Полный текст (6 163 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.
стр. 4586
وَسَارَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى أَبِي الْفَتْحِ بْنِ وَرَّامٍ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ خَوْفًا مِنْهُمْ، وَتَرَكَ حُلَلَهُ بِحَالِهَا، وَقَصَدَ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِنَهْبِ حُلَلِهِ فَيَعُودَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُعَرِّجُوا عَلَى النَّهْبِ وَتَبِعُوهُ، فَلِشِدَّةِ خَوْفِهِ أَنْ يَظْفَرُوا بِهِ وَيَأْخُذُوهُ قَاتَلَهُمْ، فَظَفِرَ بِهِمْ، وَقَتَلَ وَأَسَرَ جَمَاعَةً مِنْهُمْ، وَغَنِمَ مَا مَعَهُمْ، وَرَجَعَ الْبَاقُونَ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَغْدَاذَ يَطْلُبُ نَجْدَةً خَوْفًا مِنْ عَوْدِهِمْ، فَلَمْ يُنْجِدُوهُ لِعَدَمِ الْهَيْبَةِ وَقِلَّةِ إِمْسَاكِ الْأَمْرِ، فَعَبَرَ بَنُو وَرَّامٍ دِجْلَةَ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ.
ثُمَّ إِنَّ الْغُزَّ أَسَرُّوا إِلَى سَعْدِي بْنِ أَبِي الشَّوْكِ فِي رَجَبٍ وَهُوَ نَازِلٌ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ بَاجِسْرَى، وَكَبَسُوهُ فَانْهَزَمَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ لَا يَلْوِي الْآخَرُ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا الْوَالِدُ عَلَى وَلَدِهِ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَغَنِمَ الْغُزُّ أَمْوَالَهُمْ، وَنَهَبُوا تِلْكَ الْأَعْمَالَ، وَكَانَ سَعْدِي قَدْ أَنْزَلَ مَالًا مِنْ قَلْعَةِ السِّيرَوَانِ، فَوَصَلَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَغَنِمَهُ الْغُزُّ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُ سَلِمَ مَعَهُ، وَنَجَا سَعْدِي مِنَ الْوَقْعَةِ بِجُرَيْعَةِ الذَّقَنِ، وَنَهَبَ الْغُزُّ الدَّسْكَرَةَ، وَبَاجِسْرَى، وَالْهَارُونِيَّةَ، وَقَصْرَ سَابُورَ، وَجَمِيعَ تِلْكَ الْأَعْمَالِ.
وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى بَغْدَاذَ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ عَازِمٌ عَلَى قَصْدِ بَغْدَاذَ، فَارْتَاعَ النَّاسُ، وَاجْتَمَعَ الْأُمَرَاءُ وَالْقُوَّادُ إِلَى الْأَمِيرِ أَبِي مَنْصُورٍ ابْنِ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ لِيَجْتَمِعُوا وَيَسِيرُوا إِلَيْهِ وَيَمْنَعُوهُ، وَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَخْرُجْ غَيْرُ خِيَمِ الْأَمِيرِ أَبِي مَنْصُورٍ وَالْوَزِيرِ وَنَفَرٍ يَسِيرٍ، وَتَخَلَّفَ الْبَاقُونَ، وَهَلَكَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ النَّوَاحِي الْمَنْهُوبَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ، وَمِنْهُمْ مَنْ غَرِقَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَتَلَهُ الْبَرْدُ.
وَوَصَلَ سَعْدِي إِلَى دَيَالَى، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى أَبِي الْأَغَرِّ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ فَأَقَامَ عِنْدَه ُ. ثُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ سَارَ إِلَى السِّيرَوَانِ، فَحَصَرَ الْقَلْعَةَ، وَضَيَّقَ عَلَى مَنْ بِهَا، وَأَرْسَلَ سَرِيةً نَهَبَتِ الْبِلَادَ، وَانْتَهَتْ إِلَى مَكَانٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَكْرِيتَ عَشَرَةُ فَرَاسِخَ، وَدَخَلَ بَغْدَاذَ مِنْ أَهْلِ طَرِيقِ خُرَاسَانَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَذَكَرُوا مِنْ حَالِهِمْ مَا أَبْكَى الْعُيُونَ، ثُمَّ سَلَّمَهَا إِلَيْهِ مُسْتَحْفِظُهَا، بَعْدَ أَنْ أَمَّنَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَأَخَذَ مِنْهَا يَنَّالُ مِنْ بَقَايَا مَا خَلَّفَهُ سَعْدِي شَيْئًا كَثِيرًا، وَلَمَّا فَتَحَهَا اسْتَخْلَفَ فِيهَا مُقَدَّمًا كَبِيرًا مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ
стр. 4587
سَخْتُ كُمَانُ، وَانْصَرَفَ إِلَى حُلْوَانَ، وَعَادَ مِنْهَا إِلَى هَمَذَانَ، وَمَعَهُ بَدْرٌ وَمَالِكٌ ابْنَا مُهَلْهِلٍ، فَأَكْرَمَهُمَا.
ثُمَّ إِنَّ صَاحِبَ قَلْعَةِ سَرْمَاجَ تُوُفِّيَ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ بَدْرِ بْنِ حَسَنْوَيْهِ، وَسُلِّمَتِ الْقَلْعَةُ بَعْدَهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ، وَسَيَّرَ إِبْرَاهِيمُ يَنَّالُ وَزِيرَهُ إِلَى شَهْرَزُورَ، فَأَخَذَهَا وَمَلَكَهَا، فَهَرَبَ مِنْهُ مُهَلْهِلٌ، فَأَبْعَدَ فِي الْهَرَب ِ.
ثُمَّ نَزَلَ أَحْمَدُ عَلَى قَلْعَةِ تِيرَانْشَاهْ وَحَاصَرَهَا، وَنَقَبَ عَلَيْهَا عِدَّةَ نُقُوبٍ، ثُمَّ إِنَّ مُهَلْهِلًا رَاسَلَ أَهْلَ شَهْرَزُورَ يَعِدُهُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْوُثُوبِ بِمَنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الْغُزِّ، فَفَعَلُوا وَقَتَلُوا مِنْهُمْ، وَسَمِعَ أَحْمَدُ بْنُ طَاهِرٍ فَعَادَ إِلَيْهِمْ وَأَوْقَعَ بِهِمْ وَنَهَبَهُمْ، وَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْهُمْ.
ثُمَّ إِنَّ الْغُزَّ الْمُقِيمِينَ بِالْبَنْدَنِيجَيْنِ وَمَنْ مَعَهُمْ سَارُوا إِلَى بَرَازِ الرُّوزِ، وَتَقَدَّمُوا إِلَى نَهْرِ السَّلِيلِ، فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَأَبُو دُلَفَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَاوَانِيُّ قِتَالًا شَدِيدًا ظَفِرَ فِيهِ أَبُو دُلَفَ، وَانْهَزَمَ الْغُزُّ وَأُخِذَ مَا مَعَهُمْ.
وَسَارَ فِي ذِي الْحِجَّةِ جَمْعٌ مِنَ الْغُزِّ إِلَى بَلَدِ عَلِيِّ بْنِ الْقَاسِمِ الْكُرْدِيِّ، فَأَغَارُوا وَعَاثَوْا، فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمَضِيقَ، وَأَوْقَعَ بِهِمْ وَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْهُمْ، وَارْتَجَعَ مَا غَنِمُوهُ مِنْ بَلَدِهِ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ أَبِي كَالِيجَارَ عَلَى الْبَطِيحَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اشْتَدَّ الْحِصَارُ مِنْ عَسْكَرِ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ عَلَى أَبِي نَصْرِ بْنِ الْهَيْثَمِ صَاحِبِ الْبَطِيحَةِ، فَجَنَحَ إِلَى الصُّلْحِ، فَاشْتَطَّ عَلَيْهِ أَبُو الْغَنَائِمِ ابْنُ الْوَزِيرِ ذِي السَّعَادَاتِ، ثُمَّ اسْتَأْمَنَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي نَصْرٍ وَمَلَّاحِيهِ إِلَى أَبِي الْغَنَائِمِ، وَأَخْبَرُوهُ بِضَعْفِ أَبِي نَصْرٍ، وَعَزْمِهِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ مَكَانِهِ، فَحَفِظَ الطُّرُقَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ خَامِسُ صَفَرٍ جَرَتْ وَقْعَةٌ كَبِيرَةٌ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَظَفِرَ أَبُو الْغَنَائِمِ، وَقُتِلَ مِنَ الْبَطَائِحِيِّينَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَغَرِقَ مِنْهُمْ سُفُنٌ كَثِيرَةٌ، وَتَفَرَّقُوا فِي الْآجَامِ، وَمَضَى ابْنُ الْهَيْثَمِ نَاجِيًا بِنَفْسِهِ فِي زَبْزَبٍ، وَمُلِكَتْ دَارُهُ وَنُهِبَ مَا فِيهَا.
стр. 4588
ذِكْرُ ظُهُورِ الْأَصْفَرِ وَأَسْرِهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ الْأَصْفَرُ التَّغْلَبِيُّ بِرَأْسِ عَيْنٍ، وَادَّعَى أَنَّهُ مِنَ الْمَذْكُورِينَ فِي الْكُتُبِ، وَاسْتَغْوَى قَوْمًا بِمَخَارِيقَ وَضَعَهَا، وَجَمَعَ جَمْعًا وَغَزَا نَوَاحِيَ الرُّومِ، فَظَفِرَ وَغَنِمَ وَعَادَ، وَظَهَرَ حَدِيثُهُ، وَقَوِيَ نَامُوسُهُ، وَعَاوَدُوا الْغَزْوَ فِي عَدَدٍ أَكْثَرَ مِنَ الْعَدَدِ الْأَوَّلِ، وَدَخَلَ نَوَاحِيَ الرُّومِ وَأَوْغَلَ، وَغَنِمَ أَضْعَافَ مَا غَنِمَهُ أَوَّلًا، حَتَّى بِيعَتِ الْجَارِيَةُ الْجَمِيلَةُ بِالثَّمَنِ الْبَخْسِ.
وَتَسَامَعَ النَّاسُ بِهِ فَقَصَدُوهُ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُ، وَثَقُلَتْ عَلَى الرُّومِ وَطْأَتُهُ، فَأَرْسَلَ مِلْكُ الرُّومِ إِلَى نَصْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ مَرْوَانَ يَقُولُ لَهُ: إِنَّكَ عَالِمٌ بِمَا بَيْنَنَا مِنَ الْمُوَادعَةِ وَقَدْ فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ هَذِهِ الْأَفَاعِيلَ، فَإِنْ كُنْتَ قَدْ رَجَعْتَ عَنِ الْمُهَادَنَةِ فَعَرِّفْنَا لِنُدَبِّرَ أَمْرَنَا بِحَسْبِهِ.
وَاتَّفَقَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَنْ وَصْلَ رَسُولٌ مِنَ الْأَصْفَرِ إِلَى نَصْرِ الدَّوْلَةِ أَيْضًا، يُنْكِرُ عَلَيْهِ تَرْكَ الْغَزْوِ وَالْمَيْلِ إِلَى الدَّعَةِ، فَسَاءَهُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَاسْتَدْعَى قَوْمًا مِنْ بَنِي نُمَيْرٍ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَثَارَ الرُّومَ عَلَيْنَا، وَلَا قُدْرَةَ لَنَا عَلَيْهِمْ. وَبَذَلَ لَهُمْ مَالًا عَلَى الْفَتْكِ بِهِ، فَسَارُوا إِلَيْهِ، فَقَرَّبَهُمْ وَلَازَمُوهُ، فَرَكِبَ يَوْمًا غَيْرَ مُتَحَرِّزٍ، فَأَبْعَدَ وَهُمْ مَعَهُ، فَعَطَفُوا عَلَيْهِ وَأَخَذُوهُ، وَحَمَلُوهُ إِلَى نَصْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ مَرْوَانَ فَاعْتَقَلَهُ، وَتَلَافَى أَمْرَ الرُّومِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَجَدَّدَتِ الْهُدْنَةُ بَيْنَ صَاحِبِ مِصْرَ وَبَيْنَ الرُّومِ، وَحَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ هَدِيَّةً عَظِيمَة ً.
وَفِيهَا كَانَ بِبَغْدَاذَ وَالْمَوْصِلَ وَسَائِرِ الْبِلَادِ الْعِرَاقِيَّةِ وَالْجَزَرِيَّةِ (غَلَاءٌ عَظِيمٌ، حَتَّى أَكَلَ النَّاسُ الْمَيْتَةَ، وَتَبِعَهُ) وَبَاءٌ شَدِيدٌ مَاتَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى خَلَتِ
стр. 4589
الْأَسْوَاقُ، وَزَادَتْ أَثْمَانُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمَرْضَى، حَتَّى بِيعَ الْمَنُ مِنَ الشَّرَابِ بِنِصْفِ دِينَارٍ، وَمِنَ اللَّوْزِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا، وَالرُّمَّانَةُ بِقِيرَاطَيْنِ، وَالْخِيَارَةُ بِقِيرَاطٍ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ.
وَفِيهَا جَمَعَ الْأَمِيرُ أَبُو كَالِيجَارَ فَنَّاخُسْرُو بْنُ مَجْدِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ جَمْعًا، وَسَارَ إِلَى آمِدَ فَدَخَلَهَا، وَسَاعَدَهُ أَهْلُهَا، وَأَوْقَعَ بِمَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ أَصْحَابِ طُغْرُلْبَك، فَقَتَلَ وَأَسَرَ، وَعَرَفَ طُغْرُلْبَك ذَلِكَ، فَسَارَ عَنِ الرَّيِّ قَاصِدًا إِلَيْهِ، وَمُتَوَجِّهًا إِلَى قِتَالِهِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بِجَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، وَوَزَرَ لِجَلَالِ الدَّوْلَةِ عِدَّةَ دَفْعَات ٍ.
وَفِيهَا سَيَّرَ الْمُعِزُّ بْنُ بَادِيسَ صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ أُسْطُولًا إِلَى جَزَائِرِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَظَفِرَ وَغَنِمَ وَعَادَ.
وَفِيهَا اقْتَتَلَتْ طَوَائِفُ مِنْ تَلْكَاتَةَ، قَاتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَكَانَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ صَبَرُوا فِيهَا، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
وَفِيهَا قَبَضَ الْمَلِكُ أَبِي كَالِيجَارَ عَلَى وَزِيرِهِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْفَرَجِ الْمُلَقَّبِ بِذِي السِّعَادَاتِ بْنِ فَسَانْجَسَ، وَسَجَنَهُ، وَهَرَبَ وَلَدُهُ أَبُو الْغَنَائِمِ، وَبَقِيَ الْوَزِيرُ مَسْجُونًا إِلَى أَنْ مَاتَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَقِيلَ: أَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو كَالِيجَارَ مَنْ قَتَلَهُ، وَعُمُرُهُ إِحْدَى وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَلِلْوَزِيرِ ذِي السِّعَادَاتِ مُكَاتَبَاتٌ حَسَنَةٌ، وَشِعْرٌ جَيِّدٌ، مِنْهُ:
стр. 4590
أُوَدِّعُكُمْ وَإِنِّي ذُو اكْتِئَابِ ... وَأَرْحَلُ عَنْكُمُ وَالْقَلْبُ آبِي
وَإِنَّ فِرَاقَكُمْ فِي كُلِّ حَالٍ ... لَأَوْجَعُ مِنْ مُفَارَقَةِ الشَّبَابِ
أَسِيرُ وَمَا ذَمَمْتُ لَكُمْ جِوَارًا ... وَلَا مَلَّتْ مَنَازِلَكُمْ رِكَابِي
وَأَشْكُرُ كُلَّمَا أَوْطَنْتُ دَارًا ... لَيَالِينَا الْقِصَارَ بِلَا اجْتِنَابِ
وَأَذْكُرُكُمْ إِذَا هَبَّتْ جَنُوبٌ ... فَتُذْكِرُنِي غَرَارَاتُ التَّصَابِي
لَكُمْ مِنِّي الْمَوَدَّةُ فِي اغْتِرَابٍ ... وَأَنْتُمْ إِلْفُ نَفْسِي فِي اقْتِرَابِي.
وَهُوَ أَطْوَلُ مِنْ هَذَا.
وَلَمَّا قُبِضَ ذُو السَّعَادَاتِ اسْتَوْزَرَ أَبُو كَالِيجَارَ كَمَالَ الْمُلْكِ أَبَا الْمَعَالِي بْنَ عَبْدِ الرَّحِيمِ.
[الْوَفَيَاتُ]
فِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ الْمَعْرُوفُ بِالْمُطَرِّزِ الشَّاعِرُ، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ، فَمِنْ قَوْلِهِ فِي الزُّهْدِ:
يَا عَبْدُ كَمْ لَكَ مِنْ ذَنْبٍ وَمَعْصِيَةٍ ... إِنْ كُنْتَ نَاسِيَهَا فَاللَّهُ أَحْصَاهَا
لَا بُدَّ يَا عَبْدُ مِنْ يَوْمٍ تَقُومُ بِهِ ... وَوَقْفَةٍ لَكَ يُدْمِي الْقَلْبَ ذِكْرَاهَا
إِذَا عَرَضْتُ عَلَى قَلْبِي تَذَكُّرَهَا ... وَسَاءَ ظَنِّي فَقَلْتُ اسْتَغْفِرُ اللَّهَ
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْخَطَّابِ الْجَبَلِيُّ الشَّاعِرُ، وَمَضَى إِلَى الشَّامِ، وَلَقِيَ الْمَعَرِّيَّ، وَعَادَ ضَرِيرًا، وَلَهُ شِعْرٌ، مِنْهُ قَوْلُهُ:
стр. 4591
مَا حَكَمَ الْحُبُّ فَهْوَ مُمْتَثَلُ ... وَمَا جَنَاهُ الْحَبِيبُ مُحْتَمَلُ
تَهْوَى وَتَشْكُو الضَّنَى وَكُلُّ هَوًى ... لَا يُنْحِلُ الْجِسْمَ فَهُوَ مُنْتَحَلُ
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْخَلَّالُ الْحَافِظُ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، سَمِعَ أَبَا بَكْرٍ الْقَطِيعِيَّ وَغَيْرَهُ، وَمِنْ أَصْحَابِهِ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ.
وَفِيهَا قُتِلَ الْفَقِيهُ أَحْمَدُ الْوَلْوَالِجِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ الْوَقِيعَةَ فِي الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ، وَسَلَكَ طَرِيقَ الرِّيَاضَةِ، وَفَسَدَ دِمَاغُهُ، فَقُتِلَ بَيْنَ مَرْوَ وَسَرَخْسَ (فِي ذِي الْحِجَّةِ) .
стр. 4592
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]
٤٤٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ رَحِيلِ عَسْكَرِ يَنَّالَ عَنْ تِيرَانْشَاهْ وَعَوْدِ مُهَلْهِلٍ إِلَى شَهْرَزُورَ
قَدْ ذَكَرْنَا فِي السَّنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ اسْتِيلَاءَ أَحْمَدَ بْنِ طَاهِرٍ وَزِيرِ يَنَّالَ عَلَى شَهْرَزُورَ وَمُحَاصَرَتَهُ قَلْعَةَ تِيرَانْشَاهْ، وَلَمْ يَزَلْ يُحَاصِرُهَا إِلَى الْآنَ، فَوَقَعَ فِي عَسْكَرِهِ الْوَبَاءُ وَكَثُرَ الْمَوْتُ، فَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِهِ يَنَّالَ يَسْتَمِدُّهُ وَيَطْلُبُ إِنْجَادَهُ، وَيُعَرِّفُهُ كَثْرَةَ الْوَبَاءِ عِنْدَهُ، فَأَمَرَهُ بِالرَّحِيلِ عَنْهَا، فَسَارَ إِلَى مَايَدَشْتَ. فَلَمَّا سَمِعَ مُهَلْهِلٌ ذَلِكَ سَيَّرَ أَحَدَ أَوْلَادِهِ إِلَى شَهْرزُورَ فَمَلَكَهَا، وَانْزَعَجَ الْغُزُّ الَّذِينَ بِالسِّيرَوَانِ وَخَافُوا.
ثُمَّ سَارَ جَمْعٌ مِنْ عَسْكَرِ بَغْدَاذَ إِلَى حُلْوَانَ، وَحَصَرُوا قَلْعَتَهَا، فَلَمْ يَظْفَرُوا بِهَا، فَنَهَبُوا تِلْكَ الْأَعْمَالَ وَأَتَوْا عَلَى مَا تَخَلَّفَ مِنَ الْغُزِّ، فَخُرِّبَتِ الْأَعْمَالُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَسَارَ مُهَلْهِلٌ وَمَعَهُ أَهْلُهُ وَأَمْوَالُهُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَأَنْزَلَهُمْ بِبَابِ الْمَرَاتِبِ، بِدَارِ الْخِلَافَةِ، خَوْفًا مِنَ الْغُزِّ، وَعَادَ إِلَى حُلَلِهِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ بَغْدَاذَ سِتَّةُ فَرَاسِخَ، وَسَارَ جَمْعٌ مِنْ عَسْكَرِ بَغْدَاذَ إِلَى الْبَنْدَنِيجَيْنِ، وَبِهَا جَمْعٌ مِنَ الْغُزِّ مَعَ عُكْبَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عِيَاضٍ، فَتَوَاقَعُوا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ بَغْدَاذَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ قُتِلُوا أَيْضًا صَبْرًا.
ذِكْرُ غَزْوِ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ الرُّومَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا إِبْرَاهِيمُ يَنَّالُ الرُّومَ، فَظَفِرَ بِهِمْ وَغَنِمَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْغُزِّ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ قَدِمُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ: بِلَادِي تَضِيقُ عَنْ مُقَامِكُمْ وَالْقِيَامِ بِمَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَالرَّأْيُ أَنْ تَمْضُوا إِلَى غَزْوِ الرُّومِ،
стр. 4593
وَتُجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَتَغْنَمُوا، وَأَنَا سَائِرٌ عَلَى أَثَرِكُمْ، وَمُسَاعِدٌ لَكُمْ عَلَى أَمْرِكُم ْ. فَفَعَلُوا. وَسَارُوا بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَبِعَهُمْ، فَوَصَلُوا إِلَى مَلَازْكِرْدَ، وَأَرْزَنِ الرُّومِ، وَقَالِيقَلَا، وَبَلَغُوا طَرَابْزُونَ وَتِلْكَ النَّوَاحِيَ كُلَّهَا، وَلَقِيَهُمْ عَسْكَرٌ عَظِيمٌ لِلرُّومِ وَالْأَبْخَازِ يَبْلُغُونَ خَمْسِينَ أَلْفًا، فَاقْتَتَلُوا وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ عِدَّةُ وَقَائِعَ تَارَةً يَظْفَرُ هَؤُلَاءِ وَتَارَةً هَؤُلَاءِ، وَكَانَ آخِرَ الْأَمْرِ الظَّفَرُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِي الرُّومِ وَهَزَمُوهُمْ، وَأَسَرُوا جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنْ بَطَارِقَتِهِمْ، وَمِمَّنْ أُسِرَ قَارِيطُ مَلِكُ الْأَبْخَازِ، فَبَذَلَ فِي نَفْسِهِ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَهَدَايَا بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَزَلْ يَجُوسُ تِلْكَ الْبِلَادَ وَيَنْهَبُهَا إِلَى أَنْ بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَاسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى تِلْكَ النَّوَاحِي فَنَهَبُوهَا، وَغَنِمُوا مَا فِيهَا، وَسَبَوْا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ رَأْسٍ، وَأَخَذُوا مِنَ الدَّوَابِّ وَالْبِغَالِ وَالْغَنَائِمِ وَالْأَمْوَالِ مَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْإِحْصَاءُ، وَقِيلَ: إِنَّ الْغَنَائِمَ حُمِلَتْ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ عَجَلَةٍ، وَإِنَّ فِي جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ تِسْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِرْع ٍ.
وَكَانَ قَدْ دَخَلَ بَلَدَ الرُّومِ جَمْعٌ مِنَ الْغُزِّ يَقْدُمُهُمْ إِنْسَانٌ نَسِيبُ طُغْرُلْبَك، فَلَمْ يُؤَثِّرْ كَبِيرَ أَثَرٍ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةٌ وَعَادَ، وَدَخَلَ بَعْدَهُ إِبْرَاهِيمُ يَنَّالَ فَفَعَلَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
ذِكْرُ مَوْتِ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ وَمُلْكِ ابْنِهِ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمَلِكُ أَبُو كَالِيجَارَ الْمَرْزُبَانُ بْنُ سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ بْنِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، رَابِعَ جُمَادَى الْأُولَى، بِمَدِينَةِ جَنَابٍ مِنْ كِرْمَانَ.
وَكَانَ سَبَبُ مَسِيرِهِ إِلَيْهَا أَنَّهُ كَانَ قَدْ عَوَّلَ فِي وِلَايَةِ كِرْمَانَ حَرْبًا وَخَرَابًا عَلَى بَهْرَامَ بْنِ لَشْكَرِسْتَانَ الدَّيْلَمِيِّ، وَقَرَّرَ عَلَيْهِ مَالًا، فَتَرَاخَى بَهْرَامُ فِي تَحْرِيرِ الْأَمْرِ،
стр. 4594
وَأَحَالَهُ إِلَى الْمُغَالَظَةِ وَالْمُدَافَعَةِ، فَشَرَعَ حِينَئِذٍ أَبُو كَالِيجَارَ فِي إِعْمَالِ الْحِيلَةِ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ قَلْعَةَ بَرَدْسِيرَ مِنْ يَدِهِ، وَهِيَ مَعْقِلُهُ الَّذِي يَحْتَمِي بِهِ وَيُعَوِّلُ عَلَيْهِ، فَرَاسَلَ بَعْضَ مَنْ بِهَا مِنَ الْأَجْنَادِ وَأَفْسَدَهُمْ، فَعَلِمَ بِهِمْ بَهْرَامُ فَقَتَلَهُمْ، وَزَادَ نُفُورُهُ وَاسْتِشْعَارُهُ، وَأَظْهَرَ ذَلِكَ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ أَبُو كَالِيجَارَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، فَبَلَغَ قَصْرَ مُجَاشِعٍ فَوَجَدَ فِي حَلْقِهِ خُشُونَةً، فَلَمْ يُبَالِ بِهَا، وَشَرِبَ وَتَصَيَّدَ وَأَكَلَ مِنْ كَبِدِ غَزَالٍ مَشْوِيٍّ، وَاشْتَدَّتْ عِلَّتُهُ وَلَحِقَهُ حُمَّى، وَضَعُفَ عَنِ الرُّكُوبِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْمُقَامُ لِعَدَمِ الْمِيرَةِ بِذَلِكَ الْمَنْزِلِ، فَحُمِلَ فِي مِحَفَّةٍ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ إِلَى مَدِينَةِ جَنَابٍ، فَتُوُفِّيَ بِهَا، وَكَانَ عُمُرُهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَشُهُورًا، وَكَانَ مُلْكُهُ بِالْعِرَاقِ بَعْدَ وَفَاةِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ أَرْبَعَ سِنِينَ وَشَهْرَيْنِ وَنَيِّفًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ نَهَبَ الْأَتْرَاكُ مِنَ الْعَسْكَرِ الْخَزَائِنَ وَالسِّلَاحَ وَالدَّوَابَّ، وَانْتَقَلَ وَلَدُهُ أَبُو مَنْصُورٍ فَلَاسْتُونُ إِلَى مُخَيَّمِ الْوَزِيرِ أَبِي مَنْصُورٍ، وَكَانَتْ مُنْفَرِدَةً عَنِ الْعَسْكَرِ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ، وَأَرَادَ الْأَتْرَاكُ نَهْبَ الْوَزِيرِ وَالْأَمِيرِ، فَمَنَعَهُمُ الدَّيْلَمُ، وَعَادُوا إِلَى شِيرَازَ، فَمَلَكَهَا الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَاسْتَشْعَرَ الْوَزِيرُ، فَصَعِدَ إِلَى قَلْعَةِ خُرْمَةَ فَامْتَنَعَ بِهَا.
فَلَمَّا وَصَلَ خَبَرُ وَفَاتِهِ إِلَى بَغْدَاذَ وَبِهَا وَلَدُهُ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ أَبُو نَصْرٍ خُرَّةُ فَيْرُوزُ أَحْضَرَ الْجُنْدَ وَاسْتَحْلَفَهُمْ، وَرَاسَلَ الْخَلِيفَةَ الْقَائِمَ بِأَمْرِ اللَّهِ فِي مَعْنَى الْخُطْبَةِ لَهُ وَتَلْقِيبِهِ بِالْمَلِكِ الرَّحِيمِ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ أُجِيبَ إِلَى مُلْتَمَسِهِ سِوَى الْمَلِكِ الرَّحِيمِ، فَإِنَّ الْخَلِيفَةَ امْتَنَعَ مِنْ إِجَابَتِهِ وَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُلَقَّبَ بِأَخَصِّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 4595
وَاسْتَقَرَّ مُلْكُهُ بِالْعِرَاقِ، وَخُوزِسْتَانَ، وَالْبَصْرَةِ، وَكَانَ بِالْبَصْرَةِ أَخُوهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي كَالِيجَارَ. وَخَلَّفَ أَبُو كَالِيجَارَ مِنَ الْأَوْلَاد ِ: الْمَلِكَ الرَّحِيمَ، وَالْأَمِيرَ أَبَا مَنْصُورٍ فَلَاسَ، وَأَبَا طَالِبٍ كَامِرُّو، وَأَبَا الْمُظَفَّرِ بَهْرَامَ، وَأَبَا عَلِيٍّ كِيخُسْرُو، وَأَبَا سَعْدٍ خُسْرُوشَاهْ، وَثَلَاثَةَ بَنِينَ أَصَاغِرَ، فَاسْتَوْلَى ابْنُهُ أَبُو مَنْصُورٍ عَلَى شِيرَازَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ أَخَاهُ أَبَا سَعْدٍ فِي عَسْكَرٍ، فَمَلَكُوا شِيرَازَ وَخَطَبُوا لِلْمَلِكِ الرَّحِيمِ، وَقَبَضُوا عَلَى الْأَمِيرِ أَبِي مَنْصُورٍ وَوَالِدَتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَوَّال ٍ.
ذِكْرُ مُحَاصِرَةِ الْعَسَاكِرِ الْمِصْرِيَّةِ مَدِينَةَ حَلَبَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ وَصَلَتْ عَسَاكِرُ مِصْرَ إِلَى حَلَبَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ فَحَصَرُوهَا وَبِهَا مُعِزُّ الدَّوْلَةِ أَبُو عَلْوَانَ ثَمَالُ بْنُ صَالِحٍ الْكِلَابِيُّ، فَجَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا بَلَغُوا خَمْسَةَ آلَافِ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، فَلَمَّا نَزَلُوا عَلَى حَلَبَ خَرَجَ إِلَيْهِمْ ثَمَالُ، وَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا صَبَرَ فِيهِ لَهُمْ إِلَى اللَّيْلِ، ثُمَّ دَخَلَ الْبَلَدَ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ اقْتَتَلُوا إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، وَصَبَرَ أَيْضًا ثَمَالُ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا الْيَوْمَ الثَّالِثَ.
فَلَمَّا رَأَى الْمِصْرِيُّونَ صَبْرَ ثَمَالَ، وَكَانُوا ظَنُّوا أَنَّ أَحَدًا لَا يَقُومُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، رَحَلُوا عَنِ الْبَلَدِ، فَاتَّفَقَ أَنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ جَاءَ مَطَرٌ عَظِيمٌ لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ، فَجَاءَتِ الْمُدُودُ إِلَى مَنْزِلِهِمْ، فَبَلَغَ الْمَاءُ مَا يُقَارِبُ قَامَتَيْنِ، وَلَوْ لَمْ يَرْحَلُوا لَغَرِقُوا، ثُمَّ رَحَلُوا إِلَى الشَّامِ الْأَعْلَى.
ذِكْرُ الْخُلْفِ بَيْنَ قِرْوَاشٍ وَالْأَكْرَادِ الْحُمَيْدِيَّةِ وَالْهَذْبَانِيَّةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اخْتَلَفَ قِرْوَاشٌ وَالْأَكْرَادُ الْحُمَيْدِيَّةُ وَالْهَذْبَانِيَّةُ، وَكَانَ لِلْحُمَيْدِيَّةِ عِدَّةُ حُصُونٍ تُجَاوِرُ الْمَوْصِلَ، مِنْهَا الْعُقْرُ وَمَا قَارَبَهَا، وَلِلْهَذْبَانِيَّةِ قَلْعَةُ إِرْبِلَ وَأَعْمَالُهَا، وَكَانَ صَاحِبُ الْعُقْرِ حِينَئِذٍ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ عَيْسَكَانَ الْحُمَيْدِيَّ، وَصَاحِبُ إِرْبِلَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مُوسَكَ الْهَذْبَانِيُّ، وَلَهُ أَخٌ اسْمُهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُوسَكَ، فَأَعَانَهُ الْحُمَيْدِيُّ عَلَى أَخْذِ إِرْبِلَ
стр. 4596
مِنْ أَخِيهِ أَبِي الْحَسَنِ فَمَلَكَهَا مِنْهُ، وَأَخَذَ صَاحِبَهَا أَبَا الْحَسَنِ أَسِيرًا.
وَكَانَ قِرْوَاشٌ وَأَخُوهُ زَعِيمُ الدَّوْلَةِ أَبُو كَامِلٍ بِالْعِرَاقِ مَشْغُولَيْنِ، فَلَمَّا عَادَا إِلَى الْمَوْصِلِ وَقَدْ سَخِطَا هَذِهِ الْحَالَةَ لَمْ يُظْهِرَاهَا، وَأَرْسَلَ قِرْوَاشٌ يَطْلُبُ مِنَ الْحُمَيْدِيِّ وَالْهَذْبَانِيِّ نَجْدَةً لَهُ عَلَى نَصْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ مَرْوَان َ. فَأَمَّا أَبُو الْحَسَنِ الْحُمَيْدِيُّ فَسَارَ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ، وَأَمَّا أَبُو عَلِيٍّ الْهَذْبَانِيُّ فَأَرْسَلَ أَخَاهُ، وَاصْطَلَحَ قِرْوَاشٌ وَنَصْرُ الدَّوْلَةِ، وَقَبَضَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الْحُمَيْدِيِّ، ثُمَّ صَانَعَهُ عَلَى إِطْلَاقِ أَبِي الْحَسَنِ الْهَذْبَانِيِّ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ إِرْبِلَ، وَأَخَذَ إِرْبِلَ مِنْ أَخِيهِ أَبِي عَلِيٍّ وَتَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ، فَإِنِ امْتَنَعَ أَبُو عَلِيٍّ كَانَ عَوْنًا عَلَيْهِ، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ، وَرَهَنَ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَأَوْلَادَهُ وَثَلَاثَ قِلَاعٍ مِنْ حُصُونِهِ إِلَى أَنْ يَتَسَلَّمَ إِرْبِلَ، وَأُطْلِقَ مِنَ (الْحَبْسِ) .
وَكَانَ أَخٌ لَهُ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى قِلَاعِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا وَأَخَذَهَا مِنْهُ، وَعَادَ إِلَى قِرْوَاشٍ وَأَخِيهِ زَعِيمِ الدَّوْلَةِ، فَوَثِقَا بِهِ، وَأَطْلَقَا أَهْلَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ رَاسَلَ أَبَا عَلِيٍّ صَاحِبَ إِرْبِلَ فِي تَسْلِيمِهَا، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ، وَحَضَرَ بِالْمَوْصِلِ لِيُسَلِّمَ إِرْبِلَ إِلَى أَخِيهِ أَبِي الْحَسَنِ فَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ لِقِرْوَاش ٍ: إِنَّنِي قَدْ وَفَّيْتُ بِعَهْدِي، فَتُسَلِّمَانِ إِلَيَّ حُصُونِي. فَسَلَّمَا إِلَيْهِ قِلَاعَهُ، وَسَارَ هَ وَأَبُو الْحَسَنِ وَأَبُو عَلِيٍّ الْهَذْبَانِيُّ إِلَى إِرْبِلَ لِيُسَلِّمَاهَا إِلَى أَبِي الْحَسَنِ، فَغَدَرَا بِهِ فِي الطَّرِيقِ، وَكَانَ قَدْ أَحَسَّ بِالشَّرِّ فَتَخَلَّفَ عَنْهُمَا، وَسَيَّرَ مَعَهُمَا أَصْحَابَهُ لِيَتَسَلَّمُوا إِرْبِلَ، فَقَبَضَا عَلَى أَصْحَابِهِ وَطَلَبُوهُ لِيَقْبِضُوهُ، فَهَرَبَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَتَأَكَّدَتِ الْوَحْشَةُ حِينَئِذٍ بَيْنَ الْأَكْرَادِ وَقِرْوَاشٍ وَأَخِيهِ، وَتَقَاطَعُوا، وَأَضْمَرَ كُلٌّ مِنْهُمُ الشَّرَّ لِصَاحِبِهِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى خُوزِسْتَانَ، فَلَقِيَهُ مَنْ بِهَا مِنَ الْجُنْدِ وَأَطَاعُوهُ، وَفِيهِمْ كُرْشَاسُفُ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ هَمَذَانَ وَكِنْكِوَرَ، فَإِنَّهُ كَانَ انْتَقَلَ إِلَى الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ بَعْدَ أَنِ اسْتَوْلَى يَنَّالُ عَلَى أَعْمَالِهِ، وَلَمَّا مَاتَ أَبُو كَالِيجَارَ سَارَ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ ابْنُ الْمَلِكِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ طَمَعًا فِي مُلْكِهَا،
стр. 4597
فَلَقِيَهُ مَنْ بِهَا مِنَ الْجُنْدِ وَقَاتَلُوهُ وَهَزَمُوهُ، فَعَادَ عَنْهَا، وَكَانَ قَبْلُ ذَلِكَ عِنْدَ قِرْوَاشٍ ثُمَّ عِنْدَ يَنَّالَ، وَلَمَّا سَمِعَ بِاسْتِقَامَةِ الْأُمُورِ لِلْمَلِكِ الرَّحِيمِ انْقَطَعَ أَمَلُهُ، وَلَمَّا سَارَ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ عَنْ بَغْدَاذَ كَثُرَتِ الْفِتَنُ بِهَا، وَدَامَتْ بَيْنَ أَهْلِ بَابِ الْأَزَجِّ وَالْأَسَاكِفَةِ، (وَهُمُ السُّنَّةُ) فَأَحْرَقُوا عَقَارًا كَثِيرًا.
وَفِيهَا سَارَ سَعْدِي بْنُ أَبِي الشَّوْكِ مِنْ حُلَّةِ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ بَعْدَ أَنْ رَاسَلَهُ وَتَوَثَّقَ مِنْهُ، وَتَقَرَّرَ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ كُلُّ مَا يَمْلِكُهُ سَعْدِي مِمَّا لَيْسَ بِيَدِ يَنَّالَ وَنُوَّابِهِ فَهُوَ لَهُ، فَسَارَ سَعْدِي إِلَى الدَّسْكَرَةِ، وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ بِهَا مِنْ عَسْكَرِ بَغْدَاذَ (حَرْبٌ انْهَزَمُوا [فِيهَا] مِنْهُ، وَمَلَكَهَا وَمَا يَلِيهَا، فَسُيِّرَ إِلَيْهَا عَسْكَرٌ ثَانٍ مِنْ بَغْدَاذَ، فَقَتَلَ مُقَدَّمَهُمْ وَهَزَمَهُمْ، وَسَارَ مِنَ الدَّسْكَرَةِ وَتَوَسَّطَ تِلْكَ الْأَعْمَالَ بِالْقُرْبِ مِنْ بَعْقُوبَا، وَنَهَبَ أَصْحَابُهُ الْبِلَادَ، وَخَطَبُوا لِإِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ.
وَفِيهَا كَانَ ابْتِدَاءُ الْوَحْشَةِ بَيْنَ مُعْتَمَدِ الدَّوْلَةِ قِرْوَاشِ بْنِ الْمُقَلِّدِ وَبَيْنَ أَخِيهِ زَعِيمِ الدَّوْلَةِ أَبِي كَامِلِ بْنِ الْمُقَلِّدِ، فَانْضَافَ قُرَيْشُ بْنُ بَدْرَانَ بْنِ الْمُقَلِّدِ إِلَى عَمِّهِ قِرْوَاشٍ، وَجَمَعَ جَمْعًا، وَقَاتَلَ عَمَّهُ أَبَا كَامِلٍ فَظَفِرَ وَنُصِرَ وَانْهَزَمَ أَبُو كَامِلٍ، وَلَمْ يَزَلْ قُرَيْشٌ يُغْرِي قِرْوَاشًا بِأَخِيهِ حَتَّى تَأَكَّدَتِ الْوَحْشَةُ، وَتَفَاقَمَ الشَّرُّ بَيْنَهُمَا.
وَفِيهَا خُطِبَ لِلْأَمِيرِ أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَلُقِّبَ ذَخِيرَةَ الدِّينِ وَوَلِيَّ عَهْدِ الْمُسْلِمِينَ.
وَفِيهَا فِي رَمَضَانَ قُتِلَ الْأَمِيرُ أَقْسُنْقُرُ بِهَمَذَانَ، قَتَلَهُ الْبَاطِنِيَّةُ لِأَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الْغَزْوِ إِلَيْهِمْ، وَالْقَتْلِ فِيهِمْ، وَالنَّهْبِ لِأَمْوَالِهِمْ، وَالتَّخْرِيبِ لِبِلَادِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ الْآنَ قَصَدَ إِنْسَانًا مِنَ الزُّهَّادِ لِيَزُورَهُ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ فَقَتَلُوه ُ.
стр. 4598
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى بْنِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ وَرُوَاةِ الْحَدِيثِ، وَأَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ بِجِوَارِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
وَأَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَيْلَانَ الْبَزَّازُ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ، وَتُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ، وَهُوَ رَاوِي الْأَحَادِيثِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْغَيْلَانِيَّاتِ الَّتِي خَرَّجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ لَهُ، وَهِيَ مِنْ أَعْلَى الْحَدِيثِ وَأَحْسَنِهِ. وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ أَبُو الْقَاسِمِ الْوَاعِظُ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ شَاهِينَ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَة ٍ.
وَفِيهَا كَانَ الْغَلَاءُ وَالْوَبَاءُ عَامًّا فِي الْبِلَادِ جَمِيعِهَا، بِمَكَّةَ، وَالْعِرَاقِ، وَالْمَوْصِلِ، وَالْجَزِيرَةِ، وَالشَّامِ، وَمِصْرَ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَاد ِ.
وَفِيهَا قُبِضَ بِمِصْرَ عَلَى الْوَزِيرِ فَخْرِ الْمُلْكِ صَدَقَةَ بْنِ يُوسُفَ وَقُتِلَ، وَكَانَ أَوَّلَ أَمْرِهِ يَهُودِيًّا، فَأَسْلَمَ وَاتَّصَلَ بِالدَّزْبَرِيِّ، وَخَدَمَهُ بِالشَّامِ، ثُمَّ خَافَهُ فَعَادَ إِلَى مِصْرَ وَخَدَمَ الْجَرْجَرَائِيَّ الْوَزِيرَ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْجَرْجَرَائِيُّ اسْتَوْزَرَهُ الْمُسْتَنْصِرُ إِلَى الْآنَ، ثُمَّ قَتَلَهُ وَاسْتَوْزَرَ الْقَاضِيَ أَبَا مُحَمَّدٍ الْحَسَنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْيَازُورِيَّ فِي ذِي الْقَعْدَة ِ.
стр. 4599
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]
٤٤١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ ظُهُورِ الْخُلْفِ بَيْنَ قِرْوَاشٍ وَأَخِيهِ أَبِي كَامِلٍ وَصُلْحِهِمَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ الْخُلْفُ بَيْنَ مُعْتَمَدِ الدَّوْلَةِ قِرْوَاشٍ وَبَيْنَ أَخِيهِ زَعِيمِ الدَّوْلَةِ أَبِي كَامِلٍ ظُهُورًا آلَ إِلَى الْمُحَارَبَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ ذَلِك َ.
فَلَمَّا اشْتَدَّ الْأَمْرُ وَفَسَدَ الْحَالُ فَسَادًا لَا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ - جَمَعَ كُلٌّ مِنْهُمَا جَمْعًا لِمُحَارَبَةِ صَاحِبِهِ، وَسَارَ قِرْوَاشٌ فِي الْمُحَرَّمِ وَعَبَرَ دِجْلَةَ بِنَوَاحِي بَلَدَ، وَجَاءَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ نَصْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ مَرْوَانَ، وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَيْسَكَانَ الْحُمَيْدِيُّ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَكْرَادِ، وَسَارُوا إِلَى مَعْلَثَايَا فَأَخْرَبُوا الْمَدِينَةَ وَنَهَبُوهَا، وَنَزَلُوا بِالْمُغِيثَةِ، وَجَاءَ أَبُو كَامِلٍ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَرَبِ وَآلِ الْمُسَيَّبِ، فَنَزَلُوا بِمَرَجِ بَابَنِيثَا، وَبَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ نَحْوُ فَرْسَخٍ، وَاقْتَتَلُوا يَوْمَ السَّبْتِ ثَانِيَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ، وَافْتَرَقُوا مِنْ غَيْرِ ظَفَرٍ، ثُمَّ اقْتَتَلُوا يَوْمَ الْأَحَدِ كَذَلِكَ، وَلَمْ يُلَابِسِ الْحَرْبَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَرْوَانَ، بَلْ كَانَ نَاحِيَةً، وَوَافَقَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْحُمَيْدِيُّ، وَسَارُوا عَنْ قِرْوَاشٍ، وَفَارَقَهُ جَمْعٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَقَصَدُوا أَخَاهُ، فَضَعُفَ أَمْرُ قِرْوَاشٍ، وَبَقِيَ فِي حُلَّتِهِ وَلَيْسَ مَعَهُ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ، فَرَكِبَتِ الْعَرَبُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي كَامِلٍ لِقَصْدِهِ، فَمَنَعَهُمْ، وَأَسْفَرَ الصُّبْحُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَقَدْ تَسَرَّعَ بَعْضُهُمْ وَنَهَبَ بَعْضًا مِنْ عَرَبِ قِرْوَاشٍ، وَجَاءَ أَبُو كَامِلٍ إِلَى قِرْوَاشٍ وَاجْتَمَعَ بِهِ، وَنَقَلَهُ إِلَى حُلَّتِهِ، وَأَحْسَنَ عِشْرَتَهُ، ثُمَّ أَنْفَذَهُ إِلَى الْمَوْصِلِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، وَجَعَلَ مَعَهُ بَعْضَ زَوْجَاتِهِ فِي دَارٍ.
وَكَانَ مِمَّا فَتَّ فِي عَضُدِ قِرْوَاشٍ وَأَضْعَفَ نَفْسَهُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ قَبَضَ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الصَّيَّادِينَ بِالْأَنْبَارِ لِسُوءِ طَرِيقِهِمْ وَفَسَادِهِمْ، فَهَرَبَ الْبَاقُونَ مِنْهُمْ، وَبَقِيَ بَعْضُهُمْ
стр. 4600
بِالسِّنْدِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الْآنَ سَارَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إِلَى الْأَنْبَارِ، وَتَسَلَّقُوا السُّورَ لَيْلَةَ خَامِسِ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَتَلُوا حَارِسًا، وَفَتَحُوا الْبَابَ وَنَادَوْا بِشِعَارِ أَبِي كَامِلٍ، فَانْضَافَ إِلَيْهِمْ أَهْلُوهُمْ وَأَصْدِقَاؤُهُمْ وَمَنْ لَهُ هَوًى فِي أَبِي كَامِلٍ، فَكَثُرُوا، وَثَارَ بِهِمْ أَصْحَابُ قِرْوَاشٍ فَاقْتَتَلُوا، فَظَفِرُوا وَقَتَلُوا مِنْ أَصْحَابِ مُعْتَمِدِ الدَّوْلَةِ قِرْوَاشٍ جَمَاعَةً، وَهَرَبَ الْبَاقُونَ، فَبَلَغَهُ خَبَرُ اسْتِيلَاءِ أَخِيهِ، وَلَمْ يَبْلُغْهُ عَوْدُ أَصْحَابِه ِ.
ثُمَّ إِنَّ الْمُسَيَّبَ وَأُمَرَاءَ الْعَرَبِ كَلَّفُوا أَبَا كَامِلٍ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ، وَاشْتَطُّوا عَلَيْهِ، فَخَافَ أَنْ يَؤُولَ الْأَمْرُ بِهِمْ إِلَى طَاعَةِ قِرْوَاشٍ وَإِعَادَتِهِ إِلَى مَمْلَكَتِهِ، فَبَادَرَهُمْ إِلَيْهِ وَقَبَّلَ يَدَهُ وَقَالَ لَه ُ: إِنَّنِي وَإِنْ كُنْتُ أَخَاكَ فَإِنَّنِي عَبْدُكَ، وَمَا جَرَى هَذَا إِلَّا بِسَبَبِ مَنْ أَفْسَدَ رَأْيَكَ فِيَّ، وَأَشْعَرَكَ الْوَحْشَةَ مِنِّي، وَالْآنَ فَأَنْتَ الْأَمِيرُ، وَأَنَا الطَّائِعُ لِأَمْرِكَ وَالتَّابِعُ لَكَ. فَقَا لَهُ قِرْوَاش ٌ: بَلْ أَنْتَ الْأَخُ، وَالْأَمْرُ لَكَ مُسَلَّمٌ، وَأَنْتَ أَقْوَمُ بِهِ مِنِّي. وَصَلَحَ الْحَالُ بَيْنَهُمَا، وَعَادَ قِرْوَاشٌ إِلَى التَّصَرُّفِ عَلَى حُكْمِ اخْتِيَارِه ِ. وَكَانَ أَبُو كَامِلٍ قَدْ أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ غَرِيبِ بْنِ مُقْنٍ حَرْبَى وَأَوَانَا، فَلَمَّا اصْطَلَحَ أَبُو كَامِلٍ وَقِرْوَاشٌ أَرْسَلَا إِلَى حَرْبَى مَنْ مَنَعَ بِلَالًا عَنْهَا، فَتَظَاهَرَ بِلَالٌ (بِالْخِلَافِ عَلَيْهِمَا) وَجَمَعَ إِلَى نَفْسِهِ جَمْعًا وَقَاتَلَ أَصْحَابَ قِرْوَاشٍ، وَأَخَذَ حَرْبَى وَأَوَانَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمَا، فَانْحَدَرَ قِرْوَاشٌ مِنَ الْمَوْصِلِ إِلَيْهِمَا وَحَصَرَهُمَا وَأَخَذَهُمَا.
ذِكْرُ مَسِيرِ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ إِلَى شِيرَازَ وَعَوْدِهِ عَنْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ سَارَ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ مِنَ الْأَهْوَازِ إِلَى بِلَادِ فَارِسَ، فَوَصَلَهَا، وَخَرَجَ عَسْكَرُ شِيرَازَ إِلَى خِدْمَتِهِ، وَنَزَلَ بِالْقُرْبِ مِنْ شِيرَازَ لِيَدْخُلَ الْبَلَد َ.
ثُمَّ إِنَّ الْأَتْرَاكَ الشِّيرَازِيِّينَ وَالْبَغْدَاذِيِّينَ اخْتَلَفُوا، وَجَرَى بَيْنَهُمْ مُنَاوَشَةٌ اسْتَظْهَرَ فِيهَا الْبَغْدَاذِيُّونَ، وَعَادُوا إِلَى الْعِرَاقِ، فَاضْطَرَّ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ إِلَى الْمَسِيرِ مَعَهُمْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَثِقُ بِالْأَتْرَاكِ الشِّيرَازِيَّة ِ.
وَكَانَ دَيْلَمُ بِلَادِ فَارِسَ قَدْ مَالُوا إِلَى أَخِيهِ فُولَاسْتُونَ، وَهُوَ بِقَلْعَةِ إِصْطَخْرَ، فَهُوَ
стр. 4601
أَيْضًا مُنْحَرِفٌ عَنْهُمْ، فَاضْطَرَّ إِلَى صُحْبَةِ الْبَغْدَاذِيِّينَ، فَعَادَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَأَقَامَ بِهَا، وَاسْتَخْلَفَ بِأَرَّجَانَ أَخَوَيْهِ أَبَا سَعْدٍ وَأَبَا طَالِبٍ، وَوَقَعَ الْخُلْفُ بِفَارِسَ، فَإِنَّ الْأَمِيرَ أَبَا مَنْصُورٍ فُولَاسْتُونَ، وَكَانَ قَدْ خَلُصَ وَصَارَ بِقَلْعَةِ إِصْطَخْرَ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الْعَسْكَرِ الْفَارِسِيِّ، فَلَمَّا عَادَ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ إِلَى الْأَهْوَازِ انْبَسَطَ فِي الْبِلَادِ، وَقَصَدَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَاسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِ فَارِسَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى أَرَّجَانَ عَازِمًا عَلَى قَصْدِ الْأَهْوَازِ وَأَخْذِهَا.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْبَسَاسِيرِيِّ وَعُقَيْلٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ جَمْعٌ مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ إِلَى بَلَدِ الْعَجَمِ مِنْ أَعْمَالِ الْعِرَاقِ وَبَادُورْيَا، فَنَهَبُوهُمَا وَأَخَذُوا مِنَ الْأَمْوَالِ الْكَثِيرَ، وَكَانَا فِي إِقْطَاعِ الْبَسَاسِيرِيِّ، فَسَارَ مِنْ بَغْدَاذَ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنْ فَارِسَ إِلَيْهِمْ، فَالْتَقَوْا هُمْ وَزَعِيمُ الدَّوْلَةِ أَبُو كَامِلِ بْنُ الْمُقَلِّدِ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا أَبْلَى الْفَرِيقَانِ فِيهِ بَلَاءً حَسَنًا، (وَصَبَرَا صَبْرًا جَمِيلًا، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ) .
ذِكْرُ الْوَحْشَةِ بَيْنَ طُغْرُلْبَك وَأَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْحَشَ إِبْرَاهِيمُ يَنَّالُ مِنْ أَخِيهِ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَكْ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ طُغْرُلْبَك طَلَبَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ مَدِينَةَ هَمَذَانَ (وَالْقِلَاعَ الَّتِي بِيَدِهِ مِنْ بَلَدِ الْجَبَلِ) فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَاتَّهَمَ وَزِيرَهُ أَبَا عَلِيٍّ بِالسَّعْيِ بَيْنَهُمَا فِي الْفَسَادِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَسَمَلَ إِحْدَى عَيْنَيْهِ، وَقَطَعَ شَفَتَيْهِ، وَسَارَ عَنْ طُغْرُلْبَك، وَجَمَعَ جَمْعًا مِنْ عَسْكَرِهِ، وَالْتَقَيَا، وَكَانَ بَيْنَ الْعَسْكَرَيْنِ قِتَالٌ شَدِيدٌ انْهَزَمَ [فِيهِ] يَنَّالُ وَعَادَ مُنْهَزِمًا، فَسَارَ طُغْرُلْبَك فِي أَثَرِهِ، فَمَلَكَ قِلَاعَهُ وَبِلَادَهُ جَمِيعَهُا.
стр. 4602
وَتَحَصَّنَ إِبْرَاهِيمُ يَنَّالُ بِقَلْعَةِ سَرْمَاجَ، وَامْتَنَعَ عَلَى أَخِيهِ، فَحَصَرَهُ طُغْرُلْبَك فِيهَا، وَكَانَتْ عَسَاكِرُهُ قَدْ بَلَغَتْ مِائَةَ أَلْفٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَسْكَرِ، وَقَاتَلَهُ فَمَلَكَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَهِيَ مِنْ أَحْصَنِ الْقِلَاعِ وَأَمْنَعِهَا، وَاسْتُنْزِلَ يَنَّالُ مِنْهَا مَقْهُورًا، وَأَرْسَلَ إِلَى نَصْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ مَرْوَانَ يَطْلُبُ مِنْهُ إِقَامَةَ الْخُطْبَةِ لَهُ فِي بِلَادِهِ، فَأَطَاعَهُ وَخَطَبَ لَهُ فِي سَائِرِ دِيَارِ بَكْرٍ، وَرَاسَلَ مَلِكَ الرُّومِ طُغْرُلْبَك، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ هَدِيَّةً عَظِيمَةً، وَطَلَبَ مِنْهُ الْمُعَاهَدَةَ فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك َ.
وَأَرْسَلَ مِلْكُ الرُّومِ إِلَى ابْنِ مَرْوَانَ يَسْأَلُهُ أَنْ يَسْعَى فِي فِدَاءِ مَلِكِ الْأَبْخَازِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ، فَأَرْسَلَ نَصْرُ الدَّوْلَةِ شَيْخَ الْإِسْلَامِ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ مَرْوَانَ فِي الْمَعْنَى إِلَى السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك، فَأَطْلَقَهُ بِغَيْرِ فِدَاءٍ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَعِنْدَ مِلْكِ الرُّومِ، وَأَرْسَلَ عِوَضَهُ مِنَ الْهَدَايَا شَيْئًا كَثِيرًا، وَعَمَرُوا مَسْجِدَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَأَقَامُوا فِيهِ الصَّلَاةَ وَالْخُطْبَةَ لِطُغْرُلْبَك، وَدَانَ حِينَئِذٍ النَّاسُ كُلُّهُمْ لَهُ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ، وَتَمَكَّنَ مُلْكُهُ وَثَبَت َ.
وَلَمَّا نَزَلَ يَنَّالُ إِلَى طُغْرُلْبَك أَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ كَثِيرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْهُ، وَخَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يُقْطِعَهُ بِلَادًا يَسِيرُ إِلَيْهَا وَبَيْنَ أَنْ يُقِيمَ مَعَهُ، فَاخْتَارَ الْمُقَامَ مَعَه ُ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ وَعَسْكَرِ وَاسِطٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ بَيْنَ نُورِ الدَّوْلَةِ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ وَبَيْنَ الْأَتْرَاكِ الْوَاسِطِيِّينَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَلِكَ الرَّحِيمَ أَقْطَعُ نُورَ الدَّوْلَةِ حِمَايَةَ نَهْرِ الصِّلَةِ وَنَهْرِ الْفَضْلِ، وَهُمَا مِنْ إِقْطَاعِ الْوَاسِطِيِّينَ، فَسَارَ إِلَيْهِمَا وَوَلِيَهُمَا، فَسَمِعَ عَسْكَرُ وَاسِطٍ ذَلِكَ فَسَخِطُوهُ، وَاجْتَمَعُوا وَسَارُوا إِلَى نُورِ الدَّوْلَةِ لِيُقَاتِلُوهُ وَيَدْفَعُوهُ عَنْهُمَا، وَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَتَهَدَّدُونَهُ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ يَقُول ُ: إِنَّ الْمَلِكَ أَقْطَعَنِي هَذَا، فَنُرْسِلُ إِلَيْهِ أَنَا وَأَنْتُمْ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ أَمَرَ رَضَا بِه ِ. فَسَبَوْهُ، وَسَارُوا مُجِدِّينَ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى طَرِيقِهِمْ طَائِفَةً مِنْ
стр. 4603
عَسْكَرِهِ، فَلَقُوهُمْ، وَكَمَنَ لَهُمْ، فَلَمَّا الْتَقَوُا اسْتَجَرَّهُمُ الْعَرَبُ إِلَى أَنْ جَاوَزُوا الْكَمِينَ، وَخَرَجَ عَلَيْهِمُ الْكَمِينُ) فَأَوْقَعُوا بِهِمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمَاعَةً كَثِيرَةً، وَأَسَرُوا كَثِيرًا، وَجُرِحَ مِثْلُهُمْ، وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى الْوَاسِطِيِّينَ، وَغَنِمَ نُورُ الدَّوْلَةِ أَمْوَالَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ، وَسَارُوا إِلَى وَاسِطٍ فَنَزَلُوا بِالْقُرْبِ مِنْهَا.
وَأَرْسَلَ الْوَاسِطِيُّونَ إِلَى بَغْدَاذَ يَسْتَنْجِدُونَ جُنْدَهَا، وَيَبْذُلُونَ لِلْبَسَاسِيرِيِّ أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُمْ نُورَ الدَّوْلَةِ، وَيَأْخُذَ نَهْرَ الصِّلَةِ وَنَهْرَ الْفَضْلِ لِنَفْسِه ِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ مَوْدُودِ بْنِ مَسْعُودٍ وَمُلْكِ عَمِّهِ عَبْدِ الرَّشِيدِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ تُوُفِّيَ أَبُو الْفَتْحِ مَوْدُودُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، صَاحِبُ غَزْنَةَ، وَعُمُرُهُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَمُلْكُهُ تِسْعُ سِنِينَ وَعَشَرَةُ أَشْهُرٍ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِغَزْنَةَ، وَكَانَ قَدْ كَاتَبَ أَصْحَابَ الْأَطْرَافِ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى نُصْرَتِهِ وَإِمْدَادِهِ بِالْعَسَاكِرِ، وَبَذَلَ لَهُمُ الْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَ، وَتَفْوِيضُ أَعْمَالِ خُرَاسَانَ وَنَوَاحِيهَا إِلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ مَرَاتِبِهِمْ، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ، مِنْهُمْ أَبُو كَالِيجَارَ صَاحِبُ أَصْبَهَانَ، فَإِنَّهُ جَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ فِي الْمَفَازَةِ، فَهَلَكَ كَثِيرٌ مِنْ عَسْكَرِهِ، وَمَرِضَ وَعَاد َ.
وَمِنْهُمْ خَاقَانُ مَلِكُ التُّرْكِ، فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى تِرْمِذَ، وَنَهَبَ وَخَرَّبَ، وَصَادَرَ أَهْلَ تِلْكَ الْأَعْمَالِ، وَسَارَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِمَّا وَرَاءَ النَّهْرِ إِلَى خُوَارَزْم َ.
وَسَارَ مَوْدُودٌ مِنْ غَزْنَةَ فَلَمْ يَسْرِ غَيْرَ مَرْحَلَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى عَارَضَهُ قُولَنْجٌ اشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَعَادَ إِلَى غَزْنَةَ مَرِيضًا، وَسَيَّرَ وَزِيرَهُ أَبَا الْفَتْحِ عَبْدَ الرَّزَّاقِ بْنَ أَحْمَدَ الْمِيمَنْدِيَّ إِلَى سِجِسْتَانَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ لِأَخْذِهَا مِنَ الْغُزِّ، وَاشْتَدَّتِ الْعِلَّةُ بِمَوْدُودٍ فَتُوُفِّيَ، وَقَامَ فِي الْمُلْكِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ، فَبَقِيَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ عَدَلَ النَّاسُ عَنْهُ إِلَى عَمِّهِ عَلِيِّ بْنِ مَسْعُودٍ.
стр. 4604
وَكَانَ مَوْدُودٌ لَمَّا مَلَكَ قَبَضَ عَلَى عَمِّهِ عَبْدِ الرَّشِيدِ بْنِ مَحْمُودٍ وَسَجَنَهُ فِي قَلْعَةِ مَيْدَيْنَ بِطَرِيقِ بُسْتَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ كَانَ وَزِيرُهُ قَدْ قَارَبَ هَذِهِ الْقَلْعَةَ، فَنَزَلَ عَبْدُ الرَّشِيدِ إِلَى الْعَسْكَرِ وَدَعَاهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ، فَأَجَابُوهُ وَعَادُوا مَعَهُ إِلَى غَزْنَةَ، فَلَمَّا قَارَبَهَا هَرَبَ عَنْهَا عَلِيُّ بْنُ مَسْعُودٍ، وَمَلَكَ عَبْدُ الرَّشِيدِ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ لَهُ، وَلُقِّبَ شَمْسَ دِينِ اللَّهِ سَيْفَ الدَّوْلَةِ، وَقِيلَ جَمَالَ الدَّوْلَةِ، وَدَفَعَ اللَّهُ شَرَّ مَوْدُودٍ عَنْ دَاوُدَ، وَهَذِهِ السَّعَادَةُ الَّتِي تَقْتُلُ الْأَعْدَاءَ بِغَيْرِ سِلَاحٍ وَلَا أَجْنَادٍ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الْبَسَاسِيرِيِّ عَلَى الْأَنْبَارِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا فِي ذِي الْقَعْدَةِ مَلَكَ الْبَسَاسِيرِيُّ الْأَنْبَارَ، وَدَخَلَهَا أَصْحَابُه ُ.
وَكَانَ سَبَبُ مُلْكِهَا أَنَّ قِرْوَاشًا أَسَاءَ السِّيرَةَ فِي أَهْلِهَا، وَمَدَّ يَدَهُ إِلَى أَمْوَالِهِمْ، فَسَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِهَا إِلَى الْبَسَاسِيرِيِّ بِبَغْدَاذَ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُنْفِذَ مَعَهُمْ عَسْكَرًا يُسَلِّمُونَ إِلَيْهِ الْأَنْبَارَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَسَيَّرَ مَعَهُمْ جَيْشًا، فَتَسَلَّمُوا الْأَنْبَارَ، وَلَحِقَهُمُ الْبَسَاسِيرِيُّ وَأَحْسَنَ إِلَى أَهْلِهَا وَعَدَلَ فِيهِمْ، وَلَمْ يُمَكِّنْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَأْخُذَ رِطْلَ الْخُبْزِ بِغَيْرِ ثَمَنِهِ، وَأَقَامَ فِيهَا إِلَى أَنْ أَصْلَحَ حَالَهَا وَقَرَّرَ قَوَاعِدَهَا، وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ.
ذِكْرُ انْهِزَامِ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ مِنْ عَسْكَرِ فَارِسَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَادَ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ مِنَ الْأَهْوَازِ إِلَى رَامَهُرْمُزَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى وَادِي الْمِلْحِ لَقِيَهُ عَسْكَرُ فَارِسَ، وَاقْتَتَلُوا (قِتَالًا شَدِيدًا، فَغَدَرَ بِالْمَلِكِ الرَّحِيمِ بَعْضُ عَسْكَرِهِ) وَانْهَزَمَ هُوَ وَجَمِيعُ الْعَسْكَرِ، وَوَصَلَ إِلَى بَصَنَّى وَمَعَهُ أَخَوَاهُ أَبُو سَعْدٍ وَأَبُو طَالِبٍ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى وَاسِطٍ، وَسَارَ عَسْكَرُ فَارِسَ إِلَى الْأَهْوَازِ فَمَلَكُوهَا وَخَيَّمُوا بِظَاهِرِهَا.
стр. 4605
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِيهَا وَصَلَ عَسْكَرٌ مِنْ مِصْرَ إِلَى حَلَبَ وَبِهَا صَاحِبُهَا ثَمَالُ بْنُ صَالِحِ بْنِ مِرْدَاسٍ، فَخَافَهُمْ لِكَثْرَتِهِمْ فَانْصَرَفَ عَنْهَا، فَمَلَكَهَا الْمِصْرِيُّون َ.
وَفِيهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ ارْتَفَعَتْ سَحَابَةٌ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ لَيْلًا، فَزَادَتْ ظُلْمَتُهَا عَلَى ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَظَهَرَ فِي جَوَانِبِ السَّمَاءِ كَالنَّارِ الْمُضْطَرِمَةِ، (وَهَبَّتْ مَعَهَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ قَلَعَتْ رَوَاشِنَ دَارِالْخَلِيفَةِ) ، وَشَاهَدَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَزْعَجَهُمْ وَخَوَّفَهُمْ، فَلَزِمُوا الدُّعَاءَ وَالتَّضَرُّعَ، فَانْكَشَفَتْ فِي بَاقِي اللَّيْل ِ.
وَفِيهَا فِي شَعْبَانَ سَارَ الْبَسَاسِيرِيُّ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى طَرِيقِ خُرَاسَانَ، وَقَصَدَ نَاحِيَةَ الدَّزْدَارَ وَمَلَكَهَا وَغَنِمَ مَا فِيهَا، وَكَانَ سَعْدِي بْنُ أَبِي الشَّوْكِ قَدْ مَلَكَهَا، وَقَدْ عَمِلَ لَهَا سُورًا وَحَصَّنَهَا، وَجَعَلَهَا مَعْقِلًا يَتَحَصَّنُ فِيهِ، وَيَدَّخِرُ بِهَا كُلَّ مَا يَغْنَمُهُ، فَأَخَذَهُ الْبَسَاسِيرِيُّ جَمِيعَه ُ.
وَفِيهَا مُنِعَ أَهْلُ الْكَرْخِ مِنَ النَّوْحِ وَفِعْلِ مَا جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِفِعْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَلَمْ يَقْبَلُوا، وَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَجَرَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السُّنَّةِ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ قُتِلَ فِيهَا وَجُرِحَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَلَمْ يَنْفَصِلِ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ حَتَّى عَبَرَ الْأَتْرَاكُ وَضَرَبُوا خِيَامَهُمْ عِنْدَهُمْ، فَكَفَّوْا حِينَئِذٍ، ثُمَّ شَرَعَ أَهْلُ الْكَرْخِ فِي بِنَاءِ سُورٍ عَلَى الْكَرْخِ، فَلَمَّا رَآهُمُ السُّنَّةُ مِنَ الْقَلَّائِينَ وَمَنْ يَجْرِي مُجْرَاهُمْ شَرَعُوا فِي بِنَاءِ سُورٍ عَلَى سُوقِ الْقَلَّائِينَ، وَأَخْرَجَ الطَّائِفَتَانِ فِي الْعِمَارَةِ مَالًا جَلِيلًا، وَجَرَتْ بَيْنَهُمَا فِتَنٌ كَثِيرَةٌ، وَبَطَلَتِ الْأَسْوَاقُ وَزَادَ الشَّرُّ، حَتَّى انْتَقَلَ كَثِيرٌ مِنَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ فَأَقَامُوا بِهِ، وَتَقَدَّمَ الْخَلِيفَةُ إِلَى أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ النَّسَوِيِّ بِالْعُبُورِ وَإِصْلَاحِ الْحَالِ وَكَفِّ الشَّرِّ، فَسَمِعَ أَهْلُ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ
стр. 4606
ذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ السُّنَّةُ وَالشِّيعَةُ (عَلَى الْمَنْعِ) مِنْهُ، وَأَذَّنُوا فِي الْقَلَّائِينَ وَغَيْرِهَا بِحَيِّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَأَذَّنُوا فِي الْكَرْخ ِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، وَأَظْهَرُوا التَّرَحُّمَ عَلَى الصَّحَابَةِ، فَطَلَ عُبُورُه ُ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصُّورِيُّ الْحَافِظُ، كَانَ إِمَامًا صَحِبَ عَبْدَ الْغَنِيِّ بْنَ سَعِيدٍ وَتَخَرَّجَ بِهِ، وَمِنْ تَلَامِذَتِهِ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْر ٍ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَنَقُّلَ الْأَحْوَالِ بِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَن ٌ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو الْحَسَنِ الْعَتِيقِيُّ، نُسِبَ إِلَى جَدٍّ لَهُ يُسَمَّى عَتِيقًا، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمَائَة ٍ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْفَائِزِ عَبْدُ الْوَهَّابِ ابْنُ أَقْضَى الْقُضَاةِ أَبِي الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيِّ، وَكَانَتْ شَهَادَتُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَقَبِلَهَا الْقَاضِي فِي بَيْتِ النُّوبَةِ، وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا فَعَلَ مَعَهُ هَذَا احْتِرَامًا لِأَبِيه ِ.
стр. 4607
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]
٤٤٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ مُلْكِ طُغْرُلْبَك أَصْبَهَانَ
كَانَ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ صَاحِبُ أَصْبَهَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك، كَانَ يُكْثِرُ التَّلَوُّنَ مَعَهُ، تَارَةً يُطِيعُهُ وَيَنْحَازُ إِلَيْهِ، وَتَارَةً يَنْحَرِفُ عَنْهُ وَيُطِيعُ الْمَلِكَ الرَّحِيمَ، فَأَضْمَرَ لَهُ طُغْرُلْبَك سُوءًا، فَلَمَّا عَادَ هَذِهِ الدَّفْعَةَ مِنْ خُرَاسَانَ لِأَخْذِ الْبِلَادِ الْجَبَلِيَّةِ مِنْ أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ - عَدَلَ إِلَى أَصْبَهَانَ عَازِمًا عَلَى أَخْذِهَا مِنْ أَبِي مَنْصُورٍ، فَسَمِعَ ذَلِكَ، فَتَحَصَّنَ بِبَلَدِهِ وَاحْتَمَى بِأَسْوَارِهِ، وَنَازَلَهُ طُغْرُلْبَك فِي الْمُحَرَّمِ، وَأَقَامَ عَلَى مُحَاصَرَتِهِ نَحْوَ سَنَةٍ، وَكَثُرَتِ الْحُرُوبُ بَيْنَهُمَا، إِلَّا أَنْ طُغْرُلْبَك قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى سَوَادِ الْبَلَدِ، وَأَرْسَلَ سَرِيَّةً مِنْ عَسْكَرِهِ نَحْوَ فَارِسَ، فَبَلَغُوا إِلَى الْبَيْضَاءِ، فَأَغَارُوا عَلَى السَّوَادِ هُنَاكَ وَعَادُوا غَانِمِينَ.
وَلَمَّا طَالَ الْحِصَارُ عَلَى أَصْبَهَانَ، وَأَخْرَبَ أَعْمَالَهَا - ضَاقَ الْأَمْرُ بِصَاحِبِهَا وَأَهْلِهَا، وَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَبْذُلُونَ لَهُ الطَّاعَةَ وَالْمَالَ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَقْنَعْ مِنْهُمْ إِلَّا بِتَسْلِيمِ الْبَلَدِ، فَصَبَرُوا حَتَّى نَفِدَتِ الْأَقْوَاتُ، وَامْتَنَعَ الصَّبْرُ، وَانْقَطَعَتِ الْمَوَادُّ، وَاضْطَرَّ النَّاسُ حَتَّى نَقَضُوا الْجَامِعَ، وَأَخَذُوا أَخْشَابَهُ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَى الْحَطَبِ، فَحَيْثُ بَلَغَ بِهِمُ الْحَالُ إِلَى هَذَا الْحَدِّ خَضَعُوا لَهُ وَاسْتَكَانُوا، وَسَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ، فَدَخَلَهُ وَأَخْرَجَ أَجْنَادَهُ مِنْهُ وَأَقْطَعَهُمْ فِي بِلَادِ الْجَبَلِ، وَأَحْسَنَ إِلَى الرَّعِيَّةِ، وَأَقْطَعَ صَاحِبَهَا أَبَا مَنْصُورٍ نَاحِيَتَيْ يَزْدَ وَأَبَرْقُويَةَ، وَتَمَكَّنَ مِنْ أَصْبَهَانَ وَدَخَلَهَا فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] وَاسْتَطَابَهَا، وَنَقَلَ مَا كَانَ لَهُ بِالرَّيِّ مِنْ مَالٍ وَذَخَائِرَ وَسِلَاحٍ إِلَيْهَا، وَجَعَلَهَا
стр. 4608
دَارَ مُقَامِهِ، وَخَرَّبَ قِطْعَةً مِنْ سُورِهَا، وَقَالَ: وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى الْأَسْوَارِ مَنْ تَضْعُفُ قُوَّتُهُ، فَأَمَّا مَنْ حِصْنُهُ عَسَاكِرُهُ وَسَيْفُهُ فَلَا حَاجَةَ بِهِ إِلَيْهَا.
ذِكْرُ عَوْدِ عَسَاكِرِ فَارِسَ مِنَ الْأَهْوَازِ وَعَوْدِ الرَّحِيمِ إِلَيْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ عَادَتْ عَسَاكِرُ فَارِسَ الَّتِي مَعَ الْأَمِيرِ أَبِي مَنْصُورٍ صَاحِبِهَا عَنِ الْأَهْوَازِ إِلَى فَارِسَ.
وَسَبَبُ هَذَا الْعَوْدِ أَنَّ الْأَجْنَادَ اخْتَلَفُوا وَشَغَبُوا وَاسْتَطَالُوا، وَعَادَ بَعْضُهُمْ إِلَى فَارِسَ بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهِمْ، وَأَقَامَ بَعْضُهُمْ مَعَهُ، وَسَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْمَلِكِ الرَّحِيمِ وَهُوَ بِالْأَهْوَازِ، يَطْلُبُونَهُ لِيَعُودَ إِلَيْهِمْ، فَعَادَ فِيمَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَغْدَاذَ يَأْمُرُ الْعَسَاكِرَ الَّتِي فِيهَا بِالْحُضُورِ عِنْدَهُ لِيَسِيرَ بِهِمْ إِلَى فَارِسَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْأَهْوَازِ لَقِيَهُ الْعَسَاكِرُ مُقِرِّينَ بِالطَّاعَةِ، وَأَخْبَرُوهُ بِطَاعَةِ عَسَاكِرِ فَارِسَ، وَأَنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَ قُدُومَهُ، فَدَخَلَ الْأَهْوَازَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ، فَتَوَقَّفَ بِالْأَهْوَازِ يَنْتَظِرُ عَسَاكِرَ بَغْدَاذَ، ثُمَّ سَارَ عَنْهَا إِلَى عَسْكَرِ مُكْرَمٍ فَمَلَكَهَا وَأَقَامَ بِهَا.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ زَعِيمِ الدَّوْلَةِ عَلَى مَمْلَكَةِ أَخِيهِ قِرْوَاشٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي جُمَادَى الْأُولَى اسْتَوْلَى زَعِيمُ الدَّوْلَةِ أَبُو كَامِلٍ بَرَكَةُ بْنُ الْمُقَلَّدِ عَلَى أَخِيهِ قِرْوَاشٍ وَحَجَرَ عَلَيْهِ، وَمَنَعَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ عَلَى اخْتِيَارِه ِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ قِرْوَاشًا كَانَ قَدْ أَنِفَ مِنْ تَحَكُّمِ أَخِيهِ فِي الْبِلَادِ، وَأَنَّهُ قَدْ صَارَ لَا حُكْمَ لَهُ، فَعَمِلَ عَلَى الِانْحِدَارِ إِلَى بَغْدَاذَ وَمُفَارَقَةِ أَخِيهِ، وَسَارَ عَنِ الْمَوْصِلِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى بَرَكَةَ وَعَظُمَ عِنْدَه ُ.
стр. 4609
ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ نَفَرًا مِنْ أَعْيَانٍ يُشِيرُونَ عَلَيْهِ بِالْعَوْدِ وَاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ، وَيُحَذِّرُونَهُ مِنَ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ، فَلَمَّا بَلَّغُوهُ ذَلِكَ امْتَنَعَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: أَنْتَ مَمْنُوعٌ عَنْ فِعْلِكَ وَالرَّأْيُ لَكَ الْقَبُولُ وَالْعَوْدُ مَا دَامَتِ الرَّغْبَةُ إِلَيْكَ. فَعَلِمَ حِينَئِذٍ أَنَّهُ يُمْنَعُ قَهْرًا، فَأَجَابَ إِلَى الْعَوْدِ عَلَى شَرْطِ أَنْ يَسْكُنَ دَارَ الْإِمَارَةِ بِالْمَوْصِلِ، وَسَارَ مَعَهُمْ، فَلَمَّا قَارَبَ حِلَّةَ أَخِيهِ زَعِيمِ الدَّوْلَةِ لَقِيَهُ وَأَنْزَلَهُ عِنْدَهُ، فَهَرَبَ أَصْحَابُهُ وَأَهْلُهُ خَوْفًا، فَأَمَنَّهُمْ زَعِيمُ الدَّوْلَةِ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ وَخَدَمَهُ وَأَظْهَرَ لَهُ الْخِدْمَةَ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ مَنْ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ عَلَى اخْتِيَارِهِ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الْغُزِّ عَلَى مَدِينَةِ فَسَا
وَفِيهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى سَارَ الْمَلِكُ أَلْبُ أَرْسِلَانَ بْنُ دَاوُدَ أَخِي طُغْرُلْبَك مِنْ مَدِينَةِ مَرْوَ بِخُرَاسَانَ، وَقَصَدَ بِلَادَ فَارِسَ فِي الْمَفَازَةِ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَحَدٌ، وَلَا أَعْلَمَ عَمَّهُ طُغْرُلْبَك، فَوَصَلَ إِلَى مَدِينَةِ فَسَا، فَانْصَرَفَ النَّائِبُ بِهَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَدَخَلَهَا أَلْبُ أَرْسِلَانَ، فَقَتَلَ مِنَ الدَّيْلَمِ بِهَا أَلْفَ رَجُلٍ وَعَدَدًا كَثِيرًا مِنَ الْعَامَّةِ، وَنَهَبُوا مَا قَدْرُهُ أَلْفُ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَسَرُوا ثَلَاثَةَ آلَافِ إِنْسَانٍ، وَكَانَ الْأَمْرُ عَظِيمًا.
فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ ذَلِكَ عَادُوا إِلَى خُرَاسَانَ، وَلَمْ يَلْبَثُوا خَوْفًا مِنْ طُغْرُلْبَك أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ، وَيَأْخُذَ مَا غَنِمُوهُ مِنْهُم ْ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الْخَوَارِجِ عَلَى عُمَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْلَى الْخَوَارِجُ الْمُقِيمُونَ بِجِبَالِ عُمَانَ عَلَى مَدِينَةِ تِلْكَ الْوِلَايَة ِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَهَا الْأَمِيرَ أَبَا الْمُظَفَّرِ ابْنَ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ كَانَ مُقِيمًا بِهَا، وَمَعَهُ خَادِمٌ لَهُ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى (الْأُمُورِ، وَحَكَمَ عَلَى) الْبِلَادِ، وَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِي أَهْلِهَا، فَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، فَنَفَرُوا مِنْهُ وَأَبْغَضُوه ُ.
وَعَرَفَ إِنْسَانٌ مِنَ الْخَوَارِجِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ رَاشِدٍ الْحَالَ، فَجَمَعَ مَنْ عِنْدِهِ مِنْهُمْ، فَقَصَدَ الْمَدِينَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْأَمِيرُ أَبُو الْمُظَفَّرِ فِي عَسَاكِرِهِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتِ الْخَوَارِجُ، وَعَادُوا إِلَى مَوْضِعِهِمْ.
стр. 4610
وَأَقَامَ ابْنُ رَاشِدٍ مُدَّةً يَجْمَعُ وَيَحْتَشِدُ، ثُمَّ سَارَ ثَانِيًا، وَقَاتَلَهُ الدَّيْلَمُ، فَأَعَانَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ لِسُوءِ سِيرَةِ الدَّيْلَمِ فِيهِمْ، فَانْهَزَمَ الدَّيْلَمُ، وَمَلَكَ ابْنُ رَاشِدٍ الْبَلَدَ، وَقَتَلَ الْخَادِمَ وَكَثِيرًا مِنَ الدَّيْلَمِ، وَقَبَضَ عَلَى الْأَمِيرِ أَبِي الْمُظَفَّرِ وَسَيَّرَهُ إِلَى جِبَالِهِ مُسْتَظْهِرًا عَلَيْهِ، وَسَجَنَ مَعَهُ كُلَّ مَنْ خَطَّ بِقَلَمٍ مِنَ الدَّيْلَمِ، وَأَصْحَابَ الْأَعْمَالِ، وَأَخْرَبَ دَارَ الْإِمَارَةِ وَقَال َ: هَذِهِ أَحَقُّ دَارٍ بِالْخَرَابِ! وَأَظْهَرَ الْعَدْلَ، وَأَسْقَطَ الْمُكُوسَ، وَاقْتَصَرَ عَلَى رَفْعِ عُشْرِ مَا يَرِدُ إِلَيْهِمْ، وَخَطَبَ لِنَفْسِهِ، وَتَلَقَّبَ بِالرَّاشِدِ بِاللَّهِ، وَلَبِسَ الصُّوفَ، وَبَنَى مَوْضِعًا عَلَى شَكْلِ مْجِدٍ، وَقَدْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ تَحَرَّكَ أَيْضًا أَيَّامَ أَبِي الْقَاسِمِ (بْنِ مُكْرَمٍ) ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ أَبُو الْقَاسِمِ مَنْ مَنَعَهُ وَحَصَرَهُ وَأَزَالَ طَمَعَه ُ.
ذِكْرُ دُخُولِ الْعَرَبِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَتِ الْعَرَبُ إِلَى إِفْرِيقِيَّة َ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُعِزَّ بْنَ بَادِيسَ كَانَ خَطَبَ لِلْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ الْخَلِيفَةِ الْعَبَّاسِيِّ، وَقَطَعَ خُطْبَةَ الْمُسْتَنْصِرِ الْعَلَوِيِّ صَاحِبِ مِصْرَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ كَتَبَ إِلَيْهِ الْمُسْتَنْصِرُ الْعَلَوِيُّ يَتَهَدَّدُهُ، فَأَغْلَظَ الْمُعِزُّ فِي الْجَوَاب ِ.
ثُمَّ إِنَّ الْمُسْتَنْصِرَ اسْتَوْزَرَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ الْيَازُورِيَّ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْوِزَارَةِ، إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَهْلِ التِّنَايَةِ وَالْفِلَاحَةِ، فَلَمْ يُخَاطِبْهُ الْمُعِزُّ كَمَا كَانَ يُخَاطِبُ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْوُزَرَاءِ، كَانَ يُخَاطِبُهُمْ بِعَبْدِهِ، فَخَاطَبَ الْيَازُورِيَّ بِصَنِيعَتِهِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَعَاتَبَهُ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى مَا يُحِبُّ، فَأَكْثَرَ الْوَقِيعَةَ فِي الْمُعِزِّ، وَأَغْرَى بِهِ الْمُسْتَنْصِرَ، وَشَرَعُوا فِي إِرْسَالِ الْعَرَبِ إِلَى الْغَرْبِ، فَأَصْلَحُوا بَنِي زُغْبَةَ وَرِيَاحٍ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ وَحُقُودٌ، وَأَعْطَوْهُمْ مَالًا، وَأَمَرُوهُمْ بِقَصْدِ بِلَادِ الْقَيْرَوَانِ، وَمَلَّكُوهُمْ كُلَّ مَا يَفْتَحُونَهُ،
стр. 4611
وَوَعَدُوهُمْ بِالْمَدَدِ وَالْعُدَد ِ.
فَدَخَلَتِ الْعَرَبُ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَتَبَ الْيَازُورِيُّ إِلَى الْمُعِز ِّ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ خُيُولًا فُحُولًا، وَحَمَلْنَا عَلَيْهَا رِجَالًا كُهُولًا، لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا. فا حَلُّوا أَرْضَ بَرْقَةَ وَمَا وَالَاهَا وَجَدُوا بِلَادًا كَثِيرَةَ الْمَرْعَى خَالِيَةً مِنَ الْأَهْلِ ; لِأَنَّ زِنَاتَةَ كَانُوا أَهْلَهَا فَأَبَادَهُمُ الْمُعِزُّ، فَأَقَامَتِ الْعَرَبُ بِهَا وَاسْتَوْطَنَتْهَا، وَعَاثُوا فِي أَطْرَافِ الْبِلَادِ. وَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُعِزَّ فَاحْتَقَرَهُمْ.
وَكَانَ الْمُعِزُّ لَمَّا رَأَى تَقَاعُدَ صِنْهَاجَةَ عَنْ قِتَالِ زِنَاتَةَ اشْتَرَى الْعَبِيدَ، وَأَوْسَعَ لَهُمْ فِي الْعَطَاءِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ ثَلَاثُونَ أَلْفَ مَمْلُوكٍ.
وَكَانَتْ عَرَبُ زُغْبَةَ قَدْ مَلَكَتْ مَدِينَةَ طَرَابُلُسَ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، فَتَتَابَعَتْ رِيَاحٌ وَالْأَثْبَجُ وَبَنُو عَدِيٍّ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَقَطَعُوا السَّبِيلَ وَعَاثُوا فِي الْأَرْضِ، وَأَرَادُوا الْوُصُولَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَقَالَ مُؤْنِسُ بْنُ يَحْيَى الْمِرْدَاسِيُّ: لَيْسَ الْمُبَادَرَةُ عِنْدِي بِرَأْيٍ. فَقَالُوا: كَيْفَ تُحِبُّ أَنْ تَصْنَعَ؟ فَأَخَذَ بِسَاطًا فَبَسَطَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُم ْ: مَنْ يَدْخُلُ إِلَى وَسَطِ الْب مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْشِيَ عَلَيْهِ؟ قَالُوا: لَا نَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ! قَال َ: فَهَكَذَا الْقَيْرَوَانُ، خُذُوا شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا الْقَيْرَوَانُ، فَخُذُوهَا حِينَئِذٍ. فَقَالُوا: إِنَّكَ لَشَيْخُ اوَأَمِيرُهَا، وَأَنْتَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْنَا، وَلَسْنَا نَقْطَعُ أَمْرًا دُونَك َ.
ثُمَّ قَدِمَ أُمَرَاءُ الْعَرَبِ إِلَى الْمُعِزِّ فَأَكْرَمَهُمْ وَبَذَلَ لَهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ لَمْ يُجَازُوهُ بِمَا فَعَلَ مِنَ الْإِحْسَانِ، بَلْ شَنُّوا الْغَارَاتِ، وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، وَأَفْسَدُوا الزُّرُوعَ، وَقَطَعُوا الثِّمَارَ، وَحَاصَرُوا الْمُدُنَ، فَضَاقَ بِالنَّاسِ الْأَمْرُ وَسَاءَتْ أَحْوَالُهُمْ، وَانْقَطَعَتْ أَسْفَارُهُمْ، وَنَزَلَ بِإِفْرِيقِيَّةَ بَلَاءٌ لَمْ يَنْزِلْ بِهَا مِثْلُهُ قَطُّ، فَحِينَئِذٍ احْتَفَلَ الْمُعِزُّ وَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ، فَكَانُوا ثَلَاثِينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَمِثْلُهَا رَجَّالَةٌ، وَسَارَ حَتَّى أَتَى جَنْدِرَانَ، وَهُوَ جَبَلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَيْرَوَانِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَكَانَتْ عُدَّةُ الْعَرَبِ ثَلَاثَةَ آلَافِ فَارِسٍ، فَلَمَّا
стр. 4612
رَأَتِ الْعَرَبُ عَسَاكِرَ صِنْهَاجَةَ وَالْعَبِيدَ مَعَ الْمُعِزِّ هَالَهُمْ ذَلِكَ، وَعَظُمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ مُؤْنِسُ بْنُ يَحْيَى: مَا هَذَا يَوْمُ فِرَارٍ. فَقَالُوا: أَيْنَ نَطْعَنُ هَؤُلَاءِ وَقَدْ لَبِسُوا الْكُزَادَاتِ وَالْمَغَافِرَ؟ قَال َ: فِي أَعْيُنِهِمْ. فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْعَيْنِ. وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، فَاتَّفَقَتْ صِنْهَاجَةُ عَلَى الْهَزِيمَةِ وَتَرْكِ الْمُعِزِّ مَعَ الْعَبِيدِ حَتَّى يَرَى فِعْلَهُمْ، وَيُقْتَلَ أَكْثَرُهُمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَرْجِعُونَ عَلَى الْعَرَبِ، فَانْهَزَمَتْ صِنْهَاجَةُ وَثَبَتَ الْعَبِيدُ مَعَ الْمُعِزِّ، فَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأَرَادَتْ صِنْهَاجَةُ الرُّجُوعَ عَلَى الْعَرَبِ فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ ذَلِكَ، وَاسْتَمَرَّتِ الْهَزِيمَةُ، وَقُتِلَ مِنْ صِنْهَاجَةَ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَدَخَلَ الْمُعِزُّ الْقَيْرَوَانَ مَهْزُومًا، عَلَى كَثْرَةِ مَنْ مَعَهُ، وَأَخَذَتِ الْعَرَبُ الْخَيْلَ وَالْخِيَامَ وَمَا فِيهَا مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ، وَفِيهِ يَقُولُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
وَإِنَّ ابْنَ بَادِيسٍ لَأَفْضَلُ مَالِكٍ ... وَلَكِنْ لَعَمْرِي مَا لَدَيْهِ رِجَالُ
ثَلَاثُونَ أَلْفًا مِنْهُمُ غَلَبَتْهُمُ ... ثَلَاثَةُ أَلْفٍ إِنَّ ذَا لَمُحَالُ
وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ جَمَعَ الْمُعِزُّ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَسَارَ إِلَى الْعَرَبِ جَرِيدَةً، وَسَبَقَ خَبَرَهُ، وَهَجَمَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ، فَرَكِبَتِ الْعَرَبُ خُيُولَهُمْ وَحَمَلَتْ، فَانْهَزَمَتْ صِنْهَاجَةُ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ عَالَمٌ كَثِيرٌ.
ثُمَّ جَمَعَ الْمُعِزُّ وَخَرَجَ بِنَفْسِهِ فِي صِنْهَاجَةَ وَزِنَاتَةَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى بُيُوتِ الْعَرَبِ، وَهُوَ قِبْلِيُّ جَبَلِ جَنْدِرَانَ - (انْتَشَبَ الْقِتَالُ) ، وَاشْتَعَلَتْ نِيرَانُ الْحَرْبِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ سَبْعَةَ آلَافِ فَارِسٍ، فَانْهَزَمَتْ (صِنْهَاجَةُ، وَوَلَّى كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَانْهَزَمَتْ) زِنَاتَةُ، وَثَبَتَ الْمُعِزُّ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ عَبِيدِهِ ثَبَاتًا عَظِيمًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، ثُمَّ
стр. 4613
انْهَزَمَ وَعَادَ إِلَى الْمَنْصُورِيَّةِ. وَأُحْصِيَ مَنْ قُتِلَ مِنْ صِنْهَاجَةَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَكَانُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَثَلَاثَمَائَة ٍ.
ثُمَّ أَقْبَلَتِ الْعَرَبُ حَتَّى نَزَلَتْ بِمُصَلَّى الْقَيْرَوَانِ، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ، فَقُتِلَ مِنَ الْمَنْصُورِيَّةِ وَرَقَّادَةَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْمُعِزُّ أَبَاحَهُمْ دُخُولَ الْقَيْرَوَانِ لِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ، فَلَمَّا دَخَلُوا اسْتَطَالَتْ عَلَيْهِمُ الْعَامَّةُ، وَوَقَعَتْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ كَانَ سَبَبُهَا فِتْنَةً بَيْنَ إِنْسَانٍ عَرَبِيٍّ وَآخَرَ عَامِيٍّ، وَكَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلْعَرَبِ.
وَفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] بُنِيَ سُورُ زُوَيْلَةَ وَالْقَيْرَوَانِ، وَفِي سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حَاصَرَتِ الْعَرَبُ الْقَيْرَوَانَ، وَمَلَكَ مُؤْنِسُ بْنُ يَحْيَى مَدِينَةَ بَاجَةَ، وَأَشَارَ الْمُعِزُّ عَلَى الرَّعِيَّةِ بِالِانْتِقَالِ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ لِعَجْزِهِ عَنْ حِمَايَتِهِمْ مِنَ الْعَرَب ِ.
وَشَرَعَتِ الْعَرَبُ فِي هَدْمِ الْحُصُونِ وَالْقُصُورِ، وَقَطَّعُوا الثِّمَارَ وَخَرَّبُوا الْأَنْهَارَ، وَأَقَامَ الْمُعِزُّ وَالنَّاسُ يَنْتَقِلُونَ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ، فَعِنْدَهَا انْتَقَلَ الْمُعِزُّ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ فِي شَعْبَانَ، فَتَلَقَّاهُ ابْنُهُ تَمِيمٌ، وَمَشَى بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ وَلَّاهُ الْمَهْدِيَّةَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ قَدِمَ أَبُوهُ الْآن َ.
وَفِي رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ نَهَبَتِ الْعَرَبُ الْقَيْرَوَان َ.
وَفِي سَنَةِ خَمْسِينَ خَرَجَ بُلُكِّينُ وَمَعَهُ الْعَرَبُ لِحَرْبِ زِنَاتَةَ، فَقَاتَلَهُمْ، فَانْهَزَمَتْ زِنَاتَةُ وَقُتِلَ مِنْهَا عَدَدٌ كَثِيرٌ.
وَفِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ (وَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْعَرَبِ وَهَوَّارَةَ، فَانْهَزَمَتْ هَوَّارَةُ وَقُتِلَ مِنْهَا الْكَثِيرُ.
وَفِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ) قَتَلَ أَهْلُ تَقْيُوسَ مِنَ الْعَرَبِ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا،
стр. 4614
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ دَخَلَتِ الْمَدِينَةَ مُتَسَوِّقَةً، فَقَتَلَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ رَجُلًا مُتَقَدِّمًا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، لِأَنَّهُ سَمِعَهُ يُثْنِي عَلَى الْمُعِزِّ وَيَدْعُو لَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ ثَارَ أَهْلُ الْبَلَدِ بِالْعَرَبِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمُ الْعَدَدَ الْمَذْكُورَ.
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ الَّتِي حَدَثَ فِيهَا، وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَاهُ مُتَتَابِعًا لِيَكُونَ أَحْسَنَ لِسِيَاقَتِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا انْقَطَعَ وَتَخَلَّلَتْهُ الْحَوَادِثُ فِي السِّنِينَ لَمْ يُفْهَم ْ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِيهَا سَارَ الْمُهَلْهِلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِنَّازٍ أَخُو أَبِي الشَّوْكِ إِلَى السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَقَرَّهُ عَلَى إِقْطَاعِهِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ السِّيرَوَانُ، وَدَقُوقَا، وَشَهْرَزُورُ، وَالصَّامَغَانُ، وَشَفَّعَهُ فِي أَخِيهِ سُرْخَابٍ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِنَّازٍ، وَكَانَ مَحْبُوسًا عِنْدَ طُغْرُلْبَك، وَسَارَ سُرْخَابٌ إِلَى قَلْعَةِ الْمَاهَكِيِّ، وَهِيَ لَهُ، وَأَقْطَعَ سَعْدِي بْنَ أَبِي الشَّوْكِ الرَّاوَنْدَيْنِ.
وَفِيهَا قَبَضَ الْمُسْتَنْصِرُ بِمِصْرَ عَلَى أَبِي الْبَرَكَاتِ عَمِّ أَبِي الْقَاسِمِ الْجَرْجَرَائِيِّ، وَاسْتَوْزَرَ الْقَاضِيَ أَبَا مُحَمَّدٍ الْحَسَنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْيَازُورِيَّ، وَيَازُورُ: مِنْ أَعْمَالِ الرَّمْلَةِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ أَبُو الْحُسَيْنِ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَة ٍ.
وَفِيهَا فِي شَعْبَانَ تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْقَزْوِينِيُّ الزَّاهِدُ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ، رَوَى الْحَدِيثَ وَالْحِكَايَاتِ وَالْأَشْعَارَ، وَرَوَى عَنِ ابْنِ نُبَاتَةَ شَيْئًا مِنْ شِعْرِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ نُبَاتَة َ:
стр. 4615
وَإِذَا عَجَزْتَ عَنِ الْعَدُوِّ فَدَارِهِ ... وَامْزُجْ لَهُ إِنَّ الْمَزْجَ وِفَاقُ
فَالنَّارُ بِالْمَاءِ الَّذِي هُوَ ضِدُّهَا ... تُعْطِي النِّضَاجَ وَطَبْعُهَا الْإِحْرَاقُ
وَفِيهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ النَّحْوِيُّ الضَّرِيرُ، الْمَعْرُوفُ بِالثَّمَانِينِيِّ.
стр. 4616
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]
٤٤٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ نَهْبِ سُرَّقَ وَالْحَرْبِ الْكَائِنَةِ عِنْدَهَا، وَمُلْكِ الرَّحِيمِ رَامَهُرْمُزَ
وَفِيهَا فِي الْمُحَرَّمِ اجْتَمَعَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ وَالْأَكْرَادِ، وَقَصَدُوا سُرَّقَ (مِنْ خُوزِسْتَانَ) وَنَهَبُوهَا، وَنَهَبُوا دُورَقَ، وَمُقَدَّمُهُمْ مُطَارِدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمَذْكُورُ بْنُ نِزَارٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ جَيْشًا، وَلَقُوهُمْ بَيْنَ سُرَّقَ وَدُورَقَ، فَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ مُطَارِدُ وَأُسِرَ وَلَدُهُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَاسْتَنْقَذُوا مَا نَهَبُوهُ، وَنَجَا الْبَاقُونَ عَلَى أَقْبَحِ صُورَةٍ مِنَ الْجِرَاحِ وَالنَّهْبِ، فَلَمَّا تَمَّ هَذَا الْفَتْحُ لِلْمَلِكِ الرَّحِيمِ انْتَقَلَ مِنْ عَسْكَرِ مُكْرَمٍ مُتَقَدِّمًا إِلَى قَنْطَرَةِ أَرْبُقَ، وَمَعَهُ دُبَيْسُ بْنُ مَزْيَدٍ وَالْبَسَاسِيرِيُّ وَغَيْرُهُمَا.
ثُمَّ إِنَّ (الْأَمِيرَ أَبَا مَنْصُورٍ صَاحِبَ فَارِسَ) وَهَزَارَسْبَ بْنَ بُنْكِيرَ، وَمَنْصُورَ بْنَ الْحُسَيْنِ الْأَسَدِيَّ، وَمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الدَّيْلَمِ وَالْأَتْرَاكِ - سَارُوا مِنْ أَرَّجَانَ يَطْلُبُونَ تُسْتَرَ، فَسَابَقَهُمُ الرَّحِيمُ إِلَيْهَا، وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا، وَالْتَقَتِ الطَّلَائِعُ، فَكَانَ الظَّفَرُ لِعَسْكَرِ الرَّحِيمِ.
ثُمَّ إِنَّ الْإِرْجَافَ وَقَعَ فِي عَسْكَرِ هَزَارَسْبَ بِوَفَاةِ الْأَمِيرِ أَبِي مَنْصُورٍ ابْنِ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ بِمَدِينَةِ شِيرَازَ، فَسُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَعَادُوا، وَقَصَدَ كَثِيرٌ مِنْهُمُ الْمَلِكَ الرَّحِيمَ فَصَارُوا مَعَهُ، فَسَيَّرَ قِطْعَةً مِنَ الْجَيْشِ إِلَى رَامَهُرْمُزَ وَبِهَا أَصْحَابُ هَزَارَسْبَ، وَقَدْ أَفْسَدُوا فِي تِلْكَ الْأَعْمَالِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا عَسْكَرُ الرَّحِيمِ خَرَجَ أُولَئِكَ إِلَى قِتَالِهِمْ،
стр. 4617
فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا أُكْثِرَ فِيهِ الْقَتْلُ وَالْجِرَاحُ، (ثُمَّ انْهَزَمَ أَصْحَابُ هَزَارَسْبَ فَدَخَلُوا الْبَلَدَ وَحُصِرُوا فِيهِ) ، ثُمَّ مَلَكَ الْبَلَدَ عَنْوَةً، وَنَهَبَ وَأَسَرَ جَمَاعَةً مِنَ الْعَسَاكِرِ الَّتِي فِيهِ، وَهَرَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى هَزَارَسْبَ وَهُوَ بِأَيْذَجَ، وَمَلَكَ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ الْبَلَدَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
ذِكْرُ مُلْكِ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ إِصْطَخْرَ وَشِيرَازَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ أَخَاهُ الْأَمِيرَ أَبَا سَعْدٍ فِي جَيْشٍ إِلَى بِلَادِ فَارِسَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُقِيمَ فِي قَلْعَةِ إِصْطَخْرَ، وَهُوَ أَبُو نَصْرِ بْنُ خُسْرُو، كَانَ لَهُ أَخَوَانِ قَبَضَ عَلَيْهَا هَزَارَسْبُ بْنُ بُنْكِيرَ بِأَمْرِ الْأَمِيرِ أَبِي مَنْصُورٍ، فَكَتَبَ إِلَى الْمَلِكِ الرَّحِيمِ يَبْذُلُ لَهُ الطَّاعَةَ وَالْمُسَاعَدَةَ، وَيَطْلُبُ أَنْ يُسَيِّرَ إِلَيْهِ أَخَاهُ لِيُمَلِّكَهُ بِلَادَ فَارِسَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ أَخَاهُ أَبَا سَعْدٍ فِي جَيْشٍ، فَوَسَلَ إِلَى دَوْلَتَابَاذَ، فَأَتَاهُ كَثِيرٌ مِنْ عَسَاكِرِ فَارِسَ الدَّيْلَمِ، وَالتُّرْكِ، وَالْعَرَبِ، وَالْأَكْرَادِ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى قَلْعَةِ إِصْطَخْرَ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ صَاحِبُهَا أَبُو نَصْرٍ، فَلَقِيَهُ وَأَصْعَدَهُ إِلَى الْقَلْعَةِ، وَحَمَلَ لَهُ وَلِلْعَسَاكِرِ الَّتِي مَعَهُ الْإِقَامَاتِ وَالْخِلَعَ وَغَيْرَهَا.
ثُمَّ سَارُوا مِنْهَا إِلَى قَلْعَةِ بَهَنْدَرَ فَحَصَرُوهَا، (وَأَتَاهُ كُتُبُ) (بَعْضِ مُسْتَحْفِظِي الْبِلَادِ الْفَارِسِيَّةِ بِالطَّاعَةِ، مِنْهَا مُسْتَحْفِظُ دَرَابْجِرْدَ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى شِيرَازَ فَمَلَكَهَا فِي رَمَضَانَ) فَلَمَّا سَمِعَ (أَخُوهُ الْأَمِيرُ) أَبُو مَنْصُورٍ، وَهَزَارَسْبُ، وَمَنْصُورُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَسَدِيُّ ذَلِكَ - سَارُوا فِي عَسْكَرِهِمْ إِلَى الْمَلِكِ الرَّحِيمِ فَهَزَمُوهُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَفَارَقَ الْأَهْوَازَ إِلَى وَاسِطٍ، ثُمَّ عَطَفُوا مِنَ الْأَهْوَازِ إِلَى شِيرَازَ لِإِجْلَاءِ الْأَمِيرِ أَبِي سَعْدٍ عَنْهَا، فَلَمَّا قَارَبُوهَا لَقِيَهُمْ أَبُو سَعْدٍ وَقَاتَلَهُمْ فَهَزَمَهُمْ، فَالْتَجَأُوا إِلَى جَبَلِ قَلْعَةِ بَهَنْدَرَ، وَتَكَرَّرَتِ الْحُرُوبُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى مُنْتَصَفِ شَوَّالٍ، فَتَقَدَّمَتْ طَائِفَةٌ مِنْ
стр. 4618
عَسْكَرِ أَبِي سَعْدٍ، فَاقْتَتَلُوا عَامَّةَ النَّهَارِ ثُمَّ عَادُوا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ الْتَقَى الْعَسْكَرَانِ جَمِيعًا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْأَمِيرِ أَبِي مَنْصُورٍ، وَظَفِرَ أَبُو سَعْدٍ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَصَعِدَ أَبُو مَنْصُورٍ إِلَى قَلْعَةِ بَهَنْدَرَ وَاحْتَمَى بِهَا، وَأَقَامَ إِلَى أَنْ عَادَ إِلَى مُلْكِهِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَمَّا فَارَقَ الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورٍ الْأَهْوَازَ أُعِيدَتِ الْخُطْبَةُ لِلْمَلِكِ الرَّحِيمِ، وَأَرْسَلَ مَنْ بِهَا مِنَ الْجُنْدِ يَسْتَدْعُونَهُ إِلَيْهِم ْ.
ذِكْرُ انْهِزَامِ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ بِالْأَهْوَازِ
لَمَّا انْصَرَفَ الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَهَزَارَسْبُ، وَمَنْ مَعَهُمَا مِنْ مَنْزِلِهِمْ قَرِيبَ تُسْتَرَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، مَضَوْا إِلَى أَيْذَجَ وَأَقَامُوا فِيهَا، وَخَافُوا الْمَلِكَ الرَّحِيمَ، وَاسْتَضْعَفُوا نُفُوسَهُمْ عَنْ مُقَاوَمَتِهِ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ رَاسَلُوا السُّلْطَانَ طُغْرُلْبَك، وَبَذَلُوا لَهُ الطَّاعَةَ، وَطَلَبُوا مِنْهُ الْمُسَاعَدَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا كَثِيرًا، وَكَانَ قَدْ مَلَكَ أَصْبَهَانَ وَفَرَغَ بَالُهُ مِنْهَا.
وَعَرَفَ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ ذَلِكَ وَقَدْ فَارَقَهُ كَثِيرٌ مِنْ عَسْكَرِهِ، مِنْهُم ُ: الْبَسَاسِيرِيُّ، وَنُورُ الدَّوْلَةِ دُبَيْسُ بْنُ مَزْيَدٍ، وَالْعَرَبُ وَالْأَكْرَادُ، وَبَقِيَ فِي الدَّيْلَمِ الْأَهْوَازِيَّةُ وَطَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ مِ الْأَتْرَاكِ الْبَغْدَاذِيِّينَ كَانُوا وَصَلُوا إِلَيْهِ أَخِيرًا، فَقَرَّرَ رَأْيَهُ عَلَى أَنْ عَادَ مِنْ عَسْكَرِ مُكْرَمٍ إِلَى الْأَهْوَازِ لِأَنَّهَا أَحْصَنُ، وَيَنْتَظِرُ بِالْمُقَامِ فِيهَا وُصُولَ الْعَسَاكِرِ، وَرَأَى أَنْ يُرْسِلَ أَخَاهُ الْأَمِيرَ أَبَا سَعْدٍ إِلَى فَارِسَ، حَيْثُ طَلَبَ إِلَى إِصْطَخْرَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَسَيَّرَ مَعَهُ جَمْعًا صَالِحًا مِنَ الْعَسَاكِرِ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ أَخَاهُ إِذَا وَصَلَ إِلَى فَارِسَ وَمُلِكَتْ قَلْعَةُ إِصْطَخْرَ - انْزَعَجَ الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورٍ وَهَزَارَسْبُ وَمَنْ مَعَهُمَا، وَاشْتَغَلُوا بِتِلْكَ النَّوَاحِي عَنْهُ، فَازْدَادَ قَلَقًا وَضَعْفًا، فَلَمْ يَلْتَفِتْ أُولَئِكَ إِلَى الْأَمِيرِ أَبِي سَعْدٍ بَلْ سَارُوا مُجِدِّينَ إِلَى الْأَهْوَازِ، فَوَصَلُوهَا أَوَاخِرَ رَبِيعٍ الْآخِر ِ.
وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ كَثُرَ فِيهِمَا الْقِتَالُ وَاشْتَدَّ، فَانْهَزَمَ
стр. 4619
الْمَلِكُ الرَّحِيمُ، وَسَارَ فِي نَفَرٍ قَلِيلٍ إِلَى وَاسِطٍ، وَلَقِيَ فِي طَرِيقِهِ مَشَقَّةً، وَسَلِمَ وَاسْتَقَرَّ بِوَاسِطٍ فِيمَنْ لَحِقَ بِهِ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ، وَنُهِبَتِ الْأَهْوَازُ، وَأُحْرِقَ فِيهَا عِدَّةُ مَحَالٍّ، وَفُقِدَ فِي الْوَقْعَةِ الْوَزِيرُ كَمَالُ الْمُلْكِ أَبُو الْمَعَالِي بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، (وَزِيرُ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ) ، فَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ خَبَرٌ.
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْعَامَّةِ بِبَغْدَاذَ وَإِحْرَاقِ الْمَشْهَدِ - عَلَى سَاكِنِيهِ السَّلَامُ -
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي صَفَرٍ تَجَدَّدَتِ الْفِتْنَةُ بِبَغْدَاذَ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ، وَعَظُمَتْ أَضْعَافَ مَا كَانَتْ قَدِيمًا، فَكَانَ الِاتِّفَاقُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ غَيْرَ مَأْمُونِ الِانْتِقَاضِ، لِمَا فِي الصُّدُورِ مِنَ الْإِحَن ِ.
وَكَانَ سَبَبُ هَذِهِ الْفِتْنَةِ أَنَّ أَهْلَ الْكَرْخِ شَرَعُوا فِي عَمَلِ بَابِ السَّمَّاكِينَ، وَأَهْلَ الْقَلَّائِينَ فِي عَمَلِ مَا بَقِيَ مِنْ بَابِ مَسْعُودٍ، فَفَرَغَ أَهْلُ الْكَرْخِ، وَعَمِلُوا أَبْرَاجًا كَتَبُوا عَلَيْهَا بِالذَّهَبِ: محَمَّدٌ وَعَلِيٌّ خَيْرُ الْبَشَرِ. وَأَنْكَرَ السُّنَّةُ ذَلِكَ وَادَّعَوْا أَنَّ الْمَكْتُوبَ: مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ خَيْرُ الْبَشَرِ، فَمَنْ رَضِيَ فَقَدْ شَكَرَ، وَمَنْ أَبَى فَقَدْ كَفَرَ. وَأَنْكَرَ أَهْلُ الْكَرْخِ الزِّيَادَةَ وَقَالُوا: اتَجَاوَزْنَا مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُنَا فِيمَا نَكْتُبُهُ عَلَى مَسَاجِدِنَا. فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبَا تَمَامٍ نَقِيبَ الْعَبَّاسِيِّينَ، وَنَقِيبَ الْعَلَوِيِّينَ وَهُوَ عَدْنَانُ بْنُ الرَّضِيِّ، لِكَشْفِ الْحَرْبِ وَإِنْهَائِهِ، فَكَتَبَا بِتَصْدِيقِ قَوْلِ الْكَرْخِيِّينَ، فَأَمَرَ حِينَئِذٍ الْخَلِيفَةُ وَنُوَّابُ الرَّحِيمِ بِكَفِّ الْقِتَالِ، فَلَمْ يَقْبَلُوا، وَانْتَدَبَ ابْنُ الْمُذْهِبِ الْقَاضِي وَالزُّهَيْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَصْحَابِ عَبْدِ الصَّمَدِ [أَنْ] يَحْمِلَ الْعَامَّةَ عَلَى الْإِغْرَاقِ فِي الْفِتْنَةِ، فَأَمْسَكَ نُوَّابُ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ عَنْ كَفِّهِمْ غَيْظًا مِنْ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ لِمَيْلِهِ إِلَى الْحَنَابِلَةِ، وَمَنْعِ هَؤُلَاءِ السُّنَّةِ مِنْ حَمْلِ الْمَاءِ مِنْ دِجْلَةَ إِلَى الْكَرْخِ، وَكَانَ نَهْرُ عِيسَى قَدِ انْفَتَحَ
стр. 4620
بَثْقُهُ، فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ، وَانْتُدِبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ وَقَصَدُوا دِجْلَةَ وَحَمَلُوا الْمَاءَ وَجَعَلُوهُ فِي الظُّرُوفِ، وَصَبُّوا عَلَيْهِ مَاءَ الْوَرْدِ، وَنَادَوْا: الْمَاءُ لِلسَّبِيلِ. فَأَغْرَوْا بِهِمُ السُّنَّة َ. وَتَشَدَّدَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ عَلَى الشِّيعَةِ، فَمَحَوْا: خَيْرَ الْبَشَرِ، وَكَتَبُوا: ﵉، فَقَالَتِ السُّنَّة ُ: لَا نَرْضَى إِلَّا أَنْ يُقْلَعَ الْآجُرُّ الَّذِي عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ، وَأَنْ لَا يُؤَذَّن حَيِّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ. وَامْتَنَعَ الشِّيعَةُ مِنْ ذَلِكَ، وَدَامَ الْقِتَالُ إِلَى ثَالِثِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَقُتِلَ فِيهِ رَجُلٌ هَاشِمِيٌّ مِنَ السُّنَّةِ، فَحَمَلَهُ أَهْلُهُ عَلَى نَعْشٍ، وَطَافُوا بِهِ فِي الْحَرْبِيَّةِ وَبَابِ الْبَصْرَةِ وَسَائِرِ مَحَالِّ السُّنَّةِ، وَاسْتَنْفَرُوا النَّاسَ لِلْأَخْذِ بِثَأْرِهِ، ثُمَّ دَفَنُوهُ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَقَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ أَضْعَافَ مَا تَقَدَّمَ.
فَلَمَّا رَجَعُوا مِنْ دَفْنِهِ قَصَدُوا مَشْهَدَ بَابِ التِّبْنِ فَأُغْلِقَ بَابُهُ، فَنَقَّبُوا فِي سُورِهِ وَتَهَدَّدُوا الْبَوَّابَ، فَخَافَهُمْ وَفَتَحَ الْبَابَ، فَدَخَلُوا وَنَهَبُوا مَا فِي الْمَشْهَدِ مِنْ قَنَادِيلَ وَمَحَارِيبَ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَسُتُورٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَنَهَبُوا مَا (فِي التُّرْبِ وَالدُّورِ) وَأَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ فَعَادُوا.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ كَثُرَ الْجَمْعُ، فَقَصَدُوا الْمَشْهَدَ، وَأَحْرَقُوا جَمِيعَ التُّرْبِ وَالْآزَاجِ، وَاحْتَرَقَ ضَرِيحُ مُوسَى، وَضَرِيحُ ابْنِ ابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَالْجِوَارُ، وَالْقُبَّتَانِ السَّاجُ اللَّتَانِ عَلَيْهِمَا، وَاحْتَرَقَ مَا يُقَابِلُهُمَا وَيُجَاوِرُهُمَا مِنْ قُبُورِ مُلُوكِ بَنِي بُوَيْهِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَجَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَمِنْ قُبُورِ الْوُزَرَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ، وَقَبْرُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمَنْصُورِ، وَقَبْرُ الْأَمِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ الرَّشِيدِ، وَقَبْرُ أُمِّهِ زُبَيْدَةَ، وَجَرَى مِنَ الْأَمْرِ الْفَظِيعِ مَا لَمْ يَجْرِ فِي الدُّنْيَا مِثْلُه ُ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ خَامِسُ الشَّهْرِ عَادُوا وَحَفَرُوا قَبْرَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، لِيَنْقُلُوهُمَا إِلَى مَقْبَرَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَحَالَ الْهَدْمُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَعْرِفَةِ الْقَبْرِ، فَجَاءَ الْحَفْرُ إِلَى جَانِبِهِ.
وَسَمِعَ أَبُو تَمَامٍ نَقِيبُ الْعَبَّاسِيِّينَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْهَاشِمِيِّينَ السُّنَّةِ الْخَبَرَ، فَجَاءُوا وَمَنَعُوا عَنْ ذَلِكَ، وَقَصَدَ أَهْلُ الْكَرْخِ إِلَى خَانِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيِّينَ فَنَهَبُوهُ، وَقَتَلُوا مُدَرِّسَ
стр. 4621
الْحَنَفِيَّةِ أَبَا سَعْدٍ السَرَخْسَيَّ، وَأَحْرَقُوا الْخَانَ وَدُورَ الْفُقَهَاءِ) ، وَتَعَدَّتِ الْفِتْنَةُ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَاقْتَتَلَ أَهْلُ بَابِ الطَّاقِ وَسُوقِ بَجٍّ وَالْأَسَاكِفَةُ وَغَيْرُهُم ْ.
وَلَمَّا انْتَهَى خَبَرُ إِحْرَاقِ الْمَشْهَدِ إِلَى نُورِ الدَّوْلَةِ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ عَظُمَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ وَبَلَغَ مِنْهُ كُلَّ مَبْلَغٍ، لِأَنَّهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَسَائِرَ أَعْمَالِهِ مِنَ النِّيلِ وَتِلْكَ الْوِلَايَةَ كُلُّهُمْ شِيعَةٌ، فَقُطِعَتْ فِي أَعْمَالِهِ خُطْبَةُ الْإِمَامِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ، فَرُوسِلَ فِي ذَلِكَ وَعُوتِبَ، فَاعْتَذَرَ بِأَنَّ أَهْلَ وِلَايَتِهِ شِيعَةٌ، وَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِمْ، كَمَا أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَمْ يُمْكِنْهُ كَفُّ السُّفَهَاءِ الَّذِينَ فَعَلُوا بِالْمَشْهَدِ مَا فَعَلُوا، وَأَعَادَ الْخُطْبَةَ إِلَى حَالِهَا.
ذِكْرُ عِصْيَانِ بَنِي قُرَّةَ عَلَى الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ بِمِصْرَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ عَصَى بَنُو قُرَّةَ بِمِصْرَ عَلَى الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ الْخَلِيفَةِ الْعَلَوِي ِّ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ الْمُقَرَّبُ، وَقَدَّمَهُ، فَنَفَرُوا مِنْ ذَلِكَ وَكَرِهُوهُ وَاسْتَعْفَوْا مِنْهُ، فَلَمْ يَعْزِلْهُ عَنْهُمْ، فَكَاشَفُوا بِالْخِلَافِ وَالْعِصْيَانِ، وَأَقَامُوا بِالْبُحَيْرَةِ مُقَابِلَ مِصْرَ، وَتَظَاهَرُوا بِالْفَسَادِ، فَعَبَّرَ إِلَيْهِمُ الْمُسْتَنْصِرُ بِاللَّهِ جَيْشًا يُقَاتِلُهُمْ وَيَكُفُّهُمْ، فَقَاتَلَهُمْ بَنُو قُرَّةَ فَانْهَزَمَ الْجَيْشُ وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، فَانْتَقَلَ بَنُو قُرَّةَ إِلَى طَرَفِ الْبَرِّ، فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ، وَجَمَعَ الْعَرَبَ مِنْ طَيِّئٍ وَكَلْبٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَسَيَّرَهُمْ فِي أَثَرِ بَنِي قُرَّةَ، فَأَدْرَكُوهُمْ بِالْبُحَيْرَةِ، فَوَاقَعُوهُمْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي بَنِي قُرَّةَ، وَانْهَزَمُوا، وَعَادَ الْعَسْكَرُ إِلَى مِصْرَ،
стр. 4622
وَتَرَكُوا فِي مُقَابِلِ بَنِي قُرَّةَ طَائِفَةً مِنْهُمْ لِتَرُدَّ بَنِي قُرَّةَ إِنْ أَرَادُوا التَّعَرُّضَ إِلَى الْبِلَادِ، وَكَفَى اللَّهُ شَرَّهُم ْ.
ذِكْرُ وَفَاةِ زَعِيمِ الدَّوْلَةِ وَإِمَارَةِ قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ تُوُفِّيَ زَعِيمُ الدَّوْلَةِ أَبُو كَامِلٍ بَرَكَةُ بْنُ الْمُقَلِّدِ بِتَكْرِيتَ، وَكَانَ انْحَدَرَ إِلَيْهَا فِي حُلَلِهِ قَاصِدًا نَحْوَ الْعِرَاقِ لِيُنَازِعَ النُّوَّابَ بِهِ عَنِ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ، وَيَنْهَبَ الْبِلَادَ، فَلَمَّا بَلَغَهَا انْتَقَضَ عَلَيْهِ جُرْحٌ كَانَ أَصَابَهُ مِنَ الْغُزِّ لَمَّا مَلَكُوا الْمَوْصِلَ، فَتُوُفِّيَ، وَدُفِنَ بِمَشْهَدِ الْخَضِرِ بِتَكْرِيتَ.
وَاجْتَمَعَتِ (الْعَرَبُ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى تَأْمِيرِ عَلَمِ الدِّينِ أَبِي الْمَعَالِي قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ بْنِ الْمُقَلِّدِ، فَعَادَ بِالْحُلَلِ) وَالْعَرَبِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَأَرْسَلَ إِلَى عَمِّهِ قِرْوَاشٍ وَهُوَ تَحْتَ الِاعْتِقَالِ، يُعْلِمُهُ بِوَفَاةِ زَعِيمِ الدَّوْلَةِ، وَقِيَامِهِ (بِالْإِمَارَةِ، وَأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ عَلَى اخْتِيَارِهِ، وَيَقُومُ) بِالْأَمْرِ نِيَابَةً عَنْه ُ.
فَلَمَّا وَصَلَ قُرَيْشٌ إِلَى الْمَوْصِلِ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمِّهِ قِرْوَاشٍ مُنَازَعَةٌ ضَعُفَ فِيهَا قِرْوَاشٌ وَقَوِيَ ابْنُ أَخِيهِ، وَمَالَتِ الْعَرَبُ إِلَيْهِ وَاسْتَقَرَّتِ الْإِمَارَةُ لَهُ، وَعَادَ عَمُّهُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الِاعْتِقَالِ الْجَمِيلِ، وَالِاقْتِصَارِ بِهِ عَلَى قَلِيلٍ مِنَ الْحَاشِيَةِ وَالنِّسَاءِ وَالنَّفَقَةِ، ثُمَّ نَقَلَهُ إِلَى قَلْعَةِ الْجَرَّاحِيَّةِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ فَاعْتُقِلَ بِهَا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
ظَهَرَ بِبَغْدَاذَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ سَابِعَ صَفَرٍ وَقْتِ الْعَصْرِ - كَوْكَبٌ غَلَبَ نُورُهُ عَلَى نُورِ الشَّمْسِ، لَهُ ذُؤَابَةٌ نَحْوُ ذِرَاعَيْنِ، وَسَارَ سَيْرًا بَطِيئًا ثُمَّ انْقَضَّ، وَالنَّاسُ يُشَاهِدُونَه ُ.
стр. 4623
وَفِيهَا فِي رَمَضَانَ وَرَدَ رُسُلُ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك إِلَى الْخَلِيفَةِ جَوَابًا عَنْ رِسَالَةِ الْخَلِيفَةِ إِلَيْهِ، وَشُكْرًا لِإِنْعَامِ الْخَلِيفَةِ عَلَيْهِ بِالْخِلَعِ وَالْأَلْقَابِ، وَأَرْسَلَ مَعَهُ طُغْرُلْبَك إِلَى الْخَلِيفَةِ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ عَيْنًا، وَأَعْلَاقًا نَفِيسَةً مِنَ الْجَوَاهِرِ وَالثِّيَابِ وَالطِّيبِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ خَمْسَةَ آلَافِ دِينَارٍ لِلْحَاشِيَةِ، وَأَلْفَيْ دِينَارٍ لِرَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ، وَأَنْزَلَ الْخَلِيفَةُ الرُّسُلَ بِبَابِ الْمَرَاتِبِ، وَأَمَرَ بِإِكْرَامِهِمْ، وَلَمَّا جَاءَ الْعِيدُ أَظْهَرَ أَجْنَادُ بَغْدَاذَ الزِّينَةَ الرَّائِقَةَ، وَالْخُيُولَ النَّفِيسَةَ، (وَالتَّجَافِيفَ الْحَسَنَةَ) ، وَأَرَادُوا إِظْهَارَ قُوَّتِهِمْ عِنْدَ الرُّسُل ِ.
وَفِيهَا عَادَ الْغُزُّ أَصْحَابُ الْمَلِكِ دَاوُدَ أَخِي طُغْرُلْبَك عَنْ كِرْمَانَ، وَسَبَبُ عَوْدِهِمْ أَنَّ عَبْدَ الرَّشِيدِ بْنَ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ صَاحِبَ غَزْنَةَ - سَارَ عَنْهَا إِلَى خُرَاسَانَ، فَالْتَقَى هُوَ وَالْمَلِكُ دَاوُدُ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ دَاوُدُ، فَاقْتَضَى الْحَالُ عَوْدَ أَصْحَابِهِ عَنْ كِرْمَانَ.
وَفِيهَا أَيْضًا عَادَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَك عَنْ أَصْبَهَانَ إِلَى الرَّيِّ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو كَالِيجَارَ كُرْشَاسُفُ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ كَاكَوَيْهِ بِالْأَهْوَازِ، وَكَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَهُ بِهَا الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورٍ عِنْدَ عَوْدِهِ عَنْهَا إِلَى شِيرَازَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ خُطِبَ لِلْمَلِكِ الرَّحِيمِ بِالْأَهْوَاز ِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْمُرْتَضَى الْمُوسَوِي ُّ.
وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْبُصْرَوِيُّ (الشَّاعِرُ، وَهُوَ) مَنْسُوبٌ إِلَى قَرْيَةٍ تُسَمَّى بُصْرَى قُرَيْبَ عُكْبَرَا، وَكَانَ صَاحِبَ نَادِرَةٍ، قَالَ لَهُ رَجُل ٌ: شَرِبْتُ الْبَارِحَ مَاءً كَثِيرًا، فَاحْتَجْتُ إِلَى الْقِيَامِ كُلَّ سَاعَةٍ كَأَنِّي جَدْيٌ. فَقَالَ لَه ُ: لِمَ تُصَغِّرْ نَفْسَكَ؟
وَمِنْ شِعْرِه ِ:
стр. 4624
تَرَى الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَصْبُو ... وَمَا يَخْلُو مِنَ الشَّهَوَاتِ قَلْبُ
فُضُولُ الْعَيْشِ أَكْثَرُهَا هُمُومٌ ... وَأَكْثَرُ مَا يَضُرُّكَ مَا تُحِبُّ
فَلَا يَغْرُرْكَ زُخْرُفُ مَا تَرَاهُ ... وَعَيْشٌ لَيِّنُ الْأَعْطَافِ رَطْبُ
إِذَا مَا بُلْغَةٌ جَاءَتْكَ عَفْوًا ... فَخُذْهَا، فَالْغِنَى مَرْعَى وَشُرْبُ
إِذَا اتَّفَقَ الْقَلِيلُ وَفِيهِ سِلْمٌ ... فَلَا تَرِدِ الْكَثِيرَ وَفِيهِ حَرْبُ
стр. 4625
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]
٤٤٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ قَتْلِ عَبْدِ الرَّشِيدِ صَاحِبِ غَزْنَةَ وَمُلْكِ فَرَّخْ زَادَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ عَبْدُ الرَّشِيدِ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ صَاحِبُ غَزْنَةَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ حَاجِبًا لَمَوْدُودٍ ابْنِ أَخِيهِ مَسْعُودٍ، اسْمُهُ طُغْرُلُ، وَكَانَ مَوْدُودٌ قَدْ قَدَّمَهُ وَنَوَّهَ بِاسْمِهِ، وَزَوَّجَهُ أُخْتَهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ مَوْدُودٌ وَمَلَكَ عَبْدُ الرَّشِيدِ أَجْرَى طُغْرُلَ عَلَى عَادَتِهِ فِي تَقَدُّمِهِ، وَجَعَلَهُ حَاجِبَ حُجَّابِهِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ طُغْرُلُ بِقَصْدِ الْغُزِّ وَإِجْلَائِهِمْ مِنْ خُرَاسَانَ، فَتَوَقَّفَ اسْتِبْعَادًا لِذَلِكَ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ طُغْرُلُ، فَسَيَّرَهُ فِي أَلْفِ فَارِسٍ، فَسَارَ نَحْوَ سِجِسْتَانَ وَبِهَا أَبُو الْفَضْلِ نَائِبًا عَنْ بَيْغُو، فَأَقَامَ طُغْرُلُ عَلَى حِصَارِ قَلْعَةِ طَاقَ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي الْفَضْلِ يَدْعُوهُ إِلَى طَاعَةِ عَبْدِ الرَّشِيدِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّنِي نَائِبٌ عَنْ بَيْغُو، وَلَيْسَ مِنَ الدِّينِ وَلْمُرُوءَةِ خِيَانَتُهُ، فَاقْصُدْهُ، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْهُ سَلَّمْتُ إِلَيْك َ. فَقَامَ عَلَى حِصَارِ طَاقَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ فَتْحُهَا، وَكَتَبَ أَبُو الْفَضْلِ إِلَى بَيْغُو يُعَرِّفُهُ حَالَ طُغْرُلَ، فَسَارَ إِلَسِجِسْتَانَ لِيَمْنَعَ عَنْهَا طُغْرُلَ.
ثُمَّ إِنَّ طُغْرُلَ ضَجِرَ مِنْ مُقَامِهِ عَلَى حِصَارِ طَاقَ، فَسَارَ نَحْوَ مَدِينَةِ سِجِسْتَانَ، فَلَمَّا كَانَ عَلَى نَحْوِ فَرْسَخٍ مِنْهَا كَمَنَ بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ، (لِعِلَّةٍ يَجِدُهَا، وَفُرْصَةٍ يَنْتَهِزُهَا) فَسَمِعَ أَصْوَاتَ دَبَادِبَ وَبُوقَاتٍ، فَخَرَجَ وَسَأَلَ بَعْضَ مَنْ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ بَيْغُو قَدْ وَصَلَ، فَعَادَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَأَخْبَرَهُمْ، وَقَالَ لَهُم ْ: لَيْسَ لَنَا إِلَّا أَنْ نَلْتَقِيَ الْقَوْمَ، وَنَمُوتَ
следующие страницы →