Полный текст (6 163 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.
стр. 4726
اسْتَقَرَّ بَيْنَهُمْ، وَبِهَذِهِ الْوَقْعَةِ تَمَّ لِلْعَرَبِ مُلْكُ الْبِلَادِ، فَإِنَّهُمْ قَدِمُوهَا فِي ضِيقٍ وَفَقْرٍ وَقِلَّةِ دَوَابَّ فَاسْتَغْنَوْا، وَكَثُرَتْ دَوَابُّهُمْ وَسِلَاحُهُمْ، وَقَلَّ الْمُحَامِي عَنِ الْبِلَادِ، وَأَرْسَلُوا الْأَلْوِيَةَ وَالطُّبُولَ وَخَيَّمَ النَّاصِرُ بِدَوَابِّهَا إِلَى تَمِيمٍ، فَرَدَّهَا وَقَالَ: يَقْبُحُ بِي أَنْ آخُذَ سَلَبَ ابْنَ عَمِّي! فَأَرْضَى الْعَرَبَ بِذَلِكَ.
ذِكْرُ بِنَاءِ مَدِينَةِ بِجَايَةَ.
لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ بَيْنَ بَنِي حَمَّادٍ وَالْعَرَبِ، (وَقَوِيَتِ الْعَرَبُ) ، اهْتَمَّ تَمِيمُ بْنُ الْمُعِزِّ لِذَلِكَ، وَأَصَابَهُ حُزْنٌ شَدِيدٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّاصِرَ، وَكَانَ لَهُ وَزِيرٌ اسْمُهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْفُتُوحِ، وَكَانَ رَجُلًا جَيِّدًا يُحِبُّ الِاتِّفَاقَ بَيْنَهُمْ، وَيَهْوَى دَوْلَةَ تَمِيمٍ، فَقَالَ لِلنَّاصِرِ: أَلَمْ أُشِرْ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَقْصِدَ ابْنَ عَمِّكَ، وَأَنْ تَتَّفِقَا عَلَى الْعَرَبِ، فَإِنَّكُمَا لَوِ اتَّفَقْتُمَا لَأَخْرَجْتُمَا الْعَرَبَ.
فَقَالَ النَّاصِرُ: لَقَدْ صَدَقْتَ، وَلَكِنْ لَا مَرَدَّ لِمَا قُدِّرَ، فَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، فَأَرْسَلَ الْوَزِيرُ رَسُولًا مِنْ عِنْدِهِ إِلَى تَمِيمٍ يَعْتَذِرُ، وَيَرْغَبُ فِي الْإِصْلَاحِ، فَقَبِلَ تَمِيمٌ قَوْلَهُ، وَأَرَادَ أَنْ يُرْسَلَ رَسُولًا إِلَى النَّاصِرِ، فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْبَعْبَعِ. وَقَالُوا لَهُ: هَذَا رَجُلٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ، وَحَصَلَ لَهُ مِنْكَ الْأَمْوَالُ وَالْأَمْلَاكُ، فَأَحْضَرَهُ، وَأَعْطَاهُ مَالًا وَدَوَابَّ وَعَبِيدًا وَأَرْسَلَهُ، فَسَارَ مَعَ الرَّسُولِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى بِجَايَةَ، وَكَانَتْ حِينَئِذٍ مَنْزِلًا فِيهِ رَعِيَّةٌ مِنَ الْبَرْبَرِ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْبَعْبَعِ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: إِنَّ هَذَا الْمَكَانَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ بِهِ مَرْسَى وَمَدِينَةٌ، وَسَارَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى النَّاصِرِ، فَلَمَّا أَوْصَلَ الْكِتَابَ وَأَدَّى الرِّسَالَةَ قَالَ لِلنَّاصِرِ: مَعِي وَصِيَّةٌ إِلَيْكَ، وَأُحِبُّ أَنْ تُخَلِّيَ الْمَجْلِسَ، فَقَالَ النَّاصِرُ: أَنَا لَا أُخْفِي عَنْ وَزِيرِي شَيْئًا، فَقَالَ: بِهَذَا أَمَرَنِي الْأَمِيرُ تَمِيمٌ، فَقَامَ الْوَزِيرُ أَبُو بَكْرٍ وَانْصَرَفَ فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ الرَّسُولُ: يَا مَوْلَايَ إِنَّ الْوَزِيرَ مُخَامِرٌ عَلَيْكَ، هَوَاهُ مَعَ الْأَمِيرِ تَمِيمٍ، لَا يُخْفِي عَنْهُ مِنْ أُمُورِكَ شَيْئًا، وَتَمِيمٌ مَشْغُولٌ مَعَ
стр. 4727
عَبِيدِهِ قَدِ اسْتَبَدَّ بِهِمْ، وَاطَّرَحَ صِنْهَاجَةَ وَغَيْرَ هَؤُلَاءِ، وَلَوْ وَصَلْتَ بِعَسْكَرِكَ مَا بِتَّ إِلَّا فِيهَا لِبُغْضِ الْجُنْدِ وَالرَّعِيَّةِ لِتَمِيمٍ، وَأَنَا أُشِيرُ عَلَيْكَ بِمَا تَمْلِكُ بِهِ الْمَهْدِيَّةَ وَغَيْرَهَا. وَذَكَرَ لَهُ عِمَارَةَ بِجَايَةَ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّخِذَهَا دَارَ مُلْكٍ، وَيَقْرُبَ مِنْ بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَقَالَ لَهُ: أَنَا أَنْتَقِلُ إِلَيْكَ بِأَهْلِي، وَأُدَبِّرُ دَوْلَتَكَ، فَأَجَابَهُ النَّاصِرُ إِلَى ذَلِكَ، وَارْتَابَ بِوَزِيرِهِ، وَسَارَ مَعَ الرَّسُولِ إِلَى بِجَايَةَ، وَتَرَكَ الْوَزِيرَ بِالْقَلْعَةِ.
فَلَمَّا وَصَلَ النَّاصِرُ وَالرَّسُولُ إِلَى بِجَايَةَ أَرَاهُ مَوْضِعَ الْمِينَاءِ وَالْبَلَدِ وَالدَّارِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَأَمَرَ النَّاصِرُ مِنْ سَاعَتِهِ بِالْبِنَاءِ وَالْعَمَلِ، وَسُرَّ بِذَلِكَ، وَشَكَرَهُ، وَعَاهَدَهُ عَلَى وِزَارَتِهِ إِذَا عَادَ إِلَيْهِ، وَرَجَعَا إِلَى الْقَلْعَةِ فَقَالَ النَّاصِرُ لِوَزِيرِهِ: إِنَّ هَذَا الرَّسُولَ مُحِبٌّ لَنَا، وَقَدْ أَشَارَ بِبِنَاءِ بِجَايَةَ، وَيُرِيدُ الِانْتِقَالَ إِلَيْنَا، فَاكْتُبْ لَهُ جَوَابَ كُتُبِهِ، فَفَعَلَ.
وَسَارَ الرَّسُولُ، وَقَدِ ارْتَابَ بِهِ تَمِيمٌ، حَيْثُ تَجَدَّدَ بِنَاءُ بِجَايَةَ عُقَيْبَ مَسِيرِهِ إِلَيْهِمْ، وَحُضُورِهِ مَعَ النَّاصِرِ فِيهَا، وَكَانَ الرَّسُولُ قَدْ طَلَبَ مِنَ النَّاصِرِ أَنْ يُرْسِلَ مَعَ بَعْضِ ثِقَاتِهِ لِيُشَاهِدَ الْأَخْبَارَ وَيَعُودَ بِهَا، فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَسُولًا يَثِقُ بِهِ، فَكَتَبَ مَعَهُ: إِنَّنِي لَمَّا اجْتَمَعْتُ بِتَمِيمٍ لَمْ يَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ قَبْلَ سُؤَالِهِ عَنْ بِنَاءِ بِجَايَةَ، وَقَدْ عَظُمَ أَمْرُهَا عَلَيْهِ، وَاتَّهَمَنِي، فَانْظُرْ إِلَى مَنْ تَثِقُ بِهِ مِنَ الْعَرَبِ تُرْسِلُهُمْ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا، فَإِنِّي سَائِرٌ إِلَيْهِمْ مُسْرِعًا، وَقَدْ أَخَذْتُ عُهُودَ زُوَيْلَةَ وَغَيْرِهَا عَلَى طَاعَتِكَ. وَسَيَّرَ الْكِتَابَ، فَلَمَّا رَآهُ النَّاصِرُ سَلَّمَهُ إِلَى الْوَزِيرِ، فَاسْتَحْسَنَ الْوَزِيرُ ذَلِكَ، وَشَكَرَهُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَقَدْ نَصَحَ وَبَالَغَ فِي الْخِدْمَةِ، فَلَا تُؤَخِّرْ عَنْهُ إِنْفَاذَ الْعَرَبِ لِيَحْضُرَ مَعَهُمْ.
وَمَضَى الْوَزِيرُ إِلَى دَارِهِ، وَكَتَبَ نُسْخَةً مِنَ الْكِتَابِ، وَأَرْسَلَ الْكِتَابَ الَّذِي بِخَطِّ الرَّسُولِ إِلَى تَمِيمٍ، وَكِتَابًا مِنْهُ يَذْكُرُ الْحَالَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ. فَلَمَّا وَقَفَ تَمِيمٌ عَلَى الْكِتَابِ عَجِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَبَقِيَ يَتَوَقَّعُ لَهُ سَبَبًا يَأْخُذُهُ بِهِ، إِلَّا أَنَّهُ جَعَلَ عَلَيْهِ مَنْ يَحْرُسُهُ
стр. 4728
فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ، فَأَتَى بَعْضُ أُولَئِكَ الْحَرَسِ إِلَى تَمِيمٍ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ الرَّسُولَ صَنَعَ طَعَامًا، وَأَحْضَرَ عِنْدَهُ الشَّرِيفَ الْفِهْرِيَّ، وَكَانَ هَذَا الشَّرِيفُ مِنْ رِجَالِ تَمِيمٍ وَخَوَاصِّهِ، فَأَحْضَرَهُ تَمِيمٌ، فَقَالَ: كُنْتُ وَاصِلًا إِلَيْكَ، وَحَدَّثَهُ أَنَّ ابْنَ الْبَعْبَعِ الرَّسُولَ دَعَانِي، فَلَمَّا حَضَرْتُ عِنْدَهُ قَالَ: أَنَا فِي ذِمَامِكَ، أُحِبُّ أَنْ تُعَرِّفَنِي مَعَ مَنْ أَخْرُجُ مِنَ الْمَهْدِيَّةِ، فَمَنَعْتُهُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ خَائِفٌ، فَأَوْقَفَهُ تَمِيمٌ عَلَى الْكِتَابِ الَّذِي بِخَطِّهِ، وَأَمَرَهُ بِإِحْضَارِهِ، فَأَحْضَرَهُ الشَّرِيفُ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَابِ السُّلْطَانِ لَقِيَهُ رَجُلٌ بِكِتَابِ الْعَرَبِ الَّذِينَ سَيَّرَهُمُ النَّاصِرُ، وَمَعَهُمْ كِتَابُ النَّاصِرِ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْحُضُورِ عِنْدَهُ، فَأَخَذَ الْكِتَابَ وَخَرَجَ الْأَمِيرُ تَمِيمٌ، فَلَمَّا رَآهُ ابْنُ الْبَعْبَعِ سَقَطَتِ الْكُتُبُ مِنْهُ، فَإِذَا عُنْوَانُ أَحَدِهَا: مِنَ النَّاصِرِ بْنِ عَلْنَاسَ إِلَى فُلَانٍ، فَقَالَ لَهُ تَمِيمٌ: مِنْ أَيْنَ هَذِهِ الْكُتُبُ؟ فَأَخَذَهَا وَقَرَأَهَا، فَقَالَ الرَّسُولُ ابْنُ الْبَعْبَعِ: الْعَفْوُ يَا مَوْلَانَا! فَقَالَ: لَا عَفَا اللَّهُ عَنْكَ! وَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ وَغُرِّقَتْ جُثَّتُهُ.
ذِكْرُ مُلْكِ أَلْب أَرْسَلَانَ جُنْدَ وَصَبْرَانَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبَرَ أَلْب أَرْسَلَانَ جَيْحُونَ، وَسَارَ إِلَى جُنْدٍ وَصَبْرَانَ، وَهُمَا عِنْدَ بُخَارَى، وَقَبْرُ جَدِّهِ سَلْجُوقَ بِجُنْدٍ، فَلَمَّا عَبَرَ النَّهْرَ اسْتَقْبَلَهُ مَلِكُ جُنْدٍ وَأَطَاعَهُ، وَأَهْدَى لَهُ هَدَايَا جَلِيلَةً، فَلَمْ يُغَيِّرْ أَلْبُ أَرَسْلَانَ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَأَقَرَّهُ عَلَى مَا بِيَدِهِ، وَعَادَ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَكْرَمَهُ، وَوَصَلَ إِلَى كُرْكَانْجَ خُوَارِزْمَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى مَرْوَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ابْتُدِئَ بِعِمَارَةِ الْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَاذَ.
стр. 4729
وَفِيهَا انْقَضَّ كَوْكَبٌ عَظِيمٌ، وَصَارَ لَهُ شُعَاعٌ كَثِيرٌ أَكْثَرُ مِنْ شُعَاعِ الْقَمَرِ، وَسُمِعَ لَهُ صَوْتٌ مُفْزِعٌ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْآبَنُوسِيُّ، رَوَى عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهِ.
стр. 4730
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .]
٤٥٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ذِكْرُ عَهْدِ أَلْب أَرْسَلَانَ بِالسَّلْطَنَةِ لِابْنِهِ مَلِكْشَاهْ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ أَلْب أَرْسَلَانَ مِنْ مَرْوَ إِلَى رَايْكَانَ، فَنَزَلَ بِظَاهِرِهَا، وَمَعَهُ جَمَاعَةُ أُمَرَاءِ دَوْلَتِهِ، فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعُقُودَ وَالْمَوَاثِيقَ لِوَلَدِهِ مَلِكْشَاهْ بِأَنَّهُ السُّلْطَانُ بَعْدَهُ، وَأَرْكَبَهُ، وَمَشَى بَيْنَ يَدَيْهِ يَحْمِلُ الْغَاشِيَةَ.
وَخَلَعَ السُّلْطَانُ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَرَاءِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْخُطْبَةِ لَهُ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ الَّتِي يَحْكُمُ عَلَيْهَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَأَقْطَعَ الْبِلَادَ، فَأَقْطَعَ مَازَنْدَرَانَ لِلْأَمِيرِ إِينَانْجَ بَيْغُو، وَبَلْخَ لِأَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ جُغْرِي بِكْ، وَخُوَارِزْمَ لِأَخِيهِ أَرْسَلَانَ أَرْغُو، وَمَرْوَ لِابْنِهِ الْآخَرِ أَرْسَلَانْ شَاهْ، وَصَغَانِيَانَ وَطَخَارِسْتَانَ لِأَخِيهِ إِلْيَاسَ، وَوِلَايَةَ بَغْشُورَ وَنَوَاحِيهَا لِمَسْعُودِ بْنِ أَرْتَاشَ، وَهُوَ مِنْ أَقَارِبِ السُّلْطَانِ، وَوِلَايَةَ أَسْفَرَارَ لِمَوْدُودِ بْنِ أَرْتَاشَ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ تَمِيمٍ عَلَى مَدِينَةِ تُونُسَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ تَمِيمٌ، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَةَ، عَسْكَرًا كَثِيفًا إِلَى مَدِينَةِ تُونُسَ، وَبِهَا أَحْمَدُ بْنُ خُرَاسَانَ قَدْ أَظْهَرُ عَلَيْهِ الْخِلَافَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُعِزَّ بْنَ بَادِيسَ، أَبَا تَمِيمٍ، لَمَّا فَارَقَ الْقَيْرَوَانَ وَالْمَنْصُورِيَّةَ وَرَحَلَ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، اسْتَخْلَفَ عَلَى الْقَيْرَوَانِ وَعَلَى قَابِسَ قَائِدَ بْنَ مَيْمُونٍ الصِّنْهَاجِيَّ، وَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ غَلَبَتْهُ هَوَارَةُ عَلَيْهَا، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِمْ وَخَرَجَ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، فَلَمَّا وَلِيَ الْمُلْكَ تَمِيمُ بْنُ الْمُعِزِّ بَعْدَ أَبِيهِ رَدَّهُ إِلَيْهَا، وَأَقَامَ عَلَيْهَا إِلَى الْآنِ، ثُمَّ أَظْهَرَ الْخِلَافَ عَلَى تَمِيمٍ وَالْتَجَأَ إِلَى طَاعَةِ النَّاصِرِ بْنِ عَلْنَاسَ بْنِ حَمَّادٍ، فَسَيَّرَ
стр. 4731
إِلَيْهِ تَمِيمٌ الْآنَ عَسْكَرًا كَثِيرًا، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ قَائِدُ بْنُ مَيْمُونٍ عَلِمَ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِمْ، فَتَرَكَ الْقَيْرَوَانَ وَسَارَ إِلَى النَّاصِرِ، فَدَخَلَ عَسْكَرُ تَمِيمٍ الْقَيْرَوَانَ، وَخَرَّبُوا دُورَ الْقَائِدِ، وَسَارَ الْعَسْكَرُ إِلَى قَابِسَ، وَبِهَا ابْنُ خُرَاسَانَ، فَحَصَرُوهُ بِهَا سَنَةً وَشَهْرَيْنِ، ثُمَّ أَطَاعَ ابْنَ خُرَاسَانَ تَمِيمًا وَصَالَحَهُ.
وَأَمَّا قَائِدٌ فَإِنَّهُ أَقَامَ عِنْدَ النَّاصِرِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُمَرَاءِ الْعَرَبِ، فَاشْتَرَى مِنْهُمْ إِمَارَةَ الْقَيْرَوَانِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَعَادَ إِلَيْهَا فَبَنَى سُورَهَا وَحِصْنَهَا.
ذِكْرُ مُلْكِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ الْأَنْبَارَ وَهَيْتَ وَغَيْرَهُمَا.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ مُسْلِمُ بْنُ قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، إِلَى السُّلْطَانِ أَلْب أَرْسَلَانَ، فَأَقْطَعَهُ الْأَنْبَارَ، وَهَيْتَ، وَحَرْبَى، وَالسِّنَّ، وَالْبَوَازِيجَ، وَوَصَلَ إِلَى بَغْدَاذَ فَخَرَجَ الْوَزِيرُ فَخْرُ الدَّوْلَةِ بْنُ جَهِيرٍ فِي الْمَوْكِبِ، فَلَقِيَهُ، وَنَزَلَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ بِالْحَرِيمِ الطَّاهِرِيِّ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
فِي (الْعَشْرِ الْأُوَلِ) مِنْ جُمَادَى الْأُولَى ظَهَرَ كَوْكَبٌ كَبِيرٌ لَهُ ذُؤَابَةٌ طَوِيلَةٌ بِنَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ عَرْضُهَا نَحْوَ ثَلَاثِ أَذْرُعِ، وَهِيَ مُمْتَدَّةٌ إِلَى وَسَطِ السَّمَاءِ، وَبَقِيَ إِلَى السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ وَغَابَ، ثُمَّ ظَهَرَ أَيْضًا آخِرَ الشَّهْرِ الْمَذْكُورِ، عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ كَوْكَبٌ قَدِ اسْتَدَارَ نُورُهُ عَلَيْهِ كَالْقَمَرِ، فَارْتَاعَ النَّاسُ وَانْزَعَجُوا، وَلَمَّا أَظْلَمَ اللَّيْلُ صَارَ لَهُ ذَوَائِبَ نَحْوَ الْجَنُوبِ، وَبَقِيَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ اضْمَحَلَّ.
стр. 4732
وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، كَانَتْ بِخُرَاسَانَ وَالْجِبَالِ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ، بَقِيَتْ تَتَرَدَّدُ أَيَّامًا، تَصَدَّعَتْ مِنْهَا الْجِبَالُ، وَأَهْلَكَتْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَانْخَسَفَ مِنْهَا عِدَّةٌ وَخَرَجَ النَّاسُ إِلَى الصَّحْرَاءِ فَأَقَامُوا هُنَاكَ.
(وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَقَعَ حَرِيقٌ بِنَهْرِ مُعَلَّى، فَاحْتَرَقَ مِنْ بَابِ الْجَرِيدِ إِلَى آخِرِ السُّوقِ الْجَدِيدِ، مِنَ الْجَانِبَيْنِ) .
وَفِيهَا وَلَدَتْ صَبِيَّةٌ بِبَابِ الْأَزَجِّ وَلَدًا بِرَأْسَيْنِ، وَرَقَبَتَيْنِ وَوَجْهَيْنِ وَأَرْبَعِ أَيْدٍ عَلَى بَدَنٍ وَاحِدٍ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ تُوُفِّيَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَيْهَقِيُّ وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَلَهُ فِيهِ مُصَنَّفَاتٌ أَحَدُهَا: " السُّنَنُ الْكَبِيرُ "، عَشَرَةُ مُجَلَّدَاتٍ، وَغَيْرُهُ مِنَ التَّصَانِيفِ الْحَسَنَةِ وَكَانَ عَفِيفًا، زَاهِدًا، وَمَاتَ بِنَيْسَابُورَ. وَفِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْهَا تُوُفِّيَ أَبُو يَعْلَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَّاءِ الْحَنْبَلِيُّ،
стр. 4733
وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَعَنْهُ انْتَشَرَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، ﵁، وَكَانَ إِلَيْهِ قَضَاءُ الْحَرِيمِ بِبَغْدَاذَ بِدَارِ الْخِلَافَةِ، وَهُوَ مُصَنِّفُ كِتَابِ " الصِّفَاتِ " أَتَى فِيهِ بِكُلِّ عَجِيبَةٍ، وَتَرْتِيبُ أَبْوَابِهِ يَدُلُّ عَلَى التَّجْسِيمِ الْمَحْضِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَكَانَ ابْنُ تَمِيمِيٍّ الْحَنْبَلِيُّ يَقُولُ: لَقَدْ خَرِئَ أَبُو يَعْلَى الْفَرَّاءُ عَلَى الْحَنَابِلَةِ خِرْيَةً لَا يَغْسِلُهَا الْمَاءُ.
стр. 4734
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .]
٤٥٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ذِكْرُ عِصْيَانِ مَلِكِ كَرْمَانَ عَلَى أَلْب أَرْسَلَانَ وَعَوْدِهِ إِلَى طَاعَتِهِ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَصَى مَلِكُ كَرْمَانَ وَهُوَ قُرَا أَرْسَلَانَ عَلَى السُّلْطَانِ أَلْب أَرْسَلَانَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ وَزِيرٌ جَاهِلٌ سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ الِاسْتِبْدَادَ بِالْبِلَادِ عَنِ السُّلْطَانِ، وَأَنَّ صَاحِبَهُ إِذَا عَصَى، احْتَاجَ إِلَى التَّمَسُّكِ بِهِ، فَحَسُنَ لِصَاحِبِهِ الْخِلَافُ عَلَى السُّلْطَانِ فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ، وَخَلَعَ الطَّاعَةَ، وَقَطَعَ الْخُطْبَةَ. فَسَمِعَ أَلْب أَرْسَلَانَ، فَسَارَ إِلَى كَرْمَانَ، فَلَمَّا قَارَبَهَا وَقَعَتْ طَلِيعَتُهُ عَلَى طَلِيعَةِ قُرَا أَرْسَلَانَ بَعْدَ قِتَالٍ، فَلَمَّا سَمِعَ قُرَا أَرْسَلَانَ وَعَسْكَرُهُ بِانْهِزَامِ طَلِيعَتِهِمْ، خَافُوا وَتَحَيَّرُوا، فَانْهَزَمُوا لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى آخَرَ، فَدَخَلَ قُرَا أَرْسَلَانَ إِلَى جِيرَفْتَ وَامْتَنَعَ بِهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ أَلْب أَرْسَلَانَ يُظْهِرُ الطَّاعَةَ وَيَسْأَلُ الْعَفْوَ عَنْ زَلَّتِهِ، فَعَفَا عَنْهُ، وَحَضَرَ عِنْدَ السُّلْطَانِ فَأَكْرَمَهُ، وَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ عِنْدَهُ، فَأَعَادَهُ إِلَى مَمْلَكَتِهِ، وَلَمْ يُغَيِّرْ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ حَالِهِ، فَقَالَ لِلسُّلْطَانِ: إِنَّ لِي بَنَاتٍ تَجْهِيزُهُنَّ إِلَيْكَ، وَأُمُورُهُنَّ إِلَيْكَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَعْطَى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ سِوَى الثِّيَابِ وَالْإِقْطَاعَاتِ.
ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى فَارِسَ فَوَصَلَ إِلَى إِصْطَخْرَ، وَفَتَحَ قَلْعَتَهَا، وَاسْتَنْزَلَ وَالِيهَا،
стр. 4735
فَحَمَلَ إِلَيْهِ الْوَالِي هَدَايَا عَظِيمَةً جَلِيلَةَ الْمِقْدَارِ، مِنْ جُمْلَتِهَا قَدَحُ فَيْرُوزَجَ، فِيهِ مَنَوَانِ مِنَ الْمِسْكِ، مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ اسْمُ جَمْشِيدَ الْمَلِكِ، وَأَطَاعَهُ جَمِيعُ حُصُونِ فَارِسَ، وَبَقِيَ قَلْعَتُهُ يُقَالُ لَهَا بَهَنْزَادَ، فَسَارَ نِظَامُ الْمُلْكِ إِلَيْهَا، وَحَصَرَهَا تَحْتَ جَبَلِهَا، وَأَعْطَى كُلَّ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ وَأَصَابَ قَبْضَةً مِنَ الدَّنَانِيرِ، وَمَنْ رَمَى حَجَرًا ثَوْبًا نَفِيسًا، فَفَتَحَ الْقَلْعَةَ فِي الْيَوْمِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ نُزُولِهِ، وَوَصَلَ السُّلْطَانُ إِلَيْهِ بَعْدَ الْفَتْحِ، فَعَظُمَ مَحَلُّ نِظَامِ الْمُلْكِ عِنْدَهُ، فَأَعْلَى مَنْزِلَتَهُ، وَزَادَ فِي تَحْكِيمِهِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا تُوُفِّيَ الْأَغَرُّ أَبُو سَعْدٍ، ضَامِنُ الْبَصْرَةِ، عَلَى بَابِ السُّلْطَانِ بِالرَّيِّ، وَعُقِدَتِ الْبَصْرَةُ وَوَاسِطُ عَلَى هَزَارَسِبْ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ.
وَفِي صَفَرٍ مِنْهَا وَصَلَ إِلَى بَغْدَاذَ شَرَفُ الْمُلْكِ أَبُو سَعْدٍ الْمُسْتَوْفِي، وَبَنَى عَلَى مَشْهَدِ أَبِي حَنِيفَةَ، ﵁، مَدْرَسَةً لِأَصْحَابِهِ، وَكَتَبَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْبَيَاضِيِّ عَلَى الْقُبَّةِ الَّتِي أَحْدَثَهَا:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْعِلْمَ كَانَ مُشَتَّتًا ... فَجَمَّعَهُ هَذَا الْمُغَيَّبُ فِي اللَّحْدِ
كَذَلِكَ كَانَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ مَيِّتَةً
،
فَأَنْشَرَهَا فَضْلُ الْعَمِيدِ أَبِي سَعْدِ
وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَصَلَتْ أَرْسَلَانُ خَاتُونَ، أُخْتُ السُّلْطَانِ أَلْب أَرْسَلَانَ، وَهِيَ زَوْجَةُ الْخَلِيفَةِ، إِلَى بَغْدَاذَ، وَاسْتَقْبَلَهَا فَخْرُ الدَّوْلَةِ بْنُ جَهِيرٍ الْوَزِيرُ عَلَى فَرَاسِخَ.
стр. 4736
وَفِيهَا، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، احْتَرَقَتْ تُرْبَةُ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَسَبَبُ حَرِيقِهَا أَنَّ قَيِّمَهَا كَانَ مَرِيضًا، فَطَبَخَ لِنَفْسِهِ مَاءَ الشَّعِيرِ، فَاتَّصَلَتِ النَّارُ بِخَشَبٍ وَبَوَارِي كَانَتْ هُنَاكَ، فَأَحْرَقَتْهُ وَاتَّصَلَ الْحَرِيقُ، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ أَبَا سَعْدٍ الصُّوفِيَّ، شَيْخَ الشُّيُوخِ، بِعِمَارَتِهَا.
وَفِيهَا، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَرَغَتْ عِمَارَةُ الْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ، وَتَقَرَّرَ التَّدْرِيسُ بِهَا لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ لِحُضُورِ الدَّرْسِ، وَانْتَظَرُوا مَجِيئَهُ، تَأَخَّرَ، فَطُلِبَ، فَلَمْ يُوجَدْ.
وَكَانَ سَبَبُ تَأَخُّرِهِ أَنَّهُ لَقِيَهُ صَبِيٌّ، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تُدَرِّسُ فِي مَكَانٍ مَغْصُوبٍ؟ فَتَغَيَّرَتْ نِيَّتُهُ عَنِ التَّدْرِيسِ بِهَا، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ، وَأُيِسَ مِنْ حُضُورِهِ، أَشَارَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ يُوسُفَ بِأَبِي نَصْرٍ الصَّبَّاغِ، صَاحِبِ كِتَابِ الشَّامِلِ، وَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَصِلَ هَذَا الْجَمْعُ إِلَّا عَنْ مُدَرِّسٍ، وَلَمْ يَبْقَ بِبَغْدَاذَ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ غَيْرَ الْوَزِيرِ، فَجَلَسَ أَبُو نَصْرٍ لِلدَّرْسِ، وَظَهَرَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمَّا بَلَغَ نِظَامَ الْمُلْكِ الْخَبَرُ أَقَامَ الْقِيَامَةَ عَلَى الْعَمِيدِ أَبِي سَعْدٍ، وَلَمْ يَزَلْ يَرْفُقُ بِالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ حَتَّى دَرَّسَ بِالْمَدْرَسَةِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ تَدْرِيسِ ابْنِ الصَّبَّاغِ عِشْرِينَ يَوْمًا. وَفِيهَا، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، قُتِلَ الصُّلَيْحِيُّ، أَمِيرُ الْيَمَنِ، بِمَدِينَةِ الْمَهْجَمِ، قَتَلَهُ أَحَدُ أُمَرَائِهَا وَأُقِيمَتِ الدَّعْوَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ هُنَاكَ، وَكَانَ قَدْ مَلَكَ مَكَّةَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَأَمِنَ الْحُجَّاجُ فِي أَيَّامِهِ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا، وَكَسَا الْبَيْتَ بِالْحَرِيرِ الْأَبْيَضِ الصِّينِيِّ، وَرَدَّ حُلِّيَ الْبَيْتِ إِلَيْهِ، وَكَانَ بَنُو حَسَنٍ قَدْ أَخَذُوهُ وَحَمَلُوهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَابْتَاعَهُ الصُّلَيْحِيُّ مِنْهُمْ.
стр. 4737
[الْوَفَيَاتُ]
(وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ، قَاضِيهَا، وَكَانَ يُلَقَّبُ الْعِرَاقِيَّ لِطُولِ مُقَامِهِ بِبَغْدَاذَ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي طَاهِرٍ الْإِسْفِرَايِينِيِّ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ الشَّاشِيِّ وَغَيْرِهِمَا.
стр. 4738
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .]
٤٦٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ حَرْبٌ بَيْنَ شَرَفِ الدَّوْلَةِ بْنِ قُرَيْشٍ وَبَيْنَ بَنِي كِلَابٍ بِالرَّحْبَةِ، وَهُمْ فِي طَاعَةِ الْعَلَوِيِّ الْمِصْرِيِّ، فَكَسَرَهُمْ شَرِيفُ الدَّوْلَةِ، وَأَخَذَ أَسَلَابَهُمْ، وَأَرْسَلَ أَعْلَامًا كَانَتْ مَعَهُمْ، عَلَيْهَا سِمَاتُ الْمِصْرِيِّ، إِلَى بَغْدَاذَ، وَكُسِرَتْ، وَطِيفَ بِهَا فِي الْبَلَدِ، وَأُرْسِلَتِ الْخِلَعُ إِلَى شَرَفِ الدَّوْلَةِ.
وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْأُولَى، كَانَتْ بِفِلَسْطِينَ وَمِصْرَ زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ خَرَّبَتِ الرَّمْلَةَ، وَطَلَعَ الْمَاءُ مِنْ رُءُوسِ الْآبَارِ، وَهَلَكَ مِنْ أَهْلِهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ نَسَمَةٍ، وَانْشَقَّتِ الصَّخْرَةُ بِالْبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَعَادَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَادَ الْبَحْرُ مِنَ السَّاحِلِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، فَنَزَلَ النَّاسُ إِلَى أَرْضِهِ يَلْتَقِطُونَ مِنْهُ، فَرَجَعَ الْمَاءُ عَلَيْهِمْ فَأَهْلَكُ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا.
وَفِيهَا، فِي رَجَبٍ، وَرَدَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْخَوَافِيُّ بَغْدَاذَ عَمِيدًا مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ.
وَفِيهَا عُزِلَ فَخْرُ الدَّوْلَةِ بْنُ جَهِيرٍ مِنْ وِزَارَةِ الْخَلِيفَةِ، فَخَرَجَ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى
стр. 4739
نُورِ الدَّوْلَةِ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ بِالْفَلُّوجَةِ، وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى أَبِي يَعْلَى وَالِدِ الْوَزِيرِ أَبِي شُجَاعٍ يَسْتَحْضِرُهُ لِيُوَلِّيَهُ الْوِزَارَةَ، وَكَانَ يَكْتُبُ لِهَزَارْسِبْ بْنِ بِنَكِيرَ، فَسَارَ، فَأَدْرَكَهُ أَجَلُهُ فِي الطَّرِيقِ فَمَاتَ، ثُمَّ شَفَعَ نُورُ الدَّوْلَةِ فِي فَخْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ جَهِيرٍ، فَأُعِيدَ إِلَى الْوِزَارَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِي صَفَرٍ.
وَفِيهَا كَانَ بِمِصْرَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ، وَانْقَضَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. وَفِيهَا حَاصَرَ النَّاصِرُ بْنُ عَلْنَاسَ مَدِينَةَ الْأُرْبُسَ بِإِفْرِيقِيَّةَ فَفَتَحَهَا وَأَمَّنَ أَهْلَهَا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا، فِي الْمُحَرَّمِ، تُوُفِّيَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ يُوسُفَ، وَرَثَاهُ ابْنُ الْفَضْلِ وَغَيْرُهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ، وَعَمَّ مُصَابُهُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مِنْ أَعْيَانِ الزَّمَانِ، فَمِنْ أَفْعَالِهِ أَنَّهُ تَسَلَّمَ الْمَارِسْتَانَ الْعَضُدِيَّ، وَكَانَ قَدْ دَثَرَ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْخَرَابُ، فَجَدَّ فِي عِمَارَتِهِ، وَجَعَلَ فِيهِ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ طَبِيبًا، وَثَلَاثَةً مِنَ الْخُزَّانِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَاشْتَرَى لَهُ الْأَمْلَاكَ النَّفِيسَةَ، بَعْدَ أَنْ كَانَ لَيْسَ بِهِ طَبِيبٌ وَلَا دَوَاءٌ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمَعْرُوفِ وَالصِّلَاتِ وَالْخَيْرِ، وَلَمْ يَكُنْ يُلَقَّبُ فِي زَمَانِهِ أَحَدٌ بِالشَّيْخِ الْأَجَلِّ سِوَاهُ.
وَفِي الْمُحَرَّمِ أَيْضًا تُوُفِّيَ أَبُو جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ، فَقِيهُ الْإِمَامِيَّةِ، بِمَشْهَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) ، ﵇.
стр. 4740
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .]
٤٦١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ، أُعِيدَ فَخْرُ الدَّوْلَةِ بْنُ جَهِيرٍ إِلَى وِزَارَةِ الْخَلِيفَةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمَّا عَادَ مَدَحَهُ ابْنُ الْفَضْلِ فَقَالَ:
قَدْ رَجَعَ الْحَقُّ إِلَى نِصَابِهِ ... وَأَنْتَ مِنْ كُلِّ الْوَرَى أَوْلَى بِهِ.
مَا كُنْتَ إِلَّا السَّيْفَ سَلَّتْهُ
يَدٌ ثُمَّ أَعَادَتْهُ إِلَى قِرَابِهِ.
وَهِيَ طَوِيلَةٌ.
وَفِي شَعْبَانَ احْتَرَقَ جَامِعُ دِمَشْقَ. وَكَانَ سَبَبُ احْتِرَاقِهِ أَنَّهُ وَقَعَ بِدِمَشْقَ حَرْبٌ بَيْنَ الْمَغَارِبَةِ أَصْحَابِ الْمِصْرِيِّينَ وَالْمَشَارِقَةِ، فَضَرَبُوا دَارًا مُجَاوِرَةً لِلْجَامِعِ بِالنَّارِ فَاحْتَرَقَتْ، وَاتَّصَلَتْ بِالْجَامِعِ، (وَكَانَتِ الْعَامَّةُ تُعِينُ الْمَغَارِبَةَ، فَتَرَكُوا الْقِتَالَ وَاشْتَغَلُوا بِإِطْفَاءِ النَّارِ مِنَ الْجَامِعِ) فَعَظُمَ الْخَطْبُ وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ، وَأَتَى الْحَرِيقُ عَلَى الْجَامِعِ، فَدَثَرَتْ مَحَاسِنُهُ، وَزَالَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ النَّفِيسَةِ.
стр. 4741
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .]
٤٦٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَقْبَلَ مَلِكُ الرُّومِ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي عَسْكَرٍ كَثِيفٍ إِلَى الشَّامِ، وَنَزَلَ عَلَى مَدِينَةِ مَنْبِجَ وَنَهَبَهَا وَقَتَلَ أَهْلَهَا، وَهَزَمَ مَحْمُودَ بْنَ صَالِحِ بْنِ مِرْدَاسٍ، وَبَنِي كِلَابٍ، وَابْنَ حَسَّانٍ الطَّائِيَّ، وَمَنْ مَعَهُمَا مِنْ جُمُوعِ الْعَرَبِ، ثُمَّ إِنَّ مَلِكَ الرُّومِ ارْتَحَلَ وَعَادَ إِلَى بِلَادِهِ، وَلَمْ يُمْكِنُهُ الْمُقَامُ لِشِدَّةِ الْجُوعِ.
وَفِيهَا سَارَ أَمِيرُ الْجُيُوشِ بَدْرٌ مِنْ مِصْرَ فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ إِلَى مَدِينَةِ صُورَ وَحَصَرَهَا، وَكَانَ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَيْهَا الْقَاضِي عَيْنُ الدَّوْلَةِ بْنُ أَبِي عَقِيلٍ، فَلَمَّا حَصَرَهُ أَرْسَلَ الْقَاضِي إِلَى الْأَمِيرِ قَرْلُوا، مُقَدِّمِ الْأَتْرَاكِ الْمُقِيمِينَ بِالشَّامِ يَسْتَنْجِدُهُ، فَسَارَ فِي اثْنَيْ [عَشَرَ] أَلْفَ فَارِسٍ، فَحَصَرَ مَدِينَةَ صَيْدَا، وَهِيَ لِأَمِيرِ الْجُيُوشِ بِدْرٌ، فَرَحَلَ حِينَئِذٍ بِدْرٌ فَعَادَ الْأَتْرَاكُ، فَعَاوَدَ بَدْرٌ حَصْرَ صُورَ بَرًّا وَبَحْرًا سَنَةً، وَضَيِّقَ عَلَى أَهْلِهَا حَتَّى أَكَلُوا الْخُبْزَ كُلَّ رِطْلٍ بِنِصْفِ دِينَارٍ وَلَمْ يَبْلُغْ غَرَضَهُ فَرَحَلَ عَنْهَا.
стр. 4742
وَفِيهَا صَارَتْ دَارُ ضَرْبِ الدَّنَانِيرِ بِبَغْدَاذَ فِي يَدِ وُكَلَاءِ الْخَلِيفَةِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَهْرَجَ كَثُرَ فِي أَيْدِي النَّاسِ عَلَى السِّكَكِ السُّلْطَانِيَّةِ وَضُرِبَ اسْمُ وَلِيِّ الْعَهْدِ عَلَى الدِّينَارِ وَسُمِّيَ الْأَمِيرِيَّ وَمُنِعَ مِنَ التَّعَامُلِ بِسِوَاهُ.
وَفِيهَا وَرَدَ رَسُولُ صَاحِبِ مَكَّةَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ، وَمَعَهُ وَلَدُهُ، إِلَى السُّلْطَانِ أَلْب أَرْسَلَانَ، يُخْبِرُهُ بِإِقَامَةِ الْخُطْبَةِ لِلْخَلِيفَةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَلِلسُّلْطَانِ بِمَكَّةَ، وَإِسْقَاطِ خُطْبَةِ الْعَلَوِيِّ، صَاحِبِ مِصْرَ، وَتَرْكِ الْأَذَانِ بِحَيِّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ فَأَعْطَاهُ السُّلْطَانُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَخِلَعًا نَفِيسَةً، وَأَجْرَى لَهُ كُلَّ سَنَةٍ عَشْرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَقَالَ: إِذَا فَعَلَ أَمِيرُ (الْمَدِينَةِ مُهَنَّأٌ) كَذَلِكَ، أَعْطَيْنَاهُ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكُلَّ سَنَةٍ خَمْسَةَ آلَافِ دِينَارٍ.
وَفِيهَا تَزَوَّجَ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ بْنُ جَهِيرٍ بِابْنَةِ نِظَامِ الْمُلْكِ بِالرَّيِّ وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَفِيهَا، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، تُوُفِّيَ تَاجُ الْمُلُوكِ هَزَارْسِبْ بْنُ بِنَكِيرَ بْنِ عِيَاضٍ بِأَصْبَهَانَ وَهُوَ عَائِدٌ مِنْ عِنْدِ السُّلْطَانِ إِلَى خُوزِسْتَانَ، وَكَانَ قَدْ عَلَا أَمْرُهُ، وَتَزَوَّجَ بِأُخْتِ السُّلْطَانِ، وَبَغَى عَلَى نُورِ الدَّوْلَةِ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ، وَأَغْرَى السُّلْطَانُ بِهِ لِيَأْخُذَ بِلَادَهُ فَلَمَّا مَاتَ سَارَ دُبَيْسٌ إِلَى السُّلْطَانِ، وَمَعَهُ شَرَفُ الدَّوْلَةِ مُسْلِمٌ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ فَخَرَجَ نِظَامُ الْمُلْكِ فَلَقِيَهُمَا، وَتَزَوَّجَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ بِأُخْتِ السُّلْطَانِ الَّتِي كَانَتِ امْرَأَةَ هَزَارْسَبْ، وَعَادَا إِلَى بِلَادِهِمَا مِنْ هَمَذَانَ.
وَفِيهَا كَانَ بِمِصْرَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ، وَمَجَاعَةٌ عَظِيمَةٌ، حَتَّى أَكَلَ النَّاسُ بَعْضَهُمْ
стр. 4743
بَعْضًا، وَفَارَقُوا الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ، فَوَرَدَ بَغْدَاذَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ هَرَبًا مِنَ الْجُوعِ، وَوَرَدَ التُّجَّارُ، وَمَعَهُمْ ثِيَابُ صَاحِبِ مِصْرَ وَآلَاتِهِ، نُهِبَتْ مِنَ الْجُوعِ، وَكَانَ فِيهَا أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ نُهِبَتْ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ وَقْتَ الْقَبْضِ عَلَى الطَّائِعِ لِلَّهِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَمِمَّا نُهِبَ أَيْضًا فِي فِتْنَةِ الْبَسَاسِيرِيِّ وَخَرَجَ مِنْ خَزَائِنِهِمْ ثَمَانُونَ أَلْفَ قِطْعَةٍ بِلَّوْرٍ كِبَارٍ، وَخَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ أَلْفَ قِطْعَةٍ مِنَ الدِّيبَاجِ الْقَدِيمِ، وَأَحَدَ عَشَرَ أَلْفَ كُزَاغَنْدَ، وَعِشْرُونَ أَلْفَ سَيْفٍ مُحَلَّى.
وَقَالَ ابْنُ الْفَضْلِ يَمْدَحُ الْقَائِمَ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَيَذْكُرُ الْحَالَ بِقَصِيدَةٍ فِيهَا:
قَدْ عَلِمَ الْمِصْرِيُّ أَنَّ جُنُودَهُ سِنُو ... يُوسُفَ مِنْهَا وَطَاعُونُ عَمَوَاسِ
أَقَامَتْ بِهِ حَتَّى اسْتَرَابَ بِنَفْسِهِ
،
وَأَوْجَسَ مِنْهُ خِيفَةً أَيَّ إِيجَاسِ
فِي أَبْيَاتٍ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْجَوَائِزِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ، كَانَ أَدِيبًا، شَاعِرًا، حَسَنَ الْقَوْلِ، فَمِنْ قَوْلِهِ:
وَاحَسْرَتِي مِنْ قَوْلِهَا
:
خَانَ عُهُودِي وَلَهَا
стр. 4744
وَحَقِّ مَنْ صَيَّرَنِي ... وَقْفًا عَلَيْهَا وَلَهَا
مَا خَطَرَتْ بِخَاطِرِي
،
إِلَّا كَسَتْنِي وَلَهَا
وَتُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو غَالِبِ بْنُ بِشْرَانَ الْوَاسِطِيُّ الْأَدِيبُ، وَانْتَهَتِ الرِّحْلَةُ إِلَيْهِ فِي الْأَدَبِ وَلَهُ شِعْرٌ، فَمِنْهُ فِي الزُّهْدِ:
يَا شَائِدًا لِلْقُصُورِ كَهْلًا أَقْصِرْ
،
فَقَصْرُ الْفَتَى الْمَمَاتُ ... لَمْ يَجْتَمِعْ شَمْلُ أَهْلِ قَصْرٍ
،
إِلَّا قُصَارَاهُمُ الشَّتَاتُ
وَإِنَّمَا الْعَيْشُ مِثْلُ ظِلٍّ ... مُنْتَقِلٍ مَا لَهُ ثَبَاتُ
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَذْلَمٍ، قَاضِي دِمَشْقَ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبِي الْعَجَائِزِ، الْخَطِيبُ بِدِمَشْقَ.
стр. 4745
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .]
٤٦٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ذِكْرُ الْخُطْبَةِ لِلْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَالسُّلْطَانِ بِحَلَبَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَطَبَ مَحْمُودُ بْنُ صَالِحِ بْنِ مِرْدَاسٍ بِحَلَبَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَلِلسُّلْطَانِ أَلْب أَرْسَلَانَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى إِقْبَالَ دَوْلَةِ السُّلْطَانِ وَقُوَّتَهَا، وَانْتِشَارَ دَعْوَتِهَا، فَجَمَعَ أَهْلَ حَلَبَ وَقَالَ: هَذِهِ دَوْلَةٌ جَدِيدَةٌ، وَمَمْلَكَةٌ شَدِيدَةٌ، وَنَحْنُ تَحْتَ الْخَوْفِ مِنْهُمْ، وَهُمْ يَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَكُمْ لِأَجْلِ مَذَاهِبِكُمْ، وَالرَّأْيُ أَنْ نُقِيمَ الْخُطْبَةَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ وَقْتٌ لَا يَنْفَعُنَا فِيهِ قَوْلٌ وَلَا بَذْلٌ، فَأَجَابَ الْمَشَايِخُ [إِلَى] ذَلِكَ وَلَبِسَ الْمُؤَذِّنُونَ السَّوَادَ، وَخَطَبُوا لِلْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَالسُّلْطَانِ، فَأَخَذَتِ الْعَامَّةُ حُصْرَ الْجَامِعِ، وَقَالُوا: هَذِهِ حُصْرُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَلْيَأْتِ أَبُو بَكْرٍ بِحُصْرٍ يُصَلِّي عَلَيْهَا بِالنَّاسِ.
وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى مَحْمُودٍ الْخِلَعَ مَعَ نَقِيبِ النُّقَبَاءِ طِرَادِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيِّ، فَلَبِسَهَا، وَمَدَحَهُ ابْنُ سِنَانٍ الْخَفَاجِيُّ، وَأَبُو الْفِتْيَانِ بْنُ حَيُّوسٍ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهُ بْنُ عَطِيَّةَ يَمْدَحُ الْقَائِمَ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَيَذْكُرُ الْخُطْبَةَ بِحَلَبَ وَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ:
كَمْ طَائِعٍ لَكَ لَمْ تَجْلِبْ عَلَيْهِ
،
وَلَمْ تَعْرِفْ لِطَاعَتِهِ غَيْرَ التُّقَى سَبَبَا ... هَذَا الْبَشِيرُ بِإِذْعَانِ الْحِجَازِ
،
وَذَا دَاعِي دِمَشْقَ وَذَا الْمَبْعُوثُ مِنْ حَلَبَا
стр. 4746
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ السُّلْطَانِ أَلْب أَرْسَلَانَ عَلَى حَلَبَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ السُّلْطَانُ أَلْب أَرْسَلَانَ إِلَى حَلَبَ، وَجَعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى دِيَارِ بَكْرٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ صَاحِبُهَا، نَصْرُ بْنُ مَرْوَانَ، وَخَدَمُهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ إِقَامَةً عَرَفَ السُّلْطَانُ أَنَّهُ قَسَّطَهَا عَلَى الْبِلَادِ، فَأَمَرَ بِرَدِّهَا.
وَوَصَلَ إِلَى آمِدَ فَرَآهَا ثَغْرًا مَنِيعًا، فَتَبَرَّكَ بِهِ، وَجَعَلَ يُمِرُّ يَدَهُ عَلَى السُّورِ وَيَمْسَحُ بِهَا صَدْرَهُ.
وَسَارَ إِلَى الرُّهَا فَحَصَرَهَا فَلَمْ يَظْفَرْ مِنْهَا بِطَائِلٍ، فَسَارَ إِلَى حَلَبَ وَقَدْ وَصَلَهَا نَقِيبُ النُّقَبَاءِ أَبُو الْفَوَارِسِ طِرَادٌ بِالرِّسَالَةِ الْقَائِمِيَّةِ، وَالْخِلَعِ، فَقَالَ لَهُ مَحْمُودٌ، صَاحِبُ حَلَبَ: أَسْأَلُكَ الْخُرُوجَ إِلَى السُّلْطَانِ، وَالِاسْتِعْفَاءَ لِي مِنَ الْحُضُورِ عِنْدَهُ، فَخَرَجَ نَقِيبُ النُّقَبَاءِ، وَأَخْبَرَ السُّلْطَانَ بِأَنَّهُ قَدْ لَبِسَ الْخِلَعَ الْقَائِمِيَّةِ وَخَطَبَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ تُسَاوِي خُطْبَتُهُمْ وَهُمْ يُؤَذِّنُونَ: حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ؟ وَلَا بُدَّ مِنَ الْحُضُورِ، وَدَوْسِ بِسَاطِي، فَامْتَنَعَ مَحْمُودٌ مِنْ ذَلِكَ.
فَاشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَى الْبَلَدِ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ، وَعَظُمَ الْقِتَالُ، وَزَحَفَ السُّلْطَانُ يَوْمًا وَقَرُبَ مِنَ الْبَلَدِ، فَوَقَعَ حَجَرُ مِنْجَنِيقٍ فِي فَرَسِهِ، فَلَمَّا عَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى مَحْمُودٍ خَرَجَ لَيْلًا، وَمَعَهُ وَالِدَتُهُ مَنِيعَةُ بِنْتُ وَثَّابٍ النُّمَيْرِيِّ، فَدَخَلَا عَلَى السُّلْطَانِ وَقَالَتْ لَهُ: فَافْعَلْ بِهِ مَا تُحِبُّ. فَتَلَقَّاهَا بِالْجَمِيلِ، وَخَلَعَ عَلَى مَحْمُودٍ وَأَعَادَهُ إِلَى بَلَدِهِ، فَأَنْفَذَ إِلَى السُّلْطَانِ مَالًا جَزِيلًا.
стр. 4747
ذِكْرُ خُرُوجِ مَلِكِ الرُّومِ إِلَى خِلَاطٍ وَأَسْرِهِ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ أَرْمَانُوسُ مَلِكُ الرُّومِ فِي مِائَتَيْ أَلْفٍ مِنَ الرُّومِ، وَالْفِرِنْجِ، وَالْغَرْبِ، وَالرُّوسِ، وَالْبُجْنَاكِ، وَالْكُرْجِ، وَغَيْرِهِمْ، مِنْ طَوَائِفِ تِلْكَ الْبِلَادِ، فَجَاءُوا فِي تَجَمُّلٍ كَثِيرٍ، وَزِيٍّ عَظِيمٍ، وَقَصَدَ بِلَادَ الْإِسْلَامِ، فَوَصَلَ إِلَى مَلَازْكَرْدَ مِنْ أَعْمَالِ خِلَاطٍ. فَبَلَغَ السُّلْطَانَ أَلْب أَرْسَلَانَ الْخَبَرُ. وَهُوَ بِمَدِينَةِ خُوَيَّ مِنْ أَذَرْبِيجَانَ، قَدْ عَادَ مِنْ حَلَبَ. وَسَمِعَ مَا هُوَ مَلِكُ الرُّومِ فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ الْجُمُوعِ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ جَمْعِ الْعَسَاكِرِ لِبُعْدِهَا وَقُرْبِ الْعَدُوِّ، فَسَيَّرَ الْأَثْقَالَ مَعَ زَوْجَتِهِ وَنِظَامِ الْمُلْكِ إِلَى هَمَذَانَ، وَسَارَ هُوَ فِيمَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ. وَجَدَّ فِي السَّيْرِ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّنِي أُقَاتِلُ مُحْتَسِبًا صَابِرًا، فَإِنْ سَلِمْتُ فَنِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ فَإِنَّ ابْنِي مَلِكْشَاهْ وَلِيُّ عَهْدِي، وَسَارُوا.
فَلَمَّا قَارَبَ الْعَدُوَّ جَعَلَ لَهُ مُقَدِّمَةً، فَصَادَفَتْ مُقَدِّمَتُهُ، عِنْدَ خِلَاطٍ، مُقَدِّمَ الرُّوسِيَّةِ فِي نَحْوِ عَشَرَةِ آلَافٍ مِنَ الرُّومِ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتِ الرُّوسِيَّةُ، وَأُسِرَ مُقَدِّمُهُمْ، وَحُمِلَ إِلَى السُّلْطَانِ، فَجَدَعَ أَنْفَهُ، وَأَنْفَذَ بِالسَّلَبِ إِلَى نِظَامِ الْمُلْكِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُرْسِلَهُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الْعَسْكَرَانِ أَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ يَطْلُبُ مِنْهُ الْمُهَادَنَةَ، فَقَالَ: لَا هُدْنَةَ إِلَّا بِالرَّيِّ، فَانْزَعَجَ السُّلْطَانُ لِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ إِمَامُهُ وَفَقِيهُهُ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْبُخَارِيُّ، الْحَنَفِيُّ: إِنَّكَ تُقَاتِلُ عَنْ دِينٍ وَعَدَ اللَّهُ بِنَصْرِهِ وَإِظْهَارِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ كَتَبَ بِاسْمِكَ هَذَا الْفَتْحَ، فَالْقَهُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، بَعْدَ الزَّوَالِ، فِي السَّاعَةِ الَّتِي تَكُونُ الْخُطَبَاءُ عَلَى الْمَنَابِرِ، فَإِنَّهُمْ يَدْعُونَ لِلْمُجَاهِدِينَ بِالنَّصْرِ، وَالدُّعَاءُ مَقْرُونٌ بِالْإِجَابَةِ.
стр. 4748
فَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ صَلَّى بِهِمْ، وَبَكَى السُّلْطَانُ، فَبَكَى النَّاسُ لِبُكَائِهِ، وَدَعَا وَدَعَوْا مَعَهُ وَقَالَ لَهُمْ: مَنْ أَرَادَ الِانْصِرَافَ فَلْيَنْصَرِفْ، فَمَا هَاهُنَا سُلْطَانٌ يَأْمُرُ وَيَنْهَى، وَأَلْقَى الْقَوْسَ وَالنِّشَابَ، وَأَخَذَ السَّيْفَ وَالدَّبُّوسَ، وَعَقَدَ ذَنَبَ فَرَسِهِ بِيَدِهِ، وَفَعَلَ عَسْكَرُهُ مِثْلَهُ، وَلَبِسَ الْبَيَاضَ، وَتَحَنَّطَ، وَقَالَ: إِنْ قُتِلْتُ فَهَذَا كَفَنِي.
وَزَحَفَ إِلَى الرُّومِ وَزَحَفُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَارَبَهُمْ تَرَجَّلَ وَعَفَّرَ وَجْهَهُ عَلَى التُّرَابِ، وَبَكَى، وَأَكْثَرَ الدُّعَاءَ، ثُمَّ رَكِبَ وَحَمَلَ، وَحَمَلَتِ الْعَسَاكِرُ مَعَهُ، فَحَصَلَ الْمُسْلِمُونَ فِي وَسَطِهِمْ وَحَجَزَ الْغُبَارُ بَيْنَهُمْ، فَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمْ كَيْفَ شَاءُوا، وَأَنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمَ الرُّومُ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَا لَا يُحْصَى، حَتَّى امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ بِجُثَثِ الْقَتْلَى، وَأُسَرِ مَلِكُ الرُّومِ، أَسَرَهُ بَعْضُ غِلْمَانِ كُوهَرَائِينَ، أَرَادَ قَتْلَهُ وَلَمْ يَعْرِفْهُ، فَقَالَ لَهُ خَادِمٌ مَعَ الْمَلِكِ: لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنَّهُ الْمَلِكُ.
وَكَانَ هَذَا الْغُلَامُ قَدْ عَرَضَهُ كُوهَرَائِينُ عَلَى نِظَامِ الْمُلْكِ، فَرَدَّهُ اسْتِحْقَارًا لَهُ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ كُوهَرَائِينُ، فَقَالَ نِظَامُ الْمُلْكِ: عَسَى أَنْ يَأْتِيَنَا بِمَلِكِ الرُّومِ أَسِيرًا، فَكَانَ كَذَلِكَ.
فَلَمَّا أَسَرَ الْغُلَامُ الْمَلِكَ أَحْضَرَهُ عِنْدَ كُوهَرَائِينَ، فَقَصَدَ السُّلْطَانَ وَأَخْبَرَهُ بِأَسْرِ الْمَلِكِ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِ، فَلَمَّا أُحْضِرَ ضَرَبَهُ السُّلْطَانُ أَلْب أَرْسَلَانَ ثَلَاثَ مَقَارِعَ بِيَدِهِ وَقَالَ لَهُ: أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ فِي الْهُدْنَةِ فَأَبَيْتَ؟ فَقَالَ: دَعْنِي مِنَ التَّوْبِيخِ، وَافْعَلْ مَا تُرِيدُ! فَقَالَ السُّلْطَانُ: مَا عَزَمْتَ أَنْ تَفْعَلَ بِي إِنْ أَسَرْتَنِي؟ فَقَالَ: أَفْعَلُ الْقَبِيحَ. قَالَ لَهُ: فَمَا تَظُنُّ أَنَّنِي أَفْعَلُ بِكَ؟ قَالَ: إِمَّا أَنْ تَقْتُلَنِي، وَإِمَّا أَنْ تُشْهِرَنِي فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَالْأُخْرَى بَعِيدَةٌ، وَهِيَ الْعَفْوُ، وَقَبُولُ الْأَمْوَالِ، وَاصْطِنَاعِي نَائِبًا عَنْكَ. قَالَ: مَا عَزَمْتُ عَلَى غَيْرِ هَذَا.
فَفَدَاهُ بِأَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ وَخَمْسِ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ عَسَاكِرَ الرُّومِ أَيْ وَقْتَ طَلَبِهَا، وَأَنْ يُطْلِقَ كُلَّ أَسِيرٍ فِي بِلَادِ الرُّومِ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنْزَلَهُ فِي خَيْمَةٍ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ يَتَجَهَّزُ بِهَا، فَأَطْلَقَ لَهُ جَمَاعَةً مِنَ الْبَطَارِقَةِ،
стр. 4749
وَخَلَعَ عَلَيْهِ (مِنَ الْغَدِ) ، فَقَالَ مَلِكُ الرُّومِ: أَيْنَ جِهَةُ الْخَلِيفَةِ؟ فَقَامَ وَكَشَفَ رَأَسَهُ وَأَوْمَأَ إِلَى الْأَرْضِ بِالْخِدْمَةِ، وَهَادَنَهُ السُّلْطَانُ خَمْسِينَ سَنَةً، وَسَيَّرَهُ إِلَى بِلَادِهِ، وَسَيَّرَ مَعَهُ عَسْكَرًا أَوْصَلُوهُ إِلَى مَأْمَنِهِ، وَشَيَّعَهُ السُّلْطَانُ فَرْسَخًا.
وَأَمَّا الرُّومُ فَلَمَّا بَلَغَهُمْ خَبَرُ الْوَقْعَةِ وَثَبَ مِيخَائِيلُ عَلَى الْمَمْلَكَةِ فَمَلَكَ الْبِلَادَ، فَلَمَّا وَصَلَ أَرْمَانُوسُ الْمَلِكُ إِلَى قَلْعَةِ دُوقِيَّةَ بَلَغَهُ الْخَبَرُ، فَلَبِسَ الصُّوفَ وَأَظْهَرَ الزُّهْدَ، وَأَرْسَلَ إِلَى مِيخَائِيلَ يُعَرِّفُهُ مَا تَقَرَّرَ مِنَ السُّلْطَانِ، وَقَالَ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَفْعَلَ مَا اسْتَقَرَّ، وَإِنْ شِئْتَ أَمْسَكْتَ، فَأَجَابَهُ مِيخَائِيلُ بِإِيثَارِ مَا اسْتَقَرَّ، وَطَلَبَ وَسَاطَتَهُ، وَسُؤَالَ السُّلْطَانِ فِي ذَلِكَ.
وَجَمَعَ أَرْمَانُوسُ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ فَكَانَ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى السُّلْطَانِ، وَطَبَقَ ذَهَبٍ عَلَيْهِ جَوَاهِرُ بِتِسْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَحَلَفَ لَهُ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ أَرْمَانُوسُ اسْتَوْلَى عَلَى أَعْمَالِ الْأَرْمَنِ وَبِلَادِهِمْ. وَمَدَحَ الشُّعَرَاءُ السُّلْطَانَ، وَذَكَرُوا هَذَا الْفَتْحَ، فَأَكْثَرُوا.
стр. 4750
ذِكْرُ مُلْكِ أَتْسِزَ الرَّمْلَةَ وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَصَدَ أَتْسِزُ بْنُ أُوقَ الْخُوَارِزْمِيُّ، وَهُوَ مِنْ أُمَرَاءِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، بَلَدَ الشَّامِ، فَجَمَعَ الْأَتْرَاكَ وَسَارَ إِلَى فِلَسْطِينَ، فَفَتَحَ مَدِينَةَ الرَّمْلَةِ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ وَحَصَرَهُ، وَفِيهِ عَسَاكِرُ الْمِصْرِيِّينَ، فَفَتَحَهُ، وَمَلَكَ مَا يُجَاوِرُهُمَا مِنَ الْبِلَادِ، مَا عَدَا عَسْقَلَانَ، وَقَصَدَ دِمَشْقَ فَحَصَرَهَا، وَتَابَعَ النَّهْبَ لِأَعْمَالِهَا حَتَّى خَرَّبَهَا، وَقَطَعَ الْمِيرَةَ عَنْهَا، فَضَاقَ الْأَمْرُ بِالنَّاسِ، فَصَبَرُوا، وَلَمْ يُمَكِّنُوهُ مِنْ مُلْكِ الْبَلَدِ، فَعَادَ عَنْهُ، وَأَدَامَ قَصْدَ أَعْمَالِهِ وَتَخْرِيبِهَا حَتَّى قَلَّتِ الْأَقْوَاتُ عِنْدَهُمْ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
[الْوَفَيَاتُ]
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فُورَانَ الْفُورَانِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، مُصَنِّفُ كِتَابِ " الْإِبَانَةِ " وَغَيْرِهِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْحِجَّةِ، تُوُفِّيَ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ
стр. 4751
بْنِ ثَابِتٍ الْبَغْدَاذِيُّ، صَاحِبُ " التَّارِيخِ " وَالْمُصَنَّفَاتِ الْكَثِيرَةِ بِبَغْدَاذَ، وَكَانَ إِمَامَ الدُّنْيَا فِي زَمَانِهِ، وَمِمَّنْ حَمَلَ جِنَازَتَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ.
وَتُوُفِّيَ أَيْضًا فِيهَا، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، أَبُو يَعْلَى حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ حَمْزَةَ الْجَعْفَرِيُّ، فَقِيهُ الْإِمَامِيَّةِ، وَحَسَّانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَسَّانِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَنِيعِيُّ الْمَخْزُومِيُّ مِنْ أَهْلِ مَرْوِ الرُّوذِ، كَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْعِبَادَةِ، وَالْقُنُوعِ بِالْقَلِيلِ مِنَ الْقُوتِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ زِينَةِ الدُّنْيَا وَبَهْجَتِهَا، وَكَانَ السَّلَاطِينُ يَزُورُونَهُ وَيَتَبَرَّكُونَ بِهِ، وَأَكْثَرَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْخَانْقَاهَاتِ وَالْقَنَاطِرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
وَتُوُفِّيَتْ أَيْضًا كَرِيمَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيَّةُ، وَهِيَ الَّتِي تَرْوِي " صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ "، تُوُفِّيَتْ بِمَكَّةَ، وَإِلَيْهَا انْتَهَى عُلُوُّ الْإِسْنَادِ لِلصَّحِيحِ إِلَى أَنْ جَاءَ أَبُو الْوَقْتِ.
стр. 4752
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .]
٤٦٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ذِكْرُ وِلَايَةَ سَعْدِ الدَّوْلَةِ كُوهَرَائِينَ شِحْنَكِيَّةِ بَغْدَاذَ.
فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَرَدَ إِيتِكِينُ السُّلَيْمَانِيُّ شِحْنَةَ بَغْدَاذَ مِنْ عِنْدِ السُّلْطَانِ إِلَى بَغْدَاذَ، فَقَصَدَ دَارَ الْخِلَافَةِ، وَسَأَلَ الْعَفْوَ عَنْهُ، وَأَقَامَ أَيَّامًا، فَلَمْ يُجَبْ إِلَى ذَلِكَ.
وَكَانَ سَبَبُ غَضَبِ الْخَلِيفَةِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدِ اسْتَخْلَفَ ابْنَهُ عِنْدَ مَسِيرِهِ إِلَى السُّلْطَانِ، وَجَعَلَ شِحْنَةً بِبَغْدَادَ، فَقَتَلَ أَحَدَ الْمَمَالِيكِ الدَّارِيَّةِ، فَأَنْفَذَ قَمِيصَهُ مِنَ الدِّيوَانِ إِلَى السُّلْطَانِ، وَوَقَعَ الْخِطَابُ فِي عَزْلِهِ.
وَكَانَ نِظَامُ الْمُلْكِ يُعْنَى بِالسُّلَيْمَانِيِّ، فَأَضَافَ إِلَى إِقْطَاعِهِ تِكْرِيتَ، فَكُوتِبَ وَالِيهَا، مِنْ دِيوَانِ الْخِلَافَةِ، بِالتَّوَقُّفِ عَنْ تَسْلِيمِهَا، فَلَمَّا رَأَى نِظَامُ الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانُ إِصْرَارَ الْخَلِيفَةِ عَلَى الِاسْتِقَالَةِ مِنْ وِلَايَتِهِ شِحْنَكِيَّةِ بَغْدَاذَ، سَيَّرَ سَعْدُ الدَّوْلَةِ كُوهَرَائِينُ إِلَى بَغْدَاذَ شِحْنَةً، وَعَزَلَ السُّلَيْمَانِيَّ عَنْهَا، اتِّبَاعًا لِمَا أَمَرَ بِهِ الْخَلِيفَةُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَلَمَّا وَرَدَ سَعْدُ الدَّوْلَةِ خَرَجَ النَّاسُ لِتَلَقِّيهِ، وَجَلَسَ لَهُ الْخَلِيفَةُ.
ذِكْرُ تَزْوِيجِ وَلِيِّ الْعَهْدِ بِابْنَةِ السُّلْطَانِ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَرْسَلَ الْإِمَامُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ عَمِيدَ الدَّوْلَةِ بْنَ جَهِيرٍ، وَمَعَهُ الْخِلَعُ لِلسُّلْطَانِ وَلِوَلَدِهِ مَلِكْشَاهْ، وَكَانَ السُّلْطَانُ قَدْ أَرْسَلَ يَطْلُبُ مِنَ الْخَلِيفَةِ أَنْ يَأْذَنَ فِي أَنْ يَجْعَلَ وَلَدَهُ مَلِكْشَاهْ وَلِيَّ عَهْدِهِ، فَأَذِنَ، وَسُيِّرَتْ لَهُ الْخِلَعُ مَعَ عَمِيدِ الدَّوْلَةِ، وَأَمَرَ عَمِيدَ الدَّوْلَةِ أَنْ يَخْطُبَ ابْنَةَ السُّلْطَانِ أَلْب أَرْسَلَانَ مِنْ سَفَرِي خَاتُونَ لِوَلِيِّ الْعَهْدِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَ السُّلْطَانِ خَطَبَ ابْنَتَهُ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ.
стр. 4753
وَعُقِدَ النِّكَاحُ بِظَاهِرِ نَيْسَابُورَ، وَكَانَ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ الْوَكِيلَ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ، وَنِظَامُ الْمُلْكِ الْوَكِيلَ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ فِي الْعَقْدِ، وَكَانَ النِّثَارُ جَوَاهِرَ، وَعَادَ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ مِنْ عِنْدِ السُّلْطَانِ إِلَى مَلِكْشَاهْ، وَكَانَ بِبِلَادِ فَارِسَ، فَلَقِيَهُ بِأَصْبَهَانَ، فَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْخِلَعَ، فَلَبِسَهَا وَسَارَ إِلَى وَالِدِهِ، وَعَادَ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ، فَدَخَلَهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ عَمَّارٍ طَرَابُلُسَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَجَبٍ، تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو طَالِبِ بْنُ عَمَّارٍ، قَاضِي طَرَابُلُسَ، وَكَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَاسْتَبَدَّ بِالْأَمْرِ فِيهَا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ قَامَ مَكَانَهُ ابْنُ أَخِيهِ جَلَالُ الْمُلْكِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَمَّارٍ، فَضَبَطَ الْبَلَدَ أَحْسَنَ ضَبْطٍ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِفَقْدِ عَمِّهِ أَثَرٌ لِكِفَايَتِهِ.
ذِكْرُ مُلْكِ السُّلْطَانِ أَلْب أَرْسَلَانَ قَلْعَةَ فَضْلُونَ بِفَارِسَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ السُّلْطَانُ أَلْب أَرْسَلَانَ وَزِيرَهُ نِظَامَ الْمُلْكِ فِي عَسْكَرٍ إِلَى بِلَادِ فَارِسَ، وَكَانَ بِهَا حِصْنٌ مِنْ أَمْنَعِ الْحُصُونِ وَالْمَعَاقِلِ، وَفِيهِ صَاحِبُهُ فَضْلُونُ، وَهُوَ لَا يُعْطِي الطَّاعَةَ، فَنَازَلَهُ وَحَصَرَهُ، وَدَعَاهُ إِلَى طَاعَةِ السُّلْطَانِ فَامْتَنَعَ، فَقَاتَلَهُ فَلَمْ يَبْلُغْ بِقِتَالِهِ غَرَضًا لِعُلُوِّ الْحِصْنِ وَارْتِفَاعِهِ، فَلَمْ يَطُلْ مُقَامُهُمْ عَلَيْهِ حَتَّى نَادَى أَهْلُ الْقَلْعَةِ الْأَمَانَ لِيُسَلِّمُوا الْحِصْنَ إِلَيْهِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ.
وَكَانَ السَّبَبُ فِيهِ أَنَّ جَمِيعَ الْآبَارِ الَّتِي بِالْقَلْعَةِ غَارَتْ مِيَاهُهَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَادَتْهُمْ ضَرُورَةُ الْعَطَشِ إِلَى التَّسْلِيمِ، فَلَمَّا طَلَبُوا الْأَمَانَ أَمَّنَهُمْ نِظَامُ الْمُلْكِ، وَتَسَلَّمَ
стр. 4754
الْحِصْنَ، وَالْتَجَأَ فَضْلُونُ إِلَى قُلَّةِ الْقَلْعَةِ، وَهِيَ أَعْلَى مَوْضِعٍ فِيهَا، وَفِيهِ بِنَاءٌ مُرْتَفِعٌ، فَاحْتَمَى فِيهَا، فَسَيَّرَ نِظَامُ الْمُلْكِ طَائِفَةً مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ أَهْلُ فَضْلُونَ وَأَقَارِبُهُ لِيَحْمِلُوهُمْ إِلَيْهِ وَيَنْهَبُوا مَالَهُمْ، فَسَمِعَ فَضْلُونُ الْخَبَرَ، فَفَارَقَ مَوْضِعَهُ مُسْتَخْفِيًا فَيَمَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْجُنْدِ، وَسَارَ لِيَمْنَعَ عَنْ أَهْلِهِ، فَاسْتَقْبَلَتْهُ طَلَائِعُ نِظَامِ الْمُلْكِ، فَخَافَهُمْ، فَتَفَرَّقَ مَنْ مَعَهُ، وَاخْتَفَى فِي نَبَاتِ الْأَرْضِ، فَوَقَعَ فِيهِ بَعْضُ الْعَسْكَرِ، فَأَخَذَهُ أَسِيرًا، وَحَمَلَهُ إِلَى نِظَامِ الْمُلْكِ، فَأَخَذَهُ وَسَارَ بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ فَأَمَّنَهُ وَأَطْلَقَهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ الْخَطِيبُ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ، وَكَانَ قَدْ أَضَرَّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ إِلَيْهِ قَضَاءُ وَاسِطَ، وَخَلِيفَتُهُ عَلَيْهَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ السَّمَّانِ.
стр. 4755
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .]
٤٦٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ذِكْرُ قَتْلِ السُّلْطَانِ أَلْب أَرْسَلَانَ.
فِي أَوَّلِ هَذِهِ السَّنَةِ قَصَدَ السُّلْطَانُ أَلْب أَرْسَلَانَ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ، وَإِنَّمَا غَلَبَ عَلَيْهِ أَلْب أَرْسَلَانَ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَصَاحِبُهُ شَمْسُ الْمُلْكِ تِكِينَ، فَعَقَدَ عَلَى جَيْحُونَ جِسْرًا وَعَبَرَ عَلَيْهِ فِي نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَعَسْكَرُهُ يَزِيدُ عَلَى مِائَتَيْ أَلْفِ فَارِسٍ، فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ بِمُسْتَحْفِظِ قَلْعَةٍ يُعْرَفُ بِيُوسُفَ الْخُوَارِزْمِيِّ، فِي سَادِسِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَحُمِلَ إِلَى قُرْبِ سَرِيرِهِ مَعَ غُلَامَيْنِ، فَتَقَدَّمَ أَنْ تُضْرَبَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَوْتَادٍ وَتُشَدَّ أَطْرَافُهُ إِلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ يُوسُفُ: يَا مُخَنَّثُ! مِثْلِي يُقْتَلُ هَذِهِ الْقِتْلَةَ؟ فَغَضِبَ السُّلْطَانُ أَلْب أَرْسَلَانَ، وَأَخَذَ الْقَوْسَ وَالنِّشَابَ، وَقَالَ لِلْغُلَامَيْنِ: خَلِّيَاهُ! وَرَمَاهُ السُّلْطَانُ بِسَهْمٍ فَأَخْطَأَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُخْطِئُ سَهْمُهُ، فَوَثَبَ يُوسُفُ يُرِيدُهُ، وَالسُّلْطَانُ عَلَى سُدَّةٍ، فَلَمَّا رَأَى يُوسُفَ يَقْصِدُهُ قَامَ عَنِ السُّدَّةِ وَنَزَلَ عَنْهَا، فَعَثَرَ، فَوَقَعَ عَلَى وَجْهِهِ، فَبَرَكَ عَلَيْهِ يُوسُفُ وَضَرَبَهُ بِسِكِّينٍ كَانَتْ مَعَهُ فِي خَاصِرَتِهِ، وَكَانَ سَعْدُ الدَّوْلَةِ وَاقِفًا، فَجَرَحَهُ يُوسُفُ أَيْضًا جِرَاحَاتٍ، وَنَهَضَ السُّلْطَانُ إِلَى خَيْمَةٍ أُخْرَى، وَضَرَبَ بَعْضُ الْفَرَّاشِينَ يُوسُفَ بِمِرْزَبَةٍ عَلَى رَأْسِهِ فَقَتَلَهُ، وَقَطَّعَهُ الْأَتْرَاكُ.
وَكَانَ أَهْلُ سَمَرْقَنْدَ لَمَّا بَلَغَهُمْ عُبُورُ السُّلْطَانِ النَّهْرَ، وَمَا فَعَلَ عَسْكَرُهُ بِتِلْكَ الْبِلَادِ لَا سِيَّمَا بُخَارَى، اجْتَمَعُوا، وَخَتَمُوا خَتَمَاتٍ، وَسَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَكْفِيَهُمْ أَمْرَهُ، فَاسْتَجَابَ لَهُمْ.
وَلَمَّا جُرِحَ السُّلْطَانُ قَالَ: مَا مِنْ وَجْهٍ قَصَدْتُهُ، وَعَدُوٍّ أَرَدْتُهُ، إِلَّا اسْتَعَنْتُ بِاللَّهِ عَلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ أَمْسُ صَعِدْتُ عَلَى تَلٍّ، فَارْتَجَّتِ الْأَرْضُ تَحْتِي مِنْ عِظَمِ الْجَيْشِ وَكَثْرَةِ الْعَسْكَرِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: أَنَا مَلِكُ الدُّنْيَا، وَمَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَيَّ،
стр. 4756
فَعَجَّزَنِي اللَّهُ تَعَالَى بِأَضْعَفِ خَلْقِهِ، وَأَنَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى، وَأَسْتَقِيلُهُ مِنْ ذَلِكَ الْخَاطِرِ. فَتُوُفِّيَ عَاشِرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ، فَحُمِلَ إِلَى مَرْوَ وَدُفِنَ عِنْدَ أَبِيهِ.
وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَبَلَغَ مِنَ الْعُمْرِ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَشُهُورًا، وَقِيلَ كَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ عِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِ مُنْذُ خُطِبَ لَهُ بِالسَّلْطَنَةِ إِلَى أَنْ قُتِلَ تِسْعَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا، وَلَمَّا وَصَلَ خَبَرُ مَوْتِهِ إِلَى بَغْدَاذَ جَلَسَ الْوَزِيرُ فَخْرُ الدَّوْلَةِ بْنُ جَهِيرٍ لِلْعَزَاءِ بِهِ فِي صَحْنِ السَّلَامِ.
ذِكْرُ نَسَبِ أَلْب أَرْسَلَانَ وَبَعْضِ سِيرَتِهِ.
هُوَ أَلْب أَرْسَلَانَ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ جُغْرِي بِكْ بْنِ مِيكَائِيلَ بْنِ سَلْجُوقَ، وَكَانَ كَرِيمًا، عَادِلًا، عَاقِلًا، يَسْمَعُ السِّعَايَاتِ، وَاتَّسَعَ مُلْكُهُ جِدًّا، وَدَانَ لَهُ الْعَالَمُ، وَبِحَقٍّ قِيلَ لَهُ سُلْطَانُ الْعَالَمِ.
وَكَانَ رَحِيمَ الْقَلْبِ رَفِيقًا بِالْفُقَرَاءِ، كَثِيرَ الدُّعَاءِ بِدَوَامِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ. اجْتَازَ يَوْمًا بِمَرْوَ عَلَى فُقَرَاءِ الْخَرَّائِينَ، فَبَكَى، وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُغْنِيَهُ مِنْ فَضْلِهِ.
وَكَانَ يُكْثِرُ الصَّدَقَةَ، فَيَتَصَدَّقُ فِي رَمَضَانَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَانَ فِي دِيوَانِهِ أَسْمَاءُ خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَرَاءِ فِي جَمِيعِ مَمَالِكِهِ، عَلَيْهِمُ الْإِدْرَارَاتُ وَالصِّلَاتِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي جَمِيعِ بِلَادِهِ جِنَايَةٌ وَلَا مُصَادَرَةٌ، قَدْ قَنَعَ مِنَ الرَّعَايَا بِالْخَرَاجِ الْأَصْلِيِّ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ كُلَّ سَنَةٍ دَفْعَتَيْنِ رِفْقًا بِهِمْ.
وَكَتَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ السُّعَاةِ سِعَايَةً فِي نِظَامِ الْمُلْكِ وَزِيرِهِ، وَذَكَرَ مَا لَهُ فِي مَمَالِكِهِ مِنَ الرُّسُومِ وَالْأَمْوَالِ، وَتُرِكَتْ عَلَى مُصَلَّاهُ، فَأَخَذَهَا فَقَرَأَهَا، ثُمَّ سَلَّمَهَا إِلَى نِظَامِ الْمُلْكِ
стр. 4757
وَقَالَ لَهُ: خُذْ هَذَا الْكِتَابَ، فَإِنْ صَدَقُوا فِي الَّذِي كَتَبُوهُ فَهَذِّبْ أَخْلَاقَكَ، وَأَصْلِحْ أَحْوَالَكَ، وَإِنْ كَذَبُوا فَاغْفِرْ لَهُمْ زَلَّتَهُمْ وَاشْغَلْهُمْ بِمُهِمٍّ يَشْتَغِلُونَ بِهِ عَنِ السِّعَايَةِ بِالنَّاسِ.
وَهَذِهِ حَالَةٌ لَا يُذْكَرُ عَنْ أَحَدِ الْمُلُوكِ أَحْسَنَ مِنْهَا.
وَكَانَ كَثِيرًا مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ تَوَارِيخُ الْمُلُوكِ وَآدَابُهُمْ، وَأَحْكَامُ الشَّرِيعَةِ، وَلَمَّا اشْتُهِرَ بَيْنَ الْمُلُوكِ حُسْنُ سِيرَتِهِ، وَمُحَافَظَتُهُ عَلَى عُهُودِهِ أَذْعَنُوا لَهُ بِالطَّاعَةِ وَالْمُوَافَقَةِ بَعْدَ الِامْتِنَاعِ، وَحَضَرُوا عِنْدَهُ مِنْ أَقَاصِي مَا وَرَاءَ النَّهْرِ إِلَى أَقْصَى الشَّامِ.
وَكَانَ شَدِيدَ الْعِنَايَةِ بِكَفِّ الْجُنْدِ عَنْ أَمْوَالِ الرَّعِيَّةِ، بَلَغَهُ أَنَّ بَعْضَ خَوَاصِّ مَمَالِيكِهِ سَلَبَ مِنْ بَعْضِ الرِّسْتَاقِيَّةِ إِزَارًا، فَأَخَذَ الْمَمْلُوكَ وَصَلَبَهُ، فَارْتَدَعَ النَّاسُ عَنِ التَّعَرُّضِ إِلَى مَالِ غَيْرِهِمْ.
وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ لَا يَلِيقُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا الْقَدْرِ مِنْهَا. وَخَلَّفَ أَلْب أَرْسَلَانَ مِنَ الْأَوْلَادِ: مَلِكْشَاهْ، وَهُوَ صَارَ السُّلْطَانَ بَعْدَهُ، وَإِيَازُ، وَتُكَشُ، وَبُورِي بَرْشَ، وَتُتْشُ، وَأَرْسَلَانَ أَرَغُو، وَسَارَةُ، وَعَائِشَةُ، وَبِنْتًا أُخْرَى.
ذِكْرُ مُلْكِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ.
لَمَّا جُرِحَ السُّلْطَانُ أَلْب أَرْسَلَانَ أَوْصَى بِالسَّلْطَنَةِ لِابْنِهِ مَلِكْشَاهْ، وَكَانَ مَعَهُ، وَأَمَرَ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ الْعَسْكَرُ، فَحَلَفُوا جَمِيعُهُمْ، وَكَانَ الْمُتَوَلِّي لِلْأَمْرِ فِي ذَلِكَ نِظَامُ الْمُلْكِ، وَأَرْسَلَ مَلِكْشَاهْ إِلَى بَغْدَاذَ يَطْلُبُ الْخُطْبَةَ لَهُ، فَخَطَبَ لَهُ عَلَى مَنَابِرِهَا، وَأَوْصَى أَلْب
стр. 4758
أَرَسْلَانَ ابْنَهُ مَلِكْشَاهْ أَيْضًا أَنْ يُعْطِيَ أَخَاهُ قَاوَرْتَ بِكْ بْنَ دَاوُدَ أَعْمَالَ فَارِسَ وَكَرْمَانَ، وَشَيْئًا عَيَّنَهُ مِنَ الْمَالِ، وَأَنْ يُزَوَّجَ بِزَوْجَتِهِ، وَكَانَ قَاوَرْتُ بِكْ بِكَرْمَانَ، وَأَوْصَى أَنْ يُعْطَى ابْنُهُ إِيَازَ بْنَ أَلْب أَرْسَلَانَ مَا كَانَ لِأَبِيهِ دَاوُدَ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَقَالَ: كُلُّ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِمَا أَوْصَيْتُ لَهُ فَقَاتِلُوهُ، وَاسْتَعِينُوا بِمَا جَعَلْتَهُ لَهُ عَلَى حَرْبِهِ.
وَعَادَ مَلِكْشَاهْ مِنْ بِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَعَبَرَ الْعَسْكَرِ الَّذِي قَطَعَ النَّهْرَ فِي نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقَامَ بِوِزَارَةِ مَلِكْشَاهْ نِظَامُ الْمُلْكِ، وَزَادَ الْأَجْنَادُ فِي مَعَايِشِهِمْ سَبْعَ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَعَادُوا إِلَى خُرَاسَانَ، وَقَصَدُوا نَيْسَابُورَ، وَرَاسَلَ مَلِكْشَاهْ جَمَاعَةَ الْمُلُوكِ أَصْحَابَ الْأَطْرَافِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْخُطْبَةِ لَهُ وَالِانْقِيَادِ إِلَيْهِ، وَأَقَامَ إِيَازُ أَرْسَلَانَ بِبَلْخَ وَسَارَ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ فِي عَسَاكِرِهِ مِنْ نَيْسَابُورَ إِلَى الرَّيِّ.
ذِكْرُ مُلْكِ صَاحِبِ سَمَرْقَنْدَ مَدِينَةَ تِرْمِذَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، مَلَكَ أَلْتَكِينُ صَاحِبُ سَمَرْقَنْدَ مَدِينَةَ تِرْمِذَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ وَفَاةُ أَلْب أَرْسَلَانَ، وَعَوْدُ ابْنِهِ مَلِكْشَاهْ عَنْ خُرَاسَانَ، طَمِعَ فِي الْبِلَادِ الْمُجَاوِرَةِ لَهُ، فَقَصَدَ تِرْمِذَ أَوَّلَ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَفَتَحَهَا، وَنَقَلَ مَا فِيهَا مِنْ ذَخَائِرَ وَغَيْرِهَا إِلَى سَمَرْقَنْدَ.
وَكَانَ إِيَازُ بْنُ أَلْب أَرْسَلَانَ قَدْ سَارَ عَنْ بَلْخَ إِلَى الْجُوزَجَانِ، فَخَافَ أَهْلُ بَلْخَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى أَلْتَكِينَ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ، فَخَطَبُوا لَهُ فِيهَا، وَوَرَدَ إِلَيْهَا، فَنَهَبَ عَسْكَرُهُ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَعَادَ إِلَى تِرْمِذَ، فَثَارَ أَوْبَاشُ بَلْخَ بِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَتَلُوهُمْ، فَعَادَ إِلَيْهِمْ وَأَمَرَ بِإِحْرَاقِ الْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَعْيَانُ أَهْلِهَا وَسَأَلُوهُ
стр. 4759
الصَّفْحَ، وَاعْتَذَرُوا، فَعَفَا عَنْهُمْ، لَكِنَّهُ أَخَذَ أَمْوَالَ التُّجَّارِ فَغَنِمَ شَيْئًا عَظِيمًا.
فَلَمَّا وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى إِيَازَ عَادَ مِنَ الْجُوزَجَانِ إِلَى بَلْخَ، فَوَصَلَ غُرَّةَ جُمَادَى الْأُولَى، فَأَطَاعَهُ أَهْلُهَا، وَسَارَ عَنْهَا إِلَى تِرْمِذَ فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ فِي الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَلَقِيَهُمْ عَسْكَرُ أَلْتَكِينَ، فَانْهَزَمَ إِيَازُ، فَغَرِقَ مِنْ عَسْكَرِهِ فِي جَيْحُونَ أَكْثَرُهُمْ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَنْجُ إِلَّا الْقَلِيلُ.
ذِكْرُ قَصْدِ صَاحِبِ غَزْنَةَ سَكْلَكَنْدَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا، فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَرَدَتْ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ عَسْكَرِ غَزْنَةَ إِلَى سَكْلَكَنْدَ، وَبِهَا عُثْمَانُ عَمُّ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، وَيُلَقَّبُ بِأَمِيرِ الْأُمَرَاءِ، فَأَخَذُوهُ أَسِيرًا، وَعَادُوا بِهِ إِلَى غَزْنَةَ مَعَ خَزَائِنِهِ وَحَشَمِهِ، فَسَمِعَ الْأَمِيرُ كُمُشْتَكِينُ بُلْكَابِكْ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ، فَتَبِعَ آثَارَهُمْ، وَكَانَ مَعَهُ أَنُوشْتِكِينُ جَدُّ مُلُوكِ خُوَارِزْمَ فِي زَمَانِنَا، فَنَهَبُوا مَدِينَةَ سَكْلَكَنْدَ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ وَعَمِّهِ قَاوَرْتَ بِكْ.
لَمَّا بَلَغَ قَاوَرْتُ بِكْ، وَهُوَ بِكَرْمَانَ، وَفَاةُ أَخِيهِ أَلْب أَرْسَلَانَ سَارَ طَلَبًا لِلرَّيِّ يُرِيدُ الِاسْتِيلَاءَ عَلَى الْمَمَالِكِ، فَسَبَقَهُ إِلَيْهَا السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ وَنِظَامُ الْمُلْكِ، وَسَارَا (مِنْهَا إِلَيْهِ) ، فَالْتَقَوْا بِالْقُرْبِ مِنْ هَمَذَانَ فِي شَعْبَانَ، وَكَانَ الْعَسْكَرُ يَمِيلُونَ إِلَى قَاوَرْتَ بِكْ، فَحَمَلَتْ مَيْسَرَةُ قَاوَرْتَ عَلَى مَيْمَنَةِ مَلِكْشَاهْ، فَهَزَمُوهَا، وَحَمَلَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ مُسْلِمُ بْنُ قُرَيْشٍ، وَبَهَاءُ الدَّوْلَةِ مَنْصُورُ بْنُ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ، وَهُمَا مَعَ مَلِكْشَاهْ، وَمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْعَرَبِ وَالْأَكْرَادِ، عَلَى مَيْمَنَةِ قَاوَرْتُ بِكْ فَهَزَمُوهَا، وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى
стр. 4760
أَصْحَابِ قَاوَرْتَ بِكْ، وَمَضَى الْمُنْهَزِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ إِلَى حُلَلِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، وَبَهَاءِ الدَّوْلَةِ فَنَهَبُوهَا غَيْظًا مِنْهُمْ، حَيْثُ هَزَمُوا عَسْكَرَ قَاوَرْتَ بِكْ، وَنَهَبُوا أَيْضًا مَا كَانَ لِنَقِيبِ النُّقَبَاءِ طِرَادِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيِّ رَسُولِ الْخَلِيفَةِ.
وَجَاءَ رَجُلٌ سَوَادِيٌّ إِلَى السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَمَّهُ قَاوَرْتَ بِكْ فِي بَعْضِ الْقُرَى، فَأَرْسَلَ مَنْ أَخَذَهُ وَأَحْضَرَهُ، فَأَمَرَ سَعْدَ الدَّوْلَةِ كُوهَرَائِينَ فَخَنَقَهُ، وَأَقَرَّ كَرْمَانَ بِيَدِ أَوْلَادِهِ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِمُ الْخِلَعَ، وَأَقْطَعَ الْعَرَبَ وَالْأَكْرَادَ إِقْطَاعَاتٍ كَثِيرَةً لِمَا فَعَلُوهُ فِي الْوَقْعَةِ.
وَكَانَ السَّبَبُ فِي حُضُورِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ وَبَهَاءِ الدَّوْلَةِ عِنْدَ مَلِكْشَاهْ أَنَّ السُّلْطَانَ أَلْب أَرْسَلَانَ كَانَ سَاخِطًا عَلَى شَرَفِ الدَّوْلَةِ، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ نَقِيبَ النُّقَبَاءِ طِرَادَ بْنَ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيَّ إِلَى شَرَفِ الدَّوْلَةِ بِالْمَوْصِلِ، فَأَخَذَهُ وَسَارَ بِهِ إِلَى أَلْب أَرْسَلَانَ لِيَشْفَعَ فِيهِ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ الزَّابَ وَقَفَ عَلَى مُلَطِّفَاتٍ كَتَبَهَا وَزِيرُهُ أَبُو جَابِرِ بْنُ صِقْلَابَ، فَأَخَذَهُ شَرَفُ الدَّوْلَةِ فَغَرَّقَهُ، وَسَارَ مَعَ طِرَادٍ، فَبَلَغَهُمَا الْخَبَرُ بِوَفَاةِ أَلْب أَرْسَلَانَ وَمَصِيرِ ابْنِهِ مَلِكْشَاهْ، فَتَمَّمَا إِلَيْهِ.
وَأَمَّا بَهَاءُ الدَّوْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ سَارَ بِمَالٍ أَرْسَلَهُ بِهِ أَبُوهُ إِلَى السُّلْطَانِ، فَحَضَرَ الْحَرْبَ بِهَذَا السَّبَبِ.
ذِكْرُ تَفْوِيضِ الْأُمُورِ إِلَى نِظَامِ الْمُلْكِ.
ثُمَّ إِنَّ عَسْكَرَ مَلِكْشَاهْ بَسَطُوا وَمَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَمْوَالِ الرَّعِيَّةِ، وَقَالُوا: مَا يَمْنَعُ السُّلْطَانَ أَنْ يُعْطِيَنَا الْأَمْوَالَ إِلَّا نِظَامُ الْمُلْكِ فَنَالَ الرَّعِيَّةَ أَذًى شَدِيدٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ نِظَامُ الْمُلْكِ لِلسُّلْطَانِ، فَبَيَّنَ لَهُ مَا فِي هَذَا الْفِعْلِ مِنَ الْوَهْنِ، وَخَرَابِ الْبِلَادِ وَذَهَابِ السِّيَاسَةِ، فَقَالَ لَهُ: افْعَلْ فِي هَذَا مَا تَرَاهُ مَصْلَحَةً! فَقَالَ لَهُ نِظَامُ الْمُلْكِ: مَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَفْعَلَ إِلَّا بِأَمْرِكَ.
стр. 4761
فَقَالَ السُّلْطَانُ: قَدْ رَدَدْتُ الْأَمْوَالَ كُلَّهَا كَبِيرَهَا وَصَغِيرَهَا إِلَيْكَ، فَأَنْتَ الْوَالِدُ، وَحَلَفَ لَهُ، وَأَقْطَعَهُ إِقْطَاعًا زَائِدًا عَلَى مَا كَانَ، مَنْ جُمْلَتِهِ طُوسُ مَدِينَةُ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَلَقَبَّهَ أَلْقَابًا مِنْ جُمْلَتِهَا: أَتَابِكُ، وَمَعْنَاهُ الْأَمِيرُ الْوَالِدُ، فَظَهَرَ فِي كِفَايَتِهِ، وَشَجَاعَتِهِ، وَحُسْنِ سِيرَتِهِ مَا هُوَ مَشْهُورٌ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ امْرَأَةً ضَعِيفَةً اسْتَغَاثَتْ بِهِ، فَوَقَفَ يُكَلِّمُهَا وَتُكَلِّمُهُ، فَدَفَعَهَا بَعْضُ حُجَّابِهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَالَ: إِنَّمَا اسْتَخْدَمْتُكَ لِأَمْثَالِ هَذِهِ، فَإِنَّ الْأُمَرَاءَ وَالْأَعْيَانَ لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَيْكَ، ثُمَّ صَرَفَهُ عَنْ حِجَابَتِهِ.
ذِكْرُ قَتْلِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ حَمْدَانَ، وَهُوَ مِنْ أَوْلَادِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، بِمِصْرَ، وَكَانَ قَدْ تَقَدَّمَ فِيهَا تَقَدُّمًا عَظِيمًا.
وَنَذْكُرُ هَاهُنَا الْأَسْبَابَ الْمُوجِبَةَ لِقَتْلِهِ، فَإِنَّهَا تَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَفِي حُرُوبٍ وَتَجَارِبَ، وَكَانَ أَوَّلَ ذَلِكَ انْحِلَالُ أَمْرِ الْخِلَافَةِ، وَفَسَادُ أَحْوَالِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ الْعَلَوِيِّ، صَاحِبِهَا، وَسَبَبُهُ أَنَّ وَالِدَتَهُ كَانَتْ غَالِبَةً عَلَى أَمْرِهِ، وَقَدِ اصْطَنَعَتْ أَبَا سَعِيدٍ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيَّ الْيَهُودِيَّ، وَصَارَ وَزِيرًا لَهَا، فَأَشَارَ عَلَيْهَا بِوِزَارَةِ أَبِي نَصْرٍ الْفَلَّاحِيِّ، فَوَلَّتْهُ الْوِزَارَةَ، وَاتَّفَقَا مُدَّةً، ثُمَّ صَارَ الْفَلَّاحِيُّ يَنْفَرِدُ بِالتَّدْبِيرِ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا وَحْشَةٌ، فَخَافَهُ الْفَلَّاحِيُّ أَنْ يُفْسِدَ أَمْرَهُ مَعَ أُمِّ الْمُسْتَنْصِرِ فَاصْطَنَعَ الْغِلْمَانُ الْأَتْرَاكَ، وَاسْتَمَالَهُمْ، وَزَادَ فِي أَرْزَاقِهِمْ، فَلَمَّا وَثِقَ بِهِمْ وَضَعَهُمْ عَلَى قَتْلِ الْيَهُودِيِّ، فَقَتَلُوهُ، فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى أُمِّ الْمُسْتَنْصِرِ، وَأَغْرَتْ بِهِ وَلَدَهَا، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَأَرْسَلَتْ مَنْ قَتَلَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا فِي الْقَتْلِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ.
وَوَزَرَ بَعْدَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَوَضَعَهُ عَلَى الْغِلْمَانِ الْأَتْرَاكِ فَأَفْسَدَ
стр. 4762
أَحْوَالَهُمْ، وَشَرَعَ يَشْتَرِي الْعَبِيدَ لِلْمُسْتَنْصِرِ، وَاسْتَكْثَرَ مِنْهُمْ، فَوَضَعَتْهُ أُمُّ الْمُسْتَنْصِرِ لِيُغْرِيَ الْعَبِيدَ الْمُجَرَّدِينَ بِالْأَتْرَاكِ، فَخَافَ عَاقِبَةَ ذَلِكَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ يُورِثُ شَرًّا وَفَسَادًا، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَتَنَكَّرَتْ لَهُ، وَعَزَلَتْهُ عَنِ الْوِزَارَةِ.
وَوَلِيَ بَعْدَهُ الْوِزَارَةَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْيَازُورِيُّ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الرَّمْلَةِ اسْمُهَا يَازُورُ، فَأَمَرَتْهُ أَيْضًا بِذَلِكَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَأَصْلَحَ الْأُمُورَ إِلَى أَنْ قُتِلَ.
وَوَزَرَ بَعْدَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ الْبَابِلِيِّ، فَأَمَرَتْهُ بِمَا أَمَرَتْ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الْوُزَرَاءِ مِنْ إِغْرَاءِ الْعَبِيدِ بِالْأَتْرَاكِ، فَفَعَلَ، فَتَغَيَّرَتْ نِيَّاتُهُمْ.
ثُمَّ إِنِ الْمُسْتَنْصِرَ رَكِبَ لِيُشَيِّعَ الْحُجَّاجَ، فَأَجْرَى بَعْضُ الْأَتْرَاكِ فَرَسَهُ، فَوَصَلَ بِهِ إِلَى جَمَاعَةِ الْعَبِيدِ الْمُحْدَثِينَ، وَكَانُوا يُحِيطُونَ بِالْمُسْتَنْصِرِ، فَضَرَبَهُ أَحَدُهُمْ فَجَرَحَهُ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْأَتْرَاكِ وَنَشِبَتْ بَيْنَهُمُ الْحَرْبُ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى تَسْلِيمِ الْجَارِحِ إِلَيْهِمْ وَاسْتَحْكَمَتِ الْعَدَاوَةُ، فَقَالَ الْوَزِيرُ لِلْعَبِيدِ: خُذُوا حِذْرَكُمْ، فَاجْتَمَعُوا فِي مَحِلَّتِهِمْ.
وَعَرَفَ الْأَتْرَاكُ ذَلِكَ، فَاجْتَمَعُوا إِلَى مُقَدِّمِيهِمْ، وَقَصَدُوا نَاصِرَ الدَّوْلَةِ بْنَ حَمْدَانَ، وَهُوَ أَكْبَرُ قَائِدٍ بِمِصْرَ، وَشَكَوْا إِلَيْهِ، وَاسْتَمَالُوا الْمَصَامِدَةَ، وَكُتَامَةَ، وَتَعَاهَدُوا، وَتَعَاقَدُوا، فَقَوِيَ الْأَتْرَاكُ، وَضَعُفَ الْعَبِيدُ الْمُحْدَثُونَ، فَخَرَجُوا مِنَ الْقَاهِرَةِ إِلَى الصَّعِيدِ لِيَجْتَمِعُوا هُنَاكَ، فَانْضَافَ إِلَيْهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَزِيدُونَ عَلَى خَمْسِينَ أَلْفَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، فَخَافَ الْأَتْرَاكُ وَشَكَوْا إِلَى الْمُسْتَنْصِرِ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ أَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِمَا فَعَلَ الْعَبِيدُ، وَأَنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَظَنُّوا قَوْلَهُ حِيلَةً عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ قَرُبَ الْخَبَرُ بِقُرْبِ الْعَبِيدِ مِنْهُمْ بِكَثْرَتِهِمْ، فَأَجْفَلَ الْأَتْرَاكُ وَكُتَامَةُ وَالْمَصَامِدَةُ، وَكَانَتْ عُدَّتُهُمْ سِتَّةَ آلَافٍ، فَالْتَقَوْا بِمَوْضِعٍ يُعْرَفُ بِكَوْمِ الرِّيشِ، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْأَتْرَاكُ وَمَنْ مَعَهُمْ إِلَى الْقَاهِرَةِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ كَمَنَ فِي خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ، فَلَمَّا انْهَزَمَ الْأَتْرَاكُ خَرَجَ الْكَمِينُ عَلَى سَاقَةِ الْعَبِيدِ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ
стр. 4763
حَمْلَةً مُنْكَرَةً، وَضُرِبَتِ الْبُوقَاتُ، فَارْتَاعَ الْعَبِيدُ، وَظَنُّوهَا مَكِيدَةً مِنَ الْمُسْتَنْصِرِ، وَأَنَّهُ قَدْ رَكِبَ بَاقِي الْعَسْكَرِ، فَانْهَزَمُوا، وَعَادَ عَلَيْهِمُ الْأَتْرَاكُ وَحَكَّمُوا فِيهِمُ السُّيُوفَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ وَغَرِقَ نَحْوُ أَرْبَعِينَ أَلْفًا وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَقَوِيَتْ نُفُوسُ الْأَتْرَاكِ، وَعَرَفُوا حُسْنَ رَأْيِ الْمُسْتَنْصِرِ فِيهِمْ، وَتَجَمَّعُوا، وَحَشَدُوا، فَتَضَاعَفَ عُدَّتُهُمْ، وَزَادَتْ وَاجِبَاتُهُمْ لِلْإِنْفَاقِ فِيهِمْ، فَخَلَتِ الْخَزَائِنُ، وَاضْطَرَبَتِ الْأُمُورُ، وَتَجَمَّعَ بَاقِي الْعَسْكَرِ مِنَ الشَّامِ وَغَيْرِهِ إِلَى الصَّعِيدِ، فَاجْتَمَعُوا مَعَ الْعَبِيدِ، فَصَارُوا خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَسَارُوا إِلَى الْجِيزَةِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمُ الْأَتْرَاكُ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَاقْتَتَلُوا فِي الْمَاءِ عِدَّةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ عَبَرَ الْأَتْرَاكُ النِّيلَ إِلَيْهِمْ مَعَ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْعَبِيدُ إِلَى الصَّعِيدِ، وَعَادَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ وَالْأَتْرَاكُ مَنْصُورِينَ.
ثُمَّ إِنَّ الْعَبِيدَ اجْتَمَعُوا بِالصَّعِيدِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، فَقَلِقَ الْأَتْرَاكُ لِذَلِكَ، فَحَضَرَ مُقَدَّمُوهُمْ دَارَ الْمُسْتَنْصِرِ لِشَكْوَى حَالِهِمْ، فَأَمَرَتْ أُمُّ الْمُسْتَنْصِرِ مَنْ عِنْدِهَا مِنَ الْعَبِيدِ بِالْهُجُومِ عَلَى الْمُقَدَّمِينَ وَالْفَتْكِ بِهِمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَسَمِعَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ الْخَبَرَ، فَهَرَبَ إِلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَاجْتَمَعَ الْأَتْرَاكُ إِلَيْهِ وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَبِيدِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ مِصْرَ، وَالْقَاهِرَةِ، وَحَلَفَ الْأَمِيرُ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ عَنْ فَرَسِهِ وَلَا يَذُوقُ طَعَامًا حَتَّى يَنْفَصِلَ الْحَالُ بَيْنَهُمْ، فَبَقِيَتِ الْحَرْبُ ثَلَاثَ أَيَّامٍ، ثُمَّ ظَفِرَ بِهِمْ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَمَنْ سَلِمَ هَرَبَ، وَزَالَتْ دَوْلَتُهُمْ مِنَ الْقَاهِرَةِ.
وَكَانَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْعَبِيدِ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ طَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأُمِّنُوا وَأُخِذَتْ مِنْهُمُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةُ، وَبَقِيَ الْعَبِيدُ الَّذِينَ بِالصَّعِيدِ.
стр. 4764
فَلَمَّا خَلَتِ الدَّوْلَةُ لِلْأَتْرَاكِ طَمِعُوا فِي الْمُسْتَنْصِرِ، وَقَلَّ نَامُوسُهُ عِنْدَهُمْ، وَطَلَبُوا الْأَمْوَالَ، فَخَلَتِ الْخَزَائِنُ، فَلَمْ يَبْقَ فِيهَا شَيْءٌ الْبَتَّةَ، وَاخْتَلَّ ارْتِفَاعُ الْأَعْمَالِ، وَهُمْ يُطَالِبُونَ، وَاعْتَذَرَ الْمُسْتَنْصِرُ بِعَدَمِ الْأَمْوَالِ عِنْدَهُ، فَطَلَبَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ الْعُرُوضَ، فَأُخْرِجَتْ إِلَيْهِمْ، وَقُوِّمَتْ بِالثَّمَنِ الْبَخْسِ، وَصُرِفَتْ إِلَى الْجُنْدِ، قِيلَ إِنَّ وَاجِبَ الْأَتْرَاكِ كَانَ فِي الشَّهْرِ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَصَارَ الْآنَ فِي الشَّهْرِ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ.
وَأَمَّا الْعَبِيدُ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُمْ أَفْسَدُوا، وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، وَأَخَافُوا السَّبِيلَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ، فَمَضَى الْعَبِيدُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ إِلَى الصَّعِيدِ الْأَعْلَى، فَأَدْرَكَهُمْ، فَقَاتَلَهُمْ، وَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ مِنْهُمْ وَعَادَ إِلَى الْجِيزَةِ بِمِصْرَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مَنْ سَلِمَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَشَغَبُوا عَلَى الْمُسْتَنْصِرِ. وَاتَّهَمُوهُ بِتَقْوِيَةِ الْعَبِيدِ وَالْمِيلِ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ جَهَّزُوا جَيْشًا وَسَيَّرُوهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنَ الْعَبِيدِ، فَوَهَنَ الْبَاقُونَ، وَزَالَتْ دَوْلَتُهُمْ.
وَعَظُمَ أَمْرُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، وَتَفَرَّدَ بِالْأَمْرِ دُونَ الْأَتْرَاكِ، فَامْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ، وَعَظُمَ عَلَيْهِمْ، وَفَسَدَتْ نِيَّاتُهُمْ لَهُ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى الْوَزِيرِ، وَقَالُوا: كُلَّمَا خَرَجَ مِنَ الْخَلِيفَةِ مَالٌ أَخَذَ أَكْثَرَهُ لَهُ وَلِحَاشِيَتِهِ، وَلَا يَصِلُ إِلَيْنَا مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيلُ. فَقَالَ الْوَزِيرُ: إِنَّمَا وَصَلَ إِلَى هَذَا وَغَيْرِهِ بِكُمْ، فَلَوْ فَارَقْتُمُوهُ لَمْ يَتِمَّ لَهُ أَمْرٌ. فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى مُفَارَقَةِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَإِخْرَاجِهِ مِنْ مِصْرَ، فَاجْتَمَعُوا، وَشَكَوْا إِلَى الْمُسْتَنْصِرِ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُمْ نَاصِرَ الدَّوْلَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ، وَيَتَهَدَّدُهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَخَرَجَ مِنَ الْقَاهِرَةِ إِلَى الْجِيزَةِ، وَنُهِبَتْ دَارُهُ وَدُورُ حَوَاشِيهِ وَأَصْحَابِهِ.
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ دَخَلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ مُسْتَخْفِيًا إِلَى الْقَائِدِ الْمَعْرُوفِ بِتَاجِ الْمُلُوكِ شَاذِي، فَقَبَّلَ رِجْلَهُ، وَقَالَ: اصْطَنِعْنِي! فَقَالَ: أَفْعَلُ، فَحَالَفَهُ عَلَى قَتْلِ مُقَدَّمٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ اسْمُهُ إِلْدِكْز، وَالْوَزِيرُ الْخَطِيرُ، وَقَالَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ لِشَاذِي: تَرْكَبُ فِي أَصْحَابِكَ، وَتَسِيرُ بَيْنَ الْقَصْرَيْنِ، فَإِذَا أَمْكَنَتْكَ فِيهِمَا فَاقْتُلْهُمَا.
стр. 4765
وَعَادَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ إِلَى مَوْضِعِهِ إِلَى الْجِيزَةِ. وَفَعَلَ شَاذِي مَا أَمَرَهُ، فَرَكِبَ إِلْدِكْز إِلَى الْقَصْرِ، فَرَأَى شَاذِي فِي جَمْعِهِ، فَأَنْكَرَهُ وَأَسْرَعَ فَدَخَلَ الْقَصْرَ، فَفَاتَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ الْوَزِيرُ فِي مَوْكِبِهِ، فَقَتَلَهُ شَاذِي، وَأَرْسَلَ إِلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ يَأْمُرُهُ بِالرُّكُوبِ، فَرَكِبَ إِلَى بَابِ الْقَاهِرَةِ، فَقَالَ إِلْدِكْز لِلْمُسْتَنْصِرِ: إِنْ لَمْ تَرْكَبْ، وَإِلَّا هَلَكْتَ أَنْتَ وَنَحْنُ. فَرَكِبَ، وَلَبِسَ سِلَاحَهُ، وَتَبِعَهُ خَلْقٌ عَظِيمٌ مِنَ الْعَامَّةِ وَالْجُنْدِ، وَاصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، فَحَمَلَ الْأَتْرَاكُ عَلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ فَانْهَزَمَ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَمَضَى مُنْهَزِمًا عَلَى وَجْهِهِ لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ، وَتَبِعَهُ فَلُّ أَصْحَابِهِ، وَمَضَى إِلَى بَنِي سِنْبِسٍ، فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ وَصَاهَرَهُمْ فَقَوِيَ بِهِمْ.
وَتَجَهَّزَتِ الْعَسَاكِرُ إِلَيْهِ لِيُبْعِدُوهُ، فَسَارُوا حَتَّى قَرُبُوا مِنْهُ، وَكَانُوا ثَلَاثَ طَوَائِفَ، فَأَرَادَ أَحَدُ الْمُقَدَّمِينَ أَنْ يَفُوزَ بِالظَّفَرِ وَحْدَهُ دُونَ أَصْحَابِهِ، فَعَبَرَ فِيمَنْ مَعَهُ إِلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ فَقَاتَلَهُ، فَظَفِرَ بِهِ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ، فَأَخَذَهُ أَسِيرًا، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِي أَصْحَابِهِ، وَعَبَرَ الْعَسْكَرُ الثَّانِي، وَلَمْ يَشْعُرُوا بِمَا جَرَى عَلَى أَصْحَابِهِمْ، فَحَمَلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ عَلَيْهِمْ، وَرَفَعَ رُءُوسَ الْقَتْلَى عَلَى الرِّمَاحِ، فَوَقَعَ الرُّعْبُ فِي قُلُوبِهِمْ، فَانْهَزَمُوا وَقُتِلَ أَكْثَرُهُمْ، وَقَوِيَتْ نَفْسُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ.
وَعَبَرَ الْعَسْكَرُ الثَّالِثُ، فَهَزَمَهُ وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَأَسَرَ مُقَدِّمَهُمْ، وَعَظُمَ أَمْرُهُ، وَنَهَبَ الرِّيفَ فَأَقْطَعَهُ، وَقَطَعَ الْمِيرَةَ عَنْ مِصْرَ بَرًّا وَبَحْرًا، فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ بِهَا، وَكَثُرَ الْمَوْتُ بِالْجُوعِ، وَامْتَدَّتْ أَيْدِي الْجُنْدِ بِالْقَاهِرَةِ إِلَى النَّهْبِ وَالْقَتْلِ، وَعَظُمَ الْوَبَاءُ حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ الْوَاحِدِ كَانُوا يَمُوتُونَ كُلُّهُمْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَاشْتَدَّ الْغَلَاءُ حَتَّى حُكِيَ أَنَّ امْرَأَةً أَكَلَتْ رَغِيفًا بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَاسْتُبْعِدَ ذَلِكَ، فَقِيلَ: إِنَّهَا بَاعَتْ عُرُوضًا قِيمَتُهَا أَلْفُ دِينَارٍ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ، وَاشْتَرَتْ بِهَا حِنْطَةٌ وَحَمَلَهَا الْحَمَّالُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَنُهِبَتِ الْحِنْطَةُ فِي الطَّرِيقِ، فَنَهَبَتْ هِيَ مَعَ النَّاسِ، فَكَانَ الَّذِي حَصَلَ لَهَا مَا عَمِلَتْهُ رَغِيفًا وَاحِدًا.
وَقَطَعَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ الطَّرِيقَ بَرًّا وَبَحْرًا، فَهَلَكَ الْعَالَمُ، وَمَاتَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ
следующие страницы →