، وَغَنِمَ عَسْكَرُ مَسْعُودٍ أَمْوَالَهُمْ وَمَا ادَّخَرُوهُ. ثُمَّ أَمَرَ مَسْعُودٌ أَصْحَابَهُ أَنْ يَزْحَفُوا إِلَيْهِمْ فِي قُلَّةِ الْجَبَلِ، وَبَاشَرَ هُوَ الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ، فَزَحَفَ النَّاسُ إِلَيْهِمْ، وَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، وَكَانَ الزَّمَانُ شِتَاءً، وَالثَّلْجُ
следующие страницы →