← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

ذِكْرُ عِصْيَانِ زِنَاتَةَ وَمُحَارَبَتِهِمْ بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَجَمَّعَتْ زِنَاتَةُ وَعَاوَدَتِ الْخِلَافَ عَلَى الْمُعِزِّ بِإِفْرِيقِيَّةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُعِزَّ، فَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ، فَالْتَقَوْا بِمَوْضِعٍ يُعْرَفُ بِحَمْدِيسِ الصَّابُونِ، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَانْهَزَمَتْ زِنَاتَةُ وَقُتِلَ مِنْهُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ، وَأُسَرِ مِثْلُهُمْ، وَعَادَ الْمُعِزُّ ظَافِرًا غَانِمًا. ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ يَمِينُ الدَّوْلَةِ وَوَلَدُهُ بَعْدَهُ بِالْغُزِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَوْقَعَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ بِالْأَتْرَاكِ الْغُزِّيَّةِ، وَفَرَّقَهُمْ فِي بِلَادِهِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَفْسَدُوا فِيهَا، وَهَؤُلَاءِ كَانُوا أَصْحَابَ أَرْسَلَانَ بْنِ سَلْجُوقَ التُّرْكِيِّ، وَكَانُوا بِمَفَازَةِ بُخَارَى، فَلَمَّا عَبَرَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ النَّهْرَ إِلَى بُخَارَى هَرَبَ عَلَيُّ تِكِينَ صَاحِبُهَا مِنْهُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. وَحَضَرَ أَرْسَلَانُ بْنُ سَلْجُوقَ عِنْدَ يَمِينِ الدَّوْلَةِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَسَجَنَهُ بِبِلَادِ الْهِنْدِ، وَأَسْرَى إِلَى خَرْكَاهَاتِهِ، فَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَسَلِمَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَهَرَبُوا مِنْهُ وَلَحِقُوا بِخُرَاسَانَ فَأَفْسَدُوا فِيهَا، وَنَهَبُوا هَذِهِ السَّنَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا فَسَبَوْهُمْ وَأَجْلَوْهُمْ عَنْ خُرَاسَانَ، فَسَارَ مِنْهُمْ أَهْلُ أَلْفَيْ خَرْكَاةَ، فَلَحِقُوا بِأَصْبَهَانَ، فَكَتَبَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ إِلَى عَلَاءِ الدَّوْلَةِ بِإِنْفَاذِهِمْ، أَوْ إِنْفَاذِ رُءُوسِهِمْ فَأَمَرَ نَائِبَهُ أَنْ يَعْمَلَ طَعَامًا وَيَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ وَيَقْتُلَهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يُرِيدُ إِثْبَاتَ أَسْمَائِهِمْ لِيَسْتَخْدِمَهُمْ، وَكَمَنَ الدَّيْلَمُ فِي الْبَسَاتِينِ فَحَضَرَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فَلَقِيَهُمْ مَمْلُوكٌ تُرْكِيٌّ لِعَلَاءِ الدَّوْلَةِ، فَأَعْلَمَهُمُ الْحَالَ، فَعَادُوا، فَأَرَادَ نَائِبُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنَ الْعَوْدِ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، فَحَمَلَ دَيْلَمِيُّ مِنْ قُوَّادِ الدَّيْلَمِ عَلَى إِنْسَانٍ مِنْهُمْ، فَرَمَاهُ التُّرْكِيُّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ. وَوَقَعَ الصَّوْتُ بِذَلِكَ، فَخَرَجَتِ الدَّيْلَمُ وَانْضَافَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْبَلَدِ، فَجَرَى بَيْنَهُمْ حَرْبٌ، فَهَزَمُوهُمْ، فَقَلَعَ التُّرْكُ خَرْكَاهَاتِهِمْ وَسَارُوا، وَلَمْ يَجْتَازُوا عَلَى قَرْيَةٍ إِلَّا نَهَبُوهَا إِلَى أَنْ وَصَلُوا إِلَى وَهْسُوذَانَ بِأَذْرَبِيجَانَ، فَرَاعَاهُمْ وَتَفَقَّدَهُمْ. وَبَقِيَ بِخُرَاسَانَ أَكْثَرُ مِمَّنْ قَصَدَ أَصْبَهَانَ، فَأَتَوْا جَبَلَ بَلْجَانَ وَهُوَ الَّذِي عِنْدَهُ

стр. 4447

خُوَارَزْمُ الْقَدِيمَةُ، فَنَزَلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مِنَ الْجَبَلِ إِلَى الْبِلَادِ فَنَهَبُوا، وَأَخْرَبُوا وَقَتَلُوا، فَجَرَّدَ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ إِلَيْهِمْ أَرْسَلَانَ الْجَاذِبَ، أَمِيرَ طُوسَ فَسَارَ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَزَلْ يَتْبَعُهُمْ نَحْوَ سَنَتَيْنِ فِي جُمُوعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْعَسَاكِرِ، فَاضْطَرَّ مَحْمُودٌ إِلَى قَصْدِ خُرَاسَانَ بِسَبَبِهِمْ، فَسَارَ يَطْلُبُهُمْ مِنْ نَيْسَابُورَ إِلَى دِهِسْتَانَ، فَسَارُوا إِلَى جُرْجَانَ، ثُمَّ عَادَ عَنْهُمْ، وَجَعَلَ ابْنَهُ مَسْعُودًا بِالرَّيِّ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَاسْتَخْدَمَ بَعْضَهُمْ وَمُقَدَّمُهُمْ يَغْمُرُ. فَلَمَّا مَاتَ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ سَارَ مَسْعُودٌ ابْنُهُ إِلَى خُرَاسَانَ وَهُمْ مَعَهُ، فَلَمَّا مَلَكَ غَزْنَةَ سَأَلُوهُ فِيمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ بِجَبَلِ بَلْجَانَ، فَأَذِنَ لَهُمْ فِي الْعَوْدِ عَلَى شَرْطِ الطَّاعَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ. ثُمَّ إِنَّ مَسْعُودًا قَصَدَ بِلَادَ الْهِنْدِ عِنْدَ عِصْيَانِ أَحْمَدَ يَنَالْتِكِينَ، فَعَاوَدُوا الْفَسَادَ، فَسَيَّرَ تَاشَ فِرَاشَ فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ إِلَى الرَّيِّ لِأَخْذِهَا مِنْ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ فَلَمَّا بَلَغَ نَيْسَابُورَ، وَرَأَى سُوءَ فِعْلِهِمْ، دَعَا مُقَدَّمِيهِمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ رَجُلًا، فِيهِمْ يَغْمُرُ، فَلَمْ يَنْتَهُوا، وَسَارُوا إِلَى الرَّيِّ. وَبَلَغَ مَسْعُودًا مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ، فَأَخَذَ حُلَلَهُمْ، وَسَيَّرَهَا إِلَى الْهِنْدِ، وَقَطَعَ أَيْدِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ وَأَرْجُلِهِمْ وَصَلَبَهُمْ. هَذِهِ أَخْبَارُ عَشِيرَةِ أَرْسَلَانِ بْنِ سَلْجُوقَ، وَأَمَّا أَخْبَارُ طُغْرُلْبَكَ، وَدَاوُدَ، وَأَخِيهِمَا بِيغُو، فَإِنَّهُمْ كَانُوا بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا نَذْكُرُهُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّهُمْ صَارُوا مُلُوكًا تَجِيءُ أَخْبَارُهُمْ عَلَى السِّنِينَ. وَلَمَّا أَوْقَعَ تَاشُ فِرَاشُ حَاجِبُ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ بِالْغُزِّ سَارُوا إِلَى الرَّيِّ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَذْرَبِيجَانَ، وَاللَّحَاقَ بِمَنْ مَضَى مِنْهُمْ أَوَّلًا إِلَى هُنَاكَ، وَيُسَمَّوْنَ الْعِرَاقِيَّةَ، وَكَانَ اسْمُ أُمَرَاءِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ كُوكْتَاشَ، وَبُوقَا، وَقَزَلَ، وَيَغْمُرَ، وَنَاصِغْلِي، فَوَصَلُوا إِلَى الدَّامَغَانِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرُهَا وَأَهْلُ الْبَلَدِ لِيَمْنَعُوهُمْ عَنْهُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا، فَصَعِدُوا

стр. 4448

الْجَبَلَ وَتَحَصَّنُوا بِهِ وَدَخَلَ الْغُزُّ الْبَلَدَ وَنَهَبُوا، وَانْتَقَلُوا إِلَى سِمْنَانَ فَفَعَلُوا فِيهَا مِثْلَ ذَلِكَ، وَدَخَلُوا خُوَارَ الرَّيِّ فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، وَنَهَبُوا إِسْحَاقَ آبَاذَ وَمَا يُجَاوِرُهَا مِنَ الْقُرَى، وَسَارُوا إِلَى مُشْكُوَيْهِ مِنْ أَعْمَالِ الرَّيِّ فَنَهَبُوهَا. وَتَجَهَّزَ أَبُو سَهْلٍ الْحَمْدُونِيُّ، وَتَاشُ فِرَاشَ، وَكَاتَبَا الْمَلِكَ مَسْعُودًا، وَصَاحِبَ جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ بِالْحَالِ، وَطَلَبَا النَّجْدَةَ، وَأَخَذَ تَاشُ ثَلَاثَةَ آلَافِ فَارِسٍ، وَمَا عِنْدَهُ مِنَ الْفِيَلَةِ وَالسِّلَاحِ وَسَارَ إِلَى الْغُزِّ لِيُوَاقِعَهُمْ، وَبَلَغَهُمْ خَبَرُهُ،، فَتَرَكُوا نِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَمَا غَنِمُوا مِنْ خُرَاسَانَ وَهَذِهِ الْبِلَادِ الْمَذْكُورَةِ، وَسَارُوا جَرِيدَةً، فَالْتَقَوْا فَرَكِبَ تَاشُ الْفِيلَ، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَكَانَتْ أَوَّلًا لِتَاشَ، ثُمَّ إِنَّ الْغُزَّ أَسَرُوا مُقَدَّمَ الْأَكْرَادِ الَّذِينَ مَعَ تَاشَ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: اسْتَبْقُونِي حَتَّى آمُرَ الْأَكْرَادَ (الَّذِينَ مَعَ تَاشَ) بِتَرْكِ قِتَالِهِمْ، فَتَرَكُوهُ، وَعَاهَدُوهُ عَلَى إِطْلَاقِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْأَكْرَادِ يَقُولُ لَهُمْ: إِنْ قَاتَلَهُمْ قُتِلْتُ ; فَفَتَرُوا فِي الْقِتَالِ. وَحَمَلَتِ الْغُزُّ، وَكَانُوا خَمْسَةَ آلَافٍ، عَلَى تَاشَ فِرَاشَ وَعَسْكَرِهِ، فَانْهَزَمَ الْأَكْرَادُ، وَثَبَتَ تَاشُ، وَأَصْحَابُهُ، فَقَتَلَ الْغُزُّ الْفِيلَ الَّذِي تَحْتَهُ فَسَقَطَ فَقَتَلُوهُ وَقَطَّعُوهُ أَخْذًا بِثَأْرِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، وَقُتِلَ مَعَهُ عَدَدٌ كَثِيرٌ مِنَ الْخُرَاسَانِيَّةِ وَأَكَابِرِ الْقُوَّادِ وَغَنِمُوا بَقِيَّةَ الْفِيَلَةِ وَأَثْقَالِ الْعَسْكَرِ، وَسَارُوا إِلَى الرَّيِّ فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَأَبُو سَهْلٍ الْحَمْدُونِيُّ. وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنْدِ وَأَهْلِ الْبَلَدِ فَصَعِدَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ قَلْعَةَ طَبَرَكَ، وَدَخَلَ الْغُزُّ الْبَلَدَ، وَنَهَبُوا عِدَّةَ مَحَالٍّ نَهْبًا اجْتَاحُوا [بِهِ] الْأَمْوَالَ، ثُمَّ اقْتَتَلُوا هُمْ وَأَبُو سَهْلٍ، فَأَسَرَ مِنْهُمُ ابْنَ أُخْتٍ لِيَغْمُرَ أَمِيرِ الْغُزِّ وَقَائِدًا كَبِيرًا مِنْ قُوَّادِهِمْ، فَبَذَلُوا فِيهِمَا إِعَادَةَ مَا أَخَذُوا مِنْ عَسْكَرِ تَاشَ، وَإِطْلَاقَ الْأَسْرَى، وَحَمْلَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ إِلَّا بِأَمْرِ السُّلْطَانِ. وَخَرَجَ الْغُزُّ عَنِ الْبَلَدِ، وَوَصَلَ عَسْكَرٌ مِنْ جُرْجَانَ، فَلَمَّا قَرَبُوا مِنَ الرَّيِّ سَارَ إِلَيْهِمُ الْغُزُّ فَكَبَسُوهُمْ، وَأَسَرُوا مُقَدَّمَهُمْ، وَأَسَرُوا مَعَهُ نَحْوَ أَلْفَيْ رَجُلٍ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ وَعَادُوا، وَكَانَ هَذَا سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.

стр. 4449

ذِكْرُ وُصُولِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ إِلَى الرَّيِّ وَاتِّفَاقِهِ مَعَ الْغُزِّ وَعَوْدِهِمْ إِلَى الْخِلَافِ عَلَيْهِ لَمَّا فَارَقَ الْغُزُّ الرَّيَّ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ عَلِمَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ ذَلِكَ، فَسَارَ إِلَيْهَا، وَدَخَلَهَا وَهُوَ يُظْهِرُ طَاعَةَ السُّلْطَانِ مَسْعُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي سَهْلٍ الْحَمْدُونِيِّ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُقَرِّرَ الَّذِي عَلَيْهِ بِمَالٍ يُؤَدِّيهِ فَامْتَنَعَ مِنْ إِجَابَتِهِ مَخَافَةَ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ فَأَرْسَلَ إِلَى الْغُزِّ يَسْتَدْعِيهِمْ لِيُعْطِيَهُمُ الْأَقْطَاعَ، وَيَتَقَوَّى بِهِمْ عَلَى الْحَمْدُونِيِّ، فَعَادَ مِنْهُمْ نَحْوُ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، مُقَدَّمُهُمْ قَزَلُ، وَسَارَ الْبَاقُونَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ. فَلَمَّا وَصَلَ الْغُزُّ إِلَى عَلَاءِ الدَّوْلَةِ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَتَمَسَّكَ بِهِمْ، وَأَقَامُوا عِنْدَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى بَعْضِ الْقُوَّادِ الْخُرَاسَانِيَّةِ الَّذِينَ عِنْدَهُ أَنَّهُ دَعَا الْغُزَّ إِلَى مُوَافَقَتِهِ عَلَى الْخُرُوجِ عَلَيْهِ وَالْعِصْيَانِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ وَأَحْضَرَهُ وَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَسَجَنَهُ فِي قَلْعَةِ طَبَرَكَ، فَاسْتَوْحَشَ الْغُزُّ لِذَلِكَ وَنَفَرُوا فَاجْتَهَدَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ فِي تَسْكِينِهِمْ فَلَمْ يَفْعَلُوا وَعَاوَدُوا الْفَسَادَ وَالنَّهْبَ وَقَطْعَ الطَّرِيقِ، وَعَادَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ فَرَاسَلَ أَبَا سَهْلٍ الْحَمْدُونِيَّ، وَهُوَ بِطَبَرِسْتَانَ، وَقَرَّرَ مَعَهُ أَمْرَ الرَّيِّ لِيَكُونَ فِي طَاعَةِ مَسْعُودٍ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَسَارَ إِلَى نَيْسَابُورَ وَبَقِيَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ بِالرَّيِّ. ذِكْرُ مَا كَانَ مِنَ الْغُزِّ الَّذِينَ بِأَذْرَبِيجَانَ وَمُفَارَقَتِهَا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ طَائِفَةً مِنَ الْغُزِّ وَصَلُوا إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَأَكْرَمَهُمْ وَهْسُوذَانُ، وَصَاهَرَهُمْ، رَجَاءَ نَصْرِهِمْ وَكَفِّ شَرِّهِمْ. وَكَانَ أَسْمَاءُ مُقَدَّمِيهِمْ: بُوقَا، وَكُوكَتَاشُ، وَمَنْصُورٌ، وَدَانَا، وَكَانَ مَا أَمَّلَهُ بَعِيدًا فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتْرُكُوا الشَّرَّ وَالْفَسَادَ، وَالْقَتْلَ وَالنَّهْبَ، وَسَارُوا إِلَى مَرَاغَةَ، فَدَخَلُوهَا سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَأَحْرَقُوا جَامِعَهَا، وَقَتَلُوا مِنْ عَوَامِّهَا مَقْتَلَةً كَثِيرَةً، وَمِنَ الْأَكْرَادِ الْهُذْبَانِيَّةِ كَذَلِكَ، وَعَظُمَ الْأَمْرُ، وَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ. فَلَمَّا رَأَى الْأَكْرَادُ مَا حَلَّ بِهِمْ وَبِأَهْلِ الْبِلَادِ شَرَعُوا فِي الصُّلْحِ وَالِاتِّفَاقِ عَلَى دَفْعِ

стр. 4450

شَرِّهِمْ، فَاصْطَلَحَ أَبُو الْهَيْجَاءِ بْنُ رَبِيبِ الدَّوْلَةِ وَوَهْسُوذَانُ صَاحِبُ أَذْرَبِيجَانَ وَاتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمَا، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمَا أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ، فَانْتَصَفُوا مِنَ الْغُزِّ.، فَلَمَّا رَأَوُا اجْتِمَاعَ أَهْلِ الْبِلَادِ عَلَى حَرْبِهِمُ انْصَرَفُوا عَنْ أَذْرَبِيجَانَ، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمُ الْمُقَامُ بِهَا، ثُمَّ إِنَّهُمُ افْتَرَقُوا، فَسَارَ طَائِفَةٌ إِلَى (الَّذِينَ عَلَى) الرَّيِّ، وَمُقَدَّمُهُمْ بُوقَا، وَسَارَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، وَمُقَدَّمُهُمْ مَنْصُورٌ وَكُوكَتَاشُ إِلَى هَمَذَانَ فَحَصَرُوهَا، وَبِهَا أَبُو كَالِيجَارَ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ كَاكَوَيْهِ، فَاتَّفَقَ هُوَ وَأَهْلُ الْبِلَادِ عَلَى قِتَالِهِمْ، وَدَفْعِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَبَلَدِهِمْ فَقُتِلَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَطَالَ مُقَامُهُمْ عَلَى هَمَذَانَ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو كَالِيجَارَ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ ذَلِكَ، وَضَعْفَهُ عَنْ مُقَاوَمَتِهِمْ، رَاسَلَ كُوكَتَاشَ وَصَالَحَهُ وَصَاهَرَهُ. وَأَمَّا الَّذِينَ قَصَدُوا الرَّيَّ فَإِنَّهُمْ حَصَرُوهَا، وَبِهَا عَلَاءُ الدَّوْلَةِ بْنُ كَاكَوَيْهِ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمْ فَنَّاخَسْرُو بْنُ مَجْدِ الدَّوْلَةِ، وَكَامْرُو الدَّيْلَمِيُّ، صَاحِبُ سَاوَةَ، فَكَثُرَ جَمْعُهُمْ، وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُمْ. فَلَمَّا رَأَى عَلَاءُ الدَّوْلَةِ أَنَّهُمْ كُلَّمَا جَاءَ أَمْرُهُمُ ازْدَادُوا قُوَّةً، وَضَعُفَ هُوَ، خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، وَفَارَقَ الْبَلَدَ فِي رَجَبٍ لَيْلًا، وَمَضَى هَارِبًا إِلَى أَصْبَهَانَ، وَأَجْفَلَ أَهْلُ الْبَلَدِ وَتَمَزَّقُوا، وَعَدَلُوا عَنِ الْقِتَالِ إِلَى الِاحْتِيَالِ لِلْهَرَبِ، وَغَادَاهُمُ الْغُزُّ مِنَ الْغَدِ الْقِتَالَ، فَلَمْ يَثْبُتُوا لَهُمْ، وَدَخَلُوا الْبَلَدَ، وَنَهَبُوا نَهْبًا فَاحِشًا، وَسَبَوُا النِّسَاءَ، وَبَقُوا كَذَلِكَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، حَتَّى لَجَأَ الْحُرَمُ إِلَى الْجَامِعِ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي كُلِّ مَذْهَبٍ وَمَهْرَبٍ، وَكَانَ السَّعِيدُ مَنْ نَجَا بِنَفْسِهِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ بَعْدَ الَّتِي تَقَدَّمَتْهَا مُسْتَأْصِلَةً، حَتَّى قِيلَ إِنَّ بَعْضَ الْجُمَعِ لَمْ يَكُنْ بِالْجَامِعِ إِلَّا خَمْسُونَ نَفْسًا. وَلَمَّا فَارَقَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ الرَّيَّ تَبِعَهُ جَمْعٌ مِنَ الْغُزِّ فَلَمْ يُدْرِكُوهُ فَعَدَلُوا إِلَى كَرَجَ فَنَهَبُوهَا، وَفَعَلُوا فِيهَا الْأَفَاعِيلَ الْقَبِيحَةَ. وَمَضَى طَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَمُقَدَّمُهُمْ نَاصُغْلِي، إِلَى قَزْوِينَ، فَقَاتَلَهُمْ أَهْلُهَا، ثُمَّ صَالَحُوهُمْ عَلَى سَبْعَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَصَارُوا فِي طَاعَتِهِ. وَكَانَ بِأُرْمِيَةَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، فَسَارُوا إِلَى بَلَدِ الْأَرْمَنِ، فَأَوْقَعُوا بِهِمْ وَأَثْخَنُو فِيهِمْ

стр. 4451

وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ، وَغَنِمُوا وَسَبَوْا، وَعَادُوا إِلَى أُرْمِيَةَ وَأَعْمَالِ أَبِي الْهَيْجَاءِ الْهُذْبَانِيِّ، فَقَاتَلَهُمْ أَكْرَادُهَا لِمَا أَنْكَرُوهُ مِنْ سُوءِ مُجَاوَرَتِهِمْ، فَقُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَنَهَبَ الْغُزُّ سَوَادَ الْبِلَادِ هُنَاكَ، وَقَتَلُوا مِنَ الْأَكْرَادِ كَثِيرًا. ذِكْرُ مُلْكِ الْغُزِّ هَمَذَانَ قَدْ ذَكَرْنَا حِصَارَ الْغُزِّ هَمَذَانَ وَصُلْحَهُمْ مَعَ صَاحِبِهَا أَبِي كَالِيجَارَ بْنِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ كَاكَوَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ الْآنَ، وَمَلَكَ الْغُزُّ الرَّيَّ، عَاوَدُوا حِصَارَ هَمَذَانَ، وَسَارُوا إِلَيْهَا مِنَ الرَّيِّ، مَا عَدَا قَزَلَ وَجَمَاعَتَهُ، وَاجْتَمَعُوا مَعَ مَنْ بِهَا مِنَ الْغُزِّ. فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو كَالِيجَارَ بِهِمْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ، فَسَارَ عَنْهَا وَمَعَهُ وُجُوهُ التُّجَّارِ وَأَعْيَانُ الْبَلَدِ، وَتَحَصَّنَ بِكِنْكِوَرَ. وَدَخَلَ الْغُزُّ هَمَذَانَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهَا مِنْ مُقَدَّمِيهِمْ: كُوكَتَاشُ، (وَبُوقَا، وَقَزَلُ) ، وَمَعَهُمْ فَنَّاخَسْرُو بْنُ مَجْدِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ فِي عُدَّةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الدَّيْلَمِ، فَلَمَّا دَخَلُوهَا نَهَبُوهَا نَهْبًا مُنْكَرًا لَمْ يَفْعَلُوهُ بِغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، غَيْظًا مِنْهُمْ، وَحُنْقًا عَلَيْهِمْ، حَيْثُ قَاتَلُوهُمْ أَوَّلًا وَأَخَذُوا الْحُرَمَ، وَضُرِبَتْ سَرَايَاهُمْ إِلَى أَسَدَابَاذَ وَقُرَى الدِّينَوَرِ، وَاسْتَبَاحُوا تِلْكَ النَّوَاحِي، وَكَانَ الدَّيْلَمُ أَشَدَّهُمْ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ أَبِي الشَّوْكِ،، صَاحِبُ الدِّينَوَرِ، فَوَاقَعَهُمْ، وَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهِمْ، وَأَسَرَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً فَرَاسَلَهُ أُمَرَاؤُهُمْ فِي إِطْلَاقِهِمْ، فَامْتَنَعَ إِلَّا عَلَى صُلْحٍ وَعُهُودٍ، فَأَجَابُوهُ وَصَالَحُوهُ فَأَطْلَقَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ الْغُزَّ بِهَمَذَانَ رَاسَلُوا أَبَا كَالِيجَارَ عَلَاءَ الدَّوْلَةِ وَصَالَحُوهُ، وَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَنْزِلَ إِلَيْهِمْ لِيُدَبِّرَ أَمْرَهُمْ، وَيَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِ، وَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ زَوْجَتَهُ الَّتِي تَزَوَّجَهَا مِنْهُمْ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا صَارَ مَعَهُمْ وَثَبُوا عَلَيْهِ فَانْهَزَمَ، وَنَهَبُوا مَالَهُ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ دَوَابَّ وَغَيْرِهَا. فَسَمِعَ أَبُوهُ فَخَرَجَ مِنْ أَصْبَهَانَ إِلَى أَعْمَالِهِ بِالْجَبَلِ لِيُشَاهِدَهَا، فَوَقَعَ بِطَائِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْغُزِّ، فَظَفِرَ بِهِمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ فَأَكْثَرَ، وَأَسَرَ مِثْلَهُمْ، وَدَخَلَ أَصْبَهَانَ مَنْصُورًا.

стр. 4452

ذِكْرُ قَتْلِ الْغُزِّ بِمَدِينَةِ تَبْرِيزَ وَفِرَاقِهِمْ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى الْهَكَّارِيَةِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] قَتَلَ وَهْسُوذَانُ بْنُ مَهْلَانَ جَمْعًا كَثِيرًا مِنَ الْغُزِّ بِمَدِينَةِ تَبْرِيزَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ دَعَا جَمْعًا كَثِيرًا مِنْهُمْ إِلَى طَعَامٍ صَنَعَهُ لَهُمْ، فَلَمَّا طَعِمُوا وَشَرِبُوا قَبَضَ عَلَى ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ مِنْ مُقَدَّمِيهِمْ، فَضَعُفَ الْبَاقُونَ، فَأَكْثَرَ فِيهِمُ الْقَتْلَ، فَاجْتَمَعَ الْغُزُّ الْمُقِيمُونَ بِأُرْمِيَةَ وَسَارُوا نَحْوَ بِلَادِ الْهَكَّارِيَةِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ فَقَاتَلُهُمْ أَكْرَادُهَا، وَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا عَظِيمًا، فَانْهَزَمَ الْأَكْرَادُ وَمَلَكَ الْغُزُّ حُلَلَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَنِسَائَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ، وَتَعَلَّقَ الْأَكْرَادُ بِالْجِبَالِ وَالْمَضَايِقِ. وَسَارَ الْغُزُّ فِي أَثَرِهِمْ فَوَاقَعُوهُمْ فَظَفِرَ بِهِمُ الْأَكْرَادُ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ، وَأَسَرُوا جَمْعًا فِيهِ سَبْعَةٌ مِنْ أُمَرَائِهِمْ، وَمِائَةُ نَفْسٍ مِنْ وُجُوهِهِمْ، وَغَنِمُوا سِلَاحَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ وَمَا مَعَهُمْ مِنْ غَنِيمَةٍ اسْتَرَدُّوهَا، وَسَلَكَ الْغُزُّ طَرِيقَ الْجِبَالِ فَتَمَزَّقُوا وَتَفَرَّقُوا، وَسَمِعَ ابْنُ رَبِيبِ الدَّوْلَةِ الْخَبَرَ، فَسَيَّرَ فِي آثَارِهِمْ مَنْ يُفْنِي بَاقِيهِمْ. ثُمَّ تُوُفِّيَ قَزَلُ أَمِيرُ الْغُزِّ الْمُقِيمُ بِالرَّيِّ، وَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ يَنَالَ أَخُو السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَكَ إِلَى الرَّيِّ. فَلَمَّا سَمِعَ بِهِ الْمُقِيمُونَ بِهَا أَجْفَلُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَفَارَقُوا بِلَادَ الْجَبَلِ خَوْفًا مِنْهُ وَقَصَدُوا دِيَارَ بَكْرٍ وَالْمَوْصِلَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] . ذِكْرُ دُخُولِ الْغُزِّ دِيَارَ بَكْرٍ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] فَارَقَ الْغُزُّ أَذْرَبِيجَانَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ يَنَالَ، وَهُوَ أَخُو طُغْرُلْبَكَ، سَارَ إِلَى الرَّيِّ، فَلَمَّا سَمِعَ الْغُزُّ الَّذِينَ بِهَا خَبَرَهُ أَجْفَلُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَفَارَقُوا بِلَادَ الْجَبَلِ خَوْفًا وَقَصَدُوا

стр. 4453

أَذْرَبِيجَانَ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْمُقَامُ بِهَا لِمَا فَعَلُوا بِأَهْلِهَا، وَلِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ يَنَالَ وَرَاءَهُمْ، وَكَانُوا يَخَافُونَهُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَهُ وَلِأَخَوَيْهِ طُغْرُلْبَكَ وَدَاوُدَ رَعِيَّةً، فَأَخَذُوا بَعْضَ الْأَكْرَادِ، وَعَرَّفَهُمُ الطَّرِيقَ، فَأَخَذَ بِهِمْ فِي جِبَالٍ وَعْرَةٍ عَلَى الزَّوَزَانِ، وَخَرَجُوا إِلَى جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، فَسَارَ بُوقَا وَنَاصْغُلِي وَغَيْرُهُمَا إِلَى دِيَارِ بَكْرٍ، وَنَهَبُوا قَرَدَى، وَبَازْبَدَى، وَالْحَسَنِيَّةَ، وَفِيشَابُورَ وَبَقِيَ مَنْصُورُ بْنُ غَزْغَلِي بِالْجَزِيرَةِ مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ. فَرَاسَلَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ نَصْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ مَرْوَانَ الْمُقِيمُ بِالْجَزِيرَةِ فِي الْمُصَالَحَةِ وَالْمُقَامِ بِأَعْمَالِ الْجَزِيرَةِ إِلَى أَنْ يَنْكَشِفَ الشِّتَاءُ، وَيَسِيرَ مَعَ بَاقِي الْغُزِّ إِلَى الشَّامِ، فَتَصَالَحَا وَتَحَالَفَا، وَأَضْمَرَ سُلَيْمَانُ الْغَدْرَ بِهِ، فَعَمِلَ لَهُ طَعَامًا احْتَفَلَ فِيهِ وَدَعَاهُ، فَلَمَّا دَخَلَ الْجَزِيرَةَ قَبَضَ عَلَيْهِ وَحَبَسَهُ، وَانْصَرَفَ أَصْحَابُهُ مُتَفَرِّقِينَ فِي كُلِّ جِهَةٍ. فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ قِرْوَاشٌ سَيَّرَ جَيْشًا كَثِيفًا إِلَيْهِمْ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمُ الْأَكْرَادُ الْبَشْنَوِيَّةُ، أَصْحَابُ فَنَكَ وَعَسْكَرُ نَصْرِ الدَّوْلَةِ فَتَبِعُوا الْغُزَّ، فَلَحِقُوهُمْ وَقَاتَلُوهُمْ، فَبَذَلَ الْغُزُّ جَمِيعَ مَا غَنِمُوهُ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَقَاتَلُوا قِتَالَ مَنْ [لَا] يَخَافُ الْمَوْتَ، فَجَرَحُوا مِنَ الْعَرَبِ كَثِيرًا، وَافْتَرَقُوا. وَكَانَ بَعْضُ الْغُزِّ قَدْ قَصَدَ نَصِيبِينَ وَسِنْجَارَ لِلْغَارَةِ، فَعَادُوا إِلَى الْجَزِيرَةِ وَحَصَرُوهَا، وَتَوَجَّهَتِ الْعَرَبُ إِلَى الْعِرَاقِ لِيَشْتُوا بِهِ، فَأَخْرَبَتِ الْغُزُّ دِيَارَ بَكْرٍ، وَنَهَبُوا وَقَتَلُوا، فَأَخَذَ نَصْرُ الدَّوْلَةِ مَنْصُورًا (أَمِيرَ الْغُزِّ) مِنِ ابْنِهِ سُلَيْمَانَ وَرَاسَلَ الْغُزَّ، وَبَذَلَ لَهُمْ مَالًا، وَإِطْلَاقَ مَنْصُورٍ لِيُفَارِقُوا عَمَلَهُ، فَأَجَابُوهُ، فَأَطْلَقَ مَنْصُورًا، وَأَرْسَلَ بَعْضَ الْمَالِ فَغَدَرُوا، وَزَادُوا فِي الشَّرِّ، وَسَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى نَصِيبِينَ وَسِنْجَارَ وَالْخَابُورِ، فَنَهَبُوا وَعَادُوا وَسَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى جُهَيْنَةَ وَأَعْمَالِ الْفَرَجِ فَنَهَبُوهَا، فَدَخَلَ قِرْوَاشٌ الْمَوْصِلَ خَوْفًا مِنْهُمْ. ذِكْرُ مُلْكِ الْغُزِّ مَدِينَةَ الْمَوْصِلِ لَمَّا خَرَجُوا مِنْ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ نَصْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ

стр. 4454

مَرْوَانَ، سَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى دِيَارِ بَكْرٍ مَعَ أُمَرَائِهِمُ الْمَذْكُورِينَ، وَسَارَ الْبَاقُونَ إِلَى الْبَقْعَاءِ، وَنَزَلُوا بَرْقَعِيدَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ قِرْوَاشٌ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ مَنْ يَنْظُرُ فِيهِمْ، وَيَغِيرُ عَلَيْهِمْ. فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ تَقَدَّمُوا إِلَى الْمَوْصِلِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَسْتَعْطِفُهُمْ وَيَلِينُ لَهُمْ، وَبَذَلَ لَهُمْ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِينَارٍ فَلَمْ يَقْبَلُوا فَأَعَادَ مُرَاسَلَتَهُمْ ثَانِيَةً، فَطَلَبُوا خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَالْتَزَمَهَا، وَأَحْضَرَ أَهْلَ الْبَلَدِ وَأَعْلَمَهُمُ الْحَالَ. فَبَيْنَمَا هُمْ بِجَمْعِ الْمَالِ وَصَلَ الْغُزُّ إِلَى الْمَوْصِلِ وَنَزَلُوا بِالْحَصْبَاءِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ قِرْوَاشٌ وَأَجْنَادُهُ وَالْعَامَّةُ فَقَاتَلُوهُمْ عَامَّةَ نَهَارِهِمْ وَأَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ فَافْتَرَقُوا فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ عَادُوا إِلَى الْقِتَالِ فَانْهَزَمَتِ الْعَرَبُ وَأَهْلُ الْبَلَدِ، وَهَرَبَ قِرْوَاشٌ فِي سَفِينَةٍ نَزَلَهَا مِنْ دَارِهِ، وَخَرَجَ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ إِلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ، وَدَخَلَ الْغُزُّ الْبَلَدَ فَنَهَبُوا كَثِيرًا مِنْهُ، وَنَهَبُوا جَمِيعَ مَا لِقِرْوَاشٍ مِنْ مَالٍ وَجَوْهَرٍ وَحُلِيٍّ وَثِيَابٍ وَأَثَاثٍ، وَنَجَا قِرْوَاشٌ فِي السَّفِينَةِ وَمَعَهُ نَفَرٌ، فَوَصَلَ إِلَى السِّنِّ وَأَقَامَ بِهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ يُعَرِّفُهُ الْحَالَ، وَيَطْلُبُ النَّجْدَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ وَغَيْرِهِ مَنْ أُمَرَاءِ الْعَرَبِ وَالْأَكْرَادِ يَسْتَمِدُّهُمْ وَيَشْكُو مَا نَزَلَ بِهِ. وَعَمِلَ الْغُزُّ بِأَهْلِ الْمَوْصِلِ الْأَعْمَالَ الشَّنِيعَةَ مِنَ الْفَتْكِ وَهَتْكِ الْحَرِيمِ وَنَهْبِ الْمَالِ، وَسَلِمَ عِدَّةُ مَحَالٍّ مِنْهَا سِكَّةُ أَبِي نَجِيحٍ، وَالْجَصَّاصَةُ، وَجَارَسُوكَ، وَشَاطِئُ نَهْرٍ، وَبَابُ الْقَصَّابِينَ عَلَى مَالٍ ضَمِنُوهُ، فَكَفُّوا عَنْهُمْ. ذِكْرُ وُثُوبِ أَهْلِ الْمَوْصِلِ بِالْغُزِّ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ قَدْ ذَكَرْنَا مُلْكَ الْغُزِّ الْمَوْصِلَ، فَلَمَّا اسْتَقَرُّوا فِيهَا قَسَّطُوا عَلَى أَهْلِهَا عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَأَخَذُوهَا، ثُمَّ تَتَبَّعُوا النَّاسَ وَأَخَذُوا كَثِيرًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِحُجَّةِ أَمْوَالِ الْعَرَبِ، ثُمَّ

стр. 4455

قَسَّطُوا أَرْبَعَةَ آلَافِ دِينَارٍ أُخْرَى، فَحَضَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْغُزِّ عِنْدَ ابْنِ فَرْغَانَ الْمَوْصِلِيِّ، وَطَالَبُوا إِنْسَانًا بِحَضْرَتِهِ، وَأَسَاءُوا الْأَدَبَ وَالْقَوْلَ. وَجَرَى بَيْنَ بَعْضِ الْغُزِّ وَبَعْضِ الْمَوَاصِلِةِ مُشَاجَرَةٌ، فَجَرَحَهُ الْغُزِّيُّ وَقَطَعَ شَعْرَهُ، وَكَانَ لِلْمَوْصِلِيِّ وَالِدَةٌ سَلِيطَةٌ فَلَطَّخَتْ وَجْهَهَا بِالدَّمِ، وَأَخَذَتِ الشَّعْرَ بِيَدِهَا وَصَاحَتْ: الْمُسْتَغَاثُ بِاللَّهِ وَبِالْمُسْلِمِينَ، قَدْ قُتِلَ لِي ابْنٌ وَهَذَا دَمُهُ، وَابْنَةٌ وَهَذَا شَعْرُهَا! وَطَافَتْ فِي الْأَسْوَاقِ، فَثَارَ النَّاسُ وَجَاءُوا إِلَى ابْنِ فَرْغَانَ، فَقَتَلُوا مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْغُزِّ وَقَتَلُوا مَنْ ظَفِرُوا بِهِ مِنْهُمْ ثُمَّ حَصَرُوهُمْ فِي دَارٍ، فَقَاتَلُوا مَنْ بِسَطْحِهَا فَنَقَبَ النَّاسُ عَلَيْهِمُ الدَّارَ وَقَتَلُوهُمْ جَمِيعَهُمْ، غَيْرَ سَبْعَةِ أَنْفُسٍ مِنْهُمْ أَبُو عَلِيٍّ وَمَنْصُورٌ، فَخَرَجَ مَنْصُورٌ إِلَى الْحَصْبَاءِ، وَلَحِقَ بِهِ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ. وَكَانَ كُوكَتَاشُ قَدْ فَارَقَ الْمَوْصِلَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يُعْلِمُونَهُ الْحَالَ، فَعَادَ إِلَيْهِمْ، وَدَخَلَ الْبَلَدِ عَنْوَةً فِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَوَضَعُوا السَّيْفَ فِي أَهْلِهِ، وَأَسَرُوا كَثِيرًا، وَنَهَبُوا الْأَمْوَالَ، وَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا يَقْتُلُونَ وَيَنْهَبُونَ، وَسَلِمَتْ سِكَّةُ أَبِي نَجِيحٍ، فَإِنَّ أَهْلَهَا أَحْسَنُوا إِلَى الْأَمِيرِ مَنْصُورٍ، فَرَعَى لَهُمْ ذَلِكَ، وَالْتَجَأَ مَنْ سَلِمَ إِلَيْهَا، وَبَقِيَ الْقَتْلَى فِي الطَّرِيقِ، فَأَنْتَنُوا لِعَدَمِ مَنْ يُوَارِيهِمْ، ثُمَّ طَرَحُوا بَعْدَ ذَلِكَ كُلَّ جَمَاعَةٍ فِي حَفِيرَةٍ. وَكَانُوا يَخْطُبُونَ لِلْخَلِيفَةِ، ثُمَّ لِطُغْرُلْبَكَ. لَمَّا طَالَ مُقَامُهُمْ بِهَذِهِ الْبِلَادِ، وَجَرَى مِنْهُمْ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، كَتَبَ الْمَلِكُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ إِلَى طُغْرُلْبَكَ يُعَرِّفُهُ مَا يَجْرِي مِنْهُمْ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ نَصْرُ الدَّوْلَةِ بْنُ مَرْوَانَ يَشْكُو مِنْهُمْ، فَكَتَبَ إِلَى نَصْرِ الدَّوْلَةِ يَقُولُ لَهُ: بَلَغَنِي أَنَّ عَبِيدَنَا قَصَدُوا بِلَادَكَ، وَأَنَّكَ صَانَعْتَهُمْ بِمَالٍ بَذَلْتَهُ لَهُمْ، وَأَنْتَ صَاحِبُ ثَغْرٍ يَنْبَغِي أَنْ تُعْطَى مَا تَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى قِتَالِ الْكُفَّارِ، وَيَعِدُهُ أَنَّهُ يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ يُرَحِّلُهُمْ مِنْ بَلَدِهِ. وَكَانُوا يَقْصِدُونَ بِلَادَ الْأَرْمَنِ، وَيَنْهَبُونَ وَيَسْبُونَ، حَتَّى إِنَّ الْجَارِيَةَ الْحَسْنَاءَ بَلَغَتْ قِيمَتُهَا خَمْسَةَ دَنَانِيرَ، وَأَمَّا الْغِلْمَانُ فَلَا يُرَادُونَ. فَأَمَّا كِتَابُ طُغْرُلْبَكَ إِلَى جَلَالِ الدَّوْلَةِ

стр. 4456

فَيَعْتَذِرُ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ التُّرْكُمَانَ كَانُوا لَنَا عَبِيدًا، وَخَدَمًا، وَرَعَايَا، وَتَبَعًا، يَمْتَثِلُونَ الْأَمْرَ، وَيَخْدِمُونَ الْبَابَ، وَلَمَّا نَهَضْنَا لِتَدْبِيرِ خُطَبِ آلِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ وَانْتُدِبْنَا لِكِفَايَةِ أَمْرِ خُوَارَزْمَ، انْحَازُوا إِلَى الرَّيِّ فَعَاثُوا فِيهَا، وَأَفْسَدُوا، فَزَحَفْنَا بِجُنُودِنَا مِنْ خُرَاسَانَ إِلَيْهِمْ مُقَدِّرِينَ أَنَّهُمْ يَلْجَأُونَ إِلَى الْأَمَانِ، وَيَلُوذُونَ بِالْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ، فَمَلَكَتْهُمُ الْهَيْبَةُ، وَزَحْزَحَتْهُمُ الْحِشْمَةُ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ نَرُدَّهُمْ إِلَى رَايَاتِنَا خَاضِعِينَ، وَنُذِيقَهُمْ مِنْ بَأْسِنَا جَزَاءَ الْمُتَمَرِّدِينَ، قَرُبُوا أَمْ بَعُدُوا، أَغَارُوا أَمْ أَنْجَدُوا. ذِكْرُ ظَفْرِ قِرْوَاشٍ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ بِالْغُزِّ قَدْ ذَكَرْنَا انْحِدَارَ قِرْوَاشٍ إِلَى السِّنِّ وَمُرَاسَلَتَهُ سَائِرَ أَصْحَابِ الْأَطْرَافِ فِي طَلَبِ النَّجْدَةِ مِنْهُمْ، فَأَمَّا الْمَلِكُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ فَلَمْ يُنْجِدْهُ لِزَوَالِ طَاعَتِهِ عَنْ جُنْدِهِ الْأَتْرَاكِ أَمَّا دُبَيْسُ بْنُ مَزْيَدٍ فَسَارَ إِلَيْهِ، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ عُقَيْلٌ كَافَّةً، وَأَتَتْهُ أَمْدَادُ أَبِي الشَّوْكِ وَابْنِ وَرَّامٍ، وَغَيْرِهِمَا، فَلَمْ يُدْرِكُوا الْوَقْعَةَ، فَإِنَّ قِرْوَاشًا لَمَّا اجْتَمَعَتْ عُقَيْلٌ وَدُبْيَسٌ عِنْدَهُ سَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْغُزِّ فَتَأَخَّرُوا إِلَى تَلَعْفَرَ، وَبُومَارِيَةَ وَتِلْكَ النَّوَاحِي، وَرَاسَلُوا الْغُزَّ الَّذِينَ كَانُوا بِدِيَارِ بَكْرٍ، وَمُقَدَّمُهُمْ نَاصُغْلِي وَبُوقَا، وَطَلَبَ مِنْهُمُ الْمُسَاعَدَةَ عَلَى الْعَرَبِ، فَسَارُوا إِلَيْهِمْ. وَسَمِعَ قِرْوَاشٌ بِوُصُولِهِمْ فَلَمْ يُعْلِمْ أَصْحَابَهُ لِئَلَّا يَفْشَلُوا وَيَجْبُنُوا، وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى الْعَجَاجِ، وَسَارَتِ الْغُزُّ فَنَزَلُوا بِرَأْسِ الْأَيَّلِ مِنَ الْفَرْجِ، وَبَيْنَهُمَا نَحْوُ فَرْسَخَيْنِ، وَقَدْ طَمِعَ الْغُزُّ فِي الْعَرَبِ، فَتَقَدَّمُوا حَتَّى شَارَفُوا حُلَلَ الْعَرَبِ، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَاسْتَظْهَرَتِ الْغُزُّ، وَانْهَزَمَتِ الْعَرَبُ حَتَّى صَارَ الْقِتَالُ عِنْدَ حُلَلِهِمْ، وَنِسَاؤُهُمْ يُشَاهِدْنَ الْقِتَالَ، فَلَمْ يَزَلِ الظَّفَرُ لِلْغُزِّ إِلَى الظُّهْرِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلَى الْعَرَبِ وَانْهَزَمَتِ الْغُزُّ، وَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ وَتَفَرَّقُوا وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، فَقُتِلَ ثَلَاثَةٌ مِنْ مُقَدَّمِيهِمْ، وَمَلَكَ الْعَرَبُ حُلَلَ الْغُزِّ وَخَرْكَاهَاتِهِمْ، وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ، فَعَمَّتْهُمُ الْغَنِيمَةُ، وَأَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ فَحَجَزَ بَيْنَهُمْ. وَسَيَّرَ قِرْوَاشٌ رُءُوسَ كَثِيرٍ مِنَ الْقَتْلَى فِي سَفِينَةٍ إِلَى بَغْدَاذَ. فَلَمَّا قَارَبَتْهَا أَخَذَهَا

стр. 4457

الْأَتْرَاكُ وَدَفَنُوهَا، وَلَمْ يَتْرُكُوهَا تَصِلُ أَنَفَةً وَحَمِيَّةً لِلْجِنْسِ، وَكَفَى اللَّهُ أَهْلَ الْمَوْصِلِ شَرَّهُمْ، وَتَبِعَهُمْ قِرْوَاشٌ إِلَى نَصِيبِينَ، وَعَادَ عَنْهُمْ فَقَصَدُوا دِيَارَ بَكْرٍ فَنَهَبُوهَا، ثُمَّ مَالُوا عَلَى الْأَرْمَنِ وَالرُّومِ فَنَهَبُوهُمْ ثُمَّ قَصَدُوا بِلَادَ أَذْرَبِيجَانَ، وَكَتَبَ قِرْوَاشٌ إِلَى الْأَطْرَافِ يُبَشِّرُ بِالظَّفَرِ بِهِمْ، وَكَتَبَ إِلَى ابْنِ رَبِيبِ الدَّوْلَةِ، صَاحِبِ أُرْمِيَةَ، يَذْكُرُ لَهُ أَنَّهُ قَتَلَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةَ آلَافِ رَجُلٍ فَقَالَ لِلرَّسُولِ: هَذَا عَجَبٌ! فَإِنَّ الْقَوْمَ لَمَّا اجْتَازُوا بِبِلَادِي أَقَمْتُ عَلَى قَنْطَرَةٍ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ عُبُورِهَا مِنْ عَدِّهِمْ، فَكَانُوا نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ أَلْفًا مَعَ لِفِيفِهِمْ، فَلَمَّا عَادُوا بَعْدَ هَزِيمَتِهِمْ لَمْ يَبْلُغُوا خَمْسَةَ آلَافِ رَجُلٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا قُتِلُوا أَوْ هَلَكُوا. وَمَدَحَ الشُّعَرَاءُ قِرْوَاشًا بِهَذَا الْفَتْحِ، وَمِمَّنْ مَدَحَهُ ابْنُ شِبْلٍ بِقَصِيدَةٍ مِنْهَا: بِأَبِي الَّذِي أَرْسَتْ نِزَارٌ بَيْتَهَا ... فِي شَامِخٍ مِنْ عِزِّهِ الْمُتَخَيَّرِ وَهِيَ طَوِيلَةٌ. هَذِهِ أَخْبَارُ الْغُزِّ الْعِرَاقِيِّينَ، وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَاهَا مُتَتَابِعَةً لِأَنَّ دَوْلَتَهُمْ لَمْ تَطُلْ حَتَّى نَذْكُرَ حَوَادِثَهَا فِي السِّنِينَ وَإِنَّمَا كَانَتْ سَحَابَةَ صَيْفٍ تَقَشَّعَتْ عَنْ قَرِيبٍ. وَأَمَّا السَّلْجُوقِيَّةُ فَنَحْنُ نَذْكُرُ حَوَادِثَهُمْ فِي السِّنِينَ وَنَذْكُرُ ابْتِدَاءَ أَمْرِهِمْ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ (وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ الظَّاهِرُ جَيْشًا مِنْ مِصْرَ، مُقَدَّمُهُمْ أَنُوشْتِكِينُ الْبَرِيدِيُّ، فَقَتَلَ صَالِحَ بْنَ مِرْدَاسٍ، وَمَلَكَ نَصْرُ بْنُ صَالِحٍ مَدِينَةَ حَلَبَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِمِائَةٍ) . وَفِيهَا سَقَطَ فِي الْبِلَادِ بَرَدٌ عَظِيمٌ، وَكَانَ أَكْثَرُهُ بِالْعِرَاقِ، وَارْتَفَعَتْ بَعْدَهُ رِيحٌ شَدِيدَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَلَعَتْ كَثِيرًا مِنَ الْأَشْجَارِ بِالْعِرَاقِ، فَقَلَعَتْ شَجَرًا كِبَارًا مِنَ الزَّيْتُونِ مِنْ شَرْقَيِ النَّهْرَوَانِ وَأَلْقَتْهُ عَلَى بُعْدٍ مِنْ غَرْبِيِّهَا، وَقَلَعَتْ نَخْلَةً مِنْ أَصْلِهَا وَحَمَلَتْهَا إِلَى دَارٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَوْضِعِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ثَلَاثُ دُورٍ، وَقَلَعَتْ سَقْفَ مَسْجِدِ الْجَامِعِ بِبَعْضِ الْقُرَى.

стр. 4458

وَفِيهَا، فِي ذِي الْقَعْدَةِ تَوَلَّى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَاكُولَا قَضَاءَ الْقُضَاةِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الرَبَعِيُّ النَّحْوِيُّ عَنْ نَيِّفٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَأَخَذَ النَّحْوَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ، وَأَبِي سَعِيدٍ السِّيرَافِيِّ، وَكَانَ فَكِهًا، كَثِيرَ الدُّعَابَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ بِبَغْدَاذَ، وَالْمَلِكُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ، (وَالْمُرْتَضَى وَالرَّضِيُّ كِلَاهُمَا) فِي سُمَيْرِيَّةٍ، وَمَعَهُمَا عُثْمَانُ بْنُ جِنِّي النَّحْوِيُّ، فَنَادَاهُ الرَبَعِيُّ: أَيُّهَا الْمَلِكُ مَا أَنْتَ صَادِقٌ فِي تَشَيُّعِكَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، يَكُونُ عُثْمَانُ إِلَى جَانِبِكَ، وَعَلِيٌّ، يَعْنِي نَفْسَهُ، هَاهُنَا! فَأَمَرَ بِالسُّمَيْرِيَّةِ فَقُرِّبَتْ إِلَى الشَّاطِئِ وَحَمَلَهُ مَعَهُ. وَقِيلَ إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ كَانَ لِلشَّرِيفِ الرَّضِيِّ وَأَخِيهِ الْمُرْتَضَى، وَمَعَهُمَا عُثْمَانُ بْنُ جِنِّي، فَقَالَ: مَا أَعْجَبَ أَحْوَالَ الشَّرِيفَيْنِ! يَكُونُ عُثْمَانُ مَعَهُمَا، وَعَلِيٌّ يَمْشِي عَلَى الشَّطِّ. وَفِيهَا أَيْضًا تُوُفِّيَ أَبُو الْمِسْكِ عَنْبَرٌ، الْمُلَقَّبُ بِالْأَثِيرِ، وَكَانَ قَدْ أَصْعَدَ إِلَى الْمَوْصِلِ مُغَاضِبًا لِجَلَالِ الدَّوْلَةِ، فَلَقِيَهُ قِرْوَاشٌ وَأَهْلُهُ، وَقَبَّلُوا الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ، وَكَانَ خَصِّيًّا لِبَهَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا عَظِيمًا، لَمْ يَخْلُ أَمِيرٌ وَلَا وَزِيرٌ فِي دَوْلَةِ بَنِي بُوَيْهِ مِنْ تَقْبِيلِ يَدِهِ وَالْأَرْضِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَ قَدِ اسْتَقَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِرْوَاشٍ وَأَبِي كَالِيجَارَ قَاعِدَةٌ أَنْ يَصْعَدَ أَبُو كَالِيجَارَ مِنْ وَاسِطٍ، وَيَنْحَدِرَ الْأَثِيرُ وَقِرْوَاشٌ مِنَ الْمَوْصِلِ لِقَصْدِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ الْأَثِيرُ قَدِ انْحَدَرَ مِنَ الْمَوْصِلِ، فَلَمَّا وَصَلَ مَشْهَدَ الْكُحَيْلِ تُوُفِّيَ فِيهِ. وَفِيهَا انْقَضَّ كَوْكَبٌ عَظِيمٌ، فِي رَجَبٍ، أَضَاءَتْ مِنْهُ الْأَرْضُ، وَسُمِعَ لَهُ صَوْتٌ عَظِيمٌ كَالرَّعْدِ، وَتَقَطَّعَ أَرْبَعَ قِطَعٍ، وَانْقَضَّ بَعْدَهُ بِلَيْلَتَيْنِ كَوْكَبٌ آخَرُ دُونَهُ، وَانْقَضَّ

стр. 4459

بَعْدَهُمَا كَوْكَبٌ أَكْبَرُ مِنْهُمَا وَأَكْثَرُ ضَوْءًا. وَفِيهَا كَانَتْ بِبَغْدَاذَ فِتْنَةٌ قَوِيَ فِيهَا أَمْرُ الْعَيَّارِينَ وَاللُّصُوصِ، فَكَانُوا يَأْخُذُونَ الْعَمَلَاتِ ظَاهِرًا. وَفِيهَا قُطِعَتِ الْجُمُعَةُ مِنْ جَامِعِ بِرَاثَا، وَسَبَبُهَا أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ فِيهَا إِنْسَانٌ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى أَخِيهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، مُكَلِّمِ الْجُمْجُمَةِ، وَمُحْيِيهَا الْبَشَرِيِّ الْإِلَهِيِّ، مُكَلِّمِ الْفِتْيَةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ (مِنَ الْغُلُوِّ) ، الْمُبْتَدَعِ، فَأَقَامَ الْخَلِيفَةُ خَطِيبًا، فَرَجَمَهُ الْعَامَّةُ، فَانْقَطَعَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ فَاجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الْكَرْخِ مَعَ الْمُرْتَضَى، وَاعْتَذَرُوا إِلَى الْخَلِيفَةِ بِأَنَّ سُفَهَاءَ لَا يَعْرِفُونَ فَعَلُوا ذَلِكَ، وَسَأَلُوا إِعَادَةَ الْخُطْبَةِ، فَأُجِيبُوا إِلَى مَا طَلَبُوا، وَأُعِيدَتِ الصَّلَاةُ وَالْخُطْبَةُ فِيهِ. [تَابِعُ الْوَفَيَاتِ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ ابْنُ أَبِي الْهُبَيْشِ الزَّاهِدُ الْمُقِيمُ بِالْكُوفَةِ، وَهُوَ مِنْ أَرْبَابِ الطَّبَقَاتِ الْغَالِيَةِ فِي الزُّهْدِ، وَقَبْرُهُ يُزَارُ إِلَى الْآنِ وَقَدْ زُرْتُهُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُنُوجَهْرُ بْنُ قَابُوسَ بْنِ وَشْمَكِيرَ، وَمَلَكَ ابْنُهُ أَنُوشَرْوَانُ.

стр. 4460

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤٢١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ هَمَذَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ مَسْعُودُ بْنُ يَمِينِ الدَّوْلَةِ مَحْمُودٍ جَيْشًا إِلَى هَمَذَانَ، فَمَلَكُوهَا، وَأَخْرَجُوا نُوَّابَ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ كَاكَوَيْهِ عَنْهَا، وَسَارَ هُوَ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَلَمَّا قَارَبَهَا فَارَقَهَا عَلَاءُ الدَّوْلَةِ، فَغَنِمَ مَسْعُودٌ مَا كَانَ لَهُ بِهَا مِنْ دَوَابَّ وَسِلَاحٍ وَذَخَائِرَ، فَإِنَّ عَلَاءَ الدَّوْلَةِ أَعْجَلَ عَنْ أَخْذِهِ فَلَمْ يَأْخُذْ إِلَّا بَعْضَهُ، وَسَارَ إِلَى خُوزِسْتَانَ، فَبَلَغَ إِلَى تُسْتَرَ لِيَطْلُبَ مِنَ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ نَجْدَةً، وَمِنَ الْمَلِكِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَيَعُودَ إِلَى بِلَادِهِ يَسْتَنْقِذُهَا فَبَقِيَ عِنْدَ أَبِي كَالِيجَارَ مُدَّةً، وَهُوَ عَقِيبَ انْهِزَامِهِ مِنْ جَلَالِ الدَّوْلَةِ (ضَعِيفٌ، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ يَعِدُهُ النُّصْرَةَ وَتَسْيِيرَ الْعَسَاكِرِ، إِذَا اصْطَلَحَ هُوَ وَجَلَالُ الدَّوْلَةِ) . فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهُ إِذْ أَتَاهُ خَبَرُ وَفَاةِ يَمِينِ الدَّوْلَةِ مَحْمُودٍ، وَمَسِيرِ مَسْعُودٍ إِلَى خُرَاسَانَ، فَسَارَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ إِلَى بِلَادِهِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ غَزْوَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَى الْهِنْدِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا أَحْمَدُ بْنُ يَنَالْتَكِينَ، النَّائِبُ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ بِبِلَادِ الْهِنْدِ، مَدِينَةً لِلْهُنُودِ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ مُدُنِهِمْ، يُقَالُ لَهَا نَرْسَى، وَمَعَ أَحْمَدَ نَحْوُ مِائَةِ أَلْفِ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَشَنَّ الْغَارَةَ عَلَى الْبِلَادِ، وَنَهَبَ، وَسَبَى، وَخَرَّبَ الْأَعْمَالَ

стр. 4461

وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ وَالْأَسْرَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ دَخَلَ مِنْ أَحَدِ جَوَانِبِهَا وَنَهَبَ الْمُسْلِمُونَ فِي ذَلِكَ الْجَانِبِ يَوْمًا مِنْ بُكْرَةٍ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، وَلَمْ يَفْرَغُوا مِنْ نَهْبِ سُوقِ الْعَطَّارِينَ وَالْجَوْهَرِيِّينَ، حَسْبُ، وَبَاقِي أَهْلِ الْبَلَدِ لَمْ يَعْلَمُوا بِذَلِكَ، لِأَنَّ طُولَهُ مَنْزِلٌ مِنْ مَنَازِلِ الْهُنُودِ وَعَرْضَهُ مِثْلُهُ، فَلَمَّا جَاءَ الْمَسَاءُ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ عَلَى الْمَبِيتِ فِيهِ لِكَثْرَةِ أَهْلِهِ، فَخَرَجَ مِنْهُ لِيَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَسْكَرِهِ. وَبَلَغَ مِنْ كَثْرَةِ مَا نَهَبَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُمُ اقْتَسَمُوا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ كَيْلًا، وَلَمْ يَصِلْ إِلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ عَسْكَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، فَلَمَّا فَارَقَهُ أَرَادَ الْعَوْدَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، مَنَعَهُ أَهْلُهُ عَنْهُ. ذِكْرُ مُلْكِ بَدْرَانَ بْنِ الْمُقَلَّدِ نَصِيبِينَ قَدْ ذَكَرْنَا مُحَاصَرَةَ بَدْرَانَ نَصِيبِينَ وَأَنَّهُ رَحَلَ عَنْهَا خَوْفًا مِنْ قِرْوَاشٍ، (فَلَمَّا رَحَلَ، شَرَعَ فِي إِصْلَاحِ الْحَالِ مَعَهُ فَاصْطَلَحَا. ثُمَّ جَرَى بَيْنَ قِرْوَاشٍ) وَنَصْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ مَرْوَانَ نَفْرَةٌ كَانَ سَبَبُهَا أَنَّ نَصْرَ الدَّوْلَةِ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَ ابْنَةَ قِرْوَاشٍ فَآثَرَ عَلَيْهَا غَيْرَهَا. فَأَرْسَلَتْ إِلَى أَبِيهَا تَشْكُو مِنْهُ، فَأَرْسَلَ يَطْلُبُهَا إِلَيْهِ، فَسَيَّرَهَا فَأَقَامَتْ بِالْمَوْصِلِ. ثُمَّ إِنَّ وَلَدَ مُسْتَحْفِظِ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ وَهِيَ لِابْنِ مَرْوَانَ هَرَبَ إِلَى قِرْوَاشٍ فِي الْجَزِيرَةِ فَأَرْسَلَ إِلَى نَصْرِ الدَّوْلَةِ يَطْلُبُ مِنْهُ صَدَاقَ ابْنَتِهِ وَهُوَ عِشْرُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَيَطْلُبُ الْجَزِيرَةَ لِنَفَقَتِهَا، وَيَطْلُبُ نَصِيبِينَ لِأَخِيهِ بَدْرَانَ وَيَحْتَجُّ بِمَا أُخْرِجَ بِسَبَبِهَا عَامَ أَوَّلٍ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَسْتَقِرَّ حَالٌ، فَسَيَّرَ جَيْشًا لِمُحَاصَرَةِ الْجَزِيرَةِ وَجَيْشًا مَعَ أَخِيهِ بَدْرَانَ إِلَى نَصِيبِينَ، فَحَصَرَهَا بَدْرَانُ وَأَتَاهُ قِرْوَاشٌ فَحَصَرَهَا مَعَهُ فَلَمْ يُمْلَكْ وَاحِدٌ مِنَ الْبَلَدَيْنِ وَتَفَرَّقَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْعَرَبِ وَالْأَكْرَادِ. فَلَمَّا رَأَى بَدْرَانُ تَفَرُّقَ النَّاسِ عَنْ أَخِيهِ سَارَ إِلَى نَصْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ مَرْوَانَ بِمَيَّافَارِقِينَ يَطْلُبُ مِنْهُ نَصِيبِينَ، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ وَأَرْسَلَ مِنْ صَدَاقِ ابْنَةِ قِرْوَاشٍ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ وَاصْطَلَحَا.

стр. 4462

ذِكْرُ مُلْكِ أَبِي الشَّوْكِ دَقُوقَا وَفِيهَا حَصَرَ أَبُو الشَّوْكِ دَقُوقَا، وَبِهَا مَالِكُ بْنُ بَدْرَانَ بْنِ الْمُقَلَّدِ الْعُقَيْلِيُّ، فَطَالَ حِصَارُهُ، وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ هَذِهِ الْمَدِينَةَ كَانَتْ لِأَبِي.، وَلَا بُدَّ لِي مِنْهَا، وَالصَّوَابُ أَنْ تَنْصَرِفَ عَنْهَا. فَامْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِهَا، فَحَصَرَهُ بِهَا، ثُمَّ اسْتَظْهَرَ، وَمَلَكَ الْبَلَدَ، فَطَلَبَ مِنْهُ مَالِكٌ الْأَمَانَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَأَصْحَابِهِ، فَأَمَّنَهُ عَلَى نَفْسِهِ حَسْبُ، فَلَمَّا خَرَجَ إِلَيْهِ مَالِكٌ قَالَ لَهُ أَبُو الشَّوْكِ: قَدْ كُنْتُ سَأَلْتُكَ أَنْ تُسَلِّمَ الْبَلَدَ طَوْعًا، وَتَحْقِنَ دَمَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ تَفْعَلْ. فَقَالَ: لَوْ فَعَلْتُ لَعَيَّرَتْنِي الْعَرَبُ، وَأَمَّا الْآنَ فَلَا عَارَ عَلَيَّ. فَقَالَ أَبُو الشَّوْكِ: إِنَّ مِنْ إِتْمَامِ الصَّنِيعَةِ تَسْلِيمَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِكَ إِلَيْكَ ; فَأَعْطَاهُ مَا كَانَ لَهُ أَجْمَعَ، فَأَخَذَهُ وَعَادَ سَالِمًا. ذِكْرُ وَفَاةِ يَمِينِ الدَّوْلَةِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ وَمُلْكِ وَلَدِهِ مُحَمَّدٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، تُوُفِّيَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْقَاسِمِ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ، وَمَوْلِدُهُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ سَنَةَ سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ (وَقِيلَ إِنَّهُ تُوُفِّيَ أَحَدَ عَشَرَ صَفَرٍ) ، وَكَانَ مَرَضُهُ سُوءَ مِزَاجٍ وَإِسْهَالًا، وَبَقِيَ كَذَلِكَ نَحْوَ سَنَتَيْنِ، وَكَانَ قَوِيَّ النَّفْسِ لَمْ يَضَعْ جَنْبَهُ فِي مَرَضِهِ بَلْ كَانَ يَسْتَنِدُ إِلَى مِخَدَّتِهِ فَأَشَارَ عَلَيْهِ الْأَطِبَّاءُ بِالرَّاحَةِ، كَانَ يَجْلِسُ لِلنَّاسِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَقَالَ: أَتُرِيدُونَ أَنْ أَعْتَزِلَ الْإِمَارَةَ؟ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَ قَاعِدًا. فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بِالْمُلْكِ لِابْنِهِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ بِبَلْخَ، وَكَانَ أَصْغَرَ مِنْ مَسْعُودٍ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ مُعْرِضًا عَنْ مَسْعُودٍ لِأَنَّ أَمْرَهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ نَافِذًا، وَسَعَى بَيْنَهُمَا أَصْحَابُ الْأَغْرَاضِ، فَزَادُوا أَبَاهُ نُفُورًا عَنْهُ فَلَمَّا وَصَّى بِالْمُلْكِ لِوَلَدِهِ مُحَمَّدٍ تُوُفِّيَ، فَخُطِبَ لِمُحَمَّدٍ مِنْ أَقَاصِي الْهِنْدِ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَكَانَ لَقَبُهُ جَلَالَ الدَّوْلَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَعْيَانُ دَوْلَةِ أَبِيهِ يُخْبِرُونَهُ بِمَوْتِ أَبِيهِ وَوَصِيَّتِهِ لَهُ بِالْمُلْكِ، وَيَسْتَدْعُونَهُ، وَيَحُثُّونَهُ عَلَى

стр. 4463

السُّرْعَةِ، وَيُخَوِّفُونَهُ مِنْ أَخِيهِ مَسْعُودٍ، فَحِينَ بَلَغَهُ الْخَبَرُ سَارَ إِلَى غَزْنَةَ، فَوَصَلَهَا بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَاجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ عَلَى طَاعَتِهِ، وَفَرَّقَ فِيهِمُ الْأَمْوَالَ وَالْخِلَعَ النَّفِيسَةَ، فَأَسْرَفَ فِي ذَلِكَ. ذِكْرُ مُلْكِ مَسْعُودٍ وَخَلْعِ مُحَمَّدٍ لَمَّا تُوُفِّيَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ كَانَ ابْنُهُ مَسْعُودٌ بِأَصْبَهَانَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ سَارَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَاسْتَخْلَفَ بِأَصْبَهَانَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَحِينَ فَارَقَهَا ثَارَ أَهْلُهَا بِالْوَالِي عَلَيْهِمْ بَعْدَهُ فَقَتَلُوهُ، وَقَتَلُوا مَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنْدِ. وَأَتَى مَسْعُودًا الْخَبَرُ، فَعَادَ إِلَيْهَا وَحَصَرَهَا وَفَتَحَهَا عَنْوَةً، وَقَتَلَ فِيهَا فَأَكْثَرَ، وَنَهَبَ الْأَمْوَالَ، وَاسْتَخْلَفَ فِيهَا رَجُلًا كَافِيًا، وَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ مُحَمَّدٍ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا يُرِيدُ مِنَ الْبِلَادِ الَّتِي وَصَّى لَهُ أَبُوهُ بِهَا شَيْئًا، وَأَنَّهُ يَكْتَفِي بِمَا فَتَحَهُ مِنْ بِلَادِ طَبَرِسْتَانَ، وَبَلَدِ الْجَبَلِ، وَأَصْبَهَانَ، وَغَيْرِهَا، وَيَطْلُبُ مِنْهُ الْمُوَافَقَةَ، وَأَنْ يُقَدِّمَهُ فِي الْخُطْبَةِ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَجَابَهُ مُحَمَّدٌ جَوَابَ مُغَالِطٍ. وَكَانَ مَسْعُودٌ قَدْ وَصَلَ إِلَى الرَّيِّ، فَأَحْسَنَ إِلَى أَهْلِهَا، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى نَيْسَابُورَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَإِنَّهُ أَخَذَ عَلَى عَسْكَرِهِ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ عَلَى الْمُنَاصَحَةِ لَهُ، وَالشَّدِّ مِنْهُ، وَسَارَ فِي عَسَاكِرِهِ إِلَى أَخِيهِ مَسْعُودٍ مُحَارِبًا لَهُ، وَكَانَ بَعْضُ عَسَاكِرِهِ يَمِيلُ إِلَى أَخِيهِ مَسْعُودٍ لِكِبَرِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَلِأَنَّهُ قَدِ اعْتَادَ التَّقَدُّمَ عَلَى الْجُيُوشِ وَفَتْحَ الْبِلَادِ، وَبَعْضُهَا يَخَافُهُ لِقُوَّةِ نَفْسِهِ. وَكَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ جَعَلَ مُقَدَّمَ جَيْشِهِ عَمَّهُ يُوسُفَ بْنَ سُبُكْتِكِينَ، فَلَمَّا هَمَّ الرُّكُوبَ، فِي دَارِهِ بِغَزْنَةَ، لِيَسِيرَ سَقَطَتْ قَلَنْسُوَتُهُ مِنْ رَأْسِهِ، فَتَطَيَّرَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَلْتُونَتَاشُ، صَاحِبُ خُوَارَزْمَ، وَكَانَ مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِ أَبِيهِ مَحْمُودٍ، يُشِيرُ عَلَيْهِ بِمُوَافَقَةِ أَخِيهِ وَتَرْكِ مُخَالَفَتِهِ، فَلَمْ يُصْغِ إِلَى قَوْلِهِ، وَسَارَ فَوَصَلَ إِلَى تَكْنَابَاذَ أَوَّلَ يَوْمِ

стр. 4464

رَمَضَانَ، وَأَقَامَ إِلَى الْعِيدِ، فَعَيَّدَ هُنَاكَ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الثُّلَاثَاءِ، ثَالِثُ شَوَّالٍ، ثَارَ بِهِ جُنْدُهُ، فَأَخَذُوهُ وَقَيَّدُوهُ وَحَبَسُوهُ، وَكَانَ مَشْغُولًا بِالشُّرْبِ وَاللَّعِبِ عَنْ تَدْبِيرِ الْمَمْلَكَةِ، وَالنَّظَرِ فِي أَحْوَالِ الْجُنْدِ وَالرَّعَايَا. وَكَانَ الَّذِي سَعَى فِي (خِذْلَانِهِ عَلِيٌّ) خُوَيْشَاوَنْدَ، صَاحِبُ أَبِيهِ، وَأَعَانَهُ عَلَى ذَلِكَ عَمُّهُ يُوسُفُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ. فَلَمَّا قَبَضُوا عَلَيْهِ نَادَوْا بِشِعَارِ أَخِيهِ مَسْعُودٍ، وَرَفَعُوا مُحَمَّدًا إِلَى قَلْعَةِ تَكْنَابَاذَ، وَكَتَبُوا إِلَى مَسْعُودٍ بِالْحَالِ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى هَرَاةَ لَقِيَتُهُ الْعَسَاكِرُ مَعَ الْحَاجِبِ عَلِيٍّ خُوَيْشَاوَنْدَ، فَلَمَّا لَقِيَهُ الْحَاجِبُ عَلِيٌّ قَبَضَ عَلَيْهِ وَقَتَلَهُ، وَقَبَضَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى عَمِّهِ يُوسُفَ، وَهَذِهِ عَاقِبَةُ الْغَدْرِ، وَهُمَا سَعَيَا لَهُ فِي رَدِّ الْمُلْكِ إِلَيْهِ، وَقَبَضَ أَيْضًا عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَعْيَانِ الْقُوَّادِ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَكَانَ اجْتِمَاعُ الْمُلْكِ لَهُ وَاتِّفَاقُ الْكَلِمَةِ عَلَيْهِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَأَخْرَجَ الْوَزِيرَ أَبَا الْقَاسِمِ أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ الْمِيمَنْدِيَّ الَّذِي كَانَ وَزِيرَ أَبِيهِ مِنْ مَحْبِسِهِ، وَاسْتَوْزَرَهُ، وَرَدَّ الْأَمْرَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ قَبَضَ عَلَيْهِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ لِأُمُورٍ أَنْكَرَهَا، وَقِيلَ شَرِهَ فِي مَالِهِ، وَأَخَذَ مِنْهُ (لَمَّا قَبَضَ عَلَيْهِ) مَالًا وَأَعْرَاضًا بِقِيمَةِ خَمْسَةِ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ. وَكَانَ وُصُولُ مَسْعُودٍ إِلَى غَزْنَةَ ثَامِنَ جُمَادَى الْآخِرَةِ (مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ) ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا وَثَبَتَ مُلْكُهُ بِهَا أَتَتْهُ رُسُلُ الْمُلُوكِ مِنْ سَائِرِ الْأَقْطَارِ إِلَى بَابِهِ، وَاجْتَمَعَ لَهُ مُلْكُ خُرَاسَانَ، وَغَزْنَةَ، وَبِلَادِ الْهِنْدِ وَالسِّنْدِ، وَسِجِسْتَانَ، وَكِرْمَانَ، وَمُكْرَانَ، وَالرَّيِّ، وَأَصْبَهَانَ، وَبَلَدِ الْجَبَلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَعَظُمَ سُلْطَانُهُ، وَخِيفَ جَانِبُهُ.

стр. 4465

ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَةِ يَمِينِ الدَّوْلَةِ كَانَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ عَاقِلًا، دَيِّنًا، خَيِّرًا، عِنْدَهُ عِلْمٌ وَمَعْرِفَةٌ، وَصُنِّفَ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْكُتُبِ فِي فُنُونِ الْعُلُومِ، وَقَصَدَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَقْطَارِ الْبِلَادِ، وَكَانَ يُكْرِمُهُمْ، وَيُقْبِلُ عَلَيْهِمْ، وَيُعَظِّمُهُمْ، وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ عَادِلًا، كَثِيرَ الْإِحْسَانِ إِلَى رَعِيَّتِهِ وَالرِّفْقِ بِهِمْ، كَثِيرَ الْغَزَوَاتِ، مُلَازِمًا لِلْجِهَادِ، وَفُتُوحُهُ مَشْهُورَةٌ مَذْكُورَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا مَا وَصَلَ إِلَيْنَا عَلَى بُعْدِ الدَّهْرِ، وَفِيهِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى بَذْلِ نَفْسِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَاهْتِمَامِهِ بِالْجِهَادِ. وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يُعَابُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَتَوَصَّلُ إِلَى أَخْذِ الْأَمْوَالِ بِكُلِّ طَرِيقٍ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ إِنْسَانًا مِنْ نَيْسَابُورَ كَثِيرُ الْمَالِ، عَظِيمُ الْغِنَى، فَأَحْضَرَهُ إِلَى غَزْنَةَ وَقَالَ لَهُ: بَلَغَنَا أَنَّكَ قِرْمِطِيٌّ، فَقَالَ: لَسْتُ بِقِرْمِطِيٍّ، وَلِي مَالٌ يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا يُرَادُ وَأُعْفَى مِنْ هَذَا الِاسْمِ، فَأَخَذَ مِنْهُ مَالًا، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا بِصِحَّةِ اعْتِقَادِهِ. وَجَدَّدَ عِمَارَةَ الْمَشْهَدِ بِطُوسَ الَّذِي فِيهِ قَبْرُ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا، وَالرَّشِيدِ، وَأَحْسَنَ عِمَارَتَهُ، وَكَانَ أَبُوهُ سُبُكْتِكِينُ أَخْرَبَهُ، وَكَانَ أَهْلُ طُوسَ يُؤْذُونَ مَنْ يَزُورُهُ، فَمَنَعَهُمْ عَنْ ذَلِكَ. وَكَانَ سَبَبُ فِعْلِهِ أَنَّهُ رَأَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، ﵇، فِي الْمَنَامِ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: إِلَى مَتَى هَذَا؟ فَعَلِمَ أَنَّهُ يُرِيدُ أَمْرَ الْمَشْهَدِ، فَأَمَرَ بِعِمَارَتِهِ. وَكَانَ رَبْعَةً مَلِيحَ اللَّوْنِ، حَسَنَ الْوَجْهِ، صَغِيرَ الْعَيْنَيْنِ، أَحْمَرَ الشَّعْرِ، وَكَانَ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ يُشْبِهُهُ، وَكَانَ ابْنُهُ مَسْعُودٌ مُمْتَلِئَ الْبَدَنِ، طَوِيلًا. ذِكْرُ عَوْدِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ إِلَى أَصْبَهَانَ وَغَيْرِهَا وَمَا كَانَ مِنْهُ لَمَّا مَاتَ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ طَمِعَ فَنَّاخَسْرُو بْنُ مَجْدِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ فِي الرَّيِّ، وَكَانَ قَدْ هَرَبَ مِنْهَا لَمَّا مَلَكَهَا عَسْكَرُ يَمِينِ الدَّوْلَةِ مَحْمُودٍ. فَقَصَدَ قَصْرَانَ، وَهِيَ حَصِينَةٌ، فَامْتَنَعَ بِهَا. فَلَمَّا تُوُفِّيَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ وَعَادَ ابْنُهُ مَسْعُودٌ إِلَى خُرَاسَانَ جَمَعَ فَنَّاخَسْرُو هَذَا جَمْعًا مِنَ الدَّيْلَمِ وَالْأَكْرَادِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَصَدُوا الرَّيَّ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ نَائِبُ

стр. 4466

مَسْعُودٍ بِهَا وَمَنْ مَعَهُ (مِنَ الْعَسْكَرِ) ، فَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ مِنْهُمْ وَعَادَ إِلَى بَلَدِهِ، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ عَسْكَرِهِ. ثُمَّ إِنَّ عَلَاءَ الدَّوْلَةِ بْنَ كَاكَوَيْهِ، لَمَّا بَلَغَهُ وَفَاةُ يَمِينِ الدَّوْلَةِ كَانَ بِخُوزِسْتَانَ عِنْدَ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ كَمَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ أَيِسَ مِنْ نَصْرِهِ، وَتَفَرَّقَ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ عَسْكَرِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَالْبَاقُونَ عَلَى عَزْمِ مُفَارَقَتِهِ وَهُوَ خَائِفٌ مِنْ مَسْعُودٍ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهِ مِنْ أَصْبَهَانَ فَلَا يَقْوَى هُوَ وَأَبُو كَالِيجَارَ بِهِ، فَأَتَاهُ مِنَ الْفَرَجِ بِمَوْتِ يَمِينِ الدَّوْلَةِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِ فَلَمَّا سَمِعَ الْخَبَرَ سَارَ إِلَى أَصْبَهَانَ فَمَلَكَهَا، وَمَلَكَ هَمَذَانَ، وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْبِلَادِ، وَسَارَ إِلَى الرَّيِّ فَمَلَكَهَا، وَامْتَدَّ إِلَى أَعْمَالِ أَنُوشَرْوَانَ بْنِ مُنُوجَهْرَ بْنِ قَابُوسَ فَأَخَذَ مِنْهُ خُوَارَ الرَّيِّ وَدُنْبَاوَنْدَ. فَكَتَبَ أَنُوشَرْوَانُ إِلَى مَسْعُودٍ يُهَنِّئُهُ بِالْمُلْكِ، وَسَأَلَهُ تَقْرِيرَ الَّذِي عَلَيْهِ بِمَالٍ يَحْمِلُهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِ عَسْكَرًا مِنْ خُرَاسَانَ، فَسَارُوا إِلَى دُنْبَاوَنْدَ فَاسْتَعَادُوهَا، وَسَارُوا نَحْوَ الرَّيِّ، فَأَتَاهُمُ الْمَدَدُ وَالْعَسَاكِرُ، وَمِمَّنْ أَتَاهُمْ عَلِيُّ بْنُ عِمْرَانَ، فَكَثُرَ جَمْعُهُمْ فَحَصَرُوا الرَّيَّ، وَبِهَا عَلَاءُ الدَّوْلَةِ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، فَدَخَلَ الْعَسْكَرُ الرَّيَّ قَهْرًا، وَالْفِيَلَةُ مَعَهُمْ، فَقُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الرَّيِّ وَالدَّيْلَمِ، وَنُهِبَتِ الْمَدِينَةُ، وَانْهَزَمَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ، وَتَبِعَهُ بَعْضُ الْعَسْكَرِ وَجَرَحَهُ فِي رَأْسِهِ وَكَتِفِهِ، فَأَلْقَى لَهُمْ دَنَانِيرَ كَانَتْ مَعَهُ، فَاشْتَغَلُوا بِهَا عَنْهُ، فَنَجَا، وَسَارَ إِلَى قَلْعَةِ فَرْدَجَانَ، عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا مِنْ هَمَذَانَ، فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ بَرِأَ مِنْ جِرَاحَتِهِ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا نَذَكُرُهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَخُطِبَ بِالرَّيِّ وَأَعْمَالِ أَنُوشَرْوَانَ لِمَسْعُودٍ، فَعَظُمَ شَأْنُهُ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَسْكَرِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ وَأَبِي كَالِيجَارَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، سَيَّرَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ عَسْكَرًا إِلَى الْمَذَارِ، وَبِهَا عَسْكَرُ أَبِي كَالِيجَارَ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ أَبِي كَالِيجَارَ، وَاسْتَوْلَى أَصْحَابُ جَلَالِ الدَّوْلَةِ عَلَى الْمَذَارَ، وَعَمِلُوا بِأَهْلِهَا كُلَّ مَحْظُورٍ. فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو كَالِيجَارَ الْخَبَرَ سَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا كَثِيفًا، فَاقْتَتَلُوا بِظَاهِرِ الْبَلَدِ

стр. 4467

فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَقُتِلَ أَكْثَرُهُمْ، وَثَارَ أَهْلُ الْبَلَدِ بِغِلْمَانِهِمْ فَقَتَلُوهُمْ، وَنَهَبُوا أَمْوَالَهُمْ لِقَبِيحِ سِيرَتِهِمْ مَعَهُمْ، وَعَادَ مَنْ سَلِمَ مِنَ الْمَعْرَكَةِ إِلَى وَاسِطٍ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ قِرْوَاشٍ وَغَرِيبِ بْنِ مَقْنٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، اخْتَلَفَ قِرْوَاشٌ وَغَرِيبُ بْنُ مَقْنٍ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ غَرِيبًا جَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا مِنَ الْعَرَبِ وَالْأَكْرَادِ، وَاسْتَمَدَّ جَلَالَ الدَّوْلَةِ، فَأَمَدَّهُ بِجُمْلَةٍ صَالِحَةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَسَارَ إِلَى تَكْرِيتَ فَحَصَرَهَا، وَهِيَ لِأَبِي الْمُسَيَّبِ رَافِعِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَكَانَ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَسَأَلَ قِرْوَاشًا النَّجْدَةَ، فَجَمَعَا وَحَشَدَا وَسَارَا مُنْحَدِرَيْنِ فِيمَنْ مَعَهُمَا، فَبَلَغَا الدِّكَّةِ، وَغَرِيبٌ يُحَاصِرُ تَكْرِيتَ، وَقَدْ ضَيَّقَ عَلَى مَنْ بِهَا، وَأَهْلُهَا يَطْلُبُونَ مِنْهُ الْأَمَانَ، فَلَمْ يُؤَمِّنْهُمْ، فَحَفِظُوا نُفُوسَهُمْ وَقَاتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ. فَلَمَّا بَلَغَهُ وُصُولُ قِرْوَاشٍ وَرَافِعٍ سَارَ إِلَيْهِمْ، فَالْتَقَوْا بِالدِّكَّةِ وَاقْتَتَلُوا، فَغَدَرَ بِغَرِيبٍ بَعْضُ مَنْ مَعَهُ، وَنَهَبُوا سَوَادَهُ وَسَوَادَ الْأَجْنَادِ الْجَلَالِيَّةِ، فَانْهَزَمَ، وَتَبِعَهُمْ قِرْوَاشٌ وَرَافِعٌ، ثُمَّ كَفُّوا عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا إِلَى حُلَّتِهِ وَمَا لَهُ فِيهَا، وَحَفِظُوا ذَلِكَ أَجْمَعَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ تَرَاسَلُوا وَاصْطَلَحُوا وَعَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْوِفَاقِ. ذِكْرُ خُرُوجِ مَلِكِ الرُّومِ إِلَى الشَّامِ وَانْهِزَامِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ مَلِكُ الرُّومِ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ إِلَى الشَّامِ، (فَلَمْ يَزَلْ [يَسِيرُ] بِعَسَاكِرِهِ) حَتَّى بَلَغُوا قَرِيبَ حَلَبَ، (وَصَاحِبُهَا شِبْلُ الدَّوْلَةِ نَصْرُ بْنُ صَالِحِ بْنِ مِرْدَاسٍ) ، فَنَزَلُوا عَلَى يَوْمٍ مِنْهَا، فَلَحِقَهُمْ عَطَشٌ شَدِيدٌ، وَكَانَ الزَّمَانُ صَيْفًا، وَكَانَ أَصْحَابُهُ مُخْتَلِفِينَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَحْسُدُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْرَهُهُ. وَمِمَّنْ كَانَ مَعَهُ ابْنُ الدَّوْقَسِ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِهِمْ، وَكَانَ يُرِيدُ هَلَاكَ الْمَلِكِ لِيَمْلِكَ

стр. 4468

بَعْدَهُ، فَقَالَ الْمَلِكُ: الرَّأْيُ أَنْ نُقِيمَ حَتَّى تَجِيءَ الْأَمْطَارُ وَتَكْثُرَ الْمِيَاهُ. فَقَبَّحَ ابْنُ الدَّوْقَسِ هَذَا الرَّأْيَ، وَأَشَارَ بِالْإِسْرَاعِ قَصْدًا لِشَرٍّ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ، وَلِتَدْبِيرٍ كَانَ قَدْ دَبَّرَهُ عَلَيْهِ. فَسَارَ، فَفَارَقَهُ ابْنُ الدَّوْقَسِ، وَابْنُ لُؤْلُؤٍ فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ، وَسَلَكُوا طَرِيقًا آخَرَ، فَخَلَا بِالْمَلِكِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَأَعْلَمَهُ أَنَّ ابْنَ الدَّوْقَسِ وَابْنَ لُؤْلُؤٍ قَدْ حَالَفَا أَرْبَعِينَ رَجُلًا، هُوَ أَحَدُهُمْ، عَلَى الْفَتْكِ بِهِ، وَاسْتَشْعَرَ مِنْ ذَلِكَ وَخَافَ، وَرَحَلَ مِنْ يَوْمِهِ رَاجِعًا. وَلَحِقَهُ ابْنُ الدَّوْقَسِ، وَسَأَلَهُ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي أَوْجَبَ عَوْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: قَدِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْنَا الْعَرَبُ وَقَرُبُوا مِنَّا وَقَبَضَ فِي الْحَالِ عَلَى ابْنِ الدَّوْقَسِ وَابْنِ لُؤْلُؤٍ وَجَمَاعَةٍ مَعَهُمَا، فَاضْطَرَبَ النَّاسُ وَاخْتَلَفُوا، وَرَحَلَ الْمَلِكُ، وَتَبِعَهُمُ الْعَرَبُ وَأَهْلُ السَّوَادِ حَتَّى الْأَرْمَنُ يَقْتُلُونَ وَيَنْهَبُونَ، وَأَخَذُوا مِنَ الْمَلِكِ أَرْبَعَمِائَةِ بَغْلٍ مُحَمَّلَةٍ مَالًا وَثِيَابًا، وَهَلَكَ كَثِيرٌ مِنَ الرُّومِ عَطَشًا، وَنَجَا الْمَلِكُ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَسْلَمْ مَعَهُ مِنْ أَمْوَالِهِ وَخَزَائِنِهِ شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا. وَقِيلَ فِي عَوْدِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ جَمْعًا مِنَ الْعَرَبِ لَيْسَ بِالْكَثِيرِ عَبَرَ عَلَى عَسْكَرِهِ، وَظَنَّ الرُّومُ أَنَّهَا كَبْسَةٌ، فَلَمْ يَدْرُوا مَا يَفْعَلُونَ، حَتَّى إِنَّ مَلِكَهُمْ لَبِسَ خُفًّا أَسْوَدَ، وَعَادَةُ مُلُوكِهِمْ لُبْسُ الْخُفِّ الْأَحْمَرِ، فَتَرَكَهُ وَلَبِسَ الْأَسْوَدَ لِيَعْمَى خَبَرُهُ عَلَى مَنْ يُرِيدُهُ، وَانْهَزَمُوا، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعَ مَا كَانَ مَعَهُمْ. ذِكْرُ مَسِيرِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مَاكُولَا إِلَى الْبَصْرَةِ وَقَتْلِهِ لَمَّا اسْتَوْلَى الْمَلِكُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ عَلَى وَاسِطٍ، وَجَعَلَ وَلَدَهُ فِيهَا سَيَّرَ وَزِيرَهُ أَبَا عَلِيِّ بْنَ مَاكُولَا إِلَى الْبَطَائِحِ وَالْبَصْرَةِ لِيَمْلِكَهَا، فَمَلَكَ الْبَطَائِحَ، وَسَارَ إِلَى الْبَصْرَةِ فِي

стр. 4469

الْمَاءِ، وَأَكْثَرَ مِنَ السُّفُنِ وَالرِّجَالِ. وَكَانَ بِالْبَصْرَةِ أَبُو مَنْصُورٍ بَخْتَيَارُ بْنُ عَلِيٍّ نَائِبًا لِأَبِي كَالِيجَارَ، فَجَهَّزَ جَيْشًا فِي أَرْبَعِمِائَةِ سَفِينَةٍ وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الشَّرَابِيَّ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ الْبَطِيحَةِ، وَسَيَّرَهُ، فَالْتَقَى هُوَ وَالْوَزِيرُ أَبُو عَلِيٍّ، فَعِنْدَ اللِّقَاءِ وَالْقِتَالِ هَبَّتْ رِيحُ شَمَالٍ كَانَتْ عَلَى الْبَصْرِيِّينَ وَمَعُونَةً لِلْوَزِيرِ، فَانْهَزَمَ الْبَصْرِيُّونَ وَعَادُوا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَعَزَمَ بَخْتَيَارُ عَلَى الْهَرَبِ إِلَى عَبَّادَانِ، فَمَنَعَهُ مَنْ سَلِمَ عِنْدَهُ مِنْ عَسْكَرِهِ، فَأَقَامَ مُتَجَلِّدًا. وَأَشَارَ جَمَاعَةٌ عَلَى الْوَزِيرِ أَبِي عَلِيٍّ أَنْ يُعَجِّلَ الِانْحِدَارَ، وَيَغْتَنِمَ الْفُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ بَخْتَيَارُ يَجْمَعُ. فَلَمَّا قَارَبَهُمْ، وَهُوَ فِي أَلْفٍ وَثَلَاثِمَائَةِ عَدَدٍ مِنَ السُّفُنِ سَيَّرَ بَخْتَيَارُ مَا عِنْدَهُ مِنَ السُّفُنِ، وَهِيَ نَحْوُ ثَلَاثِينَ قِطْعَةً، وَفِيهَا الْمُقَاتِلَةُ، وَكَانَ قَدْ سَيَّرَ عَسْكَرًا آخَرَ فِي الْبَرِّ، وَكَانَ لَهُ فِي فَمِ نَهْرِ أَبِي الْخَصِيبِ نَحْوُ خَمْسِمِائَةِ قِطْعَةٍ فِيهَا مَالُهُ وَلِجَمِيعِ عَسْكَرِهِ مِنَ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَالْأَهْلِ، فَلَمَّا تَقَدَّمَتْ سُفُنُهُ صَاحَ مَنْ فِيهَا، وَأَجَابَهُ مَنْ فِي السُّفُنِ الَّتِي فِيهَا أَهْلُوهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَوَرَدَ عَلَيْهِمُ الْعَسْكَرُ الَّذِينَ فِي الْبَرِّ، فَقَالَ الْوَزِيرُ لِمَنْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِمُعَاجَلَةِ بَخْتَيَارَ: أَلَسْتُمْ زَعَمْتُمْ أَنَّهُ فِي خُفٍّ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَأَنَّ مُعَاجَلَتَهُ أَوْلَى، وَأَرَى الدُّنْيَا مَمْلُوئَةً عَسَاكِرَ؟ فَهَوَّنُوا عَلَيْهِ الْأَمْرَ، فَغَضِبَ، وَأَمَرَ بِإِعَادَةِ السُّفُنِ إِلَى الشَّاطِئِ، إِلَى الْغَدِ، وَيَعُودُ إِلَى الْقِتَالِ. فَلَمَّا أَعَادَ سُفُنَهُ ظَنَّ أَصْحَابُهُ أَنَّهُ قَدِ انْهَزَمَ، فَصَاحُوا: الْهَزِيمَةُ! فَكَانَتْ هِيَ. وَقِيلَ: " بَلْ لَمَّا أَعَادَ سُفُنَهُ لَحِقَهُمْ مَنْ فِي سُفُنِ بَخْتَيَارَ، وَصَاحُوا: الْهَزِيمَةُ! الْهَزِيمَةُ! وَأَجَابَهُمْ مَنْ فِي الْبَرِّ مِنْ عَسْكَرِ بَخْتَيَارَ، وَمَنْ فِي سُفُنِهِمُ الَّتِي فِيهَا أَمْوَالُهُمْ، فَانْهَزَمَ أَبُو عَلِيٍّ حَقًّا، وَتَبِعَهُ أَصْحَابُ بَخْتَيَارَ وَأَهْلُ السَّوَادِ، وَنَزَلَ بَخْتَيَارُ فِي الْمَاءِ، وَاسْتَصْرَخَ النَّاسُ، وَسَارَ فِي آثَارِهِمْ يَقْتُلُ وَيَأْسِرُ، وَهُمْ يَغْرَقُونَ، فَلَمْ يَسْلَمْ مِنَ السُّفُنِ كُلِّهَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِينَ قِطْعَةً. وَسَارَ الْوَزِيرُ أَبُو عَلِيٍّ مُنْهَزِمًا، فَأُخِذَ أَسِيرًا، وَأُحْضِرَ عِنْدَ بَخْتَيَارَ فَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ، وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: مَا الَّذِي تَشْتَهِي أَنْ أَفْعَلَ مَعَكَ قَالَ: تُرْسِلُنِي إِلَى الْمَلِكِ

стр. 4470

أَبِي كَالِيجَارَ. فَأَرْسَلَهُ إِلَيْهِ فَأَطْلَقَهُ، فَاتَّفَقَ أَنَّ غُلَامًا لَهُ وَجَارِيَةً اجْتَمَعَا عَلَى فَسَادٍ، فَعَلِمَ بِهِمَا، وَعَرَفَا أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ حَالَهُمَا، فَقَتَلَاهُ بَعْدَ أَسْرِهِ بِنَحْوٍ مِنْ شَهْرٍ. وَكَانَ قَدْ أَحْدَثَ فِي وِلَايَتِهِ رُسُومًا جَائِرَةً وَسَنَّ سُنُنًا سَيِّئَةً مِنْهَا جِبَايَةُ سُوقِ الدَّقِيقِ، وَمَقَالِي الْبَاذِنْجَانِ، وَسُمَيْرِيَّاتِ الْمَشَارِعِ، وَدِلَالَةِ مَا يُبَاعُ مِنَ الْأَمْتِعَةِ، وَأُجَرِ الْحَمَّالِينَ الَّذِينَ يَرْفَعُونَ التُّمُورَ إِلَى السُّفُنِ، وَبِمَا يُعْطِيهِ الذَّبَّاحُونَ لِلْيَهُودِ، فَجَرَى فِي ذَلِكَ مُنَاوَشَةٌ بَيْنَ الْعَامَّةِ وَالْجُنْدِ. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ عَسْكَرِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ عَلَى الْبَصْرَةِ وَأَخْذِهَا مِنْهُمْ لَمَّا انْحَدَرَ الْوَزِيرُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مَاكُولَا إِلَى الْبَصْرَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لَمْ يَسْتَصْحِبْ مَعَهُ الْأَجْنَادَ الْبَصْرِيِّينَ الَّذِينَ مَعَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، تَأْنِيسًا لِلدَّيْلَمِ الَّذِينَ بِالْبَصْرَةِ فَلَمَّا أُصِيبَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا، تَجَهَّزَ هَؤُلَاءِ الْبَصْرِيُّونَ وَانْحَدَرُوا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَوَصَلُوا إِلَيْهَا، وَقَاتَلُوا مَنْ بِهَا مِنْ عَسْكَرِ أَبِي كَالِيجَارَ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ أَبِي كَالِيجَارَ، وَدَخَلَ عَسْكَرُ جَلَالِ الدَّوْلَةِ الْبَصْرَةَ فِي شَعْبَانَ. وَاجْتَمَعَ عَسْكَرُ أَبِي كَالِيجَارَ بِالْأُبُلَّةِ مَعَ بَخْتَيَارَ، فَأَقَامُوا بِهَا يَسْتَعِدُّونَ لِلْعَوْدِ وَكَتَبُوا إِلَى أَبِي كَالِيجَارَ يَسْتَمِدُّونَهُ فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا كَثِيرًا مَعَ وَزِيرِهِ ذِي السَّعَادَاتِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ فَسَانْجَسَ، فَقَدِمُوا إِلَى الْأُبُلَّةِ، وَاجْتَمَعُوا مَعَ بَخْتَيَارَ، وَوَقَعَ الشُّرُوعُ فِي قِتَالِ مَنْ بِالْبَصْرَةِ مِنْ أَصْحَابِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ فَسَيَّرَ بَخْتَيَارُ جَمْعًا كَثِيرًا فِي عِدَّةٍ مِنَ السُّفُنِ فَقَاتَلُوهُمْ. فَنُصِرَ أَصْحَابُ جَلَالِ الدَّوْلَةِ عَلَيْهِمْ وَهَزَمُوهُمْ، فَوَبَّخَهُمْ بَخْتَيَارُ، وَسَارَ مِنْ وَقْتِهِ فِي الْعَدَدِ الْكَثِيرِ، وَالسُّفُنِ الْكَثِيرَةِ، فَاقْتَتَلُوا. وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَانْهَزَمَ بَخْتَيَارُ وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ وَأُخِذَ هُوَ فَقُتِلَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِقَتْلِهِ. وَأَخَذُوا كَثِيرًا مِنْ سُفُنِهِ وَعَادَ كُلُّ فَرِيقٍ إِلَى مَوْضِعِهِ. وَعَزَمَ الْأَتْرَاكُ مِنْ أَصْحَابِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ عَلَى مُبَاكَرَةِ الْحَرْبِ، وَإِتْمَامِ الْهَزِيمَةِ، وَطَالَبُوا الْعَامِلَ الَّذِي عَلَى الْبَصْرَةِ بِالْمَالِ، وَاخْتَلَفُوا، وَتَنَازَعُوا فِي الْإِقْطَاعَاتِ، فَأَصْعَدَ ابْنُ الْمَعْبَرَانِيِّ، صَاحِبُ الْبَطِيحَةِ، فَسَارَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ الْوَاسِطِيِّينَ

стр. 4471

لِيَرُدُّوهُ، فَلَمْ يَرْجِعْ، فَتَبِعُوهُ، وَخَافَ مَنْ بَقِيَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أَنْ لَا يُنَاصِحُوهُمْ، وَيُسْلِمُوهُمْ عِنْدَ الْحَرْبِ، فَتَفَرَّقُوا، وَاسْتَأْمَنَ بَعْضُهُمْ إِلَى ذِي السَّعَادَاتِ، وَقَدْ كَانَ خَائِفًا مِنْهُمْ، فَجَاءَهُ مَا لَمْ يُقَدِّرْهُ مِنَ الظَّفَرِ، وَنَادَى مَنْ بَقِيَ بِالْبَصْرَةِ بِشِعَارِ أَبِي كَالِيجَارَ، فَدَخَلَهَا عَسْكَرُهُ، وَأَرَادُوا نَهْبَهَا، فَمَنَعَهُمْ ذُو السَّعَادَاتِ. ذِكْرُ غَزْوِ فَضْلُونِ الْكُرْدِيِّ الْخَزَرَ وَمَا كَانَ مِنْهُ كَانَ فَضْلُونُ الْكُرْدِيُّ هَذَا بِيَدِهِ قِطْعَةٌ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَمَلَكَهَا.، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ غَزَا الْخَزَرَ، هَذِهِ السَّنَةَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ، وَسَبَى، وَغَنِمَ شَيْئًا كَثِيرًا، فَلَمَّا عَادَ إِلَى بَلَدِهِ أَبْطَأَ فِي سَيْرِهِ وَأَمَّلَ الِاسْتِظْهَارَ فِي أَمْرِهِ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ دَوَّخَهُمْ وَشَغَلَهُمْ بِمَا عَمِلَهُ بِهِمْ، فَاتَّبَعُوهُ مُجِدِّينَ، وَكَبَسُوهُ، وَقَتَلُوا مِنْ أَصْحَابِهِ وَالْمُطَّوِّعَةِ الَّذِينَ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ قَتِيلٍ، وَاسْتَرَدُّوا الْغَنَائِمَ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهُمْ، وَغَنِمُوا أَمْوَالَ الْعَسَاكِرِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَعَادُوا. ذِكْرُ الْبَيْعَةِ لِوَلِيِّ الْعَهْدِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَرِضَ الْقَادِرُ بِاللَّهِ، وَأُرْجِفَ بِمَوْتِهِ، فَجَلَسَ جَلُوسًا عَامًّا وَأَذِنَ لِلْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ فَوَصَلُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَامَ الصَّاحِبُ أَبُو الْغَنَائِمِ فَقَالَ: خَدَمُ مَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ دَاعُونَ لَهُ بِإِطَالَةِ الْبَقَاءِ، وَشَاكِرُونَ لِمَا بَلَغَهُمْ مِنْ نَظَرِهِ لَهُمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ بِاخْتِيَارِ الْأَمِيرِ أَبِي جَعْفَرٍ لِوِلَايَةِ الْعَهْدِ. فَقَالَ الْخَلِيفَةُ لِلنَّاسِ: قَدْ أَذِنَّا فِي الْعَهْدِ لَهُ، وَكَانَ أَرَادَ أَنْ يُبَايِعَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَثَنَاهُ عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ حَاجِبٍ النُّعْمَانُ. فَلَمَّا عُهِدَ إِلَيْهِ أُلْقِيَتِ السِّتَارَةُ. وَقَعَدَ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَى السَّرِيرِ الَّذِي كَانَ قَائِمًا عَلَيْهِ، وَخَدَمَهُ الْحَاضِرُونَ وَهَنَّأُوهُ. وَتَقَدَّمَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ حَاجِبٍ النُّعْمَانُ فَقَبَّلَ يَدَهُ وَهَنَّأَهُ، فَقَالَ: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] يُعَرِّضُ لَهُ بِإِفْسَادِهِ رَأْيَ الْخَلِيفَةِ فِيهِ، فَأَكَبَّ عَلَى تَقْبِيلِ قَدَمِهِ. وَتَعْفِيرِ خَدِّهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالِاعْتِذَارِ. فَقَبِلَ عُذْرَهُ وَدُعِيَ لَهُ عَلَى الْمَنَابِرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ

стр. 4472

لِتِسْعٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْزَرَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ أَبَا سَعْدِ بْنَ عَبْدِ الرَّحِيمِ بَعْدَ ابْنِ مَاكُولَا، وَلَقَّبَهُ عَمِيدَ الدَّوْلَةِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ حَاجِبٍ النُّعْمَانُ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَكَانَ خِصِّيصًا بِالْقَادِرِ بِاللَّهِ، حَاكِمًا فِي دَوْلَتِهِ كُلِّهَا، وَكَتَبَ لَهُ وَلِلطَّائِعِ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَفِيهَا ظَهَرَ مُتَلَصِّصَةٌ بِبَغْدَاذَ مِنَ الْأَكْرَادِ، فَكَانُوا يَسْرِقُونَ دَوَابَّ الْأَتْرَاكِ، فَنَقَلَ الْأَتْرَاكُ خَيْلَهُمْ إِلَى دُورِهِمْ، وَنَقَلَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ دَوَابَّهُ إِلَى بَيْتٍ فِي دَارِ الْمَمْلَكَةِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ الْفَسَوِيُّ، النَّحْوِيُّ، بِفَسَا، وَهُوَ نَسِيبُ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى الْعَلَوِيُّ، النَّهْرَسَابُسِيُّ، الْمُلَقَّبُ بِالْكَافِي، وَكَانَ مَوْتُهُ بِالْكُوفَةِ.

стр. 4473

وَفِيهَا، فِي رَجَبٍ، جَاءَ فِي غَزْنَةَ سَيْلٌ عَظِيمٌ أَهْلَكَ الزَّرْعَ وَالضَّرْعَ، وَغَرَّقَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يُحْصَوْنَ، وَخَرَّبَ الْجِسْرَ الَّذِي بَنَاهُ عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ، وَكَانَ هَذَا الْحَادِثُ عَظِيمًا. وَفِيهَا، فِي رَمَضَانَ، تَصَدَّقَ مَسْعُودُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، فِي غَزْنَةَ، بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَدَرَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالرَّعَايَا إِدْرَارَاتٍ كَثِيرَةً.

стр. 4474

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤٢٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ التِّيزَ وَمُكْرَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ السُّلْطَانُ مَسْعُودُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ عَسْكَرًا إِلَى التِّيزِ، فَمَلَكَهَا وَمَا جَاوَرَهَا. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَهَا مَعْدَانَ تُوُفِّيَ، وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ أَبَا الْعَسَاكِرِ وَعِيسَى، فَاسْتَبَدَّ عِيسَى بِالْوِلَايَةِ وَالْمَالِ، فَسَارَ أَبُو الْعَسَاكِرِ إِلَى خُرَاسَانَ، وَطَلَبَ مِنْ مَسْعُودٍ النَّجْدَةَ، فَسَيَّرَ مَعَهُ عَسْكَرًا، وَأَمَرَهُمْ بِأَخْذِ الْبِلَادِ مِنْ عِيسَى، أَوِ الِاتِّفَاقِ مَعَ أَخِيهِ عَلَى طَاعَتِهِ، فَوَصَلُوا إِلَيْهَا، وَدَعَوْا عِيسَى إِلَى الطَّاعَةِ وَالْمُوَافَقَةِ، فَأَبَى وَجَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا بَلَغُوا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ، فَالْتَقَوْا، فَاسْتَأْمَنَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى إِلَى أَخِيهِ أَبِي الْعَسَاكِرِ، فَانْهَزَمَ عِيسَى ثُمَّ عَادَ وَحَمَلَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَتَوَسَّطَ الْمَعْرَكَةَ فَقُتِلَ، وَاسْتَوْلَى أَبُو الْعَسَاكِرِ عَلَى الْبِلَادِ، وَنَهَبَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَأَجْحَفَ بِأَهْلِهَا. ذِكْرُ مُلْكِ الرُّومِ مَدِينَةَ الرُّهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ الرُّومُ مَدِينَةَ الرُّهَا، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الرُّهَا كَانَتْ بِيَدِ نَصْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ مَرْوَانَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمَّا قُتِلَ عُطَيْرٌ الَّذِي كَانَ صَاحِبَهَا، شَفَعَ صَالِحُ بْنُ مِرْدَاسٍ، صَاحِبُ حَلَبَ، إِلَى نَصْرِ الدَّوْلَةِ لِيُعِيدَ الرُّهَا إِلَى ابْنِ عُطَيْرٍ، وَإِلَى ابْنِ شِبْلٍ، بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَقَبِلَ شَفَاعَتَهُ، وَسَلَّمَهَا إِلَيْهِمَا.

стр. 4475

وَكَانَ لَهُ فِي الرُّهَا بُرْجَانِ حَصِينَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، فَتَسَلَّمَ ابْنُ عُطَيْرٍ الْكَبِيرَ، وَابْنُ شِبْلٍ الصَّغِيرَ، وَبَقِيَتِ الْمَدِينَةُ مَعَهُمَا إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ، فَرَاسَلَ ابْنُ عُطَيْرٍ أَرْمَانُوسَ مَلِكَ الرُّومَ، وَبَاعَهُ حِصَّتَهُ مِنَ الرُّهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعِدَّةِ قَرَايَا مِنْ جُمْلَتِهَا قَرْيَةٌ تُعْرَفُ إِلَى الْآنِ بِسِنِّ ابْنِ عُطَيْرٍ، وَتَسَلَّمُوا الْبُرْجَ الَّذِي لَهُ، وَدَخَلُوا الْبَلَدَ فَمَلَكُوهُ، وَهَرَبَ مِنْهُ أَصْحَابُ ابْنِ شِبْلٍ، وَقَتَلَ الرُّومُ الْمُسْلِمِينَ، وَخَرَّبُوا الْمَسَاجِدَ. وَسَمِعَ نَصْرُ الدَّوْلَةِ الْخَبَرَ، فَسَيَّرَ جَيْشًا إِلَى الرُّهَا، فَحَصَرُوهَا وَفَتَحُوهَا عَنْوَةً، وَاعْتَصَمَ مَنْ بِهَا مِنَ الرُّومِ بِالْبُرْجَيْنِ، وَاحْتَمَى النَّصَارَى بِالْبِيعَةِ الَّتِي لَهُمْ، وَهِيَ مِنْ أَكْبَرِ الْبِيَعِ وَأَحْسَنِهَا عِمَارَةً، فَحَصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِهَا، وَأَخْرَجُوهُمْ، وَقَتَلُوا أَكْثَرَهُمْ، وَنَهَبُوا الْبَلَدَ، وَبَقِيَ الرُّومُ فِي الْبُرْجَيْنِ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا نَحْوَ عَشَرَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ ابْنِ مَرْوَانَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، وَدَخَلُوا الْبَلَدَ وَمَا جَاوَرَهُمْ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَصَالَحَهُمُ ابْنُ وَثَّابٍ النُّمَيْرِيُّ عَلَى حَرَّانَ وَسَرُوجَ وَحَمَلَ إِلَيْهِمْ خَرَاجًا. ذِكْرُ مُلْكِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودٍ كِرْمَانَ وَعَوْدِ عَسْكَرِهِ عَنْهَا وَفِيهَا سَارَتْ عَسَاكِرُ خُرَاسَانَ إِلَى كِرْمَانَ فَمَلَكُوهَا، وَكَانَتْ لِلْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، فَاحْتَمَى عَسْكَرُهُ بِمَدِينَةِ بَرْدَسِيرَ، وَحَصَرَهُمُ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهَا، وَجَرَى بَيْنَهُمْ عِدَّةُ وَقَائِعَ، وَأَرْسَلُوا إِلَى الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ يَطْلُبُونَ الْمَدَدَ فَسَيَّرَ إِلَيْهِمُ الْعَادِلَ بَهْرَامَ بْنَ مَافَنَّةَ فِي عَسْكَرٍ كَثِيفٍ، ثُمَّ إِنَّ الَّذِينَ بِبَرْدَسِيرَ خَرَجُوا إِلَى الْخُرَاسَانِيَّةِ فَوَاقَعُوهُمْ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَصَبَرُوا لَهُمْ، فَأَجْلَتِ الْوَقْعَةُ عَنْ هَزِيمَةِ الْخُرَاسَانِيَّةِ، وَتَبِعَهُمُ الدَّيْلَمُ حَتَّى أَبْعَدُوا، ثُمَّ عَادُوا إِلَى بَرْدَسِيرَ. وَوَصَلَ الْعَادِلُ عَقِيبَ ذَلِكَ إِلَى جِيرَفْتَ، وَسَيَّرَ عَسْكَرَهُ إِلَى الْخُرَاسَانِيَّةِ وَهُمْ

стр. 4476

بِأَطْرَافِ الْبِلَادِ، فَوَاقَعُوهُمْ، فَانْهَزَمَ الْخُرَاسَانِيَّةُ، وَدَخَلُوا الْمَفَازَةَ عَائِدِينَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَأَقَامَ الْعَادِلُ بِكِرْمَانَ إِلَى أَنْ أَصْلَحَ أُمُورَهَا وَعَادَ إِلَى فَارِسَ. ذِكْرُ وَفَاةِ الْقَادِرِ بِاللَّهِ وَشَيْءٍ مِنْ سِيرَتِهِ وَخِلَافَةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْحِجَّةِ، تُوُفِّيَ الْإِمَامُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَعُمْرُهُ سِتٌّ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَعَشَرَةُ أَشْهُرٍ، وَخِلَافَتُهُ إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ سَنَةً وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَكَانَتِ الْخِلَافَةُ قَبْلَهُ قَدْ طَمِعَ فِيهَا الدَّيْلَمُ وَالْأَتْرَاكُ، فَلَمَّا وَلِيَهَا الْقَادِرُ بِاللَّهِ أَعَادَ جِدَّتَهَا، وَجَدَّدَ نَامُوسَهَا، وَأَلْقَى اللَّهُ هَيْبَتَهُ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ فَأَطَاعُوهُ أَحْسَنَ طَاعَةٍ وَأَتَمَّهَا. وَكَانَ حَلِيمًا، كَرِيمًا، خَيِّرًا يُحِبُّ الْخَيْرَ وَأَهْلَهُ، وَيَأْمُرُ بِهِ، وَيَنْهَى عَنِ الشَّرِّ وَيَبْغَضُ أَهْلَهُ، وَكَانَ حَسَنَ الِاعْتِقَادِ، صَنَّفَ فِيهِ كِتَابًا عَلَى مَذْهَبِ السُّنَّةِ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ صَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَكَانَ الْقَادِرُ بِاللَّهِ أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِسْمِ، كَثَّ اللِّحْيَةِ، طَوِيلَهَا، يَخْضِبُ، وَكَانَ يَخْرُجُ مِنْ دَارِهِ فِي زِيِّ الْعَامَّةِ وَيَزُورُ قُبُورَ الصَّالِحِينَ، كَقَبْرِ مَعْرُوفٍ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ حَالٌ أَمَرَ فِيهِ بِالْحَقِّ. قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بْنُ هَارُونَ: كَانَ بِالْكَرْخِ مِلْكٌ لِيَتِيمٍ وَكَانَ لَهُ فِيهِ قِيمَةٌ جَيِّدَةٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ ابْنُ حَاجِبٍ النُّعْمَانُ، وَهُوَ حَاجِبُ الْقَادِرِ. يَأْمُرُنِي أَنْ أَفُكَّ عَنْهُ

стр. 4477

الْحَجْرَ لِيَشْتَرِيَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ ذَلِكَ الْمِلْكَ، فَلَمْ أَفْعَلْ فَأَرْسَلَ يَسْتَدْعِينِي، فَقُلْتُ لِغُلَامِهِ: تَقَدَّمْنِي حَتَّى أَلْحَقَكَ، وَخِفْتُهُ. فَقَصَدْتُ قَبْرَ مَعْرُوفٍ فَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَكْفِيَنِيَ شَرَّهُ، وَهُنَاكَ شَيْخٌ، فَقَالَ لِي: عَلَى مَنْ تَدْعُو؟ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، وَوَصَلْتُ إِلَى ابْنِ حَاجِبٍ النُّعْمَانِ، فَأَغْلَظَ لِي فِي الْقَوْلِ، وَلَمْ يَقْبَلْ عُذْرِي، فَأَتَاهُ خَادِمٌ بِرُقْعَةٍ فَفَتَحَهَا وَقَرَأَهَا وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ، (وَنَزَلَ مِنَ) الشِّدَّةِ، فَاعْتَذَرَ إِلَيَّ ثُمَّ قَالَ: كَتَبْتَ إِلَى الْخَلِيفَةِ قِصَّةً؟ فَقُلْتُ: لَا. وَعَلِمْتُ أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْخَ كَانَ الْخَلِيفَةَ. وَقِيلَ: كَانَ يُقَسِّمُ إِفْطَارَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: فَقِسْمٌ كَانَ يَتْرُكُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقِسْمٌ يُرْسِلُهُ إِلَى جَامِعِ الرُّصَافَةِ، وَقِسْمٌ يُرْسِلُهُ إِلَى جَامِعِ الْمَدِينَةِ، يُفَرَّقُ عَلَى الْمُقِيمِينَ فِيهِمَا، فَاتَّفَقَ أَنَّ الْفَرَّاشَ حَمَلَ لَيْلَةً الطَّعَامَ إِلَى جَامِعِ الْمَدِينَةِ، فَفَرَّقَهُ عَلَى الْجَمَاعَةِ، فَأَخَذُوا، إِلَّا شَابًّا فَإِنَّهُ رَدَّهُ. فَلَمَّا صَلَّوُا الْمَغْرِبَ خَرَجَ الشَّابُّ، وَتَبِعَهُ الْفَرَّاشُ، فَوَقَفَ عَلَى بَابٍ فَاسْتَطْعَمَ فَأَطْعَمُوهُ كُسَيْرَاتٍ فَأَخَذَهَا وَعَادَ إِلَى الْجَامِعِ، فَقَالَ لَهُ الْفَرَّاشُ: وَيْحَكَ أَلَا تَسْتَحِي يُنْفِذُ إِلَيْكَ خَلِيفَةُ اللَّهِ بِطَعَامٍ حَلَالٍ فَتَرُدَّهُ وَتَخْرُجَ (وَتَأْخُذَ مِنَ) الْأَبْوَابِ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا رَدَدْتُهُ إِلَّا لِأَنَّكَ عَرَضْتَهُ عَلَيَّ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَكُنْتُ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ، فَلَمَّا احْتَجْتُ طَلَبْتُ، فَعَادَ الْفَرَّاشُ فَأَخْبَرَ الْخَلِيفَةَ بِذَلِكَ فَبَكَى وَقَالَ لَهُ: رَاعِ مِثْلَ هَذَا، وَاغْتَنِمْ أَخْذَهُ، وَأَقِمْ إِلَى وَقْتِ الْإِفْطَارِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَبْهَرِيُّ: أَرْسَلَنِي بَهَاءُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْقَادِرِ بِاللَّهِ فِي رِسَالَةٍ، فَسَمِعْتُهُ يُنْشِدُ: سَبَقَ الْقَضَاءُ بِكُلِّ مَا هُوَ كَائِنٌ ... وَاللَّهُ يَا هَذَا لِرِزْقِكَ ضَامِنُ

стр. 4478

تُعْنَى بِمَا يَفْنَى، وَتَتْرُكُ مَا بِهِ تَغْنَى، كَأَنَّكَ لِلْحَوَادِثِ آمِنُ ... أَوَمَا تَرَى الدُّنْيَا وَمَصْرَعَ أَهْلِهَا فَاعْمَلْ لِيَوْمِ فِرَاقِهَا، يَا حَائِنُ ... وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ لَا أَبَا لَكَ فِي الَّذِي أَصْبَحْتَ تَجْمَعُهُ لِغَيْرِكَ خَازِنُ ... يَا عَامِرَ الدُّنْيَا أَتَعْمُرُ مَنْزِلًا لَمْ يَبْقَ فِيهِ مَعَ الْمَنِيَّةِ سَاكِنُ ... الْمَوْتُ شَيْءٌ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ حَقٌّ، وَأَنْتَ بِذِكْرِهِ مُتَهَاوِنُ ... إِنَّ الْمَنِيَّةَ لَا تُؤَآمِرُ مَنْ أَتَتْ فِي نَفْسِهِ يَوْمًا وَلَا تَسْتَأْذِنُ فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِإِنْشَادِ مِثْلِ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ. فَقَالَ: بَلْ لِلَّهِ الْمِنَّةُ إِذْ أَلْزَمَنَا بِذِكْرِهِ، وَوَفَّقَنَا لِشُكْرِهِ. أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي أَهْلِ الْمَعَاصِي: هَانُوا عَلَيْهِ فَعَصَوْهُ، وَلَوْ عَزُّوا عَلَيْهِ لَعَصَمَهُمْ، وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ. ذِكْرُ خِلَافَةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ لَمَّا مَاتَ الْقَادِرُ بِاللَّهِ جَلَسَ فِي الْخِلَافَةِ ابْنُهُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ، أَبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ اللَّهِ، وَجُدِّدَتْ لَهُ الْبَيْعَةُ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ بَايَعَ لَهُ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَاسْتَقَرَّتِ الْخِلَافَةُ لَهُ، وَأَوَّلُ مَنْ بَايَعَهُ الشَّرِيفُ أَبُو الْقَاسِمِ الْمُرْتَضَى، وَأَنْشَدَهُ: فَإِمَّا مَضَى جَبَلٌ وَانْقَضَى ... فَمِنْكَ لَنَا جَبَلٌ قَدْ رَسَا وَإِمَّا فُجِعْنَا بِبَدْرِ التَّمَامِ فَقَدْ ... بَقِيَتْ مِنْهُ شَمْسُ الضُّحَى لَنَا حَزَنٌ فِي مَحَلِّ السُّرُورِ ... وَكَمْ ضَحِكَ فِي خِلَالِ الْبُكَا

стр. 4479

فَيَا صَارِمٌ أَغْمَدَتْهُ يَدٌ لَنَا بَعْدَكَ الصَّارِمُ الْمُنْتَضَى وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا. وَأَرْسَلَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ قَاضِيَ الْقُضَاةِ أَبَا الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيَّ إِلَى الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ لِيَأْخُذَ عَلَيْهِ الْبَيْعَةَ، وَيَخْطُبَ لَهُ فِي بِلَادِهِ، فَأَجَابَ وَبَايَعَ، وَخَطَبَ لَهُ فِي بِلَادِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ هَدَايَا جَلِيلَةً وَأَمْوَالًا كَثِيرَةً. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِبَغْدَاذَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تَجَدَّدَتِ الْفِتْنَةُ بِبَغْدَاذَ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُلَقَّبَ بِالْمَذْكُورِ أَظْهَرَ الْعَزْمَ عَلَى الْغَزَاةِ وَاسْتَأْذَنَ الْخَلِيفَةَ فِي ذَلِكَ، فَأَذِنَ لَهُ، وَكُتِبَ لَهُ مَنْشُورٌ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ، وَأُعْطِيَ عَلَمًا، فَاجْتَمَعَ لَهُ لَفِيفٌ كَثِيرٌ، فَسَارَ وَاجْتَازَ بِبَابِ الشَّعِيرِ، وَطَاقِ الْحَرَّانِيِّ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ الرِّجَالُ بِالسِّلَاحِ فَصَاحُوا بِذِكْرِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ وَقَالُوا: هَذَا يَوْمُ مُعَاوِيَةَ، فَنَافَرَهُمْ أَهْلُ الْكَرْخِ وَرَمَوْهُمْ، وَثَارَتِ الْفِتْنَةُ وَنُهِبَتْ دُورُ الْيَهُودِ لِأَنَّهُمْ قِيلَ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ أَعَانُوا أَهْلَ الْكَرْخِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ اجْتَمَعَ السُّنَّةُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَمَعَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ، وَقَصَدُوا الْكَرْخِ، فَأَحْرَقُوا وَهَدَمُوا الْأَسْوَاقَ، وَأَشْرَفَ أَهْلُ الْكَرْخِ عَلَى خُطَّةٍ عَظِيمَةٍ. وَأَنْكَرَ الْخَلِيفَةُ ذَلِكَ إِنْكَارًا شَدِيدًا، وَنُسِبَ إِلَيْهِمْ تَخْرِيقُ عَلَامَتِهِ الَّتِي مَعَ الْغَزَاةِ، فَرَكِبَ الْوَزِيرُ، فَوَقَعَتْ فِي صَدْرِهِ آجُرَّةٌ، فَسَقَطَتْ عِمَامَتُهُ، وَقُتِلَ مِنْ أَهْلِ الْكَرْخِ جَمَاعَةٌ، وَأُحْرِقَ وَخَرِّبَ فِي هَذِهِ الْفِتْنَةِ سُوقُ الْعَرُوسِ، وَسُوقُ الصَّفَّارِينَ، وَسُوقُ الْأَنْمَاطِ، وَسُوقُ الدَّقَّاقِينَ، وَغَيْرُهَا، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ، فَقَتَلَ الْعَامَّةُ الْكَلَالِكِيَّ، وَكَانَ يَنْظُرُ فِي الْمَعُونَةِ، وَأَحْرَقُوهُ.

стр. 4480

وَوَقَعَ الْقِتَالُ فِي أَصْقَاعِ الْبَلَدِ مِنْ جَانِبَيْهِ، وَاقْتَتَلَ أَهْلُ الْكَرْخِ، وَنَهْرِ طَابَقٍ، وَالْقَلَّائِينَ، وَبَابِ الْبَصْرَةِ، وَفِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ أَهْلُ سُوقِ الثُّلَاثَاءِ، وَسُوقِ يَحْيَى، وَبَابِ الطَّاقِ، وَالْأَسَاكِفَةِ، وَالرَّهَادِرَةِ، وَدَرْبِ سُلَيْمَانَ، فَقُطِعَ الْجِسْرُ لِيُفَرَّقَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَدَخَلَ الْعَيَّارُونَ الْبَلَدَ، وَكَثُرَ الِاسْتِقْفَاءُ بِهَا وَالْعَمَلَاتُ لَيْلًا وَنَهَارًا. وَأَظْهَرَ الْجُنْدُ كَرَاهَةَ الْمَلِكِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَأَرَادُوا قَطْعَ خُطْبَتِهِ، فَفَرَّقَ فِيهِمْ مَالًا وَحَلَفَ لَهُمْ فَسَكَنُوا، ثُمَّ عَاوَدُوا الشَّكْوَى إِلَى الْخَلِيفَةِ مِنْهُ، وَطَلَبُوا أَنْ يَأْمُرَ بِقَطْعِ خُطْبَتِهِ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ فَامْتَنَعَ حِينَئِذٍ جَلَالُ الدَّوْلَةِ مِنَ الْجُلُوسِ، وَضَرَبَهُ النُّوبَةُ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ، وَانْصَرَفَ الطَّبَّالُونَ لِانْقِطَاعِ الْجَارِي لَهُمْ، وَدَامَتْ هَذِهِ الْحَالُ إِلَى عِيدِ الْفِطْرِ، فَلَمْ يُضْرَبْ بُوقٌ، وَلَا طَبْلٌ، وَلَا أُظْهِرَتِ الزِّينَةُ، وَزَادَ الِاخْتِلَاطُ. ثُمَّ حَدَثَ فِي شَوَّالٍ فِتْنَةٌ بَيْنَ أَصْحَابِ الْأَكْسِيَةِ وَأَصْحَابِ الْخِلْعَانِ، وَهُمَا شِيعَةٌ، وَزَادَ الشَّرُّ، وَدَامَ إِلَى ذِي الْحِجَّةِ، فَنُودِيَ فِي الْكَرْخِ بِإِخْرَاجِ الْعَيَّارِينَ، فَخَرَجُوا، وَاعْتَرَضَ أَهْلُ بَابِ الْبَصْرَةِ قَوْمًا (مِنْ قُمٍّ) أَرَادُوا زِيَارَةَ مَشْهَدِ عَلِيٍّ وَالْحُسَيْنِ، ﵉، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ، وَامْتَنَعَتْ زِيَارَةُ مَشْهَدِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ. ذِكْرُ مُلْكِ الرُّومِ قَلْعَةَ أَفَامِيَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ الرُّومُ قَلْعَةَ أَفَامِيَةَ بِالشَّامِ. وَسَبَبُ مُلْكِهَا أَنَّ الظَّاهِرَ خَلِيفَةَ مِصْرَ سَيَّرَ إِلَى الشَّامِ الدِّزْبَرِيَّ، وَزِيرَهُ، فَمَلَكَهُ، وَقَصَدَ حَسَّانَ بْنَ الْمُفَرِّجِ الطَّائِيَّ، فَأَلَحَّ فِي طَلَبِهِ، فَهَرَبَ مِنْهُ، وَدَخَلَ بَلَدَ الرُّومِ، وَلَبِسَ خِلْعَةَ مَلِكِهِمْ، وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَعَلَى رَأْسِهِ عَلَمٌ فِيهِ صَلِيبٌ، وَمَعَهُ عَسْكَرٌ كَثِيرٌ، فَسَارَ إِلَى أَفَامِيَةَ فَكَبَسَهَا، وَغَنِمَ مَا فِيهَا، وَسَبَى أَهْلَهَا، وَأَسَرَهُمْ، وَسَيَّرَ الدِّزْبَرِيِّ إِلَى الْبِلَادِ يَسْتَنْفِرُ النَّاسَ لِلْغَزْوِ.

стр. 4481

ذِكْرُ الْوَحْشَةِ بَيْنَ بَارَسْطُغَانَ وَجَلَالِ الدَّوْلَةِ اجْتَمَعَ أَصَاغِرُ الْغِلْمَانِ هَذِهِ السَّنَةَ إِلَى جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَقَالُوا لَهُ: قَدْ هَلَكْنَا فَقْرًا وَجُوعًا، وَقَدِ اسْتَبَدَّ الْقُوَّادُ بِالدَّوْلَةِ وَالْأَمْوَالِ عَلَيْكَ وَعَلَيْنَا، وَهَذَا بَارَسْطُغَانُ وَيَلْدَرَكُ قَدْ أَفْقَرَانَا وَأَفْقَرَاكَ أَيْضًا. فَلَمَّا بَلَغَهُمَا ذَلِكَ امْتَنَعَا مِنَ الرُّكُوبِ إِلَى جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَاسْتَوْحَشَا، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا الْغِلْمَانُ يُطَالِبُونَهُمَا بِمَعْلُومِهِمْ، فَاعْتَذَرَا بِضِيقِ أَيْدِيهِمَا عَنْ ذَلِكَ، وَسَارَا إِلَى الْمَدَائِنِ. فَنَدِمَ الْأَتْرَاكُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا جَلَالُ الدَّوْلَةِ مُؤَيِّدَ الْمُلْكِ الرُّخَّجِيَّ وَالْمُرْتَضَى وَغَيْرَهُمَا، فَرَجَعَا، وَزَادَ تَسَحُّبُ الْغِلْمَانِ عَلَى جَلَالِ الدَّوْلَةِ إِلَى أَنْ نَهَبُوا مِنْ دَارِهِ فُرُشًا، وَآلَاتٍ، وَدَوَابًّا، وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَرَكِبَ وَقْتَ الْهَاجِرَةِ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، وَمَعَهُ نَفَرٌ قَلِيلٌ مِنَ الرِّكَابِيَّةِ وَالْغِلْمَانِ وَجَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الْعَامَّةِ وَهُوَ سَكْرَانُ، فَانْزَعَجَ الْخَلِيفَةُ مِنْ حُضُورِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ الْحَالَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْعَوْدِ إِلَى دَارِهِ، وَيُطَيِّبُ قَلْبَهُ، فَقَبَّلَ قَرَبُوسَ سَرْجِهِ وَمَسَحَ حَائِطَ الدَّارِ بِيَدِهِ وَأَمَرَّهَا عَلَى وَجْهِهِ، وَعَادَ إِلَى دَارِهِ وَالْعَامَّةُ مَعَهُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبِلَ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَاكُولَا شَهَادَةَ أَبِي الْفَضْلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْهَادِي، وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُهْتَدِي، وَشَهِدَ عِنْدَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ بِشْرَانَ، وَكَانَ قَدْ تَرَكَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ ذَلِكَ. وَفِيهَا فَوَّضَ مَسْعُودُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ إِمَارَةَ الرَّيِّ، وَهَمَذَانَ، وَالْجِبَالِ إِلَى تَاشَ فَرَّاشَ، وَكَتَبَ لَهُ إِلَى عَامِلِ نَيْسَابُورَ بِإِنْفَاقِ الْأَمْوَالِ عَلَى حَشَمِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَسَارَ إِلَى عَمَلِهِ، وَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِيهِ.

стр. 4482

وَفِيهَا، فِي رَجَبٍ، أَخْرَجَ الْمَلِكُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ دَوَابَّهُ مِنَ الْإِصْطَبْلِ، وَهِيَ خَمْسَ عَشْرَةَ دَابَّةً، وَسَيَّبَهَا فِي الْمَيْدَانِ بِغَيْرِ سَائِسٍ، وَلَا حَافِظٍ، وَلَا عَلَفٍ، فَعَلَ ذَلِكَ لِسَبَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَدَمُ الْعَلْفِ، وَالثَّانِي أَنَّ الْأَتْرَاكَ كَانُوا يَلْتَمِسُونَ دَوَابَّهُ وَيَطْلُبُونَهَا كَثِيرًا، فَضَجِرَ مِنْهُمْ، فَأَخْرَجَهَا وَقَالَ: هَذِهِ دَوَابِّي مِنْهَا: خَمْسٌ لِمَرْكُوبِي، وَالْبَاقِي لِأَصْحَابِي، ثُمَّ صَرَفَ حَوَاشِيَهُ، وَفَرَّاشِيهِ، وَأَتْبَاعَهُ، وَأَغْلَقَ بَابَ دَارِهِ لِانْقِطَاعِ الْجَارِي لَهُ، فَثَارَتْ لِذَلِكَ فِتْنَةٌ بَيْنَ الْعَامَّةِ وَالْجُنْدِ وَعَظُمَ الْأَمْرُ، وَظَهَرَ الْعَيَّارُونَ. وَفِيهَا عُزِلَ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ وَزِيرُ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَوَزَرَ بَعْدَهُ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَرْدَشِيرَ، فَبَقِيَ أَيَّامًا، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ، فَعُزِلَ، وَوَزَرَ بَعْدَهُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْحُسَيْنِ، (وَهُوَ ابْنُ أَخِي أَبِي الْحُسَيْنِ) السَّهْلِيُّ، وَزِيرُ مَأْمُونٍ صَاحِبِ خُوَارَزْمَ، فَبَقِيَ فِي الْوَزَارَةِ خَمْسَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا وَهَرَبَ. [الْوَفَيَاتُ] (وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ أَبُو نَصْرٍ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ بِمِصْرَ، وَكَانَ بِبَغْدَاذَ فَفَارَقَهَا إِلَى مِصْرَ عَنْ ضَائِقَةٍ، فَأَغْنَاهُ الْمَغَارِبَةُ) .

стр. 4483

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤٢٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ وُثُوبِ الْأَجْنَادِ بِجَلَالِ الدَّوْلَةِ وَإِخْرَاجِهِ مِنْ بَغْدَاذَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تَجَدَّدَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ وَبَيْنَ الْأَتْرَاكِ، فَأَغْلَقَ بَابَهُ فَجَاءَتِ الْأَتْرَاكُ وَنَهَبُوا دَارَهُ، وَسَلَبُوا الْكُتَّابَ وَأَرْبَابَ الدِّيوَانِ ثِيَابَهُمْ، وَطَلَبُوا الْوَزِيرَ أَبَا إِسْحَاقَ السَّهْلِيَّ، فَهَرَبَ إِلَى حُلَّةِ كَمَالِ الدَّوْلَةِ غَرِيبِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَخَرَجَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ إِلَى عُكْبَرَا فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَخَطَبَ الْأَتْرَاكُ بِبَغْدَاذَ لِلْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، وَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَطْلُبُونَهُ وَهُوَ بِالْأَهْوَازِ. فَمَنَعَهُ الْعَادِلُ بْنُ مَافَنَّةَ عَنِ الْإِصْعَادِ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ بَعْضُ قُوَّادِهِمْ. فَلَمَّا رَأَوُا امْتِنَاعَهُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِمْ، أَعَادُوا خُطْبَةَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَسَارُوا إِلَيْهِ، وَسَأَلُوهُ الْعَوْدَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَاعْتَذَرُوا، فَعَادَ إِلَيْهَا بَعْدَ ثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَوَزَرَ لَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَاكُولَا، ثُمَّ عُزِلَ، وَوَزَرَ بَعْدَهُ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ أَبُو سَعْدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، فَبَقِيَ وَزِيرًا أَيَّامًا ثُمَّ اسْتَتَرَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ جَلَالَ الدَّوْلَةِ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بِالْقَبْضِ عَلَى أَبِي الْمُعَمَّرِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَسَّامِيِّ طَمَعًا فِي مَالِهِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهُ فِي دَارِهِ. فَثَارَ الْأَتْرَاكُ، وَأَرَادُوا مَنْعَهُ، وَقَصَدُوا دَارَ الْوَزِيرِ، وَأَخَذُوهُ وَضَرَبُوهُ، وَأَخْرَجُوهُ مِنْ دَارِهِ حَافِيًا، وَمَزَّقُوا ثِيَابَهُ، وَأَخَذُوا عِمَامَتَهُ وَقَطَعُوهَا، وَأَخَذُوا خَوَاتِيمَهُ مِنْ يَدِهِ فَدَمِيَتْ أَصَابِعُهُ، وَكَانَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ فِي الْحَمَّامِ، فَخَرَجَ مُرْتَاعًا، فَرَكِبَ وَظَهَرَ لِيَنْظُرَ مَا الْخَبَرُ، فَأَكَبَّ الْوَزِيرُ يُقَبِّلُ الْأَرْضَ، وَيَذْكُرُ مَا فُعِلَ بِهِ، فَقَالَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ: أَنَا ابْنُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، وَقَدْ فُعِلَ بِي أَكْثَرُ مِنْ هَذَا ; ثُمَّ أَخَذَ مِنَ الْبَسَّامِيِّ أَلْفَ دِينَارٍ وَأَطْلَقَهُ، وَاخْتَفَى الْوَزِيرُ.

стр. 4484

ذِكْرُ انْهِزَامِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ كَاكَوَيْهِ مِنْ عَسْكَرِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ قَدْ ذَكَرْنَا انْهِزَامَ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ أَبِي جَعْفَرٍ مِنَ الرَّيِّ وَمَسِيرَهُ عَنْهَا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَلْعَةِ فَرْدَجَانَ أَقَامَ بِهَا لِتَنْدَمِلَ جِرَاحُهُ، وَمَعَهُ فَرْهَاذُ بْنُ مَرْدَاوِيجَ، كَانَ قَدْ جَاءَهُ مَدَدًا لَهُ، وَتَوَجَّهُوا مِنْهَا إِلَى بَرُوجِرْدَ فَسَيَّرَ تَاشُ فَرَّاشَ مُقَدَّمَ عَسْكَرِ خُرَاسَانَ جَيْشًا إِلَى عَلَاءِ الدَّوْلَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَلِيَّ بْنَ عِمْرَانَ، فَسَارَ يَقُصُّ أَثَرَ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ فَلَمَّا قَارَبَ بَرُوجِرْدَ صَعِدَ فَرْهَاذُ إِلَى قَلْعَةِ سَلِيمُوهْ، وَمَضَى أَبُو جَعْفَرٍ إِلَى سَابُورَ خُوَاسْتَ، وَنَزَلَ عِنْدَ الْأَكْرَادِ الْجُوزَقَانِ. وَمَلَكَ عَسْكَرُ خُرَاسَانَ بَرُوجِرْدَ، وَرَاسَلَ فَرْهَاذُ الْأَكْرَادَ الَّذِينَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ عِمْرَانَ، وَاسْتَمَالَهُمْ، فَصَارُوا مَعَهُ، وَأَرَادُوا أَنْ يَفْتِكُوا بِعَلِيٍّ، وَبَلَغَهُ الْخَبَرُ، فَرَكِبَ لَيْلًا فِي خَاصَّتِهِ وَسَارَ نَحْوَ هَمَذَانَ، وَنَزَلَ فِي الطَّرِيقِ بِقَرْيَةٍ تُعْرَفُ (بِكَسْبَ، وَهِيَ مَنِيعَةٌ) ، فَاسْتَرَاحَ فِيهَا، فَلَحِقُهُ فَرْهَاذُ وَعَسْكَرُهُ وَالْأَكْرَادُ الَّذِينَ صَارُوا مَعَهُ، وَحَصَرُوهُ فِي الْقَرْيَةِ، فَاسْتَسْلَمَ وَأَيْقَنَ بِالْهَلَاكِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ الْيَوْمَ مَطَرًا وَثَلْجًا، فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْمُقَامُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا جَرِيدَةً بِغَيْرِ خِيَامٍ وَلَا آلَةِ شِتَاءٍ، فَرَحَلُوا عَنْهُ، وَرَاسَلَ عَلِيُّ بْنُ عِمْرَانَ الْأَمِيرَ تَاشَ فَرَّاشَ يَسْتَنْجِدُهُ وَيَطْلُبُ الْعَسْكَرَ إِلَى هَمَذَانَ. ثُمَّ اجْتَمَعَ فَرْهَاذُ وَعَلَاءُ الدَّوْلَةِ بِبَرُوجِرْدَ، وَاتَّفَقَا عَلَى قَصْدِ هَمَذَانَ، وَسَيَّرَ عَلَاءَ الدَّوْلَةِ إِلَى أَصْبَهَانَ وَبِهَا ابْنُ أَخِيهِ، يَطْلُبُهُ، وَأَمَرَهُ بِإِحْضَارِ السِّلَاحِ وَالْمَالِ، فَفَعَلَ وَسَارَ. فَبَلَغَ خَبَرُهُ عَلِيَّ بْنَ عِمْرَانَ، فَسَارَ إِلَيْهِ مِنْ هَمَذَانَ جَرِيدَةً، فَكَبَسَهُ بِجَرْبَاذَقَانَ، وَأَسَرَهُ وَأَسَرَ كَثِيرًا مِنْ عَسْكَرِهِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ، وَغَنِمَ مَا مَعَهُ مِنْ سِلَاحٍ وَمَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَمَّا سَارَ عَلِيٌّ عَنْ هَمَذَانَ دَخَلَهَا عَلَاءُ الدَّوْلَةِ، وَمَلَكَهَا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ عَلِيًّا سَارَ مُنْهَزِمًا، وَسَارَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ مِنْ هَمَذَانَ إِلَى كَرَجَ، فَأَتَاهُ خَبَرُ ابْنِ أَخِيهِ فَفَتَّ فِي عَضُدِهِ.

стр. 4485

وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ عِمْرَانَ قَدْ سَارَ بَعْدَ الْوَقْعَةِ إِلَى أَصْبَهَانَ طَامِعًا فِي الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا، وَعَلَى مَالِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ وَأَهْلِهِ، فَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَمَنَعَهُ أَهْلُهَا وَالْعَسْكَرُ الَّذِي فِيهَا، فَعَادَ عَنْهَا، فَلَقِيَهُ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ وَفَرْهَاذُ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ مِنْهُمَا، وَأَخَذَا مَا مَعَهُ مِنَ الْأَسْرَى، إِلَّا أَبَا مَنْصُورٍ ابْنَ أَخِي عَلَاءِ الدَّوْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ سَيَّرَهُ إِلَى تَاشَ فَرَّاشَ، وَسَارَ عَلِيٌّ مِنَ الْمَعْرَكَةِ مُنْهَزِمًا نَحْوَ تَاشَ فَرَّاشَ، فَلَقِيَهُ بِكَرَجَ فَعَاتَبَهُ عَلَى تَأَخُّرِهِ عَنْهُ، وَاتَّفَقَا عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى عَلَاءِ الدَّوْلَةِ وَفَرْهَاذَ، وَكَانَ قَدْ نَزَلَ بِجَبَلٍ عِنْدَ بَرُوجِرْدَ مُتَحَصِّنًا فِيهِ، فَافْتَرَقَ تَاشُ وَعَلِيٌّ (وَقَصَدَاهُ مِنْ) جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا مِنْ خَلْفِهِ، وَالْأُخْرَى مِنَ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، فَلَمْ يَشْعُرْ إِلَّا وَقَدْ خَالَطَهُ الْعَسْكَرُ فَانْهَزَمَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ وَفَرْهَاذُ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْ رِجَالِهِمَا. فَمَضَى عَلَاءُ الدَّوْلَةِ إِلَى أَصْبَهَانَ، وَصَعِدَ فَرْهَاذُ إِلَى قَلْعَةِ سَلِيمُوهْ فَتَحَصَّنَ بِهَا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ قَدْرُ خَانَ مَلِكُ التُّرْكِ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ. وَفِيهَا وَرَدَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُنْكَدِرِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ رَسُولًا مِنْ مَسْعُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ إِلَى الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ مُعَزِّيًا لَهُ بِالْقَادِرِ بِاللَّهِ. وَفِيهَا نُقِلَ تَابُوتُ الْقَادِرِ بِاللَّهِ إِلَى الْمَقْبَرَةِ بِالرُّصَافَةِ، وَشَهِدَهُ الْخَلْقُ الْعَظِيمُ، وَحُجَّاجُ خُرَاسَانَ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا. وَفِيهَا كَانَ بِالْبِلَادِ غَلَاءٌ شَدِيدٌ، وَاسْتَسْقَى النَّاسُ فَلَمْ يُسْقَوْا، وَتَبِعَهُ وَبَاءٌ عَظِيمٌ، وَكَانَ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ بِالْعِرَاقِ، وَالْمَوْصِلِ، وَالشَّامِ، وَبَلَدِ الْجَبَلِ، وَخُرَاسَانَ، وَغَزْنَةَ، وَالْهِنْدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَثُرَ الْمَوْتُ، فَدُفِنَ فِي أَصْبَهَانَ، فِي عِدَّةِ أَيَّامٍ، أَرْبَعُونَ أَلْفَ مَيِّتٍ وَكَثُرَ الْجُدَرِيُّ فِي النَّاسِ فَأُحْصِيَ بِالْمَوْصِلِ أَنَّهُ مَاتَ بِهِ أَرْبَعَةُ آلَافِ صَبِيٍّ، وَلَمْ تَخْلُ دَارٌ مِنْ مُصِيبَةٍ لِعُمُومِ الْمَصَائِبِ، وَكَثْرَةِ الْمَوْتِ، وَمِمَّنْ جُدِرَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَسَلِمَ.
следующие страницы →