Полный текст (6 163 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.
стр. 4761
فَقَالَ السُّلْطَانُ: قَدْ رَدَدْتُ الْأَمْوَالَ كُلَّهَا كَبِيرَهَا وَصَغِيرَهَا إِلَيْكَ، فَأَنْتَ الْوَالِدُ، وَحَلَفَ لَهُ، وَأَقْطَعَهُ إِقْطَاعًا زَائِدًا عَلَى مَا كَانَ، مَنْ جُمْلَتِهِ طُوسُ مَدِينَةُ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَلَقَبَّهَ أَلْقَابًا مِنْ جُمْلَتِهَا: أَتَابِكُ، وَمَعْنَاهُ الْأَمِيرُ الْوَالِدُ، فَظَهَرَ فِي كِفَايَتِهِ، وَشَجَاعَتِهِ، وَحُسْنِ سِيرَتِهِ مَا هُوَ مَشْهُورٌ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ امْرَأَةً ضَعِيفَةً اسْتَغَاثَتْ بِهِ، فَوَقَفَ يُكَلِّمُهَا وَتُكَلِّمُهُ، فَدَفَعَهَا بَعْضُ حُجَّابِهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَالَ: إِنَّمَا اسْتَخْدَمْتُكَ لِأَمْثَالِ هَذِهِ، فَإِنَّ الْأُمَرَاءَ وَالْأَعْيَانَ لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَيْكَ، ثُمَّ صَرَفَهُ عَنْ حِجَابَتِهِ.
ذِكْرُ قَتْلِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ حَمْدَانَ، وَهُوَ مِنْ أَوْلَادِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، بِمِصْرَ، وَكَانَ قَدْ تَقَدَّمَ فِيهَا تَقَدُّمًا عَظِيمًا.
وَنَذْكُرُ هَاهُنَا الْأَسْبَابَ الْمُوجِبَةَ لِقَتْلِهِ، فَإِنَّهَا تَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَفِي حُرُوبٍ وَتَجَارِبَ، وَكَانَ أَوَّلَ ذَلِكَ انْحِلَالُ أَمْرِ الْخِلَافَةِ، وَفَسَادُ أَحْوَالِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ الْعَلَوِيِّ، صَاحِبِهَا، وَسَبَبُهُ أَنَّ وَالِدَتَهُ كَانَتْ غَالِبَةً عَلَى أَمْرِهِ، وَقَدِ اصْطَنَعَتْ أَبَا سَعِيدٍ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيَّ الْيَهُودِيَّ، وَصَارَ وَزِيرًا لَهَا، فَأَشَارَ عَلَيْهَا بِوِزَارَةِ أَبِي نَصْرٍ الْفَلَّاحِيِّ، فَوَلَّتْهُ الْوِزَارَةَ، وَاتَّفَقَا مُدَّةً، ثُمَّ صَارَ الْفَلَّاحِيُّ يَنْفَرِدُ بِالتَّدْبِيرِ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا وَحْشَةٌ، فَخَافَهُ الْفَلَّاحِيُّ أَنْ يُفْسِدَ أَمْرَهُ مَعَ أُمِّ الْمُسْتَنْصِرِ فَاصْطَنَعَ الْغِلْمَانُ الْأَتْرَاكَ، وَاسْتَمَالَهُمْ، وَزَادَ فِي أَرْزَاقِهِمْ، فَلَمَّا وَثِقَ بِهِمْ وَضَعَهُمْ عَلَى قَتْلِ الْيَهُودِيِّ، فَقَتَلُوهُ، فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى أُمِّ الْمُسْتَنْصِرِ، وَأَغْرَتْ بِهِ وَلَدَهَا، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَأَرْسَلَتْ مَنْ قَتَلَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا فِي الْقَتْلِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ.
وَوَزَرَ بَعْدَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَوَضَعَهُ عَلَى الْغِلْمَانِ الْأَتْرَاكِ فَأَفْسَدَ
стр. 4762
أَحْوَالَهُمْ، وَشَرَعَ يَشْتَرِي الْعَبِيدَ لِلْمُسْتَنْصِرِ، وَاسْتَكْثَرَ مِنْهُمْ، فَوَضَعَتْهُ أُمُّ الْمُسْتَنْصِرِ لِيُغْرِيَ الْعَبِيدَ الْمُجَرَّدِينَ بِالْأَتْرَاكِ، فَخَافَ عَاقِبَةَ ذَلِكَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ يُورِثُ شَرًّا وَفَسَادًا، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَتَنَكَّرَتْ لَهُ، وَعَزَلَتْهُ عَنِ الْوِزَارَةِ.
وَوَلِيَ بَعْدَهُ الْوِزَارَةَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْيَازُورِيُّ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الرَّمْلَةِ اسْمُهَا يَازُورُ، فَأَمَرَتْهُ أَيْضًا بِذَلِكَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَأَصْلَحَ الْأُمُورَ إِلَى أَنْ قُتِلَ.
وَوَزَرَ بَعْدَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ الْبَابِلِيِّ، فَأَمَرَتْهُ بِمَا أَمَرَتْ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الْوُزَرَاءِ مِنْ إِغْرَاءِ الْعَبِيدِ بِالْأَتْرَاكِ، فَفَعَلَ، فَتَغَيَّرَتْ نِيَّاتُهُمْ.
ثُمَّ إِنِ الْمُسْتَنْصِرَ رَكِبَ لِيُشَيِّعَ الْحُجَّاجَ، فَأَجْرَى بَعْضُ الْأَتْرَاكِ فَرَسَهُ، فَوَصَلَ بِهِ إِلَى جَمَاعَةِ الْعَبِيدِ الْمُحْدَثِينَ، وَكَانُوا يُحِيطُونَ بِالْمُسْتَنْصِرِ، فَضَرَبَهُ أَحَدُهُمْ فَجَرَحَهُ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْأَتْرَاكِ وَنَشِبَتْ بَيْنَهُمُ الْحَرْبُ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى تَسْلِيمِ الْجَارِحِ إِلَيْهِمْ وَاسْتَحْكَمَتِ الْعَدَاوَةُ، فَقَالَ الْوَزِيرُ لِلْعَبِيدِ: خُذُوا حِذْرَكُمْ، فَاجْتَمَعُوا فِي مَحِلَّتِهِمْ.
وَعَرَفَ الْأَتْرَاكُ ذَلِكَ، فَاجْتَمَعُوا إِلَى مُقَدِّمِيهِمْ، وَقَصَدُوا نَاصِرَ الدَّوْلَةِ بْنَ حَمْدَانَ، وَهُوَ أَكْبَرُ قَائِدٍ بِمِصْرَ، وَشَكَوْا إِلَيْهِ، وَاسْتَمَالُوا الْمَصَامِدَةَ، وَكُتَامَةَ، وَتَعَاهَدُوا، وَتَعَاقَدُوا، فَقَوِيَ الْأَتْرَاكُ، وَضَعُفَ الْعَبِيدُ الْمُحْدَثُونَ، فَخَرَجُوا مِنَ الْقَاهِرَةِ إِلَى الصَّعِيدِ لِيَجْتَمِعُوا هُنَاكَ، فَانْضَافَ إِلَيْهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَزِيدُونَ عَلَى خَمْسِينَ أَلْفَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، فَخَافَ الْأَتْرَاكُ وَشَكَوْا إِلَى الْمُسْتَنْصِرِ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ أَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِمَا فَعَلَ الْعَبِيدُ، وَأَنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَظَنُّوا قَوْلَهُ حِيلَةً عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ قَرُبَ الْخَبَرُ بِقُرْبِ الْعَبِيدِ مِنْهُمْ بِكَثْرَتِهِمْ، فَأَجْفَلَ الْأَتْرَاكُ وَكُتَامَةُ وَالْمَصَامِدَةُ، وَكَانَتْ عُدَّتُهُمْ سِتَّةَ آلَافٍ، فَالْتَقَوْا بِمَوْضِعٍ يُعْرَفُ بِكَوْمِ الرِّيشِ، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْأَتْرَاكُ وَمَنْ مَعَهُمْ إِلَى الْقَاهِرَةِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ كَمَنَ فِي خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ، فَلَمَّا انْهَزَمَ الْأَتْرَاكُ خَرَجَ الْكَمِينُ عَلَى سَاقَةِ الْعَبِيدِ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ
стр. 4763
حَمْلَةً مُنْكَرَةً، وَضُرِبَتِ الْبُوقَاتُ، فَارْتَاعَ الْعَبِيدُ، وَظَنُّوهَا مَكِيدَةً مِنَ الْمُسْتَنْصِرِ، وَأَنَّهُ قَدْ رَكِبَ بَاقِي الْعَسْكَرِ، فَانْهَزَمُوا، وَعَادَ عَلَيْهِمُ الْأَتْرَاكُ وَحَكَّمُوا فِيهِمُ السُّيُوفَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ وَغَرِقَ نَحْوُ أَرْبَعِينَ أَلْفًا وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَقَوِيَتْ نُفُوسُ الْأَتْرَاكِ، وَعَرَفُوا حُسْنَ رَأْيِ الْمُسْتَنْصِرِ فِيهِمْ، وَتَجَمَّعُوا، وَحَشَدُوا، فَتَضَاعَفَ عُدَّتُهُمْ، وَزَادَتْ وَاجِبَاتُهُمْ لِلْإِنْفَاقِ فِيهِمْ، فَخَلَتِ الْخَزَائِنُ، وَاضْطَرَبَتِ الْأُمُورُ، وَتَجَمَّعَ بَاقِي الْعَسْكَرِ مِنَ الشَّامِ وَغَيْرِهِ إِلَى الصَّعِيدِ، فَاجْتَمَعُوا مَعَ الْعَبِيدِ، فَصَارُوا خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَسَارُوا إِلَى الْجِيزَةِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمُ الْأَتْرَاكُ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَاقْتَتَلُوا فِي الْمَاءِ عِدَّةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ عَبَرَ الْأَتْرَاكُ النِّيلَ إِلَيْهِمْ مَعَ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْعَبِيدُ إِلَى الصَّعِيدِ، وَعَادَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ وَالْأَتْرَاكُ مَنْصُورِينَ.
ثُمَّ إِنَّ الْعَبِيدَ اجْتَمَعُوا بِالصَّعِيدِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، فَقَلِقَ الْأَتْرَاكُ لِذَلِكَ، فَحَضَرَ مُقَدَّمُوهُمْ دَارَ الْمُسْتَنْصِرِ لِشَكْوَى حَالِهِمْ، فَأَمَرَتْ أُمُّ الْمُسْتَنْصِرِ مَنْ عِنْدِهَا مِنَ الْعَبِيدِ بِالْهُجُومِ عَلَى الْمُقَدَّمِينَ وَالْفَتْكِ بِهِمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَسَمِعَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ الْخَبَرَ، فَهَرَبَ إِلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَاجْتَمَعَ الْأَتْرَاكُ إِلَيْهِ وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَبِيدِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ مِصْرَ، وَالْقَاهِرَةِ، وَحَلَفَ الْأَمِيرُ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ عَنْ فَرَسِهِ وَلَا يَذُوقُ طَعَامًا حَتَّى يَنْفَصِلَ الْحَالُ بَيْنَهُمْ، فَبَقِيَتِ الْحَرْبُ ثَلَاثَ أَيَّامٍ، ثُمَّ ظَفِرَ بِهِمْ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَمَنْ سَلِمَ هَرَبَ، وَزَالَتْ دَوْلَتُهُمْ مِنَ الْقَاهِرَةِ.
وَكَانَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْعَبِيدِ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ طَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأُمِّنُوا وَأُخِذَتْ مِنْهُمُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةُ، وَبَقِيَ الْعَبِيدُ الَّذِينَ بِالصَّعِيدِ.
стр. 4764
فَلَمَّا خَلَتِ الدَّوْلَةُ لِلْأَتْرَاكِ طَمِعُوا فِي الْمُسْتَنْصِرِ، وَقَلَّ نَامُوسُهُ عِنْدَهُمْ، وَطَلَبُوا الْأَمْوَالَ، فَخَلَتِ الْخَزَائِنُ، فَلَمْ يَبْقَ فِيهَا شَيْءٌ الْبَتَّةَ، وَاخْتَلَّ ارْتِفَاعُ الْأَعْمَالِ، وَهُمْ يُطَالِبُونَ، وَاعْتَذَرَ الْمُسْتَنْصِرُ بِعَدَمِ الْأَمْوَالِ عِنْدَهُ، فَطَلَبَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ الْعُرُوضَ، فَأُخْرِجَتْ إِلَيْهِمْ، وَقُوِّمَتْ بِالثَّمَنِ الْبَخْسِ، وَصُرِفَتْ إِلَى الْجُنْدِ، قِيلَ إِنَّ وَاجِبَ الْأَتْرَاكِ كَانَ فِي الشَّهْرِ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَصَارَ الْآنَ فِي الشَّهْرِ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ.
وَأَمَّا الْعَبِيدُ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُمْ أَفْسَدُوا، وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، وَأَخَافُوا السَّبِيلَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ، فَمَضَى الْعَبِيدُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ إِلَى الصَّعِيدِ الْأَعْلَى، فَأَدْرَكَهُمْ، فَقَاتَلَهُمْ، وَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ مِنْهُمْ وَعَادَ إِلَى الْجِيزَةِ بِمِصْرَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مَنْ سَلِمَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَشَغَبُوا عَلَى الْمُسْتَنْصِرِ. وَاتَّهَمُوهُ بِتَقْوِيَةِ الْعَبِيدِ وَالْمِيلِ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ جَهَّزُوا جَيْشًا وَسَيَّرُوهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنَ الْعَبِيدِ، فَوَهَنَ الْبَاقُونَ، وَزَالَتْ دَوْلَتُهُمْ.
وَعَظُمَ أَمْرُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، وَتَفَرَّدَ بِالْأَمْرِ دُونَ الْأَتْرَاكِ، فَامْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ، وَعَظُمَ عَلَيْهِمْ، وَفَسَدَتْ نِيَّاتُهُمْ لَهُ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى الْوَزِيرِ، وَقَالُوا: كُلَّمَا خَرَجَ مِنَ الْخَلِيفَةِ مَالٌ أَخَذَ أَكْثَرَهُ لَهُ وَلِحَاشِيَتِهِ، وَلَا يَصِلُ إِلَيْنَا مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيلُ. فَقَالَ الْوَزِيرُ: إِنَّمَا وَصَلَ إِلَى هَذَا وَغَيْرِهِ بِكُمْ، فَلَوْ فَارَقْتُمُوهُ لَمْ يَتِمَّ لَهُ أَمْرٌ. فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى مُفَارَقَةِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَإِخْرَاجِهِ مِنْ مِصْرَ، فَاجْتَمَعُوا، وَشَكَوْا إِلَى الْمُسْتَنْصِرِ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُمْ نَاصِرَ الدَّوْلَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ، وَيَتَهَدَّدُهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَخَرَجَ مِنَ الْقَاهِرَةِ إِلَى الْجِيزَةِ، وَنُهِبَتْ دَارُهُ وَدُورُ حَوَاشِيهِ وَأَصْحَابِهِ.
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ دَخَلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ مُسْتَخْفِيًا إِلَى الْقَائِدِ الْمَعْرُوفِ بِتَاجِ الْمُلُوكِ شَاذِي، فَقَبَّلَ رِجْلَهُ، وَقَالَ: اصْطَنِعْنِي! فَقَالَ: أَفْعَلُ، فَحَالَفَهُ عَلَى قَتْلِ مُقَدَّمٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ اسْمُهُ إِلْدِكْز، وَالْوَزِيرُ الْخَطِيرُ، وَقَالَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ لِشَاذِي: تَرْكَبُ فِي أَصْحَابِكَ، وَتَسِيرُ بَيْنَ الْقَصْرَيْنِ، فَإِذَا أَمْكَنَتْكَ فِيهِمَا فَاقْتُلْهُمَا.
стр. 4765
وَعَادَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ إِلَى مَوْضِعِهِ إِلَى الْجِيزَةِ. وَفَعَلَ شَاذِي مَا أَمَرَهُ، فَرَكِبَ إِلْدِكْز إِلَى الْقَصْرِ، فَرَأَى شَاذِي فِي جَمْعِهِ، فَأَنْكَرَهُ وَأَسْرَعَ فَدَخَلَ الْقَصْرَ، فَفَاتَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ الْوَزِيرُ فِي مَوْكِبِهِ، فَقَتَلَهُ شَاذِي، وَأَرْسَلَ إِلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ يَأْمُرُهُ بِالرُّكُوبِ، فَرَكِبَ إِلَى بَابِ الْقَاهِرَةِ، فَقَالَ إِلْدِكْز لِلْمُسْتَنْصِرِ: إِنْ لَمْ تَرْكَبْ، وَإِلَّا هَلَكْتَ أَنْتَ وَنَحْنُ. فَرَكِبَ، وَلَبِسَ سِلَاحَهُ، وَتَبِعَهُ خَلْقٌ عَظِيمٌ مِنَ الْعَامَّةِ وَالْجُنْدِ، وَاصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، فَحَمَلَ الْأَتْرَاكُ عَلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ فَانْهَزَمَ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَمَضَى مُنْهَزِمًا عَلَى وَجْهِهِ لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ، وَتَبِعَهُ فَلُّ أَصْحَابِهِ، وَمَضَى إِلَى بَنِي سِنْبِسٍ، فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ وَصَاهَرَهُمْ فَقَوِيَ بِهِمْ.
وَتَجَهَّزَتِ الْعَسَاكِرُ إِلَيْهِ لِيُبْعِدُوهُ، فَسَارُوا حَتَّى قَرُبُوا مِنْهُ، وَكَانُوا ثَلَاثَ طَوَائِفَ، فَأَرَادَ أَحَدُ الْمُقَدَّمِينَ أَنْ يَفُوزَ بِالظَّفَرِ وَحْدَهُ دُونَ أَصْحَابِهِ، فَعَبَرَ فِيمَنْ مَعَهُ إِلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ فَقَاتَلَهُ، فَظَفِرَ بِهِ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ، فَأَخَذَهُ أَسِيرًا، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِي أَصْحَابِهِ، وَعَبَرَ الْعَسْكَرُ الثَّانِي، وَلَمْ يَشْعُرُوا بِمَا جَرَى عَلَى أَصْحَابِهِمْ، فَحَمَلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ عَلَيْهِمْ، وَرَفَعَ رُءُوسَ الْقَتْلَى عَلَى الرِّمَاحِ، فَوَقَعَ الرُّعْبُ فِي قُلُوبِهِمْ، فَانْهَزَمُوا وَقُتِلَ أَكْثَرُهُمْ، وَقَوِيَتْ نَفْسُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ.
وَعَبَرَ الْعَسْكَرُ الثَّالِثُ، فَهَزَمَهُ وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَأَسَرَ مُقَدِّمَهُمْ، وَعَظُمَ أَمْرُهُ، وَنَهَبَ الرِّيفَ فَأَقْطَعَهُ، وَقَطَعَ الْمِيرَةَ عَنْ مِصْرَ بَرًّا وَبَحْرًا، فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ بِهَا، وَكَثُرَ الْمَوْتُ بِالْجُوعِ، وَامْتَدَّتْ أَيْدِي الْجُنْدِ بِالْقَاهِرَةِ إِلَى النَّهْبِ وَالْقَتْلِ، وَعَظُمَ الْوَبَاءُ حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ الْوَاحِدِ كَانُوا يَمُوتُونَ كُلُّهُمْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَاشْتَدَّ الْغَلَاءُ حَتَّى حُكِيَ أَنَّ امْرَأَةً أَكَلَتْ رَغِيفًا بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَاسْتُبْعِدَ ذَلِكَ، فَقِيلَ: إِنَّهَا بَاعَتْ عُرُوضًا قِيمَتُهَا أَلْفُ دِينَارٍ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ، وَاشْتَرَتْ بِهَا حِنْطَةٌ وَحَمَلَهَا الْحَمَّالُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَنُهِبَتِ الْحِنْطَةُ فِي الطَّرِيقِ، فَنَهَبَتْ هِيَ مَعَ النَّاسِ، فَكَانَ الَّذِي حَصَلَ لَهَا مَا عَمِلَتْهُ رَغِيفًا وَاحِدًا.
وَقَطَعَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ الطَّرِيقَ بَرًّا وَبَحْرًا، فَهَلَكَ الْعَالَمُ، وَمَاتَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ
стр. 4766
الْمُسْتَنْصِرِ، وَتَفَرَّقَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، فَرَاسَلَ الْأَتْرَاكُ مِنَ الْقَاهِرَةِ نَاصِرَ الدَّوْلَةِ فِي الصُّلْحِ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ تَاجُ الْمُلُوكِ شَاذِي نَائِبًا عَنْ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بِالْقَاهِرَةِ، يَحْمِلُ الْمَالَ إِلَيْهِ، وَلَا يَبْقَى مَعَهُ لِأَحَدٍ حُكْمٌ.
فَلَمَّا دَخَلَ تَاجُ الْمُلُوكِ إِلَى الْقَاهِرَةِ تَغَيَّرَ عَنِ الْقَاعِدَةِ، وَاسْتَبَدَّ بِالْأَمْوَالِ دُونَ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ وَلَمْ يُرْسِلْ إِلَيْهِ مِنْهَا شَيْئًا، فَسَارَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْجِيزَةِ، وَاسْتَدْعَى إِلَيْهِ شَاذِي وَغَيْرَهُ مِنْ مُقَدِّمِي الْأَتْرَاكِ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ إِلَّا أَقَلَّهُمْ، فَقَبَضَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ، وَنَهَبَ نَاحِيَتَيْ مِصْرَ، وَأَحْرَقَ كَثِيرًا مِنْهُمَا، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ الْمُسْتَنْصِرُ عَسْكَرًا فَكَبَسُوهُ فَانْهَزَمَ مِنْهُمْ وَمَضَى هَارِبًا، فَجَمَعَ جَمْعًا وَعَادَ إِلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ فَهَزَمَهُمْ، وَقَطَعَ خُطْبَةَ الْمُسْتَنْصِرِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَدِمْيَاطَ، وَكَانَا مَعَهُ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الرِّيفِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ بِبَغْدَاذَ يَطْلُبُ خِلَعًا لِيَخْطُبَ لَهُ بِمِصْرَ.
وَاضْمَحَلَّ أَمْرُ الْمُسْتَنْصِرِ، وَبَطَلَ ذِكْرُهُ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ مِنَ الْقَاهِرَةِ وَأَرْسَلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ إِلَيْهِ أَيْضًا يَطْلُبُ الْمَالَ، فَرَآهُ الرَّسُولُ جَالِسًا عَلَى حَصِيرٍ، وَلَيْسَ حَوْلَهُ غَيْرُ ثَلَاثَةِ خَدَمٍ، وَلَمْ يَرَ الرَّسُولُ شَيْئًا مِنْ آثَارِ الْمَمْلَكَةِ، فَلَمَّا أَدَّى الرِّسَالَةَ قَالَ: أَمَا يَكْفِي نَاصِرَ الدَّوْلَةِ أَنْ أَجْلِسَ فِي مِثْلِ هَذَا الْبَيْتِ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْحَصِيرِ؟ فَبَكَى الرَّسُولُ وَعَادَ إِلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَأَجْرَى لَهُ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ دِينَارٍ، وَعَادَ إِلَى الْقَاهِرَةِ، وَحَكَمَ فِيهَا، وَأَذَلَّ السُّلْطَانَ وَأَصْحَابَهُ.
وَكَانَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُظْهِرُ التَّسَنُّنَ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ، وَيَعِيبُ الْمُسْتَنْصِرَ، وَكَانَ الْمَغَارِبَةُ كَذَلِكَ فَأَعَانُوهُ عَلَى مَا أَرَادَ، وَقَبَضَ عَلَى أُمِّ الْمُسْتَنْصِرِ، وَصَادَرَهَا بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَتَفَرَّقَ عَنِ الْمُسْتَنْصِرِ أَوْلَادُهُ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهِ إِلَى الْغَرْبِ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْبِلَادِ، فَمَاتَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ جُوعًا.
стр. 4767
وَانْقَضَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ [وَأَرْبَعُمِائَةٍ] وَمَا قَبْلَهَا بِالْفِتَنِ. وَانْحَطَّ السِّعْرُ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ، وَرَخُصَتِ الْأَسْعَارُ، وَبَالَغَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ فِي إِهَانَةِ الْمُسْتَنْصِرِ، وَفَرَّقَ عَنْهُ عَامَّةَ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ يَقُولُ لِأَحَدِهِمْ: إِنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أُوَلِّيَكَ عَمَلَ كَذَا، فَيَسِيرُ إِلَيْهِ فَلَا يُمَكِّنُهُ مِنَ الْعَمَلِ وَيَمْنَعُهُ مِنَ الْعَوْدِ، وَكَانَ غَرَضُهُ بِذَلِكَ (أَنْ يَخْطُبَ) لِلْخَلِيفَةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ مَعَ وُجُودِهِمْ، فَفَطِنَ لِفِعْلِهِ قَائِدٌ كَبِيرٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ اسْمُهُ إِلْدِكْز، وَعَلِمَ أَنَّهُ مَتَى مَا تَمَّ مَا أَرَادَ تَمَكَّنَ مِنْهُ وَمِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَطْلَعَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرَهُ مِنْ قُوَّادِ الْأَتْرَاكِ، فَاتَّفَقُوا عَلَى قَتْلِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، (وَكَانَ قَدْ أَمِنَ لِقُوَّتِهِ، وَعَدَمِ عَدُوِّهِ) ، فَتَوَاعَدُوا لَيْلَةً عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ سَحَرُ اللَّيْلَةِ الَّتِي تَوَاعَدُوا فِيهَا عَلَى قَتْلِهِ جَاءُوا إِلَى بَابِ دَارِهِ، وَهِيَ (الَّتِي تُعْرَفُ بِمَنَازِلِ الْعِزِّ، وَهِيَ) عَلَى النِّيلِ، فَدَخَلُوا، مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ إِلَى صَحْنِ دَارِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ فِي رِدَاءٍ لِأَنَّهُ كَانَ آمِنًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمْ ضَرَبُوهُ بِالسُّيُوفِ، فَسَبَّهُمْ، وَهَرَبَ مِنْهُمْ، يُرِيدُ الْحَرَمَ، فَلَحِقُوهُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا رَأْسَهُ.
وَمَضَى رَجُلٌ مِنْهُمْ، يُعْرَفُ بِكَوْكَبِ الدَّوْلَةِ، إِلَى فَخْرِ الْعَرَبِ، أَخِي نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ فَخْرُ الْعَرَبِ كَثِيرَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِلْحَاجِبِ: اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى فَخْرِ الْعَرَبِ، وَقُلْ صَنِيعَتُكَ فُلَانٌ عَلَى الْبَابِ، فَاسْتَأْذَنَ لَهُ، فَأَذِنَ لَهُ وَقَالَ: لَعَلَّهُ قَدْ دَهَمَهُ أَمْرٌ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَسْرَعَ نَحْوَهُ كَأَنَّهُ يُرِيدُ السَّلَامَ عَلَيْهِ، وَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى كَتِفِهِ، فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ، فَقَطَعَ رَأْسَهُ، وَأَخَذَ سَيْفَهُ، وَكَانَ ذَا قِيمَةٍ وَافِرَةٍ، وَأَخَذَ جَارِيَةً لَهُ أَرْدَفَهَا خَلْفَهُ، وَتَوَجَّهَ إِلَى الْقَاهِرَةِ، وَقُتِلَ أَخُوهُمَا تَاجُ الْمَعَالِي، وَانْقَطَعَ
ذِكْرُ الْحَمْدَانِيَّةِ بِمِصْرَ بِالْكُلِّيَّةِ.
فَلَمَّا كَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَلِيَ الْأَمْرَ بِمِصْرَ بَدْرٌ الْجَمَّالِيُّ، أَمِيرُ
стр. 4768
الْجُيُوشِ، وَقَتَلَ إِلْدِكْزَ وَالْوَزِيرَ ابْنَ كُدَيْنَةَ، وَجَمَاعَةً مِنَ الْمَسْلَحِيَّةِ، وَتَمَكَّنَ مِنَ الدَّوْلَةِ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْأَفْضَلُ وَسَيَرِدُ ذِكْرُهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عَدَّةِ حَوَادِثَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أُقِيمَتِ الدَّعْوَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ لَيْثُ بْنُ مَنْصُورٍ صَدَقَةَ بْنِ الْحُسَيْنِ بِالدَّامَغَانِ، وَالشَّرِيفُ أَبُو الْغَنَائِمِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَأْمُونِ بِبَغْدَاذَ، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي شَوَّالٍ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ عَالِيَ الْإِسْنَادِ فِي الْحَدِيثِ.
وَفِيهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ، تُوُفِّيَ الشَّرِيفُ أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ [مُحَمَّدِ بْنِ] (عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ) عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ
стр. 4769
الْغَرِيقِ، وَكَانَ يُسَمَّى رَاهِبَ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَابْنِ شَاهِينَ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ مَوْتُهُ بِبَغْدَاذَ.
وَفِيهَا قُتِلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ بِمِصْرَ، قَتَلَهُ إِلْدِكْزُ التُّرْكِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيُّ، النَّيْسَابُورِيُّ، مُصَنِّفُ " الرِّسَالَةِ " وَغَيْرِهَا، وَكَانَ إِمَامًا، فَقِيهًا، أُصُولِيًّا، مُفَسِّرًا، كَاتِبًا، ذَا فَضَائِلَ جَمَّةٍ، وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ قَدْ أُهْدِيَ إِلَيْهِ، فَرَكِبَهُ نَحْوَ عِشْرِينَ سَنَةً، فَلَمَّا مَاتَ الشَّيْخُ لَمْ يَأْكُلِ الْفَرَسُ شَيْئًا فَعَاشَ أُسْبُوعًا وَمَاتَ.
وَفِيهَا أَيْضًا تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْفَضْلِ أَبُو مَنْصُورٍ، الْكَاتِبُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ صُرَّبَعْرَ، وَكَانَ نِظَامُ الْمُلْكِ قَالَ لَهُ أَنْتَ ابْنُ صُرَّدُرَّ لَا صُرَّبَعْرَ، فَبَقِيَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْمُجِيدِينَ، وَهَجَاهُ ابْنُ الْبَيَاضِيِّ فَقَالَ:
لَئِنْ نَبَزَ النَّاسُ قِدَمًا أَبَاكَ ... فَسَمَّوْهُ مِنْ شَعْرِهِ صُرَّ بَعْرَا
فَإِنَّكَ تُنْظِمُ مَا صَرَّهُ عُقُوقًا ... لَهُ، وَتُسَمِّيهِ شِعْرَا
وَهَذَا ظُلْمٌ مِنِ ابْنِ الْبَيَاضِيِّ، فَإِنَّهُ كَانَ شَاعِرًا مُحْسِنًا، وَمِنْ شِعْرِ ابْنِ صُرَّدُرَّ قَوْلُهُ:
تَزَاوَرْنَ عَنْ أَذَرِعَاتٍ يَمِينًا ... نَوَاشِزَ لَيْسَ يُطِقْنَ الْبُرِينَا
стр. 4770
كَلِفْنَ بِنَجْدٍ، كَأَنَّ الرِّيَاضَ
أَخَذْنَ لِنَجْدٍ عَلَيْهَا يَمِينًا ... وَأَقْسَمْنَ يَحْمِلْنَ إِلَّا نَحِيلًا
إِلَيْهِ وَيُبْلِغْنَ إِلَّا حَزِينًا ... فَلَمَّا اسْتَمَعْنَ زَفِيرَ الْمَشُوقِ
،
وَنَوْحَ الْحَمَامِ، تَرَكْنَ الْحَنِينَا
إِذَا جِئْتُمَا بَانَةَ الْوَادِيَيْنِ
،
فَأَرْخُوا النُّسُوعَ، وَحُلُّوا الْوَضِينَا ... فَثَمَّ عَلَائِقُ مِنْ أَجْلِهِنَّ
،
مُلَاءُ الدُّجَى وَالضُّحَى قَدْ طُوِينَا
وَقَدْ أَنْبَأَتْهُمْ مِيَاهُ الْجُفُونِ ... بِأَنَّ بِقَلْبِكِ دَاءً دَفِينَا.
стр. 4771
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .]
٤٦٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ذِكْرُ تَقْلِيدِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ السَّلْطَنَةَ وَالْخَلْعِ عَلَيْهِ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ، وَرَدَ كُوهَرَائِينُ إِلَى بَغْدَاذَ مِنْ عَسْكَرِ السُّلْطَانِ، وَجَلَسَ لَهُ الْخَلِيفَةُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَوَقَفَ عَلَى رَأْسِهِ وَلِيُّ الْعَهْدِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، وَسَلَّمَ الْخَلِيفَةُ إِلَى كُوهَرَائِينَ عَهْدَ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ بِالسَّلْطَنَةِ، وَقَرَأَ الْوَزِيرُ أَوَّلَهُ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ أَيْضًا لِوَاءً عَقَدَهُ الْخَلِيفَةُ بِيَدِهِ، وَلَمْ يُمْنَعْ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، فَامْتَلَأَ صَحْنُ السَّلَامِ بِالْعَامَّةِ، حَتَّى كَانَ الْإِنْسَانُ تُهِمُّهُ نَفْسُهُ لِيَتَخَلَّصَ، وَهَنَّأَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالسَّلَامَةِ.
ذِكْرُ غَرْقِ بَغْدَاذَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَرِقَ الْجَانِبُ الشَّرْقِيُّ وَبَعْضُ الْغَرْبِيِّ مِنْ بَغْدَاذَ.
وَسَبَبُهُ أَنَّ دِجْلَةَ زَادَتْ زِيَادَةً عَظِيمَةً، وَانْفَتَحَ الْقَوْرَجُ عِنْدَ الْمُسَنَّاةِ الْمُعِزِّيَّةِ، وَجَاءَ فِي اللَّيْلِ سَيْلٌ عَظِيمٌ، وَطَفَحَ الْمَاءُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ مَعَ رِيحٍ شَدِيدَةٍ، وَجَاءَ الْمَاءُ إِلَى الْمَنَازِلِ مِنْ فَوْقَ، وَنَبَعَ مِنَ الْبَلَالِيعِ وَالْآبَارِ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَهَلَكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ تَحْتَ الْهَدْمِ، وَشُدَّتِ الزَّوَارِيقُ تَحْتَ التَّاجِ خَوْفَ الْغَرَقِ.
وَقَامَ الْخَلِيفَةُ يَتَضَرَّعُ وَيُصَلِّي، وَعَلَيْهِ الْبُرْدَةُ، وَبِيَدِهِ الْقَضِيبُ، وَأَتَى أَيْتِكِينُ السُّلَيْمَانِيُّ مِنْ عُكْبَرَا، فَقَالَ لِلْوَزِيرِ: إِنَّ الْمَلَّاحِينَ يُؤْذُونَ النَّاسَ فِي الْمَعَابِرِ، فَأَحْضَرَهُمْ، وَتَهَدَّدَهُمْ بِالْقَتْلِ، وَأَمَرَ بِأَخْذِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.
وَجَمَعَ النَّاسَ، وَأُقِيمَتِ الْخُطْبَةُ لِلْجُمُعَةِ فِي الطَّيَّارِ مَرَّتَيْنِ، وَغَرِقَ مِنَ الْجَانِبِ
стр. 4772
الْغَرْبِيِّ مَقْبَرَةُ أَحْمَدَ، وَمَشْهَدُ بَابِ التِّبْنِ، وَتَهَدَّمَ سُورُهُ، فَأَطْلَقَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ أَلْفَ دِينَارٍ تُصْرَفُ فِي عِمَارَتِهِ، وَدَخَلَ الْمَاءُ مِنْ شَبَابِيكِ الْبِيمَارِسْتَانِ الْعَضُدِيِّ.
وَمِنْ عَجِيبِ مَا يُحْكَى فِي هَذَا الْغَرَقِ أَنَّ النَّاسَ، فِي الْعَامِ الْمَاضِي، كَانُوا قَدْ أَنْكَرُوا كَثْرَةَ الْمُغَنِّيَاتِ وَالْخُمُورِ، فَقَطَعَ بَعْضُهُمْ أَوْتَارَ عُودِ مُغَنِّيَةٍ كَانَتْ عِنْدَ جُنْدِيٍّ، فَثَارَ بِهِ الْجُنْدِيُّ الَّذِي كَانَتْ عِنْدَهُ، فَضَرَبَهُ فَاجْتَمَعَتِ الْعَامَّةُ وَمَعَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمْ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَاسْتَغَاثُوا بِالْخَلِيفَةِ وَطَلَبُوا هَدْمَ الْمَوَاخِيرِ وَالْحَانَاتِ وَتَبْطِيلَهَا، فَوَعَدَهُمْ أَنْ يُكَاتِبَ السُّلْطَانَ فِي ذَلِكَ، فَسَكَنُوا وَتَفَرَّقُوا.
وَلَازَمَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّالِحِينَ الدُّعَاءَ بِكَشْفِهِ، فَاتَّفَقَ أَنْ غَرِقَتْ بَغْدَاذُ، وَنَالَ الْخَلِيفَةُ وَالْجُنْدُ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَعَمَّتْ مُصِيبَتُهُ النَّاسَ كَافَّةً، فَرَأَى الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ أَبِي مُوسَى بَعْضَ الْحُجَّابِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: نَحْنُ نُكَاتِبُ السُّلْطَانَ، وَنَسْعَى فِي تَفْرِيقِ النَّاسِ، وَيَقُولُ: اسْكُنُوا إِلَى أَنْ يَرِدَ الْجَوَابُ. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ كَتَبْنَا، وَكَتَبْتُمْ، فَجَاءَ جَوَابُنَا قَبْلَ جَوَابِكُمْ، يَعْنِي أَنَّهُمْ شَكَوْا مَا حَلَّ بِهِمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ أَجَابَهُمْ بِالْغَرَقِ، قَبْلَ وُرُودِ جَوَابِ السُّلْطَانِ.
ذِكْرُ مُلْكِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ تِرْمِذَ وَالْهُدْنَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ سَمَرْقَنْدَ.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ خَاقَانَ أَلْتَكِينَ صَاحِبَ سَمَرْقَنْدَ مَلَكَ تِرْمِذَ بَعْدَ قَتْلِ السُّلْطَانِ أَلْب أَرْسَلَانَ، فَلَمَّا اسْتَقَامَتِ الْأُمُورُ لِلسُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ سَارَ إِلَى تِرْمِذَ وَحَصَرَهَا، وَطَمَّ
стр. 4773
الْعَسْكَرُ خَنْدَقَهَا، وَرَمَاهَا بِالْمَجَانِيقِ، فَخَافَ مَنْ بِهَا، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، وَخَرَجُوا مِنْهَا وَسَلَّمُوهَا.
وَكَانَ بِهَا أَخٌ لِخَاقَانَ أَلْتَكِينَ، فَأَكْرَمَهُ السُّلْطَانُ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ (وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ) وَأَطْلَقَهُ، وَسَلَّمَ قَلْعَةَ تِرْمِذَ إِلَى الْأَمِيرِ سَاوْتَكِينَ، وَأَمَرَهُ بِعَمَارَتِهَا وَتَحْصِينِهَا وَعِمَارَةِ سُورِهَا بِالْحَجَرِ الْمُحْكَمِ، وَحَفْرِ خَنْدَقِهَا وَتَعْمِيقِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ.
وَسَارَ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ يُرِيدُ سَمَرْقَنْدَ، فَفَارَقَهَا صَاحِبُهَا، وَأَنْفَذَ يَطْلُبُ الْمُصَالَحَةَ، وَيَضْرَعُ إِلَى نِظَامِ الْمُلْكِ فِي إِجَابَتِهِ إِلَى ذَلِكَ، وَيَعْتَذِرُ مِنْ تَعَرُّضِهِ إِلَى تِرْمِذَ، فَأُجِيبُ إِلَى ذَلِكَ، وَاصْطَلَحُوا، وَعَادَ مَلِكْشَاهْ عَنْهُ إِلَى خُرَاسَانَ، ثُمَّ مِنْهَا إِلَى الرَّيِّ، وَأَقْطَعَ بَلْخَ وَطَخَارِسْتَانَ لِأَخِيهِ شِهَابِ الدِّينِ تُكَشَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
[الْوَفَيَاتُ]
فِيهَا تُوُفِّيَ زَعِيمُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بِالنِّيلِ فَجْأَةً، وَلَهُ سَبْعُونَ سَنَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ أَخْبَارِهِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِيَازُ أَخُو السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، وَكُفِيَ شَرُّهُ كَمَا كُفِيَ شَرُّ عَمِّهِ قَاوَرْتَ بِكْ.
وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ السِّمْنَانِيُّ
стр. 4774
حَمُو قَاضِي الْقُضَاةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّامَغَانِيِّ، وَوَلِيَ ابْنُهُ أَبُو الْحَسَنِ مَا كَانَ إِلَيْهِ مِنَ الْقَضَاءِ بِالْعِرَاقِ وَالْمَوْصِلِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ بِسِمْنَانَ، وَكَانَ هُوَ وَأَبُوهُ مِنَ الْمُغَالِينَ فِي مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ، وَلِأَبِيهِ فِيهِ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ، وَهَذَا مِمَّا يُسْتَطْرَفُ أَنْ يَكُونَ حَنَفِيٌّ أَشْعَرِيًّا.
وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، تُوُفِّيَ عَبْدُ الْعَزِيزِ [بْنُ] أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكَتَّانِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، الْحَافِظُ وَكَانَ مُكْثِرًا فِي الْحَدِيثِ، ثِقَةً، وَمِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ الْبَغْدَاذِيُّ.
стр. 4775
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .]
٤٦٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَذِكْرُ بَعْضِ سِيرَتِهِ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، لَيْلَةَ الْخَمِيسِ ثَالِثَ عَشَرَ شَعْبَانَ، تُوُفِّيَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، ﵁، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْقَادِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْأَمِيرِ إِسْحَاقَ بْنِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْفَضْلِ بْنِ الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ.
وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ شَرَى، فَافْتَصَدَ، وَنَامَ مُنْفَرِدًا، فَانْفَجَرَ فَصَادُهُ، وَخَرَجَ مِنْهُ دَمٌ كَثِيرٌ وَلَمْ يَشْعُرْ، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ضَعُفَ وَسَقَطَتْ قُوَّتُهُ، فَأَيْقَنَ بِالْمَوْتِ، فَأَحْضَرَ وَلِيَّ الْعَهْدِ، وَوَصَّاهُ بِوَصَايَا، وَأَحْضَرَ النَّقِيبَيْنِ وَقَاضِيَ الْقُضَاةِ وَغَيْرَهُمْ مَعَ الْوَزِيرِ ابْنِ جَهِيرٍ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ جَعَلَ ابْنَ ابْنِهِ أَبَا الْقَاسِمِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَلِيَّ عَهْدِهِ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ غَسَّلَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِيُّ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ.
وَكَانَ عُمْرُهُ سِتًّا وَسَبْعِينَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَخِلَافَتُهُ أَرْبَعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا، وَقِيلَ كَانَ مَوْلِدُهُ ثَامِنَ عَشَرَ ذِي
стр. 4776
الْحِجَّةِ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، (وَعَلَى هَذَا يَكُونُ عُمْرُهُ سِتًّا وَسَبْعِينَ سَنَةً وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا.
وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ تُسَمَّى قَطْرَ النَّدَى، أَرْمَنِيَّةٌ، وَقِيلَ رُومِيَّةٌ، أَدْرَكَتْ خِلَافَتَهُ، وَقِيلَ اسْمُهَا عَلَمُ. وَمَاتَتْ فِي رَجَبٍ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
وَكَانَ الْقَائِمُ جَمِيلًا، مَلِيحَ الْوَجْهِ، أَبْيَضَ، مُشْرَبًا حُمْرَةً، حَسَنَ الْجِسْمِ، وَرِعًا، دَيِّنًا، زَاهِدًا، عَالِمًا قَوِيَّ الْيَقِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، كَثِيرَ الصَّبْرِ، وَكَانَ لِلْقَائِمِ عِنَايَةٌ بِالْأَدَبِ، وَمَعْرِفَةٌ حَسَنَةٌ بِالْكِتَابَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يَرْتَضِي أَكْثَرَ مَا يُكْتَبُ مِنَ الدِّيوَانِ، فَكَانَ يُصْلِحُ فِيهِ أَشْيَاءَ، وَكَانَ مُؤْثِرًا لِلْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ يُرِيدُ قَضَاءَ حَوَائِجِ النَّاسِ، لَا يَرَى الْمَنْعَ مِنْ شَيْءٍ يُطْلَبُ مِنْهُ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَامِرٍ الْوَكِيلُ: دَخَلْتُ يَوْمًا إِلَى الْمَخْزَنِ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا أَعْطَانِي قَصَّةً، فَامْتَلَأَتْ أَكْمَامِي مِنْهَا، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَوْ كَانَ الْخَلِيفَةُ أَخِي لَأَعْرَضَ عَنْ هَذِهِ كُلِّهَا، فَأَلْقَيْتُهَا فِي بِرْكَةٍ، وَالْقَائِمُ يَنْظُرُ وَلَا أَشْعُرُ، فَلَمَّا دَخَلْتُ إِلَيْهِ أَمَرَ الْخَدَمِ بِإِخْرَاجِ الرِّقَاعِ مِنَ الْبِرْكَةِ، فَأُخْرِجَتْ، وَوَقَفَ عَلَيْهَا، وَوَقَعَ فِيهَا بِأَغْرَاضِ أَصْحَابِهَا، ثُمَّ قَالَ لِي: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ فَقُلْتُ: خَوْفَ الضَّجَرِ مِنْهَا، فَقَالَ: لَا تَعُدْ إِلَى مِثْلِهَا! فَإِنَّا مَا أَعْطَيْنَاهُمْ مِنْ أَمْوَالِنَا شَيْئًا، إِنَّمَا نَحْنُ وُكَلَاءُ.
وَوَزَرَ لِلْقَائِمِ أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، وَأَبُو الْفَتْحِ بْنُ دَارَسَتْ، وَرَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ، وَأَبُو نَصْرِ بْنُ جَهِيرٍ، وَكَانَ قَاضِيَهُ ابْنُ مَاكُولَا، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدَّامَغَانِيُّ.
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ.
لَمَّا تُوُفِّيَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ بُويِعَ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَائِمِ بِالْخِلَافَةِ، وَحَضَرَ مُؤَيِّدُ الْمُلْكِ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَالْوَزِيرُ فَخْرُ الدَّوْلَةِ بْنُ جَهِيرٍ وَابْنُهُ
стр. 4777
عَمِيدُ الدَّوْلَةِ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَأَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغِ، وَنَقِيبُ النُّقَبَاءِ طِرَادٌ، وَالنَّقِيبُ الطَّاهِرُ الْمُعَمِّرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَقَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدَّامَغَانِيُّ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْأَمَاثِلِ، فَبَايَعُوهُ.
وَقِيلَ: كَانَ أَوَّلُ مَنْ بَايَعَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِيُّ، فَإِنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ غَسْلِ الْقَائِمِ بَايَعَهُ، وَأَنْشَدَهُ:
إِذَا سَيِّدٌ مِنَّا مَضَى قَامَ سَيِّدٌ
ثُمَّ أُرْتِجَ عَلَيْهِ، فَقَالَ الْمُقْتَدِي:
قَئُولٌ بِمَا قَالَ الْكِرَامُ فَعُولُ
فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الْبَيْعَةِ صَلَّى بِهِمُ الْعَصْرَ.
وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَائِمِ مِنْ أَعْقَابِهِ ذَكَرٌ سِوَاهُ، فَإِنَّ الذَّخِيرَةَ أَبَا الْعَبَّاسِ مُحَمَّدَ بْنَ الْقَائِمِ تُوُفِّيَ أَيَّامَ أَبِيهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ، فَأَيْقَنَ النَّاسُ بِانْقِرَاضِ نَسْلِهِ، وَانْتِقَالِ الْخِلَافَةِ مِنَ الْبَيْتِ الْقَادِرِيِّ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَمْ يَشُكُّوا فِي اخْتِلَالِ الْأَحْوَالِ بَعْدَ الْقَائِمِ، لِأَنَّ مَنْ عَدَا الْبَيْتِ الْقَادِرِيِّ كَانُوا يُخَالِطُونَ الْعَامَّةَ فِي الْبَلَدِ، وَيَجْرُونَ مَجْرَى السُّوقَةِ، فَلَوِ اضْطَرَّ النَّاسُ إِلَى خِلَافَةِ أَحَدِهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ الْقَبُولُ، وَلَا تِلْكَ الْهَيْبَةُ، فَقَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الذَّخِيرَةَ أَبَا الْعَبَّاسِ كَانَ لَهُ جَارِيَةً اسْمُهَا أُرْجُوَانُ، وَكَانَ يُلِمُّ بِهَا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَرَأَتْ مَا نَالَ الْقَائِمَ مِنَ الْمُصِيبَةِ وَاسْتَعْظَمَهُ مِنِ انْقِرَاضِ عَقِبِهِ، ذَكَرَتْ أَنَّهَا حَامِلٌ، فَتَعَلَّقَتِ النُّفُوسُ بِذَلِكَ، فَوَلَدَتْ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ الْمُقْتَدِي، فَاشْتَدَّ فَرَحُ الْقَائِمِ، وَعَظُمَ سُرُورُهُ وَبَالَغَ [فِي] الْإِشْفَاقِ عَلَيْهِ وَالْمَحَبَّةِ لَهُ.
فَلَمَّا كَانَتْ حَادِثَةُ الْبَسَاسِيرِيِّ كَانَ لِلْمُقْتَدِي قَرِيبُ أَرْبَعِ سِنِينَ، فَأَخْفَاهُ أَهْلُهُ، وَحَمْلَهُ أَبُو الْغَنَائِمِ بْنُ الْمَحْلَبَانِ إِلَى حَرَّانَ، كَمَا ذَكَرْنَا وَلَمَّا عَادَ الْقَائِمُ إِلَى بَغْدَاذَ أُعِيدَ الْمُقْتَدِي إِلَيْهِ. فَلَمَّا بَلَغَ الْحُلُمَ جَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدٍ، وَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ أَقَرَّ فَخْرَ الدَّوْلَةِ
стр. 4778
بْنَ جَهِيرٍ عَلَى وِزَارَتِهِ بِوَصِيَّةٍ مِنَ الْقَائِمِ بِذَلِكَ، وَسَيَّرَ عَمِيدَ الدَّوْلَةِ بْنَ فَخْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ جَهِيرٍ إِلَى السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ لِأَخْذِ الْبَيْعَةِ، وَكَانَ مَسِيرُهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأَرْسَلَ مَعَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْهَدَايَا مَا يَجِلُّ عَنِ الْوَصْفِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، وَقَعَتْ نَارٌ بِبَغْدَاذَ فِي دُكَّانِ خَبَّازٍ بِنَهْرِ الْمُعَلَّى، فَاحْتَرَقَتْ مِنَ السُّوقِ مِائَةٌ وَثَمَانُونَ دُكَّانًا سِوَى الدُّورِ، ثُمَّ وَقَعَتْ نَارٌ فِي الْمَأْمُونِيَّةِ، ثُمَّ فِي الظَّفَرِيَّةِ، ثُمَّ فِي دَرْبِ الْمَطْبَخِ، ثُمَّ فِي دَارِ الْخَلِيفَةِ، ثُمَّ فِي حَمَّامِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، ثُمَّ فِي بَابِ الْأَزَجِ وَدَرْبِ خُرَاسَانَ، ثُمَّ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ فِي نَهْرِ طَابِقٍ، وَنَهْرِ الْقَلَّائِينَ، وَالْقَطِيعَةِ، وَبَابِ الْبَصْرَةِ، وَاحْتَرَقَ مَا لَا يُحْصَى.
وَفِيهَا أَرْسَلَ الْمُسْتَنْصِرُ بِاللَّهِ الْعَلَوِيُّ، صَاحِبُ مِصْرَ، إِلَى صَاحِبِ مَكَّةَ ابْنِ أَبِي هَاشِمٍ رِسَالَةً وَهَدِيَّةً جَلِيَّةً، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُعِيدَ الْخُطْبَةَ بِمَكَّةَ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ: إِنَّ أَيْمَانَكَ وَعُهُودَكَ كَانَتْ لِلْقَائِمِ، وَلِلسُّلْطَانِ أَلْب أَرْسَلَانَ، وَقَدْ مَاتَا، فَخَطَبَ لَهُ بِمَكَّةَ وَقَطَعَ خُطْبَةَ الْمُقْتَدِي، وَكَانَتْ مُدَّةُ الْخُطْبَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ بِمَكَّةَ أَرْبَعَ سِنِينَ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ أُعِيدَتْ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] .
стр. 4779
وَفِيهَا كَانَتِ الْحَرْبُ شَدِيدَةٌ بَيْنَ بَنِي رِيَاحٍ وَزُغْبَةَ بِبِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَقَوِيَتْ بَنُو رِيَاحٍ عَلَى زُغْبَةَ فَهَزَمُوهُمْ وَأَخْرَجُوهُمْ عَنِ الْبِلَادِ.
وَفِيهَا جَمَعَ نِظَامُ الْمُلْكِ، وَالسُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ، جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ الْمُنَجِّمِينَ، وَجَعَلُوا النَّيْرُوزَ أَوَّلَ نُقْطَةٍ مِنَ الْحَمَلِ، وَكَانَ النَّيْرُوزُ قَبْلَ ذَلِكَ عِنْدَ حُلُولِ الشَّمْسِ نِصْفَ الْحُوتِ. وَصَارَ مَا فَعَلَهُ السُّلْطَانُ مَبْدَأَ التَّقَاوِيمِ.
وَفِيهَا أَيْضًا عُمِلَ الرَّصْدُ لِلسُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، وَاجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الْمُنَجِّمِينَ فِي عَمَلِهِ مِنْهُمْ: عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَيَّامِيُّ، وَأَبُو الْمُظَفَّرِ الْإِسْفَزَارِيُّ وَمَيْمُونُ بْنُ النَّجِيبِ الْوَاسِطِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَمْوَالِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، وَبَقِيَ الرَّصْدُ دَائِرًا إِلَى أَنْ مَاتَ السُّلْطَانُ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَبَطَلَ (بَعْدَ مَوْتِهِ) .
стр. 4780
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .]
٤٦٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ذِكْرُ مِلْكِ أَقْسِيسْ دِمَشْقَ.
قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] مِلْكَ أَقْسِيسَ الرَّمْلَةَ، وَالْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ، وَحَصْرَهُ مَدِينَةَ دِمَشْقَ، فَلَمَّا عَادَ عَنْهَا جَعَلَ يَقْصِدُ أَعْمَالَهَا كُلَّ سَنَةٍ عِنْدَ إِدْرَاكِ الْغَلَّاتِ فَيَأْخُذُهَا، فَيَقْوَى هُوَ وَعَسْكَرُهُ، وَيَضْعُفُ أَهْلُ دِمَشْقَ وَجُنْدُهَا، فَلَمَّا كَانَ رَمَضَانُ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ سَارَ إِلَى دِمَشْقَ فَحَصَرَهَا. وَأَمِيرُهَا الْمُعَلَّى بْنُ حَيْدَرَةَ مِنْ قِبَلِ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَنْصِرِ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفَ عَنْهَا فِي شَوَّالٍ، فَهَرَبَ أَمِيرُهَا الْمُعَلَّى فِي ذِي الْحِجَّةِ.
وَكَانَ سَبَبُ هَرَبِهِ أَنَّهُ أَسَاءَ السِّيرَةَ مَعَ الْجُنْدِ وَالرَّعِيَّةِ وَظَلَمَهُمْ، فَكَثُرَ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ، وَثَارَ بِهِ الْعَسْكَرُ، وَأَعَانَهُمُ الْعَامَّةُ، فَهَرَبَ مِنْهَا إِلَى بَانْيَاسَ، ثُمَّ مِنْهَا إِلَى صُورَ، ثُمَّ أُخِذَ إِلَى مِصْرَ فَحُبِسَ بِهَا، فَمَاتَ مَحْبُوسًا.
فَلَمَّا هَرَبَ مِنْ دِمَشْقَ اجْتَمَعَتِ الْمَصَامِدَةُ، وَوَلَّوْا عَلَيْهِمُ انْتِصَارَ بْنَ يَحْيَى الْمَصْمُودِيَّ، الْمَعْرُوفُ بِرَزِينِ الدَّوْلَةِ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ بِهَا حَتَّى أَكَلَ النَّاسُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا.
وَوَقَعَ الْخُلْفُ بَيْنَ الْمَصَامِدَةِ وَأَحْدَاثِ الْبَلَدِ، وَعَرَفَ أَقْسِيسْ ذَلِكَ، فَعَادَ إِلَى دِمَشْقَ، فَنَزَلَ عَلَيْهَا فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَحَصَرَهَا، فَعُدِمَتِ الْأَقْوَاتُ، فَبِيعَتِ الْغِرَارَةُ، إِذَا وُجِدَتْ، بِأَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا، فَسَلَّمُوهَا إِلَيْهِ بِأَمَانٍ، (وَعُوِّضَ انْتِصَارٌ عَنْهَا بِقَلْعَةِ بَانْيَاسَ، وَمَدِينَةِ يَافَا مِنَ السَّاحِلِ) ، وَدَخَلَهَا هُوَ وَعَسْكَرُهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ،
стр. 4781
وَخَطَبَ بِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِخَمْسٍ بَقَيْنَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، لِلْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ الْخَلِيفَةِ الْعَبَّاسِيِّ، وَكَانَ آخِرُ مَا خُطِبَ فِيهَا لِلْعَلَوِيِّينَ الْمِصْرِيِّينَ، وَتَغَلَّبَ عَلَى أَكْثَرِ الشَّامِ، وَمَنَعَ الْأَذَانَ بِحَيِّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، فَفَرِحَ أَهْلُهَا فَرَحًا عَظِيمًا، وَظَلَمَ أَهْلَهَا، وَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِيهِمْ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ نَصْرُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ مِرْدَاسٍ مَدِينَةَ مَنْبِجَ وَأَخَذَهَا مِنَ الرُّومِ.
وَفِيهَا قَدِمَ سَعْدُ الدَّوْلَةِ كُوهَرَائِينْ شِحْنَةً إِلَى بَغْدَاذَ مِنْ عَسْكَرِ السُّلْطَانِ، وَمَعَهُ الْعَمِيدُ أَبُو نَصْرٍ نَاظِرًا فِي أَعْمَالِ بَغْدَاذَ.
وَفِيهَا وَثَبَ الْجُنْدُ بِالْبَطِيحَةِ عَلَى أَمِيرِهَا أَبِي نَصْرِ بْنِ الْهَيْثَمِ، وَخَالَفُوا عَلَيْهِ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ، وَخَرَجَ مِنْ مِلْكِهِ وَالذَّخَائِرِ وَالْأَمْوَالِ الَّتِي جَمَعَهَا فِي الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، وَلَمْ يَصْحَبْهُ مِنْ ذَلِكَ جَمِيعِهِ شَيْءٌ، وَصَارَ نَزِيلًا عَلَى كُوهَرَائِينَ شِحْنَةِ الْعِرَاقِ.
وَفِيهَا انْفَجَرَ الْبُثُوقُ بِالْفَلُّوجَةِ، وَانْقَطَعَ الْمَاءُ مِنَ النِّيلِ وَغَيْرِهِ مِنْ تِلْكَ الْأَعْمَالِ مِنْ بِلَادِ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ، فَجَلَا أَهْلُ الْبِلَادِ، وَوَقَعَ الْوَبَاءُ فِيهِمْ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ سَدَّهُ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ بْنُ جَهِيرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] .
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَقْرِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِغُلَامِ الْهَرَّاسِ الْوَاسِطِيُّ، بِهَا، وَكَانَ مُحَدِّثًا عَلَّامَةً فِي كَثِيرٍ مِنَ الْعُلُومِ.
стр. 4782
وَفِي شَعْبَانَ تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْبَيْضَاوِيِّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَكَانَ يُدَرِّسُ الْفِقْهَ بِدَرْبِ السَّلُولِيِّ بِالْكَرْخِ، وَهُوَ زَوْجُ ابْنَةِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الدَّاوُدِيُّ. رَاوِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَقَّهَ لِلشَّافِعِيِّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ، وَأَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، وَصَحِبَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ، وَأَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ، وَكَانَ عَابِدًا خَيِّرًا، فَقَصَدَهُ نِظَامُ الْمُلْكِ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَوَعَظَهُ، وَكَانَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَلَّطَكَ عَلَى عِبَادِهِ فَانْظُرْ كَيْفَ تُجِيبُهُ إِذَا سَأَلَكَ عَنْهُمْ، فَبَكَى. وَكَانَ مَوْتُهُ بِبُوشَنْجَ.
(وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَتُّوَيْهِ الْوَاحِدِيُّ الْمُفَسِّرُ، مُصَنِّفُ " الْوَسِيطِ "، " وَالْبَسِيطِ "، " وَالْوَجِيزِ "، فِي التَّفْسِيرِ، وَهُوَ نَيْسَابُورِيٌّ، إِمَامٌ) مَشْهُورٌ، وَأَبُو الْفَتْحِ مَنْصُورُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ دَارَسَتْ، وَزِيرُ الْقَائِمِ، تُوُفِّيَ بِالْأَهْوَازِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدُوسٍ أَبُو بَكْرٍ الصَّفَّارُ النَّيْسَابُورِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ، وَسَمِعَ مِنَ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ وَغَيْرِهِمَا.
стр. 4783
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مَسْعُودُ بْنُ الْمُحْسِنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَيَاضِيُّ الشَّاعِرُ، لَهُ شِعْرٌ مَطْبُوعٌ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ:
يَا مَنْ لَبِسْتُ لِبُعْدِهِ ثَوْبَ الضَّنَى ... حَتَّى خَفِيتُ بِهِ عَنِ الْعُوَّادِ
وَأَنِسْتُ بِالسَّهَرِ الطَّوِيلِ، فَأُنْسِيَتْ ... أَجْفَانُ عَيْنِي كَيْفَ كَانَ رُقَادِي
إِنْ كَانَ يُوسُفُ بِالْجَمَالِ مُقَطِّعَ الْ ... أَيْدِي، فَأَنْتَ مُفَتِّتُ الْأَكْبَادِ
стр. 4784
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .]
٤٦٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ذِكْرُ حَصْرِ أَقْسِيسْ مِصْرَ وَعَوْدِهِ عَنْهَا.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ أَقْسِيسْ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى مِصْرَ، وَحَصَرَهَا، وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا، وَلَمْ يَبْقَ غَيْرَ أَنْ يَمْلِكَهَا، فَاجْتَمَعَ أَهْلُهَا مَعَ ابْنِ الْجَوْهَرِيِّ الْوَاعِظِ فِي الْجَامِعِ، وَبَكَوْا وَتَضَرَّعُوا وَدَعَوْا، فَقَبِلَ اللَّهُ دُعَاءَهُمْ، فَانْهَزَمَ أَقْسِيسْ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَعَادَ عَلَى أَقْبَحِ صُورَةٍ بِغَيْرِ سَبَبٍ، فَوَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ وَقَدْ تَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ، فَرَأَى أَهْلَهَا قَدْ صَانُوا مُخَلَّفِيهِ وَأَمْوَالَهُ، فَشَكَرَهُمْ، وَرَفَعَ عَنْهُمُ الْخَرَاجَ تِلْكَ السَّنَةِ.
وَأَتَى الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ، فَرَأَى أَهْلَهُ قَدْ قَبَّحُوا عَلَى أَصْحَابِهِ وَمُخَلَّفِيهِ، وَحَصَرُوهُمْ فِي مِحْرَابِ دَاوُدَ، ﵇، فَلَمَّا قَارَبَ الْبَلَدَ تَحَصَّنَ أَهْلُهُ مِنْهُ وَسَبُّوهُ، فَقَاتَلَهُمْ، فَفَتَحَ الْبِلَادَ عَنْوَةً وَنَهَبَهُ، وَقَتَلَ مِنْ أَهْلِهِ فَأَكْثَرَ حَتَّى قَتَلَ مَنِ الْتَجَأَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَكَفَّ عَمَّنْ كَانَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَحْدَهَا.
هَكَذَا يَذْكُرُ الشَّامِيُّونَ (هَذَا الِاسْمَ) أَقْسِيسْ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَتْسِزْ، وَهُوَ اسْمٌ تُرْكِيٌّ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مُؤَرِّخِي الشَّامِ أَنَّ أَتْسِزْ لَمَّا وَصَلَ إِلَى مِصْرَ جَمَعَ أَمِيرُ الْجُيُوشِ بَدْرٌ الْعَسَاكِرَ، وَاسْتَمَدَّ الْعَرَبَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ أَتْسِزْ، وَقُتِلَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَقُتِلَ أَخٌ لَهُ، وَقُطِعَتْ يَدُ أَخٍ آخَرَ، وَعَادَ
стр. 4785
مُنْهَزِمًا إِلَى الشَّامِ فِي نَفَرٍ قَلِيلٍ مِنْ عَسْكَرِهِ، فَوَصَلَ إِلَى الرَّمْلَةِ، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى دِمَشْقَ.
وَحَكَى لِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ فُضَلَاءِ مِصْرَ: أَنَّ أَتْسِزْ لَمَّا وَصَلَ إِلَى مِصْرَ وَنَزَلَ بِظَاهِرِ الْقَاهِرَةِ أَسَاءَ أَصْحَابُهُ السِّيرَةَ فِي النَّاسِ، وَظَلَمُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، وَفَعَلُوا الْأَفَاعِيلَ الْقَبِيحَةَ، فَأَرْسَلَ رُؤَسَاءُ الْقُرَى وَمُقَدِّمُوهَا إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ الْعَلَوِيِّ يَشْكُونَ إِلَيْهِ مَا نَزَلَ بِهِمْ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ بِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ دَفْعِ هَذَا الْعَدُوِّ، فَقَالُوا لَهُ: نَحْنُ نُرْسِلُ إِلَيْكَ مَنْ عِنْدِنَا مِنَ الرِّجَالِ الْمُقَاتَلَةِ يَكُونُونَ مَعَكَ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ سِلَاحٌ تُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِكَ سِلَاحًا، وَعَسْكَرُ هَذَا الْعَدُوِّ قَدْ أَمِنُوا، وَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ، فَنَثُورُ بِهِمْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَنَقْتُلُهُمْ، وَتَخْرُجُ أَنْتَ إِلَيْهِ فِيمَنِ اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنَ الرِّجَالِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ بِكَ قُوَّةٌ. فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ.
وَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ الرِّجَالَ، وَثَارُوا كُلُّهُمْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِمَنْ عِنْدَهُمْ، فَأَوْقَعُوا بِهِمْ، وَقَتَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فِي عَسْكَرِهِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ الْعَسْكَرُ الَّذِي عِنْدَ الْمُسْتَنْصِرِ بِالْقَاهِرَةِ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الثَّبَاتِ لَهُمْ، فَوَلَّى مُنْهَزِمًا، وَعَادَ إِلَى الشَّامِ، وَكُفِيَ أَهْلُ مِصْرَ شَرَّهُ وَظُلْمَهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَرَدَ بَغْدَاذَ أَبُو نَصْرِ ابْنُ الْأُسْتَاذِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ حَاجًّا وَجَلَسَ فِي الْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ يَعِظُ النَّاسَ، وَفِي رِبَاطِ شَيْخِ الشُّيُوخِ وَجَرَى لَهُ مَعَ الْحَنَابِلَةِ فِتَنٌ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَى مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ، وَنَصَرَهُ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ وَالْمُتَعَصِّبُونَ لَهُ، وَقَصَدَ خُصُومُهُ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ، سُوقَ الْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ وَقَتَلُوا جَمَاعَةً.
стр. 4786
وَكَانَ مِنَ الْمُتَعَصِّبِينَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَشَيْخُ الشُّيُوخِ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَعْيَانِ، وَجَرَتْ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ.
وَفِيهَا تَزَوَّجَ الْأَمِيرُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي مَنْصُورِ بْنِ فِرَامَرْزَ بْنِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ كَاكَوَيْهِ أَرْسَلَانَ خَاتُونَ بِنْتَ دَاوُدَ عَمَّةَ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهَ الَّتِي كَانَتْ زَوْجَةَ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ.
وَفِيهَا كَانَ بِالْجَزِيرَةِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَبَاءٌ عَظِيمٌ، وَمَوْتٌ كَثِيرٌ حَتَّى بَقِيَ كَثِيرٌ [مِنَ] الْغَلَّاتِ لَيْسَ لَهَا مَنْ يَعْمَلُهَا لِكَثْرَةِ الْمَوْتِ فِي النَّاسِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ مَحْمُودُ بْنُ مِرْدَاسٍ، صَاحِبُ حَلَبَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ نَصْرٌ، فَمَدَحَهُ ابْنُ حَيُّوسٍ بِقَصِيدَةٍ يَقُولُ فِيهَا:
ثَمَانِيَةٌ لَمْ تَفْتَرِقْ مُذْ جَمَعْتَهَا ... فَلَا افْتَرَقَتْ مَا ذَبَّ عَنْ نَاظِرٍ شَعْرُ
ضَمِيرُكَ وَالتَّقْوَى وَجُودُكَ وَالْغِنَى ... وَلَفْظُكَ وَالْمَعْنَى وَعَزْمُكَ وَالنَّصْرُ
وَكَانَ لِمَحْمُودِ بْنِ نَصْرٍ سَجِيَّةٌ ... وَغَالِبُ ظَنِّي أَنْ سَيُخْلِفُهَا نَصْرُ
فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ قَالَ سَيُضْعِفُهَا نَصْرٌ لَأَضْعَفْتُهَا لَهُ. وَأَمَرَ لَهُ بِمَا كَانَ يُعْطِيهِ أَبُوهُ، وَهُوَ أَلْفُ دِينَارٍ، فِي طَبَقِ فِضَّةٍ.
стр. 4787
وَكَانَ عَلَى بَابِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
عَلَى بَابِكَ الْمَعْمُورِ مِنَّا عِصَابَةٌ ... مَفَالِيسُ فَانْظُرْ فِي أُمُورِ الْمَفَالِيسِ
وَقَدْ قَنِعَتْ مِنْكَ الْعِصَابَةُ كُلُّهَا ... بِعُشْرِ الَّذِي أَعْطَيْتَهُ لِابْنِ حَيُّوسِ
وَمَا بَيْنَنَا هَذَا التَّقَارُبُ كُلُّهُ
،
وَلَكِنْ سَعِيدٌ لَا يُقَاسُ بِمَنْحُوسِ
فَقَالَ لَوْ قَالَ: بِمِثْلِ الَّذِي أَعْطَيْتَهُ، لَأَعْطَيْتُهُمْ ذَلِكَ، وَأَمَرَ لَهُمْ بِمِثْلِ نِصْفِهِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَسْبَهْدُوَسْت بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَبُو مَنْصُورٍ الدَّيْلَمِيُّ الشَّاعِرُ، وَكَانَ قَدْ لَقِيَ ابْنَ الْحَجَّاجِ، وَابْنَ نُبَاتَةَ وَغَيْرَهُمَا وَكَانَ يَتَشَيَّعُ، وَتَرَكَهُ وَقَالَ فِي ذَلِكَ:
وَإِذَا سُئِلُتُ عَنِ اعْتِقَادِي قُلْتُ
:
مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مَذَاهِبُ الْأَبْرَارِ ... وَأَقُولُ: خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ
صِدِّيقُهُ وَأَنِيسُهُ فِي الْغَارِ
وَفِيهَا تُوُفِّيَ رَئِيسُ الْعِرَاقَيْنِ أَبُو أَحْمَدَ النَّهَاوَنْدِيُّ الَّذِي كَانَ عَمِيدَ بَغْدَاذَ، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، وَرِزْقُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو سَعْدٍ الْأَنْبَارِيُّ الْخَطِيبُ، الْفَقِيهُ، الْحَنَفِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ ثِقَةً حَافِظًا، وَطَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَابَشَاذَ النَّحْوِيُّ، الْمِصْرِيُّ، تُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ،
стр. 4788
سَقَطَ مِنْ سَطْحِ جَامِعِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِمِصْرَ فَمَاتَ لِوَقْتِهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ هَزَارَمَرْدَ، الصَّرِيفِينِيُّ، رَاوِيَةُ أَحَادِيثِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَوَاهَا وَكَانَ ثِقَةً، صَالِحًا، وَمِنْ طَرِيقِهِ سَمِعْنَاهَا.
стр. 4789
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .]
٤٧٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وُلِدَ مُؤَيِّدُ الْمُلْكِ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ إِلَى بَغْدَاذَ مِنَ الْعَسْكَرِ.
وَفِيهَا اصْطَلَحَ تَمِيمُ بْنُ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَةَ. مَعَ النَّاصِرِ بْنِ عَلْنَاسَ، وَهُوَ مِنْ بَنِي حَمَّادٍ عَمِّ جَدِّهِ، وَزَوَّجَهُ تَمِيمٌ ابْنَتَهُ بَلَارَةَ، وَسَيَّرَهَا إِلَيْهِ مِنَ الْمَهْدِيَّةِ فِي عَسْكَرٍ، وَأَصْحَبَهَا مِنَ الْحُلِيِّ وَالْجِهَازِ مَا لَا يُحَدُّ وَحَمَلَ النَّاصِرُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَأَخَذَ مِنْهَا تَمِيمٌ دِينَارًا وَاحِدًا وَرَدَّ الْبَاقِي.
وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ تَمِيمٌ ابْنَهُ مُقَلِّدًا عَلَى مَدِينَةِ طَرَابُلُسَ الْغَرْبِ.
وَكَانَ بِبَغْدَاذَ، فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِتْنَةٌ بَيْنَ أَهْلِ سُوقِ الْمَدْرَسَةِ وَسُوقِ الثُّلَاثَاءِ بِسَبَبِ الِاعْتِقَادِ، فَنَهَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَكَانَ مُؤَيِّدُ الْمُلْكِ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ بِبَغْدَادَ بِالدَّارِ الَّتِي عِنْدَ الْمَدْرَسَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْعَمِيدِ وَالشِّحْنَةِ فَحَضَرَا وَمَعَهُمَا الْجُنْدُ فَضَرَبُوا النَّاسَ، فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ جَمَاعَةٌ وَانْفَصَلُوا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ (بْنِ مُحَمَّدِ) بْنِ الْبَيْضَاوِيِّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَكَانَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ جَدَّهُ لِأُمِّهِ.
стр. 4790
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّقُّورِ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَزَّازُ فِي رَجَبٍ، وَكَانَ مُكْثِرًا مِنَ الْحَدِيثِ، ثِقَةً فِي الرِّوَايَةِ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو صَالِحٍ الْمُؤَذِّنُ النَّيْسَابُورِيُّ، كَانَ يَعِظُ وَيُؤَذِّنُ، وَكَانَ كَثِيرَ الرِّوَايَةِ - حَافِظًا، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَنْدَهْ الْأَصْبَهَانِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، لَهُ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا: تَارِيخُ أَصْبَهَانَ، وَلَهُ طَائِفَةٌ يَنْتَمُونَ إِلَيْهِ فِي الِاعْتِقَادِ مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ، يُقَالُ لَهُمُ الْعَبْدُ رَحْمَانِيَّةِ.
وَفِي شَوَّالٍ مِنْهَا تُوُفِّيَتِ ابْنَةُ نِظَامِ الْمُلْكِ، زَوْجَةُ عَمِيدِ الدَّوْلَةِ بْنِ جَهِيرٍ، نُفَسَاءَ بِوَلَدٍ مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ، وَدُفِنَ بِدَارِ الْخِلَافَةِ، وَلَمْ تَجْرِ بِذَلِكَ عَادَةٌ لِأَحَدٍ، فَعَلَ ذَلِكَ إِكْرَامًا لِأَبِيهَا، وَجَلَسَ الْوَزِيرُ فَخْرُ الدَّوْلَةِ بْنُ جَهِيرٍ، وَابْنُهُ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ زَوْجُهَا، لِلْعَزَاءِ فِي دَارِ بَابِ الْعَامَّةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
стр. 4791
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .]
٤٧١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ذِكْرُ عَزْلِ ابْنِ جَهِيرٍ مِنْ وِزَارَةِ الْخَلِيفَةِ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ فَخْرُ الدَّوْلَةِ أَبُو نَصْرِ بْنُ جَهِيرٍ مِنْ وِزَارَةِ الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، وَوَزَرَ بَعْدَهُ أَبُو شُجَاعٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ.
وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ أَبَا نَصْرِ بْنَ الْقُشَيْرِيِّ وَرَدَ إِلَى بَغْدَاذَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَجَرَى لَهُ الْفِتَنُ مَعَ الْحَنَابِلَةِ، لَمَّا ذَكَرَ مَذْهَبَ الْأَشْعَرِيَّةِ، وَنَصَرَهُ، وَعَابَ مَنْ سِوَاهُمْ، وَفَعَلَتِ الْحَنَابِلَةُ وَمَنْ مَعَهُمْ مَا ذَكَرْنَاهُ، نَسَبَ أَصْحَابُ نِظَامِ الْمُلْكِ مَا جَرَى إِلَى الْوَزِيرِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ، وَإِلَى الْخَدَمِ، وَكَتَبَ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الصَّقْرِ الْوَاسِطِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ إِلَى نِظَامِ الْمُلْكِ:
يَا نِظَامَ الْمُلْكِ قَدْ حُلَّ ... بِبَغْدَاذَ النِّظَامُ
وَابْنُكَ الْقَاطِنُ فِيهَا ... مُسْتَهَانٌ مُسْتَضَامُ
وَبِهَا أَوْدَى لَهُ قَتْ ... لَى غُلَامٌ، وَغُلَامُ
وَالَّذِي مِنْهُمْ تَبَقَّى ... سَالِمًا فِيهِ سِهَامُ
يَا قِوَامَ الدِّينِ لَمْ يَبْ ... قَ بِبَغْدَاذَ مُقَامُ
عَظُمَ الْخَطْبُ وَلِلْحَرْ ... بِ اتِّصَالٌ، وَدَوَامُ
فَمَتَى لَمْ تَحْسِمِ الدَّا ... ءَ أَيَادِيكَ الْحُسَامُ
وَيَكُفُّ الْقَوْمُ فِي بَغْ ... دَاذَ قَتْلٌ، وَانْتِقَامُ
فَعَلَى مَدْرَسَةٍ فِي ... هَا، وَمَنْ فِيهَا السَّلَامُ
٢ - وَاعْتِصَامٌ بِحَرِيمٍ ... لَكَ مِنْ بَعْدُ حَرَامُ
стр. 4792
فَلَمَّا سَمِعَ نِظَامُ الْمُلْكِ مَا جَرَى مِنَ الْفِتَنِ، وَقَصْدِ مَدْرَسَتِهِ، وَالْقَتْلِ بِجِوَارِهَا، مَعَ أَنَّ ابْنَهُ مُؤَيَّدُ الْمُلْكِ فِيهَا، عَظُمَ عَلَيْهِ، فَأَعَادَ كُوهَرَائِينَ إِلَى شِحْنَكِيَّةِ الْعِرَاقِ، وَحَمَّلَهُ رِسَالَةً إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ تَتَضَمَّنُ الشَّكْوَى مِنْ بَنِي جَهِيرٍ، وَسَأَلَ عَزْلَ فَخْرِ الدَّوْلَةِ مِنَ الْوِزَارَةِ، وَأَمَرَ كُوهَرَائِينَ بِأَخْذِ أَصْحَابِ بَنِي جَهِيرٍ، وَإِيصَالِ الْمَكْرُوهِ إِلَيْهِمْ وَإِلَى حَوَاشِيهِمْ.
فَسَمِعَ بَنُو جَهِيرٍ الْخَبَرَ، فَسَارَ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْمُعَسْكَرِ يُرِيدُ نِظَامَ الْمُلْكِ لِيَسْتَعْطِفَهُ، وَتَجَنَّبَ الطَّرِيقَ، وَسَلَكَ الْجِبَالَ خَوْفًا أَنْ يَلْقَاهُ كُوهَرَائِينُ وَيَنَالَهُ فِيهَا أَذًى، فَلَمَّا وَصَلَ كُوهَرَائِينُ إِلَى بَغْدَاذَ اجْتَمَعَ بِالْخَلِيفَةِ وَأَبْلَغَهُ رِسَالَةَ نِظَامِ الْمُلْكِ، فَأَمَرَ فَخْرَ الدَّوْلَةِ بِلُزُومِ مَنْزِلِهِ.
وَوَصَلَ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْمُعَسْكَرِ السُّلْطَانِيِّ، وَلَمْ يَزَلْ يَسْتَصْلِحُ نِظَامَ الْمُلْكِ حَتَّى عَادَ إِلَى مَا أَلِفَهُ مِنْهُ، وَزَوَّجَهُ بِابْنَةِ بِنْتٍ لَهُ، وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، فَلَمْ يَرُدَّ الْخَلِيفَةُ أَبَاهُ إِلَى وِزَارَتِهِ، وَأَمَرَهُمَا بِمُلَازَمَةِ مَنَازِلِهِمَا، وَاسْتَوْزَرَ أَبَا شُجَاعٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ.
ثُمَّ إِنَّ نِظَامَ الْمُلْكِ رَاسَلَ الْخَلِيفَةَ فِي إِعَادَةِ بَنِي جَهِيرٍ إِلَى الْوِزَارَةِ، وَشَفَعَ فِي ذَلِكَ، فَأُعِيدَ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْوِزَارَةِ، وَأُذِنَ لِأَبِيهِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ فِي فَتْحِ بَابِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] .
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ تُتُشْ عَلَى دِمَشْقَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ تَاجُ الدَّوْلَةِ تُتُش بْنُ أَلْب أَرْسَلَانَ دِمَشْقَ.
стр. 4793
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَخَاهُ السُّلْطَانَ مَلِكْشَاهْ أَقْطَعَهُ الشَّامَ، وَمَا يَفْتَحُهُ فِي تِلْكَ النَّوَاحِي، سَنَةَ سَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَأَتَى حَلَبَ وَحَصَرَهَا، وَلَحِقَ أَهْلَهَا مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ، وَكَانَ مَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ التُّرْكُمَانِ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ أَقْسِيسْ، صَاحِبَ دِمَشْقَ، يَسْتَنْجِدُهُ، وَيُعَرِّفُهُ أَنَّ عَسَاكِرَ مِصْرَ قَدْ حَصَرَتْهُ بِدِمَشْقَ.
وَكَانَ أَمِيرُ الْجُيُوشِ بَدْرٌ قَدْ سَيَّرَ عَسْكَرًا مِنْ مِصْرَ، وَمُقَدِّمُهُمْ قَائِدٌ يَعْرِفُ بِنَصْرِ الدَّوْلَةِ، فَحَصَرَ دِمَشْقَ، فَأَرْسَلَ أَقْسِيسْ إِلَى تَاجِ الدَّوْلَةِ تُتُشْ يَسْتَنْصِرُهُ، فَسَارَ إِلَى نُصْرَةِ أَقْسِيسْ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمِصْرِيُّونَ بِقُرْبِهِ أَجْفَلُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ شِبْهَ الْمُنْهَزِمِينَ، وَخَرَجَ أَقْسِيسْ إِلَيْهِ يَلْتَقِيهِ عِنْدَ سُورِ الْبَلَدِ، فَاغْتَاظَ مِنْهُ تُتُشْ حَيْثُ لَمْ يَبْعُدُ فِي تَلَقِّيهِ، وَعَاتَبَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَاعْتَذَرَ بِأُمُورٍ لَمْ يَقْبَلْهَا تُتُشْ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ، وَقَتَلَهُ مِنْ سَاعَتِهِ، وَمَلَكَ الْبَلَدَ، وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ فِي أَهْلِهِ، وَعَدَلَ فِيهِمْ.
قَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْهَمَذَانِيِّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّ مُلْكَ تُتُشْ دِمَشْقَ كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ، وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ فِي كِتَابِ " تَارِيخِ دِمَشْقَ " أَنَّ مُلْكَهُ إِيَّاهَا كَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] .
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وُلِدَ الْمَلِكُ بِرْكِيَارُق ابْنُ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ.
стр. 4794
وَفِيهَا فِي الْمُحَرَّمِ، وَصَلَ سَعْدُ الدَّوْلَةِ كُوهَرَائِينُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَضَرَبَ الطَّبْلَ عَلَى بَابِ دَارِهِ، أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ، وَكَانَ قَدْ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ، فَلَمْ يُجَبْ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ أَبُو النَّجْمِ بَدْرُ بْنُ وَرَّامَ الْكُرْدِيُّ، الْجَاوَانِيُّ، فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَدُفِنَ بِطَسْفُونَجْ.
وَفِي رَجَبٍ تُوُفِّيَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْبَنَّا الْمَقْرِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَسُلَيْمٌ الْجَوْرِيُّ بِنَاحِيَةِ جَوْرٍ مِنْ دُجَيْلٍ، وَكَانَ زَاهِدًا، يَعْمَلُ، وَيَأْكُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَلَمْ يُكَلِّفْ أَحَدًا حَاجَةً، وَأَقَامَ بِطَنْزَةَ مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ، وَهِيَ كَثِيرَةُ الْفَوَاكِهِ، فَلَمْ يَأْكُلْ بِهَا فَاكِهَةً الْبَتَّةَ.
стр. 4795
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .]
٤٧٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ذِكْرُ فُتُوحِ إِبْرَاهِيمَ صَاحِبِ غَزْنَةَ فِي بِلَادِ الْهِنْدِ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا الْمَلِكُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ بِلَادَ الْهِنْدِ، فَحَصَرَ قَلْعَةَ أَجْوَدَ، وَهِيَ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَرْسَخًا مِنْ لَهَاوُورَ، وَهِيَ قَلْعَةٌ حَصِينَةٌ، فِي غَايَةِ الْحَصَانَةِ، كَبِيرَةٌ، تَحْوِي عَشَرَةَ آلَافِ رَجُلٍ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، فَقَاتَلُوهُ، وَصَبَرُوا تَحْتَ الْحَصْرِ، وَزَحَفَ إِلَيْهِمْ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَرَأَوْا مِنْ شِدَّةِ حَرْبِهِ مَا مَلَأَ قُلُوبَهُمْ خَوْفًا وَرُعْبًا، فَسَلَّمُوا الْقَلْعَةَ (إِلَيْهِ فِي الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَكَانَ فِي نَوَاحِي الْهِنْدِ قَلْعَةٌ) يُقَالُ لَهَا قَلْعَةُ رُوبَالَ، عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ شَاهِقٍ، وَتَحْتَهَا غِيَاضٌ أَشِبَةٌ، وَخَلْفَهَا الْبَحْرُ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا قِتَالٌ إِلَّا مِنْ مَكَانٍ ضَيِّقٍ، وَهُوَ مَمْلُوءٌ بِالْفِيَلَةِ الْمُقَاتِلَةِ، وَبِهَا مِنْ رِجَالِ الْحَرْبِ أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ، فَتَابَعَ عَلَيْهِمُ الْوَقَائِعَ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِمْ بِالْقِتَالِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْحَرْبِ، وَمَلَكَ الْقَلْعَةَ، وَاسْتَنْزَلَهُمْ مِنْهَا.
وَفِي مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ دُرَّهْ نُورَهْ أَقْوَامٌ مِنْ أَوْلَادِ الْخُرَاسَانِيِّينَ، الَّذِينَ جَعَلَ أَجْدَادَهُمْ فِيهَا أَفْرَاسِيَابُ التُّرْكِيُّ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ إِلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُلُوكِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ إِبْرَاهِيمُ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوَّلًا، فَامْتَنَعُوا مِنْ إِجَابَتِهِ، وَقَاتَلُوهُ، فَظَفِرَ بِهِمْ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَتَفَرَّقَ مَنْ سَلِمَ فِي الْبِلَادِ، وَسَبَى وَاسْتَرَقَّ مِنَ النِّسْوَانِ وَالصِّبْيَانِ
стр. 4796
مِائَةَ أَلْفٍ. وَفِي هَذِهِ الْقَلْعَةِ حَوْضٌ لِلْمَاءِ يَكُونُ قُطْرُهُ نَحْوَ نِصْفِ فَرْسَخٍ لَا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، يَشْرَبُ مِنْهُ أَهْلُ الْقَلْعَةِ وَجَمِيعُ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ دَابَّةٍ، وَلَا يَظْهَرُ فِيهِ نَقْصٌ.
وَفِي بِلَادِ الْهِنْدِ مَوْضِعٌ يُقَالُ لَهُ وَرَّهْ، وَهُوَ بَرٌّ بَيْنَ خَلِيجَيْنِ، فَقَصَدَهُ الْمَلِكُ إِبْرَاهِيمُ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَفِي طَرِيقِهِ عَقَبَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَفِيهَا أَشْجَارٌ مُلْتَفَّةٌ، فَأَقَامَ هُنَاكَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَلَقِيَ النَّاسَ مِنَ الشِّتَاءِ شِدَّةٌ، وَلَمْ يُفَارِقِ الْغَزْوَةَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَذُلَّهُ عَلَى أَعْدَائِهِ، وَعَادَ إِلَى غَزْنَةَ سَالِمًا مُظَفَّرًا.
هَذِهِ الْغَزَوَاتُ لَمْ أَعْرِفْ تَارِيخَهَا، (وَأَمَّا الْأُولَى فَكَانَتْ هَذِهِ السَّنَةُ) ، فَلِهَذَا أَوْرَدْتُهَا مُتَتَابِعَةً فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
ذِكْرُ مُلْكِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ مُسْلِمٌ مَدِينَةَ حَلَبَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ مُسْلِمُ بْنُ قُرَيْشٍ الْعُقَيْلِيُّ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، مَدِينَةَ حَلَبَ.
(وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ تَاجَ الدَّوْلَةِ تُتُش بْنَ أَلْب أَرْسَلَانَ) حَصَرَهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَاشْتَدَّ الْحِصَارُ بِأَهْلِهَا، وَكَانَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ يُوَاصِلِهُمْ بِالْغَلَّاتِ وَغَيْرِهَا.
ثُمَّ إِنَّ تُتُشْ حَصَرَهَا هَذِهِ السَّنَةَ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا أَيَّامًا وَرَحَلَ عَنْهَا وَمَلَكَ بُزَاغَةَ وَالْبِيرَةَ، وَأَحْرَقَ رَبَضَ عَزَازَ، وَعَادَ إِلَى دِمَشْقَ.
فَلَمَّا رَحَلَ عَنْهَا تَاجُ الدَّوْلَةِ اسْتَدْعَى أَهْلُهَا شَرَفَ الدَّوْلَةِ لِيُسَلِّمُوهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا
стр. 4797
قَارَبَهَا امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ مُقَدِّمُهُمْ يُعْرَفُ بِابْنِ الْحُتَيْتِيِّ الْعَبَّاسِيِّ، فَاتَّفَقَ أَنَّ وَلَدَهُ خَرَجَ يَتَصَيَّدُ بِضَيْعَةٍ لَهُ، فَأَسَرَهُ أَحَدُ التُّرْكُمَانِ وَهُوَ صَاحِبُ حِصْنٍ بِنَوَاحِي حَلَبَ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى شَرَفِ الدَّوْلَةِ، فَقَرَّرَ مَعَهُ أَنْ يُسَلِّمَ الْبَلَدَ إِلَيْهِ إِذَا أَطْلَقَهُ، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ، فَأَطْلَقَهُ، فَعَادَ إِلَى حَلَبَ، وَاجْتَمَعَ بِأَبِيهِ، وَعَرَّفَهُ مَا اسْتَقَرَّ، فَأَذْعَنَ إِلَى تَسْلِيمِ الْبَلَدِ، وَنَادَى بِشِعَارِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، وَسَلَّمَ الْبَلَدَ إِلَيْهِ، فَدَخَلَهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَحَصَرَ الْقَلْعَةَ، وَاسْتَنْزَلَ مِنْهَا سَابِقًا وَوَثَّابًا ابْنَيْ مَحْمُودِ بْنِ مِرْدَاسٍ، فَلَمَّا مَلَكَ الْبَلَدَ أَرْسَلَ وَلَدَهُ، وَهُوَ ابْنُ عَمَّةِ السُّلْطَانِ، إِلَى السُّلْطَانِ يُخْبِرُهُ بِمِلْكِ الْبَلَدِ، وَأَنْفَذَ مَعَهُ شَهَادَةً فِيهَا خُطُوطُ الْمُعَدَّلِينَ بِحَلَبَ بِضَمَانِهَا، وَسَأَلَ أَنْ يُقَرِّرَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ، فَأَجَابَهُ السُّلْطَانُ إِلَى مَا طَلَبَ، وَأَقْطَعَ ابْنَ عَمَّتِهِ مَدِينَةَ بَالِسَ.
ذِكْرُ مَسِيرِ مَلِكْشَاهْ إِلَى كَرْمَانَ.
فِي أَوَّلِ هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ إِلَى بِلَادِ كَرْمَانَ، فَلَمَّا سَمِعَ صَاحِبُهَا سُلْطَانْشَاهْ بْنُ قَاوَرْتَ بِكْ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ السُّلْطَانِ، بِوُصُولِهِ إِلَيْهَا خَرَجَ إِلَى طَرِيقِهِ وَلَقِيَهُ وَحَمَلَ لَهُ الْهَدَايَا الْكَثِيرَةَ، وَخَدَمَهُ، وَبَالَغَ فِي الْخِدْمَةِ، فَأَقَرَّهُ السُّلْطَانُ عَلَى الْبِلَادِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَعَادَ عَنْهُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] إِلَى أَصْبَهَانَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وُلِدَ لِلْخَلِيفَةِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَدٌ سَمَّاهُ مُوسَى، وَكَنَّاهُ أَبَا جَعْفَرٍ، وَزُيِّنَتْ بَغْدَاذُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ.
وَفِيهَا وَصَلَ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ إِلَى خُوزِسْتَانَ مُتَصَيِّدًا، فَوَصَلَ مَعَهُ خُمَارَتِكِين
стр. 4798
وَكُوهَرَائِينْ [وَكَانَا يَسْعَيَانِ] فِي قَتْلِ ابْنِ عَلَّانَ الْيَهُودِيِّ، ضَامِنِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ مُلْتَجِئًا إِلَى نِظَامِ الْمُلْكِ، وَكَانَ بَيْنَ نِظَامِ الْمُلْكِ وَخُمَارَتِكِينَ الشَّرَابِيِّ وَكُوهَرَائِينْ عَدَاوَةٌ، فَسَعَيَا بِالْيَهُودِيِّ لِذَلِكَ، فَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِتَغْرِيقِهِ فَغُرِّقَ، وَانْقَطَعَ نِظَامُ الْمُلْكِ عَنِ الرُّكُوبِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَغْلَقَ بَابَهُ، ثُمَّ أُشِيرَ عَلَيْهِ بِالرُّكُوبِ فَرَكِبَ، وَعَمِلَ لِلسُّلْطَانِ دَعْوَةً عَظِيمَةً قَدَّمَ فِيهَا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، وَعَاتَبَهُ عَلَى فِعْلِهِ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ.
وَكَانَ أَمْرُ (الْيَهُودِيِّ قَدْ عَظُمَ) إِلَى حَدِّ أَنَّ زَوْجَتَهُ تُوُفِّيَتْ، فَمَشَى خَلْفَ جِنَازَتِهَا كُلُّ مَنْ فِي الْبَصْرَةِ، إِلَّا الْقَاضِي، وَكَانَ لَهُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ، فَأَخَذَ السُّلْطَانُ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَضَمِنَ خُمَارَتِكِين الْبَصْرَةَ كُلَّ سَنَةٍ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَمِائَةِ فَرَسٍ.
وَفِيهَا زَادَتْ [مِيَاهُ] الْفُرَاتِ تِسْعَ أَذْرُعٍ، فَخَرَّبَتْ بَعْضَ دَوَالِيبِ هَيْتَ، وَخَرَّبَتْ فُوَّهَةَ نَهْرِ عِيسَى، وَزَادَتْ تَامَرَّا نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ ذِرَاعًا، وَعَلَا عَلَى قَنْطَرَتَيْ طَرَاسْتَانَ وَخَانِقِينَ الْكِسْرَوِيَّتَيْنِ فَقَطَعَهُمَا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا، فِي ذِي الْحِجَّةِ، تُوُفِّيَ نَصْرُ بْنُ مَرْوَانَ، صَاحِبُ دِيَارِ بَكْرٍ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مَنْصُورٌ، وَدَبَّرَ دَوْلَتَهَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعُكْبَرِيُّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَهُوَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ الْمَعْرُوفِينَ، وَكَانَ صَدُوقًا.
وَمُحَمَّدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مَنْصُورٍ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الطَّبَرِيُّ
стр. 4799
اللَّالَكَائِيُّ وَوُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَحَدَّثَ عَنْ هِلَالٍ الْحَفَّارِ وَغَيْرِهِ، وَتُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْفِتْيَانِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلْطَانَ بْنِ حَيُّوسٍ الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ، وَحَدَّثَ عَنْ جَدِّهِ لِأُمِّهِ الْقَاضِي أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ بْنِ الْجُنْدِيِّ.
стр. 4800
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .]
٤٧٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ تُكَشُ عَلَى بَعْضِ خُرَاسَانَ وَأَخْذِهَا مِنْهُ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَعْبَانَ، سَارَ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ إِلَى الرَّيِّ، وَعَرَضَ الْعَسْكَرَ، فَأَسْقَطَ مِنْهُمْ سَبْعَةَ آلَافِ رَجُلٍ لَمْ يَرْضَ حَالَهُمْ، فَمَضَوْا إِلَى أَخِيهِ تُكَشَ، وَهُوَ بِبُوشَنْجَ، فَقَوِيَ بِهِمْ، وَأَظْهَرَ الْعِصْيَانَ عَلَى أَخِيهِ مَلِكْشَاهْ، وَاسْتَوْلَى عَلَى مَرْوِ الرُّوذِ، وَمَرْوِ الشَّاهِجَانِ، وَتِرْمِذَ، وَغَيْرِهَا، وَسَارَ إِلَى نَيْسَابُورَ طَامِعًا فِي مُلْكِ خُرَاسَانَ.
وَقِيلَ: إِنَّ نِظَامَ الْمُلْكِ قَالَ لِلسُّلْطَانِ لَمَّا أَمَرَ بِإِسْقَاطِهِمْ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسَ فِيهِمْ كَاتِبٌ، وَلَا تَاجِرٌ، وَلَا خَيَّاطٌ، وَلَا مَنْ لَهُ صَنْعَةٌ غَيْرَ الْجُنْدِيَّةِ، فَإِذَا أُسْقِطُوا لَا نَأْمَنُ أَنْ يُقِيمُوا مِنْهُمْ رَجُلًا وَيَقُولُوا هَذَا السُّلْطَانُ، فَيَكُونُ لَنَا مِنْهُمْ شُغْلٌ، وَيَخْرُجُ عَنْ أَيْدِينَا أَضْعَافُ مَا لَهُمْ مِنَ الْجَارِي إِلَى أَنْ نَظْفَرَ بِهِمْ. فَلَمْ يَقْبَلِ السُّلْطَانُ قَوْلَهُ، فَلَمَّا مَضَوْا إِلَى أَخِيهِ وَأَظْهَرَ الْعِصْيَانَ نَدِمَ عَلَى مُخَالَفَةِ وَزِيرِهِ حَيْثُ لَمْ يَنْفَعِ النَّدَمُ.
وَاتَّصَلَ خَبَرُهُ بِالسُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، فَسَارَ مُجِدًّا إِلَى خُرَاسَانَ، فَوَصَلَ إِلَى نَيْسَابُورَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْلِيَ تُكَشُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا سَمِعَ تُكَشُ بِقُرْبِهِ مِنْهَا سَارَ عَنْهَا، وَتَحَصَّنَ بِتِرْمِذَ، وَقَصَدَهُ السُّلْطَانُ، فَحَصَرَهُ بِهَا، وَكَانَ تُكَشُ قَدْ أَسَرَ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ، فَأَطْلَقَهُمْ، وَاسْتَقَرَّ الصُّلْحُ بَيْنَهُمَا، وَنَزَلَ تُكَشُ إِلَى أَخِيهِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، وَنَزَلَ عَنْ تِرْمِذَ.
следующие страницы →