← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

رَحَلُوا مِنْ غَيْرِ مُشَاوِرَةٍ، وَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ شِيرِكِيرَ، وَنَزَلَ إِلَيْهِ الْبَاطِنِيَّةُ مِنَ الْقَلْعَةِ، فَدَافَعَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ وَحَمَى مَنْ تَخَلَّفَ مِنْ سُوقَةِ الْعَسْكَرِ وَأَتْبَاعِهِ، وَلَحِقَ بِالْعَسْكَرِ، فَلَمَّا فَارَقَ الْقَلْعَةَ غَنِمَ الْبَاطِنِيَّةُ مَا تَخَلَّفَ عِنْدَهُمْ. ذِكْرُ حِصَارِ قَابِسَ وَالْمَهْدِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَهَّزَ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ، أُسْطُولًا فِي الْبَحْرِ إِلَى مَدِينَةِ قَابِسَ، وَحَصَرَهَا. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَهَا رَافِعَ بْنَ مَكَّنَ الدَّهْمَانِيَّ أَنْشَأَ مَرْكِبًا بِسَاحِلِهَا لِيَحْمِلَ التُّجَّارَ فِي الْبَحْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ آخَرَ أَيَّامِ الْأَمِيرِ يَحْيَى، فَلَمْ يُنْكِرْ يَحْيَى ذَلِكَ جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِ فِي الْمُدَارَاةِ، فَلَمَّا وَلِيَ عَلِيٌّ الْأَمْرَ، بَعْدَ أَبِيهِ، أَنِفَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ أَنْ يُنَاوِئَنِي فِي إِجْرَاءِ الْمَرَاكِبِ فِي الْبَحْرِ بِالتُّجَّارِ، فَلَمَّا خَافَ رَافِعٌ أَنْ يَمْنَعَهُ عَلِيٌّ الْتَجَأَ إِلَى اللَّعِينِ رَجَّارَ مَلِكِ الْفِرِنْجِ بِصِقِلِّيَةَ، وَاعْتَضَدَ بِهِ، فَوَعَدَهُ رَجَّارُ أَنْ يَنْصُرَهُ وَيُعِينَهُ عَلَى إِجْرَاءِ مَرْكِبِهِ فِي الْبَحْرِ، وَأَنْفَذَ فِي الْحَالِ أُسْطُولًا إِلَى قَابِسَ، فَاجْتَازُوا بِالْمَهْدِيَّةِ، فَحِينَئِذٍ تَحَقَّقَ عَلِيٌّ اتِّفَاقَهُمَا، وَكَانَ يُكَذِّبُهُ. فَلَمَّا جَازَ أُسْطُولُ رَجَّارَ بِالْمَهْدِيَّةِ أَخْرَجَ عَلِيٌّ أُسْطُولَهُ فِي أَثَرِهِ، فَتَوَافَى الْجَمِيعُ إِلَى قَابِسَ، فَلَمَّا رَأَى صَاحِبُهَا أُسْطُولَ الْفِرِنْجِ وَالْمُسْلِمِينَ لَمْ يُخْرِجْ مَرْكِبَهُ، فَعَادَ أُسْطُولُ الْفِرِنْجِ، وَبَقِيَ أُسْطُولُ عَلِيٍّ يَحْصُرُ رَافِعًا بِقَابِسَ مُضَيِّقًا عَلَيْهَا. ثُمَّ عَادُوا إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، وَتَمَادَى رَافِعٌ فِي الْمُخَالَفَةِ لِعَلِيٍّ، وَجَمَعَ قَبَائِلَ الْعَرَبِ، وَسَارَ بِهِمْ، حَتَّى نَزَلَ عَلَى الْمَهْدِيَّةِ مُحَاصِرًا لَهَا وَخَادَعَ عَلَّيًا، وَقَالَ: إِنَّنِي إِنَّمَا جِئْتُ لِلدُّخُولِ فِي الطَّاعَةِ، وَطَلَبَ مَنْ يَسْعَى فِي الصُّلْحِ، وَأَفْعَالُهُ تُكَذِّبُ أَقْوَالَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ عَنْ ذَلِكَ بِحَرْفٍ، وَأَخْرَجَ الْعَسَاكِرَ، وَحَمَلُوا عَلَى رَافِعٍ وَمَنْ مَعَهُ حَمْلَةً مُنْكِرَةً، فَأَلْحَقُوهُمْ بِالْبُيُوتِ، وَوَصَلَ الْعَسْكَرُ إِلَى الْبُيُوتِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النِّسَاءُ صِحْنَ، وَوَلْوَلْنَ، فَغَارَتِ الْعَرَبُ، وَعَاوَدَتِ الْقِتَالَ وَاشْتَدَّ حِينَئِذٍ الْأَمْرُ إِلَى الْمَغْرِبِ، ثُمَّ افْتَرَقُوا، وَقَدْ قُتِلَ مِنْ عَسْكَرِ رَافِعٍ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْ جُنْدِ عَلِيٍّ غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنَ الرَّجَّالَةِ. ثُمَّ خَرَجَ عَسْكَرُ عَلِيٍّ مَرَّةً أُخْرَى، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ مِنَ الْقِتَالِ الْأَوَّلِ، كَانَ الظُّهُورُ فِيهِ

стр. 5147

لِعَسْكَرِ عَلِيٍّ، فَلَمَّا رَأَى رَافِعٌ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِمْ رَحَلَ عَنِ الْمَهْدِيَّةِ لَيْلًا إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَمَنَعَهُ أَهْلُهَا مِنْ دُخُولِهَا، فَقَاتَلَهُمْ أَيَّامًا قَلَائِلَ، ثُمَّ دَخَلَهَا، فَأَرْسَلَ عَلِيٌّ إِلَيْهِ عَسْكَرًا مِنَ الْمَهْدِيَّةِ، فَحَصَرُوهُ فِيهَا إِلَى أَنْ خَرَجَ عَنْهَا، وَعَادَ إِلَى قَابِسَ، ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ إِفْرِيقِيَّةَ، مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، سَأَلُوا عَلِيًّا فِي الصُّلْحِ، فَامْتَنَعَ، ثُمَّ أَجَابَ إِلَى ذَلِكَ، وَتَعَاهَدَ عَلَيْهِ. ذِكْرُ الْوَحْشَةِ بَيْنَ رَجَّارَ وَالْأَمِيرِ عَلِيٍّ كَانَ رَجَّارُ، صَاحِبُ صِقِلِّيَةَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمِيرِ عَلِيٍّ، صَاحِبِ إِفْرِيقِيَّةَ، مَوَدَّةٌ وَكِيدَةٌ، إِلَى أَنْ أَعَانَ رَافِعًا كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلُ، فَاسْتَوْحَشَ كُلُّ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ خَاطَبَهُ رَجَّارُ بِمَا لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُمْ بِهِ، فَتَأَكَّدَتِ الْوَحْشَةُ، فَأَرْسَلَ رَجَّارُ رِسَالَةً فِيهَا خُشُونَةٌ، فَاحْتَرَزَ عَلِيٌّ مِنْهُ، وَأَمَرَ بِتَجْدِيدِ الْأُسْطُولِ، وَإِعْدَادِ الْأُهْبَةِ لِلِّقَاءِ الْعَدُوِّ، وَكَاتَبَ الْمُرَابِطِينَ بِمُرَّاكِشَ فِي الِاجْتِمَاعِ مَعَهُ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى صِقِلِّيَةَ، فَكَفَّ رَجَّارُ عَمَّا كَانَ يَعْتَمِدُهُ. ذِكْرُ قَتْلِ صَاحِبِ حَلْبَ وَاسْتِيلَاءِ إِيلْغَازِي عَلَيْهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ لُؤْلُؤٌ الْخَادِمُ، وَكَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى قَلْعَةِ حَلَبَ وَأَعْمَالِهَا، بَعْدَ وَفَاةِ الْمَلِكِ رِضْوَانَ، وَوَلِيَ أَتَابِكِيَّةَ وَلَدُهُ أَلْب أَرْسِلَانَ، فَلَمَّا مَاتَ أَقَامَ بَعْدَهُ فِي الْمُلْكِ سُلْطَانْشَاهْ بْنُ رِضْوَانَ، وَحَكَمَ فِي دَوْلَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ حُكْمِهِ فِي دَوْلَةِ أَخِيهِ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ السَّنَةُ سَارَ مِنْهَا إِلَى قَلْعَةِ جَعْبَرَ لِيَجْتَمِعَ بِالْأَمِيرِ سَالِمِ بْنِ مَالِكٍ صَاحِبِهَا، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ قَلْعَةِ نَادِرَ نَزَلَ يُرِيقُ الْمَاءَ، فَقَصَدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الْأَتْرَاكِ، وَصَاحُوا: أَرْنَبَ، أَرْنَبَ! وَأَوْهَمُوا أَنَّهُمْ يَتَصَيَّدُونَ، وَرَمَوْهُ بِالنُّشَّابِ، فَقُتِلَ، فَلَمَّا هَلَكَ نَهَبُوا خِزَانَتَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ حَلَبَ، فَاسْتَعَادُوا مَا أَخَذُوهُ. وَوَلِيَ أَتَابِكِيَّةَ سُلْطَانْشَاهْ بْنُ رِضْوَانَ شَمْسُ الْخَوَاصِّ يَارُو قَتَّاشُ، فَبَقِيَ شَهْرًا، وَعَزَلُوهُ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ أَبُو الْمَعَالِي بْنُ الْمِلْحِيِّ الدِّمَشْقِيُّ، ثُمَّ عَزَلُوهُ وَصَادَرُوهُ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ قَتْلِ لُؤْلُؤٍ أَنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ سُلْطَانْشَاهْ، كَمَا قُتِلَ أَخَاهُ أَلْب أَرْسِلَانَ قَبْلَهُ، فَفَطِنَ بِهِ أَصْحَابُ سُلْطَانْشَاهْ، فَقَتَلُوهُ، وَقِيلَ كَانَ قَتْلُهُ سَنَةَ عَشْرٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 5148

ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ حَلَبَ خَافُوا مِنَ الْفِرِنْجِ، فَسَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَى نَجْمِ الدِّينِ إِيلْغَازِي، فَلَمَّا تَسَلَّمَهُ لَمْ يَجِدْ فِيهِ مَالًا، وَلَا ذَخِيرَةً، لِأَنَّ الْخَادِمَ كَانَ قَدْ فَرَّقَ الْجَمِيعَ، وَكَانَ الْمَلِكُ رِضْوَانُ قَدْ جَمَعَ فَأَكْثَرَ، فَرَزَقَهُ اللَّهُ غَيْرَ أَوْلَادِهِ، فَلَمَّا رَأَى إِيلْغَازِي خُلُوَّ الْبَلَدِ مِنَ الْأَمْوَالِ صَادَرَ جَمَاعَةً مِنَ الْخَدَمِ بِمَالٍ صَانَعَ بِهِ الْفِرِنْجَ، وَهَادَنَهُمْ مُدَّةً يَسِيرَةً تَكُونُ بِمِقْدَارِ مَسِيرِهِ إِلَى مَارِدِينَ، وَجَمْعِ الْعَسَاكِرِ وَالْعَوْدِ، فَلَمَّا تَمَّتِ الْهُدْنَةُ سَارَ إِلَى مَارِدِينَ، عَلَى هَذَا الْعَزْمِ، وَاسْتَخْلَفَ بِحَلَبَ ابْنَهُ حُسَامَ الدِّينِ تَمَرْتَاشَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَابِعَ عَشَرَ صَفَرٍ، انْخَسَفَ الْقَمَرُ انْخِسَافًا كُلِّيًّا. وَفِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ هَجَمَ الْفِرِنْجُ عَلَى رَبْضِ حُمَاةَ مِنَ الشَّامِ، وَقَتَلُوا مِنْ أَهْلِهَا مَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةِ رَجُلٍ وَعَادُوا. وَفِيهَا، فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، كَانَتْ زَلْزَلَةٌ بِالْعِرَاقِ، وَالْجَزِيرَةِ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ وَخَرِبَتْ بِبَغْدَاذَ دُورٌ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ أَحْمَدُ الْعَرَبِيُّ بِبَغْدَاذَ، وَكَانَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، لَهُ كَرَامَاتٌ وَقَبْرُهُ يُزَارُ بِهَا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، تُوُفِّيَ أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَبْهَانَ الْكَاتِبُ، وَعُمُرُهُ مِائَةُ سَنَةٍ، وَكَانَ عَالِيَ الْإِسْنَادِ، رَوَى عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَاذَانَ وَغَيْرِهِ، وَالْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ أَبُو عَبْدُ اللَّهِ الشَّقَّاقُ الْفَرَضِيُّ، الْحَاسِبُ، وَكَانَ

стр. 5149

وَاحِدَ عَصْرِهِ فِي عِلْمِ الْفَرَائِضِ وَالْحِسَابِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُهْتَدِي وَغَيْرِهِ. وَفِيهَا مَاتَ الْكُزَايِكْسُ مَلِكُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ يُوحَنَّا وَسَلَكَ سِيرَتَهُ. وَفِيهَا مَاتَ دُوقَسُ أَنْطَاكِيَةَ، وَكَفَى اللَّهُ شَرَّهُ.

стр. 5150

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَة] ٥١٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ بِالْعِرَاقِ وَوِلَايَةِ الْبُرْسُقِيِّ شَحْنَكِيَّةَ بَغْدَاذَ لَمَّا تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مَحْمُودٌ، وَدَبَّرَ دَوْلَتَهُ الْوَزِيرُ الرَّبِيبُ أَبُو مَنْصُورٍ، أَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ يَطْلُبُ أَنْ يُخْطَبَ لَهُ بِبَغْدَاذَ، فَخُطِبَ لَهُ فِي الْجُمُعَةِ ثَالِثَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ، وَكَانَ شِحْنَةُ بَغْدَاذَ بَهْرُوزَ. ثُمَّ إِنَّ الْأَمِيرَ دُبَيْسَ بْنَ صَدَقَةَ كَانَ عِنْدَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، مُذْ قُتِلَ وَالِدُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَأَقْطَعَهُ إِقْطَاعًا كَثِيرًا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ خَاطَبَ السُّلْطَانَ مَحْمُودًا فِي الْعَوْدِ إِلَى بَلَدِهِ الْحِلَّةِ، فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَعَادَ إِلَيْهَا فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْأَكْرَادِ، وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ آقْسُنْقُرُ الْبُرْسُقِيُّ مُقِيمًا بِالرَّحْبَةِ، وَهِيَ إِقْطَاعُهُ، وَلَيْسَ بِيَدِهِ مِنَ الْوِلَايَاتِ شَيْءٌ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا ابْنَهُ عِزَّ الدِّينِ مَسْعُودًا، وَسَارَ إِلَى السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، قَبْلَ مَوْتِهِ، عَازِمًا عَلَى مُخَاطَبَتِهِ فِي زِيَادَةِ إِقْطَاعِهِ، فَبَلَغَهُ وَفَاةُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى بَغْدَاذَ. وَسَمِعَ مُجَاهِدُ الدِّينِ بَهْرُوزُ بِقُرْبِهِ مِنْ بَغْدَاذَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَمْنَعُهُ مِنْ دُخُولِهَا، فَسَارَ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، فَلَقِيَهُ تَوْقِيعُ السُّلْطَانِ بِوِلَايَةِ شِحْنَكِيَّةَ بَغْدَاذَ، وَهُوَ بِحُلْوَانَ، وَعُزِلَ بَهْرُوزَ. وَكَانَ الْأُمَرَاءُ عِنْدَ السُّلْطَانِ يُرِيدُونَ الْبُرْسُقِيَّ، وَيَتَعَصَّبُونَ لَهُ، وَيَكْرَهُونَ مُجَاهِدَ الدِّينِ بَهْرُوزَ، وَيَحْسُدُونَهُ لِلْقُرْبِ الَّذِي كَانَ لَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ وَخَافُوا أَنْ يَزْدَادَ تَقَدُّمًا عِنْدَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ وَحُكْمًا. فَلَمَّا وَلِيَ الْبُرْسُقِيُّ شِحْنَكِيَّةَ بَغْدَاذَ هَرَبَ بَهْرُوزَ إِلَى تِكْرِيتَ، وَكَانَتْ لَهُ.

стр. 5151

ثُمَّ إِنَّ السُّلْطَانَ وَلَّى شِحْنَكِيَّةَ بَغْدَاذَ الْأَمِيرَ مَنْكُوبَرْسَ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ، وَقَدْ حَكَمَ فِي دَوْلَةِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، فَلَمَّا أُعْطِيَ الشِّحْنَكِيَّةَ سَيَّرَ إِلَيْهَا رَبِيبَهُ الْأَمِيرَ حُسَيْنَ بْنَ أَزْبَكَ، أَحَدَ الْأُمَرَاءِ الْأَتْرَاكِ، وَهُوَ صَاحِبُ أَسَدَابَاذَ، لِيَنُوبَ عَنْهُ بِبَغْدَاذَ وَالْعِرَاقَ، وَفَارَقَ السُّلْطَانُ مِنْ بَابِ هَمَذَانَ، وَاتَّصَلَ بِهِ جَمَاعَةُ الْأُمَرَاءِ الْبَكَجِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ. فَلَمَّا سَمِعَ الْبُرْسُقِيُّ خَاطَبَ الْخَلِيفَةَ الْمُسْتَظْهِرَ بِاللَّهِ لِيَأْمُرَهُ بِالتَّوَقُّفِ إِلَى أَنْ يُكَاتِبَ السُّلْطَانَ، وَيَفْعَلَ مَا يَرُدُّ بِهِ الْأَمْرَ عَلَيْهِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ، فَأَجَابَ: إِنْ يَرْسُمِ الْخَلِيفَةُ بِالْعَوْدِ عُدْتُ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ بَغْدَاذَ. فَجَمَعَ الْبُرْسُقِيُّ أَصْحَابَهُ وَسَارَ إِلَيْهِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ أَخٌ لِحُسَيْنٍ، وَانْهَزَمَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَعَادُوا إِلَى عَسْكَرِ السُّلْطَانِ، فَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، قَبْلَ وَفَاةِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ بِأَيَّامٍ. ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَادِسَ عَشَرَ شَهْرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ، تُوُفِّيَ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، وَكَانَ مَرَضُهُ التَّرَاقِيَ، وَكَانَ عُمُرُهُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ، وَخِلَافَتُهُ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَوَزَرَ لَهُ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ جَهِيرٍ، وَسَدِيدُ الْمُلْكِ أَبُو الْمَعَالِي الْمُفَضَّلُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَزَعِيمُ الرُّؤَسَاءِ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ جَهِيرٍ، وَمَجْدُ الدِّينَ أَبُو الْمَعَالِي هِبَةُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَنِظَامُ الدِّينِ أَبُو مَنْصُورٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَنَابَ عَنِ الْوِزَارَةِ أَمِينُ الدَّوْلَةِ أَبُو سَعْدِ بْنُ الْمُوصَلَايَا، وَقَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الدَّامَغَانِيِّ، وَمَضَى، فِي أَيَّامٍ، ثَلَاثَةُ سَلَاطِينَ خَطَبَ لَهُمْ بِالْحَضْرَةِ، وَهُمْ: تَاجُ الدَّوْلَةِ تِتْشُ بْنُ أَلْب أَرْسِلَانَ، وَالسُّلْطَانُ بُرْكِيارُقُ وَمُحَمَّدُ ابْنَا مُلْكِشَاهْ. وَمِنْ غَرِيبِ الِاتِّفَاقِ أَنَّهُ لَمَّا تُوَفِّيَ السُّلْطَانُ أَلْب أَرْسِلَانَ تُوُفِّيَ بَعْدَهُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ مُلْكِشَاهْ تُوُفِّيَ بَعْدَهُ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ تُوُفِّيَ بَعْدَهُ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ.

стр. 5152

ذِكْرُ بَعْضِ أَخْلَاقِهِ وَسِيرَتِهِ كَانَ، ﵁، لَيِّنَ الْجَانِبِ، كَرِيمَ الْأَخْلَاقِ، يُحِبُّ اصْطِنَاعَ النَّاسِ، وَيَفْعَلُ الْخَيْرَ، وَيُسَارِعُ إِلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالْمَثُوبَاتِ، مَشْكُورَ الْمَسَاعِي لَا يَرُدُّ مُكْرُمَةً تُطْلَبُ مِنْهُ. وَكَانَ كَثِيرَ الْوُثُوقِ بِمَنْ يُوَلِّيهِ، غَيْرَ مُصْغٍ إِلَى سَاعٍ، وَلَا مُلْتَفِتٍ إِلَى قَوْلِهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ تَلَوُّنٌ، وَانْحِلَالُ عَزْمٍ، بِأَقْوَالِ أَصْحَابِ الْأَغْرَاضِ. وَكَانَتْ أَيَّامُهُ أَيَّامَ سُرُورٍ لِلرَّعِيَّةِ، فَكَأَنَّهَا مِنْ حُسْنِهَا أَعْيَادٌ، وَكَانَ إِذَا بَلَغَهُ ذَلِكَ فَرِحَ بِهِ وَسَرَّهُ، وَإِذَا تَعَرَّضَ سُلْطَانٌ أَوْ نَائِبٌ لَهُ لِأَذَى أَحَدٍ بَالَغَ فِي إِنْكَارِ ذَلِكَ وَالزَّجْرِ عَنْهُ. وَكَانَ حَسَنَ الْخَطِّ، جَيِّدَ التَّوْقِيعَاتِ، لَا يُقَارِبُهُ فِيهَا أَحَدٌ، يَدُلُّ عَلَى فَضْلٍ غَزِيرٍ، وَعِلْمٍ وَاسِعٍ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ صَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا، وَدُفِنَ فِي حُجْرَةٍ لَهُ كَانَ يَأْلَفُهَا. وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ: أَذَابَ حَرُّ الْهَوَى فِي الْقَلْبِ مَا جَمَدَا ... لَمَّا مَدَدْتُ إِلَى رَسْمِ الْوَدَاعِ يَدَا وَكَيْفَ أَسْلُكُ نَهْجَ الِاصْطِبَارِ وَقَدْ أَرَى ... طَرَائِقَ فِي مَهْوَى الْهَوَى قِدَدَا قَدْ أَخْلَفَ الْوَعْدَ بَدْرٌ قَدْ شُغِفْتُ بِهِ مِنْ ... بَعْدِ مَا قَدْ وَفَى دَهْرِي بِمَا وَعَدَا إِنْ كُنْتُ أَنْقُضُ عَهْدَ الْحُبِّ فِي خَلَدِي ... مِنْ بَعْدِ هَذَا، فَلَا عَايَنْتُهُ أَبَدَا ذِكْرُ خِلَافَةِ الْإِمَامِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ لَمَّا تُوُفِّيَ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ بُويِعَ وَلَدُهُ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ أَبُو الْمَنْصُورِ الْفَضْلُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ، وَكَانَ وَلِيَّ عَهْدٍ قَدْ خُطِبَ لَهُ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَبَايَعَهُ أَخَوَاهُ ابْنَا الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ، وَهُمَا أَبُو عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ، وَأَبُو طَالِبٍ الْعَبَّاسُ،

стр. 5153

وَعُمُومَتُهُ بَنُو الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَالْقُضَاةِ، وَالْأَئِمَّةِ، وَالْأَعْيَانِ. وَكَانَ الْمُتَوَلِّيَ الْبَيْعَةَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ الدَّامَغَانِيُّ، وَكَانَ نَائِبًا عَنِ الْوِزَارَةِ، فَأَقَرَّهُ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَأْخُذِ الْبَيْعَةَ قَاضٍ غَيْرُ هَذَا، وَأَحْمَدُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ لِلْوَاثِقِ بِاللَّهِ، فَإِنَّهُ أَخَذَهَا لِلْوَاثِقِ بِاللَّهِ وَالْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ أَخَذَهَا لِلْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ. ثُمَّ إِنَّ الْمُسْتَرْشِدَ عَزَلَ قَاضِيَ الْقُضَاةِ عَنْ نِيَابَةِ الْوِزَارَةِ، وَاسْتَوْزَرَ أَبَا شُجَاعٍ مُحَمَّدَ بْنَ الرَّبِيبِ أَبِي مَنْصُورٍ، وَزِيرَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، وَكَانَ وَالِدُهُ خَطَبَ فِي مَعْنَى وَلَدِهِ، حَتَّى اسْتَوْزَرَ، وَقَبَضَ عَلَى صَاحِبِ الْمَخْزَنِ أَبِي طَاهِرٍ يُوسُفَ بْنِ أَحْمَدَ الْحُزِّيِّ. ذِكْرُ هَرَبِ الْأَمِيرِ أَبِي الْحَسَنِ أَخِي الْمُسْتَرْشِدِ وَعَوْدِهِ لَمَّا اشْتَغَلَ النَّاسُ بِبَيْعَةِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ، رَكِبَ أَخُوهُ الْأَمِيرُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ سَفِينَةً، وَمَعَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، وَانْحَدَرَ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى دُبَيْسِ بْنِ صَدَقَةَ بِالْحِلَّةِ، فَكَرَّمَهُ دُبَيْسٌ، وَعَلِمَ مِنْهُ وَفَاةَ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ، وَأَقَامَ لَهُ الْإِقَامَاتِ الْكَثِيرَةَ، فَلَمَّا عَلِمَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ خَبَرَهُ أَهَمَّهُ ذَلِكَ وَأَقْلَقَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى دُبَيْسٍ يَطْلُبُ مِنْهُ إِعَادَتَهُ، فَأَجَابَ بِأَنَّنِي عَبْدُ الْخَلِيفَةِ، وَوَاقِفٌ عِنْدَ أَمْرِهِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدَ اسْتَذَمَّ بِي، وَدَخَلَ مَنْزِلِي، فَلَا أُكْرِهُهُ عَلَى أَمْرٍ أَبَدًا. وَكَانَ الرَّسُولُ نَقِيبَ النُّقَبَاءِ شَرَفِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ طَرَّادٍ الزَّيْنَبِيِّ، فَقَصَدَ الْأَمِيرَ أَبَا الْحَسَنِ، وَتَحَدَّثَ مَعَهُ فِي عَوْدِهِ، وَضَمِنَ لَهُ عَنِ الْخَلِيفَةِ كُلَّ مَا يُرِيدُهُ فَأَجَابَ إِلَى الْعَوْدِ، وَقَالَ: إِنَّنِي لَمْ أُفَارِقْ أَخِي لِشَرٍّ أُرِيدُهُ، وَإِنَّمَا الْخَوْفُ حَمَلَنِي عَلَى مُفَارَقَتِهِ، فَإِذَا أَمَّنَنِي قَصَدْتُهُ. وَتَكَفَّلَ دُبَيْسٌ بِإِصْلَاحِ الْحَالِ بِنَفْسِهِ، وَالْمَسِيرِ مَعَهُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَعَادَ النَّقِيبُ وَأَعْلَمَ الْخَلِيفَةَ الْحَالَ، فَأَجَابَ إِلَى مَا طَلَبَهُ مِنْهُ. ثُمَّ حَدَثَ مِنْ أَمْرِ الْبُرْسُقِيِّ وَدُبَيْسٍ وَمَنْكُوبُرْسَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَتَأَخَّرَ الْحَالُ. وَأَقَامَ الْأَمِيرُ أَبُو الْحَسَنِ عِنْدَ دُبَيْسٍ إِلَى ثَانِيَ عَشَرَ صَفَرٍ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، ثُمَّ سَارَ عَنِ الْحِلَّةِ إِلَى وَاسِطَ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ وَقَوِيَ الْإِرْجَافُ بِقُوَّتِهِ، وَمَلَكَ مَدِينَةَ وَاسِطَ، وَخِيفَ جَانِبُهُ، فَتَقَدَّمَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ بِالْخُطْبَةِ لِوَلِيِّ عَهْدِهِ وَلَدِهِ أَبِي

стр. 5154

جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَعُمُرُهُ حِينَئِذٍ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، فَخَطَبَ لَهُ ثَانِيَ رَبِيعٍ الْآخِرِ بِبَغْدَاذَ، وَكَتَبَ إِلَى الْبِلَادِ بِالْخُطْبَةِ لَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى دُبَيْسٍ فِي مَعْنَى الْأَمِيرِ أَبِي الْحَسَنِ، وَأَنَّهُ الْآنَ قَدْ فَارَقَ جِوَارَهُ، وَمَدَّ يَدَهُ إِلَى بِلَادِ الْخَلِيفَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَأَمَرَهُ بِقَصْدِهِ وَمُعَاجَلَتِهِ قَبْلَ قُوَّتِهِ، فَأَرْسَلَ دُبَيْسٌ الْعَسَاكِرَ عَلَيْهِ، فَفَارَقَ وَاسِطَ، وَقَدْ تَحَيَّرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَضَّلُوا الطَّرِيقَ، وَوَصَلَتْ عَسَاكِرُ دُبَيْسٍ، فَصَادَفُوهُمْ عِنْدَ الصُّلْحِ، فَنَهَبُوا أَثْقَالَهُ، وَهَرَبَ الْأَكْرَادُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَالْأَتْرَاكُ، وَعَادَ الْبَاقُونَ إِلَى دُبَيْسٍ. وَبَقِيَ الْأَمِيرُ أَبُو الْحَسَنِ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُوَ عَطْشَانُ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ خَمْسَةُ فَرَاسِخَ، وَكَانَ الزَّمَانُ قَيْظًا، فَأَيْقَنَ بِالتَّلَفِ، وَتَبِعَهُ بَدَوِيَّانِ، فَأَرَادَ الْهَرَبَ مِنْهُمَا، فَلَمْ يَقْدِرْ، فَأَخَذَاهُ، وَقَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْعَطَشُ، فَسَقَيَاهُ، وَحَمَلَاهُ إِلَى دُبَيْسٍ، فَسَيَّرَهُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَحَمَلَهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ، بَعْدَ أَنْ بَذَلَ لَهُ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَحُمِلَ إِلَى الدَّارِ الْعَزِيزَةِ، وَكَانَ بَيْنَ خُرُوجِهِ عَنْهَا وَعَوْدِهِ إِلَيْهَا أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا. وَلَمَّا دَخَلَ عَلَى الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ قَبَّلَ قَدَمَهُ، وَقَبَّلَهُ الْمُسْتَرْشِدُ، وَبَكَيَا، وَأَنْزَلَهُ دَارًا حَسَنَةً كَانَ هُوَ يُسْكُنُهَا قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْخِلَافَةَ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ الْخِلَعَ، وَالتُّحَفَ الْكَثِيرَةَ، وَطَيَّبَ نَفْسَهُ وَأَمَّنَهُ. ذِكْرُ مَسِيرِ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ وَجُيُوشْ بِكْ إِلَى الْعِرَاقِ وَمَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْبُرْسُقِيِّ وَدُبَيْسٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، بَرَزَ الْبُرْسُقِيُّ، وَنَزَلَ بِأَسْفَلِ الرَّقَّةِ فِي عَسْكَرِهِ وَمَنْ مَعَهُ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ عَلَى قَصْدِ الْحِلَّةِ وَإِجْلَاءِ دُبَيْسِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْهَا. وَجَمَعَ دُبَيْسٌ جُمُوعًا كَثِيرَةً مِنَ الْعَرَبِ وَالْأَكْرَادِ، وَفَرَّقَ الْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَ وَالسِّلَاحَ. وَكَانَ الْمَلِكُ مَسْعُودُ بْنُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ بِالْمَوْصِلِ مَعَ أَتَابِكِهِ أَيْ أَبَّهَ جُيُوشْ بِكْ، فَأَشَارَ عَلَيْهِمَا جَمَاعَةٌ مِمَّنْ عِنْدَهُمَا بِقَصْدِ الْعِرَاقِ فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ دُونَهُ فَسَارَا فِي جُيُوشٍ كَثِيرَةٍ، وَمَعَ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ وَزِيرُهُ فَخْرُ الْمُلْكِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ عَمَّارٍ، صَاحِبُ طَرَابُلُسَ، وَقَسِيمُ الدَّوْلَةِ زِنْكِيُّ بْنُ آقْسُنْقُرَ جَدُّ مُلُوكِنَا الْآنَ بِالْمَوْصِلِ، وَكَانَ مِنَ الشَّجَاعَةِ فِي الْغَايَةِ، وَمَعَهُمْ أَيْضًا صَاحِبُ سَنَجَارُ، وَأَبُو الْهَيْجَاءِ، صَاحِبُ إِرْبَلَ، وَكَرَبَاوِيُّ بْنُ خُرَاسَانَ التُّرْكُمَانِيُّ، صَاحِبُ الْبَوَازِيجِ. فَلَمَّا عَلِمَ الْبُرْسُقِيُّ قُرْبَهُمْ خَافَهُمْ.

стр. 5155

وَكَانَ الْبُرْسُقِيُّ قَدِيمًا قَدْ جَعَلَهُ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ أَتَابِكَ وَلَدِهِ مَسْعُودٍ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِنَّمَا كَانَ خَوْفُهُ مِنْ جُيُوشْ بِكْ، فَلَمَّا قَارَبُوا بَغْدَاذَ سَارَ إِلَيْهِمْ لِيُقَاتِلَهُمْ وَيَصُدَّهُمْ، فَلَمَّا عَلِمَ مَسْعُودٌ وَجُيُوشْ بِكْ ذَلِكَ أَرْسَلَا إِلَيْهِ الْأَمِيرَ كَرَبَاوِيَّ فِي الصُّلْحِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا جَاءُوا نَجْدَةً لَهُ عَلَى دُبَيْسٍ، وَاصْطَلَحُوا، وَتَعَاهَدُوا، وَاجْتَمَعُوا. وَوَصَلَ مَسْعُودٌ إِلَى بَغْدَاذَ، وَنَزَلَ بِدَارِ الْمَمْلَكَةِ، وَوَصَلَهُمُ الْخَبَرُ بِوُصُولِ الْأَمِيرِ عِمَادِ الدِّينِ مَنْكُبَرْسَ، الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ، فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ فَسَارَ الْبُرْسُقِيُّ عَنْ بَغْدَاذَ نَحْوَهُ لِيُحَارِبَهُ وَيَمْنَعَهُ عَنْهَا، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِ مَنْكُبَرْسُ قَصَدَ النُّعْمَانِيَّةَ، وَعَبَرَ دِجْلَةَ هُنَاكَ، وَاجْتَمَعَ هُوَ وَدُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ. وَكَانَ دُبَيْسٌ قَدْ خَافَ مِنَ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ الْبُرْسُقِيِّ، فَبَنَى أَمْرَهُ عَلَى الْمُحَاجَزَةِ وَالْمُلَاطَفَةِ، فَأَهْدَى لِمَسْعُودٍ هَدِيَّةً حَسَنَةً، وَلِلْبُرْسُقِيِّ، وَجُيُوشْ بِكْ، فَلَمَّا وَصَلَهُ خَبَرُ وَصُولِ مَنْكُبَرْسَ رَاسَلَهُ، وَاسْتَمَالَهُ، وَاسْتَحْلَفَهُ، وَاتَّفَقَا عَلَى التَّعَاضُدِ وَالتَّنَاصُرِ، وَاجْتَمَعَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَوِيَ بِصَاحِبِهِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَا سَارَ الْمَلِكُ مَسْعُودٌ، وَالْبُرْسُقِيُّ، وَجُيُوشْ بِكْ، وَمَنْ مَعَهُمْ، إِلَى الْمَدَائِنِ لِلِقَاءِ دُبَيْسٍ وَمَنْكُبَرْسَ، فَلَمَّا وَصَلُوا الْمَدَائِنَ أَتَتْهُمُ الْأَخْبَارُ بِكَثْرَةِ الْجَمْعِ مَعَهُمَا، فَعَادَ الْبُرْسُقِيُّ، وَالْمَلِكُ مَسْعُودٌ، وَعَبَرَا نَهَرَ صَرْصَرَ، وَحَفِظَا الْمَخَاضَاتِ عَلَيْهِ، وَنَهَبَتِ الطَّائِفَتَانِ السَّوَادَ نَهْبًا فَاحِشًا: نَهْرَ الْمَلِكِ، وَنَهْرَ صَرْصَرَ، وَنَهْرَ عِيسَى، وَبَعْضَ دُجَيْلَ، وَاسْتَبَاحُوا النِّسَاءَ. فَأَرْسَلَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ إِلَى الْمَلِكِ مَسْعُودٍ وَالْبُرْسُقِيِّ يُنْكِرُ هَذِهِ الْحَالَ، وَيَأْمُرُهُمَا بِحَقْنِ الدِّمَاءِ، وَتَرْكِ الْفَسَادِ، وَيَأْمُرُ بِالْمُوَادَعَةِ وَالْمُصَالَحَةِ، وَكَانَ الرُّسُلُ: سَدِيدَ الدَّوْلَةِ بْنَ الْأَنْبَارِيِّ، وَالْإِمَامَ الْأَسْعَدَ الْمِيهَنِيَّ، مُدَرِّسَ النِّظَامِيَّةِ، فَأَنْكَرَ الْبُرْسُقِيُّ أَنْ يَكُونَ جَرَى مِنْهُمَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَأَجَابَ إِلَى الْعَوْدِ إِلَى بَغْدَاذَ، فَوَصَلَ مَنْ أَخْبَرَهُ أَنْ مَنْكُبَرْسَ وَدُبَيْسًا قَدْ جَهَّزَا ثَلَاثَةَ آلَافِ فَارِسٍ مَعَ مَنْصُورٍ أَخِي دُبَيْسٍ، وَالْأَمِيرِ حُسَيْنِ بْنِ أَزْبِكَ، رَبِيبِ مَنْكُبَرْسَ، وَسَيَّرُوهُمْ، وَعَبَرُوا عِنْدَ دَرْزِيجَانَ لِيَقْطَعُوا مَخَاضَةَ عِنْدَ دَيَالَى إِلَى بَغْدَاذَ، لِخُلُوِّهَا مِنْ عَسْكَرٍ يَحْمِيهَا وَيَمْنَعُ عَنْهَا. فَعَادَ الْبُرْسُقِيُّ إِلَى بَغْدَاذَ، وَعَبَرَ الْجِسْرَ لِئَلَّا يَخَافَ النَّاسُ، وَلَمْ يَعْلَمُوا الْخَبَرَ وَخَلَّفَ ابْنَهُ عِزَّ الدِّينِ مَسْعُودًا عَلَى عَسْكَرِهِ بِصَرْصَرَ، وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ عِمَادَ الدِّينِ زِنْكِيَّ بْنَ آقْسُنْقُرَ، فَوَصَلَ إِلَى دَيَالَى، وَمَنَعَ عَسْكَرَ مَنْكُبَرْسَ مِنَ الْعُبُورِ، فَأَقَامَ يَوْمَيْنِ،

стр. 5156

فَأَتَاهُ كِتَابُ ابْنِهِ عِزِّ الدِّينِ مَسْعُودٍ يُخْبِرُهُ أَنَّ الصُّلْحَ قَدِ اسْتَقَرَّ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَانْكَسَرَ نَشَاطُهُ، حَيْثُ جَرَى هَذَا الْأَمْرُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَعَادَ نَحْوَ بَغْدَاذَ، وَعَبَرَ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَعَبَرَ مَنْصُورٌ وَحُسَيْنٌ فَسَارَا فِي عَسْكَرِهِمَا خَلْفَهُ، فَوَصَلَا بَغْدَاذَ عِنْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَنَزَلَا عِنْدَ جَامِعِ السُّلْطَانِ. وَسَارَ الْبُرْسُقِيُّ إِلَى الْمَلِكِ مَسْعُودٍ فَأَخَذَ بَرَكَهُ وَمَالَهُ وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ فَخَيَّمَ عِنْدَ الْقَنْطَرَةِ الْعَتِيقَةِ، وَأَصْعَدَ الْمَلِكُ مَسْعُودٌ، وَجُيُوشْ بِكْ، فَنَزَلَا عِنْدَ الْبِيمَارِسْتَانِ، وَأَصْعَدَ دُبَيْسٌ وَمَنْكُبَرْسُ فَخَيَّمَا تَحْتَ الرَّقَّةِ، وَأَقَامَ عِزُّ الدِّينِ مَسْعُودُ بْنُ الْبُرْسُقِيِّ عِنْدَ مَنْكُبَرْسَ مُنْفَرِدًا عَنْ أَبِيهِ. وَكَانَ سَبَبُ هَذَا الصُّلْحِ أَنَّ جُيُوشْ بِكْ كَانَ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ لَهُ وَلِلْمَلِكِ مَسْعُودٍ، فَوَصَلَ كِتَابُ الرَّسُولِ مِنَ الْعَسْكَرِ يَذْكُرُ أَنَّهُ لَقِيَ مِنَ السُّلْطَانِ إِحْسَانًا كَثِيرًا، وَأَنَّهُ أَقْطَعَهُمَا أَذْرَبِيجَانَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ رَحِيلُهُمَا إِلَى بَغْدَاذَ اعْتَقَدَ أَنَّهُمَا قَدْ عَصَيَا عَلَيْهِ، فَعَادَ عَمَّا كَانَ اسْتَقِرَّ، وَيَقُولُ إِنَّ السُّلْطَانَ قَدْ جَهَّزَ عَسْكَرًا إِلَى الْمَوْصِلِ، فَوَقَعَ الْكِتَابُ بِيَدِ مَنْكُبَرْسَ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى جُيُوشْ بِكْ، وَضَمِنَ لَهُ إِصْلَاحَ السُّلْطَانِ لَهُ وَلِلْمَلِكِ مَسْعُودٍ، وَكَانَ مَنْكُبَرْسَ مُتَزَوِّجًا بِأُمِّ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ، وَاسْمُهَا سَرْجَهَانَ، وَكَانَ يُؤْثِرُ مَصْلَحَتَهُ لِذَلِكَ وَاسْتَقَرَّ الصُّلْحُ، وَخَافَا مِنَ الْبُرْسُقِيِّ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ، فَاتَّفَقَا عَلَى إِرْسَالِ الْعَسْكَرِ دَرْزِيجَانَ لِيَنْفُذَ فِي مُقَابَلَتِهِ الْبُرْسُقِيُّ لِيَخْلُوَ الْعَسْكَرُ مِنْهُ، وَيَقَعَ الِاتِّفَاقُ، فَكَانَ الْأَمْرُ فِي مَسِيرِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَكَانَ الْبُرْسُقِيُّ مَحْبُوبًا لَدَى أَهْلِ بَغْدَاذَ لِحُسْنِ سِيرَتِهِ فِيهِمْ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الصُّلْحُ وَوَصَلُوا إِلَى بَغْدَاذَ، تَفَرَّقَ عَنِ الْبُرْسُقِيِّ أَصْحَابُهُ وَجُمُوعُهُ، وَبَطَلَ مَا كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ التَّغَلُّبِ عَلَى الْعِرَاقِ بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ، وَسَارَ عَنِ الْعِرَاقِ إِلَى الْمَلِكِ مَسْعُودٍ، فَأَقَامَ مَعَهُ، وَاسْتَقَرَّ مَنْكُبَرْسَ فِي شِحْنَكِيَّةَ بَغْدَاذَ، وَوَدَّعَهُ دُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ، وَعَادَ إِلَى الْحِلَّةِ، بَعْدَ أَنْ طَالَبَ بِدَارِ أَبِيهِ بِدَرْبِ فَيْرُوزَ وَكَانَتْ قَدْ دَخَلَتْ فِي جَامِعِ الْقَصْرِ بِبَغْدَاذَ، فَصُولِحَ عَنْهَا بِمَالٍ. وَأَقَامَ مَنْكُبَرْسَ بِبَغْدَاذَ يَظْلِمُ، وَيَعْسِفُ الرَّعِيَّةَ، وَيُصَادِرُهُمْ، فَاخْتَفَى أَرْبَابُ

стр. 5157

الْأَمْوَالِ، وَانْتَقَلَ جَمَاعَةٌ إِلَى حَرِيمِ دَارِ الْخِلَافَةِ خَوْفًا مِنْهُ، وَبَطَلَتْ مَعَايِشُ النَّاسِ، وَأَكْثَرَ أَصْحَابُهُ الْفَسَادَ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ أَهْلِ بَغْدَاذَ زُفَّتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ تَزَوَّجَهَا، فَعَلِمَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَنْكُبَرْسَ، فَأَتَاهُ وَكَسَرَ الْبَابَ وَجَرَحَ الزَّوْجَ عِدَّةَ جِرَاحَاتٍ، وَابْتَنَى بِزَوْجَتِهِ، فَكَثُرَ الدُّعَاءُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَاسْتَغَاثَ النَّاسُ لِهَذِهِ الْحَالِ، وَأَغْلَقُوا الْأَسْوَاقَ، فَأُخِذَ الْجُنْدِيُّ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ فَاعْتُقِلَ أَيَّامًا ثُمَّ أُطْلِقَ. وَسَمِعَ السُّلْطَانُ بِمَا يَفْعَلُهُ مَنْكُبَرْسُ بِبَغْدَاذَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَسْتَدْعِيهِ، وَيَحُثُّهُ عَلَى اللُّحُوقِ بِهِ، وَهُوَ يُغَالِطُ وَيُدَافِعُ، وَكُلَّمَا طَلَبَهُ السُّلْطَانُ لَجَّ فِي جَمْعِ الْأَمْوَالِ وَالْمُصَادَرَاتِ. فَلَمَّا عَلِمَ أَهْلُ بَغْدَاذَ تَغَيَّرَ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ، وَاسْتَدْعَاهُ إِيَّاهُ طَمِعُوا فِيهِ، فَسَارَ حِينَئِذٍ مَنْكُبَرْسُ عَنْهُمْ خَوْفًا أَنْ يَثُورُوا بِهِ، وَكَفَى النَّاسَ شَرَّهُ وَظَهَرَ مَنْ كَانَ مُسْتَتِرًا. ذِكْرُ وَفَاةِ مَلِكِ الْفِرِنْجِ وَمَا كَانَ بَيْنَ الْفِرِنْجِ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ تُوُفِّيَ بَغْدُوِينُ مَلِكُ الْقُدْسِ وَكَانَ قَدْ سَارَ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ فِي جَمْعِ الْفِرِنْجِ، قَاصِدًا مُلْكَهَا وَالتَّغَلُّبَ عَلَيْهَا وَقَوِيَ طَمَعُهُ فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَبَلَغَ مَقَابِلَ تَنِّيسَ، وَسَبَحَ فِي النِّيلِ، فَانْتَقَضَ جُرْحٌ كَانَ بِهِ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالْمَوْتِ عَادَ إِلَى الْقُدْسِ، فَمَاتَ، وَوَصَّى بِبِلَادِهِ لِلْقُمَّصِ صَاحِبِ الرُّهَا، وَهُوَ الَّذِي كَانَ أَسَرَهُ جَكَرْمِشُ، وَأَطْلَقَهُ جَاوْلِي سَقَّاوُو، وَاتَّفَقَ أَنَّ هَذَا الْقُمَّصَ كَانَ قَدْ سَارَ إِلَى الْقُدْسِ يَزُورُ بِيعَةَ قُمَامَةَ، فَلَمَّا وَصَّى إِلَيْهِ بِالْمُلْكِ قَبِلَهُ، وَاجْتَمَعَ لَهُ الْقُدْسُ وَالرُّهَا. وَكَانَ أَتَابِكُ طُغْتِكِينُ قَدْ سَارَ عَنْ دِمَشْقَ لِقِتَالِ الْفِرِنْجِ، فَنَزَلَ بَيْنَ دَيْرِ أَيُّوبَ وَكَفْرِ بَصَلٍ بِالْيَرْمُوكِ، فَخَفِيَتْ عَنْهُ وَفَاةُ بَغْدُوِينَ، حَتَّى سَمِعَ الْخَبَرَ بَعْدَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَبَيْنَهُمْ نَحْوُ يَوْمَيْنِ، فَأَتَتْهُ رُسُلُ مَلِكِ الْفِرِنْجِ يَطْلُبُ الْمُهَادَنَةَ، فَاقْتَرَحَ عَلَيْهِ طُغْتِكِينُ تَرْكَ الْمُنَاصَفَةِ الَّتِي بَيْنَهُمْ مِنْ جَبَلِ عَوْفٍ، وَالْحَنَّانَةِ، وَالصَّلْتِ، وَالْغَوْرِ، فَلَمْ يُجِبْ

стр. 5158

إِلَى ذَلِكَ، وَأَظْهَرَ الْقُوَّةَ، فَسَارَ طُغْتِكِينُ إِلَى طَبَرِيَّةَ فَنَهَبَهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَسَارَ مِنْهَا نَحْوَ عَسْقَلَانَ. وَكَانَتْ لِلْمِصْرِيِّينَ وَبِهَا عَسَاكِرُهُمْ، وَكَانُوا قَدْ سَيَّرُوهَا لَمَّا عَادَ مَلَكُ الْقُدْسِ الْمُتَوَفَّى عَنْ مِصْرَ، وَكَانُوا سَبْعَةَ آلَافِ فَارِسٍ، فَاجْتَمَعَ بِهِمْ طُغْتِكِينُ، وَأَعْلَمَهُ الْمُقْدَّمُ عَلَيْهِمْ أَنَّ صَاحَبَهُمْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بِالْوُقُوفِ عِنْدَ رَأْيِ طُغْتِكِينَ، وَالتَّصَرُّفِ عَلَى مَا يَحْكُمُ بِهِ، فَأَقَامُوا بِعَسْقَلَانَ نَحْوَ شَهْرَيْنِ، وَلَمْ يُؤَثِّرُوا فِي الْفِرِنْجِ أَثَرًا، فَعَادَ طُغْتِكِينُ إِلَى دِمَشْقَ، فَأَتَاهُ الصَّرِيخُ بِأَنَّ مِائَةً وَثَلَاثِينَ فَارِسًا مِنَ الْفِرِنْجِ أَخَذُوا حِصْنًا مِنْ أَعْمَالِهِ يُعْرَفُ بِالْحَبْسِ، يُعْرَفُ بِحِصْنِ جَلْدَكَ، سَلَّمَهُ إِلَيْهِمُ الْمُسْتَحْفِظُ بِهِ وَقَصَدُوا أَذَرِعَاتَ فَنَهَبُوهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ تَاجُ الْمُلُوكِ بُورِيُّ بْنُ طُغْتِكِينَ، فَانْحَازُوا عَنْهُ إِلَى جَبَلٍ هُنَاكَ، فَنَازَلَهُمْ، فَأَتَاهُ أَبُوهُ وَنَهَاهُ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَطَمِعَ فِيهِمْ فَلَمَّا أَيِسَ الْفِرِنْجُ قَاتَلُوا قِتَالَ مُسْتَقْتِلٍ، فَنَزَلُوا مِنَ الْجَبَلِ وَحَمَلُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَمْلَةً صَادِقَةً هَزَمُوهُمْ بِهَا، وَأَسَرُوا وَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا، وَعَادَ الْفَلُّ إِلَى دِمَشْقَ عَلَى أَسْوَأِ حَالٍ. فَسَارَ طُغْتِكِينُ إِلَى حَلَبَ، وَبِهَا إِيلْغَازِي، فَاسْتَنْجَدَهُ، وَطَلَبَ مِنْهُ التَّعَاضُدَ عَلَى الْفِرِنْجِ، فَوَعَدَهُ بِالْمَسِيرِ مَعَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ بِحَلَبَ أَتَاهُ الْخَبَرُ بِأَنَّ الْفِرِنْجَ قَصَدُوا حَوْرَانَ مِنْ أَعْمَالِ دِمَشْقَ، فَنَهَبُوا وَقَتَلُوا وَسَبَوْا وَعَادُوا، فَاتَّفَقَ رَأْيُ طُغْتِكِينَ وَإِيلْغَازِي عَلَى عَوْدِ طُغْتِكِينَ إِلَى دِمَشْقَ، وَحِمَايَةِ بِلَادِهِ، وَعَوْدِ إِيلْغَازِي إِلَى مَارِدِينَ، وَجَمْعِ الْعَسَاكِرِ، وَالِاجْتِمَاعِ عَلَى حَرْبِ الْفِرِنْجِ فَصَالَحَ إِيلْغَازِي مَنْ يَلِيهُ مِنَ الْفِرِنْجِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَعَبَرَ إِلَى مَارِدِينَ لِجَمْعِ الْعَسَاكِرِ، وَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْقَطَعَ الْغَيْثُ، وَعَدِمَتِ الْغَلَّاتُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ، وَكَانَ أَشَدُّهُ بِالْعِرَاقِ، فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ، وَأَجْلَى أَهْلُ السَّوَادِ، وَتَقَوَّتَ النَّاسُ بِالنُّخَالَةِ، وَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى أَهْلِ بَغْدَاذَ بِمَا كَانَ يَفْعَلُهُ مَنْكُبَرْسُ بِهِمْ. وَفِيهَا أَسْقَطَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ مِنَ الْإِقْطَاعِ الْمُخْتَصِّ بِهِ كُلَّ جَوْرٍ، وَأَمَرَ أَنْ لَا يُؤْخَذَ إِلَّا مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْقَدِيمَةُ، وَأَطْلَقَ ضَمَانَ غَزْلِ الذَّهَبِ، وَكَانَ صُنَّاعُ السِّقْلَاطُونِ، وَالْمُمَزَّجِ، وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَعْمَلُ مِنْهُ، يَلْقَوْنَ شِدَّةً مِنَ الْعُمَّالِ عَلَيْهَا، وَأَذًى عَظِيمًا.

стр. 5159

وَفِيهَا تَأَخَّرَ مَسِيرُ الْحَجَّاجِ تَأَخُّرًا أُرْجِفَ بِسَبَبِهِ بِانْقِطَاعِ الْحَجِّ مِنَ الْعِرَاقِ فَرَتَّبَ الْخَلِيفَةُ الْأَمِيرَ نَظَرَ، خَادِمَ أَمِيرِ الْجُيُوشِ يُمْنَ، وَوَلَّاهُ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ مَا كَانَ يَتَوَلَّاهُ أَمِيرُ الْجُيُوشِ، وَأَعْطَاهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي طَرِيقِهِ، وَسَيَّرَهُ، فَأَدْرَكُوا الْحَجَّ وَظَهَرَتْ كِفَايَةُ نَظَرَ. وَفِيهَا وَصَلَ مَرْكِبَانِ كَبِيرَانِ فِيهِمَا قُوَّةٌ وَنَجْدَةٌ لِلْفِرِنْجِ بِالشَّامِ، فَغَرِقَا، وَكَانَ النَّاسُ قَدْ خَافُوا مِمَّنْ فِيهِمَا. وَفِيهَا وَصَلَ رَسُولُ إِيلْغَازِي، صَاحِبُ حَلْبَ وَمَارِدِينَ، إِلَى بَغْدَاذَ يَسْتَنْفِرُ عَلَى الْفِرِنْجِ، وَيَذْكُرُ مَا فَعَلُوا بِالْمُسْلِمِينَ فِي الدِّيَارِ الْجَزَرِيَّةِ، وَأَنَّهُمْ مَلَكُوا قَلْعَةً عِنْدَ الرُّهَا، وَقَتَلُوا أَمِيرَهَا ابْنَ عُطَيْرٍ، فَسُيِّرَتِ الْكُتُبُ بِذَلِكَ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ. وَفِيهَا نُقِلَ الْمُسْتَظْهِرُ إِلَى الرُّصَافَةِ، وَجَمِيعُ مَنْ كَانَ مَدْفُونًا بِدَارِ الْخِلَافَةِ، وَفِيهِمْ جَدَّةُ الْمُسْتَظْهِرِ أُمُّ الْمُقْتَدِي، وَكَانَتْ وَفَاتُهَا بَعْدَ الْمُسْتَظْهِرِ، وَرَأَتِ الْبَطْنَ الرَّابِعَ مِنْ أَوْلَادِهَا. وَفِيهَا كَثُرَ أَمْرُ الْعَيَّارِينِ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ بَغْدَاذَ، فَعَبَرَ إِلَيْهِمْ نَائِبُ الشِّحْنَةِ فِي خَمْسِينَ غُلَامًا أَتْرَاكًا، فَقَاتَلَهُمْ، فَانْهَزَمَ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَبَرَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْغَدِ فِي مِائَتَيْ غُلَامٍ، فَلَمْ يَظْفَرْ بِهِمْ، وَنَهَبَ الْعَيَّارُونَ يَوْمَئِذٍ قُطُفْتَا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَعْبَانَ، تُوُفِّيَ أَبُو الْفَضْلِ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْفَضْلِ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ وَلَدِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ مِنْ بَلَدِ بُخَارَى، وَكَانَ مِنْ أَعْيَانِ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ، حَافِظًا لِلْمَذْهَبِ. وَتُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الزَّيْنَبِيُّ، نَقِيبُ النُّقَبَاءِ بِبَغْدَاذَ، فِي صَفَرٍ، وَاسْتَقَالَ مِنَ النِّقَابَةِ، فَوَلِيَهَا أَخُوهُ طَرَّادٌ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَرَوَى الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ.

стр. 5160

وَفِيهَا، فِي ذِي الْحِجَّةِ، تُوُفِّيَ أَبُو زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مَنْدَهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، الْمُحَدِّثُ الْمَشْهُورُ مِنْ بَيْتِ الْحَدِيثِ، وَلَهُ فِيهِ تَصَانِيفُ حَسَنَةٌ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ الْخَازِنِ، وَكَانَ أَدِيبًا، ظَرِيفًا، لَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ، وَقَدْ قَصَدَ زِيَارَةَ صَدِيقٍ لَهُ، فَلَمْ يَرَهُ، فَأَدْخَلَهُ غِلْمَانُهُ إِلَى بُسْتَانٍ فِي الدَّارِ، وَحَمَّامٍ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ: وَافَيْتُ مَنْزِلَهُ، فَلَمْ أَرَ صَاحِبًا ... إِلَّا تَلَقَّانِي بِوَجْهٍ ضَاحِكِ وَالْبِشْرُ فِي وَجْهِ الْغُلَامِ نَتِيجَةٌ ... لِمُقَدِّمَاتِ ضِيَاءِ وَجْهِ الْمَالِكِ وَدَخَلْتُ جَنَّتَهُ، وَزُرْتُ جَحِيمَهُ ... فَشَكَرْتُ رِضْوَانًا وَرَأْفَةَ مَالِكِ

стр. 5161

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ] ٥١٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ عِصْيَانِ الْمَلِكِ طُغْرَلَ عَلَى أَخِيهِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ كَانَ الْمَلِكُ طُغْرَلُ بْنُ مُحَمَّدٍ لَمَّا تُوَفِّيَ وَالِدُهُ بِقَلْعَةِ سَرْجَهَانَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِمِائَةٍ فِي الْمُحَرَّمِ، وَأَقْطَعَهُ وَالِدُهُ، سَنَةَ أَرْبَعٍ، سَاوَةَ وَآوَةَ وَزَنْجَانَ، وَجَعَلَ أَتَابِكَهُ الْأَمِيرَ شِيرِكِيرَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي حِصَارِ قِلَاعِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، فَازْدَادَ مُلْكُ طُغْرَلَ بِمَا فَتَحَهُ شِيرِكِيرُ مِنْ قِلَاعِهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ الْأَمِيرُ كُنْتَغْدِي لِيَكُونَ أَتَابِكًا لَهُ، وَمُدَبِّرًا لِأَمْرِهِ، وَيَحْمِلَهُ إِلَيْهِ فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ حَسَّنَ لَهُ مُخَالَفَةَ أَخِيهِ، وَتَرْكِ الْمَجِيءِ إِلَيْهِ، وَاتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ. وَسَمِعَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ الْخَبَرَ، فَأَرْسَلَ شَرَفَ الدِّينِ أَنُوشُرْوَانَ بْنَ خَالِدٍ، وَمَعَهُ خِلَعٌ، وَتُحَفٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَوَعَدَهُ أَخَاهُ بِإِقْطَاعٍ كَثِيرٍ، زِيَادَةً عَلَى مَا لَهُ، إِذَا قَصَدَهُ، وَاجْتَمَعَ بِهِ، فَلَمْ تَقَعِ الْإِجَابَةُ إِلَى الِاجْتِمَاعِ، وَأَجَابَ كُنْتَغْدِي بِأَنَّنَا فِي طَاعَةِ السُّلْطَانِ، وَأَيَّ جِهَةٍ أَرَادَ قَصَدْنَاهَا، وَمَعَنَا مِنَ الْعَسَاكِرِ مَا نُقَاوِمُ بِهَا مَنْ يَرْسُمُ بِقَصْدِهِ. فَبَيْنَمَا الْخَوْضُ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ رَكِبَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ مِنْ بَابِ هَمَذَانَ فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ، جَرِيدَةً فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَكَتَمَ مَقْصِدَهُ، وَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَكْبِسَ أَخَاهُ، وَالْأَمِيرَ كُنْتَغْدِي، فَرَأَى أَحَدُ خَوَاصِّهِ تُرْكِيًّا مِنْ أَصْحَابِ الْمَلِكِ طُغْرَلَ، فَأَعْلَمَ السُّلْطَانَ بِهِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، فَعَلِمَ رَفِيقٌ كَانَ مَعَهُ الْحَالَ، فَسَارَ عِشْرِينَ فَرْسَخًا فِي لَيْلَةٍ، وَوَصَلَ إِلَى الْأَمِيرِ كُنْتَغْدِي، وَهُوَ سَكْرَانُ، فَأَيْقَظَهُ بَعْدَ جُهْدٍ، وَأَعْلَمَهُ الْحَالَ، فَقَصَدَ الْمَلِكَ طُغْرَلَ، فَعَرَّفَهُ ذَلِكَ، وَأَخَذَ مُتَخَفِّيًا، وَقَصَدَ قَلْعَةَ سَمِيرَانَ فَضَلَّا عَنِ الطَّرِيقِ إِلَى قَلْعَةِ

стр. 5162

سَرَجَهَانَ، وَكَانَا قَدْ فَارَقَاهَا وَجَمَعَا الْعَسَاكِرَ، وَكَانَ ضَلَالُهُمَا هِدَايَةً لَهُمَا إِلَى السَّلَامَةِ، فَإِنَّ السُّلْطَانَ مَحْمُودًا جَعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى سَمِيرَانَ، وَقَالَ: إِنَّهَا حِصْنُهُمَا الَّذِي فِيهِ الذَّخَائِرُ وَالْأَمْوَالُ،، وَإِذَا عَلِمَا بِوُصُولِهِ إِلَيْهِمَا، فَرُبَّمَا صَادَفَهُمَا فِي الطَّرِيقِ، فَسَلِمَا مِنْهُ بِمَا ظَنَّاهُ عَطَبًا لَهُمَا. وَوَصَلَ السُّلْطَانُ إِلَى الْعَسْكَرِ، فَكَبَسَهُ وَنَهَبَهُ، وَأَخَذَ مِنْ خِزَانَةِ أَخِيهِ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَذَلِكَ الْمَالُ الَّذِي أَنْفَذَهُ لَهُ، وَأَقَامَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ بِزَنْجَانَ، وَتَوَجَّهَ مِنْهَا إِلَى الرَّيِّ، وَنَزَلَ طُغْرَلُ مِنْ سَرْجَهَانَ، وَلَحِقَ هُوَ وَكُنْتَغْدِي بِكَنْجَةَ وَقَصَدَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، وَتَمَكَّنَتِ الْوَحْشَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ مَحْمُودٍ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ سَنْجَرَ وَالسُّلْطَانِ مَحْمُودٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، كَانَتْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ بَيْنَ سَنْجَرَ وَابْنِ أَخِيهِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ سِيَاقَةَ ذَلِكَ: قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِمِائَةٍ مَسِيرَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ إِلَى غَزْنَةَ، وَفَتْحَهَا وَمَا كَانَ مِنْهُ فِيهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ وَفَاةُ أَخِيهِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَجُلُوسُ وَلَدِهِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ فِي السَّلْطَنَةِ وَهُوَ زَوْجُ ابْنَةِ سَنْجَرَ، لَحِقَهُ حُزْنٌ عَظِيمٌ لِمَوْتِ أَخِيهِ، وَأَظْهَرَ مِنَ الْجَزَعِ وَالْحُزْنِ مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَجَلَسَ لِلْعَزَاءِ عَلَى الرَّمَادِ، وَأَغْلَقَ الْبَلَدَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الْخُطَبَاءِ بِذِكْرِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ بِمَحَاسِنِ أَعْمَالِهِ مِنْ قِتَالِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَإِطْلَاقِ الْمُكُوسِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَانَ سَنْجَرُ يُلَقَّبُ بِنَاصِرِ الدِّينِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَخُوهُ مُحَمَّدٌ تَلَقَّبَ بِمُعِزِّ الدِّينِ، وَهُوَ لَقَبُ أَبِيهِ مُلْكِشَاهْ، وَعَزَمَ عَلَى قَصْدِ بَلَدِ الْجِبَالِ وَالْعِرَاقِ وَمَا بِيَدِ مَحْمُودِ ابْنِ أَخِيهِ، فَنَدِمَ عَلَى قَتْلِ وَزِيرِهِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ فَخْرِ الْمُلْكِ أَبِي الْمُظَفَّرِ بْنِ نِظَامِ الْمُلْكِ. وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ وَحَّشَ الْأُمَرَاءَ، وَاسْتَخَفَّ بِهِمْ، فَأَبْغَضُوهُ وَكَرِهُوهُ، وَشَكَوْا مِنْهُ إِلَى السُّلْطَانِ، وَهُوَ بِغَزْنَةَ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يُؤْثِرُ قَتْلَهُ، وَلَيْسَ يُمْكِنُهُ فِعْلُ ذَلِكَ بِغَزْنَةَ. وَكَانَ سَنْجَرُ قَدْ تَغَيَّرَ عَلَى وَزِيرِهِ لِأَسْبَابٍ مِنْهَا: أَنَّهُ أَشَارَ عَلَيْهِ بِقَصْدِ غَزْنَةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بُسْتَ أَرْسَلَ أَرْسِلَانْشَاهْ صَاحِبُهَا إِلَى الْوَزِيرِ، وَضَمِنَ لَهُ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ لِيَثْنِيَ سَنْجَرَ عَنْ قَصْدِهِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِمُصَالَحَتِهِ، وَالْعَوْدِ عَنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ.

стр. 5163

وَمِنْهَا: أَنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ غَزْنَةَ أَمْوَالًا جَلِيلَةً عَظِيمَةَ الْمِقْدَارِ. وَمِنْهَا: مَا ذُكِرَ مِنْ إِيحَاشِهِ الْأُمَرَاءَ وَغَيْرِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ. فَلَمَّا عَادَ إِلَى بَلْخَ قَبَضَ عَلَيْهِ، وَقَتَلَهُ وَأَخَذَ مَالَهُ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَالْأَمْوَالِ مَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَالَّذِي وُجِدَ لَهُ مِنَ الْعَيْنِ أَلْفَا أَلْفِ دِينَارٍ، فَلَمَّا قَتَلَهُ اسْتَوْزَرَ بَعْدَهُ شِهَابَ الْإِسْلَامِ عَبْدَ الرَّزَّاقِ بْنَ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْفَقِيهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ مَنْزِلَةُ ابْنِ فَخْرِ الْمُلْكِ عِنْدَ النَّاسِ فِي عُلُوِّ الْمَنْزِلَةِ. فَلَمَّا اتَّصَلَ بِهِ وَفَاةُ أَخِيهِ نَدِمَ عَلَى قَتْلِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَبْلُغُ بِهِ مِنَ الْأَغْرَاضِ وَالْمُلْكِ مَا لَا يَبْلُغُهُ بِكَثْرَةِ الْعَسَاكِرِ لِمَيْلِ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَمَحَلِّهِ عِنْدَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ السُّلْطَانَ مَحْمُودًا أَرْسَلَ إِلَى عَمِّهِ سَنْجَرَ شَرَفَ الدِّينِ أَنُوشُرْوَانَ بْنَ خَالِدٍ وَفَخْرَ الدِّينِ طُغَايَرْكَ بْنِ الْيَزَنِ، وَمَعَهُمَا الْهَدَايَا وَالتُّحَفُ، وَبَذَلَ لَهُ النُّزُولَ عَنْ مَازَنْدَرَانَ، وَحَمْلَ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ كُلَّ سَنَةٍ، فَوَصَلَا إِلَيْهِ وَأَبْلَغَاهُ الرِّسَالَةَ، فَتَجَهَّزَ لِيَسِيرَ إِلَى الرَّيِّ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ شَرَفُ الدِّينِ أَنُوشُرْوَانُ بِتَرْكِ الْقِتَالِ وَالْحَرْبِ، فَكَانَ جَوَابُهُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ وَلَدَ أَخِي صَبِيٌّ، وَقَدْ تَحَكَّمَ عَلَيْهِ وَزِيرُهُ وَالْحَاجِبُ عَلَيٌّ. فَلَمَّا سَمِعَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ بِمَسِيرِ عَمِّهِ نَحْوِهِ، وَوُصُولِ الْأَمِيرِ أُنَرَ فِي مُقَدِّمَتِهِ إِلَى جُرْجَانَ، تَقَدَّمَ إِلَى الْأَمِيرِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ، وَهُوَ أَمِيرٌ حَاجِبُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَبَعْدَهُ صَارَ أَمِيرٌ حَاجِبَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، بِالْمَسِيرِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ جَمْعًا كَثِيرًا مِنَ الْعَسَاكِرِ وَالْأُمَرَاءِ، فَاجْتَمَعُوا فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَسَارُوا إِلَى أَنْ قَارَبُوا مُقَدِّمَةَ سَنْجَرَ الَّتِي عَلَيْهَا الْأَمِيرُ أُنَرُ، فَرَاسَلَهُ الْأَمِيرُ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ يُعَرِّفُهُ وَصِيَّةَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ بِتَعْظِيمِ سَنْجَرَ وَالرُّجُوعِ إِلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَالْقَبُولِ مِنْهُ، وَأَنَّهُ ظَنَّ أَنْ سَنْجَرَ يَحْفَظُ السَّلْطَنَةَ عَلَى وَلَدِهِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، وَأَخَذَ عَلَيْنَا بِذَلِكَ الْعُهُودَ، فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُخَالِفَهُ، وَحَيْثُ جِئْتُمْ إِلَى بِلَادِنَا لَا نَحْتَمِلُ ذَلِكَ، وَلَا نُغْضِي عَلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ مَعَكَ خَمْسَةَ آلَافِ فَارِسٍ، فَأَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكَ أَقَلَّ مِنْهُمْ لِتَعْلَمَ أَنَّكُمْ لَا تُقَاوِمُونَنَا، وَلَا تَقْوَوْنَ بِنَا. فَلَمَّا سَمِعَ الْأَمِيرُ أُنَرُ ذَلِكَ عَادَ عَنْ جُرْجَانَ وَلَحِقَهُ بَعْضُ عَسْكَرِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، فَأَخَذُوا قِطْعَةً مِنْ سَوَادِهِ، وَأَسَرُوا عِدَّةً مِنْ أَصْحَابِهِ.

стр. 5164

وَكَانَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ قَدْ وَصَلَ إِلَى الرَّيِّ، وَهُوَ بِهَا، وَعَادَ الْأَمِيرُ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ إِلَيْهِ، فَشَكَرَهُ عَلَى فِعْلِهِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَعَلَى عَسْكَرِهِ الَّذِينَ مَعَهُ. وَأُشِيرَ عَلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ بِمُلَازَمَةِ الرَّيِّ، وَالْمُقَامِ بِهَا، وَقِيلَ: إِنَّ عَسَاكِرَ خُرَاسَانَ إِذَا عَلِمُوا بِمُقَامِكَ فِيهَا لَا يُفَارِقُونَ حُدُودَهُمْ، وَلَا يَتَعَدَّوْنَ وِلَايَتَهُمْ. فَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ وَضَجِرَ مِنَ الْمُقَامِ، وَسَارَ إِلَى جُرْجَانَ. وَوَصَلَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ وَالْأَمِيرُ مَنْكُبَرْسُ مِنَ الْعِرَاقِ فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ، وَالْأَمِيرُ مَنْصُورُ بْنُ صَدَقَةَ أَخُو دُبَيْسٍ، وَالْأُمَرَاءُ الْبَكْجِيَّةُ، وَغَيْرُهُمْ، وَسَارَ مَحْمُودٌ إِلَى هَمَذَانَ، وَتُوُفِّيَ بِهَا وَزِيرُهُ الرَّبِيبُ، وَاسْتَوْزَرَ أَبَا طَالِبٍ السُّمِيرَمِيَّ، وَبَلَّغَهُ وُصُولَ عَمِّهِ سَنْجَرَ إِلَى الرَّيِّ، فَسَارَ نَحْوَهُ قَاصِدًا قِتَالَهُ، فَالْتَقَيَا بِالْقُرْبِ مِنْ سَاوَةَ ثَانِيَ جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ، وَكَانَ عَسْكَرُ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ قَدْ عَرَفُوا الْمَفَازَةَ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْ عَسْكَرِ سَنْجَرَ، هِيَ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ، فَسَبَقُوهُمْ إِلَى الْمَاءِ وَمَلَكُوهُ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ الْعَسْكَرُ الْخُرَاسَانِيُّ فِي عِشْرِينَ أَلْفًا، وَمَعَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فِيلًا اسْمُ كَبِيرِهَا بَاذْهُو، وَمِنَ الْأُمَرَاءِ الْكِبَارِ: وَلَدُ الْأَمِيرِ أَبِي الْفَضْلِ، صَاحِبُ سِجِسْتَانَ، وَخَوَارَزْمُشَاهْ مُحَمَّدٌ، وَالْأَمِيرُ أُنَرُ، وَالْأَمِيرُ قُمَاجُ، وَاتَّصَلَ بِهِ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ كَرَشَاسِفُ بْنُ فَرَامَرْزَ بْنِ كَاكَوَيْهِ، صَاحِبُ يَزْدَ، وَهُوَ صِهْرُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ وَسَنْجَرَ عَلَى أُخْتِهِمَا، وَكَانَ أَخَصَّ النَّاسِ بِالسُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا تَوَلَّى السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ تَأَخَّرَ عَنْهُ، فَأَقْطَعَ بَلَدَهُ لِقُرَاجَةَ السَّاقِي الَّذِي صَارَ صَاحِبَ بِلَادِ فَارِسٍ، فَسَارَ حِينَئِذٍ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ إِلَى سَنْجَرَ، وَهُوَ مِنْ مُلُوكِ الدَّيْلَمِ، وَعَرَّفَ سَنْجَرَ الْأَحْوَالَ، وَالطَّرِيقَ إِلَى قَصْدِ الْبِلَادِ، وَمَا فَعَلَهُ الْأُمَرَاءُ مِنْ أَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنِ اخْتِلَافِ الْأَهْوَاءِ وَحَسَّنَ قَصْدَ الْبِلَادِ. وَكَانَ عَسْكَرُ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَمِنَ الْأُمَرَاءِ الْكِبَارِ: الْأَمِيرُ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، أَمِيرٌ حَاجِبٌ، وَالْأَمِيرُ مَنْكُبَرْسُ، وَأَتَابِكُهُ غَزْغَلِي، وَبَنُو بُرْسُقَ، وَسُنْقُرُ الْبُخَارِيُّ، وَقُرَاجَةُ السَّاقِي، وَمَعَهُ تِسْعُمِائَةِ حِمْلٍ مِنَ السِّلَاحِ. وَاسْتَهَانَ عَسْكَرُ مَحْمُودٍ بِعَسْكَرِ عَمِّهِ بِكَثْرَتِهِمْ وَشَجَاعَتِهِمْ، وَكَثْرَةِ خَيْلِهِمْ، فَلَمَّا الْتَقَوْا ضَعُفَتْ نُفُوسُ الْخُرَاسَانِيَّةِ لِمَا رَأَوْا لِهَذَا الْعَسْكَرِ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْكَثْرَةِ فَانْهَزَمَتْ مَيْمَنَةُ سَنْجَرَ وَمَيْسَرَتُهُ، وَاخْتَلَطَ أَصْحَابُهُ، وَاضْطَرَبَ أَمْرُهُمْ، وَسَارُوا مُنْهَزِمِينَ لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ، وَنُهِبَ مِنْ أَثْقَالِهِمْ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَقَتَلَ أَهْلُ السَّوَادِ كَثِيرًا مِنْهُمْ.

стр. 5165

وَوَقَفَ سَنْجَرُ بَيْنَ الْفِيَلَةِ فِي جَمْعٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَبِإِزَائِهِ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ، وَمَعَهُ أَتَابِكُهُ غَزْغَلِي، فَأَلْجَأَتْ سَنْجَرَ الضَّرُورَةُ، عِنْدَ تَعَاظُمِ الْخَطْبِ عَلَيْهِ، أَنْ يُقَدِّمَ الْفِيَلَةَ لِلْحَرْبِ، وَكَانَ مَنْ بَقِيَ مَعَهُ قَدْ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِالْهَزِيمَةِ، فَقَالَ: إِمَّا النَّصْرُ أَوِ الْقَتْلُ، وَأَمَّا الْهَزِيمَةُ فَلَا. فَلَمَّا تَقَدَّمَتِ الْفِيَلَةُ، وَرَآهَا خَيْلُ مَحْمُودٍ، تَرَاجَعَتْ بِأَصْحَابِهَا عَلَى أَعْقَابِهَا، فَأَشْفَقَ سَنْجَرُ عَلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَا تُفْزِعُوا الصَّبِيَّ بِحَمَلَاتِ الْفِيَلَةِ، فَكَفُّوهَا عَنْهُمْ، وَانْهَزَمَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْقَلْبِ، وَأُسِرَ أَتَابِكُهُ غَزْغَلِي، فَكَانَ يُكَاتِبُ السُّلْطَانَ، وَيَعِدُهُ أَنَّهُ يَحْمِلُ إِلَيْهِ ابْنَ أَخِيهِ، فَعَاتَبَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَاعْتَذَرَ بِالْعَجْزِ، فَقَتَلَهُ، وَكَانَ ظَالِمًا قَدْ بَلَغَ فِي ظُلْمِ أَهْلِ هَمَذَانَ، فَعَجَّلَ اللَّهُ عُقُوبَتَهُ. وَلَمَّا تَمَّ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ لِلسُّلْطَانِ سَنْجَرَ أَرْسَلَ مَنْ أَعَادَ الْمُنْهَزِمِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَيْهِ وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى بَغْدَاذَ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ، فَأَرْسَلَ الْأَمِيرُ دُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ إِلَى الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ فِي الْخُطْبَةِ لِلسُّلْطَانِ سَنْجَرَ، فَخَطَبَ لَهُ فِي السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، وَقُطِعَتْ خُطْبَةُ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ. وَأَمَّا السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ فَإِنَّهُ سَارَ مِنَ الْكَسْرَةِ إِلَى أَصْبَهَانَ، وَمَعَهُ وَزِيرُهُ أَبُو طَالِبٍ السُّمِيرَمِيُّ، وَالْأَمِيرُ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، وَقُرَاجَةُ. وَأَمَّا سَنْجَرُ فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى هَمَذَانَ، فَرَأَى قِلَّةَ عَسْكَرِهِ، وَاجْتِمَاعَ الْعَسَاكِرِ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ، فَرَاسَلَهُ فِي الصُّلْحِ، وَكَانَتْ وَالِدَتُهُ تُشِيرُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَتَقُولُ: قَدِ اسْتَوْلَيْتَ عَلَى غَزْنَةَ وَأَعْمَالِهَا، وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَمَلَكْتَ مَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَقَرَّرْتَ الْجَمْعَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَاجْعَلْ وَلَدَ أَخِيكَ كَأَحَدِهِمْ. وَكَانَتْ وَالِدَةُ سَنْجَرَ هِيَ جَدَّةَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، فَأَجَابَ إِلَى قَوْلِهَا، ثُمَّ كَثُرَتِ الْعَسَاكِرُ عِنْدَ سَنْجَرَ مِنْهُمُ الْبُرْسُقِيُّ، وَكَانَ عِنْدَ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ بِأَذْرَبِيجَانَ مِنْ حِينِ خُرُوجِهِ عَنْ بَغْدَاذَ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، فَقَوِيَ بِهِمْ. فَعَادَ الرَّسُولُ وَأَبْلَغَهُ عَنِ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ أَنَّهُمْ لَا يُصَالِحُونَهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، وَسَارَ مِنْ هَمَذَانَ إِلَى كَرَجَ، وَأَعَادَ مُرَاسَلَةَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ فِي الصُّلْحِ، وَوَعَدَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا، وَتَحَالَفَا عَلَيْهِ. وَسَارَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ إِلَى عَمِّهِ سَنْجَرَ فِي شَعْبَانَ، فَنَزَلَ عَلَى جَدَّتِهِ وَالِدَةِ سَنْجَرَ، وَأَكْرَمَهُ عَمُّهُ، وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ، وَحَمَلَ لَهُ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ هَدِيَّةً عَظِيمَةً، فَقَبِلَهَا ظَاهِرًا، وَرَدَّهَا بَاطِنًا، وَلَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ سِوَى خَمْسَةِ أَفْرَاسٍ عَرَبِيَّةٍ وَكَتَبَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ إِلَى سَائِرِ

стр. 5166

الْأَعْمَالِ الَّتِي بِيَدِهِ كَخُرَاسَانَ وَغَزْنَةَ، وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْوِلَايَاتِ، بِأَنْ يُخْطَبَ لِلسُّلْطَانِ مَحْمُودٍ بَعْدَهُ، وَكَتَبَ إِلَى بَغْدَاذَ مِثْلَ ذَلِكَ وَأَعَادَ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَا أَخَذَ مِنَ الْبِلَادِ سِوَى الرَّيِّ، وَقَصَدَ بِأَخْذِهَا أَنْ تَكُونَ لَهُ فِي هَذِهِ الدِّيَارِ لِئَلَّا يُحَدِّثَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ نَفْسَهُ بِالْخُرُوجِ. ذِكْرُ غَزَاةِ إِيلْغَازِي بِلَادَ الْفِرِنْجِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْفِرِنْجُ مِنْ بِلَادِهِمْ إِلَى نَوَاحِي حَلَبَ، فَمَلَكُوا بُزَاعَةَ وَغَيْرَهَا، وَخَرَّبُوا بَلَدَ حَلَبَ وَنَازَلُوهَا، وَلَمْ يَكُنْ بِحَلَبَ مِنَ الذَّخَائِرِ مَا يَكْفِيهَا شَهْرًا وَاحِدًا، وَخَافَهُمْ أَهْلُهَا خَوْفًا شَدِيدًا، وَلَوْ مُكِّنُوا مِنَ الْقِتَالِ لَمْ يَبْقَ بِهَا أَحَدٌ، لَكِنَّهُمْ مُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ، وَصَانَعَ الْفِرِنْجُ أَهْلَ حَلَبَ عَلَى أَنْ يُقَاسِمُوهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمُ الَّتِي بِبَابِ حَلَبَ. فَأَرْسَلَ أَهْلُ الْبَلَدِ إِلَى بَغْدَاذَ يَسْتَغِيثُونَ، وَيَطْلُبُونَ النَّجْدَةَ، فَلَمْ يُغَاثُوا. وَكَانَ الْأَمِيرُ إِيلْغَازِي، صَاحِبُ حَلْبَ، بِبَلَدِ مَارِدِينَ يَجْمَعُ الْعَسَاكِرَ وَالْمُتَطَوِّعَةَ لِلْغَزَاةِ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ نَحْوُ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَكَانَ مَعَهُ أُسَامَةُ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ شِبْلٍ الْكِلَابِيُّ، وَالْأَمِيرُ طُغَانُ أَرْسِلَانَ بْنُ الْمَكْرِ، صَاحِبُ بَدْلِيسَ وَأَرْزَنَ، وَسَارَ بِهِمْ إِلَى الشَّامِ، عَازِمًا عَلَى قِتَالِ الْفِرِنْجِ. فَلَمَّا عَلِمَ الْفِرِنْجُ قُوَّةَ عَزْمِهِمْ عَلَى لِقَائِهِمْ، وَكَانُوا ثَلَاثَةَ آلَافِ فَارِسٍ وَتِسْعَةَ آلَافِ رَاجِلٍ، سَارُوا فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنَ الْأَثَارِبِ، بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ تَلُّ عِفْرِينَ، بَيْنَ جِبَالٍ لَيْسَ لَهَا طَرِيقٌ إِلَّا مِنْ ثَلَاثِ جِهَاتٍ، وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ قُتِلَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ مُسْلِمُ بْنُ قُرَيْشٍ. وَظَنَّ الْفِرِنْجُ أَنَّ أَحَدًا لَا يَسْلُكُ إِلَيْهِمْ لِضِيقِ الطَّرِيقِ، فَأَخْلَدُوا إِلَى الْمُطَاوَلَةِ وَكَانَتْ عَادَةً لَهُمْ، إِذَا رَأَوْا قُوَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَرَاسَلُوا إِيلْغَازِي يَقُولُونَ لَهُ: لَا تُتْعِبْ نَفْسَكَ بِالْمَسِيرِ إِلَيْنَا، فَنَحْنُ وَاصِلُونَ إِلَيْكَ، فَأَعْلَمَ أَصْحَابَهُ بِمَا قَالُوهُ، وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَا يَفْعَلُ، فَأَشَارُوا بِالرُّكُوبِ مِنْ وَقْتِهِ، وَقَصْدِهِمْ فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ، وَدَخَلَ النَّاسُ مِنَ الطُّرُقِ الثَّلَاثَةِ، وَلَمْ تَعْتَقِدِ الْفِرِنْجُ أَنَّ أَحَدًا يَقْدَمُ عَلَيْهِمْ، لِصُعُوبَةِ الْمَسْلَكِ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ

стр. 5167

يَشْعُرُوا إِلَّا وَأَوَائِلُ الْمُسْلِمِينَ قَدْ غَشِيَتْهُمْ، فَحَمَلَ الْفِرِنْجُ حَمْلَةً مُنْكِرَةً، فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ، فَلَقُوا بَاقِيَ الْعَسْكَرِ مُتَتَابِعَةً، فَعَادُوا مَعَهُمْ، وَجَرَى بَيْنَهُمْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ، وَأَحَاطُوا بِالْفِرِنْجِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِمْ، وَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ مِنْ سَائِرِ نَوَاحِيهِمْ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ غَيْرُ نَفَرٍ يَسِيرٍ، وَقُتِلَ الْجَمِيعُ، وَأُسِرُوا. وَكَانَ فِي جُمْلَةِ الْأَسْرَى نَيِّفٌ وَسَبْعُونَ فَارِسًا مِنْ مُقَدَّمِيهِمْ، وَحُمِلُوا إِلَى حَلَبَ، فَبَذَلُوا فِي نُفُوسِهِمْ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمُ الْغَنَائِمَ الْكَثِيرَةَ. وَأَمَّا سِيرِجَالُ، صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ، فَإِنَّهُ قُتِلَ وَحُمِلَ رَأْسُهُ، وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ مُنْتَصَفَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَمِمَّا مُدِحَ بِهِ إِيلْغَازِي فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ قَوْلُ الْعَظِيمِيِّ: قُلْ مَا تَشَاءُ، فَقَوْلُكَ الْمَقْبُولُ ... وَعَلَيْكَ بَعْدُ الْخَالِقِ التَّعْوِيلُ وَاسْتَبْشَرَ الْقُرْآنُ حِينَ نَصَرْتَهُ ... وَبَكَى لِفَقْدِ رِجَالِهِ الْإِنْجِيلُ ثُمَّ تَجَمَّعَ مَنْ سَلِمَ مِنَ الْمَعْرَكَةِ مَعَ غَيْرِهِمْ، فَلَقِيَهُمْ إِيلْغَازِي أَيْضًا، فَهَزَمَهُمْ، وَفَتَحَ مِنْهُمْ حِصْنَ الْأَثَارِبِ، وَزَرْدَنَا، وَعَادَ إِلَى حَلَبَ، وَقَرَّرَ أَمْرَهَا، وَأَصْلَحَ حَالَهَا، ثُمَّ عَبَرَ الْفُرَاتَ إِلَى مَارِدِينَ. ذِكْرُ وَقْعَةٍ أُخْرَى مَعَ الْفِرِنْجِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ جُوسُلِينُ، صَاحِبُ تَلِّ بَاشِرَ، فِي جَمْعٍ مِنَ الْفِرِنْجِ نَحْوِ مِائَتَيْ فَارِسٍ، مِنْ طَبَرِيَّةَ، فَكَبَسَ طَائِفَةً مِنْ طَيٍّ يُعْرَفُونَ بِبَنِي خَالِدٍ، فَأَخَذَهُمْ، وَأَخَذَ غَنَائِمَهُمْ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ بَقِيَّةِ قَوْمِهِمْ مِنْ بَنِي رَبِيعَةَ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ مِنْ وَرَاءِ الْحَزْنِ، بِوَادِي السُّلَالَةِ، بَيْنَ دِمَشْقَ وَطَبَرِّيَةَ، فَقَدَّمَ جُوسُلِينُ مِائَةً وَخَمْسِينَ فَارِسًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَسَارَ هُوَ فِي

стр. 5168

خَمْسِينَ فَارِسًا عَلَى طَرِيقٍ آخَرَ وَوَاعَدَهُمُ الصُّبْحَ لِيَكْبِسُوا بَنِي رَبِيعَةَ، فَوَصَلَهُمُ الْخَبَرُ بِذَلِكَ، فَأَرَادُوا الرَّحِيلَ، فَمَنَعَهُمْ أَمِيرٌ مِنْ بَنِي رَبِيعَةَ، وَكَانُوا فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَارِسًا، فَوَصَلَهُمُ الْمِائَةُ وَخَمْسُونَ مِنَ الْفِرِنْجِ، مُعْتَقِدِينَ أَنَّ جُوسُلِينُ قَدْ سَبَقَهُمْ، أَوْ سَيُدْرِكُهُمْ، فَضَّلَ الطَّرِيقَ، وَتَسَاوَتِ الْعِدَّتَانِ، فَاقْتَتَلُوا، وَطَعَنَتِ الْعَرَبُ خُيُولَهُمْ، فَجَعَلُوا أَكْثَرَهُمْ رَجَّالَةً، وَظَهَرَ مِنْ أَمِيرِهِمْ شَجَاعَةٌ، وَحُسْنُ تَدْبِيرٍ، وَجَوْدَةُ رَأْيٍ، فَقُتِلَ مِنَ الْفِرِنْجِ سَبْعُونَ، وَأُسِرَ اثْنَا عَشَرَ مِنْ مُقَدَّمِيهِمْ، بَذَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي فِدَاءِ نَفْسِهِ مَالًا جَزِيلًا وَعِدَّةً مِنَ الْأَسْرَى. وَأَمَّا جُوسُلِينُ فَإِنَّهُ ضَلَّ فِي الطَّرِيقِ، وَبَلَغَهُ خَبَرُ الْوَقْعَةِ، فَسَارَ إِلَى طَرَابُلُسَ، فَجَمَعَ بِهَا جَمْعًا، وَأَسْرَى إِلَى عَسْقَلَانَ، فَأَغَارَ عَلَى بَلَدِهَا، فَهَزَمَهُ الْمُسْلِمُونَ هُنَاكَ، فَعَادَ مَفْلُولًا. ذِكْرُ قَتْلِ مَنْكُوبَرْسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ الْأَمِيرُ مَنْكُوبَرْسُ الَّذِي كَانَ شِحْنَةَ بَغْدَاذَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَالُهُ. وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ: أَنَّهُ انْهَزَمَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَنَهْبَ عِدَّةَ مَوَاضِعَ مِنْ طَرِيقِ خُرَاسَانَ، وَأَرَادَ دُخُولَ بَغْدَاذَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ دُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ مَنْ مَنَعَهُ، فَعَادَ وَقَدِ اسْتَقَرَّ الصُّلْحُ بَيْنَ السُّلْطَانَيْنِ سَنْجَرَ وَمَحْمُودٍ، فَقَصَدَ السُّلْطَانُ سَنْجَرَ، فَدَخَلَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ سَيْفٌ وَكَفَنٌ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا لَا أُؤَاخِذُ أَحَدًا، وَسَلَّمَهُ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، وَقَالَ: هَذَا مَمْلُوكُكَ، فَاصْنَعْ بِهِ مَا تُرِيدُ! فَأَخَذَهُ. وَكَانَ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ غَيْظٌ شَدِيدٌ لِأَسْبَابٍ مِنْهَا: أَنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ أَخَذَ سَرِّيَّتَهُ، وَالِدَةَ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ، قَهْرًا، قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَمِنْهَا: جُرْأَتُهُ عَلَيْهِ، وَاسْتِبْدَادُهُ بِالْأُمُورِ دُونَهُ، وَمَسِيرُهُ إِلَى شِحْنَكِيَّةَ بَغْدَاذَ، وَالسُّلْطَانُ كَارِهٌ لِذَلِكَ لَكِنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهِ، وَمِنْهَا: مَا فَعَلَهُ بِالْعِرَاقِ مِنَ الظُّلْمِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَتَلَهُ صَبْرًا، وَأَرَاحَ الْعِبَادَ وَالْبِلَادَ مِنْ شَرِّهِ. ذِكْرُ قَتْلِ الْأَمِيرِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا قُتِلَ الْأَمِيرُ ابْنُ عُمَرَ، حَاجِبُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ قَدْ

стр. 5169

صَارَ أَكْبَرَ أَمِيرٍ مَعَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، وَانْقَادَتِ الْعَسَاكِرُ لَهُ، فَحَسَدَهُ الْأُمَرَاءُ، وَأَفْسَدُوا حَالَهُ مَعَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، وَحَسَّنُوا لَهُ قَتْلَهُ، فَعَلِمَ، فَهَرَبَ إِلَى قَلْعَةِ بَرْجِينَ، وَهِيَ بَيْنَ بُرُوجِرْدَ وَكَرَجَ، وَكَانَ بِهَا أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَسَارَ مِنْهَا فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ إِلَى خُوزِسْتَانَ، وَكَانَتْ بِيَدِ أَقَبُورِي بْنِ بُرْسُقَ، وَابْنَيْ أَخَوَيْهِ: أَرْغِلِي بْنِ يَلْبَكِي، وَهِنْدُو بْنِ زِنْكِيٍّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَخَذَ عُهُودَهُمْ بِأَمَانِهِ وَحِمَايَتِهِ. فَلَمَّا سَارَ إِلَيْهِمْ أَرْسَلُوا عَسْكَرًا مَنَعُوهُ مِنْ قَصْدِهِمْ، فَلَقُوهُ عَلَى سِتَّةِ فَرَاسِخَ مِنْ تَسْتُرَ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَوَقَفَ بِهِ فَرَسُهُ، فَانْتَقَلَ إِلَى غَيْرِهِ، فَتَشَبَّثَ ذَيْلُهُ بِسَرْجِهِ الْأَوَّلِ، فَأَزَالَهُ، فَعَاوَدَ التَّعَلُّقَ، فَأَبْطَأَ، فَأَدْرَكُوهُ وَأَسَرُوهُ، وَكَاتَبُوا السُّلْطَانَ مَحْمُودًا فِي أَمْرِهِ فَأَمَرَهُمْ بِقَتْلِهِ، فَقُتِلَ وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَيْهِ. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْمُرَابِطِينَ وَأَهْلِ قُرْطُبَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، كَانَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ عَسْكَرِ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ وَبَيْنَ أَهْلِ قُرْطُبَةَ. وَسَبَبَهَا: أَنَّ أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا أَبَا بَكْرٍ يَحْيَى بْنَ رَوَّادٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَضْحَى خَرَجَ النَّاسُ مُتَفَرِّجِينَ، فَمَدَّ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ أَبِي بَكْرٍ يَدَهُ إِلَى امْرَأَةٍ فَأَمْسَكَهَا، فَاسْتَغَاثَتْ بِالْمُسْلِمِينَ، فَأَغَاثُوهَا، فَوَقَعَ بَيْنَ الْعَبِيدِ وَأَهْلِ الْبَلَدِ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ، وَدَامَتْ جَمِيعَ النَّهَارِ، وَالْحَرْبُ بَيْنَهُمْ قَائِمَةٌ عَلَى سَاقٍ، فَأَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ، فَتَفَرَّقُوا، فَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى الْأَمِيرِ أَبِي بَكْرٍ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْفُقَهَاءُ وَالْأَعْيَانُ، فَقَالُوا: الْمَصْلَحَةُ أَنْ تَقْتُلَ وَاحِدًا مِنَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ أَثَارُوا الْفِتْنَةَ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَغَضِبَ مِنْهُ، وَأَصْبَحَ مِنَ الْغَدِ، وَأَظْهَرَ السِّلَاحَ وَالْعُدَدَ يُرِيدُ قِتَالَ أَهْلِ الْبَلَدِ، فَرَكِبَ الْفُقَهَاءُ وَالْأَعْيَانُ وَالشُّبَّانُ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَقَاتَلُوهُ فَهَزَمُوهُ، وَتَحَصَّنَ بِالْقَصْرِ، فَحَصَرُوهُ، وَتَسَلَّقُوا إِلَيْهِ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ بَعْدَ مَشَقَّةٍ وَتَعَبٍ، فَنَهَبُوا الْقَصْرَ، وَأَحْرَقُوا جَمِيعَ دُورِ الْمُرَابِطِينَ، وَنَهَبُوا أَمْوَالَهُمْ، وَأَخْرَجُوهُمْ مِنَ الْبَلَدِ عَلَى أَقْبَحِ صُورَةٍ. وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِأَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ فَكَرِهَ ذَلِكَ وَاسْتَعْظَمَهُ، وَجَمَّعَ الْعَسَاكِرَ مِنْ صَنْهَاجَةَ، وَزَنَاتَةَ، وَالْبَرْبَرِ، وَغَيْرِهِمْ، فَاجْتَمَعَ لَهُ مِنْهُمْ جَمْعٌ عَظِيمٌ، فَعَبَرَ إِلَيْهِمْ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَحَصَرَ مَدِينَةَ قُرْطُبَةَ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا قِتَالَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَحْمِيَ دَمَهُ وَحَرِيمَهُ وَمَالَهُ، فَلَمَّا رَأَى أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ شِدَّةَ قِتَالِهِمْ دَخَلَ السُّفَرَاءُ بَيْنَهُمْ، وَسَعَوْا فِي

стр. 5170

الصُّلْحِ فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُغَرِّمَ أَهْلَ قُرْطُبَةَ الْمُرَابِطِينَ مَا نَهَبُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَادَ عَنْ قِتَالِهِمْ. ذِكْرُ مُلْكِ عَلِيِّ بْنِ سُكْمَانَ الْبَصْرَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْلَى عَلِيُّ بْنُ سُكْمَانَ عَلَى الْبَصْرَةِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ السُّلْطَانَ مُحَمَّدًا كَانَ قَدْ أَقْطَعَ الْبَصْرَةَ الْأَمِيرَ آفَسُنْقُرَ الْبُخَارِيَّ، فَاسْتَخْلَفَ بِهَا نَائِبًا يُعْرَفُ بِسُنْقُرَ الْبَيَاتِيِّ، فَأَحْسَنَ السِّيرَةَ إِلَى حَدِّ أَنَّ الْمَاءَ بِالْبَصْرَةِ مِلْحٌ، فَأَقَامَ سُفُنًا وَجِرَارًا لِلضُّعَفَاءِ وَالسَّابِلَةِ، تَحْمِلُ لَهُمُ الْمَاءَ الْعَذْبَ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ عَزَمَ هَذَا الْأَمِيرُ سُنْقُرُ عَلَى الْقَبْضِ عَلَى أَمِيرٍ اسْمُهُ غَزْغِلِي، مُقَدَّمِ الْأَتْرَاكِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، وَهُوَ مَذْكُورٌ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَلَى الْبَصْرَةِ عِدَّةَ سِنِينَ، عَلَى أَمِيرٍ آخَرَ اسْمُهُ سُنْقُرُ أَلْبْ، وَهُوَ مُقَدَّمُ الْأَتْرَاكِ الْبَلْدَقِيَّةِ، فَاجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَقَبَضَاهُ وَقَيَّدَاهُ، وَأَخَذَا الْقَلْعَةَ وَمَا وَجَدَاهُ لَهُ. ثُمَّ إِنَّ سُنْقُرَ أَلْبْ أَرَادَ قَتْلَهُ، فَمَنَعَهُ غَزْغِلِي، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَلَمَّا قَتَلَهُ وَثَبَ غَزْغِلِي عَلَى سُنْقُرَ أَلْبْ فَقَتَلَهُ، وَنَادَى فِي النَّاسِ بِالسُّكُونِ، فَاطْمَأَنُّوا. وَكَانَ أَمِيرُ الْحَاجِّ مِنَ الْبَصْرَةِ هَذِهِ السَّنَةَ، أَمِيرٌ اسْمُهُ عَلِيُّ بْنُ سُكْمَانَ أَحَدُ الْأُمَرَاءِ الْبَلْدَقِيَّةِ، وَكَانَ فِي نَفْسِ غَزْغِلِي عَلَيْهِ حِقْدٌ، حَيْثُ تَمَّ الْحَجُّ عَلَى يَدِهِ، وَلِأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَأْخُذَ بِثَأْرِ سُنْقُرَ أَلْبْ، إِذْ هُوَ مُقَدَّمُ الْبَلْدَقِيَّةِ، فَأَرْسَلَ غَزْغِلِي إِلَى عَرَبِ الْبَرِيَّةِ يَأْمُرُهُمْ بِقَصْدِ الْحُجَّاجِ وَنَهْبِهِمْ، فَطَمِعُوا بِذَلِكَ، وَقَصَدُوا الْحُجَّاجَ فَقَاتَلُوهُمْ، وَحَمَاهُمُ ابْنُ سُكْمَانَ، وَأَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا، وَجَعَلَ يُقَاتِلُهُمْ وَهُوَ سَائِرٌ نَحْوَ الْبَصْرَةِ إِلَى أَنْ بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَصْرَةِ يَوْمَانِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ غَزْغِلِي يَمْنَعُهُ مِنْ قَصْدِ الْبَصْرَةِ، فَقَصَدَ الْعَوْنِيُّ، أَسْفَلَ دِجْلَةَ، هَذَا وَالْعَرَبُ يُقَاتِلُونَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْعَوْنِيِّ حَمَلَ عَلَى الْعَرَبِ حَمْلَةً صَادِقَةً، فَهَزَمَهُمْ. وَسَارَ غَزْغِلِي إِلَى عَلِيِّ بْنِ سُكْمَانَ فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ، وَكَانَ عَلِيٌّ فِي قِلَّةٍ، فَتَحَارَبَا، وَاقْتَتَلَتِ الطَّائِفَتَانِ، فَأَصَابَتْ فَرَسَ غَزْغِلِي نُشَّابَةٌ فَسَقَطَ وَقُتِلَ، وَسَارَ عَلِيٌّ إِلَى الْبَصْرَةِ فَدَخَلَهَا، وَمَلَكَ الْقَلْعَةَ، وَأَقَرَّ عُمَّالَ آفُسُنْقُرَ الْبُخَارِيِّ وَنُوَّابَهُ، وَكَاتَبَهُ بِالطَّاعَةِ، وَكَانَ عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَكُونَ نَائِبًا عَنْهُ بِالْبَصْرَةِ، فَلَمْ يُجِبْهُ آقْسُنْقُرُ إِلَى ذَلِكَ، فَطَرَدَ حِينَئِذٍ

стр. 5171

نُوَّابَ آقْسُنْقُرَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبَلَدِ، وَتَصَرَّفَ تَصَرُّفَ الْأَصْحَابِ، مُسْتَبِدًّا، وَاسْتَقَرَّ فِيهِ، وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ إِلَى سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَسَيَّرَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ الْأَمِيرَ آقْسُنْقُرَ الْبُخَارِيَّ فِي عَسْكَرٍ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَأَخَذَهَا مِنْ عَلِيِّ بْنِ سُكْمَانَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ السُّلْطَانُ بِإِعَادَةِ مُجَاهِدِ الدِّينِ بَهْرُوزَ شِحْنَكِيَّةَ الْعِرَاقِ، كَانَ نَائِبَ دُبَيْسِ بْنِ صَدَقَةَ، فَعُزِلَ عَنْهَا. وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تُوُفِّيَ الْوَزِيرُ رَبِيبُ الدَّوْلَةِ، وَزِيرُ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، وَوَزَرَ بَعْدَهُ الْكَمَالُ السُّمِيرَمِيُّ، وَكَانَ وَلَدَ رَبِيبِ الدَّوْلَةِ، وَزِيرِ الْمُسْتَرْشِدِ فَعُزِلَ، وَاسْتُعْمِلَ بَعْدَهُ عَمِيدُ الدُّوَلِهِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ صَدَقَةَ، وَلُقِّبَ جَلَالَ الدِّينِ، وَهَذَا الْوَزِيرُ هُوَ عَمُّ الْوَزِيرِ جَلَالِ الدِّينِ أَبِي الرِّضَا صَدَقَةَ، الَّذِي وَزَرَ لِلرَّاشِدِ، وَالْأَتَابِكِ زِنْكِيٍّ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. وَفِيهَا ظَهَرَ قَبْرُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، وَقَبْرَا وَلَدَيْهِ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، ﵈، بِالْقُرْبِ مِنَ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَرَآهُمْ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لَمْ تَبْلَ أَجْسَادُهُمْ، وَعِنْدَهُمْ فِي الْمَغَارَةِ قَنَادِيلُ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، هَكَذَا ذَكَرَهُ حَمْزَةُ بْنُ أَسَدٍ التَّمِيمِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا، فِي الْمُحَرَّمِ، تُوُفِّيَ قَاضِي الْقُضَاةُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّامَغَانِيُّ، وَمَوْلِدُهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِبَابِ الطَّاقِ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى الْمَوْصِلِ وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ سِتٌّ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ وَلَمَّا تُوُفِّيَ وَلِيَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ الْأَكْمَلُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيُّ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ ثَالِثَ صَفَرٍ.

стр. 5172

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا هُدِمَ تَاجُ الْخَلِيفَةِ عَلَى دِجْلَةَ لِلْخَوْفِ مِنِ انْهِدَامِهِ، هَذَا التَّاجُ بَنَاهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُكْتَفِي بَعْدَ سَنَةِ تِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ. وَفِيهَا تَأَخَّرَ الْحَجُّ، فَاسْتَغَاثَ النَّاسُ، وَأَرَادُوا كَسْرَ الْمِنْبَرِ بِجَامِعِ الْقَصْرِ فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى دُبَيْسِ بْنِ صَدَقَةَ لِيُسَاعِدَ الْأَمِيرَ نَظَرَ عَلَى تَسْيِيرِ الْحُجَّاجِ، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ خُرُوجُهُمْ مِنْ بَغْدَاذَ ثَانِيَ عَشَرِ ذِي الْقَعْدَةِ، وَتَوَالَتْ عَلَيْهِمُ الْأَمْطَارُ إِلَى الْكُوفَةِ. وَفِيهَا أَرْسَلَ دُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ الْقَاضِيَ أَبَا جَعْفَرٍ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ أَحْمَدَ الثَّقَفِيَّ، قَاضِي الْكُوفَةِ، إِلَى إِيلْغَازِي بْنِ أَرْتَقَ بِمَارِدِينَ، يَخْطُبُ ابْنَتَهُ، فَزَوَّجَهَا مِنْهُ إِيلْغَازِي، وَحَمَلَهَا الثَّقَفِيُّ مَعَهُ إِلَى الْحِلَّةِ، وَاجْتَازَ بِالْمَوْصِلِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْأُولَى، تُوُفِّيَ أَبُو الْوَفَا عَلِيُّ بْنُ عَقِيلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، شَيْخُ الْحَنَابِلَةِ، فِي وَقْتِهِ، بِبَغْدَاذَ، وَكَانَ حَسَنَ الْمُنَاظَرَةِ، سَرِيعَ الْخَاطِرِ، وَكَانَ قَدِ اشْتَغَلَ بِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي حَدَاثَتِهِ عَلَى أَبِي الْوَلِيدِ، فَأَرَادَ الْحَنَابِلَةُ قَتْلَهُ، فَاسْتَجَارَ بِبَابِ الْمَرَاتِبِ عِدَّةَ سِنِينَ، ثُمَّ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ حَتَّى تَمَكَّنَ مِنَ الظُّهُورِ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتُ مِنْ جُمَلْتِهَا كِتَابُ الْفُنُونِ.

стр. 5173

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ] ٥١٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ عِصْيَانِ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ عَلَى أَخِيهِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ وَالْحَرْبِ بَيْنَهُمَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، كَانَ الْمَصَافُّ بَيْنَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ وَأَخِيهِ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ، وَمَسْعُودٌ حِينَئِذٍ لَهُ الْمَوْصِلُ وَأَذْرَبِيجَانُ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ دُبَيْسَ بْنَ صَدَقَةَ كَانَ يُكَاتِبُ جُيُوشْ بِكْ أَتَابِكَ مَسْعُودٍ، يَحُثُّهُ عَلَى طَلَبِ السَّلْطَنَةِ لِلْمَلِكِ مَسْعُودٍ، وَيَعِدُهُ الْمُسَاعَدَةَ، وَكَانَ غَرَضُهُ أَنْ يَخْتَلِفُوا فَيَنَالَ مِنَ الْجَاهِ وَعُلُوِّ الْمُنَزَّلَةِ مَا نَالَهُ أَبُوهُ بِاخْتِلَافِ السُّلْطَانَيْنِ بُرْكِيارُقَ وَمُحَمَّدٍ ابْنَيْ مُلْكِشَاهْ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَكَانَ قَسِيمُ الدَّوْلَةِ الْبُرْسُقِيُّ، أَتَابِكُ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ، قَدْ فَارَقَ شِحْنَكِيَّةَ بَغْدَاذَ، وَقَدْ أَقْطَعَهُ مَسْعُودٌ مَرَاغَةَ، مُضَافَةً إِلَى الرَّحْبَةِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ دُبَيْسٍ عَدَاوَةٌ مَحْكَمَةٌ، فَكَاتَبَ دُبَيْسٌ جُيُوشْ بِكْ يُشِيرُ عَلَيْهِ بِقَبْضِ الْبُرْسُقِيِّ، وَيَنْسُبُهُ إِلَى الْمَيْلِ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، وَبَذَلَ لَهُ مَالًا كَثِيرًا عَلَى قَبْضِهِ، فَعَلِمَ الْبُرْسُقِيُّ ذَلِكَ، فَفَارَقَهُمْ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، فَأَكْرَمَهُ وَأَعْلَى مَحِلَّهُ وَزَادَ فِي تَقْدِيمِهِ. وَاتَّصَلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيُّ الطُّغْرَائِيُّ بِالْمَلِكِ مَسْعُودٍ، فَكَانَ وَلَدُهُ أَبُو الْمُؤَيِّدِ، مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، يَكْتُبُ الطُّغْرَاءَ مَعَ الْمَلِكِ، فَلَمَّا وَصَلَ وَالِدُهُ اسْتَوْزَرَهُ مَسْعُودٌ، بَعْدَ أَنْ عَزَلَ أَبَا عَلِيِّ بْنَ عَمَّارٍ، صَاحِبَ طَرَابُلُسَ، سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ بِبَابِ خُوَيٍّ، فَحَسَّنَ مَا كَانَ دُبَيْسٌ يُكَاتِبُ بِهِ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ وَالْخُرُوجِ عَنْ طَاعَتِهِ.

стр. 5174

وَظَهَرَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، فَبَلَغَ السُّلْطَانَ مَحْمُودًا الْخَبَرُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ يُخَوِّفُهُمْ إِنْ خَالَفُوهُ، وَيَعِدْهُمُ الْإِحْسَانُ إِنْ قَامُوا عَلَى طَاعَتِهِ وَمُوَافَقَتِهِ، فَلَمْ يُصْغُوا إِلَى قَوْلِهِ، وَأَظْهَرُوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَمَا يُسِرُّونَهُ، وَخَطَبُوا لِلْمَلِكِ مَسْعُودٍ بِالسَّلْطَنَةِ، وَضَرَبُوا لَهُ النُّوَبَ الْخَمْسَ، وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى تَفَرُّقٍ مِنْ عَسَاكِرِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، فَقَوِيَ طَمَعُهُمْ، وَأَسْرَعُوا السَّيْرَ إِلَيْهِ لِيَلْقَوْهُ وَهُوَ مُخَفَّفٌ مِنَ الْعَسَاكِرِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، فَسَارَ أَيْضًا إِلَيْهِمْ، فَالْتَقَوْا عِنْدَ عَقَبَةِ أَسَدَابَاذَ، مُنْتَصَفَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَاقْتَتَلُوا مِنْ بُكْرَةٍ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ. وَكَانَ الْبُرْسُقِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، وَأَبْلَى يَوْمَئِذٍ بَلَاءً حَسَنًا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ، آخِرَ النَّهَارِ، وَأُسِرَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَعْيَانِهِمْ وَمُقَدَّمِيهِمْ، وَأُسِرَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ وَزِيرُ مَسْعُودٍ، فَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِقَتْلِهِ، وَقَالَ: قَدْ ثَبَتَ عِنْدِي فَسَادُ دِينِهِ وَاعْتِقَادِهِ، فَكَانَتْ وِزَارَتُهُ سَنَةً وَشَهْرًا، وَقَدْ جَاوَزَ سِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَ حَسَنَ الْكِتَابَةِ وَالشِّعْرِ، يَمِيلُ إِلَى صَنْعَةِ الْكِيمْيَاءِ، وَلَهُ فِيهَا تَصَانِيفُ قَدْ ضَيَّعَتْ مِنَ النَّاسِ أَمْوَالًا لَا تُحْصَى. وَأَمَّا الْمَلِكُ مَسْعُودٌ فَإِنَّهُ لَمَّا انْهَزَمَ أَصْحَابُهُ وَتَفَرَّقُوا قَصَدَ جَبَلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَقْعَةِ اثْنَا عَشَرَ فَرْسَخًا، فَاخْتَفَى فِيهِ وَمَعَهُ غِلْمَانٌ صِغَارٌ، فَأَرْسَلَ رِكَابِيَّهُ عُثْمَانَ إِلَى أَخِيهِ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَسَارَ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ وَأَعْلَمَهُ حَالَ أَخِيهِ مَسْعُودٍ، فَرَقَّ لَهُ وَبَذَلَ لَهُ الْأَمَانَ، وَأَمَرَ آقْسُنْقُرَ الْبُرْسُقِيَّ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ، وَتَطْبِيبِ قَلْبِهِ، وَإِعْلَامِهِ بِعَفْوِهِ عَنْهُ، وَإِحْضَارِهِ، فَكَانَ مَسْعُودٌ بَعْدَ أَنْ أُرْسِلَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ قَدْ وَصَلَ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ إِلَيْهِ، وَحَسَّنَ لَهُ اللَّحَاقَ بِالْمَوْصِلِ، وَكَانَتْ لَهُ، وَمَعَهَا أَذْرَبِيجَانُ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِمُكَاتَبَةِ دُبَيْسِ بْنِ صَدَقَةَ لِيَجْتَمِعَ بِهِ، وَيَكْثُرَ جَمْعُهُ، وَيُعَاوِدَ طَلَبَ السَّلْطَنَةِ، فَسَارَ مَعَهُ مِنْ مَكَانِهِ. وَوَصَلَ الْبُرْسُقِيُّ فَلَمْ يَرَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِمَسِيرِهِ، فَسَارَ فِي أَثَرِهِ، وَعَزَمَ عَلَى طَلَبِهِ وَلَوْ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَجَدَّ فِي السَّيْرِ، فَأَدْرَكَهُ عَلَى ثَلَاثِينَ فَرْسَخًا مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ، وَعَرَّفَهُ عَفْوَ أَخِيهِ عَنْهُ، وَضَمِنَ لَهُ مَا أَرَادَ، وَأَعَادَهُ إِلَى الْعَسْكَرِ، فَأَمَرَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ الْعَسَاكِرَ بِاسْتِقْبَالِهِ وَتَعْظِيمِهِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَأَمَرَ السُّلْطَانُ أَنْ يَنْزِلَ عِنْدَ وَالِدَتِهِ، وَجَلَسَ لَهُ، وَأَحْضَرَهُ، وَاعْتَنَقَا، وَبَكَيَا، وَانْعَطَفَ عَلَيْهِ مَحْمُودٌ، وَوَفَى لَهُ بِمَا بَذَلَهُ، وَخَلَطَهُ بِنَفْسِهِ فِي كُلِّ

стр. 5175

أَفْعَالِهِ، فَعُدَّ ذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ مَحْمُودٍ، وَكَانَتِ الْخُطْبَةُ بِالسَّلْطَنَةِ لِمَسْعُودٍ بِأَذْرَبِيجَانَ، وَبَلَدِ الْمَوْصِلِ، وَالْجَزِيرَةِ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا. وَأَمَّا أَتَابِكُهُ جُيُوشْ بِكْ فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى عَقَبَةِ أَسَادَابَاذَ، وَانْتَظَرَ الْمَلِكَ مَسْعُودًا، فَلَمْ يَرَهُ، وَانْتَظَرَهُ بِمَكَانٍ آخَرَ، فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا أَيِسَ مِنْهُ سَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَنَزَلَ بِظَاهِرِهَا، وَجَمَعَ الْغَلَّاتِ مِنَ السَّوَادِ إِلَيْهَا، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ عَسْكَرُهُ، فَلَمَّا سَمِعَ بِمَا فَعَلَهُ السُّلْطَانُ مَعَ أَخِيهِ، وَأَنَّهُ عِنْدَهُ، عَلِمَ أَنَّهُ لَا مُقَامَ لَهُ عَلَى هَذَا الْحَالِ، فَسَارَ كَأَنَّهُ يُرِيدُ الصَّيْدَ، فَوَصَلَ إِلَى الزَّابِ، وَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: إِنَّنِي قَدْ عَزَمْتُ عَلَى قَصْدِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، وَأُخَاطِرُ بِنَفْسِي، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَوَصَلَ وَهُوَ بِهَمَذَانَ، وَدَخَلَ إِلَيْهِ، فَطَيَّبَ قَلْبَهُ وَأَمَّنَهُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ. وَأَمَّا دُبَيْسٌ فَإِنَّهُ كَانَ بِالْعِرَاقِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ انْهِزَامِ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ نَهَبَ الْبِلَادَ وَخَرَّبَهَا، وَفَعَلَ فِيهَا الْأَفَاعِيلَ الْقَبِيحَةَ، إِلَى أَنْ أَتَاهُ رَسُولُ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، وَطَيَّبَ قَلْبَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ. ذِكْرُ حَالِ دُبَيْسٍ وَمَا كَانَ مِنْهُ لَمَّا كَانَ مِنْهُ بِبَغْدَاذَ وَسَوَادِهَا مِنَ النَّهْبِ وَالْقَتْلِ وَالْفَسَادِ مَا لَمْ يَجْرِ مِثْلُهُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ رِسَالَةً يُنْكِرُ عَلَيْهِ، وَيَأْمُرُهُ بِالْكَفِّ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ السُّلْطَانُ وَطَيَّبَ قَلْبَهُ، وَأَمَرَهُ بِمَنْعِ أَصْحَابِهِ عَنِ الْفَسَادِ، فَلَمْ يَقْبَلْ، وَسَارَ بِنَفْسِهِ إِلَى بَغْدَاذَ، وَضَرَبَ سُرَادِقَهُ بِإِزَاءِ دَارِ الْخِلَافَةِ، وَأَظْهَرَ الضَّغَائِنَ الَّتِي فِي نَفْسِهِ، وَكَيْفَ طِيفَ بِرَأْسِ أَبِيهِ، وَتَهَدَّدَ الْخَلِيفَةُ، وَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَ تَسْتَدْعِي السُّلْطَانَ، فَإِنْ أَعَدْتُمُوهُ، وَإِلَّا فَعَلْتُ وَصَنَعْتُ. فَأُعِيدَ جَوَابُ رِسَالَتِهِ: أَنَّ عَوْدَ السُّلْطَانِ، وَقَدْ سَارَ عَنْ هَمَذَانَ، غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَلَكِنَّا نُصْلِحُ حَالَكَ مَعَهُ. وَكَانَ الرَّسُولُ شَيْخَ الشُّيُوخِ إِسْمَاعِيلَ، فَكَفَّ عَلَى أَنْ تَسِيرَ الرُّسُلُ فِي الِاتِّفَاقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّلْطَانِ، وَعَادَ عَنْ بَغْدَاذَ فِي رَجَبٍ. وَوَصَلَ السُّلْطَانُ فِي رَجَبٍ إِلَى بَغْدَاذَ، فَأَرْسَلَ دُبَيْسٌ زَوْجَتَهُ ابْنَةَ عَمِيدِ الدَّوْلَةِ بْنِ جَهِيرٍ إِلَيْهِ، وَمَعَهَا مَالٌ كَثِيرٌ، وَهَدِيَّةٌ نَفِيسَةٌ، وَسَأَلَ الصَّفْحَ عَنْهُ فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ عَلَى

стр. 5176

قَاعِدَةٍ امْتُنِعَ مِنْهَا، وَلَزِمَ لَجَاجَهُ، وَنَهَبَ جَشِيرًا لِلسُّلْطَانِ. فَسَارَ السُّلْطَانُ عَنْ بَغْدَاذَ، فِي شَوَّالٍ، إِلَى قَصْدِ دُبَيْسٍ بِالْحِلَّةِ، وَاسْتَصْحَبَ أَلْفَ سَفِينَةٍ لِيَعْبُرَ فِيهَا، فَلَمَّا عَلِمَ دُبَيْسٌ مَسِيرَ السُّلْطَانِ أَرْسَلَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُ، وَكَانَ قَصْدُهُ أَنْ يُغَالِطَهُ لِيَتَجَهَّزَ، فَأَرْسَلَ نِسَاءَهُ إِلَى الْبَطِيحَةِ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُ وَسَارَ عَنِ الْحِلَّةِ، بَعْدَ أَنْ نَهَبَهَا، إِلَى إِيلْغَازِي مُلْتَجِئًا إِلَيْهِ، وَوَصَلَ السُّلْطَانُ إِلَى الْحِلَّةِ، فَلَمْ يَرَ أَحَدًا، فَبَاتَ بِهَا لَيْلَةً وَاحِدَةً وَعَادَ. وَأَقَامَ دُبَيْسٌ عِنْدَ إِيلْغَازِي، وَتَرَدَّدَ مَعَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ أَخَاهُ مَنْصُورًا فِي جَيْشٍ مِنْ قَلْعَةِ جَعْبَرَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَنَظَرَ الْحِلَّةَ، وَالْكُوفَةَ، وَانْحَدَرَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى يَرْنَقْشَ الزَّكْوِيِّ يَسْأَلُهُ أَنْ يُصْلِحَ حَالَهُ مَعَ السُّلْطَانِ، فَلَمْ يَتِمَّ أَمْرُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ دُبَيْسٍ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، وَيَدْعُوهُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَسَارَ مِنْ قَلْعَةِ جَعْبَرَ إِلَى الْحِلَّةِ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَدَخَلَهَا وَمَلَكَهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ وَالسُّلْطَانِ يَعْتَذِرُ، وَيَعِدُ مِنْ نَفْسِهِ الطَّاعَةَ، فَلَمْ يُجَبْ إِلَى ذَلِكَ. وَسُيِّرَتْ إِلَيْهِ الْعَسَاكِرُ، فَلَمَّا قَارَبُوهُ فَارَقَ الْحِلَّةَ، وَدَخَلَ إِلَى الْأَزْبَرِ، وَهُوَ نَهْرُ سِنْدَادَ، وَوَصَلَ الْعَسْكَرُ إِلَيْهَا وَهِيَ فَارِغَةٌ قَدْ أُجْلِيَ أَهْلُهَا عَنْهَا وَلَيْسَ بِهَا إِقَامَةٌ فَكَانَتِ الْمِيرَةُ تُنْقَلُ مِنْ بَغْدَاذَ، وَكَانَ مُقَدَّمَ الْعَسْكَرِ سَعْدُ الدَّوْلَةِ يَرْنَقْشَ الزَّكْوِيُّ، فَتَرَكَ بِالْحِلَّةِ خَمْسَمِائَةِ فَارِسٍ، وَبِالْكُوفَةِ جَمَاعَةً أُخْرَى تَحَفَظُ الطَّرِيقَ عَلَى دُبَيْسٍ، وَأَرْسَلَ إِلَى عَسْكَرِ وَاسِطَ يَحْفَظُ طَرِيقَ الْبَطِيحَةِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَعَبَرَ عَسْكَرُ السُّلْطَانِ إِلَى دُبَيْسٍ، فَبَقِيَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ نَهْرٌ يُخَاضُ فِيهِ مَوَاضِعُ، فَتَرَاسَلَ يَرْنَقْشُ وَدُبَيْسٌ، وَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُرْسِلَ دُبَيْسٌ أَخَاهُ مَنْصُورًا رَهِينَةً، وَيُلَازِمَ الطَّاعَةَ، فَفَعَلَ، وَعَادَ الْعَسْكَرُ إِلَى بَغْدَاذَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ. ذِكْرُ خُرُوجِ الْكُرْجِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَمُلْكِ تِفْلِيسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الْكُرْجُ، وَهُمُ الْخَزَرُ، إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَكَانُوا قَدِيمًا يُغِيرُونَ، فَامْتَنَعُوا أَيَّامَ السُّلْطَانِ مُلْكِشَاهْ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ

стр. 5177

السَّنَةُ خَرَجُوا وَمَعَهُمْ قُفْجَاقُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُجَاوِرَةِ لَهُمْ فَتَكَاتَبَ الْأُمَرَاءُ الْمُجَاوِرُونَ لِبِلَادِهِمْ، وَاجْتَمَعُوا، مِنْهُمُ: الْأَمِيرُ إِيلْغَازِي وَدُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ، وَكَانَ عِنْدَهُ، وَالْمَلِكُ طُغْرَلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَتَابِكُهُ كُنْتَغْدِي، وَكَانَ لِطُغْرَلَ بَلَدُ أَرَّانَ، وَنَقْجُوَانُ إِلَى أَرَسَ، فَاجْتَمَعُوا وَسَارُوا إِلَى الْكُرْجِ، فَلَمَّا قَارَبُوا تِفْلِيسَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ يَبْلُغُونَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا الْتَقَوْا وَاصْطَفَّتِ الطَّائِفَتَانِ لِلْقِتَالِ، فَخَرَجَ مِنَ الْقُفْجَاقِ مِائَتَا رَجُلٍ، فَظَنَّ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُمْ مُسْتَأْمَنُونَ، فَلَمْ يَحْتَرِزُوا مِنْهُمْ، وَدَخَلُوا بَيْنَهُمْ، وَرَمَوْا بِالنُّشَّابِ، فَاضْطَرَبَ صَفُّ الْمُسْلِمِينَ، فَظَنَّ مَنْ بَعُدَ أَنَّهَا هَزِيمَةٌ، فَانْهَزَمُوا، وَتَبِعَ النَّاسُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا مُنْهَزِمِينَ، وَلِشِدَّةِ الزِّحَامِ صَدَمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَقُتِلَ مِنْهُمْ عَالَمٌ عَظِيمٌ. وَتَبِعَهُمُ الْكُفَّارُ عَشَرَةَ فَرَاسِخَ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ، فَقُتِلَ أَكْثَرُهُمْ، وَأَسَرُوا أَرْبَعَةَ آلَافِ رَجُلٍ، وَنَجَا الْمَلِكُ طُغْرَلُ، وَإِيلْغَازِي، وَدُبَيْسٌ، وَعَادَ الْكُرْجُ فَنَهَبُوا بِلَادَ الْإِسْلَامِ، وَحَصَرُوا مَدِينَةَ تَفْلِيسَ، وَاشْتَدَّ قِتَالُهُمْ لِمَنْ بِهَا، وَعَظُمَ الْأَمْرُ، وَتَفَاقَمَ الْخَطْبُ عَلَى أَهْلِهَا، وَدَامَ الْحِصَارُ إِلَى سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ فَمَلَكُوهَا عَنْوَةً. وَكَانَ أَهْلُهَا لَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الْهَلَاكِ قَدْ أَرْسَلُوا قَاضِيَهَا وَخَطِيبَهَا إِلَى الْكُرْجِ فِي طَلَبِ الْأَمَانِ، فَلَمْ تُصْغِ الْكُرْجُ إِلَيْهِمَا فَأَخْرَقُوا بِهِمَا، وَدَخَلُوا الْبَلَدَ قَهْرًا وَغَلَبَةً، وَاسْتَبَاحُوهُ وَنَهَبُوهُ، وَوَصَلَ الْمُسْتَنْفِرُونَ مِنْهُمْ إِلَى بَغْدَاذَ مُسْتَصْرَخِينَ وَمُسْتَنْصِرِينَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَبَلَغَهُمْ أَنَّ السُّلْطَانَ مَحْمُودًا بِهَمَذَانَ، فَقَصَدُوهُ وَاسْتَغَاثُوا بِهِ، فَسَارَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَأَقَامَ بِمَدِينَةِ تِبْرِيزَ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَأَنْفَذَ عَسْكَرًا إِلَى الْكُرْجِ، وَسَيَرِدُ ذِكْرُ مَا كَانَ مِنْهُمْ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ غَزَوَاتِ إِيلْغَازِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَرْسَلَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ خِلَعًا مَعَ سَدِيدِ الدَّوْلَةِ بْنِ الْأَنْبَارِيِّ لِنَجْمِ الدِّينِ إِيلْغَازِي، وَشَكَرَهُ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ مِنْ غَزْوِ الْفِرِنْجِ، وَيَأْمُرُهُ بِإِبْعَادِ دُبَيْسٍ عَنْهُ، وَسَارَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ عَمَّارٍ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ طَرَابُلُسَ، مَعَ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ إِلَى إِيلْغَازِي لِيُقِيمَ عِنْدَهُ، يَعْبُرُ الْأَوْقَاتَ بِمَا يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْهِ، فَاعْتَذَرَ عَنْ إِبْعَادِ دُبَيْسٍ، وَوَعَدَ بِهِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى

стр. 5178

الْفِرِنْجِ، وَكَانَ قَدْ جَمَعَ لَهُمْ جَمْعًا، فَالْتَقَوْا بِمَوْضِعٍ اسْمُهُ ذَاتُ الْبَقْلِ مِنْ أَعْمَالِ حَلَبَ، فَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَكَانَ الظَّفَرُ لَهُ. ثُمَّ اجْتَمَعَ إِيلْغَازِي وَأَتَابِكُ طُغْتِكِينُ، صَاحِبُ دِمَشْقَ، وَحَصَرُوا الْفِرِنْجَ فِي مَعَرَّةِ قِنَّسْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ أَشَارَ أَتَابِكُ طُغْتِكِينُ بِالْإِفْرَاجِ عَنْهُمْ، كَيْلَا يَحْمِلَهُمُ الْخَوْفُ عَلَى أَنْ يَسْتَقْتِلُوا وَيَخْرُجُوا إِلَى الْمُسْلِمِينَ، فَرُبَّمَا ظَفِرُوا، وَكَانَ أَكْثَرَ خَوْفِهِ مِنْ دُبُرِ خَيْلِ التُّرْكُمَانِ، وَجَوْدَةِ خَيْلِ الْفِرِنْجِ، فَأَفْرَجَ لَهُمْ إِيلْغَازِي، فَسَارُوا عَنْ مَكَانِهِمْ وَتَخَلَّصُوا، وَكَانَ إِيلْغَازِي لَا يُطِيلُ الْمُقَامَ فِي بَلَدِ الْفِرِنْجِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ التُّرْكُمَانَ لِلطَّمَعِ، فَيَحْضُرُ أَحَدُهُمْ وَمَعَهُ جِرَابٌ فِيهِ دَقِيقٌ، وَشَاةٌ، وَيَعُدُّ السَّاعَاتِ لِغَنِيمَةٍ يَتَعَجَّلُهَا، وَيَعُودُ، فَإِذَا طَالَ مُقَامُهُمْ تَفَرَّقُوا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا يُفَرِّقُهَا فِيهِمْ. ذِكْرُ ابْتِدَاءِ أَمْرِ مُحَمَّدِ بْنِ تُومَرْتَ وَعَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَمُلْكِهِمَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِ الْمَهْدِيِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ تُومَرْتَ الْعَلَوِيِّ، الْحَسَنِيِّ، وَقَبِيلَتُهُ مِنَ الْمَصَامِدَةِ، تُعْرَفُ بِهَرْغَةَ فِي جَبَلِ السُّوسِ، مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، نَزَلُوا بِهِ لَمَّا فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ مَعَ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، وَنَذْكُرُ أَمْرَهُ وَأَمْرَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ هَذِهِ السَّنَةَ إِلَى أَنْ فَرَغَ مِنْ مُلْكِ الْمَغْرِبِ لِنُتْبِعَ بَعْضَ الْحَادِثَةِ بَعْضًا. وَكَانَ ابْنُ تُومَرْتَ قَدْ رَحَلَ فِي شَبِيبَتِهِ إِلَى بِلَادِ الشَّرْقِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَكَانَ فَقِيهًا، فَاضِلًا، عَالِمًا بِالشَّرِيعَةِ، حَافِظًا لِلْحَدِيثِ، عَارِفًا بِأُصُولَيِ الدِّينِ وَالْفِقْهِ، مُتَحَقِّقًا بِعِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ وَرِعًا، نَاسِكًا، وَوَصَلَ فِي سَفَرِهِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَاجْتَمَعَ بِالْغَزَالِيِّ، وَإِلْكِيَا، وَاجْتَمَعَ بِأَبِي بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيِّ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَقِيلَ إِنَّهُ جَرَى لَهُ حَدِيثٌ مَعَ الْغَزَالِيِّ فِيمَا فَعَلَهُ بِالْمَغْرِبِ مِنَ التَّمَلُّكِ، فَقَالَ لَهُ الْغَزَالِيُّ: إِنَّ هَذَا لَا يَتَمَشَّى فِي هَذِهِ الْبِلَادِ، وَلَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ لِأَمْثَالِنَا. كَذَا قَالَ بَعْضُ مُؤَرِّخِي الْمَغْرِبِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِهِ، فَحَجَّ مِنْ هُنَاكَ وَعَادَ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَلَمَّا رَكِبَ الْبَحْرَ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، مُغْرِبًا، غَيَّرَ الْمُنْكَرَ فِي الْمَرْكِبِ، وَأَلْزَمَ مَنْ بِهِ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، وَسُلْطَانُهَا حِينَئِذٍ يَحْيَى بْنُ تَمِيمٍ، سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَنَزَلَ بِمَسْجِدٍ قِبْلِيِّ مَسْجِدِ السَّبْتِ، وَلَيْسَ لَهُ سِوَى

стр. 5179

رَكْوَةٌ، وَعَصًا، وَتَسَامَعَ بِهِ أَهْلُ الْبَلَدِ، فَقَصَدُوهُ يَقْرَءُونَ عَلَيْهِ أَنْوَاعَ الْعُلُومِ، وَكَانَ إِذَا مَرَّ بِهِ مُنْكَرٌ غَيَّرَهُ وَأَزَالَهُ، فَلَمَّا كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ أَحْضَرَهُ الْأَمِيرُ يَحْيَى مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، فَلَمَّا رَأَى سَمْتَهُ وَسَمِعَ كَلَامَهُ أَكْرَمَهُ وَاحْتَرَمَهُ، وَسَأَلَهُ الدُّعَاءَ. وَرَحَلَ عَنِ الْمَدِينَةِ وَأَقَامَ بِالْمُنَسْتِيرِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّالِحِينَ، مُدَّةً وَسَارَ إِلَى بِجَايَةَ فَفَعَلَ فِيهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَخْرَجَ مِنْهَا إِلَى قَرْيَةٍ بِالْقُرْبِ مِنْهَا اسْمُهَا مَلَّالَةُ، فَلَقِيَهُ بِهَا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ عَلِيٍّ، فَرَأَى فِيهِ مِنَ النَّجَابَةِ وَالنَّهْضَةِ مَا تَفَرَّسَ فِيهِ التَّقَدُّمَ، وَالْقِيَامَ بِالْأَمْرِ، فَسَأَلَهُ عَنِ اسْمِهِ وَقَبِيلَتِهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ مِنْ قِيسِ عَيْلَانَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَقَالَ ابْنُ تُومَرْتَ: هَذَا الَّذِي بَشَّرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، حِينَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ هَذَا الدِّينَ، فِي آخِرِ الزَّمَانِ، بِرَجُلٍ مِنْ قِيسٍ، فَقِيلَ: مِنْ أَيِّ قَيْسٍ؟ فَقَالَ: مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ» . فَاسْتَبْشَرَ بِعَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَسُرَّ بِلِقَائِهِ، وَكَانَ مَوْلِدُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ فِي مَدِينَةِ تَاجَرَةَ، مِنْ أَعْمَالِ تِلِمْسَانَ، وَهُوَ مِنْ عَائِذٍ، قَبِيلٌ مِنْ كَوْمَرَةَ، نَزَلُوا بِذَلِكَ الْإِقْلِيمِ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ. وَلَمْ يَزَلِ الْمَهْدِيُّ مُلَازِمًا لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي طَرِيقِهِ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى مُرَّاكِشَ دَارِ مَمْلَكَةِ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ يُوسُفَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ تَاشَفِينَ، فَرَأَى فِيهَا مِنَ الْمُنْكَرَاتِ أَكْثَرَ مِمَّا عَايَنَهُ فِي طَرِيقِهِ، فَزَادَ فِي أَمْرِهِ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيِهِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، وَحَسُنَتْ ظُنُونُ النَّاسِ فِيهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ فِي طَرِيقِهِ، إِذْ رَأَى أُخْتَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي مَوْكِبِهَا، وَمَعَهَا مِنَ الْجَوَارِي الْحِسَانِ عِدَّةٌ كَثِيرَةٌ، وَهُنَّ مُسْفِرَاتٌ، وَكَانَتْ هَذِهِ عَادَةَ الْمُلَثَّمِينَ يُسْفِرُ نِسَاؤُهُمْ عَنْ وُجُوهِهِنَّ، وَيَتَلَثَّمُ الرِّجَالُ، فَحِينَ رَأَى النِّسَاءَ كَذَلِكَ أَنْكَرَ عَلَيْهِنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِسَتْرِ وُجُوهِهِنَّ وَضَرَبَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ دَوَابَّهُنَّ، فَسَقَطَتْ أُخْتُ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ دَابَّتِهَا، فَرُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ، فَأَحْضَرَهُ، وَأَحْضَرَ الْفُقَهَاءَ لِيُنَاظِرَهُ، فَأَخَذَ يَعِظُهُ وَيُخَوِّفُهُ، فَبَكَى أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ أَنْ يُنَاظِرَهُ الْفُقَهَاءُ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَقُومُ لَهُ لِقُوَّةِ أَدِلَّتِهِ فِي الَّذِي فَعَلَهُ. وَكَانَ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضُ وُزَرَائِهِ يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ وُهَيْبٍ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّ هَذَا وَاللَّهِ لَا يُرِيدُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، إِنَّمَا يُرِيدُ إِثَارَةَ فِتْنَةٍ، وَالْغَلَبَةَ عَلَى بَعْضِ النَّوَاحِي، فَاقْتُلْهُ وَقَلِّدْنِي دَمَهُ. فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنْ لَمْ تَقْتُلْهُ فَاحْبِسْهُ، وَخَلِّدْهُ فِي السِّجْنِ، وَإِلَّا أَثَارَ شَرًّا لَا يُمْكِنُ تَلَافِيهِ. فَأَرَادَ حَبْسَهُ، فَمَنَعَهُ رَجُلٌ مِنْ أَكَابِرِ الْمُلَثَّمِينَ يُسَمَّى بَيَانَ بْنَ عُثْمَانَ فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ مُرَّاكِشَ، فَسَارَ إِلَى

стр. 5180

أَغْمَاتَ، وَلَحِقَ بِالْجَبَلِ، فَسَارَ فِيهِ، حَتَّى الْتَحَقَ بِالسُّوسِ الَّذِي فِيهِ قَبِيلَةُ هَرْغَةَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمَصَامِدَةِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشَرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَأَتَوْهُ، وَاجْتَمَعُوا حَوْلَهُ. وَتَسَامَعَ بِهِ أَهْلُ تِلْكَ النَّوَاحِي، فَوَفَدُوا عَلَيْهِ، وَحَضَرَ أَعْيَانُهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ يَعِظُهُمْ، وَيُذَكِّرُهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ، وَيَذْكُرُ لَهُمْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، وَمَا غَيَّرَ مِنْهَا، وَمَا حَدَثَ مِنَ الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ طَاعَةُ دَوْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الدُّوَلِ لِاتِّبَاعِهِمُ الْبَاطِلَ، بَلِ الْوَاجِبُ قِتَالُهُمْ، وَمَنْعُهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ، فَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ نَحْوَ سَنَةٍ، وَتَابَعَتْهُ هَرْغَةُ قَبِيلَتُهُ، وَسَمَّى أَتْبَاعَهُ الْمُوَحِّدِينَ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ، ﷺ بَشَّرَ بِالْمَهْدِيِّ الَّذِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا، وَأَنَّ مَكَانَهُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَغْرِبُ الْأَقْصَى، فَقَامَ إِلَيْهِ عَشَرَةُ رِجَالٍ، أَحَدُهُمْ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ، فَقَالُوا: لَا يُوجَدُ هَذَا إِلَّا فِيكَ فَأَنْتَ الْمَهْدِيُّ، فَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ. فَانْتَهَى خَبَرُهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، فَجَهَّزَ جَيْشًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَسَيَّرَهُمْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَرُبُوا مِنَ الْجَبَلِ الَّذِي هُوَ فِيهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَنِي، وَأَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ، فَالرَّأْيُ أَنْ أَخْرُجَ بِنَفْسِي إِلَى غَيْرِ هَذِهِ الْبِلَادِ لِتَسْلَمُوا أَنْتُمْ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ تُوفَيَانَ مِنْ مَشَايِخِ هَرْغَةَ: هَلْ تَخَافُ شَيْئًا مِنَ السَّمَاءِ؟ فَقَالَ: لَا، بَلْ مِنَ السَّمَاءِ تُنْصَرُونَ، فَقَالَ ابْنُ تُوَفَيَانَ: فَلْيَأْتِنَا كُلُّ مَنْ فِي الْأَرْضِ. وَوَافَقَهُ جَمِيعُ قَبِيلَتِهِ، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: أَبْشِرُوا بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ بِهَذِهِ الشِّرْذِمَةِ، وَبَعْدَ قَلِيلٍ تَسْتَأْصِلُونَ دَوْلَتَهُمْ، وَتَرِثُونَ أَرْضَهُمْ، فَنَزَلُوا مِنَ الْجَبَلِ، وَلَقُوا جَيْشَ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، فَهَزَمُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَسْلَابَهُمْ، وَقَوِيَ ظَنُّهُمْ فِي صِدْقِ الْمَهْدِيِّ، حَيْثُ ظَفِرُوا، كَمَا ذَكَرَ لَهُمْ. وَأَقْبَلَتْ إِلَيْهِ أَفْوَاجُ الْقَبَائِلِ، مِنَ الْحِلَلِ الَّتِي حَوْلَهُ، شَرْقًا وَغَرْبًا، وَبَايَعُوهُ، وَأَطَاعَتْهُ قَبِيلَةُ هَنْتَاتَةُ، وَهِيَ مِنْ أَقْوَى الْقَبَائِلِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِمْ، وَأَتَاهُ رُسُلُ أَهْلِ تِينِ مَلَّلَ بِطَاعَتِهِمْ، وَطَلَبُوهُ إِلَيْهِمْ، فَتَوَجَّهَ إِلَى جَبَلِ تِينِ مَلَّلَ وَاسْتَوْطَنَهُ، وَأَلَّفَ لَهُمْ كِتَابًا فِي التَّوْحِيدِ، وَكِتَابًا فِي الْعَقِيدَةِ، وَنَهَجَ لَهُمْ طَرِيقَ الْأَدَبِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْقَصِيرِ مِنَ الثِّيَابِ، الْقَلِيلِ الثَّمَنِ، وَهُوَ يُحَرِّضُهُمْ عَلَى قِتَالِ عَدُوِّهِمْ، وَإِخْرَاجِ الْأَشْرَارِ مِنْ بَيْنٍ أَظْهُرِهِمْ. وَأَقَامَ بِتِينِ مَلَّلَ وَبَنَى لَهُ مَسْجِدًا خَارِجَ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ الصَّلَوَاتِ هُوَ

стр. 5181

وَجَمْعٌ مِمَّنْ مَعَهُ عِنْدَهُ، وَيَدْخُلُ الْبَلَدَ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَلَمَّا رَأَى كَثْرَةَ أَهْلِ الْجَبَلِ، وَحَصَانَةَ الْمَدِينَةِ، خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْهُ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَحْضُرُوا بِغَيْرِ سِلَاحٍ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ عِدَّةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَقْتُلُوهُمْ، فَخَرَجُوا عَلَيْهِمْ وَهُمْ غَارُّونَ فَقَتَلُوهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَقَتَلَ فِيهَا وَأَكْثَرَ، وَسَبَى الْحَرِيمَ، وَنَهَبَ الْأَمْوَالَ، فَكَانَ عِدَّةُ الْقَتْلَى خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَقَسَّمَ الْمَسَاكِنَ وَالْأَرْضَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَبَنَى عَلَى الْمَدِينَةِ سُورًا، وَقَلْعَةً عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ عَالٍ. وَفِي جَبَلِ تِينِ مَلَّلَ أَنْهَارٌ جَارِيَةٌ، وَأَشْجَارٌ، وَزُرُوعٌ، وَالطَّرِيقُ إِلَيْهِ صَعُبٌ، فَلَا جَبَلَ أَحْصَنُ مِنْهُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا خَافَ أَهْلَ تِينِ مَلَّلَ نَظَرَ، فَرَأَى كَثِيرًا مِنْ أَوْلَادِهِمْ شُقْرًا زُرْقًا، وَالَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الْآبَاءِ السُّمْرَةُ، وَكَانَ لِأَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ عِدَّةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْمَمَالِيكِ الْفِرِنْجِ وَالرُّومِ، وَيَغْلِبُ عَلَى أَلْوَانِهِمُ الشُّقْرَةُ، وَكَانُوا يَصَعِدُونَ الْجَبَلَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً، وَيَأْخُذُونَ مَا لَهُمْ فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ الْمُقَرَّرَةِ لَهُمْ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ، فَكَانُوا يَسْكُنُونَ بُيُوتَ أَهْلِهِ، وَيُخْرِجُونَ أَصْحَابَهَا مِنْهَا، فَلَمَّا رَأَى الْمَهْدِيُّ أَوْلَادَهُمْ سَأَلَهُمْ: مَا لِي أَرَاكُمْ سُمْرَ الْأَلْوَانِ، وَأَرَى أَوْلَادَكُمْ شُقْرًا، زُرْقًا؟ فَأَخْبَرُوهُ خَبَرَهُمْ مَعَ مَمَالِيكِ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَبَّحَ الصَّبْرَ عَلَى هَذَا، وَأَزْرَى عَلَيْهِمْ، وَعَظَّمَ الْأَمْرَ عِنْدَهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: فَكَيْفَ الْحِيلَةُ فِي الْخَلَاصِ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ لَنَا بِهِمْ قُوَّةٌ؟ فَقَالَ: إِذَا حَضَرُوا عِنْدَكُمْ فِي الْوَقْتِ الْمُعْتَادِ، وَتَفَرَّقُوا فِي مَسَاكِنِهِمْ، فَلْيَقُمْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ إِلَى نَزِيلِهِ فَيَقْتُلَهُ، وَاحْفَظُوا جَبَلَكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يُرَامُ وَلَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ. فَصَبَرُوا حَتَّى حَضَرَ أُولَئِكَ الْعَبِيدُ، فَقَتَلُوهُمْ عَلَى مَا قَرَّرَ لَهُمُ الْمَهْدِيُّ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ خَافُوا عَلَى نُفُوسِهِمْ مِنْ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، فَامْتَنَعُوا فِي الْجَبَلِ، وَسَدُّوا مَا فِيهِ مِنْ طَرِيقٍ يُسْلَكُ إِلَيْهِمْ، فَقَوِيَتْ نَفْسُ الْمَهْدِيِّ بِذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا قَوِيًّا، فَحَصَرُوهُمْ فِي الْجَبَلِ، وَضَيَّقُوا عَلَيْهِمْ، وَمَنَعُوا عَنْهُمُ الْمِيرَةَ، فَقَلَّتْ عِنْدَ أَصْحَابِ الْمَهْدِيِّ الْأَقْوَاتُ، حَتَّى صَارَ الْخُبْزُ مَعْدُومًا عِنْدَهُمْ، وَكَانَ يُطْبَخُ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الْحَسَاءِ مَا يَكْفِيهِمْ، فَكَانَ قُوتُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَغْمِسَ يَدَهُ فِي ذَلِكَ الْحَسَاءِ وَيُخْرِجَهَا، فَمَا عَلَقَ عَلَيْهَا قَنَعَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَاجْتَمَعَ أَعْيَانُ أَهْلِ تِينِ مَلَّلَ، وَأَرَادُوا إِصْلَاحَ الْحَالِ مَعَ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ الْمَهْدِيَّ بْنَ تُومَرْتَ، وَكَانَ مَعَهُ إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْوَنْشَرِيشِيُّ، يُظْهِرُ الْبَلَهَ،

стр. 5182

وَعَدَمَ الْمَعْرِفَةِ بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ، وَبُزَاقُهُ يَجْرِي عَلَى صَدْرِهِ، وَهُوَ كَأَنَّهُ مَعْتُوهٌ، وَمَعَ هَذَا فَالْمَهْدِيُّ يُقَرِّبُهُ، وَيُكْرِمُهُ، وَيَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ سِرًّا فِي هَذَا الرَّجُلِ سَوْفَ يَظْهَرُ. وَكَانَ الْوَنْشَرِيشِيُّ يَلْزَمُ الِاشْتِغَالَ بِالْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ فِي السِّرِّ بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَخَافَ الْمَهْدِيُّ مِنْ أَهْلِ الْجَبَلِ، خَرَجَ يَوْمًا لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَرَأَى إِلَى جَانِبِ مِحْرَابِهِ إِنْسَانًا حَسَنَ الثِّيَابِ، طَيِّبَ الرِّيحِ، فَأَظْهَرَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ، وَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْوَنْشَرِيشِيُّ! فَقَالَ لَهُ الْمَهْدِيُّ: إِنَّ أَمْرَكَ لَعَجَبٌ! ثُمَّ صَلَّى، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ نَادَى فِي النَّاسِ فَحَضَرُوا، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَزْعُمُ أَنَّهُ الْوَنْشَرِيشِيُّ، فَانْظُرُوهُ، وَتَحَقَّقُوا أَمْرَهُ، فَلَمَّا أَضَاءَ النَّهَارُ عَرَفُوهُ، فَقَالَ لَهُ الْمَهْدِيُّ: مَا قِصَّتُكَ؟ قَالَ: إِنَّنِي أَتَانِيَ اللَّيْلَةَ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَغَسَلَ قَلْبِي، وَعَلَّمَنِي اللَّهُ الْقُرْآنَ، وَالْمُوَطَّأَ، وَغَيْرَهُ مِنَ الْعُلُومِ وَالْأَحَادِيثِ. فَبَكَى الْمَهْدِيُّ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: نَحْنُ نَمْتَحِنُكَ، فَقَالَ: افْعَلْ. وَابْتَدَأَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ قِرَاءَةً حَسَنَةً مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ سُئِلَ، وَكَذَلِكَ الْمُوَطَّأَ، وَغَيْرَهُ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ، وَاسْتَعْظَمُوهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَعْطَانِي نُورًا أَعْرِفُ بِهِ أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَآمُرُكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا أَهْلَ النَّارِ، وَتَتْرُكُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَلَائِكَةً إِلَى الْبِئْرِ الَّتِي فِي الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ يَشْهَدُونَ بِصِدْقِي. فَسَارَ الْمَهْدِيُّ، وَالنَّاسُ مَعَهُ وَهُمْ يَبْكُونَ، إِلَى تِلْكَ الْبِئْرِ، وَصَلَّى الْمَهْدِيُّ عِنْدَ رَأْسِهَا، وَقَالَ: يَا مَلَائِكَةَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْوَنْشَرِيشِيَّ قَدْ زَعَمَ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَقَالَ مَنْ بِهَا: صَدَقَ! وَكَانَ قَدْ وَضَعَ فِيهَا رِجَالًا يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ فَلَمَّا قِيلَ ذَلِكَ مِنَ الْبِئْرِ، قَالَ الْمَهْدِيُّ: إِنَّ هَذِهِ مُطَهَّرَةٌ مُقَدَّسَةٌ قَدْ نَزَلَ إِلَيْهَا الْمَلَائِكَةُ، وَالْمَصْلَحَةُ أَنْ تُطَمَّ لِئَلَّا يَقَعَ فِيهَا نَجَاسَةٌ، أَوْ مَا لَا يَجُوزُ، فَأَلْقَوْا فِيهَا مِنَ الْحِجَارَةِ وَالتُّرَابِ مَا طَمَّهَا، ثُمَّ نَادَى فِي أَهْلِ الْجَبَلِ بِالْحُضُورِ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَحَضَرُوا لِلتَّمْيِيزِ، فَكَانَ الْوَنْشَرِيشِيُّ يَعْمِدُ إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي يَخَافُ نَاحِيَتَهُ، فَيَقُولُ: هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُلْقَى مِنَ الْجَبَلِ مَقْتُولًا، وَإِلَى الشَّابِّ الْغِرِّ، وَمَنْ لَا يَخْشَى، فَيَقُولُ: هَذَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُتْرَكُ عَلَى يَمِينِهِ، فَكَانَ عِدَّةُ الْقَتْلَى سَبْعِينَ أَلْفًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَصْحَابِهِ وَاسْتَقَامَ أَمْرُهُ.

стр. 5183

هَكَذَا سَمِعْتُ جَمَاعَةً مِنْ فُضَلَاءِ الْمَغَارِبَةِ يَذْكُرُونَ فِي التَّمْيِيزِ، وَسَمِعْتُ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ ابْنَ تُومَرْتَ لَمَّا رَأَى كَثْرَةَ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ فِي أَهْلِ الْجَبَلِ، أَحْضَرَ شُيُوخَ الْقَبَائِلِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ لَا يَصِحُّ لَكُمْ دِينٌ، وَلَا يَقْوَى إِلَّا بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَإِخْرَاجِ الْمُفْسِدِ مِنْ بَيْنِكُمْ، فَابْحَثُوا عَنْ كُلِّ مَنْ عِنْدَكُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ، فَانْهُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنِ انْتَهَوْا، وَإِلَّا فَاكْتُبُوا أَسْمَاءَهُمْ وَارْفَعُوهَا إِلَيَّ لِأَنْظُرَ فِي أَمْرِهِمْ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَكَتَبُوا لَهُ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَثَالِثَةً، ثُمَّ جَمَعَ الْمَكْتُوبَاتِ فَأَخَذَ مِنْهَا مَا تَكَرَّرَ مِنَ الْأَسْمَاءِ فَأَثْبَتَهَا عِنْدَهُ، ثُمَّ جَمَعَ النَّاسَ قَاطِبَةً، وَرَفَعَ الْأَسْمَاءَ الَّتِي كَتَبَهَا، وَدَفَعَهَا إِلَى الْوَنْشَرِيشِيِّ الْمَعْرُوفِ بِالْبَشِيرِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْرِضَ الْقَبَائِلَ، وَيَجْعَلَ أُولَئِكَ الْمُفْسِدِينَ فِي جِهَةِ الشِّمَالِ، وَمَنْ عَدَاهُمْ فِي جِهَةِ الْيَمِينِ فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَأَمَرَ أَنْ يُكَتَّفَ مَنْ عَلَى شِمَالِ الْوَنْشَرِيشِيِّ، فَكُتِّفُوا، وَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ أَشْقِيَاءُ قَدْ وَجَبَ قَتْلُهُمْ، وَأَمَرَ كُلَّ قَبِيلَةٍ أَنْ يَقْتُلُوا أَشْقِيَاءَهُمْ، فَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ فَكَانَ يَوْمَ التَّمْيِيزِ. وَلَمَّا فَرَغَ ابْنُ تُومَرْتَ مِنَ التَّمْيِيزِ، رَأَى أَصْحَابَهُ الْبَاقِينَ عَلَى نِيَّاتٍ صَادِقَةٍ، وَقُلُوبٍ مُتَّفِقَةٍ عَلَى طَاعَتِهِ، فَجَهَّزَ مِنْهُمْ جَيْشًا وَسَيَّرَهُمْ إِلَى جِبَالِ أَغْمَاتَ، وَبِهَا جَمْعٌ مِنَ الْمُرَابِطِينَ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ ابْنِ تُومَرْتَ، وَكَانَ أَمِيرَهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْوَنْشَرِيشِيُّ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، وَجُرِحَ عُمَرُ الْهِنْتَانِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ أَصْحَابِهِ، وَسَكَنَ حِسُّهُ وَنَبْضُهُ، فَقَالُوا: مَاتَ! فَقَالَ الْوَنْشَرِيشِيُّ: أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلَا يَمُوتُ حَتَّى يَمْلِكَ الْبِلَادَ. فَبَعْدَ سَاعَةٍ فَتَحَ عَيْنَيْهِ، وَعَادَتْ قُوَّتُهُ إِلَيْهِ، فَافْتَتَنُوا بِهِ، وَعَادُوا مُنْهَزِمِينَ إِلَى ابْنِ تُومَرْتَ، فَوَعَظَهُمْ، وَشَكَرَهُمْ عَلَى صَبْرِهِمْ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ بَعْدَهَا يُرْسِلُ السَّرَايَا فِي أَطْرَافِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا رَأَوْا عَسْكَرًا تَعَلَّقُوا بِالْجَبَلِ فَأَمِنُوا. وَكَانَ الْمَهْدِيُّ قَدْ رَتَّبَ أَصْحَابَهُ مَرَاتِبَ، فَالْأُولَى يُسَمَّوْنَ أَيْتَ عَشَرَةٍ يَعْنِي أَهْلَ عَشَرَةٍ، وَأَوَّلُهُمْ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ، ثُمَّ أَبُو حَفْصٍ الْهِنْتَاتِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَهُمْ أَشْرَفُ أَصْحَابِهِ، وَأَهْلُ الثِّقَةِ عِنْدَهُ، السَّابِقُونَ إِلَى مُتَابَعَتِهِ، وَالثَّانِيَةُ: أَيْتَ خَمْسِينَ، يَعْنِي أَهْلَ خَمْسِينَ، وَهُمْ دُونَ تِلْكَ الطَّبَقَةِ، وَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَاءِ الْقَبَائِلِ، وَالثَّالِثَةُ: أَيْتَ سَبْعِينَ، يَعْنِي أَهْلَ سَبْعِينَ، وَهُمْ دُونَ الَّتِي قَبْلَهَا، وَسُمِّيَ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ وَالدَّاخِلِينَ فِي طَاعَتِهِ مُوَحِّدِينَ، فَإِذَا ذُكِرَ الْمُوَحِّدُونَ فِي أَخْبَارِهِمْ فَإِنَّمَا يُعْنَى أَصْحَابُهُ وَأَصْحَابُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بَعْدَهُ.

стр. 5184

وَلَمْ يَزَلْ أَمْرُ ابْنِ تُومَرْتَ يَعْلُو إِلَى سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَجَهَّزَ الْمَهْدِيُّ جَيْشًا كَثِيفًا يَبْلُغُونَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، أَكْثَرُهُمْ رَجَّالَةٌ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الْوَنْشَرِيشِيَّ، وَسَيَّرَ مَعَهُمْ عَبْدَ الْمُؤْمِنِ، فَنَزَلُوا وَسَارُوا إِلَى مُرَّاكِشَ فَحَصَرُوهَا، وَضَيَّقُوا عَلَيْهَا، وَبِهَا أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ، فَبَقِيَ الْحِصَارُ عَلَيْهَا عِشْرِينَ يَوْمًا، فَأَرْسَلَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مُتَوَلِّي سِجِلْمَاسَةَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَحْضُرَ وَمَعَهُ الْجُيُوشُ، فَجَمَعَ كَثِيرًا، وَسَارَ، فَلَمَّا قَارَبَ عَسْكَرَ الْمَهْدِيِّ خَرَجَ أَهْلُ مُرَّاكِشَ مِنْ غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي أَقْبَلَ مِنْهَا، فَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي أَصْحَابِ الْمَهْدِيِّ، فَقُتِلَ الْوَنْشَرِيشِيُّ أَمِيرُهُمْ، فَاجْتَمَعُوا إِلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَجَعَلُوهُ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ. وَلَمْ يَزَلِ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ عَامَّةَ النَّهَارِ، وَصَلَّى عَبْدُ الْمُؤْمِنِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، وَلَمْ تُصَلَّ بِالْمَغْرِبِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَى الْمَصَامِدَةُ كَثْرَةَ الْمُرَابِطِينَ، وَقُوَّتَهُمْ، أَسْنَدُوا ظُهُورَهُمْ إِلَى بُسْتَانٍ كَبِيرٍ هُنَاكَ، وَالْبُسْتَانُ يُسَمَّى عِنْدَهُمُ الْبُحَيْرَةُ، فَلِهَذَا قِيلَ وَقْعَةُ الْبُحَيْرَةِ، وَعَامُ الْبُحَيْرَةِ، وَصَارُوا يُقَاتِلُونَ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَى أَنْ أَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ، وَقَدْ قُتِلَ مِنَ الْمَصَامِدَةِ أَكْثَرُهُمْ، وَحِينَ قُتِلَ الْوَنْشَرِيشِيُّ دَفَنَهُ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ فَطَلَبَهُ الْمَصَامِدَةُ، فَلَمْ يَرَوْهُ فِي الْقَتْلَى فَقَالُوا: رَفَعَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَلَمَّا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ سَارَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ وَمَنْ سَلِمَ مِنَ الْقَتْلِ إِلَى الْجَبَلِ. ذِكْرُ وَفَاةِ الْمَهْدِيِّ وَوِلَايَةِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ لَمَّا سَيَّرَ الْجَيْشَ إِلَى حِصَارِ مُرَّاكِشَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ الْهَزِيمَةِ اشْتَدَّ مَرَضُهُ، وَسَأَلَ عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَقِيلَ: هُوَ سَالِمٌ، فَقَالَ: مَا مَاتَ أَحَدٌ، الْأَمْرُ قَائِمٌ، وَهُوَ الَّذِي يَفْتَحُ الْبِلَادَ. وَوَصَّى أَصْحَابَهُ بِاتِّبَاعِهِ، وَتَقْدِيمِهِ، وَتَسْلِيمِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ، وَالِانْقِيَادِ لَهُ، وَلَقَّبَهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ مَاتَ الْمَهْدِيُّ، وَكَانَ عُمُرُهُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسًا وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَمُدَّةُ وِلَايَتِهِ عِشْرِينَ سَنَةً، وَعَادَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ إِلَى تِينِ مَلَّلَ، وَأَقَامَ بِهَا يَتَأَلَّفُ الْقُلُوبَ، وَيُحْسِنُ إِلَى النَّاسِ، وَكَانَ جَوَادًا مِقْدَامًا فِي الْحُرُوبِ، ثَابِتًا فِي الْهَزَاهِزِ، إِلَى أَنْ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَتَجَهَّزَ وَسَارَ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ، وَجَعَلَ يَمْشِي مَعَ الْجَبَلِ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى تَادَلَةَ، فَمَانَعَهُ أَهْلُهَا، وَقَاتَلُوهُ، فَقَهَرَهُمْ، وَفَتَحَهَا وَسَائِرَ الْبِلَادِ

стр. 5185

الَّتِي تَلِيهَا وَمَشَى فِي الْجِبَالِ يَفْتَحُ مَا امْتَنَعَ عَلَيْهِ، وَأَطَاعَتْهُ صَنْهَاجَةُ الْجَبَلِ. وَكَانَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ قَدْ جَعَلَ وَلِيَّ عَهْدِهِ ابْنَهُ سَيْرَ، فَمَاتَ، فَأَحْضَرَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ ابْنَهُ تَاشَفِينَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ جَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَجَعَلَ مَعَهُ جَيْشًا، وَصَارَ يَمْشِي فِي الصَّحْرَاءِ قُبَالَةَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ فِي الْجِبَالِ. وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ كَانَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ فِي النَّوَاظِرِ، وَهُوَ جَبَلٌ عَالٍ مُشْرِفٌ، وَتَاشَفِينُ فِي الْوَطْأَةِ، وَكَانَ يَخْرُجُ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ قَوْمٌ يَتَرَامَوْنَ وَيَتَطَارَدُونَ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا لِقَاءٌ، وَيُسَمَّى عَامَ النَّوَاظِرِ. وَفِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ تَوَجَّهَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ، مَعَ الْجَبَلِ، فِي الشَّعْرَاءِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى جَبَلِ كَرْنَاطَةَ، فَنَزَلَ فِي أَرْضٍ صُلْبَةٍ، بَيْنَ شَجَرٍ، وَنَزَلَ تَاشَفِينُ قُبَالَتَهُ، فِي الْوَطْأَةِ فِي أَرْضٍ لَا نَبَاتَ فِيهَا، وَكَانَ الْفَصْلُ شَاتِيًا، فَتَوَالَتِ الْأَمْطَارُ أَيَّامًا كَثِيرَةً لَا تُقْلِعُ، فَصَارَتِ الْأَرْضُ الَّتِي فِيهَا تَاشَفِينُ وَأَصْحَابُهُ كَثِيرَةَ الْوَحْلِ، تَسُوخُ فِيهَا قَوَائِمُ الْخَيْلِ إِلَى صُدُورِهَا، وَيَعْجِزُ الرَّجُلُ عَنِ الْمَشْيِ فِيهَا، وَتَقَطَّعَتِ الطُّرُقُ عَنْهُمْ، فَأَوْقَدُوا رِمَاحَهُمْ، وَقَرَابِيسَ سُرُوجِهِمْ، وَهَلَكُوا جُوعًا وَبَرْدًا وَسُوءَ حَالٍ. وَكَانَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ وَأَصْحَابُهُ فِي أَرْضٍ خَشِنَةٍ صُلْبَةٍ فِي الْجَبَلِ، لَا يُبَالُونَ بِشَيْءٍ، وَالْمِيرَةُ مُتَّصِلَةٌ إِلَيْهِمْ، وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ سَيَّرَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ جَيْشًا إِلَى وَجْرَةَ مِنْ أَعْمَالِ تِلِمْسَانَ، وَمُقَدَّمُهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ رِقْوٍ، وَهُوَ مِنْ أَيْتَ خَمْسِينَ، فَبَلَغَ خَبَرُهُمْ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ فَانُّوا، مُتَوَلِّي تِلِمْسَانَ، فَخَرَجَ فِي جَيْشٍ مِنَ الْمُلَثَّمِينَ، فَالْتَقَوْا بِمَوْضِعٍ يُعْرَفُ بِخَنْدَقِ الْخَمْرِ، فَهَزَمَهُمْ جَيْشُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، وَقُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَغَنِمُوا مَا مَعَهُمْ وَرَجَعُوا، فَتَوَجَّهَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بِجَمِيعِ جَيْشِهِ إِلَى غَمَارَةَ، فَأَطَاعُوهُ قَبِيلَةٌ بَعْدَ قَبِيلَةٍ، وَأَقَامَ عِنْدَهُمْ مُدَّةً. وَمَا بَرِحَ يَمْشِي فِي الْجِبَالِ، وَتَاشَفِينُ يُحَاذِيهِ فِي الصَّحَارِي، فَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ كَذَلِكَ إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَتُوُفِّيَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ بِمُرَّاكِشَ وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ تَاشَفِينُ، فَقَوِيَ طَمَعُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ فِي الْبِلَادِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلِ الصَّحْرَاءَ. وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ تَوَجَّهَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ إِلَى تِلِمْسَانَ، فَنَازَلَهَا، وَضَرَبَ خِيَامَهُ فِي
следующие страницы →