← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

وَكَانَ بَسِيلُ عَادِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، وَدَامَ مُلْكُهُ نَيِّفًا وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَتُوُفِّيَ وَلَمْ يُخَلِّفْ وَلَدًا، فَمَلَكَ أَخُوهُ قُسْطَنْطِينُ، وَبَقِيَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَلَمْ يُخَلِّفْ غَيْرَ ثَلَاثِ بَنَاتٍ، فَمَلَكَتِ الْكُبْرَى وَتَزَوَّجَتْ أَرْمَانُوسَ، وَهُوَ مِنْ أَقَارِبِ الْمَلِكِ، وَمَلَّكَتْهُ فَبَقِيَ مُدَّةً، وَهُوَ الَّذِي مَلَكَ الرُّهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ لِأَرْمَانُوسَ صَاحِبٌ لَهُ يَخْدِمُهُ قَبْلَ مُلْكِهِ، مِنْ أَوْلَادِ بَعْضِ الصَّيَارِفِ، اسْمُهُ مِيخَائِيلُ، فَلَمَّا مَلَكَ حَكَّمَهُ فِي دَارِهِ، فَمَالَتْ زَوْجَةُ قُسْطَنْطِينَ إِلَيْهِ، وَعَمِلَا الْحِيلَةَ فِي قَتْلِ أَرْمَانُوسَ، فَمَرِضَ أَرْمَانُوسُ فَأَدْخَلَاهُ إِلَى الْحَمَّامِ كَارِهًا وَخَنَقَاهُ، وَأَظْهَرَا أَنَّهُ مَاتَ فِي الْحَمَّامِ، وَمَلَّكَتْ زَوْجَتُهُ مِيخَائِيلَ، وَتَزَوَّجَتْهُ عَلَى كُرْهٍ مِنَ الرُّومِ. وَعَرَضَ لِمِيخَائِيلَ صَرَعٌ لَازَمَهُ وَشَوَّهَ صُورَتَهُ، فَعُهِدَ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ إِلَى ابْنِ أُخْتٍ لَهُ اسْمُهُ مِيخَائِيلُ أَيْضًا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ مَلَكَ ابْنُ أُخْتِهِ وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ، وَقَبَضَ عَلَى أَهْلِ خَالِهِ وَإِخْوَتِهِ، وَهُمْ أَخْوَالُهُ، وَضَرَبَ الدَّنَانِيرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهِيَ [سَنَةُ] ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، ثُمَّ أَحْضَرَ زَوْجَتَهُ بِنْتَ الْمَلِكِ، وَطَلَبَ مِنْهَا أَنْ تَتَرَهَّبَ وَتَنْزِعَ نَفْسَهَا عَنِ الْمُلْكِ، فَأَبَتْ، فَضَرَبَهَا وَسَيَّرَهَا إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ عَزَمَ عَلَى الْقَبْضِ عَلَى الْبِطَرْكِ وَالِاسْتِرَاحَةِ مَنْ تَحَكُّمِهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ، فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ لَهُ طَعَامًا فِي دَيْرٍ ذَكَرَهُ بِظَاهِرِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ لِيَحْضُرَ عِنْدَهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَخَرَجَ إِلَى الدَّيْرِ لِيَعْمَلَ مَا قَالَ الْمَلِكُ، فَأَرْسَلَ الْمَلِكُ جَمَاعَةً مِنَ الرُّوسِ وَالْبُلْغَارِ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى قَتْلِهِ سِرًّا، فَقَصَدُوهُ لَيْلًا وَحَصَرُوهُ فِي الدَّيْرِ، فَبَذَلَ لَهُمْ مَالًا كَثِيرًا، وَخَرَجَ مُتَخَفِّيًا، وَقَصَدَ الْبِيعَةَ الَّتِي يَسْكُنُهَا، وَضَرَبَ النَّاقُوسَ، فَاجْتَمَعَ الرُّومُ عَلَيْهِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى عَزْلِ الْمَلِكِ فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَحَصَرُوا الْمَلِكَ فِي دَارٍ، فَأَرْسَلَ الْمَلِكُ إِلَى زَوْجَتِهِ وَأَحْضَرَهَا مِنَ الْجَزِيرَةِ الَّتِي نَفَاهَا إِلَيْهَا، وَرَغِبَ فِي أَنْ تَرُدَّ عَنْهُ فَلَمْ تَفْعَلْ، وَأَخْرَجَتْهُ إِلَى بِيعَةٍ يَتَرَهَّبُ فِيهَا. ثُمَّ إِنَّ الْبِطَرْكَ وَالرُّومَ نَزَعُوا زَوْجَتَهُ مِنَ الْمُلْكِ، وَمَلَّكُوا أُخْتًا لَهَا صَغِيرَةً، وَاسْمُهَا تَذُورَةُ، وَجَعَلُوا مَعَهَا خَدَمَ أَبِيهَا يُدَبِّرُونَ الْمُلْكَ، وَكَحَّلُوا مِيخَائِيلَ، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ

стр. 4552

بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ بَيْنَ مَنْ يَتَعَصَّبُ لَهُ وَبَيْنَ مَنْ يَتَعَصَّبُ لِتَذُورَةَ وَالْبِطَرْكِ، فَظَفِرَ أَصْحَابُ تَذُورَةَ بِهِمْ، وَنَهَبُوا أَمْوَالَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ الرُّومَ افْتَقَرُوا إِلَى مَلِكٍ يُدَبِّرُهُمْ، فَكَتَبُوا أَسْمَاءَ جَمَاعَةٍ يَصْلُحُونَ لِلْمُلْكِ فِي رِقَاعٍ، وَوَضَعُوهَا فِي بَنَادِقَ طِينٍ، وَأَمَرُوا مَنْ يُخْرِجُ مِنْهَا بُنْدُقَةً، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ بِاسْمِ مَنْ فِيهَا، فَخَرَجَ اسْمُ قُسْطَنْطِينَ، فَمَلَّكُوهُ وَتَزَوَّجَتْهُ الْمَلِكَةُ الْكَبِيرَةُ، وَاسْتَنْزَلَتْ أُخْتَهَا الصَّغِيرَةَ تَذُورَةُ عَنِ الْمُلْكِ بِمَالٍ بَذَلَتْهُ لَهَا، وَاسْتَقَرَّ فِي الْمُلْكِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] فَخَرَجَ عَلَيْهِ فِيهَا خَارِجِيٌّ مِنَ الرُّومِ اسْمُهُ أَرْمِينَاسُ، وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ حَتَّى زَادُوا عَلَى عِشْرِينَ أَلْفًا، فَأَهَمَّ قُسْطَنْطِينَ أَمْرُهُ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا كَثِيفًا، فَظَفِرُوا بِالْخَارِجِيِّ وَقَتَلُوهُ، وَحَمَلُوا رَأْسَهُ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَأُسِرَ مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِهِ مِائَةُ رَجُلٍ، فَشُهِّرُوا فِي الْبَلَدِ، ثُمَّ أُطْلِقُوا وَأُعْطُوا نَفَقَةً، وَأُمِرُوا بِالِانْصِرَافِ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ أَرَادُوا. ذِكْرُ فَسَادِ حَالِ الدَّزْبَرِيِّ بِالشَّامِ وَمَا صَارَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ بِالْبِلَادِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَسَدَ أَمْرُ أَنُّوشْتِكِينَ الدَّزْبَرِيِّ نَائِبِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ صَاحِبِ مِصْرَ بِالشَّامِ، وَقَدْ كَانَ كَبِيرًا عَلَى مَخْدُومِهِ بِمَا يَرَاهُ مَنْ تَعْظِيمِ الْمُلُوكِ لَهُ، وَهَيْبَةِ الرُّومِ مِنْهُ. وَكَانَ الْوَزِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَرْجَرَائِيُّ يَقْصِدُهُ وَيَحْسُدُهُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجِدُ طَرِيقًا إِلَى الْوَقِيعَةِ فِيهِ، ثُمَّ اتَّفَقَ أَنَّهُ سُعِيَ بِكَاتِبٍ لِلدَّزْبَرِيِّ اسْمُهُ أَبُو سَعْدٍ، وَقِيلَ عَنْهُ: إِنَّهُ يَسْتَمِيلُ صَاحِبَهُ إِلَى غَيْرِ جِهَةِ الْمِصْرِيِّينَ، فَكُوتِبَ الدَّزْبَرِيُّ بِإِبْعَادِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَاسْتَوْحَشُوا مِنْهُ، وَوَضَعَ الْجَرْجَرَائِيُّ حَاجِبَ الدَّزْبَرِيِّ وَغَيْرَهُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ. ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْأَجْنَادِ قَصَدُوا مِصْرَ، وَشَكَوْا إِلَى الْجَرْجَرَائِيِّ مِنْهُ، فَعَرَّفَهُمْ سُوءَ رَأْيِهِ فِيهِ، وَأَعَادَهُمْ إِلَى دِمَشْقَ، وَأَمَرَهُمْ بِإِفْسَادِ الْجُنْدِ عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ.

стр. 4553

وَأَحَسَّ الدَّزْبَرِيُّ بِمَا يَجْرِي، فَأَظْهَرَ مَا فِي نَفْسِهِ، وَأَحْضَرَ نَائِبَ الْجَرْجَرَائِيِّ عِنْدَهُ، وَأَمَرَ بِإِهَانَتِهِ وَضَرْبِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَطْلَقَ لِطَائِفَةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ يَلْزَمُونَ خِدْمَتَهُ أَرْزَاقَهُمْ، وَمَنَعَ الْبَاقِينَ، فَحَرَّكَ مَا فِي نُفُوسِهِمْ، وَقَوَّى طَمَعَهُمْ فِيهِ بِمَا كُوتِبُوا بِهِ مِنْ مِصْرَ، فَأَظْهَرُوا الشَّغَبَ عَلَيْهِ وَقَصَدُوا قَصْرَهُ، وَهُوَ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَتَبِعَهُمْ مِنَ الْعَامَّةِ مَنْ يُرِيدُ النَّهْبَ، فَاقْتَتَلُوا، فَعَلِمَ الدَّزْبَرِيُّ ضَعْفَهُ وَعَجْزَهُ عَنْهُمْ، فَفَارَقَ مَكَانَهُ، وَاسْتَصْحَبَ أَرْبَعِينَ غُلَامًا لَهُ وَمَا أَمْكَنَهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْأَثَاثِ وَالْأَمْوَالِ، وَنَهَبَ الْبَاقِي، وَسَارَ إِلَى بَعْلَبَكَّ فَمَنَعَهُ مُسْتَحْفِظُهَا، وَأَخَذَ مَا أَمْكَنَهُ أَخْذُهُ مِنْ مَالِ الدَّزْبَرِيِّ، وَتَبِعَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْجُنْدِ يَقْفُونَ أَثَرَهُ، وَيَنْهَبُونَ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ. وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ حَمَاةَ فَمُنِعَ عَنْهَا وَقُوتِلَ، وَكَاتَبَ الْمُقَلَّدَ بْنَ مُنْقِذٍ الْكِنَانِيَّ الْكَفَرْطَابِيَّ وَاسْتَدْعَاهُ، فَأَجَابَهُ وَحَضَرَ عِنْدَهُ فِي نَحْوِ أَلْفَيْ رَجُلٍ مَنْ كَفَرْطَابَ وَغَيْرِهَا، فَاحْتَمَى بِهِ، وَسَارَ إِلَى حَلَبَ وَدَخَلَهَا، وَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً، وَتُوُفِّيَ فِي مُنْتَصَفِ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ فَسَدَ أَمْرُ بِلَادِ الشَّامِ، وَانْتَشَرَتِ الْأُمُورُ بِهَا، وَزَالَ النِّظَامُ، وَطَمِعَتِ الْعَرَبُ، وَخَرَجُوا فِي نَوَاحِيهِ، فَخَرَجَ حَسَّانُ بْنُ الْمُفَرِّجِ الطَّائِيُّ بِفِلَسْطِينَ، وَخَرَجَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بْنُ صَالِحٍ الْكِلَابِيُّ بِحَلَبَ، وَقَصَدَهَا وَحَصَرَهَا، وَمَلَكَ الْمَدِينَةَ، وَامْتَنَعَ أَصْحَابُ الدَّزْبَرِيِّ بِالْقَلْعَةِ، وَكَتَبُوا إِلَى مِصْرَ يَطْلُبُونَ النَّجْدَةَ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَاشْتَغَلَ عَسَاكِرُ دِمَشْقَ وَمُقَدَّمُهُمُ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ الَّذِي وَلِيَ أَمْرَ دِمَشْقَ بَعْدَ الدَّزْبَرِيِّ بِحَرْبِ حَسَّانَ، وَوَقَعَ الْمَوْتُ فِي الَّذِينَ فِي الْقَلْعَةِ، فَسَلَّمُوهَا إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ بِالْأَمَان ِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ الْمَلِكُ أَبُو كَالِيجَارَ مِنْ فَارِسَ عَسْكَرًا فِي الْبَحْرِ إِلَى عَمَّانَ،

стр. 4554

وَكَانَ قَدْ عَصَى مَنْ بِهَا، فَوَصَلَ الْعَسْكَرُ إِلَى صَحَارِ مَدِينَةِ عُمَّانَ فَمَلَكُوهَا، وَاسْتَعَادُوا الْخَارِجِينَ عَنِ الطَّاعَةِ، وَاسْتَقَرَّتِ الْأُمُورُ بِهَا، وَعَادَتِ الْعَسَاكِرُ إِلَى فَارِسَ. وَفِيهَا قَصَدَ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْهَيْثَمِ الصَّلِيقَ مِنَ الْبَطَائِحِ، فَمَلَكَهَا وَنَهَبَهَا، ثُمَّ اسْتَقَرَّ أَمْرُهَا عَلَى مَالٍ يُؤَدِّيهِ إِلَى جَلَالِ الدَّوْلَةِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو مَنْصُورٍ بَهْرَامُ بْنُ مَافَنَّةَ، وَهُوَ الْمُلَقَّبُ بِالْعَادِلِ، وَزِيرُ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، وَبَنَى دَارَ الْكُتُبِ بِفَيْرُوزَابَاذَ، وَجَعَلَ فِيهَا سَبْعَةَ آلَافِ مُجَلَّدٍ، فَلَمَّا مَاتَ وَزَرَ بَعْدَهُ مُهَذِّبُ الدَّوْلَةِ أَبُو مَنْصُورٍ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْفَسَوِي ُّ. وَفِيهَا وَصَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْبُلْغَارِ إِلَى بَغْدَاذَ يُرِيدُونَ الْحَجَّ، فَأُقِيمَ لَهُمْ مِنَ الدِّيوَانِ الْإِقَامَاتُ الْوَافِرَةُ، فَسُئِلَ بَعْضُهُمْ: مِنْ أَيِّ الْأُمَمِ هُمُ الْبُلْغَارُ؟ فَقَالَ: هُمْ قَوْمٌ تَوَلَّدُوا بَيْنَ اَّرْكِ وَالصَّقَالِبَةِ، وَبَلَدُهُمْ فِي أَقْصَى التُّرْكِ، وَكَانُوا كُفَّارًا، فَأَسْلَمُوا عَنْ قَرِيبٍ، وَهُمْ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِيخَائِيلُ مَلِكُ الرُّومِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُ أَخِيهِ مِيخَائِيلُ أَيْضًا. وَفِيهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْجَهْرَمِيُّ الشَّاعِرُ، وَهُوَ الْقَائِلُ:

стр. 4555

يَا وَيْحَ قَلْبِي مِنْ تَقَلُّبِهِ ... أَبَدًا يَحِنُّ إِلَى مُعَذِّبِهِ قَالُوا كَتَمْتَ هَوَاهُ عَنْ جَلَدٍ ... لَوْ أَنَّ لِي رَمَقًا لَبُحْتُ بِهِ بِأَبِي حَبِيبًا غَيْرَ مُكْتَرِثٍ ... عَنِّي وَيُكْثِرُ مِنْ تَعَتُّبِهِ حَسْبِي رِضَاهُ مِنَ الْحَيَاةِ ... وَمَا قَلَقِي وَمَوْتِي مِنْ تَغَضُّبِهِ وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُطَرِّزِ مُهَاجَاةٌ.

стр. 4556

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ٤٣٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ طُغْرُلْبَك مَدِينَةَ خُوَارَزْمَ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ خُوَارَزْمَ كَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ مَمْلَكَةِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مَسْعُودٌ كَانَتْ لَهُ، وَكَانَ فِيهَا أَلْتُونْتَاشُ حَاجِبُ أَبِيهِ مَحْمُودٍ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ أُمَرَائِهِ، يَتَوَلَّاهَا لِمَحْمُودٍ وَمَسْعُودٍ بَعْدَهُ، وَلَمَّا كَانَ مَسْعُودٌ مَشْغُولًا بِقَصْدِ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ لَأَخْذِ الْمُلْكِ، قَصَدَ الْأَمِيرُ عَلِيُّ تِكِينُ صَاحِبُ مَا وَرَاءِ النَّهْرِ أَطْرَافَ بِلَادِهِ وَشَعَّثَهَا، فَلَمَّا فَرَغَ مَسْعُودٌ مِنْ أَمْرِ أَخِيهِ وَاسْتَقَرَّ الْمُلْكُ لَهُ كَاتَبَ أَلْتُونْتَاشَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ بِقَصْدِ أَعْمَالِ عَلِيِّ تِكِينَ، وَأَخْذِ بُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ، وَأَمَدَّهُ بِجَيْشٍ كَثِيفٍ، فَعَبَرَ جَيْحُونَ، وَفَتَحَ مِنْ بِلَادِ عَلِيِّ تِكِينَ مَا أَرَادَ، وَانْحَازَ عَلِيُّ تِكِينُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ. وَأَقَامَ أَلْتُونْتَاشُ بِالْبِلَادِ الَّتِي فَتَحَهَا، فَرَأَى دَخْلَهَا لَا يَفِي بِمَا تَحْتَاجُ عَسَاكِرُهُ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ [أَنْ] يَكُونَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ يَمْتَنِعُ بِهِمْ عَلَى التُّرْكِ، فَكَاتَبَ مَسْعُودًا فِي ذَلِكَ وَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْعَوْدِ إِلَى خُوَارَزْمَ، فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا عَادَ لَحِقَهُ عَلِيُّ تِكِينُ عَلَى غِرَّةٍ وَكَبَسَهُ، فَانْهَزَمَ عَلِيُّ تِكِينُ، وَصَعِدَ إِلَى قَلْعَةِ دَبُّوسِيَّةَ، فَحَصَرَهُ أَلْتُونْتَاشُ وَكَادَ يَأْخُذُهُ! فَرَاسَلَهُ لِيُّ تِكِينُ وَاسْتَعْطَفَهُ وَضَرَعَ إِلَيْهِ، فَرَحَلَ عَنْهُ وَعَادَ إِلَى خُوَارَزْمَ. وَأَصَابَ أَلْتُونْتَاشَ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ جِرَاحَةٌ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى خُوَارَزْمَ مَرِضَ مِنْهَا وَتُوُفِّيَ، وَخَلَّفَ مِنَ الْأَوْلَادِ ثَلَاثَةَ بَنِينٍ: هَارُونَ، وَرَشِيدٍ، وَإِسْمَاعِيلَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ ضَبَطَ الْبَلَدَ وَزِيهُ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، وَحَفِظَ الْخَزَائِنَ وَغَيْرَهَا، وَأَعْلَمَ مَسْعُودًا، فَوَلَّى ابْنَهُ الْكَبِيرَ هَارُونَ خُوَارَزْمَ، وَسَيَّرَهُ إِلَيْهَا، وَكَانَ عِنْدَه ُ.

стр. 4557

وَاتَّفَقَ أَنَّ الْمَيْمَنْدِيَّ وَزِيرَ مَسْعُودٍ تُوُفِّيَ، فَاسْتَحْضَرَ أَبَا نَصْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ وَاسْتَوْزَرَهُ، فَاسْتَنَابَ أَبُو نَصْرٍ عِنْدَ هَارُونَ ابْنَهُ عَبْدَ الْجَبَّارِ، وَجَعَلَهُ وَزِيرَهُ، فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَارُونَ مُنَافَرَةٌ أَسَرَّهَا هَارُونُ فِي نَفْسِهِ، وَحَسَّنَ لَهُ أَصْحَابُهُ الْقَبْضَ عَلَى عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَالْعِصْيَانَ عَلَى مَسْعُودٍ، فَأَظْهَرَ الْعِصْيَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَأَرَادَ قَتْلَ عَبْدِ الْجَبَّارِ فَاخْتَفَى مِنْهُ، فَقَالَ أَعْدَاءُ أَبِيهِ لِلْمَلِكِ مَسْعُود ٍ: إِنَّ أَبَا نَصْرٍ وَاطَأَ هَارُونَ عَلَى الْعِصْيَانِ، وَإِنَّمَا اخْتَفَى ابْنُهُ حِيلَةً وَمَكْرًا، فَاسْتَوْحَشَ مِنْهُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ ذَلِكَ لَهُ. وَعَزَمَ مَسْعُودٌ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ غَزْنَةَ إِلَى خُوَارَزْمَ، فَسَارَ عَنْ غَزْنَةَ وَالزَّمَانُ شِتَاءٌ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ قَصْدَ خُوَارَزْمَ، فَسَارَ إِلَى جُرْجَانَ طَالِبًا أَنُّوشَرْوَانَ بْنَ مَنُّوجَهْرَ، لِيُقَابِلَهُ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْهُ عِنْدَ اشْتِغَالِ مَسْعُودٍ بِقِتَالِ أَحْمَدَ يَنَّالَ تِكِينَ بِبِلَادِ الْهِنْدِ. فَلَمَّا كَانَ بِبِلَادِ جُرْجَانَ أَتَاهُ كِتَابُ عَبْدِ الْجَبَّارِ أَبِي نَصْرٍ بِقَتْلِ هَارُونَ، وَإِعَادَةِ الْبَلَدِ إِلَى طَاعَتِهِ، وَكَانَ عَبْدُ الْجَبَّارِ فِي بَدْءِ اسْتِتَارِهِ يَعْمَلُ عَلَى قَتْلِ هَارُونَ، وَوَضَعَ جَمَاعَةً عَلَى الْفَتْكِ بِهِ، فَقَتَلُوهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ إِلَى الصَّيْدِ، وَقَامَ عَبْدُ الْجَبَّارِ بِحِفْظِ الْبَلَدِ. فَلَمَّا وَقَفَ مَسْعُودٌ عَلَى كِتَابِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَلِمَ أَنَّ الَّذِي قِيلَ عَنْ أَبِيهِ كَانَ بَاطِلًا، فَعَادَ إِلَى الثِّقَةِ بِهِ، وَبَقِيَ عَبْدُ الْجَبَّارِ أَيَّامًا يَسِيرَةً، فَوَثَبَ بِهِ غِلْمَانُ هَارُونَ فَقَتَلُوهُ، وَوَلَّوُا الْبَلَدَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَلْتُونْتَاشَ، وَقَامَ بِأَمْرِهِ شُكْرٌ خَادِمُ أَبِيهِ، وَعَصَوْا عَلَى مَسْعُودٍ. فَكَتَبَ مَسْعُودٌ إِلَى شَاهْمَلِكَ بْنِ عَلِيٍّ، أَحَدِ أَصْحَابِ الْأَطْرَافِ بِنَوَاحِي خُوَارَزْمَ، بِقَصْدِ خُوَارَزْمَ وَأَخْذِهَا، فَسَارَ إِلَيْهَا، فَقَاتَلَهُ شُكْرٌ وَإِسْمَاعِيلُ وَمَنَعَاهُ عَنِ الْبَلَدِ، فَهَزَمَهُمَا وَمَلَكَ الْبَلَدَ، فَسَارَا إِلَى طُغْرُلْبَك وَدَاوُدَ السَّلْجُقِيَّيْنِ وَالْتَجَآ إِلَيْهِمَا، وَطَلَبَا الْمَعُونَةَ مِنْهُمَا، فَسَارَ دَاوُدُ مَعَهُمَا إِلَى خُوَارَزْمَ، فَلَقِيَهُمْ شَاهْمَلِكُ وَقَاتَلَهُمْ فَهَزَمَهُمْ، وَلَمَّا جَرَى عَلَى مَسْعُودٍ مِنَ الْقَتْلِ مَا جَرَى وَمَلَكَ مَوْدُودٌ، دَخَلَ شَاهْمَلِكُ فِي طَاعَتِهِ وَصَافَاهُ، وَتَمَسَّكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِه ِ. ثُمَّ إِنَّ طُغْرُلْبَك سَارَ إِلَى خُوَارَزْمَ فَحَصَرَهَا وَمَلَكَهَا وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَانْهَزَمَ شَاهْمَلِكُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَصْحَبَ أَمْوَالَهُ وَذَخَائِرَهُ وَمَضَى فِي الْمَفَازَةِ إِلَى دِهِسْتَانَ، ثُمَّ انْتَقَلَ عَنْهَا إِلَى طَبَسَ، ثُمَّ إِلَى أَطْرَافِ كِرْمَانَ، ثُمَّ إِلَى أَعْمَالِ التِّيزِ وَمَكْرَانَ، فَلَمَّا وَصَلَ

стр. 4558

إِلَى هُنَاكَ عَلِمَ خَلَاصَهُ بِبُعْدِهِ، وَأَمِنَ فِي نَفْسِهِ، فَعَرَفَ خَبَرَهُ أَرْتَاشُ أَخُو إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ طُغْرُلْبَك، فَقَصَدَهُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافَ فَارِسٍ، فَأَوْقَعَ بِهِ وَأَسَرَهُ وَأَخَذَ مَا مَعَهُ، ثُمَّ عَادَ بِهِ فَسَلَّمَهُ إِلَى دَاوُدَ، وَحَصَلَ هُوَ بِمَا غَنِمَ مِنْ أَمْوَالِهِ، وَعَادَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى بَاذَغِيسَ الْمُقَارِبَةِ لِهَرَاةَ، وَأَقَامَ عَلَى مُحَاصَرَةِ هَرَاةَ، لِأَنَّهُمْ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ كَانُوا مُقِيمِينَ عَلَى الِامْتِنَاعِ وَالِاعْتِصَامِ بِبَلَدِهِمْ وَالثَّبَاتِ عَلَى طَاعَةِ مَوْدُودِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَقَاتَلَهُمْ أَهْلُ هَرَاةَ، وَحَفِظُوا بَلَدَهُمْ مَعَ خَرَابِ سَوَادِهِمْ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحَرْبُ، خَوْفًا مِنَ الْغُز ِّ. ذِكْرُ قَصْدِ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ هَمَذَانَ وَمَا كَانَ مِنْهُ قَدْ ذَكَرْنَا خُرُوجَ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى الرَّيِّ وَاسْتِيلَاءَهُ عَلَيْهَا. فَلَمَّا اسْتَقَرَّ أَمْرُهَا سَارَ عَنْهَا، وَمَلَكَ الْبِلَادَ الْمُجَاوِرَةَ لَهَا، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى بُرُجِرْدَ فَمَلَكَهَا، ثُمَّ قَصَدهَمَذَانَ، وَكَانَ بِهَا أَبُو كَالِيجَارَ كُرْشَاسُفُ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ صَاحِبُهَا، فَفَارَقَهَا إِلَى سَابُورَ خُوَاسْتَ، وَنَزَلَ إِبْرَاهِيمُ يَنَّالُ عَلَى هَمَذَانَ وَأَرَادَ دُخُولَهَا، فَقَالَ لَهُ أَهْلُهَا: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الَاعَةَ وَمَا يَطْلُبُهُ السُّلْطَانُ مِنَ الرَّعِيَّةِ، فَنَحْنُ بَاذِلُوهُ، وَدَاخِلُونَ تَحْتَهُ، فَاطْلُبْ أَوَّلًا هَذَا الْمُخَالِفَ عَلَيْكَ الَّذِي كَانَ عِنْدَنَا - يَعْنُونَ كُرْشَاسُفَ - فَإِنَّا لَا نَأْمَنُ عَوْدَهُ إِلَيْنَا، فَإِذَا مَلَكْتَهُ أَوْ دَفَعْتَهُ كُنَّا لَكَ. فَكَفَّ عَنْهُمْ وَسَارَ إِلَى كُرْشَاسُفَ بَعْدَ أَنْ أَخَذَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ مَالًا، فَلَمَّا قَارَبَ سَابُورَ خُوَاسْتَ صَعِدَ كُرْشَاسُفُ إِلَى الْقَلْعَةِ فَتَحَصَّنَ بِهَا، وَحَصَرَ إِبْرَاهِيمُ الْبَلَدَ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهُ خَوْفًا مِنَ الْغُزِّ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ طَاقَةٌ عَلَى دَفْعِهِمْ، فَمَلَكَ الْبَلَدَ قَهْرًا، وَنَهَبَ الْغُزُّ أَهْلَهُ، وَفَعَلُوا الْأَفَاعِيلَ الْقَبِيحَةَ بِهِمْ، ثُمَّ عَادُوا بِمَا غَنِمُوهُ إِلَى الرَّيِّ، فَرَأَوْا طُغْرُلْبَك قَدْ وَرَدَهَا، وَلَمَّا فَارَقَ إِبْرَاهِيمُ وَالْغُزُّ هَمَذَانَ نَزَلَ كُرْشَاسُفُ إِلَيْهَا، فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ وَصَلَ طُغْرُلْبَك إِلَى الرَّيِّ، فَسَارَ إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ، عَلَى مَا نَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ خُرُوجِ طُغْرُلْبَك إِلَى الرَّيِّ وَمُلْكِ بَلَدِ الْجَبَلِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ طُغْرُلْبَك مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى الرَّيِّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ خُوَارَزْمَ، وَجُرْجَانَ، وَطَبَرِسْتَانَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ يَنَّالُ بِقُدُومِهِ سَارَ إِلَيْهِ فَلَقِيَهُ، وَتَسَلَّمَ

стр. 4559

طُغْرُلْبَك الرَّيَّ مِنْهُ، وَتَسَلَّمَ غَيْرَهَا مِنْ بَلَدِ الْجَبَلِ، وَسَارَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى سِجِسْتَانَ، وَأَخَذَ طُغْرُلْبَك أَيْضًا قَلْعَةَ طَبَرَكَ مِنْ مَجْدِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ مُكْرَمًا، وَأَمَرَ طُغْرُلْبَك بِعِمَارَةِ الرَّيِّ، وَكَانَتْ قَدْ خُرِّبَتْ، فَوَجَدَ فِي دَارِ الْإِمَارَةِ مَرَاكِبَ ذَهَبٍ مُجَوْهَرَةً وَبَرْنِيَّتَيْ صِينِيٍّ مَمْلُوءَتَيْنِ جَوْهَرًا وَمَالًا كَثِيرًا، وَغَيْرَ ذَلِك َ. وَكَانَ كَامَرُّو يُهَادِي طُغْرُلْبَك وَهُوَ بِخُرَاسَانَ وَيَخْدِمُهُ، وَخَدَمَ أَخَاهُ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا كَانَ بِالرَّيِّ، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ أَهْدَى لَهُ هَدَايَا كَثِيرَةً مِنْ أَنْوَاعٍ شَتَّى، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ طُغْرُلْبَك يَزِيدُ فِي إِقْطَاعِهِ، وَيَرْعَى لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ خِدْمَتِهِ لَهُ، فَخَابَ ظَنُّهُ، وَقَرَّرَ عَلَى مَا بِيَدِهِ كُلَّ سَنَةٍ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ. ثُمَّ سَارَ إِلَى قَزْوِينَ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ أَهْلُهَا، فَزَحَفَ إِلَيْهِمْ وَرَمَاهُمْ بِالسِّهَامِ وَالْحِجَارَةِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقِفُوا عَلَى السُّورِ، وَقَتَلَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ بَرْشَقَ، وَأَخَذَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا، فَلَمَّا رَأَى كَامَرُّو وَمَرْدَاوَيْجُ بْنُ بَسُّو ذَلِكَ خَافُوا أَنْ يَمْلِكَ الْبَلَدَ عَنْوَةً وَيَنْهَبَ، فَمَنَعُوا النَّاسَ مِنَ الْقِتَالِ، وَأَصْلَحُوا الْحَالَ عَلَى ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَصَارَ صَاحِبُهَا فِي طَاعَتِهِ. ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى كُوكْتَاشَ وَبُوقَا وَغَيْرَهُمَا مِنْ أُمَرَاءِ الْغُزِّ الَّذِينَ تَقَدَّمَ خُرُوجُهُمْ - يُمَنِّيهِمْ وَيَدَعُوهُمْ إِلَى الْحُضُورِ فِي خِدْمَتِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُهُ إِلَيْهِمْ سَارُوا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى نَهْرٍ بِنَوَاحِي زِنْجَانَ، ثُمَّ أَعَادُوا رَسُولَهُ، وَقَالُوا لَهُ: قُلْ لَهُ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ غَرَضَكَ أَنْ تَجْمَعَنَا لِتَقْبِضَ عَلَيْنَا، وَالْخَوْفُ مِنْكَ أَبْعَدَنَا عَنْكَ، وَقَدْ نَزَلْنَا هَاهُنَا، فَإِنْ أَرَدْتَنَا قَصَدْنَا خُرَاسَاَ أَوِ الرُّومَ، وَلَا نَجْتَمِعُ بِكَ أَبَدًا. وَأَرْسَلَ طُغْرُلْبَك إِلَى مَلِكِ الدَّيْلَمِ يَدْعُوهُ إِلَى الطَّاعَةِ وَيَطْلُبُ مِنْهُ مَالًا، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ مَالًا وَعُرُوضًا، وَأَرْسَلَ أَيْضًا إِلَى سَلَّارِ الطِّرْمِ يَدْعُوهُ إِلَى خِدْمَتِهِ،

стр. 4560

وَيُطَالِبُهُ بِحَمْلِ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، فَاسْتَقَرَّ الْحَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى الطَّاعَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الْمَالِ. وَأَرْسَلَ سَرِيَّةً إِلَى أَصْبَهَانَ وَبِهَا أَبُو مَنْصُورٍ فِرَامَرْزُ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ، فَأَغَارَتْ عَلَى أَمَالِهَا وَعَادَتْ سَالِمَةً. وَخَرَجَ طُغْرُلْبَك مِنَ الرَّيِّ، وَأَظْهَرَ قَصْدَ أَصْبَهَانَ، فَرَاسَلَهُ فِرَامَرْزُ وَصَانَعَهُ بِمَالٍ، فَعَادَ عَنْهُ، وَسَارَ إِلَى هَمَذَانَ فَمَلَكَهَا مِنْ صَاحِبِهَا كُرْشَاسُفَ بْنِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ قَدْ نَزَلَ إِلَيْهِ وَهُوَ بِالرَّيِّ بَعْدَ أَنْ رَاسَلَهُ طُغْرُلْبَك غَيْرَ مَرَّةٍ، وَسَارَ مَعَهُ مِنَ الرَّيِّ إِلَى أَبْهُرُوزَنْجَانَ، فَأَخَذَ مِنْهُ هَمَذَانَ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ عَنْهُ، وَطَلَبَ مِنْهُ طُغْرُلْبَك تَسْلِيمَ قَلْعَةِ كِنْكِوَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ بِهَا بِالتَّسْلِيمِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا وَقَالُوا لِرُسُلِ طُغْرُلْبَكْ: قُلْ لِصَاحِبِكَ وَاللَّهِ لَوْ قَطَّعْتَهُ قِطَعًا مَا سَلَّمْنَاهَا إِلَيْكَ. فَقَالَ لَهُ طُغْرُلْبَكْ: مَا امْتَنَعُوا إِلَّا بِأَمْرِكَ وَرَأْيِكَ، فَاص إِلَيْهِمْ وَأَقِمْ مَعَهُمْ، وَلَا تُفَارِقْ مَوْضِعَكَ حَتَّى آذَنَ لَكَ. ثُمَّ عَادَ إِلَى الرَّيِّ، وَاسْتَنَابَ بِهَمَذَانَ نَاصِرًا الْعَلَوِيَّ، وَكَانَ كُرْشَاسُفُ قَدْ قَبَضَ عَلَيْهِ، فَأَخْرَجَهُ طُغْرُلْبَك وَوَلَّاهُ الرَّيَّ، وَأَمَرَهُ بِمُسَاعَدَةِ مَنْ يَجْعَلُهُ فِي الْبَلَدِ، وَكَانَ مَعَهُ مَرْدَاوَيْجُ بْنُ بَسُّو نَائِبُهُ فِي جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ، فَمَاتَ، وَقَامَ وَلَدُهُ جَسْتَانُ مُقَامَهُ، فَسَارَ طُغْرُلْبَك إِلَى جُرْجَانَ، فَعَزَلَ جَسْتَانَ عَنْهَا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى جُرْجَانَ أَسْفَارَ، وَهُوَ مِنْ خَوَاصِّ مَنُّوجَهْرَ بْنِ قَابُوسَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَمْرُ جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ سَارَ إِلَى دِهِسْتَانَ فَحَصَرَهَا، وَبِهَا صَاحِبُهَا كَامْيَارُ مُعْتَصِمًا بِهَا لِحَصَانَتِهَا. ذِكْرُ مَسِيرِ عَسَاكِرِ طُغْرُلْبَك إِلَى كِرْمَانَ وَسَيَّرَ طُغْرُلْبَك طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى كِرْمَانَ مَعَ أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ الرَّيَّ، وَقِيلَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَقْصِدْ كِرْمَانَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ سِجِسْتَانَ، وَكَانَ مُقَدَّمُ الْعَسَاكِرِ الَّتِي سَارَتْ إِلَى كِرْمَانَ غَيْرَهُ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى أَطْرَافِ كِرْمَانَ نَهَبُوا، وَلَمْ يُقْدِمُوا عَلَى التَّوَغُّلِ فِيهَا، فَلَمْ يَرَوْا مِنَ الْعَسَاكِرِ مَنْ يَكُفُّهُمْ، فَتَوَسَّطُوهَا وَمَلَكُوا عِدَّةَ مَوَاضِعَ مِنْهَا، وَنَهَبُوهَا. فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ صَاحِبِهَا، فَسَيَّرَ وَزِيرَهُ مُهَذِّبَ الدَّوْلَةِ فِي

стр. 4561

الْعَسَاكِرِ الْكَثِيرَةِ، وَأَمَرَهُ بِالْجِدِّ فِي الْمَسِيرِ لِيُدْرِكَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكُوا جِيرُفْتَ، وَكَانُوا يُحَاصِرُونَهَا، فَطَوَى الْمَرَاحِلَ حَتَّى قَارَبَهُمْ، فَرَحَلُوا عَنْ جِيرُفْتَ وَنَزَلُوا عَلَى سِتَّةِ فَرَاسِخَ مِنْهَا. وَجَاءَ مُهَذِّبُ الدَّوْلَةِ فَنَزَلَهَا، وَأَرْسَلَ لِيَحْمِلَ الْمِيرَةَ إِلَى الْعَسْكَرِ، فَخَرَجَتِ الْغُزُّ إِلَى الْجِمَالِ وَالْبِغَالِ وَالْمِيرَةِ لِيَأْخُذُوهَا، وَسَمِعَ مُهَذَّبُ الدَّوْلَةِ ذَلِكَ فَسَيَّرَ طَائِفَةً مِنَ الْعَسْكَرِ لِمَنْعِهِمْ، فَتَوَاقَعُوا وَاقْتَتَلُوا، وَتَكَاثَرَ الْغُزُّ فَسَمِعَ مُهَذَّبُ الدَّوْلَةِ الْخَبَرَ، فَسَارَ فِي الْعَسَاكِرِ إِلَى الْمَعْرَكَةِ وَهُمْ يَقْتَتِلُونَ، وَقَدْ ثَبَتَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ لِصَاحِبَتِهَا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ إِلَى حَدِّ أَنَّ بَعْضَ الْغُزِّ رَمَى فَرَسَ بَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي كَالِيجَارَ بِسَهْمٍ، فَوَقَعَ فِيهِ، وَطَعَنَهُ صَاحِبُ الْفَرَسِ بِرُمْحٍ، فَأَصَابَ فَرَسَ الْغُزِّيِّ، وَحَمَلَ الْغُزِّيُّ عَلَى صَاحِبِ الْفَرَسِ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً قَطَعَتْ يَدَهُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْفَرَسِ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، فَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ فَقَطَعَهُ قِطْعَتَيْنِ، وَسَقَطَا إِلَى الْأَرْضِ قَتِيلَيْنِ، وَالْفَرَسَانِ قَتِيلَانِ، وَهَذِهِ حَالَةٌ لَمْ يُدَوَّنْ عَنْ مُقَدَّمِي الشُّجْعَانِ أَحْسَنُ مِنْهَا. فَلَمَّا وَصَلَ مُهَذِّبُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْمَعْرَكَةِ انْهَزَمَ الْغُزُّ وَتَرَكُوا مَا كَانُوا يَنْهَبُونَهُ، وَدَخَلُوا الْمَفَازَةَ، وَتَبِعَهُمُ الدَّيْلَمُ إِلَى رَأْسِ الْحَدِّ، وَعَادُوا إِلَى كِرْمَانَ فَأَصْلَحُوا مَا فَسَدَ مِنْهَا. ٠ ذِكْرُ الْوَحْشَةِ بَيْنَ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَجَلَالِ الدَّوْلَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ افْتُتِحَتِ الْجَوَالِي فِي الْمُحَرَّمِ بِبَغْدَاذَ، فَأَنْفَذَ الْمَلِكُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ فَأَخَذَ مَا تَحَصَّلَ مِنْهَا، وَكَانَتِ الْعَادَةُ أَنْ يُحْمَلَ مَا يُحَصَّلُ مِنْهَا إِلَى الْخُلَفَاءِ لَا تُعَارِضُهُمْ فِيهَا الْمُلُوكُ، فَلَمَّا فَعَلَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ ذَلِكَ عَظُمَ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَأَرْسَلَ مَعَ أَقَضَى الْقُضَاةِ أَبِي الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيِّ فِي ذَلِكَ، وَتَكَرَّرَتِ الرَّسَائِلُ،

стр. 4562

فَلَمْ يُصْغِ جَلَالُ الدَّوْلَةِ لِذَلِكَ، وَأَخَذَ الْجَوَالِيَ، فَجَمَعَ الْخَلِيفَةُ الْهَاشِمِيِّينَ بِالدَّارِ وَالرَّجَّالَةَ، وَتَقَدَّمَ بِإِصْلَاحِ الطَّيَّارِ وَالزَّبَازَبِ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِ الْأَطْرَافِ وَالْقُضَاةِ بِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ، وَأَظْهَرَ الْعَزْمَ عَلَى مُفَارَقَةِ بَغْدَاذَ، فَلَمْ يَتِمَّ ذَلِكَ، وَحَدَثَ وَحْشَةٌ مِنَ الْجِهَتَيْنِ، فَاقْتَضَتِ الْحَالُ أَنَّ الْمَلِكَ يَتْرُكُ مُعَارَضَةَ النُّوَّابِ الْإِمَامِيَّةِ فِيهَا فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ. ذِكْرُ مُحَاصِرَةِ شَهْرَزُورَ وَغَيْرِهَا (فِي هَذِهِ السَّنَةِ) سَارَ أَبُو الشَّوْكِ إِلَى شَهْرَزُورَ، فَحَصَرَهَا وَنَهَبَهَا وَأَحْرَقَهَا، وَخَرَّبَ قُرَاهَا وَسَوَادَهَا، وَحَصَرَ قَلْعَةَ تِبْرَانْشَاهْ، فَدَفَعَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عِيَاضٍ عَنْهَا، وَوَعَدَهُ أَنْ يُخَلِّصَ وَلَدَهُ أَبَا الْفَتْحِ مِنْ أَخِيهِ مُهَلْهِلٍ، وَأَنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُمَا. وَكَانَ مُهَلْهَلٌ قَدْ سَارَ مِنْ شَهْرَزُورَ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ أَخَاهُ أَبَا الشَّوْكِ يُرِيدُ قَصْدَهَا، وَقَصَدَ نَوَاحِيَ سِنْدَةَ وَغَيْرَهَا مِنْ وِلَايَاتِ أَبِي الشَّوْكِ، فَنَهَبَهَا وَأَحْرَقَهَا، وَهَلَكَتِ الرَّعِيَّةُ فِي الْجِهَتَيْنِ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا الشَّوْكِ رَاسَلَ أَبَا الْقَاسِمِ بْنَ عِيَاضٍ يَسْتَنْجِزُهُ مَا وَعَدَهُ بِهِ مِنْ تَخْلِيصِ وَلَدِهِ، وَالشُّرُوطَ الَّتِي تَقَرَّرَتْ بَيْنَهُمَا، فَأَجَابَهُ بِأَنَّ مُهَلْهِلًا غَيْرُ مُجِيبٍ إِلَيْهِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ سَارَ أبُو الشَّوْكِ مِنْ حُلْوَانَ إِلَى الصَّامِغَانِ وَنَهَبَهَا، وَنَهَبَ الْوِلَايَةَ الَّتِي لِمُهَلْهِلٍ جَمِيعَهَا، فَانْزَاحَ مُهَلْهِلٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا، فَاصْطَلَحَا عَلَى دَغَلٍ وَدَخَلٍ، وَعَادَ أَبُو الشَّوْكِ. ذِكْرُ خُرُوجِ سُكَيْنٍ بِمِصْرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَجَبٍ خَرَجَ بِمِصْرَ إِنْسَانٌ اسْمُهُ سُكَيْنٌ، كَانَ يُشْبِهُ الْحَاكِمَ

стр. 4563

صَاحِبَ مِصْرَ، فَادَّعَى أَنَّهُ الْحَاكِمُ، وَقَدْ رَجَعَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَاتَّبَعَهُ جَمْعٌ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ رَجْعَةَ الْحَاكِمِ، فَاغْتَنَمُوا خُلُوَّ دَارَ الْخَلِيفَةِ بِمِصْرَ مِنَ الْجُنْدِ وَقَصَدُوهَا مَعَ سُكَيْنٍ نِصْفَ النَّهَارِ، فَدَخَلُوا الدِّهْلِيزَ، فَوَثَبَ مَنْ هُنَاكَ مِنَ الْجُنْدِ، فَقَالَ لَهُمْ أَصْحَابُهُ: إِنَّهُ الْحَاكِمُ، فَارْتَاعوا لِذَلِكَ، ثُمَّ ارْتَابُوا بِهِ، فَقَبَضُوا عَلَى سُكَيْنٍ وَوَقَعَ الصَّوْتُ، وَاقْتَتَلُوا، فَتَرَاجَعَ الْجُنْدُ إِلَى الْقَصْرِ، وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةٌ، وَأُسِرَ الْبَاقُونَ وَصُلِبُوا أَحْيَاءً، وَرَمَاهُمُ الْجُنْدُ بِالنُّشَّابِ حَتَّى مَاتُوا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ بِمَدِينَةِ تَبْرِيزَ، هَدَمَتْ قَلْعَتَهَا وَسُورَهَا وَدُورَهَا وَأَسْوَاقَهَا وَأَكْثَرَ دَارِ الْإِمَارَةِ، وَسَلِمَ الْأَمِيرُ لِأَنَّهُ كَانَ فِي بَعْضِ الْبَسَاتِينِ، فَأُحْصِيَ مَنْ هَلَكَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَكَانُوا قُرْبًا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَلَبِسَ الْأَمِيرُ السَّوَادَ وَالْمُسُوحَ لِعَظَمِ الْمُصِيبَةِ، وَعَزَمَ عَلَى الصُّعُودِ إِلَى بَعْضِ قِلَاعِهِ، خَوْفًا مِنْ تَوَجُّهِ الْغُزِّ السَّلْجُوقِيَّةِ إِلَيْهِ، وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الرَّقِّيِّ الْعَلَوِيُّ النَّقِيبُ بِالْمَوْصِلِ. وَفِيهَا قَتَلَ قِرْوَاشٌ كَاتِبَهُ أَبَا الْفَتْحِ بْنَ الْمُفَرَّجِ صَبْرًا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ الْحَافِظُ، أَقَامَ بِمَكَّةَ، وَتَزَوَّجَ مِنَ

стр. 4564

الْعَرَبِ، وَأَقَامَ بِالسَّرَوَاتِ، وَكَانَ يَحُجُّ كُلَّ سَنَةٍ، يُحَدِّثُ فِي الْمَوْسِمِ وَيَعُودُ إِلَى أَهْلِهِ، وَصَحِبَ (الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيَّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الزُّهْرِيُّ مِنْ وَلَدِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَكَانَ فَقِيهًا شَافِعِيًّا) .

стр. 4565

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ٤٣٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ إِخْرَاجِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى وَالْغُرَبَاءِ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَخْرَجَ مَلِكُ الرُّومِ الْغُرَبَاءَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى وَسَائِرَ الْأَنْوَاعِ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ وَقَعَ الْخَبَرُ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ أَنَّ قُسْطَنْطِينَ قَتَلَ ابْنَتَيِ الْمَلِكِ الْمُتَقَدِّمِ اللَّتَيْنِ قَدْ صَارَ الْمُلْكُ فِيهِمَا الْآنَ، فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْبَلَدِ وَأَثَارُوا الْفِتْنَةَ، وَطَمِعُوا فِي النَّهْبِ، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ قُسْطَنْطِينُ، وَسَأَلَهُمْ عَنِ السَّبَبِ فِي ذَلِكَ، فَقَالُوا: قَتَلْتَ الْمَلِكَتَيْنِ وَأَفْسَدْتَ الْمُلْكَ. فَقَالَ: مَا قَتَلْتُهُمَا. وَأَخْرَجَهُمَا حَتَّى رَآهُمَا النَّاسُ، فَسَكَنُوا. ثُمَّ إِنَّهُ سَأَلَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ فِعْلُ الْغُرَبَاءِ. وَأَشَارُوا بِإِبْعَادِهِمْ، وَأَمَرَ فَنُودِيَ أَنْ لَا يُقِيمَ أَحَدٌ وَرَدَ الْبَلَدَ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَمَنْ أَقَامَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كُحِلَ، فخَرَجَ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ، وَلَمْ يَبْقَ بِهَا أَكْثَرُ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ نَفَسًا ضَمِنَهُمُ الرُّومُ، فَتَرَكَهُمْ. ذِكْرُ وَفَاةِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ وَمُلْكِ أَبِي كَالِيجَارَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي سَادِسِ شَعْبَانَ تُوُفِّيَ الْمَلِكُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ أَبُو طَاهِرِ بْنُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ بِبَغْدَاذَ، وَكَانَ مَرَضُهُ وَرَمًا فِي كَبِدِهِ، وَبَقِيَ عِدَّةَ أَيَّامٍ مَرِيضًا وَتُوُفِّيَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَمُلْكُهُ بِبَغْدَادَ سِتَّ عَشْرَةَ

стр. 4566

سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، وَدُفِنَ بِدَارِهِ، وَمَنْ عَلِمَ سِيرَتَهُ وَضَعْفَهُ وَاسْتِيلَاءَ الْجُنْدِ وَالنُّوَّابِ عَلَيْهِ وَدَوَامَ مُلْكِهِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ - عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ، وَيَنْزِعُهُ مِمَّنْ يَشَاءُ. وَكَانَ يَزُورُ الصَّالِحِينَ وَيَقْرَبُ مِنْهُمْ، وَزَارَ مَرَّةً مَشْهَدَيْ عَلِيٍّ وَالْحُسَيْنِ ﵉ وَكَانَ يَمْشِي حَافِيًا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى كُلِّ مَشْهَدٍ مِنْهُمَا نَحْوَ فَرْسَخٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ تَدَيُّنًا. وَلَمَّا تُوُفِّيَ انْتَقَلَ الْوَزِيرُ كَمَالُ الْمُلْكِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ وَأَصْحَابُ الْمَلِكِ الْأَكَابِرُ إِلَى بَابِ الْمَرَاتِبِ، وَحَرِيمِ دَارِ الْخِلَافَةِ، خَوْفًا مِنْ نَهْبِ الْأَتْرَاكِ وَالْعَامَّةِ دُورَهُمْ، فَاجْتَمَعَ قُوَّادُ الْعَسْكَرِ تَحْتَ دَارِ الْمَمْلَكَةِ، وَمَنَعُوا النَّاسَ مِنْ نَهْبِهَا. وَلَمَّا تُوُفِّيَ كَانَ وَلَدُهُ الْأَكْبَرُ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ أَبُو مَنْصُورٍ بِوَاسِطٍ عَلَى عَادَتِهِ، فَكَاتَبَهُ الْأَجْنَادُ بِالطَّاعَةِ، وَشَرَطُوا عَلَيْهِ تَعْجِيلَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ حَقِّ الْبَيْعَةِ، فَتَرَدَّدَتِ الْمُرَاسَلَاتُ بَيْنَهُمْ فِي مِقْدَارِهِ (وَتَأْخِيرِهِ لِفَقْدِهِ) . وَبَلَغَ مَوْتُهُ إِلَى الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ بْنِ سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ بْنِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، فَكَاتَبَ الْقُوَّادَ وَالْأَجْنَادَ، وَرَغَّبَهُمْ فِي الْمَالِ وَكَثْرَتِهِ وَتَعْجِيلِهِ، فَمَالُوا إِلَيْهِ، وَعَدَلُوا عَنِ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ. وَأَمَّا الْمَلِكُ الْعَزِيزُ فَإِنَّهُ أُصْعِدَ (إِلَى بَغْدَاذَ لَمَّا) قَرُبَ الْمَلِكُ أَبُو كَالِيجَارَ مِنْهَا، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] عَازِمًا عَلَى قَصْدِ بَغْدَاذَ وَمَعَهُ

стр. 4567

عَسْكَرُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ النُّعْمَانِيَّةَ غَدَرَ بِهِ عَسْكَرُهُ وَرَجَعُوا إِلَى وَاسِطٍ، وَخَطَبُوا لِأَبِي كَالِيجَارَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مَضَى إِلَى نُورِ الدَّوْلَةِ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ، لِأَنَّهُ بَلَغَهُ مَيْلُ جُنْدِ بَغْدَاذَ إِلَى أَبِي كَالِيجَارَ، وَسَارَ مِنْ عِنْدِ دُبَيْسٍ إِلَى قِرْوَاشِ بْنِ الْمُقَلِّدِ، فَاجْتَمَعَ بِهِ بِقَرْيَةِ خُصَّةَ مِنْ أَعْمَالِ بَغْدَاذَ، وَسَارَ مَعَهُ إِلَى الْمَوْصِلِ، ثُمَّ فَارَقَهُ وَقَصَدَ أَبَا الشَّوْكِ لِأَنَّهُ حَمُوهُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى أَبِي الشَّوْكِ غَدَرَ بِهِ، وَأَلْزَمَهُ بِطَلَاقِ ابْنَتِهِ، فَفَعَلَ، وَسَارَ عَنْهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ أَخِي طُغْرُلْبَك، وَتَنَقَّلَتْ بِهِ الْأَحْوَالُ حَتَّى قَدِمَ بَغْدَاذَ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ عَازِمًا عَلَى اسْتِمَالَةِ الْعَسْكَرِ وَأَخْذِ الْمُلْكِ، فَثَارَ بِهِ أَصْحَابُ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، فَقُتِلَ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ، وَسَارَ هُوَ مُتَخَفِّيًا، فَقَصَدَ نَصْرَ الدَّوْلَةِ بْنَ مَرْوَانَ، فَتُوُفِّيَ عِنْدَهُ بِمَيَّافَارِقِينَ، وَحُمِلَ إِلَى بَغْدَادَ، وَدُفِنَ عِنْدَ أَبِيهِ بِمَقَابِرِ قُرَيْشٍ، فِي مَشْهَدِ بَابِ التِّبْنِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] . وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ آخِرُ مُلُوكِ بَنِي بُوَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ مَلَكَ بَعْدَهُ أَبُو كَالِيجَارَ، ثُمَّ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ بْنُ أَبِي كَالِيجَارَ، وَهُوَ آخِرُهُمْ عَلَى مَا تَرَاهُ. وَأَمَّا الْمَلِكُ أَبُو كَالِيجَارَ فَلَمْ تَزَلِ الرُّسُلُ تَتَرَدَّدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَسْكَرِ بَغْدَاذَ حَتَّى اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ لَهُ، وَحَلَفُوا، وَخَطَبُوا لَهُ بِبَغْدَاذَ فِي صَفَرٍ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ حَالِ أَبِي الْفَتْحِ مَوْدُودِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ الْمَلِكُ أَبُو الْفَتْحِ مَوْدُودُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ عَسْكَرًا مَعَ حَاجِبٍ لَهُ إِلَى نَوَاحِي خُرَاسَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ دَاوُدُ أَخُو طُغْرُلْبَك، وَهُوَ صَاحِبُ خُرَاسَانَ - وَلَدَهُ أَلْبَ أَرْسِلَانَ فِي عَسْكَرٍ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَكَانَ الظَّفَرُ لِلْمَلِكِ أَلْبِ أَرْسِلَانَ، وَعَادَ عَسْكَرُ غَزْنَةَ مُنْهَزِمًا. وَفِيهَا أَيْضًا فِي صَفَرٍ سَارَ جَمْعٌ مِنَ الْغُزِّ إِلَى نَوَاحِي بُسْتَ، وَفَعَلُوا مَا عُرِفَ مِنْهُمْ مِنَ النَّهْبِ وَالشَّرِّ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ أَبُو الْفَتْحِ مَوْدُودٌ عَسْكَرًا، فَالْتَقَوْا بِوِلَايَةِ بُسْتَ،

стр. 4568

وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، انْهَزَمَ الْغُزُّ فِيهِ، وَظَفِرَ عَسْكَرُ مَوْدُودٍ، وَأَكْثَرُوا فِيهِمُ الْقَتْلَ وَالْأَسْرَ. ذِكْرُ مُلْكِ مَوْدُودٍ عِدَّةَ حُصُونٍ مِنْ بَلَدِ الْهِنْدِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اجْتَمَعَ ثَلَاثَةُ مُلُوكٍ مِنْ مُلُوكِ الْهِنْدِ، وَقَصَدُوا لَهَاوُورَ وَحَصَرُوهَا، فَجَمَعَ مُقَدَّمُ الْعَسَاكِرِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِتِلْكَ الدِّيَارِ مَنْ عِنْدَهُ مِنْهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِهِ مَوْدُودٍ يَسْتَنْجِدُهُ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ الْعَسَاكِرَ. فَاتَّفَقَ أَنَّ بَعْضَ أُولَئِكَ الْمُلُوكِ فَارَقَهُمْ وَعَادَ إِلَى طَاعَةِ مَوْدُودٍ، فَرَحَلَ الْمَلِكَانِ الْآخَرَانِ إِلَى بِلَادِهِمَا، فَسَارَتِ الْعَسَاكِرُ الْإِسْلَامِيَّةُ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَيُعْرَفُ بِدُوبَالَ هَرْبَاتَهْ، فَانْهَزَمَ مِنْهُمْ، وَصَعِدَ إِلَى قَلْعَةٍ لَهُ مَنِيعَةٍ هُوَ وَعَسَاكِرُهُ، فَاحْتَمَوْا بِهَا، وَكَانُوا خَمْسَةَ آلَافِ فَارِسٍ وَسَبْعِينَ أَلْفَ رَاجِلٍ، وَحَصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَضَيَّقُوا عَلَيْهِمْ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِيهِمْ، فَطَلَبَ الْهُنُودُ الْأَمَانَ عَلَى تَسْلِيمِ الْحِصْنِ، فَامْتَنَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ إِجَابَتِهِمْ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُضِيفُوا إِلَيْهِ بَاقِيَ حُصُونِ ذَلِكَ الْمَلِكِ الَّذِي لَهُمْ، فَحَمَلَهُمُ الْخَوْفُ وَعَدَمُ الْأَقْوَاتِ عَلَى إِجَابَتِهِمْ إِلَى مَا طَلَبُوا، وَتَسَلَّمُوا الْجَمِيعَ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْوَالَ، وَأَطْلَقُوا مَا فِي الْحُصُونِ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَانُوا نَحْوَ خَمْسَةِ آلَافِ نَفَرٍ. فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ قَصَدُوا وِلَايَةَ الْمَلِكِ الثَّانِي، وَاسْمُهُ تَابَتُ، بِالرَّيِّ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ وَلَقِيَهُمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَتِ الْهُنُودُ، وَأَجْلَتِ الْمَعْرَكَةُ عَنْ قَتْلِ مَلِكِهِمْ وَخَمْسَةِ آلَافِ قَتِيلٍ، وَجُرِحَ وَأُسِرَ ضَعْفَاهُمْ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ أَمْوَالَهُمْ وَسِلَاحَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ. فَلَمَّا رَأَى بَاقِي الْمُلُوكِ مِنَ الْهِنْدِ مَا لَقِيَ هَؤُلَاءِ أَذْعَنُوا بِالطَّاعَةِ، وَحَمَلُوا الْأَمْوَالَ، وَطَلَبُوا الْأَمَانَ وَالْإِقْرَارَ عَلَى بِلَادِهِمْ، فَأُجِيبُوا إِلَى ذَلِكَ.

стр. 4569

ذِكْرُ الْخُلْفِ بَيْنَ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ وَفِرَامَرْزَ بْنِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ نَكَثَ الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورٍ فِرَامَرْزُ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ كَاكَوَيْهِ صَاحِبُ أَصْبَهَانَ - الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، وَسَيَّرَ عَسْكَرًا إِلَى نَوَاحِي كِرْمَانَ، فَمَلَكُوا مِنْهَا حِصْنَيْنِ، وَغَنِمُوا مَا فِيهِمَا. فَأَرْسَلَ الْمَلِكُ أَبُو كَالِيجَارَ إِلَيْهِ فِي إِعَادَتِهِمَا وَإِزَالَةِ الِاعْتِرَاضِ عَنْهُمَا، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَجَهَّزَ عَسْكَرًا وَسَيَّرَهُ إِلَى أَبَرْقُوهَ فَحَصَرَهَا وَمَلَكَهَا، فَانْزَعَجَ فِرَامَرْزُ لِذَلِكَ، وَجَهَّزَ عَسْكَرًا كَثِيرًا وَسَيَّرَهُ إِلَيْهِمْ، فَسَمِعَ الْمَلِكُ أَبُو كَالِيجَارَ بِذَلِكَ، فَسَيَّرَ عَسْكَرًا ثَانِيًا مَدَدًا لِعَسْكَرِهِ الْأَوَّلِ، وَالْتَقَى الْعَسْكَرَانِ فَاقْتَتَلُوا وَصَبَرُوا، ثُمَّ انْهَزَمَ عَسْكَرُ أَصْبَهَانَ، وَأُسِرَ مُقَدَّمُهُمُ الْأَمِيرُ إِسْحَاقُ بْنُ يَنَّالَ، وَاسْتَرَدَّ نُوَّابُ أَبِي كَالِيجَارَ مَا كَانُوا أَخَذُوهُ مِنْ كِرْمَانَ. ذِكْرُ أَخْبَارِ التُّرْكِ بِمَا وَرَاءِ النَّهْرِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي صَفَرٍ أَسْلَمَ مِنْ كُفَّارِ التُّرْكِ الَّذِينَ كَانُوا يَطْرُقُونَ بِلَادَ الْإِسْلَامِ بِنُوَاحِي بَلَاسَاغُونَ وَكَاشْغَرَ، وَيُغِيرُونَ وَيَعِيثُونَ - عَشْرَةُ آلَافِ خَرْكَاةٍ، وَضَحَّوْا يَوْمَ عِيدِ الْأَضْحَى بِعِشْرِينَ أَلْفَ رَأْسِ غَنَمٍ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُمْ. وَكَانُوا يُصَيِّفُونَ بِنُوَاحِي بُلْغَارَ، وَيُشَتُّونَ بِنُوَاحِي بَلَاسَاغُونَ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا تَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ، فَكَانَ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ أَلْفُ خَرْكَاةٍ وَأَقَلُّ وَأَكْثَرُ، لِأَمْنِهِمْ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا كَانُوا يَجْتَمِعُونَ لِيَحْمِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَبَقِيَ مِنَ الْأَتْرَاكِ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ تَتَرٌ وَخَطَا، وَهُمْ بِنُوَاحِي الصِّينِ. وَكَانَ صَاحِبُ بَلَاسَاغُونَ وَبِلَادِ التُّرْكِ شَرَفَ الدَّوْلَةِ، وَفِيهِ دِينٌ، وَقَدْ أَقْنَعَ مِنْ إِخْوَتِهِ وَأَقَارِبِهِ بِالطَّاعَةِ، وَقَسَمَ الْبِلَادَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْطَى (أَخَاهُ أُصْلَانَ تِكِينَ كَثِيرًا مِنْ بِلَادِ التُّرْكِ، وَأَعْطَى أَخَاهُ بُغْرَاخَانْ طِرَازَ وَأَسْبِيجَابَ، وَأَعْطَى عَمَّهُ طُغَاخَانْ فَرْغَانَةَ بِأَسْرِهَا) ، وَأَعْطَى ابْنَ عَلِيِّ تِكِينَ بُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ وَغَيْرَهُمَا، وَقَنِعَ هُوَ بِبَلَاسَاغُونَ وَكَاشْغَرَ.

стр. 4570

ذِكْرُ أَخْبَارِ الرُّومِ وَالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي صَفَرٍ أَيْضًا وَرَدَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ عَدَدٌ كَثِيرٌ مِنَ الرُّوسِ فِي الْبَحْرِ، وَرَاسَلُوا قُسْطَنْطِينَ مَلِكَ الرُّومِ بِمَا لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَتُهُمْ، فَاجْتَمَعَتِ الرُّومُ عَلَى حَرْبِهِمْ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ فَارَقَ الْمَرَاكِبَ إِلَى الْبَرِّ، وَبَعْضُهُمْ فِيهَا، فَأَلْقَى الرُّومُ فِي مَرَاكِبِهِمُ النَّارَ، فَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى إِطْفَائِهَا، فَهَلَكَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِالْحَرْقِ وَالْغَرَقِ، وَأَمَّا الَّذِينَ عَلَى الْبَرِّ فَقَاتَلُوا وَأَبْلَوْا، وَصَبَرُوا ثُمَّ انْهَزَمُوا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَلْجَأٌ، فَمَنِ اسْتَسْلَمَ أَوَّلًا اسْتُرِقَّ وَسَلِمَ، وَمَنِ امْتَنَعَ حَتَّى أُخِذَ قَهْرًا قَطَعَ الرُّومُ أَيْمَانَهُمْ، وَطِيفَ بِهِمْ فِي الْبَلَدِ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ إِلَّا الْيَسِيرُ مَعَ ابْنِ مَلَكِ الرُّوسِيَّةِ، وَكُفِيَ الرُّومُ شَرَّهُمْ. ذِكْرُ طَاعَةِ الْمُعِزِّ بِإِفْرِيقِيَّةَ لِلْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَظْهَرَ الْمُعِزُّ بِبِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ الدُّعَاءَ لِلدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَخُطِبَ لِلْإِمَامِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَرَدَتْ عَلَيْهِ الْخِلَعُ وَالتَّقْلِيدُ بِبِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ وَجَمِيعِ مَا يَفْتَحُهُ، وَفِي أَوَّلِ الْكِتَابِ الَّذِي مَعَ الرُّسُل ِ: " مِنْ عَبْدِ اللَّهِ وَوَلِيِّهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْمَلِكِ الْأَوْحَدِ ثِقَةِ الْإِسْلَامِ، وَشَرَفِ الْإِمَامِ، وَعُمَةِ الْأَنَامِ، نَاصِرِ دِينِ اللَّهِ، قَاهِرِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَمُؤَيِّدِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبِي تَمِيمٍ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ بْنِ الْمَنْصُورِ وَلِيِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِوِلَايَةِ جَمِيعِ الْمَغْرِبِ وَمَا افْتَتَحَهُ بِسَيْفِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ". وَهُوَ طَوِيل ٌ. وَأُرْسِلَ إِلَيْهِ سَيْفٌ وَفَرَسٌ وَأَعْلَامٌ عَلَى طَرِيقِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَوَصَلَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَدُخِلَ بِهِ إِلَى الْجَامِعِ وَالْخَطِيبُ ابْنُ الْفَاكَاةِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ الْخُطْبَةَ الثَّانِيَةَ، فَدَخَلَتِ الْأَعْلَامُ فَقَال َ: هَذَا لِوَاءُ الْحَمْدِ يَجْمَعُكُم ْ، وَهَذَا مُعِزُّ الدِّينِ يَسْمَعُكُم ْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُم ْ. وَقُطِعَتِ الْخُطْبَةُ لِلْعَلَوِيِّينَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَأُحْرِقَتْ أَعْلَامُهُم ْ

стр. 4571

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَرَتْ حَرْبٌ بَيْنَ ابْنِ الْهَيْثَمِ صَاحِبِ الْبَطِيحَةِ، وَبَيْنَ الْأَجْنَادِ مِنَ الْغُزِّ وَالدَّيْلَمِ، فَأَحْرَقَ الْجَامِدَةَ وَغَيْرَهَا، وَخَطَبَ الْجُنْدُ لِلْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ. وَفِيهَا أَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ أَقَضَى الْقُضَاةِ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ الْمَاوَرْدِيَّ الْفَقِيهَ الشَّافِعِيَّ - إِلَى السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك قَبْلَ وَفَاةِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقَرِّرَ الصُّلْحَ بَيْنَ طُغْرُلْبَك وَالْمَلِكِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ وَأَبِي كَالِيجَارَ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَهُوَ بِجُرْجَانَ، فَلَقِيَهُ طُغْرُلْبَك عَلَى أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ إِجْلَالًا لِرِسَالَةِ الْخَلِيفَةِ، وَعَادَ الْمَاوَرْدِيُّ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَأَخْبَرَ عَنْ طَاعَةِ طُغْرُلْبَك لِلْخَلِيفَةِ، وَتَعْظِيمِهِ لِأَوَامِرِهِ، وَوُقُوفِهِ عِنْدَه ُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ الْفَرَجِ بْنِ الْأَزْهَرِ أَبُو الْقَاسِمِ (بْنِ أَبِي الْفَتْحِ) الْأَزْهَرِيُّ (الصَّيْرَفِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ السَّوَادِيِّ، شَيْخُ الْخُطَبَاءِ أَبِي بَكْرٍ) وَكَانَ إِمَامًا فِي الْحَدِيثِ، وَمِنْ تَلَامِذَتِهِ الْخَطِيبُ الْبَغْدَاذِي ُّ.

стр. 4572

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ٤٣٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ قَتْلِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَوْقَعَ بُغْرَاخَانْ صَاحِبُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ بِجَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الْإِسْمَاعِيلِيَّة ِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ نَفَرًا مِنْهُمْ قَصَدُوا مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَدَعَوْا إِلَى طَاعَةِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ الْعَلَوِيِّ صَاحِبِ مِصْرَ، فَتَبِعَهُمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَأَظْهَرُوا مَذَاهِبَ أَنْكَرَهَا أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَاد ِ. وَسَمِعَ مَلِكُهَا بُغْرَاخَانْ خَبَرَهُمْ، وَأَرَادَ الْإِيقَاعَ بِهِمْ، فَخَافَ أَنْ يُسْلِمَ مِنْهُ بَعْضُ مَنْ أَجَابَهُمْ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ، فَأَظْهَرَ لِبَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَمِيلُ إِلَيْهِمْ، وَيُرِيدُ الدُّخُولَ فِي مَذَاهِبِهِمْ، وَأَعْلَمَهُمْ ذَلِكَ، وَأَحْضَرَهُمْ مَجَالِسَهُ، وَلَمْ يَزَلْ حَتَّى عَلِمَ جَمِيعَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَى مَقَالَتِهِمْ، فَحِينَئِذٍ قَتَلَ مَنْ بِحَضْرَتِهِ مِنْهُمْ، وَكَتَبَ إِلَى سَائِرِ الْبِلَادِ بِقَتْلِ مَنْ فِيهَا، فَفُعِلَ بِهِمْ مَا أَمَرَ، وَسَلِمَتْ تِلْكَ الْبِلَادُ مِنْهُمْ. ذِكْرُ الْخِطْبَةِ لِلْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ وَإِصْعَادِهِ إِلَى بَغْدَاذَ قَدْ ذَكَرْنَا لَمَّا تُوُفِّيَ الْمَلِكُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ مَا كَانَ مِنْ مُرَاسَلَةِ الْجُنْدِ الْمَلِكَ أَبَا كَالِيجَارَ وَالْخُطْبَةِ لَه ُ. فَلَمَّا اسْتَقَرَّتِ الْقَوَاعِدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَرْسَلَ أَمْوَالًا فُرِّقَتْ عَلَى الْجُنْدِ بَغْدَاذَ، وَعَلَى أَوْلَادِهِمْ، وَأَرْسَلَ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ لِلْخَلِيفَةِ وَمَعَهَا هَدَايَا كَثِيرَةٌ، فَخُطِبَ لَهُ بِبَغْدَاذَ فِي صَفَرٍ، وَخَطَبَ لَهُ أَيْضًا أَبُو الشَّوْكِ فِي بِلَادِهِ، وَدُبَيْسُ بْنُ مَزْيَدٍ بِبِلَادِهِ،

стр. 4573

وَنَصْرُ الدَّوْلَةِ بْنُ مَرْوَانَ بِدِيَارِ بَكْرٍ، وَلَقَّبَهُ الْخَلِيفَةُ مُحْيِي الدِّينِ، وَسَارَ إِلَى بَغْدَاذَ فِي مِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ لِئَلَّا تَخَافَهُ الْأَتْرَاك ُ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى النُّعْمَانِيَّةِ لَقِيَهُ دُبَيْسُ بْنُ مَزْيَدٍ، وَمَضَى إِلَى زِيَارَةِ الْمَشْهَدَيْنِ بِالْكُوفَةِ وَكَرْبَلَاءَ، وَدَخَلَ إِلَى بَغْدَاذَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَمَعَهُ وَزِيرُهُ ذُو السَّعَادَاتِ أَبُو الْفَرَجِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ فَسَانْجِسَ، وَوَعَدَهُ الْخَلِيفَةُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ، فَاسْتَعْفَى مِنْ ذَلِكَ، وَأَخْرَجَ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ (أَبَا سَعْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ وَأَخَاهُ كَمَالَ الْمُلْكِ وَزِيرَيْ جَلَالِ الدَّوْلَةِ) مِنْ بَغْدَاذَ، فَمَضَى أَبُو سَعْدٍ إِلَى تَكْرِيتَ، وَزُيِّنَتْ بَغْدَاذُ لِقُدُومِهِ، وَأَمَرَ فَخُلِعَ عَلَى أَصْحَابِ الْجُيُوشِ، وَهُمُ: الْبَسَاسِيرِيُّ، وَالنَّشَّاوُورِيُّ، وَالْهُمَامُ أَبُو اللِّقَاءِ، وَجَرَى مِنْ ولَاةِ الْعَرْضِ تَقْدِيمٌ لِبَعْضِ الْجُنْدِ وَتَأْخِيرٌ، فَشَغَبَ بَعْضُهُمْ وَقَتَلُوا وَاحِدًا مِنْ وُلَاةِ الْعَرْضِ بِمَرْأَى مِنَ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، فَنَزَلَ فِي سُمَيْرِيَّةَ بِكِنْكِوَرَ، وَانْحَدَرَ خَوْفًا مِنِ انْخِرَاقِ الْهَيْبَةِ، وَأَصْعَدَ بِفَمِ الصِّلْحِ. [وَفَاةُ الْجَرْجَرَائِيِّ] وَفِي رَمَضَانَ مِنْهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْجَرْجَرَائِيُّ وَزِيرُ الظَّاهِرِ وَالْمُسْتَنْصِرِ الْخَلِيفَتَيْنِ، وَكَانَ فِيهِ كِفَايَةٌ وَشَهَامَةٌ وَأَمَانَةٌ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمُسْتَنْصِرُ بِاللَّهِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ نَزَلَ الْأَمِيرُ أَبُو كَالِيجَارَ كُرْشَاسُفُ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ مِنْ كِنْكِوَرَ، وَقَصَدَ هَمَذَانَ فَمَلَكَهَا، وَأَزَاحَ عَنْهَا نُوَّابَ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك، وَخَطَبَ لِلْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، وَصَارَ فِي طَاعَتِه ِ.

стр. 4574

وَفِيهَا أَمَرَ الْمَلِكُ أَبُو كَالِيجَارَ بِبِنَاءِ سُورِ مَدِينَةِ شِيرَازَ، فَبُنِيَ وَأُحْكِمَ بِنَاؤُهُ، وَكَانَ دُورُهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ ذِرَاعٍ، وَعَرْضُهُ ثَمَانِيَةَ أَذْرُعٍ، وَلَهُ أَحَدَ عَشَرَ بَابًا، وَفُرِغَ مِنْهُ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَة ٍ. وَفِيهَا نُقِلَ تَابُوتُ جَلَالِ الدَّوْلَةِ مِنْ دَارِهِ إِلَى مَشْهَدِ بَابِ التِّبْنِ إِلَى تُرْبَةٍ لَهُ هُنَاك َ. وَفِيهَا اسْتَوْزَرَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَك وَزِيرَهُ أَبَا الْقَاسِمِ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْجُوَيْنِيَّ، وَهُوَ أَوَّلُ وَزِيرٍ وَزَرَ لَهُ، ثُمَّ وَزَرَ لَهُ بَعْدَهُ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مِيكَائِيلَ، ثُمَّ وَزَرَ لَهُ بَعْدَهُ نِظَامُ الْمُلْكِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّهِسْتَانِيُّ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ لُقِّبَ نِظَامَ الْمُلْكِ، ثُمَّ وَزَرَ لَهُ بَعْدَهُ عَمِيدُ الْمُلْكِ الْكُنْدُرِيُّ، وَهُوَ أَشْهَرُهُمْ، وَإِنَّمَا اشْتَهَرَ لِأَنَّ طُغْرُلْبَك فِي أَيَّامِهِ عَظُمَتْ دَوْلَتُهُ، وَوَصَلَ إِلَى الْعِرَاقِ وَخَطَبَ لَهُ بِالسَّلْطَنَةِ، وَسَيَرِدُ فِي أَخْبَارِهِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهَا هَاهُنَا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيٌّ أَخُو الرَّضِيِّ فِي آخِرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَوَلِيَ نِقَابَةَ الْعَلَوِيِّينَ بَعْدَهُ أَبُو أَحْمَدَ عَدْنَانُ ابْنُ أَخِيهِ الرَّضِي ِّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ) الصَّيْمَرِيُّ، وَهُوَ شَيْخُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي زَمَانِهِ، وَمِنْ جُمْلَةِ تَلَامِذَتِهِ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ

стр. 4575

الدَّامَغَانِيُّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ قَضَاءَ الْكَرْخِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ مُضَافًا إِلَى مَا كَانَ يَتَوَلَّاهُ مِنَ الْقَضَاءِ بِبَابِ الطَّاق ِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ الْمُشْتَرِي قَاضِي خُوزِسْتَانَ وَفَارِسَ، وَكَانَ شَافِعِيَّ الْمَذْهَب ِ. وَفِيهَا أَيْضًا تُوُفِّيَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ، الْمُتَكَلِّمُ الْمُعْتَزِلِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ الْمَشْهُورَة ِ.

стр. 4576

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ٤٣٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ وُصُولِ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ إِلَى هَمَذَانَ وَبَلَدِ الْجَبَلِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَك أَخَاهُ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ بِالْخُرُوجِ إِلَى بَلَدِ الْجَبَلِ وَمُلْكِهَا، فَسَارَ إِلَيْهَا مِنْ كِرْمَانَ، وَقَصَدَ هَمَذَانَ وَبِهَا كُرْشَاسُفُ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ، فَفَارَقَهَا خَوْفًا، وَدَخَلَهَا يَنَّالُ فَمَلَكَهَا، وَالْتَحَقَ كُرْشَاسُفُ بِالْأَكْرَادِ الْجَوْزَقَانِ. وَكَانَ أَبُو الشَّوْكِ حِينَئِذٍ بِالدِّينَوَرِ، فَسَارَ عَنْهَا إِلَى قِرْمِسِينَ خَوْفًا وَإِشْفَاقًا مِنْ يَنَّالَ، فَقَوِيَ طَمَعُ يَنَّالَ حِينَئِذٍ فِي الْبِلَادِ، وَسَارَ إِلَى الدِّينَوَرِ فَمَلَكَهَا وَرَتَّبَ أُمُورَهَا، وَسَارَ مِنْهَا يَطْلُبُ قِرْمِسِينَ. (فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو الشَّوْكِ بِهِ سَارَ إِلَى حُلْوَانَ وَتَرَكَ بِقِرْمِسِينَ) مَنْ فِي عَسْكَرِهِ مِنَ الدَّيْلَمِ وَالْأَكْرَادِ الشَّاذِنْجَانِ لِيَمْنَعُوهَا وَيَحْفَظُوهَا، وَوَافَاهُمْ يَنَّالُ جَرِيدَةً، فَقَاتَلُوهُ، فَدَفَعُوهُ عَنْهَا، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ وَعَادَ بِخَرْكَاهَاتِهِ وَحُلَلِهِ، فَقَاتَلُوهُ فَضَعُفُوا عَنْهُ وَعَجَزُوا عَنْ مَنْعِهِ، فَمَلَكَ الْبَلَدَ فِي رَجَبٍ عَنْوَةً، وَقَتَلَ مِنَ الْعَسَاكِرِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً، وَأَخَذَ أَمْوَالَ مَنْ سَلِمَ مِنَ الْقَتْلِ وَسِلَاحَهُمْ، وَطَرَدَهُمْ، وَلَحِقُوا بِأَبِي الشَّوْكِ، وَنَهَبَ الْبَلَدَ، وَقَتَلَ وَسَبَى كَثِيرًا مِنْ أَهْلِه ِ. وَلَمَّا سَمِعَ أَبُو الشَّوْكِ ذَلِكَ سَيَّرَ أَهْلَهُ وَأَمْوَالَهُ وَسِلَاحَهُ مِنْ حُلْوَانَ إِلَى قَلْعَةِ السِّيرَوَانِ، وَأَقَامَ جَرِيدَةً فِي عَسْكَرِهِ، ثُمَّ إِنَّ يَنَّالَ سَارَ إِلَى الصَّيْمَرَةِ فِي شَعْبَانَ فَمَلَكَهَا وَنَهَبَهَا، وَأَوْقَعَ بِالْأَكْرَادِ الْمُجَاوِرِينَ لَهَا مِنَ الْجَوْزَقَانِ، فَانْهَزَمُوا، وَكَانَ كُرْشَاسُفُ بْنُ

стр. 4577

عَلَاءِ الدَّوْلَةِ نَازِلًا عِنْدَهُمْ، فَسَارَ هُوَ وَهُمْ إِلَى بَلَدِ شِهَابِ الدَّوْلَةِ أَبِي الْفَوَارِسِ مَنْصُورِ بْنِ الْحُسَيْنِ. ثُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ سَارَ إِلَى حُلْوَانَ وَقَدْ فَارَقَهَا أَبُو الشَّوْكِ، وَلَحِقَ بِقَلْعَةِ السِّيرَوَانِ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا إِبْرَاهِيمُ آخِرَ شَعْبَانَ وَقَدْ جَلَا أَهْلُهَا عَنْهَا وَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ، فَنَهَبَهَا وَأَحْرَقَهَا، وَأَحْرَقَ دَارَ أَبِي الشَّوْكِ، وَانْصَرَفَ بَعْدَ أَنِ اجْتَاحَهَا وَدَرَسَهَا. وَتَوَجَّهَ طَائِفَةٌ مِنَ الْغُزِّ إِلَى خَانِقِينَ فِي أَثَرِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ حُلْوَانَ كَانُوا سَارُوا بِأَهْلِيهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَأَدْرَكُوهُمْ وَظَفِرُوا بِهِمْ وَغَنِمُوا مَا مَعَهُمْ، وَانْتَشَرَ الْغُزُّ فِي تِلْكَ النَّوَاحِي، فَبَلَغُوا مَايَدَشْتَ وَمَا يَلِيهَا، فَنَهَبُوهَا وَأَغَارُوا عَلَيْهَا. فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ أَبُو كَالِيجَارَ هَذِهِ الْأَخْبَارَ أَزْعَجَتْهُ وَأَقْلَقَتْهُ، وَكَانَ بِخُوزِسْتَانَ، فَعَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ، وَدَفْعِ يَنَّالَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْغُزِّ عَنِ الْبِلَادِ، فَأَمَرَ عَسَاكِرَهُ بِالتَّجَهُّزِ لِلسَّفَرِ إِلَيْهِمْ، فَعَجَزُوا عَنِ الْحَرَكَةِ لِكَثْرَةِ مَا مَاتَ مِنْ دَوَابِّهِمْ، فَلَمَّا تَحَقَّقَ ذَلِكَ سَارَ نَحْوَ بِلَادِ فَارِسَ، فَحَمَلَ الْعَسْكَرُ أَثْقَالَهُمْ عَلَى الْحَمِيرِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ خُطِبَ لِلْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ بِأَصْبَهَانَ وَأَعْمَالِهَا، وَعَادَ الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ إِلَى طَاعَتِه ِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا عَصَى عَلَى الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، وَقَصَدَ كِرْمَانَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَالْتَجَأَ إِلَى طَاعَةِ طُغْرُلْبَك - لَمْ يَبْلُغْ مَا كَانَ يُؤَمِّلُهُ مِنْ طُغْرُلْبَك، فَلَمَّا عَادَ طُغْرُلْبَك إِلَى خُرَاسَانَ خَافَ أَبُو مَنْصُورٍ مِنَ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، فَرَاسَلَهُ فِي الْعَوْدِ إِلَى طَاعَتِهِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ وَاصْطَلَحَا. وَفِيهَا اصْطَلَحَ أَبُو الشَّوْكِ وَأَخُوهُ مُهَلْهِلٌ، وَكَانَا مُتَقَاطِعَيْنِ مِنْ حِينِ أَسَرَ مُهَلْهِلٌ أَبَا الْفَتْحِ بْنَ أَبِي الشَّوْكِ وَمَوْتِ أَبِي الْفَتْحِ فِي سِجْنِه ِ. فَلَمَّا كَانَ الْآنَ وَخَافَا مِنَ الْغُزِّ تَرَاسَلَا فِي الُلْحِ، وَاعْتَذَرَ مُهَلْهِلٌ، وَأَرْسَلَ وَلَدَهُ أَبَا الْغَنَائِمِ إِلَى أَبِي الشَّوْكِ، وَحَلَفَ لَهُ أَنَّ أَبَا الْفَتْحِ تُوُفِّيَ حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ غَيْرِ قَتْلٍ، وَقَالَ: هَذَا وَلَدِي تَقْتُلُهُ عِوَضَهُ. فَرَضِيَ أَبُو الشَّوْكِ وَحْسَنَ إِلَى أَبِي الْغَنَائِمِ، وَرَدَّهُ إِلَى أَبِيهِ، وَاصْطَلَحَا وَاتَّفَقَا.

стр. 4578

وَفِيهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى خَلَعَ الْخَلِيفَةُ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْمَسْلَمَةِ وَاسْتَوْزَرَهُ، وَلَقَّبَهُ رَئِيسَ الرُّؤَسَاءِ، وَهُوَ ابْتِدَاءُ حَالِه ِ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ ذَا السَّعَادَاتِ بْنَ فَسَانْجِسَ وَزِيرَ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ - كَانَ يُسِيءُ الرَّأْيَ فِي عَمِيدِ الرُّؤَسَاءِ وَزِيرِ الْخَلِيفَةِ، فَطَلَبَ مِنَ الْخَلِيفَةِ أَنْ يَعْزِلَهُ فَعَزَلَهُ، وَاسْتَوْزَرَ رَئِيسَ الرُّؤَسَاءِ نِيَابَةً، ثُمَّ خَلَعَ عَلَيْهِ وَجَلَسَ فِي الدَّسْت ِ. وَفِيهَا فِي شَعْبَانَ سَارَ سُرْخَابُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِنَّازٍ أَخُو أَبِي الشَّوْكِ إِلَى الْبَنْدَنِيجِينَ، وَبِهَا سَعْدِي بْنُ أَبِي الشَّوْكِ، فَفَارَقَهَا سَعْدِي وَلَحِقَ بِأَبِيهِ، وَنَهَبَ سُرْخَابٌ بَعْضَهَا، وَكَانَ أَبُو الشَّوْكِ قَدْ أَخَذَ بَلَدَ سُرْخَابٍ مَا عَدَا دَزْدِيلُويَةَ، وَهُمَا مُتَبَايِنَانِ لِذَلِك َ. وَفِيهَا فِي آخِرِ رَمَضَانَ تُوُفِّيَ أَبُو الشَّوْكِ فَارِسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِنَّازٍ بِقَلْعَةِ السِّيرَوَانِ، وَكَانَ مَرِضَ لَمَّا سَارَ إِلَى السِّيرَوَانِ (مِنْ حُلْوَانَ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ غَدَرَ الْأَكْرَادُ بِابْنِهِ) سَعْدِي، وَصَارُوا مَعَ عَمِّهِ مُهَلْهِلٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ مَضَى سَعْدِي إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ وَأَتَى بِالْغُزِّ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهَا قُتِلَ عِيسَى بْنُ مُوسَى الْهَذْبَانِيُّ صَاحِبُ إِرْبِلَ، وَكَانَ خَرَجَ إِلَى الصَّيْدِ، فَقَتَلَهُ ابْنَا أَخٍ لَهُ، وَسَارَا إِلَى قَلْعَةِ إِرْبِلَ فَمَلَكَاهَا، وَكَانَ سَلَّارُ بْنُ مُوسَى أَخُو الْمَقْتُولِ نَازِلًا عَلَى قِرْوَاشِ بْنِ الْمُقَلِّدِ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، لِنُفْرَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ، فَلَمَّا قُتِلَ سَارَ قِرْوَاشٌ مَعَ السَّلَّارِ إِلَى إِرْبِلَ فَمَلَكَهَا وَسَلَّمَهَا إِلَى السَّلَّارِ، وَعَادَ قِرْوَاشٌ إِلَى الْمَوْصِل ِ. وَفِيهَا كَانَتْ بِبَغْدَاذَ فِتْنَةٌ بَيْنَ أَهْلِ الْكَرْخِ وَبَابِ الْبَصْرَةِ، وَقِتَالٌ اشْتَدَّ قُتِلَ فِيهِ جَمَاعَةٌ. (وَفِيهَا وَقَعَ الْبَلَاءُ وَالْوَبَاءُ فِي الْخَيْلِ، فَهَلَكَ مِنْ عَسْكَرِ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ اثْنَا

стр. 4579

عَشَرَ أَلْفَ فَرَسٍ، وَعَمَّ ذَلِكَ الْبِلَادَ) . [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ أَبُو الْحَسَنِ الْكَاتِبُ بِوَاسِطٍ، صَاحِبُ الرَّسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ.

стр. 4580

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ٤٣٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ مُهَلْهِلٍ قِرْمِسِينَ وَالدِّينَوَرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ مُهَلْهِلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِنَّازٍ مَدِينَةَ قِرْمِسِينَ وَالدِّينَوَرَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ كَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَ عِنْدَ عَوْدِهِ مِنْ حُلْوَانَ عَلَى قِرْمِسِينَ بَدْرَ بْنَ طَاهِرِ بْنِ هِلَالٍ، فَلَمَّا مَلَكَ مُهَلْهِلٌ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ أَبِي الشَّوْكِ سَارَ إِلَى مَايَدَشْتَ، وَنَزَلَ (بِهَا، ثُمَّ تَوَجَّهَ نَحْوَ قِرْمِسِينَ، فَانْصَرَفَ عَنْهَا بَدْرٌ، فَمَلَكَهَا) مُهَلْهِلٌ، وَسَيَّرَ ابْنَهُ مُحَمَّدًا إِلَى الدِّينَوَرَ وَبِهَا عَسَاكِرُ يَنَّالَ، فَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمَاعَةٌ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُ يَنَّالَ، وَمَلَكَ مُحَمَّدٌ الْبَلَد َ. ذِكْرُ اتِّصَالِ سَعْدِي بْنِ أَبِي الشَّوْكِ بِإِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَارَقَ سَعْدِي بْنُ أَبِي الشَّوْكِ عَمَّهُ مُهَلْهِلًا، وَلَحِقَ بِإِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ فَصَارَ مَعَهُ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَمَّهُ تَزَوَّجَ أَمَّهُ وَأَهْمَلَ جَانِبَهُ وَاحْتَقَرَهُ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا قَصَّرَ فِي مُرَاعَاةِ الْأَكْرَادِ الشَّاذِنْجِانِ، فَرَاسَلَ سَعْدِي إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ فِي اللَّحَاقِ بِهِ، فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَوَعَدَهُ أَنْ يُمَلِّكَهُ مَا كَانَ لِأَبِيهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَكْرَادِ الشَّاذِنْجَانِ، فَقَوِيَ بِهِمْ، فَأَكْرَمَهُ يَنَّالُ، وَضَمَّ إِلَيْهِ جَمْعًا مِنَ الْغُزِّ، وَسَيَّرَهُ إِلَى حُلْوَانَ فَمَلَكَهَا،

стр. 4581

(وَخَطَبَ فِيهَا لِإِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، وَرَجَعَ إِلَى مَايَدَشْتَ، فَسَارَ عَمُّهُ مُهَلْهِلٌ إِلَى حُلْوَانَ فَمَلَكَهَا) ، وَقَطَعَ مِنْهَا خُطْبَةَ يَنَّالَ. فَلَمَّا سَمِعَ سَعْدِي بِذَلِكَ سَارَ إِلَى حُلْوَانَ، فَفَارَقَهَا عَمُّهُ مُهَلْهِلٌ إِلَى نَاحِيَةِ بَلُّوطَةَ، وَمَلَكَ سَعْدِي حُلْوَانَ وَسَارَ إِلَى عَمِّهِ سُرْخَابٍ فَكَبَسَهُ وَنَهَبَ مَا كَانَ مَعَهُ، وَسَيَّرَ جَمْعًا إِلَى الْبَنْدَنِيجَيْنِ، فَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا وَقَبَضُوا عَلَى نَائِبِ سُرْخَابٍ بِهَا، وَنَهَبُوا بَعْضَهَا، وَانْهَزَمَ سُرْخَابٌ فَصَعِدَ إِلَى قَلْعَةِ دَزْدِيلُويَةَ، ثُمَّ عَادَ سَعْدِي إِلَى قِرْمِسِينَ، فَسَيَّرَ عَمُّهُ مُهَلْهِلٌ ابْنَهُ بَدْرًا إِلَى حُلْوَانَ فَمَلَكَهَا، فَجَمَعَ سَعْدِي وَأَكْثَرَ وَعَادَ إِلَى حُلْوَانَ، فَفَارَقَهَا مَنْ كَانَ بِهَا مِنْ أَصْحَابِ عَمِّهِ إِلَّا مَنْ كَانَ بِالْقَلْعَةِ، وَمَلَكَهَا سَعْدِي، وَكَانَ قَدْ صَحِبَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْغُزِّ، فَسَارَ بِهِمْ مِنْهَا إِلَى عَمِّهِ مُهَلْهِلٍ، وَتَرَكَ بِهَا مَنْ يَحْفَظُهَا، فَلَمَّا عَلِمَ عَمُّهُ بِقُرْبِهِ مِنْهُ سَارَ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى قَلْعَةِ تِيرَانْشَاهْ بِقُرْبِ شَهْرَزُورَ، فَاحْتَمَى بِهَا، وَمَلَكَ الْغُزُّ كَثِيرًا مِنَ النَّوَاحِي وَالْمَوَاشِي، وَغَنِمُوا كَثِيرًا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالدَّوَاب ِّ. فَلَمَّا رَأَى سَعْدِي تَحَصُّنَ عَمِّهِ مِنْهُ خَافَ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ بِحُلْوَانَ، فَعَادَ عَازِمًا عَلَى مُحَاصَرَةِ الْقَلْعَةِ فَمَضَى وَحَصَرَهَا، وَقَاتَلَهُ مَنْ بِهَا مِنْ أَصْحَابِ عَمِّهِ، وَنَهَبَ الْغُزُّ حُلْوَانَ وَفَتَكُوا فِيهَا وَافْتَضُّوا الْأَبْكَارَ، وَأَحْرَقُوا الْمَسَاكِنَ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، وَفَعَلُوا فِي تِلْكَ النَّوَاحِي جَمِيعِهَا أَقْبَحَ فِعْلٍ. وَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ وَوَزِيرُهُ هَذِهِ الْأَخْبَارَ نَدَبُوا الْعَسَاكِرَ إِلَى الْخُرُوجِ إِلَى مُهَلْهِلٍ وَمُسَاعَدَتِهِ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ، وَدَفْعِهِ عَنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا. ثُمَّ إِنَّ سَعْدِي أَقْطَعَ أَبَا الْفَتْحِ بْنَ وَرَّامٍ الْبَنْدَنِيجَيْنَ وَاتَّفَقَا، وَاجْتَمَعَا عَلَى قَصْدِ عَمِّهِ سُرْخَابِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِنَّازٍ وَحَصْرِهِ بِقَلْعَةِ دَزْدِيلَوِيَّةَ، فَسَارَا فِيمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْعَسَاكِرِ، فَلَمَّا قَارَبُوا الْقَلْعَةَ دَخَلُوا فِي مَضِيقٍ هُنَاكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْعَلُوا لَهُمْ طَلِيعَةً، طَمَعًا فِيهِ وَإِدْلَالًا بِقُوَّتِهِمْ، وَكَانَ سُرْخَابٌ قَدْ جَعَلَ عَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ عَلَى فَمِ الْمَضِيقِ جَمْعًا مِنَ الْأَكْرَادِ، فَلَمَّا دَخَلُوا الْمَضِيقَ لَقِيَهُمْ سُرْخَابٌ، وَكَانَ قَدْ نَزَلَ مِنَ الْقَلْعَةِ

стр. 4582

فَاقْتَتَلُوا، وَعَادُوا لِيَخْرُجُوا مِنَ الْمَضِيقِ فَتَقَطَّرَتْ بِهِمْ خَيْلُهُمْ، فَسَقَطُوا عَنْهَا وَرَمَاهُمُ الْأَكْرَادُ الَّذِينَ عَلَى الْجَبَلِ، فَوَهَنُوا، وَأُسِرَ سَعْدِي وَأَبُو الْفَتْحِ بْنُ وَرَّامٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الرُّءُوسِ، وَتَفَرَّقَ الْغُزُّ وَالْأَكْرَادُ مِنْ تِلْكَ النَّوَاحِي، بَعْدَ أَنْ كَانُوا قَدْ تَوَطَّنُوهَا وَمَلَكُوهَا. ذِكْرُ حِصَارِ طُغْرُلْبَك أَصْبَهَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَصَرَ طُغْرُلْبَك مَدِينَةَ أَصْبَهَانَ، وَبِهَا صَاحِبُهَا أَبُو مَنْصُورٍ فِرَامَرْزُ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ، فَضَيَّقَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَظْفَرْ مِنَ الْبَلَدِ بِطَائِلٍ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى مَالٍ يَحْمِلُهُ فِرَامَرْزُ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ لِطُغْرُلْبَك، وَخُطِبَ لَهُ بِأَصْبَهَانَ وَأَعْمَالِهَا. ذِكْرُ عِدَّةِا حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ مِنَ التَّرْكِ مِنْ بَلَدِ التُّبَّتِ خَلْقٌ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، فَرَاسَلُوا أَرْسِلَانَ خَانْ صَاحِبَ بَلَاسَاغُونَ، يَشْكُرُونَهُ عَلَى حُسْنِ سِيرَتِهِ فِي رَعِيَّتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ تَعَرُّضٌ إِلَى مَمْلَكَتِهِ، وَلَكِنَّهُمْ أَقَامُوا بِهَا، وَرَاسَلَهُمْ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يُجِيبُوا، وَلَمْ يَنْفِرُوا مِنْه ُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ الْخَيْشِيُّ النَّحْوِيُّ (فِي ذِي الْحِجَّةِ) وَلَهُ نَيِّفٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً.

стр. 4583

وَفِيهَا انْحَدَرَ عَلَاءُ الدِّينِ أَبُو الْغَنَائِمِ ابْنُ الْوَزِيرِ ذِي السَّعَادَاتِ إِلَى الْبَطَائِحِ، وَحَصَرَهَا وَبِهَا صَاحِبُهَا أَبُو نَصْرِ بْنُ الْهَيْثَمِ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، وَاجْتَمَعَ مَعَ جَمْعٍ كَثِيرٍ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ، وَالِدُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَبِي الْمَعَالِي، وَكَانَ إِمَامًا فِي الشَّافِعِيَّةِ، تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الطِّيبِ سَهْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصُّعْلُوكِيِّ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْأَدَبِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ، (وَهُوَ مِنْ بَنِي سِنْبِسٍ، بَطْنٍ مِنْ طَيِّئٍ) .

стр. 4584

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ٤٣٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ صُلْحِ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ وَالسُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَرْسَلَ الْمَلِكُ أَبُو كَالِيجَارَ إِلَى السُّلْطَانِ رُكْنِ الدِّينِ طُغْرُلْبَك فِي الصُّلْحِ، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ وَاصْطَلَحَا، وَكَتَبَ طُغْرُلْبَك إِلَى أَخِيهِ يَنَّالَ يَأْمُرُهُ بِالْكَفِّ عَمَّا وَرَاءَ مَا بِيَدِهِ، وَاسْتَقَرَّ الْحَالُ بَيْنَهُمَا أَنْ يَتَزَوَّجَ طُغْرُلْبَك بِابْنَةِ أَبِي كَالِيجَارَ، وَيَتَزَوَّجَ الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ أَبِي كَالِيجَارَ بِابْنَةِ الْمَلِكِ دَاوُدَ أَخِي طُغْرُلْبَك، وَجَرَى الْعَقْدُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى سُرْخَابٍ أَخِي أَبِي الشَّوْكِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ الْأَكْرَادُ اللُّرِّيَّةُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ عَسْكَرِ سُرْخَابٍ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ أَسَاءَ السِّيرَةَ مَعَهُمْ وَوَتَرَهُمْ، فَقَبَضُوا عَلَيْهِ وَحَمَلُوهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ، فَقَلَعَ إِحْدَى عَيْنَيْهِ، وَطَالَبَهُ بِإِطْلَاقِ سَعْدِي بْنِ أَبِي الشَّوْكِ، فَلَمْ يَفْعَلْ. وَكَانَ أَبُو الْعَسْكَرِ بْنُ سُرْخَابٍ قَدْ غَاضَبَهُ لَمَّا قُبِضَ عَلَى سَعْدِي، وَاعْتَزَلَهُ كَرَاهِيَةً لِفِعْلِهِ، فَلَمَّا أُسِرَ أَبُوهُ سُرْخَابٌ سَارَ إِلَى الْقَلْعَةِ وَأَخْرَجَ سَعْدِي ابْنَ عَمِّهِ، وَفَكَّ قُيُودَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَطْلَقَهُ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ بِطَرْحِ مَا مَضَى، وَالسَّعْيِ فِي خَلَاصِ وَالِدِهِ سُرْخَابٍ، فَسَارَ سَعْدِي، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَكْرَادِ، وَوَصَلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ، فَلَمْ يَجِدْ

стр. 4585

عِنْدَهُ الَّذِي أَرَادَ، فَفَارَقَهُ وَعَادَ إِلَى الدَّسْكَرَةِ، وَكَاتَبَ الْخَلِيفَةَ وَنُوَّابَ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ بِالْعَوْدِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَأَقَامَ بِهَا. ذِكْرُ مُلْكِ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ قَلْعَةَ كِنْكِوَرَ وَغَيْرَهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ إِبْرَاهِيمُ يَنَّالُ إِلَى قَلْعَةِ كِنْكِوَرَ وَبِهَا عُكْبَرُ بْنُ فَارِسٍ صَاحِبُ كُرْشَاسُفَ بْنِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ يَحْفَظُهَا لَهُ، فَامْتَنَعَ عُكْبَرٌ بِهَا إِلَى أَنْ فَنِيَتْ ذَخَائِرُهُ، وَكَانَتْ قَلِيلَةً، فَلَمَّا نَفِدَتِ الذَّخَائِرُ عَمَدَ إِلَى بُيُوتِ الطَّعَامِ الَّتِي فِي الْقَلْعَةِ وَمَلَأَهَا تُرَابًا وَحِجَارَةً، وَسَدَّ أَبْوَابَهَا، وَنَثَرَ مِنْ دَاخِلِ الْأَبْوَابِ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ، وَعَلَى رَأْسِ التُّرَابِ وَالْحِجَارَةِ كَذَلِكَ أَيْضًا، وَرَاسَلَ إِبْرَاهِيمَ فِي تَسْلِيمِ الْقَلْعَةِ إِلَيْهِ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنَهُ عَلَى مَنْ بِهَا مِنَ الرِّجَالِ، وَمَا بِهَا مِنَ الْأَمْوَالِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مِنْ تَرْكِ الْمَالِ، فَأَخَذَ عُكْبَرٌ رَسُولَ إِبْرَاهِيمَ فَطَوَّفَهُ عَلَى الْبُيُوتِ الَّتِي فِيهَا الطَّعَامُ، وَفَتَحَ مَوَاضِعَ مِنَ الْمَسْدُودِ، فَرَآهَا مَمْلُوءَةً فَظَنَّهَا طَعَامًا، وَقَالَ لَهُ عُكْبَرٌ: مَا رَاسَلْتُ صَاحِبَكَ خَوْفًا مِنَ الْمُطَاوَلَةِ، وَلَا إِشْفَاقًا مِنْ نَادِ الْمِيرَةِ، لَكِنَّنِي أَحْبَبْتُ الدُّخُولَ فِي طَاعَتِهِ، فَإِنْ بَذَلَ لِيَ الْأَمَانَ عَلَى مَا طَلَبْتُهُ لِي وَلِلْأَمِيرِ كُرْشَاسُفَ وَأَمْوَالِهِ وَلِمَنْ بِالْقَلْعَةِ - سَلَّمْتُ إِلَيْهِ، وَكَفَيْتُهُ مَؤُونَةَ الْمُقَامِ. فَلَمَّا عَادَ الرَّسُولُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَخْبَرَهُ أَجَابَهُ إِلَى مَا طَلَبَ، وَنَزَلَ عُكْبَرٌ وَتَسَلَّمَهَا إِبْرَاهِيمُ، فَلَمَّا صَعِدَ إِلَى الْقَلْعَةِ انْكَشَفَتِ الْحِيلَةُ، وَسَارَ عُكْبَرٌ بِمَنْ مَعَهُ إِلَى قَلْعَةِ سَرْمَاجَ، وَصَعِدَ إِلَيْهَا. وَلَمَّا مَلَكَ يَنَّالُ كِنْكِوَرَ عَادَ إِلَى هَمَذَانَ، فَسَيَّرَ جَيْشًا لِأَخْذِ قِلَاعِ سُرْخَابٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ نَسِيبًا لَهُ اسْمُهُ أَحْمَدُ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ سُرْخَابًا لِيَفْتَحَ بِهِ قِلَاعَهُ، فَسَارَ بِهِ إِلَى قَلْعَةِ كَلْكَانَ، فَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ، فَسَارُوا إِلَى قَلْعَةِ دَزْدِيلُويَةَ فَحَصَرُوهَا، وَامْتَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى الْبَنْدَنِيجَيْنِ فَنَهَبُوهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَفَعَلُوا الْأَفَاعِيلَ الْقَبِيحَةَ مِنَ النَّهْبِ وَالْقَتْلِ وَافْتِرَاشِ النِّسَاءِ وَالْعُقُوبَةِ عَلَى تَخْلِيصِ الْأَمْوَالِ، فَمَاتَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ لِشِدَّةِ الضَّرْبِ.

стр. 4586

وَسَارَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى أَبِي الْفَتْحِ بْنِ وَرَّامٍ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ خَوْفًا مِنْهُمْ، وَتَرَكَ حُلَلَهُ بِحَالِهَا، وَقَصَدَ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِنَهْبِ حُلَلِهِ فَيَعُودَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُعَرِّجُوا عَلَى النَّهْبِ وَتَبِعُوهُ، فَلِشِدَّةِ خَوْفِهِ أَنْ يَظْفَرُوا بِهِ وَيَأْخُذُوهُ قَاتَلَهُمْ، فَظَفِرَ بِهِمْ، وَقَتَلَ وَأَسَرَ جَمَاعَةً مِنْهُمْ، وَغَنِمَ مَا مَعَهُمْ، وَرَجَعَ الْبَاقُونَ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَغْدَاذَ يَطْلُبُ نَجْدَةً خَوْفًا مِنْ عَوْدِهِمْ، فَلَمْ يُنْجِدُوهُ لِعَدَمِ الْهَيْبَةِ وَقِلَّةِ إِمْسَاكِ الْأَمْرِ، فَعَبَرَ بَنُو وَرَّامٍ دِجْلَةَ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ. ثُمَّ إِنَّ الْغُزَّ أَسَرُّوا إِلَى سَعْدِي بْنِ أَبِي الشَّوْكِ فِي رَجَبٍ وَهُوَ نَازِلٌ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ بَاجِسْرَى، وَكَبَسُوهُ فَانْهَزَمَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ لَا يَلْوِي الْآخَرُ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا الْوَالِدُ عَلَى وَلَدِهِ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَغَنِمَ الْغُزُّ أَمْوَالَهُمْ، وَنَهَبُوا تِلْكَ الْأَعْمَالَ، وَكَانَ سَعْدِي قَدْ أَنْزَلَ مَالًا مِنْ قَلْعَةِ السِّيرَوَانِ، فَوَصَلَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَغَنِمَهُ الْغُزُّ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُ سَلِمَ مَعَهُ، وَنَجَا سَعْدِي مِنَ الْوَقْعَةِ بِجُرَيْعَةِ الذَّقَنِ، وَنَهَبَ الْغُزُّ الدَّسْكَرَةَ، وَبَاجِسْرَى، وَالْهَارُونِيَّةَ، وَقَصْرَ سَابُورَ، وَجَمِيعَ تِلْكَ الْأَعْمَالِ. وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى بَغْدَاذَ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ عَازِمٌ عَلَى قَصْدِ بَغْدَاذَ، فَارْتَاعَ النَّاسُ، وَاجْتَمَعَ الْأُمَرَاءُ وَالْقُوَّادُ إِلَى الْأَمِيرِ أَبِي مَنْصُورٍ ابْنِ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ لِيَجْتَمِعُوا وَيَسِيرُوا إِلَيْهِ وَيَمْنَعُوهُ، وَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَخْرُجْ غَيْرُ خِيَمِ الْأَمِيرِ أَبِي مَنْصُورٍ وَالْوَزِيرِ وَنَفَرٍ يَسِيرٍ، وَتَخَلَّفَ الْبَاقُونَ، وَهَلَكَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ النَّوَاحِي الْمَنْهُوبَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ، وَمِنْهُمْ مَنْ غَرِقَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَتَلَهُ الْبَرْدُ. وَوَصَلَ سَعْدِي إِلَى دَيَالَى، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى أَبِي الْأَغَرِّ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ فَأَقَامَ عِنْدَه ُ. ثُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ سَارَ إِلَى السِّيرَوَانِ، فَحَصَرَ الْقَلْعَةَ، وَضَيَّقَ عَلَى مَنْ بِهَا، وَأَرْسَلَ سَرِيةً نَهَبَتِ الْبِلَادَ، وَانْتَهَتْ إِلَى مَكَانٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَكْرِيتَ عَشَرَةُ فَرَاسِخَ، وَدَخَلَ بَغْدَاذَ مِنْ أَهْلِ طَرِيقِ خُرَاسَانَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَذَكَرُوا مِنْ حَالِهِمْ مَا أَبْكَى الْعُيُونَ، ثُمَّ سَلَّمَهَا إِلَيْهِ مُسْتَحْفِظُهَا، بَعْدَ أَنْ أَمَّنَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَأَخَذَ مِنْهَا يَنَّالُ مِنْ بَقَايَا مَا خَلَّفَهُ سَعْدِي شَيْئًا كَثِيرًا، وَلَمَّا فَتَحَهَا اسْتَخْلَفَ فِيهَا مُقَدَّمًا كَبِيرًا مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ

стр. 4587

سَخْتُ كُمَانُ، وَانْصَرَفَ إِلَى حُلْوَانَ، وَعَادَ مِنْهَا إِلَى هَمَذَانَ، وَمَعَهُ بَدْرٌ وَمَالِكٌ ابْنَا مُهَلْهِلٍ، فَأَكْرَمَهُمَا. ثُمَّ إِنَّ صَاحِبَ قَلْعَةِ سَرْمَاجَ تُوُفِّيَ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ بَدْرِ بْنِ حَسَنْوَيْهِ، وَسُلِّمَتِ الْقَلْعَةُ بَعْدَهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ، وَسَيَّرَ إِبْرَاهِيمُ يَنَّالُ وَزِيرَهُ إِلَى شَهْرَزُورَ، فَأَخَذَهَا وَمَلَكَهَا، فَهَرَبَ مِنْهُ مُهَلْهِلٌ، فَأَبْعَدَ فِي الْهَرَب ِ. ثُمَّ نَزَلَ أَحْمَدُ عَلَى قَلْعَةِ تِيرَانْشَاهْ وَحَاصَرَهَا، وَنَقَبَ عَلَيْهَا عِدَّةَ نُقُوبٍ، ثُمَّ إِنَّ مُهَلْهِلًا رَاسَلَ أَهْلَ شَهْرَزُورَ يَعِدُهُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْوُثُوبِ بِمَنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الْغُزِّ، فَفَعَلُوا وَقَتَلُوا مِنْهُمْ، وَسَمِعَ أَحْمَدُ بْنُ طَاهِرٍ فَعَادَ إِلَيْهِمْ وَأَوْقَعَ بِهِمْ وَنَهَبَهُمْ، وَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْهُمْ. ثُمَّ إِنَّ الْغُزَّ الْمُقِيمِينَ بِالْبَنْدَنِيجَيْنِ وَمَنْ مَعَهُمْ سَارُوا إِلَى بَرَازِ الرُّوزِ، وَتَقَدَّمُوا إِلَى نَهْرِ السَّلِيلِ، فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَأَبُو دُلَفَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَاوَانِيُّ قِتَالًا شَدِيدًا ظَفِرَ فِيهِ أَبُو دُلَفَ، وَانْهَزَمَ الْغُزُّ وَأُخِذَ مَا مَعَهُمْ. وَسَارَ فِي ذِي الْحِجَّةِ جَمْعٌ مِنَ الْغُزِّ إِلَى بَلَدِ عَلِيِّ بْنِ الْقَاسِمِ الْكُرْدِيِّ، فَأَغَارُوا وَعَاثَوْا، فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمَضِيقَ، وَأَوْقَعَ بِهِمْ وَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْهُمْ، وَارْتَجَعَ مَا غَنِمُوهُ مِنْ بَلَدِهِ. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ أَبِي كَالِيجَارَ عَلَى الْبَطِيحَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اشْتَدَّ الْحِصَارُ مِنْ عَسْكَرِ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ عَلَى أَبِي نَصْرِ بْنِ الْهَيْثَمِ صَاحِبِ الْبَطِيحَةِ، فَجَنَحَ إِلَى الصُّلْحِ، فَاشْتَطَّ عَلَيْهِ أَبُو الْغَنَائِمِ ابْنُ الْوَزِيرِ ذِي السَّعَادَاتِ، ثُمَّ اسْتَأْمَنَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي نَصْرٍ وَمَلَّاحِيهِ إِلَى أَبِي الْغَنَائِمِ، وَأَخْبَرُوهُ بِضَعْفِ أَبِي نَصْرٍ، وَعَزْمِهِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ مَكَانِهِ، فَحَفِظَ الطُّرُقَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ خَامِسُ صَفَرٍ جَرَتْ وَقْعَةٌ كَبِيرَةٌ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَظَفِرَ أَبُو الْغَنَائِمِ، وَقُتِلَ مِنَ الْبَطَائِحِيِّينَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَغَرِقَ مِنْهُمْ سُفُنٌ كَثِيرَةٌ، وَتَفَرَّقُوا فِي الْآجَامِ، وَمَضَى ابْنُ الْهَيْثَمِ نَاجِيًا بِنَفْسِهِ فِي زَبْزَبٍ، وَمُلِكَتْ دَارُهُ وَنُهِبَ مَا فِيهَا.

стр. 4588

ذِكْرُ ظُهُورِ الْأَصْفَرِ وَأَسْرِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ الْأَصْفَرُ التَّغْلَبِيُّ بِرَأْسِ عَيْنٍ، وَادَّعَى أَنَّهُ مِنَ الْمَذْكُورِينَ فِي الْكُتُبِ، وَاسْتَغْوَى قَوْمًا بِمَخَارِيقَ وَضَعَهَا، وَجَمَعَ جَمْعًا وَغَزَا نَوَاحِيَ الرُّومِ، فَظَفِرَ وَغَنِمَ وَعَادَ، وَظَهَرَ حَدِيثُهُ، وَقَوِيَ نَامُوسُهُ، وَعَاوَدُوا الْغَزْوَ فِي عَدَدٍ أَكْثَرَ مِنَ الْعَدَدِ الْأَوَّلِ، وَدَخَلَ نَوَاحِيَ الرُّومِ وَأَوْغَلَ، وَغَنِمَ أَضْعَافَ مَا غَنِمَهُ أَوَّلًا، حَتَّى بِيعَتِ الْجَارِيَةُ الْجَمِيلَةُ بِالثَّمَنِ الْبَخْسِ. وَتَسَامَعَ النَّاسُ بِهِ فَقَصَدُوهُ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُ، وَثَقُلَتْ عَلَى الرُّومِ وَطْأَتُهُ، فَأَرْسَلَ مِلْكُ الرُّومِ إِلَى نَصْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ مَرْوَانَ يَقُولُ لَهُ: إِنَّكَ عَالِمٌ بِمَا بَيْنَنَا مِنَ الْمُوَادعَةِ وَقَدْ فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ هَذِهِ الْأَفَاعِيلَ، فَإِنْ كُنْتَ قَدْ رَجَعْتَ عَنِ الْمُهَادَنَةِ فَعَرِّفْنَا لِنُدَبِّرَ أَمْرَنَا بِحَسْبِهِ. وَاتَّفَقَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَنْ وَصْلَ رَسُولٌ مِنَ الْأَصْفَرِ إِلَى نَصْرِ الدَّوْلَةِ أَيْضًا، يُنْكِرُ عَلَيْهِ تَرْكَ الْغَزْوِ وَالْمَيْلِ إِلَى الدَّعَةِ، فَسَاءَهُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَاسْتَدْعَى قَوْمًا مِنْ بَنِي نُمَيْرٍ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَثَارَ الرُّومَ عَلَيْنَا، وَلَا قُدْرَةَ لَنَا عَلَيْهِمْ. وَبَذَلَ لَهُمْ مَالًا عَلَى الْفَتْكِ بِهِ، فَسَارُوا إِلَيْهِ، فَقَرَّبَهُمْ وَلَازَمُوهُ، فَرَكِبَ يَوْمًا غَيْرَ مُتَحَرِّزٍ، فَأَبْعَدَ وَهُمْ مَعَهُ، فَعَطَفُوا عَلَيْهِ وَأَخَذُوهُ، وَحَمَلُوهُ إِلَى نَصْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ مَرْوَانَ فَاعْتَقَلَهُ، وَتَلَافَى أَمْرَ الرُّومِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَجَدَّدَتِ الْهُدْنَةُ بَيْنَ صَاحِبِ مِصْرَ وَبَيْنَ الرُّومِ، وَحَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ هَدِيَّةً عَظِيمَة ً. وَفِيهَا كَانَ بِبَغْدَاذَ وَالْمَوْصِلَ وَسَائِرِ الْبِلَادِ الْعِرَاقِيَّةِ وَالْجَزَرِيَّةِ (غَلَاءٌ عَظِيمٌ، حَتَّى أَكَلَ النَّاسُ الْمَيْتَةَ، وَتَبِعَهُ) وَبَاءٌ شَدِيدٌ مَاتَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى خَلَتِ

стр. 4589

الْأَسْوَاقُ، وَزَادَتْ أَثْمَانُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمَرْضَى، حَتَّى بِيعَ الْمَنُ مِنَ الشَّرَابِ بِنِصْفِ دِينَارٍ، وَمِنَ اللَّوْزِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا، وَالرُّمَّانَةُ بِقِيرَاطَيْنِ، وَالْخِيَارَةُ بِقِيرَاطٍ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. وَفِيهَا جَمَعَ الْأَمِيرُ أَبُو كَالِيجَارَ فَنَّاخُسْرُو بْنُ مَجْدِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ جَمْعًا، وَسَارَ إِلَى آمِدَ فَدَخَلَهَا، وَسَاعَدَهُ أَهْلُهَا، وَأَوْقَعَ بِمَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ أَصْحَابِ طُغْرُلْبَك، فَقَتَلَ وَأَسَرَ، وَعَرَفَ طُغْرُلْبَك ذَلِكَ، فَسَارَ عَنِ الرَّيِّ قَاصِدًا إِلَيْهِ، وَمُتَوَجِّهًا إِلَى قِتَالِهِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بِجَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، وَوَزَرَ لِجَلَالِ الدَّوْلَةِ عِدَّةَ دَفْعَات ٍ. وَفِيهَا سَيَّرَ الْمُعِزُّ بْنُ بَادِيسَ صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ أُسْطُولًا إِلَى جَزَائِرِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَظَفِرَ وَغَنِمَ وَعَادَ. وَفِيهَا اقْتَتَلَتْ طَوَائِفُ مِنْ تَلْكَاتَةَ، قَاتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَكَانَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ صَبَرُوا فِيهَا، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَفِيهَا قَبَضَ الْمَلِكُ أَبِي كَالِيجَارَ عَلَى وَزِيرِهِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْفَرَجِ الْمُلَقَّبِ بِذِي السِّعَادَاتِ بْنِ فَسَانْجَسَ، وَسَجَنَهُ، وَهَرَبَ وَلَدُهُ أَبُو الْغَنَائِمِ، وَبَقِيَ الْوَزِيرُ مَسْجُونًا إِلَى أَنْ مَاتَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَقِيلَ: أَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو كَالِيجَارَ مَنْ قَتَلَهُ، وَعُمُرُهُ إِحْدَى وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَلِلْوَزِيرِ ذِي السِّعَادَاتِ مُكَاتَبَاتٌ حَسَنَةٌ، وَشِعْرٌ جَيِّدٌ، مِنْهُ:

стр. 4590

أُوَدِّعُكُمْ وَإِنِّي ذُو اكْتِئَابِ ... وَأَرْحَلُ عَنْكُمُ وَالْقَلْبُ آبِي وَإِنَّ فِرَاقَكُمْ فِي كُلِّ حَالٍ ... لَأَوْجَعُ مِنْ مُفَارَقَةِ الشَّبَابِ أَسِيرُ وَمَا ذَمَمْتُ لَكُمْ جِوَارًا ... وَلَا مَلَّتْ مَنَازِلَكُمْ رِكَابِي وَأَشْكُرُ كُلَّمَا أَوْطَنْتُ دَارًا ... لَيَالِينَا الْقِصَارَ بِلَا اجْتِنَابِ وَأَذْكُرُكُمْ إِذَا هَبَّتْ جَنُوبٌ ... فَتُذْكِرُنِي غَرَارَاتُ التَّصَابِي لَكُمْ مِنِّي الْمَوَدَّةُ فِي اغْتِرَابٍ ... وَأَنْتُمْ إِلْفُ نَفْسِي فِي اقْتِرَابِي. وَهُوَ أَطْوَلُ مِنْ هَذَا. وَلَمَّا قُبِضَ ذُو السَّعَادَاتِ اسْتَوْزَرَ أَبُو كَالِيجَارَ كَمَالَ الْمُلْكِ أَبَا الْمَعَالِي بْنَ عَبْدِ الرَّحِيمِ. [الْوَفَيَاتُ] فِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ الْمَعْرُوفُ بِالْمُطَرِّزِ الشَّاعِرُ، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ، فَمِنْ قَوْلِهِ فِي الزُّهْدِ: يَا عَبْدُ كَمْ لَكَ مِنْ ذَنْبٍ وَمَعْصِيَةٍ ... إِنْ كُنْتَ نَاسِيَهَا فَاللَّهُ أَحْصَاهَا لَا بُدَّ يَا عَبْدُ مِنْ يَوْمٍ تَقُومُ بِهِ ... وَوَقْفَةٍ لَكَ يُدْمِي الْقَلْبَ ذِكْرَاهَا إِذَا عَرَضْتُ عَلَى قَلْبِي تَذَكُّرَهَا ... وَسَاءَ ظَنِّي فَقَلْتُ اسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْخَطَّابِ الْجَبَلِيُّ الشَّاعِرُ، وَمَضَى إِلَى الشَّامِ، وَلَقِيَ الْمَعَرِّيَّ، وَعَادَ ضَرِيرًا، وَلَهُ شِعْرٌ، مِنْهُ قَوْلُهُ:
следующие страницы →