← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ رِضْوَانَ وَأَخِيهِ دُقَاقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْمَلِكُ رِضْوَانُ إِلَى دِمَشْقَ، وَبِهَا أَخُوهُ دُقَاقُ، عَازِمًا عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ، فَلَمَّا قَارَبَهَا، وَرَأَى حَصَانَتَهَا وَامْتِنَاعَهَا، عَلِمَ عَجْزَهُ عَنْهَا، فَرَحَلَ إِلَى نَابُلُسَ، وَسَارَ إِلَى الْقُدْسِ لِيَأْخُذَهُ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ، وَانْقَطَعَتِ الْعَسَاكِرُ عَنْهُ، فَعَادَ وَمَعَهُ يَاغِي سِيَانَ، صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ، وَجَنَاحُ الدَّوْلَةِ. ثُمَّ إِنَّ يَاغِي سِيَانَ فَارَقَ رِضْوَانَ، وَقَصَدَ دُقَاقَ، وَحَسَّنَ لَهُ مُحَاصَرَةَ أَخِيهِ بِحَلَبَ، جَزَاءً لِمَا فَعَلَهُ، فَجَمَعَ عَسَاكِرَ كَثِيرَةً وَسَارَ وَمَعَهُ يَاغِي سِيَانَ، فَأَرْسَلَ رِضْوَانُ رَسُولًا إِلَى سُقْمَانَ بْنِ أُرْتُقَ، وَهُوَ بِسَرُوجَ، يَسْتَنْجِدُهُ، فَأَتَاهُ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ التُّرْكُمَانِ، فَسَارَ نَحْوَ أَخِيهِ، فَالْتَقَيَا بِقِنَّسْرِينَ، فَاقْتَتَلَا، فَانْهَزَمَ دُقَاقُ وَعَسْكَرُهُ، وَنُهِبَتْ خِيَامُهُمْ وَجَمِيعُ مَالِهِمْ، وَعَادَ رِضْوَانُ إِلَى حَلَبَ، ثُمَّ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُخْطَبَ لِرِضْوَانَ بِدِمَشْقَ قَبْلَ دُقَاقَ، وَبِأَنْطَاكِيَةَ، وَقِيلَ: كَانَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] . ذِكْرُ الْخُطْبَةِ لِلْعَلَوِيِّ الْمِصْرِيِّ بِوِلَايَةِ رِضْوَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَطَبَ الْمَلِكُ رِضْوَانُ فِي كَثِيرٍ مِنْ وِلَايَتِهِ لِلْمُسْتَعْلِي بِأَمْرِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ، صَاحِبِ مِصْرَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ الْأَمِيرُ جَنَاحُ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ زَوْجُ أُمِّهِ، فَرَأَى مِنْ رِضْوَانَ تَغَيُّرًا، فَسَارَ إِلَى حِمْصَ، وَهِيَ لَهُ، فَلَمَّا رَأَى يَاغِي سِيَانَ بُعْدَهُ عَنْ رِضْوَانَ صَالَحَهُ، وَقَدِمَ إِلَيْهِ بِحَلَبَ، وَنَزَلَ بِظَاهِرِهَا. وَكَانَ لِرِضْوَانَ مُنَجِّمٌ يُقَالُ لَهُ: الْحَكِيمُ أَسْعَدُ، وَكَانَ يَمِيلُ إِلَيْهِ، فَقَدَّمَهُ بَعْدَ مَسِيرِ جَنَاحِ الدَّوْلَةِ، فَحَسَّنَ لَهُ مَذَاهِبَ الْعَلَوِيِّينَ وَالْمِصْرِيِّينَ، وَأَتَتْهُ رُسُلُ الْمِصْرِيِّينَ يَدْعُونَهُ إِلَى طَاعَتِهِمْ، وَيَبْذُلُونَ لَهُ الْمَالَ، وَإِنْفَاذَ الْعَسَاكِرِ إِلَيْهِ لِيَمْلِكَ دِمَشْقَ، فَخَطَبَ لَهُمْ بِشَيْزَرَ

стр. 4937

وَجَمِيعِ الْأَعْمَالِ سِوَى أَنْطَاكِيَةَ، وَحَلَبَ، وَالْمَعَرَّةَ، أَرْبَعَ جُمَعٍ، ثُمَّ حَضَرَ عِنْدَهُ سُقْمَانُ بْنُ أُرْتُقَ، وَيَاغِي سِيَانَ، صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ، فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ، وَاسْتَعْظَمَاهُ، فَأَعَادَ الْخُطْبَةَ الْعَبَّاسِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَغْدَاذَ يَعْتَذِرُ مِمَّا كَانَ مِنْهُ. وَسَارَ يَاغِي سِيَانَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، فَلَمْ يُقِمْ بِهَا غَيْرَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ حَتَّى وَصَلَ الْفِرِنْجُ إِلَيْهَا وَحَصَرُوهَا، وَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بِخُرَاسَانَ بَيْنَ أَهْلِ سَبْزَوَارَ وَأَهْلِ خُسْرُوجِرْدَ، وَقِتَالٌ عَظِيمٌ، فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَانْهَزَمَ أَهْلُ خُسْرُوجِرْدَ. وَفِيهَا قُتِلَ عُثْمَانُ، وَكِيلُ دَارِ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ كَانَ كَاتَبَ صَاحِبَ غَزْنَةَ بِالْأَخْبَارِ مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ، فَأُخِذَ وَحُبِسَ بِتِرْمِذَ مُدَّةً، ثُمَّ اطُّلِعَ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي الْحَبْسِ، أَنَّهُ كَانَ يُكَاتِبُهُ أَيْضًا فَقُتِلَ. وَفِي صَفَرٍ مِنْهَا قُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّمِيرِمِيُّ، وَزِيرُ أُمِّ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، قَتَلَهُ بَاطِنِيٌّ غِيلَةً، وَقُتِلَ الْبَاطِنِيُّ بَعْدَهُ. وَفِيهَا فِي شَعْبَانَ، ظَهَرَ كَوْكَبٌ كَبِيرٌ لَهُ ذُؤَابَةٌ، وَأَقَامَ يَطْلُعُ عِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ غَابَ وَلَمْ يَظْهَرْ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ النَّقِيبُ الطَّاهِرُ أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ دَيِّنًا

стр. 4938

سَخِيًّا، كَرِيمًا، مُتَعَصِّبًا، حَنَفِيَّ الْمَذْهَبِ، وَوَلِيَ النِّقَابَةَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ أَبُو الْفُتُوحِ حَيْدَرَةُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ يَحْيَى بْنُ أَحْمَدَ السَّيْبِيُّ وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وَسَنَتَيْنِ، وَهُوَ صَحِيحُ الْحَوَاسِّ، وَكَانَ مُقْرِئًا، مُحَدِّثًا، حَاضِرَ الْقَلْبِ. وَفِيهَا قُتِلَ أَرَغَشُ النِّظَامِيُّ، مَمْلُوكُ نِظَامِ الْمُلْكِ، بِالرَّيِّ وَكَانَ قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا عَظِيمًا بِحَيْثُ إِنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةَ يَاقُوتِيِّ عَمِّ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، قَتَلَهُ بَاطِنِيٌّ، وَقُتِلَ قَاتِلُهُ. وَقُتِلَ بُرْسُقُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ، قَتَلَهُ بَاطِنِيٌّ، وَكَانَ بُرْسُقُ مِنْ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبُكَ، وَهُوَ أَوَّلُ شِحْنَةٍ كَانَ بِبَغْدَاذَ.

стр. 4939

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ٤٩١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ مَدِينَةَ أَنْطَاكِيَةَ كَانَ ابْتِدَاءُ ظُهُورِ دَوْلَةِ الْفِرِنْجِ، وَاشْتِدَادِ أَمْرِهِمْ، وَخُرُوجِهِمْ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَاسْتِيلَائِهِمْ عَلَى بَعْضِهَا، سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَمَلَكُوا مَدِينَةَ طُلَيْطِلَةَ وَغَيْرَهَا مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. ثُمَّ قَصَدُوا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ جَزِيرَةَ صِقِلِّيَةَ وَمَلَكُوهَا، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ أَيْضًا، وَتَطَرَّقُوا إِلَى أَطْرَافِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَمَلَكُوا مِنْهَا شَيْئًا وَأُخِذَ مِنْهُمْ، ثُمَّ مَلَكُوا غَيْرَهُ عَلَى مَا نَرَاهُ. فَلَمَّا كَانَ سَنَةَ تِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ خَرَجُوا إِلَى بِلَادِ الشَّامِ، وَكَانَ سَبَبُ خُرُوجِهِمْ أَنَّ مَلِكَهُمْ بَرْدَوِيلَ جَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا مِنَ الْفِرِنْجِ، وَكَانَ نَسِيبَ رُجَّارَ الْفِرِنْجِيِّ الَّذِي مَلَكَ صِقِلِّيَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَى رُجَّارَ يَقُولُ لَهُ: قَدْ جَمَعْتُ جَمْعًا كَثِيرًا، وَأَنَا وَاصِلٌ إِلَيْكَ، وَسَائِرٌ مِنْ عِنْدِكَ إِلَى إِفْرِيقِيَةَ أَفْتَحُهَا، وَأَكُونُ مُجَاوِرًا لَكَ. فَجَمَعَ رُجَّارُ أَصْحَابَهُ، وَاسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ، وَقَالُوا: وَحَقِّ الْإِنْجِيلِ هَذَا جِيدٌ لَنَا وَلَهُمْ، وَتُصْبِحُ الْبِلَادُ بِلَادَ النَّصْرَانِيَّةِ. فَرَفَعَ رِجْلَهُ وَحَبَقَ حَبْقَةً عَظِيمَةً وَقَالَ: وَحَقِّ دِينِي، هَذِهِ خَيْرٌ مِنْ كَلَامِكُمْ! قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: إِذَا وَصَلُوا إِلَيَّ أَحْتَاجُ إِلَى كُلْفَةٍ كَثِيرَةٍ، وَمَرَاكِبَ تَحْمِلُهُمْ إِلَى إِفْرِيقِيَةَ، وَعَسَاكِرَ مِنْ عِنْدِي أَيْضًا، فَإِنْ فَتَحُوا الْبِلَادَ كَانَتْ لَهُمْ، وَصَارَتِ الْمَئُونَةُ لَهُمْ مِنْ صِقِلِّيَةَ وَيَنْقَطِعُ عَنِّي مَا يَصِلُ مِنَ الْمَالِ مِنْ ثَمَنِ الْغَلَّاتِ كُلَّ سَنَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُفْلِحُوا رَجَعُوا إِلَى بِلَادِي، وَتَأَذَّيْتُ بِهِمْ، وَيَقُولُ تَمِيمٌ: غَدَرْتَ بِي، وَنَقَضْتَ عَهْدِي، وَتَنْقَطِعُ الْوَصْلَةُ وَالْأَسْفَارُ بَيْنَنَا، وَبِلَادُ إِفْرِيقِيَّةَ بَاقِيَةٌ لَنَا، مَتَى وَجَدْنَا قُوَّةً أَخَذْنَاهَا.

стр. 4940

وَأَحْضَرَ رَسُولَهُ، وَقَالَ لَهُ: إِذَا عَزَمْتُمْ عَلَى جِهَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَفْضَلُ ذَلِكَ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، تُخَلِّصُونَهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَيَكُونُ لَكُمُ الْفَخْرُ، وَأَمَّا إِفْرِيقِيَّةُ فَبَيْنِي وَبَيْنَ أَهْلِهَا أَيْمَانٌ وَعُهُودٌ. فَتَجَهَّزُوا، وَخَرَجُوا إِلَى الشَّامِ. وَقِيلَ: إِنَّ أَصْحَابَ مِصْرَ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ، لَمَّا رَأَوْا قُوَّةَ الدَّوْلَةِ السُّلْجُوقِيَّةِ، وَتَمَكُّنَهَا وَاسْتِيلَاءَهَا عَلَى بِلَادِ الشَّامِ إِلَى غَزَّةَ، وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مِصْرَ وِلَايَةٌ أُخْرَى تَمَنَعُهُمْ، وَدُخُولَ أَقْسِيسَ إِلَى مِصْرَ وَحَصْرَهَا؛ خَافُوا، وَأَرْسَلُوا إِلَى الْفِرِنْجِ يَدْعُونَهُمْ إِلَى الْخُرُوجِ إِلَى الشَّامِ لِيَمْلِكُوهُ، وَيَكُونُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، (وَاللَّهُ أَعْلَمُ) . فَلَمَّا عَزَمَ الْفِرِنْجُ عَلَى قَصْدِ الشَّامِ، وَسَارُوا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ لِيَعْبُرُوا الْمَجَازَ إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَسِيرُوا فِي الْبَرِّ، فَيَكُونَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا مَنَعَهُمْ مَلِكُ الرُّومِ مِنَ الِاجْتِيَازِ بِبِلَادِهِ، وَقَالَ: لَا أُمَكِّنُكُمْ مِنَ الْعُبُورِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ حَتَّى تَحْلِفُوا لِي أَنَّكُمْ تُسَلِّمُونَ إِلَيَّ أَنْطَاكِيَةَ، وَكَانَ قَصْدُهُ [أَنْ] يَحُثَّهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُمْ أَتْرَاكٌ لَا يُبْقُونَ مِنْهُمْ أَحَدًا، لِمَا رَأَى مِنْ صَرَامَتِهِمْ وَمَلْكِهُمُ الْبِلَادَ. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَعَبَرُوا الْخَلِيجَ عِنْدَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ سَنَةَ تِسْعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَوَصَلُوا إِلَى بِلَادِ قِلِيجَ أَرْسِلَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ قُتُلْمِشَ، وَهِيَ قُونِيَةُ وَغَيْرُهَا، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا لَقِيَهُمْ قِلِيجُ أَرَسْلَانُ فِي جُمُوعِهِ، وَمَنَعَهُمْ، فَقَاتَلُوهُ فَهَزَمُوهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَاجْتَازُوا فِي بِلَادِهِ إِلَى بِلَادِ ابْنِ الْأَرْمَنِيِّ، فَسَلَكُوهَا، وَخَرَجُوا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ فَحَصَرُوهَا. وَلَمَّا سَمِعَ صَاحِبُهَا يَاغِي سِيَّانِ بِتَوَجُّهِهِمْ إِلَيْهَا، خَافَ مِنَ النَّصَارَى الَّذِينَ بِهَا، فَأَخْرَجَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِهَا، لَيْسَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنَ الْغَدِ النَّصَارَى لِعَمَلِ الْخَنْدَقِ أَيْضًا، لَيْسَ مَعَهُمْ مُسْلِمٌ، فَعَمِلُوا فِيهِ إِلَى الْعَصْرِ، فَلَمَّا

стр. 4941

أَرَادُوا دُخُولَ الْبَلَدِ مَنَعَهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: أَنْطَاكِيَةُ لَكُمْ تَهَبُونَهَا لِي حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَكُونُ مِنَّا وَمِنَ الْفَرِنْجِ، فَقَالُوا لَهُ: مَنْ يَحْفَظُ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا؟ فَقَالَ: أَنَا أَخْلُفُكُمْ فِيهِمْ، فَأَمْسَكُوا، وَأَقَامُوا فِي عَسْكَرِ الْفِرِنْجِ، فَحَصَرُوهَا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَظَهَرَ مِنْ شَجَاعَةِ يَاغِي سِيَانَ، وَجَوْدَةِ رَأْيِهِ، وَحَزْمِهِ، وَاحْتِيَاطِهِ مَا لَمْ يُشَاهَدْ مِنْ غَيْرِهِ، فَهَلَكَ أَكْثَرُ الْفِرِنْجِ (مَوْتًا، وَلَوْ بَقَوْا عَلَى كَثْرَتِهِمُ الَّتِي خَرَجُوا فِيهَا لَطَبَّقُوا بِلَادَ الْإِسْلَامِ) ، وَحَفِظَ يَاغِي سِيَانُ أَهْلَ نَصَارَى أَنْطَاكِيَةَ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمْ، وَكَفَّ الْأَيْدِيَ الْمُتَطَرِّقَةَ إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا طَالَ مُقَامُ الْفِرِنْجِ عَلَى أَنْطَاكِيَةَ رَاسَلُوا أَحَدَ الْمُسْتَحْفِظِينَ لِلْأَبْرَاجِ، وَهُوَ زَرَّادٌ يُعْرَفُ بِرُوزَبَةَ، وَبَذَلُوا لَهُ مَالًا وَأَقْطَاعًا، وَكَانَ يَتَوَلَّى حِفْظَ بُرْجٍ يَلِي الْوَادِيَ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى شُبَّاكٍ فِي الْوَادِي، فَلَمَّا تَقَرَّرَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَذَا الْمَلْعُونِ الزَّرَّادِ، جَاءُوا إِلَى الشُّبَّاكِ فَفَتَحُوهُ، وَدَخَلُوا مِنْهُ، وَصَعِدَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ بِالْجِبَالِ، فَلَمَّا زَادَتْ عِدَّتُهُمْ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ ضَرَبُوا الْبُوقَ، وَذَلِكَ عِنْدَ السَّحَرِ، وَقَدْ تَعِبَ النَّاسُ مِنْ كَثْرَةِ السَّهَرِ وَالْحِرَاسَةِ، فَاسْتَيْقَظَ يَاغِي سِيَانُ، فَسَأَلَ عَنِ الْحَالِ، فَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْبُوقَ مِنَ الْقَلْعَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا قَدْ مُلِكَتْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْقَلْعَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْبُرْجِ، فَدَخَلَهُ الرُّعْبُ، وَفَتَحَ بَابَ الْبَلَدِ، وَخَرَجَ هَارِبًا فِي ثَلَاثِينَ غُلَامًا عَلَى وَجْهِهِ، فَجَاءَ نَائِبُهُ فِي حِفْظِ الْبَلَدِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقِيلَ إِنَّهُ هَرَبَ، فَخَرَجَ مِنْ بَابٍ آخَرَ هَارِبًا، وَكَانَ ذَلِكَ مَعُونَةً للْفِرِنْجِ، وَلَوْ ثَبَتَ سَاعَةً لَهَلَكُوا. ثُمَّ إِنَّ الْفِرِنْجَ دَخَلُوا الْبَلَدَ مِنَ الْبَابِ، وَنَهَبُوهُ، وَقَتَلُوا مَنْ فِيهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الْأُولَى. وَأَمَّا يَاغِي سِيَانُ فَإِنَّهُ لَمَّا طَلَعَ عَلَيْهِ النَّهَارُ رَجَعَ إِلَيْهِ عَقْلُهُ، وَكَانَ كَالْوَلْهَانِ، فَرَأَى نَفْسَهُ وَقَدْ قَطَعَ عِدَّةَ فَرَاسِخَ، فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: أَيْنَ أَنَا؟ فَقِيلَ: عَلَى أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ مِنْ أَنْطَاكِيَةَ، فَنَدِمَ كَيْفَ خَلَصَ سَالِمًا، وَلَمْ يُقَاتِلْ حَتَّى يُزِيلَهُمْ عَنِ الْبَلَدِ أَوْ يُقْتَلَ، وَجَعَلَ يَتَلَهَّفُ، وَيَسْتَرْجِعُ عَلَى تَرْكِ أَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَلِشِدَّةِ مَا لَحِقَهُ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمَّا سَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ أَرَادَ أَصْحَابُهُ أَنْ يُرْكِبُوهُ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مُسْكَةٌ [فَإِنَّهُ

стр. 4942

كَانَ] قَدْ قَارَبَ الْمَوْتَ فَتَرَكُوهُ وَسَارُوا عَنْهُ، وَاجْتَازَ بِهِ إِنْسَانٌ أَرْمَنِيٌّ كَانَ يَقْطَعُ الْحَطَبَ، وَهُوَ بِآخِرِ رَمَقٍ، فَقَتَلَهُ وَأَخَذَ رَأْسَهُ وَحَمَلَهُ إِلَى الْفِرِنْجِ بِأَنْطَاكِيَةَ. وَكَانَ الْفِرِنْجُ قَدْ كَاتَبُوا صَاحِبَ حَلَبَ، وَدِمَشْقَ، بِأَنَّنَا لَا نَقْصِدُ غَيْرَ الْبِلَادِ الَّتِي كَانَتْ بِيَدِ الرُّومِ، لَا نَطْلُبُ سِوَاهَا، مَكْرًا مِنْهُمْ وَخَدِيعَةً، حَتَّى لَا يُسَاعِدُوا صَاحِبَ أَنْطَاكِيَةَ. ذِكْرُ مَسِيرِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْفِرِنْجِ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ لَمَّا سَمِعَ قِوَامُ الدَّوْلَةِ كَرْبُوقَا بِحَالِ الْفِرِنْجِ، وَمُلْكِهِمْ أَنْطَاكِيَةَ، جَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَسَارَ إِلَى الشَّامِ، وَأَقَامَ بِمَرْجِ دَابِقَ، وَاجْتَمَعَتْ مَعَهُ عَسَاكِرُ الشَّامِ، تُرْكُهَا وَعَرَبُهَا سِوَى مَنْ كَانَ بِحَلَبَ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ دُقَاقُ بْنُ تُتُشَ وطُغْتِكِينُ أَتَابِكُ، وَجَنَاحُ الدَّوْلَةِ، وَصَاحِبُ حِمْصَ، وَأَرْسِلَانُ تَاشْ، صَاحِبُ سِنْجَارَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ أُرْتُقَ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَرَاءِ مِمَّنْ لَيْسَ مِثْلَهُمْ، فَلَمَّا سَمِعَتِ الْفِرِنْجُ عَظُمَتِ الْمُصِيبَةُ عَلَيْهِمْ، وَخَافُوا لِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْوَهَنِ، وَقِلَّةِ الْأَقْوَاتِ عِنْدَهُمْ، وَسَارَ الْمُسْلِمُونَ، فَنَازَلُوهُمْ عَلَى أَنْطَاكِيَةَ، وَأَسَاءَ كَرْبُوقَا السِّيرَةَ، فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَغْضَبَ الْأُمَرَاءَ وَتَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُمْ يُقِيمُونَ مَعَهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، فَأَغْضَبَهُمْ ذَلِكَ، وَأَضْمَرُوا لَهُ فِي أَنْفُسِهِمُ الْغَدْرَ، إِذَا كَانَ قِتَالٌ، وَعَزَمُوا عَلَى إِسْلَامِهِ عِنْدَ الْمَصْدُوقَةِ. وَأَقَامَ الْفِرِنْجُ بِأَنْطَاكِيَةَ، بَعْدَ أَنْ مَلَكُوهَا، اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا لَيْسَ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَهُ، وَتَقَوَّتَ الْأَقْوِيَاءُ بِدَوَابِّهِمْ، وَالضُّعَفَاءُ بِالْمَيْتَةِ وَوَرَقِ الشَّجَرِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ أَرْسَلُوا إِلَى

стр. 4943

كَرْبُوقَا يَطْلُبُونَ مِنْهُ الْأَمَانَ لِيَخْرُجُوا مِنَ الْبَلَدِ، فَلَمْ يُعْطِهِمْ مَا طَلَبُوهُ، وَقَالَ: لَا تَخْرُجُونَ إِلَّا بِالسَّيْفِ. وَكَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْمُلُوكِ بَرْدُوِيلُ، وَصَنْجِيلُ، وَكُنْدُفْرِي، وَالْقُمَّصُ، صَاحِبُ الرُّهَا وَبَيْمُنْتُ، صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ، وَهُوَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ مَعَهُمْ رَاهِبٌ مُطَاعٌ فِيهِمْ، وَكَانَ دَاهِيَةً مِنَ الرِّجَالِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْمَسِيحَ، ﵇، كَانَ لَهُ حَرْبَةٌ مَدْفُونَةٌ بِالقِسْيَانِ الَّذِي بِأَنْطَاكِيَةَ، وَهُوَ بِنَاءٌ عَظِيمٌ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهَا فَإِنَّكُمْ تَظْفَرُونَ، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوهَا فَالْهَلَاكُ مُتَحَقِّقٌ. وَكَانَ قَدْ دَفَنَ قَبْلَ ذَلِكَ حَرْبَةً فِي مَكَانٍ فِيهِ، وَعَفَّى أَثَرَهَا، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّوْمِ وَالتَّوْبَةِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ أَدْخَلَهُمُ الْمَوْضِعَ جَمِيعَهُمْ، وَمَعَهُمْ عَامَّتُهُمْ، وَالصُّنَّاعُ مِنْهُمْ، وَحَفَرُوا فِي جَمِيعِ الْأَمَاكِنِ فَوَجَدُوهَا كَمَا ذَكَرَ، فَقَالَ لَهُمْ: أَبْشِرُوا بِالظَّفَرِ، فَخَرَجُوا فِي الْيَوْمِ الْخَامِسِ مِنَ الْبَابِ مُتَفَرِّقِينَ مِنْ خَمْسَةٍ، وَسِتَّةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ لِكَرْبُوقَا: يَنْبَغِي أَنْ تَقِفَ عَلَى الْبَابِ، فَتَقْتُلَ كُلَّ مَنْ يَخْرُجُ، فَإِنَّ أَمْرَهُمُ الْآنَ، وَهُمْ مُتَفَرِّقُونَ، سَهْلٌ فَقَالَ لَا تَفْعَلُوا! أَمْهِلُوهُمْ حَتَّى يَتَكَامَلَ خُرُوجُهُمْ فَنَقْتُلَهُمْ، وَلَمْ يُمَكَّنْ مِنْ مُعَاجَلَتِهِمْ، فَقَتَلَ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَمَاعَةً مِنَ الْخَارِجِينَ، فَجَاءَ إِلَيْهِمْ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَمَنَعَهُمْ، وَنَهَاهُمْ. فَلَمَّا تَكَامَلَ خُرُوجُ الْفِرِنْجِ، وَلَمْ يَبْقَ بِأَنْطَاكِيَةَ أَحَدٌ مِنْهُمْ، ضَرَبُوا مَصَافًّا عَظِيمًا، فَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُنْهَزِمِينَ، لِمَا عَامَلَهُمْ بِهِ كَرْبُوقَا أَوَّلًا مِنَ الِاسْتِهَانَةِ بِهِمْ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ، وَثَانِيًا مِنْ مَنْعِهِمْ عَنْ قَتْلِ الْفِرِنْجِ، وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَضْرِبْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِسَيْفٍ، وَلَا طَعَنَ بِرُمْحٍ، وَلَا رَمَى بِسَهْمٍ، وَآخِرُ مَنِ انْهَزَمَ سُقْمَانُ بْنُ أُرْتُقَ، وَجَنَاحُ الدَّوْلَةِ، لِأَنَّهُمَا كَانَا فِي الْكَمِينِ، وَانْهَزَمَ كَرْبُوقَا مَعَهُمْ. فَلَمَّا رَأَى الْفِرِنْجُ ذَلِكَ ظَنُّوهُ مَكِيدَةً، إِذْ لَمْ يَجْرِ قِتَالٌ يُنْهَزَمُ مِنْ مِثْلِهِ، وَخَافُوا أَنْ يَتْبَعُوهُمْ، وَثَبَتَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُجَاهِدِينَ، وَقَاتَلُوا حِسْبَةً، وَطَلَبًا لِلشَّهَادَةِ، فَقَتَلَ الْفِرِنْجُ مِنْهُمْ أُلُوفًا، وَغَنِمُوا مَا فِي

стр. 4944

الْعَسْكَرِ مِنَ الْأَقْوَاتِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَثَاثِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَسْلِحَةِ، فَصَلُحَتْ حَالُهُمْ، وَعَادَتْ إِلَيْهِمْ قُوَّتُهُمْ. ذِكْرُ مَلْكِ الْفِرِنْجِ مَعَرَّةَ النُّعْمَانِ لَمَّا فَعَلَ الْفِرِنْجُ بِالْمُسْلِمِينَ مَا فَعَلُوا سَارُوا إِلَى مَعَرَّةِ النُّعْمَانِ، فَنَازَلُوهَا، وَحَصَرُوهَا، وَقَاتَلَهُمْ أَهْلُهَا قِتَالًا شَدِيدًا، وَرَأَى الْفِرِنْجُ مِنْهُمْ شِدَّةً وَنِكَايَةً، وَلَقُوا مِنْهُمُ الْجِدَّ فِي حَرْبِهِمْ، وَالِاجْتِهَادَ فِي قِتَالِهِمْ، فَعَمِلُوا عِنْدَ ذَلِكَ بُرْجًا مِنْ خَشَبٍ يُوَازِي سُورَ الْمَدِينَةِ، وَوَقَعَ الْقِتَالُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَضُرَّ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ خَافَ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَدَاخَلَهُمُ الْفَشَلُ وَالْهَلَعُ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِذَا تَحَصَّنُوا بِبَعْضِ الدُّورِ الْكِبَارِ امْتَنَعُوا بِهَا، فَنَزَلُوا مِنَ السُّورِ وَأَخْلَوُا الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانُوا يَحْفَظُونَهُ، فَرَآهُمْ طَائِفَةٌ أُخْرَى، فَفَعَلُوا كَفِعْلِهِمْ، فَخَلَا مَكَانُهُمْ أَيْضًا مِنَ السُّورِ. (وَلَمْ تَزَلْ تَتْبَعُ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الَّتِي تَلِيهَا فِي النُّزُولِ، حَتَّى خَلَا السُّورُ، فَصَعِدَ الْفِرِنْجُ إِلَيْهِ عَلَى السَّلَالِيمِ، فَلَمَّا عَلَوْهُ تَحَيَّرَ الْمُسْلِمُونَ) ، وَدَخَلُوا دُورَهُمْ، فَوَضَعَ الْفِرِنْجُ فِيهِمُ السَّيْفَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَقَتَلُوا مَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ، وَسَبَوُا السَّبْيَ الْكَثِيرَ، وَمَلَكُوهُ، وَأَقَامُوا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَسَارُوا إِلَى عِرْقَةَ فَحَصَرُوهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَنَقَبُوا سُورَهَا عِدَّةَ نُقُوبٍ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا، وَرَاسَلَهُمْ مُنْقِذٌ، صَاحِبُ شَيْزَرَ، فَصَالَحَهُمْ عَلَيْهَا، وَسَارُوا إِلَى حِمْصَ وَحَصَرُوهَا، فَصَالَحَهُمْ صَاحِبُهَا جَنَاحُ الدَّوْلَةِ، وَخَرَجُوا عَلَى طَرِيقِ النَّوَاقِيرِ إِلَى عَكَّا، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْمَلِكِ سَنْجَرَ وَدَوْلَتْشَاهْ كَانَ دَوْلَتْشَاهْ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ السَّلْجُوقِيَّةِ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ جَمْعٌ مِنْ عَسَاكِرِ بَيْغُوا

стр. 4945

أَخِي طُغْرُلْبَكَ، وَكَانُوا بِطَخَارِسْتَانَ، فَأَخَذُوا وَلْوَالِجَ وَكَمَنْجَ، فَسَارَ إِلَيْهِمُ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ وَعَسَاكِرُهُ، فَوَصَلَ إِلَى بَلْخٍ، فَدَخَلَهَا فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَخَرَجَ مِنْهَا لِقِتَالِ دَوْلَتْشَاهْ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْجُمُوعِ مَا ثَبَتَ مُقَابِلَ عَسْكَرِ سَنْجَرَ، فَقَاتَلُوا شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ، وَانْهَزَمُوا، وَأَخَذُوا دَوْلَتْشَاهْ أَسِيرًا، وَأُحْضِرَ عِنْدَ سَنْجَرَ، فَعَفَا عَنْهُ مِنَ الْقَتْلِ، وَحَبَسَهُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كَحَلَهُ، وَسَيَّرَ سَنْجَرُ جَيْشًا إِلَى مَدِينَةِ تِرْمِذَ، فَمَلَكُوهَا، وَسَلَّمَهَا إِلَى طُغْرُلْتِكِينَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَتَحَ تَمِيمُ بْنُ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ، جَزِيرَةَ جَرْبَةَ وَجَزِيرَةَ قَرْقَنَّةَ، وَمَدِينَةَ تُونُسَ، وَكَانَ بِإِفْرِيقِيَّةَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ هَلَكَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ. وَفِيهَا أَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ رَسُولًا إِلَى السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ مُسْتَنْفِرًا عَلَى الْفِرِنْجِ، وَمُبَالِغًا فِي تَعْظِيمِ الْأَمْرِ وَتَدَارُكِهِ قَبْلَ أَنْ يَزْدَادَ قُوَّةً. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَعْبَانَ، تُوُفِّيَ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ فَاضِلًا فِي الْحَدِيثِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، وَكَانَ فَاضِلًا، فَصِيحًا. وَفِيهَا، فِي شَوَّالٍ، تُوُفِّيَ طِرَادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيُّ، وَهُوَ عَالِي الْإِسْنَادِ فِي الْحَدِيثِ، وَوَلِيَ نِقَابَةَ الْعَبَّاسِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ابْنُهُ شَرَفُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ طِرَادٍ.

стр. 4946

وَفِيهَا، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، تُوُفِّيَ أَبُو الْفَتْحِ الْمُظَفَّرُ بْنُ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْمُسْلِمَةِ، وَكَانَ بَيْتُهُ مَجْمَعَ الْفُضَلَاءِ وَأَهْلِ الدِّينِ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْفَرَجِ سَهْلُ بْنُ بِشْرِ بْنِ أَحْمَدَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ الْمُحَدِّثِينَ.

стр. 4947

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَة] ٤٩٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ عِصْيَانِ الْأَمِيرِ أُنَرَ وَقَتْلِهِ لَمَّا سَارَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ إِلَى خُرَاسَانَ وَلَّى الْأَمِيرَ أُنَرَ بِلَادَ فَارِسَ جَمِيعَهَا، وَكَانَتْ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَيْهَا الشُّوَانَكَارَةُ عَلَى اخْتِلَافِ بُطُونِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، وَاسْتَعَانُوا بِصَاحِبِ كَرْمَانَ إِيرَانْ شَاهْ بْنِ قَاوَرْتَ، فَاجْتَمَعُوا، وَصَافُّوا الْأَمِيرَ أُنَرَ، وَكَسَرُوهُ، وَعَادَ مَفْلُولًا إِلَى أَصْبَهَانَ، وَأَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي اللَّحَاقِ بِهِ إِلَى خُرَاسَانَ، فَأَمَرَهُ بِالْمُقَامِ بِبَلَدِ الْجِبَالِ، وَوَلَّاهُ إِمَارَةَ الْعِرَاقِ، وَكَاتَبَ الْعَسَاكِرَ الْمُجَاوِرَةَ لَهُ بِطَاعَتِهِ. فَأَقَامَ بِأَصْبَهَانَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى أَقْطَاعِهِ بِأَذْرَبِيجَانَ، وَعَادَ وَقَدِ انْتَشَرَ أَمْرُ الْبَاطِنِيَّةِ بِأَصْبَهَانَ، فَنَدَبَ نَفْسَهُ لِقِتَالِهِمْ، وَحَصَرَ قَلْعَةً عَلَى جَبَلِ أَصْبَهَانَ. وَاتَّصَلَ بِهِ مُؤَيَّدُ الْمُلْكِ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَكَانَ بِبَغْدَاذَ، فَسَارَ مِنْهَا إِلَى الْحِلَّةِ، فَأَكْرَمَهُ صَدَقَةُ، وَسَارَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى الْأَمِيرِ أُنَرَ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ بِالْأَمِيرِ أُنَرَ خَوَّفَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنَ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، وَأَعْظَمُوا عَلَيْهِ الِاجْتِمَاعَ بِهِ، وَحَسَّنُوا لَهُ الْبُعْدَ عَنْهُ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِمُكَاتَبَةِ غِيَاثِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ، وَهُوَ إِذْ ذَاكَ بِكَنْجَةَ، فَعَزَمَ عَلَى الْمُخَالَفَةِ لِلسُّلْطَانِ، وَتَحَدَّثَ فِيهِ، فَظَهَرَ ذَلِكَ، فَزَادَ خَوْفُهُ مِنَ السُّلْطَانِ، فَجَمَعَ مِنَ الْعَسَاكِرِ الْمَعْرُوفِينَ بِالشَّجَاعَةِ نَحْوَ عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ، وَسَارَ مِنْ أَصْبَهَانَ إِلَى الرَّيِّ، وَأَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ يَقُولُ: إِنَّهُ مَمْلُوكٌ، وَمُطِيعٌ، إِنْ سَلَّمَ إِلَيْهِ مَجْدَ الْمُلْكِ الْبَلَاسَانِيَّ، وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْهُ إِلَيْهِ فَهُوَ عَاصٍ خَارِجٌ عَنِ الطَّاعَةِ.

стр. 4948

فَبَيْنَمَا هُوَ يُفْطِرُ، وَكَانَتْ عَادَتُهُ أَنْ يَصُومَ أَيَّامًا مِنَ الْأُسْبُوعِ، فَلَمَّا قَارَبَ الْفَرَاغَ مِنَ الْإِفْطَارِ هَجَمَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ الْمُوَلَّدِينِ بِخُوَارِزْمَ، وَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ خَيْلِهِ، فَصَدَمَ أَحَدُهُمُ الْمَشْعَلَ فَأَلْقَاهُ، وَصَدَمَ الْآخَرُ الشَّمْعَةَ فَأَطْفَأَهَا، وَضَرَبَهُ الثَّالِثُ بِالسِّكِّينِ فَقَتَلَهُ، وَقُتِلَ مَعَهُ جَانْدَارِهْ، وَاخْتَلَطَ النَّاسُ فِي الظُّلْمَةِ، وَنَهَبُوا خَزَائِنَهُ، وَتَفَرَّقَ عَسْكَرُهُ، وَبَقِيَ مُلْقًى فَلَمْ يُوجَدْ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ، ثُمَّ حُمِلَ إِلَى دَارِهِ بِأَصْبَهَانَ، وَدُفِنَ بِهَا. وَوَصَلَ خَبَرُ قَتْلِهِ إِلَى السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، وَهُوَ بِخُوَارِ الرَّيِّ، قَدْ خَرَجَ مِنْ خُرَاسَانَ عَازِمًا عَلَى قَتْلِهِ وَهُوَ عَلَى غَايَةِ الْحَذَرِ مِنْ قِتَالِهِ وَعَاقِبَةِ أَمْرِهِ، وَفَرِحَ مَجْدُ الْمُلْكِ الْبَلَاسَانِيُّ بِقَتْلِهِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ يَوْمِهِ عَنْ قَرِيبٍ، وَكَانَ عُمُرُ أُنَرَ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْخَيْرِ وَالْمَحَبَّةِ لِلصَّالِحِينَ. ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ، الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ كَانَ الْبَيْتُ الْمُقَدَّسُ لِتَاجِ الدَّوْلَةِ تُتُشَ، وَأَقْطَعَهُ لِلْأَمِيرِ سُقْمَانَ بْنِ أُرْتُقَ التُّرْكُمَانِيِّ، فَلَمَّا ظَفِرَ الْفِرِنْجُ بِالْأَتْرَاكِ عَلَى أَنْطَاكِيَةَ، وَقَتَّلُوا فِيهِمْ، ضَعُفُوا، وَتَفَرَّقُوا، فَلَمَّا رَأَى الْمِصْرِيُّونَ ضَعْفَ الْأَتْرَاكِ سَارُوا إِلَيْهِ، وَمُقَدَّمُهُمُ الْأَفْضَلُ بْنُ بَدْرٍ الْجَمَالِيُّ، وَحَصَرُوهُ، وَبِهِ الْأَمِيرُ سُقْمَانُ، وَإِيلْغَازِي ابْنَا أُرْتُقَ، وَابْنُ عَمِّهِمَا سُونُجُ، وَابْنُ أَخِيهِمَا يَاقُوتِي، وَنَصَبُوا عَلَيْهِ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ مَنْجَنِيقًا، فَهَدَمُوا مَوَاضِعَ مِنْ سُورِهِ، وَقَاتَلَهُمْ أَهْلُ الْبَلَدِ، فَدَامَ الْقِتَالُ وَالْحِصَارُ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَمَلَكُوهُ بِالْأَمَانِ فِي شَعْبَانَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. وَأَحْسَنَ الْأَفْضَلُ إِلَى سُقْمَانَ وَإِيلْغَازِي وَمَنْ مَعَهُمَا، وَأَجْزَلَ لَهُمُ الْعَطَاءَ، وَسَيَّرَهُمْ فَسَارُوا إِلَى دِمَشْقَ، ثُمَّ عَبَرُوا الْفُرَاتَ، فَأَقَامَ سُقْمَانُ بِبَلَدِ الرُّهَا وَسَارَ إِيلْغَازِي إِلَى الْعِرَاقِ، وَاسْتَنَابَ الْمِصْرِيُّونَ فِيهِ رَجُلًا يُعْرَفُ بِافْتِخَارِ الدَّوْلَةِ، وَبَقِيَ فِيهِ إِلَى الْآنِ، فَقَصَدَهُ

стр. 4949

الْفِرِنْجُ، بَعْدَ أَنْ حَصَرُوا عَكَّا، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ حَصَرُوهُ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَنَصَبُوا عَلَيْهِ بُرْجَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنْ نَاحِيَةِ صِهْيَوْنَ، وَأَحْرَقَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَقَتَلُوا كُلَّ مَنْ بِهِ. فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ إِحْرَاقِهِ أَتَاهُمُ الْمُسْتَغِيثُ بِأَنَّ الْمَدِينَةَ قَدْ مُلِكَتْ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَمَلَكُوهَا مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ مِنْهُ ضَحْوَةَ نَهَارِ الْجُمُعَةِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ، وَرَكِبَ النَّاسُ السَّيْفَ، وَلَبِثَ الْفِرِنْجُ فِي الْبَلْدَةِ أُسْبُوعًا يَقْتُلُونَ فِيهِ الْمُسْلِمِينَ، وَاحْتَمَى جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِمِحْرَابِ دَاوُدَ، فَاعْتَصَمُوا بِهِ، وَقَاتَلُوا فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَبَذَلَ لَهُمُ الْفِرِنْجُ الْأَمَانَ، فَسَلَّمُوهُ إِلَيْهِمْ، وَوَفَّى لَهُمُ الْفِرِنْجُ، وَخَرَجُوا لَيْلًا إِلَى عَسْقَلَانَ فَأَقَامُوا بِهَا. وَقَتَلَ الْفِرِنْجُ، بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، مَا يَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ أَلْفًا، مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعُلَمَائِهِمْ، وَعُبَّادِهِمْ، وَزُهَّادِهِمْ، مِمَّنْ فَارَقَ الْأَوْطَانَ وَجَاوَرَ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ الشَّرِيفِ، وَأَخَذُوا مِنْ عِنْدِ الصَّخْرَةِ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ قِنْدِيلًا مِنَ الْفِضَّةِ، وَزْنُ كُلِّ قِنْدِيلٍ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَسِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأَخَذُوا مِنَ الْقَنَادِيلِ الصِّغَارِ مِائَةً وَخَمْسِينَ قِنْدِيلًا نُقْرَةً، وَمِنَ الذَّهَبِ نَيِّفًا وَعِشْرِينَ قِنْدِيلًا، وَغَنِمُوا مِنْهُ مَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْإِحْصَاءُ. وَوَرَدَ الْمُسْتَنْفِرُونَ مِنَ الشَّامِ، فِي رَمَضَانَ، إِلَى بَغَدَاذَ صُحْبَةُ الْقَاضِي أَبِي سَعْدٍ الْهَرَوِيِّ، فَأَوْرَدُوا فِي الدِّيوَانِ كَلَامًا أَبْكَى الْعُيُونَ، وَأَوْجَعَ الْقُلُوبَ، وَقَامُوا بِالْجَامِعِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَاسْتَغَاثُوا، وَبَكَوْا وَأَبْكَوْا، وَذُكِرَ مَا دَهَمَ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ الْبَلَدِ الشَّرِيفِ الْمُعَظَّمِ مِنْ قَتْلِ الرِّجَالِ، وَسَبْيِ الْحَرِيمِ وَالْأَوْلَادِ، وَنَهْبِ الْأَمْوَالِ، فَلِشِدَّةِ مَا أَصَابَهُمْ أَفْطَرُوا، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ أَنْ يَسِيرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّامَغَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الشَّاشِيُّ، وَأَبُو الْقَاسِمِ الزَّنْجَانِيُّ، وَأَبُو الْوَفَا بْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو سَعْدٍ الْحُلْوَانِيُّ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ سِمَاكٍ، فَسَارُوا إِلَى حُلْوَانَ، فَبَلَغَهُمْ قَتْلُ مَجْدِ الْمُلْكِ الْبَلَاسَانِيِّ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، فَعَادُوا مِنْ

стр. 4950

غَيْرِ بُلُوغِ أَرَبٍ، وَلَا قَضَاءِ حَاجَةٍ. وَاخْتَلَفَ السَّلَاطِينُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، فَتَمَكَّنَ الْفِرِنْجُ مِنِ الْبِلَادِ، فَقَالَ أَبُو الْمُظَفَّرِ الْآبِيوَرْدِيُّ، فِي هَذَا الْمَعْنَى، أَبْيَاتًا مِنْهَا: مَزَجْنَا دِمَاءً بِالدُّمُوعِ السَّوَاجِمِ ، فَلَمْ يَبْقَ مِنَّا عُرْضَةٌ لِلْمَرَاحِمِ ... وَشَرُّ سِلَاحِ الْمَرْءِ دَمْعٌ يُفِيضُهُ إِذَا الْحَرْبُ شَبَّتْ نَارُهَا بِالصَّوَارِمِ ... فَإِيهًا، بَنِي الْإِسْلَامِ، إِنَّ وَرَاءَكُمْ وَقَائِعَ يُلْحِقْنَ الذُّرَى بِالْمَنَاسِمِ ... أَتَهْوِيمَةٌ فِي ظِلِّ أَمْنٍ وَغِبْطَةٍ ، وَعَيْشٍ كَنُوَّارِ الْخَمِيلَةِ نَاعِمِ وَكَيْفَ تَنَامُ الْعَيْنُ مِلْءَ جُفُونِهَا ، عَلَى هَفَوَاتٍ أَيْقَظَتْ كُلَّ نَائِمِ ... وَإِخْوَانُكُمْ بِالشَّامِ يُضْحِي مَقِيلُهُمْ ظُهُورَ الْمَذَاكِي، أَوْ بُطُونَ الْقَشَاعِمِ ... تَسُومُهُمُ الرُّومُ الْهَوَانَ، وَأَنْتُمُ تَجُرُّونَ ذَيْلَ الْخَفْضِ فِعْلَ الْمُسَالِمِ ... وَكَمْ مِنْ دِمَاءٍ قَدْ أُبِيحَتْ، وَمِنْ دُمًى تَوَارَى حَيَاءً حُسْنُهَا بِالْمَعَاصِمِ ... بِحَيْثُ السُّيُوفُ الْبِيضُ مُحْمَرَّةُ الظُّبَى وَسُمْرُ الْعَوَالِي دَامِيَاتُ اللَّهَاذِمِ ... وَبَيْنَ اخْتِلَاسِ الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ وَقْفَةٌ تَظَلُّ لَهَا الْوِلْدَانُ شِيبَ الْقَوَادِمِ ... وَتِلْكَ حُرُوبٌ مَنْ يَغِبْ عَنْ غِمَارِهَا لِيَسْلَمَ، يَقْرَعْ بَعْدَهَا سَنَّ نَادِمِ ... سَلَلْنَ بِأَيْدِي الْمُشْرِكِينَ قَوَاضِبًا ، سَتُغْمَدُ مِنْهُمْ فِي الطُّلَى وَالْجَمَاجِمِ يَكَادُ لَهُنَّ الْمُسْتَجِنُّ بِطِيبَةٍ يُنَادِي ... بِأَعْلَى الصَّوْتِ يَا آلَ هَاشِمِ

стр. 4951

أَرَى أُمَّتِي لَا يَشْرَعُونَ إِلَى الْعِدَى رِمَاحَهُمْ، وَالدِّينُ وَاهِي الدَّعَائِمِ ... وَيَجْتَنِبُونَ النَّارَ خَوْفًا مِنَ الرَّدَى ، وَلَا يَحْسَبُونَ الْعَارَ ضَرْبَةَ لَازِمِ أَتَرْضَى صَنَادِيدُ الْأَعَارِيبِ بِالْأَذَى ، وَيُغْضِي عَلَى ذُلٍّ كُمَاةُ الْأَعَاجِمِ وَمِنْهَا: فَلَيْتَهُمْ، إِذْ لَمْ يَذُودُوا حَمِيَّةً ... عَنِ الدِّينِ، ضَنُّوا غَيْرَةً بِالْمَحَارِمِ وَإِنْ زَهِدُوا فِي الْأَجْرِ، إِذْ حَمِسَ الْوَغَى ، فَهَلَّا أَتَوْهُ رَغْبَةً فِي الْغَنَائِمِ ... لَئِنْ أَذْعَنَتْ تِلْكَ الْخَيَاشِيمُ لِلْبُرَى ، فَلَا عَطَسُوا إِلَّا بِأَجْدَعَ رَاغِمِ ... دَعَوْنَاكُمُ، وَالْحَرْبُ تَرْنُو مُلِحَّةً إِلَيْنَا، بِأَلْحَاظِ النُّسُورِ الْقَشَاعِمِ ... تُرَاقِبُ فِينَا غَارَةً عَرَبِيَّةً ، تُطِيلُ عَلَيْهَا الرُّومُ عَضَّ الْأَبَاهِمِ ... فَإِنْ أَنْتُمُ لَمْ تَغْضَبُوا بَعْدَ هَذِهِ ، رَمَيْنَا إِلَى أَعْدَائِنَا بِالْجَرَائِمِ ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْمِصْرِيِّينَ والْفِرِنْجِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَمَضَانَ، كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ الْعَسَاكِرِ الْمِصْرِيَّةِ والْفِرِنْجِ وَسَبَبُهَا أَنَّ الْمِصْرِيِّينَ لَمَّا بَلَغَهُمْ مَا تَمَّ عَلَى أَهْلِ الْقُدْسِ، جَمَعَ الْأَفْضَلُ أَمِيرُ الْجُيُوشِ الْعَسَاكِرَ، وَحَشَدَ، وَسَارَ إِلَى عَسْقَلَانَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْفِرِنْجِ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ مَا فَعَلُوا، وَيَتَهَدَّدُهُمْ، فَأَعَادُوا الرَّسُولَ بِالْجَوَابِ وَرَحَلُوا عَلَى أَثَرِهِ. وَطَلَعُوا عَلَى الْمِصْرِيِّينَ، عَقِيبَ وُصُولِ الرَّسُولِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْمِصْرِيِّينَ خَبَرٌ مِنْ وُصُولِهِمْ، وَلَا مِنْ حَرَكَتِهِمْ، وَلَمْ يَكُونُوا عَلَى أُهْبَةِ الْقِتَالِ، فَنَادَوْا إِلَى رُكُوبِ خُيُولِهِمْ، وَلَبِسُوا أَسْلِحَتَهُمْ، وَأَعْجَلَهُمُ الْفِرِنْجُ، فَهَزَمُوهُمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ، وَغَنِمُوا مَا فِي الْمُعَسْكَرِ مَنْ مَالٍ وَسِلَاحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَانْهَزَمَ الْأَفْضَلُ، فَدَخَلَ عَسْقَلَانَ، وَمَضَى جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ فَاسْتَتَرُوا بِشَجَرِ

стр. 4952

الْجُمَّيْزِ، وَكَانَ هُنَاكَ كَثِيرًا، فَأَحْرَقَ الْفِرِنْجُ بَعْضَ الشَّجَرِ، حَتَّى هَلَكَ مَنْ فِيهِ، وَقَتَلُوا مَنْ خَرَجَ مِنْهُ، وَعَادَ الْأَفْضَلُ فِي خَوَاصِّهِ إِلَى مِصْرَ وَنَازَلَ الْفِرِنْجُ عَسْقَلَانَ، وَضَايَقُوهَا، فَبَذَلَ لَهُمْ أَهْلُهَا قَطِيعَةَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقِيلَ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى الْقُدْسِ. ذِكْرُ ابْتِدَاءِ ظُهُورِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ كَانَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ وَسَنْجَرُ أَخَوَيْنِ لِأُمٍّ وَأَبٍ، أُمُّهُمَا أُمُّ وَلَدٍ، وَلَمَّا مَاتَ أَبُوهُ مَلِكْشَاهْ كَانَ مُحَمَّدٌ مَعَهُ بِبَغْدَاذَ، فَسَارَ مَعَ أَخِيهِ مَحْمُودٍ، وَتَرْكَانْ خَاتُونْ زَوْجَةِ وَالِدِهِ إِلَى أَصْبَهَانَ، وَلَمَّا حَصَرَ بَرْكِيَارُقُ أَصْبَهَانَ خَرَجَ مُحَمَّدٌ مُتَخَفِّيًا، وَمَضَى إِلَى وَالِدَتِهِ، وَهِيَ فِي عَسْكَرِ أَخِيهِ بَرْكِيَارُقَ، وَقَصَدَ أَخَاهُ السُّلْطَانَ بَرْكِيَارُقَ، وَسَارَ مَعَهُ إِلَى بَغْدَاذَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَأَقْطَعُهُ بَرْكِيَارُقُ كَنْجَةَ وَأَعْمَالَهَا، وَجَعَلَ مَعَهُ أَتَابِكًا لَهُ الْأَمِيرَ قَتْلَغْ تِكِينَ، فَلَمَّا قَوِيَ مُحَمَّدٌ قَتَلَهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ أَرَّانَ الَّذِي مِنْ جُمْلَتِهِ كَنْجَةُ، فَعُرِفَ ذَلِكَ الْوَقْتَ شَهَامَةُ مُحَمَّدٍ. وَكَانَ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ قَدْ أَخَذَ تِلْكَ الْبِلَادَ مِنْ فَضْلُونَ بْنِ أَبِي الْأَسْوَارِ الرَّوَّادِيِّ، وَسَلَّمَهَا إِلَى سَرْهَنْكَ سَاوْتِكِينَ الْخَادِمِ، وَأَقْطَعَ فَضْلُونَ أَسْتَرَابَاذَ، وَعَادَ فَضلُونُ ضِمْنَ بِلَادِهِ، ثُمَّ عَصَى فِيهَا لَمَّا قَوِيَ، فَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَيْهِ الْأَمِيرَ بُوزَانَ، فَحَارَبَهُ وَأَسَرَهُ، وَأَقْطَعَ بِلَادَهُ لِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ: يَاغِي سِيَانُ، صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ، وَلَمَّا مَاتَ يَاغِي سِيَانُ عَادَ وَلَدُهُ إِلَى وِلَايَةِ أَبِيهِ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ، وَتُوُفِّيَ فَضْلُونُ بِبَغْدَاذَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] وَهُوَ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْإِضَاقَةِ فِي مَسْجِدٍ عَلَى دِجْلَةَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ تَنَقُّلَ الْأَحْوَالِ بِمُؤَيَّدِ الْمُلْكِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ الْأَمِيرِ أُنَرَ، فَحَسَّنَ لَهُ عِصْيَانَ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، فَلَمَّا قُتِلَ أُنَرُ سَارَ إِلَى الْمَلِكِ مُحَمَّدٍ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِمُخَالَفَةِ أَخِيهِ، وَالسَّعْيِ فِي طَلَبِ السَّلْطَنَةِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَقَطَعَ خُطْبَةَ بَرْكِيَارُقَ مِنْ بِلَادِهِ، وَخَطَبَ لِنَفْسِهِ بِالسَّلْطَنَةِ وَاسْتَوْزَرَ مُؤَيَّدَ الْمُلْكِ.

стр. 4953

وَاتَّفَقَ قَتْلُ مَجْدِ الْمُلْكِ الْبَلَاسَانِيِّ، وَاسْتِيحَاشَ الْعَسْكَرِ مِنَ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، وَفَارَقُوهُ وَسَارُوا نَحْوَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، فَلَقَوْهُ بِخُرَّقَانَ، فَصَارُوا مَعَهُ، وَسَارُوا نَحْوَ الرَّيِّ. وَكَانَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ لَمَّا فَارَقَهُ عَسْكَرُهُ سَارَ مُجِدًّا إِلَى الرَّيِّ، فَأَتَاهُ بِهَا الْأَمِيرُ يَنَّالُ بْنُ أَنُوشْتَكِينَ الْحُسَامِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ أَيْضًا عِزُّ الْمُلْكِ مَنْصُورُ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَأُمُّهُ ابْنَةُ مَلِكِ الْأَبْخَازِ، وَمَعَهُ عَسَاكِرُ جَمَّةٌ، فَبَلَغَهُ مَسِيرُ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ إِلَيْهِ فِي الْعَسَاكِرِ، فَسَارَ مِنَ الرَّيِّ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَلَمْ يَفْتَحْ أَهْلُهَا لَهُ الْأَبْوَابَ، فَسَارَ إِلَى خُوزِسْتَانَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. وَوَرَدَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ إِلَى الرَّيِّ ثَانِيَ ذِي الْقَعْدَةِ، فَوَجَدَ زُبَيْدَةَ خَاتُونْ وَالِدَةَ أَخِيهِ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ قَدْ تَخَلَّفَتْ بَعْدَ ابْنِهَا، فَأَخَذَهَا مُؤَيَّدُ الْمُلْكِ وَسَجَنَهَا فِي الْقَلْعَةِ، وَأَخَذَ خَطَّهَا بِخَمْسَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَأَرَادَ قَتْلَهَا، وَأَشَارَ عَلَيْهِ ثِقَاتُهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَقَالُوا لَهُ: الْعَسْكَرُ مُحِبُّونَ لِوَلَدِهَا، وَإِنَّمَا اسْتَوْحَشُوا مِنْهُ لِأَجْلِهَا، وَمَتَى قُتِلَتْ عَدَلُوا عَلَيْهِ، فَلَا تَغْتَرَّ بِهَؤُلَاءِ الْجُنْدِ، فَإِنَّهُمْ غَدَرُوا بِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ أَوْثَقَ مَا كَانَ بِهِمْ، فَلَمْ يُصْغِ إِلَى قَوْلِهِمْ، وَرَفَعَهَا إِلَى الْقَلْعَةِ، وَخُنِقَتْ، وَكَانَ عُمْرُهَا اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمَّا أَسَرَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ مُؤَيَّدَ الْمُلْكِ رَأَى خَطَّهُ فِي تَذْكِرَتِهِ بِخَمْسَةِ آلَافِ دِينَارٍ، فَكَانَ أَعْظَمَ الْأَسْبَابِ فِي قَتْلِهِ. ذِكْرُ الْخُطْبَةِ بِبَغْدَاذَ لِلْمَلِكِ مُحَمَّدٍ لَمَّا قَوِيَ أَمْرُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ سَارَ إِلَيْهِ سَعْدُ الدَّوْلَةِ كُوهْرَائِينُ مِنْ بَغْدَاذَ، وَكَانَ قَدِ اسْتَوْحَشَ مِنَ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، فَاجْتَمَعَ هُوَ وَكَرْبُوقَا، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ وَجَكَرْمِشُ، صَاحِبُ الْجَزِيرَةِ، وَسُرْخَابُ بْنُ بَدْرٍ، صَاحِبُ كِنْكَوَرَ، وَغَيْرِهَا، فَسَارُوا إِلَى السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، فَلَقَوْهُ بِقُمَّ، فَرَدَّ سَعْدَ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَسَارَ كَرْبُوقَا وَجَكَرْمِشُ فِي خِدْمَتِهِ إِلَى أَصْبَهَانَ، وَلَمَّا وَصَلَ كُوهْرَائِينُ إِلَى بَغْدَاذَ خَاطَبَ الْخَلِيفَةَ فِي الْخُطْبَةِ لِلسُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ، وَخَطَبَ لَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَابِعَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ،

стр. 4954

وَلُقِّبَ " غِيَاثَ الدُّنْيَا وَالدِّينِ ". ذِكْرُ قَتْلِ مَجْدِ الْمُلْكِ الْبَلَاسَانِيِّ قَدْ ذَكَرْنَا تَحَكُّمَ مَجْدِ الْمُلْكِ أَبِي الْفَضْلِ أَسْعَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي دَوْلَةِ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، وَتَمَكُّنَهُ مِنْهَا. فَلَمَّا بَلَغَ الْغَايَةَ الَّتِي لَا مَزِيدَ عَلَيْهَا جَاءَتْهُ نَكَبَاتُ الدُّنْيَا وَمَصَائِبُهَا مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ. وَأَمَّا سَبَبُ قَتْلِهِ، فَإِنَّ الْبَاطِنِيَّةَ لَمَّا تَوَالَى مِنْهُمْ قَتْلُ الْأُمَرَاءِ الْأَكَابِرِ مِنَ الدَّوْلَةِ السُّلْطَانِيَّةِ، نَسَبُوا ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَضَعَهُمْ عَلَى قَتْلِ مَنْ قَتَلُوهُ، وَعَظَّمَ ذَلِكَ قَتْلُ الْأَمِيرِ بُرْسُقَ، فَاتَّهَمَ أَوْلَادُهُ زَنْكِيُّ وَاقْبُورِي وَغَيْرُهُمَا، مَجْدَ الْمُلْكِ بِقَتْلِهِ، وَفَارَقُوا السُّلْطَانَ. وَسَارَ السُّلْطَانُ إِلَى زَنْجَانَ لِأَنَّهُ بَلَغَهُ خُرُوجُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَطَمِعَ حِينَئِذٍ الْأُمَرَاءُ، فَأَرْسَلَ أَمِيرٌ آخَرُ، وَبَلْكَابِكُ، وَطُغَايَرْكُ بْنُ الْيَزَنِ، وَغَيْرُهُمْ، إِلَى الْأُمَرَاءِ بَنِي بُرْسُقَ يَسْتَحَضِرُونَهُمْ إِلَيْهِمْ لِيَتَّفِقُوا مَعَهُمْ عَلَى مُطَالَبَةِ السُّلْطَانِ بِتَسْلِيمِ مَجْدِ الْمُلْكِ إِلَيْهِمْ لِيَقْتُلُوهُ، فَحَضَرُوا عِنْدَهُمْ، فَأَرْسَلُوا إِلَى السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، وَهُمْ بِسِجَاسَ، مَدِينَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ هَمَذَانَ، يَلْتَمِسُونَ تَسْلِيمَهُ إِلَيْهِمْ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْعَسْكَرُ جَمِيعُهُ، وَقَالُوا: إِنْ سُلِّمَ إِلَيْنَا فَنَحْنُ الْعَبِيدُ الْمُلَازِمُونَ لِلْخِدْمَةِ، وَإِنْ مُنِعْنَا فَارَقْنَا، وَأَخَذْنَاهُ قَهْرًا. فَمَنَعَ السُّلْطَانُ مِنْهُ، فَأَرْسَلَ مَجْدُ الْمُلْكِ إِلَى السُّلْطَانِ يَقُولُ لَهُ: الْمَصْلَحَةُ أَنْ تَحْفَظَ أُمَرَاءَ دَوْلَتِكَ، وَتَقْتُلَنِي أَنْتَ لِئَلَّا يَقْتُلَنِي الْقَوْمُ فَيَكُونَ فِيهِ وَهَنٌ عَلَى دَوْلَتِكَ. فَلَمْ تَطِبْ نَفْسُ السُّلْطَانِ بِقَتْلِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَسْتَخْلِفُهُمْ عَلَى حِفْظِ نَفْسِهِ، وَحَبْسِهِ فِي بَعْضِ الْقِلَاعِ، فَلَمَّا حَلَفُوا سَلَّمَهُ إِلَيْهِمْ، فَقَتَلَهُ الْغِلْمَانُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِمْ فَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ. وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّهُ كَانَ لَا يُفَارِقُهُ كَفَنُهُ سَفْرًا وَحَضَرًا، فَفِي بَعْضِ الْأَيَّامِ فَتَحَ خَازِنُهُ صُنْدُوقًا، فَرَأَى الْكَفَنَ، فَقَالَ: وَمَا أَصْنَعُ بِهَذَا؟ إِنَّ أَمْرِي لَا يَئُولُ إِلَى كَفَنٍ، وَاللَّهِ مَا أَبْقَى إِلَّا طَرِيحًا عَلَى الْأَرْضِ. فَكَانَ كَذَلِكَ، وَرُبَّ كَلِمَةٍ تَقُولُ لِقَائِلِهَا دَعْنِي. وَلَمَّا قُتِلَ حُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى مُؤَيَّدِ الْمُلْكِ بْنِ نِظَامِ الْمُلْكِ. وَكَانَ مَجْدُ الْمُلْكِ خَيِّرًا،

стр. 4955

كَثِيرَ الصَّلَاةِ بِاللَّيْلِ، كَثِيرَ الصَّدَقَةِ، وَلَاسِيَّمَا عَلَى الْعَلَوِيِّينَ وَأَرْبَابِ الْبُيُوتِ، وَكَانَ يَكْرَهُ سَفْكَ الدِّمَاءِ، وَكَانَ يَتَشَيَّعُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَذْكُرُ الصَّحَابَةَ ذِكْرًا حَسَنًا، وَيَلْعَنُ مَنْ يَسُبُّهُمْ، وَلَمَّا قُتِلَ أَرْسَلَ الْأُمَرَاءُ يَقُولُونَ لِلسُّلْطَانِ: الْمَصْلَحَةُ أَنْ تَعُودَ إِلَى الرَّيِّ، وَنَحْنُ نَمْضِي إِلَى أَخِيكَ فَنُقَاتِلُهُ وَنَقْضِي هَذَا الْمُهِمَّ. فَسَارَ بَعْدَ امْتِنَاعٍ، وَتَبِعَهُ مِائَتَا فَارِسٍ لَا غَيْرَ، وَنَهَبَ الْعَسْكَرُ سُرَادِقَ السُّلْطَانِ وَوَالِدَتِهِ وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ، وَعَادَ إِلَى الرَّيِّ، وَسَارَ الْعَسْكَرُ إِلَى السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَعْبَانَ، وَصَلَ إِلْكَيَّا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّبَرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْهَرَّاسِ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَلَقَبُهُ عِمَادُ الدِّينِ شَمْسُ الْإِسْلَامِ، بِرِسَالَةٍ مِنَ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ إِلَى الْخَلِيفَةِ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيِّ، وَمَوْلِدُهُ خَمْسِينَ وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَاعْتَنَى بِأَمْرِهِ مَجْدُ الْمُلْكِ الْبَلَاسَانِيُّ، وَقَامَ لَهُ الْوَزِيرُ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ بْنُ جَهِيرٍ لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ. وَفِيهَا قُتِلَ أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيِّ بِنَيْسَابُورَ، وَكَانَ خَطِيبَهَا، وَاتَّهَمَ الْعَامَّةُ أَبَا الْبَرَكَاتِ الثَّعْلَبِيَّ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَعَى فِي قَتْلِهِ، فَوَثَبُوا بِهِ فَقَتَلُوهُ وَأَكَلُوا لَحْمَهُ. وَفِيهَا كَانَ بِخُرَاسَانَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ، تَعَذَّرَتْ فِيهِ الْأَقْوَاتُ، وَدَامَ سَنَتَيْنِ، وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ الْبَرْدَ أَهْلَكَ الزُّرُوعَ جَمِيعَهَا، وَلَحِقَ النَّاسَ بَعْدَهُ وَبَاءٌ جَارِفٌ، فَمَاتَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ عَجَزُوا عَنْ دَفْنِهِمْ لِكَثْرَتِهِمْ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا، فِي شَعْبَانَ، تُوُفِّيَ أَبُو الْغَنَائِمِ الْفَارِقِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، بِجَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَكَانَ إِمَامًا فَاضِلًا زَاهِدًا.

стр. 4956

وَفِيهَا، فِي صَفَرٍ، تُوُفِّيَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ طَلْحَةَ النِّعَالِيُّ، وَعُمْرُهُ نَحْوُ تِسْعِينَ سَنَةً وَكَانَ عَالِيَ الْإِسْنَادِ فِي الْحَدِيثِ، وَقِيلَ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. وَفِيهَا، فِي شَعْبَانَ، تُوُفِّيَ أَبُو غَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الصَّبَّاغِ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، تَفَقَّهُ عَلَى ابْنِ عَمَّةِ أَبِي نَصْرٍ، وَكَانَ حَسَنَ الْخُلُقِ، مُتَوَاضِعًا.

стр. 4957

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ٤٩٣ - ذِكْرُ إِعَادَةِ خُطْبَةِ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ بِبَغْدَاذَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أُعِيدَتِ الْخُطْبَةُ لِلسُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ بِبَغْدَاذَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بَرْكِيَارُقَ سَارَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي مِنَ الرَّيِّ إِلَى خُوزِسْتَانَ، فَدَخَلَهَا وَجَمِيعُ مَنْ مَعَهُ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ وَكَانَ أَمِيرُ عَسْكَرِهِ حِينَئِذٍ يَنَّالُ بْنُ أَنُوشْتِكِينَ الْحُسَامِيُّ، وَأَتَاهُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَسَارَ إِلَى وَاسِطَ، فَظَلَمَ عَسْكَرُهُ النَّاسَ، وَنَهَبُوا الْبِلَادَ، وَاتَّصَلَ بِهِ الْأَمِيرُ صَدَقَةُ بْنُ مَزِيدٍ، صَاحِبُ الْحِلَّةِ، وَوَثَبَ عَلَى السُّلْطَانِ قَوْمٌ لِيَقْتُلُوهُ، فَأُخِذُوا وَأُحْضِرُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَاعْتَرَفُوا أَنَّ الْأَمِيرَ سُرْمُزَ، شِحْنَةَ أَصْبَهَانَ، وَضَعَهُمْ عَلَى قَتْلِهِ، فَقُتِلَ أَحَدُهُمْ وَحُبِسَ الْبَاقُونَ، وَسَارَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَدَخَلَهَا سَابِعَ عَشَرَ صَفَرٍ، وَخُطِبَ لَهُ بِبَغْدَاذَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُنْتَصَفَ صَفَرٍ قَبْلَ وُصُولِهِ بِيَوْمَيْنِ. وَكَانَ سَعْدُ الدَّوْلَةِ كُوهْرَائِينُ بِالشَّفِيعِيِّ، وَهُوَ فِي طَاعَةِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، فَسَارَ إِلَى دَايِ مَرْجٍ، وَمَعَهُ إِيلْغَازِي بْنُ أُرْتُقَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْمُؤَيَّدِ، وَالسُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ يَسْتَحِثُّهُمَا عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَا إِلَيْهِ كَرْبُوقَا، صَاحِبَ الْمَوْصِلِ، وَجَكَرْمَشَ، صَاحِبَ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، فَأَمَّا جَكَرْمِشُ فَاسْتَأْذَنَ كُوهْرَائِينَ فِي الْعَوْدِ إِلَى بَلَدِهِ، وَقَالَ إِنَّهُ قَدِ اخْتَلَّتِ الْأَحْوَالُ، فَأَذِنَ لَهُ، وَبَقِيَ مَعَ كُوهْرَائِينَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَصْدُرُوا عَنْ رَأْيٍ وَاحِدٍ لَا يَخْتَلِفُونَ، ثُمَّ اتَّفَقَتْ آرَاؤُهُمْ عَلَى أَنْ كَتَبُوا إِلَى السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ يَقُولُونَ لَهُ: اخْرُجْ إِلَيْنَا، فَمَا فِينَا مَنْ يُقَاتِلُكَ.

стр. 4958

وَكَانَ الَّذِي أَشَارَ بِذَا كَرْبُوقَا، وَقَالَ لِكُوهْرَائِينَ: إِنَّنَا لَمْ نَظْفَرْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَمُؤَيَّدٍ، بِطَائِلٍ، وَكَانَ مُنْحَرِفًا عَنْ مُؤَيَّدٍ،. فَسَارَ بَرْكِيَارُقُ إِلَيْهِمْ، فَتَرَجَّلُوا، وَقَبَّلُوا الْأَرْضَ، وَعَادُوا مَعَهُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَأَعَادَ إِلَى كُوهْرَائِينَ جَمِيعَ مَا كَانَ أَخَذَ لَهُ مِنْ سِلَاحٍ وَدَوَابَّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَاسْتَوْزَرَ بَرْكِيَارُقُ بِبَغْدَاذَ الْأَعَزَّ أَبَا الْمَحَاسِنِ عَبْدَ الْجَلِيلِ بْنَ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الدِّهِسْتَانِيَّ، وَقَبَضَ عَلَى عَمِيدِ الدَّوْلَةِ بْنِ جَهِيرٍ أَبُو بَكْرٍ وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ، وَطَالَبَهُ بِالْحَاصِلِ مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ وَالْمَوْصِلِ لَمَّا تَوَلَّاهَا هُوَ وَأَبُوهُ أَيَّامَ مَلِكْشَاهْ، فَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَسِتِّينَ أَلْفِ دِينَارٍ يَحْمِلُهَا إِلَيْهِ، وَخَلَعَ الْخَلِيفَةُ عَلَى السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ. ذِكْرُ الْوَقْعَةِ بَيْنَ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ وَمُحَمَّدٍ وَإِعَادَةِ خُطْبَةِ مُحَمَّدٍ بِبَغْدَاذَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ بَرْكِيَارُقُ مِنْ بَغْدَاذَ عَلَى شَهْرَزُورَ، فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَالْتَحَقَ بِهِ عَالَمٌ كَثِيرٌ مِنَ التُّرْكُمَانِ وَغَيْرِهِمْ، فَسَارَ نَحْوَ أَخِيهِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ لِيُحَارِبَهُ، فَكَاتَبَهُ رَئِيسُ هَمَذَانَ لِيَسِيرَ إِلَيْهَا وَيَأْخُذَ أَقْطَاعَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَ أَخِيهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَسَارَ نَحْوَ أَخِيهِ فَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ رَابِعَ رَجَبٍ، وَهُوَ الْمَصَافُّ الْأَوَّلُ بَيْنَ بَرْكِيَارُقَ وَأَخِيهِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ بِإِسْبِيذْرُوذَ، وَمَعْنَاهُ النَّهْرُ الْأَبْيَضُ، وَهُوَ عَلَى عِدَّةِ فَرَاسِخَ مِنْ هَمَذَانَ. وَكَانَ مَعَ مُحَمَّدٍ نَحْوُ عِشْرِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ فِي الْقَلْبِ، وَمَعَهُ الْأَمِيرُ سُرْمُزُ، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ أَمِيرٌ آخَرُ، وَابْنُهُ إِيَازُ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ مُؤَيَّدُ الْمُلْكِ، وَالنِّظَامِيَّةُ، وَكَانَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ فِي الْقَلْبِ، وَوَزِيرُهُ الْأَعَزُّ أَبُو الْمَحَاسِنِ، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ كُوهْرَائِينُ وَعِزُّ الدَّوْلَةِ بْنُ صَدَقَةَ بْنِ مَزِيدٍ، وَسُرْخَابُ بْنُ بَدْرٍ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ كَرْبُوقَا وَغَيْرُهُ، فَحَمَلَ كُوهْرَائِينُ مِنْ مَيْمَنَةِ بَرْكِيَارُقَ عَلَى مَيْسَرَةِ مُحَمَّدٍ، وَبِهَا مُؤَيَّدُ الْمُلْكِ، وَالنِّظَامِيَّةُ، فَانْهَزَمُوا، وَدَخَلَ عَسْكَرُ بَرْكِيَارُقَ فِي خِيَامِهِمْ، فَنَهَبُوهُمْ، وَحَمَلَتْ مَيْمَنَةُ مُحَمَّدٍ عَلَى مَيْسَرَةِ بَرْكِيَارُقَ، فَانْهَزَمَتِ الْمُيَسَّرَةُ، وَانْضَافَتْ مَيْمَنَةُ مُحَمَّدٍ إِلَيْهِ فِي الْقَلْبِ عَلَى بَرْكِيَارُقَ وَمَنْ مَعَهُ، فَانْهَزَمَ بَرْكِيَارُقُ، وَوَقَفَ مُحَمَّدٌ مَكَانَهُ، وَعَادَ كُوهْرَائِينُ مِنْ طَلَبِ الْمُنْهَزِمِينَ الَّذِينَ انْهَزَمُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَبَا بِهِ فَرَسُهُ، فَأَتَاهُ خُرَاسَانِيٌّ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ رَأْسَهُ، وَتَفَرَّقَتْ عَسَاكِرُ بَرْكِيَارُقَ، وَبَقِيَ فِي خَمْسِينَ فَارِسًا.

стр. 4959

وَأَمَّا وَزِيرُهُ الْأَعَزُّ أَبُو الْمَحَاسِنِ فَإِنَّهُ أُخِذَ أَسِيرًا، فَأَكْرَمَهُ مُؤَيَّدُ الْمُلْكِ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَنَصَبَ لَهُ خِيَمًا وَخَرْكَاةَ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ الْفُرُشَ وَالْكِسْوَةَ، وَضَمَّنَهُ عِمَادَةَ بَغْدَاذَ، وَأَعَادَهُ إِلَيْهَا، وَأَمَرَهُ بِالْمُخَاطَبَةِ فِي إِعَادَةِ الْخُطْبَةِ لِلسُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ بِبَغْدَاذَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا خَاطَبَ فِي ذَلِكَ، فَأُجِيبُ إِلَيْهِ، وَخُطِبَ لَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَابِعَ عَشَرَ رَجَبٍ. ذِكْرُ قَتْلِ سَعْدِ الدَّوْلَةِ كُوهْرَائِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَجَبٍ، قُتِلَ سَعْدُ الدَّوْلَةِ كُوهْرَائِينُ فِي الْحَرْبِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلُ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ خَادِمًا لِلْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ بْنِ سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهَ، انْتَقَلَ إِلَيْهِ (مِنَ امْرَأَةٍ) مِنْ قُرْقُوبَ بِخُوزِسْتَانَ، وَكَانَ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى الْأَهْوَازِ حَضَرَ عِنْدَهَا، وَاسْتَعْرَضَ حَوَائِجَهَا، وَأَصَابَ أَهْلُهَا مِنْهُ خَيْرًا كَثِيرًا، فَأَرْسَلَهُ أَبُو كَالِيجَارَ مَعَ ابْنِهِ أَبِي نَصْرٍ إِلَى بَغْدَاذَ، فَلَمَّا قَبَضَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَكْ مَضَى مَعَهُ إِلَى قَلْعَةِ طَبَرَكَ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو نَصْرٍ انْتَقَلَ إِلَى خِدْمَةِ السُّلْطَانِ أَلْبَ أَرْسِلَانَ، وَوَقَاهُ بِنَفْسِهِ لَمَّا جَرَحَهُ يُوسُفُ الْخُوَارِزْمِيُّ. وَكَانَ أَلْبُ أَرْسِلَانُ قَدْ أَقْطَعَهُ وَاسِطَ، وَجَعَلَهُ شِحْنَةً لِبَغْدَاذَ، فَلَمَّا قُتِلَ أَلْبُ أَرْسِلَانُ أَرْسَلَهُ ابْنُهُ مَلِكْشَاهْ إِلَى بَغْدَاذَ، فَأَحْضَرَ لَهُ الْخِلَعَ وَالتَّقْلِيدَ، وَرَأَى مَا لَمْ يَرَهُ خَادِمٌ قَبْلَهُ مِنْ نُفُوذِ الْأَمْرِ، وَتَمَامِ الْقُدْرَةِ، وَطَاعَةِ أَعْيَانِ الْأُمَرَاءِ، وَخِدْمَتِهِمْ إِيَّاهُ، وَكَانَ حَلِيمًا كَرِيمًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، لَمْ يُصَادِرْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ، وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ. ذِكْرُ حَالِ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ وَانْهِزَامِهِ مِنْ أَخِيهِ سَنْجَرَ أَيْضًا وَقَتْلِ أَمِيرِ دَاذَ حَبَشِيٍّ لَمَّا انْهَزَمَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ مِنْ أَخِيهِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ سَارَ قَلِيلًا، وَهُوَ فِي خَمْسِينَ فَارِسًا، وَنَزَلَ عُتُمَةَ، وَاسْتَرَاحَ، وَقَصَدَ الرَّيَّ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُهُ، وَيُؤْثِرُ دَوْلَتَهُ، فَاسْتَدْعَاهُ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ جَمْعٌ صَالِحٌ، فَسَارَ إِلَى إِسْفَرَايِينَ، وَكَاتَبَ أَمِيرَ دَاذَ حَبَشِيَّ بْنَ أَلْتُونْتَاقَ، وَهُوَ بِدَامَغَانَ، يَسْتَدْعِيهِ، فَأَجَابَهُ يُشِيرُ عَلَيْهِ بِالْمُقَامِ بِنَيْسَابُورَ حَتَّى يَأْتِيَهُ، وَكَانَ بِيَدِهِ حِينَئِذٍ أَكْثَرُ خُرَاسَانَ وَطَبَرِسِتَانَ وَجُرْجَانَ، فَلَمَّا وَصَلَ بَرْكِيَارُقُ إِلَى

стр. 4960

نَيْسَابُورَ قَبَضَ عَلَى رُؤَسَائِهَا، وَخَرَجَ بِهِمْ، وَأَطْلَقُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَتَمَسَّكَ بِعَمِيدِ خُرَاسَانَ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيِّ. فَأَمَّا أَبُو الْقَاسِمِ فَمَاتَ مَسْمُومًا فِي قَبْضِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ قُتِلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. وَعَادَ بَرْكِيَارُقُ فَاسْتَدْعَى أَمِيرَ دَاذَ فَاعْتَذَرَ بِقَصْدِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ بِلَادَهُ فِي عَسَاكِرِ بَلْخَ، وَيَسْأَلُ السُّلْطَانَ بَرْكِيَارُقَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ عَلَى الْمَلِكِ سَنْجَرَ، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي أَلْفِ فَارِسٍ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِقُدُومِهِ إِلَّا الْأُمَرَاءُ الْكِبَارُ مِنْ أَصْحَابِ سَنْجَرَ وَلَمْ يُعْلِمُوا الْأَصَاغِرَ لِئَلَّا يَنْهَزِمُوا. وَكَانَ مَعَ أَمِيرِ دَاذَ عِشْرُونَ أَلْفَ فَارِسٍ، فِيهِمْ مِنْ رَجَّالَةِ الْبَاطِنِيَّةِ خَمْسَةُ آلَافٍ، وَوَقَعَ الْمَصَافُّ بَيْنَ بَرْكِيَارُقَ وَأَخِيهِ سَنْجَرَ خَارِجَ النُّوشَجَانِ، وَكَانَ الْأَمِيرُ بَزْغَشُ فِي مَيْمَنَةِ سَنْجَرَ، وَالْأَمِيرُ كُنْدَكَزُ فِي مَيْسَرَتِهِ، وَالْأَمِيرُ رُسْتُمُ فِي الْقَلْبِ، وَاشْتَغَلَ الْعَسْكَرُ بِالنَّهْبِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ بَزْغَشُ وكُنْدَكَزُ، فَقَتَلَا الْمُنْهَزِمِينَ، وَانْهَزَمَ الرَّجَّالَةُ إِلَى مَضِيقٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الْمَاءَ فَأَهْلَكَهُمْ، وَوَقَعَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى أَصْحَابِ بَرْكِيَارُقَ، وَكَانَ قَدْ أَخَذَ وَالِدَةَ أَخِيهِ سَنْجَرَ لَمَّا انْهَزَمَ أَصْحَابُهُ أَوَّلًا، فَخَافَتْ أَنْ يَقْتُلَهَا بِأُمِّهِ، فَأَحْضَرَهَا وَطَيَّبَ قَلْبَهَا، وَقَالَ: إِنَّمَا أَخَذْتُكِ حَتَّى يُطْلِقَ أَخِي سَنْجَرُ مِنْ عِنْدِهِ مِنَ الْأَسْرَى، وَلَسْتِ كُفْؤًا لِوَالِدَتِي حَتَّى أَقْتُلَكِ. فَلَمَّا أَطْلَقَ سَنْجَرُ الْأَسْرَى أَطْلَقَهَا بَرْكِيَارُقُ. وَهَرَبَ أَمِيرُ دَاذَ إِلَى بَعْضِ الْقُرَى، وَأَخَذَ بَعْضَ التُّرْكُمَانِ، فَأَعْطَاهُ فِي نَفْسِهِ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، فَلَمْ يُطْلِقْهُ، وَحَمَلَهُ إِلَى بَزْغَشَ فَقَتَلَهُ. وَسَارَ بَرْكِيَارُقُ إِلَى جُرْجَانَ ثُمَّ إِلَى دَامَغَانَ، وَسَارَ فِي الْبَرِّيَّةِ، ورُؤِيَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَمَعَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ فَارِسًا، وَجَمَّازَةٌ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ كَثُرَ جَمْعُهُ، وَصَارَ مَعَهُ ثَلَاثَةُ آلَفِ فَارِسٍ، مِنْهُمْ: جَاوُلِي سَقَاوُوا، وَغَيْرُهُ، وَسَارَ إِلَى أَصْبَهَانَ بِمُكَاتَبَةٍ مِنْ أَهْلِهَا، فَسَمِعَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ، فَسَبَقَهُ إِلَيْهَا، فَعَادَ إِلَى سُمَيْرَمَ. ذِكْرُ فَتْحِ تَمِيمِ بْنِ الْمُعِزِّ مَدِينَةَ سَفَاقُسَ

стр. 4961

فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَتَحَ تَمِيمُ بْنُ الْمُعِزِّ مَدِينَةَ سَفَاقُسَ، وَكَانَ صَاحِبُهَا حَمُّو قَدْ عَادَ فَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا، وَاشْتَدَّ أَمْرُهُ بِوَزِيرٍ كَانَ عِنْدَهُ قَدْ قَصَدَهُ، وَهُوَ مِنْ كُتَّابِ الْمُعِزِّ، كَانَ حَسَنَ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ، فَاسْتَقَامَتْ بِهِ دَوْلَتُهُ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ تَمِيمٌ يَطْلُبُهُ لِيَسْتَخْدِمَهُ، وَوَعَدَهُ، وَبَالَغَ فِي اسْتِمَالَتِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ، فَسَيَّرَ تَمِيمٌ جَيْشًا إِلَى حِصَارِ سَفَاقُسَ، وَأَمَرَ الْأَمِيرَ الَّذِي جَعَلَهُ مُقَدَّمَ الْجَيْشِ أَنْ يَهْدِمَ مَا حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَيُحْرِقَهُ، وَيَقْطَعَ الْأَشْجَارَ سِوَى مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الْوَزِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ، وَيُبَالِغُ فِي صِيَانَتِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَى حَمُّو مَا فُعِلَ بِأَمْلَاكِ النَّاسِ، مَا عَدَا الْوَزِيرَ، اتَّهَمَهُ، فَقَتَلَهُ، فَانْحَلَّ نِظَامُ دَوْلَتِهِ، وَتَسَلَّمَ عَسْكَرُ تَمِيمٍ الْمَدِينَةَ، وَخَرَجَ حَمُّو مِنْهَا، وَقَصَدَ مَكْنَ بْنَ كَامِلٍ الدَّهْمَانِيَّ فَأَقَامَ عِنْدَهُ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى مَاتَ. ذِكْرُ عَزْلِ عَمِيدِ الدَّوْلَةِ مِنْ وِزَارَةِ الْخَلِيفَةِ وَوَفَاتِهِ لَمَّا أَطْلَقَ مُؤَيَّدُ الدَّوْلَةِ، وَزِيرُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، الْأَعَزَّ أَبَا الْمَحَاسِنِ، وَزِيرَ بَرْكِيَارُقَ، وَضَمَّنَهُ عِمَادَةَ بَغْدَاذَ، أَمَرَ أَنْ يُخَاطِبَ الْخَلِيفَةَ بِعَزْلِ وَزِيرِهِ عَمِيدِ الدَّوْلَةِ بْنِ جَهِيرٍ، فَسَارَ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَسَمِعَ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ الْخَبَرَ، فَأَمَرَ أَصْبَهْبَذَ صَبَاوَةَ بْنَ خُمَارْتِكِينْ بِالْخُرُوجِ إِلَى طَرِيقِ الْأَعَزِّ وَقَتْلِهِ. وَكَانَ أَصْبَهْبَذُ قَدْ حَضَرَ الْحَرْبَ مَعَ بَرْكِيَارُقَ، وَلَمَّا انْهَزَمَ الْعَسْكَرُ قَصَدَ بَغْدَاذَ، فَخَرَجَ إِلَى طَرِيقِ الْأَعَزِّ أَبِي الْمَحَاسِنِ، فَلَقِيَهُ قَرِيبًا مِنْ بَعْقُوبَا، فَأَوْقَعَ بِمَنْ مَعَهُ، وَالْتَجَأَ الْأَعَزُّ إِلَى الْقَرْيَةِ وَاحْتَمَى، فَلَمَّا رَأَى أَصْبَهْبَذُ صَبَاوَةُ ذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: إِنَّكَ وَزِيرُ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، وَأَنَا مَمْلُوكُهُ، فَإِنْ كُنْتَ عَلَى خِدْمَتِهِ فَاخْرُجْ إِلَيْنَا حَتَّى نَسِيرَ إِلَى بَغْدَاذَ وَنُقِيمَ الْخُطْبَةَ لِلسُّلْطَانِ، وَأَنْتَ الصَّاحِبُ الَّذِي لَا يُخَالَفُ، وَإِنْ لَمْ تُجِبْ إِلَى هَذَا، فَمَا بَيْنَنَا غَيْرُ السَّيْفِ. فَأَجَابَهُ الْأَعَزُّ إِلَى ذَلِكَ، وَاجْتَمَعَا، فَعَرَّفَهُ صَبَاوَةُ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ مِنْ قَتْلِهِ، وَبَاتَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَأَرْسَلَ الْأَعَزُّ إِلَى الْأَمِيرِ إِيلْغَازِي بْنِ أُرْتُقَ، وَكَانَ قَدْ

стр. 4962

وَرَدَ فِي صُحْبَتِهِ، وَفَارَقَهُ نَحْوَ الرَّاذَنِ، فَحَضَرَ فِي اللَّيْلِ، فَانْقَطَعَ حِينَئِذٍ أَمَلُ صَبَاوَةَ مِنْهُ، وَفَارَقَهُ. وَسَارَ الْأَعَزُّ إِلَى بَغْدَاذَ وَخَاطَبَ فِي عَزْلِ عَمِيدِ الدَّوْلَةِ، فَعُزِلَ فِي رَمَضَانَ، وَأُخِذَ مِنْ مَالِهِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقُبِضَ عَلَيْهِ وَعَلَى إِخْوَتِهِ، وَبَقِيَ مَعْزُولًا إِلَى سَادِسَ عَشَرَ شَوَّالٍ، فَتُوُفِّيَ مَحْبُوسًا فِي دَارِ الْخِلَافَةِ، وَمَوْلِدُهُ فِي مُحَرَّمٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ عَاقِلًا، كَرِيمًا، حَلِيمًا، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَظِيمَ الْكِبْرِ، يَكَادُ يَعُدُّ كَلَامَهُ عَدًّا، وَكَانَ إِذَا كَلَّمَ إِنْسَانًا كَلِمَاتٍ يَسِيرَةً هُنِّئَ ذَلِكَ الرَّجُلُ بِكَلَامِهِ. ذِكْرُ ظَفَرِ الْمُسْلِمِينَ بِالْفِرِنْجِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ لَقِيَ كُمُشْتِكِينْ بْنُ الدَّانِشْمَنْدِ طَايْلُو، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ابْنُ الدَّانِشْمَنْدِ لِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ مُعَلِّمًا لِلتُّرْكُمَانِ وَتَقَلَّبَتْ بِهِ الْأَحْوَالُ، حَتَّى مَلَكَ، وَهُوَ صَاحِبُ مَلَطْيَةَ وَسِيوَاسَ وَغَيْرِهِمَا، بِيمُنْدُ الْفِرِنْجِيُّ، وَهُوَ مِنْ مُقَدَّمِي الْفِرِنْجِ، قَرِيبَ مَلَطْيَةَ، وَكَانَ صَاحِبُهَا قَدْ كَاتَبَهُ، وَاسْتَقْدَمَهُ إِلَيْهِ، فَوَرَدَ عَلَيْهِ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ، فَلَقِيَهُمُ ابْنُ الدَّانِشْمَنْدِ، فَانْهَزَمَ بِيمُنْدُ وَأُسِرَ. ثُمَّ وَصَلَ مِنَ الْبَحْرِ سَبْعَةُ قَمَامِصَةٍ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَأَرَادُوا تَخْلِيصَ بِيمُنْدَ، فَأَتَوْا إِلَى قَلْعَةٍ تُسَمَّى أَنْكُورِيَّةَ، فَأَخَذُوهَا وَقَتَلُوا مَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَسَارُوا إِلَى قَلْعَةٍ أُخْرَى فِيهَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الدَّانِشْمَنْدِ، وَحَصَرُوهَا، فَجَمَعَ ابْنُ الدَّانِشْمَنْدِ جَمْعًا كَثِيرًا، وَلَقِيَ الْفِرِنْجَ، وَجَعَلَ لَهُ كَمِينًا، وَقَاتَلَهُمْ، وَخَرَجَ الْكَمِينُ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُفْلِتْ أَحَدٌ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ، غَيْرَ ثَلَاثَةِ آلَافٍ هَرَبُوا لَيْلًا وَأَفْلَتُوا مَجْرُوحِينَ. وَسَارَ الدَّانِشْمَنْدِ إِلَى مَلَطْيَةَ، فَمَلَكَهَا وَأَسَرَ صَاحِبَهَا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِ عَسْكَرُ الْفِرِنْجِ مِنْ أَنْطَاكِيَةَ، فَلَقِيَهُمْ وَكَسَرَهُمْ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقَائِعُ فِي شُهُورٍ قَرِيبَةٍ.

стр. 4963

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ زَادَ أَمْرُ الْعَيَّارِينِ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ بَغْدَاذَ، فِي شَعْبَانَ، وَعَظُمَ ضَرَرُهُمْ، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ كَمَالَ الدَّوْلَةِ يُمْنَ بِتَهْذِيبِ الْبَلَدِ، فَأَخَذَ جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِهِمْ، وَطَلَبَ الْبَاقِينَ فَهَرَبُوا. وَفِيهَا أَيْضًا انْحَلَّتِ الْأَسْعَارُ بِالْعِرَاقِ، وَكَانَ الْحِنْطَةُ قَدْ بَلَغَ سَبْعِينَ دِينَارًا، وَرُبَّمَا زَادَ كَثِيرًا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَانْقَطَعَتِ الْأَمْطَارُ، وَيَبِسَتِ الْأَنْهَارُ، وَكَثُرَ الْمَوْتُ، حَتَّى عَجَزُوا عَنْ دَفْنِ الْمَوْتَى، فَحُمِلَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ سِتَّةُ أَمْوَاتٍ عَلَى نَعْشٍ وَاحِدٍ، وَعُدِمَتِ الْأَدْوِيَةُ وَالْعَقَاقِيرُ. وَفِيهَا، فِي رَجَبٍ، سَارَ بِيمُنْدُ الْفِرِنْجِيُّ، صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ، إِلَى قَلْعَةِ أَفَامِيَةَ، فَحَصَرُوهَا، وَقَاتَلَ أَهْلَهَا أَيَّامًا، وَأَفْسَدَ زُرُوعَهَا ثُمَّ رَحَلَ عَنْهَا. وَفِيهَا، فِي آخِرِ رَمَضَانَ، قُتِلَ الْأَمِيرُ بَلْكَابِكْ سُرْمُزُ بِأَصْبَهَانَ،، بِدَارِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ كَثِيرَ الِاحْتِيَاطِ مِنَ الْبَاطِنِيَّةِ لَا يُفَارِقُهُ لُبْسُ الدِّرْعِ وَمَنْ يَمْنَعُ عَنْهُ، فَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَلْبَسْ دِرْعًا، وَدَخَلَ دَارَ السُّلْطَانِ فِي قِلَّةٍ، فَقَتَلَهُ الْبَاطِنِيَّةُ، فَقُتِلَ وَاحِدٌ وَنَجَا آخَرُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ الْبِسْطَامِيُّ الصُّوفِيُّ، وَرِبَاطُهُ مَشْهُورٌ عَلَى دِجْلَةَ غَرْبِيَّ بَغْدَاذَ، بَنَاهُ أَبُو الْغَنَائِمِ بْنُ الْمَحْلَبَانِ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو نَصْرِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرْدَةَ، وَأَصْلُهُ مِنْ عُكْبَرَا، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ مَسْجِدُ ابْنِ جَرْدَةَ، وَخَرَابَةُ ابْنِ جَرْدَةَ بِبَغْدَاذَ.

стр. 4964

وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو يَحْيَى بْنُ جَزْلَةَ الطَّبِيبُ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ، وَهُوَ مُصَنِّفُ كِتَابِ الْمِنْهَاجِ. وَفِيهَا، فِي شَوَّالٍ، تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الصُّوفِيُّ، الْغَزْنَوِيُّ، الْمُقِيمُ بِرِبَاطِ عَتَّابٍ، وَحَجَّ عِدَّةَ حَجَّاتٍ عَلَى التَّجْرِيدِ، وَلَمْ يُخَلِّفْ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ، فَقَالَتْ زَوْجَتُهُ: إِذَا مِتَّ افْتَضَحْنَا، قَالَ: لَمَ نَفْتَضِحُ؟ قَالَتْ: لِأَنَّكَ لَيْسَ لَكَ مَا تُكَفَّنُ فِيهِ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَفْتَضِحُ إِذَا خَلَّفْتُ مَا أُكَفَّنُ فِيهِ. وَفِيهَا، فِي رَمَضَانَ، تُوُفِّيَ عِزُّ الدَّوْلَةِ أَبُو الْمَكَارِمِ مُحَمَّدُ بْنُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ صَدَقَةَ بْنِ مَزْيَدٍ.

стр. 4965

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ٤٩٤ - ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ السُّلْطَانَيْنِ بَرْكِيَارُقَ وَمُحَمَّدٍ وَقَتْلِ مُؤَيَّدِ الْمُلْكِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثَالِثَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، كَانَ الْمَصَافُّ الثَّانِي بَيْنَ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ وَالسُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] انْهِزَامَ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ مِنْ أَخِيهِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَتَنَقُّلَهُ فِي الْبِلَادِ، إِلَى أَصْبَهَانَ. وَأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهَا، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى خُوزِسْتَانَ، وَأَتَى عَسْكَرَ مُكْرَمٍ، فَأَتَاهُ الْأَمِيرَانِ زَنْكِي وَأَلْبَكْي ابْنَا بُرْسُقَ، وَصَارَا مَعَهُ، وَأَقَامَ بِهَا شَهْرَيْنِ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى هَمَذَانَ، فَاتَّصَلَ بِهِ الْأَمِيرُ إِيَازُ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَمِيرَ آخُرَ قَدْ مَاتَ مُذْ قَرِيبٍ، فَاتَّهَمَ إِيَازُ مُؤَيَّدَ الْمُلْكِ بِأَنَّهُ سَقَاهُ السُّمَّ، وَقَوَّى ذَلِكَ عِنْدَهُ أَنَّ وَزِيرَ أَمِيرِ آخُرَ هَرَبَ عَقِيبَ مَوْتِهِ، فَازْدَادَ ظَنُّ إِيَازَ بِاتِّهَامِهِ، فَظَفِرَ بِالْوَزِيرِ فَقَتَلَهُ. وَكَانَ إِيَازُ قَدِ اتَّخَذَهُ أَمِيرُ آخُرَ وَلَدًا، وَاتَّصَلَ بِهِ الْعَسْكَرُ، وَوَصَّى لَهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ، فَحِينَ اسْتَوْحَشَ لِهَذَا السَّبَبِ كَاتَبَ السُّلْطَانَ بَرْكِيَارُقَ، وَاتَّصَلَ بِهِ، وَمَعَهُ خَمْسَةُ آلَافِ فَارِسٍ، وَصَارَ مِنْ جُمْلَةِ عَسْكَرِهِ. وَسَارَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ إِلَى لِقَاءِ أَخِيهِ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الْعَسْكَرَانِ اسْتَأْمَنَ الْأَمِيرُ سُرْخَابُ بْنُ كِيخِسْرُو، صَاحِبَ آوَةَ، إِلَى السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، فَأَكْرَمَهُ، وَوَقَعَ الْمَصَافُّ ثَالِثَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ مَعَ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ خَمْسُونَ أَلْفًا، وَمَعَ أَخِيهِ السُّلْطَانِ

стр. 4966

مُحَمَّدٍ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، فَالْتَقَوْا، فَاقْتَتَلُوا يَوْمَهُمْ أَجْمَعَ، وَكَانَ النَّفَرُ يَسْتَأْمِنُونَ مِنْ عَسْكَرِ مُحَمَّدٍ إِلَى بَرْكِيَارُقَ، فَيُحْسِنُ إِلَيْهِمْ. وَمِنَ الْعَجَبِ الدَّالِّ عَلَى الظَّفَرِ أَنَّ رَجَّالَةَ بَرْكِيَارُقَ احْتَاجُوا إِلَى تِرَاسٍ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ يَوْمُ الْمَصَافِّ بُكْرَةً اثْنَا عَشْرَةَ حِمْلًا مِنْ هَمَذَانَ مِنْهَا ثَمَانِيَةُ أَحْمَالِ تِرَاسٍ، فَفُرِّقَتْ فِيهِمْ، فَلَمَّا وَصَلَتْ نَزَلَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى. وَلَمْ يَزَلِ الْقِتَالُ إِلَى آخَرِ النَّهَارِ، فَانْهَزَمَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ وَعَسْكَرُهُ وَأُسِرَ مُؤَيَّدُ الْمُلْكِ، أَسَرَهُ غُلَامٌ لِمَجْدِ الْمُلْكِ الْبَلَاسَانِيِّ وَأُحْضِرَ عِنْدَ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، فَسَبَّهُ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ مَعَهُ مِنْ سَبِّ وَالِدَتِهِ مَرَّةً، وَنِسْبَتِهِ إِلَى مَذْهَبِ الْبَاطِنِيَّةِ أُخْرَى، وَمِنْ حَمْلِ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ عَلَى عِصْيَانِهِ، وَالْخُرُوجِ عَنْ طَاعَتِهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَمُؤَيَّدُ الْمُلْكِ سَاكِتٌ لَا يُعِيدُ كَلِمَةً، فَقَتَلَهُ بَرْكِيَارُقُ بِيَدِهِ، وَأُلْقِيَ عَلَى الْأَرْضِ عِدَّةَ أَيَّامٍ حَتَّى سَأَلَ الْأَمِيرُ إِيَازُ فِي دَفْنِهِ، فَأَذِنَ فِيهِ، فَحُمِلَ إِلَى تُرْبَةِ أَبِيهِ بِأَصْبَهَانَ فَدُفِنَ مَعَهُ. وَكَانَ بَخِيلًا، سَيِّئَ السِّيرَةِ مَعَ الْأُمَرَاءِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الْمَكْرِ وَالْحِيَلِ فِي إِصْلَاحِ أَمْرِ الْمُلْكِ، وَكَانَ عُمْرُهُ لَمَّا قُتِلَ نَحْوَ خَمْسِينَ سَنَةً. وَكَانَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ قَدِ اسْتَوْزَرَ فِي صَفَرٍ الْأَعَزَّ أَبَا الْمَحَاسِنِ عَبْدَ الْجَلِيلِ بْنَ الدِّهِسْتَانِيِّ، فَلَمَّا قُتِلَ مُؤَيَّدُ الْمُلْكِ أَرْسَلَ الْوَزِيرُ أَبُو الْمَحَاسِنِ رَسُولًا إِلَى بَغْدَاذَ، وَهُوَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْأَسْدَابَاذِي، لِأَخْذِ أَمْوَالِ مُؤَيَّدِ الْمُلْكِ، فَنَزَلَ بِبَغْدَاذَ بِدَارِ مُؤَيَّدِ الْمُلْكِ، وَسُلِّمَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ الشَّرَابِيُّ، وَهُوَ ابْنُ خَالَةِ مُؤَيَّدِ الْمُلْكِ، فَأُخِذَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ وَالْجَوَاهِرُ بَعْدَ مَكْرُوهٍ أَصَابَهُ، وَعَذَابٍ نَالَهُ، وَأُخِذَ لَهُ ذَخَائِرُ مِنْ مَوَاضِعَ أُخَرَ بِبِلَادِ الْعَجَمِ مِنْهَا: قِطْعَةُ بَلَخْشٍ، وَزْنُهَا وَاحِدٌ وَأَرْبَعُونَ مِثْقَالًا. وَلَمَّا فَرَغَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ مِنْ هَذِهِ الْوَقْعَةِ سَارَ إِلَى الرَّيِّ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ هُنَاكَ قِوَامُ الدَّوْلَةِ كَرْبُوقَا، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، وَنُورُ الدَّوْلَةِ دُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ بْنِ مَزْيَدٍ.

стр. 4967

ذِكْرُحَالِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ وَاجْتِمَاعِهِ بِأَخِيهِ الْمَلِكِ سَنْجَرَ لَمَّا انْهَزَمَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ، سَارَ طَالِبًا خُرَاسَانَ إِلَى أَخِيهِ سَنْجَرَ، وَهُمَا لِأُمٍّ وَاحِدَةٍ، فَأَقَامَ بِجُرْجَانَ، وَرَاسَلَ أَخَاهُ يَطْلُبُ مِنْهُ مَالًا وَكُسْوَةً، وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ مَا طَلَبَ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا، حَتَّى تَحَالَفَا وَاتَّفَقَا. وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مَعَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ غَيْرُ أَمِيرَيْنِ فِي نَحْوِ ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّتِ الْقَوَاعِدُ بَيْنَهُمَا سَارَ الْمَلِكُ سَنْجَرُ مِنْ خُرَاسَانَ فِي عَسَاكِرِهِ نَحْوَ أَخِيهِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، فَاجْتَمَعَا بِجُرْجَانَ، وَسَارَا مِنْهَا إِلَى دَامَغَانَ، فَخَرَّبَهَا الْعَسْكَرُ الْخُرَاسَانِيُّ، وَمَضَى أَهْلُهَا هَارِبِينَ إِلَى قَلْعَةِ كَرَدْكُوهَ، وَخَرَّبَ الْعَسْكَرُ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْبِلَادِ، وَعَمَّ الْغَلَاءُ تِلْكَ الْأَصْقَاعَ، حَتَّى أَكْلَ النَّاسُ الْمَيْتَةَ وَالْكِلَابَ، وَأَكَلَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَسَارَا إِلَى الرَّيِّ فَلَمَّا وَصَلَا إِلَيْهَا انْضَمَّ إِلَيْهِمَا النِّظَامِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ، فَكَثُرَ جَمْعُهُمَا، وَعَظُمَتْ شَوْكَتُهُمَا، وَتَمَكَّنَتْ مِنَ الْقُلُوبِ هَيْبَتُهُمَا. ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ وَدُخُولِهِ بَغْدَاذَ لَمَّا كَانَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ بِالرَّيِّ، بَعْدَ انْهِزَامِ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ، اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْعَسَاكِرُ الْكَثِيرَةُ، فَصَارَ مَعَهُ نَحْوُ مِائَةِ أَلْفِ فَارِسٍ، ثُمَّ إِنَّهُمْ ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْمِيرَةُ فَتَفَرَّقَتِ الْعَسَاكِرُ، فَعَادَ دُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ إِلَى أَبِيهِ، وَخَرَجَ الْمَلِكُ مَوْدُودُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَاقُوتِي بِأَذْرَبِيجَانَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ قِوَامَ الدَّوْلَةِ كَرْبُوقَا فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ، وَاسْتَأْذَنَ الْأَمِيرُ إِيَازُ فِي أَنْ يَقْصِدَ دَارَهُ بِهَمَذَانَ يَصُومُ بِهَا شَهْرَ رَمَضَانَ، وَيَعُودُ بَعْدَ الْفِطْرِ، فَأَذِنَ لَهُ، وَتَفَرَّقَتِ الْعَسَاكِرُ لِمِثْلِ ذَلِكَ، وَبَقِيَ فِي الْعَدَدِ الْقَلِيلِ. فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ أَخَوَيْهِ قَدْ جَمَعَا الْجُمُوعَ، وَحَشَدَا الْجُنُودَ، وَأَنَّهُمَا لَمَّا بَلَغَهُمَا قِلَّةُ مَنْ مَعَهُ جَدَّا فِي السَّيْرِ إِلَيْهِ، وَطَوَيَا الْمَنَازِلَ لِيُعَاجِلَاهُ، قَبْلَ أَنْ يَجْمَعَ جُمُوعَهُ وَعَسَاكِرَهُ، فَلَمَّا قَارَبَاهُ سَارَ مِنْ مَكَانِهِ، وَقَدْ طَمِعَ فِيهِ مَنْ كَانَ يَهَابُهُ، وَأَيِسَ مِنْهُ مَنْ كَانَ يَرْجُوهُ، فَقَصَدَ نَحْوَ هَمَذَانَ لِيَجْتَمِعَ هُوَ وَإِيَازُ، فَبَلَغَهُ أَنَّ إِيَازَ قَدْ رَاسَلَ السُّلْطَانَ مُحَمَّدًا لِيَكُونَ

стр. 4968

مَعَهُ وَمِنْ جُمْلَةِ أَعْوَانِهِ، خَوْفًا عَلَى وِلَايَتِهِ، وَهِيَ هَمَذَانُ وَغَيْرُهَا، فَلَمَّا سَمِعَ عَنْهَا، وَقَصَدَ خُوزِسْتَانَ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ تُسْتَرَ كَاتَبَ الْأُمَرَاءَ بَنِي بُرْسُقَ يَسْتَدْعِيهِمْ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَحْضُرُوا لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ إِيَازَ لَمْ يَحْضُرْ، وَلِلْخَوْفِ مِنَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ فَسَارَ نَحْوَ الْعِرَاقِ، فَلَمَّا بَلَغَ حُلْوَانَ أَتَاهُ رَسُولُ الْأَمِيرِ إِيَازَ يَسْأَلُ التَّوَقُّفَ لِيَصِلَ إِلَيْهِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ إِيَازَ رَاسَلَ السُّلْطَانَ مُحَمَّدًا فِي الِانْضِمَامِ إِلَيْهِ وَالْمَصِيرِ فِي جُمْلَةِ عَسْكَرِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ، وَسَيَّرَ الْعَسَاكِرَ إِلَى هَمَذَانَ، فَفَارَقَهَا مُنْهَزِمًا، وَلَحِقَ بِالسُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، فَأَقَامَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ بِحُلْوَانَ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ إِيَازُ، وَسَارُوا جَمِيعُهُمْ إِلَى بَغْدَاذَ. وَأَخَذَ عَسْكَرُ مُحَمَّدٍ مَا تَخَلَّفَ لِلْأَمِيرِ إِيَازَ بِهَمَذَانَ مِنْ مَالٍ وَدَوَابَّ، وَبَرْكٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ أُعْجِلَ عَنْهُ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَتِهِ خَمْسُمِائَةِ حِصَانٍ عَرَبِيَّةٍ، قِيلَ كَانَ يُسَاوِي كُلُّ حِصَانٍ مِنْهَا مَا بَيْنَ ثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ، وَنَهَبُوا دَارَهُ، وَصَادَرُوا جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، وَصُودِرَ رَئِيسُ هَمَذَانَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ. وَلَمَّا وَصَلَ إِيَازُ إِلَى بَرْكِيَارُقَ تَكَامَلَتْ عِدَّتُهُمْ خَمْسَةَ آلَافِ فَارِسٍ، وَقَدْ ذَهَبَتْ خِيَامُهُمْ وَثَقَلُهُمْ وَوَصَلَ بَرْكِيَارُقُ إِلَى بَغْدَاذَ سَابِعَ عَشَرَ ذِي الْقَعْدَةِ، وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى طَرِيقِهِ يِلْتَقِيهِ أَمِينَ الدَّوْلَةِ بْنَ مُوصْلَايَا فِي الْمَوْكِبِ، وَلَمَّا كَانَ عِيدُ الْأَضْحَى نَفَّذَ الْخَلِيفَةُ مِنْبَرًا إِلَى دَارِ السُّلْطَانِ، وَخَطَبَ عَلَيْهِ الشَّرِيفُ أَبُو الْكَرَمِ، وَصَلَّى صَلَاةَ الْعِيدِ، وَلَمْ يَحْضُرْ بَرْكِيَارُقُ لِأَنَّهُ كَانَ مَرِيضًا. وَضَاقَتِ الْأَمْوَالُ عَلَى بَرْكِيَارُقَ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُخْرِجُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى عَسَاكِرِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَشْكُو الضَّائِقَةَ وَقِلَّةَ الْمَالِ، وَيَطْلُبُ أَنْ يُعَانَ بِمَا يُخْرِجُهُ، فَتَقَرَّرَ الْأَمْرُ بَعْدَ الْمُرَاجَعَاتِ عَلَى خَمْسِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، حَمَلَهَا الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِ، وَمَدَّ بَرْكِيَارُقُ وَأَصْحَابُهُ أَيْدِيَهُمْ إِلَى أَمْوَالِ النَّاسِ، فَعَمَّ ضَرَرُهُمْ، وَتَمَنَّى أَهْلُ الْبِلَادِ زَوَالَهُمْ عَنْهُمْ، وَدَعَتْهُمُ الضَّرُورَةُ إِلَى أَنِ ارْتَكَبُوا خُطَّةً شَنْعَاءَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِمْ أَبُو مُحَمَّدٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ

стр. 4969

مَنْصُورٍ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ صُلَيْحَةَ، قَاضِي جَبَلَةَ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ وَصَاحِبُهَا، مُنْهَزِمًا مِنَ الْفِرِنْجِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَمَعَهُ أَمْوَالٌ جَلِيلَةُ الْمِقْدَارِ، فَأَخَذُوهَا مِنْهُ. ذِكْرُ خِلَافِ صَدَقَةَ بْنِ مَزْيَدٍ عَلَى بَرْكِيَارُقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الْأَمِيرُ صَدَقَةُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ، صَاحِبُ الْحِلَّةِ، عَنْ طَاعَةِ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، وَقَطَعَ خُطْبَتَهُ مِنْ بِلَادِهِ، وَخَطَبَ فِيهَا لِلسُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَزِيرَ الْأَعَزَّ أَبَا الْمَحَاسِنِ الدِّهِسْتَانِيَّ، وَزِيرَ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، أَرْسَلَ إِلَى صَدَقَةَ يَقُولُ لَهُ: قَدْ تَخَلَّفَ عِنْدَكَ لِخِزَانَةِ السُّلْطَانِ أَلْفُ أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَذَا وَكَذَا دِينَارًا لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ، فَإِنْ أَرْسَلْتَهَا، وَإِلَّا سَيَّرْنَا الْعَسَاكِرَ إِلَى بِلَادِكَ وَأَخَذْنَاهَا مِنْكَ. فَلَمَّا سَمِعَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ قَطَعَ الْخُطْبَةَ، وَخَطَبَ لِمُحَمَّدٍ. فَلَمَّا وَصَلَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ إِلَى بَغْدَاذَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ يَدْعُوهُ إِلَى الْحُضُورِ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْأَمِيرَ إِيَازَ يُشِيرُ بِقَصْدِ خِدْمَةِ السُّلْطَانِ، وَيَضْمَنُ لَهُ كُلَّ مَا يُرِيدُهُ، فَقَالَ: لَا أَحْضُرُ، وَلَا أُطِيعُ السُّلْطَانَ، إِلَّا إِذَا سَلَّمَ وَزِيرَهُ أَبَا الْمَحَاسِنِ إِلَيَّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا يَتَصَوَّرُ مِنِّي الْحُضُورَ عِنْدَهُ أَبَدًا، وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ مَا يَكُونُ، فَإِنْ سَلَّمَهُ إِلَيَّ، فَأَنَا الْعَبْدُ الْمُخْلِصُ فِي الْعُبُودِيَّةِ بِالْحُسْنِ وَالطَّاعَةِ، فَلَمْ يُجَبْ إِلَى ذَلِكَ، فَتَمَّ عَلَى مُقَاطَعَتِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَطَرَدَ عَنْهَا النَّائِبَ بِهَا عَنِ السُّلْطَانِ وَاسْتَضَافَهَا إِلَيْهِ. ذِكْرُ وُصُولِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ إِلَى بَغْدَاذَ وَرَحِيلِ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقُ عَنْهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ [مِنْ] ذِي الْحِجَّةِ، وَصَلَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ وَسَنْجَرُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَكَانَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ لَمَّا اسْتَوْلَى عَلَى هَمَذَانَ وَغَيْرِهَا سَارَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى حُلْوَانَ سَارَ إِلَيْهِ إِيلْغَازِي بْنُ أُرْتُقَ فِي عَسَاكِرِهِ، وَخَدَمَهُ، وَأَحْسَنَ فِي الْخِدْمَةِ، وَكَانَ عَسْكَرُ مُحَمَّدٍ يَزِيدُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ سِوَى الْأَتْبَاعِ.

стр. 4970

فَلَمَّا وَصَلَتِ الْأَخْبَارُ بِذَلِكَ كَانَ بَرْكِيَارُقُ عَلَى شِدَّةٍ مِنَ الْمَرَضِ، يُرْجِفُ عَلَيْهِ خَوَاصُّهُ بُكْرَةً وَعَشِيًّا، فَمَاجَ أَصْحَابُهُ، وَخَافُوا، وَاضْطَرَبُوا، وَحَارُوا، وَعَبَرُوا بِهِ فِي مَحَفَّةٍ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، فَنَزَلُوا بِالرَّمْلَةِ، وَلَمْ يَبْقَ فِي بَرْكِيَارُقَ غَيْرُ رُوحٍ يَتَرَدَّدُ، وَتَيَقَّنَ أَصْحَابُهُ مَوْتَهُ، وَتَشَاوَرُوا فِي كَفَنِهِ، وَمَوْضِعِ دَفْنِهِ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ قَالَ لَهُمْ: إِنِّي أَجِدُ نَفْسِي قَدْ قَوِيتُ، وَحَرَكَتِي قَدْ تَزَايَدَتْ، فَطَابَتْ نُفُوسُهُمْ، وَسَارُوا، وَقَدْ وَصَلَ الْعَسْكَرُ الْآخَرُ فَتَرَاءَى الْجَمْعَانِ بَيْنَهُمَا دِجْلَةُ، وَجَرَى بَيْنَهُمَا مُرَامَاةٌ وَسِبَابٌ، وَكَانَ أَكْثَرُ مَا يَسُبُّهُمْ عَسْكَرُ مُحَمَّدٍ يَا بَاطِنِيَّةُ، يُعَيِّرُونَهُمْ بِذَلِكَ، وَنَهَبُوا الْبِلَادَ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى أَنْ وَصَلُوا إِلَى وَاسِطَ. وَوَصَلَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ إِلَى بَغْدَاذَ، فَنَزَلَ بِدَارِ الْمَمْلَكَةِ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ تَوْقِيعُ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ يَتَضَمَّنُ الِامْتِعَاضَ مِنْ سُوءِ سِيرَةِ بَرْكِيَارُقَ وَمَنْ مَعَهُ، وَالِاسْتِبْشَارَ بِقُدُومِهِ، وَخَطَبَ لَهُ بِالدِّيوَانِ، وَنَزَلَ الْمَلِكُ سَنْجَرُ بِدَارِ كُوهْرَائِينَ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ قَدِ اسْتَوْزَرَ بَعْدَ مُؤَيَّدِ الْمُلْكِ خَطِيرَ الْمُلْكِ أَبَا مَنْصُورٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ، وَقَدِمَ إِلَيْهِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ صَدَقَةُ، وَخَرَجَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ إِلَى لِقَائِهِ. ذِكْرُ حَالِ قَاضِيَ جَبَلَةَ هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَنْصُورٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ صُلَيْحَةَ، وَكَانَ وَالِدُهُ رَئِيسَهَا أَيَّامَ كَانَ الرُّومُ مَالِكِينَ لَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَقْضِي بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا ضَعُفَ أَمْرُ الرُّومِ، وَمَلَكَهَا الْمُسْلِمُونَ، وَصَارَتْ تَحْتَ حُكْمِ جَلَالِ الْمُلْكِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عَمَّارٍ، صَاحِبِ طَرَابُلُسَ كَانَ مَنْصُورٌ عَلَى عَادَتِهِ فِي الْحُكْمِ فِيهَا. فَلَمَّا تُوُفِّيَ مَنْصُورٌ قَامَ ابْنُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ مَقَامَهُ، وَأَحَبَّ الْجُنْدِيَّةَ، وَاخْتَارَ الْجُنْدَ، فَظَهَرَتْ شَهَامَتُهُ، فَأَرَادَ ابْنُ عَمَّارٍ أَنْ يَقْبِضَ عَلَيْهِ، فَاسْتَشْعَرَ مِنْهُ، وَعَصَى عَلَيْهِ، وَأَقَامَ الْخُطْبَةَ الْعَبَّاسِيَّةَ، فَبَذَلَ ابْنُ عَمَّارٍ لِدُقَاقِ بْنِ تُتُشَ مَالًا لِيَقْصِدَهُ وَيَحْصُرَهُ، فَفَعَلَ، وَحَصَرَهُ، فَلَمْ يَظْفَرْ مِنْهُ بِشَيْءٍ، وَأُصِيبَ صَاحِبُهُ أَتَابِكُ طُغْتِكِينُ بِنُشَّابَةٍ فِي رُكْبَتَيْهِ وَبَقِيَ أَثَرُهَا.

стр. 4971

وَبَقِيَ أَبُو مُحَمَّدٍ بِهَا مُطَاعًا إِلَى أَنْ جَاءَ الْفِرِنْجُ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ، فَحَصَرُوهَا، فَأَظْهَرَ أَنَّ السُّلْطَانَ بَرْكِيَارُقَ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى الشَّامِ، وَشَاعَ هَذَا، فَرَحَلَ الْفِرِنْجُ، فَلَمَّا تَحَقَّقُوا اشْتِغَالَ السُّلْطَانِ عَنْهُمْ عَاوَدُوا حِصَارَهُ، فَأَظْهَرَ أَنَّ الْمِصْرِيِّينَ قَدْ تَوَجَّهُوا لِحَرْبِهِمْ، فَرَحَلُوا ثَانِيًا، ثُمَّ عَادُوا، فَقَرَّرَ مَعَ النَّصَارَى الَّذِينَ بِهَا أَنْ يُرَاسِلُوا الْفِرِنْجَ، وَيُوَاعِدُوهُمْ إِلَى بُرْجٍ مِنْ أَبْرَاجِ الْبَلَدِ لِيُسَلِّمُوهُ إِلَيْهِمْ وَيَمْلِكُوا الْبَلَدَ، فَلَمَّا أَتَتْهُمُ الرِّسَالَةُ جَهَّزُوا نَحْوَ ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ أَعْيَانِهِمْ وَشُجْعَانِهِمْ، فَتَقَدَّمُوا إِلَى ذَلِكَ الْبُرْجِ فَلَمْ يَزَالُوا يَرْقَوْنَ فِي الْجِبَالِ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَكُلَّمَا صَارَ عِنْدَ ابْنِ صُلَيْحَةَ، وَهُوَ عَلَى السُّورِ، رَجُلٌ مِنْهُمْ قَتَلَهُ إِلَى أَنْ قَتَلَهُمْ أَجْمَعِينَ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا رَمَى الرُّءُوسَ إِلَيْهِمْ فَرَحَلُوا عَنْهُ. وَحَصَرُوهُ مَرَّةً أُخْرَى، وَنَصَبُوا عَلَى الْبَلَدِ بُرْجَ خَشَبٍ، وَهَدَمُوا بُرْجًا مِنْ أَبْرَاجِهِ، وَأَصْبَحُوا وَقَدْ بَنَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ، ثُمَّ نَقَّبَ فِي السُّورِ نُقُوبًا، وَخَرَجَ مِنَ الْبَابِ وَقَاتَلَهُمْ، فَانْهَزَمَ مِنْهُمْ، وَتَبِعُوهُ، فَخَرَجَ أَصْحَابُهُ مِنْ تِلْكَ النُّقُوبِ، فَأَتَوُا الْفِرِنْجَ مِنْ ظُهُورِهِمْ، فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ وَأُسِرَ مُقَدَّمُهُمُ الْمَعْرُوفُ بِكُنْدِ اصْطَبْلْ، فَافْتَدَى نَفْسَهُ بِمَالٍ جَزِيلٍ. ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَقْعُدُونَ عَنْ طَلَبِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَمْنَعُهُمْ عَنْهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى طُغْتِكِينَ أَتَابِكْ يَلْتَمِسُ مِنْهُ إِنْفَاذَ مَنْ يَثِقُ بِهِ لِيُسَلِّمَ إِلَيْهِ ثَغْرَ جَبَلَةَ، وَيَحْمِيَهُ لِيَصِلَ هُوَ إِلَى دِمَشْقَ بِمَالِهِ وَأَهْلِهِ، فَأَجَابَهُ إِلَى مَا الْتَمَسَ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِ وَلَدَهُ تَاجَ الْمُلُوكِ بُورِي، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْبَلَدَ، وَرَحَلَ إِلَى دِمَشْقَ، وَسَأَلَهُ أَنْ يُسَيِّرَهُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَفَعَلَ، وَسَيَّرَهُ وَمَعَهُ مَنْ يَحْمِيهِ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى الْأَنْبَارِ. وَلَمَّا صَارَ بِدِمَشْقَ أَرْسَلَ ابْنُ عَمَّارٍ صَاحِبُ طَرَابُلُسَ إِلَى الْمَلِكِ دُقَاقٍ، وَقَالَ: سَلِّمْ إِلَيَّ ابْنَ صُلَيْحَةَ عُرْيَانًا، وَخُذْ مَالَهُ أَجْمَعَ، وَأَنَا أُعْطِيكَ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَلَمْ يَفْعَلْ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْأَنْبَارِ أَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَبِهَا السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ، فَلَمَّا وَصَلَ أَحْضَرَهُ الْوَزِيرُ الْأَعَزُّ أَبُو الْمَحَاسِنِ عِنْدَهُ، وَقَالَ لَهُ السُّلْطَانُ مُحْتَاجٌ، وَالْعَسَاكِرُ

стр. 4972

يُطَالِبُونَهُ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَنُرِيدُ مِنْكَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَتَكُونُ لَهُ مِنَّةٌ عَظِيمَةٌ، تَسْتَحِقُّ بِهَا الْمُكَافَأَةَ وَالشُّكْرَ. فَقَالَ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، وَلَمْ يَطْلُبْ أَنْ يَحُطَّ شَيْئًا، وَقَالَ: إِنَّ رَحْلِي وَمَالِي فِي الْأَنْبَارِ بِالدَّارِ الَّتِي نَزَلْتُهَا، فَأَرْسَلَ الْوَزِيرُ إِلَيْهَا جَمَاعَةً، فَوَجَدُوا فِيهَا مَالًا كَثِيرًا، وَأَعْلَاقًا نَفِيسَةً، فَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَلْفٌ وَمِائَةُ قِطْعَةِ مَصَاغٍ عَجِيبِ الصَّنْعَةِ، وَمِنَ الْمَلَابِسِ وَالْعَمَائِمِ الَّتِي لَا يُوجَدُ مِثْلُهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَذْكُرَ هَذِهِ الْحَوَادِثَ الَّتِي بَعْدَ انْهِزَامِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ إِلَى هَاهُنَا، بَعْدَ قَتْلِ الْبَاطِنِيَّةِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ أَوَاخِرَ السَّنَةِ، وَكَانَ قَتْلُهُمْ فِي شَعْبَانَ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَاهَا لِنُتْبِعَ بَعْضَ الْحَادِثَةِ بَعْضًا لَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا شَيْءٌ. وَأَمَّا تَاجُ الْمُلُوكِ بُورِي، فَإِنَّهُ لَمَّا مَلَكَ جَبَلَةَ، وَتَمَكَّنَ مِنْهَا، أَسَاءَ السِّيرَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مَعَ أَهْلِهَا، وَفَعَلُوا بِهِمْ أَفْعَالًا أَنْكَرُوهَا، فَرَاسَلُوا الْقَاضِيَ فَخْرَ الْمُلْكِ أَبَا عَلِيٍّ عَمَّارَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ، صَاحِبَ طَرَابُلُسَ، وَشَكَوْا إِلَيْهِ مَا يَفْعَلُ بِهِمْ، وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ بَعْضَ أَصْحَابِهِ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ الْبَلَدَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا، فَدَخَلُوا جَبَلَةَ، وَاجْتَمَعُوا بِأَهْلِهَا، وَقَاتَلُوا تَاجَ الْمُلُوكِ وَمَنْ مَعَهُ، فَانْهَزَمَ الْأَتْرَاكُ، وَمَلَكَ عَسْكَرُ ابْنِ عَمَّارٍ جَبَلَةَ، وَأَخَذُوا تَاجَ الْمُلُوكِ أَسِيرًا، وَحَمَلُوهُ إِلَى طَرَابُلُسَ، فَأَكْرَمَهُ ابْنُ عَمَّارٍ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَسَيَّرَهُ إِلَى أَبِيهِ بِدِمَشْقَ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، وَعَرَّفَهُ صُورَةَ الْحَالِ، وَأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَمْلِكَ الْفِرِنْجُ جَبَلَةَ. ذِكْرُ قَتْلِ الْبَاطِنِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَعْبَانَ، أَمَرَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ بِقَتْلِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَهُمُ الْإِسْمَاعِلِيَّةُ وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا قَدِيمًا يُسَمَّوْنَ قَرَامِطَةَ، وَنَحْنُ نَبْتَدِئُ بِأَوَّلِ أَمْرِهِمُ الْآنَ ثُمَّ بِسَبَبِ قَتْلِهِمْ.

стр. 4973

فَأَوَّلُ مَا عُرِفَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ، أَعْنِي هَذِهِ الدَّعْوَةَ الْأَخِيرَةَ الَّتِي اشْتَهَرَتْ بِالْبَاطِنِيَّةِ، وَالْإِسْمَاعِلِيَّةِ، فِي أَيَّامِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، فَإِنَّهُ اجْتَمَعَ مِنْهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَصَلُّوا صَلَاةَ الْعِيدِ فِي سَاوَةَ، فَفَطِنَ بِهِمُ الشِّحْنَةُ، فَأَخَذَهُمْ وَحَبَسَهُمْ، ثُمَّ سُئِلَ فِيهِمْ فَأَطْلَقَهُمْ، فَهَذَا أَوَّلُ اجْتِمَاعٍ كَانَ لَهُمْ. ثُمَّ إِنَّهُمْ دَعَوْا مُؤَذِّنًا مِنْ أَهْلِ سَاوَةَ كَانَ مُقِيمًا بِأَصْبَهَانَ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى دَعْوَتِهِمْ فَخَافُوهُ أَنْ يَنِمَّ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلُوهُ، فَهُوَ أَوَّلُ قَتِيلٍ لَهُمْ، وَأَوَّلُ دَمٍ أَرَاقُوهُ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ إِلَى نِظَامِ الْمُلْكِ، فَأَمَرَ بِأَخْذِ مَنْ يُتَّهَمُ بِقَتْلِهِ، فَوَقَعَتِ التُّهْمَةُ عَلَى نَجَّارٍ اسْمُهُ طَاهِرٌ، فَقُتِلَ، وَمُثِّلَ بِهِ، وَجَرُّوا بِرِجْلِهِ فِي الْأَسْوَاقِ، فَهُوَ أَوَّلُ قَتِيلٍ مِنْهُمْ، وَكَانَ وَالِدُهُ وَاعِظًا، وَقَدِمَ إِلَى بَغْدَاذَ مَعَ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] فَحَظِيَ مِنْهُ، ثُمَّ قَصَدَ الْبَصْرَةَ فَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِهَا، ثُمَّ تَوَجَّهَ فِي رِسَالَةٍ إِلَى كِرْمَانَ، فَقَتَلَهُ الْعَامَّةُ فِي الْفِتْنَةِ الَّتِي جَرَتْ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ بَاطِنِيٌّ. ثُمَّ إِنَّ الْبَاطِنِيَّةَ قَتَلُوا نِظَامَ الْمُلْكِ، وَهِيَ أَوَّلُ فَتْكَةٍ مَشْهُورَةٍ كَانَتْ لَهُمْ وَقَالُوا: قَتَلَ نَجَّارًا فَقَتَلْنَاهُ بِهِ. وَأَوَّلُ مَوْضِعٍ غَلَبُوا وَتَحَصَّنُوا بِهِ بَلَدٌ عِنْدَ قَايِنَ، كَانَ مُتَقَدِّمُهُ عَلَى مَذْهَبِهِمْ، فَاجْتَمَعُوا عِنْدَهُ، وَقَوَوْا بِهِ، فَاجْتَازَتْ بِهِمْ قَافِلَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ كِرْمَانَ إِلَى قَايِنَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ وَالْبَاطِنِيَّةُ، فَقَتَلَ أَهْلَ الْقَفَلِ أَجْمَعِينَ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ غَيْرُ رَجُلٍ تُرْكُمَانِيٌّ، فَوَصَلَ إِلَى قَايِنَ فَأَخْبَرَ بِالْقِصَّةِ، فَتَسَارَعَ أَهْلُهَا مَعَ الْقَاضِي الْكِرْمَانِيِّ إِلَى جِهَادِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قُتِلَ نِظَامُ الْمُلْكِ، وَمَاتَ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ، فَعَظُمَ أَمْرُهُمْ، وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُمْ، وَقَوِيَتْ أَطْمَاعُهُمْ.

стр. 4974

وَكَانَ سَبَبُ قُوَّتِهِمْ بِأَصْبَهَانَ، أَنَّ السُّلْطَانَ بَرْكِيَارُقَ لَمَّا حَصَرَ أَصْبَهَانَ، وَبِهَا أَخُوهُ مَحْمُودٌ، وَأُمُّهُ خَاتُونَ الْجَلَالِيَّةُ، وَعَادَ عَنْهُمْ ظَهَرَتْ مَقَالَةُ الْبَاطِنِيَّةِ بِهَا، وَانْتَشَرَتْ، وَكَانُوا مُتَفَرِّقِينَ فِي الْمَحَالِّ، فَاجْتَمَعُوا، وَصَارُوا يَسْرِقُونَ مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ مُخَالِفِيهِمْ وَيَقْتُلُونَهُمْ، فَعَلُوا هَذَا بِخَلْقٍ كَثِيرٍ، وَزَادَ الْأَمْرُ، حَتَّى إِنَّ الْإِنْسَانَ كَانَ إِذَا تَأَخَّرَ عَنْ بَيْتِهِ عَنِ الْوَقْتِ الْمُعْتَادِ تَيَقَّنُوا قَتْلَهُ، وَقَعَدُوا لِلْعَزَاءِ بِهِ، فَحَذِرَ النَّاسُ، وَصَارُوا لَا يَنْفَرِدُ أَحَدٌ، وَأَخَذُوا فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ مُؤَذِّنًا، أَخَذَهُ جَارٌ لَهُ بَاطِنِيٌّ، فَقَامَ أَهْلُهُ لِلنِّيَاحَةِ عَلَيْهِ، فَأَصْعَدَهُ الْبَاطِنِيَّةُ إِلَى سَطْحِ دَارِهِ وَأَرَوْهُ أَهْلَهُ كَيْفَ يَلْطِمُونَ وَيَبْكُونَ، وَهُوَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَكَلَّمَ خَوْفًا مِنْهُمْ. ذِكْرُ مَا فَعَلَ بِهِمُ الْعَامَّةُ بِأَصْبَهَانَ لَمَّا عَمَّتْ هَذِهِ الْمُصِيبَةُ النَّاسَ بِأَصْبَهَانَ، أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَتْكِ أَسْتَارِهِمْ، وَالِانْتِقَامِ مِنْهُمْ، فَاتَّفَقَ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ دَارَ صَدِيقٍ لَهُ، فَرَأَى فِيهَا ثِيَابًا، وَمَدَاسَاتٍ وَمَلَابِسَ لَمْ يَعْهَدْهَا، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، وَتَحَدَّثَ بِمَا كَانَ، فَكَشَفَ النَّاسُ عَنْهَا، فَعَلِمُوا أَنَّهَا مِنَ الْمَقْتُولِينَ. وَثَارَ النَّاسُ كَافَّةً يَبْحَثُونَ عَمَّنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، وَيَسْتَكْشِفُونَ، فَظَهَرُوا عَلَى الدُّرُوبِ الَّتِي هُمْ فِيهَا، وَإِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا اجْتَازَ بِهِمْ إِنْسَانٌ أَخَذُوهُ إِلَى دَارٍ مِنْهُمْ وَقَتَلُوهُ وَأَلْقَوْهُ فِي بِئْرٍ فِي الدَّارِ قَدْ صُنِعَتْ لِذَلِكَ. وَكَانَ عَلَى بَابِ دَرْبٍ مِنْهَا رَجُلٌ ضَرِيرٌ، فَإِذَا اجْتَازَ بِهِ إِنْسَانٌ يَسْأَلُهُ أَنْ يَقُودَهُ خُطُوَاتٍ إِلَى بَابِ الدَّرْبِ، فَيَفْعَلُ ذَلِكَ، فَإِذَا دَخَلَ الدَّرْبَ أُخِذَ وَقُتِلَ، فَتَجَرَّدَ لِلِانْتِقَامِ مِنْهُمْ أَبُو الْقَاسِمِ مَسْعُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُجَنْدِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَجَمَعَ الْجَمَّ الْغَفِيرَ بِالْأَسْلِحَةِ، وَأَمَرَ بِحَفْرِ أَخَادِيدَ، وَأَوْقَدَ فِيهَا النِّيرَانَ، وَجَعَلَ الْعَامَّةُ يَأْتُونَ بِالْبَاطِنِيَّةِ أَفْوَاجًا وَمُنْفَرِدِينَ، فَيُلْقَوْنَ فِي النَّارِ، وَجَعَلُوا إِنْسَانًا عَلَى أَخَادِيدِ النِّيرَانِ، وَسَمَّوْهُ مَالِكًا، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا.

стр. 4975

ذِكْرُ قِلَاعِهِمُ الَّتِي اسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا بِبِلَادِ الْعَجَمِ وَاسْتَوْلَوْا عَلَى عِدَّةِ حُصُونٍ مِنْهَا قَلْعَةُ أَصْبَهَانَ، وَهَذِهِ الْقَلْعَةُ لَمْ تَكُنْ قَدِيمًا، وَإِنَّمَا بَنَاهَا السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ. وَسَبَبُ بِنَائِهَا أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ مُقَدَّمِي الرُّومِ، فَأَسْلَمَ وَصَارَ مَعَهُ، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ سَارَ يَوْمًا إِلَى الصَّيْدِ، فَهَرَبَ مِنْهُ كَلْبٌ حَسَنُ الصَّيْدِ، وَصَعِدَ هَذَا الْجَبَلَ، فَتَبِعَهُ السُّلْطَانُ وَالرُّومِيُّ مَعَهُ، فَوَجَدَهُ مَوْضِعَ الْقَلْعَةِ فَقَالَ لَهُ الرُّومِيُّ: لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا مِثْلَ هَذَا الْجَبَلِ لَجَعَلْنَا عَلَيْهِ حِصْنًا نَنْتَفِعُ بِهِ، فَأَمَرَ بِبِنَاءِ الْقَلْعَةِ، وَمَنَعَ مِنْهَا نِظَامُ الْمُلْكِ، فَلَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُ، فَلَمَّا فَرَغَتْ جَعَلَ فِيهَا دَزْدَارًا. فَلَمَّا انْقَضَتْ أَيَّامُ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، وَصَارَتْ أَصْبَهَانُ بِيَدِ خَاتُونَ أَزَالَتِ الدَّزْدَارَ، وَجَعَلَتْ غَيْرَهُ فِيهَا وَهُوَ إِنْسَانٌ دَيْلَمِيٌّ اسْمُهُ زِيَارُ، فَمَاتَ، وَصَارَ بِالْقَلْعَةِ إِنْسَانٌ خُوزِيٌّ، فَاتَّصَلَ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ عَطَّاشٍ، وَكَانَ الْبَاطِنِيَّةُ قَدْ أَلْبَسُوهُ تَاجًا، وَجَمَعُوا لَهُ مَالًا، وَقَدَّمُوهُ عَلَيْهِمْ مَعَ جَهْلِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ أَبُوهُ مُقَدَّمًا فِيهِمْ، فَلَمَّا اتَّصَلَ بِالدَّزْدَارِ بَقِيَ مَعَهُ، وَوَثِقَ بِهِ وَقَلَّدَهُ الْأُمُورَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الدَّزْدَارُ اسْتَوْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَطَّاشٍ عَلَيْهَا، وَنَالَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ ضَرَرٌ عَظِيمٌ مِنْ أَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَقَتْلِ النُّفُوسِ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَالْخَوْفِ الدَّائِمِ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ قَلْعَةً يَدُلُّ عَلَيْهَا كَلْبٌ، وَيُشِيرُ بِهَا كَافِرٌ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ خَاتِمَةُ أَمْرِهَا الشَّرَّ. وَمِنْهَا أَلَمُوتُ، وَهِيَ مِنْ نَوَاحِي قَزْوِينَ، قِيلَ إِنَّ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ الدَّيْلَمِ كَانَ كَثِيرَ التَّصَيُّدِ، فَأَرْسَلَ يَوْمًا عُقَابًا، وَتَبِعَهُ، فَرَآهُ قَدْ سَقَطَ عَلَى مَوْضِعِ هَذِهِ الْقَلْعَةِ، فَوَجَدَهُ مَوْضِعًا حَصِينًا، فَأَمَرَ بِبِنَاءِ قَلْعَةٍ عَلَيْهِ، فَسَمَّاهَا أَلُهْ مُوتَ، وَمَعْنَاهُ بِلِسَانِ الدَّيْلَمِ: تَعْلِيمُ الْعُقَابِ، وَيُقَالُ لِذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَمَا يُجَاوِرُهُ طَالْقَانَ. وَفِيهَا قِلَاعٌ حَصِينَةٌ أَشْهَرُهَا أَلَمُوتُ، وَكَانَتْ هَذِهِ النَّوَاحِي فِي ضَمَانِ شَرَفْشَاهْ الْجَعْفَرِيِّ، وَقَدِ اسْتَنَابَ فِيهَا رَجُلًا عَلَوِيًّا، فِيهِ بَلَهٌ وَسَلَامَةُ صَدْرٍ. وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ رَجُلًا شَهْمًا، كَافِيًا، عَالِمًا بِالْهَنْدَسَةِ، وَالْحِسَابِ، وَالنُّجُومِ، وَالسِّحْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ رَئِيسَ الرَّيِّ إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو مُسْلِمٍ وَهُوَ صِهْرُ نِظَامِ الْمُلْكِ، فَاتَّهَمَ الْحَسَنَ بْنَ الصَّبَّاحِ بِدُخُولِ جَمَاعَةٍ مِنْ دُعَاةِ الْمِصْرِيِّينَ عَلَيْهِ، فَخَافَهُ
следующие страницы →