Полный текст (6 163 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.
стр. 4621
الْحَنَفِيَّةِ أَبَا سَعْدٍ السَرَخْسَيَّ، وَأَحْرَقُوا الْخَانَ وَدُورَ الْفُقَهَاءِ) ، وَتَعَدَّتِ الْفِتْنَةُ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَاقْتَتَلَ أَهْلُ بَابِ الطَّاقِ وَسُوقِ بَجٍّ وَالْأَسَاكِفَةُ وَغَيْرُهُم ْ.
وَلَمَّا انْتَهَى خَبَرُ إِحْرَاقِ الْمَشْهَدِ إِلَى نُورِ الدَّوْلَةِ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ عَظُمَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ وَبَلَغَ مِنْهُ كُلَّ مَبْلَغٍ، لِأَنَّهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَسَائِرَ أَعْمَالِهِ مِنَ النِّيلِ وَتِلْكَ الْوِلَايَةَ كُلُّهُمْ شِيعَةٌ، فَقُطِعَتْ فِي أَعْمَالِهِ خُطْبَةُ الْإِمَامِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ، فَرُوسِلَ فِي ذَلِكَ وَعُوتِبَ، فَاعْتَذَرَ بِأَنَّ أَهْلَ وِلَايَتِهِ شِيعَةٌ، وَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِمْ، كَمَا أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَمْ يُمْكِنْهُ كَفُّ السُّفَهَاءِ الَّذِينَ فَعَلُوا بِالْمَشْهَدِ مَا فَعَلُوا، وَأَعَادَ الْخُطْبَةَ إِلَى حَالِهَا.
ذِكْرُ عِصْيَانِ بَنِي قُرَّةَ عَلَى الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ بِمِصْرَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ عَصَى بَنُو قُرَّةَ بِمِصْرَ عَلَى الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ الْخَلِيفَةِ الْعَلَوِي ِّ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ الْمُقَرَّبُ، وَقَدَّمَهُ، فَنَفَرُوا مِنْ ذَلِكَ وَكَرِهُوهُ وَاسْتَعْفَوْا مِنْهُ، فَلَمْ يَعْزِلْهُ عَنْهُمْ، فَكَاشَفُوا بِالْخِلَافِ وَالْعِصْيَانِ، وَأَقَامُوا بِالْبُحَيْرَةِ مُقَابِلَ مِصْرَ، وَتَظَاهَرُوا بِالْفَسَادِ، فَعَبَّرَ إِلَيْهِمُ الْمُسْتَنْصِرُ بِاللَّهِ جَيْشًا يُقَاتِلُهُمْ وَيَكُفُّهُمْ، فَقَاتَلَهُمْ بَنُو قُرَّةَ فَانْهَزَمَ الْجَيْشُ وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، فَانْتَقَلَ بَنُو قُرَّةَ إِلَى طَرَفِ الْبَرِّ، فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ، وَجَمَعَ الْعَرَبَ مِنْ طَيِّئٍ وَكَلْبٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَسَيَّرَهُمْ فِي أَثَرِ بَنِي قُرَّةَ، فَأَدْرَكُوهُمْ بِالْبُحَيْرَةِ، فَوَاقَعُوهُمْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي بَنِي قُرَّةَ، وَانْهَزَمُوا، وَعَادَ الْعَسْكَرُ إِلَى مِصْرَ،
стр. 4622
وَتَرَكُوا فِي مُقَابِلِ بَنِي قُرَّةَ طَائِفَةً مِنْهُمْ لِتَرُدَّ بَنِي قُرَّةَ إِنْ أَرَادُوا التَّعَرُّضَ إِلَى الْبِلَادِ، وَكَفَى اللَّهُ شَرَّهُم ْ.
ذِكْرُ وَفَاةِ زَعِيمِ الدَّوْلَةِ وَإِمَارَةِ قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ تُوُفِّيَ زَعِيمُ الدَّوْلَةِ أَبُو كَامِلٍ بَرَكَةُ بْنُ الْمُقَلِّدِ بِتَكْرِيتَ، وَكَانَ انْحَدَرَ إِلَيْهَا فِي حُلَلِهِ قَاصِدًا نَحْوَ الْعِرَاقِ لِيُنَازِعَ النُّوَّابَ بِهِ عَنِ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ، وَيَنْهَبَ الْبِلَادَ، فَلَمَّا بَلَغَهَا انْتَقَضَ عَلَيْهِ جُرْحٌ كَانَ أَصَابَهُ مِنَ الْغُزِّ لَمَّا مَلَكُوا الْمَوْصِلَ، فَتُوُفِّيَ، وَدُفِنَ بِمَشْهَدِ الْخَضِرِ بِتَكْرِيتَ.
وَاجْتَمَعَتِ (الْعَرَبُ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى تَأْمِيرِ عَلَمِ الدِّينِ أَبِي الْمَعَالِي قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ بْنِ الْمُقَلِّدِ، فَعَادَ بِالْحُلَلِ) وَالْعَرَبِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَأَرْسَلَ إِلَى عَمِّهِ قِرْوَاشٍ وَهُوَ تَحْتَ الِاعْتِقَالِ، يُعْلِمُهُ بِوَفَاةِ زَعِيمِ الدَّوْلَةِ، وَقِيَامِهِ (بِالْإِمَارَةِ، وَأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ عَلَى اخْتِيَارِهِ، وَيَقُومُ) بِالْأَمْرِ نِيَابَةً عَنْه ُ.
فَلَمَّا وَصَلَ قُرَيْشٌ إِلَى الْمَوْصِلِ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمِّهِ قِرْوَاشٍ مُنَازَعَةٌ ضَعُفَ فِيهَا قِرْوَاشٌ وَقَوِيَ ابْنُ أَخِيهِ، وَمَالَتِ الْعَرَبُ إِلَيْهِ وَاسْتَقَرَّتِ الْإِمَارَةُ لَهُ، وَعَادَ عَمُّهُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الِاعْتِقَالِ الْجَمِيلِ، وَالِاقْتِصَارِ بِهِ عَلَى قَلِيلٍ مِنَ الْحَاشِيَةِ وَالنِّسَاءِ وَالنَّفَقَةِ، ثُمَّ نَقَلَهُ إِلَى قَلْعَةِ الْجَرَّاحِيَّةِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ فَاعْتُقِلَ بِهَا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
ظَهَرَ بِبَغْدَاذَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ سَابِعَ صَفَرٍ وَقْتِ الْعَصْرِ - كَوْكَبٌ غَلَبَ نُورُهُ عَلَى نُورِ الشَّمْسِ، لَهُ ذُؤَابَةٌ نَحْوُ ذِرَاعَيْنِ، وَسَارَ سَيْرًا بَطِيئًا ثُمَّ انْقَضَّ، وَالنَّاسُ يُشَاهِدُونَه ُ.
стр. 4623
وَفِيهَا فِي رَمَضَانَ وَرَدَ رُسُلُ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك إِلَى الْخَلِيفَةِ جَوَابًا عَنْ رِسَالَةِ الْخَلِيفَةِ إِلَيْهِ، وَشُكْرًا لِإِنْعَامِ الْخَلِيفَةِ عَلَيْهِ بِالْخِلَعِ وَالْأَلْقَابِ، وَأَرْسَلَ مَعَهُ طُغْرُلْبَك إِلَى الْخَلِيفَةِ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ عَيْنًا، وَأَعْلَاقًا نَفِيسَةً مِنَ الْجَوَاهِرِ وَالثِّيَابِ وَالطِّيبِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ خَمْسَةَ آلَافِ دِينَارٍ لِلْحَاشِيَةِ، وَأَلْفَيْ دِينَارٍ لِرَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ، وَأَنْزَلَ الْخَلِيفَةُ الرُّسُلَ بِبَابِ الْمَرَاتِبِ، وَأَمَرَ بِإِكْرَامِهِمْ، وَلَمَّا جَاءَ الْعِيدُ أَظْهَرَ أَجْنَادُ بَغْدَاذَ الزِّينَةَ الرَّائِقَةَ، وَالْخُيُولَ النَّفِيسَةَ، (وَالتَّجَافِيفَ الْحَسَنَةَ) ، وَأَرَادُوا إِظْهَارَ قُوَّتِهِمْ عِنْدَ الرُّسُل ِ.
وَفِيهَا عَادَ الْغُزُّ أَصْحَابُ الْمَلِكِ دَاوُدَ أَخِي طُغْرُلْبَك عَنْ كِرْمَانَ، وَسَبَبُ عَوْدِهِمْ أَنَّ عَبْدَ الرَّشِيدِ بْنَ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ صَاحِبَ غَزْنَةَ - سَارَ عَنْهَا إِلَى خُرَاسَانَ، فَالْتَقَى هُوَ وَالْمَلِكُ دَاوُدُ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ دَاوُدُ، فَاقْتَضَى الْحَالُ عَوْدَ أَصْحَابِهِ عَنْ كِرْمَانَ.
وَفِيهَا أَيْضًا عَادَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَك عَنْ أَصْبَهَانَ إِلَى الرَّيِّ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو كَالِيجَارَ كُرْشَاسُفُ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ كَاكَوَيْهِ بِالْأَهْوَازِ، وَكَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَهُ بِهَا الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورٍ عِنْدَ عَوْدِهِ عَنْهَا إِلَى شِيرَازَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ خُطِبَ لِلْمَلِكِ الرَّحِيمِ بِالْأَهْوَاز ِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْمُرْتَضَى الْمُوسَوِي ُّ.
وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْبُصْرَوِيُّ (الشَّاعِرُ، وَهُوَ) مَنْسُوبٌ إِلَى قَرْيَةٍ تُسَمَّى بُصْرَى قُرَيْبَ عُكْبَرَا، وَكَانَ صَاحِبَ نَادِرَةٍ، قَالَ لَهُ رَجُل ٌ: شَرِبْتُ الْبَارِحَ مَاءً كَثِيرًا، فَاحْتَجْتُ إِلَى الْقِيَامِ كُلَّ سَاعَةٍ كَأَنِّي جَدْيٌ. فَقَالَ لَه ُ: لِمَ تُصَغِّرْ نَفْسَكَ؟
وَمِنْ شِعْرِه ِ:
стр. 4624
تَرَى الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَصْبُو ... وَمَا يَخْلُو مِنَ الشَّهَوَاتِ قَلْبُ
فُضُولُ الْعَيْشِ أَكْثَرُهَا هُمُومٌ ... وَأَكْثَرُ مَا يَضُرُّكَ مَا تُحِبُّ
فَلَا يَغْرُرْكَ زُخْرُفُ مَا تَرَاهُ ... وَعَيْشٌ لَيِّنُ الْأَعْطَافِ رَطْبُ
إِذَا مَا بُلْغَةٌ جَاءَتْكَ عَفْوًا ... فَخُذْهَا، فَالْغِنَى مَرْعَى وَشُرْبُ
إِذَا اتَّفَقَ الْقَلِيلُ وَفِيهِ سِلْمٌ ... فَلَا تَرِدِ الْكَثِيرَ وَفِيهِ حَرْبُ
стр. 4625
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]
٤٤٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ قَتْلِ عَبْدِ الرَّشِيدِ صَاحِبِ غَزْنَةَ وَمُلْكِ فَرَّخْ زَادَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ عَبْدُ الرَّشِيدِ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ صَاحِبُ غَزْنَةَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ حَاجِبًا لَمَوْدُودٍ ابْنِ أَخِيهِ مَسْعُودٍ، اسْمُهُ طُغْرُلُ، وَكَانَ مَوْدُودٌ قَدْ قَدَّمَهُ وَنَوَّهَ بِاسْمِهِ، وَزَوَّجَهُ أُخْتَهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ مَوْدُودٌ وَمَلَكَ عَبْدُ الرَّشِيدِ أَجْرَى طُغْرُلَ عَلَى عَادَتِهِ فِي تَقَدُّمِهِ، وَجَعَلَهُ حَاجِبَ حُجَّابِهِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ طُغْرُلُ بِقَصْدِ الْغُزِّ وَإِجْلَائِهِمْ مِنْ خُرَاسَانَ، فَتَوَقَّفَ اسْتِبْعَادًا لِذَلِكَ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ طُغْرُلُ، فَسَيَّرَهُ فِي أَلْفِ فَارِسٍ، فَسَارَ نَحْوَ سِجِسْتَانَ وَبِهَا أَبُو الْفَضْلِ نَائِبًا عَنْ بَيْغُو، فَأَقَامَ طُغْرُلُ عَلَى حِصَارِ قَلْعَةِ طَاقَ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي الْفَضْلِ يَدْعُوهُ إِلَى طَاعَةِ عَبْدِ الرَّشِيدِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّنِي نَائِبٌ عَنْ بَيْغُو، وَلَيْسَ مِنَ الدِّينِ وَلْمُرُوءَةِ خِيَانَتُهُ، فَاقْصُدْهُ، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْهُ سَلَّمْتُ إِلَيْك َ. فَقَامَ عَلَى حِصَارِ طَاقَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ فَتْحُهَا، وَكَتَبَ أَبُو الْفَضْلِ إِلَى بَيْغُو يُعَرِّفُهُ حَالَ طُغْرُلَ، فَسَارَ إِلَسِجِسْتَانَ لِيَمْنَعَ عَنْهَا طُغْرُلَ.
ثُمَّ إِنَّ طُغْرُلَ ضَجِرَ مِنْ مُقَامِهِ عَلَى حِصَارِ طَاقَ، فَسَارَ نَحْوَ مَدِينَةِ سِجِسْتَانَ، فَلَمَّا كَانَ عَلَى نَحْوِ فَرْسَخٍ مِنْهَا كَمَنَ بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ، (لِعِلَّةٍ يَجِدُهَا، وَفُرْصَةٍ يَنْتَهِزُهَا) فَسَمِعَ أَصْوَاتَ دَبَادِبَ وَبُوقَاتٍ، فَخَرَجَ وَسَأَلَ بَعْضَ مَنْ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ بَيْغُو قَدْ وَصَلَ، فَعَادَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَأَخْبَرَهُمْ، وَقَالَ لَهُم ْ: لَيْسَ لَنَا إِلَّا أَنْ نَلْتَقِيَ الْقَوْمَ، وَنَمُوتَ
стр. 4626
تَحْتَ السُّيُوفِ أَعِزَّةً، فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَنَا إِلَى الْهَرَبِ، لِكَثْرَتِهِمْ وَقِلَّتِنَا.
فَخَرَجُوا مِنْ مَكْمَنِهِمْ فَلَمَّا رَآهُمْ بَيْغُو سَأَلَ أَبَا الْفَضْلِ عَنْهُمْ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ طُغْرُلُ، فَاسْتَقَلَّ مَنْ مَعَهُ وَسَيَّرَ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ لِقِتَالِهِمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ طُغْرُلُ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِمْ، بَلْ أَقْحَمَ فَرَسَهُ نَهْرًا هُنَاكَ فَعَبَرَهُ، وَقَصَدَ بَيْغُو وَمَنْ مَعَهُ فَقَاتَلَهُمْ، وَهَزَمَهُمْ طُغْرُلُ وَغَنِمَ مَا مَعَهُمْ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَى الْفَرِيقِ الْآخَرِ، فَصَنَعَ بِهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأُمُّ بَيْغُو وَأَبُو الْفَضْلُ نَحْوَ هَرَاةَ، وَتَبِعَهُمْ طُغْرُلُ نَحْوَ فَرْسَخَيْنِ، وَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَمَلَكَهَا، وَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الرَّشِيدِ بِمَا كَانَ مِنْهُ، وَيَطْلُبُ الْإِمْدَادَ لِيَسِيرَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَأَمَدَّهُ بِعُدَّةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْفُرْسَانِ، فَوَصَلُوا إِلَيْهِ، فَاشْتَدَّ بِهِمْ وَأَقَامَ مُدَيْدَةً.
ثُمَّ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالْعَوْدِ إِلَى غَزْنَةَ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا، فَأَعْلَمَ أَصْحَابَهُ ذَلِكَ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَاسْتَوْثَقَ مِنْهُمْ، وَرَحَلَ إِلَى غَزْنَةَ طَاوِيًا لِلْمَرَاحِلِ كَاتِمًا أَمْرَهُ، فَلَمَّا صَارَ عَلَى خَمْسَةِ فَرَاسِخَ مِنْ غَزْنَةَ أَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ الرَّشِيدِ مُخَادِعًا لَهُ يُعْلِمُهُ أَنَّ الْعَسْكَرَ خَالَفُوا عَلَيْهِ وَطَلَبُوا الزِّيَادَةَ فِي الْعَطَاءِ، وَأَنَّهُمْ عَادُوا بِقُلُوبٍ مُتَغَيِّرَةٍ مُسْتَوْحِشَةٍ. فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ أَصْحَابَهُ وَأَهْلَ ثِقَتِهِ وَأَعْلَمَهُمُ الْخَبَرَ، فَحَذَّرُوهُ مِنْهُ وَقَالُوا لَه ُ: إِنَّ الْأَمْرَ قَدْ أُعْجِلَ عَنِ الِاسْتِعْدَادِ، وَلَيْسَ غَيْرُ الصُّعُودِ إِلَى الْقَلْعَةِ وَالتَّحَصُّنُ بِهَا. فَصَعِدَ إِلَى قَلْعَةِ غَةَ وَامْتَنَعَ بِهَا.
وَوَافَى طُغْرُلُ مِنَ الْغَدِ إِلَى الْبَلَدِ، وَنَزَلَ فِي دَارِ الْإِمَارَةِ، وَرَاسَلَ الْمُقِيمِينَ بِالْقَلْعَةِ فِي تَسْلِيمِ عَبْدِ الرَّشِيدِ، وَوَعَدَهُمْ وَرَغَّبَهُمْ إِنْ فَعَلُوا، وَتَهَدَّدَهُمْ إِنِ امْتَنَعُوا. فَسَلَّمُوهُ إِلَيِ، فَأَخَذَهُ طُغْرُلُ فَقَتَلَهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبَلَدِ وَتَزَوَّجَ ابْنَةَ مَسْعُودٍ كَرْهًا.
وَكَانَ فِي الْأَعْمَالِ الْهِنْدِيَّةِ أَمِيرٌ يُسَمَّى خِرْخِيزَ وَمَعَهُ عَسْكَرٌ كَثِيرٌ، فَلَمَّا قَتَلَ طُغْرُلُ عَبْدَ الرَّشِيدِ وَاسْتَوْلَى عَلَى الْأَمْرِ - كَتَبَ إِلَيْهِ وَدَعَاهُ إِلَى الْمُوَافَقَةِ وَالْمُسَاعَدَةِ عَلَى ارْتِجَاعِ الْأَعْمَالِ مِنْ أَيْدِي الْغُزِّ، وَوَعَدَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَبَذَلَ الْبَذُولَ الْكَثِيرَةَ، فَلَمْ يَرْضَ
стр. 4627
فِعْلَهُ، وَأَنْكَرَهُ وَامْتَعَضَ مِنْهُ، وَأَغْلَظَ لَهُ فِي الْجَوَابِ، وَكَتَبَ إِلَى ابْنَةِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودٍ زَوْجَةِ طُغْرُلَ وَوُجُوهِ الْقُوَّادِ، يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَيُوَبِّخُهُمْ عَلَى إِغْضَائِهِمْ وَصَبْرِهِمْ عَلَى مَا فَعَلَهُ طُغْرُلُ مِنْ قَتْلِ مَلِكِهِمْ وَابْنِ مَلِكِهِمْ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الْأَخْذِ بِثَأْرِه ِ. فَلَمَّا وَفُوا عَلَى كُتُبِهِ عَرَفُوا غَلْطَتَهُمْ، وَدَخَلَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عَلَى طُغْرُلَ، وَوَقَفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَضَرَبَهُ أَحَدُهُمْ بِسَيْفِهِ وَتَبِعَهُ الْبَاقُونَ، فَقَتَلَه ُ.
وَوَرَدَ خِرْخِيزُ الْحَاجِبُ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَأَظْهَرَ الْحُزْنَ عَلَى عَبْدِ الرَّشِيدِ، وَذَمَّ طُغْرُلَ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى فِعْلِهِ، وَجَمَعَ وَجُوهَ الْقُوَّادِ وَأَعْيَانَ أَهْلِ الْبَلَدِ وَقَالَ لَهُم ْ: قَدْ عَرَفْتُمْ مَا جَى مِمَّا خُولِفَتْ بِهِ الدِّيَانَةُ وَالْأَمَانَةُ، وَأَنَا تَابِعٌ، وَلَا بُدَّ لِلْأَمْرِ مِنْ سَائِسٍ، فَاذْكُرُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنْ ذَلِك َ. فَأَشَارُوا بِوِلَايَةِ فَرَّخْ زَادَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودٍ وَكَانَ مَحْبُوسًا فِي بَعْضِ الْقلَاعِ، فَأُحْضِرَ وَأُجْلِسَ بِدَارِ الْإِمَارَةِ، وَأَقَامَ خِرْخِيزُ بَيْنَ يَدَيْهِ يُدَبِّرُ الْأُمُورَ، وَأَخَذَ مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ عَبْدِ الرَّشِيدِ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ دَاوُدُ أَخُو طُغْرُلْبَك صَاحِبُ خُرَاسَانَ بِقَتْلِ عَبْدِ الرَّشِيدِ جَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ إِلَى غَزْنَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ خِرْخِيزُ وَمَنَعَهُ وَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ دَاوُدُ وَغَنِمَ مَا كَانَ مَعَه ُ.
وَلَمَّا اسْتَقَرَّ مُلْكُ فَرَّخْ زَادَ، وَثَبَتَ قَدَمُهُ - جَهَّزَ جَيْشًا جَرَّارًا إِلَى خُرَاسَانَ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ الْأَمِيرُ كُلْسَارُغُ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْأُمَرَاءِ، فَقَاتَلَهُمْ وَصَبَرَ لَهُمْ، فَظَفِرُوا بِهِ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ عَنْهُ، وَأُخِذَ أَسِيرًا، وَأُسِرَ مَعَهُ كَثِيرٌ مِنْ عَسْكَرِ خُرَاسَانَ وَوُجُوهِهِمْ وَأُمَرَائِهِم ْ.
فَجَمَعَ أَلْبُ أَرْسِلَانَ عَسْكَرًا كَثِيرًا، وَسَيَّرَ وَالِدَهُ دَاوُدَ فِي ذَلِكَ الْعَسْكَرِ إِلَى الْجَيْشِ الَّذِي أَسَرَ كُلْسَارُغَ، فَقَاتَلَهُمْ وَهَزَمَهُمْ، وَأَسَرَ جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ الْعَسْكَرِ، فَأَطْلَقَ فَرَّخْ زَادَ الْأَسْرَى، وَخَلَعَ عَلَى كُلْسَارُغَ وَأَطْلَقَه ُ.
стр. 4628
ذِكْرُ وَصُولِ الْغُزِّ إِلَى فَارِسَ وَانْهِزَامِهِمْ عَنْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَ أَصْحَابُ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك إِلَى فَارِسَ، وَبَلَغُوا إِلَى شِيرَازَ، وَنَزَلُوا بِالْبَيْضَاءِ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمُ الْعَادِلُ أَبُو مَنْصُورٍ الَّذِي كَانَ وَزِيرَ الْأَمِيرِ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، وَدَبَّرَ أَمْرَهُمْ، فَقَبَضُوا عَلَيْهِ وَأَخَذُوا مِنْهُ ثَلَاثَ قِلَاعٍ، وَهِيَ: قَلْعَةُ كَبْزَةَ، وَقَلْعَةُ جُوَيْمٍ، وَقَلْعَةُ بَهَنْدَرَ، فَأَقَامُوا بِهَا، وَسَارَ مِنَ الْغُزِّ نَحْوُ مِائَتَيْ رَجُلٍ إِلَى الْأَمِيرِ أَبِي سَدٍ أَخِي الْمَلِكِ الرَّحِيمِ، وَصَارُوا مَعَهُ، وَرَاسَلَ أَبُو سَعْدٍ الَّذِي بِالْقِلَاعِ الْمَذْكُورَةِ، فَاسْتَمَالَهُمْ، فَأَطَاعُوهُ وَسَلَّمُوا الْقِلَاعَ إِلَيْهِ، وَصَارُوا فِي خِدْمَتِه ِ.
وَاجْتَمَعَ الْعَسْكَرُ الشِّيرَازِيُّ وَعَلَيْهِمُ الظَّهِيرُ أَبُو نَصْرٍ، وَأَوْقَعُوا بِالْغُزِّ بِبَابِ شِيرَازَ، فَانْهَزَمَ الْغُزُّ، وَأُسِرَ تَاجُ الدِّينِ نَصْرُ بْنُ هِبَةَ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ، وَكَانَ مِنَ الْمُقَدَّمِينَ عِنْدَ الْغُزِّ، فَلَمَّا انْهَزَمَ الْغُزُّ سَارَ الْعَسْكَرُ الشِّيرَازِيُّ إِلَى فَسَا، وَكَانَ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَيْهَا بَعْضُ السَّفِلِ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ لِاشْتِغَالِ الْعَسَاكِرِ بِالْغُزِّ، فَأَزَالُوا الْمُتَغَلِّبَ عَلَيْهَا وَاسْتَعَادُوهَا.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَأَخِيهِ الْمُقَلِّدِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَرَى خُلْفٌ بَيْنَ عَلَمِ الدِّينِ قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ وَبَيْنَ أَخِيهِ الْمُقَلِّدِ، وَكَانَ قُرَيْشٌ قَدْ نَقَلَ عَمَّهُ قِرْوَاشًا إِلَى قَلْعَةِ الْجَرَّاحِيَّةِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ، وَسَجَنَهُ بِهَا، وَارْتَحَلَ يَطْلُبُ الْعِرَاقَ، فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ الْمُقَلِّدِ مُنَازَعَةٌ أَدَّتْ إِلَى الِاخْتِلَاف ِ. فَسَارَ الْمُقَلِّدُ إِلَى نُورِ الدَّوْلَةِ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ مُلْتَجِئًا إِلَيْهِ، فَحَمَلَ أَخَاهُ الْغَيْظُ مِنْهُ عَلَى أَنْ نَهَبَ لَّتَهُ وَعَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَاخْتَلَّتْ أَحْوَالُهُ، وَاخْتَلَفَتِ الْعَرَبُ عَلَيْهِ، وَأَخْرَجَ نُوَّابُ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ بِبَغْدَاذَ إِلَى مَا كَانَ بِيَدِ قُرَيْشٍ مِنَ الْعِرَاقِ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ عُكْبَرَا وَالْعَلْثِ وَغَيْرِهِمَا، مَنْ قَبَضَ غَلَّتَهُ، وَسَلَّمَ الْجَانِبَ الْغَرْبِيَّ مِنْ أَوَانَا وَنَهْرِ بَيْطَرٍ إِلَى أَبِي الْهِنْدِيِّ بِلَالِ بْنِ غَرِيب ٍ.
ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا اسْتَمَالَ الْعَرَبَ وَأَصْلَحَهُمْ، فَأَذْعَنُوا لَهُ بَعْدَ وَفَاةِ عَمِّهِ قِرْوَاشٍ، فَإِنَّهُ
стр. 4629
تُوُفِّيَ هَذِهِ الْأَيَّامَ، وَانْحَدَرَ إِلَى الْعِرَاقِ لِيَسْتَعِيدَ مَا أُخِذَ مِنْهُ، فَوَصَلَ إِلَى الصَّالِحِيَّةِ، وَسَيَّرَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ إِلَى نَاحِيَةِ الْحَظِيرَةِ وَمَا وَالَاهَا، فَنَهَبُوا مَا هُنَاكَ وَعَادُوا، فَلَقُوا كَامِلَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ صَاحِبَ الْحَظِيرَةِ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ وَقَاتَلَهُمْ، فَأَرْسَلُوا إِلَى قُرَيْشٍ يُعَرِّفُونَهُ الْحَالَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فِي عُدَّةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْعَرَبِ وَالْأَكْرَاد ِ، فَانْهَزَمَ كَامِلٌ وَتَبِعَهُ قُرَيْشٌ فَلَمْ يَلْحَقْهُ، فَقَصَدَ حُلَلَ بِلَالِ بْنِ غَرِيبٍ وَهِيَ خَالِيَةٌ مِنَ الرِّجَالِ، فَنَهَبَها، وَقَاتَلَهُ بِلَالٌ وَأَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا، فَجُرِحَ ثُمَّ انْهَزَمَ، وَرَاسَلَ قُرَيْشٌ نُوَّابَ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ يَبْذُلُ الطَّاعَةَ، وَيَطْلُبُ تَقْرِيرَ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ عَلَى كُرْهٍ لِقُوَّتِهِ وَضَعْفِهِمْ، وَاشْتِغَالِ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ بِخُوزِسْتَانَ عَنْهُمْ، فَاسْتَقَرَّ أَمْرُهُ وَقَوِيَ شَأْنُه ُ.
ذِكْرُ وَفَاةِ قِرْوَاشٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُسْتَهَلَّ رَجَبٍ تُوُفِّيَ مُعْتَمَدُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْمَنِيعِ قِرْوَاشُ بْنُ الْمُقَلِّدِ الْعُقَيْلِيُّ، الَّذِي كَانَ صَاحِبَ الْمَوْصِلِ - مَحْبُوسًا بِقَلْعَةِ الْجَرَّاحِيَّةِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، وَحُمِلَ مَيِّتًا إِلَى الْمَوْصِلِ، وَدُفِنَ بِتَلِّ تَوْبَةَ مِنْ مَدِينَةِ نِينَوَى شَرْقِيِّ الْمَوْصِلِ.
وَكَانَ مِنْ رِجَالِ الْعَرَبِ وَذَوِي الْعَقْلِ مِنْهُمْ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْبَاخَرْزِيُّ فِي " دُمْيَةِ الْقَصْرِ " مِنْ شِعْرِه ِ:
لِلَّهِ دَرُّ النَّائِبَاتِ فَإِنَّهَا ... صَدَأُ النُّفُوسِ وَصَيْقَلُ الْأَحْرَارِ
مَا كُنْتُ إِلَّا زُبْرَةً فَطَبَعْنَنِي ... سَيْفًا، وَأُطْلِقَ شَفْرَتِي وَغِرَارِي
وَذُكِرَ لَهُ أَيْضًا:
стр. 4630
مَنْ كَانَ يَحْمَدُ أَوْ يَذُمُّ مُوَرِّثًا ... لِلْمَالِ مِنْ آبَائِهِ وَجُدُودِهِ
إِنِّي امْرُؤٌ لِلَّهِ شُكْرٌ وَحْدَهُ ... شُكْرًا كَثِيرًا جَالِبًا لِمَزِيدِهِ
لِي أَشْقَرٌ سَمْحُ الْعِنَانِ مُغَاوِرٌ ... يُعْطِيكَ مَا يُرْضِيكَ مِنْ مَجْهُودِهِ
وَمُهَنَّدٌ عَضْبٌ إِذَا جَرَّدْتُهُ ... خَلَتِ الْبُرُوقَ تَمُوجُ فِي تَجْرِيدِهِ
وَمُثَقَّفٌ لَدُنُ السِّنَانِ كَأَنَّمَا ... أُمُّ الْمَنَايَا رُكِّبَتْ فِي عُودِهِ
وَبِذَا حَوَيْتُ الْمَالَ إِلَّا أَنَّنِي ... سَلَّطْتُ جُودَ يَدِي عَلَى تَبْدِيدِهِ
قِيلَ: إِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ فِي نِكَاحِهِ، فَقِيلَ لَه ُ: إِنَّ الشَّرِيعَةَ تُحَرِّمُ هَذَا. فَقَالَ: وَأَيَّ شَيْءٍ عِنْدَنَا تُجِيزُهُ الشَّرِيعَةُ؟ وَقَالَ مَرَّةً: مَا فِي رَقَبَتِي غَيْرُ خَمْسَةٍ أَوْ سِتَّةٍ مِنَ الْبَاةِ قَتَلْتُهُمْ، وَأَمَّا الْحَاضِرَةُ فَلَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِم ْ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ عَلَى الْبَصْرَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ سَيَّرَ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ جَيْشًا مَعَ الْوَزِيرِ وَالْبَسَاسِيرِيِّ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَبِهَا أَخُوهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي كَالِيجَارَ، فَحَصَرُوهُ بِهَا، فَأَخْرَجَ عَسْكَرَهُ فِي السُّفُنِ لِقِتَالِهِمْ، فَاقْتَتَلُوا عِدَّةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ انْهَزَمَ الْبَصْرِيُّونَ فِي الْمَاءِ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَاسْتَوْلَى عَسْكَرُ الرَّحِيمِ عَلَى دِجْلَةَ وَالْأَنْهُرِ جَمِيعًا، وَسَارَتِ الْعَسَاكِرُ عَلَى الْبَرِّ مِنَ الْمَنْزِلَةِ بِمَطَارَا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَلَمَّا قَارَبُوهَا لَقِيَهُمْ رُسُلُ مُضَرَ وَرَبِيعَةَ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ، فَأَجَابُوهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ بَذَلُوا الْأَمَانَ لِسَائِرِ أَهْلِهَا، وَدَخَلَهَا الْمَلِكُ الرَّحِيمُ، فَسُّرَ بِهِ أَهْلُهَا، وَبَذَلَ لَهُمُ الْإِحْسَانَ.
فَلَمَّا دَخَلَ الْبَصْرَةَ وَرَدَتْ إِلَيْهِ رُسُلُ الدَّيْلَمِ بِخُوزِسْتَانَ يَبْذُلُونَ الطَّاعَةَ، وَيَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ مَا زَالُوا عَلَيْهَا. فَشَكَرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَقَامَ بِالْبَصْرَةِ لِيُصْلِحَ أَمْرَهَا. وَأَمَّا أَخُوهُ أَبُو عَلِيٍّ صَاحِبُ الْبَصْرَةِ فَإِنَّهُ مَضَى إِلَى شَطِّ عُثْمَانَ فَتَحَصَّنَ بِهِ
стр. 4631
وَحَفَرَ الْخَنْدَقَ، فَمَضَى الْمَلِكُ الرَّحِيمُ إِلَيْهِ وَقَاتَلَهُمْ، فَمَلَكَ الْمَوْضِعَ وَمَضَى أَبُو عَلِيٍّ وَوَالِدَتُهُ إِلَى عَبَّادَانَ، وَرَكِبُوا الْبَحْرَ إِلَى مَهْرُوبَانَ، وَخَرَجُوا مِنَ الْبَحْرِ وَاكْتَرَوْا دَوَابَّ، وَسَارُوا إِلَى أَرَّجَانَ عَازِمِينَ عَلَى قَصْدِ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك، وَأَخْرَجَ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ كُلَّ مَنْ بِالْبَصْرَةِ مِنَ الدَّيْلَمِ أَجْنَادِ أَخِيهِ، وَأَقَامَ غَيْرَهُم ْ.
ثُمَّ إِنَّ الْأَمِيرَ أَبَا عَلِيٍّ وَصَلَ إِلَى السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك وَهُوَ بِأَصْبَهَانَ، فَأَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ مَالًا، وَزَوَّجَهُ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِهِ، وَأَقْطَعُهُ إِقْطَاعًا مِنْ أَعْمَالِ جَرْبَاذَقَانَ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ قَلْعَتَيْنِ مِنْ تِلْكَ الْأَعْمَالِ أَيْضًا.
وَسَلَّمَ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ الْبَصْرَةَ إِلَى الْبَسَاسِيرِيِّ وَمَضَى إِلَى الْأَهْوَازِ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْصُورِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَهَزَارَسْبَ حَتَّى اصْطَلَحُوا، وَصَارَتْ أَرَّجَانُ وَتُسْتَرُ لِلْمَلِكِ الرَّحِيم ِ.
ذِكْرُ وُرُودِ سَعْدِي الْعِرَاقَ
وَفِيهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَرَدَ سَعْدِي بْنُ أَبِي الشَّوْكِ فِي جَيْشٍ مِنْ عِنْدِ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك إِلَى نَوَاحِي الْعِرَاقِ، فَنَزَلَ مَايَدَشْتَ، وَسَارَ مِنْهَا جَرِيدَةً فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْغُزِّ إِلَى أَبِي دُلَفَ الْجَاوَانِيِّ، فَنَذِرَ بِهِ أَبُو دُلَفَ وَانْصَرَفَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَلَحِقَهُ سَعْدِي فَنَهَبَهُ وَأَخَذَ مَالَهُ، وَأَفْلَتَ أَبُو دُلَفَ بِحُشَاشَةِ نَفْسِهِ، وَنَهَبَ أَصْحَابُ سَعْدِي الْبِلَادَ حَتَّى بَلَغُوا النُّعْمَانِيَّةَ، فَأَسْرَفُوا فِي النَّهْبِ وَالْغَارَةِ، وَفَتَكُوا فِي الْبِلَادِ، وَافْتَضُّوا الْأَبْكَارَ، فَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ وَالْأَثَاثَ فَلَمْ يَتْرُكُوا شَيْئًا، وَقَصَدَ الْبَنْدَنِيجَيْنَ.
وَبَلَغَ خَبَرُهُ إِلَى خَالِهِ خَالِدِ بْنِ عُمَرَ وَهُوَ نَازِلٌ عَلَى الزَّرِيرِ وَمَطَرٍ ابْنَيْ عَلِيِّ بْنِ مُقْنٍ الْعُقَيْلِيَّيْنِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ وَلَدَهُ مَعَ أَوْلَادِ الزَّرِيرِ وَمَطَرٍ يَشْكُونَ إِلَيْهِ مَا عَامَلَهُمْ بِهِ عَمُّهُ مُهَلْهِلٌ، وَقُرَيْشُ بْنُ بَدْرَانَ، فَلَحِقُوهُ بِحُلْوَانَ وَشَكَوْا إِلَيْهِ حَالَهُمْ، فَوَعَدَهُمُ الْمَسِيرَ إِلَيْهِمْ، وَالْأَخْذَ لَهُمْ مِمَّنْ قَصَدَهَم ْ. فَعَادُوا مِنْ عِنْدِهِ، فَلَقِيَهُمْ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ مُهَلْهِلٍ فَوَاقَعهُمْ، فَظَفِرَ بِهِمُ الْعُقَيْلِيُّونَ وَأَسَرُوهُم ْ.
стр. 4632
وَبَلَغَ الْخَبَرُ مُهَلْهِلًا، فَسَارَ إِلَى حُلَلِ الزَّرِيرِ وَمَطَرٍ فِي نَحْوِ خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ عَلَى تَلِّ عُكْبَرَا وَنَهَبَهُمْ، وَانْهَزَمَ الرِّجَالُ، فَلَقِيَ خَالِدٌ وَمَطَرٌ وَالزَّرِيرُ سَعْدِي بْنَ أَبِي الشَّوْكِ عَلَى تَامَرَّا، فَأَعْلَمُوهُ الْحَالَ وَحَمَلُوهُ عَلَى قِتَالِ عَمِّهِ، فَتَقَدَّمَ إِلَى طَرِيقِهِ وَالْتَقَى الْقَوْمَ، وَكَانَ سَعْدِي فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَظَفِرَ بِعَمِّهِ وَأَسَرَهُ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فِي كُلِّ جِهَةٍ، وَأُسِرَ أَيْضًا مَالِكٌ ابْنُ عَمِّهِ مُهَلْهِلٍ، وَأَعَادَ الْغَنَائِمَ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُمْ عَلَى أَصْحَابِهَا، وَعَادَ إِلَى حُلْوَان َ.
وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى بَغْدَاذَ فَارْتَجَّ النَّاسُ بِهَا وَخَافُوا، وَبَرَزَ عَسْكَرُ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ لِيَقْصِدُوا حُلْوَانَ لِمُحَارَبَةِ سَعْدِي، وَوَصَلَ إِلَيْهِمْ أَبُو الْأَغَرِّ دُبَيْسُ بْنُ مَزْيَدٍ الْأَسَدِيُّ، وَلَمْ يَصْنَعُوا شَيْئًا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ عِيسَى بْنُ خَمِيسِ بْنِ مُقْنٍ عَلَى أَخِيهِ أَبِي غَشَّامٍ صَاحِبِ تَكْرِيتَ بِهَا، وَسَجَنَهُ فِي سِرْدَابٍ بِالْقَلْعَةِ، وَاسْتَوْلَى عَلَى تَكْرِيتَ.
وَفِيهَا زُلْزِلَتْ خُوزِسْتَانُ وَأَرَّجَانُ وَأَيْذَجُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْبِلَادِ زَلَازِلَ كَثِيرَةً، وَكَانَ مُعْظَمُهَا بِأَرَّجَانَ، فَخُرِّبَ كَثِيرٌ مِنْ بِلَادِهَا وَدِيَارِهَا، وَانْفَرَجَ جَبَلٌ كَبِيرٌ قَرِيبٌ مِنْ أَرَّجَانَ وَانْصَدَعَ، فَظَهَرَ فِي وَسَطِهِ دَرَجَةٌ مَبْنِيَّةٌ بِالْآجُرِّ وَالْجِصِّ قَدْ خَفِيَتْ فِي الْجَبَلِ، فَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِك َ.
وَكَانَ بِخُرَاسَانَ أَيْضًا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ خَرَّبَتْ كَثِيرًا، وَهَلَكَ بِسَبَبِهَا كَثِيرٌ، وَكَانَ أَشَدُّهَا بِمَدِينَةِ بَيْهَقَ فَأَتَى الْخَرَابُ عَلَيْهَا، وَخَرَّبَ سُورَهَا وَمَسَاجِدَهَا، وَلَمْ يَزَلْ سُورَهَا خَرَابًا إِلَى سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَأَمَرَ نِظَامُ الْمُلْكِ بِبِنَائِهِ فَبُنِيَ، ثُمَّ خَرَّبَهُ أَرْسِلَانُ
стр. 4633
أَرْغُو بَعْدَ مَوْتِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ عَمَّرَهُ مَجْدُ الْمُلْكِ الْبَلَاسَانِيُّ.
وَفِيهَا عُمِلَ مَحْضَرٌ بِبَغْدَاذَ يَتَضَمَّنُ الْقَدْحَ فِي نَسَبِ الْعَلَوِيِّينَ أَصْحَابِ مِصْرَ، وَأَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِي ادِّعَائِهِمُ النَّسَبَ إِلَى عَلِيٍّ ﵇ وَعَزَوْهُمْ فِيهِ إِلَى الدَّيْصَانِيَّةِ مِنَ الْمَجُوسِ، وَالْقَدَّاحِيَّةِ مِنَ الْيَهُودِ، وَكُتِبَ فِيهِ الْعَلَوِيُّونَ وَالْعَبَّاسِيُّونَ وَالْفُقَهَاءُ وَالْقُضَاةُ وَالشُّهُودُ، وَعُمِلَ بِهِ عِدَّةُ نُسَخٍ، وَسُيِّرَ فِي الْبِلَادِ، وَشُيِّعَ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْبَادِي.
وَفِيهَا شَهِدَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ السَّيِّدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الصَّبَّاغِ مُصَنِّفُ الشَّامِلِ - عِنْدَ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَاكُولَا.
وَفِيهَا حَدَثَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ بِبَغْدَاذَ، وَامْتَنَعَ الضَّبْطُ، وَانْتَشَرَ الْعَيَّارُونَ وَتَسَلَّطُوا، وَجَبَوُا الْأَسْوَاقَ، وَأَخَذُوا مَا كَانَ يَأْخُذُهُ أَرْبَابُ الْأَعْمَالِ، وَكَانَ مُقَدَّمَهُمُ الطِّقْطِقِيُّ وَالزَّيْبَقُ، وَأَعَادَ الشِّيعَةُ الْأَذَانَ بِحَيِّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَكَتَبُوا عَلَى مَسَاجِدِهِم ْ: مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ خَيْرُ الْبَشَرِ، وَجَرَى الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ وَعَظُمَ الشَّر ُّ. وَفِيهَا زَوَّجَ نُورُ الدَّوْلَةِ دُبَيْسُ بْنُ مَزْيَدٍ ابْنَهُ بَهَاءَ الدَّوْلَةِ مَنْصُورًا بِابْنَةِ أَبِي الْبَرَكَاتِ بْنِ الْبَسَاسِيرِيِّ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو جَعْفَرٍ السِّمْنَانِيُّ بِالْمَوْصِلِ، وَكَانَ
стр. 4634
إِمَامًا فِي الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْأُصُولِ عَلَى مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ، وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِه ِ.
وَفِي هَذَا الشَّهْرِ تُوُفِّيَ أَيْضًا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُذْهِبِ الْوَاعِظُ، وَهُوَ رَاوِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
стр. 4635
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]
٤٤٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ بِبَغْدَاذَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ زَادَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ أَهْلِ الْكَرْخِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ السُّنَّةِ، وَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا أَوَاخِرَ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] .
فَلَمَّا كَانَ الْآنَ عَظُمَ الشَّرُّ، وَاطَّرَحَتِ الْمُرَاقَبَةُ لِلسُّلْطَانِ، وَاخْتَلَطَ بِالْفَرِيقَيْنِ طَوَائِفُ مِنَ الْأَتْرَاكِ، فَلَمَّا اشْتَدَّ الْأَمْرُ اجْتَمَعَ الْقُوَّادُ وَاتَّفَقُوا عَلَى الرُّكُوبِ إِلَى الْمَحَالِّ، وَإِقَامَةِ السِّيَاسَةِ بِأَهْلِ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ، وَأَخَذُوا مِنَ الْكَرْخِ إِنْسَانًا عَلَوِيًّا وَقَتَلُوهُ، فَثَارَ نِسَاؤُهُ وَنَشَرْنَ شُعُورَهُنَّ وَاسْتَغَثْنَ، فَتَبِعَهُنَّ الْعَامَّةُ مِنْ أَهْلِ الْكَرْخِ، وَجَرَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُوَّادِ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْعَامَّةِ قِتَالٌ شَدِيدٌ، وَطَرَحَ الْأَتْرَاكُ النَّارَ فِي أَسْوَاقِ الْكَرْخِ، فَاحْتَرَقَ كَثِيرٌ مِنْهَا، وَأَلْحَقَتْهَا بِالْأَرْضِ، وَانْتَقَلَ كَثِيرٌ مِنَ الْكَرْخِ إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْمَحَال ِّ.
وَنَدِمَ الْقُوَّادُ عَلَى مَا فَعَلُوهُ، وَأَنْكَرَ الْإِمَامُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ ذَلِكَ، وَصَلُحَ الْحَالُ، وَعَادَ النَّاسُ إِلَى الْكَرْخِ بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ بِالدِّيوَانِ بِكَفِّ الْأَتْرَاكِ أَيْدِيَهُمْ عَنْهُم ْ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ عَلَى أَرَّجَانَ وَنَوَاحِيهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي جُمَادَى الْأُولَى اسْتَوْلَى الْمَلِكُ الرَّحِيمُ عَلَى مَدِينَةِ أَرَّجَانَ، وَأَطَاعَهُ مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الْجُنْدِ، وَكَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ فُولَاذَ بْنَ خُسْرُو الدَّيْلَمِي َّ.
وَكَانَ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى مَا جَاوَرَهَا مِنَ الْبِلَادِ إِنْسَانٌ مُتَغَلِّبٌ يُسَمَّى خُشْنَامُ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ فُولَاذٌ جَيْشًا فَأَوْقَعُوا بِهِ وَأَجْلَوْهُ عَنْ تِلْكَ النَّوَاحِي، وَاسْتَضَافُوا إِلَى طَاعَةِ الرَّحِيم ِ.
стр. 4636
وَخَافَ هَزَارَسْبُ بْنُ بِنْكِيرَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مُبَايِنًا لِلْمَلِكِ الرَّحِيمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَأَرْسَلَ يَتَضَرَّعُ وَيَتَقَرَّبُ، وَيَسْأَلُ التَّقَدُّمَ إِلَى فُولَاذٍ بِإِحْسَانِ مُجَاوَرَتِهِ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِك َ. ٠ ذِكْرُ مَرَضِ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَك إِلَى أَصْبَهَانَ مَرِيضًا، وَقَوِيَ الْإِرْجَافُ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ، ثُمَّ عُوفِيَ وَوَصَلَ إِلَيْهِ الْأَمِيرُ أَبُو عَلِيٍّ ابْنُ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ الْبَصْرَةِ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ أَيْضًا هَزَارَسْبُ بْنُ بِنْكِيرَ بْنِ عِيَاضٍ صَاحِبُ أَيْذَجَ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ خَافَ الْمَلِكَ الرَّحِيمَ لَمَّا اسْتَوْلَى عَلَى الْبَصْرَةِ وَأَرَّجَانَ. فَأَكْرَمَهُمَا طُغْرُلْبَك وَأَحْسَنَ ضِيَافَتَهُمَا، وَوَعَدَهُمَالنُّصْرَةَ وَالْمَعُونَة َ.
ذِكْرُ عَوْدِ سَعْدِي بْنِ أَبِي الشَّوْكِ إِلَى طَاعَةِ الرَّحِيمِ
قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] وُصُولَ سَعْدِي إِلَى الْعِرَاقِ، وَأَسْرِهِ عَمَّهُ، فَلَمَّا أَسَرَهُ سَارَ وَلَدُهُ بَدْرُ بْنُ الْمُهَلْهِلِ إِلَى السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك، وَتَحَدَّثَ مَعَهُ فِي مُرَاسَلَةِ سَعْدِي لِيُطْلِقَ أَبَاهُ، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ طُغْرُلْبَك وَلَدًا كَانَ لِسَعْدِي عِنْدَهُ رَهِينَةً، وَأَرْسَلَ مَعَهُ رَسُولًا يَقُولُ فِيه ِ: إِنْ أَرَدْتَ فِدْيَةً عَنْ أَسِيرِكَ فَهَذَا وَلَدُكَ قَدْ رَدَدْتُهُ عَلَيْكَ، وَإِنْ أَبَيْتَ إِلَّا الْمَالَفَةَ وَمُفَارَقَةَ الْجَمَاعَةِ قَابَلْنَاكَ عَلَى فِعْلِك َ.
فَلَمَّا وَصَلَ بَدْرٌ وَالرَّسُولُ إِلَى هَمَذَانَ تَخَلَّفَ بَدْرٌ، وَسَارَ الرَّسُولُ إِلَيْهِ، فَامْتَعَضَ مِنْ قَوْلِهِ، وَخَالَفَ طُغْرُلْبَك، وَسَارَ إِلَى حُلْوَانَ وَأَرَادَ أَخْذَهَا، فَلَمْ يُمْكِنْهُ، وَتَرَدَّدَ بَيْنَ رُوشَنْقِبَاذَ وَالْبَرَدَانِ، وَكَاتَبَ الْمَلِكَ الرَّحِيمَ، وَصَارَ فِي طَاعَتِهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ وَسُخْتُ كَمَانُ، وَهُمَا مِنْ أَعْيَانِ عَسْكَرِ طُغْرُلْبَك، فِي عَسْكَرٍ مَعَ بَدْرِ بْنِ الْمُهَلْهِلِ، فَأَوْقَعُوا بِهِ، فَانْهَزَمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَعَادَ الْغُزُّ عَنْهُمْ إِلَى حُلْوَانَ، وَسَارَ بَدْرٌ إِلَى شَهْرَزُورَ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْغُزِّ، وَمَضَى سَعْدِي إِلَى قَلْعَةِ رُوشَنْقِبَاذَ.
стр. 4637
ذِكْرُ عَوْدِ الْأَمِيرِ أَبِي مَنْصُورٍ إِلَى شِيرَازَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَوَّالٍ عَادَ الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورٍ فُولَاسْتُونُ ابْنُ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ إِلَى شِيرَازَ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهَا، وَفَارَقَهَا أَخُوهُ الْأَمِيرُ أَبُو سَعْد ٍ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَمِيرَ أَبَا سَعْدٍ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ مَعَهُ فِي دَوْلَتِهِ إِنْسَانٌ يُعْرَفُ بِعَمِيدِ الدِّينِ أَبِي نَصْرِ بْنِ الظَّهِيرِ، فَتَحَكَّمُ مَعَهُ، وَاطَّرَحَ الْأَجْنَادَ وَاسْتَخَفَّ بِهِمْ، وَأَوْحَشَ أَبَا نَصْرِ بْنَ خُسْرُو صَاحِبَ قَلْعَةِ إِصْطَخْرَ، الَّذِي كَانَ قَدِ اسْتَدْعَى الْأَمِيرَ أَبَا سَعْدٍ وَمَلَّكَه ُ.
فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ اجْتَمَعُوا عَلَى مُخَالَفَتِهِ وَتَأَلَّبُوا عَلَيْهِ، وَأَحْضَرَ أَبُو نَصْرِ بْنُ خُسْرُو الْأَمِيرَ أَبَا مَنْصُورِ بْنَ أَبِي كَالِيجَارَ إِلَيْه ِ، وَسَعَى فِي اجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ عَلَيْهِ، فَأَجَابَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَنَادِ لِكَرَاهَتِهِمْ لِعَمِيدِ الدِّينِ، فَقَبَضُوا عَلَيْهِ، وَنَادَوْا بِشِعَارِ الْأَمِيرِ أَبِي مَنْصُورٍ، وَأَظْهَرُوا طَاعَتَهُ، وَأَخْرَجُوا الْأَمِيرَ أَبَا سَعْدٍ عَنْهُمْ، فَعَادَ إِلَى الْأَهْوَازِ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، وَدَخَلَ الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورٍ إِلَى شِيرَازَ مَالِكًا لَهَا، مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهَا، وَخَطَبَ فِيهَا لِطُغْرُلْبَك وَلِلْمَلِكِ الرَّحِيمِ وَلِنَفْسِهِ بَعْدَهُمُا.
ذِكْرُ إِيقَاعِ الْبَسَاسِيرِيِّ بِالْأَكْرَادِ وَالْأَعْرَابِ
وَفِيهَا فِي شَوَّالٍ وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى بَغْدَاذَ بِأَنَّ جَمْعًا مِنَ الْأَكْرَادِ وَجَمْعًا مِنَ الْأَعْرَابِ قَدْ أَفْسَدُوا فِي الْبِلَادِ، وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، وَنَهَبُوا الْقُرَى، طَمَعًا فِي السَّلْطَنَةِ بِسَبَبِ الْغُزِّ، فَسَارَ إِلَيْهِمُ الْبَسَاسِيرِيُّ جَرِيدَةً، وَتَبِعَهُمْ إِلَى الْبَوَازِيجِ، فَأَوْقَعَ بِطَوَائِفَ كَثِيرَةٍ مِنْهُمْ، وَقَتَلَ فِيهِمْ، وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ، وَانْهَزَمَ بَعْضُهُمْ فَعَبَرُوا الزَّابَ عِنْدَ الْبَوَازِيجِ، فَلَمْ يُدْرِكْهُمْ، وَأَرَادَ الْعُبُورَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ بِالْجَانِبِ الْآخَرِ، وَكَانَ الْمَاءُ زَائِدًا، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ عُبُورِهِ، فَنَجَوْا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
[الْوَفَيَاتُ]
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الشَّرِيفُ أَبُو تَمَّامٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّيْنَبِيُّ، نَقِيبُ النُّقَبَاءِ، وَقَامَ بَعْدَهُ فِي النِّقَابَةِ ابْنُهُ أَبُو عَلِي ٍّ.
стр. 4638
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْبَرْمَكِيُّ، وَكَانَ مُكْثِرًا مِنَ الْحَدِيثِ، سَمِعَ ابْنَ مَالِكٍ الْقَطِيعِيَّ وَغَيْرَهُ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ الْبَرْمَكِيُّ لِأَنَّهُ سَكَنَ مَحَلَّةً بِبَغْدَاذَ تُعْرَفُ بِالْبَرَامِكَةِ، وَقِيلَ: كَانَ مِنْ قَرْيَةٍ عِنْدَ الْبَصْرَةِ تُعْرَفُ بِالْبَرْمَكِيَّة ِ.
стр. 4639
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]
٤٤٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ فِتْنَةِ الْأَتْرَاكِ بِبَغْدَاذَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ كَانَتْ فِتْنَةُ الْأَتْرَاكِ بِبَغْدَاذَ.
وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّهُمْ تَخَلَّفَ لَهُمْ عَلَى الْوَزِيرِ الَّذِي لِلْمَلِكِ الرَّحِيمِ مَبْلَغٌ كَثِيرٌ مِنْ رُسُومِهِمْ، فَطَالَبُوهُ وَأَلَحُّوا عَلَيْهِ، فَاخْتَفَى فِي دَارِ الْخِلَافَةِ، فَحَضَرَ الْأَتْرَاكُ بِالدِّيوَانِ وَطَالَبُوهُ، وَشَكَوْا مَا يَلْقَوْنَهُ مِنْهُ مِنَ الْمِطَالِ بِمَالِهِمْ، فَلَمْ يُجَابُوا إِلَى إِظْهَارِهِ، فَعَدَلُوا عَنِ الشَّكْوَى مِنْهُ إِلَى الشَّكْوَى مِنَ الدِّيوَانِ، وَقَالُوا: إِنَّ أَرْبَابَ الْمُعَامَلَاتِ قَدْ سَكَنُوا بِالْحَرِيمِ، وَأَخَذُوا اأَمْوَالَ، وَإِذَا طَلَبْنَاهُمْ بِهَا يَمْتَنِعُونَ بِالْمُقَامِ بِالْحَرِيمِ، وَانْتَصَبَ الْوَزِيرُ وَالْخَلِيفَةُ لِمَنْعِنَا عَنْهُمْ، وَقَدْ هَلَكْنَا.
فَتَرَدَّدَ الْخِطَابُ مِنْهُمْ وَالْجَوَابُ عَنْهُ، فَقَامُوا نَافِرِينَ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ ظَهَرَ الْخَبَرُ أَنَّهُمْ عَلَى عَزْمِ حَصْرِ دَارِ الْخِلَافَةِ، فَانْزَعَجَ النَّاسُ لِذَلِكَ، وَأَخْفَوْا أَمْوَالَهُمْ، وَحَضَرَ الْبَسَاسِيرِيُّ دَارَ الْخِلَافَةِ، وَتَوَصَّلَ إِلَى مَعْرِفَةِ خَبَرِ الْوَزِيرِ، فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ عَلَى خَبَرٍ، فَطُلِبَ مِنْ دَارِهِ وَدُورِ مَنْ يُتَّهَمُ بِهِ، وَكُبِسَتِ الدُّورُ فَلَمْ يَظْهَرُوا لَهُ عَلَى خَبَرٍ.
وَرَكِبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ إِلَى دَارِ الرُّومِ فَنَهَبُوهَا، وَأَحْرَقُوا الْبِيَعَ وَالْقَلَّايَاتِ، وَنَهَبُوا فِيهَا دَارَ أَبِي الْحَسَنِ بْنَ عُبَيْدٍ وَزِيرَ الْبَسَاسِيرِيِّ.
وَقَامَ أَهْلُ نَهْرِ الْمُعَلَّى وَبَابِ الْأَزَجِّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمَحَالِّ فِي مَنَافِذِ الدُّرُوبِ - لِمَنْعِ الْأَتْرَاكِ، وَانْخَرَقَ الْأَمْرُ، وَنَهَبَ الْأَتْرَاكُ كُلَّ مَنْ وَرَدَ إِلَى بَغْدَاذَ، (فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ) ،
стр. 4640
وَعُدِمَتِ الْأَقْوَاتُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الْخَلِيفَةُ يَنْهَاهُمْ، فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ الِانْتِقَالَ عَنْ بَغْدَاذَ، فَلَمْ يُزْجَرُوا.
هَذَا جَمِيعُهُ وَالْبَسَاسِيرِيُّ غَيْرُ رَاضٍ بِفِعْلِهِمْ، وَهُوَ مُقِيمٌ بِدَارِ الْخَلِيفَةِ. وَتَرَدَّدَ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ ظَهَرَ الْوَزِيرُ، وَقَامَ لَهُمْ بِالْبَاقِي مِنْ مَالِهِمْ مِنْ مَالِهِ وَأَثْمَانِ دَوَابِّهِ وَغَيْرِهَا، وَلَمْ زَالُوا فِي خَبْطٍ وَعَسَفٍ، فَعَادَ طَمَعُ الْأَكْرَادِ وَالْأَعْرَابِ أَشَدَّ مِنْهُ أَوَّلًا، وَعَاوَدُوا الْغَارَةَ وَالنَّهْبَ وَالْقَتْلَ، فَخُرِّبَتِ الْبِلَادُ وَتَفَرَّقَ أَهْلُهَا.
وَانْحَدَرَ أَصْحَابُ قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ مِنَ الْمَوْصِلِ طَامِعِينَ، فَكَبَسُوا حُلَلَ كَامِلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَهِيَ بِالْبَرَدَانِ، فَنَهَبُوهَا، وَبِهَا دَوَابُّ وَجِمَالٌ بَخَاتِيٌّ لِلْبَسَاسِيرِيِّ، فَأَخَذُوا الْجَمِيعَ، وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَازْدَادَ خَوْفُ النَّاسِ مِنَ الْعَامَّةِ وَالْأَتْرَاكِ، وَعَظُمَ انْحِلَالُ أَمْرِ السَّلْطَنَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهَذَا مِنْ ضَرَرِ الْخِلَاف ِ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ طُغْرُلْبَك عَلَى أَذْرَبِيجَانَ وَغَزْوِ الرُّومِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ طُغْرُلْبَك إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَقَصَدَ تَبْرِيزَ، وَصَاحِبُهَا الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورٍ وَهْسُوذَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوَّادِيُّ، فَأَطَاعَهُ وَخَطَبَ لَهُ وَحَمَلَ إِلَيْهِ مَا أَرْضَاهُ بِهِ، وَأَعْطَاهُ وَلَدَهُ رَهِينَةً، فَسَارَ طُغْرُلْبَك عَنْهُ إِلَى الْأَمِيرِ أَبِي الْأَسْوَارِ صَاحِبِ جَنْزَةَ، فَأَطَاعَهُ أَيْضًا وَخَطَبَ لَهُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ تِلْكَ النَّوَاحِي أَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَبْذُلُونَ الطَّاعَةَ وَالْخُطْبَة َ.
وَانْقَادَتِ الْعَسَاكِرُ إِلَيْهِ، فَأَبْقَى بِلَادَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَأَخَذَ رَهَائِنَهُمْ، وَسَارَ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ، وَقَصَدَ مَلَازْكِرْدَ، وَهِيَ لِلرُّومِ، فَحَصَرَهَا وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا، وَنَهَبَ مَا جَاوَرَهَا مِنَ الْبِلَادِ وَأَخْرَبَهَا، وَهِيَ مَدِينَةٌ حَصِينَةٌ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ نَصْرُ الدَّوْلَةِ بْنُ مَرْاوَنَ صَاحِبُ دِيَارِ بَكْرٍ الْهَدَايَا الْكَثِيرَةَ وَالْعَسَاكِرَ، وَقَدْ كَانَ خَطَبَ لَهُ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ وَأَطَاعَهُ، وَأَثَّرَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَك فِي غَزْوِ الرُّومِ آثَارًا عَظِيمَةً، وَنَالَ مِنْهُمْ مِنَ النَّهْبِ وَالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ شَيْئًا كَثِيرًا.
стр. 4641
وَبَلَغَ فِي غَزْوَتِهِ هَذِهِ إِلَى أَرْزَنَ الرُّومِ، وَعَادَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ لَمَّا هَجَمَ الشِّتَاءُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْلِكَ مَلَازْكِرْدَ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُقِيمُ إِلَى أَنْ يَنْقَضِيَ الشِّتَاءُ، وَيَعُودَ يُتِمَّ غَزَاتِهِ، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى الرَّيِّ فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَعَادَ نَحْوَ الْعِرَاقِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ مُحَارَبَةِ بَنِي خَفَاجَةَ وَهَزِيمَتِهِمْ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَجَبٍ قَصَدَ بَنُو خَفَاجَةَ الْجَامِعَيْنِ وَأَعْمَالَ نُورِ الدَّوْلَةِ دُبَيْسٍ، وَنَهَبُوا وَفَتَكُوا فِي أَهْلِ تِلْكَ الْأَعْمَالِ، وَكَانَ نُورُ الدَّوْلَةِ شَرْقِيَّ الْفُرَاتِ، وَخَفَاجَةُ غَرْبِيَّهَا، فَأَرْسَلَ نُورُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْبَسَاسِيرِيِّ يَسْتَنْجِدُهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَصَلَ عَبَرَ الْفُرَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَقَاتَلَ خَفَاجَةَ وَأَجْلَاهُمْ عَنِ الْجَامِعَيْنِ، فَانْهَزَمُوا مِنْهُ وَدَخَلُوا الْبَرَّ، فَلَمْ يَتْبَعْهُمْ وَعَادَ عَنْهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى الْفَسَادِ، فَاسْتَعَدَّ لِسُلُوكِ الْبَرِّ خَلْفَهُمْ أَيْنَ قَصَدُوا، وَعَطَفَ نَحْوَهُمْ قَاصِدًا حَرْبَهُمْ، فَدَخَلُوا الْبَرَّ أَيْضًا، فَتَبِعَهُمْ فَلَحِقَهُمْ بِخَفَّانَ، وَهُوَ حِصْنٌ بِالْبَرِّ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ، (وَقَتَلَ مِنْهُمْ) وَنَهَبَ أَمْوَالَهُمْ وَجِمَالَهُمْ وَعَبِيدَهُمْ وَإِمَاءَهُمْ، وَشَرَّدَهُمْ كُلَّ مُشَرَّدٍ، وَحَصَرَ خَفَّانَ فَفَتَحَهُ وَخَرَّبَهُ، وَأَرَادَ تَخْرِيبَ الْقَائِمِ بِهِ، وَهُوَ بِنَاءٌ مِنْ آجُرٍّ وَكِلْسٍ، وَصَانَعَ عَنْهُ صَاحِبَهُ رَبِيعَةَ بْنَ مُطَاعٍ بِمَالٍ بَذَلَهُ، فَتَرَكَهُ وَعَادَ إِلَى الْبِلَاد ِ.
وَهَذَا الْقَائِمُ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ عَلَمًا يَهْتَدِي بِهِ السُّفُنُ لَمَّا كَانَ الْبَحْرُ يَجِيءُ إِلَى النَّجَفِ. وَدَخَلَ بَغْدَاذَ وَمَعَهُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا مِنْ خَفَاجَةَ عَلَيْهِمُ الْبَرَانِسُ، وَقَدْ شَدَّهُمْ بِالْحِبَالِ إِلَى الْجِمَالِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَصَلَبَ جَمَاعَةً، وَتَوَجَّهَ إِلَى حَرْبَى فَحَصَرَهَا، وَقَرَّرَ عَلَى أَهْلِهَا تِسْعَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَأَمَّنَهُم ْ.
стр. 4642
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ عَلَى الْأَنْبَارِ وَالْخُطْبَةِ لِطُغْرُلْبَك بِأَعْمَالِهِ
فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ حَصَرَ الْأَمِيرُ أَبُو الْمَعَالِي قُرَيْشُ بْنُ بَدْرَانَ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ مَدِينَةَ الْأَنْبَارِ وَفَتَحَهَا، وَخَطَبَ لِطُغْرُلْبَك فِيهَا وَفِي سَائِرِ أَعْمَالِهِ، وَنَهَبَ مَا كَانَ فِيهَا لِلْبَسَاسِيرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَنَهَبَ حُلَلَ أَصْحَابِهِ بِالْخَالِصِ، وَفَتَحُوا بُثُوقَهْ، فَامْتَعَضَ الْبَسَاسِيرِيُّ مِنْ ذَلِكَ، وَجَمَعَ جُمُوعًا كَثِيرَةً وَقَصَدَ الْأَنْبَارَ وَحَرْبَى، فَاسْتَعَادَهُمَا، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْقَائِدِ بْنِ حَمَّادٍ وَمَا كَانَ مِنْ أَهْلِهِ بَعْدَهُ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَجَبٍ تُوُفِّيَ الْقَائِدُ ابْنُ حَمَّادٍ، وَأَوْصَى إِلَى وَلَدِهِ مُحَسَّنٍ، وَأَوْصَاهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَى عُمُومَتِهِ، فَلَمَّا مَاتَ خَالَفَ مَا أَمَرَهُ بِهِ، وَأَرَادَ عَزْلَ جَمِيعِهِمْ، فَلَمَّا سَمِعَ عَمُّهُ يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ بِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ خَالَفَهُ، وَجَمَعَ جَمْعًا عَظِيمًا وَبَنَى قَلْعَةً فِي جَبَلٍ مَنِيعٍ، وَسَمَّاهَا الطَّيَّارَةَ.
ثُمَّ إِنَّ مُحَسَّنًا قَتَلَ مِنْ عُمُومَتِهِ أَرْبَعَةً، فَازْدَادَ يُوسُفُ، نُفُورًا وَكَانَ ابْنُ عَمِّهِ بُلُكِّينُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي بَلَدِهِ أَفْرُيُونَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُحَسَّنٌ يَسْتَدْعِيهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ أَمَرَ مُحَسَّنٌ رِجَالًا مِنَ الْعَرَبِ أَنْ يَقْتُلُوهُ، فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ لَهُمْ أَمِيرُهُمْ خَلِيفَةُ بْنُ مَكَنَ: إِنَّ بُلُكِّينَ لَمْ يَزَلْ مُحْسِنًا إِلَيْنَا، فَكَيْفَ نَقْتُلُهُ؟ فَأَعْلَمُوهُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مُحَسَّنٌ، فَخَافَ، فَقَالَ لَهُ خَلِيفَةُ: لَا تَخَفْ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ قَتْلَ مُحَسَّنٍ فَأَنَا أَقْتُلُهُ لَكَ. فَاسْتَعَدَّ بُلُكِّينُ لِقِتَالِهِ، وَسَارَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا عَلِمَ مُحَسَّنٌ بِذَلِكَ وَكَانَ قَدْ فَارَقَ الْقَلْعَةَ عَادَ هَارِبًا إِلَيْهَا، فَأَدْرَكَهُ بُلُكِّينُ فَقَتَلَهُ، وَمَلَكَ الْقَلْعَةَ وَوَلِيَ الْأَمْرَ، وَكَانَ مُلْكُهُ الْقَلْعَةَ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ذِكْرُ ابْتِدَاءِ الْوَحْشَةِ بَيْنَ الْبَسَاسِيرِيِّ وَالْخَلِيفَةِ
فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ ابْتَدَأَتِ الْوَحْشَةُ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ وَالْبَسَاسِيرِيِّ.
стр. 4643
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا الْغَنَائِمِ وَأَبَا سَعْدٍ ابْنَيِ الْمُحْلِبَانِ صَاحِبَيْ قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ، وَصَلَا إِلَى بَغْدَاذَ سِرًّا، فَامْتَعَضَ الْبَسَاسِيرِيُّ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: هَؤُلَاءِ وَصَاحِبُهُمْ كَبَسُوا حُلَلَ أَصْحَابِي، وَنَهَبُوا، وَفَتَحُوا الْبُثُوقَ، وَأَسْرَفُوا فِي إِهْلَاكِ النَّاسِ. وَأَرَادَ أَخْذَهُمْ فَلَمْ يُمَكَّنْ مِنْهُمْ، فَمَضَى إِلَى حَرْبَى وَعَادَ وَلَمْ يَقْصِدْ دَارَ الْخِلَافَةِ عَلَى عَادَتِهِ، فَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَى رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ.
وَاجْتَازَتْ بِهِ سَفِينَةٌ لِبَعْضِ أَقَارِبِ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ، فَمَنَعَهَا وَطَالَبَ بِالضَّرِيبَةِ الَّتِي عَلَيْهَا، وَأَسْقَطَ مُشَاهَرَاتِ الْخَلِيفَةِ مِنْ دَارِ الضَّرْبِ، وَكَذَلِكَ مُشَاهَرَاتِ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ، وَحَوَاشِيَ الدَّارِ، وَأَرَادَ هَدْمَ دُورِ بَنِي الْمُحْلِبَانِ، فَمُنِعَ مِنْهُ، فَقَالَ: مَا أَشْكُو إِلَّا مِنْ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ الَّذِي قَدْ خَرَّبَ الْبِلَادَ، وَأَطْمَعَ الْغُزَّ وَكَاتَبَهُمْ.
وَدَامَ ذَلِكَ إِلَى ذِي الْحِجَّةِ، فَسَارَ الْبَسَاسِيرِيُّ إِلَى الْأَنْبَارِ، وَأَحْرَقَ نَاحِيَتَيْ دُمَّا، وَالْفَلُّوجَةَ، وَكَانَ أَبُو الْغَنَائِمِ بْنُ الْمُحْلِبَانِ بِالْأَنْبَارِ قَدْ أَتَاهَا مِنْ بَغْدَاذَ، وَوَرَدَ نُورُ الدَّوْلَةِ دُبَيْسٌ إِلَى الْبَسَاسِيرِيِّ، مُعَاوِنًا لَهُ عَلَى حَصْرِهَا، وَنَصَبَ الْبَسَاسِيرِيُّ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، فَهَدَمَ بُرْجًا، وَرَمَاهُمْ بِالنِّفْطِ، فَأَحْرَقَ أَشْيَاءَ كَانَ قَدْ أَعَدَّهَا أَهْلُ الْبَلَدِ لِقِتَالِهِ، وَدَخَلَهَا قَهْرًا، فَأَسَرَ مِائَةَ نَفْسٍ مِنْ بَنِي خَفَاجَةَ، وَأَسَرَ أَبَا الْغَنَائِمِ بْنَ الْمُحْلِبَانِ، فَأُخِذَ وَقَدْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْفُرَاتِ، وَنَهَبَ الْأَنْبَارَ، وَأَسَرَ مِنْ أَهْلِهَا خَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ، وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ أَبُو الْغَنَائِمِ عَلَى جَمَلٍ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ أَحْمَرُ، وَعَلَى رَأْسِهِ بُرْنُسٌ، وَفِي رِجْلَيْهِ قَيْدٌ، وَأَرَادَ صَلْبَهُ وَصَلْبَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَسْرَى، فَسَأَلَهُ نُورُ الدَّوْلَةِ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ حَتَّى يَعُودَ، وَأَتَى الْبَسَاسِيرِيُّ إِلَى مُقَابِلِ التَّاجِ، فَقَبَّلَ الْأَرْضَ، وَعَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَتَرَكَ أَبَا الْغَنَائِمِ لَمْ يَصْلُبْهُ، وَصَلَبَ جَمَاعَةً مِنَ الْأَسْرَى، فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ الْوَحْشَةِ.
ذِكْرُ وَصُولِ الْغُزِّ إِلَى الدَّسْكَرَةِ وَغَيْرِهَا
فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَهُوَ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْغُزِّيَّةِ
стр. 4644
السَّلْجُوقِيَّةِ، إِلَى الدَّسْكَرَةِ، وَكَانَ مُقِيمًا بِحُلْوَانَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا قَاتَلَهُ أَهْلُهَا ثُمَّ ضَعُفُوا وَعَجَزُوا وَهَرَبُوا مُتَفَرِّقِينَ، وَدَخَلَ الْغُزُّ الْبَلَدَ فَنَهَبُوهُ أَقْبَحَ نَهْبٍ، وَضَرَبُوا النِّسَاءَ وَأَوْلَادَهُنَّ، فَاسْتَخْرَجُوا بِذَلِكَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَسَارُوا إِلَى رُوشَنْقِبَاذَ لِفَتْحِهَا، وَهِيَ بِيَدِ سَعْدِي، وَأَمْوَالُهُ فِيهَا وَفِي قَلْعَةِ الْبَرَدَانِ.
وَكَانَ سَعْدِي قَدْ فَارَقَ طَاعَةَ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمْ يَفْتَحْهَا، وَأَجْلَى أَهْلَ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَخُرِّبَتِ الْقُرَى، وَنُهِبَتْ أَمْوَالُ أَهْلِهَا.
وَسَارَ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنَ الْغُزِّ إِلَى نَوَاحِي الْأَهْوَازِ وَأَعْمَالِهَا، فَنَهَبُوهَا وَاجْتَاحُوا أَهْلَهَا، وَقَوِيَ طَمَعُ الْغُزِّ فِي الْبِلَادِ، وَانْخَذَلَ الدَّيْلَمُ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْأَتْرَاكِ، وَضَعُفَتْ نُفُوسُهُمْ.
ثُمَّ سَيَّرَ طُغْرُلْبَك الْأَمِيرَ أَبَا عَلِيٍّ ابْنَ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، الَّذِي كَانَ صَاحِبَ الْبَصْرَةِ، فِي جَيْشٍ مِنَ الْغُزِّ إِلَى خُوزِسْتَانَ لِيَمْلِكَهَا، فَوَصَلَ سَابُورَ خُوَاسْتَ، وَكَاتَبَ الدَّيْلَمَ الَّذِينَ بِالْأَهْوَازِ يَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ، وَيَعِدُهُمُ الْإِحْسَانَ إِنْ أَجَابُوا، وَالْعُقُوبَةَ إِنِ امْتَنَعُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ أَطَاعَ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَالَفَ، فَسَارَ إِلَى الْأَهْوَازِ، فَمَلَكَهَا وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَلَمْ يَعْرِضْ لِأَحَدٍ فِي مَالٍ وَلَا غَيْرِهِ، فَلَمْ يُوَافِقْهُ الْغُزُّ عَلَى ذَلِكَ، وَمَدُّوا أَيْدِيَهُمْ إِلَى النَّهْبِ وَالْغَارَةِ وَالْمُصَادَرَةِ، وَلَقِيَ النَّاسُ مِنْهُمْ عَنَتًا وَشِدَّةً.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَثُرَتِ الصَّرَاصِرُ بِبَغْدَاذَ، حَتَّى كَانَ يُسْمَعُ لَهَا بِاللَّيْلِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ الْجَرَادِ إِذَا طَارَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ تُوُفِّيَ أَبُو حَسَّانٍ الْمُقَلِّدُ بْنُ بَدْرَانَ أَخُو قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ.
стр. 4645
وَفِيهَا فِي شَوَّالٍ تُوُفِّيَ قُسْطَنْطِينُ مَلِكُ الرُّومِ، زَوْجُ تَذُورَةَ بِنْتِ قُسْطَنْطِينَ، الْمَوْسُومَةِ بِالْمُلْكِ، وَإِنَّمَا مَلَكَ قُسْطَنْطِينُ هَذَا حَيْثُ تَزَوَّجَهَا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانَيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ اللَّبَّانِ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ الْمُقْرِي وَالْمُخْلِصِ وَغَيْرِهِمَا.
وَتُوُفِّيَ فِيهَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ رَوْحٍ أَبُو الْحُسَيْنِ النَّهْرَوَانِيُّ، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ، فَمِنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَتَغَنَّى وَهُوَ يَقُولُ:
وَمَا طَلَبُوا سِوَى قَتْلِي ... فَهَانَ عَلِيَّ مَا طَلَبُوا
فَاسْتَوْقَفَهُ وَقَالَ لَهُ: أَضِفْ إِلَيْهِ: (
عَلَى قَلْبِي الْأَحِبَّةُ بِا ... لتَّمَادِي فِي الْهَوَى غَلَبُوا
)
وَبِالْهِجْرَانِ مِنْ عَيْنَيَّ ... طِيبَ النَّوْمِ قَدْ سَلَبُوا
وَمَا طَلَبُوا سِوَى قَتْلِي ... فَهَانَ عَلِيَّ مَا طَلَبُوا
стр. 4646
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَة]
٤٤٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ عَلَى شِيرَازَ وَقَطْعِ خُطْبَةِ طُغْرُلْبَك فِيهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ سَارَ قَائِدٌ كَبِيرٌ مِنَ الدَّيْلَمِ، يُسَمَّى فُولَاذَ، وَهُوَ صَاحِبُ قَلْعَةِ إِصْطَخْرَ، إِلَى شِيرَازَ، فَدَخَلَهَا وَأَخْرَجَ عَنْهَا الْأَمِيرَ أَبَا مَنْصُورٍ فُولَاسْتُونَ ابْنَ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، فَقَصَدَ فَيْرُوزَابَاذَ وَأَقَامَ بِهَا.
وَقَطَعَ فُولَاذُ خُطْبَةَ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك فِي شِيرَازَ، وَخَطَبَ لِلْمَلِكِ الرَّحِيمِ، وَلِأَخِيهِ أَبِي سَعْدٍ، وَكَاتَبَهُمَا يُظْهِرُ لَهُمَا الطَّاعَةَ، (فَعَلِمَا أَنَّهُ) يَخْدَعُهُمَا بِذَلِكَ، فَسَارَ إِلَيْهِ أَبُو سَعْدٍ، وَكَانَ بِأَرَّجَانَ، وَمَعَهُ عَسَاكِرُ كَثِيرَةٌ، وَاجْتَمَعَ هُوَ وَأَخُوهُ الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورٍ عَلَى قَصْدِ شِيرَازَ وَمُحَاصَرَتِهَا عَلَى قَاعِدَةٍ اسْتَقَرَّتْ بَيْنَهُمَا مِنْ طَاعَةِ أَخِيهِمَا الْمَلِكِ الرَّحِيمِ، فَتَوَجَّهَا نَحْوَهَا فِيمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَحَصَرَا فُولَاذَ فِيهَا.
وَطَالَ الْحِصَارُ إِلَى أَنْ عَدِمَ الْقُوتُ فِيهَا، وَبَلَغَ السِّعْرُ سَبْعَةُ أَرْطَالِ حِنْطَةٍ بِدِينَارٍ، وَمَاتَ أَهْلُهَا جُوعًا، وَكَانَ مَنْ بَقِيَ فِيهَا نَحْوَ أَلْفِ إِنْسَانٍ، وَتَعَذَّرَ الْمُقَامُ فِي الْبَلَدِ عَلَى فُولَاذَ، فَفَرَّ هَارِبًا مَعَ مَنْ فِي صُحْبَتِهِ مِنَ الدَّيْلَمِ إِلَى نَوَاحِي الْبَيْضَاءِ وَقَلْعَةِ إِصْطَخْرَ، وَدَخَلَ الْأَمِيرُ أَبُو سَعْدٍ، وَالْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورٍ شِيرَازَ، وَعَسَاكِرُهُمَا، وَمَلَكُوهَا وَأَقَامُوا بِهَا.
стр. 4647
ذِكْرُ قَتْلِ أَبِي حَرْبِ بْنِ مَرْوَانَ صَاحِبِ الْجَزِيرَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ الْأَمِيرُ أَبُو حَرْبٍ سُلَيْمَانُ بْنُ نَصْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ مَرْوَانَ، وَكَانَ وَالِدُهُ قَدْ سَلَّمَ إِلَيْهِ الْجَزِيرَةَ وَتِلْكَ النَّوَاحِيَ لِيُقِيمَ بِهَا وَيَحْفَظَهَا، وَكَانَ شُجَاعًا مِقْدَامًا، فَاسْتَبَدَّ بِالْأَمْرِ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ، فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمِيرِ مُوسَكَ بْنِ الْمُجَلِّي ابْنِ زَعِيمِ الْأَكْرَادِ الْبُخْتِيَّةِ، وَلَهُ حُصُونٌ مَنِيعَةٌ شَرْقِيَّ الْجَزِيرَةِ - نَفْرَةٌ.
ثُمَّ رَاسَلَهُ أَبُو حَرْبٍ وَاسْتَمَالَهُ، وَسَعَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَةَ الْأَمِيرِ أَبِي طَاهِرٍ الْبَشْنَوِيِّ، صَاحِبِ قَلْعَةِ فَنَكَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْحُصُونِ، وَكَانَ أَبُو طَاهِرٍ هَذَا ابْنَ أُخْتِ نَصْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ مَرْوَانَ، فَلَمْ يُخَالِفْ أَبُو طَاهِرٍ صَاحِبُ فَنَكَ أَبَا حَرْبٍ فِي الَّذِي أَشَارَ بِهِ مِنْ تَزْوِيجِ الْأَمِيرِ مُوسَكَ، فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ وَنَقَلَهَا إِلَيْهِ، فَاطْمَأَنَّ حِينَئِذٍ مُوسَكُ، وَسَارَ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَغَدَرَ بِهِ وَقَبَضَ عَلَيْهِ وَحَبَسَهُ.
وَوَصَلَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَك إِلَى تِلْكَ الْأَعْمَالِ لَمَّا تَوَجَّهَ إِلَى غَزْوِ الرُّومِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى نَصْرِ الدَّوْلَةِ يَشْفَعُ فِي مُوسَكَ، فَأَظْهَرَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى حَمِيهِ أَبِي طَاهِرٍ الْبَشْنَوِيِّ، وَأَرْسَلَ إِلَى نَصْرِ الدَّوْلَةِ وَابْنِهِ سُلَيْمَانَ فَقَالَ لَهُمَا: حَيْثُ أَرَدْتُمَا قَتْلَهُ، فَلِمَ جَعَلْتُمَا ابْنَتِي طَرِيقًا إِلَى ذَلِكَ، وَقَلَّدْتُمُونِيَ الْعَارَ؟ وَتَنَكَّرَ لَهُمَا وَخَافَهُ أَبُو حَرْبٍ، فَوَضَعَ عَلَيْهِ مَنْ سَقَاهُ سُمًّا، فَقَتَلَهُ.
وَوُلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَأَظْهَرَ لَهُ أَبُو حَرْبٍ الْمَوَدَّةَ اسْتِصْلَاحًا لَهُ، وَتَبَرُّؤًا إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَا قِيلَ عَنْهُ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ وَتَجْدِيدِ الْأَيْمَانِ، فَنَزَلُوا مِنْ فَنَكَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَبُو حَرْبٍ مِنَ الْجَزِيرَةِ فِي نَفَرٍ قَلِيلٍ، فَقَتَلُوهُ.
وَعَرَفَ وَالِدُهُ ذَلِكَ، فَأَقْلَقَهُ وَأَزْعَجَهُ، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ نَصْرًا إِلَى الْجَزِيرَةِ لِيَحْفَظَ تِلْكَ النَّوَاحِيَ، وَيَأْخُذَ بِثَأْرِ أَخِيهِ، وَسَيَّرَ مَعَهُ جَيْشًا كَثِيفًا.
وَكَانَ الْأَمِيرُ قُرَيْشُ بْنُ بَدْرَانَ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، لَمَّا سَمِعَ قَتْلَ أَبِي حَرْبٍ انْتَهَزَ الْفُرْصَةَ، وَسَارَ إِلَى الْجَزِيرَةِ لِيَمْلِكَهَا، وَكَاتَبَ الْبُخْتِيَّةَ وَالْبَشْنَوِيَّةَ، وَاسْتَمَالَهُمْ، فَنَزَلُوا إِلَيْهِ وَاجْتَمَعُوا مَعَهُ عَلَى قِتَالِ نَصْرِ بْنِ مَرْوَانَ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا كَثُرَ فِيهِ الْقَتْلَى، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، فَكَانَتِ الْغَلَبَةُ أَخِيرًا لِابْنِ مَرْوَانَ، وَجُرِحَ قُرَيْشٌ جِرَاحَةً قَوِيَّةً
стр. 4648
بِزُوبِينٍ رُمِيَ بِهِ، وَعَادَ عَنْهُ، وَثَبَتَ أَمْرُ ابْنِ مَرْوَانَ بِالْجَزِيرَةِ، وَعَاوَدَ مُرَاسَلَةَ الْبَشْنَوِيَّةِ وَالْبُخْتِيَّةِ، وَاسْتَمَالَهُمْ لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيهِمْ طَمَعًا، فَلَمْ يُطِيعُوهُ.
ذِكْرُ وُثُوبِ الْأَتْرَاكِ بِبَغْدَاذَ بِأَهْلِ الْبَسَاسِيرِيِّ وَالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَنَهْبِ دُورِهِ وَأَمْلَاكِهِ وَتَأَكُّدِ الْوَحْشَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَارَتْ فِتْنَةٌ بِبَغْدَاذَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ بَيْنَ الْعَامَّةِ، وَثَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَظْهَرُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَحَضَرُوا الدِّيوَانَ، وَطَلَبُوا أَنْ يُؤْذَنَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَأَنْ يُتَقَدَّمَ إِلَى أَصْحَابِ الدِّيوَانِ بِمُسَاعَدَتِهِمْ، فَأُجِيبُوا إِلَى ذَلِكَ، وَحَدَثَ مِنْ ذَلِكَ شَرٌّ كَثِيرٌ.
ثُمَّ إِنَّ أَبَا سَعْدٍ النَّصْرَانِيَّ، صَاحِبَ الْبَسَاسِيرِيِّ، حَمَلَ فِي سَفِينَةٍ سِتَّمِائَةِ جَرَّةٍ خَمْرًا لِيَحْدِرَهَا إِلَى الْبَسَاسِيرِيِّ بِوَاسِطٍ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، فَحَضَرَ ابْنُ سُكَّرَةَ الْهَاشِمِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَعْيَانِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَتَبِعَهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَحَاجِبُ بَابِ الْمَرَاتِبِ مِنْ قِبَلِ الدِّيوَانِ، وَقَصَدُوا السَّفِينَةَ، وَكَسَرُوا جِرَارَ الْخَمْرِ وَأَرَاقُوهَا.
وَبَلَغَ ذَلِكَ الْبَسَاسِيرِيَّ، فَعَظُمَ عَلَيْهِ، وَنَسَبَهُ إِلَى رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ، وَتَجَدَّدَتِ الْوَحْشَةُ، فَكَتَبَ فَتَاوَى أَخَذَ فِيهَا خُطُوطَ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الَّذِي فُعِلَ مِنْ كَسْرِ الْجِرَارِ [وَإِرَاقَةِ الْخَمْرِ] تَعَدٍّ غَيْرُ وَاجِبٍ، (وَهِيَ مِلْكُ رَجُلٍ نَصْرَانِيٍّ، لَا يَجُوزُ، وَتَرَدَّدَ الْقَوْلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى) ، فَتَأَكَّدَتِ الْوَحْشَةُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَوَضَعَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ الْأَتْرَاكَ الْبَغْدَاذِيِّينَ عَلَى ثَلْبِ الْبَسَاسِيرِيِّ وَالذَّمِّ لَهُ، وَنَسْبِ كُلِّ مَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنْ نَقْضٍ إِلَيْهِ، فَطَمِعُوا فِيهِ، وَسَلَكُوا فِي هَذَا الْمَعْنَى زِيَادَةً عَلَى مَا أَرَادَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ، وَتَمَادَتِ الْأَيَّامُ إِلَى رَمَضَانَ، فَحَضَرُوا دَارَ الْخَلِيفَةِ، وَاسْتَأْذَنُوا فِي قَصْدِ دُورِ الْبَسَاسِيرِيِّ وَنَهْبِهَا، فَأَذِنَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَقَصَدُوهَا وَنَهَبُوهَا وَأَحْرَقُوهَا، وَنَكَّلُوا بِنِسَائِهِ وَأَهْلِهِ وَنُوَّابِهِ، وَنَهَبُوا دَوَابَّهُ وَجَمِيعَ مَا يَمْلِكُهُ بِبَغْدَاذَ.
стр. 4649
وَأَطْلَقَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ لِسَانَهُ فِي الْبَسَاسِيرِيِّ وَذَمَّهُ، وَنَسَبَهُ إِلَى مُكَاتَبَةِ الْمُسْتَنْصِرِ، صَاحِبِ مِصْرَ، وَأَفْسَدَ الْحَالَ مَعَ الْخَلِيفَةِ إِلَى حَدٍّ لَا يُرْجَى صَلَاحُهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ الرَّحِيمِ يَأْمُرُهُ بِإِبْعَادِ الْبَسَاسِيرِيِّ، فَأَبْعَدَهُ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ فِي مُلْكِ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك الْعِرَاقَ، وَقَبْضِ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ، وَسَيَرِدُ مِنْ ذَلِكَ مَا تَرَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ وَصُولِ طُغْرُلْبَك إِلَى بَغْدَاذَ وَالْخُطْبَةِ لَهُ بِهَا
قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلَ مَسِيرِ طُغْرُلْبَك إِلَى الرَّيِّ، وَبَعْدَ عَوْدِهِ مِنْ غَزْوِ الرُّومِ، لِلنَّظَرِ فِي ذَلِكَ الطَّرَفِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الرَّيِّ عَادَ إِلَى هَمَذَانَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ الْحَجَّ وَإِصْلَاحَ طَرِيقِ مَكَّةَ، وَالْمَسِيرَ إِلَى الشَّامِ وَمِصْرَ، وَإِزَالَةَ الْمُسْتَنْصِرِ الْعَلَوِيِّ صَاحِبِهَا.
وَكَاتَبَ أَصْحَابَهُ بِالدِّينَوَرَ وَقِرْمِسِينَ وَحُلْوَانَ وَغَيْرِهَا، فَأَمَرَهُمْ بِإِعْدَادِ الْأَقْوَاتِ وَالْعُلُوفَاتِ. فَعَظُمَ الْإِرْجَافُ بِبَغْدَاذَ، وَفُتَّ فِي أَعْضَادِ النَّاسِ، وَشَغَبَ الْأَتْرَاكُ بِبَغْدَاذَ، وَقَصَدُوا دِيوَانَ الْخِلَافَةِ.
وَوَصَلَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَك إِلَى حُلْوَانَ، وَانْتَشَرَ أَصْحَابُهُ فِي طَرِيقِ خُرَاسَانَ، فَأَجْفَلَ النَّاسُ غَرْبِيَّ بَغْدَاذَ، وَأَخْرَجَ الْأَتْرَاكُ خِيَامَهُمْ إِلَى ظَاهِرِ بَغْدَاذَ.
وَسَمِعَ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ بِقُرْبِ طُغْرُلْبَك مِنْ بَغْدَاذَ، فَأَصْعَدَ مِنْ وَاسِطٍ إِلَيْهَا، وَفَارَقَهُ الْبَسَاسِيرِيُّ فِي الطَّرِيقِ لِمُرَاسَلَةٍ وَرَدَتْ مِنَ الْقَائِمِ فِي مَعْنَاهُ إِلَى الْمَلِكِ الرَّحِيمِ أَنَّ الْبَسَاسِيرِيَّ خَلَعَ الطَّاعَةَ، وَكَاتَبَ الْأَعْدَاءَ، يَعْنِي الْمِصْرِيِّينَ، وَأَنَّ الْخَلِيفَةَ لَهُ عَلَى الْمَلِكِ عُهُودٌ، وَلَهُ عَلَى الْخَلِيفَةِ مِثْلُهَا، فَإِنْ آثَرَهُ فَقَدْ قَطَعَ مَا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ أَبْعَدَهُ وَأَصْعَدَ إِلَى بَغْدَاذَ تَوَلَّى الدِّيوَانُ تَدْبِيرَ أَمْرِهِ، فَقَالَ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ وَمَنْ مَعَهُ: نَحْنُ لِأَوَامِرِ الدِّيوَانِ مُتَّبِعُونَ، وَعَنْهُ مُنْفَصِلُونَ.
стр. 4650
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ مَا ذُكِرَ. وَسَارَ الْبَسَاسِيرِيُّ إِلَى بَلَدِ نُورِ الدَّوْلَةِ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ لِمُصَاهَرَةٍ بَيْنَهُمَا، وَأَصْعَدَ الْمَلِكَ الرَّحِيمَ إِلَى بَغْدَاذَ. وَأَرْسَلَ طُغْرُلْبَك رَسُولًا إِلَى الْخَلِيفَةِ يُبَالِغُ فِي إِظْهَارِ الطَّاعَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ، وَإِلَى الْأَتْرَاكِ الْبَغْدَاذِيِّينَ يَعِدُهُمُ الْجَمِيلَ وَالْإِحْسَانَ، فَأَنْكَرَ الْأَتْرَاكُ ذَلِكَ، وَرَاسَلُوا الْخَلِيفَةَ فِي الْمَعْنَى، وَقَالُوا: إِنَّنَا فَعَلْنَا بِالْبَسَاسِيرِيِّ مَا فَعَلْنَا، وَهُوَ كَبِيرُنَا، وَمُقَدَّمُنَا، بِتَقَدُّمِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَعَدَنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِإِبْعَادِ هَذَا الْخَصْمِ عَنَّا، وَنَرَاهُ قَدْ قَرُبَ مِنَّا، وَلَمْ يُمْنَعْ مِنَ الْمَجِيءِ. وَسَأَلُوا التَّقَدُّمَ عَلَيْهِ (فِي الْعَوْدِ) ، فَغُولِطُوا فِي الْجَوَابِ، وَكَانَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ يُؤْثِرُ مَجِيئَهُ، وَيَخْتَارُ انْقِرَاضَ الدَّوْلَةِ الدَّيْلَمِيَّةِ.
ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ الرَّحِيمَ وَصَلَ إِلَى بَغْدَاذَ مُنْتَصَفَ رَمَضَانَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يُظْهِرُ لَهُ الْعُبُودِيَّةَ، وَأَنَّهُ قَدْ سَلَّمَ أَمْرَهُ إِلَيْهِ لِيَفْعَلَ مَا تَقْتَضِيهِ الْعَوَاطِفُ مَعَهُ فِي تَقْرِيرِ الْقَوَاعِدِ مَعَ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك، وَكَذَلِكَ قَالَ مَنْ مَعَ الرَّحِيمِ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَأُجِيبُوا بِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ أَنْ يُدْخِلَ الْأَجْنَادُ خِيَامَهُمْ مِنْ ظَاهِرِ بَغْدَاذَ، وَيَنْصِبُوهَا بِالْحَرِيمِ، وَيُرْسِلُوا رَسُولًا إِلَى طُغْرُلْبَك يَبْذُلُونَ لَهُ الطَّاعَةَ وَالْخُطْبَةَ، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ وَفَعَلُوهُ، وَأَرْسَلُوا رُسُلًا إِلَيْهِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا، وَوَعَدَهُمُ الْإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ.
وَتَقَدَّمَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الْخُطَبَاءِ بِالْخُطْبَةِ لِطُغْرُلْبَك بِجَوَامِعِ بَغْدَاذَ، فَخُطِبَ لَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ. وَأَرْسَلَ طُغْرُلْبَك يَسْتَأْذِنُ الْخَلِيفَةَ فِي دُخُولِ بَغْدَاذَ، فَأَذِنَ لَهُ، فَوَصَلَ إِلَى النَّهْرَوَانِ، وَخَرَجَ الْوَزِيرُ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ إِلَى لِقَائِهِ فِي مَوْكِبٍ عَظِيمٍ مِنَ الْقُضَاةِ، وَالنُّقَبَاءِ، وَالْأَشْرَافِ، وَالشُّهُودِ، وَالْخَدَمِ، وَأَعْيَانِ الدَّوْلَةِ، وَصَحِبَهُ أَعْيَانُ الْأُمَرَاءِ مِنْ عَسْكَرِ الرَّحِيمِ. فَلَمَّا عَلِمَ طُغْرُلْبَك بِهِمْ أَرْسَلَ إِلَى طَرِيقِهِمُ الْأُمَرَاءَ وَوَزِيرَهُ أَبَا نَصْرٍ الْكُنْدُرِيَّ، فَلَمَّا وَصَلَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ (إِلَى السُّلْطَانِ) أَبْلَغَهُ رِسَالَةَ الْخَلِيفَةِ، وَاسْتَحْلَفَهُ لِلْخَلِيفَةِ، وَلِلْمَلِكِ الرَّحِيمِ، وَأُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ، وَسَارَ طُغْرُلْبَك وَدَخَلَ بَغْدَاذَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنَ الشَّهْرِ، وَنَزَلَ بِبَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ
стр. 4651
قُرَيْشُ بْنُ بَدْرَانَ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ فِي طَاعَتِهِ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
ذِكْرُ وُثُوبِ الْعَامَّةِ بِبَغْدَاذَ بِعَسْكَرِ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك وَقَبْضِ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ
لَمَّا وَصَلَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَك بَغْدَاذَ دَخَلَ عَسْكَرُهُ الْبَلَدَ لِلِامْتِيَارِ وَشِرَاءِ مَا يُرِيدُونَهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَأَحْسَنُوا مُعَامَلَتَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، وَهُوَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ، جَاءَ بَعْضُ الْعَسْكَرِ إِلَى بَابِ الْأَزَجِّ، وَأَخَذَ وَاحِدًا مِنْ أَهْلِهِ لِيَطْلُبَ مِنْهُ تِبْنًا، وَهُوَ لَا يَفْهَمُ مَا يُرِيدُونَ، فَاسْتَغَاثَ عَلَيْهِمْ، وَصَاحَ الْعَامَّةُ بِهِمْ، وَرَجَمُوهُمْ، وَهَاجُوا عَلَيْهِمْ.
وَسَمِعَ النَّاسُ الصِّيَاحَ، فَظَنُّوا أَنَّ الْمَلِكَ الرَّحِيمَ وَعَسْكَرَهُ قَدْ عَزَمُوا عَلَى قِتَالِ طُغْرُلْبَك، فَارْتَجَّ الْبَلَدُ مِنْ أَقْطَارِهِ، وَأَقْبَلُوا مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، يَقْتُلُونَ مِنَ الْغُزِّ مَنْ وُجِدَ فِي مَحَالِّ بَغْدَاذَ، إِلَّا أَهْلَ الْكَرْخِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا إِلَى الْغُزِّ، بَلْ جَمَعُوهُمْ وَحَفِظُوهُمْ.
وَبَلَغَ السُّلْطَانَ طُغْرُلْبَك مَا فَعَلَهُ أَهْلُ الْكَرْخِ مِنْ حِمَايَةِ أَصْحَابِهِ، فَأَمَرَ بِإِحْسَانِ مُعَامَلَتِهِمْ. فَأَرْسَلَ عَمِيدُ الْمَلِكِ الْوَزِيرُ، إِلَى عَدْنَانَ بْنِ الرَّضِيِّ، نَقِيبِ الْعَلَوِيِّينَ، يَأْمُرُهُ بِالْحُضُورِ، فَحَضَرَ، فَشَكَرَهُ عَنِ السُّلْطَانِ، وَتَرَكَ عِنْدَهُ خَيْلًا بِأَمْرِ السُّلْطَانِ تَحْرُسُهُ وَتَحْرُسُ الْمَحَلَّةَ.
وَأَمَّا عَامَّةُ بَغْدَاذَ، فَلَمْ يَقْنَعُوا بِمَا عَمِلُوا، حَتَّى خَرَجُوا وَمَعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى ظَاهِرِ بَغْدَاذَ، يَقْصِدُونَ الْعَسْكَرَ السُّلْطَانِيَّ، فَلَوْ تَبِعَهُمُ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ وَعَسْكَرُهُ لَبَلَغُوا مَا أَرَادُوا، لَكِنْ تَخَلَّفُوا، وَدَخَلَ أَعْيَانُ أَصْحَابِهِ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، وَأَقَامُوا بِهَا نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُمْ.
وَأَمَّا عَسْكَرُ طُغْرُلْبَك فَلَمَّا رَأَوْا فِعْلَ الْعَامَّةِ وَظُهُورَهُمْ مِنَ الْبَلَدِ قَاتَلُوهُمْ، فَقُتِلَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَانْهَزَمَتِ الْعَامَّةُ، وَجُرِحَ فِيهِمْ وَأُسِرَ كَثِيرٌ، وَنَهَبَ الْغُزُّ دَرْبَ يَحْيَى، وَدَرْبَ سُلَيْمٍ، وَبِهِ دُورُ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ وَدُورُ أَهْلِهِ، فَنُهِبَ الْجَمِيعُ، وَنُهِبَتِ الرُّصَافَةُ، وَتُرَبُ الْخُلَفَاءِ، وَأُخِذَ مِنْهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحْصَى، لِأَنَّ أَهْلَ تِلْكَ الْأَصْقَاعِ
стр. 4652
نَقَلُوا إِلَيْهَا أَمْوَالَهُمُ اعْتِقَادًا مِنْهُمْ أَنَّهَا مُحْتَرَمَةٌ.
وَوَصَلَ النَّهْبُ إِلَى أَطْرَافِ نَهْرِ الْمُعَلَّى، وَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَى النَّاسِ وَعَظُمَ الْخَوْفُ، وَنَقَلَ النَّاسُ أَمْوَالَهُمْ إِلَى بَابِ النُّوبِيِّ، وَبَابِ الْعَامَّةِ، وَجَامِعِ الْقَصْرِ، فَتَعَطَّلَتِ الْجُمُعَاتُ لِكَثْرَةِ الزَّحْمَةِ.
وَأَرْسَلَ طُغْرُلْبَك مِنَ الْغَدِ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَعْتِبُ، وَيَنْسُبُ مَا جَرَى إِلَى الْمَلِكِ الرَّحِيمِ وَأَجْنَادِهِ، وَيَقُولُ: إِنْ حَضَرُوا بَرِئَتْ سَاحَتُهُمْ، وَإِنْ تَأَخَّرُوا عَنِ الْحُضُورِ أَيْقَنْتُ أَنَّ مَا جَرَى إِنَّمَا كَانَ بِوَضْعٍ مِنْهُمْ.
وَأَرْسَلَ لِلْمَلِكِ الرَّحِيمِ وَأَعْيَانِ أَصْحَابِهِ أَمَانًا لَهُمْ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمُ الْخَلِيفَةُ بِقَصْدِهِ، فَرَكِبُوا إِلَيْهِ، وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ مَعَهُمْ رَسُولًا يُبْرِئُهُمْ مِمَّا خَامَرَ خَاطِرَ السُّلْطَانِ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى خِيَامِهِ نَهَبَهُمُ الْغُزُّ، وَنَهَبُوا رُسُلَ الْخَلِيفَةِ مَعَهُمْ، وَأَخَذُوا دَوَابَّهُمْ وَثِيَابَهُمْ.
وَلَمَّا دَخَلَ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ إِلَى خَيْمَةِ السُّلْطَانِ أُمِرَ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ مَعَهُ، فَقُبِضُوا كُلُّهُمْ آخِرَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَحُبِسُوا، ثُمَّ حُمِلَ الرَّحِيمُ إِلَى قَلْعَةِ السِّيرَوَانِ، وَكَانَتْ وِلَايَةُ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ عَلَى بَغْدَاذَ سِتَّ سِنِينَ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَنُهِبَ أَيْضًا قُرَيْشُ بْنُ بَدْرَانَ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَرَبِ، وَنَجَا مَسْلُوبًا، فَاحْتَمَى بِخَيْمَةِ بَدْرِ بْنِ الْمُهَلْهِلِ، فَأَلْقَوْا عَلَيْهِ الزَّلَالِيَّ حَتَّى أَخْفَوْهُ بِهَا عَنِ الْغُزِّ.
ثُمَّ عَلِمَ السُّلْطَانُ ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ بِالْعَوْدِ إِلَى أَصْحَابِهِ وَحُلَلِهِ تَسْكِينًا لَهُ.
وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى السُّلْطَانِ يُنْكِرُ مَا جَرَى مِنْ قَبْضِ الرَّحِيمِ وَأَصْحَابِهِ، وَنَهْبِ بَغْدَاذَ، وَيَقُولُ: إِنَّهُمْ إِنَّمَا خَرَجُوا إِلَيْكَ بِأَمْرِي وَأَمَانِي، فَإِنْ أَطْلَقْتَهُمْ، وَإِلَّا فَأَنَا أُفَارِقُ بَغْدَاذَ، فَإِنِّي إِنَّمَا اخْتَرْتُكَ وَاسْتَدْعَيْتُكَ اعْتِقَادًا مِنِّي أَنَّ تَعْظِيمَ الْأَوَامِرِ الشَّرِيفَةِ يَزْدَادُ، وَحُرْمَةَ الْحَرِيمِ تُعَظَّمُ، وَأَرَى الْأَمْرَ بِالضِّدِّ.
فَأَطْلَقَ بَعْضَهُمْ، وَأَخَذَ جَمِيعَ إِقْطَاعَاتِ
стр. 4653
عَسْكَرِ الرَّحِيمِ، وَأَمَرَهُمْ بِالسَّعْيِ فِي أَرْزَاقٍ يُحَصِّلُونَهَا لِأَنْفُسِهِمْ. فَتَوَجَّهَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى الْبَسَاسِيرِيِّ وَلَزِمُوهُ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ وَنَفَقَ سُوقُهُ.
وَأَمَرَ طُغْرُلْبَك بِأَخْذِ أَمْوَالِ الْأَتْرَاكِ الْبَغْدَاذِيِّينَ، وَأَرْسَلَ إِلَى نُورِ الدَّوْلَةِ دُبَيْسٍ يَأْمُرُهُ بِإِبْعَادِ الْبَسَاسِيرِيِّ عَنْهُ، فَفَعَلَ، فَسَارَ إِلَى رَحْبَةِ مَالِكٍ بِالشَّامِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَكَاتَبَ الْمُسْتَنْصِرَ صَاحِبَ مِصْرَ بِالدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ. وَخَطَبَ نُورُ الدَّوْلَةِ لِطُغْرُلْبَك فِي بِلَادِهِ، وَانْتَشَرَ الْغُزُّ السَّلْجُوقِيَّةُ فِي سَوَادِ بَغْدَاذَ، فَنَهَبُوا مِنَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ تَكْرِيتَ إِلَى النِّيلِ وَمِنَ الشَّرْقِيِّ إِلَى النَّهْرَوَانِ وَأَسَافِلِ الْأَعْمَالِ، وَأَسْرَفُوا فِي النَّهْبِ، حَتَّى بَلَغَ ثَمَنُ الثَّوْرِ بِبَغْدَاذَ خَمْسَةَ قَرَارِيطَ إِلَى عَشْرَةٍ، وَالْحِمَارِ بِقِيرَاطَيْنِ إِلَى خَمْسَةٍ، وَخُرِّبَ السَّوَادُ، وَأُجْلِيَ أَهْلُهُ عَنْهُ.
وَضَمِنَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَك الْبَصْرَةَ وَالْأَهْوَازَ مِنْ هَزَارَسْبَ بْنِ بُنْكِيرَ بْنِ عِيَاضٍ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفَ وَسِتِّينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَأَقْطَعَهُ أَرَّجَانَ، وَأَمْرَهُ أَنْ يَخْطُبَ لِنَفْسِهِ بِالْأَهْوَازِ، دُونَ الْأَعْمَالِ الَّتِي ضَمِنَهَا، وَأَقْطَعَ الْأَمِيرَ أَبَا عَلِيِّ بْنَ أَبِي كَالِيجَارَ الْمَلِكَ قِرْمِسِينَ وَأَعْمَالَهَا، وَأَمَرَ أَهْلَ الْكَرْخِ أَنْ يُؤَذِّنُوا فِي مَسَاجِدِهِمْ سَحَرًا: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، وَأَمَرَ بِعِمَارَةِ دَارِ الْمَمْلَكَةِ، فَعُمِّرَتْ وَزِيدَ فِيهَا، وَانْتَقَلَ إِلَيْهَا فِي شَوَّالٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِبَغْدَاذَ، وَمُقَدَّمُ الْحَنَابِلَةِ أَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ، وَابْنُ التَّمِيمِيِّ، وَتَبِعَهُمْ مِنَ الْعَامَّةِ الْجَمُّ الْغَفِيرُ، وَأَنْكَرُوا الْجَهْرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَمَنَعُوا مِنَ التَّرْجِيعِ فِي الْأَذَانِ، وَالْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ، وَوَصَلُوا إِلَى دِيوَانِ الْخَلِيفَةِ، وَلَمْ يَنْفَصِلْ حَالٌ، وَأَتَى الْحَنَابِلَةُ إِلَى مَسْجِدٍ بِبَابِ الشَّعِيرِ، فَنَهَوْا إِمَامَهُ عَنِ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ، فَأَخْرَجَ مُصْحَفًا وَقَالَ: أَزِيلُوهَا مِنَ الْمُصْحَفِ حَتَّى لَا أَتْلُوَهَا.
стр. 4654
وَفِيهَا كَانَ بِمَكَّةَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ، وَبَلَغَ الْخُبْزُ عَشْرَةُ أَرْطَالٍ بِدِينَارٍ مَغْرِبِيٍّ، ثُمَّ تَعَذَّرَ وُجُودُهُ، فَأَشْرَفَ النَّاسُ وَالْحُجَّاجُ عَلَى الْهَلَاكِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مِنَ الْجَرَادِ مَا مَلَأَ الْأَرْضَ، فَتَعَوَّضَ النَّاسُ بِهِ، ثُمَّ عَادَ الْحَاجُّ فَسَهُلَ الْأَمْرُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَكَانَ سَبَبُ هَذَا الْغَلَاءِ عَدَمَ زِيَادَةِ النِّيلِ بِمِصْرَ عَنِ الْعَادَةِ، فَلَمْ يُحْمَلْ مِنْهَا الطَّعَامُ إِلَى مَكَّةَ.
وَفِيهَا ظَهَرَ بِالْيَمَنِ إِنْسَانٌ يُعْرَفُ بِأَبِي كَامِلٍ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الصُّلَيْحِيِّ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْيَمَنِ، وَكَانَ مُعَلِّمًا، فَجَمَعَ إِلَى نَفْسِهِ جَمْعًا، وَانْتَمَى إِلَى صَاحِبِ مِصْرَ، وَتَظَاهَرَ بِطَاعَتِهِ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ وَتَبِعُهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ، وَقَوِيَ عَلَى ابْنِ سَادِلٍ وَابْنِ الْكُرَيْدِيِّ الْمُقِيمَيْنِ بِهَا عَلَى طَاعَةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَكَانَ يَتَظَاهَرُ بِمَذْهَبِ الْبَاطِنِيَّةِ.
وَفِيهَا خَطَبَ مَحْمُودٌ الْخَفَاجِيُّ لِلْمُسْتَنْصِرِ الْعَلَوِيِّ، صَاحِبِ مِصْرَ، بِشَفَاثَا وَالْعَيْنِ، وَصَارَ فِي طَاعَتِهِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا فِي شَوَّالٍ تُوُفِّيَ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَاكُولَا، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَبَقِيَ فِي الْقَضَاءِ سَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ شَافِعِيًّا، وَرِعًا، نَزِهًا، أَمِينًا، وَوَلِيَ بَعْدَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الدَّامَغَانِيِّ الْحَنَفِيُّ.
وَفِيهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ تُوُفِّيَ ذَخِيرَةُ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدٌ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَوْلِدُهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
стр. 4655
وَفِيهَا قَبَضَ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ (قَبْلَ وُصُولِ طُغْرُلْبَك إِلَى بَغْدَاذَ) عَلَى الْوَزِيرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، وَطُرِحَ فِي بِئْرٍ فِي دَارِ الْمَمْلَكَةِ، وَطُمَّ عَلَيْهِ، وَكَانَ وَزِيرًا مُتَحَكِّمًا فِي دَوْلَتِهِ.
وَفِيهَا فِي الْمُحَرَّمِ تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحَسَّنِ بْنِ عَلِيٍّ التَّنُوخِيُّ، وَمَوْلِدُهُ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَخَلَّفَ وَلَدًا صَغِيرًا، وَهُوَ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، ثُمَّ تُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَانْقَرَضَ بَيْتُهُ بِمَوْتِهِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الدَّامَغَانِيِّ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِقَلِيلٍ، فَأَخْرَجَ إِلَيَّ وَلَدَهُ هَذَا مِنْ جَارِيَتِهِ وَبَكَى، فَقُلْتُ: يَعِيشُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَتُرَبِّيهِ. فَقَالَ: هَيْهَاتَ! وَاللَّهِ مَا يَتَرَبَّى إِلَّا يَتِيمًا، وَأَنْشَدَ:
أَرَى وَلَدَ الْفَتَى كَلًّا عَلَيْهِ ... لَقَدْ سَعِدَ الَّذِي أَمْسَى عَقِيمًا
فَإِمَّا أَنْ تُرَبِّيَهُ عَدُوًّا ... وَإِمَّا أَنْ تُخَلِّفَهُ يَتِيمًا
فَتَرَبَّى يَتِيمًا كَمَا قَالَ.
стр. 4656
وَفِي جُمَادَى الْأُولَى تُوُفِّيَ (أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ رَجَاءٍ الدَّهَّانُ اللُّغَوِيُّ.
وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ فِيهَا تُوُفِّيَ) أَبُو الْقَاسِمِ مَنْصُورُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْكَرْخِيُّ (مِنْ كَرْخِ جُدَّانَ) ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ.
(وَفِي رَجَبٍ تُوُفِّيَ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّابِتِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ) ، وَهُمَا مِنْ شُيُوخِ أَصْحَابِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ.
وَفِي شَعْبَانَ تُوُفِّيَ أَبُو الْبَرَكَاتِ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى الرَّبَعِيُّ النَّحْوِيُّ، وَكَانَ يَنُوبُ عَنِ الْوُزَرَاءِ بِبَغْدَاذَ.
стр. 4657
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَة]
٤٤٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ نِكَاحِ الْخَلِيفَةِ ابْنَةَ دَاوُدَ أَخِي طُغْرُلْبَك
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ جَلَسَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ جُلُوسًا عَامًّا، وَحَضَرَ عَمِيدُ الْمُلْكِ الْكُنْدُرِيُّ، وَزِيرُ طُغْرُلْبَك، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، مِنْهُمْ: أَبُو عَلِيٍّ ابْنُ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، وَهَزَارَسْبُ بْنُ بُنْكِيرَ بْنِ عِيَاضٍ الْكُرْدِيُّ، وَابْنُ أَبِي الشَّوْكِ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْأَتْرَاكِ مِنْ عَسْكَرِ طُغْرُلْبَك.
وَقَامَ عَمِيدُ الْمُلْكِ، وَزِيرُ طُغْرُلْبَك، وَبِيَدِهِ دَبُّوسٌ، ثُمَّ خَطَبَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ، وَعَقَدَ الْعَقْدَ عَلَى أَرْسِلَانَ خَاتُونَ، وَاسْمُهَا خَدِيجَةُ ابْنَةُ دَاوُدَ أَخِي السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك، وَقَبِلَ الْخَلِيفَةُ بِنَفْسِهِ النِّكَاحَ، وَحَضَرَ الْعَقْدَ نَقِيبُ النُّقَبَاءِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي تَمَّامٍ، وَعَدْنَانُ بْنُ الشَّرِيفِ الرَّضِيِّ، نَقِيبُ الْعَلَوِيِّينَ، وَأَقْضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَأُهْدِيَتْ خَاتُونُ إِلَى الْخَلِيفَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا فِي شَعْبَانَ، وَكَانَتْ وَالِدَةُ الْخَلِيفَةِ قَدْ سَارَتْ لَيْلًا وَتَسَلَّمَتْهَا وَأَحْضَرَتْهَا إِلَى الدَّارِ.
стр. 4658
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَبِيدِ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ وَعَبِيدِ ابْنِهِ تَمِيمٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ عَبِيدِ الْمُعِزِّ، الْمُقِيمِينَ بِالْمَهْدِيَّةِ، وَعَبِيدِ ابْنِهِ تَمِيمٍ، بِسَبَبِ مُنَازَعَةٍ أَدَّتْ إِلَى الْمُقَاتَلَةِ، فَقَامَتْ عَامَّةُ زَوِيلَةَ وَسَائِرُ مَنْ بِهَا مِنْ رِجَالِ الْأُسْطُولِ مَعَ عَبِيدِ تَمِيمٍ، فَأَخْرَجُوا عَبِيدَ الْمُعِزِّ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، وَمَضَى الْبَاقُونَ مِنْهُمْ يُرِيدُونَ الْمَسِيرَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَوَضَعَ عَلَيْهِمْ تَمِيمٌ الْعَرَبَ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمْعًا غَفِيرًا، وَهَذِهِ النَّوْبَةُ هِيَ سَبَبُ قَتْلِ تَمِيمٍ مَنْ قَتَلَ مِنْ عَبِيدِ أَبِيهِ لَمَّا مَلَكَ.
ذِكْرُ ابْتِدَاءِ دَوْلَةِ الْمُلَثَّمِينَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِ الْمُلَثَّمِينَ، وَهُمْ عِدَّةُ قَبَائِلَ يُنْسَبُونَ إِلَى حِمْيَرَ، أَشْهَرُهَا: لَمْتُونَةُ، وَمِنْهَا أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ بْنِ تَاشَفِينَ، وَجَدَّالَةُ، وَلَمْطَةُ.
وَكَانَ أَوَّلُ مَسِيرِهِمْ مِنَ الْيَمَنِ أَيَّامَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ فَسَيَّرَهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَانْتَقَلُوا إِلَى مِصْرَ، وَدَخَلُوا الْمَغْرِبَ مَعَ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، وَتَوَجَّهُوا مَعَ طَارِقٍ إِلَى طَنْجَةَ، فَأَحَبُّوا الِانْفِرَادَ، فَدَخَلُوا الصَّحْرَاءَ وَاسْتَوْطَنُوهَا إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ.
فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةُ تَوَجَّهَ رَجُلٌ مِنْهُمُ، اسْمُهُ الْجَوْهَرُ، مِنْ قَبِيلَةِ جَدَّالَةَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، طَالِبًا لِلْحَجِّ، وَكَانَ مُحِبًّا لِلدِّينِ وَأَهْلِهِ، فَمَرَّ بِفَقِيهٍ بِالْقَيْرَوَانِ، وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ يَتَفَقَّهُونَ، قِيلَ: هُوَ أَبُو عِمْرَانَ الْفَاسِيُّ فِي غَالِبِ الظَّنِّ، فَأَصْغَى الْجَوْهَرُ إِلَيْهِ، وَأَعْجَبَهُ حَالُهُمْ.
فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الْحَجِّ قَالَ لِلْفَقِيهِ: مَا عِنْدَنَا فِي الصَّحْرَاءِ مِنْ هَذَا شَيْءٌ غَيْرَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَالصَّلَاةِ فِي بَعْضِ الْخَاصَّةِ، فَابْعَثْ مَعِي مَنْ يُعَلِّمُهُمْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَاسِينَ الْكُزُولِيُّ، وَكَانَ فَقِيهًا، صَالِحًا، شَهْمًا، فَسَارَ مَعَهُ حَتَّى أَتَيَا قَبِيلَةَ لَمْتُونَةَ، فَنَزَلَ الْجَوْهَرُ عَنْ جَمَلِهِ، وَأَخَذَ بِزِمَامِ جَمَلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَاسِينَ، تَعْظِيمًا لِشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، فَأَقْبَلُوا إِلَى الْجَوْهَرِ يُهَنِّئُونَهُ بِالسَّلَامَةِ، وَسَأَلُوهُ عَنِ
стр. 4659
الْفَقِيهِ فَقَالَ: هَذَا حَامِلٌ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ جَاءَ يُعَلِّمُكُمْ مَا يَلْزَمُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ. فَرَحَّبُوا بِهِمَا وَأَنْزَلُوهُمَا، وَقَالُوا: تَذْكُرُ لَنَا شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ. فَعَرَّفَهُمْ عَقَائِدَ الْإِسْلَامِ وَفَرَائِضَهُ، فَقَالُوا: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَهُوَ قَرِيبٌ، وَأَمَّا قَوْلُكَ: مَنْ قَتَلَ يُقْتَلُ، وَمَنْ سَرَقَ يُقْطَعُ، وَمَنْ زَنَى يُجْلَدُ أَوْ يُرْجَمُ - فَأَمْرٌ لَا نَلْتَزِمُهُ، اذْهَبْ إِلَى غَيْرِنَا.
فَرَحَلَا عَنْهُمْ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَقَالَ: لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِهَذَا الْجَمَلِ فِي هَذِهِ الصَّحْرَاءِ شَأْنٌ يُذْكَرُ فِي الْعَالَمِ. فَانْتَهَى الْجَوْهَرُ وَالْفَقِيهُ إِلَى جَدَّالَةَ، قَبِيلِ الْجَوْهَرِ، فَدَعَاهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَاسِينَ وَالْقَبَائِلَ الَّذِينَ يُجَاوِرُونَهُمْ إِلَى حُكْمِ الشَّرِيعَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَطَاعَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَعْرَضَ وَعَصَى.
ثُمَّ إِنَّ الْمُخَالِفِينَ لَهُمْ تَحَيَّزُوا وَتَجَمَّعُوا، فَقَالَ ابْنُ يَاسِينَ لِلَّذِينِ أَطَاعُوا: قَدْ وَجَبَ عَلَيْكُمْ أَنْ تُقَاتِلُوا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَالَفُوا الْحَقَّ، وَأَنْكَرُوا شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، وَاسْتَعَدُّوا لِقِتَالِكُمْ، فَأَقِيمُوا لَكُمْ رَايَةً، وَقَدِّمُوا عَلَيْكُمْ أَمِيرًا. فَقَالَ لَهُ الْجَوْهَرُ: أَنْتَ الْأَمِيرُ. فَقَالَ: لَا، إِنَّمَا أَنَا حَامِلُ أَمَانَةِ الشَّرِيعَةِ، وَلَكِنْ أَنْتَ الْأَمِيرُ. فَقَالَ الْجَوْهَرُ: لَوْ فَعَلْتُ هَذَا تَسَلَّطَ قَبِيلِي عَلَى النَّاسِ، وَيَكُونُ وِزْرُ ذَلِكَ عَلَيَّ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ يَاسِينَ: الرَّأْيُ أَنْ نُوَلِّيَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عُمَرَ، رَأْسَ لَمْتُونَةَ وَكَبِيرَهَا، وَهُوَ رَجُلٌ سَيِّدٌ، مَشْكُورُ الطَّرِيقِ، مُطَاعٌ فِي قَوْمِهِ، فَهُوَ يَسْتَجِيبُ لَنَا لِحُبِّ الرِّئَاسَةِ، وَتَتْبَعُهُ قَبِيلَتُهُ، فَنَتَقَوَّى بِهِمْ.
فَأَتَيَا أَبَا بَكْرِ بْنَ عُمَرَ، وَعَرَضَا ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأَجَابَ، فَعَقَدُوا لَهُ الْبَيْعَةَ، وَسَمَّاهُ ابْنُ يَاسِينَ أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَادُوا إِلَى جَدَّالَةَ، وَجَمَعُوا إِلَيْهِمْ مَنْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَحَرَّضَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَاسِينَ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَسَمَّاهُمْ مُرَابِطِينَ، وَتَجَمَّعَ عَلَيْهِمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، فَلَمْ يُقَاتِلْهُمُ الْمُرَابِطُونَ، بَلِ اسْتَعَانَ ابْنُ يَاسِينَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَرَ عَلَى أُولَئِكَ
стр. 4660
الْأَشْرَارِ بِالْمُصْلِحِينَ مِنْ قَبَائِلِهِمْ، فَاسْتَمَالُوهُمْ وَقَرَّبُوهُمْ حَتَّى حَصَّلُوا مِنْهُمْ نَحْوَ أَلْفَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالْفَسَادِ، فَتَرَكُوهُمْ فِي مَكَانٍ، وَخَنْدَقُوا عَلَيْهِمْ وَحَفِظُوهُمْ، ثُمَّ أَخْرَجُوهُمْ قَوْمًا بَعْدَ قَوْمٍ، فَقَتَلُوهُمْ، فَحِينَئِذٍ دَانَتْ لَهُمْ أَكْثَرُ قَبَائِلِ الصَّحْرَاءِ، وَهَابُوهُمْ، فَقَوِيَتْ شَوْكَةُ الْمُرَابِطِينَ.
هَذَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَاسِينَ مُشْتَغِلٌ بِالْعِلْمِ، وَقَدْ صَارَ عِنْدَهُ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ يَتَفَقَّهُونَ، وَلَمَّا اسْتَبَدَّ بِالْأَمْرِ هُوَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَرَ عَنِ الْجَوْهَرِ الْجَدَّالِيِّ، وَبَقِيَ لَا حُكْمَ لَهُ - تَدَاخَلَهُ الْحَسَدُ، وَشَرَعَ سِرًّا فِي فَسَادِ الْأَمْرِ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ مِنْهُ، وَعُقِدَ لَهُ مَجْلِسٌ، وَثَبَتَ عَلَيْهِ مَا نُقِلَ عَنْهُ، فَحُكِمَ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ لِأَنَّهُ نَكَثَ الْبَيْعَةَ وَشَقَّ الْعَصَا، وَأَرَادَ مُحَارَبَةَ أَهْلِ الْحَقِّ، فَقُتِلَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَأَظْهَرَ السُّرُورَ بِالْقَتْلِ طَلَبًا لِلِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. فَاجْتَمَعَتِ الْقَبَائِلُ عَلَى طَاعَتِهِمْ، وَمَنْ خَالَفَهُمْ قَتَلُوهُ.
فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ قَحَطَتْ بِلَادُهُمْ، (فَأَمَرَ ابْنُ يَاسِينَ ضُعَفَاءَهُمْ بِالْخُرُوجِ إِلَى السُّوسِ وَأَخْذِ الزَّكَاةِ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ نَحْوُ تِسْعِمِائَةِ رَجُلٍ، فَقَدِمُوا سِجِلْمَاسَةَ، وَطَلَبُوا الزَّكَاةَ، فَجَمَعُوا لَهُمْ شَيْئًا لَهُ قَدْرٌ وَعَادُوا.
ثُمَّ إِنَّ الصَّحْرَاءَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ، وَأَرَادُوا إِظْهَارَ كَلِمَةِ الْحَقِّ، وَالْعُبُورَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ لِيُجَاهِدُوا الْكُفَّارَ، فَخَرَجُوا إِلَى السُّوسِ الْأَقْصَى، فَجَمَعَ لَهُمْ أَهْلُ السُّوسِ وَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَ الْمُرَابِطُونَ، وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَاسِينَ الْفَقِيهُ، فَعَادَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَرَ فَجَمَعَ جَيْشًا وَخَرَجَ إِلَى السُّوسِ فِي أَلْفَيْ رَاكِبٍ، فَاجْتَمَعَ مِنْ بِلَادِ السُّوسِ وَزِنَاتَةَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: افْتَحُوا لَنَا الطَّرِيقَ لِنَجُوزَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ وَنُجَاهِدَ أَعْدَاءَ الْإِسْلَامِ. فَأَبَوْا ذَلِكَ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، وَدَعَا اللَّهَ - تَعَالَى - وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنَّا عَلَى الْحَقِّ فَانْصُرْنَا، وَإِلَّا فَأَرِحْنَا مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا. ثُمَّ قَاتَلَهُمْ وَصَدَقَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ الْقِتَالَ، فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - وَهَزَمَ أَهْلَ السُّوسِ وَمَنْ مَعَهُمْ وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَغَنِمَ الْمُرَابِطُونَ أَمْوَالَهُمْ وَأَسْلَابَهُمْ، وَقَوِيَتْ نَفْسُهُ وَنُفُوسُ أَصْحَابِهِ، وَسَارُوا إِلَى سِجِلْمَاسَةَ فَنَزَلُوا عَلَيْهَا، وَطَلَبُوا مِنْ أَهْلِهَا الزَّكَاةَ، فَامْتَنَعُوا عَلَيْهِمْ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ صَاحِبُ سِجِلْمَاسَةَ فَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمُوهُ
следующие страницы →