Полный текст (6 163 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.
стр. 4971
وَبَقِيَ أَبُو مُحَمَّدٍ بِهَا مُطَاعًا إِلَى أَنْ جَاءَ الْفِرِنْجُ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ، فَحَصَرُوهَا، فَأَظْهَرَ أَنَّ السُّلْطَانَ بَرْكِيَارُقَ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى الشَّامِ، وَشَاعَ هَذَا، فَرَحَلَ الْفِرِنْجُ، فَلَمَّا تَحَقَّقُوا اشْتِغَالَ السُّلْطَانِ عَنْهُمْ عَاوَدُوا حِصَارَهُ، فَأَظْهَرَ أَنَّ الْمِصْرِيِّينَ قَدْ تَوَجَّهُوا لِحَرْبِهِمْ، فَرَحَلُوا ثَانِيًا، ثُمَّ عَادُوا، فَقَرَّرَ مَعَ النَّصَارَى الَّذِينَ بِهَا أَنْ يُرَاسِلُوا الْفِرِنْجَ، وَيُوَاعِدُوهُمْ إِلَى بُرْجٍ مِنْ أَبْرَاجِ الْبَلَدِ لِيُسَلِّمُوهُ إِلَيْهِمْ وَيَمْلِكُوا الْبَلَدَ، فَلَمَّا أَتَتْهُمُ الرِّسَالَةُ جَهَّزُوا نَحْوَ ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ أَعْيَانِهِمْ وَشُجْعَانِهِمْ، فَتَقَدَّمُوا إِلَى ذَلِكَ الْبُرْجِ فَلَمْ يَزَالُوا يَرْقَوْنَ فِي الْجِبَالِ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَكُلَّمَا صَارَ عِنْدَ ابْنِ صُلَيْحَةَ، وَهُوَ عَلَى السُّورِ، رَجُلٌ مِنْهُمْ قَتَلَهُ إِلَى أَنْ قَتَلَهُمْ أَجْمَعِينَ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا رَمَى الرُّءُوسَ إِلَيْهِمْ فَرَحَلُوا عَنْهُ.
وَحَصَرُوهُ مَرَّةً أُخْرَى، وَنَصَبُوا عَلَى الْبَلَدِ بُرْجَ خَشَبٍ، وَهَدَمُوا بُرْجًا مِنْ أَبْرَاجِهِ، وَأَصْبَحُوا وَقَدْ بَنَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ، ثُمَّ نَقَّبَ فِي السُّورِ نُقُوبًا، وَخَرَجَ مِنَ الْبَابِ وَقَاتَلَهُمْ، فَانْهَزَمَ مِنْهُمْ، وَتَبِعُوهُ، فَخَرَجَ أَصْحَابُهُ مِنْ تِلْكَ النُّقُوبِ، فَأَتَوُا الْفِرِنْجَ مِنْ ظُهُورِهِمْ، فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ وَأُسِرَ مُقَدَّمُهُمُ الْمَعْرُوفُ بِكُنْدِ اصْطَبْلْ، فَافْتَدَى نَفْسَهُ بِمَالٍ جَزِيلٍ.
ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَقْعُدُونَ عَنْ طَلَبِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَمْنَعُهُمْ عَنْهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى طُغْتِكِينَ أَتَابِكْ يَلْتَمِسُ مِنْهُ إِنْفَاذَ مَنْ يَثِقُ بِهِ لِيُسَلِّمَ إِلَيْهِ ثَغْرَ جَبَلَةَ، وَيَحْمِيَهُ لِيَصِلَ هُوَ إِلَى دِمَشْقَ بِمَالِهِ وَأَهْلِهِ، فَأَجَابَهُ إِلَى مَا الْتَمَسَ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِ وَلَدَهُ تَاجَ الْمُلُوكِ بُورِي، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْبَلَدَ، وَرَحَلَ إِلَى دِمَشْقَ، وَسَأَلَهُ أَنْ يُسَيِّرَهُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَفَعَلَ، وَسَيَّرَهُ وَمَعَهُ مَنْ يَحْمِيهِ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى الْأَنْبَارِ.
وَلَمَّا صَارَ بِدِمَشْقَ أَرْسَلَ ابْنُ عَمَّارٍ صَاحِبُ طَرَابُلُسَ إِلَى الْمَلِكِ دُقَاقٍ، وَقَالَ: سَلِّمْ إِلَيَّ ابْنَ صُلَيْحَةَ عُرْيَانًا، وَخُذْ مَالَهُ أَجْمَعَ، وَأَنَا أُعْطِيكَ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَلَمْ يَفْعَلْ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْأَنْبَارِ أَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَبِهَا السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ، فَلَمَّا وَصَلَ أَحْضَرَهُ الْوَزِيرُ الْأَعَزُّ أَبُو الْمَحَاسِنِ عِنْدَهُ، وَقَالَ لَهُ السُّلْطَانُ مُحْتَاجٌ، وَالْعَسَاكِرُ
стр. 4972
يُطَالِبُونَهُ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَنُرِيدُ مِنْكَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَتَكُونُ لَهُ مِنَّةٌ عَظِيمَةٌ، تَسْتَحِقُّ بِهَا الْمُكَافَأَةَ وَالشُّكْرَ. فَقَالَ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، وَلَمْ يَطْلُبْ أَنْ يَحُطَّ شَيْئًا، وَقَالَ: إِنَّ رَحْلِي وَمَالِي فِي الْأَنْبَارِ بِالدَّارِ الَّتِي نَزَلْتُهَا، فَأَرْسَلَ الْوَزِيرُ إِلَيْهَا جَمَاعَةً، فَوَجَدُوا فِيهَا مَالًا كَثِيرًا، وَأَعْلَاقًا نَفِيسَةً، فَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَلْفٌ وَمِائَةُ قِطْعَةِ مَصَاغٍ عَجِيبِ الصَّنْعَةِ، وَمِنَ الْمَلَابِسِ وَالْعَمَائِمِ الَّتِي لَا يُوجَدُ مِثْلُهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ.
كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَذْكُرَ هَذِهِ الْحَوَادِثَ الَّتِي بَعْدَ انْهِزَامِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ إِلَى هَاهُنَا، بَعْدَ قَتْلِ الْبَاطِنِيَّةِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ أَوَاخِرَ السَّنَةِ، وَكَانَ قَتْلُهُمْ فِي شَعْبَانَ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَاهَا لِنُتْبِعَ بَعْضَ الْحَادِثَةِ بَعْضًا لَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا شَيْءٌ.
وَأَمَّا تَاجُ الْمُلُوكِ بُورِي، فَإِنَّهُ لَمَّا مَلَكَ جَبَلَةَ، وَتَمَكَّنَ مِنْهَا، أَسَاءَ السِّيرَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مَعَ أَهْلِهَا، وَفَعَلُوا بِهِمْ أَفْعَالًا أَنْكَرُوهَا، فَرَاسَلُوا الْقَاضِيَ فَخْرَ الْمُلْكِ أَبَا عَلِيٍّ عَمَّارَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ، صَاحِبَ طَرَابُلُسَ، وَشَكَوْا إِلَيْهِ مَا يَفْعَلُ بِهِمْ، وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ بَعْضَ أَصْحَابِهِ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ الْبَلَدَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا، فَدَخَلُوا جَبَلَةَ، وَاجْتَمَعُوا بِأَهْلِهَا، وَقَاتَلُوا تَاجَ الْمُلُوكِ وَمَنْ مَعَهُ، فَانْهَزَمَ الْأَتْرَاكُ، وَمَلَكَ عَسْكَرُ ابْنِ عَمَّارٍ جَبَلَةَ، وَأَخَذُوا تَاجَ الْمُلُوكِ أَسِيرًا، وَحَمَلُوهُ إِلَى طَرَابُلُسَ، فَأَكْرَمَهُ ابْنُ عَمَّارٍ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَسَيَّرَهُ إِلَى أَبِيهِ بِدِمَشْقَ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، وَعَرَّفَهُ صُورَةَ الْحَالِ، وَأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَمْلِكَ الْفِرِنْجُ جَبَلَةَ.
ذِكْرُ قَتْلِ الْبَاطِنِيَّةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَعْبَانَ، أَمَرَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ بِقَتْلِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَهُمُ الْإِسْمَاعِلِيَّةُ وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا قَدِيمًا يُسَمَّوْنَ قَرَامِطَةَ، وَنَحْنُ نَبْتَدِئُ بِأَوَّلِ أَمْرِهِمُ الْآنَ ثُمَّ بِسَبَبِ قَتْلِهِمْ.
стр. 4973
فَأَوَّلُ مَا عُرِفَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ، أَعْنِي هَذِهِ الدَّعْوَةَ الْأَخِيرَةَ الَّتِي اشْتَهَرَتْ بِالْبَاطِنِيَّةِ، وَالْإِسْمَاعِلِيَّةِ، فِي أَيَّامِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، فَإِنَّهُ اجْتَمَعَ مِنْهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَصَلُّوا صَلَاةَ الْعِيدِ فِي سَاوَةَ، فَفَطِنَ بِهِمُ الشِّحْنَةُ، فَأَخَذَهُمْ وَحَبَسَهُمْ، ثُمَّ سُئِلَ فِيهِمْ فَأَطْلَقَهُمْ، فَهَذَا أَوَّلُ اجْتِمَاعٍ كَانَ لَهُمْ.
ثُمَّ إِنَّهُمْ دَعَوْا مُؤَذِّنًا مِنْ أَهْلِ سَاوَةَ كَانَ مُقِيمًا بِأَصْبَهَانَ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى دَعْوَتِهِمْ فَخَافُوهُ أَنْ يَنِمَّ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلُوهُ، فَهُوَ أَوَّلُ قَتِيلٍ لَهُمْ، وَأَوَّلُ دَمٍ أَرَاقُوهُ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ إِلَى نِظَامِ الْمُلْكِ، فَأَمَرَ بِأَخْذِ مَنْ يُتَّهَمُ بِقَتْلِهِ، فَوَقَعَتِ التُّهْمَةُ عَلَى نَجَّارٍ اسْمُهُ طَاهِرٌ، فَقُتِلَ، وَمُثِّلَ بِهِ، وَجَرُّوا بِرِجْلِهِ فِي الْأَسْوَاقِ، فَهُوَ أَوَّلُ قَتِيلٍ مِنْهُمْ، وَكَانَ وَالِدُهُ وَاعِظًا، وَقَدِمَ إِلَى بَغْدَاذَ مَعَ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] فَحَظِيَ مِنْهُ، ثُمَّ قَصَدَ الْبَصْرَةَ فَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِهَا، ثُمَّ تَوَجَّهَ فِي رِسَالَةٍ إِلَى كِرْمَانَ، فَقَتَلَهُ الْعَامَّةُ فِي الْفِتْنَةِ الَّتِي جَرَتْ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ بَاطِنِيٌّ.
ثُمَّ إِنَّ الْبَاطِنِيَّةَ قَتَلُوا نِظَامَ الْمُلْكِ، وَهِيَ أَوَّلُ فَتْكَةٍ مَشْهُورَةٍ كَانَتْ لَهُمْ وَقَالُوا: قَتَلَ نَجَّارًا فَقَتَلْنَاهُ بِهِ.
وَأَوَّلُ مَوْضِعٍ غَلَبُوا وَتَحَصَّنُوا بِهِ بَلَدٌ عِنْدَ قَايِنَ، كَانَ مُتَقَدِّمُهُ عَلَى مَذْهَبِهِمْ، فَاجْتَمَعُوا عِنْدَهُ، وَقَوَوْا بِهِ، فَاجْتَازَتْ بِهِمْ قَافِلَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ كِرْمَانَ إِلَى قَايِنَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ وَالْبَاطِنِيَّةُ، فَقَتَلَ أَهْلَ الْقَفَلِ أَجْمَعِينَ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ غَيْرُ رَجُلٍ تُرْكُمَانِيٌّ، فَوَصَلَ إِلَى قَايِنَ فَأَخْبَرَ بِالْقِصَّةِ، فَتَسَارَعَ أَهْلُهَا مَعَ الْقَاضِي الْكِرْمَانِيِّ إِلَى جِهَادِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ قُتِلَ نِظَامُ الْمُلْكِ، وَمَاتَ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ، فَعَظُمَ أَمْرُهُمْ، وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُمْ، وَقَوِيَتْ أَطْمَاعُهُمْ.
стр. 4974
وَكَانَ سَبَبُ قُوَّتِهِمْ بِأَصْبَهَانَ، أَنَّ السُّلْطَانَ بَرْكِيَارُقَ لَمَّا حَصَرَ أَصْبَهَانَ، وَبِهَا أَخُوهُ مَحْمُودٌ، وَأُمُّهُ خَاتُونَ الْجَلَالِيَّةُ، وَعَادَ عَنْهُمْ ظَهَرَتْ مَقَالَةُ الْبَاطِنِيَّةِ بِهَا، وَانْتَشَرَتْ، وَكَانُوا مُتَفَرِّقِينَ فِي الْمَحَالِّ، فَاجْتَمَعُوا، وَصَارُوا يَسْرِقُونَ مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ مُخَالِفِيهِمْ وَيَقْتُلُونَهُمْ، فَعَلُوا هَذَا بِخَلْقٍ كَثِيرٍ، وَزَادَ الْأَمْرُ، حَتَّى إِنَّ الْإِنْسَانَ كَانَ إِذَا تَأَخَّرَ عَنْ بَيْتِهِ عَنِ الْوَقْتِ الْمُعْتَادِ تَيَقَّنُوا قَتْلَهُ، وَقَعَدُوا لِلْعَزَاءِ بِهِ، فَحَذِرَ النَّاسُ، وَصَارُوا لَا يَنْفَرِدُ أَحَدٌ، وَأَخَذُوا فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ مُؤَذِّنًا، أَخَذَهُ جَارٌ لَهُ بَاطِنِيٌّ، فَقَامَ أَهْلُهُ لِلنِّيَاحَةِ عَلَيْهِ، فَأَصْعَدَهُ الْبَاطِنِيَّةُ إِلَى سَطْحِ دَارِهِ وَأَرَوْهُ أَهْلَهُ كَيْفَ يَلْطِمُونَ وَيَبْكُونَ، وَهُوَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَكَلَّمَ خَوْفًا مِنْهُمْ.
ذِكْرُ مَا فَعَلَ بِهِمُ الْعَامَّةُ بِأَصْبَهَانَ
لَمَّا عَمَّتْ هَذِهِ الْمُصِيبَةُ النَّاسَ بِأَصْبَهَانَ، أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَتْكِ أَسْتَارِهِمْ، وَالِانْتِقَامِ مِنْهُمْ، فَاتَّفَقَ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ دَارَ صَدِيقٍ لَهُ، فَرَأَى فِيهَا ثِيَابًا، وَمَدَاسَاتٍ وَمَلَابِسَ لَمْ يَعْهَدْهَا، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، وَتَحَدَّثَ بِمَا كَانَ، فَكَشَفَ النَّاسُ عَنْهَا، فَعَلِمُوا أَنَّهَا مِنَ الْمَقْتُولِينَ.
وَثَارَ النَّاسُ كَافَّةً يَبْحَثُونَ عَمَّنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، وَيَسْتَكْشِفُونَ، فَظَهَرُوا عَلَى الدُّرُوبِ الَّتِي هُمْ فِيهَا، وَإِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا اجْتَازَ بِهِمْ إِنْسَانٌ أَخَذُوهُ إِلَى دَارٍ مِنْهُمْ وَقَتَلُوهُ وَأَلْقَوْهُ فِي بِئْرٍ فِي الدَّارِ قَدْ صُنِعَتْ لِذَلِكَ.
وَكَانَ عَلَى بَابِ دَرْبٍ مِنْهَا رَجُلٌ ضَرِيرٌ، فَإِذَا اجْتَازَ بِهِ إِنْسَانٌ يَسْأَلُهُ أَنْ يَقُودَهُ خُطُوَاتٍ إِلَى بَابِ الدَّرْبِ، فَيَفْعَلُ ذَلِكَ، فَإِذَا دَخَلَ الدَّرْبَ أُخِذَ وَقُتِلَ، فَتَجَرَّدَ لِلِانْتِقَامِ مِنْهُمْ أَبُو الْقَاسِمِ مَسْعُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُجَنْدِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَجَمَعَ الْجَمَّ الْغَفِيرَ بِالْأَسْلِحَةِ، وَأَمَرَ بِحَفْرِ أَخَادِيدَ، وَأَوْقَدَ فِيهَا النِّيرَانَ، وَجَعَلَ الْعَامَّةُ يَأْتُونَ بِالْبَاطِنِيَّةِ أَفْوَاجًا وَمُنْفَرِدِينَ، فَيُلْقَوْنَ فِي النَّارِ، وَجَعَلُوا إِنْسَانًا عَلَى أَخَادِيدِ النِّيرَانِ، وَسَمَّوْهُ مَالِكًا، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا.
стр. 4975
ذِكْرُ قِلَاعِهِمُ الَّتِي اسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا بِبِلَادِ الْعَجَمِ
وَاسْتَوْلَوْا عَلَى عِدَّةِ حُصُونٍ مِنْهَا قَلْعَةُ أَصْبَهَانَ، وَهَذِهِ الْقَلْعَةُ لَمْ تَكُنْ قَدِيمًا، وَإِنَّمَا بَنَاهَا السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ.
وَسَبَبُ بِنَائِهَا أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ مُقَدَّمِي الرُّومِ، فَأَسْلَمَ وَصَارَ مَعَهُ، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ سَارَ يَوْمًا إِلَى الصَّيْدِ، فَهَرَبَ مِنْهُ كَلْبٌ حَسَنُ الصَّيْدِ، وَصَعِدَ هَذَا الْجَبَلَ، فَتَبِعَهُ السُّلْطَانُ وَالرُّومِيُّ مَعَهُ، فَوَجَدَهُ مَوْضِعَ الْقَلْعَةِ فَقَالَ لَهُ الرُّومِيُّ: لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا مِثْلَ هَذَا الْجَبَلِ لَجَعَلْنَا عَلَيْهِ حِصْنًا نَنْتَفِعُ بِهِ، فَأَمَرَ بِبِنَاءِ الْقَلْعَةِ، وَمَنَعَ مِنْهَا نِظَامُ الْمُلْكِ، فَلَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُ، فَلَمَّا فَرَغَتْ جَعَلَ فِيهَا دَزْدَارًا.
فَلَمَّا انْقَضَتْ أَيَّامُ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، وَصَارَتْ أَصْبَهَانُ بِيَدِ خَاتُونَ أَزَالَتِ الدَّزْدَارَ، وَجَعَلَتْ غَيْرَهُ فِيهَا وَهُوَ إِنْسَانٌ دَيْلَمِيٌّ اسْمُهُ زِيَارُ، فَمَاتَ، وَصَارَ بِالْقَلْعَةِ إِنْسَانٌ خُوزِيٌّ، فَاتَّصَلَ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ عَطَّاشٍ، وَكَانَ الْبَاطِنِيَّةُ قَدْ أَلْبَسُوهُ تَاجًا، وَجَمَعُوا لَهُ مَالًا، وَقَدَّمُوهُ عَلَيْهِمْ مَعَ جَهْلِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ أَبُوهُ مُقَدَّمًا فِيهِمْ، فَلَمَّا اتَّصَلَ بِالدَّزْدَارِ بَقِيَ مَعَهُ، وَوَثِقَ بِهِ وَقَلَّدَهُ الْأُمُورَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الدَّزْدَارُ اسْتَوْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَطَّاشٍ عَلَيْهَا، وَنَالَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ ضَرَرٌ عَظِيمٌ مِنْ أَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَقَتْلِ النُّفُوسِ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَالْخَوْفِ الدَّائِمِ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ قَلْعَةً يَدُلُّ عَلَيْهَا كَلْبٌ، وَيُشِيرُ بِهَا كَافِرٌ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ خَاتِمَةُ أَمْرِهَا الشَّرَّ.
وَمِنْهَا أَلَمُوتُ، وَهِيَ مِنْ نَوَاحِي قَزْوِينَ، قِيلَ إِنَّ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ الدَّيْلَمِ كَانَ كَثِيرَ التَّصَيُّدِ، فَأَرْسَلَ يَوْمًا عُقَابًا، وَتَبِعَهُ، فَرَآهُ قَدْ سَقَطَ عَلَى مَوْضِعِ هَذِهِ الْقَلْعَةِ، فَوَجَدَهُ مَوْضِعًا حَصِينًا، فَأَمَرَ بِبِنَاءِ قَلْعَةٍ عَلَيْهِ، فَسَمَّاهَا أَلُهْ مُوتَ، وَمَعْنَاهُ بِلِسَانِ الدَّيْلَمِ: تَعْلِيمُ الْعُقَابِ، وَيُقَالُ لِذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَمَا يُجَاوِرُهُ طَالْقَانَ.
وَفِيهَا قِلَاعٌ حَصِينَةٌ أَشْهَرُهَا أَلَمُوتُ، وَكَانَتْ هَذِهِ النَّوَاحِي فِي ضَمَانِ شَرَفْشَاهْ الْجَعْفَرِيِّ، وَقَدِ اسْتَنَابَ فِيهَا رَجُلًا عَلَوِيًّا، فِيهِ بَلَهٌ وَسَلَامَةُ صَدْرٍ.
وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ رَجُلًا شَهْمًا، كَافِيًا، عَالِمًا بِالْهَنْدَسَةِ، وَالْحِسَابِ، وَالنُّجُومِ، وَالسِّحْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ رَئِيسَ الرَّيِّ إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو مُسْلِمٍ وَهُوَ صِهْرُ نِظَامِ الْمُلْكِ، فَاتَّهَمَ الْحَسَنَ بْنَ الصَّبَّاحِ بِدُخُولِ جَمَاعَةٍ مِنْ دُعَاةِ الْمِصْرِيِّينَ عَلَيْهِ، فَخَافَهُ
стр. 4976
ابْنُ الصَّبَّاحِ، وَكَانَ نِظَامُ الْمُلْكِ يُكْرِمُهُ، وَقَالَ لَهُ يَوْمًا مِنْ طَرِيقِ الْفِرَاسَةِ: عَنْ قَرِيبٍ يُضِلُّ هَذَا الرَّجُلُ ضُعَفَاءَ الْعَوَامِّ، فَلَمَّا هَرَبَ الْحَسَنُ مِنْ أَبِي مُسْلِمٍ طَلَبَهُ فَلَمْ يُدْرِكْهُ.
وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ تَلَامِيذِهِ ابْنُ عَطَّاشٍ، الطَّبِيبُ الَّذِي مَلَكَ قَلْعَةَ أَصْبَهَانَ، وَمَضَى ابْنُ الصَّبَّاحِ فَطَافَ الْبِلَادَ، وَوَصَلَ إِلَى مِصْرَ، وَدَخَلَ عَلَى الْمُسْتَنْصِرِ صَاحِبِهَا، فَأَكْرَمَهُ، وَأَعْطَاهُ مَالًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى إِمَامَتِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: فَمَنِ الْإِمَامُ بَعْدَكَ؟ فَأَشَارَ إِلَى ابْنِهِ نِزَارٍ، وَعَادَ مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ، وَالْجَزِيرَةِ، وَدِيَارِ بَكْرٍ، وَالرُّومِ، وَرَجَعَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَدَخَلَ كَاشْغَرَ، وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، يَطُوفُ عَلَى قَوْمٍ يُضِلُّهُمْ، فَلَمَّا رَأَى قَلْعَةَ أَلَمُوتَ، وَاخْتَبَرَ أَهْلَ تِلْكَ النَّوَاحِي، أَقَامَ عِنْدَهُمْ، وَطَمِعَ فِي إِغْوَائِهِمْ، وَدَعَاهُمْ فِي السِّرِّ، وَأَظْهَرَ الزُّهْدَ، وَلَبِسَ الْمِسْحَ، فَتَبِعَهُ أَكْثَرُهُمْ، وَالْعَلَوِيُّ صَاحِبُ الْقَلْعَةِ حَسَنُ الظَّنِّ فِيهِ، يَجْلِسُ إِلَيْهِ يَتَبَرَّكُ بِهِ، فَلَمَّا أَحْكَمَ الْحَسَنُ أَمْرَهُ، دَخَلَ يَوْمًا عَلَى الْعَلَوِيِّ بِالْقَلْعَةِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الصَّبَّاحِ: اخْرُجْ مِنْ هَذِهِ الْقَلْعَةِ، فَتَبَسَّمَ الْعَلَوِيُّ، وَظَنَّهُ يَمْزَحُ، فَأَمَرَ ابْنُ الصَّبَّاحِ بَعْضَ أَصْحَابِهِ بِإِخْرَاجِ الْعَلَوِيِّ، فَأَخْرَجُوهُ إِلَى دَامَغَانَ، وَأَعْطَاهُ مَالَهُ وَمَلَكَ الْقَلْعَةَ.
وَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى نِظَامِ الْمُلْكِ بَعَثَ عَسْكَرًا إِلَى قَلْعَةِ أَلَمُوتَ، فَحَصَرُوهُ فِيهَا، وَأَخَذُوا عَلَيْهِ الطُّرُقَ، فَضَاقَ ذَرْعُهُ بِالْحَصْرِ، فَأَرْسَلَ مَنْ قَتَلَ نِظَامَ الْمُلْكِ، فَلَمَّا قُتِلَ رَجَعَ الْعَسْكَرُ عَنْهَا.
ثُمَّ إِنَّ السُّلْطَانَ مُحَمَّدَ بْنَ مَلِكْشَاهْ جَهَّزَ نَحْوَهَا الْعَسَاكِرَ، فَحَصَرَهَا، وَسَيَرِدُ ذِكْرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِنْهَا طَبَسُ، وَبَعْضُ قُهِسْتَانَ، وَكَانَ سَبَبُ مُلْكِهِمْ لَهَا أَنَّ قُهِسْتَانَ كَانَ قَدْ بَقِيَ فِيهَا بَقَايَا مِنْ بَنِي سِيمْجُورَ، أُمَرَاءِ خُرَاسَانَ، أَيَّامَ السَّامَانِيَّةِ، وَكَانَ قَدْ بَقِيَ مِنْ نَسْلِهِمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْمُنَوَّرُ، وَكَانَ رَئِيسًا مُطَاعًا عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، فَلَمَّا وَلِيَ كَلْسَارِغُ قُهِسْتَانَ ظَلَمَ النَّاسَ وَعَسَفَهُمْ، وَأَرَادَ أُخْتًا لِلْمُنَوَّرِ بِغَيْرِ حِلٍّ، فَحَمَلَ ذَلِكَ الْمُنَوَّرَ عَلَى أَنِ الْتَجَأَ إِلَى الْإِسْمَاعِلِيَّةِ، وَصَارَ مَعَهُمْ، فَعَظُمَ حَالُهُمْ فِي قُهِسْتَانَ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا وَمِنْ جُمْلَتِهَا خَوْرُ، وَخُوسَفُ، وَزَوْزَنُ، وَقَايِنُ، وُتُونُ وَتِلْكَ الْأَطْرَافُ الْمُجَاوِرَةُ لَهَا.
стр. 4977
وَمِنْهَا قَلْعَةُ وَسْنَمْكُوهُ، مَلَكُوهَا، وَهِيَ بِقُرْبِ أَبْهَرَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَتَأَذَّى بِهِمُ النَّاسُ، لَا سِيَّمَا أَهْلُ أَبْهَرَ، فَاسْتَغَاثُوا بِالسُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، فَجَعَلَ عَلَيْهَا مَنْ يُحَاصِرُهَا، فَحُوصِرَتْ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَأُخِذَتْ مِنْهُمْ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَقُتِلَ كُلُّ مَنْ بِهَا عَنْ آخِرِهِمْ.
وَمِنْهَا قَلْعَةُ خَالِنْجَانَ عَلَى خَمْسَةِ فَرَاسِخَ مِنْ أَصْبَهَانَ، كَانَتْ لِمُؤَيَّدِ الْمُلْكِ بْنِ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَانْتَقَلَتْ إِلَى جَاوْلِي سَقَاوُوا، فَجَعَلَ بِهَا إِنْسَانًا تُرْكِيًّا، فَصَادَقَهُ نَجَّارٌ بَاطِنِيٌّ، وَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً جَمِيلَةً، وَلَزِمَهُ حَتَّى وَثِقَ بِهِ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ مَفَاتِيحَ الْقَلْعَةِ، فَعَمِلَ دَعْوَةً لِلتُّرْكِيِّ وَأَصْحَابِهِ، فَسَقَاهُمُ الْخَمْرَ، فَأَسْكَرَهُمْ، وَاسْتَدْعَى ابْنَ عَطَّاشٍ، فَجَاءَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَسَلَّمَ إِلَيْهِمُ الْقَلْعَةَ، فَقَتَلُوا مَنْ بِهَا سِوَى التُّرْكِيِّ فَإِنَّهُ هَرَبَ، وَقَوِيَ ابْنُ عَطَّاشٍ بِهَا، وَصَارَ لَهُ عَلَى أَهْلِ أَصْبَهَانَ الْقَطَائِعُ الْكَثِيرَةُ.
وَمِنْ قِلَاعِهِمُ الْمَذْكُورَةِ أُسْتُونَاوَنْدُ، وَهِيَ بَيْنَ الرَّيِّ وَآمُلَ، مَلَكُوهَا بَعْدَ مَلِكْشَاهْ، نَزَلَ مِنْهَا صَاحِبُهَا، فَقُتِلَ وَأُخِذَتْ مِنْهُ.
وَمِنْهَا أَرْدَهْنُ، وَمَلَكَهَا أَبُو الْفُتُوحِ ابْنُ أُخْتِ الْحَسَنِ الصَّبَّاحِ.
وَمِنْهَا كُرْدِكُوهُ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ.
وَمِنْهَا قَلْعَةُ النَّاظِرِ بِخُوزِسْتَانَ، وَقَلْعَةُ الطُّنْبُورِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ أَرَّجَانَ فَرْسَخَانِ أَخَذَهَا أَبُو حَمْزَةَ الْإِسْكَافُ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ أَرَّجَانَ، سَافَرَ إِلَى مِصْرَ، وَعَادَ دَاعِيَةً لَهُمْ.
وَقَلْعَةُ خَلَادْخَانَ وَهِيَ بَيْنَ فَارِسٍ وَخُوزِسْتَانَ، وَأَقَامَ بِهَا الْمُفْسِدُونَ نَحْوَ مِائَتَيْ سَنَةٍ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ حَتَّى فَتَحَهَا عَضُدُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ، وَقَتَلَ مَنْ بِهَا.
فَلَمَّا صَارَتِ الدَّوْلَةُ لِمَلِكْشَاهْ أَقْطَعَهَا الْأَمِيرَ أُنَرَ، فَجَعَلَ بِهَا دَزْدَارًا، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ الْبَاطِنِيَّةُ الَّذِينَ بِأَرَّجَانَ يَطْلُبُونَ مِنْهُ بَيْعَهَا فَأَبَى، فَقَالُوا لَهُ: نُرْسِلُ إِلَيْكَ مَنْ يُنَاظِرُكَ
стр. 4978
حَتَّى يَظْهَرَ لَكَ الْحَقُّ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ إِنْسَانًا دَيْلَمِيًّا يُنَاظِرُهُ، وَكَانَ لِلدَّزْدَارِ مَمْلُوكٌ قَدْ رَبَّاهُ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ مَفَاتِيحَ الْقَلْعَةِ، فَاسْتَمَالَهُ الْبَاطِنِيُّ، فَأَجَابَهُ إِلَى الْقَبْضِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَتَسْلِيمِ الْقَلْعَةِ إِلَيْهِمْ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ الْقَلْعَةَ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ، وَاسْتَوْلَوْا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى عِدَّةِ قِلَاعٍ هَذِهِ أَشْهَرُهَا.
ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ جَاوْلِي سَقَاوُوا بِالْبَاطِنِيَّةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ جَاوْلِي سَقَاوُوا خَلْقًا كَثِيرًا مِنْهُمْ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْأَمِيرَ كَانَتْ وِلَايَتُهُ الْبِلَادَ الَّتِي بَيْنَ رَامَهُرْمُزَ وَأَرَّجَانَ. فَلَمَّا مَلَكَ الْبَاطِنِيَّةُ الْقِلَاعَ الْمَذْكُورَةَ بِخُوزِسْتَانَ وَفَارِسٍ، وَعَظُمَ شَرُّهُمْ، وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ، وَاقَفَ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى أَظْهَرُوا الشَّغَبَ عَلَيْهِ، وَفَارَقُوهُ، وَقَصَدُوا الْبَاطِنِيَّةَ، وَأَظْهَرُوا أَنَّهُمْ مَعَهُمْ، وَعَلَى رَأْيِهِمْ، فَأَقَامُوا عِنْدَهُمْ حَتَّى وَثِقُوا بِهِمْ.
ثُمَّ أَظْهَرَ جَاوْلِي أَنَّ الْأُمَرَاءَ بَنِي بُرْسُقَ يُرِيدُونَ قَصْدَهُ وَأَخْذَ بِلَادِهِ، وَأَنَّهُ عَازِمٌ عَلَى مُفَارَقَتِهَا لِعَجْزِهِ عَنْهُمْ، وَالْمَسِيرِ إِلَى هَمَذَانَ، فَلَمَّا ظَهَرَ ذَلِكَ وَسَارَ قَالَ مَنْ عِنْدَ الْبَاطِنِيَّةِ مِنْ أَصْحَابِهِ مِمَّنْ لَهُمُ الرَّأْيُ: إِنَّنَا نَخْرُجُ إِلَى طَرِيقِهِ وَنَأْخُذُهُ وَمَا مَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَسَارُوا إِلَيْهِ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ أَعْيَانِهِمْ وَصَنَادِيدِهِمْ، فَلَمَّا الْتَقَوْا صَارَ مَنْ مَعَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ جَاوْلِي عَلَيْهِمْ، وَوَضَعُوا السَّيْفَ فِيهِمْ فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ سِوَى ثَلَاثَةِ نَفَرٍ، صَعِدُوا إِلَى الْجَبَلِ وَهَرَبُوا، وَغَنِمَ جَاوْلِي مَا مَعَهُمْ مِنْ دَوَابَّ، وَسِلَاحٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
ذِكْرُ قَتْلِ صَاحِبِ كِرْمَانَ الْبَاطِنِيِّ (وَمُلْكِ غَيْرِهِ)
كَانَ تِيرَانْشَاهْ بْنُ تُورَانْشَاهْ بْنُ قَاوَرْتَ بِكْ هُوَ الَّذِي قَتَلَ الْأَتْرَاكَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةَ، وَلَيْسُوا مَنْسُوبِينِ إِلَى هَذِهِ الطَّائِفَةِ الْبَاطِنِيَّةِ، إِنَّمَا نُسِبُوا إِلَى أَمِيرٍ اسْمُهُ
стр. 4979
إِسْمَاعِيلُ، وَكَانُوا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، قَتَلَ مِنْهُمْ أَلْفَيْ رَجُلٍ صَبْرًا، وَقَطَعَ أَيْدِي أَلْفَيْنِ، وَوَفَدَ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو زُرْعَةَ، كَانَ كَاتِبًا بِخُوزِسْتَانَ، فَحَسَّنَ لَهُ مَذْهَبَ الْبَاطِنِيَّةِ، فَأَجَابَ إِلَيْهِ.
وَكَانَ عِنْدَهُ فَقِيهٌ حَنَفِيٌّ يُقَالُ لَهُ: أَحْمَدُ بْنُ حُسَيْنٍ الْبَلْخِيُّ، كَانَ مُطَاعًا فِي النَّاسِ، فَأَحْضَرَهُ عِنْدَهُ لَيْلًا، وَأَطَالَ الْجُلُوسَ مَعَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ أَتْبَعَهُ بِمَنْ قَتَلَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ دَخَلُوا عَلَيْهِ، وَفِيهِمْ صَاحِبُ جَيْشِهِ، فَقَالَ لِتِيرَانْشَاهْ: أَيُّهَا الْمَلِكُ مَنْ قَتَلَ هَذَا الْفَقِيهَ؟ فَقَالَ: أَنْتَ شِحْنَةُ الْبَلَدِ، تَسْأَلُنِي مَنْ قَتَلَهُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْرِفُ قَاتِلَهُ! وَنَهَضَ مِنْ عِنْدِهِ، فَفَارَقَهُ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ، وَسَارَ إِلَى أَصْبَهَانَ، (فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِهِ أَلْفَيْ فَارِسٍ لِيَرُدُّوهُ، فَقَاتَلَهُمْ، وَهَزَمَهُمْ، وَسَارَ إِلَى أَصْبَهَانَ) ، وَبِهَا السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ وَمُؤَيَّدُ الْمُلْكِ، فَأَكْرَمَهُ السُّلْطَانُ، وَقَالَ: أَنْتَ وَالِدُ الْمُلُوكِ.
وَامْتَعَضَ عَسْكَرُ كِرْمَانَ بَعْدَ مَسِيرِهِ، وَاجْتَمَعُوا، وَقَاتَلُوا تِيرَانْشَاهْ، وَأَخْرَجُوهُ عَنْ مَدِينَةِ بَرْدَسِيرَ (الَّتِي هِيَ كِرْمَانَ) ، فَلَمَّا فَارَقَهَا اتَّفَقَ الْقَاضِي وَالْجُنْدُ، وَأَقَامُوا أَرْسِلَانْشَاهْ بْنَ كِرْمَانْشَاهْ بْنِ قَاوَرْتَ بِكْ، وَسَارَ تِيرَانْشَاهْ إِلَى مَدِينَةِ بُمَّ مِنْ كِرْمَانَ، فَحَارَبَهُ أَهْلُهَا وَمَنَعُوهُ مِنْهَا، وَفِيهَا أَمِيرٌ يُعْرَفُ بِمُحَمَّدٍ بَهِسْتُونَ، فَأَرْسَلَ أَرْسِلَانْشَاهْ جَيْشًا حَصَرُوا الْقَلْعَةَ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ بَهِسْتُونَ لِتِيرَانْشَاهْ: انْصَرِفْ عَنِّي، فَلَسْتُ أَرَى الْغَدْرَ بِكَ، وَأَنَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ، وَمَقَامُكَ عِنْدِي يُؤْذِينِي، وَأُتَّهَمُ بِكَ فِي دِينِي. فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ أَرْسَلَ مُحَمَّدٌ بَهِسْتُونَ إِلَى مُقَدَّمِ الْجَيْشِ الَّذِينَ يُحَاصِرُونَهُمْ يُعْلِمُهُ بِمَسِيرِ تِيرَانْشَاهْ، فَجَرَّدَ عَسْكَرًا إِلَى طَرِيقِهِ، فَخَرَجُوا عَلَيْهِ، وَأَخَذُوهُ وَمَا مَعَهُ، وَأَخَذُوا أَيْضًا أَبَا زُرْعَةَ، فَأَرْسَلَ أَرْسِلَانْشَاهْ فَقَتَلَهُمَا، وَتَسَلَّمَ جَمِيعَ بِلَادِ كِرْمَانَ.
ذِكْرُ السَّبَبِ فِي قَتْلِ بَرْكِيَارُقَ الْبَاطِنِيَّةَ
لَمَّا اشْتَدَّ أَمْرُ الْبَاطِنِيَّةِ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ، وَكَثُرَ عَدَدُهُمْ، صَارَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَعْدَائِهِمْ ذُحُولٌ وَإِحَنٌ، فَلَمَّا قَتَلُوا جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ الْأَكَابِرِ، وَكَانَ أَكْثَرُ مَنْ قَتَلُوا مَنْ هُوَ فِي طَاعَةِ مُحَمَّدٍ، مُخَالِفٌ لِلسُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، مِثْلُ شِحْنَةِ أَصْبَهَانَ سَرْمُزَ، وَأَرْغَشَ، وَكَمْشَ النِّظَامِيِّينَ، وَصَهْرِهِ، وَغَيْرِهِمْ، نَسَبَ أَعْدَاءُ بَرْكِيَارُقَ ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَاتَّهَمُوهُ بِالْمَيْلِ إِلَيْهِمْ.
стр. 4980
فَلَمَّا ظَفِرَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ، وَهَزَمَ أَخَاهُ السُّلْطَانَ مُحَمَّدًا، وَقَتَلَ مُؤَيَّدَ الْمُلْكِ وَزِيرُهُ، انْبَسَطَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فِي الْعَسْكَرِ، وَاسْتَغْوَوْا كَثِيرًا مِنْهُمْ، وَأَدْخَلُوهُمْ فِي مَذْهَبِهِمْ، وَكَادُوا يَظْهَرُونَ بِالْكَثْرَةِ وَالْقُوَّةِ، وَحَصَلَ بِالْعَسْكَرِ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ وُجُوهِهِمْ، وَزَادَ أَمْرُهُمْ، فَصَارُوا يَتَهَدَّدُونَ مَنْ لَا يُوَافِقُهُمْ بِالْقَتْلِ، فَصَارَ يَخَافُهُمْ مَنْ يُخَالِفُهُمْ، حَتَّى إِنَّهُمْ لَمْ يَتَجَاسَرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ، لَا أَمِيرٌ وَلَا مُتَقَدِّمٌ، عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ حَاسِرًا بَلْ يَلْبَسُ تَحْتَ ثِيَابِهِ دِرْعًا، حَتَّى إِنَّ الْوَزِيرَ الْأَعَزَّ أَبَا الْمَحَاسِنِ كَانَ يَلْبَسُ زَرَدِيَّةً تَحْتَ ثِيَابِهِ، وَاسْتَأْذَنَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ خَوَاصَّهَ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ بِسِلَاحِهِمْ، وَعَرَّفُوهُ خَوْفَهُمْ مِمَّنْ يُقَاتِلُهُمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ.
وَأَشَارُوا عَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يَفْتِكَ بِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَعْجِزَ عَنْ تَلَافِي أَمْرِهِمْ، وَأَعْلَمُوهُ مَا يَتَّهِمُهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الْمَيْلِ إِلَى مَذْهَبِهِمْ، حَتَّى إِنَّ عَسْكَرَ أَخِيهِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ يُشَنِّعُونَ بِذَلِكَ، وَكَانُوا فِي الْمَصَافِّ يُكَبِّرُونَ عَلَيْهِمْ، وَيَقُولُونَ يَا بَاطِنِيَّةُ. فَاجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْبَوَاعِثُ كُلُّهَا، فَأَذِنَ السُّلْطَانُ فِي قَتْلِهِمْ، وَالْفَتْكِ بِهِمْ، وَرَكِبَ هُوَ وَالْعَسْكَرُ مَعَهُ، وَطَلَبُوهُمْ، وَأَخَذُوا جَمَاعَةً مِنْ خِيَامِهِمْ وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ لَمْ يُعْرَفْ.
وَكَانَ مِمَّنِ اتُّهِمَ بِأَنَّهُ مُقَدَّمُهُمُ الْأَمِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ دَشْمَنَزْيَارَ بْنِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ كَاكَوَيْهِ، صَاحِبُ يَزْدَ، فَهَرَبَ، وَسَارَ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي وُجِدَ فِي الْعَسْكَرِ قَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ وَلَا يَشْعُرُ، فَقُتِلَ، وَهَذَا مَوْضِعُ الْمَثَلِ: أَتَتْكَ بِخَائِنٍ رِجْلَاهُ، وَنُهِبَتْ خِيَامُهُ، فَوُجِدَ عِنْدَهُ السِّلَاحُ الْمُعَدُّ، وَأُخْرِجَ الْجَمَاعَةُ الْمُتَّهَمُونَ إِلَى الْمَيْدَانِ فَقُتِلُوا، وَقُتِلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ بَرَاءٌ لَمْ يَكُونُوا مِنْهُمْ سَعَى بِهِمْ أَعْدَاؤُهُمْ، وَفِيمَنْ قُتِلَ وَلَدُ كَيْقُبَاذَ، مُسْتَحْفِظُ تِكْرِيتَ، فَلَمْ يُغَيِّرْ وَالِدُهُ خُطْبَةَ بَرْكِيَارُقَ، وَلَكِنْ شَرَعَ فِي تَحْصِينِ الْقَلْعَةِ وَعِمَارَتِهَا، وَنَقْضِ جَامِعِ الْبَلَدِ، وَكَانَ يُقَارِبُهَا، لِئَلَّا يُؤْتَى مِنْهُ، وَجَعَلَ بِيعَةً فِي الْبَلَدِ جَامِعًا، وَصَلَّى النَّاسُ فِيهِ.
وَكَتَبَ إِلَى بَغْدَاذَ بِالْقَبْضِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ الْأَسَدَابَاذِيِّ الَّذِي كَانَ قَدْ وَصَلَ إِلَيْهَا رَسُولًا مِنْ بَرْكِيَارُقَ لِيَأْخُذَ مَالَ مُؤَيَّدِ الْمُلْكِ، وَكَانَ مِنْ أَعْيَانِهِمْ وَرُءُوسِهِمْ، فَأُخِذَ وَحُبِسَ، فَلَمَّا أَرَادُوا قَتْلَهُ قَالَ: هَبُوا أَنَّكُمْ قَتَلْتُمُونِي، أَتَقْدِرُونَ عَلَى قَتْلِ مَنْ بِالْقِلَاعِ وَالْمُدُنِ؟ فَقُتِلَ، وَلَمْ يُصَلِّ أَحَدٌ عَلَيْهِ، وَأُلْقِيَ خَارِجَ السُّورِ، وَكَانَ لَهُ وَلَدٌ كَبِيرٌ قُتِلَ بِالْعَسْكَرِ مَعَهُمْ.
وَقَدْ كَانَ أَهْلُ عَانَةَ نُسِبُوا إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ قَدِيمًا، فَأُنْهِيَ حَالُهُمْ إِلَى الْوَزِيرِ أَبِي
стр. 4981
شُجَاعٍ أَيَّامَ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، فَأَحْضَرَهُمْ إِلَى بَغْدَاذَ، فَسَأَلَ مَشَايِخَهُمْ عَلَى الَّذِي يُقَالُ فِيهِمْ، فَأَنْكَرُوا وَجَحَدُوا، فَأَطْلَقَهُمْ.
وَاتُّهِمَ أَيْضًا إِلْكَيَّا الْهَرَّاسُ، الْمُدَرِّسُ بِالنِّظَامِيَّةِ، بِأَنَّهُ بَاطِنِيٌّ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْهُ إِلَى السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، فَأَمَرَ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ مَنِ اسْتَخْلَصَهُ، وَشَهِدَ لَهُ بِصِحَّةِ الِاعْتِقَادِ، وَعُلُوِّ الدَّرَجَةِ فِي الْعِلْمِ، فَأُطْلِقَ.
ذِكْرُ حَصْرِ الْأَمِيرِ بَزْغَشَ قُهِسْتَانَ وَطَبَسَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَمَعَ الْأَمِيرُ بَزْغَشُ، وَهُوَ أَكْبَرُ أَمِيرٍ مَعَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، جُمُوعًا كَثِيرَةً، وَقَوَّاهُمْ بِالْمَالِ وَالسِّلَاحِ، وَسَارَ إِلَى بَلَدِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، فَنَهَبَهُ، وَخَرَّبَهُ، وَقَتَلَ فِيهِمْ فَأَكْثَرَ، وَحَصَرَ طَبَسَ، وَضَيَّقَ عَلَيْهَا، وَرَمَاهَا بِالْمَنْجَنِيقِ، فَخَرَّبَ كَثِيرًا مِنْ سُورِهَا، وَضَعُفَ مَنْ بِهَا، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَخْذُهَا، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ الرِّشَا الْكَثِيرَةَ، وَاسْتَنْزَلُوهُ عَمَّا كَانَ يُرِيدُهُ مِنْهُمْ، فَرَحَلَ عَنْهُمْ وَتَرَكَهُمْ، فَعَاوَدُوا عِمَارَةَ مَا انْهَدَمَ مِنْ سُورِهَا، وَمَلَأُوهَا ذَخَائِرَ مِنْ سِلَاحٍ وَأَقْوَاتٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ عَاوَدَهُمْ بَزْغَشُ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ مَا مَلِكَ الْفِرِنْجُ مِنَ الشَّامِ
فِيهَا سَارَ كُنْدُفْرِي، مَلِكُ الْفِرِنْجِ بِالشَّامِ، وَهُوَ صَاحِبُ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، إِلَى مَدِينَةِ عَكَّا، بِسَاحِلِ الشَّامِ، فَحَصَرَهَا، فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ قَدْ عَمَّرَ مَدِينَةَ يَافَا وَسَلَّمَهَا إِلَى قُمَّصٍ مِنَ الْفِرِنْجِ اسْمُهُ: طَنْكِرِي، فَلَمَّا قُتِلَ كُنْدُفْرِي سَارَ أَخُوهُ بَغْدَوِينُ إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ فِي خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، فَبَلَغَ الْمَلِكَ دُقَاقَ، صَاحِبَ دِمَشْقَ، خَبَرُهُ، فَنَهَضَ إِلَيْهِ فِي عَسْكَرِهِ، وَمَعَهُ الْأَمِيرُ جَنَاحُ الدَّوْلَةِ فِي جُمُوعِهِ، فَقَاتَلَهُ، فَنُصِرَ عَلَى الْفِرِنْجِ.
стр. 4982
وَفِيهَا مَلَكَ الْفِرِنْجُ مَدِينَةَ سَرُوجٍ مِنْ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْفِرِنْجَ كَانُوا قَدْ مَلَكُوا مَدِينَةَ الرُّهَا بِمُكَاتَبَةٍ مِنْ أَهْلِهَا لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ أَرْمَنٌ، وَلَيْسَ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا الْقَلِيلُ، فَلَمَّا كَانَ الْآنُ جَمَعَ سُقْمَانُ بِسَرُوجٍ جَمْعًا كَثِيرًا مِنَ التُّرْكُمَانِ، وَزَحَفَ إِلَيْهِمْ، فَلَقَوْهُ وَقَاتَلُوهُ، فَهَزَمُوهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَلَمَّا تَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ سَارَ الْفِرِنْجُ إِلَى سَرُوجٍ، فَحَصَرُوهَا وَتَسَلَّمُوهَا، وَقَتَلُوا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِهَا وَسَبَوْا حَرِيمَهُمْ، وَنَهَبُوا أَمْوَالَهُمْ، وَلَمْ يَسْلَمْ إِلَّا مَنْ مَضَى مُنْهَزِمًا.
وَفِيهَا مَلَكَ الْفِرِنْجُ مَدِينَةَ حَيْفًا، وَهِيَ بِالْقُرْبِ مِنْ عَكَّةَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، مَلَكُوهَا عَنْوَةً، وَمَلَكُوا أَرْسُوفَ بِالْأَمَانِ، وَأَخْرَجُوا أَهْلَهَا مِنْهَا.
وَفِيهَا، فِي رَجَبٍ، مَلَكُوا مَدِينَةَ قَيْسَارِيَّةَ بِالسَّيْفِ، وَقَتَلُوا أَهْلَهَا، وَنَهَبُوا مَا فِيهَا.
ذِكْرُ عِدَّةَ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، تَقَدَّمَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ بِفَتْحِ جَامِعِ الْقَصْرِ، وَأَنْ يُصَلَّى فِيهِ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ، وَلَمْ تَكُنْ جَرَتْ بِذَلِكَ عَادَةٌ، وَأَمَرَ بِالْجَهْرِ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَهَذَا أَيْضًا لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ، وَإِنَّمَا تُرِكَ الْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ فِي جَوَامِعِ بَغْدَاذَ لِأَنَّ الْعَلَوِيِّينَ أَصْحَابَ مِصْرَ كَانُوا يَجْهَرُونَ بِهَا، فَتُرِكَ ذَلِكَ مُخَالَفَةً لَهُمْ لَا اتِّبَاعًا لِمَذْهَبِ أَحْمَدَ الْإِمَامِ، وَأَمَرَ أَيْضًا بِالْقُنُوتِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ خُتِمَ فِي جَامِعِ الْقَصْرِ، وَازْدَحَمَ النَّاسُ عِنْدَهُ، وَكَانَ زَعِيمُ الرُّؤَسَاءِ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ فَخْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ جَهِيرٍ أَخُو عَمِيدِ الدَّوْلَةِ قَدْ أُطْلِقَ مِنَ الِاعْتِقَالِ، فَاخْتَلَطَ بِالنَّاسِ، وَخَرَجَ إِلَى ظَاهِرِ بَغْدَاذَ مِنْ ثُلْمَةٍ فِي السُّورِ، وَسَارَ إِلَى سَيْفِ الدَّوْلَةِ صَدَقَةَ بْنِ مَزْيَدٍ، فَاسْتَقْبَلَهُ وَأَنْزَلَهُ وَأَكْرَمَهُ.
стр. 4983
الْوَفَيَاتُ
وَفِيهَا، فِي الْمُحَرَّمِ، تُوُفِّيَ جَمَالُ الدَّوْلَةِ أَبُو نَصْرِ بْنُ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ بْنِ الْمُسْلِمَةِ، وَهُوَ أُسْتَاذُ دَارِ الْخَلِيفَةِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ الصَّبَّاغِ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَخَذَ الْفِقْهَ عَنِ ابْنِ عَمِّهِ الشَّيْخِ أَبِي نَصْرِ بْنِ الصَّبَّاغِ، وَكَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ، وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَفِيهِ تُوُفِّيَ شَرَفُ الْمُلْكِ أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْمُسْتَوْفِي، الْخُوَارِزْمِيُّ، بِأَصْبَهَانَ، وَكَانَ مُسْتَوْفِيًا فِي دِيوَانِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، فَبَذَلَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ حَتَّى تَرَكَ الِاسْتِيفَاءَ، وَبَنَى مَشْهَدًا عَلَى قَبْرِ أَبِي حَنِيفَةَ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَمَدْرَسَةً بِبَابِ الطَّاقِ، وَمَدْرَسَةً بِمَرْوَ جَمِيعُهَا لِلْحَنَفِيِّينَ.
وَفِيهَا، فِي صَفَرٍ، تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو الْمَعَالِي عُزَيْزِيٌّ، وَكَانَ شَافِعِيًّا، أَشْعَرِيًّا، وَهُوَ مِنْ جِيلَانَ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ حَسَنَةٌ، وَكَانَ وَرِعًا، وَلَهُ مَعَ أَهْلِ بَابِ الْأَزَجِ أَخْبَارٌ ظَرِيفَةٌ، وَكَانَ قَاضِيًا عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا يُبْغِضُونَهُ (وَيُبْغِضُهُمْ) .
وَتُوُفِّيَ أَسْعَدُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْعُتْبِيُّ مِنْ وَلَدِ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ نَيْسَابُورِيٌّ، وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَرَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحِيرِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَتُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَوْقٍ أَبُو الْفَضَائِلِ الرَّبَعِيُّ الْمَوْصِلَيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ ثِقَةً صَالِحًا.
стр. 4984
وَتُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ وَدْعَانَ أَبُو نَصْرٍ الْقَاضِي الْمَوْصِليُّ، وَهُوَ صَاحِبُ الْأَرْبَعِينَ الْوَدْعَانِيَّةِ وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِيهَا، فَقِيلَ إِنَّهُ سَرَقَهَا، وَكَانَتْ تَصْنِيفَ زَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ الْهَاشِمِيِّ، وَالْغَالِبُ عَلَى حَدِيثِهِ الْمَنَاكِيرُ.
وَتُوُفِّيَ فِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْبَطِرِ الْقَارِي أَبُو الْخَطَّابِ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، سَمِعَ ابْنَ رِزْقَوَيْهِ وَغَيْرَهُ، وَصَارَتْ إِلَيْهِ الرِّحْلَةُ لِعُلُوِّ إِسْنَادِهِ، وَكَانَ سَمَاعُهُ صَحِيحًا.
стр. 4985
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ -]
٤٩٥ -
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُسْتَعْلِي بِاللَّهِ وَوِلَايَةِ الْآمِرِ بِأَحْكَامِ اللَّهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمُسْتَعْلِي بِاللَّهِ أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ مَعَدٍّ الْمُسْتَنْصِرُ بِاللَّهِ الْعَلَوِيُّ، الْخَلِيفَةُ الْمِصْرِيُّ، لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ صَفَرٍ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَبْعَ سِنِينَ وَقَرِيبَ شَهْرَيْنِ، وَكَانَ الْمُدَبِّرُ لِدَوْلَتِهِ الْأَفْضَلَ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ وَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو عَلِيٍّ الْمَنْصُورُ، وَمَوْلِدُهُ ثَالِثَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَبُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَبُوهُ، وَلَهُ خَمْسُ سِنِينَ وَشَهْرٌ وَأَرْبَعَةُ أَيَّامٍ، وَلُقِّبَ الْآمِرُ بِأَحْكَامِ اللَّهِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ مَنْ تَسَمَّى بِالْخِلَافَةِ قَطُّ أَصْغَرُ مِنْهُ وَمِنَ الْمُسْتَنْصِرِ، وَكَانَ الْمُسْتَنْصِرُ أَكْبَرَ مِنْ هَذَا، وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَرْكَبَ وَحْدَهُ عَلَى الْفَرَسِ لِصِغَرِ سِنِّهِ، وَقَامَ بِتَدْبِيرِ دَوْلَتِهِ الْأَفْضَلُ بْنُ أَمِيرِ الْجُيُوشِ أَحْسَنَ قِيَامٍ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ إِلَى أَنْ قُتِلَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ وَالسُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ وَالصُّلْحِ بَيْنَهُمَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ، كَانَ الْمَصَافُّ الثَّالِثُ بَيْنَ السُّلْطَانَيْنِ بَرْكِيَارُقَ وَمُحَمَّدٍ.
قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ قُدُومَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ إِلَى بَغْدَاذَ، وَرَحِيلَ
стр. 4986
السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ عَنْهَا إِلَى وَاسِطَ مَرِيضًا، فَأَقَامَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ بِبَغْدَاذَ إِلَى سَابِعَ عَشَرَ مِنَ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَسَارَ عَنْهَا هُوَ وَأَخُوهُ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ عَائِدَيْنِ إِلَى بِلَادِهِمَا، وَسَنْجَرُ يَقْصِدُ خُرَاسَانَ، وَالسُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ يَقْصِدُ هَمَذَانَ. فَلَمَّا سَارَ مُحَمَّدٌ عَنْ بَغْدَاذَ وَصَلَتِ الْأَخْبَارُ أَنَّ بَرْكِيَارُقَ قَدِ اعْتَرَضَ خَاصَّ الْخَلِيفَةِ بِوَاسِطَ وَسُمِعَ مِنْهُ فِي حَقِّ الْخَلِيفَةِ مَا يَقْبُحُ نَقْلُهُ، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ وَأَعَادَ السُّلْطَانَ مُحَمَّدًا إِلَى بَغْدَاذَ، وَذَكَرَ لَهُ مَا نُقِلَ إِلَيْهِ، وَعَزَمَ عَلَى الْحَرَكَةِ مَعَ مُحَمَّدٍ إِلَى قِتَالِ بَرْكِيَارُقَ، فَقَالَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ: لَا حَاجَةَ إِلَى حَرَكَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنِّي أَقُومُ فِي هَذَا الْقِيَامَ الْمَرْضِيَّ. وَسَارَ عَائِدًا، وَرَتَّبَ بِبَغْدَاذَ أَبَا الْمَعَالِي الْمُفَضَّلَ بْنَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي جِبَايَةِ الْأَمْوَالِ وَإِيلْغَازِي شِحْنَةً.
وَكَانَ لَمَّا دَخَلَ بَغْدَاذَ قَدْ خَلَّفَ عَسْكَرَهُ بِطَرِيقِ خُرَاسَانَ، فَنَهَبُوا الْبِلَادَ وَخَرَّبُوهَا، فَأَخَذَهُمُ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ مَعَهُ، وَجَدَّ السَّيْرَ إِلَى رُوذْرَاوَرَ.
وَأَمَّا السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ فَقَدْ تَقَدَّمَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ أَنَّهُ سَارَ مِنْ بَغْدَاذَ عِنْدَ وُصُولِ مُحَمَّدٍ إِلَيْهَا قَاصِدًا إِلَى وَاسِطَ، فَلَمَّا سَمِعَ عَسْكَرُ وَاسِطَ بِقُرْبِهِ مِنْهُمْ، خَافُوا مِنْهُ، وَأَخَذُوا نِسَاءَهُمْ، وَأَوْلَادَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ، وَجَمَعُوا السُّفُنَ جَمِيعَهَا، وَانْحَدَرُوا إِلَى الزُّبَيْدِيَّةِ، فَأَقَامُوا هُنَاكَ.
وَوَصَلَ السُّلْطَانُ، وَهُوَ شَدِيدُ الْمَرَضِ، يُحْمَلُ فِي مَحَفَّةٍ، وَقَدْ هَلَكَ مِنْ دَوَابِّ عَسْكَرِهِ وَمَتَاعِهِمُ الْكَثِيرُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَجِدُّونَ السَّيْرَ خَوْفًا أَنْ يَتْبَعَهُمُ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ، أَوِ الْأَمِيرُ صَدَقَةُ، صَاحِبُ الْحِلَّةِ، فَكَانُوا كُلَّمَا جَازَوْا قَنْطَرَةً هَدَمُوهَا، لِيَمْتَنِعَ مَنْ يَجْتَازُ بِهَا مِنَ اتِّبَاعِهِمْ.
وَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى وَاسِطَ عُوفِيَ بَرْكِيَارُقُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِمَّةٌ غَيْرَ الْعُبُورِ مِنَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَلَمْ يَجِدْ هُنَاكَ سَفِينَةً، وَكَانَ الزَّمَانُ شَاتِيًا، شَدِيدَ الْبَرْدِ، وَالْمَاءُ زَائِدًا، وَكَانَ أَهْلُ الْبَلَدِ قَدْ خَافُوهُمْ، فَلَزِمُوا الْجَامِعَ وَبُيُوتَهُمْ، فَخَلَتِ الطُّرُقُ وَالْأَسْوَاقُ مِنْ مُجْتَازٍ فِيهَا، فَخَرَجَ الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِقِيُّ إِلَى الْعَسْكَرِ،
стр. 4987
وَاجْتَمَعَ بِالْأَمِيرِ إِيَازَ، وَالْوَزِيرِ، وَاسْتَعْطَفَهُمَا لِلْخَلْقِ، وَطَلَبَ إِنْفَاذَ شِحْنَةً لِتَطْمَئِنَّ الْقُلُوبُ، فَأَجَابُوهُ إِلَى مُلْتَمَسِهِ، وَقَالُوا لَهُ: نُرِيدُ أَنْ تَجْمَعَ لَنَا مَنْ يُعَبِّرُ دَوَابَّنَا فِي الْمَاءِ، وَنَسْبَحُ مَعَهَا، فَجَمَعَ لَهُمْ مِنْ شَبَابِ وَاسِطَ، وَأَعْطَاهُمُ الْأُجْرَةَ الْوَافِرَةَ، فَعَبَّرُوا دَوَابَّهُمْ مِنَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْجِمَالِ، وَكَانَ الْأَمِيرُ إِيَازُ بِنَفْسِهِ يَسُوقُ الدَّوَابَّ، وَيَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ الْغِلْمَانُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ غَيْرُ سَفِينَةٍ وَاحِدَةٍ انْحَدَرَتْ مَعَ السُّلْطَانِ مِنْ بَغْدَاذَ، فَعَبَّرُوا أَمْوَالَهُمْ وَرِحَالَهُمْ فِيهَا. فَلَمَّا صَارُوا فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ اطْمَأَنُّوا، وَنَهَبَ الْعَسْكَرُ الْبَلَدَ، فَرَجَعَ الْقَاضِي وَجَدَّدَ الْخِطَابَ فِي الْكَفِّ عَنْهُمْ، فَأُجِيبُ إِلَى ذَلِكَ، فَأُرْسِلَ مَعَهُ مَنْ يَمْنَعُ مِنَ النَّهْبِ.
ثُمَّ إِنَّ عَسْكَرَ وَاسِطَ أَرْسَلُوا إِلَى السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ لِيَحْضُرُوا الْخِدْمَةَ فَأَمَّنَهُمْ، فَحَضَرَ أَكْثَرُهُمْ عِنْدَهُ، وَسَارُوا مَعَهُ إِلَى بِلَادِ بَنِي بُرْسُقَ، فَحَضَرُوا أَيْضًا عِنْدَهُ وَخَدَمُوهُ، وَاجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ عَلَيْهِ.
وَبَلَغَهُ مَسِيرُ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ عَنْ بَغْدَاذَ، فَسَارَ يَتْبَعُهُ عَلَى نَهَاوَنْدَ، فَأَدْرَكَهُ بُرُوذْرَاوَرُ، وَكَانَ الْعَسْكَرَانِ مُتَقَارِبَيْنِ فِي الْعُدَّةِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْبَعَةُ آلَافِ فَارِسٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ، فَتَصَافُّوا، أَوَّلَ يَوْمٍ جَمِيعَ النَّهَارِ، وَلَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمْ قِتَالُ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ، وَعَادُوا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، ثُمَّ تَوَاقَفُوا كَذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِ الصَّفَّيْنِ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ مَنْ يُقَاتِلُهُ، فَإِذَا تَقَارَبَا اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحَبَهُ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَيَعُودُ عَنْهُ.
ثُمَّ خَرَجَ الْأَمِيرُ بَلَدْجِي وَغَيْرُهُ مِنْ عَسْكَرِ مُحَمَّدٍ إِلَى الْأَمِيرِ إِيَازَ وَالْوَزِيرِ الْأَعَزِّ، فَاجْتَمَعُوا، وَاتَّفَقُوا عَلَى الصُّلْحِ، لِمَا قَدْ عَمَّ النَّاسَ مِنَ الضَّرَرِ، وَالْمَلَلِ، وَالْوَهَنِ، فَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ أَنْ يَكُونَ بَرْكِيَارُقُ السُّلْطَانَ، وَمُحَمَّدٌ الْمَلِكَ، وَيُضْرَبُ لَهُ ثَلَاثُ نُوَبٍ، وَيَكُونُ لَهُ مِنِ الْبِلَادِ جَنْزَةُ وَأَعْمَالُهَا، وَأَذْرَبِيجَانُ، وَدِيَارُ بَكْرٍ، وَالْجَزِيرَةُ، وَالْمَوْصِلُ، وَأَنْ يُمِدَّهُ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ بِالْعَسَاكِرِ، حَتَّى يَفْتَحَ مَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَانْصَرَفَ الْفَرِيقَانِ مِنَ الْمَصَافِّ رَابِعَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَسَارَ بَرْكِيَارُقُ إِلَى مَرْجِ
стр. 4988
قُرَاتِكِينَ قَاصِدًا سَاوَةَ، وَالسُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ إِلَى أَسَدَابَاذَ، وَتَفَرَّقَ الْعَسْكَرَانِ وَقَصَدَ كُلُّ أَمِيرٍ أَقْطَاعَهُ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ وَمُحَمَّدٍ وَانْفِسَاخِ الصُّلْحِ بَيْنَهُمَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، كَانَ الْمَصَافُّ الرَّابِعُ بَيْنَ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ وَأَخِيهِ مُحَمَّدٍ.
وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ السُّلْطَانَ مُحَمَّدًا سَارَ مِنْ رُوذْرَاوَرَ، مِنَ الْوَقْعَةِ الْمَذْكُورَةِ، إِلَى أَسَدَابَاذَ، وَمِنْهَا إِلَى قَزْوِينَ، وَنَسَبَ الْأُمَرَاءَ الَّذِينَ سَعَوْا فِي ذَلِكَ الصُّلْحِ إِلَى الْمُخَامَرَةِ عَلَيْهِ، وَالتَّقَاعُدِ بِهِ، فَوَضَعَ رَئِيسُ قَزْوِينَ أَنْ يَتَوَسَّلَ إِلَيْهِ بِأُولَئِكَ الْأُمَرَاءِ لِيَحْضُرَ دَعْوَتَهُ، فَاسْتَشْفَعَ الرَّئِيسُ بِهِمْ إِلَى السُّلْطَانِ، فَحَضَرَ دَعْوَتَهُ، بَعْدَ أَنِ امْتَنَعَ، وَوَصَّى خَوَاصَّهُ بِحَمْلِ السِّلَاحِ تَحْتَ أَقْبِيَتِهِمْ، وَحَضَرَ الدَّعْوَةَ وَمَعَهُ الْأَمِيرُ أَيْتِكِينُ، وَبَسْمَلُ، فَقَتَلَ الْأَمِيرَ بَسْمَلَ، (وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ) ، وَكَحَلَ الْأَمِيرَ أَيْتِكِينَ.
وَكَانَ الْأَمِيرُ يَنَّالُ بْنُ أَنُوشْتِكِينَ الْحُسَامِيُّ قَدْ فَارَقَ بَرْكِيَارُقَ، وَأَقَامَ مُجَاهِدًا لِلْبَاطِنِيَّةِ الَّذِينَ فِي الْقِلَاعِ وَالْجِبَالِ، فَقَصَدَ الْآنَ السُّلْطَانَ مُحَمَّدًا، وَسَارَ مَعَهُ إِلَى الرَّيِّ يَضْرِبُ النُّوَبَ الْخَمْسَ، وَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ الْعَسَاكِرُ، وَأَقَامَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، وَوَافَاهُ أَخُوهُ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ فِي الْيَوْمِ التَّاسِعِ، وَوَقَعَ بَيْنَهُمَا الْمَصَافُّ عِنْدَ الرَّيِّ، وَكَانَتْ عِدَّةُ الْعَسْكَرَيْنِ مُتَقَارِبَةً كُلُّ عَسْكَرٍ مِنْهُمَا عَشَرَةُ آلَافِ فَارِسٍ، فَلَمَّا اصْطَفُّوا حَمَلَ الْأَمِيرُ سُرْخَابُ بْنُ كِيخِسْرُو الدَّيْلَمِيُّ، صَاحِبُ أُبَّةَ، عَلَى الْأَمِيرِ يَنَّالُ، فَهَزَمَهُ، وَتَبِعَهُ فِي الْهَزِيمَةِ جَمِيعُ عَسْكَرِ مُحَمَّدٍ، وَتَفَرَّقُوا، وَمَضَى مُعْظَمُهُمْ نَحْوَ طَبَرِسْتَانَ، وَلَمْ يُقْتَلْ فِي هَذَا الْمَصَافِّ غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ قُتِلَ صَبْرًا.
стр. 4989
وَمَضَى قِطْعَةٌ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ نَحْوَ قَزْوِينَ، وَنُهِبَتْ خَزَائِنُ مُحَمَّدٍ، وَمَضَى فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ إِلَى أَصْبَهَانَ، وَحَمَلَ هُوَ عَلَمَهُ بِيَدِهِ لِيَتْبَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَسَارَ فِي طَلَبِهِ الْأَمِيرُ أَلْبَكْي بْنُ بُرْسُقَ، وَالْأَمِيرُ إِيَازُ إِلَى قُمَّ، وَتَتَبَّعَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ فِي أَصْحَابِ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ.
ذِكْرُ حِصَارِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ بِأَصْبَهَانَ
لَمَّا انْهَزَمَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ مِنَ الْوَقْعَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا بِالرَّيِّ، مَضَى إِلَى أَصْبَهَانَ فِي سَبْعِينَ فَارِسًا، وَالْبَلَدُ فِي حُكْمِهِ، وَفِيهِ نَائِبُهُ، وَمَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْأَمِيرُ يَنَّالُ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَأَمَرَ بِتَجْدِيدِ مَا تَشَعَّثَ مِنَ السُّورِ، وَهَذَا السُّورُ هُوَ الَّذِي بَنَاهُ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ بْنُ كَاكَوَيْهِ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، عِنْدَ خَوْفِهِ مِنْ طُغْرُلْبَكْ، وَأَمَرَ مُحَمَّدٌ بِتَعْمِيقِ الْخَنْدَقِ حَتَّى صَعِدَ الْمَاءُ فِيهِ، وَسَلَّمَ إِلَى كُلِّ أَمِيرٍ بَابًا،، وَكَانَ مَعَهُ فِي الْبَلَدِ أَلْفٌ وَمِائَةُ فَارِسٍ وَخَمْسُمِائَةِ رَاجِلٍ، وَنَصَبَ الْمَجَانِيقَ.
وَلَمَّا عَلِمَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ بِمَسِيرِ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ إِلَى أَصْبَهَانَ سَارَ يَتْبَعُهُ، فَوَصَلَهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَعَسَاكِرُهُ كَثِيرَةٌ، تَزِيدُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَمَعَهَا مِائَةُ أَلْفٍ مِنَ الْحَوَاشِي، وَأَقَامَ يُحَاصِرُ الْبَلَدَ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ.
وَكَانَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ يَدُورُ كُلَّ لَيْلَةٍ عَلَى سُورِ الْبَلَدِ ثَلَاثَ دُفْعَاتٍ، فَلَمَّا زَادَ الْأَمْرُ فِي الْحِصَارِ، أَخْرَجَ الضُّعَفَاءَ وَالْفُقَرَاءَ مِنَ الْبَلَدِ حَتَّى خَلَتِ الْمَحَالُّ، وَعُدِمَتِ الْأَقْوَاتُ، وَأَكَلَ النَّاسُ الْخَيْلَ، وَالْجِمَالَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَقَلَّتِ الْأَمْوَالُ فَاضْطُرَّ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ إِلَى أَنْ يَسْتَقْرِضَ مِنْ أَعْيَانِ الْبَلَدِ فَأَخَذَ مَالًا عَظِيمًا، ثُمَّ عَاوَدَ الْجُنْدُ الطَّلَبَ، فَقَسَّطَ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ شَيْئًا آخَرَ، وَأَخَذَهُ مِنْهُمْ بِالشِّدَّةِ وَالْعُنْفِ، فَلَمْ تَزَلِ الْأَسْعَارُ تَغْلُو، حَتَّى بَلَغَ عَشْرَةُ أَمْنَانٍ مِنَ الْحِنْطَةِ بِدِينَارٍ، وَأَرْبَعَةُ أَرْطَالٍ لَحْمًا بِدِينَارٍ، وَكُلُّ مِائَةِ رَطْلٍ تِبْنًا بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، وَرَخَصَتِ الْأَمْتِعَةُ وَهَانَتْ لِعَدَمِ الطَّالِبِ.
وَكَانَتِ الْأَسْعَارُ، فِي عَسْكَرِ بَرْكِيَارُقَ، رَخِيصَةً، فَبَقِيَ الْحِصَارُ عَلَى الْبَلَدِ إِلَى عَاشِرِ
стр. 4990
ذِي الْحِجَّةِ، فَلَمَّا رَأَى السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الدَّفْعِ عَنِ الْبَلَدِ، وَكُلَّمَا جَاءَ أَمْرُهُ يَضْعُفُ، قَوَّى عَزْمَهُ عَلَى مُفَارَقَتِهِ وَقَصْدِ جِهَةٍ أُخْرَى، يَجْمَعُ فِيهَا الْعَسَاكِرَ، وَيَعُودُ يَدْفَعُ الْخَصْمَ عَنِ الْحِصَارِ، فَسَارَ عَنِ الْبَلَدِ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَارِسًا، وَمَعَهُ الْأَمِيرُ يَنَّالُ، وَاسْتَخْلَفَ بِالْبَلَدِ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ الْكِبَارِ فِي بَاقِي الْعَسْكَرِ، فَلَمَّا فَارَقَ الْعَسْكَرَ وَالْبَلَدَ لَمْ يَكُنْ فِي دَوَابِّهِمْ مَا يَدُومُ عَلَى السَّيْرِ لِقِلَّةِ الْعَلَفِ فِي الْحِصَارِ، فَنَزَلَ عَلَى سِتَّةِ فَرَاسِخَ.
فَلَمَّا سَمِعَ بَرْكِيَارُقُ بِمَسِيرِهِ سَيَّرَ وَرَاءَهُ الْأَمِيرَ إِيَازَ فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ، وَأَمَرَهُ بِالْجِدِّ فِي السَّيْرِ فِي طَلَبِهِ، فَقِيلَ: إِنَّ مُحَمَّدًا سَبَقَهُمْ، فَلَمْ يُدْرِكُوهُ، فَرَجَعُوا، وَقِيلَ: بَلْ أَدْرَكُوهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْأَمِيرِ إِيَازَ يَقُولُ: أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّنِي لِي فِي رَقَبَتِكَ عُهُودٌ وَأَيْمَانٌ مَا نُقِضَتْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنِّي إِلَيْكَ مَا تُبَالِغُ فِي أَذَايَ. فَعَادَ عَنْهُ، وَأَرْسَلَ لَهُ خَيْلًا، وَأَخَذَ عَلَمَهُ، والْجَتَرَ، وَثَلَاثَةَ أَحْمَالٍ دَنَانِيرَ، وَعَادَ إِلَى بَرْكِيَارُقَ، فَدَخَلَ إِلَيْهِ، وَأَعْلَامُ أَخِيهِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ مَنْكُوسَةً، فَأَنْكَرَ بَرْكِيَارُقُ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنْ كَانَ قَدْ أَسَاءَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَمِدَ مَعَهُ هَذَا، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهُ.
فَلَمَّا فَارَقَ مُحَمَّدٌ أَصْبَهَانَ اجْتَمَعَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَالسَّوَادِيَّةِ، وَمَنْ يُرِيدُ النَّهْبَ، مَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ نَفْسٍ، وَزَحَفُوا إِلَى الْبَلَدِ بِالسَّلَالِيمِ، وَالدَّبَّابَاتِ، وَطَمُّوا الْخَنْدَقَ بِالتِّبْنِ، وَالْتَصَقُوا بِالسُّورِ، وَصَعِدَ النَّاسُ فِي السَّلَالِيمِ فَقَاتَلَهُمْ أَهْلُ الْبَلَدِ قِتَالَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَحْمِيَ حَرِيمَهُ وَمَالَهُ، فَعَادُوا خَائِبِينَ، فَحِينَئِذٍ أَشَارَ الْأُمَرَاءُ عَلَى بَرْكِيَارُقَ بِالرَّحِيلِ، فَرَحَلَ ثَامِنَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْبَلَدِ الْقَدِيمِ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ شَهْرِسْتَانُ، تَرْشُكَ الصَّوَابِيَّ فِي أَلْفِ فَارِسٍ مَعَ ابْنِهِ مَلِكْشَاهْ، وَسَارَ إِلَى هَمَذَانَ، وَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْجَبِ مَا سُطِرَ أَنَّ سُلْطَانًا مَحْصُورًا قَدْ تَقَطَّعَتْ مَوَادُّهُ، وَهُوَ يُخْطَبُ لَهُ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ، ثُمَّ يَخْلُصُ مِنَ الْحَصْرِ الشَّدِيدِ، وَيَنْجُو مِنَ الْعَسَاكِرِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي كُلُّهَا قَدْ شَرَعَ إِلَيْهِ وَفَوَّقَ إِلَيْهِ سَهْمَهُ.
стр. 4991
ذِكْرُ قَتْلِ الْوَزِيرِ الْأَعَزِّ وَوِزَارَةِ الْخَطِيرِ أَبِي مَنْصُورٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثَانِيَ عَشَرَ صَفَرٍ، قُتِلَ الْوَزِيرُ الْأَعَزُّ أَبُو الْمَحَاسِنِ عَبْدُ الْجَلِيلِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّهِسْتَانِيُّ، وَزِيرُ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ عَلَى أَصْبَهَانَ، وَكَانَ مَعَ بَرْكِيَارُقَ مُحَاصِرًا لَهَا، فَرَكِبَ هَذَا الْيَوْمَ مِنْ خَيْمَتِهِ إِلَى خِدْمَةِ السُّلْطَانِ، فَجَاءَ شَابٌّ أَشْقَرُ، قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مِنْ غِلْمَانِ أَبِي سَعِيدٍ الْحَدَّادِ، وَكَانَ الْوَزِيرُ قَتَلَهُ فِي الْعَامِ الْمَاضِي، فَانْتَهَزَ الْفُرْصَةَ فِيهِ، وَقِيلَ: كَانَ بَاطِنِيًّا، فَجَرَحَهُ عِدَّةَ جِرَاحَاتٍ، (فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ عَنْهُ، ثُمَّ عَادُوا إِلَيْهِ، فَجُرِحَ أَقْرَبُهُمْ مِنْهُ جِرَاحَاتٍ) أَثْخَنَتْهُ، وَعَادَ إِلَى الْوَزِيرِ فَتَرَكَهُ بِآخِرِ رَمَقٍ.
وَكَانَ كَرِيمًا، وَاسِعَ الصَّدْرِ، حَسَنَ الْخُلُقِ، كَثِيرَ الْعِمَارَةِ، وَنَفَرَ النَّاسُ مِنْهُ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْوِزَارَةِ، وَقَدْ تَغَيَّرَتِ الْقَوَانِينُ، وَلَمْ يَبْقَ دَخْلٌ وَلَا مَالٌ، فَفَعَلَ لِلضَّرُورَةِ مَا خَافَهُ النَّاسُ بِسَبَبِهِ.
وَكَانَ حَسَنَ الْمُعَامَلَةِ مَعَ التُّجَّارِ، فَاسْتَغْنَى بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَكَانُوا يَسْأَلُونَهُ لِيُعَامِلَهُمْ، فَلَمَّا قُتِلَ ضَاعَ مِنْهُمْ مَالٌ كَثِيرٌ.
حُكِيَ أَنَّ بَعْضَ التُّجَّارِ بَاعَهُ مَتَاعًا بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ لَهُ: خُذْ بِهَا حِنْطَةً مِنَ الرَّاذَانِ خَمْسِينَ كَرًّا، كُلُّ كَرٍّ بِعِشْرِينَ دِينَارًا، فَامْتَنَعَ التَّاجِرُ مِنْ أَخْذِهَا، وَقَالَ: لَا أُرِيدُ غَيْرَ الدَّنَانِيرِ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ دَخَلَ إِلَيْهِ التَّاجِرُ، فَقَالَ لَهُ: يُهَنِّئُكَ، يَا فُلَانُ فَقَالَ وَمَا هُوَ؟ قَالَ: خَبَرُ حِنْطَتِكَ، فَقَالَ: مَا لِي حِنْطَةٌ، وَلَا أُرِيدُهَا، قَالَ: بَلَى، وَقَدْ بِيعَتْ كُلُّ كَرٍّ بِخَمْسِينَ دِينَارًا، فَقَالَ: أَنَا لَمْ أَتَقَبَّلْ بِهَا فَقَالَ الْوَزِيرُ: مَا كُنْتُ أَفْسَخُ عَقْدًا عَقَدْتُهُ. قَالَ: فَخَرَجْتُ وَأَخَذْتُ ثَمَنَ الْحِنْطَةِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ، وَأَضَفْتُ إِلَيْهَا مِثْلَهَا وَعَامَلْتُهُ، فَقُتِلَ فَضَاعَ الْجَمِيعُ.
وَكَانَ قَدْ نَفَقَ عَلَيْهِ عَمَلُ الْكِيمْيَاءُ، وَاخْتَصَّ بِهِ إِنْسَانٌ كِيمْيَائِيٌّ، فَكَانَ يَعِدُهُ الشَّهْرَ بَعْدَ الشَّهْرِ، وَالْحَوْلَ بَعْدَ الْحَوْلِ، وَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، وَقَدْ أَحَالَهُ عَلَيْهِ بِكَرِّ حِنْطَةٍ، فَاسْتَزَادَهُ: لَوْ كَانَ صَادِقًا فِي عَمَلِهِ، لَمَا كَانَ يَسْتَزِيدُ مِنَ الْقَدْرِ الْقَلِيلِ، وَقُتِلَ وَلَمْ يَصِحَّ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَلَمَّا قُتِلَ الْأَعَزُّ أَبُو الْمَحَاسِنِ وَزَرَ بَعْدَهُ الْوَزِيرُ الْخَطِيرُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَيْبُذِيُّ الَّذِي كَانَ وَزِيرَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ.
стр. 4992
وَكَانَ سَبَبُ فِرَاقِهِ لِوِزَارَةِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ بِأَصْبَهَانَ، وبَرْكِيَارُقُ يُحَاصِرُهُ، وَقَدْ سَلَّمَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا لِيَحْفَظَهَا، فَقَالَ لَهُ الْأَمِيرُ يَنَّالُ بْنُ أَنُوشْتِكِينَ: كُنْتَ قَدْ كَلَّفْتَنَا، وَنَحْنُ بِالرَّيِّ، لِنَقْصِدَ هَمَذَانَ، وَقُلْتَ: أَنَا أُقِيمُ بِالْعَسْكَرِ مِنْ مَالِي، وَأُحَصِّلُ لَهُمْ مَا يَقُومُ بِهِمْ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ الْخَطِيرُ: أَنَا أَفْعَلُ ذَلِكَ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ فَارَقَ الْبَلَدَ، وَخَرَجَ مِنَ الْبَابِ الَّذِي كَانَ مُسَلَّمًا إِلَيْهِ وَقَصَدَ بَلَدَهُ مَيْبُذَ، وَأَقَامَ بِقَلْعَتِهَا مُتَحَصِّنًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ وَحَصَرَهُ، فَنَزَلَ مِنْهَا مُسْتَأْمِنًا، فَحُمِلَ عَلَى بَغْلٍ بِإِكَافٍ إِلَى الْعَسْكَرِ، فَوَصَلَهُ فِي طَرِيقِهِ قَتْلُ الْوَزِيرِ الْأَعَزِّ، وَكِتَابُ السُّلْطَانِ لَهُ بِالْأَمَانِ، وَطَيَّبَ قَلْبَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْعَسْكَرِ خَلَعَ عَلَيْهِ وَاسْتَوْزَرَهُ.
حَادِثَةٌ يُعْتَبَرُ بِهَا
فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] بِيعَ رَحْلُ بَنِي جَهِيرٍ وَدُورُهُمْ بِبَابِ الْعَامَّةِ، وَوَصَلَ ثَمَنُ ذَلِكَ إِلَى مُؤَيَّدِ الْمُلْكِ، ثُمَّ قُتِلَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ مُؤَيَّدُ الْمُلْكِ وَبِيعَ مَالُهُ وَبَرْكُهُ، وَأُخِذَ الْجَمِيعُ وَحُمِلَ إِلَى الْوَزِيرِ الْأَعَزِّ، وَقُتِلَ الْوَزِيرُ الْأَعَزُّ، هَذِهِ السَّنَةَ، وَبِيعَ رَحْلُهُ، وَاقْتُسِمَتْ أَمْوَالُهُ، وَأَخَذَ السُّلْطَانُ وَمَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ أَكْثَرَهَا، وَتَفَرَّقَتْ أَيْدِي سَبَا، وَهَذَا عَاقِبَةُ خِدْمَةِ الْمُلُوكِ.
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ إِيلْغَازِي وَعَامَّةِ بَغْدَاذَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَجَبٍ، كَانَتْ فِتْنَةٌ شَدِيدَةٌ بَيْنَ عَسْكَرِ الْأَمِيرِ إِيلْغَازِي بْنِ أُرْتُقَ، شِحْنَةِ بَغْدَاذَ، وَبَيْنَ عَامَّتِهَا.
وَسَبَبُهَا أَنَّ إِيلْغَازِي كَانَ بِطَرِيقِ خُرَاسَانَ، فَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ، لَمَّا وَصَلَ أَتَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى دِجْلَةَ، فَنَادَوْا مَلَّاحًا لِيَعْبُرَ بِهِمْ، فَتَأَخَّرَ، فَرَمَاهُ أَحَدُهُمْ بِنُشَّابَةٍ، فَوَقَعَتْ فِي مَشْعَرِهِ فَمَاتَ، فَأَخَذَ الْعَامَّةُ الْقَاتِلَ، وَقَصَدُوا بَابَ النُّوبِيِّ، فَلَقِيَهُمْ وَلَدُ إِيلْغَازِي مَعَ جَمَاعَةٍ، فَاسْتَنْقَذُوهُ، وَرَجَمَهُمُ الْعَامَّةُ بِسُوقِ الثُّلَاثَاءِ، فَمَضَى إِلَى أَبِيهِ مُسْتَغِيثًا، فَأَخَذَ حَاجِبُ الْبَابِ مَنْ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ عَمَلٌ فَلَمْ يُقْنِعْ إِيلْغَازِي ذَلِكَ، فَعَبَرَ بِأَصْحَابِهِ إِلَى مَحَلَّةِ الْمَلَّاحِينَ، الْمَعْرُوفَةِ بِمُرَبَّعَةِ الْقَطَّانِينَ، وَيَتْبَعُهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ فَنَهَبُوا مَا وَجَدُوا وَقَدَرُوا عَلَيْهِ، فَعَطَفَ عَلَيْهِمُ الْعَيَّارُونَ فَقَتَلُوا أَكْثَرَهُمْ.
وَنَزَلَ مَنْ سَلِمَ فِي السُّفُنِ لِيَعْبُرُوا دِجْلَةَ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوهَا أَلْقَى الْمَلَّاحُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي
стр. 4993
الْمَاءِ وَتَرَكُوهُمْ فَغَرِقُوا، فَكَانَ الْغَرِيقُ أَكْثَرَ مِنَ الْقَتِيلِ، وَجَمَعَ إِيلْغَازِي التُّرْكُمَانَ، وَأَرَادَ نَهْبَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ قَاضِي الْقُضَاةِ، وَإِلْكَيَّا الْهَرَّاسَ، الْمُدَرِّسَ بِالنِّظَامِيَّةِ، فَمَنَعَاهُ مِنْ ذَلِكَ، فَامْتَنَعَ.
ذِكْرُ قَصْدِ صَاحِبِ الْبَصْرَةِ مَدِينَةَ وَاسِطَ وَعَوْدِهِ عَنْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ، قَصَدَ الْأَمِيرُ إِسْمَاعِيلُ، صَاحِبُ الْبَصْرَةِ، مَدِينَةَ وَاسِطَ لِلِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا.
وَنَحْنُ نَبْتَدِئُ بِذِكْرِ إِسْمَاعِيلَ، وَتَنَقُّلِ الْأَحْوَالِ بِهِ إِلَى أَنَّ مَلَكَ الْبَصْرَةَ، وَهُوَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَلَانْجِقَ، وَكَانَ إِلَيْهِ فِي أَيَّامِ مَلِكْشَاهْ شِحْنَكِيَّةُ الرَّيِّ، وَلَمَّا وَلِيَهَا كَانَ أَهْلُ الرَّيِّ وَالرُّسْتَاقِيَّةُ قَدْ أَعْيَوْا مَنْ وَلِيَهُمْ، وَعَجَزَ الْوُلَاةُ عَنْهُمْ، فَسَلَكَ مَعَهُمْ طَرِيقًا أَصْلَحَهُمْ بِهَا، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً فَتَهَذَّبُوا بِهَا، وَأَرْسَلَ مِنْ شُعُورِهِمْ إِلَى السُّلْطَانِ مَا عَمِلَ مِنْهُ مَقَاوِدَ وَشُكُلًا لِلدَّوَابِّ، ثُمَّ عُزِلَ عَنْهَا.
ثُمَّ إِنَّ السُّلْطَانَ بَرْكِيَارُقَ أَقْطَعَ الْبَصْرَةَ لِلْأَمِيرِ قُمَاجَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا هَذَا الْأَمِيرُ إِسْمَاعِيلَ نَائِبًا عَنْهُ فَلَمَّا فَارَقَ قُمَاجُ بَرْكِيَارُقَ، وَانْتَقَلَ إِلَى خُرَاسَانَ، حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِالتَّغَلُّبِ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَالِاسْتِبْدَادِ، فَانْحَدَرَ مُهَذَّبُ الدَّوْلَةِ بْنُ أَبِي الْجَبْرِ مِنَ الْبَطِيحَةِ إِلَيْهِ لِيُحَارِبَهُ، وَمَعَهُ مَعْقِلُ بْنُ صَدَقَةَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْأَسَدِيُّ، صَاحِبُ الْجَزِيرَةِ الدُّبَيْسِيَّةِ، فَأَقْبَلَا فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ السُّفُنِ وَالْخَيْلِ، وَوَصَلُوا إِلَى مَطَارَا.
فَبَيْنَمَا مَعْقِلٌ يُقَاتِلُ قَرِيبًا مِنَ الْقَلْعَةِ الَّتِي بَنَاهَا يَنَّالُ بِمَطَارَا، وَجَدَّدَهَا إِسْمَاعِيلُ وَأَحْكَمَهَا، أَتَاهُ سَهْمٌ غَرِبٌ فَقَتَلَهُ، فَعَادَ ابْنُ أَبِي الْجَبْرِ إِلَى الْبَطِيحَةِ، وَأَخَذَ إِسْمَاعِيلُ سُفُنَهُ، وَذَلِكَ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، فَاسْتَمَدَّ ابْنُ أَبِي الْجَبْرِ كُوهْرَائِينَ، فَأَمَدَّهُ بِأَبِي الْحَسَنِ الْهَرَوِيِّ، وَعَبَّاسِ بْنِ أَبِي الْجَبْرِ، فَلَقِيَاهُ، فَكَسَرَهُمَا وَأَسَرَهُمَا، وَأَطْلَقَ عَبَّاسًا عَلَى مَالٍ أَرْسَلَهُ أَبُوهُ، وَاصْطَلَحَا.
وَأَمَّا الْهَرَوِيُّ فَبَقِيَ فِي حَبْسِهِ مُدَّةً، ثُمَّ أَطْلَقَهُ عَلَى خَمْسَةِ آلَافِ دِينَارٍ، فَلَمْ يَصِحَّ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ.
وَقَوِيَ حَالُ إِسْمَاعِيلَ، فَبَنَى قَلْعَةً بِالْأُبُلَّةِ، وَقَلْعَةً بِالشَّاطِئِ مُقَابِلَ مَطَارَا، وَصَارَ
стр. 4994
مَخُوفَ الْجَانِبِ وَأَمِنَ الْبَصْرِيُّونَ بِهِ، وَأَسْقَطَ شَيْئًا مِنَ الْمُكُوسِ، وَاتَّسَعَتْ إِمَارَتُهُ بِاشْتِغَالِ السَّلَاطِينِ، وَمَلَكَ الْمَشَانَ، وَاسْتَضَافَهَا إِلَى مَا بِيَدِهِ.
فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ كَاتَبَهُ بَعْضُ عَسْكَرِ وَاسِطَ بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، فَقَوِيَ طَمَعُهُ فِي وَاسِطَ، فَأَصْعَدَ فِي السُّفُنِ إِلَى نَهْرَابَانَ، وَرَاسَلَهُمْ فِي التَّسْلِيمِ، فَامْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ، وَقَالُوا: رَاسَلْنَاكَ، وَقَدْ رَأَيْنَا غَيْرَ ذَلِكَ الرَّأْيِ. فَأَصْعَدَ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَخَيَّمَ تَحْتَ النَّخِيلِ، وَسُفُنُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَخَيَّمَ جُنْدُ وَاسِطَ حِذَاءَهُ، وَرَاسَلَهُمْ، وَوَعَدَهُمْ، وَهُمْ لَا يُجِيبُونَهُ.
وَاتَّفَقَتِ الْعَامَّةُ مَعَ الْجُنْدِ، وَشَتَمُوهُ أَقْبَحَ شَتْمٍ، فَلَمَّا أَيِسَ مِنْهُمْ عَادَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَسَارُوا بِإِزَائِهِ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَوَصَلَ إِلَى الْعَمَرِ، وَعَبَّرَ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ فَوْقَ الْبَلَدِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الْبَلَدَ خَالٍ، وَأَنَّ النَّاسَ قَدْ خَرَجُوا مِنْهُ لِمَا رَأَى كَثْرَةَ مَنْ بِإِزَائِهِ، فَيُوقِعُ الْحَرِيقَ فِي الْبَلَدِ، فَإِذَا رَجَعَ الْأَتْرَاكُ عَادَ هُوَ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَكَانَ ظَنُّهُ خَائِبًا لِأَنَّ الْعَامَّةَ كَانُوا عَلَى دِجْلَةَ، وَأَوَّلُهُمْ فِي الْبَلَدِ، وَآخِرُهُمْ مَعَ الْأَتْرَاكِ بِإِزَائِهِ.
فَلَمَّا عَبَرَ أَصْحَابُهُ عَادَ الْأَتْرَاكُ عَلَيْهِمْ وَمَعَهُمُ الْعَامَّةُ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَأَسَرُوا خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَلْقَى الْبَاقُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَاءِ، فَأَتَاهُ مِنْ ذَلِكَ مُصِيبَةٌ لم يَظُنَّهَا، وَصَارَ أَعْيَانُ أَصْحَابِهِ مَأْسُورِينَ، وَعَادَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَكَانَ عَوْدُهُ مِنْ سَعَادَتِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ قَصَدَ الْأَمِيرُ أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُضَرَ بْنِ مَحْمُودٍ (الْبَصْرَةَ ذَلِكَ الْوَقْتَ) ، وَلَهُ أَعْمَالٌ وَاسِعَةٌ، مِنْهَا: نِصْفُ عُمَانَ، وَجَنَّابَةُ، وَسِيرَافُ، وَجَزِيرَةُ بَنِي نَفِيسٍ.
وَكَانَ سَبَبُ قَصْدِهِ إِيَّاهَا أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَارَ مَعَ إِسْمَاعِيلَ إِنْسَانٌ يُعْرَفُ بِجَعْفَرْكَ، وَآخِرٌ اسْمُهُ زَنْجَوَيْهِ، وَالثَّالِثُ بِأَبِي الْفَضْلِ الْأُبُلِّيِّ، فَأَطْمَعُوهُ فِي أَنْ يَعْمَلَ مَرَاكِبَ يُرْسِلُ فِيهَا مُقَاتِلَةً فِي الْبَحْرِ إِلَى أَبِي سَعْدٍ هَذَا وَغَيْرِهِ، فَعَمِلَ نَيِّفًا وَعِشْرِينَ قِطْعَةً، فَلَمَّا عَلِمَ أَبُو سَعْدٍ الْحَالَ أَرْسَلَ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنْ أَصْحَابِهِ فِي نَحْوِ خَمْسِينَ قِطْعَةً، فَأَتَوْا إِلَى دِجْلَةَ الْبَصْرَةِ وَذَلِكَ فِي السَّنَةِ الْخَالِيَةِ، فَأَقَامُوا بِهَا مُحَارِبِينَ، وَظَفِرُوا بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ إِسْمَاعِيلَ،
стр. 4995
وَقَتَلُوا صَاحِبَ قَلْعَةِ الْأُبُلَّةِ، وَكَاتَبُوا بَنِي بُرْسُقَ بِخُوزِسْتَانَ يَطْلُبُونَ أَنْ يُرْسِلُوا عَسْكَرًا لِيُسَاعِدُوهُمْ عَلَى أَخْذِ الْبَصْرَةِ، فَتَمَادَى الْجَوَابُ، وَرَكَنَ الطَّائِفَتَانِ إِلَى الصُّلْحِ، عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ إِسْمَاعِيلُ جَعْفَرْكَ وَرَفِيقَهُ، وَيُقْطِعَهُمْ مَوَاضِعَ ذَكَرُوهَا مِنْ أَعْمَالِ الْبَصْرَةِ.
فَلَمَّا رَجَعُوا لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَأَخَذَ مَرْكَبَيْنِ لِقَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي سَعْدٍ، فَحَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ سَارَ بِنَفْسِهِ فِي قِطَعٍ كَثِيرَةٍ تَزِيدُ عَلَى مِائَةِ قِطْعَةٍ بَيْنَ كَبِيرَةٍ وَصَغِيرَةٍ، وَوَصَلَ إِلَى فُوَّهَةِ نَهْرِ الْأُبُلَّةِ.
وَخَرَجَ عَسْكَرُ إِسْمَاعِيلَ فِي عِدَّةِ مَرَاكِبَ، وَوَقَعَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، وَكَانَ الْبَحْرِيُّونَ فِي نَحْوِ عَشَرَةِ آلَافٍ، وَإِسْمَاعِيلُ فِي سَبْعِمِائَةٍ، وَأَصْعَدَ الْبَحْرِيُّونَ فِي دِجْلَةَ، فَأَحْرَقُوا عِدَّةَ مَوَاضِعَ، وَتَفَرَّقَ عَسْكَرُ إِسْمَاعِيلَ، فَبَعْضُهُ بِالْأُبُلَّةِ، وَبَعْضُهُ بِنَهْرِ الدَّيْرِ، وَبَعْضُهُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ.
فَلَمَّا ضَعُفَ إِسْمَاعِيلُ عَنْ مُقَاوَمَةِ أَبِي سَعْدٍ طَلَبَ مِنْ وَكِيلِ الْخَلِيفَةِ، عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِدِيوَانِهِ مِنَ الْبِلَادِ، أَنْ يَسْعَى فِي الصُّلْحِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ يَذْكُرُ قُبْحَ مَا عَامَلَهُ بِهِ إِسْمَاعِيلُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَتَكَرَّرَتِ الرَّسَائِلُ بَيْنَهُمْ، فَأَجَابَ إِلَى الصُّلْحِ، فَاصْطَلَحَا، وَاجْتَمَعَا، وَعَادَ أَبُو سَعْدٍ إِلَى بِلَادِهِ، وَحَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ هَدِيَّةً جَمِيلَةً.
ذِكْرُ وَفَاةِ كَرْبُوقَا وَمُلْكِ مُوسَى التُّرْكُمَانِيِّ الْمَوْصِلَ وَجَكَرْمَشَ بَعْدَهُ وَمُلْكِ سُقْمَانَ الْحِصْنَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، تُوُفِّيَ قِوَامُ الدَّوْلَةِ كَرْبُوقَا، عِنْدَ مَدِينَةِ خُوَيٍّ، وَكَانَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ قَدْ أَرْسَلَهُ فِي الْعَامِ الْمَاضِي إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَاسْتَوْلَى عَلَى أَكْثَرِهَا وَأَتَى إِلَى خُوَيٍّ، فَمَرِضَ بِهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَانَ مَعَهُ أَصْبَهْبَذُ صَبَاوَةُ بْنُ خُمَارَتِكِينَ، وَسُنْقُرْجَهْ، فَوَصَّى إِلَى سُنْقُرْجَهْ، وَأَمَرَ الْأَتْرَاكَ بِطَاعَتِهِ، وَأَخَذَ لَهُ عَلَى عَسْكَرِهِ الْعَهْدَ، وَمَاتَ عَلَى أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ مِنْ خُوَيٍّ، وَلُفَّ فِي زَلِيَّةٍ لِعَدَمِ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ وَدُفِنَ بِخُوَيٍّ.
وَسَارَ سُنْقُرْجَهْ وَأَكْثَرُ الْعَسْكَرِ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَتَسَلَّمَهَا، فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ
стр. 4996
أَعْيَانُ الْمَوْصِلِ قَدْ كَاتَبُوا مُوسَى التُّرْكُمَانِيَّ، وَهُوَ بِحِصْنِ كِيفَا يَنُوبُ عَنْ كَرْبُوقَا فِيهَا، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُبَادِرَ إِلَيْهِمْ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ الْبَلَدَ، فَسَارَ مُجِدًّا، فَسَمِعَ سُنْقُرْجَهْ بِوُصُولِهِ، فَظَنَّ أَنَّهُ جَاءَ إِلَيْهِ خِدْمَةً لَهُ، فَخَرَجَ لِيَسْتَقْبِلَهُ فِي أَهْلِ الْبَلَدِ، فَلَمَّا تَقَارَبَا نَزَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ عَنْ فَرَسِهِ، وَاعْتَنَقَهُ، وَبَكَيَا عَلَى قِوَامِ الدَّوْلَةِ، فَتَسَايَرَا.
فَقَالَ سُنْقُرْجَهْ لِمُوسَى فِي جُمْلَةِ حَدِيثِهِ: أَنَا مَقْصُودِي مِنْ جَمِيعِ مَا كَانَ لِصَاحِبِنَا الْمِخَدَّةُ، وَالْمَنْصِبُ، وَالْأَمْوَالُ، وَالْوِلَايَاتُ لَكُمْ وَبِحُكْمِكُمْ.
فَقَالَ مُوسَى: مَنْ نَحْنُ حَتَّى يَكُونَ لَنَا مَنَاصِبُ وَدُسُوتٌ؟ الْأَمْرُ فِي هَذَا إِلَى السُّلْطَانِ يُرَتِّبُ فِيهِ مَنْ يُرِيدُ، وَيُوَلِّي مَنْ يَخْتَارُ.
وَجَرَى بَيْنَهُمَا مُحَاوَرَاتٌ، فَجَذَبَ سُنْقُرْجَهْ سَيْفَهَ وَضَرَبَهُ صَفْحًا عَلَى رَأْسِهِ فَجَرَحَهُ، فَأَلْقَى مُوسَى نَفْسَهُ إِلَى الْأَرْضِ، وَجَذَبَ سُنْقُرْجَهْ فَأَلْقَاهُ إِلَى الْأَرْضِ، وَكَانَ مَعَ مُوسَى وَلَدُ مَنْصُورِ بْنِ مَرْوَانَ الَّذِي كَانَ أَبُوهُ صَاحِبَ دِيَارِ بَكْرٍ، فَجَذَبَ سِكِّينًا وَضَرَبَ بِهَا رَأَسَ سُنْقُرْجَهْ فَأَبَانَهُ، وَدَخَلَ مُوسَى الْبَلَدَ، وَخَلَعَ عَلَى أَصْحَابِ سُنْقُرْجَهْ، وَطَيَّبَ نُفُوسَهُمْ فَصَارَتِ الْوِلَايَةُ لَهُ.
وَلَمَّا سَمِعَ شَمْسُ الدَّوْلَةِ جَكَرْمِشُ، صَاحِبُ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، الْخَبَرَ قَصَدَ نَصِيبِينَ وَتَسَلَّمَهَا، وَسَارَ مُوسَى قَاصِدًا الْجَزِيرَةَ، فَلَمَّا قَارَبَ جَكَرْمِشَ غَدَرَ بِمُوسَى عَسْكَرُهُ، وَصَارُوا مَعَ جَكَرْمِشَ، فَعَادَ مُوسَى إِلَى الْمَوْصِلِ، وَقَصَدَهُ جَكَرْمِشُ، وَحَصَرَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَاسْتَعَانَ مُوسَى بِالْأَمِيرِ سُقْمَانَ بْنَ أُرْتُقَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِدِيَارِ بَكْرٍ، وَأَعْطَاهُ حِصْنَ كِيفَا وَعَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، فَسَارَ سُقْمَانَ إِلَيْهِ، فَرَحَلَ جَكَرْمِشُ عَنْهُ.
وَخَرَجَ مُوسَى لِاسْتِقْبَالِ سُقْمَانَ، فَلَمَّا كَانَ مُوسَى عِنْدَ قَرْيَةٍ تُسَمَّى كَرَاثَا، وَثَبَ عَلَيْهِ عِدَّةٌ مِنَ الْغِلْمَانِ الْقِوَامِيَّةِ، فَقَتَلُوهُ: رَمَاهُ أَحَدُهُمْ بِنُشَّابَةٍ فَقَتَلَهُ، فَعَادَ أَصْحَابُهُ مُنْهَزِمِينَ، وَدُفِنَ عَلَى تَلٍّ هُنَاكَ يُعْرَفُ الْآنَ بِتَلِّ مُوسَى، وَرَجَعَ الْأَمِيرُ سُقْمَانُ إِلَى الْحِصْنِ، فَمَلَكَهَا وَهِيَ بِيَدِ أَوْلَادِهِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، سَنَةَ عِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَصَاحِبُهَا حِينَئِذٍ غَازِي بْنُ قُرَا أَرْسِلَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ سُقْمَانَ بْنِ أُرْتُقَ.
стр. 4997
وَقَصَدَ جَكَرْمِشُ الْمَوْصِلَ وَحَصَرَهَا أَيَّامًا، ثُمَّ تَسَلَّمَهَا صُلْحًا، وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ فِيهَا، وَأَخَذَ الْقِوَامِيَّةَ الَّذِينَ قَتَلُوا مُوسَى، فَقَتَلَهُمْ وَاسْتَوْلَى بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْخَابُورِ، وَمَلَكَ الْعَرَبَ وَالْأَكْرَادَ، فَأَطَاعُوهُ.
ذِكْرُ حَالِ صَنْجِيلَ الْفِرِنْجِيِّ وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي حِصَارِ طَرَابُلُسَ
كَانَ صَنْجِيلُ الْفِرِنْجِيُّ، لَعَنَهُ اللَّهُ، قَدْ لَقِيَ قِلْجَ أَرْسِلَانَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ قُتُلْمِشَ، صَاحِبَ قُونِيَةَ، وَكَانَ صَنْجِيلُ فِي مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَكَانَ قِلْجُ أَرْسِلَانَ فِي عَدَدٍ قَلِيلٍ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ وَقُتِلَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، وَأُسِرَ كَثِيرٌ وَعَادَ قِلْجُ أَرْسِلَانَ بِالْغَنَائِمِ، وَالظَّفَرِ الَّذِي لَمْ يَحْسَبُهُ.
وَمَضَى صَنْجِيلُ مَهْزُومًا فِي ثَلَاثِمِائَةٍ، فَوَصَلَ إِلَى الشَّامِ، فَأَرْسَلَ فَخْرُ الْمُلْكِ بْنُ عَمَّارٍ، صَاحِبُ طَرَابُلُسَ، إِلَى الْأَمِيرِ يَاخِزَ، خَلِيفَةِ جَنَاحِ الدَّوْلَةِ عَلَى حِمْصَ، فَإِلَى الْمَلِكِ دُقَاقَ بْنِ تُتُشٍ، يَقُولُ: مِنَ الصَّوَابِ أَنْ يُعَاجَلَ صَنْجِيلُ إِذْ هُوَ فِي هَذِهِ الْعِدَّةِ الْقَرِيبَةِ، فَخَرَجَ الْأَمِيرُ يَاخِزُ بِنَفْسِهِ، وَسَيَّرَ دُقَاقُ أَلْفَيْ مُقَاتِلٍ، وَأَتَتْهُمُ الْأَمْدَادُ مِنْ طَرَابُلُسَ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى بَابِ طَرَابُلُسَ، وَصَافُّوا صَنْجِيلُ هُنَاكَ، فَأَخْرَجَ مِائَةً مِنْ عَسْكَرِهِ إِلَى أَهْلِ طَرَابُلُسَ، وَمِائَةً إِلَى عَسْكَرِ دِمَشْقَ، وَخَمْسِينَ إِلَى عَسْكَرِ حَمْصَ، وَبَقِيَ هُوَ فِي خَمْسِينَ.
فَأَمَّا عَسْكَرُ حِمْصَ فَإِنَّهُمُ انْكَسَرُوا عِنْدَ الْمُشَاهَدَةِ، وَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ، وَتَبِعَهُمْ عَسْكَرُ دِمَشْقَ.
وَأَمَّا أَهْلُ طَرَابُلُسَ فَإِنَّهُمْ قَاتَلُوا الْمِائَةَ الَّذِينَ قَاتَلُوهُمْ فَلَمَّا شَاهَدَ ذَلِكَ صَنْجِيلُ حَمَلَ فِي الْمِائَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ، فَكَسَرُوا أَهْلَ طَرَابُلُسَ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ سَبْعَةَ آلَافِ رَجُلٍ، وَنَازَلَ صَنْجِيلُ طَرَابُلُسَ وَحَصَرَهَا.
стр. 4998
وَأَتَاهُ أَهْلُ الْجَبَلِ فَأَعَانُوهُ عَلَى حِصَارِهَا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ السَّوَادِ، وَأَكْثَرُهُمْ نَصَارَى، فَقَاتَلَ مَنْ بِهَا أَشَدَّ قِتَالٍ، فَقُتِلَ مِنَ الْفِرِنْجِ ثَلَاثُمِائَةٍ، ثُمَّ إِنَّهُ هَادَنَهُمْ عَلَى مَالٍ وَخَيْلٍ، فَرَحَلَ عَنْهُمْ إِلَى مَدِينَةِ أَنْطَرْسُوسَ، وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ طَرَابُلُسَ، فَحَصَرَهَا، وَفَتَحَهَا، وَقَتَلَ مَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَرَحَلَ إِلَى حِصْنِ الطُّوبَانِ وَهُوَ يُقَارِبُ رَفَنِيَّةَ، وَمُقَدَّمُهُ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْعَرِيضِ، فَقَاتَلَهُمْ، فَنُصِرَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحِصْنِ، وَأَسَرَ ابْنُ الْعَرِيضِ مِنْهُ فَارِسًا مِنْ أَكَابِرِ فُرْسَانِهِ، فَبَذَلَ صَنْجِيلُ فِي فِدَائِهِ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ وَأَلْفَ أَسِيرٍ، فَلَمْ يُجِبْهُ ابْنُ الْعَرِيضِ إِلَى ذَلِكَ.
стр. 4999
ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ الْفِرِنْجُ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَطْلَقَ الدَّانِشْمَنْدُ بِيمُنْدَ الْفِرِنْجِيَّ، صَاحِبَ أَنْطَاكِيَةَ، وَكَانَ قَدْ أَسَرَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، وَأَخَذَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ إِطْلَاقَ ابْنَةِ يَاغِي سِيَانَ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ أَنْطَاكِيَةَ، وَكَانَتْ فِي أَسْرِهِ.
وَلَمَّا خَلُصَ بِيمُنْدُ مِنْ أَسْرِهِ عَادَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، فَقَوِيَتْ نُفُوسُ أَهْلِهَا بِهِ، وَلَمْ يَسْتَقِرْ حَتَّى أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ الْعَوَاصِمِ وَقِنَّسْرِينَ وَمَا جَاوَرَهَا يُطَالِبُهُمْ بِالْإِتَاوَةِ، فَوَرَدَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَلِكَ مَا طَمَسَ الْمَعَالِمَ الَّتِي بَنَاهَا الدَّانِشْمَنْدُ.
وَفِيهَا سَارَ صَنْجِيلُ إِلَى حِصْنِ الْأَكْرَادِ فَحَصَرَهُ، فَجَمَعَ جَنَاحُ الدَّوْلَةِ عَسْكَرَهُ لِيَسِيرَ إِلَيْهِ وَيَكْبِسَهُ، فَقَتَلَهُ بَاطِنِيٌّ بِالْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، فَقِيلَ: إِنَّ الْمَلِكَ رِضْوَانَ رَبِيبَهُ وَضَعَ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ صَبَّحَ صَنْجِيلُ حِمْصَ مِنَ الْغَدِ، وَنَازَلَهَا، وَحَصَرَ أَهْلَهَا، وَمَلَكَ أَعْمَالَهَا.
وَنَزَلَ الْقُمَّصُ عَلَى عَكَّةَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَضَيَّقَ عَلَيْهَا، وَكَادَ يَأْخُذُهَا، وَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَنْجَنِيقَاتِ وَالْأَبْرَاجَ، وَكَانَ لَهُ فِي الْبَحْرِ سِتَّ عَشْرَةَ قِطْعَةً، فَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ سَائِرِ السَّوَاحِلِ، وَأَتَوْا إِلَى مَنْجَنِيقَاتِهِمْ، وَأَبْرَاجِهِمْ، فَأَحْرَقُوهَا، وَأَحْرَقُوا سُفُنَهُمْ أَيْضًا، وَكَانَ ذَلِكَ نَصْرًا عَجِيبًا أَذَلَّ اللَّهُ بِهِ الْكُفَّارَ.
وَفِيهَا صَارَ الْقُمَّصُ الْفِرِنْجِيُّ، صَاحِبُ الرُّهَا إِلَى بَيْرُوتَ مِنْ سَاحِلِ الشَّامِ، وَحَصَرَهَا وَضَايَقَهَا، وَأَطَالَ الْمُقَامَ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَرَ فِيهَا طَمَعًا فَرَحَلَ عَنْهَا.
وَفِيهَا، فِي رَجَبٍ، خَرَجَتْ عَسَاكِرُ مِصْرَ إِلَى عَسْقَلَانَ لِيَمْنَعُوا الْفِرِنْجَ عَمَّا بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ، فَسَمِعَ بِهِمْ بَرْدَوِيلُ، صَاحِبُ الْقُدْسِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فِي سَبْعِمِائَةِ فَارِسٍ، وَقَاتَلَهُمْ، فَنَصَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ، وَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَانْهَزَمَ بَرْدَوِيلُ، فَاخْتَفَى فِي أَجَمَةِ قَصَبٍ، فَأُحْرِقَتْ تِلْكَ الْأَجَمَةُ، وَلَحِقَتِ النَّارُ بَعْضَ جَسَدِهِ، وَنَجَا مِنْهَا إِلَى الرَّمْلَةِ، فَتَبِعَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَأَحَاطُوا بِهِ فَتَنَكَّرَ، وَخَرَجَ مِنْهَا إِلَى يَافَا، وَكَثُرَ الْقَتْلُ وَالْأَسْرُ فِي أَصْحَابِهِ.
стр. 5000
ذِكْرُ عَوْدِ قَلْعَةِ خُفْتِيذْكَانْ إِلَى سُرْخَابَ بْنِ بَدْرٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَادَتْ قَلْعَةُ خُفْتِيذْكَانْ إِلَى الْأَمِيرِ سُرْخَابَ بْنِ بَدْرِ بْنِ مُهَلْهَلٍ.
وَكَانَ سَبَبُ أَخْذِهَا مِنْهُ أَنَّ الْقُرَّابُلِيَّ، وَهُوَ مِنْ (قَبِيلٍ مِنَ) التُّرْكُمَانِ يُقَالُ لَهُمْ سَلْغُرُ، وَكَانَ قَدْ أَتَى إِلَى بَلَدِ سُرْخَابَ، فَمَنَعَهُ مِنَ الْمَرَاعِي، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، فَمَضَى قُرَّابُلِيُّ إِلَى التُّرْكُمَانِ، وَاسْتَجَاشَ بِهِمْ، وَجَاءَ فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ، فَلَقِيَهُ سُرْخَابُ وَقَاتَلَهُ، فَقَتَلَ قُرَّابُلِيُّ مِنْ أَصْحَابِهِ الْأَكْرَادِ قَرِيبًا مِنْ أَلْفَيْ رَجُلٍ، وَانْهَزَمَ سُرْخَابُ إِلَى بَعْضِ جِبَالِهِ فِي عِشْرِينَ رَجُلًا.
فَلَمَّا سَمِعَ الْمُسْتَحْفِظَانِ بِقَلْعَةِ خُفْتِيذْكَانَ ذَلِكَ، وَكَانَا رَجُلَيْنِ حَدَّثَتْهُمَا أَنْفُسُهُمَا بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا، وَكَانَ بِهَا ذَخَائِرُهُ، وَأَمْوَالُهُ، وَقَدْرُهَا يَزِيدُ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، فَتَمَلَّكَاهَا، وَاجْتَازَ بِهَا السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ، فَأَنْفَذَا إِلَيْهِ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَاسْتَوْلَى التُّرْكُمَانُ عَلَى جَمِيعِ بِلَادِ سُرْخَابَ بْنِ بَدْرٍ، سِوَى دَقُوقَا وشَهْرَزُورَ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْوَقْتُ قَتَلَ أَحَدُ الْمُسْتَحْفِظِينَ الْآخَرَ، وَأَرْسَلَ إِلَى سُرْخَابَ يَطْلُبُ مِنْهُ الْأَمَانَ لِيُسَلِّمَ إِلَيْهِ الْقَلْعَةَ، فَأَمَّنَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَى مَا حَصَلَ بِيَدِهِ مِنْ أَمْوَالِهَا، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ وَوَفَّى لَهُ.
ذِكْرُ قَتْلِ قَدَرْخَانَ صَاحِبِ سَمَرْقَنْدَ
قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ قُدُومَ الْمَلِكِ سَنْجَرَ مَعَ أَخِيهِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ إِلَى بَغْدَاذَ وَعَوْدَهُ إِلَى خُرَاسَانَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى نَيْسَابُورَ خَطَبَ لِأَخِيهِ مُحَمَّدٍ بِخُرَاسَانَ جَمِيعِهَا، وَلَمَّا كَانَ بِبَغْدَاذَ طَمَعَ قَدَرْخَانُ جِبْرِيلُ بْنُ عُمَرَ، صَاحِبُ سَمَرْقَنْدَ، فِي خُرَاسَانَ لِبُعْدِهِ عَنْهَا، وَجَمَعَ عَسَاكِرَ تَمْلَأُ الْأَرْضَ، قِيلَ: كَانُوا مِائَةَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ وَكُفَّارٌ، وَقَصَدَ بِلَادَ سَنْجَرَ.
وَكَانَ أَمِيرٌ مِنْ أُمَرَاءِ سَنْجَرَ، اسْمُهُ كُنْدُغْدِي، قَدْ كَاتَبَ قَدَرْخَانَ بِالْأَخْبَارِ، وَأَعْلَمَهُ مَرَضَ سَنْجَرَ، بَعْدَ عَوْدِهِ إِلَى بِلَادِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ أَشَفَى عَلَى الْهَلَاكِ، وَقَوَّى طَمَعَهُ بِالِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ السُّلْطَانَيْنِ بَرْكِيَارُقَ وَمُحَمَّدٍ، وَبِشِدَّةِ عَدَاوَةِ بَرْكِيَارُقَ لِسَنْجَرَ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ
стр. 5001
بِالسُّرْعَةِ مَهْمَا الِاخْتِلَافُ وَاقِعٌ وَأَنَّهُ مَتَى أَسْرَعَ مَلَكَ خُرَاسَانَ وَالْعِرَاقَ. فَبَادَرَ قَدَرْخَانُ وَأَقْدَمَ، وَقَصَدَ الْبِلَادَ، فَبَلَغَ السُّلْطَانَ سَنْجَرَ الْخَبَرُ، وَكَانَ قَدْ عُوفِيَ، فَبَادَرَ وَسَارَ نَحْوَهُ قَاصِدًا قِتَالَهُ وَمَنْعَهُ عَنِ الْبِلَادِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ مَعَهُ كُنْدُغْدِي الْمَذْكُورُ، وَهُوَ لَا يَتَّهِمُهُ بِشَيْءٍ مِمَّا فَعَلَ، فَوَصَلَ إِلَى بَلْخٍ فِي سِتَّةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَبَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَدَرْخَانَ نَحْوُ خَمْسَةِ أَيَّامٍ، فَهَرَبَ كُنْدُغْدِي إِلَى قَدَرْخَانَ، وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ عَلَى الِاتِّفَاقِ وَالْمُنَاصَحَةِ، وَسَارَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى تِرْمِذَ، فَمَلَكَهَا، وَكَانَ الْبَاعِثُ لِلْكُنْدُغْدِي عَلَى مَا فَعَلَ (حَسَدَهُ لِلْأَمِيرِ) بَزْغَشَ عَلَى مَنْزِلَتِهِ.
ثُمَّ تَقَدَّمَ قَدَرْخَانُ، لَمَّا تَدَانَى الْعَسْكَرَانِ أَرْسَلَ سَنْجَرُ يُذَكِّرُ قَدَرْخَانَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ الْقَدِيمَةَ، فَلَمْ يُصْغِ إِلَى قَوْلِهِ، وَأَذْكَى سَنْجَرُ الْعُيُونَ وَالْجَوَاسِيسَ عَلَى قَدَرْخَانَ، فَكَانَ لَا يَخْفَى عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ خَبَرِهِ، فَأَتَاهُ مَنْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ نَزَلَ بِالْقُرْبِ مِنْ بَلْخٍ، وَأَنَّهُ خَرَجَ مُتَصَيِّدًا فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ، فَنَدَبَ سَنْجَرُ، عِنْدَ ذَلِكَ، الْأَمِيرَ بَزْغَشَ لِقَصْدِهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَلَحِقَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَقَاتَلَهُ، فَلَمْ يَصْبِرْ مَنْ مَعَ قَدَرْخَانَ، فَانْهَزَمُوا، وَأَسَرَ كُنْدُغْدِي وقَدَرْخَانَ، وَأَحْضَرَهُمَا عِنْدَ سَنْجَرَ، فَأَمَّا قَدَرْخَانُ فَإِنَّهُ قَبَّلَ الْأَرْضَ وَاعْتَذَرَ، فَقَالَ لَهُ سَنْجَرُ: إِنْ خَدَمْتَنَا، أَوْ لَمْ تَخْدِمْنَا، فَمَا جَزَاؤُكَ إِلَّا السَّيْفُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ.
فَلَمَّا سَمِعَ كُنْدُغْدِي الْخَبَرَ نَجَا بِنَفْسِهِ، وَنَزَلَ فِي قَنَاةٍ، وَمَشَى فِيهَا فَرْسَخَيْنِ تَحْتَ الْأَرْضِ، عَلَى مَا بِهِ مِنَ النِّقْرِسِ، وَقَتَلَ فِيهَا حَيَّتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ، وَسَبَقَ أَصْحَابَهُ إِلَى مَخْرَجِهَا، وَسَارَ مِنْهَا فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ إِلَى غَزْنَةَ.
وَقِيلَ: بَلْ جَمَعَ سَنْجَرُ عَسَاكِرَ كَثِيرَةً، وَالْتَقَى هُوَ وقَدَرْخَانُ، (وَجَرَى بَيْنَهُمَا مَصَافٌّ، وَقِتَالٌ عَظِيمٌ، أَكْثَرَ فِيهِ الْقَتْلَ فِيهِمْ، فَانْهَزَمَ قَدَرْخَانُ) وَعَسْكَرُهُ، وَحُمِلَ أَسِيرًا إِلَى سَنْجَرَ، فَقَتَلَهُ، وَحَصَرَ تِرْمِذَ، وَبِهَا كُنْدُغْدِي، فَطَلَبَ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُ سَنْجَرُ، وَنَزَلَ إِلَيْهِ، وَسَلَّمَ تِرْمِذَ، فَأَمَرَهُ سَنْجَرُ بِمُفَارَقَةِ بِلَادِهِ، فَسَارَ إِلَى غَزْنَةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا أَكْرَمَهُ صَاحِبُهَا عَلَاءُ الدَّوْلَةِ، وَحَلَّ عِنْدَهُ الْمَحَلَّ الْكَبِيرَ.
стр. 5002
وَاتَّفَقَ أَنَّ صَاحِبَ غَزْنَةَ عَزَمَ عَلَى قَصْدِ أَوَتَانَ، وَهِيَ جِبَالٌ مَنِيعَةٌ، عَلَى أَرْبَعِينَ فَرْسَخًا مِنْ غَزْنَةَ، وَقَدْ عَصَى عَلَيْهِ فِيهَا قَوْمٌ، وَتَحَصَّنُوا بِمَعَاقِلِهَا، وَوُعُورِ مَسَالِكِهَا، فَقَاتَلَهُمْ عَسْكَرُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ، فَلَمْ يَظْفَرُوا مِنْهُمْ بِطَائِلٍ، فَتَقَدَّمَ كُنْدُغْدِي مُنْفَرِدًا عَنْهُمْ فَأَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا، وَنُصِرَ عَلَيْهِمْ، وَأَخَذَ غَنَائِمَهُمْ، وَحَمَلَهَا إِلَى عَلَاءِ الدَّوْلَةِ، فَلَمْ يَقْبَلُ مِنْهَا شَيْئًا، وَوَفَّرَهَا عَلَيْهِ، فَغَضِبَ الْعَسْكَرُ، وَحَسَدُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى قُرْبِهِ مِنْ صَاحِبِهِمْ، وَنِفَاقِهِ عَلَيْهِ، فَأَشَارُوا بِقَبْضِهِ، وَقَالُوا: إِنَّا لَا نَأْمَنُ أَنْ يَقْصِدَ بَعْضَ الْأَمَاكِنِ فَيَفْعَلُ فِي أَمْرِ الدَّوْلَةِ مَا لَا يُمْكِنُ تَلَافِيهِ. فَقَالَ: قَدْ تَحَقَّقْتُ قَصْدَكُمْ، وَلَكِنْ بِمَنْ أَقْبِضُ عَلَيْهِ؟ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ آمُرَكُمْ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ، فَيَنَالَكُمْ مِنْهُ مَا تَفْتَضِحُونَ بِهِ، فَقَالُوا: الصَّوَابُ أَنْ تُوَلِّيَهُ وِلَايَةً وَيُقْبَضُ عَلَيْهِ إِذَا سَارَ إِلَيْهَا. فَوَلَّاهُ حِصْنَيْنِ جَرَتْ عَادَتُهُ أَنْ يَسْجُنَ فِيهِمَا مَنْ يَخَافُ جَانِبَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِمَا.
فَلَمَّا قَارَبَهُمَا عَرِفَ مَا يُرَادُ مِنْهُ، فَأَحْرَقَ جَمِيعَ مَالِهِ، وَنَحْوَ جِمَالِهِ، وَسَارَ جَرِيدَةً، وَكَانَ فِي مُدَّةِ مُقَامِهِ بِغَزْنَةَ يَسْأَلُ عَنِ الطُّرُقِ وَتَشَّعُّبِهَا، فَإِنَّهُ نَدِمَ عَلَى قَصْدِ تِلْكَ الْجِهَةِ، فَلَمَّا سَارَ سَأَلَ رَاعِيًا عَنِ الطَّرِيقِ الَّتِي يُرِيدُهَا، فَدَلَّهُ، فَأَخَذَهُ مَعَهُ خَوْفًا أَنْ يَكُونَ قَدْ غَرَّهُ، وَلَمْ يَزَلْ سَائِرًا إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى قَرِيبِ هَرَاةَ، فَمَاتَ هُنَاكَ، وَهُوَ مِنْ مَمَالِيكِ تُتُشَ بْنِ أَلْبِ أَرْسِلَانَ الَّذِي كَحَلَهُ أَخُوهُ مَلِكْشَاهْ، وَسَجَنَهُ بِتِكْرِيتَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ حَادِثَتِهِ.
ذِكْرُ مُلْكِ مُحَمَّدْ خَانْ سَمَرْقَنْدَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَحْضَرَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ مُحَمَّدًا أَرْسَلَانَ خَانْ بْنَ سُلَيْمَانَ دَاوُدَ بُغْرَاخَانْ، مِنْ مَرْوَ، وَمَلَّكَهُ سَمَرْقَنْدَ، بَعْدَ قَتْلِ قَدَرْخَانْ، وَكَانَ مُحَمَّدْ خَانْ مِنْ أَوْلَادِ الْخَانِيَّةِ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَأُمُّهُ ابْنَةُ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، فَدَفَعَ عَنْ مُلْكِ آبَائِهِ، فَقَصَدَ مُرْوَ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى الْآنِ.
стр. 5003
فَلَمَّا قُتِلَ قَدَرْخَانُ وَلَّاهُ سَنْجَرُ أَعْمَالَهُ، وَسَيَّرَ مَعَهُ الْعَسَاكِرَ الْكَثِيرَةَ، فَعَبَرُوا النَّهْرَ، فَأَطَاعَهُ الْعَسَاكِرُ بِتِلْكَ الْبِلَادِ جَمِيعِهَا، وَعَظُمَ شَأْنُهُ، وَكَثُرَتْ جُمُوعُهُ، إِلَّا أَنَّهُ انْتَصَبَ لَهُ أَمِيرٌ اسْمُهُ هَاغُوبَكُ، وَزَاحَمَهُ فِي الْمُلْكِ، فَطَمَعَ فِيهِ فَجَرَى لَهُ مَعَهُ حُرُوبٌ احْتَاجَ فِي بَعْضِهَا إِلَى الِاسْتِنْجَادِ بِعَسَاكِرِ سَنْجَرَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَمَّا مَلَكَ مُحَمَّدْ خَانْ الْبِلَادَ أَحْسَنَ إِلَى الرَّعَايَا بِوَصِيَّةٍ مِنْ سَنْجَرَ، وَحَقَنَ الدِّمَاءَ، وَصَارَ بَابُهُ مَقْصِدًا، وَجُنَابُهُ مَلْجَأً.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، خَرَجَ تَاجُ الرُّؤَسَاءِ ابْنُ أُخْتِ أَمِينِ الدَّوْلَةِ أَبِي سَعْدِ بْنِ الْمُوصَلَايَا إِلَى الْحِلَّةِ السَّيْفِيَّةِ، مُسْتَجِيرًا بِسَيْفِ الدَّوْلَةِ صَدَقَةَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَزِيرَ الْأَعَزَّ وَزِيرَ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ كَانَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُمِيلُ جَانِبَ الْخَلِيفَةِ إِلَى السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، فَسَارَ خَائِفًا، وَاعْتَزَلَ خَالُهُ أَمِينُ الدَّوْلَةِ الدِّيوَانَ، وَجَلَسَ فِي دَارِهِ، فَلَمَّا قُتِلَ الْوَزِيرُ الْأَعَزُّ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا، عَادَ تَاجُ الرُّؤَسَاءِ مِنَ الْحِلَّةِ إِلَى بَغْدَاذَ، وَعَادَ خَالُهُ إِلَى مَنْصِبِهِ.
وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَيْضًا وَرَدَ الْعَمِيدُ الْمُهَذَّبُ أَبُو الْمَجْدِ، أَخُو الْوَزِيرِ الْأَعَزِّ، إِلَى بَغْدَاذَ، نَائِبًا عَنْ أَخِيهِ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ إِيلْغَازِي لَا يُخَالِفُهُمْ، حَيْثُ كَانَ بَرْكِيَارُقُ وَمُحَمَّدٌ قَدِ اتَّفَقَا، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ إِيلْغَازِي، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ طَاعَةِ مُحَمَّدٍ.
وَفِيهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَرَدَ إِلَى بَغْدَاذَ ابْنُ تُكُشَ بْنِ أَلْبِ أَرْسِلَانَ، وَكَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى الْمَوْصِلِ، فَخَدَعَهُ مَنْ كَانَ بِهَا، حَتَّى سَارَ عَنْهَا إِلَى بَغْدَاذَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا زَوَّجَهُ إِيلْغَازِي بْنُ أُرْتُقَ ابْنَتَهُ.
وَفِيهَا، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، اسْتَوْزَرَ الْخَلِيفَةُ سَدِيدَ الْمُلْكِ أَبَا الْمَعَالِي بْنَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَلُقِّبَ عَضُدَ الدِّينِ.
وَفِيهَا، فِي صَفَرٍ، قَتَلَ الرَّبَعِيُّونَ بِهَيْتَ قَاضِيَ الْبَلَدِ أَبَا عَلِيِّ بْنَ الْمُثَنَّى، وَكَانَ وَرِعًا، فَقِيهًا، حَنَفِيًّا، مِنْ أَصْحَابِ الْقَاضِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّامَغَانِيِّ، وَكَانَ هَذَا الْقَاضِي
стр. 5004
عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْقُضَاةِ هُنَاكَ مِنَ الدُّخُولِ بَيْنَ الْقَبَائِلِ، فَنَسَبُوهُ فِي ذَلِكَ إِلَى التَّحَامُلِ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلَهُ أَحَدُهُمْ، فَنَدِمَ الْبَاقُونَ عَلَى قَتْلِهِ وَقَدْ فَاتَ الْأَمْرُ.
وَفِيهَا بَنَى سَيْفُ الدَّوْلَةِ صَدَقَةُ بْنُ مَزْيَدٍ الْحِلَّةَ بِالْجَامِعَيْنِ، وَسَكَنَهَا، وَإِنَّمَا كَانَ يَسْكُنُ هُوَ وَآبَاؤُهُ قَبْلَهُ فِي الْبُيُوتِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَفِي جُمَادَى الْأُولَى قُتِلَ الْمُؤَيَّدُ بْنُ شَرَفِ الدَّوْلَةِ مُسْلِمُ بْنُ قُرَيْشٍ أَمِيرُ بَنِي عُقَيْلٍ، قَتَلَهُ بَنُو نُمَيْرٍ عِنْدَ هَيْتَ قِصَاصًا.
[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي الْبَنْدَنِيجِيُّ الضَّرِيرُ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، انْتَقَلَ إِلَى مَكَّةَ، فَجَاوَرَ بِهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً يُدَرِّسُ الْفِقْهَ، وَيُسْمِعُ الْحَدِيثَ، وَيَشْتَغِلُ بِالْعِبَادَةِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّبَرِيُّ بِأَصْبَهَانَ، وَكَانَ يُدَرِّسُ فِقْهَ الشَّافِعِيِّ بِالْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ، وَقَدْ جَاوَزَ تِسْعِينَ سَنَةً، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي إِسْحَاقَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ مَنْظُورُ بْنُ عِمَارَةَ الْحُسَيْنِيُّ، أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، عَلَى سَاكِنِهَا السَّلَامُ، وَقَامَ وَلَدُهُ مَقَامَهُ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ الْمُهَنَّا، وَقَدْ كَانَ قَتَلَ الْمِعْمَارَ الَّذِي أَنْفَذَهُ مَجْدُ الْمُلْكِ الْبَلَاسَانِيُّ لِعِمَارَةِ الْقُبَّةِ الَّتِي عَلَى قَبْرِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ، ﵄، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ قُمَّ، فَلَمَّا قُتِلَ الْبَلَاسَانِيُّ قَتَلَهُ مَنْظُورٌ بَعْدَ أَنْ أَمَّنَهُ، وَكَانَ قَدْ هَرَبَ مِنْهُ إِلَى مَكَّةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِأَمَانِهِ.
стр. 5005
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]
٤٩٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ يَنَّالُ عَلَى الرَّيِّ وَأَخْذِهَا مِنْهُ وَوُصُولِهُ إِلَى بَغْدَاذَ
كَانَتِ الْخُطْبَةُ بِالرَّيِّ لِلسُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، فَلَمَّا خَرَجَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ مِنْ أَصْبَهَانَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَمَعَهُ يَنَّالُ بْنُ أَنُوشْتِكِينَ الْحُسَامِيُّ، اسْتَأْذَنَهُ فِي قَصْدِ الرَّيِّ وَإِقَامَةِ الْخُطْبَةِ لَهُ بِهَا، فَأَذِنَ لَهُ، فَسَارَ هُوَ وَأَخُوهُ عَلِيُّ بْنُ أَنُوشْتِكِينَ، فَوَصَلَا إِلَيْهَا فِي صَفَرٍ، فَأَطَاعَ مَنْ بِهَا مِنْ نُوَّابِ بَرْكِيَارُقَ، وَخُطِبَ لِمُحَمَّدٍ بِالرَّيِّ، وَاسْتَوْلَى يَنَّالُ عَلَى الْبَلَدِ، وَعَسَفَ أَهْلَهُ، وَصَادَرَهُمْ بِمِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى النِّصْفِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَوَرَدَ إِلَيْهِ الْأَمِيرُ بُرْسُقُ مِنْ عِنْدِ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، فَوَقَعَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى بَابِ الرَّيِّ، فَانْهَزَمَ يَنَّالُ وَأَخُوهُ عَلِيٌّ.
فَأَمَّا عَلِيٌّ فَعَادَ إِلَى وِلَايَتِهِ قَزْوِينَ، وَسَلَكَ يَنَّالُ الْجِبَالَ، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ كَثِيرٌ، وَتَشَتَّتُوا، فَأَتَى إِلَى بَغْدَاذَ فِي سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ، فَأَكْرَمَهُ الْخَلِيفَةُ، وَاجْتَمَعَ هُوَ وَإِيلْغَازِي وَسُقْمَانُ ابْنَا أُرْتُقَ بِمَشْهَدِ أَبِي حَنِيفَةَ وَتَحَالَفُوا عَلَى مُنَاصَحَةِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَسَارُوا إِلَى سَيْفِ الدَّوْلَةِ صَدَقَةَ، فَحَلَفَ لَهُمْ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ، وَعَادُوا.
ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ يَنَّالُ بِالْعِرَاقِ
قَدْ ذَكَرْنَا وُصُولَ يَنَّالُ بْنُ أَنُوشْتِكِينَ إِلَى بَغْدَاذَ قَبْلُ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِبَغْدَاذَ ظَلَمَ النَّاسَ
стр. 5006
بِالْبِلَادِ جَمِيعًا، وَصَادَرَهُمْ، وَاسْتَطَالَ أَصْحَابُهُ عَلَى الْعَامَّةِ بِالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ وَالتَّقْسِيطِ، وَصَادَرَ الْعُمَّالَ.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ قَاضِيَ الْقُضَاةِ أَبَا الْحَسَنِ الدَّامَغَانِيَّ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَيُقَبِّحُ عِنْدَهُ مَا يَرْتَكِبُهُ مِنَ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَتَرَدَّدَ أَيْضًا إِلَى إِيلْغَازِي، وَكَانَ يَنَّالُ قَدْ تَزَوَّجَ هَذِهِ الْأَيَّامَ بِأُخْتِهِ، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ زَوْجَةَ تَاجِ الدَّوْلَةِ تُتُشَ، حَتَّى تَوَسَّطَ الْأَمْرُ مَعَهُ فَمَضَوْا إِلَيْهِ، وَحَلَّفُوهُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَتَرْكِ ظُلْمِ الرَّعِيَّةِ، وَكَفِّ أَصْحَابِهِ، وَمَنْعِهِمْ، فَحَلَفَ، وَلَمْ يَقِفْ عَلَى الْيَمِينِ، وَنَكَثَ وَدَامَ عَلَى الظُّلْمِ وَسُوءِ السِّيرَةِ.
فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى سَيْفِ الدَّوْلَةِ صَدَقَةَ، وَعَرَّفَهُ مَا يَفْعَلُهُ يَنَّالُ مِنْ نَهْبِ الْأَمْوَالِ، وَسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَحْضُرَ بِنَفْسِهِ لِيَكُفَّ يَنَّالَ، فَسَارَ مِنْ حِلَّتِهِ فِي رَمَضَانَ، وَوَصَلَ بَغْدَاذَ رَابِعَ شَوَّالٍ، وَضَرَبَ خِيَامَهُ بِالنَّجْمِيِّ، وَاجْتَمَعَ هُوَ وَيَنَّالُ، إِيلْغَازِي، وَنُوَّابُ دِيوَانِ الْخَلِيفَةِ، وَتَقَرَّرَتِ الْقَوَاعِدُ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ وَيَرْحَلُ عَنِ الْعِرَاقِ، فَطَلَبَ يَنَّالُ الْمُهْلَةَ، فَعَادَ صَدَقَةُ عَاشِرَ شَوَّالٍ إِلَى حِلَّتِهِ، وَتَرَكَ وَلَدَهُ دُبَيْسًا بِبَغْدَاذَ لِمَنْعِهِ مِنَ الظُّلْمِ وَالتَّعَدِّي عَمَّا اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، فَبَقِيَ يَنَّالُ إِلَى مُسْتَهَلِّ ذِي الْقَعْدَةِ، وَسَارَ إِلَى أَوَانَا، فَنَهَبَ، وَقَطَعَ الطَّرِيقَ، وَعَسَفَ النَّاسَ، وَبَالَغَ فِي الْفِعْلِ الْقَبِيحِ، وَأَقْطَعَ الْقُرَى لِأَصْحَابِهِ، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى صَدَقَةَ فِي ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَسَارُوا إِلَيْهِ وَمَعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْخَلِيفَةِ، وَإِيلْغَازِي، شِحْنَةِ بَغْدَاذَ، فَلَمَّا سَمِعَ يَنَّالُ بِقُرْبِهِمْ مِنْهُ عَبَرَ دِجْلَةَ، وَسَارَ إِلَى بَاجِسْرَى وَشَعَّثَهَا وَقَصَدَ شَهْرَابَانَ، فَمَنَعَهُ أَهْلُهَا، فَقَاتَلَهُمْ، فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى، وَرَحَلَ عَنْهُمْ، وَسَارَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ قَاصِدًا إِلَى السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَعَادَ دُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ، وَإِيلْغَازِي، شِحْنَةُ بَغْدَاذَ، إِلَى مَوَاضِعِهِمْ.
ذِكْرُ وَصُولِ كُمُشْتِكِينُ الْقَيْصَرِيُّ شِحْنَةً إِلَى بَغْدَاذَ وَالْفِتْنَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِيلْغَازِي وَسُقْمَانَ وَصَدَقَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، مُنْتَصَفَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَرَدَ كُمُشْتِكِينُ الْقَيْصَرِيُّ إِلَى بَغْدَاذَ، شِحْنَةً، أَرْسَلَهُ إِلَيْهَا السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي السَّنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ رَحِيلَ بَرْكِيَارُقَ مِنْ
стр. 5007
أَصْبَهَانَ إِلَى هَمَذَانَ، فَلَمَّا وَصَلَهَا أَرْسَلَ إِلَى بَغْدَاذَ كُمُشْتِكِينَ شِحْنَةً فَلَمَّا سَمِعَ إِيلْغَازِي، وَهُوَ شِحْنَةٌ بِبَغْدَاذَ، لِلسُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، أَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ سُقْمَانَ بْنِ أُرْتُقَ، صَاحِبِ حِصْنِ كِيفَا، يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ لِيَعْتَضِدَ بِهِ عَلَى مَنْعِهِ، وَسَارَ إِلَى سَيْفِ الدَّوْلَةِ صَدَقَةَ بِالْحِلَّةِ، وَاجْتَمَعَ بِهِ، وَسَأَلَهُ تَجْدِيدَ عَهْدٍ فِي دَفْعِ مَنْ يَقْصِدُهُ مِنْ جِهَةِ بَرْكِيَارُقَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ وَحَلَفَ لَهُ، فَعَادَ إِيلْغَازِي.
وَوَرَدَ سُقْمَانُ فِي عَسَاكِرَ، وَنَهَبَ فِي طَرِيقِهِ تِكْرِيتَ، وَسَبَبُ تَمَكُّنِهِ مِنْهَا أَنَّهُ أَرْسَلَ جَمَاعَةً مِنَ التُّرْكُمَانِ إِلَى تِكْرِيتَ، وَمَعَهُمْ أَحْمَالُ جُبْنٍ، وَسَمْنٍ وَعَسَلٍ، فَبَاعُوا مَا مَعَهُمْ، وَأَظْهَرُوا أَنَّ سُقْمَانَ قَدْ عَادَ عَنْ الِانْحِدَارِ، فَاطْمَأَنَّ أَهْلُ الْبَلَدِ، وَوَثَبَ التُّرْكُمَانُ، تِلْكَ اللَّيْلَةَ، عَلَى الْحُرَّاسِ فَقَتَلُوهُمْ، وَفَتَحُوا الْأَبْوَابَ، وَوَرَدَ إِلَيْهَا سُقْمَانُ، وَدَخَلَهَا وَنَهَبَهَا، وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَغْدَاذَ نَزَلَ بِالرَّمَلَةِ.
وَأَمَّا كُمُشْتِكِينَ فَوَصَلَ، أَوَّلَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، إِلَى قَرْمِيسِينَ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ لَهُ هَوًى مَعَ بَرْكِيَارُقَ، وَأَعْلَمَهُمْ بِقُرْبِهِ مِنْهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، فَلَقَوْهُ بِالْبَنْدَنِيجَيْنِ، وَأَعْلَمُوهُ الْأَحْوَالَ، وَشَارُوا عَلَيْهِ بِالْمُعَاجَلَةِ، فَأَسْرَعَ السَّيْرَ، فَوَصَلَ إِلَى بَغْدَاذَ مُنْتَصَفَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَفَارَقَ إِيلْغَازِي دَارَهُ، وَاجْتَمَعَ بِأَخِيهِ سُقْمَانَ، وَأَصْعَدَا مِنَ الرَّمْلَةِ، وَنَهَبَا بَعْضَ قُرَى دُجَيْلٍ، فَسَارَ طَائِفَةٌ مِنْ عَسْكَرِ كُمُشْتِكِينَ وَرَاءَهُمَا، ثُمَّ عَادُوا عَنْهُمَا، وَخُطِبَ لِلسُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ بِبَغْدَاذَ فَأَرْسَلَ كُمُشْتِكِينُ الْقَيْصَرِيُّ إِلَى سَيْفِ الدَّوْلَةِ صَدَقَةَ، وَمَعَهُ حَاجِبٌ مِنْ دِيوَانِ الْخَلِيفَةِ، فِي طَاعَةِ بَرْكِيَارُقَ، فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، وَكَشَفَ الْقِنَاعَ بِبَغْدَاذَ فِي مُخَالَفَتِهِ، وَسَارَ مِنَ الْحِلَّةِ إِلَى جِسْرِ صَرْصَرٍ، فَقُطِعَتْ خُطْبَةُ بَرْكِيَارُقَ بِبَغْدَاذَ، وَلَمْ يُذْكَرْ عَلَى مَنَابِرِهَا أَحَدٌ مِنَ السَّلَاطِينِ، وَاقْتَصَرَ الْخُطَبَاءُ عَلَى الدُّعَاءِ لِلْخَلِيفَةِ لَا غَيْرَ.
وَلَمَّا وَصَلَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ إِلَى صَرْصَرٍ أَرْسَلَ إِلَى إِيلْغَازِي وَسُقْمَانَ، وَكَانَا بِحَرْبَى، يُعَرِّفُهُمَا أَنَّهُ قَدْ أَتَى لِنُصْرَتِهِمَا، فَعَادَا وَنَهَبَهَا دُجَيْلًا، وَلَمْ يُبْقِيَا عَلَى قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ وَلَا صَغِيرَةٍ، وَأُخِذَتِ الْأَمْوَالُ، وَافْتُضَّتِ الْأَبْكَارُ، وَنَهَبَ الْعَرَبُ وَالْأَكْرَادُ الَّذِينَ مَعَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بِنَهْرِ مَلِكٍ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ مِثْلُ التُّرْكُمَانِ مِنْ أَخْذِ النِّسَاءِ وَالْفَسَادِ مَعَهُنَّ، وَلَكِنَّهُمُ اسْتَقْصَوْا فِي أَخْذِ الْأَمْوَالِ بِالضَّرْبِ وَالْإِحْرَاقِ، وَبَطَلَتْ مَعَايِشُ النَّاسِ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ، فَكَانَ الْخُبْزُ يُسَاوِي عَشَرَةُ أَرْطَالٍ بِقِيرَاطٍ، فَصَارَ ثَلَاثَةُ أَرْطَالٍ بِقِيرَاطٍ، وَجَمِيعُ الْأَشْيَاءِ كَذَلِكَ.
стр. 5008
فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى سَيْفِ الدَّوْلَةِ فِي الْإِصْلَاحِ، فَلَمْ تَسْتَقِرَّ قَاعِدَةٌ، وَعَادَ إِيلْغَازِي وَسُقْمَانُ وَمَعَهُمَا دُبَيْسُ بْنُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ صَدَقَةَ مِنْ دُجَيْلٍ، فَخَيَّمُوا بِالرَّمَلَةِ، فَقَصَدَهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْعَامَّةِ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَقُتِلَ مِنَ الْعَامَّةِ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ، وَأُخِذَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، فَأُطْلِقُوا بَعْدَ أَنْ أُخِذَتْ أَسْلِحَتُهُمْ وَازْدَادَ الْأَمْرُ شِدَّةً عَلَى النَّاسِ، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ قَاضِيَ الْقُضَاةِ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ الدَّامَغَانِيِّ، وَتَاجَ الرُّؤَسَاءِ بْنَ الْمَوْصَلَايَا إِلَى سَيْفِ الدَّوْلَةِ يَأْمُرُهُ بِالْكَفِّ عَنِ الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ مَلَابِسُهُ، وَيُعَرِّفُهُ مَا النَّاسُ فِيهِ، وَيُعَظِّمُ الْأَمْرَ عَلَيْهِ، فَأَظْهَرَ طَاعَةَ الْخَلِيفَةِ إِنْ أَخْرَجَ الْقَيْصَرِيَّ مِنْ بَغْدَاذَ، وَإِلَّا فَلَيْسَ غَيْرُ السَّيْفِ، وَأَرْعَدَ وَأَبْرَقَ.
فَلَمَّا عَادَ الرَّسُولُ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى إِخْرَاجِ الْقَيْصَرِيِّ مِنْ بَغْدَاذَ، فَفَارَقَهَا ثَانِيَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَسَارَ إِلَى النَّهْرَوَانِ، وَعَادَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَلَدِهِ، وَأُعِيدَتْ خُطْبَةُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ بِبَغْدَاذَ، وَسَارَ الْقَيْصَرِيُّ إِلَى وَاسِطَ، فَخَافَ النَّاسُ مِنْهُ، وَأَرَادُوا الِانْحِدَارَ مِنْهَا لِيَأْمَنُوا، فَمَنَعَهُمُ الْقَيْصَرِيُّ، وَخَطَبَ لبَرْكِيَارُقَ بِوَاسِطَ، وَنَهَبُوا كَثِيرًا مِنْ سَوَادِهَا.
فَلَمَّا سَمِعَ صَدَقَةُ ذَلِكَ سَارَ إِلَى وَاسِطَ، فَدَخَلَهَا، وَعَدَلَ فِي أَهْلِهَا، وَكَفَّ عَسْكَرَهُ عَنْ أَذَاهُمْ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ إِيلْغَازِي بِوَاسِطَ، وَفَارَقَهَا الْقَيْصَرِيُّ، وَنَزَلَ مُتَحَصِّنًا بِدِجْلَةَ، فَقِيلَ لِسَيْفِ الدَّوْلَةِ: إِنَّ هُنَاكَ مَخَاضَةً، فَسَارَ إِلَيْهَا بِعَسْكَرِهِ وَقَدْ لَبِسُوا السِّلَاحَ، فَلَمَّا رَآهُمْ عَسْكَرُ الْقَيْصَرِيِّ تَفَرَّقُوا عَنْهُ، وَبَقِيَ فِي خَوَاصِّ أَصْحَابِهِ، فَطَلَبَ الْأَمَانَ مِنْ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، فَأَمَّنَهُ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ، فَأَكْرَمَهُ، وَقَالَ لَهُ: قَدْ سَمِنْتَ، قَالَ: وَتَرَكْتَنَا نَسْمَنُ؟ أَخْرَجْتَنَا مِنْ بَغْدَاذَ، ثُمَّ مِنْ وَاسِطَ، وَنَحْنُ لَا نَعْقِلُ.
ثُمَّ بَذَلَ صَدَقَةُ الْأَمَانَ لِجَمِيعِ عَسْكَرِ وَاسِطَ، وَمَنْ كَانَ مَعَ الْقَيْصَرِيِّ، سِوَى رَجُلَيْنِ، فَعَادَا إِلَيْهِ فَأَمَّنَهُمَا، وَعَادَ الْقَيْصَرِيُّ إِلَى بَرْكِيَارُقَ، وَأُعِيدَتْ خُطْبَةُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ بِوَاسِطَ، وَخُطِبَ بَعْدَهُ لِسَيْفِ الدَّوْلَةِ وإِيلْغَازِي، وَاسْتَنَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهَا وَلَدَهُ، وَعَادُوا عَنْهَا فِي الْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، وَأَمِنَ أَهْلُ وَاسِطَ مِمَّا كَانُوا يَخَافُونَهُ. فَأَمَّا إِيلْغَازِي فَإِنَّهُ أَصْعَدَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَأَمَّا سَيْفُ الدَّوْلَةِ صَدَقَةُ فَإِنَّهُ عَادَ إِلَى الْحِلَّةِ، وَأَرْسَلَ وَلَدَهُ الْأَصْغَرَ مَنْصُورًا مَعَ إِيلْغَازِي إِلَى الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ يَسْأَلُهُ الرِّضَا عَنْهُ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ سَخِطَ بِسَبَبِ هَذِهِ الْحَادِثَةِ، فَوَصَلَ إِلَى بَغْدَاذَ وَخَاطَبَ فِي ذَلِكَ، فَأُجِيبُ إِلَيْهِ.
стр. 5009
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ صَدَقَةَ عَلَى هَيْتَ
كَانَتْ مَدِينَةُ هَيْتَ لِشَرَفِ الدَّوْلَةِ مُسْلِمِ بْنِ قُرَيْشٍ، أَقْطَعَهُ إِيَّاهَا السُّلْطَانُ أَلْبُ أَرْسِلَانُ، وَلَمْ تَزَلْ مَعَهُ حَتَّى قُتِلَ، فَنَظَرَ فِيهَا عُمَدَاءُ بَغْدَاذَ إِلَى أَنْ مَاتَ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ، ثُمَّ أَخَذَهَا أَخُوهُ تُتُشُ بْنُ أَلْبِ أَرْسِلَانَ. فَلَمَّا اسْتَوْلَى السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ أَقْطَعَهَا لِبَهَاءِ الدَّوْلَةِ ثَرْوَانَ بْنِ وَهْبِ بْنِ وُهَيْبَةَ، وَأَقَامَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ عِنْدَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ صَدَقَةَ، وَكَانَا مُتَصَافِيَيْنِ، وَكَانَ صَدَقَةُ يَزُورُهُ كَثِيرًا ثُمَّ تَنَافَرَا.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ صَدَقَةَ زَوَّجَ بِنْتًا لَهُ مِنِ ابْنِ عَمِّهِ، وَكَانَ ثَرْوَانُ قَدْ خَطَبَهَا، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَتَحَالَفَتْ عُقَيْلٌ، وَهُمْ فِي حِلَّةِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، أَنْ يَكُونُوا يَدًا وَاحِدَةً عَلَيْهِ، فَأَنْكَرَ صَدَقَةُ ذَلِكَ، وَحَجَّ ثَرْوَانُ عَقِيبَ ذَلِكَ وَعَادَ مَرِيضًا، فَوُكِّلَ بِهِ صَدَقَةُ، وَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ هَيْتَ، فَأَرْسَلَ ثَرْوَانُ حَاجِبَهُ، وَكَتَبَ خَطَّهُ بِتَسْلِيمِ الْبَلَدِ إِلَيْهِ.
وَكَانَ بِهَيْتَ حِينَئِذٍ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ بْنِ رِفَاعِ بْنِ ضُبَيْعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ مُقَلَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَأَرْسَلَ صَدَقَةُ ابْنَهُ دُبَيْسًا مَعَ الْحَاجِبِ لِيَتَسَلَّمَهَا فَلَمْ يُسَلِّمْ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ، فَعَادَ دُبَيْسٌ إِلَى أَبِيهِ، فَلَمَّا أَخَذَ صَدَقَةُ وَاسِطًا، هَذِهِ النَّوْبَةَ، أَصْعَدَ فِي عَسْكَرِهِ إِلَى هَيْتَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مَنْصُورُ بْنُ كَثِيرٍ ابْنُ أَخِي ثَرْوَانَ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَقُوا سَيْفَ الدَّوْلَةِ، وَحَارَبُوهُ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ.
ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الرَّبَعِيِّينَ فَتَحُوا لِسَيْفِ الدَّوْلَةِ الْبَلَدَ، فَدَخَلَهُ أَصْحَابُهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مَنْصُورٌ وَمَنْ مَعَهُ سَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ، فَمَلَكَهُ يَوْمَ نُزُولِهِ، وَخَلَعَ عَلَى مَنْصُورٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، وَعَادَ إِلَى حِلَّتِهِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِ ابْنَ عَمِّهِ ثَابِتَ بْنَ كَامِلٍ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ بَرْكِيَارُقَ وَمُحَمَّدٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثَامِنَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، كَانَ الْمَصَافُّ الْخَامِسُ بَيْنَ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ وَالسُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ.
стр. 5010
وَكَانَتْ كَنْجَةُ وَبِلَادُ أَرَّانَ جَمِيعُهَا لِلسُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَبِهَا عَسْكَرُهُ، وَمُقَدَّمُهُمُ الْأَمِيرُ غَزْغَلِي، فَلَمَّا طَالَ مُقَامُ مُحَمَّدٍ بِأَصْبَهَانَ مَحْصُورًا تَوَجَّهَ غَزْغَلِي وَالْأَمِيرُ مَنْصُورُ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ وَابْنُ أَخِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُؤَيَّدِ الْمُلْكِ بْنِ نِظَامِ الْمُلْكِ قَاصِدِينَ لِنُصْرَتِهِ، لِيَرَاهُمْ بِعَيْنِ الطَّاعَةِ.
وَكَانَ آخِرُ مَا تُقَامُ فِيهِ الْخُطْبَةُ لِمُحَمَّدٍ زَنْجَانَ مِمَّا يَلِي أَذَرْبِيجَانَ، فَوَصَلُوا إِلَى الرَّيِّ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَفَارَقَهُ عَسْكَرُ بَرْكِيَارُقَ، وَدَخَلُوهُ وَأَقَامُوا بِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَوَصَلَهُمُ الْخَبَرُ بِخُرُوجِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ مِنْ أَصْبَهَانَ، وَأَنَّهُ وَصَلَ إِلَى سَاوَةَ، فَسَارُوا إِلَيْهِ، وَلَحِقُوهُ بِهَمَذَانَ وَمَعَهُ يَنَّالُ وَعَلِيٌّ ابْنَا أَنُوشْتِكِينَ الْحُسَامِيِّ، فَبَلَغَ عَدَدُهُمْ سِتَّةَ آلَافِ فَارِسٍ، فَأَقَامُوا بِهَا إِلَى أَوَاخِرِ الْمُحَرَّمِ، فَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِأَنَّ السُّلْطَانَ بَرْكِيَارُقَ قَدْ أَتَاهُمْ، فَتَلَوَّنُوا فِي رَأْيِهِمْ، فَسَارَ يَنَّالُ وَعَلِيٌّ ابْنَا أَنُوشْتِكِينَ إِلَى الرَّيِّ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَعَزَمَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَى شَرْوَانَ، فَوَصَلَ إِلَى أَرْدَبِيلَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ مَوْدُودُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَاقُوتِي، صَاحِبُ بَعْضِ أَذْرَبِيجَانَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ لِأَبِيهِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَاقُوتِي، وَهُوَ خَالُ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، وَكَانَتْ أُخْتُهُ زَوْجَةَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ مُطَالِبُ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ بِثَأْرِ أَبِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَقْتَلُهُ أَوَّلَ دَوْلَةِ بَرْكِيَارُقَ، وَقَالَ لَهُ: يَنْبَغِي أَنْ تَقْدَمَ إِلَيْنَا لِتَجْتَمِعَ كَلِمَتُنَا عَلَى طَاعَتِكَ، وَقِتَالِ خَصْمِنَا، فَسَارَ إِلَيْهِ مُجِدًّا، وَتَصَيَّدَ فِي طَرِيقِهِ بَيْنَ أَرْدَبِيلَ وَبَيْلَقَانَ، وَانْفَرَدَ عَنْ عَسْكَرِهِ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ نَمِرٌ، وَهُوَ غَافِلٌ، فَجَرَحَ السُّلْطَانَ مُحَمَّدًا فِي عَضُدِهِ، فَأَخَذَ سِكِّينًا وَشَقَّ بِهَا جَوْفَ النَّمِرِ فَأَلْقَاهُ عَنْ فَرَسِهِ وَنَجَا.
ثُمَّ إِنَّ مَوْدُودَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ تُوُفِّيَ فِي النِّصْفِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَعُمْرُهُ اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَلَمَّا بَلَغَ بَرْكِيَارُقَ اجْتِمَاعُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ وَالْمَلِكِ مَوْدُودٍ سَارَ غَيْرَ مُتَوَقِّفٍ، فَوَصَلَ بَعْدَ مَوْتِ مَوْدُودٍ، وَكَانَ عَسْكَرُ مَوْدُودٍ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى طَاعَةِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَحَلَفُوا لَهُ، وَفِيهِمْ سُكْمَانُ الْقِبْطِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَاغِي سِيَانَ، الَّذِي كَانَ
следующие страницы →