Полный текст (6 163 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.
стр. 4656
وَفِي جُمَادَى الْأُولَى تُوُفِّيَ (أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ رَجَاءٍ الدَّهَّانُ اللُّغَوِيُّ.
وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ فِيهَا تُوُفِّيَ) أَبُو الْقَاسِمِ مَنْصُورُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْكَرْخِيُّ (مِنْ كَرْخِ جُدَّانَ) ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ.
(وَفِي رَجَبٍ تُوُفِّيَ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّابِتِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ) ، وَهُمَا مِنْ شُيُوخِ أَصْحَابِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ.
وَفِي شَعْبَانَ تُوُفِّيَ أَبُو الْبَرَكَاتِ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى الرَّبَعِيُّ النَّحْوِيُّ، وَكَانَ يَنُوبُ عَنِ الْوُزَرَاءِ بِبَغْدَاذَ.
стр. 4657
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَة]
٤٤٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ نِكَاحِ الْخَلِيفَةِ ابْنَةَ دَاوُدَ أَخِي طُغْرُلْبَك
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ جَلَسَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ جُلُوسًا عَامًّا، وَحَضَرَ عَمِيدُ الْمُلْكِ الْكُنْدُرِيُّ، وَزِيرُ طُغْرُلْبَك، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، مِنْهُمْ: أَبُو عَلِيٍّ ابْنُ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، وَهَزَارَسْبُ بْنُ بُنْكِيرَ بْنِ عِيَاضٍ الْكُرْدِيُّ، وَابْنُ أَبِي الشَّوْكِ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْأَتْرَاكِ مِنْ عَسْكَرِ طُغْرُلْبَك.
وَقَامَ عَمِيدُ الْمُلْكِ، وَزِيرُ طُغْرُلْبَك، وَبِيَدِهِ دَبُّوسٌ، ثُمَّ خَطَبَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ، وَعَقَدَ الْعَقْدَ عَلَى أَرْسِلَانَ خَاتُونَ، وَاسْمُهَا خَدِيجَةُ ابْنَةُ دَاوُدَ أَخِي السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك، وَقَبِلَ الْخَلِيفَةُ بِنَفْسِهِ النِّكَاحَ، وَحَضَرَ الْعَقْدَ نَقِيبُ النُّقَبَاءِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي تَمَّامٍ، وَعَدْنَانُ بْنُ الشَّرِيفِ الرَّضِيِّ، نَقِيبُ الْعَلَوِيِّينَ، وَأَقْضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَأُهْدِيَتْ خَاتُونُ إِلَى الْخَلِيفَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا فِي شَعْبَانَ، وَكَانَتْ وَالِدَةُ الْخَلِيفَةِ قَدْ سَارَتْ لَيْلًا وَتَسَلَّمَتْهَا وَأَحْضَرَتْهَا إِلَى الدَّارِ.
стр. 4658
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَبِيدِ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ وَعَبِيدِ ابْنِهِ تَمِيمٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ عَبِيدِ الْمُعِزِّ، الْمُقِيمِينَ بِالْمَهْدِيَّةِ، وَعَبِيدِ ابْنِهِ تَمِيمٍ، بِسَبَبِ مُنَازَعَةٍ أَدَّتْ إِلَى الْمُقَاتَلَةِ، فَقَامَتْ عَامَّةُ زَوِيلَةَ وَسَائِرُ مَنْ بِهَا مِنْ رِجَالِ الْأُسْطُولِ مَعَ عَبِيدِ تَمِيمٍ، فَأَخْرَجُوا عَبِيدَ الْمُعِزِّ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، وَمَضَى الْبَاقُونَ مِنْهُمْ يُرِيدُونَ الْمَسِيرَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَوَضَعَ عَلَيْهِمْ تَمِيمٌ الْعَرَبَ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمْعًا غَفِيرًا، وَهَذِهِ النَّوْبَةُ هِيَ سَبَبُ قَتْلِ تَمِيمٍ مَنْ قَتَلَ مِنْ عَبِيدِ أَبِيهِ لَمَّا مَلَكَ.
ذِكْرُ ابْتِدَاءِ دَوْلَةِ الْمُلَثَّمِينَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِ الْمُلَثَّمِينَ، وَهُمْ عِدَّةُ قَبَائِلَ يُنْسَبُونَ إِلَى حِمْيَرَ، أَشْهَرُهَا: لَمْتُونَةُ، وَمِنْهَا أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ بْنِ تَاشَفِينَ، وَجَدَّالَةُ، وَلَمْطَةُ.
وَكَانَ أَوَّلُ مَسِيرِهِمْ مِنَ الْيَمَنِ أَيَّامَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ فَسَيَّرَهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَانْتَقَلُوا إِلَى مِصْرَ، وَدَخَلُوا الْمَغْرِبَ مَعَ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، وَتَوَجَّهُوا مَعَ طَارِقٍ إِلَى طَنْجَةَ، فَأَحَبُّوا الِانْفِرَادَ، فَدَخَلُوا الصَّحْرَاءَ وَاسْتَوْطَنُوهَا إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ.
فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةُ تَوَجَّهَ رَجُلٌ مِنْهُمُ، اسْمُهُ الْجَوْهَرُ، مِنْ قَبِيلَةِ جَدَّالَةَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، طَالِبًا لِلْحَجِّ، وَكَانَ مُحِبًّا لِلدِّينِ وَأَهْلِهِ، فَمَرَّ بِفَقِيهٍ بِالْقَيْرَوَانِ، وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ يَتَفَقَّهُونَ، قِيلَ: هُوَ أَبُو عِمْرَانَ الْفَاسِيُّ فِي غَالِبِ الظَّنِّ، فَأَصْغَى الْجَوْهَرُ إِلَيْهِ، وَأَعْجَبَهُ حَالُهُمْ.
فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الْحَجِّ قَالَ لِلْفَقِيهِ: مَا عِنْدَنَا فِي الصَّحْرَاءِ مِنْ هَذَا شَيْءٌ غَيْرَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَالصَّلَاةِ فِي بَعْضِ الْخَاصَّةِ، فَابْعَثْ مَعِي مَنْ يُعَلِّمُهُمْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَاسِينَ الْكُزُولِيُّ، وَكَانَ فَقِيهًا، صَالِحًا، شَهْمًا، فَسَارَ مَعَهُ حَتَّى أَتَيَا قَبِيلَةَ لَمْتُونَةَ، فَنَزَلَ الْجَوْهَرُ عَنْ جَمَلِهِ، وَأَخَذَ بِزِمَامِ جَمَلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَاسِينَ، تَعْظِيمًا لِشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، فَأَقْبَلُوا إِلَى الْجَوْهَرِ يُهَنِّئُونَهُ بِالسَّلَامَةِ، وَسَأَلُوهُ عَنِ
стр. 4659
الْفَقِيهِ فَقَالَ: هَذَا حَامِلٌ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ جَاءَ يُعَلِّمُكُمْ مَا يَلْزَمُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ. فَرَحَّبُوا بِهِمَا وَأَنْزَلُوهُمَا، وَقَالُوا: تَذْكُرُ لَنَا شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ. فَعَرَّفَهُمْ عَقَائِدَ الْإِسْلَامِ وَفَرَائِضَهُ، فَقَالُوا: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَهُوَ قَرِيبٌ، وَأَمَّا قَوْلُكَ: مَنْ قَتَلَ يُقْتَلُ، وَمَنْ سَرَقَ يُقْطَعُ، وَمَنْ زَنَى يُجْلَدُ أَوْ يُرْجَمُ - فَأَمْرٌ لَا نَلْتَزِمُهُ، اذْهَبْ إِلَى غَيْرِنَا.
فَرَحَلَا عَنْهُمْ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَقَالَ: لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِهَذَا الْجَمَلِ فِي هَذِهِ الصَّحْرَاءِ شَأْنٌ يُذْكَرُ فِي الْعَالَمِ. فَانْتَهَى الْجَوْهَرُ وَالْفَقِيهُ إِلَى جَدَّالَةَ، قَبِيلِ الْجَوْهَرِ، فَدَعَاهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَاسِينَ وَالْقَبَائِلَ الَّذِينَ يُجَاوِرُونَهُمْ إِلَى حُكْمِ الشَّرِيعَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَطَاعَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَعْرَضَ وَعَصَى.
ثُمَّ إِنَّ الْمُخَالِفِينَ لَهُمْ تَحَيَّزُوا وَتَجَمَّعُوا، فَقَالَ ابْنُ يَاسِينَ لِلَّذِينِ أَطَاعُوا: قَدْ وَجَبَ عَلَيْكُمْ أَنْ تُقَاتِلُوا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَالَفُوا الْحَقَّ، وَأَنْكَرُوا شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، وَاسْتَعَدُّوا لِقِتَالِكُمْ، فَأَقِيمُوا لَكُمْ رَايَةً، وَقَدِّمُوا عَلَيْكُمْ أَمِيرًا. فَقَالَ لَهُ الْجَوْهَرُ: أَنْتَ الْأَمِيرُ. فَقَالَ: لَا، إِنَّمَا أَنَا حَامِلُ أَمَانَةِ الشَّرِيعَةِ، وَلَكِنْ أَنْتَ الْأَمِيرُ. فَقَالَ الْجَوْهَرُ: لَوْ فَعَلْتُ هَذَا تَسَلَّطَ قَبِيلِي عَلَى النَّاسِ، وَيَكُونُ وِزْرُ ذَلِكَ عَلَيَّ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ يَاسِينَ: الرَّأْيُ أَنْ نُوَلِّيَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عُمَرَ، رَأْسَ لَمْتُونَةَ وَكَبِيرَهَا، وَهُوَ رَجُلٌ سَيِّدٌ، مَشْكُورُ الطَّرِيقِ، مُطَاعٌ فِي قَوْمِهِ، فَهُوَ يَسْتَجِيبُ لَنَا لِحُبِّ الرِّئَاسَةِ، وَتَتْبَعُهُ قَبِيلَتُهُ، فَنَتَقَوَّى بِهِمْ.
فَأَتَيَا أَبَا بَكْرِ بْنَ عُمَرَ، وَعَرَضَا ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأَجَابَ، فَعَقَدُوا لَهُ الْبَيْعَةَ، وَسَمَّاهُ ابْنُ يَاسِينَ أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَادُوا إِلَى جَدَّالَةَ، وَجَمَعُوا إِلَيْهِمْ مَنْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَحَرَّضَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَاسِينَ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَسَمَّاهُمْ مُرَابِطِينَ، وَتَجَمَّعَ عَلَيْهِمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، فَلَمْ يُقَاتِلْهُمُ الْمُرَابِطُونَ، بَلِ اسْتَعَانَ ابْنُ يَاسِينَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَرَ عَلَى أُولَئِكَ
стр. 4660
الْأَشْرَارِ بِالْمُصْلِحِينَ مِنْ قَبَائِلِهِمْ، فَاسْتَمَالُوهُمْ وَقَرَّبُوهُمْ حَتَّى حَصَّلُوا مِنْهُمْ نَحْوَ أَلْفَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالْفَسَادِ، فَتَرَكُوهُمْ فِي مَكَانٍ، وَخَنْدَقُوا عَلَيْهِمْ وَحَفِظُوهُمْ، ثُمَّ أَخْرَجُوهُمْ قَوْمًا بَعْدَ قَوْمٍ، فَقَتَلُوهُمْ، فَحِينَئِذٍ دَانَتْ لَهُمْ أَكْثَرُ قَبَائِلِ الصَّحْرَاءِ، وَهَابُوهُمْ، فَقَوِيَتْ شَوْكَةُ الْمُرَابِطِينَ.
هَذَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَاسِينَ مُشْتَغِلٌ بِالْعِلْمِ، وَقَدْ صَارَ عِنْدَهُ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ يَتَفَقَّهُونَ، وَلَمَّا اسْتَبَدَّ بِالْأَمْرِ هُوَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَرَ عَنِ الْجَوْهَرِ الْجَدَّالِيِّ، وَبَقِيَ لَا حُكْمَ لَهُ - تَدَاخَلَهُ الْحَسَدُ، وَشَرَعَ سِرًّا فِي فَسَادِ الْأَمْرِ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ مِنْهُ، وَعُقِدَ لَهُ مَجْلِسٌ، وَثَبَتَ عَلَيْهِ مَا نُقِلَ عَنْهُ، فَحُكِمَ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ لِأَنَّهُ نَكَثَ الْبَيْعَةَ وَشَقَّ الْعَصَا، وَأَرَادَ مُحَارَبَةَ أَهْلِ الْحَقِّ، فَقُتِلَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَأَظْهَرَ السُّرُورَ بِالْقَتْلِ طَلَبًا لِلِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. فَاجْتَمَعَتِ الْقَبَائِلُ عَلَى طَاعَتِهِمْ، وَمَنْ خَالَفَهُمْ قَتَلُوهُ.
فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ قَحَطَتْ بِلَادُهُمْ، (فَأَمَرَ ابْنُ يَاسِينَ ضُعَفَاءَهُمْ بِالْخُرُوجِ إِلَى السُّوسِ وَأَخْذِ الزَّكَاةِ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ نَحْوُ تِسْعِمِائَةِ رَجُلٍ، فَقَدِمُوا سِجِلْمَاسَةَ، وَطَلَبُوا الزَّكَاةَ، فَجَمَعُوا لَهُمْ شَيْئًا لَهُ قَدْرٌ وَعَادُوا.
ثُمَّ إِنَّ الصَّحْرَاءَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ، وَأَرَادُوا إِظْهَارَ كَلِمَةِ الْحَقِّ، وَالْعُبُورَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ لِيُجَاهِدُوا الْكُفَّارَ، فَخَرَجُوا إِلَى السُّوسِ الْأَقْصَى، فَجَمَعَ لَهُمْ أَهْلُ السُّوسِ وَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَ الْمُرَابِطُونَ، وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَاسِينَ الْفَقِيهُ، فَعَادَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَرَ فَجَمَعَ جَيْشًا وَخَرَجَ إِلَى السُّوسِ فِي أَلْفَيْ رَاكِبٍ، فَاجْتَمَعَ مِنْ بِلَادِ السُّوسِ وَزِنَاتَةَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: افْتَحُوا لَنَا الطَّرِيقَ لِنَجُوزَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ وَنُجَاهِدَ أَعْدَاءَ الْإِسْلَامِ. فَأَبَوْا ذَلِكَ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، وَدَعَا اللَّهَ - تَعَالَى - وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنَّا عَلَى الْحَقِّ فَانْصُرْنَا، وَإِلَّا فَأَرِحْنَا مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا. ثُمَّ قَاتَلَهُمْ وَصَدَقَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ الْقِتَالَ، فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - وَهَزَمَ أَهْلَ السُّوسِ وَمَنْ مَعَهُمْ وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَغَنِمَ الْمُرَابِطُونَ أَمْوَالَهُمْ وَأَسْلَابَهُمْ، وَقَوِيَتْ نَفْسُهُ وَنُفُوسُ أَصْحَابِهِ، وَسَارُوا إِلَى سِجِلْمَاسَةَ فَنَزَلُوا عَلَيْهَا، وَطَلَبُوا مِنْ أَهْلِهَا الزَّكَاةَ، فَامْتَنَعُوا عَلَيْهِمْ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ صَاحِبُ سِجِلْمَاسَةَ فَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمُوهُ
стр. 4661
وَقَتَلُوهُ، وَدَخَلُوا سِجِلْمَاسَةَ وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ يُوسُفَ بْنِ تَاشَفِينَ
لَمَّا مَلَكَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَرَ سِجِلْمَاسَةَ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا يُوسُفَ بْنَ تَاشَفِينَ اللَّمْتُونِيَّ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَمِّهِ الْأَقْرَبِينَ، وَرَجَعَ إِلَى الصَّحْرَاءِ، فَأَحْسَنَ يُوسُفُ السِّيرَةَ فِي الرَّعِيَّةِ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُمْ سِوَى الزَّكَاةِ، فَأَقَامَ بِالصَّحْرَاءِ مُدَّةً، ثُمَّ عَادَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَرَ إِلَى سِجِلْمَاسَةَ، فَأَقَامَ بِهَا سَنَةً، وَالْخُطْبَةُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لَهُ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا ابْنَ أَخِيهِ أَبَا بَكْرِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ، وَجَهَّزَ مَعَ يُوسُفَ بْنِ تَاشَفِينَ جَيْشًا مِنَ الْمُرَابِطِينَ إِلَى السُّوسِ، فَفُتِحَ عَلَى يَدَيْهِ.
وَكَانَ يُوسُفُ رَجُلًا دَيِّنًا، خَيِّرًا، حَازِمًا، دَاهِيَةً، مُجَرِّبًا، وَبَقُوا كَذَلِكَ إِلَى سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَرَ بِالصَّحْرَاءِ، فَاجْتَمَعَتْ طَوَائِفُ الْمُرَابِطِينَ عَلَى يُوسُفَ بْنِ تَاشَفِينَ، وَمَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ، وَلَقَّبُوهُ أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتِ الدَّوْلَةُ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ لِزِنَاتَةَ الَّذِينَ ثَارُوا فِي أَيَّامِ الْفِتَنِ، وَهِيَ دَوْلَةٌ رَدِيَّةٌ مَذْمُومَةٌ، سَيِّئَةُ السِّيرَةِ، لَا سِيَاسَةَ وَلَا دِيَانَةَ، (وَكَانَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ وَطَائِفَتُهُ عَلَى نَهْجِ السُّنَّةِ، وَاتِّبَاعِ الشَّرِيعَةِ) ، فَاسْتَغَاثَ بِهِ أَهْلُ الْمَغْرِبِ، فَسَارَ إِلَيْهَا وَافْتَتَحَهَا حِصْنًا حِصْنًا، وَبَلَدًا بَلَدًا بِأَيْسَرِ سَعْيٍ، فَأَحَبَّهُ الرَّعَايَا، وَصَلُحَتْ أَحْوَالُهُمْ.
ثُمَّ إِنَّهُ قَصَدَ مَوْضِعَ مَدِينَةِ مَرَّاكُشَ، وَهُوَ قَاعٌ صَفْصَفٌ، لَا عِمَارَةَ فِيهِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مُتَوَسِّطٌ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ كَالْقَيْرَوَانِ فِي إِفْرِيقِيَّةَ، وَمَرَّاكُشُ تَحْتَ جِبَالِ الْمَصَامِدَةِ الَّذِينَ هُمْ أَشَدُّ أَهْلِ الْمَغْرِبِ قُوَّةً، وَأَمْنَعُهُمْ مَعْقِلًا، فَاخْتَطَّ هُنَاكَ مَدِينَةَ مَرَّاكُشَ لِيَقْوَى عَلَى قَمْعِ أَهْلِ تِلْكَ الْجِبَالِ إِنْ هَمُّوا بِفِتْنَةٍ، وَاتَّخَذَهَا مَقَرًّا، فَلَمْ يَتَحَرَّكْ أَحَدٌ بِفِتْنَةٍ، وَمَلَكَ الْبِلَادَ الْمُتَّصِلَةَ بِالْمَجَازِ مِثْلَ سَبْتَةَ، وَطَنْجَةَ، وَسَلَا، وَغَيْرِهَا، وَكَثُرَتْ عَسَاكِرُهُ.
وَخَرَجَتْ جَمَاعَةُ قَبِيلَةِ لَمْتُونَةَ وَغَيْرُهُمْ، وَضَيَّقُوا حِينَئِذٍ لِثَامَهُمْ، وَكَانُوا قَبْلَ أَنْ
стр. 4662
يَمْلِكُوا يَتَلَثَّمُونَ فِي الصَّحْرَاءِ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ كَمَا يَفْعَلُ الْعَرَبُ، وَالْغَالِبُ عَلَى أَلْوَانِهِمُ السُّمْرَةُ، فَلَمَّا مَلَكُوا الْبِلَادَ ضَيَّقُوا اللِّثَامَ.
وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ اللِّثَامِ لَهُمْ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ لَمْتُونَةَ خَرَجُوا مُغِيرِينَ عَلَى عَدُوٍّ لَهُمْ، فَخَالَفَهُمُ الْعَدُوُّ إِلَى بُيُوتِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ بِهَا إِلَّا الْمَشَايِخُ وَالصِّبْيَانُ وَالنِّسَاءُ، فَلَمَّا تَحَقَّقَ الْمَشَايِخُ أَنَّهُ الْعَدُوُّ أَمَرُوا النِّسَاءَ أَنْ يَلْبِسْنَ ثِيَابَ الرِّجَالِ، وَيَتَلَثَّمْنَ، وَيُضَيِّقْنَهُ، حَتَّى لَا يُعْرَفْنَ، وَيَلْبَسْنَ السِّلَاحَ. فَفَعَلْنَ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ الْمَشَايِخُ وَالصِّبْيَانُ أَمَامَهُنَّ، وَاسْتَدَارَ النِّسَاءُ بِالْبُيُوتِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ الْعَدُوُّ رَأَى جَمْعًا عَظِيمًا، فَظَنَّهُ رِجَالًا، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ عِنْدَ حُرَمِهِمْ يُقَاتِلُونَ عَنْهُنَّ قِتَالَ الْمَوْتِ، وَالرَّأْيُ أَنْ نَسُوقَ النَّعَمَ وَنَمْضِيَ، فَإِنِ اتَّبَعُونَا قَاتَلْنَاهُمْ خَارِجًا عَنْ حَرِيمِهِمْ.
فَبَيْنَمَا هُمْ فِي جَمْعِ النَّعَمِ مِنَ الْمَرَاعِي إِذْ قَدْ أَقْبَلَ رِجَالُ الْحَيِّ، فَبَقِيَ الْعَدُوُّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النِّسَاءِ، فَقَتَلُوا مِنَ الْعَدُوِّ فَأَكْثَرُوا، وَكَانَ مَنْ قَتَلَ النِّسَاءُ أَكْثَرَ، فَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ جَعَلُوا اللِّثَامَ سُنَّةً يُلَازِمُونَهُ، فَلَا يُعْرَفُ الشَّيْخُ مِنَ الشَّابِّ، فَلَا يُزِيلُونَهُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا، وَمِمَّا قِيلَ فِي اللِّثَامِ:
قَوْمٌ لَهُمْ دَرَكُ الْعُلَى فِي حِمْيَرٍ ... وَإِنِ انْتَمَوْا صِنْهَاجَةً فَهُمُ هُمُ
لَمَّا حَوَوْا إِحْرَازَ كُلِّ فَضِيلَةٍ ... غَلَبَ الْحَيَاءُ عَلَيْهِمُ فَتَلَثَّمُوا
وَنَذْكُرُ بَاقِيَ أَخْبَارِ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَوَاضِعِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ تَبْيِيضِ أَبِي الْغَنَائِمِ بْنِ الْمُحْلِبَانِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَيَّضَ عَلَاءُ الدِّينِ أَبُو الْغَنَائِمِ بْنُ الْمُحْلِبَانِ بِوَاسِطٍ، وَخَطَبَ فِيهَا لِلْعَلَوِيِّينَ الْمِصْرِيِّينَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ رَئِيسَ الرُّؤَسَاءِ سَعَى لَهُ فِي النَّظَرِ عَلَى وَاسِطٍ وَأَعْمَالِهَا،
стр. 4663
فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، فَانْحَدَرَ إِلَيْهَا، (فَصَارَ عِنْدَهُ) جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِهَا، وَجَنَّدَ جَمَاعَةً عَظِيمَةً، وَتَقَوَّى بِالْبَطَائِحِيِّينَ، وَحَفَرَ عَلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ وَاسِطٍ خَنْدَقًا، وَبَنَى عَلَيْهِ سُورًا، وَأَخَذَ ضَرِيبَةً مِنْ سُفُنٍ أُصْعِدَتْ لِلْخَلِيفَةِ، فَسَيَّرَ لِحَرْبِهِ عَمِيدَ الْعِرَاقِ أَبُو نَصْرٍ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ ابْنُ الْمُحْلِبَانِ، وَأُسِرَ مِنْ أَصْحَابِهِ عَدَدٌ كَثِيرٌ، وَوَصَلَ أَبُو نَصْرٍ إِلَى السُّورِ، فَقَاتَلَهُ الْعَامَّةُ مِنْ عَلَى السُّورِ.
ثُمَّ تَسَلَّمَ الْبَلَدَ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ بِطَمِّ الْخَنْدَقِ، وَتَخْرِيبِ السُّورِ، ثُمَّ أَصْعَدَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَلَمَّا فَارَقَهَا (عَادَ إِلَيْهَا) ابْنُ فَسَانْجِسَ، وَنَهَبَ قَرْيَةَ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَتَلَ كُلَّ أَعْمَى رَآهُ بِوَاسِطٍ، وَأَعَادَ خُطْبَةَ الْمِصْرِيِّينَ، وَأَمَرَ أَهْلَ كُلِّ مَحَلَّةٍ بِعِمَارَةِ مَا يَلِيهِمْ مِنَ السُّورِ.
وَمَضَى مَنْصُورُ بْنُ الْحُسَيْنِ إِلَى الْمَدَارِ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَغْدَاذَ يَطْلُبُ الْمَدَدَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَمِيدُ الْعِرَاقِ وَرَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ يَأْمُرَانِهِ أَنْ يَقْصِدَ وَاسِطًا هُوَ وَابْنُ الْهَيْثَمِ، وَأَنْ يُحَاصِرَاهَا، فَأَقْبَلَا إِلَيْهَا فِيمَنْ مَعَهُمَا وَحَصَرُوهَا فِي الْمَاءِ وَالْبَرِّ، وَكَانَ هَذَا الْحِصَارُ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، فَاشْتَدَّ فِيهَا الْغَلَاءُ حَتَّى بِيعَ التَّمْرُ وَالْخُبْزُ وَكُرُوشُ الْبَقَرِ، كُلُّ خَمْسَةِ أَرْطَالٍ بِدِينَارٍ، وَإِذَا وُجِدَ الْخُبَّازَى بَاعُوهُ كُلَّ عِشْرِينَ رِطْلًا بِدِينَارٍ.
ثُمَّ ضَعُفُوا وَضَجِرُوا مِنَ الْحِصَارِ، فَخَرَجَ ابْنُ فَسَانْجِسَ لِيُقَاتِلَ، فَلَمْ يَثْبُتْ، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَانْهَزَمُوا إِلَى سُورِ الْبَلَدِ، وَاسْتَأْمَنَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْوَاسِطِيِّينَ إِلَى مَنْصُورِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَفَارَقَ ابْنُ فَسَانْجِسَ وَاسِطًا، وَمَضَى إِلَى قَصْرِ ابْنِ أَخْضَرَ، وَسَارَ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَسْكَرِ لِيُقَاتِلُوهُ، فَأَدْرَكُوهُ بِقُرْبِ النِّيلِ، فَأُسِرَ هُوَ وَأَهْلُهُ، وَحُمِلَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَدَخَلَهَا فِي صَفَرٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] وَشُهِّرَ عَلَى جَمَلٍ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ أَحْمَرُ، وَعَلَى رَأْسِهِ طُرْطُورٌ بِوَدَعٍ، وَصُلِبَ.
ذِكْرُ الْوَقْعَةِ بَيْنَ الْبَسَاسِيرِيِّ وَقُرَيْشٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَلْخَ شَوَّالٍ كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ الْبَسَاسِيرِيِّ وَمَعَهُ نُورُ الدَّوْلَةِ
стр. 4664
دُبَيْسُ بْنُ مَزْيَدٍ، وَبَيْنَ قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَمَعَهُ قُتْلُمُشُ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك، وَهُوَ جَدُّ هَؤُلَاءِ الْمُلُوكِ أَوْلَادِ قِلْجِ أَرْسِلَانَ، وَمَعَهُ أَيْضًا سَهْمُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ عَمْرٍو، وَكَانَتِ الْحَرْبُ عِنْدَ سِنْجَارَ، فَاقْتَتَلُوا، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، فَانْهَزَمَ قُرَيْشٌ وَقُتْلُمُشُ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِمَا الْكَثِيرُ.
وَلَقِيَ قُتْلُمُشُ مِنْ أَهْلِ سِنْجَارَ الْعَنَتَ، وَبَالَغُوا فِي أَذَاهُ وَأَذَى أَصْحَابِهِ، وَجُرِحَ قُرَيْشُ بْنُ بَدْرَانَ، وَأَتَى إِلَى نُورِ الدَّوْلَةِ جَرِيحًا، فَأَعْطَاهُ خِلْعَةً كَانَتْ قَدْ نُفِّذَتْ مِنْ مِصْرَ، فَلَبِسَهَا وَصَارَ فِي جُمْلَتِهِمْ، وَسَارُوا إِلَى الْمَوْصِلِ، وَخَطَبُوا لِخَلِيفَةِ مِصْرَ بِهَا، وَهُوَ الْمُسْتَنْصِرُ بِاللَّهِ، وَكَانُوا قَدْ كَاتَبُوا الْخَلِيفَةَ الْمِصْرِيَّ بِطَاعَتِهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الْخِلَعَ مِنْ مِصْرَ لِلْبَسَاسِيرِيِّ، وَلِنُورِ الدَّوْلَةِ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ، وَلِجَابِرِ بْنِ نَاشِبٍ، وَلِمُقْبِلِ بْنِ بَدْرَانَ أَخِي قُرَيْشٍ، وَلِأَبِي الْفَتْحِ بْنِ وَرَّامٍ، وَنُصَيْرِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ حَمَّادٍ، وَانْضَافَ إِلَيْهِمْ قُرَيْشُ بْنُ بَدْرَانَ.
ذِكْرُ مَسِيرِ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك إِلَى الْمَوْصِلِ
لَمَّا طَالَ مُقَامُ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك بِبَغْدَاذَ، وَعَمَّ الْخَلْقَ ضَرَرُ عَسْكَرِهِ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ مَسَاكِنُهُمْ، فَإِنَّ الْعَسَاكِرَ نَزَلُوا فِيهَا، وَغَلَبُوهُمْ عَلَى أَقْوَاتِهِمْ، وَارْتَكَبُوا مِنْهُمْ كُلَّ مَحْظُورٍ، أَمَرَ الْخَلِيفَةُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَزِيرَهُ رَئِيسَ الرُّؤَسَاءِ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى عَمِيدِ الْمُلْكِ الْكُنْدُرِيِّ، وَزِيرِ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك، يَسْتَحْضِرُهُ، فَإِذَا حَضَرَ قَالَ لَهُ عَنِ الْخَلِيفَةِ لِيَعْرِفَ السُّلْطَانُ مَا النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ، وَيَعِظُهُ وَيُذَكِّرُهُ، فَإِنْ أَزَالَ ذَلِكَ، وَفَعَلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَإِلَّا فَيُسَاعِدُ الْخَلِيفَةَ عَلَى الِانْتِزَاحِ عَنْ بَغْدَاذَ لِيَبْعُدَ عَنِ الْمُنْكَرَاتِ.
فَكَتَبَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ إِلَى الْكُنْدُرِيِّ يَسْتَدْعِيهِ، فَحَضَرَ، فَأَبْلَغَهُ مَا أَمَرَ بِهِ الْخَلِيفَةُ، وَخَرَجَ تَوْقِيعٌ مِنَ الْخَلِيفَةِ إِلَى السُّلْطَانِ فِيهِ مَوَاعِظُ، فَمَضَى إِلَى السُّلْطَانِ وَعَرَّفَهُ الْحَالَ، فَاعْتَذَرَ بِكَثْرَةِ الْعَسَاكِرِ، وَعَجْزِهِ عَنْ تَهْذِيبِهِمْ وَضَبْطِهِمْ، وَأَمَرَ عَمِيدَ الْمُلْكِ أَنْ يُبَكِّرَ بِالْجَوَابِ إِلَى رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ، وَيَعْتَذِرَ بِمَا ذَكَرَهُ.
стр. 4665
فَلَمَّا كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَةُ رَأَى السُّلْطَانُ فِي مَنَامِهِ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَكَأَنَّهُ يُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ وَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: يُحَكِّمُكَ اللَّهُ فِي بِلَادِهِ وَعِبَادِهِ، فَلَا تُرَاقِبُهُ فِيهِمْ، وَلَا تَسْتَحْيِي مِنْ جَلَالِهِ فِي سُوءِ مُعَامَلَتِهِمْ، وَتَغْتَرَّ بِإِهْمَالِهِ عِنْدَ الْجَوْرِ عَلَيْهِمْ!
فَاسْتَيْقَظَ فَزِعًا، وَأَحْضَرَ عَمِيدَ الْمُلْكِ، وَحَدَّثَهُ مَا رَأَى، وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ يُعَرِّفُهُ أَنَّهُ يُقَابِلُ مَا رَسَمَ بِهِ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَأَخْرَجَ الْجُنْدَ مِنْ دُورِ الْعَامَّةِ، وَأَمَرَ أَنْ يَظْهَرَ مَنْ كَانَ مُخْتَفِيًا، وَأَزَالَ التَّوْكِيلَ عَمَّنْ كَانَ وَكَّلَ بِهِ.
فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ عَزَمَ عَلَى الرَّحِيلِ عَنْ بَغْدَاذَ لِلتَّخْفِيفِ عَنْ أَهْلِهَا، وَهُوَ يَتَرَدَّدُ فِيهِ، إِذْ أَتَاهُ الْخَبَرُ بِهَذِهِ الْوَقْعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَتَجَهَّزَ وَسَارَ عَنْ بَغْدَاذَ عَاشِرَ ذِي الْقَعْدَةِ، وَمَعَهُ خَزَائِنُ السِّلَاحِ، وَالْمَنْجَنِيقَاتُ، وَكَانَ مُقَامُهُ بِبَغْدَاذَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَأَيَّامًا، لَمْ يَلْقَ الْخَلِيفَةَ فِيهَا، فَلَمَّا بَلَغُوا أَوَانَا نَهَبَهَا الْعَسْكَرُ، وَنَهَبُوا عُكْبَرَا وَغَيْرَهُمَا.
وَوَصَلَ إِلَى تَكْرِيتَ فَحَصَرَهَا، وَبِهَا صَاحِبُهَا نَصْرُ بْنُ (عَلِيِّ بْنِ خَمِيسٍ) فَنَصَبَ عَلَى الْقَلْعَةِ عَلَمًا أَسْوَدَ، وَبَذَلَ مَالًا، فَقَبِلَهُ السُّلْطَانُ. وَرَحَلَ عَنْهُ إِلَى الْبَوَازِيجِ يَنْتَظِرُ جَمْعَ الْعَسَاكِرِ لِيَسِيرَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَلَمَّا رَحَلَ عَنْ تَكْرِيتَ تُوُفِّيَ صَاحِبُهَا، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَمِيرَةَ بِنْتِ غَرِيبِ بْنِ مَقْنٍ، فَخَافَتْ أَنْ يَمْلِكَ الْبَلْدَةَ أَخُوهُ أَبُو الْغِشَّامِ، فَقَتَلَتْهُ وَسَارَتْ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَنَزَلَتْ عَلَى دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ، فَتَزَوَّجَهَا قُرَيْشُ بْنُ بَدْرَانَ، وَلَمَّا رَحَلَتْ عَنْ تَكْرِيتَ اسْتَخْلَفَتْ بِهَا أَبَا الْغَنَائِمِ ابْنَ الْمُحْلِبَانِ، فَرَاسَلَ رَئِيسَ الرُّؤَسَاءِ وَاسْتَعْطَفَهُ، فَصَلُحَ مَا بَيْنَهُمَا، وَسَلَّمَ تَكْرِيتَ إِلَى السُّلْطَانِ وَرَحَلَ إِلَى بَغْدَاذَ.
وَأَقَامَ السُّلْطَانُ بِالْبَوَازِيجِ إِلَى أَنْ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] فَأَتَاهُ أَخُوهُ يَاقُوتِيٌّ فِي الْعَسَاكِرِ، فَسَارَ بِهِمْ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَأَقْطَعَ مَدِينَةَ بَلَدَ لِهَزَارَسْبَ بْنِ بُنْكِيرَ، فَأَجْفَلَ أَهْلُ الْبِلَادِ إِلَى بَلَدَ، (فَأَرَادَ الْعَسْكَرُ نَهْبَهُمْ، فَمَنَعَهُمُ السُّلْطَانُ وَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ
стр. 4666
تَعَرَّضُوا إِلَى بَلَدِ) هَزَارَسْبَ. فَلَجُّوا وَقَالُوا: نُرِيدُ الْإِقَامَةَ. (فَقَالَ السُّلْطَانُ لِهَزَارَسْبَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدِ احْتَجُّوا بِالْإِقَامَةِ) ، فَأَخْرِجْ أَهْلَ الْبَلَدِ إِلَى مُعَسْكَرِكَ لِتَحَفْظَ نُفُوسَهُمْ. فَفَعَلَ ذَلِكَ وَأَخْرَجَهُمْ إِلَيْهِ، فَصَارَ الْبَلَدُ بَعْدَ سَاعَةٍ قَفْرًا، وَفَرَّقَ فِيهِمْ هَزَارَسْبُ مَالًا، وَأَرْكَبَ مَنْ يَعْجِزُ عَنِ الْمَشْيِ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الْمَوْصِلِ لِيَأْمَنُوا.
وَتَوَجَّهَ السُّلْطَانُ إِلَى نَصِيبِينَ، فَقَالَ لَهُ هَزَارَسْبُ: قَدْ تَمَادَتِ الْأَيَّامُ، وَأَرَى أَنْ أَخْتَارَ مِنَ الْعَسْكَرِ أَلْفَ فَارِسٍ أَسِيرُ بِهِمْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، فَلَعَلِّي أَنَالُ مِنَ الْعَرَبِ غَرَضًا، فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا قَارَبَهُمْ كَمَّنَ لَهُمْ كَمِينَيْنِ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الْحِلَلِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَاتَلُوهُ، فَصَبَرَ لَهُمْ سَاعَةً، ثُمَّ انْزَاحَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ كَالْمُنْهَزِمِ، فَتَبِعُوهُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمُ الْكَمِينَانِ، فَانْهَزَمَتِ الْعَرَبُ، وَكَثُرَ فِيهِمُ الْقَتْلُ وَالْأَسْرُ، وَكَانَ قَدِ انْضَافَ إِلَيْهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي نُمَيْرٍ أَصْحَابِ حَرَّانَ وَالرَّقَّةِ وَتِلْكَ الْأَعْمَالِ، وَحَمَلَ الْأَسْرَى إِلَى السُّلْطَانِ، فَلَمَّا أُحْضِرُوا بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لَهُمْ: هَلْ وَطِئْتُ لَكُمْ أَرْضًا، وَأَخَذْتُ لَكُمْ بَلَدًا. قَالُوا: لَا! قَالَ: فَلِمَ أَتَيْتُمْ لِحَرْبِي؟ وَأَحْضَرَ الْفِيلَ فَقَتَلَهُمْ، إِلَّا صَبِيًّا أَمْرَدَ، فَلَمَّا امْتَنَعَ الْفِيلُ مِنْ قَتْلِهِ عَفَا عَنْهُ السُّلْطَانُ.
ذِكْرُ عَوْدِ نُورِ الدَّوْلَةِ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ وَقُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ إِلَى طَاعَةِ طُغْرُلْبَك
لَمَّا ظَفِرَ هَزَارَسْبُ بِالْعَرَبِ وَعَادَ إِلَى السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك أَرْسَلَ إِلَيْهِ نُورُ الدَّوْلَةِ وَقُرَيْشٌ يَسْأَلَانِهِ أَنْ يَتَوَسَّطَ حَالَهُمَا عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَيُصْلِحَ أَمْرَهُمَا مَعَهُ، فَسَعَى فِي ذَلِكَ، وَاسْتَعْطَفَ السُّلْطَانَ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ: أَمَّا هُمَا فَقَدْ عَفَوْتُ عَنْهُمَا، وَأَمَّا الْبَسَاسِيرِيُّ فَذَنْبُهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ، وَنَحْنُ مُتَّبِعُونَ أَمْرَ الْخَلِيفَةِ فِيهِ، فَرَحَلَ الْبَسَاسِيرِيُّ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى الرَّحْبَةِ، وَتَبِعَهُ الْأَتْرَاكُ الْبَغْدَاذِيُّونَ، وَمُقْبِلُ بْنُ الْمُقَلِّدِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ عُقَيْلٍ.
وَطَلَبَ دُبَيْسٌ وَقُرَيْشٌ أَنْ يُرْسِلَ طُغْرُلْبَك إِلَيْهِمَا أَبَا الْفَتْحِ بْنَ وَرَّامٍ، فَأَرْسَلَهُ، فَعَادَ
стр. 4667
مِنْ عِنْدِهِمَا، وَأَخْبَرَ بِطَاعَتِهِمَا، وَأَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ أَنْ يَمْضِيَ هَزَارَسْبُ إِلَيْهِمَا لِيُحَلِّفَهُمَا. فَأَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِالْمُضِيِّ إِلَيْهِمَا، فَسَارَ وَاجْتَمَعَ بِهِمَا، وَأَشَارَ عَلَيْهِمَا بِالْحُضُورِ عِنْدَ السُّلْطَانِ، فَخَافَا وَامْتَنَعَا، فَأَنْفَذَ قُرَيْشٌ أَبَا السَّدَادِ هِبَةَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ. وَأَنْفَذَ دُبَيْسٌ ابْنَهُ بَهَاءَ الدَّوْلَةِ مَنْصُورًا، فَأَنْزَلَهُمَا السُّلْطَانُ وَأَكْرَمَهُمَا وَكَتَبَ لَهُمَا بِأَعْمَالِهِمَا، وَكَانَ لِقُرَيْشٍ نَهْرُ الْمَلِكِ، وَبَادُورْيَا، وَالْأَنْبَارُ، وَهِيتُ، وَدُجَيْلٌ، وَنَهْرُ بَيْطَرَ، وَعُكْبَرَا، وَأَوَانَا، وَتَكْرِيتُ، وَالْمَوْصِلُ، وَنَصِيبِينُ، وَأَعَادَ الرُّسُلَ إِلَى أَصْحَابِهِمْ.
ذِكْرُ قَصْدِ السُّلْطَانِ دِيَارَ بَكْرٍ وَمَا فَعَلَهُ بِسِنْجَارَ
لَمَّا فَرَغَ طُغْرُلْبَك مِنَ الْعَرَبِ سَارَ إِلَى دِيَارِ بِكْرٍ الَّتِي هِيَ لِابْنِ مَرْوَانَ، وَكَانَ ابْنُ مَرْوَانَ يُرْسِلُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ الْهَدَايَا وَالثَّلْجَ، فَسَارَ السُّلْطَانُ إِلَى جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ فَحَصَرَهَا، وَهِيَ لِابْنِ مَرْوَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ مَرْوَانَ يَبْذُلُ لَهُ مَالًا يُصْلِحُ حَالَهُ بِهِ، وَيَذْكُرُ لَهُ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ مِنْ حِفْظِ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا يُعَانِيهِ مِنْ جِهَادِ الْكُفَّارِ، وَلَمَّا كَانَ السُّلْطَانُ يُحَاصِرُ الْجَزِيرَةَ سَارَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْجَيْشِ إِلَى عُمْرَ أَكْمُنَ، وَفِيهِ أَرْبَعُمِائَةِ رَاهِبٍ، فَذَبَحُوا مِنْهُمْ مِائَةً وَعِشْرِينَ رَاهِبًا، وَافْتَدَى الْبَاقُونَ أَنْفُسَهُمْ بِسِتَّةِ مَكَاكِيكَ ذَهَبًا وَفِضَّةً.
وَوَصَلَ إِبْرَاهِيمُ يَنَّالُ أَخُو السُّلْطَانِ إِلَيْهِ، فَلَقِيَهُ الْأُمَرَاءُ وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ، وَحَمَلُوا إِلَيْهِ الْهَدَايَا. وَقَالَ لِعَمِيدِ الْمُلْكِ الْوَزِيرِ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْعَرَبُ حَتَّى تَجْعَلَهُمْ نُظَرَاءَ السُّلْطَانِ، وَتُصْلِحَ بَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: مَعَ حُضُورِكَ يَكُونُ مَا تُرِيدُ، فَأَنْتَ نَائِبُ السُّلْطَانِ.
وَلَمَّا وَصَلَ إِبْرَاهِيمُ يَنَّالُ أَرْسَلَ هَزَارَسْبُ إِلَى نُورِ الدَّوْلَةِ بْنِ مَزْيَدٍ وَقُرَيْشٍ يُعَرِّفُهُمَا وُصُولَهُ، وَيُحَذِّرُهُمَا مِنْهُ، فَسَارَا مِنْ جَبَلِ سِنْجَارَ إِلَى الرَّحْبَةِ، فَلَمْ يَلْتَفِتِ الْبَسَاسِيرِيُّ إِلَيْهِمَا، فَانْحَدَرَ نُورُ الدَّوْلَةِ إِلَى (بَلَدِهِ بِالْعِرَاقِ) ، وَأَقَامَ قُرَيْشٌ عِنْدَ الْبَسَاسِيرِيِّ بِالرَّحْبَةِ مَعَهُ ابْنُهُ مُسْلِمُ بْنُ قُرَيْشٍ.
стр. 4668
وَشَكَا قُتْلُمُشُ ابْنُ عَمِّ السُّلْطَانِ إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَهْلِ سِنْجَارَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي لَمَّا انْهَزَمَ، وَأَنَّهُمْ قَتَلُوا رِجَالًا، فَسَيَّرَ الْعَسَاكِرَ إِلَيْهِمْ فَأَحَاطَتْ بِهِمْ، وَصَعِدَ أَهْلُهَا عَلَى السُّورِ وَسَبَوْا، وَأَخْرَجُوا جَمَاجِمَ مَنْ كَانُوا قُتِلُوا وَقَلَانِسَهُمْ، وَتَرَكُوهَا عَلَى رُءُوسِ الْقَصَبِ، فَفَتَحَهَا السُّلْطَانُ عَنْوَةً، وَقَتَلَ أَمِيرَهَا مُجْلَى بْنَ مُرَجَّا وَخَلْقًا كَثِيرًا مِنْ رِجَالِهَا، وَسَبَى نِسَاءَهُمْ، وَخُرِّبَتْ، وَسَأَلَ إِبْرَاهِيمُ يَنَّالُ فِي الْبَاقِينَ فَتَرَكَهُمْ، فَسَلَّمَهَا هِيَ وَالْمَوْصِلَ وَالْبِلَادَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ، وَنَادَى فِي عَسْكَرِهِ: مَنْ تَعَرَّضَ لِنَهْبٍ صَلَبْتُهُ. فَكَفَّوْا عَنْهُمْ.
وَعَادَ السُّلْطَانُ إِلَى بَغْدَاذَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَذْكُرَ هَذِهِ الْحَادِثَةَ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا هَذِهِ السَّنَةَ لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ بِهَا كَانَ فِيهَا، فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهَا بَعْضًا، وَذَكَرْنَا أَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْقَطَعَتِ الطُّرُقُ عَنِ الْعِرَاقِ لِخَوْفِ النَّهْبِ، فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ، وَكَثُرَ الْغَلَاءُ، وَتَعَذَّرَتِ الْأَقْوَاتُ وَغَيْرُهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَكَلَ النَّاسُ الْمَيْتَةَ، وَلَحِقَهُمْ وَبَاءٌ عَظِيمٌ، فَكَثُرَ الْمَوْتُ حَتَّى دُفِنَ الْمَوْتَى بِغَيْرِ غُسْلٍ وَلَا تَكْفِينٍ، فَبِيعَ رِطْلُ لَحْمٍ بِقِيرَاطٍ، (وَأَرْبَعُ دَجَاجَاتٍ بِدِينَارٍ، وَرِطْلُ شَرَابٍ بِدِينَارٍ، وَسَفَرْجَلَةٌ بَدِينَارٍ) ، وَرُمَّانَةٌ بِدِينَارٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ كَذَلِكَ.
وَكَانَ بِمِصْرَ أَيْضًا وَبَاءٌ شَدِيدٌ، فَكَانَ يَمُوتُ فِي الْيَوْمِ أَلْفُ نَفْسٍ، ثُمَّ عَمَّ ذَلِكَ
стр. 4669
سَائِرَ الْبِلَادِ مِنَ الشَّامِ، وَالْجَزِيرَةِ، وَالْمَوْصِلِ، وَالْحِجَازِ، وَالْيَمَنِ وَغَيْرِهَا.
وَفِيهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى وَلَدَتْ جَارِيَةُ ذَخِيرَةِ الدِّينِ بْنِ الْخَلِيفَةِ، الَّذِي ذَكَرْنَا وَفَاتَهُ قَبْلُ، وَلَدًا ذَكَرًا، وَيُسَمَّى عَبْدَ اللَّهِ، وَكُنِّيَ أَبَا الْقَاسِمِ، وَهُوَ الْمُقْتَدِي.
وَفِيهَا فِي الْعَشْرِ الثَّانِي مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، ظَهَرَ وَقْتَ السَّحَرِ فِي السَّمَاءِ ذُؤَابَةٌ بَيْضَاءُ طُولُهُا نَحْوُ عَشْرَةِ أَذْرُعٍ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ، وَعَرْضُهَا ذِرَاعٌ، وَبَقِيَتْ كَذَلِكَ إِلَى نِصْفِ رَجَبٍ، وَاضْمَحَلَّتْ.
وَفِيهَا أَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِأَنْ يُؤَذَّنَ بِالْكَرْخِ وَالْمَشْهَدِ وَغَيْرِهِمَا: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، وَأَنْ يَتْرُكُوا: حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ. فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ خَوْفَ السَّلْطَنَةِ وَقُوَّتِهَا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو الْحَسَنِ الْمُؤَدِّبُ، الْمَعْرُوفُ بِالْفَالِيِّ، مِنْ أَهْلِ مَدِينَةِ فَالَةَ بِالْقُرْبِ مِنْ إِيذَجَ، رَوَى الْحَدِيثَ وَالْأَدَبَ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ:
تَصَدَّرَ لِلتَّدْرِيسِ كُلُّ مُهَوَّسٍ ... بَلِيدٍ تَسَمَّى بِالْفَقِيهِ الْمُدَرِّسِ
فَحَقٌّ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَتَمَثَّلُوا ... بِبَيْتٍ قَدِيمٍ شَاعَ فِي كُلِّ مَجْلِسِ
لَقَدْ هَزَلَتْ حَتَّى بَدَا مِنْ هُزَالِهَا ... كُلَاهَا وَحَتَّى سَامَهَا كُلُّ مُفْلِسِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّرِيِّ أَبُو الْحَسَنِ الْبَزَّازُ
стр. 4670
الْمَوْصِلِيُّ، وُلِدَ بِالْمَوْصِلِ، وَنَشَأَ بِبَغْدَاذَ، وَرَوَى عَنِ ابْنِ حَيُّوَيْهِ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ، وَابْنِ بَطَّةَ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِمِصْرَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَمِيرَكُ الْكَاتِبُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شَوَّالٍ، وَكَانَ مِنْ رِجَالِ الدُّنْيَا. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْمَيْمُونِ الدَّارِمِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ.
стр. 4671
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَة]
٤٤٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ عَوْدِ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك إِلَى بَغْدَاذَ
لَمَّا سَلَّمَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَك الْمَوْصِلَ وَأَعْمَالَهَا إِلَى أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ - عَادَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْقُفْصِ خَرَجَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ إِلَى لِقَائِهِ، فَلَمَّا قَارَبَ الْقُفْصَ لَقِيَهُ عَمِيدُ الْمُلْكِ، وَزِيرُ السُّلْطَانِ، فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَجَاءَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ إِلَى السُّلْطَانِ فَأَبْلَغَهُ سَلَامَ الْخَلِيفَةِ وَاسْتِيحَاشَهُ، فَقَبَّلَ الْأَرْضَ، وَقَدَّمَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ جَامًا مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ جَوَاهِرُ، وَأَلْبِسَةً فَرْجِيَّةً جَاءَتْ مَعَهُ مِنْ عِنْدِ الْخَلِيفَةِ، وَوَضَعَ الْعِمَامَةَ عَلَى مِخَدَّتِهِ، فَخَدَمَ السُّلْطَانَ، وَقَبَّلَ الْأَرْضَ، (وَوَصَلَ إِلَى بَغْدَاذَ) وَلَمْ يُمَكِّنْ أَحَدًا مِنَ النُّزُولِ فِي دُورِ النَّاسِ، وَطَلَبَ السُّلْطَانُ الِاجْتِمَاعَ بِالْخَلِيفَةِ، فَأُذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
وَجَلَسَ الْخَلِيفَةُ يَوْمَ السَّبْتِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ جُلُوسًا عَامًّا، وَحَضَرَ وُجُوهُ عَسْكَرِ السُّلْطَانِ وَأَعْيَانُ بَغْدَاذَ، وَحَضَرَ السُّلْطَانُ فِي الْمَاءِ، وَأَصْحَابُهُ حَوْلَهُ فِي السُّمَيْرِيَّاتِ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ السُّمَيْرِيَّةِ أُرْكِبَ فَرَسًا مِنْ مَرَاكِبِ الْخَلِيفَةِ، فَحَضَرَ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ، وَالْخَلِيفَةُ عَلَى سَرِيرٍ عَالٍ مِنَ الْأَرْضِ نَحْوَ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ، وَعَلَيْهِ بُرْدَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَبِيَدِهِ الْقَضِيبُ الْخَيْزُرَانُ، فَقَبَّلَ السُّلْطَانُ الْأَرْضَ، وَقَبَّلَ يَدَهُ، وَأُجْلِسَ عَلَى كُرْسِيٍّ، فَقَالَ الْخَلِيفَةُ لِرَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ: قُلْ لَهُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ شَاكِرٌ لِسَعْيِكَ، حَامِدٌ لِفِعْلِكَ مُسْتَأْنِسٌ بِقُرْبِكَ، وَقَدْ وَلَّاكَ جَمِيعَ مَا وَلَّاهُ اللَّهُ مِنْ بِلَادِهِ، وَرَدَّ عَلَيْكَ مُرَاعَاةَ عِبَادِهِ، فَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا وَلَّاكَ، وَاعْرِفْ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ فِي ذَلِكَ، وَاجْتَهِدْ فِي نَشْرِ الْعَدْلِ وَكَفِّ الظُّلْمِ، وَإِصْلَاحِ الرَّعِيَّةِ.
стр. 4672
فَقَبَّلَ الْأَرْضَ، وَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِإِفَاضَةِ الْخِلَعِ عَلَيْهِ، فَقَامَ إِلَى مَوْضِعٍ لَبِسَهَا فِيهِ وَعَادَ، وَقَبَّلَ يَدَ الْخَلِيفَةِ وَوَضَعَهَا عَلَى عَيْنَيْهِ، وَخَاطَبَهُ الْخَلِيفَةُ بِمَلِكِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَأُعْطِيَ الْعَهْدَ، وَخَرَجَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ خِدْمَةً كَثِيرَةً، مِنْهَا خَمْسُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَخَمْسُونَ مَمْلُوكًا أَتْرَاكًا مِنْ أَجْوَدِ مَا يَكُونُ، وَمَعَهُمْ خُيُولُهُمْ وَسِلَاحُهُمْ، وَإِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ هَزَارَسْبَ وَفُولَاذٍ
كَانَ السُّلْطَانُ قَدْ ضَمَّنَ هَزَارَسْبَ بْنَ بُنْكِيرَ بْنِ عِيَاضٍ الْبَصْرَةَ، وَأَرَّجَانَ، وَخُوزِسْتَانَ، وَشِيرَازَ، فَتَجَرَّدَ رَسُولْتِكِينُ ابْنُ عَمِّ السُّلْطَانِ وَمَعَهُ فُولَاذٌ لِهَزَارَسْبَ، وَقَصَدَا أَرَّجَانَ وَنَهَبَاهَا.
وَكَانَ هَزَارَسْبُ مَعَ طُغْرُلْبَك بِالْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ، فَلَمَّا فَرَغَ السُّلْطَانُ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ رَدَّ هَزَارَسْبَ إِلَى بِلَادِهِ، وَأَمَرَهُ بِقِتَالِ رَسُولْتِكِينَ وَفُولَاذٍ، فَسَارَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَصَادَرَ بِهَا تَاجَ الدِّينِ بْنَ سَخْطَةَ الْعَلَوِيَّ وَابْنَ سَمْحَا الْيَهُودِيَّ بِمِائَةِ أَلْفٍوَعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى قِتَالِ فُولَاذٍ وَرَسُولْتِكِينَ فَلَقِيَهُمَا، وَقَاتَلَهُمَا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ فُولَاذٌ، وَأُسِرَ رَسُولْتِكِينُ ابْنُ عَمِّ السُّلْطَانِ، فَأَبْقَى عَلَيْهِ هَزَارَسْبُ، فَسَأَلَ رَسُولْتِكِينُ هَزَارَسْبَ لِيُرْسِلَهُ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ لِيُشَفِّعَ فِيهِ الْخَلِيفَةَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ.
وَوَصَلَ بَغْدَاذَ مَعَ أَصْحَابِ هَزَارَسْبَ، فَاجْتَازَ بِدَارِ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ، فَهَجَمَ وَدَخَلَهَا، وَاسْتَدْعَى طَعَامًا إِيجَازًا لِلْحُرْمَةِ، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِإِحْضَارِ عَمِيدِ الْمُلْكِ (وَإِعْلَامِهِ بِحَالِ رَسُولْتِكِينَ لِيُخَاطِبَ السُّلْطَانَ فِي أَمْرِهِ، فَلَمَّا حَضَرَ عَمِيدُ الْمُلْكِ) وَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ: إِنَّ السُّلْطَانَ يَقُولُ إِنَّ هَذَا لَا حُرْمَةَ لَهُ يَسْتَحِقُّ بِهَا الْمُرَاعَاةَ، وَقَدْ قَابَلَ إِحْسَانِي بِالْعِصْيَانِ، وَيَجِبُ تَسْلِيمُهُ لِيَتَحَقَّقَ النَّاسُ مَنْزِلَتِي، وَتَتَضَاعَفَ هَيْبَتِي. فَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ بَعْدَ مُرَاجَعَةٍ عَلَى أَنْ يُقَيِّدَهُ، وَخَرَجَ تَوْقِيعُ الْخَلِيفَةِ: إِنَّ مَنْزِلَةَ رُكْنِ الدِّينِ - يَعْنِي طُغْرُلْبَك -
стр. 4673
عِنْدَنَا اقْتَضَتْ مَا لَمْ نَفْعَلْهُ مَعَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِتَقْيِيدِ أَحَدٍ فِي الدَّارِ الْعَزِيزَةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الرِّضَا فِي جَوَابِ مَا فَعَلَ. فَرَاسَلَهُ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ حَتَّى رَضِيَ.
وَقَدْ كَانَتْ دَارُ الْخِلَافَةِ أَيَّامَ بَنِي بُوَيْهٍ مَلْجَأً لِكُلِّ خَائِفٍ مِنْهُمْ، مِنْ وَزِيرٍ وَعَمِيدٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَفِي الْأَيَّامِ السَّلْجُوقِيَّةِ سُلِكَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ فَعَلُوهُ هَذَا.
ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى الْوَزِيرِ الْيَازُورِيِّ بِمِصْرَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْحِجَّةِ، قُبِضَ بِمِصْرَ عَلَى الْوَزِيرِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْيَازُورِيِّ، وَقُرِّرَ عَلَيْهِ أَمْوَالٌ عَظِيمَةٌ مِنْهُ وَمِنْ أَصْحَابِهِ، وَوُجِدَ لَهُ مُكَاتَبَاتٌ إِلَى بَغْدَاذَ.
وَكَانَ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ قَدْ حَجَّ، فَلَمَّا قَضَى حَجَّهُ أَتَى الْمَدِينَةَ، وَزَارَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَقَطَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ قِطْعَةٌ مِنَ الْخَلُوقِ الَّذِي عَلَى حَائِطِ الْحُجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ أَحَدُ الْقُوَّامِ: أَيُّهَا الشَّيْخُ إِنِّي أُبَشِّرُكَ، وَلِي الْحِبَاءُ وَالْكَرَامَةُ إِذْ بَلَغْتَهُ، أَنَّكَ تَلِي وِلَايَةً عَظِيمَةً، وَهَذَا الْخَلُوقُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ.
فَلَمْ يَحُلْ عَلَيْهِ الْحَوْلُ حَتَّى وَلِيَ الْوِزَارَةَ، وَأَحْسَنَ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ وَرَعَاهُ.
وَكَانَ يَتَفَقَّهُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَانَ قَاضِيًا بِالرَّمْلَةِ، يُكْرِمُ الْعُلَمَاءَ، وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُجَالِسُهُمْ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهِ كَابْتِدَاءِ أَمْرِ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ: الشَّهَادَةُ، وَالْقَضَاءُ، وَكَانَتْ سَعَادَتُهُمَا مُتَّفِقَةً، وَنِهَايَتُهُمَا مُتَقَارِبَةً.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ زَادَ الْغَلَاءُ بِبَغْدَاذَ وَالْعِرَاقِ حَتَّى بِيعَتْ كَارَةُ الدَّقِيقِ السَّمِيدِ بِثَلَاثَةَ
стр. 4674
عَشَرَ دِينَارًا، وَالْكَارَةُ مِنَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ بِثَمَانِيَةِ دَنَانِيرَ، وَأَكَلَ النَّاسُ الْمَيْتَةَ وَالْكِلَابَ وَغَيْرَهَا، وَكَثُرَ الْوَبَاءُ حَتَّى عَجَزَ النَّاسُ عَنْ دَفْنِ الْمَوْتَى، فَكَانُوا يَجْعَلُونَ الْجَمَاعَةَ فِي الْحُفَيْرَةِ.
[وَفَاةُ أَبِي الْعَلَاءِ الْمَعَرِّيِّ]
وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تُوُفِّيَ أَبُو الْعَلَاءِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَعَرِّيُّ، الْأَدِيبُ، وَلَهُ نَحْوُ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَعِلْمُهُ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ، إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَرْمُونَهُ بِالزَّنْدَقَةِ، وَفِي شِعْرِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، حُكِيَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا لِأَبِي يُوسُفَ الْقَزْوِينِيِّ: مَا هَجَوْتُ أَحَدًا. فَقَالَ لَهُ الْقَزْوِينِيُّ: هَجَوْتَ الْأَنْبِيَاءَ. فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ: مَا أَخَافُ أَحَدًا سِوَاكَ.
وَحَكَى عَنْهُ الْقَزْوِينِيُّ أَنَّهُ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شِعْرًا فِي مَرْثِيَّةِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ يُسَاوِي أَنْ يُحْفَظَ. فَقَالَ الْقَزْوِينِيُّ: بَلَى، قَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ سَوَادِنَا:
رَأْسُ ابْنِ بِنْتِ مُحَمَّدٍ وَوَصِيِّهِ ... لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى قَنَاةٍ يُرْفَعُ
وَالْمُسْلِمُونَ بِمَنْظَرٍ وَبِمَسْمَعٍ
،
لَا جَازِعٌ مِنْهُمْ، وَلَا مُتَفَجِّعُ ... أَيْقَظْتَ أَجْفَانًا وَكُنْتَ لَهَا كَرًى
،
وَأَنَمْتَ عَيْنًا لَمْ تَكُنْ بِكَ تَهْجَعُ
كُحِلَتْ بِمَصْرَعِكَ الْعُيُونُ عَمَايَةً
،
وَأَصَمَّ نَعْيُكَ كُلَّ أُذْنٍ تَسْمَعُ ... مَا رَوْضَةٌ إِلَّا تَمَنَّتْ أَنَّهَا
لَكَ مَضْجَعٌ وَلِخَطِّ قَبْرِكَ مَوْضِعُ
وَفِيهَا أَصْلَحَ دُبَيْسُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَزْيَدٍ وَمَحْمُودُ بْنُ الْأَخْرَمِ الْخَفَاجِيُّ حَالَهُمَا مَعَ السُّلْطَانِ، فَعَادَ دُبَيْسٌ إِلَى بِلَادِهِ فَوَجَدَهَا خَرَابًا لِكَثْرَةِ مَنْ مَاتَ بِهَا مِنَ الْوَبَاءِ الْجَارِفِ، لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ.
стр. 4675
وَفِيهَا كَثُرَ الْوَبَاءُ بِبُخَارَى حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ إِنْسَانٍ مِنْ أَعْمَالِ بُخَارَى، وَهَلَكَ فِي هَذِهِ الْوِلَايَةِ فِي مُدَّةِ الْوَبَاءِ أَلْفُ أَلْفٍ وَسِتُّمِائَةِ أَلْفٍ وَخَمْسُونَ أَلْفًا، وَكَانَ بِسَمَرْقَنْدَ مِثْلُ ذَلِكَ، وَوُجِدَ مَيِّتٌ، وَقَدْ دَخَلَ تُرْكِيٌّ يَأْخُذُ لِحَافًا عَلَيْهِ، فَمَاتَ التُّرْكِيُّ وَطَرْفُ اللِّحَافِ بِيَدِهِ، وَبَقِيَتْ أَمْوَالُ النَّاسِ سَائِبَةً.
وَفِيهَا نُهِبَتْ دَارُ أَبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ بِالْكَرْخِ، وَهُوَ فَقِيهُ الْإِمَامِيَّةِ، وَأُخِذَ مَا فِيهَا، وَكَانَ قَدْ فَارَقَهَا إِلَى الْمَشْهَدِ الْغَرْبِيِّ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا، فِي صَفَرٍ، تُوُفِّيَ أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّابُونِيُّ، مُقَدَّمُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ بِخُرَاسَانَ، وَكَانَ فَقِيهًا، خَطِيبًا، إِمَامًا فِي عِدَّةِ عُلُومٍ.
وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تُوُفِّيَ إِيَازُ بْنُ أَيْمَاقَ أَبُو النَّجْمِ غُلَامُ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، وَأَخْبَارُهُ مَعَهُ مَشْهُورَةٌ.
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو أَحْمَدَ عَدْنَانُ ابْنُ الشَّرِيفِ الرَّضِيِّ نَقِيبِ الْعَلَوِيِّينَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ الْغَسَّانِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْجُنْدِيِّ.
стр. 4676
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَة]
٤٥٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ مُفَارَقَةِ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ الْمَوْصِلَ وَاسْتِيلَاءِ الْبَسَاسِيرِيِّ عَلَيْهَا وَأَخْذِهَا مِنْهُ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَارَقَ إِبْرَاهِيمُ يَنَّالُ الْمَوْصِلَ نَحْوَ بِلَادِ الْجَبَلِ، فَنَسَبَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَك رَحِيلَهُ إِلَى الْعِصْيَانِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا يَسْتَدْعِيهِ وَصُحْبَتَهُ الْفُرْجِيَّةَ الَّتِي خَلَعَهَا عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ، وَكَتَبَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِ أَيْضًا كِتَابًا فِي الْمَعْنَى، فَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى السُّلْطَانِ، وَهُوَ بِبَغْدَاذَ، فَخَرَجَ الْوَزِيرُ الْكُنْدُرِيُّ لِاسْتِقْبَالِهِ، وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِ الْخِلَعَ.
وَلَمَّا فَارَقَ إِبْرَاهِيمُ الْمَوْصِلَ قَصَدَهَا الْبَسَاسِيرِيُّ وَقُرَيْشُ بْنُ بَدْرَانَ، وَحَاصَرَاهَا، فَمَلَكَا الْبَلَدَ لِيَوْمِهِ، وَبَقِيَتِ الْقَلْعَةُ، وَبِهَا الْخَازِنُ وَأَرْدَمُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَحَاصَرَاهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى أَكَلَ مَنْ فِيهَا دَوَابَّهُمْ، فَخَاطَبَ ابْنُ مُوسَكَ صَاحِبُ إِرْبِلَ قُرَيْشًا حَتَّى أَمَّنَهُمْ فَخَرَجُوا، فَهَدَمَ الْبَسَاسِيرِيُّ الْقَلْعَةَ، وَعَفَّى أَثَرَهَا.
وَكَانَ السُّلْطَانُ قَدْ فَرَّقَ عَسْكَرَهُ فِي النَّوْرُوزِ، وَبَقِيَ جَرِيدَةً فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ حِينَ بَلَغَهُ الْخَبَرُ، فَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ فَلَمْ يَجِدْ بِهَا أَحَدًا، وَكَانَ قُرَيْشٌ وَالْبَسَاسِيرِيُّ قَدْ فَارَقَاهَا، فَسَارَ السُّلْطَانُ إِلَى نَصِيبِينَ لِيَتَتَبَّعَ آثَارَهُمْ وَيُخْرِجَهُمْ مِنَ الْبِلَادِ، فَفَارَقَهُ أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ يَنَّالُ، وَسَارَ نَحْوَ هَمَذَانَ، فَوَصَلَهَا فِي السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَكَانَ قَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمِصْرِيِّينَ كَاتَبُوهُ، وَالْبَسَاسِيرِيُّ قَدِ اسْتَمَالَهُ وَأَطْمَعَهُ فِي السَّلْطَنَةِ وَالْبِلَادِ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى هَمَذَانَ سَارَ السُّلْطَانُ فِي أَثَرِهِ.
стр. 4677
ذِكْرُ الْخِطْبَةِ بِالْعِرَاقِ لِلْعَلَوِيِّ الْمِصْرِيِّ وَمَا كَانَ إِلَى قَتْلِ الْبَسَاسِيرِيِّ
لَمَّا عَادَ إِبْرَاهِيمُ يَنَّالُ إِلَى هَمَذَانَ (سَارَ طُغْرُلْبَك خَلْفَهُ) ، وَرَدَّ وَزِيرَهُ عَمِيدَ الْمُلْكِ الْكُنْدُرِيَّ وَزَوْجَتَهُ إِلَى بَغْدَاذَ.
وَكَانَ مَسِيرُهُ مِنْ نَصِيبِينَ مُنْتَصَفَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَوَصَلَ إِلَى هَمَذَانَ، وَتَحَصَّنَ بِالْبَلَدِ، وَقَاتَلَ أَهْلُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَاتُونِ زَوْجَتِهِ وَعَمِيدِ الْمُلْكِ الْكُنْدُرِيِّ يَأْمُرُهُمَا بِاللَّحَاقِ بِهِ، فَمَنَعَهُمَا الْخَلِيفَةُ مِنْ ذَلِكَ تَمَسُّكًا بِهِمَا، وَفَرَّقَ غِلَالًا كَثِيرَةً فِي النَّاسِ، وَسَارَ مَنْ كَانَ بِبَغْدَاذَ مِنَ الْأَتْرَاكِ إِلَى السُّلْطَانِ بِهَمَذَانَ، وَسَارَ عَمِيدُ الْمُلْكِ إِلَى دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ فَاحْتَرَمَهُ وَعَظَّمَهُ، ثُمَّ سَارَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى هَزَارَسْبَ وَسَارَتْ خَاتُونُ إِلَى السُّلْطَانِ بِهَمَذَانَ، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى نُورِ الدَّوْلَةِ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ يَأْمُرُهُ بِالْوُصُولِ إِلَى بَغْدَاذَ، فَوَرَدَ إِلَيْهَا فِي مِائَةِ فَارِسٍ، وَنَزَلَ فِي النَّجْمِيِّ ثُمَّ عَبَرَ إِلَى الْأَتَانِينَ.
وَقَوِيَ الْإِرْجَافُ بِوُصُولِ الْبَسَاسِيرِيِّ، فَلَمَّا تَحَقَّقَ الْخَلِيفَةُ وُصُولَهُ إِلَى هِيتَ أَمَرَ النَّاسَ بِالْعُبُورِ مِنَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَأَرْسَلَ دُبَيْسُ بْنُ مَزْيَدٍ إِلَى الْخَلِيفَةِ وَإِلَى رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ يَقُولُ: الرَّأْيُ عِنْدِي خُرُوجُكُمَا مِنَ الْبَلَدِ مَعِي، فَإِنَّنِي أَجْتَمِعُ أَنَا وَهَزَارَسْبُ - فَإِنَّهُ بِوَاسِطٍ - عَلَى دَفْعِ عَدُوِّكُمَا. فَأُجِيبَ ابْنُ مَزْيَدٍ بِأَنْ يُقِيمَ حَتَّى يَقَعَ الْفِكْرُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: الْعَرَبُ لَا تُطِيعُنِي عَلَى الْمُقَامِ، وَأَنَا أَتَقَدَّمُ إِلَى دَيَالَى، فَإِذَا انْحَدَرْتُمْ سِرْتُ فِي خِدْمَتِكُمْ. وَسَارَ وَأَقَامَ بِدَيَالَى يَنْتَظِرُهُمَا، فَلَمْ يَرَ لِذَلِكَ أَثَرًا، فَسَارَ إِلَى بِلَادِهِ.
ثُمَّ إِنَّ الْبَسَاسِيرِيَّ وَصَلَ إِلَى بَغْدَاذَ يَوْمَ الْأَحَدِ ثَامِنَ ذِي الْقَعْدَةِ، وَمَعَهُ أَرْبَعُمِائَةِ غُلَامٍ عَلَى غَايَةِ الضُّرِّ وَالْفَقْرِ، وَكَانَ مَعَهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْوَزِيرُ، فَنَزَلَ الْبَسَاسِيرِيُّ بِمَشْرَعَةِ الرَّوَايَا، وَنَزَلَ قُرَيْشُ بْنُ بَدْرَانَ، وَهُوَ فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ، عِنْدَ مَشْرَعَةِ بَابِ الْبَصْرَةِ، وَرَكِبَ عَمِيدُ الْعِرَاقِ وَمَعَهُ الْعَسْكَرُ وَالْعَوَامُّ، وَأَقَامُوا بِإِزَاءِ عَسْكَرِ
стр. 4678
الْبَسَاسِيرِيِّ وَعَادُوا، وَخَطَبَ الْبَسَاسِيرِيُّ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ لِلْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ الْعَلَوِيِّ صَاحِبِ مِصْرَ، وَأَمَرَ فَأُذِّنَ بِحَيِّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَعَقَدَ الْجِسْرَ، وَعَبَرَ عَسْكَرُهُ إِلَى الزَّاهِرِ وَخَيَّمُوا فِيهِ، وَخَطَبَ فِي الْجُمُعَةِ مِنْ وُصُولِهِ (بِجَامِعِ الرُّصَافَةِ) لِلْمِصْرِيِّ، وَجَرَى بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ حُرُوبٌ فِي أَثْنَاءِ الْأُسْبُوعِ.
وَكَانَ عَمِيدُ الْعِرَاقِ يُشِيرُ عَلَى رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ بِالتَّوَقُّفِ عَنِ الْمُنَاجَزَةِ، وَيَرَى الْمُحَاجَزَةَ وَمُطَاوَلَةَ الْأَيَّامِ انْتِظَارًا لِمَا يَكُونُ مِنَ السُّلْطَانِ، وَلِمَا يَرَاهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ بِسَبَبِ مَيْلِ الْعَامَّةِ إِلَى الْبَسَاسِيرِيِّ، أَمَّا الشِّيعَةُ فَلِلْمَذْهَبِ، وَأَمَّا السَّنَةُ فَلِمَا فَعَلَ بِهِمُ الْأَتْرَاكُ.
وَكَانَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ لِقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِالْحَرْبِ وَلِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْبَسَاسِيرِيِّ يَرَى الْمُبَادَرَةَ إِلَى الْحَرْبِ، فَاتَّفَقَ أَنَّ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ حَضَرَ الْقَاضِي الْهَمَذَانِيُّ عِنْدَ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ، وَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْحَرْبِ، وَضَمِنَ لَهُ قَتْلَ الْبَسَاسِيرِيِّ، فَأَذِنَ لَهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ عَمِيدِ الْعِرَاقِ، فَخَرَجَ وَمَعَهُ الْخَدَمُ وَالْهَاشِمِيُّونَ وَالْعَجَمُ وَالْعَوَّامُ إِلَى الْحَلْبَةِ، وَأَبْعَدُوا، وَالْبَسَاسِيرِيُّ يَسْتَجِرُّهُمْ، فَلَمَّا أَبْعَدُوا حَمَلَ عَلَيْهِمْ فَعَادُوا مُنْهَزِمِينَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، وَمَاتَ فِي الزَّحْمَةِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَعْيَانِ، وَنُهِبَ بَابُ الْأَزَجِّ، وَكَانَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ وَاقِفًا دُونَ الْبَابِ، فَدَخَلَ الدَّارَ، وَهَرَبَ كُلُّ مَنْ فِي الْحَرِيمِ.
وَلَمَّا بَلَغَ عَمِيدَ الْعِرَاقِ فِعْلُ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ لَطَمَ عَلَى وَجْهِهِ كَيْفَ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ وَلَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِالْحَرْبِ. وَرَجَعَ الْبَسَاسِيرِيُّ إِلَى مُعَسْكَرِهِ، وَاسْتَدْعَى الْخَلِيفَةُ عَمِيدَ الْعِرَاقِ وَأَمَرَهُ بِالْقِتَالِ عَلَى سُورِ الْحَرِيمِ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا الزَّعْقَاتُ، وَقَدْ نُهِبَ الْحَرِيمُ، وَقَدْ دَخَلُوا بِبَابِ النُّوبِيِّ، فَرَكِبَ الْخَلِيفَةُ لَابِسًا لِلسَّوَادِ، وَعَلَى كَتِفِهِ الْبُرْدَةُ، وَبِيَدِهِ السَّيْفُ، وَعَلَى رَأْسِهِ اللِّوَاءُ، وَحَوْلَهُ زُمْرَةٌ مِنَ الْعَبَّاسِيِّينَ وَالْخَدَمِ بِالسُّيُوفِ الْمَسْلُولَةِ، فَرَأَى النَّهْبَ قَدْ وَصَلَ إِلَى بَابِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ دَارِهِ، فَرَجَعَ إِلَى وَرَائِهِ، وَمَضَى نَحْوَ عَمِيدِ الْعِرَاقِ فَوَجَدَهُ قَدِ اسْتَأْمَنَ إِلَى قُرَيْشٍ، فَعَادَ وَصَعِدَ الْمَنْظَرَةَ، وَصَاحَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ: يَا عَلَمَ الدِّينِ - يَعْنِي قُرَيْشًا - أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَسْتَدْنِيكَ. فَدَنَا مِنْهُ. فَقَالَ لَهُ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ: قَدْ أَنَالَكَ اللَّهُ مَنْزِلَةً لَمْ يَنَلْهَا أَمْثَالُكَ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَسْتَذِمُّ مِنْكَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ بِذِمَامِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَذِمَامِ رَسُولِهِ ﷺ وَذِمَامِ الْعَرَبِيَّةِ.
стр. 4679
فَقَالَ: قَدْ أَذَمَّ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُ. قَالَ: وَلِي وَلِمَنْ مَعَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَخَلَعَ قَلَنْسُوَتَهُ فَأَعْطَاهَا الْخَلِيفَةَ، وَأَعْطَى مَخْصَرَتُهُ رَئِيسَ الرُّؤَسَاءِ ذِمَامًا، فَنَزَلَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ وَرَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ مِنَ الْبَابِ الْمُقَابِلِ لِبَابِ الْحَلْبَةِ، وَصَارَا مَعَهُ.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْبَسَاسِيرِيُّ: أَتُخَالِفُ مَا اسْتَقَرَّ بَيْنَنَا، وَتَنْقُضُ مَا تَعَاهَدْنَا عَلَيْهِ؟ فَقَالَ قُرَيْشٌ: لَا. وَكَانَا قَدْ تَعَاهَدَا عَلَى الْمُشَارَكَةِ فِي الَّذِي يَحْصُلُ لَهُمَا، وَأَنْ لَا يَسْتَبِدَّ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ بِشَيْءٍ، فَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ قُرَيْشٌ رَئِيسَ الرُّؤَسَاءِ إِلَى الْبَسَاسِيرِيِّ ; لِأَنَّهُ عَدُوُّهُ، وَيَتْرُكَ الْخَلِيفَةَ عِنْدَهُ، فَأَرْسَلَ قُرَيْشٌ رَئِيسَ الرُّؤَسَاءِ إِلَى الْبَسَاسِيرِيِّ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: مَرْحَبًا بِمُهْلِكِ الدُّوَلِ، وَمُخَرِّبِ الْبِلَادِ! فَقَالَ: الْعَفْوَ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ. فَقَالَ الْبَسَاسِيرِيُّ: فَقَدْ قَدَرْتَ فَمَا عَفَوْتَ، وَأَنْتَ صَاحِبُ طَيْلَسَانَ، وَرَكِبْتَ الْأَفْعَالَ الشَّنِيعَةَ مَعَ حُرَمِي وَأَطْفَالِي، فَكَيْفَ أَعْفُو أَنَا، وَأَنَا صَاحِبُ السَّيْفِ؟
وَأَمَّا الْخَلِيفَةُ فَإِنَّهُ حَمَلَهُ قُرَيْشٌ رَاكِبًا إِلَى مُعَسْكَرِهِ وَعَلَيْهِ السَّوَادُ وَالْبُرْدَةُ، وَبِيَدِهِ السَّيْفُ، وَعَلَى رَأْسِهِ اللِّوَاءُ، وَأَنْزَلَهُ فِي خَيْمَةٍ، وَأَخَذَ أَرْسِلَانَ خَاتُونَ، (زَوْجَةَ الْخَلِيفَةِ، وَهِيَ) ابْنَةُ أَخِي السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك، فَسَلَّمَهَا إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرْدَةَ لِيَقُومَ بِخِدْمَتِهَا.
وَنُهِبَتْ دَارُ الْخِلَافَةِ وَحَرِيمُهَا أَيَّامًا، وَسَلَّمَ قُرَيْشٌ الْخَلِيفَةَ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ مُهَارِشَ بْنِ الْمُجَلِّي، وَهُوَ رَجُلٌ فِيهِ دِينٌ، وَلَهُ مُرُوءَةٌ. فَحَمَلَهُ فِي هَوْدَجٍ وَسَارَ بِهِ إِلَى حَدِيثَةِ عَانَةَ، فَتَرَكَهُ بِهَا، وَسَارَ مَنْ كَانَ مَعَ الْخَلِيفَةِ مِنْ خَدَمِهِ وَأَصْحَابِهِ إِلَى السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك مُسْتَنْفِرِينَ.
فَلَمَّا وُصَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الْأَنْبَارِ شَكَا الْبَرْدَ، فَأَنْفَذَ إِلَى مُقَدَّمِهَا يَطْلُبُ مِنْهُ مَا يَلْبَسُهُ، فَأَرْسَلَ لَهُ جُبَّةً فِيهَا قُطْنٌ وَلِحَافًا.
وَأَمَّا الْبَسَاسِيرِيُّ فَإِنَّهُ رَكِبَ يَوْمَ عِيدِ النَّحْرِ، وَعَبَرَ إِلَى الْمُصَلَّى بِالْجَانِبِ
стр. 4680
الشَّرْقِيِّ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْأَلْوِيَةُ الْمِصْرِيَّةُ، فَأَحْسَنَ إِلَى النَّاسِ، وَأَجْرَى الْجِرَايَاتِ عَلَى الْمُتَفَقِّهَةِ، وَلَمْ يَتَعَصَّبْ لِمَذْهَبٍ، وَأَفْرَدَ لِوَالِدَةِ الْخَلِيفَةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ دَارًا، وَكَانَتْ قَدْ قَارَبَتْ تِسْعِينَ سَنَةً، وَأَعْطَاهَا جَارِيَتَيْنِ مِنْ جَوَارِيهَا لِلْخِدْمَةِ، وَأَجْرَى لَهَا الْجِرَايَةَ، وَأَخْرَجَ مَحْمُودَ بْنَ الْأَخْرَمِ إِلَى الْكُوفَةِ، وَسُقِّيَ الْفُرَاتُ أَمِيرًا.
وَأَمَّا رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ فَأَخْرَجَهُ الْبَسَاسِيرِيُّ آخِرَ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ مَحْبِسِهِ بِالْحَرِيمِ الطَّاهِرِيِّ، مُقَيَّدًا وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ صُوفٌ، وَطُرْطُورٌ مِنْ لِبْدٍ أَحْمَرَ، وَفِي رَقَبَتِهِ مِخْنَقَةُ جُلُودِ بَعِيرٍ، وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] الْآيَةَ.
وَبَصَقَ أَهْلُ الْكَرْخِ فِي وَجْهِهِ عِنْدَ اجْتِيَازِهِ بِهِمْ، لِأَنَّهُ كَانَ يَتَعَصَّبُ عَلَيْهِمْ، وَشُهِّرَ إِلَى حَدِّ النَّجْمِيِّ، وَأُعِيدَ إِلَى مُعَسْكَرِ الْبَسَاسِيرِيِّ، وَقَدْ نُصِبَتْ لَهُ خَشَبَةٌ، وَأُنْزِلَ عَنِ الْجَمَلِ، وَأُلْبِسَ جِلْدَ ثَوْرٍ، وَجُعِلَتْ قُرُونُهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَجُعِلَ فِي فَكَّيْهِ كُلَّابَانِ مِنْ حَدِيدٍ، وَصُلِبَ، فَبَقِيَ يَضْطَرِبُ إِلَى آخَرِ النَّهَارِ، وَمَاتَ.
وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَتْ شَهَادَتُهُ عِنْدَ ابْنِ مَاكُولَا سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ حَسَنَ التِّلَاوَةِ لِلْقُرْآنِ، جَيِّدَ الْمَعْرِفَةِ بِالنَّحْوِ.
وَأَمَّا عَمِيدُ الْعِرَاقِ فَقَتَلَهُ الْبَسَاسِيرِيُّ، وَكَانَ فِيهِ شَجَاعَةٌ وَلَهُ فُتُوَّةٌ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى رِبَاطَ شَيْخِ الشُّيُوخِ.
وَلَمَّا خَطَبَ الْبَسَاسِيرِيُّ لِلْمُسْتَنْصِرِ الْعَلَوِيِّ بِالْعِرَاقِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ بِمِصْرَ يُعَرِّفُهُ مَا فَعَلَ، وَكَانَ الْوَزِيرُ هُنَاكَ أَبَا الْفَرَجِ ابْنَ أَخِي أَبِي الْقَاسِمِ الْمَغْرِبِيِّ، وَهُوَ مِمَّنْ هَرَبَ مِنَ الْبَسَاسِيرِيِّ وَفِي نَفْسِهِ مَا فِيهَا، فَوَقَعَ فِيهِ، وَبَرَّدَ فِعْلَهُ، وَخَوَّفَ عَاقِبَتَهُ، فَتُرِكَتْ أَجْوِبَتُهُ مُدَّةً، ثُمَّ عَادَتْ بِغَيْرِ الَّذِي أَمَّلَهُ وَرَجَاهُ.
стр. 4681
وَسَارَ الْبَسَاسِيرِيُّ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى وَاسِطٍ وَالْبَصْرَةِ، فَمَلَكَهُمَا، وَأَرَادَ قَصْدَ الْأَهْوَازِ، فَأَنْفَذَ صَاحِبُهَا هَزَارَسْبُ بْنُ بُنْكِيرَ إِلَى دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُصْلِحَ الْأَمْرَ عَلَى مَالٍ يَحْمِلُهُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يُجِبِ الْبَسَاسِيرِيُّ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: لَا بُدَّ مِنَ الْخُطْبَةِ لِلْمُسْتَنْصِرِ، وَالسِّكَّةِ بِاسْمِهِ. فَلَمْ يَفْعَلْ هَزَارَسْبُ ذَلِكَ، وَرَأَى الْبَسَاسِيرِيُّ أَنَّ طُغْرُلْبَك يَمُدُّ هَزَارَسْبَ بِالْعَسَاكِرِ، فَصَالَحَهُ، وَأَصْعَدَ إِلَى وَاسِطٍ فِي مُسْتَهَلِّ شَعْبَانَ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَفَارَقَهُ صَدَقَةُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَسَدِيُّ، وَلَحِقَ بِهَزَارَسْبَ، وَكَانَ قَدْ وَلِيَ بَعْدَ أَبِيهِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
وَأَمَّا أَحْوَالُ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك وَإِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ، فَإِنَّ السُّلْطَانَ كَانَ فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ، وَحَلَفَ لَهُمْ أَنَّهُ لَا يُصَالِحُ أَخَاهُ طُغْرُلْبَك، وَلَا يُكَلِّفُهُمُ الْمَسِيرَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَهُ لِطُولِ مُقَامِهِمْ، وَكَثْرَةِ إِخْرَاجَاتِهِمْ، فَلَمْ يَقْوَ بِهِ طُغْرُلْبَك، وَأَتَى إِلَى إِبْرَاهِيمَ مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ ابْنَا أَخِيهِ أَرْتَاشَ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ، فَازْدَادَ بِهِمْ قُوَّةً، وَازْدَادَ طُغْرُلْبَك ضَعْفًا، فَانْزَاحَ (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) إِلَى الرَّيِّ، وَكَاتَبَ أَلْبَ أَرْسِلَانَ، وَيَاقُوتِيَّ، وَقَاوَرْتَ بِكْ، أَوْلَادَ أَخِيهِ دَاوُدَ، وَكَانَ دَاوُدُ قَدْ مَاتَ، (عَلَى مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَلَكَ خُرَاسَانَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَلْبُ أَرْسِلَانُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ طُغْرُلْبَك يَسْتَدْعِيهِمْ إِلَيْهِ، فَجَاءُوا بِالْعَسَاكِرِ الْكَثِيرَةِ، فَلَقِيَ إِبْرَاهِيمَ بِالْقُرْبِ مِنَ الرَّيِّ، فَانْهَزَمَ إِبْرَاهِيمُ وَمَنْ مَعَهُ، وَأُخِذَ أَسِيرًا هُوَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَلَدَا أَخِيهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَخُنِقَ بِوَتَرِ قَوْسِهِ تَاسِعَ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَقُتِلَ وَلَدَا أَخِيهِ مَعَهُ.
وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ خَرَجَ عَلَى طُغْرُلْبَك مِرَارًا، فَعَفَا عَنْهُ، وَإِنَّمَا قَتَلَهُ فِي هَذِهِ الدَّفْعَةِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ جَمِيعَ مَا جَرَى عَلَى الْخَلِيفَةِ كَانَ بِسَبَبِهِ، فَلِهَذَا لَمْ يَعْفُ عَنْهُ.
стр. 4682
وَلَمَّا قُتِلَ إِبْرَاهِيمُ أَرْسَلَ طُغْرُلْبَك إِلَى هَزَارَسْبَ بِالْأَهْوَازِ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، وَعِنْدَهُ عَمِيدُ الْمُلْكِ الْكُنْدُرِيُّ، فَسَارَ إِلَى السُّلْطَانِ، فَجَهَّزَهُ هَزَارَسْبُ تَجْهِيزَ مِثْلِهِ.
ذِكْرُ عَوْدِ الْخَلِيفَةِ إِلَى بَغْدَاذَ
لَمَّا فَرَغَ السُّلْطَانُ مِنْ أَمْرِ أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ عَادَ يَطْلُبُ الْعِرَاقَ، لَيْسَ لَهُ هَمٌّ إِلَّا إِعَادَةَ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ إِلَى دَارِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْبَسَاسِيرِيِّ وَقُرَيْشٍ فِي إِعَادَةِ الْخَلِيفَةِ إِلَى دَارِهِ عَلَى أَنْ لَا يَدْخُلَ طُغْرُلْبَك الْعِرَاقَ، وَيَقْنَعَ بِالْخُطْبَةِ وَالسِّكَّةِ، فَلَمْ يُجِبِ الْبَسَاسِيرِيُّ إِلَى ذَلِكَ، فَرَحَلَ طُغْرُلْبَك إِلَى الْعِرَاقِ، فَوَصَلَتْ مُقَدَّمَتُهُ إِلَى قَصْرِ شِيرِينَ، فَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَانْحَدَرَ حُرَمُ الْبَسَاسِيرِيِّ وَأَوْلَادُهُ، وَرَحَلَ أَهْلُ الْكَرْخِ بِنِسَائِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ فِي دِجْلَةَ وَعَلَى الظَّهْرِ، وَنَهَبَ بَنُو شَيْبَانَ النَّاسَ، وَقَتَلُوا كَثِيرًا مِنْهُمْ، وَكَانَ دُخُولُ الْبَسَاسِيرِيِّ وَأَوْلَادِهِ بَغْدَاذَ سَادِسَ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ خَمْسِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] وَخَرَجُوا مِنْهَا سَادِسَ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ.
وَثَارَ أَهْلُ بَابِ الْبَصْرَةِ إِلَى الْكَرْخِ، فَنَهَبُوهُ، وَأَحْرَقُوا دَرْبَ الزَّعْفَرَانِ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الدُّرُوبِ وَأَعْمَرِهَا، وَوَصَلَ طُغْرُلْبَك إِلَى بَغْدَاذَ، وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَ مِنَ الطَّرِيقِ الْإِمَامَ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ الْمَعْرُوفَ بِابْنِ فُورَكَ، إِلَى قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ يَشْكُرُهُ عَلَى فِعْلِهِ بِالْخَلِيفَةِ، وَحِفْظِهِ عَلَى صِيَانَتِهِ ابْنَةَ أَخِيهِ امْرَأَةَ الْخَلِيفَةِ، وَيُعَرِّفُهُ أَنَّهُ قَدْ أَرْسَلَ أَبَا بَكْرِ بْنَ فُورَكَ لِلْقِيَامِ بِخِدْمَةِ الْخَلِيفَةِ وَإِحْضَارِهِ وَإِحْضَارِ أَرْسِلَانَ خَاتُونَ ابْنَةِ أَخِيهِ امْرَأَةِ الْخَلِيفَةِ.
وَلَمَّا سَمِعَ قُرَيْشٌ بِقَصْدِ طُغْرُلْبَك الْعِرَاقَ أَرْسَلَ إِلَى مُهَارِشَ يَقُولُ لَهُ: أَوْدَعْنَا الْخَلِيفَةَ عِنْدَكَ ثِقَةً بِأَمَانَتِكَ، لِيَنْكَفَّ بَلَاءُ الْغُزِّ عَنَّا، وَالْآنَ فَقَدْ عَادُوا وَهُمْ عَازِمُونَ عَلَى قَصْدِكَ، فَارْحَلْ أَنْتَ وَأَهْلُكَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا عَلِمُوا أَنَّ الْخَلِيفَةَ عِنْدَنَا فِي
стр. 4683
الْبَرِّيَّةِ لَمْ يَقْصِدُوا الْعِرَاقَ، وَنَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِمَا نُرِيدُ، فَقَالَ مُهَارِشٌ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْبَسَاسِيرِيِّ عُهُودٌ وَمَوَاثِيقُ نَقَضَهَا، وَإِنَّ الْخَلِيفَةَ قَدِ اسْتَحْلَفَنِي بِعُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ لَا مَخْلَصَ مِنْهَا. وَسَارَ مُهَارِشٌ وَمَعَهُ الْخَلِيفَةُ حَادِيَ عَشَرَ ذِي الْقِعْدَةِ (سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ إِلَى الْعِرَاقِ، وَجَعَلَا طَرِيقَهُمَا عَلَى بَلَدِ بَدْرِ بْنِ مُهَلْهِلٍ لِيَأْمَنَا مَنْ يَقْصِدُهُمَا، وَوَصَلَ ابْنُ فُورَكَ إِلَى حُلَّةِ بَدْرِ بْنِ مُهَلْهِلٍ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُوَصِّلَهُ إِلَى مُهَارِشٍ، فَجَاءَ إِنْسَانٌ سَوَادِيٌّ إِلَى بَدْرٍ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى الْخَلِيفَةَ وَمُهَارِشًا بِتَلِّ عُكْبُرَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ بَدْرٌ، وَرَحَلَ ابْنُ فُورَكَ، وَخَدَمَاهُ، وَحَمَلَ لَهُ بَدْرٌ شَيْئًا كَثِيرًا، وَأَوْصَلَ إِلَيْهِ ابْنُ فُورَكَ رِسَالَةَ طُغْرُلْبِكْ، وَهَدَايَا كَثِيرَةً أَرْسَلَهَا مَعَهُ. وَلَمَّا سَمِعَ طُغْرُلْبِكْ بِوُصُولِ الْخَلِيفَةِ إِلَى بَلَدِ بِدْرٍ أَرْسَلَ وَزِيرَهُ الْكُنْدُرِيَّ، وَالْأُمَرَاءَ، وَالْحُجَّابَ، وَأَصْحَبَهُمُ الْخِيَامَ الْعَظِيمَةَ، وَالسُّرَادِقَاتِ، وَالتُّحَفَ (مِنَ الْخَيْلِ بِالْمَرَاكِبِ الذَّهَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَوَصَلُوا إِلَى الْخَلِيفَةِ وَخَدَمُوهُ وَرَحَلُوا، وَوَصَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى النَّهْرَوَانِ فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَخَرَجَ السُّلْطَانُ إِلَى خِدْمَتِهِ، فَاجْتَمَعَ بِهِ، وَقَبَّلَ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهَنَّأَهُ بِالسَّلَامَةِ، وَأَظْهَرَ الْفَرَحَ بِسَلَامَتِهِ، وَاعْتَذَرَ مِنْ تَأَخُّرِهِ بِعِصْيَانِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَنَّهُ قَتَلَهُ عُقُوبَةً لِمَا جَرَى مِنْهُ مِنَ الْوَهَنِ عَلَى الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَبِوَفَاةِ أَخِيهِ دَاوُدَ بِخُرَاسَانَ، وَأَنَّهُ اضْطُرَّ إِلَى التَّرَيُّثِ حَتَّى يُرَتِّبَ أَوْلَادَهُ بَعْدَهُ فِي الْمَمْلَكَةِ، وَقَالَ: أَنَا أَمْضِي خَلْفَ هَذَا الْكَلْبِ، يَعْنِي الْبَسَاسِيرِيَّ، وَأَقْصِدُ الشَّامَ، وَأَفْعَلُ فِي حَقِّ صَاحِبِ مِصْرَ مَا أُجَازِي بِهِ فِعْلَهُ! وَقَلَّدَهُ الْخَلِيفَةُ بِيَدِهِ سَيْفًا، وَقَالَ: لَمْ يَبْقَ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي دَارِهِ سِوَاهُ، وَقَدْ تَبَرَّكَ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَشَفَ غِشَاءَ الْخِرْكَاةِ حَتَّى رَآهُ الْأُمَرَاءُ، فَخَدَمُوا وَانْصَرَفُوا.
стр. 4684
وَلَمْ يَبْقَ بِبَغْدَاذَ مِنْ أَعْيَانِهَا مَنْ يَسْتَقْبِلُ الْخَلِيفَةَ غَيْرَ الْقَاضِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّامَغَانِيِّ، وَثَلَاثَةِ نَفَرٍ مِنَ الشُّهُودِ. وَتَقَدَّمَ السُّلْطَانُ فِي الْمَسِيرِ، فَوَصَلَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَجَلَسَ فِي بَابِ النُّوبِيِّ مَكَانَ الْحَاجِبِ، وَوَصَلَ الْخَلِيفَةُ فَقَامَ طُغْرُلْبِكْ، وَأَخَذَ بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ، حَتَّى صَارَ عَلَى بَابِ حُجْرَتِهِ، وَكَانَ وُصُولُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَعَبَرَ السُّلْطَانُ إِلَى مُعَسْكَرِهِ، وَكَانَتِ السَّنَةُ مُجْدِبَةً، وَلَمْ يَرَ النَّاسُ فِيهَا مَطَرًا، فَجَاءَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَهَنَّأَ الشُّعَرَاءُ الْخَلِيفَةَ وَالسُّلْطَانَ بِهَذَا الْأَمْرِ، وَدَامَ الْبَرْدُ بَعْدَ قُدُومِ الْخَلِيفَةِ نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَمَاتَ بِالْجُوعِ وَالْعُقُوبَةِ عَدَدٌ لَا يُحْصَى، وَكَانَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ شِبْلٍ مِمَّنْ هَرَبَ مِنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْغَرِّ، فَوَقَعَ بِهِ غَيْرُهُمْ فَأَخَذُوا مَالَهُ فَقَالَ: خَرَجْنَا مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ خَوْفًا فَكَانَ فِرَارُنَا مِنْهُ إِلَيْهِ وَأَشْقَى النَّاسِ ذُو عَزْمٍ تَوَالَتْ مَصَائِبُهُ عَلَيْهِ مِنْ يَدَيْهِ تَضِيقُ عَلَيْهِ طُرُقُ الْعُذْرِ مِنْهَا وَيَقْسُو قَلْبُ رَاحِمِهِ عَلَيْهِ
ذِكْرُ قَتْلِ الْبَسَاسِيرِيِّ أَنْفَذَ السُّلْطَانُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْخَلِيفَةِ فِي دَارِهِ جَيْشًا عَلَيْهِمْ خُمَارَتِكِين الطُّغْرَائِيُّ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ نَحْوَ الْكُوفَةِ، فَأَضَافَ إِلَيْهِمْ سَرَايَا ابْنِ مَنِيعٍ الْخَفَاجِيِّ، وَكَانَ قَدْ قَالَ لِلسُّلْطَانِ: أَرْسِلْ مَعِي هَذِهِ الْعُدَّةَ حَتَّى أَمْضِيَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَأَمْنَعَ الْبَسَاسِيرِيَّ مِنَ الْإِصْعَادِ إِلَى الشَّامِ. وَسَارَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبِكْ فِي أَثَرِهِمْ، فَلَمْ يَشْعُرْ دُبَيْسُ بْنُ مَزْيَدٍ وَالْبَسَاسِيرِيُّ إِلَّا وَالسَّرِيَّةُ قَدْ وَصَلَتْ إِلَيْهِمْ ثَامِنَ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ طَرِيقِ الْكُوفَةِ، بَعْدَ أَنْ نَهَبُوهَا، وَأَخَذَ نُورُ الدَّوْلَةِ دُبَيْسٌ رَحْلَهُ جَمِيعَهُ، وَأَحْدَرَهُ إِلَى الْبِطِّيخَةِ، وَجَعَلَ أَصْحَابُ نُورِ الدَّوْلَةِ دُبَيْسٍ يَرْحَلُونَ بِأَهْلِيهِمْ فَيَمْنَعُهُمُ الْأَتْرَاكُ، فَتَقَدَّمَ نُورُ الدَّوْلَةِ لِيَرُدَّ الْعَرَبَ إِلَى الْقِتَالِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا فَمَضَى.
стр. 4685
وَوَقَفَ الْبَسَاسِيرِيُّ فِي جَمَاعَتِهِ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ الْجَيْشُ، فَأُسِرَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ وَرَّامَ، وَأُسِرَ مَنْصُورٌ وَبَدْرَانُ وَحَمَّادٌ، بَنُو نُورِ الدَّوْلَةِ دُبَيْسٌ، وَضُرِبَ فَرَسُ الْبَسَاسِيرِيِّ بِنَشَّابَةٍ، وَأَرَادَ قَطْعَ تَجْفَافِهِ لِتَسْهُلَ عَلَيْهِ النَّجَاةُ فَلَمْ يَنْقَطِعْ، وَسَقَطَ عَنِ الْفَرَسِ، وَوَقَعَ فِي وَجْهِهِ ضَرْبَةٌ وَدَلَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْجَرْحَى، فَأَخَذَهُ كُمُشْتَكِينُ دَوَاتِي عَمِيدِ الْمُلْكِ الْكُنْدُرِيُّ وَقَتَلَهُ، وَحَمَلَ رَأْسَهُ إِلَى السُّلْطَانِ وَدَخَلَ الْجُنْدُ فِي الظَّعْنِ، فَسَاقُوهُ جَمِيعَهُ وَأُخِذَتْ أَمْوَالُ أَهْلِ بَغْدَاذَ وَأَمْوَالُ الْبَسَاسِيرِيِّ مَعَ نِسَائِهِ وَأَوْلَادِهِ. وَهَلَكَ مِنَ النَّاسِ الْخَلْقُ الْعَظِيمُ، وَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِحَمْلِ رَأْسِ الْبَسَاسِيرِيِّ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، فَحُمِلَ إِلَيْهَا وَوَصَلَ مُنْتَصَفَ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَنُظِّفَ وَغُسِّلَ وَجُعِلَ عَلَى قَنَاةٍ وَطِيفَ بِهِ. وَصُلِبَ قُبَالَةَ بَابِ النَّوْبِيِّ.
وَكَانَ فِي أَسْرِ الْبَسَاسِيرِيِّ جَمَاعَةٌ مِنَ النِّسَاءِ الْمُتَعَلِّقَاتِ بِدَارِ الْخِلَافَةِ، فَأُخِذْنَ، وَأُكْرِمْنَ وَحُمِلْنَ إِلَى بَغْدَاذَ.
وَمَضَى نُورُ الدَّوْلَةِ دُبَيْسٌ إِلَى الْبَطِيحَةِ وَمَعَهُ زَعِيمُ الْمُلْكِ أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الرَّحِيمِ، وَكَانَ مِنْ حَقِّ هَذِهِ الْحَوَادِثِ الْمُتَأَخِّرَةِ أَنْ تُذْكَرَ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا هَاهُنَا لِأَنَّهَا كَالْحَادِثَةِ الْوَاحِدَةِ يَتْلُو بَعْضُهَا بَعْضًا.
وَكَانَ الْبَسَاسِيرِيُّ مَمْلُوكًا تُرْكِيًّا مِنْ مَمَالِيكَ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ تَقَلَّبَتْ بِهِ الْأُمُورُ حَتَّى بَلَغَ هَذَا الْمَقَامَ الْمَشْهُورَ، وَاسْمُهُ أَرْسَلَانُ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْحَارِثِ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى بَسَا مَدِينَةٌ بِفَارِسَ وَالْعَرَبُ تَجْعَلُ عِوَضَ الْبَاءِ فَاءً فَتَقُولُ فَسَا، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا فَسَاوِيٌّ، وَمِنْهَا أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ النَّحْوِيُّ، وَكَانَ سَيِّدُ هَذَا الْمَمْلُوكِ أَوَّلًا مِنْ بَسَا، فَقِيلَ لَهُ الْبَسَاسِيرِيُّ لِذَلِكَ، وَجَعَلَ الْعَرَبُ الْبَاءَ فَاءً فَقِيلَ فَسَاسِيرِيٌّ.
стр. 4686
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَقَرَّ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبِكْ حِمْلَانَ بْنَ وَهْسُوذَانَ بْنِ مُمْلَانَ عَلَى وِلَايَةِ أَبِيهِ بِأَذَرْبِيجَانَ.
وَفِيهَا مَاتَ شِهَابُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْفَوَارِسِ مَنْصُورُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَسَدِيُّ، صَاحِبُ الْجَزِيرَةِ (عِنْدَ خُوزِسْتَانَ) ، وَاجْتَمَعَتْ عَشِيرَتُهُ عَلَى وَلَدِهِ صَدَقَةَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ، آخَرُ مُلُوكِ بُنِيَ بُوَيْهِ بِقَلْعَةِ الرَّيِّ، وَكَانَ طُغْرُلْبِكْ سَجَنَهُ أَوَّلًا بِقَلْعَةِ السِّيرَوَانِ، ثُمَّ نَقَلَهُ إِلَى قَلْعَةِ الرَّيِّ فَتُوُفِّيَ بِهَا. وَفِيهَا عَصَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْجَبْرِ بِالْبَطَائِحِ، وَكَانَ مُتَقَدِّمَ بَعْضِ نَوَاحِيهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ طُغْرُلْبِكْ جَيْشًا مَعَ عَمِيدِ الْعِرَاقِ أَبِي النَّصْرِ، فَهَزَمَهُمْ أَبُو عَلِيٍّ.
وَفِيهَا يَوْمُ النَّوْرُوزِ أَرْسَلَ السُّلْطَانُ مَعَ وَزِيرِهِ عَمِيدِ الْمُلْكِ إِلَى الْخَلِيفَةِ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ سِوَى مَا أُضِيفَ إِلَيْهَا مِنَ الْأَعْلَاقِ النَّفِيسَةِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا، فِي صَفَرٍ، تُوُفِّيَ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ شَيْطَا الْقَارِيُّ، الشَّاهِدُ، وَكَانَتْ شَهَادَتُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
وَفِيهَا، فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبُ الطَّبَرِيُّ، الْفَقِيهُ
стр. 4687
الشَّافِعِيُّ، وَلَهُ مِائَةُ سَنَةٍ وَسَنَتَانِ وَكَانَ صَحِيحَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ، سَلِيمَ الْأَعْضَاءِ، يُنَاظِرُ وَيُفْتِي وَيَسْتَدْرِكُ عَلَى الْفُقَهَاءِ، وَحَضَرَ عَمِيدُ الْمُلْكِ جِنَازَتَهُ، (وَدُفِنَ عِنْدَ قَبْرِ أَحْمَدَ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ.
وَفِي سَلْخِهِ تُوُفِّيَ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْحُسَيْنِ) عَلِيُّ (بْنُ مُحَمَّدِ) بْنِ حَبِيبٍ الْمَاوَرْدِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ وَكَانَ إِمَامًا وَلَهُ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: الْحَاوِي وَغَيْرُهُ فِي عُلُومٍ كَثِيرَةٍ، وَكَانَ عُمْرُهُ سِتًّا وَثَمَانِينَ سَنَةً.
وَفِي آخِرِ هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّفَّا، الضَّرِيرُ الْفَرَضِيُّ، وَكَانَ إِمَامًا فِيهَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَفِيهَا، فِي شَوَّالٍ، كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ بِالْعِرَاقِ، وَالْمَوْصِلِ، وَوَصَلَتْ إِلَى هَمْدَانَ، وَلَبِثَتْ سَاعَةً، فَخَرَّبَتْ كَثِيرًا مِنَ الدُّورِ، وَهَلَكَ فِيهَا الْجَمُّ الْغَفِيرُ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيَاضٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي عَقِيلٍ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ الْكَثِيرَ مِنَ الْحَدِيثِ وَرَوَاهُ.
وَتُوُفِّيَ أَيْضًا الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ هِنْدِيٍّ قَاضِي حِمْصَ، وَكَانَ وَافِرَ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ.
стр. 4688
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .]
٤٥١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ذِكْرُ وَفَاةِ فَرَّخَ زَادَ صَاحِبِ غَزْنَةَ وَمُلْكِ أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ، تُوُفِّيَ الْمَلِكُ فَرَّخَ زَادَ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، صَاحِبُ غَزْنَةَ، وَكَانَ قَدْ ثَارَ بِهِ مَمَالِيكُهُ سَنَةَ خَمْسِينَ وَاتَّفَقُوا عَلَى قَتْلِهِ، فَقَصَدُوهُ وَهُوَ فِي الْحَمَّامِ، وَكَانَ مَعَهُ سَيْفٌ، فَأَخَذَهُ وَقَاتَلَهُمْ وَمَنَعَهُمْ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى أَدْرَكَهُ أَصْحَابُهُ وَخَلَّصُوهُ، وَقَتَلُوا أُولَئِكَ الْغِلْمَانَ.
وَصَارَ بَعْدَ أَنْ نَجَا مِنْ هَذِهِ الْحَادِثَةِ يُكْثِرُ ذِكْرَ الْمَوْتِ وَيَحْتَقِرُ الدُّنْيَا وَيَزْدَرِيهَا، وَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ، فَأَصَابَهُ قُولَنْجٌ فَمَاتَ مِنْهُ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودٍ، فَأَحْسَنَ السِّيرَةَ، فَاسْتَعَدَّ لِجِهَادِ الْهِنْدِ، فَفَتَحَ حُصُونًا امْتَنَعَتْ عَلَى أَبِيهِ وَجَدِّهِ، وَكَانَ يَصُومُ رَجَبًا وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ.
ذِكْرُ الصُّلْحِ بَيْنَ الْمَلِكِ إِبْرَاهِيمَ وَجُغْرِي بِكْ دَاوُدَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَقَرَّ الصُّلْحُ بَيْنَ الْمَلِكِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ وَبَيْنَ دَاوُدَ بْنِ مِيكَائِيلَ بْنِ سَلْجُوقَ، صَاحِبِ خُرَاسَانَ، عَلَى أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى مَا بِيَدِهِ، وَيَتْرُكَ مُنَازَعَةَ الْآخَرِ فِي مُلْكِهِ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْعُقَلَاءَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ نَظَرُوا فَرَأَوْا أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَلِكَيْنِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ مَا بِيَدِ الْآخَرِ، وَلَيْسَ يَحْصُلُ غَيْرُ إِنْفَاقِ الْأَمْوَالِ وَإِتْعَابِ الْعَسَاكِرِ،
стр. 4689
وَنَهْبِ الْبِلَادِ، وَقَتْلِ النُّفُوسِ، فَسَعَوْا فِي الصُّلْحِ، فَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ وَالْيَمِينُ، وَكُتِبَتِ النُّسَخُ بِذَلِكَ، فَاسْتَبْشَرَ النَّاسُ وَسَرَّهُمْ لِمَا أَشْرَفُوا عَلَيْهِ مِنَ الْعَافِيَةِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ دَاوُدَ وَمُلْكِ ابْنِهِ أَلْب أَرْسَلَانَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَجَبٍ، تُوُفِّيَ جُغْرِي بِكْ دَاوُدُ بْنُ مِيكَائِيلَ بْنِ سَلْجُوقَ،
أَخُو السُّلْطَانِ طُغْرُلْبِكْ، وَقِيلَ كَانَ مَوْتُهُ فِي صَفَرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَعُمْرُهُ نَحْوَ سَبْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ صَاحِبَ خُرَاسَانَ، وَهُوَ مُقَابِلُ آلِ سُبُكْتِكِينَ وَمُقَاتِلُهُمْ وَمَانِعُهُمْ عَنْ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ مَلَكَ بَعْدَهُ خُرَاسَانَ ابْنُهُ السُّلْطَانُ أَلْب أَرْسَلَانَ (وَخَلَفَ دَاوُدُ عِدَّةَ أَوْلَادٍ ذُكُورٍ مِنْهُمْ: السُّلْطَانُ أَلْبُ أَرَسْلَانَ) وَيَاقُوتِيٌّ وَسُلَيْمَانُ، وَقَارُوتُ بِكْ، فَتَزَوَّجَ أُمَّ سُلَيْمَانَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبِكْ، بَعْدَ أَخِيهِ دَاوُدَ وَوَصَّى لَهُ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا نَذْكُرُهُ.
وَكَانَ خَيِّرًا، عَادِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، مُعْتَرِفًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، شَاكِرًا عَلَيْهَا، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ طُغْرُلْبِكْ مَعَ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَاضِي سَرَخْسَ يَقُولُ لَهُ: بَلَغَنِي إِخْرَابُكَ الْبِلَادَ الَّتِي فَتَحْتَهَا وَمَلَكْتَهَا، وَجَلَا أَهْلِهَا عَنْهَا وَهَذَا مَا لَا خَفَاءَ بِهِ مُخَالَفَةُ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ مَا فِيهِ مِنْ سُوءِ السُّمْعَةِ وَإِيحَاشِ الرَّعِيَّةِ.
وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّنَا لَقِينَا أَعْدَاءَنَا وَنَحْنُ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَهُمْ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ فَغَلَبْنَاهُمْ، وَكُنَّا فِي ثَلَاثِمِائَةٍ، وَهُمْ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، فَغَلَبْنَاهُمْ، وَكُنَّا فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَهُمْ فِي ثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَدَفَعْنَاهُمْ، وَقَاتَلْنَا بِالْأَمْسِ شَاهَ مُلْكٍ، وَهُوَ فِي أَعْدَادٍ كَثِيرَةٍ مُتَوَافِرَةٍ، فَقَهَرْنَاهُ، وَأَخَذْنَا مَمْلَكَتَهُ بِخُوَارِزْمَ، وَهَرَبَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا إِلَى خَمْسِمِائَةِ فَرْسَخٍ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَظَفِرْنَا بِهِ وَأَسَرْنَاهُ وَقَتَلْنَاهُ، وَاسْتَوْلَيْنَا عَلَى مَمَالِكِ خُرَاسَانَ وَطَبَرِسْتَانَ
стр. 4690
وَسِجِسْتَانَ، وَصِرْنَا مُلُوكًا مَتْبُوعِينَ، بَعْدَ أَنْ كُنَّا أَصَاغِرَ تَابِعِينَ، وَمَا تَقْتَضِي نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْنَا أَنْ نُقَابِلَهَا هَذِهِ الْمُقَابَلَةَ.
فَقَالَ طُغْرُلْبِكْ: قُلْ لَهُ فِي الْجَوَابِ: يَا أَخِي أَنْتِ مَلَكْتَ خُرَاسَانَ وَهِيَ بِلَادٌ عَامِرَةٌ، فَخَرَّبْتَهَا، وَوَجَبَ عَلَيْكَ مَعَ اسْتِقْرَارِ قَدَمِكَ عِمَارَتُهَا، وَأَنَا وَرَدْتُ بِلَادًا خَرَّبَهَا مَنْ تَقَدَّمَنِي، وَاجْتَاحَهَا مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَمَا أَتَمَكَّنُ مِنْ عِمَارَتِهَا وَالْأَعْدَاءُ مُحِيطَةٌ بِهَا، وَالضَّرُورَةُ تَقُودُ إِلَى طَرْقِهَا بِالْعَسَاكِرِ، وَلَا يُمْكِنُ دَفْعُ مَضَرَّتِهَا عَنْهَا.
وَلَهُ مَنَاقِبُ كَثِيرَةٌ تَرَكْنَاهَا خَوْفَ التَّطْوِيلِ.
ذِكْرُ حَرِيقِ بَغْدَاذَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ احْتَرَقَتْ بَغْدَاذُ: الْكَرْخُ وَغَيْرُهُ، وَبَيْنَ السُّورَيْنِ، وَاحْتَرَقَتْ فِيهِ خِزَانَةُ الْكُتُبِ الَّتِي وَقَفَهَا أَرْدَشِيرُ الْوَزِيرُ وَنُهِبَتْ بَعْضُ كُتُبِهَا، وَجَاءَ عَمِيدُ الْمُلْكِ الْكُنْدُرِيُّ، فَاخْتَارَ مِنَ الْكُتُبِ خَيْرَهَا، وَكَانَ بِهَا عَشَرَةُ آلَافِ مُجَلَّدٍ وَأَرْبَعُمِائَةِ مُجَلَّدٍ مِنْ أَصْنَافِ الْعُلُومِ مِنْهَا: مِائَةُ مُصْحَفٍ بِخُطُوطِ بَنِي مُقْلَةَ، وَكَانَ الْعَامَّةُ قَدْ نَهَبُوا بَعْضَهَا لَمَّا وَقَعَ الْحَرِيقُ، فَأَزَالَهُمْ عَمِيدُ الْمُلْكِ، وَقَعَدَ يَخْتَارُهَا، فَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَى سُوءِ سِيرَتِهِ، وَفَسَادِ اخْتِيَارِهِ، وَشَتَّانَ بَيْنِ فِعْلِهِ وَفِعْلِ نِظَامِ الْمُلْكِ الَّذِي عَمَّرَ الْمَدَارِسَ، وَدَوَّنَ الْعِلْمَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ جَمِيعِهَا، وَوَقَفَ الْكُتُبَ وَغَيْرَهَا.
ذِكْرُ انْحِدَارِ السُّلْطَانِ إِلَى وَاسِطَ وَمَا فَعَلَ الْعَسْكَرُ وَإِصْلَاحُ دُبَيْسٍ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْحَدَرَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبِكْ إِلَى وَاسِطَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ أَمْرِ بَغْدَاذَ فَرَآهَا قَدْ نُهِبَتْ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ هَزَارَسِبُ بْنُ بِنْكِيرَ، وَأَصْلَحَ مَعَهُ حَالَ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ، وَأَحْضَرَهُ مَعَهُ إِلَى خِدْمَةِ السُّلْطَانِ، وَأَصْعَدَ فِي صُحْبَتِهِ إِلَى بَغْدَاذَ، وَكَذَلِكَ صَدَقَةُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَضَمِنَ وَاسِطًا أَبُو عَلِيِّ بْنُ فَضْلَانَ بِمِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ وَضَمِنَ الْبَصْرَةَ الْأَغَرُّ أَبُو سَعْدٍ سَابُورُ بْنُ الْمُظَفَّرِ، وَعَبَرَ السُّلْطَانُ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ دِجْلَةَ، وَسَارَ إِلَى
стр. 4691
قُرْبِ الْبَطَائِحِ، فَنَهَبَ الْعَسْكَرُ مَا بَيْنَ وَاسِطَ وَالْبَصْرَةِ وَالْأَهْوَازِ.
وَأَصْعَدَ السُّلْطَانُ إِلَى بَغْدَاذَ فِي صَفَرٍ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] وَمَعَهُ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ وَرَّامٍ، وَهَزَارُسِبْ بْنُ بِنْكِيرَ بْنِ عِيَاضٍ، وَدُبَيْسُ بْنُ مَزْيَدٍ، وَأَبُو عَلِيِّ ابْنُ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، وَصَدَقَةُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُمْ، وَاجْتَمَعَ السُّلْطَانُ بِالْخَلِيفَةِ، وَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِعَمَلِ طَعَامٍ كَثِيرٍ حَضَرَهُ السُّلْطَانُ وَالْأُمَرَاءُ وَأَصْحَابُهُمْ، وَعَمِلَ السُّلْطَانُ أَيْضًا سِمَاطًا أَحْضَرَ فِي الْجَمَاعَةِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ وَسَارَ إِلَى بِلَادِ الْجَبَلِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَجَعَلَ بِبَغْدَاذَ شِحْنَةَ الْأَمِيرِ بُرْسُقَ، وَضَمِنَهَا أَبُو الْفَتْحِ الْمُظَفَّرُ بْنُ الْحُسَيْنِ ثَلَاثَ سِنِينَ بِأَرْبَعِ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُهْتَدِي مِنَ الْخَطَابَةِ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ لِأَنَّهُ خَطَبَ لِلْعَلَوِيِّ بِبَغْدَاذَ فِي الْفِتْنَةِ، وَأُقِيمُ مَقَامَهُ بِهَاءُ الشَّرَفِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْوَدُودِ بْنِ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ مَحْمُودِ (بْنِ إِبْرَاهِيمَ) الزَّوْزَنِيُّ أَبُو الْحَسَنِ صَحِبَ أَبَا الْحَسَنِ الْحُصَرِيَّ، وَرَوَى عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَهُوَ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ رِبَاطُ الزَّوْزَنِيِّ الْمُقَابِلُ لِجَامِعِ الْمَنْصُورِ.
وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْأُولَى، تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو طَالِبٍ الْعُشَارِيُّ، وَمَوْلِدُهُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَسَمِعَ الدَّارَقُطْنِيَّ وَغَيْرَهُ.
стр. 4692
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .]
٤٥٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ذِكْرُ عَوْدِ وَلِيِّ الْعَهْدِ إِلَى بَغْدَاذَ مَعَ أَبِي الْغَنَائِمِ بْنِ الْمَحْلَبَانِ.
فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ وَرَدَ عُدَّةُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، وَلِيُّ الْعَهْدِ، وَمَعَهُ جَدَّتُهُ أُمُّ الْخَلِيفَةِ، وَخَرَجَ النَّاسُ لِاسْتِقْبَالِهِ، وَجَلَسَ فِي الزَّبْزَبِ عَلَى رَأْسِهِ أَبُو الْغَنَائِمِ بْنُ الْمَحْلَبَانِ، وَقُدِّمَ لَهُ بِبَابِ الْغُرْبَةِ فَرَسٌ، فَحَمَلَهُ ابْنُ الْمَحْلَبَانِ عَلَى كَتِفِهِ وَأَرْكَبَهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى مَجْلِسِ الْخَلِيفَةِ، فَشَكَرَهُ، وَخَرَجَ ابْنُ الْمَحْلَبَانِ فَرَكِبَ فِي الزَّبْزَبِ، وَانْحَدَرَ إِلَى دَارٍ أُفْرِدَتْ لَهُ بِبَابِ الْمَرَاتِبِ، وَدَخَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ وَاجْتَمَعَ بِهِ.
وَكَانَ سَبَبُ مَصِيرِ وَلِيِّ الْعَهْدِ مَعَ ابْنِ الْمَحْلَبَانِ أَنَّهُ دَخَلَ دَارَهُ، فَوَجَدَ زَوْجَةَ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ وَأَوْلَادَهُ بِهَا، وَهُمْ مُطْلُوبُونَ مِنَ الْبَسَاسِيرِيِّ، فَعَرَّفُوهُ أَنَّ رَئِيسَ الرُّؤَسَاءِ أَمَرَهُمْ بِقَصْدِهِ، فَأَدْخَلَهُمْ إِلَى أَهْلِهِ، وَأَقَامَ لَهُمْ مَنْ حَمَلَهُمْ إِلَى مَيَافَارِقِينَ، فَسَارُوا مَعَ قِرْوَاشَ لَمَّا أَصْعَدَ مِنْ بَغْدَاذَ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ.
ثُمَّ لَقِيَهُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ الْوَكِيلُ، وَعَرَّفَهُ مَا عَلَيْهِ وَلِيُّ الْعَهْدِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ إِيثَارِ الْخُرُوجِ مِنْ بَغْدَاذَ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ تَنَاقُصِ الْحَالِ، فَبَعَثَ ابْنُ الْمَحْلَبَانِ زَوْجَتَهُ، فَأَتَتْهُ بِهِمْ سِرًّا، فَتَرَكَهُمْ عِنْدَهُ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ يَحْضُرُ ابْنَ الْبَسَاسِيرِيِّ وَأَصْحَابَهُ، وَيَعْمَلُ لَهُمُ الدَّعَوَاتِ، وَوَلِيُّ الْعَهْدِ وَمَنْ مَعَهُ مُسْتَتِرُونَ عِنْدَهُ يَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ أُولَئِكَ فِيهِمْ.
ثُمَّ اكْتَرَى لَهُمْ، وَسَارَ هُوَ فِي صُحْبَتِهِمْ إِلَى قَرِيبِ سِنْجَارَ، ثُمَّ حَمَلُوا إِلَى حَرَّانَ،
стр. 4693
وَسَارَ مَعَ صَاحِبِهَا أَبِي الزِّمَامِ مَنِيعِ بْنِ وَثَّابٍ النُّمَيْرِيِّ، حِينَ قَصَدَ الرَّحْبَةَ، وَفَتَحَ قِرْقِيسِيَا، وَعَقَدَ لِعُدَّةِ الدِّينِ عَلَى بِنْتِ مَنِيعٍ، وَانْحَدَرُوا إِلَى بَغْدَاذَ.
ذِكْرُ مُلْكِ مَحْمُودِ بْنِ شِبْلِ الدَّوْلَةِ حَلَبَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، (فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ) ، حَصَرَ مَحْمُودُ بْنُ شِبْلِ الدَّوْلَةِ بْنِ صَالِحِ بْنِ مِرْدَاسٍ الْكِلَابِيُّ مَدِينَةَ حَلَبَ، وَضَيَّقَ عَلَيْهَا، وَاجْتَمَعَ مَعَ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَقَامَ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَتَسَهَّلْ لَهُ فَتْحُهَا، فَرَحَلَ عَنْهَا، ثُمَّ عَاوَدَهَا فَحَصَرَهَا، فَمَلَكَ الْمَدِينَةَ عَنْوَةً فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، بَعْدَ أَنْ حَصَرَهَا، وَامْتَنَعَتِ الْقَلْعَةُ عَلَيْهِ.
وَأَرْسَلَ مَنْ بِهَا إِلَى الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ صَاحِبِ مِصْرَ وَدِمَشْقَ، يَسْتَنْجِدُونَهُ، فَأَمَرَ نَاصِرَ الدَّوْلَةِ أَبَا مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ حَمْدَانَ، الْأَمِيرَ بِدِمَشْقَ، أَنْ يَسِيرَ بِمَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ إِلَى حَلَبَ يَمْنَعُهَا مِنْ مَحْمُودٍ، فَسَارَ إِلَى حَلَبَ فَلَمَّا سَمِعَ مَحْمُودٌ بِقُرْبِهِ مِنْهُ خَرَجَ مِنْ حَلَبَ، وَدَخَلَهَا عَسْكَرُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ فَنَهَبُوهَا.
ثُمَّ إِنَّ الْحَرْبَ وَقَعَتْ بَيْنَ مَحْمُودٍ وَنَاصِرِ الدَّوْلَةِ بِظَاهِرِ حَلَبَ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، فَانْهَزَمَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ وَعَادَ مَقْهُورًا إِلَى مِصْرَ، وَمَلَكَ مَحْمُودٌ حَلَبَ، وَقَتَلَ عَمَّهُ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ، وَاسْتَقَامَ أَمْرُهُ بِهَا، وَهَذِهِ الْوَقْعَةُ تُعْرَفُ بِوَقْعَةِ الْفُنَيْدِقِ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَلَعَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبِكْ عَلَى مَحْمُودِ بْنِ الْأَخْرَمِ الْخَفَاجِيِّ، وَرُدَّتْ
стр. 4694
إِلَيْهِ إِمَارَةُ بَنِي خَفَاجَةَ، وَوِلَايَةُ الْكُوفَةِ، وَسُقْيَ الْفُرَاتِ، وَضَمِنَ خَوَاصَّ السُّلْطَانِ هُنَاكَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِينَارٍ كُلَّ سَنَةٍ، وَصَرَفَ عَنْهَا رَجَبَ بْنَ مَنِيعٍ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو مُحَمَّدٍ النَّسَوِيُّ، صَاحِبُ الشُّرْطَةِ بِبَغْدَاذَ، وَقَدْ جَاوَزَ ثَمَانِينَ سَنَةً.
وَفِيهَا سَدَّ بَنُو وَرَّامٍ بَثْقَ النَّهْرَوَانَاتِ، وَشَرَعَ الْعَمِيدُ أَبُو الْفَتْحِ فِي عِمَارَةِ بُثُوقِ الْكَرْخِ.
وَفِيهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ، تُوُفِّيَتْ خَاتُونَ زَوْجَةُ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبِكْ بِزَنْجَانَ، فَوَجَدَ فِيهَا وَجْدًا شَدِيدًا، وَحَمَلَ تَابُوتَهَا إِلَى الرَّيِّ فَدُفِنَتْ بِهَا.
وَفِيهَا، ثَالِثُ جُمَادَى الْآخِرَةِ، انْقَضَّ كَوْكَبٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ إِلَى نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ، فَطَالَ لَبْثُهُ.
وَفِيهَا جَمَعَ عَطِيَّةُ بْنُ صَالِحِ بْنِ مِرْدَاسٍ جَمْعًا وَحَصَرَ الرَّحْبَةَ، وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا، فَمَلَكَهَا فِي صَفْرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ وَالِدَةُ الْخَلِيفَةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَاسْمُهَا قَطْرُ النَّدَى، وَقِيلَ بَدْرُ الدُّجَى، وَقِيلَ عَلَمٌ، وَهِيَ جَارِيَةٌ أَرْمِينِيَّةٌ.
стр. 4695
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَبُو عَلِيٍّ الْمَعْرُوفُ بِالْجَازِرِيِّ النَّهْرَوَانِيِّ، وَكَانَ مُكْثِرًا مِنَ الرِّوَايَةِ، الْجَازِرِيُّ بِالْجِيمِ وَبَعْدَ الْأَلْفِ زَايٌ ثُمَّ رَاءٌ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ بَايُ أَبُو مَنْصُورٍ الْفَقِيهُ الْجِيلِيُّ، بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَ الْأَلْفِ يَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي الْفَضْلِ، الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ.
следующие страницы →