Полный текст (6 163 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.
стр. 5111
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِمِائَة]
٥٠٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ مُسِيرِ الْعَسَاكِرِ إِلَى قِتَالِ الْفِرِنْجِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ الَّتِي أَمَرَهَا السُّلْطَانُ بِالْمَسِيرِ إِلَى قِتَالِ الْفِرِنْجِ، فَكَانُوا: الْأَمِيرَ مَوْدُودًا صَاحِبَ الْمَوْصِلِ، وَالْأَمِيرَ سُكْمَانَ الْقُطْبِيَّ، صَاحِبَ تِبْرِيزَ وَبَعْضِ دِيَارِ بَكْرٍ، وَالْأَمِيرَيْنِ إِيلْبَكِي وَزِنْكِيَّ ابْنَيْ بُرْسُقَ، وَلَهُمَا هَمَذَانُ وَمَا جَاوَرَهَا، وَالْأَمِيرَ أَحْمَدَيْلَ، وَلَهُ مَرَاغَةُ، وَكُوتِبَ الْأَمِيرُ أَبُو الْهَيْجَاءِ، صَاحِبُ إِرْبَلَ، وَالْأَمِيرُ إِيلْغَازِي، صَاحِبُ مَارِدِينَ، وَالْأُمَرَاءُ الْبَكْجِيَّةُ، بِاللَّحَاقِ بِالْمَلِكِ مَسْعُودٍ، وَمَوْدُودٍ، فَاجْتَمَعُوا، مَا عَدَا الْأَمِيرَ إِيلْغَازِي فَإِنَّهُ سَيَّرَ وَلَدَهُ إِيَّازَ وَأَقَامَ هُوَ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا سَارُوا إِلَى بَلَدِ سِنْجَارَ، فَفَتَحُوا عِدَّةَ حُصُونٍ لِلْفِرِنْجِ، وَقُتِلَ مَنْ بِهَا مِنْهُمْ، وَحَصَرُوا مَدِينَةَ الرُّهَا مُدَّةً، ثُمَّ رَحَلُوا عَنْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْلِكُوهَا.
وَكَانَ سَبَبُ رَحِيلِهِمْ عَنْهَا أَنَّ الْفِرِنْجَ اجْتَمَعَتْ جَمِيعُهَا، فَارِسُهَا وَرَاجِلُهَا، وَسَارُوا إِلَى الْفُرَاتِ لِيَعْبُرُوهُ لِيَمْنَعُوا الرُّهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْفُرَاتِ بَلَغَهُمْ كَثْرَةُ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَأَقَامُوا عَلَى الْفُرَاتِ، فَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ رَحَلُوا عَنِ الرُّهَا إِلَى حَرَّانَ لِيَطْمَعَ الْفِرِنْجُ وَيَعْبُرُوا الْفُرَاتَ إِلَيْهِمْ وَيُقَاتِلُوهُمْ، فَلَمَّا رَحَلُوا عَنْهَا جَاءَ الْفِرِنْجُ، وَمَعَهُمُ الْمِيرَةُ وَالذَّخَائِرُ، إِلَى الرُّهَا، فَجَعَلُوا فِيهَا كُلَّ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ قَلِيلَةَ الْمِيرَةِ، وَقَدْ أَشْرَفَتْ عَلَى أَنْ تُؤْخَذَ، وَأَخَذُوا كُلَّ مَنْ فِيهِ عَجْزٌ وَضَعْفٌ
стр. 5112
وَفَقْرٌ، وَعَادُوا إِلَى الْفُرَاتِ فَعَبَرُوهُ إِلَى الْجَانِبِ الشَّامِيِّ، وَطَرَقُوا أَعْمَالَ حَلَبَ، فَأَفْسَدُوا مَا فِيهَا، وَنَهَبُوهَا، وَقَتَلُوا فِيهَا وَأَسَرُوا، وَسَبَوْا خَلْقًا كَثِيرًا.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْفِرِنْجَ لَمَّا عَبَرُوا إِلَى الْجَزِيرَةِ خَرَجَ الْمَلِكُ رِضْوَانُ، صَاحِبُ حَلَبَ، إِلَى مَا أَخَذَهُ الْفِرِنْجُ مِنْ أَعْمَالِهَا، فَاسْتَعَادَ بَعْضَهُ، وَنَهَبَ مِنْهُمْ وَقَتَلَ، فَلَمَّا عَادُوا وَعَبَرُوا الْفُرَاتَ فَعَلُوا بِأَعْمَالِهِ مَا فَعَلُوا.
وَأَمَّا الْعَسْكَرُ السُّلْطَانِيُّ فَلَمَّا سَمِعُوا بِعَوْدِ الْفِرِنْجِ وَعُبُورِهِمُ الْفُرَاتَ، رَحَلُوا إِلَى الرُّهَا وَحَصَرُوهَا، فَرَأَوْا أَمْرًا مُحْكَمًا، قَدْ قَوِيَتْ نُفُوسُ أَهْلِهَا بِالذَّخَائِرِ الَّتِي تُرِكَتْ عِنْدَهُمْ، وَبِكَثْرَةِ الْمُقَاتِلِينَ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَجِدُوا فِيهَا مَطْمَعًا، فَرَحَلُوا عَنْهَا، وَعَبَرُوا الْفُرَاتَ، فَحَصَرُوا قَلْعَةَ تَلِّ بَاشِرَ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَرَحَلُوا عَنْهَا وَلَمْ يَبْلُغُوا غَرَضًا.
وَوَصَلُوا إِلَى حَلَبَ، فَأَغْلَقَ الْمَلِكُ رِضْوَانُ أَبْوَابَ الْبَلَدِ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ بِهِمْ، ثُمَّ مَرِضَ هُنَاكَ الْأَمِيرُ سُكْمَانُ الْقُطْبِيُّ، فَعَادَ مَرِيضًا، فَتُوُفِّيَ فِي بَالِسَ، فَجَعَلَهُ أَصْحَابُهُ فِي تَابُوتٍ، وَحَمَلُوهُ عَائِدِينَ إِلَى بِلَادِهِ، فَقَصَدَهُمْ إِيلْغَازِي لِيَأْخُذَهُمْ، وَيَغْنَمَ مَا مَعَهُمْ، فَجَعَلُوا تَابُوتَهُ فِي الْقَلْبِ، وَقَاتَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَانْهَزَمَ إِيلْغَازِي، وَغَنِمُوا مَا مَعَهُ، وَسَارُوا إِلَى بِلَادِهِمْ.
وَلَمَّا أَغْلَقَ الْمَلِكُ رِضْوَانُ أَبْوَابَ حَلَبَ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ بِالْعَسَاكِرِ السُّلْطَانِيَّةِ، رَحَلُوا إِلَى مَعَرَّةِ النُّعْمَانِ، وَاجْتَمَعَ بِهِمْ طُغْتِكِينُ، صَاحِبُ دِمَشْقَ، وَنَزَلَ عَلَى الْأَمِيرِ مَوْدُودٍ، فَاطَّلَعَ مِنَ الْأُمَرَاءِ عَلَى نِيَّاتٍ فَاسِدَةٍ فِي حَقِّهِ، فَخَافَ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ دِمَشْقُ، فَشَرَعَ فِي مُهَادَنَةِ الْفِرِنْجِ سِرًّا وَكَانُوا قَدْ نَكَلُوا عَنْ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَتِمَّ ذَلِكَ، وَتَفَرَّقَتِ الْعَسَاكِرُ.
وَكَانَ سَبَبُ تَفَرُّقِهِمْ أَنَّ الْأَمِيرَ بُرْسُقَ بْنَ بُرْسُقَ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ الْأُمَرَاءِ كَانَ بِهِ نِقْرِسٌ، فَهُوَ يُحْمَلُ فِي مِحَفَّةٍ، وَمَاتَ سُكْمَانُ الْقُطْبِيُّ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَأَرَادَ الْأَمِيرُ أَحْمَدَيْلُ صَاحِبُ مَرَاغَةَ الْعَوْدَ، لِيَطْلُبَ مِنَ السُّلْطَانِ أَنْ يُقْطِعَهُ مَا كَانَ لِسُكْمَانَ مِنَ
стр. 5113
الْبِلَادِ، وَأَتَابِكَ طُغْتِكِينَ، صَاحِبِ دِمَشْقَ، خَافَ الْأُمَرَاءَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمْ يَنْصَحْهُمْ، إِلَّا أَنَّهُ حَصَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْدُودٍ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، مَوَدَّةٌ وَصَدَاقَةٌ، فَتَفَرَّقُوا لِهَذِهِ الْأَسْبَابِ، وَبَقِيَ مَوْدُودٌ وَطُغْتِكِينُ بِالْمَعَرَّةِ، فَسَارُوا مِنْهَا، وَنَزَلُوا عَلَى نَهْرِ الْعَاصِي.
وَلَمَّا سَمِعَ الْفِرِنْجُ بِتَفَرُّقِ عَسَاكِرِ الْإِسْلَامِ طَمِعُوا، وَكَانُوا قَدِ اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ، بَعْدَ الِاخْتِلَافِ وَالتَّبَايُنِ، وَسَارُوا إِلَى أَفَامِيَةَ، فَسَمِعَ بِهِمُ السُّلْطَانُ بْنُ مُنْقِذٍ، صَاحِبُ شَيْزَرَ، فَسَارَ إِلَى مَوْدُودٍ وَطُغْتِكِينَ، وَهَوَّنَ عَلَيْهِمَا أَمْرَ الْفِرِنْجِ، وَحَرَّضَهُمَا عَلَى الْجِهَادِ، فَرَحَلُوا إِلَى شَيْزَرَ، وَنَزَلُوا عَلَيْهَا، وَنَزَلَ الْفِرِنْجُ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ، فَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ الْمِيرَةَ، وَلَزُّوهُمْ بِالْقِتَالِ، وَالْفِرِنْجُ يَحْفَظُونَ نُفُوسَهُمْ، وَلَا يُعْطُونَ مَصَافًّا، فَلَمَّا رَأَوْا قُوَّةَ الْمُسْلِمِينَ عَادُوا إِلَى أَفَامِيَةَ وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَتَخَطَّفُوا مَنْ أَدْرَكُوهُ فِي سَاقَتِهِمْ وَعَادُوا إِلَى شَيْزَرَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
ذِكْرُ حَصْرِ الْفِرِنْجِ مَدِينَةِ صُورَ
لَمَّا تَفَرَّقَتِ الْعَسَاكِرُ اجْتَمَعَتِ الْفِرِنْجُ عَلَى قَصْدِ مَدِينَةِ صُورَ وَحَصْرِهَا، فَسَارُوا إِلَى الْمَلِكِ بَغْدُوِينَ، صَاحِبِ الْقُدْسِ، وَحَشَدُوا، وَجَمَعُوا، وَنَازَلُوهَا وَحَاصَرُوهَا فِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، وَعَمِلُوا عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ أَبْرَاجِ خَشَبٍ، عُلُوُّ الْبُرْجِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَفِي كُلِّ بُرْجٍ أَلْفٌ رَجُلٍ، وَنَصَبُوا عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، وَأَلْصَقُوا أَحَدَهَا إِلَى سُورِ الْبَلَدِ، وَأَخْلَوْهُ مِنَ الرِّجَالِ.
وَكَانَتْ صُورُ لِلْآمِرِ بِأَحْكَامِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ وَنَائِبُهُ بِهَا عِزُّ الْمُلْكِ الْأَعَزُّ، فَأَحْضَرَ أَهْلَ الْبَلَدِ، وَاسْتَشَارَهُمْ فِي حِيلَةٍ يَدْفَعُونَ بِهَا شَرَّ الْأَبْرَاجِ عَنْهُمْ، فَقَامَ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ طَرَابُلُسَ وَضَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ إِحْرَاقَهَا، وَأَخَذَ مَعَهُ أَلْفَ رَجُلٍ بِالسِّلَاحِ التَّامِّ، وَمَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ حُزْمَةُ حَطَبٍ، فَقَاتَلُوا الْفِرِنْجَ إِلَى أَنْ وَصَلُوا إِلَى الْبُرْجِ الْمُلْتَصِقِ بِالْمَدِينَةِ، فَأَلْقَى الْحَطَبَ مِنْ جِهَاتِهِ، وَأَلْقَى فِيهَا النَّارَ، ثُمَّ خَافَ أَنْ يَشْتَغِلَ الْفِرِنْجُ الَّذِينَ فِي الْبُرْجِ بِإِطْفَاءِ
стр. 5114
النَّارِ، وَيَتَخَلَّصُوا، فَرَمَاهُمْ بِجُرَبٍ كَانَ قَدْ أَعَدَّهَا، مَمْلُوءَةٍ مِنَ الْعُذْرَةِ، فَلَمَّا سَقَطَتْ عَلَيْهِمُ اشْتَغَلُوا بِهَا وَبِمَا نَالَهُمْ مِنْ سُوءِ الرَّائِحَةِ وَالتَّلْوِيثِ، فَتَمَكَّنَتِ النَّارُ مِنْهُ، فَهَلَكَ كُلُّ مَنْ بِهِ، إِلَّا الْقَلِيلَ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْمُسْلِمُونَ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْكَلَالِيبِ، ثُمَّ أُخِذَ سِلَالُ الْعِنَبِ الْكِبَارُ، وَتُرِكَ فِيهَا الْحَطَبُ الَّذِي قَدْ سَقَاهُ بِالنِّفْطِ وَالزِّفْتِ، وَالْكِتَّانِ، وَالْكِبْرِيتِ، وَرَمَاهُمْ بِسَبْعِينَ سَلَّةً، وَأَحْرَقَ الْبُرْجَيْنِ الْآخَرَيْنِ.
ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ صُورَ حَفَرُوا سَرَادِيبَ تَحْتَ الْأَرْضِ لِيَسْقُطَ فِيهَا الْفِرِنْجُ إِذَا زَحَفُوا إِلَيْهِمْ، وَلِيَنْخَسِفَ بُرْجٌ إِنْ عَمِلُوهُ وَسَيَّرُوهُ إِلَيْهِمْ، فَاسْتَأْمَنَ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْفِرِنْجِ، وَأَعْلَمُوهُمْ بِمَا عَمِلُوهُ، فَحَذِرُوا مِنْهَا.
وَأَرْسَلَ أَهْلُ الْبَلَدِ إِلَى أَتَابِكَ طُغْتِكِينَ، صَاحِبِ دِمَشْقَ، يَسْتَنْجِدُونَهُ، وَيَطْلُبُونَهُ لِيُسَلِّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ، فَسَارَ فِي عَسَاكِرِهِ إِلَى نَوَاحِي بَانْيَاسَ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ نَجْدَةً مِائَتَيْ فَارِسٍ، فَدَخَلُوا الْبَلَدَ، فَامْتَنَعَ مَنْ فِيهِ بِهِمْ، وَاشْتَدَّ قِتَالُ الْفِرِنْجِ خَوْفًا مِنِ اتِّصَالِ النَّجَدَاتِ، فَفَنِيَ نُشَّابُ الْأَتْرَاكِ، فَقَاتَلُوا بِالْخَشَبِ، وَفَنِيَ النِّفْطُ، فَظَفِرُوا بِسِرْبٍ تَحْتَ الْأَرْضِ فِيهِ نِفْطٌ لَا يُعْلَمُ مَنْ خَزَّنَهُ.
ثُمَّ إِنَّ عِزَّ الْمُلْكِ، صَاحِبَ صُورَ، أَرْسَلَ الْأَمْوَالَ إِلَى طُغْتِكِينَ لِيُكْثِرَ مِنَ الرِّجَالِ، وَيَقْصِدَهُمْ لِيَمْلِكَ الْبَلَدَ، فَأَرْسَلَ طُغْتِكِينُ طَائِرًا فِيهِ رُقْعَةٌ لِيُعْلِمَهُ وَصُولَ الْمَالِ، وَيَأْمُرَهُ أَنْ يُقِيمَ مَرْكِبًا بِمَكَانٍ ذَكَرَهُ لِتَجِيءَ الرِّجَالُ إِلَيْهِ، فَسَقَطَ الطَّائِرُ عَلَى مَرْكِبِ الْفِرِنْجِ، فَأَخَذَهُ رَجُلَانِ: مُسْلِمٌ وَفِرِنْجِيٌّ، فَقَالَ الْفِرِنْجِيُّ: نُطْلِقُهُ لَعَلَّ فِيهِ فَرَجًا لَهُمْ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُ الْمُسْلِمُ، وَحَمَلَهُ إِلَى الْمَلِكِ بَغْدُوِينَ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ سَيَّرَ مَرْكِبًا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي ذَكَرَهُ طُغْتِكِينُ، وَفِيهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ اسْتَأْمَنُوا إِلَيْهِ مِنْ صُورَ، فَوَصَلَ إِلَيْهِمُ الْعَسْكَرُ، فَكَلَّمُوهُمْ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَلَمْ يُنْكِرُوهُمْ، وَرَكِبُوا مَعَهُمْ، فَأَخَذُوهُمْ أَسْرَى، وَحَمَلُوهُمْ إِلَى الْفِرِنْجِ، فَقَتَلُوهُمْ وَطَمِعُوا فِي أَهْلِ صُورَ، فَكَانَ طُغْتِكِينُ يُغِيرُ عَلَى أَعْمَالِ الْفِرِنْجِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهَا، وَقَصَدَ حِصْنَ الْحَبِيسَ فِي السَّوَادِ، مِنْ أَعْمَالِ دِمَشْقَ، وَهُوَ لِلْفِرِنْجِ،
стр. 5115
فَحَصَرَهُ، وَمَلَكَهُ بِالسَّيْفِ، وَقَتَلَ كُلَّ مَنْ فِيهِ، وَعَادَ إِلَى الْفِرِنْجِ الَّذِينَ عَلَى صُورَ.
وَكَانَ يَقْطَعُ الْمِيرَةَ عَنْهُمْ فِي الْبَرِّ، فَأَحْضَرُوهَا فِي الْبَحْرِ، وَخَنْدَقُوا عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَخْرُجُوا إِلَيْهِ، فَسَارَ إِلَى صَيْدَا، وَأَغَارَ عَلَى ظَاهِرِهَا، فَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنَ الْبَحْرِيَّةِ، وَأَحْرَقَ نَحْوَ عِشْرِينَ مَرْكِبًا عَلَى السَّاحِلِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُوَاصِلُ أَهْلَ صُورَ بِالْكُتُبِ يَأْمُرُهُمْ بِالصَّبْرِ وَالْفِرِنْجُ يُلَازِمُونَ قِتَالَهُمْ، وَقَاتَلَ أَهْلُ صُورَ قِتَالَ مَنْ أَيِسَ مِنَ الْحَيَاةِ، فَدَامَ الْقِتَالُ إِلَى أَوَانِ إِدْرَاكِ الْغَلَّاتِ، فَخَافَ الْفِرِنْجُ أَنَّ طُغْتِكِينَ يَسْتَوْلِي عَلَى غَلَّاتِ بِلَادِهِمْ، فَسَارُوا عَنِ الْبَلَدِ، عَاشِرَ شَوَّالٍ، إِلَى عَكَّةَ، وَعَادَ عَسْكَرُ طُغْتِكِينَ إِلَيْهِ، وَأَعْطَاهُمْ أَهْلُ صُورَ الْأَمْوَالَ وَغَيْرَهَا، ثُمَّ أَصْلَحُوا مَا تَشَعَّثَ مِنْ سُورِهَا وَخَنْدَقِهَا، وَكَانَ الْفِرِنْجُ قَدْ طَمَّوْهُ.
ذِكْرُ انْهِزَامِ الْفِرِنْجِ بِالْأَنْدَلُسِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ أَذْفُونْشُ الْفِرِنْجِيُّ، صَاحِبُ طُلَيْطِلَةَ بِالْأَنْدَلُسِ، إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ بِهَا، يَطْلُبُ مِلْكَهَا، وَالِاسْتِيلَاءَ عَلَيْهَا، وَجَمَعَ وَحَشَدَ فَأَكْثَرَ، وَكَانَ قَدْ قَوِيَ طَمَعُهُ فِيهَا بِسَبَبِ مَوْتِ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ يُوسُفَ بْنِ تَاشَفِينَ، فَسَمِعَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ بْنِ تَاشَفِينَ الْخَبَرَ، فَسَارَ إِلَيْهِ عَسَاكِرُهُ وَجُمُوعُهُ، فَلَقِيَهُ، فَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَكَانَ الظَّفَرُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ، وَقُتِّلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَأُسِرَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَسُبِيَ مِنْهُمْ، وَغُنِمَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْإِحْصَاءِ، فَخَافَهُ الْفِرِنْجُ، بَعْدَ ذَلِكَ، وَامْتَنَعُوا مِنْ قَصْدِ بِلَادِهِ، وَذُلَّ أَذْفُونْشُ حِينَئِذٍ وَعَلِمَ أَنَّ فِي الْبِلَادِ حَامِيًا لَهَا، وَذَابًّا عَنْهَا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، تُوُفِّيَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغَزَالِيُّ، الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ
стр. 5116
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِمِائَة]
٥٠٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، سَارَ مَوْدُودٌ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، إِلَى الرُّهَا، فَنَزَلَ عَلَيْهَا، وَرَعَى عَسْكَرُهُ زُرُوعَهَا، وَرَحَلَ عَنْهَا إِلَى سَرُوجَ، وَفَعَلَ بِهَا كَذَلِكَ وَأَهْمَلَ الْفِرِنْجَ، وَلَمْ يَحْتَرِزْ مِنْهُمْ، فَلَمْ يَشْعُرْ إِلَّا وَجُوسْلِينُ، صَاحِبُ تَلِّ بَاشِرَ، قَدْ كَبَسَهُمْ، وَكَانَتْ دَوَابُّ الْعَسْكَرِ مُنْتَشِرَةً فِي الْمَرْعَى، فَأَخَذَ الْفِرِنْجُ كَثِيرًا مِنْهَا، وَقَتَلُوا كَثِيرًا مِنَ الْعَسْكَرِ، فَلَمَّا تَأَهَّبَ الْمُسْلِمُونَ لِلِقَائِهِ، عَادَ عَنْهُمْ إِلَى سَرُوجَ.
وَفِيهَا رَحَلَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ مِنْ بَغْدَاذَ، وَكَانَ مُقَامُهُ هَذِهِ الْمَرَّةِ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى أَصْبَهَانَ قَبَضَ عَلَى زَيْنِ الْمُلْكِ أَبِي سَعْدٍ الْقُمِّيِّ، وَسَلَّمَهُ إِلَى الْأَمِيرِ كَامْيَارَ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الرَّيِّ أَرْكَبَهُ كَامْيَارُ عَلَى دَابَّةٍ بِمَرْكِبٍ ذَهَبٍ، وَأَظْهَرَ أَنَّ السُّلْطَانَ خَلَعَ عَلَيْهِ عَلَى مَالٍ قَرَّرَهُ عَلَيْهِ، فَحَصَّلَ بِذَلِكَ مَالًا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْقُمِّيِّ، ثُمَّ صَلَبَهُ، وَكَانَ سَبَبُ قَبْضِهِ أَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ الطَّعْنَ عَلَى الْخَلِيفَةِ وَالسُّلْطَانِ.
وَفِيهَا كَانَ بِبَغْدَاذَ رَجُلٌ مَغْرِبِيٌّ يَعْمَلُ الْكِيمْيَاءَ، بِزَعْمِهِ، اسْمُهُ أَبُو عَلِيٍّ، فَحُمِلَ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، وَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ.
وَفِيهَا وَرَدَ إِلَى بَغْدَاذَ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ الْهَمَذَانِيُّ، الْوَاعِظُ، وَكَانَ مِنَ الزُّهَّادِ الْعَابِدِينَ، فَوَعَظَ النَّاسَ بِهَا، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مُتَفَقِّهٌ، يُقَالُ لَهُ ابْنُ السَّقَّاءِ، فَآذَاهُ فِي مَسْأَلَةٍ، وَعَاوَدَهُ، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ، فَإِنِّي أَجِدُ مِنْ كَلَامِكَ رَائِحَةَ الْكُفْرِ، وَلَعَلَّكَ تَمُوتُ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ، فَاتَّفَقَ بَعْدَ مُدَيْدَةٍ أَنَّ ابْنَ السَّقَّاءِ خَرَجَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، وَتَنَصَّرَ.
стр. 5117
وَفِيهَا، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، سُمِعَ بِبَغْدَاذَ صَوْتُ هَدَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ بِالسَّمَاءِ غَيْمٌ حَتَّى يُظَنُّ أَنَّهُ صَوْتُ رَعْدٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ أَيَّ صَوْتٍ كَانَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ بَسِيلُ الْأَرْمِنِيُّ، صَاحِبُ الدُّرُوبِ، بِبِلَادِ ابْنِ لَاوِنَ، فَسَارَ طَنْكَرِي، صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ، أَوَّلَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، إِلَى بِلَادِهِ طَمَعًا أَنْ يَمْلِكَهَا، فَمَرِضَ فِي طَرِيقِهِ، فَعَادَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، فَمَاتَ ثَامِنَ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَمَلَكَهَا بَعْدَهُ ابْنُ أُخْتِهِ سَرْخَالَةَ، وَاسْتَقَامَ الْأَمْرُ فِيهَا، بَعْدَ أَنْ جَرَى بَيْنَ الْفِرِنْجِ خُلْفٌ بِسَبَبِهِ، فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمُ الْقُسُوسُ وَالرُّهْبَانُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ قَرَاجَةُ، صَاحِبُ حِمْصَ، وَكَانَ ظَالِمًا، وَقَامَ وَلَدُهُ قَرْجَانُ مَكَانَهُ، وَكَانَ مِثْلَهُ فِي قُبْحِ السِّيرَةِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمُعَمَّرُ بْنُ عَلِيٍّ أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي عِمَامَةَ الْوَاعِظُ الْبَغْدَاذِيُّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ لَهُ خَاطِرٌ حَادٌّ، وَمُجُونٌ حَسَنٌ، وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى وَعْظِهِ أَخْبَارُ الصَّالِحِينَ.
وَتُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ بْنِ عُمَرَ الدَّيْنُورِيُّ، وَالِدُ شَهْدَةَ، وَكَانَ يَرْوِي عَنْ أَبِي يَعْلَى بْنِ الْفَرَّاءِ، وَابْنِ الْمَأْمُونِ، وَابْنِ الْمُهْتَدِي، وَابْنِ النُّقُّورِ، وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ مُتَزَهِّدًا.
стр. 5118
وَتُوُفِّيَ أَبُو الْعَلَاءِ صَاعِدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ صَاعِدٍ، الْخَطِيبُ النَّيْسَابُورِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَعْيَانِ الْفُقَهَاءِ، وَوَلِيَ قَضَاءَ خُوَارَزْمَ، وَكَانَ يَرْوِي الْحَدِيثَ.
стр. 5119
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ]
٥٠٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ قِتَالِ الْفِرِنْجِ وَانْهِزَامِهِمْ وَقَتْلِ مَوْدُودٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، اجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ، وَفِيهِمُ الْأَمِيرُ مَوْدُودُ بْنُ أَلْتُونْتِكِينَ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، وَتَمِيرُكَ، صَاحِبُ سِنْجَارَ، وَالْأَمِيرُ إِيَّازُ بْنُ إِيلْغَازِي، وَطُغْتِكِينُ، صَاحِبُ دِمَشْقَ.
وَكَانَ سَبَبُ اجْتِمَاعِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَلِكَ الْفِرِنْجِ بَغْدُوِينَ تَابَعَ الْغَارَاتِ عَلَى بَلَدِ دِمَشْقَ، وَنَهَبَهُ وَخَرَّبَهُ، أَوَاخِرَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَانْقَطَعَتِ الْمَوَادُّ عَنْ دِمَشْقَ، فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ فِيهَا، وَقَلَّتِ الْأَقْوَاتُ، فَأَرْسَلَ طُغْتِكِينُ صَاحِبُهَا إِلَى الْأَمِيرِ مَوْدُودٍ يَشْرَحُ لَهُ الْحَالَ، وَيَسْتَنْجِدُهُ، وَيَحُثُّهُ عَلَى سُرْعَةِ الْوُصُولِ إِلَيْهِ، فَجَمَعَ عَسْكَرًا، وَسَارَ فَعَبَرَ الْفُرَاتَ آخِرَ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَخَافَهُ الْفِرِنْجُ.
وَسَمِعَ طُغْتِكِينُ خَبَرَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ، وَلَقِيَهُ بِسَلَمِيَّةَ، وَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى قَصْدِ بَغْدُوِينَ، مَلِكِ الْقُدْسِ، فَسَارُوا إِلَى الْأُرْدُنِّ، فَنَزَلَ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ الْأُقْحُوَانَةِ وَنَزَلَ الْفِرِنْجُ مَعَ
стр. 5120
مَلِكِهِمْ بَغْدُوِينَ وَجُوسْلِينَ، صَاحِبِ جَيْشِهِمْ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُقَدَّمَيْنِ، وَالْفُرْسَانِ الْمَشْهُورِينَ، وَدَخَلُوا بِلَادَ الْفِرِنْجِ مَعَ مَوْدُودٍ، وَجَمَعَ الْفِرِنْجُ، فَالْتَقَوْا عِنْدَ طَبَرِيَّةَ ثَالِثَ عَشَرَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، ثُمَّ إِنَّ الْفِرِنْجَ انْهَزَمُوا، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ وَالْأَسْرُ، وَمِمَّنْ أُسِرَ مَلِكُهُمْ بَغْدُوِينُ، فَلَمْ يُعْرَفْ، فَأَخَذَ سِلَاحَهُ وَأُطْلِقَ فَنَجَا، وَغَرِقَ مِنْهُمْ فِي بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ وَنَهْرِ الْأُرْدُنِّ كَثِيرٌ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ أَمْوَالَهُمْ وَسِلَاحَهُمْ، وَوَصَلَ الْفِرِنْجُ إِلَى مَضِيقٍ دُونَ طَبَرِيَّةَ، فَلَقِيَهُمْ عَسْكَرُ طَرَابُلُسَ وَأَنْطَاكِيَةَ، فَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ بِهِمْ، وَعَاوَدُوا الْحَرْبَ، فَأَحَاطَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَصَعِدَ الْفِرِنْجُ إِلَى جَبَلٍ غَرْبَ طَبَرِيَّةَ، فَأَقَامُوا بِهِ سِتَّةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَالْمُسْلِمُونَ بِإِزَائِهِمْ يَرْمُونَهُمْ بِالنُّشَّابِ فَيُصِيبُونَ مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُمْ، وَمَنَعُوا الْمِيرَةَ عَنْهُمْ لَعَلَّهُمْ يَخْرُجُونَ إِلَى قِتَالِهِمْ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَسَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى بَيْسَانَ، وَنَهَبُوا بِلَادَ الْفِرِنْجِ بَيْنَ عَكًّا إِلَى الْقُدْسِ، وَخَرَّبُوهَا، وَقَتَلُوا مَنْ ظَفِرُوا بِهِ مِنَ النَّصَارَى، وَانْقَطَعَتِ الْمَادَّةُ عَنْهُمْ لِبُعْدِهِمْ عَنْ بِلَادِهِمْ، فَعَادُوا وَنَزَلُوا بِمَرْجِ الصُّفَّرِ.
وَأَذِنَ الْأَمِيرُ مَوْدُودٌ لِلْعَسَاكِرِ فِي الْعَوْدِ وَالِاسْتِرَاحَةِ، ثُمَّ الِاجْتِمَاعِ فِي الرَّبِيعِ لِمُعَاوَدَةِ الْغَزَاةِ، وَبَقِيَ فِي خَوَاصِّهِ، وَدَخَلَ دِمَشْقَ فِي الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ لِيُقِيمَ عِنْدَ طُغْتِكِينَ إِلَى الرَّبِيعِ، فَدَخَلَ الْجَامِعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، لِيُصَلِّيَ فِيهِ وَطُغْتِكِينُ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الصَّلَاةِ، وَخَرَجَ إِلَى صَحْنِ الْجَامِعِ، وَيَدُهُ فِي يَدِ طُغْتِكِينَ، وَثَبَ عَلَيْهِ بَاطِنِيٌّ فَضَرَبَهُ فَجَرَحَهُ أَرْبَعَ جِرَاحَاتٍ وَقُتِلَ الْبَاطِنِيُّ، وَأُخِذَ رَأْسُهُ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ، فَأُحْرِقَ.
وَكَانَ صَائِمًا، فَحُمِلَ إِلَى دَارِ طُغْتِكِينَ، وَاجْتَهَدَ بِهِ لِيُفْطِرَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَالَ: لَا لَقِيتُ اللَّهَ إِلَّا صَائِمًا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ، ﵀، فَقِيلَ إِنَّ الْبَاطِنِيَّةَ بِالشَّامِ خَافُوهُ وَقَتَلُوهُ، وَقِيلَ بَلْ خَافَهُ طُغْتِكِينُ فَوَضَعَ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ.
وَكَانَ خَيِّرًا، عَادِلًا، كَثِيرَ الْخَيْرِ. حَدَّثَنِي وَالِدِي قَالَ: كَتَبَ مَلِكُ الْفِرِنْجِ إِلَى طُغْتِكِينَ، بَعْدَ قَتْلِ مَوْدُودٍ، كِتَابًا مِنْ فُصُولِهِ: أَنَّ أُمَّةً قَتَلَتْ عَمِيدَهَا. يَوْمَ عِيدِهَا. فِي بَيْتِ مَعْبُودِهَا. لَحَقِيقٌ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُبِيدَهَا.
стр. 5121
وَلَمَّا قُتِلَ تَسَلَّمَ تَمِيرُكَ، صَاحِبُ سِنْجَارَ، مَا مَعَهُ مِنَ الْخَزَائِنِ وَالسِّلَاحِ وَحَمَلَهَا إِلَى السُّلْطَانِ، وَدُفِنَ مَوْدُودٌ بِدِمَشْقَ فِي تُرْبَةِ دِقَاقٍ صَاحَبَهَا، وَحُمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَدُفِنَ فِي جِوَارِ أَبِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ حُمِلَ إِلَى أَصْبَهَانَ.
ذِكْرُ الْخُلْفِ بَيْنَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ وَمُحَمَّدْ خَانْ وَالصُّلْحِ بَيْنَهُمَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَثُرَ الْحَدِيثُ عَنْ سَنْجَرَ: أَنَّ مُحَمَّدْ خَانَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ قَدْ مَدَّ يَدَهُ إِلَى أَمْوَالِ الرَّعَايَا، وَظَلَمَهُمْ ظُلْمًا كَثِيرًا، وَأَنَّهُ خَرَّبَ الْبِلَادَ بِظُلْمِهِ وَشَرِّهِ، وَأَنَّهُ قَدْ صَارَ يَسْتَخِفُّ بِأَوَامِرِ سَنْجَرَ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا، فَتَجَهَّزَ سَنْجَرُ وَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ يُرِيدُ قَصْدَهُ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَخَافَ مُحَمَّدْ خَانْ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْأَمِيرِ قُمَاجَ، وَهُوَ أَكْبَرُ أَمِيرٍ مَعَ سَنْجَرَ، يَسْأَلُهُ أَنْ يُصْلِحَ الْحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَنْجَرَ، وَأَرْسَلَ أَيْضًا إِلَى خُوَارَزْمِشَاهْ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَسَأَلَهُمَا فِي إِرْضَاءِ السُّلْطَانِ عَنْهُ، وَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ أَخْطَأَ، فَأَجَابَ سَنْجَرُ إِلَى صُلْحِهِ عَلَى شَرْطِ أَنْ يَحْضُرَ عِنْدَهُ وَيَطَأَ بِسَاطَهُ، فَأَرْسَلَ مُحَمَّدْ خَانْ يَذْكُرُ خَوْفَهُ لِسُوءِ صَنِيعِهِ، وَلَكِنَّهُ يَحْضُرُ الْخِدْمَةَ، وَيَخْدِمُ السُّلْطَانَ، وَبَيْنَهُمَا نَهْرُ جَيْحُونَ، ثُمَّ يُعَاوِدُ بَعْدَ ذَلِكَ الْحُضُورَ عِنْدَهُ، وَالدُّخُولَ إِلَيْهِ، فَحَسَّنُوا الْإِجَابَةَ إِلَى ذَلِكَ، وَالِاشْتِغَالَ بِغَيْرِهِ، فَامْتَنَعَ، ثُمَّ أَجَابَ.
وَكَانَ سَنْجَرُ عَلَى شَاطِئِ جَيْحُونَ مِنَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَجَاءَ مُحَمَّدْ خَانْ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَتَرَجَّلَ وَقَبَّلَ الْأَرْضَ وَسَنْجَرُ رَاكِبٌ، وَعَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى خِيَامِهِ، وَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَهُمَا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ قَفَلٌ عَظِيمٌ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى مِصْرَ، فَأَتَى الْخَبَرُ إِلَى بَغْدُوِينَ مَلِكِ الْفِرِنْجِ، فَسَارَ إِلَيْهِ، وَعَارَضَهُ فِي الْبَرِّ، فَأَخَذَهُمْ أَجْمَعِينَ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَمَنْ سَلِمَ أَخَذَهُ الْعَرَبُ.
стр. 5122
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْوَزِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَهِيرٍ، وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ، وَوَزَرَ بَعْدَهُ الرَّبِيبُ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ الْوَزِيرِ أَبِي شُجَاعٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَزِيرِ السُّلْطَانِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْمَلِكُ رِضْوَانُ مُحَمَّدٌ تَاجُ الدَّوْلَةِ تُتُشُ بْنُ أَلْب أَرْسِلَانَ، صَاحِبُ حَلَبَ، وَقَامَ بَعْدَهُ بِحَلَبَ ابْنُهُ أَلْب أَرْسِلَانَ الْأَخْرَسُ، وَعُمُرُهُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَتْ أُمُورُ رِضْوَانَ غَيْرَ مَحْمُودَةٍ: قَتَلَ أَخَوَيْهِ أَبَا طَالِبٍ وَبُهْرَامَ، وَكَانَ يَسْتَعِينُ بِالْبَاطِنِيَّةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أُمُورِهِ لِقِلَّةِ دِينِهِ، وَلَمَّا مَلَكَ الْأَخْرَسُ اسْتَوْلَى عَلَى الْأُمُورِ لُؤْلُؤٌ الْخَادِمُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْأَخْرَسِ مَعَهُ إِلَّا اسْمُ السَّلْطَنَةِ، وَمَعْنَاهُ لِلُؤْلُؤٍ، وَلَمْ يَكُنْ أَلْب أَرْسِلَانَ أَخْرَسَ، وَإِنَّمَا فِي لِسَانِهِ حُبْسَةٌ وَتَمْتَمَةٌ، وَأُمُّهُ بِنْتُ بَاغِي سِيَّانَ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ أَنْطَاكِيَةَ، وَقَتَلَ الْأَخْرَسُ أَخَوَيْنِ لَهُ أَحَدُهُمَا اسْمُهُ مُلْكِشَاهْ، وَهُوَ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَاسْمُ الْآخَرِ مُبَارَكْشَاهْ، وَهُوَ مِنْ أَبِيهِ، وَكَانَ أَبُوهُ فَعَلَ مِثْلَهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ قُتِلَ وَلَدَاهُ، مُكَافَأَةً لِمَا اعْتَمَدَهُ مَعَ أَخَوَيْهِ.
وَكَانَ الْبَاطِنِيَّةُ قَدْ كَثُرُوا بِحَلَبَ فِي أَيَّامِهِ، حَتَّى خَافَهُمُ ابْنُ بَدِيعٍ رَئِيسُهَا، وَأَعْيَانُ أَهْلِهَا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ قَالَ ابْنُ بَدِيعٍ لِأَلْب أَرْسِلَانَ فِي قَتْلِهِمْ وَالْإِيقَاعِ بِهِمْ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَبَضَ عَلَى مُقَدَّمِهِمْ أَبِي طَاهِرٍ الصَّائِغِ، وَعَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِهِ، فَقَتَلَ أَبَا طَاهِرٍ وَجَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِهِمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَ الْبَاقِينَ وَأَطْلَقَهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَصَدَ الْفِرِنْجَ، وَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ بِبَغْدَاذَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَدْرَانَ الْحُلْوَانِيُّ الزَّاهِدُ، مُنْتَصَفَ جُمَادَى الْأُولَى، رَوَى الْحَدِيثَ عَنِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيِّ، وَأَبِي طَالِبٍ الْعُشَارِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَمِنْ آخِرِهِمْ أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الطُّوسِيِّ، خَطِيبُ الْمَوْصِلِ.
وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ الْإِمَامُ
стр. 5123
ابْنُ الْإِمَامِ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ بِمَدِينَةِ بَيْهَقَ، وَلِوَالِدِهِ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ.
وَشُجَاعُ بْنُ أَبِي شُجَاعٍ فَارِسِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ فَارِسٍ أَبُو غَالِبٍ الذُّهْلِيُّ الْحَافِظُ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَرَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَأَبِي الْقَاسِمِ، وَابْنِ الْمُهْتَدِي وَالْجَوْهَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
وَالْأَدِيبُ أَبُو الْمُظَفَّرِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَبْيُورْدِيُّ الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ، وَلَهُ دِيوَانٌ حَسَنٌ، وَمِنْ شِعْرِهِ:
تَنَكَّرَ لِي دَهْرِي، وَلَمْ يَدْرِ أَنَّنِي ... أَعَزُّ، وَأَحْدَاثُ الزَّمَانِ تَهُونُ
وَظَلَّ يُرِينِي الْخَطْبَ كَيْفَ اعْتِدَاؤُهُ ... وَبِتُّ أُرِيهِ الصَّبْرَ كَيْفَ يَكُونُ
وَلَهُ أَيْضًا:
رَكِبْتُ طَرْفِي، فَأَذْرَى دَمْعَهُ أَسَفًا ... عِنْدَ انْصِرَافِيَ مِنْهُمْ، مُضْمِرَ الْيَاسِ
وَقَالَ: حَتَّامَ تُؤْذِينِي، فَإِنْ سَنَحَتْ ... حَوَائِجٌ لَكَ، فَارْكَبْنِي إِلَى النَّاسِ
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِأَصْبَهَانَ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ الْأُمَوِيِّ وَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ الشَّاشِيُّ، الْإِمَامُ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، فِي شَوَّالٍ، مَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، سَمِعَ أَبَا بَكْرٍ الْخَطِيبَ، وَأَبَا يَعْلَى بْنَ الْفَرَّاءِ، وَغَيْرَهُمَا، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْكَازَرُونِيِّ بِدِيَارِ بَكْرٍ، وَعَلَى أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ بِبَغْدَاذَ، وَعَلَى أَبِي نَصْرِ بْنِ الصَّبَّاغِ
стр. 5124
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو نَصْرٍ الْمُؤْتَمَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ السَّاجِيُّ، الْحَافِظُ الْمَقْدِسِيُّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ مُكْثِرًا مِنَ الْحَدِيثِ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ، وَكَانَ ثِقَةً.
стр. 5125
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِمِائَةٍ]
٥٠٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ مَسِيرِ آقْسُنْقُرَ الْبُرْسُقِيِّ إِلَى الشَّامِ لِحَرْبِ الْفِرِنْجِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ الْأَمِيرَ آقْسُنْقُرَ الْبُرْسُقِيَّ إِلَى الْمَوْصِلِ وَأَعْمَالِهَا، وَالِيًا عَلَيْهَا، لَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ مَوْدُودٍ، وَسَيَّرَ مَعَهُ وَلَدَهُ الْمَلِكَ مَسْعُودًا فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، وَأَمَرَهُ بِقِتَالِ الْفِرِنْجِ، وَكَتَبَ إِلَى سَائِرِ الْأُمَرَاءِ بِطَاعَتِهِ، فَوَصَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَاتَّصَلَتْ بِهِ عَسَاكِرُهَا، وَفِيهِمْ عِمَادُ الدِّينِ زِنْكِيُّ بْنُ آقْسُنْقُرَ، الَّذِي مَلَكَ هُوَ وَأَوْلَادُهُ الْمَوْصِلَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ لَهُ شَجَاعَةٌ فِي الْغَايَةِ.
وَاتَّصَلَ بِهِ أَيْضًا تَمِيرُكُ صَاحِبُ سَنْجَارَ وَغَيْرِهِمَا، فَسَارَ الْبُرْسُقِيُّ إِلَى جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، فَسَلَّمَا إِلَيْهِ نَائِبَ مَوْدُودٍ بِهَا، وَسَارَ مَعَهُ إِلَى مَارِدِينَ، فَنَازَلَهَا الْبُرْسُقِيُّ، حَتَّى أَذْعَنَ لَهُ إِيلْغَازِي صَاحِبُهَا، وَسَيَّرَ مَعَهُ عَسْكَرًا مَعَ وَلَدِهِ إِيَّازَ، فَسَارَ عَنْهُ الْبُرْسُقِيُّ إِلَى الرُّهَا فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ، فَنَازَلَهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَقَاتَلَهَا، وَصَبَرَ لَهُ الْفِرِنْجُ، وَأَصَابُوا مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ غِرَّةً، فَأَخَذُوا مِنْهُمْ تِسْعَةَ رِجَالٍ وَصَلَبُوهُمْ عَلَى سُورِهَا، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ حِينَئِذٍ، وَحَمِيَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَاتَلُوا، فَقَتَلُوا مِنَ الْفِرِنْجِ خَمْسِينَ فَارِسًا مِنْ أَعْيَانِهِمْ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا شَهْرَيْنِ وَأَيَّامًا.
وَضَاقَتِ الْمِيرَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَرَحَلُوا مِنَ الرُّهَا إِلَى سُمَيْسَاطَ، بَعْدَ أَنْ خَرَّبُوا بَلَدَ سَرُوجَ وَبَلَدَ سُمَيْسَاطَ وَأَطَاعَهُ صَاحِبُ مَرْعَشَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَى شَحْنَانَ، فَقَبَضَ عَلَى إِيَّازَ بْنِ إِيلْغَازِي، حَيْثُ لَمْ يَحُضَّ أَبُوهُ، وَنَهَبَ سَوَادَ مَارِدِينَ.
стр. 5126
وَلَمَّا بَلَغَ طُغْتِكِينَ الْخَبَرُ عَادَ إِلَى حِمْصَ، وَأَرْسَلَ فِي إِطْلَاقِهِ، فَامْتَنَعَ قُرْجَانُ، وَحَلَفَ: إِنْ لَمْ يَعُدْ طُغْتِكِينُ لَنَقْتُلَنَّ إِيلْغَازِي، فَأَرْسَلَ إِلَى طُغْتِكِينَ: إِنَّ الْمُلَاجَّةَ تُؤْذِينِي، وَتَسْفِكُ دَمِي، وَالْمَصْلَحَةُ عَوْدُكَ إِلَى دِمَشْقَ، فَعَادَ.
وَانْتَظَرَ قُرْجَانُ وُصُولَ الْعَسَاكِرِ السُّلْطَانِيَّةِ، فَتَأَخَّرَتْ عَنْهُ، فَخَافَ أَنْ يَنْخَدِعَ أَصْحَابُهُ لِطُغْتِكِينَ، وَيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ حِمْصَ، فَعَدَلَ إِلَى الصُّلْحِ مَعَ إِيلْغَازِي عَلَى أَنْ يُطْلِقَهُ، وَيَأْخُذَ ابْنَهُ إِيَّازَ رَهِينَةً، وَيُصَاهِرَهُ، وَيَمْنَعَهُ مِنْ طُغْتِكِينَ وَغَيْرِهِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَطْلَقَهُ، وَتَحَالَفَا، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ ابْنَهُ إِيَّازَ، وَسَارَ عَنْ حِمْصَ إِلَى حَلَبَ، وَجَمَعَ التُّرْكُمَانَ، وَعَادَ إِلَى حِمْصَ، وَطَالَبَ بِوَلَدِهِ إِيَّازَ، وَحَصَرَ قُرْجَانَ إِلَى أَنْ وَصَلَتِ الْعَسَاكِرُ السُّلْطَانِيَّةُ، فَعَادَ إِيلْغَازِي عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
ذِكْرُ وَفَاةِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ وَمُلْكِ ابْنِهِ وَمَا كَانَ مِنْهُ مَعَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، تُوُفِّيَ الْمَلِكُ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ أَبُو سَعْدٍ مَسْعُودُ بْنُ أَبِي الْمُظَفَّرِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي سَعْدٍ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتُكِينَ، صَاحِبُ غَزْنَةَ، بِهَا، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَرْسِلَانْشَاهْ، وَأُمُّهُ سَلْجُوقِيَّةٌ، وَهِيَ أُخْتُ السُّلْطَانِ أَلْب أَرْسِلَانَ بْنِ دَاوُدَ، فَقَبَضَ عَلَى إِخْوَانِهِ وَسَجَنَهُمْ، وَهَرَبَ أَخٌ لَهُ اسْمُهُ بَهْرَامُ إِلَى خُرَاسَانَ، فَوَصَلَ إِلَى السُّلْطَانِ سَنْجَرَ بْنِ مُلْكِشَاهْ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَرْسِلَانَشَاهْ فِي مَعْنَاهُ، فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَلَا أَصْغَى إِلَى قَوْلِهِ، فَتَجَهَّزَ سَنْجَرُ لِلْمَسِيرِ إِلَى غَزْنَةَ، وَإِقَامَةِ بَهْرَامْشَاهْ فِي الْمُلْكِ.
فَأَرْسَلَ أَرْسِلَانْشَاهْ إِلَى السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ يَشْكُو مِنْ أَخِيهِ سَنْجَرَ، فَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَى أَخِيهِ سَنْجَرَ يَأْمُرُهُ بِمُصَالَحَةِ أَرْسِلَانْشَاهْ، وَتَرْكِ التَّعَرُّضِ لَهُ، وَقَالَ لِلرَّسُولِ:
إِنْ رَأَيْتَ أَخِي وَقَدْ قَصَدَهُمْ، وَسَارَ نَحْوَهُمْ، أَوْ قَارَبَ أَنْ يَسِيرَ، فَلَا تَمْنَعْهُ، وَلَا تُبْلِغْهُ الرِّسَالَةَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَفُتُّ فِي عَضُدِهِ وَيُوهِنُهُ، وَلَا يَعُودُ، وَلَأَنْ يَمْلِكَ أَخِي الدُّنْيَا أَحَبُّ إِلَيَّ. فَوَصَلَ الرَّسُولُ إِلَى سَنْجَرَ، وَقَدْ جَهَّزَ الْعَسَاكِرَ إِلَى غَزْنَةَ، وَجَعَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ الْأَمِيرَ أُنَرَ، مُتَقَدِّمَ عَسْكَرِهِ، وَمَعَهُ الْمَلِكَ بَهْرَامْشَاهْ، فَسَارُوا حَتَّى بَلَغُوا بُسْتَ، وَاتَّصَلَ بِهِمْ فِيهَا أَبُو الْفَضْلِ نَصْرُ بْنُ خَلَفٍ، صَاحِبُ سِجِسْتَانَ.
стр. 5127
ذِكْرُ طَاعَةِ صَاحِبِ مَرْعَشَ وَغَيْرِهَا الْبُرْسُقِيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ بَعْضُ جُنُودِ الْفِرِنْجِ، وَيُعْرَفُ بِكَوَاسِيلَ، وَهُوَ صَاحِبُ مَرْعَشَ، وَكَيْسُومَ، وَرَعْبَانَ وَغَيْرِهَا، فَاسْتَوْلَتْ زَوْجَتُهُ عَلَى الْمَمْلَكَةِ، وَتَحَصَّنَتْ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَأَحْسَنَتْ إِلَى الْأَجْنَادِ، وَرَاسَلَتْ آقْسُنْقُرَ الْبُرْسُقِيَّ، وَهُوَ عَلَى الرُّهَا، وَاسْتَدْعَتْ مِنْهُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ لِتُطِيعَهُ، فَسَيَّرَ إِلَيْهَا الْأَمِيرَ سُنْقُرَ دَزْدَارَ، صَاحِبَ الْخَابُورِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا أَكْرَمَتْهُ، وَحَمَلَتْ إِلَيْهِ مَالًا كَثِيرًا.
وَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهَا إِذْ جَاءَ جَمْعٌ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَوَاقَعُوا أَصْحَابَهُ، وَهُمْ نَحْوُ مِائَةِ فَارِسٍ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ظَفِرَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ بِالْفِرِنْجِ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ أَكْثَرَهُمْ وَعَادَ سُنْقُرُ دَزْدَارَ، وَقَدْ أَصْحَبَتْهُ الْهَدَايَا لِلْمَلِكِ مَسْعُودٍ وَالْبُرْسُقِيِّ، وَأَذْعَنَتْ بِالطَّاعَةِ، وَلَمَّا عَرَفَ الْفِرِنْجُ ذَلِكَ عَادَ كَثِيرٌ مِمَّنْ عِنْدَهَا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْبُرْسُقِيِّ، وَإِيلْغَازِي وَأَسْرِ إِيلْغَازِي
لَمَّا قَبَضَ الْبُرْسُقِيُّ عَلَى إِيَّازَ بْنِ إِيلْغَازِي سَارَ إِلَى حِصْنِ كِيفَا، وَصَاحِبُهَا الْأَمِيرُ رُكْنُ الدَّوْلَةِ دَاوُدُ ابْنُ أَخِيهِ سُقْمَانَ، فَاسْتَنْجَدَهُ، فَسَارَ مَعَهُ فِي عَسْكَرِهِ وَأَحْضَرَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ التُّرْكُمَانِ، وَسَارَا إِلَى الْبُرْسُقِيِّ، فَلَقِيَهُ، أَوَاخِرَ السَّنَةِ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا صَبَرُوا فِيهِ، فَانْهَزَمَ الْبُرْسُقِيُّ وَعَسْكَرُهُ، وَخُلِّصَ إِيَّازُ بْنُ إِيلْغَازِي مِنَ الْأُسَرِ، فَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَيْهِ يَتَهَدَّدُهُ، فَخَافَهُ، وَسَارَ إِلَى الشَّامِ إِلَى حَمِيِّهِ طُغْتِكِينَ، صَاحِبِ دِمَشْقَ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ أَيَّامًا.
وَكَانَ طُغْتِكِينُ أَيْضًا قَدِ اسْتَوْحَشَ مِنَ السُّلْطَانِ لِأَنَّهُ نَسَبَ إِلَيْهِ قَتْلَ مَوْدُودٍ، فَاتَّفَقَا عَلَى الِامْتِنَاعِ، وَالِالْتِجَاءِ إِلَى الْفِرِنْجِ، وَالِاحْتِمَاءِ بِهِمْ، فَرَاسَلَا صَاحِبَ أَنْطَاكِيَةَ، وَحَالَفَاهُ، فَحَضَرَ عِنْدَهُمَا عَلَى بُحَيْرَةِ قَدَسَ، عِنْدَ حِمْصَ، وَجَدَّدُوا الْعُهُودَ، وَعَادَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، وَعَادَ طُغْتِكِينُ إِلَى دِمَشْقَ وَسَارَ إِيلْغَازِي إِلَى الرَّسْتَنِ عَلَى عَزْمِ قَصْدِ دِيَارِ بَكْرٍ، وَجَمْعِ التُّرْكُمَانِ وَالْعَوْدِ، فَنَزَلَ بِالرَّسْتَنِ لِيَسْتَرِيحَ، فَقَصَدَهُ الْأَمِيرُ قُرْجَانُ بْنُ قُرَاجَةَ صَاحِبُ حِمْصَ، وَقَدْ تَفَرَّقَ عَنْ إِيلْغَازِي أَصْحَابُهُ، فَظَفَرَ بِهِ قُرْجَانُ وَأَسَرَهُ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ خَوَاصِّهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، وَيَسْأَلُهُ تَعْجِيلَ إِنْفَاذِ الْعَسَاكِرِ لِئَلَّا يَغْلِبَهُ طُغْتِكِينُ عَلَى إِيلْغَازِي.
стр. 5128
وَسَمِعَ أَرْسِلَانْشَاهُ الْخَبَرَ، فَسَيَّرَ جَيْشًا كَثِيفًا، فَهَزَمَاهُ، وَنَهَبَاهُ وَعَادَ مَنْ سَلِمَ إِلَى غَزْنَةَ عَلَى أَسْوَأِ حَالٍ فَخَضَعَ حِينَئِذٍ أَرْسِلَانْشَاهْ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْأَمِيرِ أُنَرَ يَضْمَنُ لَهُ الْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَ لِيَعُودَ عَنْهُ، وَيُحَسِّنُ لِلْمَلِكِ سَنْجَرَ الْعَوْدَةَ عَنْهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ.
وَتَجَهَّزَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ، بَعْدَ أُنَرَ، لِلْمَسِيرِ بِنَفْسِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَرْسِلَانْشَاهُ امْرَأَةَ عَمِّهِ نَصْرٍ تَسْأَلُهُ الصَّفْحَ وَالْعَوْدَ عَنْ قَصْدِهِ، وَهِيَ أُخْتُ الْمَلِكِ سَنْجَرَ مِنَ السُّلْطَانِ بُرْكِيارُقَ، وَكَانَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ أَبُو سَعْدٍ قَدْ قَتَلَ زَوْجَهَا، وَمَنَعَهَا مِنَ الْخُرُوجِ عَنْ غَزْنَةَ وَتَزَوَّجَهَا، فَسَيَّرَهَا الْآنَ أَرْسِلَانْشَاهْ، فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَى أَخِيهِ أَوْصَلَتْ مَا مَعَهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْهَدَايَا، وَكَانَ مَعَهَا مِائَتَا أَلْفِ دِينَارٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَطَلَبَ مِنْ سَنْجَرَ أَنْ يُسَلِّمَ أَخَاهُ بَهْرَامَ إِلَيْهِ.
وَكَانَتْ مُوغَرَةَ الصَّدْرِ مِنْ أَرْسِلَانْشَاهْ، فَهَوَّنَتْ أَمْرَهُ عَلَى سَنْجَرَ، وَأَطْمَعَتْهُ فِي الْبِلَادِ، وَسَهَّلَتِ الْأَمْرَ عَلَيْهِ، وَذَكَرَتْ لَهُ مَا فَعَلَ بِإِخْوَانِهِ، وَكَانَ قَتَلَ بَعْضًا وَكَحَلَ بَعْضًا مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ مِنْهُمْ عَنِ الطَّاعَةِ. فَسَارَ الْمَلِكُ سَنْجَرُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بُسْتَ أَرْسَلَ خَادِمًا مِنْ خَوَاصِّهِ إِلَى أَرْسِلَانْشَاهْ فِي رِسَالَةٍ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْقِلَاعِ، فَسَارَ حِينَئِذٍ سَنْجَرُ مُجِدًّا، فَلَمَّا سَمِعَ مِنْهُ أَطْلَقَ الرَّسُولَ، وَوَصَلَ سَنْجَرُ إِلَى غَزْنَةَ، وَوَقَعَ بَيْنَهُمَا الْمَصَافُّ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ غَزْنَةَ، بِصَحْرَاءَ شَهْرَابَاذَ، وَكَانَ أَرْسِلَانْشَاهْ فِي ثَلَاثِينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَخَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ الرَّجَّالَةِ، وَمَعَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ فِيلًا، عَلَى كُلِّ فِيلٍ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ، فَحَمَلَتِ الْفِيَلَةُ عَلَى الْقَلْبِ، وَفِيهِ سَنْجَرُ، فَكَانَ مَنْ فِيهِ يَنْهَزِمُونَ، فَقَالَ سَنْجَرُ لِغِلْمَانِهِ الْأَتْرَاكِ لِيَرْمُوهَا بِالنُّشَّابِ، فَتَقَدَّمَ ثَلَاثَةُ آلَافِ غُلَامٍ، فَرَمَوُا الْفِيَلَةَ رَشْقًا وَاحِدًا جَمِيعًا، فَقَتَلُوا مِنْهَا عِدَّةً، فَعَدَلَتِ الْفِيَلَةُ عَنِ الْقَلْبِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ، وَبِهَا أَبُو الْفَضْلِ صَاحِبُ سِجِسْتَانَ، وَجَالَتْ عَلَيْهِمْ، فَضَعُفَ مَنْ فِي الْمَيْسَرَةِ، فَشَجَّعَهُمْ أَبُو الْفَضْلِ، وَخَوَّفَهُمْ مِنَ الْهَزِيمَةِ مَعَ دِيَارِهِمْ، وَتَرَجَّلَ عَنْ فَرَسِهِ بِنَفْسِهِ، وَقَصَدَ كَبِيرَ الْفِيَلَةِ، وَمُتَقَدَّمُهَا، وَدَخَلَ تَحْتَهَا فَشَقَّ بَطْنَهَا، وَقَتَلَ فِيلَيْنِ آخَرَيْنِ.
وَرَأَى الْأَمِيرُ أُنَرُ، وَهُوَ فِي الْمَيْمَنَةِ، مَا فِي الْمَيْسَرَةِ مِنَ الْحَرْبِ، فَخَافَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَ مِنْ وَرَاءِ عَسْكَرِ غَزْنَةَ، وَقَصَدَ الْمَيْسَرَةَ وَاخْتَلَطَ بِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى الْغَزْنَوِيَّةِ، وَكَانَ رُكَّابُ الْفِيَلَةِ قَدْ شَدُّوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهَا بِالسَّلَاسِلِ، فَلَمَّا عَضَّتْهُمُ الْحَرْبُ، وَعَمِلَ فِيهِمُ السَّيْفُ، أَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ، فَبَقُوا مُعَلَّقِينَ عَلَيْهَا.
стр. 5129
وَدَخَلَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ غَزْنَةَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ عَشْرٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَمَعَهُ بُهْرَامْشَاهْ. فَأَمَّا الْقَلْعَةُ الْكَبِيرَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الْأَمْوَالِ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَلَدِ تِسْعَةُ فَرَاسِخَ، وَهِيَ عَظِيمَةٌ، فَلَا مَطْمَعَ فِيهَا، وَلَا طَرِيقَ عَلَيْهَا.
وَكَانَ أَرْسِلَانْشَاهْ قَدْ سَجَنَ فِيهَا أَخَاهُ طَاهِرًا الْخَازِنَ، وَهُوَ صَاحِبُ بُهْرَامْشَاهْ، وَاعْتَقَلَ بِهَا أَيْضًا زَوْجَةَ بُهْرَامْشَاهْ، فَلَمَّا انْهَزَمَ أَرْسِلَانْشَاهِ اسْتَمَالَ أَخُوهُ طَاهِرٌ الْمُسْتَحْفِظَ بِهَا، فَبَذَلَ لَهُ وَلِلْأَجْنَادِ الزِّيَادَاتِ، فَسَلَّمُوا الْقَلْعَةَ إِلَى الْمَلِكِ سَنْجَرَ.
وَأَمَّا قَلْعَةُ الْبَلَدِ فَإِنَّ أَرْسِلَانْشَاهْ كَانَ اعْتَقَلَ بِهَا رَسُولَ سَنْجَرَ، فَلَمَّا أَطْلَقَهُ بَقِيَ غِلْمَانُهُ بِهَا، فَسَلَّمُوا الْقَلْعَةَ أَيْضًا بِغَيْرِ قِتَالٍ.
وَكَانَ قَدْ تَقَرَّرَ بَيْنَ بُهْرَامْشَاهْ وَبَيْنَ سَنْجَرَ أَنْ يَجْلِسَ بُهْرَامُ عَلَى سَرِيرِ جَدِّهِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتُكِينَ وَحْدَهُ، وَأَنْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ بَغَزْنَةَ لِلْخَلِيفَةِ، السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَلِلْمَلِكِ سَنْجَرَ، وَبَعْدَهُمْ لِبُهْرَامْشَاهْ. فَلَمَّا دَخَلُوا غَزْنَةَ كَانَ سَنْجَرُ رَاكِبًا، وَبُهْرَامْشَاهْ بَيْنَ يَدَيْهِ رَاجِلًا، حَتَّى جَاءَ السَّرِيرُ، فَصَعِدَ بُهْرَامْشَاهْ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَرَجَعَ سَنْجَرُ، وَكَانَ يَخْطُبُ لَهُ بِالْمُلْكِ، وَلِبُهْرَامْشَاهْ بِالسُّلْطَانِ عَلَى عَادَةِ آبَائِهِ، فَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يُسْمَعُ بِهِ.
وَحَصَلَ لِأَصْحَابِ سَنْجَرَ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُحْصَى مِنَ السُّلْطَانِ وَالرَّعَايَا، وَكَانَ فِي دُورٍ لِمُلُوكِهَا عِدَّةُ دُورٍ عَلَى حِيطَانِهَا أَلْوَاحُ الْفِضَّةِ، وَسَوَاقِي الْمِيَاهِ إِلَى الْبَسَاتِينِ مِنَ الْفِضَّةِ أَيْضًا، فَقُلِعَ مِنْ ذَلِكَ أَكْثَرُهُ، وَنُهِبَ، فَلَمَّا سَمِعَ سَنْجَرُ مَا يَفْعَلُ مَنَعَ عَنْهُ بِجَهْدِهِ، وَصَلَبَ جَمَاعَةً حَتَّى كَفَّ النَّاسُ.
وَفِي جُمْلَةِ مَا حَصَلَ لِلْمَلِكِ سَنْجَرَ خَمْسَةُ تِيجَانَ قَيِّمَةٍ أَحَدُهَا تَزِيدُ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةِ قِطْعَةٍ مُصَاغَةٍ مُرَصَّعَةٍ، وَسَبْعَةَ عَشَرَ سَرِيرًا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
وَأَقَامَ بِغَزْنَةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، حَتَّى اسْتَقَرَّ بُهْرَامْشَاهْ، وَعَادَ نَحْوَ خُرَاسَانَ، لَمْ يُخْطَبْ بِغَزْنَةَ لِسَلْجُوقِيٍّ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ، حَتَّى إِنَّ السُّلْطَانَ مُلْكِشَاهْ مَعَ تَمَكُّنِهِ وَكَثْرَةِ مُلْكِهِ لَمْ يَطْمَعْ فِيهِ، وَكَانَ كُلَّمَا رَامَ ذَلِكَ مَنَعَ مِنْهُ نِظَامَ الْمُلْكِ.
وَأَمَّا أَرْسِلَانْشَاهْ فَإِنَّهُ لَمَّا انْهَزَمَ قَصَدَ هِنْدُوسَتَانَ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، فَقَوِيَتْ
стр. 5130
شَوْكَتُهُ، فَلَمَّا عَادَ سَنْجَرُ إِلَى خُرَاسَانَ تَوَجَّهَ إِلَى غَزْنَةَ، فَلَمَّا عَرَفَ بُهْرَامْشَاهْ قَصْدَهُ إِيَّاهُ تَوَجَّهَ إِلَى بَامْيَانَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ سَنْجَرَ يُعْلِمَهُ الْحَالَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَسْكَرًا. وَأَقَامَ أَرْسِلَانْشَاهْ بِغَزْنَةَ شَهْرًا وَاحِدًا، وَسَارَ يَطْلُبُ أَخَاهُ بُهْرَامْشَاهْ، فَبَلَغَهُ وُصُولُ عَسْكَرِ سَنْجَرَ، فَانْهَزَمَ بِغَيْرِ قِتَالٍ لِلْخَوْفِ الَّذِي قَدْ بَاشَرَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ، وَلَحِقَ بِجِبَالِ أُوغَنَانَ، فَسَارَ أَخُوهُ بُهْرَامْشَاهْ وَعَسْكَرَ سَنْجَرُ فِي أَثَرِهِ، وَخَرَّبُوا الْبِلَادَ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِهَا يَتَهَدَّدُونَهُمْ، فَسَلَّمُوهُ بَعْدَ الْمُضَايَقَةِ، فَأَخَذَهُ مُتَقَدِّمُ جَيْشِ الْمَلِكِ سَنْجَرَ، وَأَرَادَ حَمْلَهُ إِلَى صَاحِبِهِ، فَخَافَ بُهْرَامْشَاهْ مِنْ ذَلِكَ، فَبَذَلَ لَهُ مَالًا، فَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ، فَخَنَقَهُ وَدَفَنَهُ بِتُرْبَةِ أَبِيهِ بِغَزْنَةَ، وَكَانَ عُمُرُهُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ أَحْسَنَ إِخْوَانِهِ صُورَةً، وَكَانَ قَتْلُهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ هَاهُنَا لِتَتَّصِلَ الْحَادِثَةُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، كَانَتْ زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ بِدِيَارِ الْجَزِيرَةِ، وَالشَّامِ، وَغَيْرِهَا، فَخَرَّبَتْ كَثِيرًا مِنَ الرُّهَا، وَحَرَّانَ، وَسُمَيْسَاطَ، وَبَالِسَ وَغَيْرِهَا، وَهَلَكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ تَحْتَ الْهَدْمِ.
وَفِيهَا قُتِلَ تَاجُ الدَّوْلَةِ أَلْب أَرْسِلَانَ بْنُ رِضْوَانَ، صَاحِبُ حَلَبَ، قَتَلَهُ غِلْمَانٌ بِقَلْعَةِ حَلَبَ، وَأَقَامُوا بَعْدَهُ أَخَاهُ سُلْطَانَ شَاهْ بْنَ رِضْوَانَ، وَكَانَ الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ لُؤْلُؤٌ الْخَادِمُ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الشَّرِيفُ النَّسِيبُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَبَّاسِ الْحَسَنِيُّ، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، بِدِمَشْقَ.
стр. 5131
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ]
٥٠٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ انْهِزَامِ عَسْكَرِ السُّلْطَانِ مِنَ الْفِرِنْجِ
قَدْ ذَكَرْنَا مَا كَانَ مِنْ عِصْيَانِ إِيلْغَازِي وَطُغْتِكِينَ عَلَى السُّلْطَانِ، وَقُوَّةِ الْفِرِنْجِ، فَلَمَّا اتَّصَلَ ذَلِكَ بِالسُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ جَهَّزَ عَسْكَرًا كَثِيرًا، وَجَعَلَ مُقَدَّمَهُمُ الْأَمِيرَ بُرْسُقَ بْنَ بُرْسُقَ، صَاحِبَ هَمَذَانَ، وَمَعَهُ الْأَمِيرَ جُيُوشْ بِكْ وَالْأَمِيرَ كَيْدَغْدِي، وَعَسَاكِرَ الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْبِدَايَةِ بِقِتَالِ إِيلْغَازِي وَطُغْتِكِينَ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْهَا قَصَدُوا بِلَادَ الْفِرِنْجِ، وَقَاتَلُوهُمْ، وَحَصَرُوا بِلَادَهُمْ.
فَسَارُوا فِي رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَ عَسْكَرًا كَثِيرَ الْعُدَّةِ، وَعَبَرُوا الْفُرَاتَ، آخِرَ السَّنَةِ، عِنْدَ الرَّقَّةِ، فَلَمَّا قَارَبُوا حَلَبَ رَاسَلُوا الْمُتَوَلِّيَ لِأَمْرِهَا لُؤْلُؤًا الْخَادِمَ، وَمُقَدَّمَ عَسْكَرِهَا الْمَعْرُوفَ بِشَمْسِ الْخَوَاصِّ، يَأْمُرُونَهُمَا بِتَسْلِيمِ حَلَبَ، وَعَرَضُوا عَلَيْهِمَا كُتُبَ السُّلْطَانِ بِذَلِكَ، فَغَالَطَا فِي الْجَوَابِ، وَأَرْسَلَا إِلَى إِيلْغَازِي وَطُغْتِكِينَ يَسْتَنْجِدَانِهِمَا، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ، وَدَخَلَا حَلَبَ، فَامْتَنَعَ مَنْ بِهَا حِينَئِذٍ عَنْ عَسْكَرِ السُّلْطَانِ، وَأَظْهَرُوا الْعِصْيَانَ.
فَسَارَ الْأَمِيرُ بُرْسُقُ بْنُ بُرْسُقَ إِلَى مَدِينَةِ حَمَاةَ، وَهِيَ فِي طَاعَةِ طُغْتِكِينَ، وَبِهَا ثِقْلُهُ، فَحَصَرَهَا، وَفَتَحَهَا عَنْوَةً، وَنَهَبَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَسَلَّمَهَا إِلَى الْأَمِيرِ قُرْجَانَ، صَاحِبِ حِمْصَ.
وَكَانَ السُّلْطَانُ قَدْ أَمَرَ أَنْ يُسَلَّمَ إِلَيْهِ كُلُّ بَلَدٍ يَفْتَحُونَهُ، فَلَمَّا رَأَى الْأُمَرَاءُ ذَلِكَ فَشِلُوا وَضَعُفَتْ نِيَّاتُهُمْ فِي الْقِتَالِ، بِحَيْثُ تُؤْخَذُ الْبِلَادُ وَتُسَلَّمُ إِلَى قُرْجَانَ، فَلَمَّا سَلَّمُوا
стр. 5132
حَمَاةَ إِلَى قُرْجَانَ سَلَّمَ إِلَيْهِمْ إِيَّازُ بْنُ إِيلْغَازِي، وَكَانَ قَدْ سَارَ إِيلْغَازِي، وَطُغْتِكِينُ، وَشَمْسُ الْخَوَاصِّ، إِلَى أَنْطَاكِيَةَ وَاسْتَجَارُوا بِصَاحِبِهَا رُوجِيلَ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُسَاعِدَهُمْ عَلَى حِفْظِ مَدِينَةِ حَمَاةَ وَلَمْ يَكُنْ بَلَغَهُمْ فَتْحُهَا.
وَوَصَلَ إِلَيْهِمْ بِأَنْطَاكِيَةَ بَغْدُوِينُ، صَاحِبُ الْقُدْسِ، وَصَاحِبُ طَرَابُلُسَ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ شَيَاطِينِ الْفِرِنْجِ، وَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى تَرْكِ اللِّقَاءِ لِكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالُوا إِنَّهُمْ عِنْدَ هُجُومِ الشِّتَاءِ يَتَفَرَّقُونَ، وَاجْتَمَعُوا بِقَلْعَةِ أَفَامِيَةَ، وَأَقَامُوا نَحْوَ شَهْرَيْنِ، فَلَمَّا انْتَصَفَ أَيْلُولُ، وَرَأَوْا عَزْمَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُقَامِ، تَفَرَّقُوا فَعَادَ إِيلْغَازِي إِلَى مَارِدِينَ، وَطُغْتِكِينُ إِلَى دِمَشْقَ، وَالْفِرِنْجُ إِلَى بِلَادِهِمْ.
وَكَانَتْ أَفَامِيَةُ وَكَفَرْطَابُ لِلْفِرِنْجِ، فَقَصَدَ الْمُسْلِمُونَ كَفَرْطَابَ وَحَصَرُوهَا، فَلَمَّا اشْتَدَّ الْحَصْرُ عَلَى الْفِرِنْجِ، وَرَأَوُا الْهَلَاكَ، قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَحْرَقُوا أَمْوَالَهُمْ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ الْبَلَدَ عَنْوَةً وَقَهْرًا، وَأَسَرُوا صَاحِبَهُ، وَقَتَلُوا مَنْ بَقِيَ فِيهِ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَسَارُوا إِلَى قَلْعَةِ أَفَامِيَةَ، فَرَأَوْهَا حَصِينَةً، فَعَادُوا عَنْهَا إِلَى الْمَعَرَّةِ، وَهِيَ لِلْفِرِنْجِ أَيْضًا، وَفَارَقَهُمُ الْأَمِيرُ جُيُوشْ بِكْ إِلَى وَادِي بَزَاعَةَ فَمَلَكَهُ.
وَسَارَتِ الْعَسَاكِرُ عَنِ الْمَعَرَّةِ إِلَى حَلَبَ، وَتَقَدَّمَهُمْ ثِقَلُهُمْ، وَدَوَابُّهُمْ، عَلَى جَارِي الْعَادَةِ، وَالْعَسَاكِرُ فِي أَثَرِهِ مُتَلَاحِقَةٌ، وَهُمْ آمِنُونَ لَا يَظُنُّونَ أَحَدًا يَقْدَمُ عَلَى الْقُرْبِ مِنْهُمْ.
وَكَانَ رُوجِيلُ، صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ، لَمَّا بَلَغَهُ حَصْرُ كَفَرْطَابَ، سَارَ فِي خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ وَأَلْفَيْ رَاجِلٍ لِلْمَنْعِ، فَوَصَلَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي ضُرِبَتْ فِيهِ خِيَامُ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى عِلْمٍ بِهَا، فَرَآهَا خَالِيَةً مِنَ الرِّجَالِ الْمُقَاتِلَةِ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَصِلُوا إِلَيْهَا، فَنَهَبَ جَمِيعَ مَا هُنَاكَ، وَقَتَلَ كَثِيرًا مِنَ السُّوقِيَّةِ، وَغِلْمَانِ الْعَسْكَرِ، وَوَصَلَتِ الْعَسَاكِرُ مُتَفَرِّقَةً، فَكَانَ الْفِرِنْجُ يَقْتُلُونَ كُلَّ مَنْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ.
وَوَصَلَ الْأَمِيرُ بُرْسُقُ فِي نَحْوِ مِائَةِ فَارِسٍ، فَرَأَى الْحَالَ وَصَعِدَ تَلًّا هُنَاكَ، وَمَعَهُ أَخُوهُ زِنْكِيٌّ، وَأَحَاطَ بِهِمْ مِنَ السُّوقِيَّةِ وَالْغِلْمَانِ، وَاحْتَمَوْا بِهِمْ، وَمَنَعُوا الْأَمِيرَ بُرْسُقَ مِنَ النُّزُولِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَخُوهُ وَمَنْ مَعَهُ بِالنُّزُولِ وَالنَّجَاةِ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ، بَلْ أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَكُونُ فِدَاءَ الْمُسْلِمِينَ، فَغَلَبُوهُ عَلَى رَأْيِهِ، فَنَجَا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، فَتَبِعَهُمُ الْفِرِنْجُ نَحْوَ فَرْسَخٍ، ثُمَّ عَادُوا وَتَمَّمُوا الْغَنِيمَةَ وَالْقَتْلَ، وَأَحْرَقُوا كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ.
وَتَفَرَّقَ الْعَسْكَرُ، وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ جِهَةً.
стр. 5133
وَلَمَّا سَمِعَ الْمُوَكَّلُونَ بِالْأَسْرَى الْمَأْخُوذِينَ مِنْ كَفَرْطَابَ ذَلِكَ قَتَلُوهُمْ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ الْمُوَكَّلُ بِإِيَّازَ بْنِ إِيلْغَازِي قَتَلَهُ أَيْضًا، وَخَافَ أَهْلُ حَلَبَ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي بِالشَّامِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَرْجُونَ النَّصْرَ مِنْ جِهَةِ هَذَا الْعَسْكَرِ، فَأَتَاهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحِسَابِ، وَعَادَتِ الْعَسَاكِرُ عَنْهُمْ إِلَى بِلَادِهَا.
وَأَمَّا بُرْسُقُ وَأَخُوهُ زِنْكِيٌّ فَإِنَّهُمَا تُوُفِّيَا فِي سَنَةِ عَشْرٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَ بُرْسُقُ خَيِّرًا، دَيِّنًا، وَقَدْ نَدِمَ عَلَى الْهَزِيمَةِ، وَهُوَ يَتَجَهَّزُ لِلْعَوْدِ إِلَى الْغَزَاةِ، فَأَتَاهُ أَجَلُهُ.
ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ رَفَنِيَّةَ وَأَخْذِهَا مِنْهُمْ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، مَلَكَ الْفِرِنْجُ رَفَنِيَّةَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَهِيَ لِطُغْتِكِينَ، صَاحِبِ دِمَشْقَ، وَقَوَّوْهَا بِالرِّجَالِ وَالذَّخَائِرِ، وَبَالَغُوا فِي تَحْصِينِهَا، فَاهْتَمَّ طُغْتِكِينُ لِذَلِكَ، وَقَوِيَ عَزْمُهُ عَلَى قَصْدِ بِلَادِ الْفِرِنْجِ بِالنَّهْبِ لَهَا وَالتَّخْرِيبِ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ عَنْ رَفَنِيَّةَ بِخُلُوِّهَا مِنْ عَسْكَرٍ يَمْنَعُ عَنْهَا، وَلَيْسَ هُنَاكَ إِلَّا الْفِرِنْجُ الَّذِينَ رَتَّبُوا لِحِفْظِهَا، فَسَارَ إِلَيْهَا جَرِيدَةً، فَلَمْ يَشْعُرْ مَنْ بِهَا إِلَّا وَقَدْ هَجَمَ عَلَيْهِمُ الْبَلَدَ فَدَخَلَهُ عَنْوَةً وَقَهَرًا، وَأَخَذَ كُلَّ مَنْ فِيهِ مِنَ الْفِرِنْجِ أَسِيرًا، فَقَتَلَ الْبَعْضَ، وَتَرَكَ الْبَعْضَ وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ سَوَادِهِمْ، وَكُرَاعِهِمْ، وَذَخَائِرِهِمْ مَا امْتَلَأَتْ مِنْهُ أَيْدِيهِمْ، وَعَادُوا إِلَى بِلَادِهِمْ سَالِمِينَ.
ذِكْرُ وَفَاةِ يَحْيَى بْنِ تَمِيمٍ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ عَلِيٍّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ يَحْيَى بْنُ تَمِيمِ بْنِ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ يَوْمَ عِيدِ الْأَضْحَى، فَجْأَةً، وَكَانَ مُنَجِّمٌ قَدْ قَالَ لَهُ فِي مُنَسْتِيرَ مَوْلِدِهِ إِنَّ عَلَيْهِ قَطْعًا فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَلَا يَرْكَبُ، فَلَمْ يَرَكَبْ، وَخَرَجَ أَوْلَادُهُ، وَأَهْلُ دَوْلَتِهِ إِلَى الْمُصَلَّى، فَلَمَّا انْقَضَتِ الصَّلَاةُ
стр. 5134
حَضَرُوا عِنْدَهُ لِلسَّلَامِ عَلَيْهِ وَتَهْنِئَتِهِ، وَقَرَأَ الْقُرَّاءُ، وَأَنْشَدَ الشُّعَرَاءُ، وَانْصَرَفُوا إِلَى الطَّعَامِ، فَقَامَ يَحْيَى مِنْ بَابٍ آخَرَ لِيَحْضُرَ مَعَهُمْ عَلَى الطَّعَامِ، فَلَمْ يَمْشِ غَيْرَ ثَلَاثِ خُطًا حَتَّى وَقَعَ مَيِّتًا، وَكَانَ وَلَدُهُ عَلِيٌّ بِمَدِينَةِ سَفَاقِسَ، فَأُحْضِرَ وَعُقِدَتْ لَهُ الْوِلَايَةُ وَدُفِنَ يَحْيَى بِالْقَصْرِ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى التُّرْبَةِ بِمُنَسْتِيرَ، وَكَانَ عُمُرُهُ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ ثَمَانِيَ سِنِينَ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَخَلَّفَ ثَلَاثِينَ وَلَدًا، فَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدِيسَ الصَّقَلِّيُّ يَرْثِيهِ وَيُهَنِّئُ ابْنَهُ عَلِيًّا بِالْمُلْكِ:
مَا أُغْمِدَ الْعَضْبُ إِلَّا جُرِّدَ الذَّكَرُ ... وَلَا اخْتَفَى قَمَرٌ حَتَّى بَدَا قَمَرُ
بِمَوْتِ يَحْيَى أُمِيتَ النَّاسُ كُلُّهُمُ ... حَتَّى إِذَا مَا عَلِيٌّ جَاءَهُمْ نُشِرُوا
إِنْ يُبْعَثُوا بِسُرُورٍ مِنْ تَمَلُّكِهِ ... فَمِنْ مَنِّيَةِ يَحْيَى بِالْأَسَى قُبِرُوا
أَوْفَى عَلِيٌّ، فَسِنُّ الْمُلْكِ ضَاحِكَةٌ ... وَعَيْنُهَا مِنْ أَبِيهِ دَمْعُهَا هَمِرُ
شُقَّتْ جُيُوبُ الْمَعَالِي بِالْأَسَى فَبَكَتْ ... فِي كُلِّ أُفْقٍ عَلَيْهِ الْأَنْجُمُ الزُّهُرُ
وَقَلَّ لِابْنِ تَمِيمٍ حُزْنُ مَا دَهَمَا ... فَكُلُّ حُزْنٍ عَظِيمٍ فِيهِ مُحْتَقَرُ
قَامَ الدَّلِيلُ وَيَحْيَى لَا حَيَاةَ لَهُ ... إِنَّ الْمَنِيَّةَ لَا تُبْقِي، وَلَا تَذَرُ
وَكَانَ يَحْيَى عَادِلًا فِي رَعِيَّتِهِ، ضَابِطًا لِأُمُورِ دَوْلَتِهِ، مُدَبِّرًا لِجَمِيعِ أَحْوَالِهِ، رَحِيمًا بِالضُّعَفَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، يُكْثِرُ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِمْ، وَيُقَرِّبُ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْأَخْبَارِ، وَأَيَّامِ النَّاسِ، وَالطِّبِّ، وَكَانَ حَسَنَ الْوَجْهِ، أَشْهَلَ الْعَيْنِ، إِلَى الطُّولِ مَا هُوَ.
وَلَمَّا اسْتَقَرَّ عَلِيٌّ فِي الْمُلْكِ جَهَّزَ أُسْطُولًا إِلَى جَزِيرَةِ جِرْبَةَ، وَسَبَبَهُ أَنَّ أَهْلَهَا كَانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ، وَيَأْخُذُونَ التُّجَّارَ، فَحَصَرَهَا، وَضَيَّقَ عَلَى مَنْ فِيهَا فَدَخَلُوا تَحْتَ طَاعَتِهِ، وَالْتَزَمُوا تَرْكَ الْفَسَادِ، وَضَمِنُوا إِصْلَاحَ الطَّرِيقِ، وَكَفَّ عَنْهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ، وَصَلُحَ أَمْرُ الْبَحْرِ، وَأَمِنَ الْمُسَافِرُونَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَجَبٍ، قَدِمَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ بَغْدَاذَ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ أَتَابِكُ
стр. 5135
طُغْتِكِينُ، صَاحِبُ دِمَشْقَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَسَأَلَ الرِّضَا عَنْهُ، فَرَضِيَ عَنْهُ السُّلْطَانُ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَرَدَّهُ إِلَى دِمَشْقَ.
وَفِيهَا أَمَرَ الْإِمَامُ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ بِبَيْعِ الْبَدْرِيَّةِ وَهِيَ مَنْسُوبَةٌ إِلَى بَدْرٍ غُلَامِ الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ، وَكَانَتْ مِنْ أَحْسَنِ دُورِ الْخُلَفَاءِ، وَكَانَ يَنْزِلُهَا الرَّاضِي بِاللَّهِ، ثُمَّ تَهَدَّمَتْ وَصَارَتْ تَلًّا، فَأَمَرَ الْقَادِرُ بِاللَّهِ أَنْ يُسَوَّرَ عَلَيْهَا سُورٌ، لِأَنَّهَا مَعَ الدَّارِ الْإِمَامِيَّةِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ الْآنَ أَمَرَ بِبَيْعِهَا، فَبِيعَتْ، وَعَمَّرَهَا النَّاسُ.
وَفِيهَا، فِي شَعْبَانَ، وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ الْعَامَّةِ، وَسَبَبُهَا أَنَّ النَّاسَ لَمَّا عَادُوا مِنْ زِيَارَةِ مُصْعَبٍ اخْتَصَمُوا عَلَى مَنْ يَدْخُلُ أَوَّلًا، فَاقْتَتَلُوا، وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ جَمَاعَةٌ، وَعَادَتِ الْفِتَنُ بَيْنَ أَهْلِ الْمَحَالِّ كَمَا كَانَتْ، ثُمَّ سَكَنَتْ.
وَفِيهَا أَقْطَعَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ الْمَوْصِلَ وَمَا كَانَ بِيَدِ آقْسُنْقُرَ الْبُرْسُقِيِّ لِلْأَمِيرِ جُيُوشْ بِكْ، وَسَيَّرَ وَلَدَهُ الْمَلِكَ مَسْعُودًا، وَأَقَامَ الْبُرْسُقِيُّ بِالرَّحْبَةِ، وَهِيَ إِقْطَاعُهُ، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ، وَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَلَّةَ الْأَصْبَهَانِيُّ، أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْوَاعِظُ، سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَحَثَّ بِبَغْدَاذَ وَغَيْرِهَا.
وَهْبَةُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ مُوسَى السَّقَطِيُّ، أَبُو الْبَرَكَاتِ، لَهُ رِحْلَةٌ، وَلَهُ تَصَانِيفُ، وَكَانَ أَدِيبًا.
стр. 5136
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَخَمْسِمِائَةٍ]
٥١٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ قَتْلِ أَحْمَدَيْلَ بْنِ وَهْسُوذَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَوَّلَ الْمُحَرَّمِ، حَضَرَ أَتَابِكُ طُغْتِكِينُ، صَاحِبُ دِمَشْقَ، دَارَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ بِبَغْدَاذَ، وَحَضَرَ جَمَاعَةُ الْأُمَرَاءِ، وَمَعَهُمْ أَحْمَدَيْلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ وَهْسُوذَانَ الرَّوَادِيُّ، الْكُرْدِيُّ، صَاحِبُ مَرَاغَةَ وَغَيْرِهَا مِنْ أَذْرَبِيجَانَ، وَهُوَ جَالِسٌ إِلَى جَانِبِ طُغْتِكِينَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مُتَظَلِّمٌ، وَبِيَدِهِ رُقْعَةٌ، وَهُوَ يَبْكِي، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يُوصِلَهَا إِلَى السُّلْطَانِ، فَأَخَذَهَا مِنْ يَدِهِ، فَضَرَبَهُ الرَّجُلُ بِسِكِّينٍ، فَجَذَبَهُ أَحْمَدَيْلُ وَتَرَكَهُ تَحْتَهُ، فَوَثَبَ رَفِيقٌ لِلْبَاطِنِيِّ وَضَرَبَ أَحْمَدَيْلَ سِكِّينًا أُخْرَى، فَأَخَذَتْهُمَا السُّيُوفُ، وَأَقْبَلَ رَفِيقٌ لَهُمَا وَضَرَبَ أَحْمَدَيْلَ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ إِقْدَامِهِ بَعْدَ قَتْلِ صَاحِبَيْهِ، وَظَنَّ طُغْتِكِينُ وَالْحَاضِرُونَ أَنَّ طُغْتِكِينَ كَانَ الْمَقْصُودَ بِالْقَتْلِ، وَأَنَّهُ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ، فَلَمَّا عَلِمُوا أَنَّهُمْ بَاطِنِيَّةٌ زَالَ هَذَا الْوَهْمُ.
ذِكْرُ وَفَاةِ جَاوْلِي سَقَّاوُو وَحَالِ بِلَادِ فَارِسَ مَعَهُ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ جَاوْلِي سَقَّاوُو، كَانَ السُّلْطَانُ بِبَغْدَاذَ عَازِمًا عَلَى الْمُقَامِ بِهَا، فَاضْطَرَّ إِلَى الْمَسِيرِ إِلَى أَصْبَهَانَ لِيَكُونَ قَرِيبًا مِنْ فَارِسَ، لِئَلَّا تَخْتَلِفَ عَلَيْهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا حَالَ جَاوْلِي بِالْمَوْصِلِ إِلَى أَنْ مُلِكَتْ مِنْهُ وَأَخَذَهَا السُّلْطَانُ، فَلَمَّا قَصَدَ السُّلْطَانَ وَرَضِيَ عَنْهُ أَقْطَعَهُ بِلَادَ فَارِسَ، فَسَارَ جَاوْلِي إِلَيْهَا، وَمَعَهُ وَلَدُ السُّلْطَانِ جَغْرِي، وَهُوَ طِفْلٌ لَهُ مِنَ الْعُمُرِ سَنَتَانِ، وَأَمَرَهُ بِإِصْلَاحِهَا، وَقَمْعِ الْمُفْسِدِينَ بِهَا، فَسَارَ إِلَيْهَا، فَأَوَّلُ مَا اعْتَمَدَهُ فِيهَا
стр. 5137
أَنَّهُ لَمْ يَتَوَسَّطْ بِلَادَ الْأَمِيرِ بَلْدَجِي، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ مَمَالِيكِ السُّلْطَانِ مُلْكِشَاهْ، وَمِنْ جُمْلَةِ بِلَادِهِ كَلِيلُ وَسِرْمَاهُ، وَكَانَ مُتَمَكِّنًا بِتِلْكَ الْبِلَادِ.
وَرَاسَلَهُ جَاوْلِي لِيَحْضُرَ خِدْمَةَ جَغْرِي، وَلَدِ السُّلْطَانِ، وَعَلَّمَ جَغْرِي أَنْ يَقُولَ بِالْفَارِسِيَّةِ خُذُوهُ، فَلَمَّا دَخَلَ بَلْدَجِي قَالَ جَغْرِي، عَلَى عَادَتِهِ: خُذُوهُ، فَأَخَذَهُ وَقُتِلَ، وَنُهِبَتْ أَمْوَالُهُ.
وَكَانَ لِبَلْدَجِي، مِنْ جُمْلَةِ حُصُونِهِ، قَلْعَةُ إِصْطَخْرَ، وَهِيَ مِنْ أَمْنَعِ الْقِلَاعِ وَأَحْصَنِهَا، وَكَانَ بِهَا أَهْلُهُ وَذَخَائِرُهُ، وَقَدِ اسْتَنَابَ فِي حِفْظِهَا وَزِيرًا لَهُ يُعْرَفُ بِالْجُهْرُمِيُّ، فَعَصَى عَلَيْهِ، وَأَخْرَجَ إِلَيْهِ أَهْلَهُ وَبَعْضَ الْمَالِ، وَلَمْ تَزَلْ فِي يَدِ الْجُهْرُمِيِّ حَتَّى وَصَلَ جَاوْلِي إِلَى فَارِسَ فَأَخَذَهَا مِنْهُ، وَجَعَلَ فِيهَا أَمْوَالَهُ.
وَكَانَ بِفَارِسَ جَمَاعَةٌ مِنْ أُمَرَاءِ الشُّوَانِكَارَةِ، وَهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصَوْنَ، وَمُقَدَّمُهُمُ الْحَسَنُ بْنُ الْمُبَارِزِ، الْمَعْرُوفُ بِخَسْرُو، وَلَهُ فَسَا وَغَيْرُهَا، فَرَاسَلَهُ جَاوْلِي لِيَحْضُرَ خِدْمَةَ جَغْرِي، فَأَجَابَ: إِنَّنِي عَبْدُ السُّلْطَانِ، وَفِي طَاعَتِهِ فَأَمَّا الْحُضُورُ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، لِأَنَّنِي قَدْ عَرَفْتُ عَادَتَكَ مَعَ بَلْدَجِي وَغَيْرِهِ، وَلَكِنَّنِي أَحْمِلُ إِلَى السُّلْطَانِ مَا يُؤْثِرُهُ.
فَلَمَّا سَمِعَ جَاوْلِي جَوَابَهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا مُقَامَ لَهُ بِفَارِسَ مَعَهُ، فَأَظْهَرَ الْعَوْدَ إِلَى السُّلْطَانِ، وَحَمَلَ أَثْقَالَهُ عَلَى الدَّوَابِّ، وَسَارَ كَأَنَّهُ يَطْلُبُ السُّلْطَانَ، وَرَجَعَ الرَّسُولُ إِلَى خَسْرُو فَأَخْبَرَهُ، فَاغْتَرَّ وَقَعَدَ لِلشَّرَابِ، وَأَمِنَ.
وَأَمَّا جَاوْلِي فَإِنَّهُ عَادَ مِنَ الطَّرِيقِ إِلَى خَسْرُو جَرِيدَةً فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ وَهُوَ مَخْمُورٌ نَائِمٌ، فَكَبَسَهُ، فَأَنْبَهَهُ أَخُوهُ فَضَلُّوهُ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ، فَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ الْبَارِدَ، فَأَفَاقَ، وَرَكِبَ مِنْ وَقْتِهِ وَانْهَزَمَ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ، وَنَهَبَ جَاوْلِي ثِقْلَهُ وَأَمْوَالَهُ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِي أَصْحَابِهِ، وَنَجَا خَسْرُو إِلَى حِصْنِهِ، وَهُوَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا أُنْجُ.
وَسَارَ جَاوْلِي إِلَى مَدِينَةِ فَسَا فَتَسَلَّمَهَا، وَنَهَبَ كَثِيرًا مِنْ بِلَادِ فَارِسَ مِنْهَا جَهْرَمٌ، وَسَارَ إِلَى خَسْرُو وَحَصَرَهُ مُدَّةً، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، فَرَأَى مِنِ امْتِنَاعِ حِصْنِهِ وَقُوَّتِهِ، وَكَثْرَةِ ذَخَائِرِهِ مَا عَلِمَ مَعَهُ أَنَّ الْمُدَّةَ تَطُولُ عَلَيْهِ، فَصَالَحَهُ لِيَشْتَغِلَ بِبَاقِي بِلَادِ فَارِسَ، وَرَحَلَ
стр. 5138
عَنْهُ إِلَى شِيرَازَ، فَأَقَامَ بِهَا، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى كَازَرُونَ فَمَلَكَهَا، وَحَصَرَ أَبَا سَعْدٍ مُحَمَّدَ بْنَ مِمَّا فِي قَلْعَتِهِ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا سَنَتَيْنِ صَيْفًا وَشِتَاءً، فَرَاسَلَهُ جَاوْلِي فِي الصُّلْحِ، فَقَتَلَ الرَّسُولَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ قَوْمًا مِنَ الصُّوفِيَّةِ، فَأَطْعَمَهُمُ الْهَرِيسَةَ وَالْقَطَائِفَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَخُيِّطَتْ أَدْبَارُهُمْ وَأُلْقُوا فِي الشَّمْسِ فَهَلَكُوا، ثُمَّ نَفِدَ مَا عِنْدَ أَبِي سَعْدٍ، فَطَلَبَ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُ، وَتَسَلَّمَ الْحِصْنَ.
ثُمَّ إِنَّ جَاوْلِي أَسَاءَ مُعَامَلَتَهُ، فَهَرَبَ، فَقَبَضَ عَلَى أَوْلَادِهِ، وَبَثَّ الرِّجَالَ فِي أَثَرِهِ، فَرَأَى بَعْضُهُمْ زِنْجِيًّا يَحْمِلُ شَيْئًا، فَقَالَ: مَا مَعَكَ؟ فَقَالَ: زَادِي فَفَتَّشَهُ، فَرَأَى دَجَاجًا، وَحَلْوَاءَ السُّكَّرِ، فَقَالَ: مَا هَذَا مِنْ طَعَامِكَ! فَضَرَبَهُ، فَأَقَرَّ عَلَى أَبِي سَعْدٍ، وَأَنَّهُ يَحْمِلُ ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَقَصَدُوهُ، وَهُوَ فِي شِعْبِ جَبَلٍ، فَأَخَذَهُ الْجُنْدِيُّ وَحَمَلَهُ إِلَى جَاوْلِي فَقَتَلَهُ.
وَسَارَ إِلَى دَارَابْجِرْدَ، وَصَاحِبُهَا اسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ، فَهَرَبَ صَاحِبُهَا مِنْهُ إِلَى كَرْمَانَ خَوْفًا مِنْهُ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ كَرِمَانَ صِهْرٌ، وَهُوَ أَرْسِلَانْشَاهْ بْنُ كِرْمَانْشَاهْ بْنِ أَرْسِلَانَ بِكْ بْنِ قَارُوتَ، فَقَالَ لَهُ: لَوْ تَعَاضَدْنَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْنَا جَاوْلِي، وَطَلَبَ مِنْهُ النَّجْدَةَ.
وَسَارَ جَاوْلِي بَعْدَ هَرَبِهِ مِنْهُ إِلَى حِصَارِ رَتِيلَ رِنَنَهْ، يَعْنِي مَضِيقَ رِنَنَهْ، وَهُوَ مَوْضِعٌ لَمْ يُؤْخَذْ قَهْرًا قَطُّ، لِأَنَّهُ وَادٍ نَحْوُ فَرْسَخَيْنِ، وَفِي صَدْرِهِ قَلْعَةٌ مَنِيعَةٌ عَلَى جَبَلٍ عَالٍ، وَأَهْلُ دَارَابْجِرْدَ يَتَحَصَّنُونَ بِهِ إِذَا خَافُوا، فَأَقَامُوا بِهِ، وَحَفِظُوا أَعْلَاهُ.
فَلَمَّا رَأَى جَاوْلِي حَصَانَتَهُ سَارَ يَطْلُبُ الْبَرِّيَّةَ نَحْوَ كَرْمَانَ، كَاتِمًا أَمْرَهُ، ثُمَّ رَجَعَ مِنْ طَرِيقِ كَرْمَانَ إِلَى دَارَابْجِرْدَ، مُظْهِرًا أَنَّهُ مِنْ عَسْكَرِ الْمَلِكِ أَرْسِلَانْشَاهْ، صَاحِبِ كَرْمَانَ، فَلَمْ يَشُكَّ أَهْلُ الْحِصْنِ أَنَّهُمْ مَدَدٌ لَهُمْ مَعَ صَاحِبِهِمْ، فَأَظْهَرُوا السُّرُورَ، وَأَذِنُوا لَهُ دُخُولَ الْمَضِيقِ، فَلَمَّا دَخَلَهُ وَضَعَ السَّيْفَ فِيمَنْ هُنَاكَ، فَلَمْ يَنْجُ غَيْرُ الْقَلِيلِ، وَنَهَبَ أَمْوَالَ أَهْلِ دَارَابْجِرْدَ وَعَادَ إِلَى مَكَانِهِ، وَرَاسَلَ خَسْرُو يُعْلِمَهُ أَنَّهُ عَازِمٌ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَى كَرْمَانَ، وَيَدْعُوهُ إِلَيْهِ فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ مُوَافَقَتِهِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ طَائِعًا، وَسَارَ مَعَهُ إِلَى كَرْمَانَ، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِهَا الْقَاضِي أَبَا طَاهِرٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ قَاضِيَ شِيرَازَ، يَأْمُرُهُ بِإِعَادَةِ الشُّوانْكَارَةِ لِأَنَّهُمْ رَعِيَّةُ السُّلْطَانِ، يَقُولُ: إِنَّهُ مَتَى أَعَادَهَمْ عَادَ عَنْ قَصْدِ بِلَادِهِ، وَإِلَّا قَصَدَهُ، فَأَعَادَ صَاحِبُ كَرْمَانَ جَوَابَ الرِّسَالَةِ يَتَضَمَّنُ الشَّفَاعَةَ فِيهِمْ، حَيْثُ اسْتَجَارُوا بِهِ.
стр. 5139
وَلَمَّا وَصَلَ الرَّسُولُ إِلَى جَاوْلِي أَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَأَجْزَلَ لَهُ الْعَطَاءَ، وَأَفْسَدَهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَجَعَلَهُ عَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ، وَقَرَّرَ مَعَهُ إِعَادَةَ عَسْكَرِ كَرْمَانَ لِيَدْخُلَ الْبِلَادَ وَهُمْ غَارُّونَ، فَلَمَّا عَادَ الرَّسُولُ وَبَلَّغَ السِّيرَجَانَ، وَبِهَا عَسَاكِرُ صَاحِبِ كَرْمَانَ، وَوَزِيرُهُ مُقَدَّمُ الْجَيْشِ، أَعْلَمَ الْوَزِيرَ مَا عَلَيْهِ جَاوْلِي مِنَ الْمُقَارَبَةِ، وَأَنَّهُ يُفَارِقُ مَا كَرِهُوهُ، وَأَكْثَرَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، وَقَالَ: لَكِنَّهُ مُسْتَوْحِشٌ مِنِ اجْتِمَاعِ الْعَسَاكِرِ بِالسِّيرَجَانِ، وَإِنَّ أَعْدَاءَ جَاوْلِي طَمِعُوا فِيهِ بِهَذَا الْعَسْكَرِ، وَالرَّأْيُ أَنْ تُعَادَ الْعَسَاكِرُ إِلَى بِلَادِهَا.
فَعَادَ الْوَزِيرُ وَالْعَسَاكِرُ، وَخَلَتِ السِّيرَجَانُ، سَارَ جَاوْلِي فِي أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَزَلَ بِفَرَجَ، وَهِيَ الْحَدُّ بَيْنَ فَارِسَ وَكَرْمَانَ، فَحَاصَرَهَا، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ مَلِكَ كَرْمَانَ أَحْضَرَ الرَّسُولَ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ إِعَادَةَ الْعَسْكَرِ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ.
وَكَانَ مَعَ الرَّسُولِ فَرَّاشٌ لِجَاوْلِي لِيَعُودَ إِلَيْهِ بِالْأَخْبَارِ، فَارْتَابَ بِهِ الْوَزِيرُ فَعَاقَبَهُ، فَأَقَرَّ عَلَى الرَّسُولِ، فَصُلِبَ، وَنُهِبَتْ أَمْوَالُهُ، وَصُلِبَ الْفَرَّاشُ، وَنَدَبَ الْعَسَاكِرَ إِلَى الْمَسِيرِ إِلَى جَاوْلِي، فَسَارُوا فِي سِتَّةِ آلَافِ فَارِسٍ.
وَكَانَتِ الْوِلَايَةُ هِيَ الْحَدَّ بَيْنَ فَارِسَ وَكَرْمَانَ بِيَدِ إِنْسَانٍ يُسَمَّى مُوسَى، وَكَانَ ذَا رَأْيٍ وَمَكْرٍ، فَاجْتَمَعَ بِالْعَسْكَرِ، وَأَشَارَ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ الْجَادَّةِ الْمَسْلُوكَةِ، وَقَالَ: إِنَّ جَاوْلِي مُحْتَاطٌ مِنْهَا، وَسَلَكَ بِهِمْ طَرِيقًا غَيْرَ مَسْلُوكَةٍ، بَيْنَ جِبَالٍ وَمَضَايِقَ.
وَكَانَ جَاوْلِي يُحَاصِرُ فَرَجَ، وَقَدْ ضَيَّقَ عَلَى مَنْ بِهَا، وَهُوَ يُدْمِنَ الشُّرْبَ، فَسَيَّرَ أَمِيرًا مِنْ عَسْكَرِهِ لِيَلْقَى الْعَسْكَرَ الْمُنْفَذَ مِنْ كَرْمَانَ، فَسَارَ الْأَمِيرُ، فَلَمْ يَرَ أَحَدًا، فَظَنَّ أَنَّهُمْ قَدْ عَادُوا، فَرَجَعَ إِلَى جَاوْلِي وَقَالَ: إِنَّ الْعَسْكَرَ كَانَ قَلِيلًا، فَعَادَ خَوْفًا مِنَّا، فَاطْمَأَنَّ حِينَئِذٍ جَاوْلِي، وَأَدْمَنَ شُرْبَ الْخَمْرِ.
وَوَصَلَ عَسْكَرُ كَرْمَانَ إِلَيْهِ لَيْلًا، وَهُوَ سَكْرَانُ، نَائِمٌ، فَأَيْقَظَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَأَخْبَرَهُ، فَقَطَعَ لِسَانَهُ، فَأَتَاهُ غَيْرُهُ وَأَيْقَظَهُ وَعَرَّفَهُ الْحَالَ، فَاسْتَيْقَظَ وَرَكِبَ وَانْهَزَمَ، وَقَدْ تَفَرَّقَ عَسْكَرُهُ مُنْهَزِمِينَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ وَأَسَرَ كَثِيرًا، وَأَدْرَكَهُ خَسْرُو وَابْنُ أَبِي سَعْدٍ الَّذِي قَتَلَ جَاوْلِي أَبَاهُ، فَسَارَا مَعَهُ فِي أَصْحَابِهِمَا، فَالْتَفَتَ، فَلَمْ يَرَ مَعَهُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ الْأَتْرَاكِ، فَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُمْ، فَقَالَا لَهُ: إِنَّا لَا نَغْدِرُ بِكَ، وَلَنْ تَرَى مِنَّا إِلَّا الْخَيْرَ وَالسَّلَامَةَ، وَسَارَا مَعَهُ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَدِينَةِ فَسَا، وَاتَّصَلَ بِهِ الْمُنْهَزِمُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَطْلَقَ صَاحِبُ كَرْمَانَ الْأَسْرَى وَجَهَّزَهُمْ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِمِائَةٍ.
стр. 5140
وَبَيْنَمَا جَاوْلِي يُدَبِّرُ الْأَمْرَ لِيُعَاوِدَ كَرْمَانَ، وَيَأْخُذُ بِثَأْرِهِ، تُوُفِّيَ الْمَلِكُ جَغْرِي بْنُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَعُمُرُهُ خَمْسُ سِنِينَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَفَتَّ ذَلِكَ فِي عَضُدِهِ، فَأَرْسَلَ مَلِكُ كَرْمَانَ رَسُولًا إِلَى السُّلْطَانِ، وَهُوَ بِبَغْدَاذَ، يَطْلُبُ مِنْهُ مَنْعَ جَاوْلِي عَنْهُ، فَأَجَابَهُ السُّلْطَانُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِرْضَاءِ جَاوْلِي وَتَسْلِيمِ فَرَجٍ إِلَيْهِ، فَعَادَ الرَّسُولُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ عَشْرٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَتُوِفِّيَ جَاوْلِي، فَأَمِنُوا مَا كَانُوا يَخَافُونَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ السُّلْطَانُ سَارَ عَنْ بَغْدَاذَ إِلَى أَصْبَهَانَ، خَوْفًا عَلَى فَارِسَ مِنْ صَاحِبِ كَرْمَانَ.
ذِكْرُ فَتْحِ جَبَلَ وَسْلَاتَ وَتُونُسَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَصَرَ عَسْكَرُ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى، صَاحِبِ إِفْرِيقِيَّةَ مَدِينَةَ تُونُسَ وَبِهَا أَحْمَدُ بْنُ خُرَاسَانَ، وَضَيَّقَ عَلَى مَنْ بِهَا، فَصَالَحَهُ عَلَى مَا أَرَادَ.
وَفِيهَا فَتَحَ أَيْضًا جَبَلَ وَسْلَاتَ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ، وَهُوَ جَبَلٌ مَنِيعٌ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُهُ، طُولَ الدَّهْرِ يَفْتِكُونَ بِالنَّاسِ، وَيَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ، فَلَمَّا اسْتَمَرَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ سَيَّرَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا، فَكَانَ أَهْلُ الْجَبَلِ يَنْزِلُونَ إِلَى الْجَيْشِ، وَيُقَاتِلُونَ أَشَدَّ قِتَالٍ، فَعَمِلَ قَائِدُ الْجَيْشِ الْحِيلَةِ فِي الصُّعُودِ إِلَى الْجَبَلِ مِنْ شِعْبٍ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَظُنُّ أَنَّهُ يُصْعَدُ مِنْهُ، فَلَمَّا صَارَ فِي أَعْلَاهُ، فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، ثَارَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْجَبَلِ، فَصَبَرَ لَهُمْ، وَقَاتَلَهُمْ فِيمَنْ مَعَهُ أَشَدَّ قِتَالٍ، وَتَتَابَعَ الْجَيْشُ فِي الصُّعُودِ إِلَيْهِ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ الْجَبَلِ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَمَى نَفْسَهُ فَتَكَسَّرَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْلَتَ، وَاحْتَمَى جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ بِقَصْرٍ فِي الْجَبَلِ، فَلَمَّا أَحَاطَ بِهِمُ الْجَيْشُ طَلَبُوا أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مَنْ يُصْلِحُ حَالَهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ جَمَاعَةً مِنَ الْعَرَبِ وَالْجُنْدِ، فَثَارَ بِهِمْ أُولَئِكَ بِالسِّلَاحِ، فَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ، وَطَلَعَ الْبَاقُونَ إِلَى أَعْلَى الْقَصْرِ، وَنَادَوْا أَصْحَابَهُمْ مِنَ الْجَيْشِ، فَأَتَوْهُمْ وَقَاتَلُوهُمْ: بَعْضُهُمْ مِنْ أَعْلَى الْقَصْرِ، وَبَعْضُهُمْ مِنْ أَسْفَلِهِ، فَأَلْقَى مِنْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْجَبَلِ أَيْدِيَهُمْ، فَقُتِلُوا كُلُّهُمْ.
стр. 5141
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِطُوسَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي عَاشُورَاءَ، كَانَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بِطُوسَ، فِي مَشْهَدِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا ﵇.
وَسَبَبُهَا: أَنَّ عَلَوِيًّا خَاصَمَ فِي الْمَشْهَدِ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، بَعْضَ فُقَهَاءِ طُوسَ، فَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى مُضَارَبَةٍ، وَانْقَطَعَتِ الْفِتْنَةُ، ثُمَّ اسْتَعَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِحِزْبِهِ، فَثَارَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ حَضَرَهَا جَمِيعُ أَهْلِ طُوسَ، وَأَحَاطُوا بِالْمَشْهَدِ وَخَرَّبُوهُ، وَقَتَلُوا مَنْ وَجَدُوا، فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ جَمَاعَةٌ وَنُهِبَتْ أَمْوَالٌ جَمَّةٌ، وَافْتَرَقُوا.
وَتَرَكَ أَهْلُ الْمَشْهَدِ الْخُطْبَةَ أَيَّامَ الْجُمُعَاتِ فِيهِ، فَبَنَى عَلَيْهِ عَضُدَ الدِّينِ فَرَامَرْزُ بْنُ عَلِيٍّ سُورًا مَنِيعًا يَحْتَمِي بِهِ مَنْ بِالْمَشْهَدِ عَلَى مَنْ يُرِيدُهُ بِسُوءٍ، وَكَانَ بِنَاؤُهُ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَتِ النَّارُ فِي الْحَظَائِرِ الْمُجَاوِرَةِ لِلْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَاذَ، فَاحْتَرَقَتِ الْأَخْشَابُ الَّتِي بِهَا، وَاتَّصَلَ الْحَرِيقُ إِلَى دَرْبِ السِّلْسِلَةِ، وَتَطَايَرَ الشَّرَرُ إِلَى بَابِ الْمَرَاتِبِ، فَاحْتَرَقَتْ مِنْهُ عِدَّةُ دُورٍ، وَاحْتَرَقَتْ خِزَانَةُ كُتُبِ النِّظَامِيَّةِ، وَسَلِمَتِ الْكُتُبُ، لِأَنَّ الْفُقَهَاءَ لَمَّا أَحَسُّوا بِالنَّارِ نَقَلُوهَا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بُهْلُولٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَنْدَلُسِيُّ، السَّرْقُسْطِيُّ، وَكَانَ فَقِيهًا، فَاضِلًا، وَرَدَ الْعِرَاقَ نَحْوَ سَنَةَ خَمْسِمِائَةٍ، سَارَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَسَكَنَ مَرْوَ الرُّوذِ، فَمَاتَ بِهَا، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْهُ:
وَمُهَفْهَفٌ يَخْتَالُ فِي أَبْرَادِهِ ... مَرَحَ الْقَضِيبِ اللَّدْنِ تَحْتَ الْبَارِحِ
أَبْصَرْتُ فِي مِرْآةِ فِكْرَيَ خَدَّهُ ... فَحَكَيْتُ فِعْلَ جُفُونِهِ بِجَوَارِحِي
стр. 5142
مَا كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ فِعْلَ تَوَهُّمِي
يَقْوَى تَعَدِّيهِ، فَيَجْرَحُ جَارِحِي ... لَا غَرْوَ إِنْ جَرَحَ التَّوَهُّمُ خَدَّهُ
فَالسِّحْرُ يَعْمَلُ فِي الْبَعِيدِ النَّازِحِ
وَفِيهَا، فِي شَعْبَانَ، تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَيَانَ الرَّزَّازُ، وَمَوْلِدُهُ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ مَخْلَدٍ، وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ بِشْرَانَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ مُحَمَّدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السَّمْعَانِيُّ، رَئِيسُ الشَّافِعِيَّةِ، بِمَرْوَ، وَمُوَلِدُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ وَصَنَّفَ فِيهِ، لَهُ فِيهِ أَمَالٍ حَسَنَةٌ، وَتَكَلَّمَ عَلَى الْحَدِيثِ، فَأَحْسَنَ مَا شَاءَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مَحْفُوظُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْكَلْوَذَانِيُّ أَبُو الْخَطَّابِ الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَتَفْقَّهَ عَلَى أَبِي يَعْلَى بْنِ الْفَرَّاءِ.
стр. 5143
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَة]
٥١١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ وَفَاةِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ وَمُلْكِ ابْنِهِ مَحْمُودٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدُ بْنُ مُلْكِشَاهْ بْنِ أَلْب أَرْسِلَانَ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ مَرَضِهِ فِي شَعْبَانَ، وَانْقَطَعَ عَنِ الرُّكُوبِ، وَتَزَايَدَ مَرَضُهُ، وَدَامَ، وَأُرْجِفَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عِيدِ النَّحْرِ حَضَرَ السُّلْطَانُ، وَحَضَرَ وَلَدُهُ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ عَلَى السِّمَاطِ، فَنَبَّهَهُ النَّاسُ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا إِلَى السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ تَكَلَّفَ الْقُعُودَ لَهُمْ، بَيْنَ يَدَيْهِ سِمَاطٌ كَبِيرٌ فَأَكَلُوا وَخَرَجُوا.
فَلَمَّا انْتَصَفَ ذُو الْحِجَّةِ أَيِسَ مِنْ نَفْسِهِ، فَأَحْضَرَ وَلَدَهُ مَحْمُودًا، وَقَبَّلَهُ، وَبَكَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ وَيَجْلِسَ عَلَى تَخْتِ السَّلْطَنَةِ، وَيَنْظُرَ فِي أُمُورِ النَّاسِ، وَعُمُرُهُ إِذْ ذَاكَ قَدْ زَادَ عَلَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَقَالَ لِوَالِدِهِ: إِنَّهُ يَوْمٌ غَيْرُ مُبَارَكٍ، يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ النُّجُومِ، فَقَالَ: صَدَقْتَ، وَلَكِنْ عَلَى أَبِيكَ، وَأَمَّا عَلَيْكَ فَمُبَارَكٌ بِالسَّلْطَنَةِ. فَخَرَجَ وَجَلَسَ عَلَى التَّخْتِ بِالتَّاجِ وَالسُّوَارَيْنِ.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ أُحْضِرَ الْأُمَرَاءُ وَأُعْلِمُوا بِوَفَاتِهِ، وَقُرِئَتْ وَصِيَّتُهُ إِلَى وَلَدِهِ مَحْمُودٍ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَفِي الْجُمُعَةِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ خُطِبَ لِمَحْمُودٍ بِالسَّلْطَنَةِ.
وَكَانَ مَوْلِدُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ ثَامِنَ عَشَرَ شَعْبَانَ مِنْ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ عُمُرُهُ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ، وَأَوَّلُ مَا دُعِيَ لَهُ بِالسَّلْطَنَةِ بِبَغْدَاذَ، فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَقُطِعَتْ خُطْبَتُهُ عِدَّةَ دَفَعَاتٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَقِيَ مِنَ الْمَشَاقِّ وَالْأَخْطَارِ مَا لَا حَدَّ لَهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَخُوهُ بُرْكِيارُقُ صَفَتْ
стр. 5144
لَهُ السَّلْطَنَةُ، وَعَظُمَتْ هَيْبَتُهُ، وَكَثُرَتْ جُيُوشُهُ وَأَمْوَالُهُ وَكَانَ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ.
ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَتِهِ
كَانَ عَادِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، شُجَاعًا، فَمِنْ عَدْلِهِ أَنَّهُ اشْتَرَى مَمَالِيكَ مِنْ بَعْضِ التُّجَّارِ، وَأَحَالَهُمْ بِالثَّمَنِ عَلَى عَامِلِ خُوزِسْتَانَ، فَأَعْطَاهُمُ الْبَعْضَ، وَمَطَلَ بِالْبَاقِي، فَحَضَرُوا مَجْلِسَ الْحُكْمِ، وَأَخَذُوا مَعَهُمْ غِلْمَانَ الْقَاضِي، فَلَمَّا رَآهُمُ السُّلْطَانُ قَالَ لِحَاجِبِهِ: انْظُرْ مَا حَالُ هَؤُلَاءِ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ حَالِهِمْ، فَقَالُوا: لَنَا خَصْمٌ يَحْضُرُ مَعَنَا مَجْلِسَ الْحُكْمِ، فَقَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالُوا: السُّلْطَانُ، وَذَكَرُوا قِصَّتَهُمْ، فَأَعْلَمَهُ ذَلِكَ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وَأَكْرَهَ، وَأَمَرَ بِإِحْضَارِ الْعَامِلِ، وَأَمَرَهُ بِإِيصَالِ أَمْوَالِهِمْ، وَالْجَعْلِ الثَّقِيلِ، وَنَكَّلَ بِهِ حَتَّى يَمْتَنِعَ غَيْرُهُ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: لَقَدْ نَدِمْتُ عَظِيمًا حَيْثُ لَمْ أَحْضُرْ مَعَهُمْ مَجْلِسَ الْحُكْمِ، فَيَقْتَدِيَ بِي غَيْرِي، وَلَا يَمْتَنِعَ أَحَدٌ عَنِ الْحُضُورِ فِيهِ وَأَدَاءِ الْحَقِّ.
فَمِنْ عَدْلِهِ: أَنَّهُ لَهُ خَازِنٌ يُعْرَفُ بِأَبِي الْقَزْوِينِيِّ قَتَلَهُ الْبَاطِنِيَّةُ، فَلَمَّا قُتِلَ أَمَرَ بِعَرْضِ الْخِزَانَةِ، فَعُرِضَ عَلَيْهِ فِيهَا دُرْجٌ فِيهِ جَوْهَرٌ كَثِيرٌ نَفِيسٌ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْجَوْهَرَ عَرَضَهُ عَلَيَّ، مُنْذُ أَيَّامٍ، وَهُوَ فِي مُلْكِ أَصْحَابِهِ، وَسَلَّمَهُ إِلَى خَادِمٍ لِيَحْفَظَهُ وَيَنْظُرَ مَنْ أَصْحَابُهُ فَيُسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، وَكَانُوا تُجَّارًا غُرَبَاءَ، وَقَدْ تَيَقَّنُوا ذَهَابَهُ وَأَيِسُوا مِنْهُ فَسَكَتُوا فَأَحْضَرَهُمْ وَسَلَّمَهُ إِلَيْهِمْ.
وَمِنْ عَدْلِهِ: أَنَّهُ أَطْلَقَ الْمُكُوسَ وَالضَّرَائِبَ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ، وَلَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ فِعْلٌ قَبِيحٌ، وَعَلِمَ الْأُمَرَاءُ سِيرَتَهُ، فَلَمْ يَقْدَمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى الظُّلْمِ، وَكَفُّوا عَنْهُ.
وَمِنْ مَحَاسِنِ أَعْمَالِهِ مَا فَعَلَهُ مَعَ الْبَاطِنِيَّةِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
ذِكْرُ حَالِ الْبَاطِنِيَّةِ أَيَّامَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ
قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَا اعْتَمَدَهُ مِنْ حَصْرِ قِلَاعِهِمْ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ هَاهُنَا زِيَادَةَ اهْتِمَامِهِ بِأَمْرِهِمْ، فَإِنَّهُ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، لَمَّا عَلِمَ أَنَّ مَصَالِحَ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ مَنُوطَةٌ بِمَحْوِ آثَارِهِمْ، وَإِخْرَابِ دِيَارِهِمْ، وَمُلْكِ حُصُونِهِمْ وَقِلَاعِهِمْ، جَعَلَ قَصْدَهُمْ دَأْبَهُ.
стр. 5145
وَكَانَ، فِي أَيَّامِهِ، الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ، وَالْقَيِّمُ بِأَمْرِهِمُ الْحَسَنَ بْنَ الصَّبَّاحِ الرَّازِيَّ، صَاحِبَ قَلْعَةِ أَلَمُوتَ، وَكَانَتْ أَيَّامُهُ قَدْ طَالَتْ، وَلَهُ مُنْذُ مَلَكَ قَلْعَةَ أَلَمُوتَ مَا يُقَارِبُ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ الْمُجَاوِرُونَ لَهُ فِي أَقْبَحِ صُورَةٍ مِنْ كَثْرَةِ غَزَاتِهِ عَلَيْهِمْ وَقَتْلِهِ وَأَسْرِ رِجَالِهِمْ، وَسَبْيِ نِسَائِهِمْ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ السُّلْطَانُ الْعَسَاكِرَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَعَادَتْ مِنْ غَيْرِ بُلُوغِ غَرَضٍ. فَلَمَّا أُعْضِلَ دَاؤُهُ نَدَبَ لِقِتَالِهِ الْأَمِيرَ أَنُوشْتِكِينَ شِيرِكِيرَ، صَاحِبَ آبَّةَ، وَسَاوَةَ، وَغَيْرِهِمَا، فَمَلَكَ مِنْهُمْ عِدَّةَ قِلَاعٍ مِنْهَا قَلْعَةُ كَلَامَ، مَلَكَهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَ مُقَدَّمُهَا يُعْرَفُ بِعَلِيِّ بْنِ مُوسَى، فَأَمَّنَهُ وَمَنْ مَعَهُ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى أَلَمُوتَ، وَمَلَكَ مِنْهُمْ أَيْضًا قَلْعَةَ بِيرَةَ، وَهِيَ عَلَى سَبْعَةِ فَرَاسِخَ مِنْ قَزْوِينَ، وَأَمَّنَهُمْ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى أَلَمُوتَ أَيْضًا.
وَسَارَ إِلَى قَلْعَةِ أَلَمُوتَ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَأَمَدَّهُ السُّلْطَانُ بِعِدَّةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَحَصَرَهُمْ، وَكَانَ هُوَ، مِنْ بَيْنِهِمْ، صَاحِبَ الْقَرِيحَةِ وَالْبَصِيرَةِ فِي قِتَالِهِمْ، مَعَ جَوْدَةِ رَأْيٍ وَشَجَاعَةٍ، فَبَنَى عَلَيْهَا مَسَاكِنَ يَسْكُنُهَا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَعَيَّنَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ أَشْهُرًا يُقِيمُونَهَا، فَكَانُوا يُنِيبُونَ، وَيَحْضُرُونَ، وَهُوَ مُلَازِمُ الْحِصَارِ، وَكَانَ السُّلْطَانُ يَنْقُلُ إِلَيْهِ الْمِيرَةَ، وَالذَّخَائِرَ، وَالرِّجَالَ، فَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى الْبَاطِنِيَّةِ، وَعَدِمَتْ عِنْدَهُمُ الْأَقْوَاتُ وَغَيْرُهَا، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ نَزَّلُوا نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ مُسْتَأْمَنِينَ، وَسَأَلُوا أَنْ يُفْرَجَ لَهُمْ وَلِرِجَالِهِمْ عَنِ الطَّرِيقِ، وَيُؤَمَّنُوا، فَلَمْ يُجَابُوا إِلَى ذَلِكَ، وَأَعَادَهُمْ إِلَى الْقَلْعَةِ، قَصْدًا لِيَمُوتَ الْجَمِيعُ جُوعًا.
وَكَانَ ابْنُ الصَّبَّاحِ يُجْرِي لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فِي الْيَوْمِ، رَغِيفًا، وَثَلَاثَ جَوَزَاتٍ، فَلَمَّا بَلَغَ بِهِمُ الْأَمْرَ إِلَى الْحَدِّ الَّذِي لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، بَلَغَهُمْ مَوْتُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، فَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وَطَابَتْ قُلُوبُهُمْ، وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى الْعَسْكَرِ الْمُحَاصِرِ لَهُمْ بَعْدَهُمْ بِيَوْمٍ، وَعَزَمُوا عَلَى الرَّحِيلِ، فَقَالَ شِيرِكِيرُ: إِنْ رَحَلْنَا عَنْهُمْ وَشَاعَ الْأَمْرُ، نَزَلُوا إِلَيْنَا، وَأَخَذُوا مَا أَعْدَدْنَا مِنَ الْأَقْوَاتِ وَالذَّخَائِرِ، وَالرَّأْيُ أَنْ نُقِيمَ عَلَى قَلْعَتِهِمْ حَتَّى نَفْتَحَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُقَامُ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُقَامٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، يَنْفُذُ مِنَّا ثِقَلُنَا وَمَا أَعْدَدْنَاهُ وَنَحْرِقُ مَا نَعْجِزُ عَنْ حَمْلِهِ لِئَلَّا يَأْخُذَهُ الْعَدُوُّ.
فَلَمَّا سَمِعُوا قَوْلَهُ عَلِمُوا صِدْقَهُ، فَتَعَاهَدُوا عَلَى الِاتِّفَاقِ وَالِاجْتِمَاعِ، فَلَمَّا أَمْسَوْا
стр. 5146
رَحَلُوا مِنْ غَيْرِ مُشَاوِرَةٍ، وَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ شِيرِكِيرَ، وَنَزَلَ إِلَيْهِ الْبَاطِنِيَّةُ مِنَ الْقَلْعَةِ، فَدَافَعَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ وَحَمَى مَنْ تَخَلَّفَ مِنْ سُوقَةِ الْعَسْكَرِ وَأَتْبَاعِهِ، وَلَحِقَ بِالْعَسْكَرِ، فَلَمَّا فَارَقَ الْقَلْعَةَ غَنِمَ الْبَاطِنِيَّةُ مَا تَخَلَّفَ عِنْدَهُمْ.
ذِكْرُ حِصَارِ قَابِسَ وَالْمَهْدِيَّةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَهَّزَ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ، أُسْطُولًا فِي الْبَحْرِ إِلَى مَدِينَةِ قَابِسَ، وَحَصَرَهَا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَهَا رَافِعَ بْنَ مَكَّنَ الدَّهْمَانِيَّ أَنْشَأَ مَرْكِبًا بِسَاحِلِهَا لِيَحْمِلَ التُّجَّارَ فِي الْبَحْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ آخَرَ أَيَّامِ الْأَمِيرِ يَحْيَى، فَلَمْ يُنْكِرْ يَحْيَى ذَلِكَ جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِ فِي الْمُدَارَاةِ، فَلَمَّا وَلِيَ عَلِيٌّ الْأَمْرَ، بَعْدَ أَبِيهِ، أَنِفَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ أَنْ يُنَاوِئَنِي فِي إِجْرَاءِ الْمَرَاكِبِ فِي الْبَحْرِ بِالتُّجَّارِ، فَلَمَّا خَافَ رَافِعٌ أَنْ يَمْنَعَهُ عَلِيٌّ الْتَجَأَ إِلَى اللَّعِينِ رَجَّارَ مَلِكِ الْفِرِنْجِ بِصِقِلِّيَةَ، وَاعْتَضَدَ بِهِ، فَوَعَدَهُ رَجَّارُ أَنْ يَنْصُرَهُ وَيُعِينَهُ عَلَى إِجْرَاءِ مَرْكِبِهِ فِي الْبَحْرِ، وَأَنْفَذَ فِي الْحَالِ أُسْطُولًا إِلَى قَابِسَ، فَاجْتَازُوا بِالْمَهْدِيَّةِ، فَحِينَئِذٍ تَحَقَّقَ عَلِيٌّ اتِّفَاقَهُمَا، وَكَانَ يُكَذِّبُهُ.
فَلَمَّا جَازَ أُسْطُولُ رَجَّارَ بِالْمَهْدِيَّةِ أَخْرَجَ عَلِيٌّ أُسْطُولَهُ فِي أَثَرِهِ، فَتَوَافَى الْجَمِيعُ إِلَى قَابِسَ، فَلَمَّا رَأَى صَاحِبُهَا أُسْطُولَ الْفِرِنْجِ وَالْمُسْلِمِينَ لَمْ يُخْرِجْ مَرْكِبَهُ، فَعَادَ أُسْطُولُ الْفِرِنْجِ، وَبَقِيَ أُسْطُولُ عَلِيٍّ يَحْصُرُ رَافِعًا بِقَابِسَ مُضَيِّقًا عَلَيْهَا.
ثُمَّ عَادُوا إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، وَتَمَادَى رَافِعٌ فِي الْمُخَالَفَةِ لِعَلِيٍّ، وَجَمَعَ قَبَائِلَ الْعَرَبِ، وَسَارَ بِهِمْ، حَتَّى نَزَلَ عَلَى الْمَهْدِيَّةِ مُحَاصِرًا لَهَا وَخَادَعَ عَلَّيًا، وَقَالَ: إِنَّنِي إِنَّمَا جِئْتُ لِلدُّخُولِ فِي الطَّاعَةِ، وَطَلَبَ مَنْ يَسْعَى فِي الصُّلْحِ، وَأَفْعَالُهُ تُكَذِّبُ أَقْوَالَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ عَنْ ذَلِكَ بِحَرْفٍ، وَأَخْرَجَ الْعَسَاكِرَ، وَحَمَلُوا عَلَى رَافِعٍ وَمَنْ مَعَهُ حَمْلَةً مُنْكِرَةً، فَأَلْحَقُوهُمْ بِالْبُيُوتِ، وَوَصَلَ الْعَسْكَرُ إِلَى الْبُيُوتِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النِّسَاءُ صِحْنَ، وَوَلْوَلْنَ، فَغَارَتِ الْعَرَبُ، وَعَاوَدَتِ الْقِتَالَ وَاشْتَدَّ حِينَئِذٍ الْأَمْرُ إِلَى الْمَغْرِبِ، ثُمَّ افْتَرَقُوا، وَقَدْ قُتِلَ مِنْ عَسْكَرِ رَافِعٍ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْ جُنْدِ عَلِيٍّ غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنَ الرَّجَّالَةِ.
ثُمَّ خَرَجَ عَسْكَرُ عَلِيٍّ مَرَّةً أُخْرَى، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ مِنَ الْقِتَالِ الْأَوَّلِ، كَانَ الظُّهُورُ فِيهِ
стр. 5147
لِعَسْكَرِ عَلِيٍّ، فَلَمَّا رَأَى رَافِعٌ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِمْ رَحَلَ عَنِ الْمَهْدِيَّةِ لَيْلًا إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَمَنَعَهُ أَهْلُهَا مِنْ دُخُولِهَا، فَقَاتَلَهُمْ أَيَّامًا قَلَائِلَ، ثُمَّ دَخَلَهَا، فَأَرْسَلَ عَلِيٌّ إِلَيْهِ عَسْكَرًا مِنَ الْمَهْدِيَّةِ، فَحَصَرُوهُ فِيهَا إِلَى أَنْ خَرَجَ عَنْهَا، وَعَادَ إِلَى قَابِسَ، ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ إِفْرِيقِيَّةَ، مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، سَأَلُوا عَلِيًّا فِي الصُّلْحِ، فَامْتَنَعَ، ثُمَّ أَجَابَ إِلَى ذَلِكَ، وَتَعَاهَدَ عَلَيْهِ.
ذِكْرُ الْوَحْشَةِ بَيْنَ رَجَّارَ وَالْأَمِيرِ عَلِيٍّ
كَانَ رَجَّارُ، صَاحِبُ صِقِلِّيَةَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمِيرِ عَلِيٍّ، صَاحِبِ إِفْرِيقِيَّةَ، مَوَدَّةٌ وَكِيدَةٌ، إِلَى أَنْ أَعَانَ رَافِعًا كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلُ، فَاسْتَوْحَشَ كُلُّ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ خَاطَبَهُ رَجَّارُ بِمَا لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُمْ بِهِ، فَتَأَكَّدَتِ الْوَحْشَةُ، فَأَرْسَلَ رَجَّارُ رِسَالَةً فِيهَا خُشُونَةٌ، فَاحْتَرَزَ عَلِيٌّ مِنْهُ، وَأَمَرَ بِتَجْدِيدِ الْأُسْطُولِ، وَإِعْدَادِ الْأُهْبَةِ لِلِّقَاءِ الْعَدُوِّ، وَكَاتَبَ الْمُرَابِطِينَ بِمُرَّاكِشَ فِي الِاجْتِمَاعِ مَعَهُ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى صِقِلِّيَةَ، فَكَفَّ رَجَّارُ عَمَّا كَانَ يَعْتَمِدُهُ.
ذِكْرُ قَتْلِ صَاحِبِ حَلْبَ وَاسْتِيلَاءِ إِيلْغَازِي عَلَيْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ لُؤْلُؤٌ الْخَادِمُ، وَكَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى قَلْعَةِ حَلَبَ وَأَعْمَالِهَا، بَعْدَ وَفَاةِ الْمَلِكِ رِضْوَانَ، وَوَلِيَ أَتَابِكِيَّةَ وَلَدُهُ أَلْب أَرْسِلَانَ، فَلَمَّا مَاتَ أَقَامَ بَعْدَهُ فِي الْمُلْكِ سُلْطَانْشَاهْ بْنُ رِضْوَانَ، وَحَكَمَ فِي دَوْلَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ حُكْمِهِ فِي دَوْلَةِ أَخِيهِ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ السَّنَةُ سَارَ مِنْهَا إِلَى قَلْعَةِ جَعْبَرَ لِيَجْتَمِعَ بِالْأَمِيرِ سَالِمِ بْنِ مَالِكٍ صَاحِبِهَا، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ قَلْعَةِ نَادِرَ نَزَلَ يُرِيقُ الْمَاءَ، فَقَصَدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الْأَتْرَاكِ، وَصَاحُوا: أَرْنَبَ، أَرْنَبَ! وَأَوْهَمُوا أَنَّهُمْ يَتَصَيَّدُونَ، وَرَمَوْهُ بِالنُّشَّابِ، فَقُتِلَ، فَلَمَّا هَلَكَ نَهَبُوا خِزَانَتَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ حَلَبَ، فَاسْتَعَادُوا مَا أَخَذُوهُ.
وَوَلِيَ أَتَابِكِيَّةَ سُلْطَانْشَاهْ بْنُ رِضْوَانَ شَمْسُ الْخَوَاصِّ يَارُو قَتَّاشُ، فَبَقِيَ شَهْرًا، وَعَزَلُوهُ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ أَبُو الْمَعَالِي بْنُ الْمِلْحِيِّ الدِّمَشْقِيُّ، ثُمَّ عَزَلُوهُ وَصَادَرُوهُ.
وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ قَتْلِ لُؤْلُؤٍ أَنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ سُلْطَانْشَاهْ، كَمَا قُتِلَ أَخَاهُ أَلْب أَرْسِلَانَ قَبْلَهُ، فَفَطِنَ بِهِ أَصْحَابُ سُلْطَانْشَاهْ، فَقَتَلُوهُ، وَقِيلَ كَانَ قَتْلُهُ سَنَةَ عَشْرٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 5148
ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ حَلَبَ خَافُوا مِنَ الْفِرِنْجِ، فَسَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَى نَجْمِ الدِّينِ إِيلْغَازِي، فَلَمَّا تَسَلَّمَهُ لَمْ يَجِدْ فِيهِ مَالًا، وَلَا ذَخِيرَةً، لِأَنَّ الْخَادِمَ كَانَ قَدْ فَرَّقَ الْجَمِيعَ، وَكَانَ الْمَلِكُ رِضْوَانُ قَدْ جَمَعَ فَأَكْثَرَ، فَرَزَقَهُ اللَّهُ غَيْرَ أَوْلَادِهِ، فَلَمَّا رَأَى إِيلْغَازِي خُلُوَّ الْبَلَدِ مِنَ الْأَمْوَالِ صَادَرَ جَمَاعَةً مِنَ الْخَدَمِ بِمَالٍ صَانَعَ بِهِ الْفِرِنْجَ، وَهَادَنَهُمْ مُدَّةً يَسِيرَةً تَكُونُ بِمِقْدَارِ مَسِيرِهِ إِلَى مَارِدِينَ، وَجَمْعِ الْعَسَاكِرِ وَالْعَوْدِ، فَلَمَّا تَمَّتِ الْهُدْنَةُ سَارَ إِلَى مَارِدِينَ، عَلَى هَذَا الْعَزْمِ، وَاسْتَخْلَفَ بِحَلَبَ ابْنَهُ حُسَامَ الدِّينِ تَمَرْتَاشَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَابِعَ عَشَرَ صَفَرٍ، انْخَسَفَ الْقَمَرُ انْخِسَافًا كُلِّيًّا.
وَفِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ هَجَمَ الْفِرِنْجُ عَلَى رَبْضِ حُمَاةَ مِنَ الشَّامِ، وَقَتَلُوا مِنْ أَهْلِهَا مَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةِ رَجُلٍ وَعَادُوا.
وَفِيهَا، فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، كَانَتْ زَلْزَلَةٌ بِالْعِرَاقِ، وَالْجَزِيرَةِ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ وَخَرِبَتْ بِبَغْدَاذَ دُورٌ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ أَحْمَدُ الْعَرَبِيُّ بِبَغْدَاذَ، وَكَانَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، لَهُ كَرَامَاتٌ وَقَبْرُهُ يُزَارُ بِهَا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، تُوُفِّيَ أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَبْهَانَ الْكَاتِبُ، وَعُمُرُهُ مِائَةُ سَنَةٍ، وَكَانَ عَالِيَ الْإِسْنَادِ، رَوَى عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَاذَانَ وَغَيْرِهِ، وَالْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ أَبُو عَبْدُ اللَّهِ الشَّقَّاقُ الْفَرَضِيُّ، الْحَاسِبُ، وَكَانَ
стр. 5149
وَاحِدَ عَصْرِهِ فِي عِلْمِ الْفَرَائِضِ وَالْحِسَابِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُهْتَدِي وَغَيْرِهِ.
وَفِيهَا مَاتَ الْكُزَايِكْسُ مَلِكُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ يُوحَنَّا وَسَلَكَ سِيرَتَهُ.
وَفِيهَا مَاتَ دُوقَسُ أَنْطَاكِيَةَ، وَكَفَى اللَّهُ شَرَّهُ.
стр. 5150
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَة]
٥١٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ بِالْعِرَاقِ وَوِلَايَةِ الْبُرْسُقِيِّ شَحْنَكِيَّةَ بَغْدَاذَ
لَمَّا تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مَحْمُودٌ، وَدَبَّرَ دَوْلَتَهُ الْوَزِيرُ الرَّبِيبُ أَبُو مَنْصُورٍ، أَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ يَطْلُبُ أَنْ يُخْطَبَ لَهُ بِبَغْدَاذَ، فَخُطِبَ لَهُ فِي الْجُمُعَةِ ثَالِثَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ، وَكَانَ شِحْنَةُ بَغْدَاذَ بَهْرُوزَ.
ثُمَّ إِنَّ الْأَمِيرَ دُبَيْسَ بْنَ صَدَقَةَ كَانَ عِنْدَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، مُذْ قُتِلَ وَالِدُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَأَقْطَعَهُ إِقْطَاعًا كَثِيرًا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ خَاطَبَ السُّلْطَانَ مَحْمُودًا فِي الْعَوْدِ إِلَى بَلَدِهِ الْحِلَّةِ، فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَعَادَ إِلَيْهَا فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْأَكْرَادِ، وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ آقْسُنْقُرُ الْبُرْسُقِيُّ مُقِيمًا بِالرَّحْبَةِ، وَهِيَ إِقْطَاعُهُ، وَلَيْسَ بِيَدِهِ مِنَ الْوِلَايَاتِ شَيْءٌ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا ابْنَهُ عِزَّ الدِّينِ مَسْعُودًا، وَسَارَ إِلَى السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، قَبْلَ مَوْتِهِ، عَازِمًا عَلَى مُخَاطَبَتِهِ فِي زِيَادَةِ إِقْطَاعِهِ، فَبَلَغَهُ وَفَاةُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى بَغْدَاذَ.
وَسَمِعَ مُجَاهِدُ الدِّينِ بَهْرُوزُ بِقُرْبِهِ مِنْ بَغْدَاذَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَمْنَعُهُ مِنْ دُخُولِهَا، فَسَارَ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، فَلَقِيَهُ تَوْقِيعُ السُّلْطَانِ بِوِلَايَةِ شِحْنَكِيَّةَ بَغْدَاذَ، وَهُوَ بِحُلْوَانَ، وَعُزِلَ بَهْرُوزَ.
وَكَانَ الْأُمَرَاءُ عِنْدَ السُّلْطَانِ يُرِيدُونَ الْبُرْسُقِيَّ، وَيَتَعَصَّبُونَ لَهُ، وَيَكْرَهُونَ مُجَاهِدَ الدِّينِ بَهْرُوزَ، وَيَحْسُدُونَهُ لِلْقُرْبِ الَّذِي كَانَ لَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ وَخَافُوا أَنْ يَزْدَادَ تَقَدُّمًا عِنْدَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ وَحُكْمًا. فَلَمَّا وَلِيَ الْبُرْسُقِيُّ شِحْنَكِيَّةَ بَغْدَاذَ هَرَبَ بَهْرُوزَ إِلَى تِكْرِيتَ، وَكَانَتْ لَهُ.
следующие страницы →