← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

وَلَمَّا تُوُفِّيَ أَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى وَلَدِهِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ صَدَقَةَ نَقِيبَ الْعَلَوِيِّينَ أَبَا الْغَنَائِمِ يُعَزِّيهِ، وَسَارَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ إِلَى السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَوَلَّاهُ مَا كَانَ لِأَبِيهِ، وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ مَرَاثِي بَهَاءِ الدَّوْلَةِ. ذِكْرُ وَقْعَةِ الزَّلَّاقَةِ بِالْأَنْدَلُسِ وَهَزِيمَةِ الْفِرِنْجِ. قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ طُلَيْطُلَةَ، وَمَا فَعَلَهُ الْمُعْتَمِدُ بْنُ عَبَّادٍ بِرَسُولِ الْأَذْفُونْشِ، مَلِكِ الْفِرِنْجِ، وَعَوْدِ الْمُعْتَمِدِ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ. فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهَا، وَسَمِعَ مَشَايِخُ قُرْطُبَةَ بِمَا جَرَى، وَرَأَوْا قُوَّةَ الْفِرِنْجِ، وَضَعْفَ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِعَانَةَ بَعْضِ مُلُوكِهِمْ بِالْفِرِنْجِ عَلَى بَعْضٍ، اجْتَمَعُوا وَقَالُوا: هَذِهِ بِلَادُ الْأَنْدَلُسِ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهَا الْفِرِنْجُ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيلُ، وَإِنِ اسْتَمَرَّتِ الْأَحْوَالُ عَلَى مَا نَرَى عَادَتْ نَصْرَانِيَّةً كَمَا كَانَتْ. وَسَارُوا إِلَى الْقَاضِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَدْهَمَ، فَقَالُوا لَهُ: أَلَا تَنْظُرُ إِلَى مَا فِيهِ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الصَّغَارِ وَالذِّلَّةِ، وَعَطَائِهِمُ الْجِزْيَةَ بَعْدَ أَنْ كَانُوا يَأْخُذُونَهَا، وَقَدَ رَأَيْنَا رَأْيًا نَعْرِضُهُ عَلَيْكَ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالُوا: نَكْتُبُ إِلَى غَرْبِ إِفْرِيقِيَّةَ وَنَبْذُلُ لَهُمْ، فَإِذَا وَصَلُوا إِلَيْنَا قَاسَمْنَاهُمْ أَمْوَالَنَا، وَخَرْجَنَا مَعَهُمْ مُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ: نَخَافُ، إِذَا وَصَلُوا إِلَيْنَا، يُخَرِّبُونَ بِلَادَنَا، كَمَا فَعَلُوا بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَيَتْرُكُونَ الْفِرِنْجَ وَيَبْدَءُونَ بِكُمْ، وَالْمُرَابِطُونَ أَصْلَحُ مِنْهُمْ وَأَقْرَبُ إِلَيْنَا. قَالُوا لَهُ: فَكَاتِبْ أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ، وَارْغَبْ إِلَيْهِ لِيَعْبُرَ إِلَيْنَا، وَيُرْسِلَ بَعْضَ قُوَّادِهِ. وَقَدِمَ عَلَيْهِمُ الْمُعْتَمِدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْقَاضِي ابْنُ أَدْهَمَ مَا كَانُوا فِيهِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّادٍ: أَنْتَ رَسُولِي إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ، فَامْتَنَعَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَ نَفْسَهُ مِنْ تُهْمَةٍ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ الْمُعْتَمِدُ، فَسَارَ إِلَى أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ (يُوسُفَ بْنِ تَاشْفِينَ) ، فَأَبْلَغَهُ الرِّسَالَةَ، وَأَعْلَمَهُ مَا فِيهِ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْخَوْفِ مِنَ الْأَذْفُونْشِ. وَكَانَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ بِمَدِينَةِ سَبْتَةَ، فَفِي الْحَالِ أَمَرَ بِعُبُورِ الْعَسَاكِرِ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَرَّاكُشَ فِي طَلَبِ مَنْ بَقِيَ مِنْ عَسَاكِرِهِ، فَأَقْبَلَتْ إِلَيْهِ تَتْلُو بَعْضَهَا بَعْضًا، فَلَمَّا تَكَامَلَتْ عِنْدَهُ عَبَرَ الْبَحْرَ وَسَارَ، فَاجْتَمَعَ بِالْمُعْتَمِدِ بْنِ عَبَّادٍ بِإِشْبِيلِيَّةَ، وَكَانَ قَدْ جَمَعَ

стр. 4832

عَسَاكِرَهُ أَيْضًا، وَخَرَجَ مِنْ أَهْلِ قُرْطُبَةَ عَسْكَرٌ كَثِيرٌ، وَقَصَدَهُ الْمُتَطَوِّعَةُ مِنْ سَائِرِ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ. وَوَصَلَتِ الْأَخْبَارُ إِلَى الْأَذْفُونْشِ، فَجَمَعَ فُرْسَانَهُ وَسَارَ مِنْ طُلَيْطُلَةَ، وَكَتَبَ إِلَى أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ كِتَابًا كَتَبَهُ لَهُ بَعْضُ أُدَبَاءِ الْمُسْلِمِينَ، يُغْلِظُ لَهُ الْقَوْلُ، وَيَصِفُ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْعَدَدِ وَالْعُدَدِ، وَبَالَغَ الْكَاتِبُ فِي الْكِتَابِ. فَأَمَرَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ أَبَا بَكْرِ بْنَ الْقَصِيرَةِ أَنْ يُجِيبَهُ، وَكَانَ كَاتِبًا مُفْلِقًا، فَكَتَبَ فَأَجَادَ، فَلَمَّا قَرَأَهُ عَلَى أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ: هَذَا كِتَابٌ طَوِيلٌ، أَحْضِرْ كِتَابَ الْأَذْفُونْشِ وَاكْتُبْ فِي ظَهْرِهِ الَّذِي يَكُونُ سَتْرًا لَهُ. فَلَمَّا عَادَ الْكِتَابُ إِلَى الْأَذْفُونْشِ ارْتَاعَ لِذَلِكَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ بُلِيَ بِرَجُلٍ لَهُ عَزْمٌ وَحَزْمٌ، فَازْدَادَ اسْتِعْدَادًا، فَرَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّهُ رَاكِبُ فِيلٍ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ طَبْلٌ صَغِيرٌ، وَهُوَ يَنْقُرُ فِيهِ، فَقَصَّ رُؤْيَاهُ عَلَى الْقِسِّيسِينَ، فَلَمْ يَعْرِفُوا تَأْوِيلَهَا فَأَحْضَرَ رَجُلًا مُسْلِمًا، عَالِمًا بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، فَقَصَّهَا عَلَيْهِ، فَاسْتَعْفَاهُ مِنْ تَعْبِيرِهَا، فَلَمْ يُعْفِهِ، فَقَالَ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الرُّؤْيَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ - فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ - عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٨ - ١٠] ، وَيَقْتَضِي هَلَاكَ هَذَا الْجَيْشِ الَّذِي تَجْمَعُهُ. فَلَمَّا اجْتَمَعَ جَيْشُهُ رَأَى كَثْرَتَهُ فَأَعْجَبَتْهُ، فَأَحْضَرَ ذَلِكَ الْمُعَبِّرَ، وَقَالَ لَهُ: بِهَذَا الْجَيْشِ أَلْقَى إِلَهَ مُحَمَّدٍ، صَاحِبِ كِتَابِكُمْ، فَانْصَرَفَ الْمُعَبِّرُ، وَقَالَ لِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ: هَذَا الْمَلِكُ هَالِكٌ وَكُلُّ مَنْ مَعَهُ، وَذَكَرَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، " «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ» " الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: " «وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ» ". وَسَارَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُعْتَمِدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَتَّى أَتَوْا أَرْضًا يُقَالُ لَهَا الزَّلَّاقَةُ، مِنْ بَلَدِ بَطَلْيُوسَ، وَأَتَى الْأَذْفُونْشَ فَنَزَلَ مَوْضِعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا، فَقِيلَ لِأَمِيرِ

стр. 4833

الْمُسْلِمِينَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّادٍ رُبَّمَا لَمْ يَنْصَحْ، وَلَا يَبْذُلُ نَفْسَهُ دُونَكَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُقَدِّمَةِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَسَارَ، وَقَدْ ضَرَبَ الْأَذْفُونْشَ خِيَامَهُ فِي لَحْفِ جَبَلٍ، وَالْمُعْتَمِدُ فِي سَفْحِ جَبَلٍ آخَرَ، يَتَرَاءَوْنَ، وَيَنْزِلُ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ وَرَاءَ الْجَبَلِ الَّذِي عِنْدَهُ الْمُعْتَمِدُ، وَظَنَّ الْأَذْفُونْشُ أَنَّ عَسَاكِرَ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ إِلَّا الَّذِي يَرَاهُ. وَكَانَ الْفِرِنْجُ فِي خَمْسِينَ أَلْفًا، فَتَيَقَّنُوا الْغَلَبَ، وَأَرْسَلَ الْأَذْفُونْشُ إِلَى الْمُعْتَمِدِ فِي مِيقَاتِ الْقِتَالِ، وَقَصَدَهُ الْمَلِكُ، فَقَالَ: غَدًا الْجُمُعَةُ، وَبَعْدَهُ الْأَحَدُ، فَيَكُونُ اللِّقَاءُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، فَقَدْ وَصَلْنَا عَلَى حَالِ تَعَبٍ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا، وَرَكِبَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ سَحَرًا، وَصَبَّحَ بِجَيْشِهِ جَيْشَ الْمُعْتَمِدِ بُكْرَةَ الْجُمُعَةِ، غَدْرًا، وَظَنًّا مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ الْمُخَيَّمَ هُوَ جَمِيعُ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، فَوَقَعَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، فَصَبَرَ الْمُسْلِمُونَ، فَأَشْرَفُوا عَلَى الْهَزِيمَةِ. وَكَانَ الْمُعْتَمِدُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ يُعْلِمُهُ بِمَجِيءِ الْفِرِنْجِ لِلْحَرْبِ، فَقَالَ: احْمِلُونِي إِلَى خِيَامِ الْفِرِنْجِ، فَسَارَ إِلَيْهَا، فَبَيْنَمَا هُمْ فِي الْقِتَالِ وَصَلَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى خِيَامِ الْفِرِنْجِ، فَنَهَبَهَا، وَقَتَلَ مَنْ فِيهَا، فَلَمَّا رَأَى الْفِرِنْجُ ذَلِكَ لَمْ يَتَمَالَكُوا أَنِ انْهَزَمُوا، وَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ، وَتَبِعَهُمُ الْمُعْتَمِدُ مِنْ خَلْفِهِمْ، وَلَقِيَهُمْ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، وَوَضَعَ فِيهِمُ السَّيْفَ، فَلَمْ يَفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَنَجَا الْأَذْفُونْشُ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، وَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ رُءُوسِ الْقَتْلَى كُوَمًا كَثِيرَةً، فَكَانُوا يُؤَذِّنُونَ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ جِيفَتْ فَأَحْرَقُوهَا: وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَأَصَابَ الْمُعْتَمِدُ جِرَاحَاتٍ فِي وَجْهِهِ، وَظَهَرَتْ ذَلِكَ الْيَوْمَ شَجَاعَتُهُ. وَلَمْ يَرْجِعْ مِنَ الْفِرِنْجِ إِلَى بِلَادِهِمْ غَيْرُ ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ كُلَّ مَا لَهُمْ مِنْ مَالٍ وَسِلَاحٍ وَدَوَابٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَعَادَ ابْنُ عَبَّادٍ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ، وَرَجَعَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْجَزِيرَةِ الْخَضْرَاءِ، وَعَبَرَ إِلَى سَبْتَةَ، وَسَارَ إِلَى مَرَّاكُشَ، فَأَقَامَ بِهَا إِلَى الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَعَادَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، وَحَضَرَ

стр. 4834

مَعَهُ الْمُعْتَمِدُ بْنُ عَبَّادٍ فِي عَسْكَرِهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُلَكِّين الصَّنْهَاجِيُّ، صَاحِبُ غَرْنَاطَةَ، فِي عَسْكَرِهِ، وَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى لِيطٍ، وَهُوَ حِصْنٌ مَنِيعٌ بِيَدِ الْفِرِنْجِ، فَحَصَرُوهُ حَصْرًا شَدِيدًا فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى فَتْحِهِ، فَرَحَلُوا عَنْهُ بَعْدَ مُدَّةٍ، وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْفِرِنْجِ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي الْعَامِ الْمَاضِي، فَعَادَ ابْنُ عَبَّادٍ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ، وَعَادَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى غَرْنَاطَةَ، وَهِيَ طَرِيقُهُ، وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُلَكِّينْ، فَغَدَرَ بِهِ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ، وَأَخَذَ غَرْنَاطَةَ مِنْهُ وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا، فَرَأَى فِي قُصُورِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالذَّخَائِرِ مَا لَمْ يَحْوِهِ مَلِكٌ قَبْلَهُ بِالْأَنْدَلُسِ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا وَجَدَهُ سُبْحَةٌ فِيهَا أَرْبَعُمِائَةِ جَوْهَرَةٍ، قُوِّمَتْ كُلُّ جَوْهَرَةٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَمِنَ الْجَوَاهِرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ جَلِيلَةٌ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الثِّيَابِ وَالْعُدَدِ وَغَيْرِهَا، وَأَخَذَ مَعَهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَأَخَاهُ تَمِيمًا ابْنِي بُلَكِّينْ إِلَى مَرَّاكُشَ، فَكَانَتْ غَرْنَاطَةُ أَوَّلَ مَا مَلَكَهُ مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ سَبَبَ دُخُولِ صَنْهَاجَةَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، وَعَوْدِ مَنْ عَادَ مِنْهُمْ إِلَى الْمُعِزِّ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَ آخِرَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ بِالْأَنْدَلُسِ عَبْدُ اللَّهِ هَذَا، وَأُخِذَتْ مَدِينَتُهُ، وَرَحَلَ إِلَى الْعُدْوَةِ. وَلَمَّا رَجَعَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مُرَّاكِشَ أَطَاعَهُ مَنْ كَانَ لَمْ يُطِعْهُ مِنْ بِلَادِ السُّوسِ، وَوَرْغَةَ، وَقَلْعَةِ مَهْدِيٍّ، وَقَالَ لَهُ عُلَمَاءُ الْأَنْدَلُسِ إِنَّهُ لَيْسَتْ طَاعَتُهُ بِوَاجِبَةٍ حَتَّى يَخْطُبَ لِلْخَلِيفَةِ، وَيَأْتِيَهُ تَقْلِيدٌ مِنْهُ بِالْبِلَادِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ بِبَغْدَاذَ، فَأَتَاهُ الْخِلَعُ، وَالْأَعْلَامُ، وَالتَّقْلِيدُ، وَلُقِّبَ بِأَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، وَنَاصِرِ الدِّينِ. ذِكْرُ دُخُولِ السُّلْطَانِ إِلَى بَغْدَاذَ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ بَغْدَاذَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، بَعْدَ أَنْ فَتَحَ حَلَبَ وَغَيْرَهَا مِنْ بِلَادِ الشَّامِ، وَالْجَزِيرَةِ، وَهِيَ أَوَّلُ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا، وَنَزَلَ بِدَارِ الْمَمْلَكَةِ، وَرَكِبَ

стр. 4835

مِنَ الْغَدِ إِلَى الْحَلْبَةِ، وَلَعِبَ بِالْجَوْكَانِ وَالْكُرَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ هَدَايَا كَثِيرَةً، فَقَبِلَهَا الْخَلِيفَةُ، وَمِنَ الْغَدِ أَرْسَلَ نِظَامُ الْمُلْكِ إِلَى الْخَلِيفَةِ خِدْمَةً كَثِيرَةً، فَقَبِلَهَا، وَزَارَ السُّلْطَانُ وَنِظَامُ الْمُلْكِ مَشْهَدَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، وَقَبْرَ مَعْرُوفٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْقُبُورِ الْمَعْرُوفَةِ، فَقَالَ ابْنُ زِكْرَوَيْهِ الْوَاسِطِيُّ يُهَنِّئُ نِظَامَ الْمُلْكِ بِقَصِيدَةٍ مِنْهَا: زُرْتَ الْمُشَاهِدَ زَوْرَةً مَشْهُودَةً ، أَرْضَتْ مَضَاجِعَ مَنْ بِهَا مَدْفُونُ ... فَكَأَنَّكَ الْغَيْثُ اسْتَهَلَّ بِتُرْبِهَا ، وَكَأَنَّهَا بِكَ رَوْضَةٌ وَمَعِينُ فَازَتْ قِدَاحُكَ بِالثَّوَابِ وَأَنْجَحَتْ ... وَلَكَ الْإِلَهُ عَلَى النَّجَاحِ ضَمِينُ. وَهِيَ مَشْهُورَةٌ. وَطُلِبَ نِظَامُ الْمُلْكِ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ لَيْلًا، فَمَضَى فِي الزَّبْزَبِ، وَعَادَ مِنْ لَيْلَتِهِ، وَمَضَى السُّلْطَانُ وَنِظَامُ الْمُلْكِ إِلَى الصَّيْدِ فِي الْبَرِّيَّةِ، فَزَارَا الْمَشْهَدَيْنِ: مَشْهَدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، وَمَشْهَدَ الْحُسَيْنِ، ﵇، وَدَخَلَ السُّلْطَانُ الْبَرَّ، فَاصْطَادَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْغِزْلَانِ وَغَيْرِهَا، وَأَمَرَ بِبِنَاءِ مَنَارَةِ الْقُرُونِ بِالسُّبَيْعِيِّ، وَعَادَ السُّلْطَانُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَدَخَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ الْخِلَعَ السُّلْطَانِيَّةَ. وَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ لَمْ يَزَلْ نِظَامُ الْمُلْكِ قَائِمًا يُقَدِّمُ أَمِيرًا أَمِيرًا إِلَى الْخَلِيفَةِ، وَكُلَّمَا قَدَّمَ أَمِيرًا يَقُولُ: هَذَا الْعَبْدُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَأَقْطَاعُهُ كَذَا وَكَذَا، وَعِدَّةُ عَسْكَرِهِ كَذَا وَكَذَا، إِلَى أَنْ أَتَى عَلَى آخِرِ الْأُمَرَاءِ، وَفَوَّضَ الْخَلِيفَةُ إِلَى السُّلْطَانِ أَمْرَ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، وَأَمَرَهُ بِالْعَدْلِ فِيهِمْ، وَطَلَبَ السُّلْطَانُ أَنْ يُقَبِّلَ يَدَ الْخَلِيفَةِ، فَلَمْ يُجِبْهُ، فَسَأَلَ أَنْ يُقَبِّلَ خَاتَمَهُ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ فَقَبَّلَهُ، وَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ، وَأَمْرَهُ الْخَلِيفَةُ بِالْعَوْدِ فَعَادَ. وَخَلَعَ الْخَلِيفَةُ أَيْضًا عَلَى نِظَامِ الْمُلْكِ، وَدَخَلَ نِظَامُ الْمُلْكِ إِلَى الْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ، وَجَلَسَ فِي خِزَانَةِ الْكُتُبِ، وَطَالَعَ فِيهَا كُتُبًا، وَسَمِعَ النَّاسُ عَلَيْهِ بِالْمَدْرَسَةِ جُزْءَ

стр. 4836

حَدِيثٍ، وَأَمْلَى جُزْءًا آخَرَ. وَأَقَامَ السُّلْطَانُ بِبَغْدَاذَ إِلَى صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى أَصْبَهَانَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، جَرَى بَيْنَ أَهْلِ الْكَرْخِ وَأَهْلِ بَابِ الْبَصْرَةِ فِتْنَةٌ قُتِلَ فِيهَا جَمَاعَةٌ، مِنْ جُمْلَتِهِمُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ ابْنُ الْقَاضِي أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْغَرِيقِ الْهَاشِمِيُّ، الْخَطِيبُ، أَصَابَهُ سَهْمٌ فَمَاتَ مِنْهُ، وَلَمَّا قُتِلَ تَوَلَّى ابْنُهُ الشَّرِيفُ أَبُو تَمَّامٍ مَا كَانَ إِلَيْهِ مِنَ الْخَطَابَةِ، وَكَانَ الْعَمِيدُ كَمَالُ الْمُلْكِ الدِّهِسْتَانِيُّ بِبَغْدَاذَ، فَسَارَ بِخَيْلِهِ وَرَجْلِهِ إِلَى الْقَنْطَرَةِ الْعَتِيقَةِ وَأَعَانَ أَهْلَ الْكَرْخِ، ثُمَّ جَرَتْ بَيْنَهُمْ فِتْنَةٌ ثَانِيَةٌ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا، فَأَعَانَ الْحُجَّاجَ عَلَى أَهْلِ الْكَرْخِ فَانْهَزَمُوا، وَبَلَغَ النَّاسُ إِلَى دَرْبِ اللُّؤْلُؤِ، وَكَادَ أَهْلُ الْكَرْخِ يِهْلَكُونَ، فَخَرَجَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بُرْغُوثٍ الْعَلَوِيُّ إِلَى مُقَدَّمِ الْأَحْدَاثِ مِنَ السُّنَّةِ، فَسَأَلَهُ الْعَفْوَ، فَعَادَ عَنْهُمْ وَرَدَّ النَّاسَ. (وَفِيهَا زَادَ الْمَاءُ بِدِجْلَةَ تَاسِعَ عَشَرَ حُزَيْرَانَ، وَجَاءَ الْمَطَرُ يَوْمَيْنِ بِبَغْدَادَ) وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، أَرْسَلَ الْعَمِيدُ كَمَالَ الْمُلْكِ إِلَى الْأَنْبَارِ، فَتَسَلَّمَهَا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ، وَخَرَجَتْ مِنْ أَيْدِيهِمْ. وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، فَرَغَتِ الْمَنَارَةُ بِجَامِعِ الْقَصْرِ وَأُذِّنَ فِيهَا. وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَرَدَ الشَّرِيفُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي يَعْلَى الْحَسَنِيُّ الدَّبُّوسِيُّ إِلَى بَغْدَاذَ فِي تَجَمُّلٍ عَظِيمٍ، لَمْ يُرَ مِثْلُهُ لِفَقِيهٍ، وَرُتِّبَ مُدَرِّسًا بِالنِّظَامِيَّةِ بَعْدَ أَبِي سَعْدٍ الْمُتَوَلِّي.

стр. 4837

فِيهَا أَمَرَ السُّلْطَانُ أَنْ يُزَادَ فِي إِقْطَاعِ وُكَلَاءِ الْخَلِيفَةِ نَهْرَ بُرْزَى مِنْ طَرِيقِ خُرَاسَانَ، وَعَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ مِنْ مُعَامَلَةِ بَغْدَاذَ. وَفِيهَا أَقْطَعَ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ مُحَمَّدَ بْنَ شَرَفِ الدَّوْلَةِ مُسْلِمٍ مَدِينَةَ الرَّحْبَةِ وَأَعْمَالَهَا، وَحَرَّانَ، وَسَرُوجَ، وَالرَّقَّةِ، وَالْخَابُورِ، وَزَوَّجَهُ بِأُخْتِهِ زُلَيْخَا خَاتُونَ، فَتَسَلَّمَ الْبِلَادَ جَمِيعَهَا مَا عَدَا حَرَّانَ، فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الشَّاطِرِ امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِهَا، فَلَمَّا وَصَلَ السُّلْطَانُ إِلَى الشَّامِ نَزَلَ عَنْهَا ابْنُ الشَّاطِرِ، فَسَلَّمَهَا السُّلْطَانُ إِلَى مُحَمَّدٍ. وَفِيهَا وَقَعَ بِبَغْدَاذَ صَاعِقَتَانِ، فَكَسَرَتْ إِحْدَاهُمَا أُسْطُوَانَتَيْنِ، وَأَحْرَقَتْ قُطْنًا فِي صَنَادِيقَ، وَلَمْ تَحْتَرِقِ الصَّنَادِيقُ، وَقَتَلَتِ الثَّانِيَةُ رَجُلًا. وَفِيهَا كَانَتْ زَلَازِلُ بِالْعِرَاقِ، وَالْجَزِيرَةِ، وَالشَّامِ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ، فَخَرَّبَتْ كَثِيرًا مِنَ الْبِلَادِ، وَفَارَقَ النَّاسُ مَسَاكِنَهُمْ إِلَى الصَّحْرَاءِ، فَلَمَّا سَكَنَتْ عَادُوا. وَفِيهَا عُزِلَ فَخْرُ الدَّوْلَةِ بْنُ جَهِيرٍ عَنْ دِيَارِ بَكْرٍ، وَسَلَّمَهَا السُّلْطَانُ إِلَى الْعَمِيدِ أَبِي عَلِيٍّ الْبَلْخِيِّ، وَجَعَلَهُ عَامِلًا عَلَيْهَا. وَفِيهَا أُسْقِطَ اسْمُ الْخَلِيفَةِ الْمِصْرِيِّ مِنَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَذُكِرَ اسْمُ الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ. وَفِيهَا أَسْقَطَ السُّلْطَانُ الْمُكُوسَ وَالِاجْتِيَازَاتِ بِالْعِرَاقِ.

стр. 4838

وَفِيهَا حَصَرَ تَمِيمُ بْنُ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ، مَدِينَتَيْ قَابِسَ وَسَفَاقُسَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِمَا الْعَسَاكِرَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ فَضَّالٍ الْمُجَاشِعِيُّ، النَّحْوِيُّ، الْمُقْرِئُ. وَفِي رَبِيعٍ الْآخَرِ تُوُفِّيَ شَيْخُ الشُّيُوخِ أَبُو سَعْدٍ الصُّوفِيُّ، النَّيْسَابُورِيُّ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى بِنَاءَ الرِّبَاطِ بِنَهْرِ الْمُعَلَّى، وَبَنَى وُقُوفَهُ، وَهُوَ رِبَاطُ شَيْخِ الشُّيُوخِ الْآنَ، وَبَنَى وُقُوفَ الْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ، وَكَانَ عَالِيَ الْهِمَّةِ، كَثِيرَ التَّعَصُّبِ لِمَنْ يَلْتَجِئُ إِلَيْهِ، وَجَدَّدَ تُرْبَةَ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ بَعْدَ أَنِ احْتَرَقَتْ، وَكَانَتْ لَهُ مَنْزِلَةٌ كَبِيرَةٌ عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَكَانَ يُقَالُ: نَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي أَخْرَجَ رَأْسَ أَبِي سَعْدٍ مِنْ مُرَقَّعَةٍ وَلَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ قِبَاءٍ لَهَلَكْنَا. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَلِيٍّ (عَلِيُّ) بْنُ أَحْمَدَ التُّسْتَرِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَكَانَ خَيِّرًا، حَافِظًا لِلْقُرْآنِ، ذَا مَالٍ كَثِيرٍ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَوَى سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ عَنْ أَبِي عُمَرَ الْهَاشِمِيِّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الشَّرِيفُ أَبُو نَصْرٍ الزَّيْنَبِيُّ، الْعَبَّاسِيُّ، نَقِيبُ الْهَاشِمِيِّينَ، وَهُوَ مُحَدِّثٌ مَشْهُورٌ عَالِي الْإِسْنَادِ.

стр. 4839

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .] ٤٨٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. ذِكْرُ زِفَافِ ابْنَةِ السُّلْطَانِ إِلَى الْخَلِيفَةِ. فِي الْمُحَرَّمِ نُقِلَ جِهَازُ ابْنَةِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ عَلَى مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ جَمَلًا مُجَلَّلَةً بِالدِّيبَاجِ الرُّومِيِّ، وَكَانَ أَكْثَرَ الْأَحْمَالِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَثَلَاثُ عِمَارِيَّاتٍ، وَعَلَى أَرْبَعَةٍ وَسَبْعِينَ بَغْلًا مُجَلَّلَةً بِأَنْوَاعِ الدِّيبَاجِ الْمَلَكِيِّ، وَأَجْرَاسُهَا وَقَلَائِدُهَا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَكَانَ عَلَى سِتَّةٍ مِنْهَا اثْنَا عَشَرَ صُنْدُوقًا مِنَ الذَّهَبِ لَا يُقَدَّرُ مَا فِيهَا مِنَ الْجَوَاهِرِ وَالْحُلِيِّ، وَبَيْنَ يَدَيِ الْبِغَالِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ فَرَسًا مِنَ الْخَيْلِ الرَّائِقَةِ، عَلَيْهَا مَرَاكِبُ الذَّهَبِ مُرَصَّعَةٌ بِأَنْوَاعِ الْجَوْهَرِ، وَمَهْدٌ عَظِيمٌ كَثِيرُ الذَّهَبِ. وَسَارَ بَيْنَ يَدَيِ الْجِهَازِ سَعْدُ الدَّوْلَةِ كُوهَرَائِينُ، وَالْأَمِيرُ بُرْسُقُ، وَغَيْرُهُمَا، وَنَثَرَ أَهْلُ نَهْرِ مُعَلًّى عَلَيْهِمُ الدَّنَانِيرُ وَالثِّيَابُ، وَكَانَ السُّلْطَانُ قَدْ خَرَجَ عَنْ بَغْدَاذَ مُتَصَيِّدًا، ثُمَّ أَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ الْوَزِيرَ أَبَا شُجَاعٍ إِلَى تُرْكَانَ خَاتُونَ، زَوْجَةِ السُّلْطَانِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ نَحْوُ ثَلَاثِمِائَةِ مَوْكِبِيَّةٍ، وَمِثْلُهَا مَشَاعِلُ، وَلَمْ يَبْقَ فِي الْحَرِيمِ دُكَّانٌ إِلَّا وَقَدْ أُشْعِلَ فِيهَا الشَّمْعَةُ وَالِاثْنَتَانِ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ مَعَ ظُفَرٍ خَادِمِهِ مِحَفَّةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا حُسْنًا، وَقَالَ الْوَزِيرُ لِتُرْكَانَ خَاتُونَ: سَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وَقَدْ أَذِنَ فِي نَقْلِ الْوَدِيعَةِ إِلَى دَارِهِ. فَأَجَابَتْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَحَضَرَ نِظَامُ الْمُلْكِ فَمَنْ دُونَهُ مِنْ أَعْيَانِ دَوْلَةِ السُّلْطَانِ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ مَعَهُ مِنَ الشَّمْعِ وَالْمَشَاعِلِ

стр. 4840

الْكَثِيرُ، وَجَاءَ نِسَاءُ الْأُمَرَاءِ الْكِبَارِ وَمَنْ دُونَهُمْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مُنْفَرِدَةٌ فِي جَمَاعَتِهَا وَتَجَمُّلِهَا، وَبَيْنَ أَيْدِيهِنَّ الشَّمْعُ الْمُوكَبَيَّاتُ وَالْمَشَاعِلُ يَحْمِلُ ذَلِكَ جَمِيعَهُ الْفُرْسَانُ. ثُمَّ جَاءَتِ الْخَاتُونُ ابْنَةُ السُّلْطَانِ، بَعْدَ الْجَمِيعِ، فِي مِحَفَّةٍ مُجَلَّلَةٍ، عَلَيْهَا مِنَ الذَّهَبِ وَالْجَوَاهِرِ أَكْثَرُ شَيْءٍ، وَقَدْ أَحَاطَ بِالْمِحَفَّةِ مِائَتَا جَارِيَةٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ بِالْمَرَاكِبِ الْعَجِيبَةِ، وَسَارَتْ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، وَكَانَتْ لَيْلَةً مَشْهُودَةً لَمْ يُرَ بِبَغْدَاذَ مِثْلَهَا. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَحْضَرَ الْخَلِيفَةُ أُمَرَاءَ السُّلْطَانِ لِسِمَاطٍ أَمَرَ بِعَمَلِهِ حُكِيَ أَنَّ فِيهِ أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنَّا مِنَ السُّكَّرِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ كُلُّهُمْ، وَعَلَى كُلِّ مَنْ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْعَسْكَرِ، وَأَرْسَلَ الْخِلَعَ إِلَى الْخَاتُونِ زَوْجَةِ السُّلْطَانِ، وَإِلَى جَمِيعِ الْخَوَاتِينِ، وَعَادَ السُّلْطَانُ مِنَ الصَّيْدِ بَعْدَ ذَلِكَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ وُلِدَ لِلسُّلْطَانِ ابْنٌ مِنْ تُرَكَانَ خَاتُونَ، وَسَمَّاهُ مَحْمُودًا، وَهُوَ الَّذِي خُطِبَ لَهُ بِالْمَمْلَكَةِ بَعْدُ. وَفِيهَا سَلَّمَ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ مَدِينَةَ حَلَبَ وَالْقَلْعَةَ إِلَى مَمْلُوكِهِ آقْسَنْقَرَ، فَوَلِيَهَا، وَأَظْهَرَ فِيهَا الْعَدْلَ وَحُسْنَ السِّيرَةِ وَكَانَ زَوْجَ دَايَةِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، وَهِيَ الَّتِي تَحْضُنُهُ وَتُرَبِّيهِ، وَمَاتَتْ بِحَلَبَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] . وَفِيهَا اسْتَبَقَ سَاعِيَانِ أَحَدُهُمَا لِلسُّلْطَانِ فَضْلِيٍّ، وَالْآخِرُ لِلْأَمِيرِ قِمَاجِ مَرْعُوشِيٍّ، فَسَبَقَ سَاعِي السُّلْطَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْفَضْلِيِّ وَالْمَرْعُوشِيِّ أَيَّامَ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ.

стр. 4841

وَفِيهَا جَعَلَ السُّلْطَانُ وَلِيَّ عَهْدِهِ وَلَدَهُ أَبَا شُجَاعٍ أَحْمَدَ، وَلَقَّبَهُ مَلِكَ الْمُلُوكِ، عَضُدَ الدَّوْلَةِ، وَتَاجَ الْمِلَّةِ، عُدَّةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ بَعْدَ مَسِيرهِ مِنْ بَغْدَاذَ، لِيَخْطُبَ لَهُ بِبَغْدَاذَ بِذَلِكَ، فَخَطَبَ لَهُ فِي شَعْبَانَ، وَنَثَرَ الذَّهَبَ عَلَى الْخُطَبَاءِ. وَفِيهَا، فِي شَعْبَانَ، انْحَدَرَ سَعْدُ الدَّوْلَةِ كُوهَرَائِينُ إِلَى وَاسِطَ لِمُحَارَبَةِ مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ بْنِ أَبِي الْجَبْرِ، صَاحِبِ الْبَطَائِحِ، وَلَمَّا فَارَقَ بَغْدَاذَ كَثُرَتْ فِيهَا الْفِتَنُ. وَفِيهَا، فِي ذِي الْقِعْدَةِ، وُلِدَ لِلْخَلِيفَةِ مِنِ ابْنَةِ السُّلْطَانِ وَلَدٌ سَمَّاهُ جَعْفَرًا، وَكَنَّاهُ أَبَا الْفَضْلِ، وَزَيَّنَ الْبَلَدَ لِأَجْلِ ذَلِكَ. وَفِيهَا اسْتَوْلَى الْعَمِيدُ (كَمَالُ الْمُلْكِ) أَبُو الْفَتْحِ الدِّهِسْتَانِيُّ، عَمِيدُ الْعِرَاقِ، عَلَى مَدِينَةِ هَيْتَ، أَخَذَهَا صُلْحًا وَمَضَى إِلَيْهَا، وَعَادَ عَنْهَا فِي ذِي الْقِعْدَةِ. وَفِيهَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ الْكَرْخِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَحَالِّ، قُتِلَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ. وَفِيهَا كَسَفَتِ الشَّمْسُ كُسُوفًا كُلِّيًا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورٍ قَتْلَغْ أَمِيرُ الْحَاجِّ، وَحَجَّ أَمِيرًا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَتْ لَهُ فِي الْعَرَبِ عِدَّةُ وَقَعَاتٍ، وَكَانُوا يَخَافُونَهُ، وَلَمَّا مَاتَ قَالَ نِظَامُ الْمُلْكِ: مَاتَ الْيَوْمَ أَلْفُ رَجُلٍ، وَوَلِيَ إِمَارَةَ الْحَاجِّ نَجْمُ الدَّوْلَةِ خُمَارَتِكِينْ. وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْأُولَى، تُوُفِّيَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بْنِ سَعْدٍ أَبُو

стр. 4842

الْقَاسِمِ السَّاوِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيِّ وَغَيْرِهِ، وَرَوَى عَنْهُ النَّاسُ، وَكَانَ ثِقَةً، وَطَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ أَبُو الْوَفَا الْبَنْدَنِيجِيُّ، الْهَمَذَانِيُّ، كَانَ شَاعِرًا، أَدِيبًا وَكَانَ يَمْدَحُ لَا لِعَرَضِ الدُّنْيَا، وَمَدَحَ نِظَامَ الْمُلْكِ بِقَصِيدَتَيْنِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعِينَ بَيْتًا، إِحْدَاهُمَا لَيْسَ فِيهَا نُقْطَةٌ، وَالْأُخْرَى جَمِيعُ حُرُوفِهَا مَنْقُوطَةٌ. وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَلِيٍّ الْمُؤَدِّبِ، الْمَعْرُوفَةُ بِبِنْتِ الْأَقْرَعِ، الْكَاتِبَةُ، كَانَتْ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خَطًّا عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ الْبَوَّابِ، وَسَمِعَتِ الْحَدِيثَ وَأَسْمَعَتْهُ. وَفِيهَا، فِي ذِي الْقِعْدَةِ، تُوُفِّيَ غَرْسُ النِّعْمَةِ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّابِي، صَاحِبُ التَّارِيخِ، وَظَهَرَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ لَهُ مَعْرُوفٌ وَصَدَقَةٌ.

стр. 4843

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .] ٤٨١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِبَغْدَاذَ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ، شَرَعَ أَهْلُ بَابِ الْبَصْرَةِ فِي بِنَاءِ الْقَنْطَرَةِ الْجَدِيدَةِ، وَنَقَلُوا الْآجُرَّ فِي أَطْبَاقِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَبَيْنَ أَيْدِيهِمُ الدَّبَادِبُ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْمَحَالِّ، وَكَثُرَ عِنْدَهُمْ أَهْلُ بَابِ الْأَزَجِ فِي خَلْقٍ لَا يُحْصَى. وَاتَّفَقَ أَنَّ كُوهَرَائِينَ سَارَ فِي سُمَيْرِيَّةَ، وَأَصْحَابُهُ يَسِيرُونَ عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ بِسَيْرِهِ، فَوَقَفَ أَهْلُ بَابِ الْأَزَجِ عَلَى امْرَأَةٍ كَانَتْ تَسْقِي النَّاسَ مِنْ مُزَمَّلَةٍ لَهَا عَلَى دِجْلَةَ، فَحَمَلُوا عَلَيْهَا، عَلَى عَادَةٍ لَهُمْ، وَجَعَلُوا يَكْسِرُونَ الْجِرَارَ، وَيَقُولُونَ: الْمَاءُ لِلسَّبِيلِ! فَلَمَّا رَأَتْ سَعْدَ الدَّوْلَةِ كُوهَرَائِينَ اسْتَغَاثَتْ بِهِ، فَأَمَرَ بِإِبْعَادِهِمْ عَنْهَا، فَضَرَبَهُمُ الْأَتْرَاكُ بِالْمَقَارِعِ، فَسَلَّ الْعَامَّةُ سُيُوفَهُمْ وَضَرَبُوا وَجْهَ فَرَسِ حَاجِبِهِ سُلَيْمَانَ، وَهُوَ أَخَصُّ أَصْحَابِهِ، فَسَقَطَ عَنِ الْفَرَسِ، فَحَمَلَ كُوهَرَائِينَ الْحَنَقُ عَلَى أَنْ خَرَجَ مِنَ السُّمَيْرِيَّةِ إِلَيْهِمْ رَاجِلًا، فَحَمَلَ أَحَدُهُمْ عَلَيْهِ، فَطَعَنَهُ بِأَسْفَلِ رُمْحِهِ، فَأَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ، فَحَمَلَ أَصْحَابُهُ عَلَى الْعَامَّةِ، فَقَاتَلُوهُمْ، وَحَرَصُوا (عَلَى الظَّفَرِ بِالَّذِي) طَعَنَهُ، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ، (وَأَخَذَ ثَمَانِيَةَ نَفَرٍ) ، فَقَتَلَ أَحَدَهُمْ، وَقَطَعَ أَعْصَابَ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ، وَأَرْسَلَ

стр. 4844

قِبَاءَهُ إِلَى الدِّيوَانِ وَفِيهِ أَثَرُ الطَّعْنَةِ وَالطِّينِ يَسْتَنْفِرُ عَلَى أَهْلِ بَابِ الْأَزَجِ. ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْكَرْخِ عَقَدُوا لِأَنْفُسِهِمْ طَاقًا آخَرَ عَلَى بَابِ طَاقِ الْحَرَّانِيِّ، وَفَعَلُوا كَفِعْلِ أَهْلِ بَابِ الْبَصْرَةِ. ذِكْرُ إِخْرَاجِ الْأَتْرَاكِ مِنْ حَرِيمِ الْخِلَافَةِ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، أَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِإِخْرَاجِ الْأَتْرَاكِ الَّذِينَ مَعَ الْخَاتُونِ زَوْجَتِهِ ابْنَةِ السُّلْطَانِ مِنْ حَرِيمِ دَارِ الْخِلَافَةِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ تُرْكِيًّا مِنْهُمُ اشْتَرَى مِنْ طَوَّافِ فَاكِهَةٍ، فَتَمَاسَكَا، فَشَتَمَ الطَّوَّافُ التُّرْكِيَّ، فَأَخَذَ التُّرْكِيُّ صَنْجَةً مِنَ الْمِيزَانِ وَضَرَبَ بِهَا رَأْسَ الطَّوَّافِ فَشَجَّهُ، فَاجْتَمَعَتِ الْعَامَّةُ، وَكَادَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَتْرَاكِ شَرٌّ، وَاسْتَغَاثُوا، وَشَنَّعُوا، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِإِخْرَاجِ الْأَتْرَاكِ، فَأُخْرِجُوا عَنْ آخِرِهِمْ، فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى أَقْبَحِ صُورَةٍ، وَقْتَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ. ذِكْرُ مِلْكِ الرُّومِ مَدِينَةَ زَوِيلَةَ وَعَوْدِهِمْ عَنْهَا. فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَتَحَ الرُّومِ مَدِينَةَ زَوِيلَةَ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ، وَهِيَ بِقُرْبِ الْمَهْدِيَّةِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَمِيرَ تَمِيمَ بْنَ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ، صَاحِبَهَا، أَكْثَرَ غَزْوِ بِلَادِهِمْ فِي الْبَحْرِ، فَخَرَّبَهَا، وَشَتَّتَ أَهْلَهَا، فَاجْتَمَعُوا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَاتَّفَقُوا عَلَى إِنْشَاءِ الشَّوَانِي لِغَزْوِ الْمَهْدِيَّةِ، وَدَخَلَ مَعَهُمُ الْبَيْشَانِيُّونَ، وَالْجَنَوِيُّونَ، وَهُمَا مِنَ الْفِرِنْجِ، فَأَقَامُوا يَعْمُرُونَ الْأُسْطُولَ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَاجْتَمَعُوا بِجَزِيرَةِ قَوْصَرَةَ فِي أَرْبَعِ مِائَةِ قِطْعَةٍ، فَكَتَبَ أَهْلُ قَوْصَرَةَ كِتَابًا عَلَى جَنَاحِ طَائِرٍ يَذْكُرُونَ وُصُولَهُمْ وَعَدَدَهُمْ وَحُكْمَهُمْ عَلَى الْجَزِيرَةِ، فَأَرَادَ تَمِيمٌ أَنْ يُسَيِّرَ عُثْمَانَ بْنَ سَعِيدٍ الْمَعْرُوفُ بِالْمُهْرِ، مُقَدِّمَ الْأُسْطُولِ الَّذِي لَهُ،

стр. 4845

لِيَمْنَعَهُمْ مِنَ النُّزُولِ، فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُ قُوَّادِهِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَنْكُوتٍ، لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَهْرِ، فَجَاءَتِ الرُّومُ، وَأَرْسَلُوا، وَطَلَعُوا إِلَى الْبَرِّ، وَنَهَبُوا، وَخَرَّبُوا وَأَحْرَقُوا، وَدَخَلُوا زَوِيلَةَ وَنَهَبُوهَا، وَكَانَتْ عَسَاكِرُ تَمِيمٍ غَائِبَةً فِي قِتَالِ الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ. ثُمَّ صَالَحَ تَمِيمٌ الرُّومَ عَلَى ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَرَدِّ جَمِيعِ مَا حَوُوهُ مِنَ السَّبْيِ، وَكَانَ تَمِيمٌ يَبْذُلُ الْمَالَ الْكَثِيرَ فِي الْغَرَضِ الْحَقِيرِ، فَكَيْفَ فِي الْغَرَضِ الْكَبِيرِ، حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ بَذَلَ لِلْعَرَبِ لَمَّا اسْتَوْلَوْا عَلَى حِصْنٍ لَهُ يُسَمَّى قَنَاطَةَ لَيْسَ بِالْعَظِيمِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ حَتَّى هَدَمَهُ، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا سَرَفٌ فِي الْمَالِ؛ فَقَالَ: هُوَ شَرَفٌ فِي الْحَالِ. ذِكْرُ وَفَاةِ النَّاصِرِ بْنِ عَلْنَاسَ وَوِلَايَةِ وَلَدِهِ الْمَنْصُورِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ النَّاصِرُ بْنُ عَلْنَاسَ بْنِ حَمَّادٍ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْمَنْصُورُ، فَاقْتَفَى آثَارَ أَبِيهِ فِي الْحَزْمِ وَالْعَزْمِ وَالرِّئَاسَةِ، وَوَصَلَهُ كُتُبُ الْمُلُوكِ وَرُسُلُهُمْ بِالتَّعْزِيَةِ بِأَبِيهِ وَالتَّهْنِئَةِ بِالْمُلْكِ مِنْهُمْ: يُوسُفُ بْنُ تَاشَفِينَ، وَتَمِيمُ بْنُ الْمُعِزِّ، وَغَيْرُهُمَا. ذِكْرُ وَفَاةِ إِبْرَاهِيمَ مَلِكِ غَزْنَةَ وَمُلْكِ ابْنِهِ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمَلِكُ الْمُؤَيِّدُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، صَاحِبُ غَزْنَةَ، وَكَانَ عَادِلًا، كَرِيمًا، مُجَاهِدًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ فُتُوحِهِ مَا وَصَلَ إِلَيْنَا، وَكَانَ عَاقِلًا، ذَا رَأْيٍ مَتِينٍ، فَمِنْ آرَائِهِ أَنَّ السُّلْطَانَ مَلِكْشَاهِ بْنَ أَلْب أَرْسِلَانَ السَّلْجُوقِيَّ جَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ يُرِيدُ غَزْنَةَ، وَنَزَلَ بِأَسْفَرَارَ، فَكَتَبَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَسْعُودٍ كِتَابًا إِلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَعْيَانِ أُمَرَاءِ مَلِكْشَاهْ يَشْكُرُهُمْ، وَيَعْتَدُّ لَهُمْ بِمَا فَعَلُوا مِنْ تَحْسِينِ قَصْدِ مَلِكْشَاهْ بِلَادَهُ لِيُتِمَّ لَنَا مَا اسْتَقَرَّ بَيْنَنَا مِنَ الظَّفَرِ بِهِ، وَتَخْلِيصِهِمْ مِنْ يَدِهِ، وَيَعِدُهُمُ الْإِحْسَانَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَرَ الْقَاصِدَ بِالْكُتُبِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِمَلِكْشَاهْ فِي الصَّيْدِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَأُخِذَ، وَأُحْضِرَ عِنْدَ السُّلْطَانِ، فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ، فَأَنْكَرَهُ، فَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِجَلْدِهِ، فَجُلِدَ،

стр. 4846

فَدَفَعَ الْكُتُبَ إِلَيْهِ بَعْدَ جُهْدٍ وَمَشَقَّةٍ، فَلَمَّا وَقَفَ مَلِكْشَاهْ عَلَيْهَا تَحَيَّلَ مِنْ أُمَرَائِهِ وَعَادَ، وَلَمْ يَقُلْ لِأَحَدٍ مِنْ أُمَرَائِهِ فِي هَذَا الْأَمْرِ شَيْئًا خَوْفًا أَنْ يَسْتَوْحِشُوا مِنْهُ. وَكَانَ يَكْتُبُ بِخَطِّهِ، كُلَّ سَنَةٍ، مُصْحَفًا، وَيَبْعَثُهُ مَعَ الصَّدَقَاتِ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَ يَقُولُ: لَوْ كُنْتُ مَوْضِعَ أَبِي مَسْعُودٍ بَعْدَ وَفَاةِ جَدِّي مَحْمُودٍ، لَمَا انْفَصَمَتْ عُرَى مَمْلَكَتِنَا، وَلَكِنِّي الْآنَ عَاجِزٌ عَنْ [أَنْ] أَسْتَرِدَّ مَا أَخَذُوهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ مُلُوكٌ قَدِ اتَّسَعَتْ مَمْلَكَتُهُمْ، وَعَظُمَتْ عَسَاكِرُهُمْ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مَسْعُودٌ، وَلَقَبُهُ جَلَالُ الدِّينِ، وَكَانَ قَدْ زَوَّجَهُ أَبُوهُ بِابْنَةِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، وَأَخْرَجَ نِظَامُ الْمُلْكِ فِي هَذَا الْإِمْلَاكِ وَالزِّفَافِ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَجَّ الْوَزِيرُ أَبُو شُجَاعٍ، وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ، وَاسْتَنَابَ ابْنَهُ رَبِيبَ الدَّوْلَةِ أَبَا مَنْصُورٍ، وَنَقِيبَ النُّقَبَاءِ طَرَّادَ بْنَ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيَّ. وَفِيهَا أَسْقَطَ السُّلْطَانُ مَا كَانَ يُؤْخَذُ مِنَ الْحُجَّاجِ مِنَ الْخِفَارَةِ. وَفِيهَا جَمَعَ آقْسَنْقَرَ، صَاحِبُ حَلَبَ، عَسْكَرَهُ وَسَارَ إِلَى قَلْعَةِ شَيْزَرَ فَحَصَرَهَا، وَصَاحِبَهَا ابْنَ مُنْقِذٍ، وَضَيَّقَ عَلَيْهَا، وَنَهَبَ رَبَضَهَا، ثُمَّ صَالَحَهُ صَاحِبُهَا وَعَادَ إِلَى حَلَبَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ أَبِي الْفَضْلِ الْغُورَجِيُّ،

стр. 4847

الْهَرَوِيُّ، وَالْقَاضِي مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ أَبُو عَامِرٍ الْأَزْدِيُّ، الْمُهَلَّبِيُّ، رَاوِيَا جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيِّ، رَوَاهُ عَنْهُمَا أَبُو الْفَتْحِ الْكَرُّوخِيُّ. وَتُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ (أَبُو إِسْمَاعِيلَ) ، الْأَنْصَارِيُّ، الْهَرَوِيُّ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ شَدِيدَ التَّعَصُّبِ فِي الْمَذَاهِبِ. وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُخَلَّدٍ الْبَاقَرْحِيُّ، وَمَوْلِدُهُ فِي شَعْبَانَ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالرِّوَايَةِ. وَفِي الْمُحَرَّمِ تُوُفِّيَتِ ابْنَةُ الْغَالِبِ بِاللَّهِ بْنِ الْقَادِرِ وَدُفِنَتْ عِنْدَ قَبْرِ أَحْمَدَ، وَكَانَتْ تَرْجِعُ إِلَى دِينٍ، وَمَعْرُوفٍ كَثِيرٍ، لَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ مَا بَلَغَتْ. وَفِي شَعْبَانَ تُوُفِّيَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الصَّحْرَاوِيُّ الزَّاهِدُ. وَفِيهَا تُوَفِّي الْمَلِكُ أَحْمَدُ ابْنُ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ بِمَرْوَ، وَكَانَ (وَلِيَّ عَهْدِ أَبِيهِ فِي السَّلْطَنَةِ، وَكَانَ) عُمْرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، وَجَلَسَ النَّاسُ بِبَغْدَاذَ لِلْعَزَاءِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي دَارِ الْخِلَافَةِ، وَلَمْ يَرْكَبْ أَحَدٌ فَرَسًا، وَخَرَجَ النِّسَاءُ يَنُحْنَ فِي الْأَسْوَاقِ، وَاجْتَمَعَ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ فِي الْكَرْخِ لِلتَّفَرُّجِ وَالْمَنَاحَاتِ، وَسَوَّدَ أَهْلُ الْكَرْخِ أَبْوَابَ عُقُودِهِمْ إِظْهَارًا لِلْحُزْنِ عَلَيْهِ.

стр. 4848

[ثُمَّ دَخَلَتِ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ٤٨٢ - ثُمَّ دَخَلَتِ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِبَغْدَاذَ بَيْنَ الْعَامَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرَ، كَبَسَ أَهْلُ بَابِ الْبَصْرَةِ الْكَرْخَ، فَقَتَلُوا رَجُلًا، وَجَرَحُوا آخَرَ، فَأَغْلَقَ أَهْلُ الْكَرْخِ الْأَسْوَاقَ، وَرَفَعُوا الْمَصَاحِفَ، (وَحَمَلُوا ثِيَابَ الرَّجُلَيْنِ وَهِيَ بِالدَّمِ) ، وَمَضَوْا إِلَى دَارِ الْعَمِيدِ كَمَالِ الْمُلْكِ أَبِي الْفَتْحِ الدِّهِسْتَانِيِّ مُسْتَغِيثِينَ، فَأَرْسَلَ إِلَى النَّقِيبِ طَرَّادِ بْنِ مُحَمَّدٍ يَطْلُبُ مِنْهُ إِحْضَارَ الْقَاتِلِينَ، فَقَصَدَ طَرَّادُ دَارَ الْأَمِيرِ بُوزَانَ بِقَصْرِ ابْنِ الْمَأْمُونِ، فَطَالَبَهُ بُوزَانُ بِهِمْ، (وَوَكَّلَ بِهِ) ، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى بُوزَانَ يُعَرِّفُهُ حَالَ النَّقِيبِ طَرَّادٍ، وَمَحِلَّهُ، وَمَنْزِلَتَهُ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَسَكَّنَ الْعَمِيدُ كَمَالُ الْمُلْكِ الْفِتْنَةَ وَكَفَّ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، ثُمَّ سَارَ السُّلْطَانُ، فَعَادَ النَّاسُ إِلَى مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَلَمْ يَنْقَضِ يَوْمٌ إِلَّا عَنْ قَتْلَى وَجَرْحَى. ذِكْرُ مُلْكِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ سَمَرْقَنْدَ كَانَ قَدْ مَلَكَهَا أَحْمَدُ خَانُ بْنُ خَضِرِ خَانَ، أَخُوهُ شَمْسُ

стр. 4849

الْمُلْكِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي تُرْكَانَ خَاتُونَ، زَوْجَةُ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، وَكَانَ صَبِيًّا ظَالِمًا، قَبِيحَ السِّيرَةِ، يُكْثِرُ مُصَادَرَةَ الرَّعِيَّةِ، فَنَفَرُوا مِنْهُ وَكَتَبُوا إِلَى السُّلْطَانِ سِرًّا يَسْتَغِيثُونَ بِهِ، وَيَسْأَلُونَهُ الْقُدُومَ عَلَيْهِمْ لِيَمْلِكَ بِلَادَهُمْ، وَحَضَرَ الْفَقِيهُ أَبُو طَاهِرِ بْنُ عَلَّكٍ الشَّافِعِيُّ عِنْدَ السُّلْطَانِ شَاكِيًا، وَكَانَ يَخَافُ مِنْ أَحْمَدَ خَانِ لِكَثْرَةِ مَالِهِ، فَأَظْهَرَ السَّفَرَ لِلتِّجَارَةِ وَالْحَجِّ، فَاجْتَمَعَ بِالسُّلْطَانِ، وَشَكَا إِلَيْهِ، وَأَطْمَعَهُ فِي الْبِلَادِ. فَتَحَرَّكَتْ دَوَاعِي السُّلْطَانِ إِلَى مَلْكِهَا، فَسَارَ مِنْ أَصْبَهَانَ. وَكَانَ قَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ، وَهُوَ فِيهَا، رَسُولُ مَلِكِ الرُّومِ، وَمَعَهُ الْخَرَاجُ الْمُقَرَّرُ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ نِظَامُ الْمُلْكِ مَعَهُمْ إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَحَضَرَ فَتْحَ الْبِلَادِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى كَاشْغَرَ أَذِنَ لَهُ نِظَامُ الْمُلْكِ فِي الْعَوْدِ إِلَى بِلَادِهِ، وَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ عَنَّا فِي التَّوَارِيخِ (أَنَّ مَلِكَ الرُّومِ) حَمَلَ الْجِزْيَةَ وَأَوْصَلَهَا إِلَى بَابِ كَاشْغَرَ لِيُنْهِيَ إِلَى صَاحِبِهِ سَعَةَ مُلْكِ السُّلْطَانِ لِيَعْظُمَ خَوْفُهُ مِنْهُ، وَلَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِخِلَافِ الطَّاعَةِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى هِمَّةٍ عَالِيَةٍ تَعْلُو عَلَى الْعَيُّوقِ. وَلَمَّا سَارَ السُّلْطَانُ مِنْ أَصْبَهَانَ إِلَى خُرَاسَانَ جَمَعَ الْعَسَاكِرَ مِنَ الْبِلَادِ جَمِيعِهَا، فَعَبَرَ النَّهْرَ بِجُيُوشٍ لَا يَحْصُرُهَا دِيوَانٌ، وَلَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْإِحْصَاءِ، فَلَمَّا قَطَعَ النَّهْرَ قَصَدَ بُخَارَى، وَأَخَذَ مَا عَلَى طَرِيقِهِ، ثُمَّ سَارَ إِلَيْهَا وَمَلَكَهَا وَمَا جَاوَرَهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَقَصَدَ سَمَرْقَنْدَ وَنَازَلَهَا، وَكَانَتِ الْمُلَطِّفَاتُ قَدْ قَدَّمَهَا إِلَى أَهْلِ الْبَلَدِ يَعِدُهُمُ النَّصْرَ، وَالْخَلَاصَ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الظُّلْمِ، وَحَصَرَ الْبَلَدَ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ وَأَعَانَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ بِالْإِقَامَاتِ، وَفَرَّقَ أَحْمَدُ خَانُ، صَاحِبُ سَمَرْقَنْدَ، أَبْرَاجَ السُّورِ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَمَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَسَلَّمَ بُرْجًا يُقَالُ لَهُ بُرْجُ الْعَيَّارِ إِلَى رَجُلٍ عَلَوِيٍّ كَانَ مُخْتَصًّا بِهِ، فَنَصَحَ فِي الْقِتَالِ. فَاتَّفَقَ أَنَّ وَلَدًا لِهَذَا الْعَلَوِيِّ أُخِذَ أَسِيرًا بِبُخَارَى، فَهُدِّدَ الْأَبُ بِقَتْلِهِ، فَتَرَاخَى عَنِ

стр. 4850

الْقِتَالِ، فَسَهُلَ الْأَمْرُ عَلَى السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، وَرَمَى مِنَ السُّورِ عُدَّةَ ثُلَمٍ بِالْمِنْجِنَيْقَاتِ، وَأَخَذَ ذَلِكَ الْبُرْجَ، فَلَمَّا صَعَدَ عَسْكَرُ السُّلْطَانِ إِلَى السُّورِ هَرَبَ أَحْمَدُ خَانَ، وَاخْتَفَى فِي بُيُوتِ بَعْضِ الْعَامَّةِ فَغُمِزَ عَلَيْهِ وَأُخِذَ وَحُمِلَ إِلَى السُّلْطَانِ، وَفِي رَقَبَتِهِ حَبْلٌ، فَأَكْرَمَهُ السُّلْطَانُ، وَأَطْلَقَهُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى أَصْبَهَانَ، وَمَعَهُ مَنْ يَحْفَظُهُ، وَرَتَّبَ بِسَمَرْقَنْدَ الْأَمِيرَ الْعَمِيدَ أَبَا طَاهِرٍ عَمِيدَ خَوَارِزْمَ. وَسَارَ السُّلْطَانُ قَاصِدًا إِلَى كَاشْغَرَ، فَبَلَغَ إِلَى يُوزْكَنْدَ، وَهُوَ بَلَدٌ يَجْرِي عَلَى بَابِهِ نَهْرٌ، وَأَرْسَلَ مِنْهَا رُسُلًا إِلَى مَلِكِ كَاشْغَرَ يَأْمُرُهُ بِإِقَامَةِ الْخُطْبَةِ، وَضَرْبِ السِّكَّةِ بِاسْمِهِ، وَيَتَوَعَّدُهُ إِنْ خَالَفَ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ وَأَطَاعَ، وَحَضَرَ عِنْدَ السُّلْطَانِ، فَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ، وَتَابَعَ الْإِنْعَامَ عَلَيْهِ، وَأَعَادَهُ إِلَى بَلَدِهِ. وَرَجَعَ السُّلْطَانُ إِلَى خُرَاسَانَ، فَلَمَّا أَبْعَدَ عَنْ سَمَرْقَنْدَ لَمْ يَتَّفِقْ أَهْلُهَا وَعَسْكَرُهَا الْمَعْرُوفُونَ بِالْجَكَلِيَّةِ مَعَ الْعَمِيدِ أَبِي طَاهِرٍ، نَائِبِ السُّلْطَانِ عِنْدَهُمْ، حَتَّى كَادُوا يَثِبُونَ عَلَيْهِ، فَاحْتَالَ حَتَّى خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَمَضَى إِلَى خُوَارِزْمَ. ذِكْرُ عِصْيَانِ سَمَرْقَنْدَ كَانَ مُقَدِّمُ الْعَسْكَرِ الْمَعْرُوفُ بِالْجَكَلِيَّةِ، وَاسْمُهُ عَيْنُ الدَّوْلَةِ، قَدْ خَافَ السُّلْطَانَ لِهَذَا الْحَادِثِ، فَكَاتَبَ يَعْقُوبَ تِكِينَ أَخَا مَلِكِ كَاشْغَرَ، وَمَمْلَكَتُهُ تُعْرَفُ بِآبَ نَبَّاشِي، وَبِيَدِهِ قَلْعَتُهَا، وَاسْتَحْضَرَهُ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ بِسَمَرْقَنْدَ، وَاتَّفَقَا، ثُمَّ إِنَّ يَعْقُوبَ عَلِمَ أَنَّ أَمْرَهُ لَا يَسْتَقِيمُ مَعَهُ، فَوَضَعَ عَلَيْهِ الرَّعِيَّةَ الَّذِينَ كَانَ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ، حَتَّى ادَّعَوْا عَلَيْهِ دِمَاءَ قَوْمٍ كَانَ قَتَلَهُمْ، وَأَخَذَ الْفَتَاوَى عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وَاتَّصَلَتِ الْأَخْبَارُ بِالسُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ بِذَلِكَ، فَعَادَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ.

стр. 4851

ذِكْرُ فَتْحِ سَمَرْقَنْدَ الْفَتْحَ الثَّانِيَ لَمَّا اتَّصَلَتِ الْأَخْبَارُ بِعِصْيَانِ سَمَرْقَنْدَ بِالسُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، وَقَتْلِ عَيْنِ الدَّوْلَةِ، مُقَدِّمِ الْجَكَلِيَّةِ، عَادَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بُخَارَى هَرَبَ يَعْقُوبُ الْمُسْتَوْلِي عَلَى سَمَرْقَنْدَ، وَمَضَى إِلَى فَرْغَانَةَ، وَلَحِقَ بِوِلَايَتِهِ. وَوَصَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ عَسْكَرِهِ إِلَى السُّلْطَانِ مُسْتَأْمَنِينَ، فَلَقَوْهُ بِقَرْيَةٍ تُعْرَفُ بِالطَّوَاوِيسِ، وَلَمَّا وَصَلَ السُّلْطَانُ إِلَى سَمَرْقَنْدَ مَلَكَهَا، وَرَتَّبَ بِهَا الْأَمِيرَ أَبَرَ، وَسَارَ فِي أَثَرِ يَعْقُوبَ حَتَّى نَزَلَ بِيُوزْكَنْدَ، وَأَرْسَلَ الْعَسَاكِرَ إِلَى سَائِرِ الْأَكْنَافِ فِي طَلَبِهِ. وَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَى مَلِكِ كَاشْغَرَ، وَهُوَ أَخُو يَعْقُوبَ، لِيَجِدَّ فِي أَمْرِهِ، وَيُرْسِلَهُ إِلَيْهِ، فَاتَّفَقَ أَنَّ عَسْكَرَ يَعْقُوبَ شَغَبُوا عَلَيْهِ، وَنَهَبُوا خَزَائِنَهُ، وَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَنْ هَرَبَ عَلَى فَرَسِهِ، وَدَخَلَ إِلَى أَخِيهِ بِكَاشْغَرَ مُسْتَجِيرًا بِهِ. فَسَمِعَ السُّلْطَانُ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلِكِ كَاشْغَرَ يَتَوَعَّدُهُ، إِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ إِلَيْهِ، أَنْ يَقْصِدَ بِلَادَهُ، وَيَصِيرَ هُوَ الْعَدُوَّ، فَخَافَ أَنْ يَمْنَعَ السُّلْطَانَ، وَأَنِفَ أَنْ يُسَلِّمَ أَخَاهُ بَعْدَ أَنِ اسْتَجَارَ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ قَدِيمَةٌ، وَمُنَافِسَةٌ فِي الْمُلْكِ عَظِيمَةٌ، لِمَا يَلْزَمُهُ فِيهِ الْعَارُ، فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى أَنْ قَبَضَ عَلَى أَخِيهِ يَعْقُوبَ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ كَانَ فِي طَلَبِهِ فَظَفَرَ بِهِ، وَسَيَّرَهُ مَعَ وَلَدِهِ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَكَّلَهُمْ بِيَعْقُوبَ، وَأَرْسَلَ مَعَهُمْ هَدَايَا كَثِيرَةً لِلسُّلْطَانِ، وَأَمَرَ وَلَدَهُ أَنَّهُ إِذَا وَصَلَ إِلَى قَلْعَةٍ بِقُرْبِ السُّلْطَانِ أَنْ يَسْمَلَ يَعْقُوبَ وَيَتْرُكَهُ، فَإِنْ رَضِيَ السُّلْطَانُ بِذَلِكَ، وَإِلَّا سَلَّمَهُ إِلَيْهِ. فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى قَلْعَةٍ عَزَمَ ابْنُ مَلِكِ كَاشْغَرَ أَنْ يَسْمَلَ عَمَّهُ، وَيُنَفِّذَ فِيهِ مَا أَمَرَهُ بِهِ أَبُوهُ، فَتَقَدَّمَ بِكَتْفِهِ وَإِلْقَائِهِ عَلَى الْأَرْضِ، فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، وَقَدْ أَحْمَوُا الْمَيْلَ لِيَسْمَلُوهُ، إِذْ سَمِعُوا ضَجَّةً عَظِيمَةً، فَتَرَكُوهُ، وَتَشَاوَرُوا بَيْنَهُمْ، وَظَهَرَ عَلَيْهِمُ انْكِسَارٌ، ثُمَّ أَرَادُوا (بَعْدَ ذَلِكَ) سَمْلَهُ، وَمَنَعَ مِنْهُ بَعْضٌ، فَقَالَ لَهُمْ يَعْقُوبُ: أَخْبِرُونِي عَنْ حَالِكُمْ، وَمَا يَفُوتُكُمُ الَّذِي تُرِيدُونَهُ مِنِّي، وَإِذَا فَعَلْتُمْ بِي شَيْئًا رُبَّمَا نَدِمْتُمْ عَلَيْهِ.

стр. 4852

فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ طُغْرُلَ بْنَ يَنَالَ أَسْرَى مِنْ ثَمَانِينَ فَرْسَخًا فِي عَشَرَاتِ أُلُوفٍ مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَكَبَسَ أَخَاكَ بِكَاشْغَرَ، فَأَخَذَهُ أَسِيرًا، وَنَهَبَ عَسْكَرَهُ، وَعَادَ إِلَى بِلَادِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا الَّذِي تُرِيدُونَ تَفْعَلُونَهُ بِي لَيْسَ مِمَّا تَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا تَفْعَلُونَهُ اتِّبَاعًا لِأَمْرِ أَخِي، وَقَدْ زَالَ أَمْرُهُ، وَوَعَدَهُمُ الْإِحْسَانَ فَأَطْلَقُوهُ. فَلَمَّا رَأَى السُّلْطَانُ ذَلِكَ وَرَأَى طَمَعَ طُغْرُلَ بْنِ يَنَالَ، وَمَسِيرِهِ إِلَى كَاشْغَرَ، وَقَبْضِ صَاحِبِهَا، وَمَلْكِهِ لَهَا مَعَ قُرْبِهِ مِنْهُ، خَافَ أَنْ يَنْحَلَّ بَعْضُ أَمْرِهِ وَتَزُولَ هَيْبَتُهُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ مَتَى قَصَدَ طُغْرُلَ سَارَ مِنْ يَدَيْهِ، فَإِنْ عَادَ عَنْهُ رَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ، وَكَذَلِكَ يَعْقُوبُ (أَخُو صَاحِبِ كَاشْغَرَ) ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْمُقَامُ لِسَعَةِ الْبِلَادِ وَرَاءَهُ وَخَوْفِ الْمَوْتِ بِهَا، فَوَضَعَ تَاجَ الْمُلْكِ عَلَى أَنْ يَسْعَى فِي إِصْلَاحِ أَمْرِ يَعْقُوبَ مَعَهُ، فَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ السُّلْطَانُ، فَاتَّفَقَ هُوَ وَيَعْقُوبُ، وَعَادَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَجَعَلَ يَعْقُوبُ مُقَابِلَ طُغْرُلَ يَمْنَعُهُ مِنَ الْقُوَّةِ، وَمَلْكِ الْبِلَادِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَقُومُ فِي وَجْهِ الْآخَرِ. ذِكْرُ عَوْدَ ابْنَةِ السُّلْطَانِ زَوْجَةِ الْخَلِيفَةِ إِلَى أَبِيهَا وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَطْلُبُ ابْنَتَهُ طَلَبًا لَا بُدَّ مِنْهُ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهَا أَرْسَلَتْ تَشْكُو مِنَ الْخَلِيفَةِ، وَتَذْكُرُ أَنَّهُ كَثِيرُ الِاطِّرَاحِ لَهَا، وَالْإِعْرَاضِ عَنْهَا، فَأَذِنَ لَهَا فِي الْمَسِيرِ، فَسَارَتْ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَسَارَ مَعَهَا ابْنُهَا (مِنَ الْخَلِيفَةِ) أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، وَمَعَهُمَا سَائِرُ أَرْبَابِ الدَّوْلَةِ، وَمَشَى مَعَ مَحَفَّتِهَا سَعْدُ الدَّوْلَةِ كُوهَرَائِينُ، وَخَدَمُ دَارِ الْخِلَافَةِ الْأَكَابِرُ، وَخَرَجَ الْوَزِيرُ وَشَيَّعَهُمْ إِلَى النَّهْرَوَانِ وَعَادَ. وَسَارَتِ الْخَاتُونُ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَأَقَامَتْ بِهَا إِلَى ذِي الْقَعْدَةِ، وَتُوُفِّيَتْ، وَجَلَسَ

стр. 4853

الْوَزِيرُ بِبَغْدَاذَ لِلْعَزَاءِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ مَرَاثِيَهَا بِبَغْدَاذَ، وَبِعَسْكَرِ السُّلْطَانِ. ذِكْرُ فَتْحِ عَسْكَرِ مِصْرَ عَكَّا وَغَيْرَهَا مِنَ الشَّامِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَتْ عَسَاكِرُ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُقَدِّمِينَ، فَحَصَرُوا مَدِينَةَ صُورَ، وَكَانَ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَيْهَا الْقَاضِي عَيْنُ الدَّوْلَةِ بْنُ أَبِي عَقِيلٍ، وَامْتَنَعَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ تُوُفِّيَ، وَوَلِيَهَا أَوْلَادُهُ، فَحَصَرَهُمُ الْعَسْكَرُ الْمِصْرِيُّ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنَ الْقُوَّةِ مَا يَمْتَنِعُونَ بِهَا، فَسَلَّمُوهَا إِلَيْهِمْ. ثُمَّ سَارَ الْعَسْكَرُ عَنْهَا إِلَى مَدِينَةِ صَيْدَا، فَفَعَلُوا بِهَا كَذَلِكَ. ثُمَّ سَارُوا إِلَى مَدِينَةٍ عَكَّا، فَحَصَرُوهَا، وَضَيَّقُوا عَلَى أَهْلِهَا، فَافْتَتَحُوهَا.

стр. 4854

وَقَصَدُوا مَدِينَةَ جُبَيْلٍ، فَمَلَكُوهَا أَيْضًا. وَأَصْلَحُوا أَحْوَالَ هَذِهِ الْبِلَادِ، وَقَرَّرُوا قَوَاعِدَهَا، وَسَارُوا عَنْهَا إِلَى مِصْرَ عَائِدِينَ، وَاسْتَعْمَلَ أَمِيرُ الْجُيُوشِ عَلَى الْبِلَادِ الْأُمَرَاءَ وَالْعُمَّالَ. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ أَهْلِ بَغْدَاذَ ثَانِيَةً وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، كَثُرَتِ الْفِتَنُ بِبَغْدَاذَ بَيْنَ أَهْلِ الْكَرْخِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَحَالِّ، وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ، وَاسْتَوْلَى أَهْلُ الْمَحَالِّ عَلَى قِطْعَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ نَهْرِ الدَّجَاجِ، فَنَهَبُوهَا، وَأَحْرَقُوهَا، فَنَزَلَ شِحْنَةُ بَغْدَاذَ، وَهُوَ خِمَارْتِكِينَ النَّائِبُ عَنْ كُوهَرَائِينَ، عَلَى دِجْلَةَ فِي خَيْلِهِ وَرَجْلِهِ، لِيَكُفَّ النَّاسَ عَنِ الْفِتْنَةِ، فَلَمْ يَنْتَهُوا، وَكَانَ أَهْلُ الْكَرْخِ يُجْرُونَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ الْجِرَايَاتِ وَالْإِقَامَاتِ. وَفِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَصَلَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ إِلَى سُوَيْقَةِ غَالِبٍ فَخَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْكَرْخِ مَنْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِالْقِتَالِ، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى كَشَفُوهُمْ. فَرَكِبَ خَدَمُ الْخَلِيفَةِ وَالْحُجَّابُ وَالنُّقَبَاءُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَعْيَانِ الْحَنَابِلَةِ، كَابْنِ عَقِيلٍ، وَالْكَلْوَذَانِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، إِلَى الشِّحْنَةِ، وَسَارُوا مَعَهُ إِلَى أَهْلِ الْكَرْخِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ مِثَالًا مِنَ الْخَلِيفَةِ يَأْمُرُهُمْ بِالْكَفِّ، وَمُعَاوَدَةِ السُّكُونِ، وَحُضُورِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمْعَةِ، وَالتَّدَيُّنِ بِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَأَجَابُوا إِلَى الطَّاعَةِ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ أَتَاهُمُ الصَّارِخُ مِنْ نَهْرِ الدَّجَاجِ بِأَنَّ السُّنَّةَ قَدْ قَصَدُوهُمْ، وَالْقِتَالُ عِنْدَهُمْ، فَمَضَوْا مَعَ الشِّحْنَةِ، وَمُنِعُوا مِنَ الْفِتْنَةِ، وَسَكَنَ النَّاسُ وَكَتَبَ أَهْلُ الْكَرْخِ عَلَى أَبْوَابِ مَسَاجِدِهِمْ: خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِّيٌ، وَمِنْ عِنْدَ هَذَا الْيَوْمِ ثَارَ أَهْلُ الْكَرْخِ، وَقَصَدُوا شَارِعَ ابْنِ أَبِي عَوْفٍ وَنَهَبُوهُ. وَفِي جُمْلَةِ مَا نَهَبُوا دَارُ أَبِي الْفَضْلِ بْنِ خَيْرُونَ الْمُعَدَّلِ، فَقَصَدَ الدِّيوَانَ مُسْتَنْفِرًا، وَمَعَهُ

стр. 4855

النَّاسُ، وَرَفَعَ الْعَامَّةُ الصُّلْبَانَ وَهَجَمُوا عَلَى الْوَزِيرِ فِي هِجْرَتِهِ، وَأَكْثَرُوا مِنَ الْكَلَامِ الشَّنِيعِ، وَقُتِلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ رَجُلٌ هَاشِمِيٌّ مِنْ أَهْلِ بَابِ الْأَزَجِّ بِسَهْمٍ أَصَابَهُ، فَثَارَ الْعَامَّةُ هُنَاكَ بِعَلَوِيٍّ كَانَ مُقِيمًا بَيْنَهُمْ. فَقَتَلُوهُ وَحَرَقُوهُ، وَجَرَى مِنَ النَّهْبِ، وَالْقَتْلِ، وَالْفَسَادِ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الدَّوْلَةِ صَدَقَةَ بْنَ مَزْيَدٍ، فَأَرْسَلَ عَسْكَرًا إِلَى بَغْدَاذَ، فَطَلَبُوا الْمُفْسِدِينَ وَالْعَيَّارِينَ، فَهَرَبُوا مِنْهُمْ، فَهُدِمَتْ دُورُهُمْ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ وَنُفِيَ وَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ، وَأَمِنَ النَّاسُ. ذِكْرُ حِيلَةٍ لِأَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ ظَهَرَتْ ظُهُورًا غَرِيبًا كَانَ بِالْمَغْرِبِ إِنْسَانٌ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكَزُولِيُّ، سَيِّدُ قَبِيلَةِ كَزُولَةَ وَمَالِكُ جَبَلِهَا، وَهُوَ جَبَلٌ شَامِخٌ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ كَثِيرَةٌ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ يُوسُفُ بْنُ تَاشَفِينَ مَوَدَّةٌ وَاجْتِمَاعٌ، فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةُ أَرْسَلَ يُوسُفُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ يَطْلُبُ الِاجْتِمَاعَ بِهِ، فَرَكِبَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ، فَلَمَّا قَارَبَهُ خَافَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَعَادَ إِلَى جَبَلِهِ، وَاحْتَاطَ لِنَفْسِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يُوسُفُ، وَحَلِفَ لَهُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِهِ إِلَّا الْخَيْرَ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَدْرٍ، فَلَمْ يَرْكَنْ مُحَمَّدٌ إِلَيْهِ. فَدَعَا يُوسُفُ حَجَّامًا، وَأَعْطَاهُ مِائَةَ دِينَارٍ، وَضَمِنَ لَهُ مِائَةَ دِينَارٍ أُخْرَى، إِنْ هُوَ سَارَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَاحْتَالَ عَلَى قَتْلِهِ. فَسَارَ الْحَجَّامُ، وَمَعَهُ مَشَارِيطُ مَسْمُومَةٌ، فَصَعِدَ الْجَبَلَ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ خَرَجَ يُنَادِي لِصِنَاعَتِهِ بِالْقُرْبِ مِنْ مَسَاكِنِ مُحَمَّدٍ، فَسَمِعَ مُحَمَّدٌ الصَّوْتَ، فَقَالَ: هَذَا الْحَجَّامُ مِنْ بَلَدِنَا؟ فَقِيلَ: إِنَّهُ غَرِيبٌ، فَقَالَ أَرَاهُ يُكْثِرُ الصِّيَاحَ، وَقَدِ ارْتَبْتُ بِذَلِكَ، ائْتُونِي بِهِ. فَأُحْضِرَ عِنْدَهُ، فَاسْتَدْعَى حَجَّامًا آخَرَ وَأَمَرَهُ

стр. 4856

أَنْ يَحْجِمَهُ بِمَشَارِيطِهِ الَّتِي مَعَهُ، فَامْتَنَعَ الْحَجَّامُ الْغَرِيبُ، فَأُمْسِكَ وَحُجِمَ فَمَاتَ، وَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْ فِطْنَتِهِ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ يُوسُفَ ازْدَادَ غَيْظُهُ وَلَجَّ فِي السَّعْيِ فِي أَذًى يُوصِلُهُ إِلَيْهِ، فَاسْتَمَالَ قَوْمًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَمَالُوا إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ جِرَارًا مِنْ عَسَلٍ مَسْمُومٍ، فَحَضَرُوا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَقَالُوا: قَدْ وَصَلَ إِلَيْنَا قَوْمٌ مَعَهُمْ جِرَارٌ مِنْ عَسَلٍ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ، وَأَرَدْنَا إِتْحَافَكَ بِهِ، وَأَحْضَرُوهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ أَمَرَ بِإِحْضَارِ خُبْزٍ، وَأَمَرَ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَهْدَوْا إِلَيْهِ الْعَسَلَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ، فَامْتَنَعُوا. وَاسْتَعْفُوهُ مِنْ أَكْلِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَأْكُلْ قُتِلَ بِالسَّيْفِ، فَأَكَلُوا فَمَاتُوا عَنْ آخِرِهِمْ. فَكَتَبَ إِلَى يُوسُفَ بْنِ تَاشَفِينَ: إِنَّكَ قَدْ أَرَدْتَ قَتْلِي بِكُلِّ وَجْهٍ، فَلَمْ يُظْفِرْكَ اللَّهُ بِذَلِكَ، فَكُفَّ عَنْ شَرِّكَ، فَقَدْ أَعْطَاكَ اللَّهُ الْمَغْرِبَ بِأَسْرِهِ، وَلَمْ يُعْطِنِي غَيْرَ هَذَا الْجَبَلِ، وَهُوَ فِي بِلَادِكَ كَالشَّامَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ، فَلَمْ تَقْنَعْ بِمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، . فَلَمَّا رَأَى يُوسُفُ أَنَّ سِرَّهُ قَدِ انْكَشَفَ وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ فِي أَمْرِهِ شَيْءٌ لِحَصَانَةِ جَبَلِهِ أَعْرَضَ عَنْهُ وَتَرَكَهُ. ذِكْرُ مُلْكِ الْعَرَبِ مَدِينَةَ سُوسَةَ وَأَخْذِهَا مِنْهُمْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ نَقَضَ ابْنُ عَلَوِيٍّ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَمِيمِ بْنِ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ أَمِيرِ إِفْرِيقِيَّةَ مِنَ الْعَهْدِ، وَسَارَ فِي جَمْعٍ مِنْ عَشِيرَتِهِ الْعَرَبِ، فَوَصَلَ إِلَى مَدِينَةِ سُوسَةَ مِنْ بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَأَهْلُهَا غَارُّونَ لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ، فَدَخَلَهَا عَنْوَةً، وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ بِهَا مِنَ الْعَسْكَرِ وَالْعَامَّةِ قِتَالٌ، فَقُتِلَ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ جَمَاعَةٌ وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي أَصْحَابِهِ وَالْأَسْرُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ لَهُ مَعَ تَمِيمٍ حَالٌ، فَفَارَقَهَا، وَخَرَجَ مِنْهَا إِلَى حِلَّتَهُ مِنَ الصَّحْرَاءِ. وَكَانَ بِإِفْرِيقِيَّةَ هَذِهِ السَّنَةَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ، وَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَصَلُحَتْ أَحْوَالُ أَهْلِهَا، وَأَخْصَبَتِ الْبِلَادُ، وَرَخُصَتِ الْأَسْعَارُ وَأَكْثَرَ أَهْلُهَا الزَّرْعَ.

стр. 4857

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَطَعَتِ الْحَرَامِيَّةُ الطَّرِيقَ عَلَى قَفْلٍ كَبِيرٍ بِوِلَايَةِ حَلَبَ، فَرَكِبَ آقْسَنْقَرُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ عَسْكَرِهِ وَتَبِعَهُمْ، وَلَمْ يَزَلْ حَتَّى أَخَذَهُمْ وَقَتَلَهُمْ، فَأَمِنَتِ الطُّرُقُ بِوِلَايَتِهِ. وَفِيهَا وَرَدَ الْعَمِيدُ الْأَغَرُّ أَبُو الْمَحَاسِنِ عَبْدُ الْجَلِيلِ بْنُ عَلِيٍّ الدِّهِسْتَانِيُّ إِلَى بَغْدَاذَ عَمِيدًا، وَعُزِلَ أَخُوهُ كَمَالُ الْمُلْكِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَفِيهَا دَرَّسَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الشَّاشِيُّ فِي الْمَدْرَسَةِ الَّتِي بَنَاهَا تَاجُ الْمُلْكِ مُسْتَوْفِي السُّلْطَانِ بِبَابِ إِبْرَزَ مِنْ بَغْدَاذَ، وَهِيَ الْمَدْرَسَةُ التَّاجِيَّةُ الْمَشْهُورَةُ. وَفِيهَا عُمِّرَتْ مَنَارَةُ جَامِعِ حَلَبَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْخَطِيبُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي الْحَدِيدِ السُّلَمِيُّ، خَطِيبُ دِمَشْقَ، فِي ذِي الْحِجَّةِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ صَاعِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو نَصْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ رَئِيسُهَا، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ عَشْرٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ،

стр. 4858

وَعَاصِمُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ الْعَاصِمِيُّ الْبُغْدَاذِيُّ مِنْ أَهْلِ الْكَرْخِ، كَانَ ظَرِيفًا كَيِّسًا، لَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْهُ: مَاذَا عَلَى مُتَلَوِّنِ الْأَخْلَاقِ لَوْ زَارَنِي فَأَبُثُّهُ أَشْوَاقِي وَأَبُوحُ بِالشَّكْوَى إِلَيْهِ تَذَلُّلًا، وَأَفُضُّ خَتْمَ الدَّمْعِ مِنْ آمَاقِي فَعَسَاهُ يَسْمَحُ بِالْوِصَالِ لِمُدْنَفٍ ذِي لَوْعَةٍ وَصَبَابَةٍ مُشْتَاقِ أَسَرَ الْفُؤَادَ وَلَمْ يَرِقَّ لِمَوْثِقٍ مَا ضَرَّهُ لَوْ جَادَ بِالْإِطْلَاقِ إِنْ كَانَ قَدْ لَسَبَتْ عَقَارِبُ صُدْغِهِ قَلْبِي فَإِنَّ رُضَابَهُ دِرْيَاقِي وَقَالَ أَيْضًا: فَدَيْتُ مَنْ ذُبْتُ شَوْقًا مِنْ مَحَبَّتِهِ ، وَصِرْتُ مِنْ هَجْرِهِ فَوْقَ الْفِرَاشِ لَقَا ... سَمِعْتُهُ يَتَغَنَّى وَهُوَ مُصْطَبِحٌ أَفْدِيهِ مُصْطَبِحًا مِنْهُ وَمُغْتَبِقَا ... وَأَخْلَفَتْكَ ابْنَةُ الْبِكْرِيِّ مَا وَعَدَتْ وَأَصْبَحَ الْحَبْلُ مِنْهَا وَاهِيًا خَلَقَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، تُوُفِّيَ الشَّرِيفُ أَبُو الْقَاسِمِ الْعَلَوِيُّ، الدَّبُّوسِيُّ، الْمُدَرِّسُ بِالنِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَاذَ، وَكَانَ فَاضِلًا فَصِيحًا.

стр. 4859

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ٤٨٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ وَفَاةِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ أَبِي نَصْرِ بْنِ جَهِيرٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، تُوُفِّيَ فَخْرُ الدَّوْلَةِ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَهِيرٍ الَّذِي كَانَ وَزِيرَ الْخَلِيفَةِ بِمَدِينَةِ الْمَوْصِلِ، وَمَوْلِدُهُ بِهَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَتَزَوُّجَ إِلَى أَبِي الْعَقَارِبِ شَيْخِهَا، وَنَظَرَ فِي أَمْلَاكِ جَارِيَةِ قِرْوَاشٍ، الْمَعْرُوفَةُ بِسَرْهَنْكَ، ثُمَّ خَدَمَ بَرَكَةَ بْنَ الْمُقَلِّدِ، حَتَّى قَبَضَ عَلَى أَخِيهِ قِرْوَاشٌ وَحَبَسَهُ، وَمَضَى بِهَدَايَا إِلَى مَلِكِ الرُّومِ، فَاجْتَمَعَ هُوَ وَرَسُولُ نَصْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ مَرْوَانَ، فَتَقَدَّمَ فَخْرُ الدَّوْلَةِ عَلَيْهِ، فَنَازَعَهُ رَسُولُ ابْنِ مَرْوَانَ، فَقَالَ فَخْرُ الدَّوْلَةِ لِمَلِكِ الرُّومِ: أَنَا أَسْتَحِقُّ التَّقَدُّمَ عَلَيْهِ لِأَنَّ صَاحِبَهُ يُؤَدِّي الْخَرَاجَ إِلَى صَاحِبِي. فَلَمَّا عَادَ إِلَى قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ أَرَادَ الْقَبْضَ عَلَيْهِ، فَاسْتَجَارَ بِأَبِي الشَّدَّادِ، وَكَانَتْ عُقَيْلٌ تُجِيرُ عَلَى أُمَرَائِهَا، وَسَارَ إِلَى حَلَبَ، فَوَزَرَ لِمُعِزِّ الدَّوْلَةِ أَبِي ثَمَالِ بْنِ صَالِحٍ. ثُمَّ مَضَى إِلَى مَلَطْيَةَ، وَمِنْهَا إِلَى ابْنِ مَرْوَانَ، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ أَمِنْتَنِي وَقَدْ فَعَلْتَ بِرَسُولِي مَا فَعَلْتَ عِنْدَ مَلِكِ الرُّومِ؟ فَقَالَ: حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ نُصْحُ صَاحِبِي. فَاسْتَوْزَرَهُ، فَعَمَرَ بِلَادَهُ. وَوَزَرَ بَعْدَ نَصْرِ الدَّوْلَةِ لِوَلَدِهِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَوَلِيَ وِزَارَةَ الْخَلِيفَةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَتَوَلَّى أَخْذَ دِيَارِ بِكْرٍ مِنْ بَنِي مَرْوَانَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُ السُّلْطَانُ، فَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ فَتُوُفِّيَ بِهَا.

стр. 4860

ذِكْرُ نَهْبِ الْعَرَبِ الْبَصْرَةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى نَهَبَ الْعَرَبُ الْبَصْرَةَ نَهْبًا قَبِيحًا. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ إِلَى بَغْدَاذَ، فِي بَعْضِ السِّنِينَ، رَجُلٌ أَشْقَرُ مِنْ سَوَادِ النِّيلِ يَدَّعِي الْأَدَبَ، وَالنُّجُومَ، وَيَسْتَجْرِي النَّاسَ، فَلَقَّبَهُ أَهْلُ بَغْدَاذَ تَلْيَا، وَكَانَ نَازِلًا فِي بَعْضِ الْخَانَاتِ، فَسَرَقَ ثِيَابًا مِنَ الدِّيبَاجِ وَغَيْرِهِ، وَأَخْفَاهَا (فِي خَلَفًا) ، وَسَارَ بِهَا، فَرَآهَا الَّذِينَ يَحْفَظُونَ الطَّرِيقَ، فَمَنَعُوهُ مِنَ السَّفَرِ (اتِّهَامًا لَهُ) ، وَحَمَلُوهُ إِلَى الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِمْ، فَأَطْلَقَهُ لِحُرْمَةِ الْعِلْمِ. فَسَارَ إِلَى أَمِيرٍ مِنْ أُمَرَاءِ الْعَرَبِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَبِلَادُهُ مُتَاخِمَةٌ الْأَحْسَاءَ، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ تَمْلِكُ الْأَرْضَ، وَقَدْ فَعَلَ أَجْدَادُكَ بِالْحَاجِّ كَذَا وَكَذَا، وَأَفْعَالُهُمْ مَشْهُورَةٌ، مَذْكُورَةٌ فِي التَّوَارِيخِ، وَحَسَّنَ لَهُ نَهْبَ الْبَصْرَةِ، وَأَخْذَهَا، فَجَمَعَ مِنَ الْعَرَبِ مَا يَزِيدُ عَلَى عَشْرَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ، وَقَصَدَ الْبَصْرَةَ، وَبِهَا الْعَمِيدُ عِصْمَةُ، وَلَيْسَ مَعَهُ مِنَ الْجُنْدِ إِلَّا الْيَسِيرَ، لَكَوْنِ الدُّنْيَا آمِنَةً مِنْ ذَاعِرٍ، وَلِأَنَّ النَّاسَ فِي جِنَّةٍ مِنْ هَيْبَةِ السُّلْطَانِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فِي أَصْحَابِهِ، وَحَارَبَهُمْ، وَلَمْ يُمَكِّنْهُمْ مِنْ دُخُولِ الْبَلَدِ، فَأَتَاهُ مَنْ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَهْلَ الْبَلَدِ يُرِيدُونَ أَنْ يُسَلِّمُوهُ إِلَى الْعَرَبِ، فَخَافَ، فَفَارَقَهُمْ، وَقَصَدَ الْجَزِيرَةَ الَّتِي هِيَ مَكَانُ الْقَلْعَةِ بِنَهْرِ مَعْقِلٍ. فَلَمَّا عَلِمَ أَهْلُ الْبَلَدِ بِذَلِكَ فَارَقُوا دِيَارَهُمْ وَانْصَرَفُوا، وَدَخَلَ الْعَرَبُ حِينَئِذٍ الْبَصْرَةَ، وَقَدْ قَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وَمَلَكُوهَا، وَنَهَبُوا مَا فِيهَا نَهْبًا شَنِيعًا، فَكَانُوا يَنْهَبُونَ نَهَارًا، وَأَصْحَابُ الْعَمِيدِ عِصْمَةَ يَنْهَبُونَ لَيْلًا، وَأَحْرَقُوا مَوَاضِعَ عِدَّةً، وَفِي جُمْلَةِ مَا أَحْرَقُوا دَارَانِ لِلْكُتُبِ إِحْدَاهُمَا وُقِفَتْ قَبْلَ أَيَّامِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ ابْنِ بُوَيْهٍ، فَقَالَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ: هَذِهِ مَكْرُمَةٌ سُبِقْنَا إِلَيْهَا، وَهِيَ أَوَّلُ دَارٍ وُقِفَتْ فِي الْإِسْلَامِ. وَالْأُخْرَى وَقَفَهَا

стр. 4861

الْوَزِيرُ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ شَاهْ مَرِدَانَ، وَكَانَ بِهَا نَفَائِسُ الْكُتُبِ وَأَعْيَانُهَا، وَأَحْرَقُوا أَيْضًا النَّحَّاسِينَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْأَمَاكِنِ. وَخُرِّبَتْ وُقُوفُ الْبَصْرَةِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ لَهَا نَظِيرٌ، مِنْ جُمْلَتِهَا: وُقُوفٌ عَلَى الْحِمَالِ الدَّائِرَةِ عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ، وَعَلَى الدَّوَالِيبِ الَّتِي تَحْمِلُ الْمَاءَ وَتُرَقِّيهِ إِلَى قِنَى الرَّصَاصِ الْجَارِيَةِ إِلَى الْمَصَانِعِ، وَهِيَ عَلَى فَرَاسِخَ مِنَ الْبَلَدِ، وَهِيَ مِنْ عَمَلِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْهَاشِمِيِّ وَغَيْرِهِ. وَكَانَ فِعْلُ الْعَرَبِ بِالْبَصْرَةِ أَوَّلَ خَرْقٍ جَرَى فِي أَيَّامِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ. فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى بَغْدَاذَ انْحَدَرَ سَعْدُ الدَّوْلَةِ كُوهَرَائِينُ، وَسَيْفُ الدَّوْلَةِ صَدَقَةُ بْنُ مَزْيَدٍ إِلَى الْبَصْرَةِ لِإِصْلَاحِ أُمُورِهَا، فَوَجَدُوا الْعَرَبَ قَدْ فَارَقُوهَا. ثُمَّ إِنْ تَلْيَا أُخِذَ بِالْبَحْرَيْنِ، وَأَرْسَلُوا إِلَى السُّلْطَانِ، فَشَهَّرَهُ بِبَغْدَاذَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] عَلَى جَمَلٍ، وَعَلَى رَأْسِهِ طُرْطُورٌ، وَهُوَ يُصْفَعُ بِالدِّرَّةِ، وَالنَّاسُ يَشْتُمُونَهُ، وَيَسُبُّهُمْ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَصُلِبَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ بَغْدَاذَ، فِي الْمُحَرَّمِ، بِمَنْشُورٍ مِنْ نِظَامِ الْمُلْكِ بِتَوْلِيَتِهِ تَدْرِيسَ الْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ، ثُمَّ وَرَدَ بَعْدَهُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنَ السَّنَةِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ الشِّيرَازِيُّ، وَهُوَ أَيْضًا مَعَهُ مَنْشُورٌ بِالتَّدْرِيسِ، فَاسْتَقَرَّ أَنْ يُدَرِّسَ يَوْمًا، وَالطَّبَرِيُّ يَوْمًا.

стр. 4862

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ٤٨٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ عَزْلِ الْوَزِيرِ أَبِي شُجَاعٍ وَوِزَارَةِ عَمِيدِ الدَّوْلَةِ بْنِ جَهِيرٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، عُزِلَ الْوَزِيرُ أَبُو شُجَاعٍ مِنْ وِزَارَةِ الْخَلِيفَةِ. وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ أَنَّ إِنْسَانًا يَهُودِيًّا بِبَغْدَاذَ يُقَالُ لَهُ أَبُو سَعْدِ بْنِ سَمْحَا كَانَ وَكِيلَ السُّلْطَانِ وَنِظَامَ الْمُلْكِ، فَلَقِيَهُ إِنْسَانٌ يَبِيعُ الْحُصْرَ، فَصَفَعَهُ صَفْعَةً أَزَالَتْ عِمَامَتَهُ، (عَنْ رَأْسِهِ) فَأُخِذَ الرَّجُلُ، وَحُمِلَ إِلَى الدِّيوَانِ، وَسُئِلَ عَنِ السَّبَبِ فِي فِعْلِهِ، فَقَالَ: هُوَ وَضَعَنِي عَلَى نَفْسِهِ، فَسَارَ كُوهَرَائِينُ وَمَعَهُ ابْنُ سَمْحَا الْيَهُودِيُّ إِلَى الْعَسْكَرِ يَشْكُوَانِ، وَكَانَا مُتَّفِقَيْنِ عَلَى الشِّكَايَةِ مِنَ الْوَزِيرِ أَبِي شُجَاعٍ. فَلَمَّا سَارَا خَرَجَ تَوْقِيعُ الْخَلِيفَةِ بِإِلْزَامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْغِيَارِ، وَلُبْسِ مَا شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ﵁، فَهَرَبُوا كُلَّ مَهْرَبٍ، أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ، فَمِمَّنْ أَسْلَمَ أَبُو الْعَلَاءِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ وَهَبِ بْنِ مُوصِلَايَا الْكَاتِبُ، وَابْنُ أَخِيهِ أَبُو نَصْرٍ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ صَاحِبُ الْخَبَرِ، أَسْلَمَا عَلَى يَدَيِ الْخَلِيفَةِ. وَنُقِلَ أَيْضًا عَنْهُ إِلَى السُّلْطَانِ وَنِظَامِ الْمُلْكِ أَنَّهُ يَكْسِرُ أَغْرَاضَهُمْ وَيُقَبِّحُ أَفْعَالَهُمْ، حَتَّى إِنَّهُ لَمَّا وَرَدَ الْخَبَرُ بِفَتْحِ السُّلْطَانِ سَمَرْقَنْدَ قَالَ: وَمَا هَذَا مِمَّا يُبَشَّرُ بِهِ، كَأَنَّهُ قَدْ فَتَحَ

стр. 4863

بِلَادَ الرُّومِ، هَلْ أَتَى إِلَّا إِلَى قَوْمٍ مُسْلِمِينَ مُوَحِّدِينَ، فَاسْتَبَاحَ مِنْهُمْ مَا لَا يُسْتَبَاحُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ! فَلَمَّا وَصَلَ كُوهَرَائِينُ وَابْنُ سَمْحَا إِلَى الْعَسْكَرِ وَشَكَوَا مِنَ الْوَزِيرِ إِلَى السُّلْطَانِ وَنِظَامِ الْمُلْكِ، وَأَخْبَرَاهُمَا بِجَمِيعِ مَا يَقُولُ عَنْهُمَا، وَيَكْسِرُ مِنْ أَغْرَاضِهِمَا، أَرْسَلَا إِلَى الْخَلِيفَةِ فِي عَزْلِهِ، فَعَزَلَهُ، وَأَمَرَهُ بِلُزُومِ بَيْتِهِ، وَكَانَ عَزْلُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَلَمَّا أُمِرَ بِذَلِكَ أَنْشَدَ: تَوَلَّاهَا وَلَيْسَ لَهُ عَدُوٌّ ... وَفَارَقَهَا وَلَيْسَ لَهُ صَدِيقُ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، يَوْمُ الْجُمْعَةِ، خَرَجَ مِنْ دَارِهِ إِلَى الْجَامِعِ رَاجِلًا، وَاجْتَمَعَ الْخَلْقُ الْعَظِيمُ عَلَيْهِ، فَأُمِرَ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهِ، وَلَمَّا عُزِلَ اسْتُنِيبَ فِي الْوِزَارَةِ أَبُو سَعِدِ بْنُ مُوصِلَايَا، كَاتِبُ الْإِنْشَاءِ، وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى السُّلْطَانِ وَنِظَامِ الْمُلْكِ يَسْتَدْعِي عَمِيدَ الدَّوْلَةِ بْنَ جَهِيرٍ لِيَسْتَوْزِرَهُ، فَسُيِّرَ إِلَيْهِ، فَاسْتَوْزَرَهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَرَكِبَ إِلَيْهِ نِظَامُ الْمُلْكِ، فَهَنَّأَهُ بِالْوِزَارَةِ فِي دَارِهِ، وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ تَهْنِئَتَهُ بِالْعَوْدِ إِلَى الْوِزَارَةِ. ذِكْرُ مُلْكِ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ بِلَادَ الْأَنْدَلُسِ الَّتِي لِلْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَجَبٍ، مَلَكَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ يُوسُفُ بْنُ تَاشَفِينَ، صَاحِبُ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ مَا هُوَ بَيْدَ الْمُسْلِمِينَ: قُرْطُبَةَ وَإِشْبِيلِيَّةَ، وَقَبَضَ عَلَى الْمُعْتَمِدِ بْنِ عَبَّادٍ صَاحِبِهَا، وَمَلَكَ غَيْرَهَا مِنَ الْأَنْدَلُسِ. وَلَقَدْ جَرَى لِلرَّشِيدِ بْنِ الْمُعْتَمِدِ حَادِثَةٌ شَبِيهَةٌ بِحَادِثَةِ الْأَمِينِ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ عِيسَى بْنُ اللُّبَانَةِ الدَّانِيُّ، مِنْ مَدِينَةِ دَانِيَةَ: كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ الرَّشِيدِ بْنِ الْمُعْتَمِدِ فِي مَجْلِسِ أُنْسِهِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَجَرَى ذِكْرُ غَرْنَاطَةَ، وَمَلْكِ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ لَهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَخْذَهَا فِي وَقْعَةِ الزَّلَّاقَةِ، فَلَمَّا ذَكَرْنَاهَا تَفَجَّعَ، وَتَلَهَّفَ،

стр. 4864

وَاسْتَرْجَعَ، وَذَكَرَ قَصْرَهَا، فَدَعَوْنَا لِقَصْرِهِ بِالدَّوَامِ، وَلِمُلْكِهِ بِتَرَاخِي الْأَيَّامِ فَأَمَرَ عِنْدَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ الْإِشْبِيلِيَّ بِالْغِنَاءِ فَغَنَّى: يَا دَارَ مَيَّةَ بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ ... أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الْأَبَدِ فَاسْتَحَالَتْ مَسَرَّتُهُ، وَتَجَهَّمَتْ أَسِرَّتُهُ. ثُمَّ أَمَرَ بِالْغِنَاءِ مِنْ سِتَارَتِهِ فَغُنِّيَ: إِنْ شِئْتَ أَنْ لَا تَرَى صَبْرًا لِمُصْطَبِرٍ ... فَانْظُرْ إِلَى أَيِّ حَالٍ أَصْبَحَ الطَّلَلُ فَتَأَكَّدَ تَطَيُّرُهُ، وَاشْتَدَّ ارْبِدَادُ وَجْهِهِ وَتَغَيُّرُهُ، وَأَمَرَ مُغَنِّيَةً أُخْرَى بِالْغِنَاءِ، فَغَنَّتْ: يَا لَهَفَ نَفْسِي عَلَى مَالٍ أُفَرِّقُهُ ... عَلَى الْمُقِلِّينَ مِنْ أَهْلِ الْمُرُوءَاتِ إِنَّ اعْتِذَارِي إِلَى مَنْ جَاءَ يَسْأَلُنِي ... مَا لَيْسَ عِنْدِي مِنْ إِحْدَى الْمُصِيبَاتِ قَالَ ابْنُ اللُّبَانَةِ: فَتَلَافَيْتُ الْحَالَ بِأَنْ قُمْتُ فَقُلْتُ: مَحَلُّ مَكْرُمَةٍ لَا هُدَّ مَبْنَاهُ ... وَشَمْلُ مَأْثُرَةٍ لَا شَتَّهُ اللَّهُ الْبَيْتُ كَالْبَيْتِ لَكِنْ زَادَ ذَا ... شَرَفًا إِنَّ الرَّشِيدَ مَعَ الْمُعْتَدِّ رُكْنَاهُ ثَاوٍ عَلَى أَنْجُمِ الْجَوْزَاءِ مَقْعَدُهُ ... وَرَاحِلٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَثْوَاهُ حَتْمٌ عَلَى الْمَلْكِ أَنْ يَقْوَى وَقَدْ ... وُصِلَتْ بِالشَّرْقِ وَالْغَرْبِ يُمْنَاهُ وَيُسْرَاهُ بَأْسٌ تَوَقَّدَ فَاحْمَرَّتْ لَوَاحِظُهُ ... وَنَائِلٌ شَبَّ فَاخْضَرَّتْ عِذَارَاهُ فَلَعَمْرِي قَدْ بَسَطْتُ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَعَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ أُنْسِهِ، عَلَى أَنِّي وَقَعْتُ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ الْكُلُّ بِقَوْلِي: الْبَيْتُ كَالْبَيْتِ. وَأَمَرَ إِثْرَ ذَلِكَ بِالْغِنَاءِ فَغُنِّيَ: وَلَمَّا قَضَيْنَا مِنْ مِنَى كُلَّ حَاجَةٍ ... وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تُزَمَّ الرَّكَائِبُ فَأَيْقَنَّا أَنَّ هَذِهِ الطِّيَرَ، تُعْقِبُ الْغِيَرَ. فَلَمَّا أَرَادَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ مَلْكَ الْأَنْدَلُسِ سَارَ مِنْ مُرَّاكِشَ إِلَى سَبْتَةَ، وَأَقَامَ بِهَا، وَسَيَّرَ الْعَسَاكِرَ مَعَ سِيرِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ إِلَى

стр. 4865

الْأَنْدَلُسِ، فَعَبَرُوا الْخَلِيجَ فَأَتَوْا مَدِينَةَ مُرْسِيَةَ، فَمَلَكُوهَا وَأَعْمَالَهَا، وَأَخْرَجُوا صَاحِبَهَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ طَاهِرٍ مِنْهَا، وَسَارُوا إِلَى مَدِينَةِ شَاطِبَةَ وَمَدِينَةِ دَانِيَةَ فَمَلَكُوهَا. وَكَانَتْ بَلَنْسِيَةُ قَدْ مَلَكَهَا الْفِرِنْجُ قَدِيمًا، بَعْدَ أَنْ حَصَرُوهَا سَبْعَ سِنِينَ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِوَقْعَةِ الزَّلَّاقَةِ فَارَقُوهَا، فَمَلَكَهَا الْمُسْلِمُونَ أَيْضًا، وَعَمَّرُوهَا وَسَكَنُوهَا، فَصَارَتِ الْآنَ لِلْمُرَابِطِينَ. وَكَانُوا قَدْ مَلَكُوا غَرْنَاطَةَ نَوْبَةَ الزَّلَّاقَةِ، فَقَصَدُوا مَدِينَةَ إِشْبِيلِيَّةَ، وَبِهَا صَاحِبُهَا الْمُعْتَمِدُ بْنُ عِبَادٍ، فَحَصَرُوهُ بِهَا، وَضَيَّقُوا عَلَيْهِ، فَقَاتَلَ أَهْلُهَا قِتَالًا شَدِيدًا، (وَظَهَرَ مِنْ شَجَاعَةِ) الْمُعْتَمِدِ، وَشِدَّةِ بَأْسِهِ، وَحُسْنِ دِفَاعِهِ عَنْ بَلَدِهِ مَا لَمْ يُشَاهَدْ مِنْ غَيْرِهِ مَا يُقَارِبُهُ، فَكَانَ يُلْقِي نَفْسَهُ فِي الْمَوَاقِفِ الَّتِي لَا يُرْجَى خَلَاصُهُ مِنْهَا، فَيَسْلَمَ بِشَجَاعَتِهِ، وَشِدَّةِ نَفْسِهِ، وَلَكِنْ إِذَا نَفَدَتِ الْمُدَّةُ، لَمْ تُغْنِ الْعُدَّةُ. وَكَانَتِ الْفِرِنْجُ قَدْ سَمِعُوا بِقَصْدِ عَسَاكِرِ الْمُرَابِطِينَ بِلَادَ الْأَنْدَلُسِ، فَخَافُوا أَنْ يَمْلِكُوهَا ثُمَّ يَقْصِدُوا بِلَادَهُمْ، فَجَمَعُوا فَأَكْثَرُوا، وَسَارُوا لِيُسَاعِدُوا الْمُعْتَمِدَ، وَيُعِينُوهُ عَلَى الْمُرَابِطِينَ، فَسَمِعَ سِيرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، مُقَدِّمَ الْمُرَابِطِينَ بِمَسِيرِهِمْ، فَفَارَقَ إِشْبِيلِيَّةَ وَتَوَجَّهَ إِلَى لِقَاءِ الْفِرِنْجِ، فَلَقِيَهُمْ، وَقَاتَلَهُمْ، وَهَزَمَهُمْ، وَعَادَ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ فَحَصَرَهَا، وَلَمْ يَزَلِ الْحِصَارُ دَائِمًا، وَالْقِتَالُ مُسْتَمِرًّا إِلَى الْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَعَظُمَ الْحَرْبُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، وَدَخَلَهُ الْمُرَابِطُونَ مِنْ وَادِيهِ، وَنُهِبَ جَمِيعُ مَا فِيهِ، وَلَمْ يُبْقُوا عَلَى سَبَدٍ وَلَا لَبَدٍ، وَسَلَبُوا النَّاسَ ثِيَابَهُمْ، فَخَرَجُوا مِنْ مَسَاكِنِهِمْ يَسْتُرُونَ عَوْرَاتِهِمْ بِأَيْدِيهِمْ، وَسُبِيَتِ الْمُخَدَّارَتُ، وَانْتُهِكَتِ الْحُرُمَاتُ، فَأُخِذَ الْمُعْتَمِدُ أَسِيرًا، وَمَعَهُ أَوْلَادُهُ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ، بَعْدَ أَنِ اسْتَأْصَلُوا جَمِيعَ مَالِهِمْ، فَلَمْ يَصْحَبْهُمْ مِنْ مُلْكِهِمْ بُلْغَةُ زَادٍ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُعْتَمِدَ سَلَّمَ الْبَلَدَ بِأَمَانٍ، وَكَتَبَ نُسْخَةَ الْأَمَانِ وَالْعَهْدِ، وَاسْتَحْلَفَهُمْ بِهِ لِنَفْسِهِ، وَأَهْلِهِ، وَمَالِهِ، وَعَبِيدِهِ، وَجَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَسْبَابِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ إِلَيْهِمْ إِشْبِيلِيَّةَ لَمْ يَفُوا لَهُ، وَأَخَذُوهُمْ أُسَرَاءَ، وَمَالَهُمْ غَنِيمَةً، وَسُيِّرَ الْمُعْتَمِدُ وَأَهْلُهُ إِلَى مَدِينَةِ أَغْمَاتَ،

стр. 4866

فَحُبِسُوا فِيهَا، وَفَعَلَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ أَفْعَالًا لَمْ يَسْلُكْهَا أَحَدٌ مِمَّنْ قَبْلَهُ، وَلَا يَفْعَلُهَا أَحَدٌ مِمَّنْ يَأْتِي بَعْدَهُ، إِلَّا مَنْ رَضِيَ لِنَفْسِهِ بِهَذِهِ الرَّذِيلَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سَجَنَهُمْ فَلَمْ يُجْرِ عَلَيْهِمْ مَا يَقُومُ بِهِمْ، حَتَّى كَانَتْ بَنَاتُ الْمُعْتَمِدِ يَغْزِلْنَ لِلنَّاسِ بِأُجْرَةٍ يُنْفِقُونَهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَذَكَرَ ذَلِكَ الْمُعْتَمِدُ فِي أَبْيَاتٍ تَرِدُ عِنْدَ ذِكْرِ وَفَاتِهِ، فَأَبَانَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ بِهَذَا الْفِعْلِ عَنْ صِغَرِ نَفْسٍ وَلُؤْمِ قُدْرَةٍ. وَأَغْمَاتُ هَذِهِ مَدِينَةٌ فِي سَفْحِ جَبَلٍ بِالْقُرْبِ مِنْ مُرَّاكِشَ، وَسَيَرِدُ مِنْ ذِكْرِ الْمُعْتَمِدِ عِنْدَ مَوْتِهِ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، مَا يُعْرَفُ بِهِ مَحَلُّهُ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ اللُّبَانَةِ: زُرْتُ الْمُعْتَمِدَ بَعْدَ أَسْرِهِ بِأَغْمَاتَ، وَقُلْتُ أَبْيَاتًا، عِنْدَ دُخُولِي إِلَيْهِ، مِنْهَا: لَمْ أَقُلْ فِي الثِّقَافِ كَانَ ثِقَافًا ... كُنْتَ قَلْبًا بِهِ وَكَانَ شَغَافًا يَمْكُثُ الزَّهْرُ فِي الْكِمَامِ ... وَلَكِنْ بَعْدَ مَكْثِ الْكِمَامِ يَدْنُو قِطَافَا وَإِذَا مَا الْهِلَالُ غَابَ بِغَيْمٍ ... لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمَغِيبُ انْكِسَافَا إِنَّمَا أَنْتَ دُرَّةٌ لِلْمَعَالِي رَكِبَ ... الدَّهْرُ فَوْقَهَا أَصْدَافَا حَجَبَ الْبَيْتُ مِنْكَ شَخْصًا ... كَرِيمًا مِثْلَمَا تَحْجُبُ الدِّنَانُ السُّلَافَا أَنْتَ لِلْفَضْلِ كَعْبَةٌ وَلَوْ ... أَنِّي كُنْتُ أَسْطِيعُ لَالْتَزَمْتُ الطَّوَافَا قَالَ: وَجَرَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مُخَاطَبَاتٌ أَلَذُّ مِنْ غَفَلَاتِ الرَّقِيبِ، وَأَشْهَى مِنْ رَشَفَاتِ الْحَبِيبِ، وَأَدَلُّ عَلَى السَّمَاحِ مِنْ فَجْرٍ عَلَى صَبَاحٍ. وَلَمَّا أُخِذَ الْمُعْتَمِدُ وَأَهْلُهُ قُتِلَ وَلَدَاهُ الْفَتْحُ وَيَزِيدُ بَيْنَ يَدَيْهِ صَبْرًا، فَقَالَ فِي ذَلِكَ:

стр. 4867

يَقُولُونَ صَبْرًا لَا سَبِيلَ إِلَى الصَّبْرِ ... سَأَبْكِي وَأُبْكِي مَا تَطَاوَلَ مِنْ عُمْرِي أَفْتَحٌ لَقَدْ فَتَّحْتَ لِي بَابَ رَحْمَةٍ ... كَمَا بِيَزِيدَ اللَّهُ قَدْ زَادَ فِي أَجْرِي هَوَى بِكُمَا الْمِقْدَارُ عَنِّي وَلَمْ ... أَمُتْ فَأُدْعَى وَفِّيًا قَدْ نَكَصْتُ إِلَى الْغَدْرِ وَلَوْ عُدْتُمَا لَاخْتَرْتُمَا الْعَوْدَ فِي ... الثَّرَى إِذَا أَنْتُمَا أَبْصَرْتُمَانِي فِي الْأَسْرِ أَبَا خَالِدٍ أَوْرَثْتَنِي الْبَثَّ خَالِدًا أَبَا ... نَصَرَ مُذْ وَدَّعْتَ وَدَّعَنِي نَصْرِي وَكَانَ الْمُعْتَمِدُ يُكَاتِبُهُ فُضَلَاءُ الْبَلَادِ، وَهُوَ مَحْبُوسٌ، بِالنَّثْرِ وَالنَّظْمِ، يَتَوَجَّعُونَ لَهُ، وَيَذُمُّونَ الزَّمَانَ وَأَهْلَهُ، حَيْثُ مِثْلُهُ مَنْكُوبٌ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَمْدِيسَ، (وَكَتَبَهُ إِلَيْهِ) يَذْكُرُ مَسِيرَهُمْ عَنْ إِشْبِيلِيَّةَ إِلَى أَغْمَاتَ: جَرَى لَكَ جَدٌّ بِالْكِرَامِ عَثُورُ ... وَجَارَ زَمَانٌ كُنْتَ مِنْهُ تُجِيرُ لَقَدْ أَصْبَحَتْ بِيضُ الظُّبَى فِي ... غُمُودِهَا إِنَاثًا لِتَرْكِ الضَّرْبِ وَهِيَ ذُكُورُ وَلَمَّا رَحَلْتُمْ بِالنَّدَى فِي أَكُفِّكُمْ ... وَقُلْقِلَ رَضْوَى مِنْكُمُ وَثَبِيرُ رَفَعْتُ لِسَانِي بِالْقِيَامَةِ قَدْ أَتَتْ ... أَلَا (فَانْظُرُوا كَيْفَ الْجِبَالُ تَسِيرُ ) وَقَالَ شَاعِرُهُ ابْنُ اللُّبَانَةِ فِي حَادِثَتِهِ أَيْضًا: تَبْكِي السَّمَاءُ بِدَمْعٍ رَائِحٍ غَادِي ... عَلَى الْبَهَالِيلِ مِنْ أَبْنَاءِ عَبَّادِ عَلَى الْجِبَالِ الَّتِي هُدَّتْ قَوَاعِدُهَا ... وَكَانَتِ الْأَرْضُ مِنْهَا تَحْتَ أَوْتَادِ عِرِّيسَةٍ دَخَلَتْهَا النَّائِبَاتُ عَلَى ... أَسَاوِدَ مِنْهُمْ فِيهَا وَآسَادِ وَكَعْبَةٍ كَانَتِ الْآمَالُ تَعْمُرُهَا فَالْيَوْمَ لَا عَاكِفٌ فِيهَا وَلَا بَادِ وَلَمَّا اسْتَقْصَى عَسْكَرُ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ مُلُوكَ الْأَنْدَلُسِ، وَأَخَذَ بِلَادَهُمْ، جَمَعَ

стр. 4868

مُلُوكَهُمْ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى بِلَادٍ بِالْغَرْبِ، وَفَرَّقَهُمْ فِيهَا، ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] . وَلَمَّا فَرَغَ سِيرُ مِنْ إِشْبِيلِيَّةَ سَارَ إِلَى الْمَرِيَّةَ فَنَازَلَهَا، وَكَانَ صَاحِبُهَا مُحَمَّدَ بْنَ (مَعْنِ بْنِ صُمَادِحَ) ، فَقَالَ لِوَلَدِهِ: مَا دَامَ الْمُعْتَمِدُ بِإِشْبِيلِيَّةَ فَلَا نُبَالِي بِالْمُرَابِطِينَ، فَلَمَّا سَمِعَ بِمَلْكِهِمْ لَهَا، وَمَا جَرَى لِلْمُعْتَمِدِ، مَاتَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ غَمًّا وَكَمَدًا، فَلَمَّا مَاتَ سَارَ وَلَدُهُ الْحَاجِبُ وَأَهْلُهُ فِي مَرَاكِبَ، وَمَعَهُمْ كُلُّ مَالِهِمْ، وَقَصَدُوا بِلَادَ بَنِي حَمَّادٍ، فَأَحْسَنُوا إِلَيْهِمْ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْأَفْطَسِ، صَاحِبُ بَطْلَيْمُوسَ، مِمَّنْ أَعَانَ سِيرَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَلَمَّا فُتِحَتْ إِشْبِيلِيَّةُ رَجَعَ ابْنُ الْأَفْطَسِ إِلَى بَلَدِهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ سِيرُ، وَحَارَبَهُ، فَغَلَبَهُ، وَأَخَذَ بَلَدَهُ مِنْهُ، وَأَخَذَهُ أَسِيرًا هُوَ وَوَلَدُهُ الْفَضْلُ، فَقَتَلَهُمَا، فَقَالَ عُمَرُ حِينَ أَرَادُوا قَتْلَهُ: قَدِّمُوا وَلَدِي قَبْلِي لِلْقَتْلِ لِيَكُونَ فِي صَحِيفَتِي! فَقُتِلَ وَلَدُهُ قَبْلَهُ، وَقُتِلَ هُوَ بَعْدَهُ، وَاحْتَوَى سِيرُ عَلَى ذَخَائِرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. وَلَمْ يَتْرُكْ مِنْ مُلُوكِ الْأَنْدَلُسِ سِوَى بَنِي هُودٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِلَادَهُمْ، وَهِيَ شَرْقُ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ صَاحِبُهَا حِينَئِذٍ الْمُسْتَعِينَ بِاللَّهِ بْنَ هُودٍ، وَهُوَ مِنَ الشُّجْعَانِ الَّذِينَ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِهِمْ، وَكَانَ قَدْ أَعَدَّ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْحِصَارِ، وَتَرَكَ عِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ عِدَّةَ سِنِينَ بِمَدِينَةِ رُوطَةَ، وَكَانَتْ قَلْعَةً حَصِينَةً، وَكَانَتْ رَعِيَّتُهُ تَخَافُهُ، وَلَمْ يَزَلْ يُهَادِي أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ، قَبْلَ أَنْ يَقْصِدَ بِلَادَ الْأَنْدَلُسِ وَيَمْلِكَهَا. وَيُوَاصِلُهُ، وَيُكْثِرُ مُرَاسَلَتَهُ، فَرَعَى لَهُ ذَلِكَ، حَتَّى إِنَّهُ أَوْصَى ابْنَهُ عَلِيَّ بْنَ يُوسُفَ عِنْدَ مَوْتِهِ بِتَرْكِ التَّعَرُّضِ

стр. 4869

لِبِلَادِ بَنِي هُودٍ، وَقَالَ: اتْرُكْهُمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ، فَإِنَّهُمْ شُجْعَانُ. ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ جَزِيرَةَ صِقِلِّيَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْلَى الْفِرِنْجُ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ، عَلَى جَمِيعِ جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ، أَعَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ صِقِلِّيَةَ كَانَ الْأَمِيرُ عَلَيْهَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ أَبَا الْفُتُوحِ يُوسُفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ، وَلَّاهُ عَلَيْهَا الْعَزِيزُ الْعَلَوِيُّ، صَاحِبُ مِصْرَ وَإِفْرِيقِيَةَ، فَأَصَابَهُ هَذِهِ السَّنَةَ فَالِجٌ، فَتَعَطَّلَ جَانِبُهُ الْأَيْسَرُ، وَضَعُفَ الْجَانِبُ الْأَيْمَنُ، فَاسْتَنَابَ ابْنَهُ جَعْفَرًا، فَبَقِيَ كَذَلِكَ ضَابِطًا لِلْبِلَادِ، حَسَنَ السِّيرَةِ فِي أَهْلِهَا إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَخَالَفَ عَلَيْهِ أَخُوهُ عَلِيٌّ، وَأَعَانَهُ جَمْعٌ مِنَ الْبَرْبَرِ وَالْعَبِيدِ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ أَخُوهُ جَعْفَرٌ جُنْدًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَاقْتَتَلُوا سَابِعَ شَعْبَانَ، وَقُتِلَ مِنَ الْبَرْبَرِ وَالْعَبِيدِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَهَرَبَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَأُخِذَ عَلِيٌّ أَسِيرًا، فَقَتَلَهُ أَخُوهُ جَعْفَرٌ، وَعَظُمَ قَتْلُهُ عَلَى أَبِيهِ، فَكَانَ بَيْنَ خُرُوجِهِ وَقَتْلِهِ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ. وَأَمَرَ جَعْفَرٌ حِينَئِذٍ أَنْ يُنْفَى كُلُّ بَرْبَرِيٍّ بِالْجَزِيرَةِ، فَنُفُوا إِلَى إِفْرِيقِيَةَ، وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْعَبِيدِ، فَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَجَعَلَ جُنْدَهُ كُلَّهُمْ مِنْ أَهْلِ صِقِلِّيَةَ. فَقَلَّ الْعَسْكَرُ بِالْجَزِيرَةِ، وَطَمِعَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ فِي الْأُمَرَاءِ، فَلَمْ يَمْضِ إِلَّا يَسِيرٌ حَتَّى ثَارَ بِهِ أَهْلُ صِقِلِّيَةَ، وَأَخْرَجُوهُ، وَخَلَعُوهُ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ وَلَّى عَلَيْهِمْ إِنْسَانًا صَادَرَهُمْ، وَأَخَذَ الْأَعْشَارَ مِنْ غَلَّاتِهِمْ، وَاسْتَخَفَّ بِقُوَّادِهِمْ وَشُيُوخِ الْبَلَدِ، وَقَهَرَ جَعْفَرٌ إِخْوَتَهُ، وَاسْتَطَالَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَشْعُرْ إِلَّا وَقَدْ زَحَفَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْبَلَدِ كَبِيرُهُمْ وَصَغِيرُهُمْ، فَحَصَرُوهُ فِي قَصْرِهِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ عَشْرٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَأَشْرَفُوا عَلَى أَخْذِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَبُوهُ يُوسُفُ فِي مِحَفَّةٍ، وَكَانُوا لَهُ مُحِبِّينَ، فَلَطَفَ بِهِمْ وَرَفَقَ، فَبَكَوْا رَحْمَةً لَهُ مِنْ مَرَضِهِ، وَذَكَرُوا لَهُ مَا أَحْدَثَ ابْنُهُ عَلَيْهِمْ، وَطَلَبُوا أَنْ يَسْتَعْمِلَ ابْنَهُ أَحْمَدَ الْمَعْرُوفَ بِالْأَكْحَلِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ.

стр. 4870

وَخَافَ يُوسُفُ عَلَى ابْنِهِ جَعْفَرٍ مِنْهُمْ، فَسَيَّرَهُ فِي مَرْكِبٍ إِلَى مِصْرَ، وَسَارَ أَبُوهُ يُوسُفُ بَعْدَهُ، وَمَعَهُمَا مِنَ الْأَمْوَالِ سِتُّمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَسَبْعُونَ أَلْفًا، وَكَانَ لِيُوسُفَ مِنَ الدَّوَابِّ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ حِجْرَةٍ، سِوَى الْبِغَالِ وَغَيْرِهَا، وَمَاتَ بِمِصْرَ وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا دَابَّةٌ وَاحِدَةٌ. وَلَمَّا وَلِيَ الْأَكْحَلُ أَخَذَ أَمْرَهُ بِالْحَزْمِ وَالِاجْتِهَادِ، وَجَمَعَ الْمُقَاتِلَةَ، وَبَثَّ سَرَايَاهُ فِي بِلَادِ الْكَفَرَةِ، فَكَانُوا يَحْرِقُونَ، وَيَغْنِمُونَ، وَيَسْبُونَ، وَيُخَرِّبُونَ الْبِلَادَ، وَأَطَاعَهُ جَمِيعُ قِلَاعِ صِقِلِّيَةَ الَّتِي لِلْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ لِلْأَكْحَلِ ابْنٌ اسْمُهُ جَعْفَرٌ كَانَ يَسْتَنِيبُهُ إِذَا سَافَرَ، فَخَالَفَ سِيرَةَ أَبِيهِ، ثُمَّ (إِنَّ الْأَكْحَلَ) جَمَعَ أَهْلَ صِقِلِّيَةَ وَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ أُشْلِيكُمْ عَلَى الْإِفْرِيقِيِّنَ الَّذِينَ قَدْ شَارَكُوكُمْ فِي بِلَادِكُمْ، وَالرَّأْيُ إِخْرَاجُهُمْ، فَقَالُوا: قَدْ صَاهَرْنَاهُمْ وَصِرْنَا شَيْئًا وَاحِدًا، فَصَرَفَهُمْ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى الْإِفْرِيقِيِّينَ، فَقَالَ لَهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَجَابُوهُ إِلَى مَا أَرَادَ، فَجَمَعَهُمْ حَوْلَهُ، فَكَانَ يَحْمِي أَمْلَاكَهُمْ، وَيَأْخُذُ الْخَرَاجَ مِنْ أَمْلَاكِ أَهْلِ صِقِلِّيَةَ، فَسَارَ مِنْ أَهْلِ صِقِلِّيَةَ جَمَاعَةٌ إِلَى الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ، وَشَكَوْا إِلَيْهِ مَا حَلَّ بِهِمْ، وَقَالُوا: نُحِبُّ أَنْ نَكُونَ فِي طَاعَتِكَ، وَإِلَّا سَلَّمْنَا الْبِلَادَ إِلَى الرُّومِ، وَذَلِكَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَسَيَّرَ مَعَهُمْ وَلَدَهُ عَبْدَ اللَّهِ فِي عَسْكَرٍ، فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَحَصَرَ الْأَكْحَلَ فِي الْخُلَاصَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ صِقِلِّيَةَ، وَأَرَادَ بَعْضُهُمْ نُصْرَةَ الْأَكْحَلِ، فَقَتَلَهُ الَّذِينَ أَحْضَرُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُعِزِّ. ثُمَّ إِنَّ الصِّقِلِّيِّينَ رَجَعَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَقَالُوا: أَدْخَلْتُمْ غَيْرَكُمْ عَلَيْكُمْ، وَاللَّهِ لَا كَانَتْ عَاقِبَةُ أَمْرِكُمْ فِيهِ إِلَى خَيْرٍ! فَعَزَمُوا عَلَى حَرْبِ عَسْكَرِ الْمُعِزِّ، فَاجْتَمَعُوا وَزَحَفُوا إِلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْمُعِزِّ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ ثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ، وَرَجَعُوا فِي الْمَرَاكِبِ إِلَى إِفْرِيقِيَةَ، وَوَلَّى أَهْلُ الْجَزِيرَةِ عَلَيْهِمْ حَسَنًا الصَّمْصَامَ، أَخَا الْأَكْحَلِ، فَاضْطَرَبَتْ أَحْوَالُهُمْ، وَاسْتَوْلَى الْأَرَاذِلُ، وَانْفَرَدَ كُلُّ إِنْسَانٍ بِبَلَدٍ، وَأَخْرَجُوا الصَّمْصَامَ،
следующие страницы →