Полный текст (6 163 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.
стр. 4866
فَحُبِسُوا فِيهَا، وَفَعَلَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ أَفْعَالًا لَمْ يَسْلُكْهَا أَحَدٌ مِمَّنْ قَبْلَهُ، وَلَا يَفْعَلُهَا أَحَدٌ مِمَّنْ يَأْتِي بَعْدَهُ، إِلَّا مَنْ رَضِيَ لِنَفْسِهِ بِهَذِهِ الرَّذِيلَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سَجَنَهُمْ فَلَمْ يُجْرِ عَلَيْهِمْ مَا يَقُومُ بِهِمْ، حَتَّى كَانَتْ بَنَاتُ الْمُعْتَمِدِ يَغْزِلْنَ لِلنَّاسِ بِأُجْرَةٍ يُنْفِقُونَهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَذَكَرَ ذَلِكَ الْمُعْتَمِدُ فِي أَبْيَاتٍ تَرِدُ عِنْدَ ذِكْرِ وَفَاتِهِ، فَأَبَانَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ بِهَذَا الْفِعْلِ عَنْ صِغَرِ نَفْسٍ وَلُؤْمِ قُدْرَةٍ.
وَأَغْمَاتُ هَذِهِ مَدِينَةٌ فِي سَفْحِ جَبَلٍ بِالْقُرْبِ مِنْ مُرَّاكِشَ، وَسَيَرِدُ مِنْ ذِكْرِ الْمُعْتَمِدِ عِنْدَ مَوْتِهِ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، مَا يُعْرَفُ بِهِ مَحَلُّهُ.
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ اللُّبَانَةِ: زُرْتُ الْمُعْتَمِدَ بَعْدَ أَسْرِهِ بِأَغْمَاتَ، وَقُلْتُ أَبْيَاتًا، عِنْدَ دُخُولِي إِلَيْهِ، مِنْهَا:
لَمْ أَقُلْ فِي الثِّقَافِ كَانَ ثِقَافًا ... كُنْتَ قَلْبًا بِهِ وَكَانَ شَغَافًا
يَمْكُثُ الزَّهْرُ فِي الْكِمَامِ ... وَلَكِنْ بَعْدَ مَكْثِ الْكِمَامِ يَدْنُو قِطَافَا
وَإِذَا مَا الْهِلَالُ غَابَ بِغَيْمٍ ... لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمَغِيبُ انْكِسَافَا
إِنَّمَا أَنْتَ دُرَّةٌ لِلْمَعَالِي رَكِبَ ... الدَّهْرُ فَوْقَهَا أَصْدَافَا
حَجَبَ الْبَيْتُ مِنْكَ شَخْصًا ... كَرِيمًا مِثْلَمَا تَحْجُبُ الدِّنَانُ السُّلَافَا
أَنْتَ لِلْفَضْلِ كَعْبَةٌ وَلَوْ ... أَنِّي كُنْتُ أَسْطِيعُ لَالْتَزَمْتُ الطَّوَافَا
قَالَ: وَجَرَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مُخَاطَبَاتٌ أَلَذُّ مِنْ غَفَلَاتِ الرَّقِيبِ، وَأَشْهَى مِنْ رَشَفَاتِ الْحَبِيبِ، وَأَدَلُّ عَلَى السَّمَاحِ مِنْ فَجْرٍ عَلَى صَبَاحٍ.
وَلَمَّا أُخِذَ الْمُعْتَمِدُ وَأَهْلُهُ قُتِلَ وَلَدَاهُ الْفَتْحُ وَيَزِيدُ بَيْنَ يَدَيْهِ صَبْرًا، فَقَالَ فِي ذَلِكَ:
стр. 4867
يَقُولُونَ صَبْرًا لَا سَبِيلَ إِلَى الصَّبْرِ ... سَأَبْكِي وَأُبْكِي مَا تَطَاوَلَ مِنْ عُمْرِي
أَفْتَحٌ لَقَدْ فَتَّحْتَ لِي بَابَ رَحْمَةٍ ... كَمَا بِيَزِيدَ اللَّهُ قَدْ زَادَ فِي أَجْرِي
هَوَى بِكُمَا الْمِقْدَارُ عَنِّي وَلَمْ ... أَمُتْ فَأُدْعَى وَفِّيًا قَدْ نَكَصْتُ إِلَى الْغَدْرِ
وَلَوْ عُدْتُمَا لَاخْتَرْتُمَا الْعَوْدَ فِي ... الثَّرَى إِذَا أَنْتُمَا أَبْصَرْتُمَانِي فِي الْأَسْرِ
أَبَا خَالِدٍ أَوْرَثْتَنِي الْبَثَّ خَالِدًا أَبَا ... نَصَرَ مُذْ وَدَّعْتَ وَدَّعَنِي نَصْرِي
وَكَانَ الْمُعْتَمِدُ يُكَاتِبُهُ فُضَلَاءُ الْبَلَادِ، وَهُوَ مَحْبُوسٌ، بِالنَّثْرِ وَالنَّظْمِ، يَتَوَجَّعُونَ لَهُ، وَيَذُمُّونَ الزَّمَانَ وَأَهْلَهُ، حَيْثُ مِثْلُهُ مَنْكُوبٌ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَمْدِيسَ، (وَكَتَبَهُ إِلَيْهِ) يَذْكُرُ مَسِيرَهُمْ عَنْ إِشْبِيلِيَّةَ إِلَى أَغْمَاتَ:
جَرَى لَكَ جَدٌّ بِالْكِرَامِ عَثُورُ ... وَجَارَ زَمَانٌ كُنْتَ مِنْهُ تُجِيرُ
لَقَدْ أَصْبَحَتْ بِيضُ الظُّبَى فِي ... غُمُودِهَا إِنَاثًا لِتَرْكِ الضَّرْبِ وَهِيَ ذُكُورُ
وَلَمَّا رَحَلْتُمْ بِالنَّدَى فِي أَكُفِّكُمْ ... وَقُلْقِلَ رَضْوَى مِنْكُمُ وَثَبِيرُ
رَفَعْتُ لِسَانِي بِالْقِيَامَةِ قَدْ أَتَتْ ... أَلَا (فَانْظُرُوا كَيْفَ الْجِبَالُ تَسِيرُ
)
وَقَالَ شَاعِرُهُ ابْنُ اللُّبَانَةِ فِي حَادِثَتِهِ أَيْضًا:
تَبْكِي السَّمَاءُ بِدَمْعٍ رَائِحٍ غَادِي ... عَلَى الْبَهَالِيلِ مِنْ أَبْنَاءِ عَبَّادِ
عَلَى الْجِبَالِ الَّتِي هُدَّتْ قَوَاعِدُهَا ... وَكَانَتِ الْأَرْضُ مِنْهَا تَحْتَ أَوْتَادِ
عِرِّيسَةٍ دَخَلَتْهَا النَّائِبَاتُ عَلَى ... أَسَاوِدَ مِنْهُمْ فِيهَا وَآسَادِ
وَكَعْبَةٍ
كَانَتِ الْآمَالُ تَعْمُرُهَا
فَالْيَوْمَ لَا عَاكِفٌ فِيهَا وَلَا بَادِ
وَلَمَّا اسْتَقْصَى عَسْكَرُ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ مُلُوكَ الْأَنْدَلُسِ، وَأَخَذَ بِلَادَهُمْ، جَمَعَ
стр. 4868
مُلُوكَهُمْ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى بِلَادٍ بِالْغَرْبِ، وَفَرَّقَهُمْ فِيهَا، ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] .
وَلَمَّا فَرَغَ سِيرُ مِنْ إِشْبِيلِيَّةَ سَارَ إِلَى الْمَرِيَّةَ فَنَازَلَهَا، وَكَانَ صَاحِبُهَا مُحَمَّدَ بْنَ (مَعْنِ بْنِ صُمَادِحَ) ، فَقَالَ لِوَلَدِهِ: مَا دَامَ الْمُعْتَمِدُ بِإِشْبِيلِيَّةَ فَلَا نُبَالِي بِالْمُرَابِطِينَ، فَلَمَّا سَمِعَ بِمَلْكِهِمْ لَهَا، وَمَا جَرَى لِلْمُعْتَمِدِ، مَاتَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ غَمًّا وَكَمَدًا، فَلَمَّا مَاتَ سَارَ وَلَدُهُ الْحَاجِبُ وَأَهْلُهُ فِي مَرَاكِبَ، وَمَعَهُمْ كُلُّ مَالِهِمْ، وَقَصَدُوا بِلَادَ بَنِي حَمَّادٍ، فَأَحْسَنُوا إِلَيْهِمْ.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْأَفْطَسِ، صَاحِبُ بَطْلَيْمُوسَ، مِمَّنْ أَعَانَ سِيرَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَلَمَّا فُتِحَتْ إِشْبِيلِيَّةُ رَجَعَ ابْنُ الْأَفْطَسِ إِلَى بَلَدِهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ سِيرُ، وَحَارَبَهُ، فَغَلَبَهُ، وَأَخَذَ بَلَدَهُ مِنْهُ، وَأَخَذَهُ أَسِيرًا هُوَ وَوَلَدُهُ الْفَضْلُ، فَقَتَلَهُمَا، فَقَالَ عُمَرُ حِينَ أَرَادُوا قَتْلَهُ: قَدِّمُوا وَلَدِي قَبْلِي لِلْقَتْلِ لِيَكُونَ فِي صَحِيفَتِي! فَقُتِلَ وَلَدُهُ قَبْلَهُ، وَقُتِلَ هُوَ بَعْدَهُ، وَاحْتَوَى سِيرُ عَلَى ذَخَائِرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
وَلَمْ يَتْرُكْ مِنْ مُلُوكِ الْأَنْدَلُسِ سِوَى بَنِي هُودٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِلَادَهُمْ، وَهِيَ شَرْقُ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ صَاحِبُهَا حِينَئِذٍ الْمُسْتَعِينَ بِاللَّهِ بْنَ هُودٍ، وَهُوَ مِنَ الشُّجْعَانِ الَّذِينَ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِهِمْ، وَكَانَ قَدْ أَعَدَّ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْحِصَارِ، وَتَرَكَ عِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ عِدَّةَ سِنِينَ بِمَدِينَةِ رُوطَةَ، وَكَانَتْ قَلْعَةً حَصِينَةً، وَكَانَتْ رَعِيَّتُهُ تَخَافُهُ، وَلَمْ يَزَلْ يُهَادِي أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ، قَبْلَ أَنْ يَقْصِدَ بِلَادَ الْأَنْدَلُسِ وَيَمْلِكَهَا. وَيُوَاصِلُهُ، وَيُكْثِرُ مُرَاسَلَتَهُ، فَرَعَى لَهُ ذَلِكَ، حَتَّى إِنَّهُ أَوْصَى ابْنَهُ عَلِيَّ بْنَ يُوسُفَ عِنْدَ مَوْتِهِ بِتَرْكِ التَّعَرُّضِ
стр. 4869
لِبِلَادِ بَنِي هُودٍ، وَقَالَ: اتْرُكْهُمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ، فَإِنَّهُمْ شُجْعَانُ.
ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ جَزِيرَةَ صِقِلِّيَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْلَى الْفِرِنْجُ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ، عَلَى جَمِيعِ جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ، أَعَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ صِقِلِّيَةَ كَانَ الْأَمِيرُ عَلَيْهَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ أَبَا الْفُتُوحِ يُوسُفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ، وَلَّاهُ عَلَيْهَا الْعَزِيزُ الْعَلَوِيُّ، صَاحِبُ مِصْرَ وَإِفْرِيقِيَةَ، فَأَصَابَهُ هَذِهِ السَّنَةَ فَالِجٌ، فَتَعَطَّلَ جَانِبُهُ الْأَيْسَرُ، وَضَعُفَ الْجَانِبُ الْأَيْمَنُ، فَاسْتَنَابَ ابْنَهُ جَعْفَرًا، فَبَقِيَ كَذَلِكَ ضَابِطًا لِلْبِلَادِ، حَسَنَ السِّيرَةِ فِي أَهْلِهَا إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَخَالَفَ عَلَيْهِ أَخُوهُ عَلِيٌّ، وَأَعَانَهُ جَمْعٌ مِنَ الْبَرْبَرِ وَالْعَبِيدِ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ أَخُوهُ جَعْفَرٌ جُنْدًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَاقْتَتَلُوا سَابِعَ شَعْبَانَ، وَقُتِلَ مِنَ الْبَرْبَرِ وَالْعَبِيدِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَهَرَبَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَأُخِذَ عَلِيٌّ أَسِيرًا، فَقَتَلَهُ أَخُوهُ جَعْفَرٌ، وَعَظُمَ قَتْلُهُ عَلَى أَبِيهِ، فَكَانَ بَيْنَ خُرُوجِهِ وَقَتْلِهِ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ.
وَأَمَرَ جَعْفَرٌ حِينَئِذٍ أَنْ يُنْفَى كُلُّ بَرْبَرِيٍّ بِالْجَزِيرَةِ، فَنُفُوا إِلَى إِفْرِيقِيَةَ، وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْعَبِيدِ، فَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَجَعَلَ جُنْدَهُ كُلَّهُمْ مِنْ أَهْلِ صِقِلِّيَةَ. فَقَلَّ الْعَسْكَرُ بِالْجَزِيرَةِ، وَطَمِعَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ فِي الْأُمَرَاءِ، فَلَمْ يَمْضِ إِلَّا يَسِيرٌ حَتَّى ثَارَ بِهِ أَهْلُ صِقِلِّيَةَ، وَأَخْرَجُوهُ، وَخَلَعُوهُ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ وَلَّى عَلَيْهِمْ إِنْسَانًا صَادَرَهُمْ، وَأَخَذَ الْأَعْشَارَ مِنْ غَلَّاتِهِمْ، وَاسْتَخَفَّ بِقُوَّادِهِمْ وَشُيُوخِ الْبَلَدِ، وَقَهَرَ جَعْفَرٌ إِخْوَتَهُ، وَاسْتَطَالَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَشْعُرْ إِلَّا وَقَدْ زَحَفَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْبَلَدِ كَبِيرُهُمْ وَصَغِيرُهُمْ، فَحَصَرُوهُ فِي قَصْرِهِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ عَشْرٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَأَشْرَفُوا عَلَى أَخْذِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَبُوهُ يُوسُفُ فِي مِحَفَّةٍ، وَكَانُوا لَهُ مُحِبِّينَ، فَلَطَفَ بِهِمْ وَرَفَقَ، فَبَكَوْا رَحْمَةً لَهُ مِنْ مَرَضِهِ، وَذَكَرُوا لَهُ مَا أَحْدَثَ ابْنُهُ عَلَيْهِمْ، وَطَلَبُوا أَنْ يَسْتَعْمِلَ ابْنَهُ أَحْمَدَ الْمَعْرُوفَ بِالْأَكْحَلِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ.
стр. 4870
وَخَافَ يُوسُفُ عَلَى ابْنِهِ جَعْفَرٍ مِنْهُمْ، فَسَيَّرَهُ فِي مَرْكِبٍ إِلَى مِصْرَ، وَسَارَ أَبُوهُ يُوسُفُ بَعْدَهُ، وَمَعَهُمَا مِنَ الْأَمْوَالِ سِتُّمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَسَبْعُونَ أَلْفًا، وَكَانَ لِيُوسُفَ مِنَ الدَّوَابِّ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ حِجْرَةٍ، سِوَى الْبِغَالِ وَغَيْرِهَا، وَمَاتَ بِمِصْرَ وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا دَابَّةٌ وَاحِدَةٌ.
وَلَمَّا وَلِيَ الْأَكْحَلُ أَخَذَ أَمْرَهُ بِالْحَزْمِ وَالِاجْتِهَادِ، وَجَمَعَ الْمُقَاتِلَةَ، وَبَثَّ سَرَايَاهُ فِي بِلَادِ الْكَفَرَةِ، فَكَانُوا يَحْرِقُونَ، وَيَغْنِمُونَ، وَيَسْبُونَ، وَيُخَرِّبُونَ الْبِلَادَ، وَأَطَاعَهُ جَمِيعُ قِلَاعِ صِقِلِّيَةَ الَّتِي لِلْمُسْلِمِينَ.
وَكَانَ لِلْأَكْحَلِ ابْنٌ اسْمُهُ جَعْفَرٌ كَانَ يَسْتَنِيبُهُ إِذَا سَافَرَ، فَخَالَفَ سِيرَةَ أَبِيهِ، ثُمَّ (إِنَّ الْأَكْحَلَ) جَمَعَ أَهْلَ صِقِلِّيَةَ وَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ أُشْلِيكُمْ عَلَى الْإِفْرِيقِيِّنَ الَّذِينَ قَدْ شَارَكُوكُمْ فِي بِلَادِكُمْ، وَالرَّأْيُ إِخْرَاجُهُمْ، فَقَالُوا: قَدْ صَاهَرْنَاهُمْ وَصِرْنَا شَيْئًا وَاحِدًا، فَصَرَفَهُمْ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى الْإِفْرِيقِيِّينَ، فَقَالَ لَهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَجَابُوهُ إِلَى مَا أَرَادَ، فَجَمَعَهُمْ حَوْلَهُ، فَكَانَ يَحْمِي أَمْلَاكَهُمْ، وَيَأْخُذُ الْخَرَاجَ مِنْ أَمْلَاكِ أَهْلِ صِقِلِّيَةَ، فَسَارَ مِنْ أَهْلِ صِقِلِّيَةَ جَمَاعَةٌ إِلَى الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ، وَشَكَوْا إِلَيْهِ مَا حَلَّ بِهِمْ، وَقَالُوا: نُحِبُّ أَنْ نَكُونَ فِي طَاعَتِكَ، وَإِلَّا سَلَّمْنَا الْبِلَادَ إِلَى الرُّومِ، وَذَلِكَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَسَيَّرَ مَعَهُمْ وَلَدَهُ عَبْدَ اللَّهِ فِي عَسْكَرٍ، فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَحَصَرَ الْأَكْحَلَ فِي الْخُلَاصَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ صِقِلِّيَةَ، وَأَرَادَ بَعْضُهُمْ نُصْرَةَ الْأَكْحَلِ، فَقَتَلَهُ الَّذِينَ أَحْضَرُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُعِزِّ.
ثُمَّ إِنَّ الصِّقِلِّيِّينَ رَجَعَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَقَالُوا: أَدْخَلْتُمْ غَيْرَكُمْ عَلَيْكُمْ، وَاللَّهِ لَا كَانَتْ عَاقِبَةُ أَمْرِكُمْ فِيهِ إِلَى خَيْرٍ! فَعَزَمُوا عَلَى حَرْبِ عَسْكَرِ الْمُعِزِّ، فَاجْتَمَعُوا وَزَحَفُوا إِلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْمُعِزِّ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ ثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ، وَرَجَعُوا فِي الْمَرَاكِبِ إِلَى إِفْرِيقِيَةَ، وَوَلَّى أَهْلُ الْجَزِيرَةِ عَلَيْهِمْ حَسَنًا الصَّمْصَامَ، أَخَا الْأَكْحَلِ، فَاضْطَرَبَتْ أَحْوَالُهُمْ، وَاسْتَوْلَى الْأَرَاذِلُ، وَانْفَرَدَ كُلُّ إِنْسَانٍ بِبَلَدٍ، وَأَخْرَجُوا الصَّمْصَامَ،
стр. 4871
فَانْفَرَدَ الْقَائِدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَنْكُوتٍ بِمَازَرَ وَطَرَابُنُشَ وَغَيْرِهِمَا، وَانْفَرَدَ الْقَائِدُ عَلِيُّ بْنُ نِعْمَةَ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْحَوَّاسِ، بِقَصْرِيَانَةَ وَجُرْجِنْتَ وَغَيْرِهِمَا، وَانْفَرَدَ ابْنُ الثِّمْنَةِ بِمَدِينَةِ سَرَقُوسَةَ، وَقَطَانِيَّةَ، وَتَزَوُّجَ بِأُخْتِ ابْنِ الْحَوَّاسِ.
ثُمَّ إِنَّهُ جَرَى (بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا) كَلَامٌ فَأَغْلَظَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَهُوَ سَكْرَانٌ، فَأَمَرَ ابْنُ الثِّمْنَةِ بِفَصْدِهَا فِي عَضُدَيْهَا، وَتَرْكِهَا لِتَمُوتَ، فَسَمِعَ وَلَدُهُ إِبْرَاهِيمُ، فَحَضَرَ، وَأَحْضَرَ الْأَطِبَّاءَ، وَعَالَجَهَا إِلَى أَنْ عَادَتْ قُوَّتُهَا، وَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُوهُ نَدِمَ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهَا بِالسُّكْرِ، فَأَظْهَرَتْ قَبُولَ عُذْرِهِ.
ثُمَّ إِنَّهَا طَلَبَتْ مِنْهُ بَعْدَ مُدَّةٍ أَنْ تَزُورَ أَخَاهَا، فَأَذِنَ لَهَا، وَسَيَّرَ مَعَهَا التُّحَفَ وَالْهَدَايَا، فَلَمَّا وَصَلَتْ ذَكَرَتْ لِأَخِيهَا مَا فَعَلَ بِهَا، فَحَلَفَ أَنَّهُ لَا يُعِيدُهَا إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ ابْنُ الثِّمْنَةِ يَطْلُبُهَا، فَلَمْ يَرُدَّهَا إِلَيْهِ، فَجَمَعَ ابْنُ الثِّمْنَةِ عَسْكَرَهُ، وَكَانَ قَدْ اسْتَوْلَى عَلَى أَكْثَرِ الْجَزِيرَةِ، وَخُطِبَ لَهُ بِالْمَدِينَةِ، وَسَارَ، وَحَصَرَ ابْنَ الْحَوَّاسِ بِقَصْرِيَانَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ ابْنُ الثِّمْنَةِ، وَتَبِعَهُ إِلَى قُرْبِ مَدِينَتِهِ قَطَانِيَّةَ، وَعَادَ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَكْثَرَ.
فَلَمَّا رَأَى ابْنُ الثِّمْنَةِ أَنَّ عَسَاكِرَهُ قَدْ تَمَزَّقَتْ، سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ الِانْتِصَارَ بِالْكُفَّارِ لِمَا يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ مَالْطَةَ، وَهِيَ بِيَدِ الْفِرِنْجِ قَدْ مَلَكُوهَا لَمَّا خَرَجَ بَرْدَوِيلُ الْفِرِنْجِيُّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَاسْتَوْطَنَهَا الْفِرِنْجُ
стр. 4872
إِلَى الْآنَ، وَكَانَ مَلِكَهَا حِينَئِذٍ رُجَّارُ الْفِرِنْجِيُّ فِي جَمْعٍ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَوَصَلَ إِلَيْهِمُ ابْنُ الثِّمْنَةِ وَقَالَ: أَنَا أُمَلِّكُكُمُ الْجَزِيرَةَ! فَقَالُوا: إِنَّ فِيهَا جُنْدًا كَثِيرًا، وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِمْ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ، وَأَكْثَرُهُمْ يَسْمَعُ قَوْلِي، وَلَا يُخَالِفُونَ أَمْرِي، فَسَارُوا مَعَهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَلَمْ يَلْقَوْا مَنْ يُدَافِعُهُمْ، فَاسْتَوْلَوْا عَلَى مَا مَرُّوا بِهِ فِي طَرِيقِهِمْ، وَقَصَدَ بِهِمْ إِلَى قَصْرِيَانَةَ فَحَصَرُوهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ ابْنُ الْحَوَّاسِ، فَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمَهُ الْفِرِنْجُ، فَرَجَعَ إِلَى الْحِصْنِ، فَرَحَلُوا عَنْهُ، وَسَارُوا فِي الْجَزِيرَةِ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَفَارَقَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَسَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ صِقِلِّيَةَ إِلَى الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ، وَذَكَرُوا لَهُ مَا النَّاسُ فِيهِ بِالْجَزِيرَةِ مِنَ الْخُلْفِ، وَغَلَبَةِ الْفِرِنْجِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهَا، فَعَمَّرَ أُسْطُولًا كَبِيرًا، وَشَحَنَهُ بِالرِّجَالِ وَالْعُدَدِ، وَكَانَ الزَّمَانُ شِتَاءً، فَسَارُوا إِلَى قَوْصَرَةَ، فَهَاجَ عَلَيْهِمُ الْبَحْرُ، فَغَرِقَ أَكْثَرُهُمْ، وَلَمْ يَنْجُ إِلَّا الْقَلِيلُ.
وَكَانَ ذَهَابُ هَذَا الْأُسْطُولِ مِمَّا أَضْعَفَ الْمُعِزَّ، وَقَوَّى عَلَيْهِ الْعَرَبَ، حَتَّى أَخَذُوا الْبِلَادَ مِنْهُ، فَمَلَكَ حِينَئِذٍ الْفِرِنْجُ أَكْثَرَ الْبِلَادِ عَلَى مَهْلٍ وَتُؤَدَةٍ، لَا يَمْنَعُهُمْ أَحَدٌ، وَاشْتَغَلَ صَاحِبُ إِفْرِيقِيَةَ بِمَا دَهَمَهُ مِنَ الْعَرَبِ، وَمَاتَ الْمُعِزُّ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَوَلِيَ ابْنُهُ تَمِيمٌ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ أُسْطُولًا وَعَسْكَرًا إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَقَدَّمَ عَلَيْهِ وَلَدَيْهِ أَيُّوبَ وَعَلِيًّا، فَوَصَلُوا إِلَى صِقِلِّيَةَ، فَنَزَلَ أَيُّوبُ وَالْعَسْكَرُ الْمَدِينَةَ، وَنَزَلَ عَلِيٌّ جُرْجَنْتَ، ثُمَّ انْتَقَلَ أَيُّوبُ إِلَى جُرْجَنْتَ، فَأَمَرَ عَلِيٌّ ابْنَ الْحَوَّاسِ أَنْ يَنْزِلَ فِي قَصْرِهِ، وَأَرْسَلَ هَدِيَّةً كَثِيرَةً.
فَلَمَّا أَقَامَ أَيُّوبُ فِيهَا أَحَبَّهُ أَهْلُهَا، فَحَسَدَهُ ابْنُ الْحَوَّاسِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ لِيُخْرِجُوهُ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي عَسْكَرِهِ، وَقَاتَلَهُ، فَشَدَّ أَهْلُ جُرْجَنْتَ مِنْ أَيُّوبَ، وَقَاتَلُوا مَعَهُ، فَبَيْنَمَا ابْنُ الْحَوَّاسِ يُقَاتِلُ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرَبٌ فَقَتَلَهُ، فَمَلَّكَ الْعَسْكَرُ عَلَيْهِمْ أَيُّوبَ.
ثُمَّ وَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَيْنَ عَبِيدِ تَمِيمٍ فِتْنَةٌ أَدَّتْ إِلَى الْقِتَالِ، ثُمَّ زَادَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ، فَاجْتَمَعَ أَيُّوبُ وَعَلِيٌّ أَخُوهُ، وَرَجَعَا فِي الْأُسْطُولِ إِلَى إِفْرِيقِيَةَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَصَحِبَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ صِقِلِّيَةَ وَالْأُسْطُولِيَّةَ، وَلَمْ يَبْقَ لِلْفِرِنْجِ
стр. 4873
مُمَانِعٌ، فَاسْتَوْلَوْا عَلَى الْجَزِيرَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ غَيْرُ قَصْرِيَانَةَ وَجُرْجَنْتَ، فَحَصَرَهُمَا الْفِرِنْجُ، وَضَيَّقُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِهِمَا، فَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى أَهْلِهِمَا، حَتَّى أَكَلُوا الْمِيتَةَ، وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مَا يَأْكُلُونَهُ فَأَمَّا أَهْلُ جُرْجَنْتَ فَسَلَّمُوهَا إِلَى الْفِرِنْجِ، وَبَقِيَتْ قَصْرُيَانَةُ بَعْدَهَا ثَلَاثَ سِنِينَ، فَلَمَّا اشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ أَذْعَنُوا إِلَى التَّسْلِيمِ، فَتَسَلَّمَهَا الْفِرِنْجُ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَمَلَكَ رُجَّارُ جَمِيعَ الْجَزِيرَةِ وَأَسْكَنَهَا الرُّومَ وَالْفِرِنْجَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَتْرُكْ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا حَمَّامًا، وَلَا دُكَّانًا، وَلَا طَاحُونًا.
وَمَاتَ رُجَّارُ، بَعْدَ ذَلِكَ، قَبْلَ التِّسْعِينَ وَالْأَرْبَعِمِائَةِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ رُجَّارُ، فَسَلَكَ طَرِيقَ مُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْجَنَائِبِ، وَالْحُجَّابِ، وَالسِّلَاحِيَّةِ، وَالْجَانْدَارِيَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَخَالَفَ عَادَةَ الْفِرِنْجِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِنْهُ، وَجَعَلَ لَهُ دِيوَانَ الْمَظَالِمِ تُرْفَعُ إِلَيْهِ شَكْوَى الْمَظْلُومِينَ، فَيُنْصِفُهُمْ، وَلَوْ مِنْ وَلَدِهِ، وَأَكْرَمَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَرَّبَهُمْ، وَمَنَعَ عَنْهُمُ الْفِرِنْجَ، فَأَحَبُّوهُ، وَعَمَّرَ أُسْطُولًا كَبِيرًا، وَمَلَكَ الْجَزَائِرَ الَّتِي بَيْنَ الْمَهْدِيَّةِ وَصِقِلِّيَةَ، مِثْلَ مَالِطَةَ، وَقَوْصَرَةَ، وَجَرْبَةَ، وَقَرْقَنَّةَ، وَتَطَاوَلَ إِلَى سَوَاحِلِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَكَانَ مِنْهُ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ذِكْرُ وُصُولِ السُّلْطَانِ إِلَى بَغْدَاذَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَصَلَ السُّلْطَانُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَهِيَ الْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ، وَنَزَلَ بِدَارِ الْمَمْلَكَةِ، وَنَزَلَ أَصْحَابُهُ مُتَفَرِّقِينَ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ أَخُوهُ تَاجُ الدَّوْلَةِ تُتُشْ، وَقَسِيمُ الدَّوْلَةِ آقْسَنْقَرُ، صَاحِبُ حَلَبَ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ زُعَمَاءِ الْأَطْرَافِ، وَعُمِلَ الْمِيلَادُ بِبَغْدَاذَ، وَتَأَنَّقُوا فِي عَمَلِهِ، فَذَكَرَ النَّاسُ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا بِبَغْدَاذَ مِثْلَهُ أَبَدًا، وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ وَصْفَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَمِمَّنْ قَالَ الْمُطَرَّزُ:
стр. 4874
وَكُلُّ نَارٍ عَلَى الْعُشَّاقِ مُضْرَمَةٍ ... مِنْ نَارِ قَلْبِي أَوْ مِنْ لَيْلَةِ الصَّدَقِ
نَارٌ تَجَلَّتْ بِهَا الظَّلْمَاءُ وَاشْتَبَهَتْ ... بِسُدْفَةِ اللَّيْلِ فِيهِ غُرَّةُ الْفَلَقِ
وَزَارَتِ الشَّمْسُ فِيهَا الْبَدْرَ وَاصْطَلَحَا ... عَلَى الْكَوَاكِبِ بَعْدَ الْغَيْظِ وَالْحَنَقِ
مَدَّتْ عَلَى الْأَرْضِ بُسْطًا مِنْ ... جَوَاهِرِهَا مَا بَيْنَ مُجْتَمَعٍ وَارٍ وَمُفْتَرَقِ
مِثْلَ الْمَصَابِيحِ إِلَّا أَنَّهَا نَزَلَتْ ... مِنَ السَّمَاءِ بِلَا رَجْمٍ وَلَا حَرَقِ
اعْجَبْ بِنَارٍ وَرِضْوَانٌ يُسَعِّرُهَا ... وَمَالِكٌ قَائِمٌ مِنْهَا عَلَى فَرَقِ
فِي مَجْلِسٍ ضَحِكَتْ رَوْضُ الْجِنَانِ ... لَهُ لَمَّا جَلَا ثَغْرُهُ عَنْ وَاضِحٍ يَقَقِ
وَلِلشُّمُوعِ عُيُونٌ كُلَّمَا نَظَرَتْ ... تَظَلَّمَتْ مِنْ يَدَيْهَا أَنْجُمُ الْغَسَقِ
مِنْ كُلِّ مُرْهَفَةِ الْأَعْطَافِ ... كَالْغُصُنِ الْمَيَّادِ لَكِنَّهُ عَارٍ مِنَ الْوَرَقِ
إِنِّي لَأَعْجَبُ مِنْهَا وَهِيَ وَادِعَةٌ ... تَبْكِي وَعِيشَتُهَا مِنْ ضَرْبَةِ الْعُنُقِ
وَفِي هَذِهِ الْمَرَّةِ أَمَرَ بِعِمَارَةِ جَامِعِ السُّلْطَانِ، فَابْتُدِئَ فِي عِمَارَتِهِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَعَمِلَ قَبْلَتَهُ بِهْرَامٌ مُنَجِّمُهُ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الرَّصْدِ، وَابْتَدَأَ بَعْدَهُ نِظَامُ الْمُلْكِ، وَتَاجُ الْمُلُوكِ، وَالْأُمَرَاءُ الْكِبَارُ بِعَمَلِ دُورٍ لَهُمْ يَسْكُنُونَهَا إِذَا قَدِمُوا بَغْدَاذَ، فَلَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُمْ بَعْدَهَا، وَتَفَرَّقَ شَمْلُهُمْ بِالْمَوْتِ، وَالْقَتْلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ فِي بَاقِي سَنَتِهِمْ، وَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ عَسَاكِرُهُمْ وَمَا جَمَعُوا شَيْئًا، فَسُبْحَانَ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَزُولُ أَمْرُهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَ ابْنُ أَبِي هَاشِمٍ مِنْ مَكَّةَ مُسْتَغِيثًا مِنَ التُّرْكُمَانِ.
стр. 4875
وَفِي آخِرِهَا مَرِضَ نِظَامُ الْمُلْكِ بِبَغْدَاذَ، فَعَالَجَ نَفْسَهُ بِالصَّدَقَةِ، فَكَانَ يَجْتَمِعُ بِمَدْرَسَتِهِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مَنْ لَا يُحْصَى، وَتَصَدَّقَ عَنْهُ الْأَعْيَانُ، وَالْأُمَرَاءُ مِنْ عَسْكَرِ السُّلْطَانِ، فَعُوفِيَ، وَأَرْسَلَ [لَهُ] الْخَلِيفَةُ خِلَعًا نَفِيسَةً.
وَفِيهَا، فِي تَاسِعِ شَعْبَانَ، كَانَ بِالشَّامِ، وَكَثِيرٍ مِنِ الْبِلَادِ، زَلَازِلُ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ أَكْثَرُهَا بِالشَّامِ، فَفَارَقَ النَّاسُ مَسَاكِنَهُمْ، وَانْهَدَمَ بِأَنْطَاكِيَةَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسَاكِنِ، وَهَلَكَ تَحْتَهُ عَالَمٌ كَثِيرٌ، وَخَرِبَ مِنْ سُورِهَا تِسْعُونَ بُرْجًا، فَأَمَرَ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ بِعِمَارَتِهَا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا، فِي شَوَّالٍ، تُوُفِّيَ أَبُو طَاهِرٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلَّكٍ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ مِنْ رُؤَسَاءِ الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي فَتْحِ سَمَرْقَنْدَ، وَمَشَى أَرْبَابُ الدَّوْلَةِ السُّلْطَانِيَّةِ كُلُّهُمْ فِي جِنَازَتِهِ، إِلَّا نِظَامَ الْمُلْكِ، فَإِنَّهُ اعْتَذَرَ بِعُلُوِّ السِّنِّ، وَأَكْثَرَ الْبُكَاءَ عَلَيْهِ، وَدُفِنَ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ (بِبَابِ أَبْرَزَ) ، وَزَارَ السُّلْطَانُ قَبْرَهُ.
وَتُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ أَبُو بَكْرٍ النَّاصِحُ الْحَنَفِيُّ، قَاضِي الرَّيِّ، وَكَانَ مِنْ أَعْيَانِ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ يَمِيلُ إِلَى الِاعْتِزَالِ، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي رَجَبٍ.
وَفِيهَا فِي شَعْبَانَ تُوفِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ طَاوُسٍ الْمُقْرِي بِمَدِينَةِ صُورَ.
стр. 4876
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]
٤٨٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْفِرِنْجِ بِجَيَّانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَمَعَ أَذْفُونْشُ عَسَاكِرَهُ، وَجُمُوعَهُ، وَغَزَا بِلَادَ جَيَّانَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، فَلَقِيَهُ الْمُسْلِمُونَ وَقَاتَلُوهُ، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ أَوَّلًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَدَّ لَهُمُ الْكَرَّةَ عَلَى الْفِرِنْجِ، فَهَزَمُوهُمْ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَلَمْ يَنْجُ إِلَّا الْأَذْفُونْشُ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ مِنْ أَشْهَرِ الْوَقَائِعِ، بَعْدَ الزَّلَّاقَةِ، وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ ذِكْرَهَا فِي أَشْعَارِهِمْ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ تُتُشْ عَلَى حِمْصَ، وَغَيْرِهَا مِنْ سَاحِلِ الشَّامِ لَمَّا كَانَ السُّلْطَانُ بِبَغْدَاذَ قَدِمَ إِلَيْهِ أَخُوهُ تَاجُ الدَّوْلَةِ تُتُشْ مِنْ دِمَشْقَ، وَقَسِيمُ الدَّوْلَةِ آقْسَنْقَرُ مِنْ حَلَبَ، وَبُوزَانُ مِنَ الرُّهَا، فَلَمَّا أَذِنَ لَهُمُ السُّلْطَانُ فِي الْعَوْدِ إِلَى بِلَادِهِمْ أَمَرَ قَسِيمَ الدَّوْلَةِ وَبُوزَانَ أَنْ يَسِيرَا مَعَ عَسَاكِرِهِمَا فِي خِدْمَةِ أَخِيهِ تَاجِ الدَّوْلَةِ، حَتَّى يَسْتَوْلِيَ عَلَى مَا لِلْخَلِيفَةِ الْمُسْتَنْصِرِ الْعَلَوِيِّ، بِسَاحِلِ الشَّامِ، مِنَ الْبِلَادِ، وَيَسِيرُ، وَهُمْ مَعَهُ، إِلَى مِصْرَ لِيَمْلِكَهَا.
فَسَارُوا أَجْمَعُونَ إِلَى الشَّامِ، وَنَزَلَ عَلَى حِمْصَ، وَبِهَا ابْنُ مُلَاعِبٍ صَاحِبُهَا،
стр. 4877
وَكَانَ الضَّرَرُ بِهِ، وَبِأَوْلَادِهِ عَظِيمًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَحَصَرُوا الْبَلَدَ، وَضَيَّقُوا عَلَى مَنْ بِهِ، فَمَلَكَهُ تَاجُ الدَّوْلَةِ، وَأَخَذَ ابْنَ مُلَاعِبٍ وَوَلَدَيْهِ، وَسَارَ إِلَى قَلْعَةِ عِرْقَةَ فَمَلَكَهَا عَنْوَةً، وَسَارَ إِلَى قَلْعَةِ أَفَامِيَةَ فَمَلَكَهَا أَيْضًا، وَكَانَ بِهَا خَادِمٌ لِلْمِصْرِيِّ، فَنَزَلَ بِالْأَمَانِ فَأَمَّنَهُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى طَرَابُلُسَ فَنَازَلَهَا، فَرَأَى صَاحِبُهَا جَلَالُ الْمُلْكِ بْنُ عَمَّارٍ جَيْشًا لَا يُدْفَعُ إِلَّا بِحِيلَةٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَ تَاجِ الدَّوْلَةِ، وَأَطْمَعَهُمْ لِيُصْلِحُوا حَالَهُ، فَلَمْ يَرَ فِيهِمْ مَطْمَعًا.
وَكَانَ مَعَ قَسِيمِ الدَّوْلَةِ آقْسَنْقَرَ وَزِيرٌ لَهُ اسْمُهُ زَرِينُ كَمَرْ، فَرَاسَلَهُ ابْنُ عَمَّارٍ فَرَأَى عِنْدَهُ لِينًا، فَأَتْحَفَهُ، وَأَعْطَاهُ، فَسَعَى مَعَ صَاحِبِهِ قَسِيمَ الدَّوْلَةِ فِي إِصْلَاحِ حَالِهِ لِيَدْفَعَ عَنْهُ، وَحَمَلَ لَهُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَتُحَفًا بِمِثْلِهَا، وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْمَنَاشِيرَ الَّتِي بِيَدِهِ مِنَ السُّلْطَانِ بِالْبَلَدِ، وَالتَّقَدُّمَ إِلَى النُّوَّابِ بِتِلْكَ الْبِلَادِ بِمُسَاعَدَتِهِ، وَالشَّدَّ مَعَهُ، وَالتَّحْذِيرَ مِنْ مُحَارَبَتِهِ، فَقَالَ آقْسَنْقَرُ لِتَاجِ الدَّوْلَةِ تُتُشْ: لَا أُقَاتِلُ مَنْ هَذِهِ الْمَنَاشِيرُ بِيَدِهِ، فَأَغْلَظَ لَهُ تَاجُ الدَّوْلَةِ، وَقَالَ: هَلْ أَنْتَ إِلَّا تَابِعٌ لِي؟ فَقَالَ آقْسَنْقَرُ: أَنَا أُتَابِعُكَ إِلَّا فِي مَعْصِيَةِ السُّلْطَانِ، وَرَحَلَ مِنَ الْغَدِ عَنْ مَوْضِعِهِ، فَاضْطَرَّ تَاجُ الدَّوْلَةِ إِلَى الرَّحِيلِ، فَرَحَلَ غَضْبَانَ، وَعَادَ بُوزَانُ أَيْضًا إِلَى بِلَادِهِ، فَانْتَقَضَ هَذَا الْأَمْرَ.
ذِكْرُ مَلْكِ السُّلْطَانِ الْيَمَنَ
وَكَانَ مِمَّنْ حَضَرَ أَيْضًا عِنْدَ السُّلْطَانِ بِبَغْدَاذَ جَبَقُ أَمِيرُ التُّرْكُمَانِ، وَهُوَ صَاحِبُ قِرْمِيسِينَ وَغَيْرِهَا، فَأَمَرَهُ السُّلْطَانُ أَنْ يَسِيرَ هُوَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أُمَرَاءَ السُّلْطَانِ
стр. 4878
ذَكَرَهُمْ إِلَى الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ، وَيَكُونُ أَمْرُهُمْ إِلَى سَعْدِ الدَّوْلَةِ كُوهَرَائِينَ، لِيَفْتَحُوا الْبِلَادَ هُنَاكَ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ سَعْدُ الدَّوْلَةِ أَمِيرًا اسْمُهُ تَرَشْكُ، فَسَارُوا حَتَّى وَرَدُوا الْيَمَنَ، فَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا، وَأَسَاءُوا السِّيرَةَ فِي أَهْلِهَا، وَلَمْ يَتْرُكُوا فَاحِشَةً وَلَا سَيِّئَةَ إِلَّا ارْتَكَبُوهَا، وَمَلَكُوا عَدَنَ، وَظَهَرَ عَلَى تَرَشْكَ الْجُدَرِيُّ، فَتُوُفِّيَ فِي سَابِعِ يَوْمٍ مِنْ وُصُولِهِ إِلَيْهَا، وَكَانَ عُمُرُهُ سَبْعِينَ سَنَةً، فَعَادَ أَصْحَابُهُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَحَمَلُوهُ، فَدَفَنُوهُ عِنْدَ قَبْرِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -
ذِكْرُ مَقْتَلِ نِظَامِ الْمُلْكِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، عَاشِرِ رَمَضَانَ، قُتِلَ نِظَامُ الْمُلْكِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ الْوَزِيرُ بِالْقُرْبِ مِنْ نَهَاوَنْدَ، وَكَانَ هُوَ وَالسُّلْطَانُ فِي أَصْبَهَانَ، وَقَدْ عَادَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَلَمَّا كَانَ بِهَذَا الْمَكَانِ، بَعْدَ أَنْ فَرِغَ مِنْ إِفْطَارِهِ، وَخَرَجَ فِي مِحَفَّتِهِ إِلَى خَيْمَةِ حَرَمِهِ، أَتَاهُ صَبِيٌّ دَيْلَمِيٌّ مِنَ الْبَاطِنِيَّةِ، فِي صُورَةِ مُسْتَمِيحٍ، أَوْ مُسْتَغِيثٍ فَضَرَبَهُ بِسِكِّينٍ كَانَتْ مَعَهُ، فَقَضَى عَلَيْهِ، وَهَرَبَ، فَعَثَرَ بِطُنُبِ خَيْمَةٍ، فَأَدْرَكُوهُ فَقَتَلُوهُ، وَرَكِبَ السُّلْطَانُ إِلَى خِيَمِهِ، فَسَكَنَ عَسْكَرُهُ، وَأَصْحَابُهُ.
وَبَقِيَ وَزِيرُ السُّلْطَانِ ثَلَاثِينَ سَنَةً سِوَى مَا وَزَرَ لِلسُّلْطَانِ أَلْب أَرْسِلَانَ، صَاحِبِ خُرَاسَانَ، أَيَّامَ عَمِّهِ طُغْرُلْبُكَ، قَبْلَ أَنْ يَتَوَلَّى السَّلْطَنَةَ، وَكَانَ عَلَتْ سِنُّهُ، فَإِنَّهُ كَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ جَمَالِ الْمُلْكِ بْنِ نِظَامِ الْمُلْكِ كَانَ قَدْ وَلَّاهُ جَدُّهُ نِظَامُ الْمُلْكِ رِئَاسَةَ مَرْوٍ، وَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَيْهَا شِحْنَةً يُقَالُ لَهُ قَوْدَنُ، وَهُوَ مَنْ أَكْبَرِ مَمَالِيكِهِ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْأُمَرَاءِ فِي دَوْلَتِهِ، فَجَرَى بَيْنَهُ، وَبَيْنَ عُثْمَانَ مُنَازَعَةٌ فِي شَيْءٍ، فَحَمَلَتْ عُثْمَانَ حَدَاثَةُ سِنِّهِ، وَتَمَكُّنُهُ، وَطَمَعُهُ بِجَدِّهِ، عَلَى أَنْ قَبَضَ عَلَيْهِ، وَأَخْرَقَ بِهِ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ، فَقَصَدَ السُّلْطَانَ مُسْتَغِيثًا شَاكِيًا، فَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَى نِظَامِ الْمُلْكِ رِسَالَةً (مَعَ
стр. 4879
تَاجِ الدَّوْلَةِ) وَمَجْدِ الْمُلْكِ الْبَلَاسَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَرْبَابِ دَوْلَتِهِ يَقُولُ لَهُ: إِنْ كُنْتَ شَرِيكِي فِي الْمُلْكِ، وَيَدُكَ مَعَ يَدِي فِي السَّلْطَنَةِ، فَلِذَلِكَ حُكْمٌ، وَإِنْ كُنْتَ نَائِبِي، وَبِحُكْمِي، فَيَجِبُ أَنْ تَلْزَمَ حَدَّ التَّبَعِيَّةِ وَالنِّيَابَةِ، وَهَؤُلَاءِ أَوْلَادُكَ قَدِ اسْتَوْلَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى كَوْرَةٍ عَظِيمَةٍ، وَوَلِيَ وِلَايَةَ كَبِيرَةً، وَلَمْ يُقْنِعْهُمْ ذَلِكَ، حَتَّى تَجَاوَزُوا أَمْرَ السِّيَاسَةِ وَطَمِعُوا إِلَى أَنْ فَعَلُوا كَذَا وَكَذَا، وَأَطَالَ الْقَوْلَ، وَأَرْسَلَ مَعَهُمُ الْأَمِيرَ يَلْبُرَدْ، وَكَانَ مِنْ خَوَاصِّهِ وَثِقَاتِهِ، وَقَالَ لَهُ: تُعَرِّفُنِي مَا يَقُولُ، فَرُبَّمَا كَتَمَ هَؤُلَاءِ شَيْئًا.
فَحَضَرُوا عِنْدَ نِظَامِ الْمُلْكِ وَأَوْرَدُوا عَلَيْهِ الرِّسَالَةَ، فَقَالَ لَهُمْ: قُولُوا لِلسُّلْطَانِ إِنْ كُنْتَ مَا عَلِمْتَ أَنِّي شَرِيكُكَ فِي الْمُلْكِ فَاعْلَمْ، فَإِنَّكَ مَا نِلْتَ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا بِتَدْبِيرِي وَرَأْيِي، أَمَا يَذْكُرُ حِينَ قُتِلَ أَبُوهُ فَقُمْتُ بِتَدْبِيرِ أَمْرِهِ، وَقَمَعْتُ الْخَوَارِجَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَغَيْرِهِمْ، مِنْهُمْ: فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَذَكَرَ جَمَاعَةَ مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ، وَهُوَ ذَلِكَ الْوَقْتَ يَتَمَسَّكُ بِي وَيَلْزَمُنِي، وَلَا يُخَالِفُنِي، فَلَمَّا قُدْتُ الْأُمُورَ إِلَيْهِ، وَجَمَعْتُ الْكَلِمَةَ عَلَيْهِ، وَفَتَحْتُ لَهُ الْأَمْصَارَ الْقَرِيبَةَ، وَالْبَعِيدَةَ، وَأَطَاعَهُ الْقَاصِي، وَالدَّانِي، أَقْبَلَ يَتَجَنَّى لِي الذُّنُوبَ، وَيَسْمَعُ فِي السِّعَايَاتِ؟ قُولُوا لَهُ عَنِّي: إِنَّ ثَبَاتَ تِلْكَ الْقَلَنْسُوَةِ مَعْذُوقٌ بِهَذِهِ الدَّوَاةِ، وَإِنَّ اتِّفَاقَهُمَا رِبَاطُ كُلِّ رَغِيبَةٍ وَسَبَبُ كُلِّ غَنِيمَةٍ، وَمَتَى أَطْبَقْتُ هَذِهِ زَالَتْ تِلْكَ، فَإِنْ عَزَمَ عَلَى تَغْيِيرٍ فَلْيَتَزَوَّدْ لِلِاحْتِيَاطِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَلِيَأْخُذِ الْحَذَرَ مِنَ الْحَادِثِ أَمَامَ طُرُوقِهِ، وَأَطَالَ فِيمَا هَذَا سَبِيلُهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: قُولُوا لِلسُّلْطَانِ عَنِّي مَهْمَا أَرَدْتُمْ، فَقَدْ أَهَمَّنِي مَا لَحِقَنِي مِنْ تَوْبِيخِهِ، وَفَتَّ فِي عَضُدِي.
فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ اتَّفَقُوا عَلَى كِتْمَانِ مَا جَرَى عَنِ السُّلْطَانِ، وَأَنْ يَقُولُوا لَهُ مَا مَضْمُونُهُ الْعُبُودِيَّةُ وَالتَّنَصُّلُ، وَمَضَوْا إِلَى مَنَازِلِهِمْ، وَكَانَ اللَّيْلُ قَدِ انْتَصَفَ، وَمَضَى يِلْبَرْدُ إِلَى السُّلْطَانِ فَأَعْلَمَهُ مَا جَرَى، وَبَكَّرَ الْجَمَاعَةُ إِلَى السُّلْطَانِ، وَهُوَ يَنْتَظِرُهُمْ، فَقَالُوا لَهُ
стр. 4880
مِنَ الِاعْتِذَارِ وَالْعُبُودِيَّةِ مَا كَانُوا اتَّفِقُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمُ السُّلْطَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ هَذَا، وَإِنَّمَا قَالَ كِيتْ، وَكِيتْ، فَأَشَارُوا حِينَئِذٍ بِكِتْمَانِ ذَلِكَ رِعَايَةً لِحَقِّ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَسَابِقَتِهِ، فَوَقَعَ التَّدْبِيرُ عَلَيْهِ، حَتَّى تَمَّ عَلَيْهِ مِنَ الْقَتْلِ مَا تَمَّ.
وَمَاتَ السُّلْطَانُ بَعْدَهُ بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَانْحَلَّتِ الدَّوْلَةُ، وَوَقَعَ السَّيْفُ، وَكَانَ قَوْلُ نِظَامِ الْمُلْكِ شِبْهَ الْكَرَامَةِ لَهُ، وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ مَرَاثِيَهُ، فَمِنْ جَيِّدِ مَا قِيلَ فِيهِ قَوْلُ شِبْلِ الدَّوْلَةِ مُقَاتِلِ بْنِ عَطِيَّةَ:
كَانَ الْوَزِيرُ نِظَامُ الْمُلْكِ لُؤْلُؤَةً ... يَتِيمَةً صَاغَهَا الرَّحْمَنُ مِنْ شَرَفٍ
عَزَّتْ فَلَمْ تَعْرِفِ الْأَيَّامُ قِيمَتَهَا ... فَرَدَّهَا غَيْرَةً مِنْهُ إِلَى الصَّدَفِ
وَرَأَى بَعْضُهُمْ نِظَامَ الْمُلْكِ بَعْدَ قَتْلِهِ فِي الْمَنَامِ، فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ، فَقَالَ: كَانَ يُعْرَضُ عَلَيَّ جَمِيعُ عَمَلِي لَوْلَا الْحَدِيدَةُ الَّتِي أُصِبْتُ بِهَا، يَعْنِي: الْقَتْلَ.
ذِكْرُ ابْتِدَاءِ حَالِهِ وَشَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِهِ
أَمَّا ابْتِدَاءُ حَالِهِ، فَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الدَّهَاقِينِ بِطُوسَ، فَزَالَ مَا كَانَ لِأَبِيهِ مِنْ مَالٍ، وَمُلْكٍ، وَتُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ رَضِيعٌ، فَكَانَ أَبُوهُ يَطُوفُ بِهِ عَلَى الْمُرْضِعَاتِ فَيُرْضِعْنَهُ حِسْبَةً، حَتَّى شَبَّ، وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ، وَسِرُّ اللَّهِ فِيهِ يَدْعُوهُ إِلَى عُلُوِّ الْهِمَّةِ، وَالِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ، فَتَفَقَّهَ، وَصَارَ فَاضِلًا، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالْأَعْمَالِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَلَمْ يَزَلِ الدَّهْرُ يَعْلُو بِهِ، وَيَخْفِضُ حَضَرًا، وَسَفَرًا.
وَكَانَ يَطُوفُ بِلَادَ خُرَاسَانَ، وَوَصَلَ إِلَى غَزْنَةَ فِي صُحْبَةِ بَعْضِ الْمُتَصَرِّفِينَ، ثُمَّ لَزِمَ أَبَا عَلِيِّ بْنَ شَاذَانَ مُتَوَلِّي الْأُمُورِ بِبَلْخَ لِدَاوُدَ وَالِدِ السُّلْطَانِ أَلْب أَرْسِلَانَ، فَحَسُنَتْ حَالُهُ مَعَهُ، وَظَهَرَتْ كِفَايَتُهُ وَأَمَانَتُهُ، وَصَارَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ، فَلَمَّا حَضَرَتْ أَبَا عَلِيِّ بْنَ شَاذَانَ الْوَفَاةُ أَوْصَى الْمَلِكُ أَلْب أَرْسِلَانَ بِهِ، وَعَرَّفَهُ حَالَهُ، فَوَلَّاهُ شَغْلَهُ، ثُمَّ
стр. 4881
صَارَ وَزِيرًا لَهُ إِلَى أَنْ وَلِيَ السَّلْطَنَةَ بَعْدَ عَمِّهِ طُغْرُلْبُكَ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى الْوِزَارَةِ لِأَنَّهُ ظَهَرَتْ مِنْهُ كِفَايَةٌ عَظِيمَةٌ، وَآرَاءٌ سَدِيدَةٌ قَادَتِ السَّلْطَنَةَ إِلَى أَلْب أَرْسِلَانَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَلْب أَرْسِلَانَ قَامَ بِأَمْرِ ابْنِهِ مَلِكْشَاهْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الْجُمَلِ مُسْتَوْفًى مَشْرُوحًا.
وَقِيلَ: إِنَّ ابْتِدَاءَ أَمْرِهِ (أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ لِلْأَمِيرِ تَاجِرٍ، صَاحِبِ بَلْخَ، وَكَانَ الْأَمِيرُ) يُصَادِرُهُ فِي رَأْسِ كُلِّ سَنَةٍ، وَيَأْخُذُ مَا مَعَهُ، وَيَقُولُ لَهُ: قَدْ سَمِنْتَ يَا حَسَنُ! وَيَدْفَعُ إِلَيْهِ فَرَسًا وَمِقْرَعَةً وَيَقُولُ: هَذَا يَكْفِيكَ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَخْفَى وَلَدَيْهِ فَخْرَ الْمُلْكِ، وَمُؤَيِّدَ الْمُلْكِ، وَهَرَبَ إِلَى جَغْرِي بِكْ دَاوُدَ، وَالِدِ أَلْب أَرْسِلَانَ، فَوَقَفَ فَرَسُهُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فَرَسًا تُخَلِّصُنِي عَلَيْهِ! فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَلَقِيَهُ تِرْكُمَانِيٌّ، وَتَحْتَهُ فَرَسٌ جَوَادٌ، فَقَالَ لِنِظَامِ الْمُلْكِ: انْزِلْ عَنْ فَرَسِكَ، فَنَزَلَ عَنْهُ، فَأَخَذَهُ التِّرْكُمَانِيُّ وَأَعْطَاهُ فَرَسَهُ، فَرَكِبَهُ، وَقَالَ لَهُ: لَا تَنْسَنِي يَا حَسَنُ، قَالَ نِظَامُ الْمُلْكِ: فَقَوِيَتْ نَفْسِي بِذَلِكَ، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ ابْتِدَاءُ سَعَادَةٍ. فَسَارَ نِظَامُ الْمُلْكِ إِلَى مَرْوَ، وَدَخَلَ عَلَى دَاوُدَ، فَلَمَّا رَآهُ أَخَذَ بِيَدِهِ، وَسَلَّمَهُ إِلَى وَلَدِهِ أَلْب أَرْسِلَانَ، وَقَالَ لَهُ: هَذَا حَسَنٌ الطُّوسِيُّ، فَتَسَلَّمْهُ، وَاتَّخِذْهُ وَالِدًا لَا تُخَالِفُهُ.
وَكَانَ الْأَمِيرُ تَاجِرُ لَمَّا سَمِعَ بِهَرَبِ نِظَامِ الْمُلْكِ سَارَ فِي أَثَرِهِ إِلَى مَرْوَ، فَقَالَ لِدَاوُدَ: هَذَا كَاتِبِي وَنَائِبِي قَدْ أَخَذَ أَمْوَالِي، فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ: حَدِيثُكَ مَعَ مُحَمَّدٍ، يَعْنِي أَلْب أَرْسِلَانَ، (فَكَانَ اسْمُهُ مُحَمَّدًا) ، فَلَمْ يَتَجَاسَرْ تَاجِرٌ عَلَى خِطَابِهِ، فَتَرَكَهُ وَعَادَ.
وَأَمَّا أَخْبَارُهُ، فَإِنَّهُ كَانَ عَالِمًا، دَيِّنًا، جَوَادًا عَادِلًا، حَلِيمًا كَثِيرَ الصَّفْحِ عَنِ الْمُذْنِبِينَ، طَوِيلَ الصَّمْتِ، كَانَ مَجْلِسُهُ عَامِرًا بِالْقُرَّاءِ، وَالْفُقَهَاءِ، وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، وَأَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَدَارِسِ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ وَالْبِلَادِ، وَأَجْرَى لَهَا الْجِرَايَاتِ الْعَظِيمَةَ، وَأَمْلَى الْحَدِيثَ بِالْبِلَادِ: بِبَغْدَاذَ وَخُرَاسَانَ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ يَقُولُ:
стр. 4882
إِنِّي لَسْتُ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ - لَمَّا تَوَلَّاهُ - وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَجْعَلَ نَفْسِي عَلَى قِطَارِ نَقَلَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ .
وَكَانَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَمْسَكَ عَنْ كُلِّ مَا هُوَ فِيهِ وَتَجَنَّبَهُ، فَإِذَا فَرَغَ لَا يَبْدَأُ بِشَيْءٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَكَانَ إِذَا غَفَلَ الْمُؤَذِّنُ، وَدَخَلَ الْوَقْتُ يَأْمُرُهُ بِالْأَذَانِ، وَهَذَا غَايَةُ حَالِ الْمُنْقَطِعِينَ إِلَى الْعِبَادَةِ فِي حِفْظِ الْأَوْقَاتِ، وَلُزُومِ الصَّلَوَاتِ.
وَأَسْقَطَ الْمُكُوسَ، وَالضَّرَائِبَ، وَأَزَالَ لَعْنَ الْأَشْعَرِيَّةِ مِنَ الْمَنَابِرِ، وَكَانَ الْوَزِيرُ عَمِيدُ الْمُلْكِ الْكُنْدُرِيُّ قَدْ حَسَّنَ لِلسُّلْطَانِ طُغْرُلْبُكَ التَّقَدُّمَ بِلَعْنِ الرَّافِضَةِ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، فَأَضَافَ إِلَيْهِمُ الْأَشْعَرِيَّةَ، وَلَعَنَ الْجَمِيعَ، فَلِهَذَا فَارَقَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِلَادَهُمْ، مِثْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَأَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، فَلَمَّا وَلِيَ أَلْب أَرْسِلَانَ السَّلْطَنَةَ أَسْقَطَ نِظَامُ الْمُلْكِ ذَلِكَ جَمِيعَهُ، وَأَعَادَ الْعُلَمَاءَ إِلَى أَوْطَانِهِمْ.
وَكَانَ نِظَامُ الْمُلْكِ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ، وَالْإِمَامُ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ، يَقُومُ لَهُمَا، وَيَجْلِسُ فِي مُسْنَدِهِ، كَمَا هُوَ، وَإِذَا دَخَلَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارْمَذِيُّ يَقُومُ (إِلَيْهِ، وَيُجْلِسُهُ فِي مَكَانِهِ) ، وَيَجْلِسُ هُوَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَيْنِ وَأَمْثَالَهُمَا إِذَا دَخَلُوا عَلَيَّ يَقُولُونَ لِي: أَنْتَ كَذَا وَكَذَا، يُثْنُونَ عَلَيَّ بِمَا (لَيْسَ فِيَّ) ، فَيَزِيدُنِي كَلَامُهُمْ عُجْبًا وَتِيهًا، وَهَذَا الشَّيْخُ يَذْكُرُ لِي عُيُوبَ نَفْسِي، وَمَا أَنَا فِيهِ مِنَ الظُّلْمِ، فَتَنْكَسِرُ نَفْسِي لِذَلِكَ، وَأَرْجِعُ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا أَنَا فِيهِ.
وَقَالَ نِظَامُ الْمُلْكِ:
كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ لِي قَرْيَةٌ خَالِصَةٌ، وَمَسْجِدٌ أَنْفَرِدُ فِيهِ لِعِبَادَةِ رَبِّي، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَمَنَّيْتُ أَنْ يَكُونَ لِي قِطْعَةُ أَرْضٍ أَتَقَوَّتُ بِرِيعِهَا، (وَمَسْجِدٌ
стр. 4883
أَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ) ، وَأَمَّا الْآنَ فَأَنَا أَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ لِي رَغِيفٌ كُلَّ يَوْمٍ، وَمَسْجِدٌ أَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ.
وَقِيلَ: كَانَ لَيْلَةً يَأْكُلُ الطَّعَامَ، وَبِجَانِبِهِ أَخُوهُ أَبُو الْقَاسِمِ، وَبِالْجَانِبِ الْآخَرِ عَمِيدُ خُرَاسَانَ، وَإِلَى جَانِبِ الْعَمِيدِ إِنْسَانٌ فَقِيرٌ، مَقْطُوعُ الْيَدِ، فَنَظَرَ نِظَامُ الْمُلْكِ، فَرَأَى الْعَمِيدَ يَتَجَنَّبُ الْأَكْلَ مَعَ الْمَقْطُوعِ، فَأَمَرَهُ بِالِانْتِقَالِ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَقَرَّبَ الْمَقْطُوعَ إِلَيْهِ فَأَكَلَ مَعَهُ.
وَكَانَتْ عَادَتُهُ أَنْ يَحْضُرَ الْفُقَرَاءُ طَعَامَهُ، وَيُقَرِّبَهُمْ إِلَيْهِ، وَيُدْنِيَهُمْ. وَأَخْبَارُهُ مَشْهُورَةٌ كَثِيرَةٌ، قَدْ جُمِعَتْ لَهَا الْمَجَامِيعُ السَّائِرَةُ فِي الْبِلَادِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ السُّلْطَانِ، وَذِكْرُ بَعْضِ سِيرَتِهِ
سَارَ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ، بَعْدَ قَتْلِ نِظَامِ الْمُلْكِ، إِلَى بَغْدَاذَ، وَدَخَلَهَا فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَقِيَهُ وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ بْنُ جَهِيرٍ، وَظَهَرَتْ مِنْ تَاجِ الْمُلْكِ كِفَايَةٌ عَظِيمَةٌ، وَكَانَ السُّلْطَانُ قَدْ أَمَرَ أَنْ تُفَصَّلَ خِلَعُ الْوِزَارَةِ لِتَاجِ الْمُلْكِ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي سَعَى بِنِظَامِ الْمُلْكِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْخِلَعِ، وَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ لَبْسِهَا، وَالْجُلُوسِ فِي الدَّسْتِ، اتَّفَقَ أَنَّ السُّلْطَانَ خَرَجَ إِلَى الصَّيْدِ، وَعَادَ ثَالِثَ شَوَّالَ مَرِيضًا، وَأَنْشَبَ الْمَوْتُ أَظْفَاِرَهُ فِيهِ، وَلَمْ يَمْنَعْ عَنْهُ سَعَةَ مُلْكِهِ، وَكَثْرَةَ عَسَاكِرِهِ.
وَكَانَ سَبَبُ مَرَضِهِ أَنَّهُ أَكَلَ لَحْمَ صَيْدٍ فَحُمَّ وَافْتُصِدَ، وَلَمْ يُسْتَوْفَ إِخْرَاجُ الدَّمِ، فَثَقُلَ مَرَضُهُ، وَكَانَتْ حُمَّى مُحْرِقَةً، فَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْجُمْعَةِ، النِّصْفَ مِنْ شَوَّالَ.
وَلَمَّا ثَقُلَ نَقَلَ أَرْبَابُ دَوْلَتِهِ أَمْوَالَهُمْ إِلَى حَرِيمِ دَارِ الْخِلَافَةِ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ سَتَرَتْ زَوْجَتُهُ تُرْكَانُ خَاتُونَ - الْمَعْرُوفَةُ بِخَاتُونَ الْجَلَالِيَّةِ - مَوْتَهُ، وَكَتَمَتْهُ، وَأَعَادَتْ جَعْفَرًا
стр. 4884
ابْنَ الْخَلِيفَةِ مِنِ ابْنَةِ السُّلْطَانِ إِلَى أَبِيهِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، وَسَارَتْ مِنْ بَغْدَاذَ، وَالسُّلْطَانُ مَعَهَا مَحْمُولًا، وَبَذَلَتِ الْأَمْوَالَ لِلْأُمَرَاءِ سِرًّا، وَاسْتَحْلَفَتْهُمْ لِابْنِهَا مَحْمُودٍ، وَكَانَ تَاجُ الْمُلْكِ يَتَوَلَّى ذَلِكَ لَهَا، وَأَرْسَلَتْ قَوَامَ الدَّوْلَةِ كَرْبُوقَا الَّذِي صَارَ صَاحِبَ الْمَوْصِلِ إِلَى أَصْبَهَانَ بِخَاتَمِ السُّلْطَانِ، فَاسْتَنْزَلَ مُسْتَحْفِظَ الْقَلْعَةِ، وَتَسَلَّمَهَا، وَأَظْهَرَ أَنَّ السُّلْطَانَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَلَمْ يُسْمَعْ بِسُلْطَانٍ مِثْلِهِ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَلَمْ يُلْطَمْ عَلَيْهِ وَجْهٌ.
وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صُورَةً، وَمَعْنًى، وَخُطِبَ لَهُ مِنْ حُدُودِ الصِّينِ إِلَى آخَرِ الشَّامِ، وَمِنَ أَقَاصِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي الشَّمَالِ إِلَى آخَرِ بِلَادِ الْيَمَنِ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ مُلُوكُ الرُّومِ الْجِزْيَةَ، وَلَمْ يَفُتْهُ مَطْلَبٌ، وَانْقَضَتْ أَيَّامُهُ عَلَى أَمْنٍ عَامٍ، وَسُكُونٍ شَامِلٍ، وَعَدْلٍ مُطَّرِدٍ.
وَمِنْ أَفْعَالِهِ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ عَلَيْهِ أَخُوهُ تُكَشْ بِخُرَاسَانَ اجْتَازَ بِمَشْهَدِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا بِطُوسٍ، فَزَارَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ لِنِظَامِ الْمُلْكِ: بِأَيِّ شَيْءٍ دَعَوْتَ؟ قَالَ: دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَنْصُرَكَ، فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَدَعُ بِهَذَا بَلْ قُلْتُ: اللَّهُمَّ انْصُرْ أَصْلَحَنَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَنْفَعَنَا لِلرَّعِيَّةِ.
وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّ سَوَادِيًّا لَقِيَهُ وَهُوَ يَبْكِي، فَاسْتَغَاثَ بِهِ، وَقَالَ: كُنْتُ ابْتَعْتُ بِطِّيخًا بِدُرَيْهِمَاتٍ لَا أَمْلِكُ سِوَاهَا، فَغَلَبَنِي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ، فَأَخَذُوهُ مِنِّي، فَقَالَ السُّلْطَانُ لَهُ: اقْعُدْ! ثُمَّ أَحْضَرَ فَرَّاشًا وَقَالَ: اشْتَهَيْتُ بِطِّيخًا، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ أَوَّلِ اسْتِوَائِهِ، وَأَمَرَ بِطَلَبِهِ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَغَابَ ثُمَّ عَادَ وَمَعَهُ الْبِطِّيخُ فَأَمَرَهُ بِإِحْضَارِ مَنْ وَجَدَهُ عِنْدَهُ، فَأَحْضَرُهُ، فَسَأَلَهُ السُّلْطَانُ مِنْ أَيْنَ لَهُ ذَلِكَ الْبِطِّيخُ؟ فَقَالَ: غِلْمَانِي جَاءُونِي بِهِ، فَأَمَرَ أَنْ يَجِيءَ بِهِمْ إِلَيْهِمْ، فَمَضَى، وَأَمَرَهُمْ بِالْهَرَبِ، وَعَادَ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْهُمْ، فَقَالَ لِلسَّوَادِيُّ: خُذْ مَمْلُوكِي هَذَا قَدْ وَهَبْتُهُ لَكَ عِوَضًا عَنْ بِطِّيخِكَ، وَيُحْضِرَ الَّذِينَ أَخَذُوهُ، وَاللَّهِ لَئِنْ أَطْلَقْتَهُ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ. فَأَخَذَهُ السَّوَادِيُّ، فَاشْتَرَى الْغُلَامُ نَفْسَهُ مِنْهُ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ، فَعَادَ السَّوَادِيُّ إِلَى السُّلْطَانِ، وَقَالَ: قَدْ بِعْتُهُ نَفْسَهُ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ، فَقَالَ: أَرَضِيتَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ! قَالَ: امْضِ مُصَاحَبًا.
стр. 4885
وَقَالَ عَبْدُ السَّمِيعِ بْنُ دَاوُدَ الْعَبَّاسِيُّ: شَاهَدْتُ مَلِكْشَاهْ، وَقَدْ أَتَاهُ رَجُلَانِ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ السُّفْلَى، مِنْ قَرْيَةِ الْحَدَّادِيَّةِ، يُعْرَفَانِ بِابْنَيْ غَزَالٍ، فَلَقِيَاهُ، فَوَقَفَ لَهَا، فَقَالَا: إِنَّ مُقْطِعَنَا الْأَمِيرَ خُمَارَتِكِينَ قَدْ صَادَرَنَا بِأَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ دِينَارٍ، وَقَدْ كَسَرَ ثَنِيَّتَيْ أَحَدِنَا، وَأَرَاهُمَا السُّلْطَانَ، وَقَدْ قَصَدْنَاكَ لِتَقْتَصَّ لَنَا مِنْهُ، فَإِنْ أَخَذَتْ بِحَقِّنَا كَمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَإِلَّا فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَنَا.
قَالَ: فَرَأَيْتُ السُّلْطَانَ وَقَدْ نَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ، وَقَالَ: لِيُمْسِكْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا بِطَرَفِ كُمَّيَّ، وَاسْحَبَانِي إِلَى خُوَاجِهْ حَسَنَ، يَعْنِي نِظَامَ الْمُلْكِ، فَامْتَنَعَا مِنْ ذَلِكَ، وَاعْتَذَرَا، فَأَقْسَمَ عَلَيْهِمَا إِلَّا فَعَلَا، فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكُمٍّ مِنْ كُمَّيْهِ وَمَشَى مَعَهُمَا إِلَى نِظَامِ الْمُلْكِ، فَبَلَغَهُ الْخَبَرُ، فَخَرَجَ مُسْرِعًا، فَلَقِيَهُ، وَقَبَّلَ الْأَرْضَ، وَقَالَ: يَا سُلْطَانَ الْعَالَمِ! مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ فَقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ حَالِي غَدًا عِنْدَ اللَّهِ إِذَا طُولِبْتُ بِحُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ قَلَّدْتُكَ هَذَا الْأَمْرَ لِتَكْفِينِي مِثْلَ هَذَا الْمَوْقِفِ، فَإِنْ نَالَ الرَّعِيَّةَ أَذًى فَأَنْتَ الْمُطَالَبُ، فَانْظُرْ لِي وَلِنَفْسِكَ.
فَقَبَّلَ الْأَرْضَ، وَمَشَى فِي خِدْمَتِهِ، وَعَادَ مِنْ وَقْتِهِ، وَكَتَبَ بِعَزْلِ الْأَمِيرِ خُمَارَتِكِينَ عَنْ إِقْطَاعِهِ، وَرَدِّ الْمَالِ عَلَيْهِمَا، وَأَعْطَاهُمَا مِائَةَ دِينَارٍ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَمْرَهُمَا بِإِثْبَاتِ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ قَلَعَ ثَنِيَّتَيْهِ لِيَقْلَعَ ثَنِيَّتَيْهِ عِوَضَهُمَا، فَرَضِيَا، وَانْصَرَفَا.
وَقِيلَ إِنَّهُ وَرَدَ بَغْدَاذَ ثَلَاثُ دُفُعَاتٍ، فَخَافَهُ النَّاسُ مِنْ غَلَاءِ الْأَسْعَارِ، وَتَعَدِّي الْجُنْدِ، فَكَانَتِ الْأَسْعَارُ أَرْخَصَ مِنْهَا قَبْلَ قُدُومِهِ، وَكَانَ النَّاسُ يَخْتَرِقُونَ عَسَاكِرَهُ لَيْلًا، وَنَهَارًا، فَلَا يَخَافُونَ أَحَدًا، وَلَمْ يَتْعَدِ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ، وَأَسْقَطَ الْمُكُوسَ، وَالْمُؤَنَ مِنْ جَمِيعِ الْبِلَادِ، وَعَمَّرَ الطُّرُقَ، وَالْقَنَاطِرَ، وَالرُّبُطَ الَّتِي فِي الْمَفَاوِزِ، وَحَفَرَ الْأَنْهَارَ الْخِرَابَ، وَعَمَّرَ الْجَامِعَ بِبَغْدَاذَ، وَعَمِلَ الْمَصَانِعَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَبَنَى الْبَلَدَ بِأَصْبَهَانَ،
стр. 4886
وَبَنَى مَنَارَةَ الْقُرُونِ بِالسُّبَيْعِيِّ بِطُرُقِ مَكَّةَ، وَبَنَى مِثْلَهَا بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ.
وَاصْطَادَ مَرَّةً صَيْدًا كَثِيرًا، فَأَمَرَ بِعَدِّهِ، فَكَانَ عَشَرَةَ آلَافِ رَأْسٍ، فَأَمَرَ بِصَدَقَةٍ عَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَقَالَ: إِنَّنِي خَائِفٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى كَيْفَ أَزْهَقْتُ أَرْوَاحَ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَلَا مَأْكَلَةٍ، وَفَرَّقَ مِنَ الثِّيَابِ وَالْأَمْوَالِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ مَا لَا يُحْصَى، وَصَارَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلَّمَا صَادَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِعَدَدِهِ دَنَانِيرَ، وَهَذَا فِعْلُ مَنْ يُحَاسِبُ نَفْسَهُ عَلَى حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ، وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ مَرَاثِيَهُ أَيْضًا.
وَقِيلَ إِنَّ بَعْضَ أُمَرَاءَ السُّلْطَانِ كَانَ نَازِلًا بِهَرَاَةَ مَعَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي دَارِهِ، فَقَالَ يَوْمًا ذَلِكَ الْأَمِيرُ لِلسُّلْطَانِ، وَهُوَ سَكْرَانُ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَيَعْبُدُ الْأَصْنَامَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُحَلِّلُ الْحَرَامَ، فَلَمْ يَجُبْهُ مَلِكْشَاهْ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَحَا ذَلِكَ الْأَمِيرُ، فَأَخَذَ السُّلْطَانُ السَّيْفَ، وَقَالَ لَهُ:
اصْدُقْنِي عَنْ فُلَانٍ، وَإِلَّا قَتَلْتُكَ! فَطَلَبَ مِنْهُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُ، فَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَهُ دَارٌ حَسْنَاءُ، وَزَوْجَةٌ جَمِيلَةٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ تَقْتُلَهُ فَأَفُوزَ بِدَارِهِ وَزَوْجَتِهِ، فَأَبْعَدَهُ السُّلْطَانُ، وَشَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى التَّوَقُّفِ عَنْ قَبُولِ سِعَايَتِهِ، وَتَصَدَّقَ بِأَمْوَالٍ جَلِيلَةِ الْمِقْدَارِ.
ذِكْرُ مُلْكِ ابْنِهِ الْمَلِكِ مَحْمُودٍ وَمَا كَانَ مِنْ حَالِ ابْنِهِ الْأَكْبَرِ بَرْكِيَارُقَ إِلَى أَنْ مَلَكَ
لَمَّا مَاتَ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ كَتَمَتْ زَوْجَتُهُ تُرْكَانُ خَاتُونَ مَوْتَهُ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَرْسَلَتْ إِلَى الْأُمَرَاءِ سِرًّا فَأَرْضَتْهُمْ، وَاسْتَحْلَفَتْهُمْ لِوَلَدِهَا مَحْمُودٍ، وَعُمُرُهُ أَرْبَعُ سِنِينَ، وَشُهُورٍ، وَأَرْسَلَتْ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَدِي فِي الْخُطْبَةِ لِوَلَدِهَا أَيْضًا. فَأَجَابَهَا، وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ اسْمُ السَّلْطَنَةِ لِوَلَدِهَا، وَالْخُطْبَةُ لَهُ، وَيَكُونَ الْمُدَبِّرُ لِزَعَامَةِ الْجُيُوشِ، وَرِعَايَةِ الْبَلَدِ - هُوَ الْأَمِيرَ أُنَرْ، وَيَصْدُرُ عَنْ رَأْيِ تَاجِ الْمُلْكِ، وَيَكُونَ تَرْتِيبُ
стр. 4887
الْعُمَّالِ، وَجِبَايَةُ الْأَمْوَالِ إِلَى تَاجِ الْمُلْكِ أَيْضًا، وَكَانَ تَاجُ الْمُلْكِ هُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ الْأَمْرَ بَيْنَ يَدَيْ خَاتُونَ.
فَلَمَّا جَاءَتْ رِسَالَةُ الْخَلِيفَةِ إِلَى خَاتُونَ بِذَلِكَ امْتَنَعَتْ مِنْ قَبُولِهِ، فَقِيلَ لَهَا:
إِنَّ وَلَدَكِ صَغِيرٌ، وَلَا يُجِيزُ الشَّرْعُ وِلَايَتَهُ، وَكَانَ الْمُخَاطِبَ لَهَا فِي ذَلِكَ الْغَزَالِيُّ، فَأَذْعَنَتْ لَهُ، وَأَجَابَتْ إِلَيْهِ، فَخُطِبَ لِوَلَدِهَا، وَلُقِّبَ نَاصِرَ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَكَانَتِ الْخُطْبَةُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ الثَّانِيَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ، وَخُطِبَ لَهُ بِالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ.
وَلَمَّا مَاتَ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ أَرْسَلَتْ تُرْكَانُ خَاتُونَ إِلَى أَصْبَهَانَ فِي الْقَبْضِ عَلَى بَرْكِيَارُقَ ابْنِ السُّلْطَانِ، وَهُوَ أَكْبَرُ أَوْلَادِهِ، خَافَتْهُ أَنْ يُنَازِعَ وَلَدَهَا فِي السَّلْطَنَةِ، فَقُبِضَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا ظَهَرَ مَوْتُ مَلِكْشَاهْ وَثَبَ الْمَمَالِيكُ النِّظَامِيَّةُ عَلَى سِلَاحٍ كَانَ لِنِظَامِ الْمُلْكِ بِأَصْبَهَانَ، فَأَخَذُوهُ وَثَارُوا فِي الْبَلَدِ، وَأَخْرَجُوا بَرْكِيَارُقَ مِنَ الْحَبْسِ، وَخَطَبُوا لَهُ بِأَصْبَهَانَ وَمَلَّكُوهُ، وَكَانَتْ وَالِدَةُ بَرْكِيَارُقَ زُبَيْدَةَ ابْنَةَ يَاقُوتِيِّ بْنِ دَاوُدَ، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّ مَلِكْشَاهْ - خَائِفَةً عَلَى وَلَدِهَا مِنْ خَاتُونَ أُمِّ مَحْمُودٍ، فَأَتَاهَا الْفَرَجُ بِالْمَمَالِيكِ النِّظَامِيَّةِ.
وَسَارَتْ تُرْكَانُ خَاتُونَ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَطَالَبَ الْعَسْكَرُ تَاجَ الْمُلْكِ بِالْأَمْوَالِ، فَوَعَدَهُمْ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى قَلْعَةِ بُرْجَيْنِ صَعِدَ إِلَيْهَا لِيُنْزِلَ الْأَمْوَالَ مِنْهَا، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِيهَا عَصَى عَلَى خَاتُونَ، وَلَمْ يَنْزِلْ خَوْفًا مِنَ الْعَسْكَرِ، فَسَارُوا عَنْهُ، وَنَهَبُوا خَزَائِنَهُ، فَلَمْ يَجِدُوا بِهَا شَيْئًا، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ عَلِمَ مَا جَرَى، فَاسْتَظْهَرَ وَأَخْفَاهُ.
وَلَمَّا وَصَلَتْ تُرْكَانُ خَاتُونَ إِلَى أَصْبَهَانَ لَحِقَهَا تَاجُ الْمُلْكِ، وَاعْتَذَرَ بِأَنَّ مُسْتَحْفِظَ الْقَلْعَةِ حَبَسَهُ، وَأَنَّهُ هَرَبَ مِنْهُ إِلَيْهَا، فَقَبِلَتْ عُذْرَهُ.
وَأَمَّا بَرْكِيَارُقُ فَإِنَّهُ لَمَّا قَارَبَتْ خَاتُونُ، وَابْنُهَا مَحْمُودٌ أَصْبَهَانَ خَرَجَ مِنْهَا هُوَ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ النِّظَامِيَّةِ، وَسَارُوا نَحْوَ الرَّيِّ، فَلَقِيَهُمْ أَرَغْشُ النِّظَامِيُّ فِي عَسَاكِرِهِ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَصَارُوا يَدًا وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا حَمَلَ النِّظَامِيَّةَ عَلَى الْمَيْلِ إِلَى بَرْكِيَارُقَ كَرَاهَتُهُمْ لِتَاجِ الْمُلْكِ لِأَنَّهُ كَانَ عَدُوَّ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَالْمُتَّهَمَ بِقَتْلِهِ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا حَصَرُوا قَلْعَةَ طَبْرَكَ وَأَخَذُوهَا عَنْوَةً، فَسَيَّرَتْ خَاتُونُ الْعَسَاكِرَ إِلَى قِتَالِ بَرْكِيَارُقَ،
стр. 4888
فَالْتَقَى الْعَسْكَرَانِ بِالْقُرْبِ مِنْ بَرُوجِرْدَ، فَانْحَازَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ فِي عَسْكَرِ خَاتُونَ إِلَى بَرْكِيَارُقَ، مِنْهُمُ: الْأَمِيرُ يَلْبُرَدُ وَكَمُشْتَكِينُ الْجَانْدَارُ، وَغَيْرُهُمَا، فَقَوِيَ بِهِمْ، وَجَرَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ أَوَاخِرَ ذِي الْحِجَّةِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ خَاتُونَ وَعَادُوا إِلَى أَصْبَهَانَ، وَسَارَ بَرْكِيَارُقُ فِي أَثَرِهِمْ فَحَصَرَهُمْ بِأَصْبَهَانَ.
ذِكْرُ قَتْلِ تَاجِ الْمُلْكِ كَانَ تَاجُ الْمُلْكِ مَعَ عَسْكَرِ خَاتُونَ، وَشَهِدَ الْوَقْعَةَ، فَهَرَبَ إِلَى نُوَاحِي بَرُوجِرْدَ، فَأُخِذَ وَحُمِلَ إِلَى عَسْكَرِ بَرْكِيَارُقَ، وَهُوَ يُحَاصِرُ أَصْبَهَانَ، وَكَانَ يَعْرِفُ كِفَايَتَهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَوْزِرَهُ، فَشَرَعَ تَاجُ الْمُلْكِ فِي إِصْلَاحِ كِبَارِ النِّظَامِيَّةِ، وَفَرَّقَ فِيهِمْ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ سِوَى الْعُرُوضِ، فَزَالَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ.
فَلَمَّا بَلَغَ عُثْمَانَ نَائِبَ نِظَامِ الْمُلْكِ الْخَبَرُ سَاءَهُ، فَوَضَعَ الْغِلْمَانَ الْأَصَاغِرَ عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ، وَأَنْ لَا يَقْنَعُوا إِلَّا بِقَتْلِ قَاتِلِ صَاحِبِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَانْفَسَخَ مَا دَبَّرَهُ تَاجُ الْمُلْكِ، وَهَجَمَ النِّظَامِيَّةُ عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَفَصَلُوهُ أَجْزَاءً، وَكَانَ قَتْلُهُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَحُمِلَتْ إِلَى بَغْدَاذَ إِحْدَى أَصَابِعِهِ.
وَكَانَ كَثِيرَ الْفَضَائِلِ، جَمَّ الْمَنَاقِبِ، وَإِنَّمَا غَطَّى جَمِيعَ مَحَاسِنِهِ مُمَالَأَتُهُ عَلَى قَتْلِ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى تُرْبَةَ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، وَعَمِلَ الْمَدْرَسَةَ الَّتِي إِلَى جَانِبِهَا، وَرَتَّبَ بِهَا الشَّيْخَ أَبَا بَكْرٍ الشَّاشِيَّ، وَكَانَ عُمُرُهُ حِينَ قُتِلَ سَبْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً.
стр. 4889
ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ الْعَرَبُ بِالْحُجَّاجِ وَالْكُوفَةِ
سَارَ الْحُجَّاجُ هَذِهِ السَّنَةَ مِنْ بَغْدَاذَ، فَقَدِمُوا الْكُوفَةَ، وَرَحَلُوا مِنْهَا فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ خَفَاجَةُ، وَقَدْ طَمِعُوا بِمَوْتِ السُّلْطَانِ، وَبُعْدِ الْعَسْكَرِ، فَأَوْقَعُوا بِهِمْ، وَقَتَلُوا أَكْثَرَ الْجُنْدِ الَّذِينَ مَعَهُمْ، وَانْهَزَمَ بَاقِيهِمْ، وَنَهَبُوا الْحُجَّاجَ، وَقَصَدُوا الْكُوفَةَ فَدَخَلُوهَا، وَأَغَارُوا عَلَيْهَا، وَقَتَلُوا فِي أَهْلِهَا، فَرَمَاهُمُ النَّاسُ بِالنُّشَّابِ، فَخَرَجُوا بَعْدَ أَنْ نَهَبُوا، وَأَخَذُوا ثِيَابَ مَنْ لَقُوهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَسُيِّرَتِ الْعَسَاكِرُ مِنْهَا، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ بَنُو خَفَاجَةَ انْهَزَمُوا، فَأَدْرَكَهُمُ الْعَسْكَرُ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَنُهِبَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَضَعُفَتْ خَفَاجَةُ بَعْدَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، عَادَ السُّلْطَانُ مَنْ بَغْدَاذَ إِلَى أَصْبَهَانَ، وَأَخَذَ مَعَهُ الْأَمِيرَ أَبَا الْفَضْلِ جَعْفَرَ ابْنَ الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ مِنِ ابْنَةِ السُّلْطَانِ، وَتَفَرَّقَ الْأُمَرَاءُ إِلَى بِلَادِهِمْ، (ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَتُوُفِّيَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ) .
وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْأُولَى، احْتَرَقَ نَهْرُ الْمُعَلَّى، فَاحْتَرَقَ عَقْدُ الْحَدِيدِ إِلَى خَرِبَةِ الْهَرَّاسِ، إِلَى بَابِ دَارِ الضَّرْبِ، وَاحْتَرَقَ سُوقُ الصَّاغَةِ وَالصَّيَارِفِ، وَالْمُخَلِّطِينَ، وَالرَّيْحَانِيِّينَ، وَكَانَ الْحَرِيقُ مِنَ الظَّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ، فَاحْتَرَقَ مِنْهَا الْأَمْرُ الْعَظِيمُ فِي الزَّمَانِ الْقَلِيلِ، وَاحْتَرَقَ مِنَ النَّاسِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ رَكِبَ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ بْنُ جَهِيرٍ، وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ، وَجَمَعَ السَّقَّائِينَ، وَلَمْ يَزَلْ رَاكِبًا حَتَّى طُفِئَتِ النَّارُ.
стр. 4890
[الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ نَاقِيَا الشَّاعِرُ الْبَغْدَاذِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَكَانَ يُتَّهَمُ بِأَنَّهُ يَطْعَنُ عَلَى الشَّرَائِعِ، فَلَمَّا مَاتَ كَانَتْ يَدُهُ مَقْبُوضَةً، فَلَمْ يُطِقِ الْغَاسِلُ فَتْحَهَا، فَبَعْدَ جُهْدٍ فُتِحَتْ فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ:
نَزَلْتُ بِجَارٍ لَا يُخَيِّبُ ضَيْفَهُ ... أُرَجِّي نَجَاتِي مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمِ
وَإِنِّي عَلَى خَوْفِي مِنَ اللَّهِ وَاثِقٌ ... بِإِنْعَامِهِ وَاللَّهُ أَكْرَمُ مُنْعِمِ
وَفِيهَا تُوُفِّيَ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو الْقَاسِمِ الشِّيرَازِيُّ الْحَافِظُ، أَحَدُ الرَّحَّالِينَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَقَدِمَ الْمَوْصِلَ مِنَ الْعِرَاقِ، وَهُوَ الَّذِي أَظْهَرَ سَمَاعَ " الْجَعْدِيَّاتِ " لِأَبِي مُحَمَّدٍ الصَّرْيَفِينِيُّ، وَلَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ ذَلِكَ.
стр. 4891
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]
٤٨٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ وِزَارَةِ عِزِّ الْمُلْكِ بْنِ نِظَامِ الْمُلْكِ لِبَرْكِيَارُقَ
كَانَ عِزُّ الْمُلْكِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ مُقِيمًا بِخَوَارِزْمَ، حَاكِمًا فِيهَا، وَفِي كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، إِلَيْهِ الْمَرْجِعُ فِي كُلِّ أُمُورِهَا السُّلْطَانِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ أَبُوهُ حَضَرَ عِنْدَهُ خِدْمَةً لَهُ وَلِلسُّلْطَانِ، فَقُتِلَ أَبُوهُ، وَمَاتَ السُّلْطَانُ، فَأَقَامَ بِأَصْبَهَانَ إِلَى الْآنَ.
فَلَمَّا حَصَرَهَا بَرْكِيَارُقُ، وَكَانَ أَكْثَرَ عَسْكَرِهِ النِّظَامِيَّةِ، خَرَجَ مِنْ أَصْبَهَانَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ إِخْوَتِهِ، فَلَمَّا اتَّصَلَ بِبَرْكِيَارُقَ احْتَرَمَهُ، وَأَكْرَمَهُ، وَفَوَّضَ أُمُورَ دَوْلَتِهِ إِلَيْهِ، وَجَعَلَهُ وَزِيرًا لَهُ.
ذِكْرُ حَالِ تُتُشِ بْنِ أَلْبِ أَرَسْلَانَ
كَانَ تُتُشِ بْنُ أَلْب أَرْسِلَانَ صَاحِبَ دِمَشْقَ، وَمَا جَاوَرَهَا مِنْ بِلَادِ الشَّامِ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ مَوْتِ أَخِيهِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، سَارَ مِنْ دِمَشْقَ إِلَيْهِ بِبَغْدَاذَ، فَلَمَّا كَانَ بِهَيْتَ بَلَغَهُ مَوْتُهُ، فَأَخَذَ هَيْتَ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَعَادَ إِلَى دِمَشْقَ يَتَجَهَّزُ لِطَلَبِ السَّلْطَنَةِ، فَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ، وَأَخْرَجَ الْأَمْوَالَ، وَسَارَ نَحْوَ حَلَبَ، وَبِهَا قَسِيمُ الدَّوْلَةِ آقْسَنْقَرَ، فَرَأَى قَسِيمُ الدَّوْلَةِ اخْتِلَافَ أَوْلَادِ صَاحِبِهِ مَلِكْشَاهْ، وَصِغَرَهُمْ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَطِيقُ دَفْعَ تُتُشْ،
стр. 4892
فَصَالَحَهُ، وَصَارَ مَعَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى يَاغِي سِيَانَ، صَاحِبِ أَنْطَاكِيَةَ، وَإِلَى بُوزَانَ، صَاحِبِ الرُّهَا وَحَرَّانَ، يُشِيرُ عَلَيْهِمَا بِطَاعَةِ تَاجِ الدَّوْلَةِ تُتُشْ حَتَّى يَرَوْا مَا يَكُونُ مِنْ أَوْلَادِ مَلِكْشَاهْ، فَفَعَلُوا، وَصَارُوا مَعَهُ، وَخَطَبُوا لَهُ فِي بِلَادِهِمْ، وَقَصَدُوا الرَّحْبَةَ، فَحَصَرُوهَا، وَمَلَكُوهَا فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَخَطَبَ لِنَفْسِهِ بِالسَّلْطَنَةِ.
ثُمَّ سَارَ إِلَى نَصِيبِينَ، فَحَصَرُوهَا، فَسَبَّ أَهْلُهَا تَاجَ الدَّوْلَةِ، فَفَتَحَهَا عَنْوَةً وَقَهَرًا، وَقَتَلَ مِنْ أَهْلِهَا خَلْقًا كَثِيرًا، وَنُهِبَتِ الْأَمْوَالُ، وَفُعِلَ فِيهَا الْأَفْعَالُ الْقَبِيحَةُ، ثُمَّ سَلَّمَهَا إِلَى الْأَمِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ الْعُقَيْلِيِّ، وَسَارَ يُرِيدُ الْمَوْصِلَ، وَأَتَاهُ الْكَافِي بْنُ فَخْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ جَهِيرٍ، وَكَانَ فِي جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، فَأَكْرَمَهُ، وَاسْتَوْزَرَهُ.
ذِكْرُ وَقْعَةِ الْمُضَيَّعِ، وَأَخْذِ الْمَوْصِلِ مِنَ الْعَرَبِ كَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ، أَمِيرُ بُنِيَ عُقَيْلٍ، قَدِ اسْتَدْعَاهُ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ لِيُحَاسِبَهُ، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ اعْتَقَلَهُ، وَأَنْفَذَ فَخْرَ الدَّوْلَةِ بْنَ جَهِيرٍ إِلَى الْبِلَادِ، فَمَلَكَ الْمَوْصِلَ وَغَيْرَهَا، وَبَقِيَ إِبْرَاهِيمُ مَعَ مَلِكْشَاهْ، وَسَارَ مَعَهُ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَلَمَّا مَاتَ مَلِكْشَاهْ أَطْلَقَتْهُ تُرْكَانُ خَاتُّونَ مِنَ الِاعْتِقَالِ، فَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ.
وَكَانَ مَلِكْشَاهْ قَدْ أَقْطَعَ عَمَّتَهُ صَفِيَّةَ مَدِينَةَ بَلَدَ، وَكَانَتْ زَوْجَةُ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، وَلَهَا مِنْهُ ابْنُهَا عَلِيٌّ، وَكَانَتْ قَدْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ شَرَفِ الدَّوْلَةِ بِأَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ، فَلَمَّا مَاتَ مَلِكْشَاهْ قَصَدَتِ الْمَوْصِلَ، وَمَعَهَا ابْنُهَا عَلِيٌّ، فَقَصَدَهَا مُحَمَّدُ بْنُ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، وَأَرَادَ أَخْذَ الْمَوْصِلِ، فَافْتَرَقَتِ الْعَرَبُ فِرْقَتَيْنِ: فَرِقَةً مَعَهُ، وَأُخْرَى مَعَ صَفِيَّةَ وَابْنِهَا عَلِيٍّ، وَاقْتَتَلُوا بِالْمَوْصِلِ عِنْدَ الْكُنَاسَةِ، فَظَفِرَ عَلِيٌّ، وَانْهَزَمَ مُحَمَّدٌ، وَمَلِكَ عَلِيٌّ الْمَوْصِلَ.
فَلَمَّا وَصَلَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى جُهَيْنَةَ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْصِلِ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ، سَمِعَ أَنَّ
стр. 4893
الْأَمِيرَ عَلِيًّا ابْنَ أَخِيهِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ قَدْ مَلَكَهَا، وَمَعَهُ أُمُّهُ صَفِيَّةُ، عَمَّةُ مَلِكْشَاهْ، فَأَقَامَ مَكَانَهُ، وَرَاسَلَ صَفِيَّةَ خَاتُونَ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ، فَسَلَّمَتِ الْبَلَدَ إِلَيْهِ، فَأَقَامَ بِهِ.
فَلَمَّا مَلَكَ تُتُشْ نَصِيبِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَخْطُبَ لَهُ بِالسَّلْطَنَةِ، وَيُعْطِيَهِ طَرِيقًا إِلَى بَغْدَاذَ لِيَنْحَدِرَ، وَيَطْلُبَ الْخُطْبَةَ بِالسَّلْطَنَةِ، فَامْتَنَعَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ ذَلِكَ، فَسَارَ تُتُشْ إِلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ أَيْضًا نَحْوَهُ، فَالْتَقَوْا بِالْمُضَيَّعِ، مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ فِي ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَكَانَ تُتُشْ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، وَكَانَ آقْسَنْقَرُ عَلَى مَيْمَنَتِهِ، وَبُوزَانُ عَلَى مَيْسَرَتِهِ، فَحَمَلَ الْعَرَبُ عَلَى بُوزَانَ فَانْهَزَمَ، وَحَمَلَ آقْسَنْقَرُ عَلَى الْعَرَبِ فَهَزَمَهُمْ، وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَالْعَرَبِ، وَأُخِذَ إِبْرَاهِيمُ أَسِيرًا، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أُمَرَاءِ الْعَرَبِ، فَقُتِلُوا صَبْرًا، وَنُهِبَتْ أَمْوَالُ الْعَرَبِ، وَمَا مَعَهُمْ مِنَ الْإِبِلِ، وَالْغَنَمِ، وَالْخَيْلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَتَلَ كَثِيرٌ مِنَ النِّسَاءِ الْعَرَبِ أَنْفُسَهُنَّ خَوْفًا مِنَ السَّبْيِ وَالْفَضِيحَةِ.
وَمَلِكَ تُتُشْ بِلَادَهُمُ الْمَوْصِلَ، وَغَيْرَهَا، وَاسْتَنَابَ عَلِيَّ بْنَ شَرَفِ الدَّوْلَةِ مُسْلِمٍ، وَأُمُّهُ صَفِيَّةُ عَمَّةُ تُتُشْ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَغْدَاذَ يَطْلُبُ الْخُطْبَةَ، وَسَاعَدَهُ كُوهَرَائِينُ عَلَى ذَلِكَ، فَقِيلَ لِرَسُولِهِ: إِنَّا نَنْتَظِرُ وُصُولَ الرُّسُلِ مِنَ الْعَسْكَرِ فَعَادَ إِلَى تُتُشْ بِالْجَوَابِ.
ذِكْرُ مُلْكِ تُتُشْ دِيَارَ بَكْرٍ وَأَذْرَبِيجَانَ وَعَوْدِهِ إِلَى الشَّامِ
فَلَمَّا فَرَغَ تَاجُ الدَّوْلَةِ تُتُشْ مِنْ أَمْرِ الْعَرَبِ، وَمَلَكَ الْمَوْصِلَ وَغَيْرَهَا مِنْ بِلَادِهِمْ، سَارَ إِلَى دِيَارِ بَكْرٍ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، فَمَلَكَ مِيَافَارِقِينَ وَسَائِرَ دِيَارِ بَكْرَ مِنِ ابْنِ مَرَوَانَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى أَذْرَبِيجَانَ. فَانْتَهَى خَبَرُهُ إِلَى ابْنِ أَخِيهِ رُكْنِ الدِّينِ بَرْكِيَارُقَ، وَكَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ، مِنْهَا: الرَّيُّ، وَهَمَذَانُ، وَمَا بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا تَحَقَّقَ الْحَالُ سَارَ فِي عَسَاكِرِهِ لِيَمْنَعَ عَمَّهُ عَنِ الْبِلَادِ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الْعَسْكَرَانِ قَالَ قَسِيمُ الدَّوْلَةِ آقْسَنْقَرُ
стр. 4894
لَبُوزَانَ: إِنَّمَا أَطَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ لِنَنْظُرَ مَا يَكُونُ مِنْ أَوْلَادِ صَاحِبِنَا، وَالْآنَ فَقَدْ ظَهَرَ ابْنُهُ، وَنُرِيدُ أَنْ نَكُونَ مَعَهُ. فَاتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ وَفَارَقَا تُتُشْ، وَصَارَا مَعَ بَرْكِيَارُقَ.
فَلَمَّا رَأَى تَاجُ الدَّوْلَةِ تُتُشْ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّهُ لَا قُوَّةَ لَهُ بِهِمْ، فَعَادَ إِلَى الشَّامِ، وَاسْتَقَامَتِ الْبِلَادُ لِبَرْكِيَارُقَ، فَلَمَّا قَوِيَ أَمْرُهُ سَارَ كُوهَرَائِينُ إِلَى الْعَسْكَرِ يَعْتَذِرُ مِنْ مُسَاعَدَتِهِ لِتَاجِ الدَّوْلَةِ تُتُشْ وَأَعَانَهُ بِرْسَقُ، وَتَعَصَّبَ عَلَيْهِ كَمُشْتِكِينُ الْجَانْدَارُ، فَأُخِذَ إِقْطَاعُهُ، وَأُعْطِيَ الْأَمِيرُ يَلْبُرَدُ زِيَادَةً، وَوَلِيَ شَحْنَكِيَّةَ بَغْدَاذَ عِوَضَ كُوهَرَائِينَ، وَتَفَرَّقَ عَنْ كُوهَرَائِينَ أَصْحَابُهُ، فَكَانَ مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ حَصْرِ عَسْكَرِ مِصْرَ صُورَ وَمَلْكِهِمْ لَهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، مَلَكَ عَسْكَرُ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ الْعَلَوِيِّ، صَاحِبِ مِصْرَ، مَدِينَةَ صُورَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ: أَنَّ أَمِيرَ الْجُيُوشِ بَدْرًا، وَزِيرَ الْمُسْتَنْصِرِ، سَيَّرَ الْعَسَاكِرَ إِلَى مَدِينَةِ صُورَ، وَغَيْرِهَا، مِنْ سَاحِلِ الشَّامِ، وَكَانَ مَنْ بِهَا قَدِ امْتَنَعَ مِنْ طَاعَتِهِمْ، فَمَلَكَهَا، وَقَرَّرَ أُمُورَهَا، وَجَعَلَ فِيهَا الْأُمَرَاءَ.
وَكَانَ قَدْ وَلَّى مَدِينَةَ صُورَ الْأَمِيرَ الَّذِي يُعْرَفُ بِمُنِيرِ الدَّوْلَةِ الْجُيُوشِيِّ، فَعَصَى عَلَى الْمُسْتَنْصِرِ وَأَمِيرِ الْجُيُوشِ، وَامْتَنَعَ بِصُورَ، فَسُيِّرَتِ الْعَسَاكِرُ مِنْ مِصْرَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَهْلُ صُورٍ قَدْ أَنْكَرُوا عَلَى مُنِيرِ الدَّوْلَةِ عِصْيَانَهُ عَلَى سُلْطَانِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ الْعَسْكَرُ
стр. 4895
الْمِصْرِيُّ إِلَى صُورَ وَحَصَرُوهَا وَقَاتَلُوهَا ثَارَ أَهْلُهَا، وَنَادَوْا بِشِعَارِ الْمُسْتَنْصِرِ، وَأَمِيرِ الْجُيُوشِ، وَسَلَّمُوا الْبَلَدَ، وَهَجَمَ الْعَسْكَرُ الْمِصْرِيُّ بِغَيْرِ مَانِعٍ، وَلَا مُدَافِعٍ، وَنُهِبَ مِنَ الْبَلَدِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَأُسِرَ مُنِيرُ الدَّوْلَةِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَحُمِلُوا إِلَى مِصْرَ، وَقُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ سِتُّونَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَأَجْحَفَتْ بِهِمْ.
وَلَمَّا وَصَلَ مُنِيرُ الدَّوْلَةِ إِلَى مِصْرَ، وَمَعَهُ الْأَسْرَى قُتِلُوا جَمِيعُهُمْ، وَلَمْ يُعْفَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
ذِكْرُ قَتْلِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَاقُوتِيٍّ خَالِ بَرْكِيَارُقَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَعْبَانَ، قُتِلَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَاقُوتِيِّ بْنِ دَاوُدَ، وَهُوَ خَالُ بَرْكِيَارُقَ، وَابْنُ عَمِّ مَلِكْشَاهْ.
وَسَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ كَانَ بِأَذْرَبِيجَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُرْكَانُ خَاتُونَ، زَوْجَةُ مَلِكْشَاهْ، تُطْمِعُهُ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِهِ، وَتَدْعُوهُ إِلَى مُحَارَبَةِ بَرْكِيَارُقَ، فَأَجَابَهَا إِلَى ذَلِكَ، وَجَمَعَ خَلْقًا مِنَ التُّرْكُمَانِ وَغَيْرِهِمْ، وَصَارَ أَصْحَابُ سِرْهَنِكَ سَاوْتِكِينَ فِي خَيْلِهِ، وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُرْكَانُ خَاتُونَ كَرْبُوقَا، وَغَيْرَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ مَدَدًا لَهُ، فَجَمَعَ بَرْكِيَارُقُ عَسَاكِرَهُ، وَسَارَ إِلَى حَرْبِ خَالِهِ إِسْمَاعِيلَ، فَالْتَقَوْا عِنْدَ الْكَرَجِ، فَانْحَازَ الْأَمِيرُ يَلْبُرَدُ إِلَى بَرْكِيَارُقَ، وَصَارَ مَعَهُ، فَانْهَزَمَ إِسْمَاعِيلُ وَعَسْكَرُهُ، وَتَوَجَّهَ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَأَكْرَمَتْهُ تُرْكَانُ خَاتُونَ، وَخَطَبَتْ لَهُ، وَضَرَبَتِ اسْمَهُ عَلَى الدِّينَارِ بَعْدَ ابْنِهَا مَحْمُودِ بْنِ مَلِكْشَاهْ.
وَكَادَ الْأَمْرُ فِي الْوَصْلَةِ يَتِمُّ بَيْنَهُمَا، فَامْتَنَعَ الْأُمَرَاءُ مِنْ ذَلِكَ لَا سِيَّمَا الْأَمِيرِ أُنَرْ،
стр. 4896
وَهُوَ مُدَبِّرُ الْأَمْرِ، وَصَاحِبُ الْجَيْشِ، وَآثَرُوا خُرُوجَ إِسْمَاعِيلَ عَنْهُمْ، وَخَافُوهُ، وَخَافَ هُوَ أَيْضًا مِنْهُمْ، فَفَارَقَهُمْ، وَرَاسَلَ أُخْتَهُ زُبَيْدَةَ وَالِدَةَ بَرْكِيَارُقَ فِي اللَّحَاقِ بِهِمْ، فَأَذِنَتْ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَوَصَلَ إِلَيْهِمْ، وَأَقَامَ عِنْدَهُمْ أَيَّامًا يَسِيرَةً، فَخَلَا بِهِ كَمُشْتِكِينُ الْجَانْدَارُ، وَآقْسِنْقَرُ، وَبُوزَانُ، وَبَسَطُوهُ فِي الْقَوْلِ، فَأَطْلَعَهُمْ عَلَى سِرِّهِ، وَأَنَّهُ يُرِيدُ السَّلْطَنَةَ، وَقَتْلَ بَرْكِيَارُقَ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَأَعْلَمُوا أُخْتَهُ خَبَرَهُ فَسَكَتَتْ عَنْهُ.
ذِكْرُ أَخْذِ الْحُجَّاجِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْقَطَعَ الْحَجُّ مِنَ الْعِرَاقِ لِأَسْبَابٍ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ، وَسَارَ الْحَاجُّ مِنْ دِمَشْقَ مَعَ أَمِيرٍ أَقَامَهُ تَاجُ الدَّوْلَةِ تُتُشْ صَاحِبُهَا، فَلَمَّا قَضَوْا حَجَّهُمْ وَعَادُوا سَائِرِينَ سَيَّرَ أَمِيرُ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي هَاشِمٍ، عَسْكَرًا فَلَحِقُوهُمْ بِالْقُرْبِ مِنْ مَكَّةَ، وَنَهَبُوا كَثِيرًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَجِمَالِهِمْ، فَعَادُوا إِلَيْهِ، وَلَقُوهُ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُعِيدَ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْهُمْ، وَشَكَوْا إِلَيْهِ بُعْدَ دِيَارِهِمْ، فَأَعَادَ بَعْضَ مَا أَخَذَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا أَيِسُوا مِنْهُ سَارُوا مِنْ مَكَّةَ عَائِدَيْنِ عَلَى أَقْبَحِ صُورَةٍ، فَلَمَّا أَبْعَدُوا عَنْهَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ جُمُوعٌ مِنَ الْعَرَبِ فِي عِدَّةِ جِهَاتٍ، فَصَانَعُوهُمْ عَلَى مَالٍ أَخَذُوهُ مِنَ الْحَاجِّ، بَعْدَ أَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ وَافِرَةٌ، وَهَلَكَ فِيهِ كَثِيرُونَ بِالضَّعْفِ وَالِانْقِطَاعِ، وَعَادَ السَّالِمُ عَلَى أَقْبَحِ صُورَةٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، قَدِمَ إِلَى بَغْدَاذَ أَرْدِشِيرِينُ بْنُ مَنْصُورٍ أَبُو الْحُسَيْنِ الْوَاعِظُ، الْعَبَّادِيُّ، وَأَكْثَرَ الْوَعْظَ بِالْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ، وَهُوَ مَرْوَزِيٌّ، وَقَدِمَ بَغْدَاذَ قَاصِدًا لِلْحَجِّ، وَكَانَ لَهُ قَبُولٌ عَظِيمٌ، بِحَيْثُ إِنَّ الْغَزَالِيَّ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَمَشَايِخِ الصُّوفِيَّةِ الْكِبَارِ يَحْضُرُونَ مَجْلِسَهُ، وَذُرِعَ فِي بَعْضِ الْمَجَالِسِ الْأَرْضُ الَّتِي فِيهَا الرِّجَالُ،
стр. 4897
فَكَانَ طُولُهَا مِائَةً وَخَمْسَةً وَسَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَعَرَضُهَا مِائَةً وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا، وَكَانُوا يَزْدَحِمُونَ ازْدِحَامًا كَثِيرًا، وَكَانَ النِّسَاءُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ لَهُ كَرَامَاتٌ ظَاهِرَةٌ، وَعِبَادَاتٌ كَثِيرَةٌ.
وَكَانَ سَبَبُ مَنْعِهِ مِنَ الْوَعْظِ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَتَعَامَلَ النَّاسُ بِبَيْعِ الْقُرَاضَةِ بِالصَّحِيحِ، وَقَالَ: هُوَ رِبَا، فَمُنِعَ مِنَ الْوَعْظِ، وَأُخْرِجَ مِنَ الْبَلَدِ.
وَفِيهَا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بِبَغْدَاذَ بَيْنَ الْعَامَّةِ، وَقَصَدَ كُلُّ فَرِيقٍ الْفَرِيقَ الْآخَرَ، وَقَطَعُوا الطُّرُقَاتِ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَقَتَلَ أَهْلُ النَّصْرِيَّةِ مُصْلَحِيًّا، فَأَرْسَلَ كُوهَرَائِينُ فَأَحْرَقَهَا، وَاتَّصَلَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ أَهْلِ الْكَرْخِ وَبَابِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ لِلْعَمِيدِ الْأَغَرِّ أَبِي الْمَحَاسِنِ الدِّهِسْتَانِيِّ فِي إِطْفَاءِ هَذِهِ الْفِتْنَةِ أَثَرٌ حَسَنٌ.
وَفِيهَا، فِي شَعْبَانَ، سَارَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ صَدَقَةُ بْنُ مَزْيَدٍ إِلَى السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، فَلَقِيَهُ بِنَصِيبِينَ، وَسَارَ مَعَهُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَوَصَلَهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَمَعَهُ وَزِيرُهُ عِزُّ الْمُلْكِ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَخَرَجَ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ وَالنَّاسُ إِلَى لِقَائِهِ مِنْ عَقْرَقُوفَ.
وَفِيهَا وُلِدَ لِلْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ وَلَدٌ سُمِّيَ الْفَضْلَ، وَكُنِّيَ أَبَا مَنْصُورٍ، وَلُقِّبَ عُمْدَةَ الدِّينِ، وَهُوَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ.
وَفِيهَا، فِي رَمَضَانَ، قُتِلَ الْأَمِيرُ يَلْبُرَدُ، قَتَلَهُ بَرْكِيَارُقُ، وَكَانَ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْكِبَارِ مَعَ أَبِيهِ، فَزَادَهُ بِرْكِيَارُقُ إِقْطَاعَ كُوهَرَائِينَ، وَشَحْنَكِيَّةَ بَغْدَاذَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى دَقُوقَا أُعِيدَ مِنْهَا لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِوَالِدَةِ السُّلْطَانِ بِرْكِيَارُقَ، بِكَلَامٍ شَنِيعٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ أَصْبَحَ مَقْتُولًا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا (فِي الْمُحَرَّمِ) تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ أَبُو الْحَسَنِ الْقُرَشِيُّ،
стр. 4898
الْهَكَّارِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِشَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ فَاضِلًا، عَابِدًا، كَثِيرَ السَّمَاعِ، إِلَّا أَنَّ الْغَرَائِبَ فِي حَدِيثِهِ كَثِيرَةٌ لَا يُدْرَى مَا سَبَبُهَا.
(وَالْأَمِيرُ أَبُو نَصْرٍ عَلِيُّ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ الْعِجْلِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ مَاكُولَا، مُصَنِّفِ كِتَابِ " الْإِكْمَالِ "، قَتَلَهُ غِلْمَانُهُ الْأَتْرَاكُ بِكَرْمَانَ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ حَافِظًا) .
وَفِيهَا، فِي صَفَرٍ، تُوُفِّيَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَامِرٌ الضَّرِيرُ، وَكَانَ فَقِيهًا شَافِعِيًّا، مُقْرِئًا، نَحْوِيًّا، وَكَانَ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ بِالْإِمَامِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ.
وَفِي جُمَادَى الْأُولَى تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ الْمُقْتَدِي، وَأُمُّهُ ابْنَةُ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ " الْجَعْفَرِيَّاتُ ".
وَفِي رَجَبٍ تُوُفِّيَ الشَّيْخُ أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُحْسِنِ الْوَكِيلُ بِالْمَخْزَنِ، وَكَانَ فَقِيهًا شَافِعِيًّا، كَثِيرَ الْإِحْسَانِ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، وَكَانَ مَحْمُودًا فِي وِلَايَتِهِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ كَمَالُ الْمُلْكِ الدِّهِسْتَانِيُّ الَّذِي كَانَ عَمِيدَ بَغْدَاذَ.
وَفِي رَمَضَانَ تُوُفِّيَ الْمُشَطَّبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنَفِيُّ بِالْكُحَيْلِ مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ الْخَلِيفَةُ قَدْ أَرْسَلَهُ إِلَى بَرْكِيَارُقَ، وَكَانَ بِالْمَوْصِلِ، وَمَعَهُ تَاجُ الرُّؤَسَاءِ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْمُوصِلَايَا، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا عَالِمًا، مُكَرَّمًا عِنْدَ الْمُلُوكِ، وَحُمِلَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَدُفِنَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ
стр. 4899
وَفِيهِ تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَرْزَبِينِيُّ، قَاضِي بَابِ الْأَزْجِ، وَوُلِّيَ مَكَانَهُ الْقَاضِي أَبُو الْمَعَالِي عَزِيزِي، وَكَانَ أَبُو الْمَعَالِي شَافِعِيًّا، أَشْعَرِيًّا، مُغَالِيًا، وَلَهُ مَعَ أَهْلِ بَابِ الْأَزْجِ أَقَاصِيصُ وَحِكَايَاتٌ عَجِيبَةٌ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ نَصْرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ أَبُو اللَّيْثِ، وَأَبُو الْفَتْحِ التُّنْكُتِيُّ، لَهُ كُنْيَتَانِ، سَافَرَ [فِي] الْبِلَادِ شَرْقًا وَغَرْبًا، رَوَى صَحِيحَ مُسْلِمٍ وَغَيْرَهُ، وَكَانَ ثِقَةً، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
وَفِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنْبَلِيُّ، الْفَقِيهُ، وَكَانَ وَافِرَ الْعِلْمِ، غَزِيرَ الدِّينِ، حَسَنَ الْوَعْظِ وَالسَّمْتِ.
стр. 4900
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]
٤٨٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ الْخُطْبَةِ لِلسُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، يَوْمَ الْجُمْعَةِ رَابِعَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ، خُطِبَ بِبَغْدَاذَ لِلسُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ بْنِ مَلِكْشَاهْ، وَكَانَ قَدِمَهَا أَوَاخِرَ سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ يَطْلُبُ الْخُطْبَةَ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَخُطِبَ لَهُ، وَلُقِّبَ رُكْنَ الدِّينِ.
وَحَمَلَ الْوَزِيرُ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ بْنُ جَهِيرٍ الْخِلَعَ إِلَى بَرْكِيَارُقَ، فَلَبِسَهَا، وَعُرِضَ التَّقْلِيدُ عَلَى الْخَلِيفَةِ لِيُعَلِّمَ عَلَيْهِ، فَعَلَّمَ فِيهِ، وَتُوُفِّيَ فَجْأَةً عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَوُلِّيَ ابْنُهُ الْإِمَامُ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ الْخِلَافَةَ، فَأَرْسَلَ الْخِلَعَ وَالتَّقْلِيدَ إِلَى السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، فَأَقَامَ بِبَغْدَاذَ إِلَى رَبِيعٍ مِنَ السَّنَةِ، وَسَارَ عَنْهَا إِلَى الْمَوْصِلِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، يَوْمَ السَّبْتِ خَامِسَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ، تُوُفِّيَ الْإِمَامُ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الذَّخِيرَةِ بْنِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَجْأَةً، وَكَانَ قَدْ أُحْضِرَ عِنْدَهُ تَقْلِيدُ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ لِيُعَلِّمَ فِيهِ، فَقَرَأَهُ، وَتَدَبَّرَهُ، وَعَلَّمَ فِيهِ، ثُمَّ قُدِّمَ إِلَيْهِ طَعَامٌ،
стр. 4901
فَأَكَلَ مِنْهُ، وَغَسَلَ يَدَيْهِ، وَعِنْدَهُ قَهْرَمَانَتُهُ شَمْسُ النَّهَارِ، فَقَالَ لَهَا: مَا هَذِهِ الْأَشْخَاصُ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَيَّ بِغَيْرِ إِذْنٍ؟ قَالَتْ: فَالْتَفَتُّ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَرَأَيْتُهُ قَدْ تَغَيَّرَتْ حَالَتُهُ، وَاسْتَرْخَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، وَانْحَلَّتْ قُوَّتُهُ، وَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ، فَظَنَنْتُهَا غَشْيَةً قَدْ لَحِقَتْهُ، فَحَلَلْتُ أَزْرَارَ ثَوْبِهِ، فَوَجَدْتُهُ وَقَدْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ أَمَارَاتُ الْمَوْتِ، وَمَاتَ لِوَقْتِهِ، قَالَتْ: فَتَمَاسَكْتُ، وَقُلْتُ لِجَارِيَةٍ عِنْدِي: لَيْسَ هَذَا وَقْتَ إِظْهَارِ الْجَزَعِ وَالْبُكَاءِ، فَإِنْ صِحْتِ قَتَلْتُكِ، وَأَحْضَرْتُ الْوَزِيرَ فَأَعْلَمْتُهُ الْحَالَ، فَشَرَعُوا فِي الْبَيْعَةِ لِوَلِيِّ الْعَهْدِ، وَجَهَّزُوا الْمُقْتَدِيَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ، وَدَفَنُوهُ.
وَكَانَ عُمُرُهُ ثَمَانِيًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَسَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ غَيْرَ يَوْمَيْنِ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدِ أَرْمَنِيَّةٌ تُسَمَّى أُرْجُوَانَ، وَتُدْعَى قُرَّةَ الْعَيْنِ، أَدْرَكَتْ خِلَافَتَهُ، وَخِلَافَةَ ابْنِهِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ، وَخِلَافَةَ ابْنِ ابْنِهِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ.
وَوَزَرَ لَهُ فَخْرُ الدَّوْلَةِ أَبُو نَصْرِ بْنُ جَهِيرٍ، ثُمَّ أَبُو شُجَاعٍ، ثُمَّ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ جَهِيرٍ.
وَقُضَاتُهُ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدَّامَغَانِيُّ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ الشَّامِيُّ.
وَكَانَتْ أَيَّامُهُ كَثِيرَةَ الْخَيْرِ، وَاسِعَةَ الرِّزْقِ، وَعَظُمَتِ الْخِلَافَةُ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ مِنْ قَبْلِهِ، وَانْعَمَرَتْ بِبَغْدَاذَ عِدَّةُ مَحَالٍّ فِي خِلَافَتِهِ مِنْهَا: الْبَصَلِيَّةُ، وَالْقَطِيعَةُ، وَالْحُلْبَةُ، وَالْمُقْتَدِّيَةُ، وَالْأَجَمَةُ، وَدَرْبُ الْقِيَارِ، وَخَرِبَةُ ابْنِ جَرْدَةَ، وَخَرِبَةُ الْهَرَّاسِ، وَالْخَاتُونِيَّتَيْنِ.
стр. 4902
وَأَمَرَ بِنَفْيِ الْمُغَنِّيَاتِ، وَالْمُفْسِدَاتِ مِنْ بَغْدَاذَ، وَبَيْعِ دُورِهِنَّ، فَنُفِينَ، وَمَنَعَ النَّاسَ أَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْحَمَّامَ إِلَّا بِمِئْزَرٍ، وَقَلَعَ الْهَرَادِيَّ، وَالْأَبْرَاجَ الَّتِي لِلطُّيُورِ، وَمَنَعَ مِنَ اللَّعِبِ بِهَا لِأَجْلِ الِاطِّلَاعِ عَلَى حُرَمِ النَّاسِ، وَمَنَعَ مِنْ إِجْرَاءِ مَاءِ الْحَمَّامَاتِ إِلَى دِجْلَةَ، وَأَلْزَمَ أَرْبَابَهَا بِحَفْرِ آبَارٍ لِلْمِيَاهِ، وَأَمْرَ أَنَّ مَنْ يَغْسِلُ السَّمَكَ الْمَالِحَ يَعْبُرُ إِلَى النَّجْمِيِّ فَيَغْسِلُهُ هُنَاكَ، وَمَنَعَ الْمَلَّاحِينَ أَنْ يَحْمِلُوا الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ مُجْتَمِعِينَ، وَكَانَ قَوِيَّ النَّفْسِ، عَظِيمَ الْهِمَّةِ مِنْ رِجَالِ بَنِي الْعَبَّاسِ.
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ
لَمَّا تُوُفِّيَ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، أُحْضِرَ وَلَدُهُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ، وَأُعْلِمَ بِمَوْتِهِ، وَحَضَرَ الْوَزِيرُ فَبَايَعَهُ، وَرَكِبَ إِلَى السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، فَأَعْلَمَهُ الْحَالَ، وَأَخَذَ بَيْعَتَهُ لِلْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ.
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ مِنْ مَوْتِ الْمُقْتَدِي أَظْهَرَ ذَلِكَ، وَحَضَرَ عِزُّ الْمُلْكِ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ وَزِيرُ بَرْكِيَارُقَ، وَأَخُوهُ بَهَاءُ الْمُلْكِ، وَأُمَرَاءُ السُّلْطَانِ، وَجَمِيعُ أَرْبَابِ الْمَنَاصِبِ: النَّقِيبَانِ طَرَّادٌ الْعَبَّاسِيُّ، وَالْمُعَمَّرُ الْعَلَوِيُّ فِي أَصْحَابِهِمَا، وَقَاضِي الْقُضَاةِ، وَالْغَزَالِيُّ، وَالشَّاشِيُّ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَجَلَسُوا فِي الْعَزَاءِ، وَبَايَعُوا، وَكَانَ لِلْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ لَمَّا بُويِعَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً وَشَهْرَانِ.
ذِكْرُ قَتْلِ قَسِيمِ الدَّوْلَةِ آقْسَنْقَرَ، وَمَلْكِ تُتُشْ حَلَبَ وَالْجَزِيرَةَ وَدِيَارَ بَكْرٍ، وَأَذْرَبِيجَانَ وَهَمَذَانَ، وَالْخُطْبَةِ لَهُ بِبَغْدَاذَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، قُتِلَ قَسِيمُ الدَّوْلَةِ آقْسَنْقَرُ، جَدُّ مُلُوكِنَا بِالْمَوْصِلِ الْآنَ، أَوْلَادُ الشَّهِيدِ زِنْكِيِّ بْنِ آقْسَنْقَرَ.
стр. 4903
وَسَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ تَاجَ الدَّوْلَةِ تُتُشْ لَمَّا عَادَ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ مُنْهَزِمًا لَمْ يَزَلْ يَجْمَعُ الْعَسَاكِرَ، فَكَثُرَتْ جُمُوعُهُ، وَعَظُمَ حَشْدُهُ، فَسَارَ فِي هَذَا التَّارِيخِ عَنْ دِمَشْقَ نَحْوَ حَلَبَ لِيَطْلُبَ السَّلْطَنَةَ، فَاجْتَمَعَ قَسِيمُ الدَّوْلَةِ آقْسَنْقَرُ، وَبُوزَانُ، وَأَمَدَّهُمَا رُكْنُ الدِّينِ بَرْكِيَارُقُ بِالْأَمِيرِ كَرْبُوقَا الَّذِي صَارَ بَعْدُ صَاحِبَ الْمَوْصِلِ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا سَارُوا إِلَى طَرِيقِهِ، فَلَقُوهُ عِنْدَ نَهْرِ سَبْعِينَ قَرِيبًا مِنْ تَلِّ السُّلْطَانِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَلَبَ سِتَّةُ فَرَاسِخَ، وَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَخَامَرَ بَعْضُ الْعَسْكَرِ الَّذِينَ مَعَ آقْسَنْقَرَ، فَانْهَزَمُوا، وَتَبِعَهُمُ الْبَاقُونَ، فَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ، وَثَبَتَ آقْسَنْقَرُ، فَأُخِذَ أَسِيرًا، وَأُحْضِرَ عِنْدَ تُتُشْ، فَقَالَ لَهُ: لَوْ ظَفِرْتَ بِي مَا كُنْتَ صَنَعْتَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقْتُلُكَ! فَقَالَ لَهُ: أَنَا أَحْكُمُ عَلَيْكَ بِمَا كُنْتَ تَحْكُمُ عَلَيَّ، فَقَتَلَهُ صَبْرًا.
وَسَارَ نَحْوَ حَلَبَ، وَكَانَ قَدْ دَخَلَ إِلَيْهَا كَرْبُوقَا، وَبُوزَانُ، فَحَفِظَاهَا مِنْهُ، وَحَصَرَهَا تُتُشْ وَلَجَّ فِي قِتَالِهَا حَتَّى مَلَكَهَا، (سَلَّمَهَا إِلَيْهِ الْمُقِيمُ بِقَلْعَةِ الشَّرِيفِ، وَمِنْهَا دَخَلَ الْبَلَدَ، وَأَخَذَهُمَا أَسِيرَيْنِ، وَأَرْسَلَ إِلَى حَرَّانَ وَالرُّهَا لِيُسَلِّمُوهُ مَنْ بِهِمَا - وَكَانَتَا لَبُوزَانَ - فَامْتَنَعُوا مِنَ التَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، فَقَتَلَ بُوزَانَ، وَأَرْسَلَ رَأْسَهُ إِلَيْهِمْ) وَتَسَلَّمَ الْبَلَدَيْنِ.
وَأَمَّا كَرْبُوقَا فَإِنَّهُ أَرْسَلَهُ إِلَى حِمْصَ، فَسَجَنَهُ بِهَا إِلَى أَنْ أَخْرَجَهُ الْمَلِكُ رَضْوَانُ بَعْدَ قَتْلِ أَبِيهِ تُتُشْ.
وَكَانَ قَسِيمُ الدَّوْلَةِ أَحْسَنَ الْأُمَرَاءِ سِيَاسَةً لِرَعِيَّتِهِ، وَحِفْظًا لَهُمْ، وَكَانَتْ بِلَادُهُ بَيْنَ رُخْصٍ عَامٍّ، وَعَدْلٍ شَامِلٍ، وَأَمْنٍ وَاسِعٍ، وَكَانَ قَدْ شَرَطَ عَلَى أَهْلِ كُلِّ قَرْيَةٍ مِنْ بِلَادِهِ، مَتَى أُخِذَ عِنْدَهُمْ قَفْلٌ، أَوْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، غَرِمَ أَهْلُهَا جَمِيعَ مَا يُؤْخَذُ مِنَ
стр. 4904
الْأَمْوَالِ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، فَكَانَتِ السَّيَّارَةُ، إِذَا بَلَغُوا قَرْيَةً مِنْ بِلَادِهِ، أَلْقَوْا رِحَالَهُمْ وَنَامُوا، وَحَرَسَهُمْ أَهْلُ الْقَرْيَةِ إِلَى أَنْ يَرْحَلُوا، فَأَمِنَتِ الطُّرُقُ.
وَأَمَّا وَفَاؤُهُ، وَحُسْنُ عَهْدِهِ، فَيَكْفِيهِ فَخْرًا أَنَّهُ قُتِلَ فِي حِفْظِ بَيْتِ صَاحِبِهِ وَوَلِيِّ نِعْمَتِهِ.
فَلَمَّا مَلَكَ تُتُشْ حَرَّانَ وَالرُّهَا سَارَ إِلَى الدِّيَارِ الْجَزَرِيَّةِ فَمَلَكَهَا جَمِيعَهَا، ثُمَّ مَلَكَ دِيَارَ بَكْرٍ وَخِلَاطٍ، وَسَارَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ فَمَلَكَ بِلَادَهَا كُلَّهَا، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى هَمَذَانَ فَمَلَكَهَا، وَرَأَى بِهَا فَخْرَ الْمُلْكِ بْنَ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَكَانَ بِخُرَاسَانَ، فَسَارَ مِنْهَا إِلَى السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ لِيَخْدِمَهُ، فَوَقَعَ عَلَيْهِ الْأَمِيرُ قِمَاجُ، وَهُوَ مِنْ عَسْكَرِ مَحْمُودِ ابْنِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ بِأَصْبَهَانَ، فَنَهَبَ فَخْرَ الْمُلْكِ، فَهَرَبَ مِنْهُ وَنَجَا بِنَفْسِهِ، فَجَاءَ إِلَى هَمَذَانَ فَصَادَفَهُ تُتُشْ بِهَا، فَأَرَادَ قَتْلَهُ، فَشَفَعَ فِيهِ يَاغِي سِيَانَ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَوْزِرَهُ لِمَيْلِ النَّاسِ إِلَى بَيْتِهِ، فَاسْتَوْزَرَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَغْدَاذَ يَطْلُبُ الْخُطْبَةَ مِنَ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ، وَكَانَ شِحْنَتُهُ بِبَغْدَاذَ أَيْتَكِينَ جَبَّ، فَلَازَمَ الْخِدْمَةَ بِالدِّيوَانِ، وَأَلَحَّ فِي طَلَبِهَا، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ سَمِعُوا أَنَّ بَرْكِيَارُقَ قَدِ انْهَزَمَ مِنْ عَسْكَرِ عَمِّهِ تُتُشْ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
ذِكْرُ انْهِزَامِ بَرْكِيَارُقَ مِنْ عَمِّهِ تُتُشْ وَمَلْكِهِ أَصْبَهَانَ بَعْدَ ذَلِكَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، انْهَزَمَ بَرْكِيَارُقُ مِنْ عَسْكَرِ عَمِّهِ تُتُشْ. وَكَانَ بَرْكِيَارُقُ بِنَصِيبِينَ، فَلَمَّا سَمِعَ بِمَسِيرِ عَمِّهِ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، سَارَ هُوَ مِنْ نَصِيبِينَ، وَعَبَرَ دِجْلَةَ مِنْ بَلَدٍ فَوْقَ الْمَوْصِلِ، وَسَارَ إِلَى إِرْبِلَ، وَمِنْهَا إِلَى بَلَدِ سُرْخَابَ بْنِ بَدْرٍ إِلَى أَنْ بَقِيَ
стр. 4905
بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمِّهِ تِسْعَةُ فَرَاسِخَ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُ أَلْفِ رَجُلٍ، وَكَانَ عَمُّهُ فِي خَمْسِينَ أَلْفَ رَجُلٍ، فَسَارَ الْأَمِيرُ يَعْقُوبُ بْنُ آبِقٍ مِنْ عَسْكَرِ عَمِّهِ، فَكَبَسَهُ، وَهَزَمَهُ، وَنَهَبَ سَوَادَهُ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا بَرْسَقُ، وَكَمُشْتِكِينُ الْجَانْدَارُ، وَالْيَارِقُ، وَهُمْ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْكِبَارِ، فَسَارَ إِلَى أَصْبَهَانَ.
وَكَانَتْ خَاتُونُ أُمُّ أَخِيهِ مَحْمُودٍ قَدْ مَاتَتْ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، فَمَنَعَهُ مَنْ بِهَا مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهَا، ثُمَّ أَذِنُوا لَهُ خَدِيعَةً مِنْهُمْ لِيَقْبِضُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَارَبَهَا خَرَجَ أَخُوهُ الْمَلِكُ مَحْمُودٌ فَلَقِيَهُ، وَدَخْلَ الْبَلَدَ، وَاحْتَاطُوا عَلَيْهِ، فَاتَّفَقَ أَنَّ أَخَاهُ مَحْمُودًا حُمَّ وَجُدِرَ، فَأَرَادَ الْأُمَرَاءُ أَنْ يَكْحَلُوا بَرْكِيَارُقَ، فَقَالَ لَهُمْ أَمِينُ الدَّوْلَةِ بْنُ التِّلْمِيذِ الطَّبِيبُ: إِنَّ الْمَلِكَ مَحْمُودًا قَدْ جُدِرَ، وَمَا كَأَنَّهُ يَسْلَمُ مِنْهُ، وَأَرَاكُمْ تَكْرَهُونَ أَنْ يَلِيَكُمْ، وَيَمْلِكَ الْبِلَادَ تَاجُ الدَّوْلَةِ، فَلَا تَعْجَلُوا عَلَى بَرْكِيَارُقَ، فَإِنْ مَاتَ مَحْمُودٌ أَقِيمُوهُ مَلِكًا، وَإِنْ سَلِمَ مَحْمُودٌ فَأَنْتُمْ تَقْدِرُونَ عَلَى كَحْلِهِ. فَمَاتَ مَحْمُودٌ سَلْخَ شَوَّالٍ، فَكَانَ هَذَا مِنَ الْفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ، وَجَلَسَ بَرْكِيَارُقُ لِلْعَزَاءِ بِأَخِيهِ.
وَكَانَ مَوْلِدُ مَحْمُودٍ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَقَصَدَهُ مُؤَيِّدُ الْمُلْكِ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ، فَاسْتَوْزَرَهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَ أَخُوهُ عِزُّ الْمُلْكِ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ قَدْ مَاتَ لَمَّا كَانَ مَعَ بَرْكِيَارُقَ بِالْمَوْصِلِ، وَحُمِلَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَدُفِنَ بِالنِّظَامِيَّةِ
وَكَانَ أَصْبَحَ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَحْسَنَهُمْ خُلُقًا وَسِيرَةً، وَكَانَ قَدْ أَجْرَى النَّاسَ عَلَى مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ تَوْقِيعَاتِ أَبِيهِ فِي الْإِطْلَاقَاتِ مِنْ خَاصَّتِهِ، مِنْهَا بِبَغْدَاذَ مِائَتَا كُرِّ غَلَّةٍ، وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ أَمِيرِيٍّ.
ثُمَّ إِنَّ بَرْكِيَارُقَ جُدِرَ، بَعْدَ أَخِيهِ، وَعُوفِيَ وَسَلِمَ، فَلَمَّا عُوفِيَ كَاتَبَ مُؤَيِّدُ الْمُلْكِ وَزِيرُهُ الْأُمَرَاءَ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالْخُرَاسَانِيِّينَ، وَاسْتَمَالَهُمْ، فَعَادُوا كُلُّهُمْ إِلَى بَرْكِيَارُقَ، فَعَظُمَ شَأْنُهُ وَكَثُرَ عَسْكَرُهُ.
следующие страницы →