← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

الْأَمِيرِ حَسَنْ تِكِينْ، وَعَادَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَلَمْ يَلْبَثْ حَسَنْ تِكِينْ أَنْ مَاتَ، فَمَلَّكَ سَنْجَرُ بَعْدَهُ عَلَيْهَا مَحْمُودَ بْنَ خَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، الْمُقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَقِيلَ إِنَّ السَّبَبَ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَسَيَرِدُ ذِكْرُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ لِلْحَاجَةِ إِلَى ذِكْرِهِ هُنَاكَ. ذِكْرُ فَتْحِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي حِصْنَ الْأَثَارِبِ وَهَزِيمَةِ الْفِرِنْجِ لَمَّا فَرَغَ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي مِنْ أَمْرِ الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ - حَلَبَ وَأَعْمَالِهَا - وَلَمَّا مَلَكَهُ وَقَرَّرَ قَوَاعِدَهُ، عَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ لِيَسْتَرِيحَ عَسْكَرُهُ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالتَّجَهُّزِ لِلْغُزَاةِ، فَتَجَهَّزُوا وَأَعَدُّوا وَاسْتَعَدُّوا، وَعَادَ إِلَى الشَّامِ وَقَصَدَ حَلَبَ، فَقَوِيَ عَزْمُهُ عَلَى قَصْدِ حِصْنِ الْأَثَارِبِ وَمُحَاصَرَتِهِ ; لِشِدَّةِ ضَرَرِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا الْحِصْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَلَبَ نَحْوُ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنْطَاكِيَّةَ، وَكَانَ مَنْ بِهِ مِنَ الْفِرِنْجِ يُقَاسِمُونَ حَلَبَ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِهَا الْغَرْبِيَّةِ، حَتَّى عَلَى رَحَىً لِأَهْلِ حَلَبَ بِظَاهِرِ بَابِ الْجِنَانِ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَلَدِ عَرْضُ الطَّرِيقِ، وَكَانَ أَهْلُ الْبَلَدِ مَعَهُمْ فِي ضُرٍّ شَدِيدٍ وَضِيقٍ، كُلَّ يَوْمٍ قَدْ أَغَارُوا عَلَيْهِمْ وَنَهَبُوا أَمْوَالَهُمْ. فَلَمَّا رَأَى الشَّهِيدُ هَذِهِ الْحَالَ صَمَّمَ الْعَزْمَ عَلَى حَصْرِ هَذَا الْحِصْنِ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَنَازَلَهُ. فَلَمَّا عَلِمَ الْفِرِنْجُ بِذَلِكَ جَمَعُوا فَارِسَهُمْ وَرَاجِلَهُمْ، وَعَلِمُوا أَنَّ هَذِهِ وَقْعَةٌ لَهَا مَا بَعْدَهَا، فَحَشَدُوا وَجَمَعُوا، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ طَاقَتِهِمْ شَيْئًا إِلَّا اسْتَنْفَدُوهُ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ أَمْرِهِمْ سَارُوا نَحْوَهُ، فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِيمَا يَفْعَلُ، وَكُلٌّ أَشَارَ بِالْعَوْدِ عَنِ الْحِصْنِ، فَإِنَّ لِقَاءَ الْفِرِنْجِ فِي بِلَادِهِمْ خَطَرٌ لَا يُدْرَى عَلَى أَيِ شَيْءٍ تَكُونُ الْعَاقِبَةُ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْفِرِنْجَ مَتَّى رَأَوْنَا قَدْ عُدْنَا مِنْ أَيْدِيهِمْ طَمِعُوا وَسَارُوا فِي أَثَرِنَا، وَخَرَّبُوا بِلَادَنَا، وَلَا بُدَ مِنْ لِقَائِهِمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ. ثُمَّ تَرَكَ الْحِصْنَ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ، فَالْتَقَوْا وَاصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، وَصَبَرَ كُلُّ فَرِيقٍ لِخَصْمِهِ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ نَصْرَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَظَفِرُوا

стр. 5252

وَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ أَقْبَحَ هَزِيمَةٍ، وَوَقَعَ كَثِيرٌ مِنْ فُرْسَانِهِمْ فِي الْأَسْرِ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَتَقَدَّمَ عِمَادُ الدِّينِ إِلَى عَسْكَرِهِ بِالْإِنْجَازِ، وَقَالَ: هَذَا أَوَّلُ مَصَافٍّ عَمِلْنَاهُ مَعَهُمْ، فَلْنُذِقْهُمْ مِنْ بَأْسِنَا مَا يَبْقَى رُعْبُهُ فِي قُلُوبِهِمْ، فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ، وَلَقَدِ اجْتَزْتُ بِتِلْكَ الْأَرْضِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ لَيْلًا، فَقِيلَ لِي: إِنَّ كَثِيرًا مِنِ الْعِظَامِ بَاقٍ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ. فَلَمَّا فَرَغَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ظَفَرِهِمْ عَادُوا إِلَى الْحِصْنِ فَتَسَلَّمُوهُ عَنْوَةً، وَقَتَلُوا وَأَسَرُوا كُلَّ مَنْ فِيهِ، وَأَخْرَبَهُ عِمَادُ الدِّينِ وَجَعَلَهُ دَكًّا، وَبَقِيَ إِلَى الْآنَ خَرَابًا، ثُمَّ سَارَ مِنْهُ إِلَى قَلْعَةِ حَارِمٍ، وَهِيَ بِالْقُرْبِ مِنْ أَنْطَاكِيَّةَ، فَحَصَرَهَا وَهِيَ أَيْضًا لِلْفِرِنْجِ، فَبَذَلَ لَهُ أَهْلُهَا نِصْفَ دَخْلِ بَلَدِ حَارِمٍ وَهَادَنُوهُ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَعَادَ عَنْهُمْ وَقَدِ اسْتَدَارَ الْمُسْلِمُونَ بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ، وَضَعُفَتْ قُوَى الْكَافِرِينَ، وَعَلِمُوا أَنَّ الْبِلَادَ قَدْ جَاءَهَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابٍ، وَصَارَ قُصَارَاهُمْ حِفْظَ مَا بِأَيْدِيهِمْ بَعْدَ أَنْ كَانُوا قَدْ طَمِعُوا فِي مُلْكِ الْجَمِيعِ. ذِكْرُ مُلْكِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي أَيْضًا مَدِينَةَ سَرْجِي وَدَارًا لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْرِ الْأَثَارِبِ وَتِلْكَ النَّوَاحِي عَادَ إِلَى دِيَارِ الْجَزِيرَةِ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَهُ عَنْ حُسَامِ الدِّينْ تَمْرُتَاشَ بْنِ إِيلْغَازِي صَاحِبِ مَارِدِينَ، وَابْنِ عَمِّهِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ دَاوُدَ بْنِ سَقْمَانَ صَاحِبِ حِصْنِ كِيفَا، قَوَارِصَ، فَعَادَ إِلَيْهِمْ وَحَصَرَ مَدِينَةَ سَرْجِي، وَهِيَ بَيْنَ مَارِدِينَ وَنَصِيبِينَ، فَاجْتَمَعَ حُسَامُ الدِّينِ وَرُكْنُ الدَّوْلَةِ وَصَاحِبُ آمِدَ وَغَيْرُهُمْ، وَجَمَعُوا خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ التُّرْكُمَانِ بَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَسَارُوا إِلَيْهِ، فَتَصَافُّوا بِتِلْكَ النَّوَاحِي، فَهَزَمَهُمْ عِمَادُ الدِّينِ وَمَلَكَ سَرْجِي. فَحَكَى لِي وَالِدِي قَالَ: لَمَّا انْهَزَمَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ دَاوُدُ قَصَدَ بَلَدَ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ وَنَهَبَهُ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى عِمَادِ الدِّينِ، فَسَارَ نَحْوَ الْجَزِيرَةِ، وَأَرَادَ دُخُولَ بَلَدٍ دَاوُدَ، ثُمَّ عَادَ لِضِيقِ مَسَالِكِهِ وَخُشُونَةِ الْجِبَالِ الَّتِي فِي الطَّرِيقِ، وَسَارَ إِلَى

стр. 5253

دَارَا فَمَلَكَهَا، وَهِيَ مِنِ الْقِلَاعِ فِي تِلْكَ الْأَعْمَالِ. ذِكْرُ وَفَاةِ الْآمِرِ، وَخِلَافَةِ الْحَافِظِ الْعَلَوِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثَانِي ذِي الْقَعْدَةِ، قُتِلَ الْآمِرُ بِأَحْكَامِ اللَّهِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْمُسْتَعْلِي الْعَلَوِيُّ، صَاحِبُ مِصْرَ، خَرَجَ إِلَى مُنْتَزَهٍ لَهُ، فَلَمَّا عَادَ وَثَبَ عَلَيْهِ الْبَاطِنِيَّةُ فَقَتَلُوهُ ; لِأَنَّهُ كَانَ سَيِّئَ السِّيرَةِ فِي رَعِيَّتِهِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَعُمْرُهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَهُوَ الْعَاشِرُ مِنْ وَلَدِ الْمَهْدِيِّ عُبَيْدِ اللَّهِ الَّذِي ظَهَرَ بِسِجِلْمَاسَةَ وَبَنَى الْمَهْدِيَّةَ بِإِفْرِيقِيَّةِ، وَهُوَ أَيْضًا الْعَاشِرُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الْعَلَوِيِّينَ مِنْ أَوْلَادِ الْمَهْدِيِّ أَيْضًا. وَلَمَّا قُتِلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَهُ، فَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُ عَمِّهِ الْمَيْمُونُ عَبْدُ الْمَجِيدِ ابْنُ الْأَمِيرِ الْقَاسِمِ بْنِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ، وَلَمْ يُبَايَعْ بِالْخِلَافَةِ وَإِنَّمَا بُويِعَ لَهُ لِيَنْظُرَ فِي الْأَمْرِ نِيَابَةً، حَتَّى يُكْشَفَ عَنْ حَمْلٍ إِنْ كَانَ لِلْآمِرِ فَتَكُونُ الْخِلَافَةُ فِيهِ، وَيَكُونُ هُوَ نَائِبًا عَنْهُ. وَمَوْلِدُ الْحَافِظِ بِعَسْقَلَانَ، لِأَنَّ أَبَاهُ خَرَجَ مِنْ مِصْرَ إِلَيْهَا فِي الشِّدَّةِ فَأَقَامَ بِهَا، فَوُلِدَ ابْنَهُ عَبْدُ الْمَجِيدِ هُنَاكَ، وَلَمَّا وَلِيَ اسْتَوْزَرَ أَبَا عَلِيٍّ أَحْمَدَ بْنَ الْأَفْضَلِ بْنِ بَدْرٍ الْجَمَالِيِّ، وَاسْتَبَدَّ بِالْأَمْرِ، وَتَغَلَّبَ عَلَى الْحَافِظِ وَحَجَرَ عَلَيْهِ، وَأَوْدَعَهُ فِي خِزَانَةٍ، وَلَا يَدْخُلُ إِلَيْهِ إِلَّا مَنْ يُرِيدُهُ أَبُو عَلِيٍّ، وَبَقِيَ الْحَافِظُ لَهُ اسْمٌ لَا مَعْنًى تَحْتَهُ، وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ كُلَّ مَا كَانَ فِي الْقَصْرِ إِلَى دَارِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا، وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ قُتِلَ أَبُو عَلِيٍّ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ [وَخَمْسِمَائَةٍ] فَاسْتَقَامَتْ أُمُورُ الْحَافِظِ، وَحَكَمَ فِي دَوْلَتِهِ، وَتَمَكَّنَ مِنْ وِلَايَتِهِ وَبِلَادِهِ.

стр. 5254

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَتِ الْخَاتُونُ ابْنَةُ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، وَهِيَ زَوْجَةُ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ. وَفِيهَا قُتِلَ بَيْمُنْدُ الْفِرِنْجِيُّ صَاحِبُ أَنْطَاكِيَّةَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ نَصِيرُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ مُؤَيَّدِ الْمُلْكِ بْنَ نِظَامِ الْمُلْكِ فِي شَعْبَانَ بِبَغْدَاذَ، وَوَقَعَ الْحَرِيقُ فِي دَارِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَفِي حَظَائِرَ الْحَطَبِ وَالسُّوقِ التُّتُشِيِّ، فَذَهَبَ مِنَ النَّاسِ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ. وَفِيهَا وَزَرَ الرَّئِيسُ أَبُو الذُّوَادِ الْمُفَرِّجُ بْنُ الْحَسَنِ بْنُ الصُّوفِيِّ لِصَاحِبِ دِمَشْقَ تَاجِ الْمُلُوكِ. وَفِيهَا كَانَ الرَّصْدُ بِالدَّارِ السُّلْطَانِيَّةِ شَرْقَيْ بَغْدَاذَ، تَوَلَّاهُ الْبَدِيعُ الْإِصْطِرْلَابِيُّ، وَلَمْ يَتِمَّ. وَفِيهَا بِبَغْدَاذَ عَقَارِبُ طَيَّارَةٌ ذَوَاتُ شَوْكَتَيْنِ، فَنَالَ النَّاسَ مِنْهَا خَوْفٌ شَدِيدٌ وَأَذًى عَظِيمٌ. وَفِيهَا، فِي ذِي الْحِجَّةِ، خَرَجَ الْمَلِكُ مَسْعُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ خُرَاسَانَ، وَكَانَ عِنْدَ عَمِّهِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، وَوَصَلَ إِلَى سَاوَةَ، وَوَقَعَ الْإِرْجَافُ أَنَّ عَزْمَهُ عَلَى مُخَالَفَةِ أَخِيهِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ قَوِيٌّ، وَأَنَّ عَمَّهُ سَنْجَرَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، فَاسْتَشْعَرَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ، وَسَارَ

стр. 5255

عَنْ بَغْدَاذَ إِلَى هَمَذَانَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى كَرْمَانْشَاهَانَ وَصَلَ إِلَيْهِ أَخُوهُ الْمَلِكُ مَسْعُودٌ وَخَدَمَهُ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِلْإِرْجَافِ أَثَرٌ، فَأَقْطَعُهُ السُّلْطَانُ مَدِينَةً كَنْجَةَ وَأَعْمَالَهَا وَسَيَّرَهُ إِلَيْهَا. وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، بِالْعِرَاقِ، وَبَلَدِ الْجَبَلِ، وَالْمَوْصِلِ، وَالْجَزِيرَةِ، فَخَرَّبَتْ كَثِيرًا. وَفِيهَا مَلَكَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ قَلْعَةَ أَلَمَوْتَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو إِسْحَاقَ الْغَزِّيُّ مِنْ أَهْلِ غَزَّةَ، مَدِينَةٍ بِفِلَسْطِينَ مِنَ الشَّامِ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَهُوَ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْمُجِيدِينَ، فَمِنْ قَوْلِهِ مِنْ قَصِيدَةٍ يَصِفُ فِيهَا الْأَتْرَاكَ: فِي فِتْيَةٍ مِنْ جُيُوشِ التُّرْكِ مَا تَرَكَتْ ... لِلرَّعْدِ كَرَّاتُهُمْ صَوْتًا وَلَا صِيتًا قَوْمٌ إِذَا قُوبِلُوا كَانُوا مَلَائِكَةً ... حُسْنًا وَإِنْ قُوتِلُوا كَانُوا عَفَارِيَتَا وَلَهُ فِي الزُّهْدِ: إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ مَتَاعٌ ... وَالسَّفِيهُ الْغَوِيُّ مَنْ يَصْطَفِيهَا مَا مَضَى فَاتَ وَالْمُؤَمَّلُ غَيْبٌ ... وَلَكَ السَّاعَةُ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا

стр. 5256

وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّبَّاسُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّحْوِيُّ الشَّاعِرُ، الْمَعْرُوفُ بِالْبَارِعِ، أَخُو أَبِي الْكَرَمِ بْنِ فَاخِرٍ النَّحْوِيِّ لِأُمِّهِ، وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَلَهُ شِعْرٌ مَلِيحٌ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ: رُدِّي عَلَيَّ الْكَرَى ثُمَّ اهْجُرِي سَكَنِي ... فَقَدْ قَنَعْتُ بِطَيْفٍ مِنْكِ فِي الْوَسَنِ لَا تَحْسَبِي النَّوْمَ قَدْ أَوْشَكْتُ أَطْلُبُهُ ... إِلَّا رَجَاءَ خَيَالٍ مِنْكِ يُؤْنِسُنِي تَرَكْتِنِي وَالْهَوَى فَرْدًا أُغَالِبُهُ ... وَنَامَ لَيْلُكِ عَنْ هَمٍّ يُؤَرِّقُنِي وَهِيَ طَوِيلَةٌ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطَا بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو سَعْدٍ الْمِهْرَانِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ مُحَدِّثًا حَافِظًا صَالِحًا.

стр. 5257

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ] (٥٢٥) ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ ذِكْرُ أَسْرِ دُبَيْسِ بْنِ صَدَقَةَ وَتَسْلِيمِهِ إِلَى عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ، أَسَرَ تَاجُ الْمُلُوكِ بُورِي بْنُ طُغْتِكِينَ صَاحِبُ دِمَشْقَ، الْأَمِيرَ دُبَيْسَ بْنَ صَدَقَةَ صَاحِبَ الْحِلَّةِ، وَسُلَّمَهُ إِلَى أَتَابَكِ الشَّهِيدِ زَنْكِي بْنِ آقَسُنْقَرَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا فَارَقَ الْبَصْرَةَ - عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ - جَاءَهُ قَاصِدٌ مِنَ الشَّامِ مِنْ صَرْخَدَ يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهَا ; لِأَنَّ صَاحِبَهَا كَانَ خَصِيًّا، فَتُوُفِّيَ هَذِهِ السَّنَةَ، وَخَلَّفَ جَارِيَةً سُرِّيَّةً لَهُ، فَاسْتَوْلَتْ عَلَى الْقَلْعَةِ وَمَا فِيهَا، وَعَلِمَتْ أَنَّهَا لَا يَتِمُّ لَهَا ذَلِكَ إِلَّا بِأَنْ تَتَّصِلَ بِرَجُلٍ لَهُ قُوَّةٌ وَنَجْدَةٌ، فَوُصِفَ لَهَا دُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ وَكَثْرَةُ عَشِيرَتِهِ، وَذُكِرَ لَهَا حَالَهُ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ بِالْعِرَاقِ، فَأَرْسَلَتْ تَدْعُوهُ إِلَى صَرْخَدَ لِتَتَزَوَّجَ بِهِ، وَتُسَلِّمَ الْقَلْعَةَ وَمَا فِيهَا مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ إِلَيْهِ. فَأَخَذَ الْأَدِلَّاءِ مَعَهُ، وَسَارَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ، فَضَلَّ بِهِ الْأَدِلَّاءُ بِنَوَاحِي دِمَشْقَ، فَنَزَلَ بِنَاسٍ مِنْ كَلْبٍ شَرْقِيَّ الْغُوطَةِ، فَأَخَذُوهُ وَحَمَلُوهُ إِلَى تَاجِ الْمُلُوكِ صَاحِبِ دِمَشْقَ، فَحَبَسَهُ عِنْدَهُ. وَسَمِعَ أَتَابَكْ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي الْخَبَرَ، وَكَانَ دُبَيْسٌ يَقَعُ فِيهِ وَيَنَالُ مِنْهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى تَاجِ الْمُلُوكِ يَطْلُبُ مِنْهُ دُبَيْسًا لِيُسَلِّمَهُ إِلَيْهِ وَيُطْلِقَ وَلَدَهُ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْمَأْسُورِينَ، وَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِهِ سَارَ إِلَى دِمَشْقَ وَحَصَرَهَا وَخَرَّبَهَا، وَنَهَبَ بَلَدَهَا، فَأَجَابَ تَاجُ الْمُلُوكِ إِلَى ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ أَتَابَكْ سُونَجَ بْنَ تَاجِ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءَ الَّذِينَ مَعَهُ، وَأَرْسَلَ تَاجُ الْمُلُوكِ دُبَيْسًا، فَأَيْقَنَ دُبَيْسٌ بِالْهَلَاكِ، فَفَعَلَ زَنْكِي مَعَهُ خِلَافَ مَا

стр. 5258

ظَنَّ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَحَمَلَ لَهُ الْأَقْوَاتَ وَالسِّلَاحَ وَالدَّوَابَّ وَسَائِرَ أَمْتِعَةِ الْخَزَائِنِ، وَقَدَّمَهُ حَتَّى عَلَى نَفْسِهِ، وَفَعَلَ مَعَهُ مَا يَفْعَلُ أَكَابِرُ الْمُلُوكِ. وَلَمَّا سَمِعَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ بِقَبْضِهِ بِدِمَشْقَ أَرْسَلَ سَدِيدَ الدَّوْلَةِ بْنَ الْأَنْبَارِيِّ وَأَبَا بَكْرِ بْنَ بِشْرٍ الْجَزَرِيَّ مِنْ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ إِلَى تَاجِ الْمُلُوكِ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُسَلِّمَ دُبَيْسًا إِلَيْهِ لِمَا كَانَ مُتَحَقَّقًا بِهِ مِنْ عَدَاوَةِ الْخَلِيفَةِ، فَسَمِعَ سَدِيدُ الدَّوْلَةِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ بِتَسَلُّمِهِ إِلَى عِمَادِ الدِّينِ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ، فَسَارَ إِلَى دِمَشْقَ وَلَمْ يَرْجِعْ، وَذَمَّ أَتَابَكْ زَنْكِي بِدِمَشْقَ وَاسْتَخَفَّ بِهِ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ عِمَادَ الدِّينِ، فَأَرْسَلَ إِلَى طَرِيقِهِ مَنْ يَأْخُذُهُ إِذَا عَادَ، فَلَمَّا رَجَعَ مِنْ دِمَشْقَ قَبَضُوا عَلَيْهِ وَعَلَى ابْنِ بِشْرٍ، وَحَمَلُوهُمَا إِلَيْهِ، فَأَمَّا ابْنُ بِشْرٍ فَأَهَانَهُ وَجَرَى فِي حَقِّهِ مَكْرُوهٌ، وَأَمَّا ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فَسَجَنَهُ. ثُمَّ إِنَّ الْمُسْتَرْشِدَ بِاللَّهِ شَفَعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ، وَلَمْ يَزَلْ دُبَيْسٌ مَعَ زَنْكِي حَتَّى انْحَدَرَ مَعَهُ إِلَى الْعِرَاقِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ وَفَاةِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ وَمُلْكِ ابْنِهِ دُوَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَوَّالٍ تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ مَحْمُودُ ابْنُ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ بِهَمَذَانَ، وَكَانَ قَبْلَ مَرَضِهِ قَدْ خَافَ وَزِيرُهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْسَابَاذِيُّ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَأَعْيَانِ الدَّوْلَةِ، وَمِنْهُمْ: عَزِيزُ الدِّينِ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ حَامِدٍ الْمُسْتَوْفِي، وَالْأَمِيرُ أَنُوشْتُكِينَ الْمَعْرُوفُ بِشِيرْكِيرْ، وَوَلَدُهُ عُمَرُ، وَهُوَ أَمِيرُ حَاجِبِ السُّلْطَانِ، وَغَيْرُهُمْ، فَأَمَّا عَزِيزُ الدِّينِ فَأَرْسَلَهُ مَقْبُوضًا عَلَيْهِ إِلَى مُجَاهِدِ الدِّينِ بَهْرُوزَ بِتَكْرِيتَ، ثُمَّ قُتِلَ بِهَا، وَأَمَّا شِيرْكِيرْ وَوَلَدُهُ فَقُتِلَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ. ثُمَّ إِنَّ السُّلْطَانَ مَرِضَ وَتُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ، وَأُقْعِدَ وَلَدَهُ دُوَادُ فِي السَّلْطَنَةِ بِاتِّفَاقٍ مِنَ الْوَزِيرِ أَبِي الْقَاسِمِ، وَأَتَابَكِهِ آقَسُنْقَرَ الْأَحْمَدِيلِيِّ، وَخُطِبَ لَهُ فِي جَمِيعِ بِلَادِ الْجَبَلِ وَأَذْرَبِيجَانَ، وَوَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بِهَمَذَانَ وَسَائِرِ بِلَادِ الْجَبَلِ، ثُمَّ سَكَنَتْ، فَلَمَّا اطْمَأَنَّ النَّاسُ وَسَكَنُوا سَارَ الْوَزِيرُ بِأَمْوَالِهِ إِلَى الرَّيِّ، فَأَمِنَ فِيهَا حَيْثُ هِيَ لِلسُّلْطَانِ سَنْجَرَ. وَكَانَ عُمْرُ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ لَمَّا تُوُفِّيَ نَحْوَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ

стр. 5259

لِلسَّلْطَنَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَكَانَ حَلِيمًا كَرِيمًا عَاقِلًا، يَسْمَعُ مَا يَكْرَهُ وَلَا يُعَاقِبُ عَلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ، قَلِيلَ الطَّمَعِ فِي أَمْوَالِ الرَّعَايَا عَفِيفًا عَنْهَا، كَافًّا لِأَصْحَابِهِ عَنِ التَّطَرُّقِ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَارَ الْبَاطِنِيَّةُ بِتَاجِ الْمُلُوكِ بُورِي بْنِ طُغْتِكِينَ صَاحِبِ دِمَشْقَ، فَجَرَحُوهُ جُرْحَيْنِ، فَبَرَأَ أَحَدُهُمَا، وَتَنَسَّرَ الْآخَرُ، وَبَقِيَ فِيهِ أَلَمُهُ، إِلَّا أَنَّهُ يَجْلِسُ لِلنَّاسِ وَيَرْكَبُ مَعَهُمْ عَلَى ضَعْفٍ فِيهِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ أَخُو الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ فِي رَجَبٍ. وَفِيهَا فِي شَوَّالٍ تُوُفِّيَ الْحَسَنُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الْوَاعِظُ مُدَرِّسُ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَاذَ، وَأَصْلُهُ مِنَ الزَّوَزَانِ. وَالْخَطِيبُ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الطُّوسِيِّ، خَطِيبُ الْمَوْصِلِ، تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَحَمَّادُ بْنُ مُسْلِمٍ الدَّبَّاسُ الرَّحْبِيُّ الزَّاهِدُ الْمَشْهُورُ، صَاحِبُ الْكِرْمَاتِ، وَسَمِعَ

стр. 5260

الْحَدِيثَ، لَهُ أَصْحَابٌ وَتَلَامِذَةٌ كَثِيرُونَ سَارُوا، وَرَأَيْتُ الشَّيْخَ أَبَا الْفَرَجِ بْنَ الْجَوْزِيِّ قَدْ ذَمَّهُ وَثَلَبَهُ، وَلِهَذَا الشَّيْخِ أُسْوَةٌ بِغَيْرِهِ مِنَ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّ ابْنَ الْجَوْزِيِّ قَدْ صَنَّفَ كِتَابًا سَمَّاهُ تَلْبِيسَ إِبْلِيسَ لَمْ يُبْقِ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ سَادَةِ الْمُسْلِمِينَ وَصَالِحِيهِمْ. وَهِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْحُصَيْنِ الشَّيْبَانِيُّ الْكَاتِبُ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، سَمِعَ أَبَا عَلِيِّ بْنَ الْمُهَذَّبِ، وَأَبَا طَالِبِ بْنَ غَيْلَانَ، وَغَيْرَهُمَا، وَهُوَ رَاوِي " مُسْنَدِ " أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَالْغَيْلَانِيَّاتِ " وَغَيْرِهِمَا. وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ أَبُو غَالِبٍ الْمَاوَرْدِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ بِالْبَصْرَةِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَرَوَى سُنَنَ أَبِي دُوَادَ السِّجِسْتَانَيِّ، وَكَانَ صَالِحًا.

стр. 5261

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ] (٥٢٦) ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ ذِكْرُ قَتْلِ أَبِي عَلِيٍّ وَزِيرِ الْحَافِظِ، وَوِزَارَةِ يَانِسَ وَمَوْتِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ قُتِلَ الْأَفْضَلُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْأَفْضَلِ بْنِ بَدْرٍ الْجَمَالِيُّ وَزِيرُ الْحَافِظِ لِدِينِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ صَاحِبِ مِصْرَ. وَسَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ قَدْ حَجَرَ عَلَى الْحَافِظِ، وَمَنَعَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُمُورِ، قَلِيلٍ أَوْ جَلِيلٍ، وَأَخَذَ مَا فِي قَصْرِ الْخِلَافَةِ إِلَى دَارِهِ، وَأَسْقَطَ مِنَ الدُّعَاءِ ذِكْرَ إِسْمَاعِيلَ الَّذِي هُوَ جَدُّهُمْ وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ، وَأَسْقَطَ مِنَ الْأَذَانِ حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَلَمْ يَخْطُبْ لِلْحَافِظِ، وَأَمَرَ الْخُطَبَاءَ أَنْ يَخْطُبُوا لَهُ بِأَلْقَابٍ كَتَبَهَا لَهُمْ، وَهِيَ: السَّيِّدُ الْأَفْضَلُ الْأَجَلُّ، سَيِّدُ مَمَالِيكِ أَرْبَابِ الدُّوَلِ، وَالْمُحَامِي عَنْ حَوْزَةِ الدِّينِ، وَنَاشِرُ جَنَاحِ الْعَدْلِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْأَقْرَبِينَ وَالْأَبْعَدِينَ، نَاصِرُ إِمَامِ الْحَقِّ فِي حَالَتَيْ غَيْبَتِهِ وَحُضُورِهِ، وَالْقَائِمُ بِنُصْرَتِهِ بِمَاضِي سَيْفِهِ وَصَائِبِ رَأْيِهِ وَتَدْبِيرِهِ، أَمِينُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَهَادِي الْقُضَاةِ إِلَى اتِّبَاعِ شَرْعِ الْحَقِّ وَاعْتِمَادِهِ، وَمُرْشِدُ دُعَاةِ الْمُؤْمِنِينَ بِوَاضِحِ بَيَانِهِ وَإِرْشَادِهِ، مَوْلَى النِّعَمِ، وَرَافِعُ الْجَوْرِ عَنِ الْأُمَمِ، وَمَالِكُ فَضِيلَتَيِ السَّيْفِ وَالْقَلَمِ، أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ السَّيِّدُ الْأَجَلُّ الْأَفْضَلُ، شَاهِنْشَاهْ أَمِيرُ الْجُيُوشِ. وَكَانَ إِمَامِيَّ الْمَذْهَبِ، يُكْثِرُ ذَمَّ الْآمِرِ، وَالتَّنَاقُصَ بِهِ، فَنَفَرَتْ مِنْهُ شِيعَةُ الْعَلَوِيِّينَ وَمَمَالِيكُهُمْ وَكَرِهُوهُ، وَعَزَمُوا عَلَى قَتْلِهِ، فَخَرَجَ فِي الْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ إِلَى الْمَيْدَانِ يَلْعَبُ بِالْكُرَةِ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَكَمَنَ لَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مَمْلُوكٌ فِرِنْجِيٌّ كَانَ لِلْحَافِظِ، فَخَرَجُوا عَلَيْهِ، فَحَمَلَ الْفِرِنْجِيُّ عَلَيْهِ، فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، وَحَزُّوا رَأَسَهُ، وَخَرَجَ الْحَافِظُ مِنَ الْخِزَانَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا، وَنَهَبَ النَّاسُ دَارَ أَبِي عَلِيٍّ، وَأُخِذَ مِنْهَا مَا لَا

стр. 5262

يُحْصَى، وَرَكِبَ النَّاسُ وَالْحَافِظُ إِلَى دَارِهِ، فَأَخَذَ مَا بَقِيَ فِيهَا، وَحَمَلَهُ إِلَى الْقَصْرِ. وَبُويِعَ يَوْمَئِذٍ الْحَافِظُ بِالْخِلَافَةِ، وَكَانَ قَدْ بُويِعَ لَهُ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَأَنْ يَكُونَ كَافِلًا لِحَمْلٍ إِنْ كَانَ لِلْآمِرِ، فَلَمَّا بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ اسْتَوْزَرَ أَبَا الْفَتْحِ يَانِسَ الْحَافِظِيَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ، وَلُقِّبَ أَمِيرَ الْجُيُوشِ، وَكَانَ عَظِيمَ الْهَيْبَةِ، بَعِيدَ الْغَوْرِ، كَثِيرَ الشَّرِّ، فَخَافَهُ الْحَافِظُ عَلَى نَفْسِهِ، وَتَخَيَّلَ مِنْهُ يَانِسَ فَاحْتَاطَ، وَلَمْ يَأْكُلْ عِنْدَهُ شَيْئًا وَلَا شَرِبَ، فَاحْتَالَ عَلَيْهِ الْحَافِظُ بِأَنْ وَضَعَ لَهُ فَرَّاشُهُ فِي بَيْتِ الطَّهَارَةِ مَاءً مَسْمُومًا فَاغْتَسَلَ بِهِ، فَوَقَعَ الدُّودُ فِي سُفْلِهِ، وَقِيلَ لَهُ: مَتَى قُمْتَ مِنْ مَكَانِكَ هَلَكْتَ، فَكَانَ يُعَالَجُ بِأَنْ يُجْعَلَ اللَّحْمُ الطَّرِيُّ فِي الْمَحَلِّ، فَيَعْلَقُ بِهِ الدُّودُ فَيَخْرُجُ وَيُجْعَلُ عِوَضَهُ، فَقَارَبَ الشِّفَاءَ، فَقِيلَ لِلْحَافِظِ: إِنَّهُ قَدْ صَلُحَ، وَإِنْ تَحَرَّكَ هَلَكَ، فَرَكِبَ إِلَيْهِ الْحَافِظُ كَأَنَّهُ يَعُودُهُ، فَقَامَ لَهُ وَمَشَى إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ، وَقَعَدَ الْحَافِظُ عِنْدَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَتُوُفِّيَ مِنْ لَيْلَتِهِ، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَلَمَّا مَاتَ يَانِسَ اسْتَوْزَرَ الْحَافِظُ ابْنَهُ حَسَنًا، وَخَطَبَ لَهُ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَسَيَرِدُ ذِكْرُ قَتْلِهِ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ [وَخَمْسِمَائَةٍ] . وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ أَلْقَابَ أَبِي عَلِيٍّ تَعَجُّبًا مِنْهَا وَمِنْ حَمَاقَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَإِنَّ وَزِيرَ صَاحِبِ مِصْرَ وَحْدَهَا إِذَا كَانَ هَكَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَزِيرُ السَّلَاطِينِ السَّلْجُوقِيَّةِ كَنِظَامِ الْمُلْكِ وَغَيْرِهِ، يَدَّعُونَ الرُّبُوبِيَّةَ، عَلَى أَنَّ تُرْبَةَ مِصْرَ هَكَذَا تُوَلِّدُ، أَلَا تَرَى إِلَى فِرْعَوْنَ يَقُولُ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وَإِلَى أَشْيَاءَ أُخَرَ لَا نُطِيلُ ذِكْرَهَا. ذِكْرُ حَالِ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ، وَالْمَلِكَيْنِ سَلْجُوقْشَاهْ وَدَاوُدَ، وَاسْتِقْرَارِ السَّلْطَنَةِ بِالْعِرَاقِ لِمَسْعُودٍ لَمَّا تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ مَحْمُودُ ابْنُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَخُطِبَ بِبِلَادِ الْجَبَلِ وَأَذْرَبِيجَانَ لِوَلَدِهِ الْمَلِكِ دَاوُدَ - عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ - سَارَ الْمَلِكُ دَاوُدُ مِنْ هَمَذَانَ فِي ذِي

стр. 5263

الْقَعْدَةِ مِنْ سَنَةِ خَمْسِينَ وَعِشْرِينَ [وَخَمْسِمَائَةٍ] إِلَى زَنْجَانَ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ أَنَّ عَمَّهُ السُّلْطَانَ مَسْعُودًا قَدْ سَارَ مِنْ جُرْجَانَ، وَوَصَلَ إِلَى تَبْرِيزَ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، فَسَارَ الْمَلِكُ دَاوُدُ إِلَيْهِ وَحَصَرَهُ بِهَا، وَجَرَى بَيْنَهُمَا قِتَالٌ إِلَى سَلْخِ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ [وَخَمْسِمَائَةٍ] ثُمَّ اصْطَلَحَا. وَتَأَخَّرَ الْمَلِكُ دَاوُدُ مَرْحَلَةً، وَخَرَجَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ مِنْ تَبْرِيزَ، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْعَسَاكِرُ، وَسَارَ إِلَى هَمَذَانَ، وَأَرْسَلَ يَطْلُبُ الْخُطْبَةَ بِبَغْدَاذَ، وَكَانَتْ رُسُلُ الْمَلِكِ دَاوُدَ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي طَلَبِ الْخُطْبَةِ، فَأَجَابَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْخُطْبَةِ إِلَى السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، مَنْ أَرَادَ خَطَبَ لَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانُ سَنْجَرُ أَنْ لَا يَأْذَنَ لِأَحَدٍ فِي الْخُطْبَةِ ;فَإِنَّ الْخُطْبَةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ لَهُ وَحْدَهُ، فَوَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ مَوْقِعًا حَسَنًا. ثُمَّ إِنَّ السُّلْطَانَ مَسْعُودًا كَاتَبَ عِمَادَ الدِّينِ زَنْكِي صَاحِبَ الْمَوْصِلِ وَغَيْرِهَا يَسْتَنْجِدُهُ، وَيَطْلُبُ مُسَاعَدَتَهُ، فَوَعَدَهُ النَّصْرَ، فَقَوِيَتْ بِذَلِكَ نَفْسُ مَسْعُودٍ عَلَى طَلَبِ السَّلْطَنَةِ. ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ سَلْجُوقْشَاهَ ابْنَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ سَارَ أَتَابَكُهُ قُرَاجَةُ السَّاقِي صَاحِبُ فَارِسَ وَخُوزِسْتَانَ، فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ إِلَى بَغْدَاذَ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا قَبْلَ وُصُولِ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ، وَنَزَلَ فِي دَارِ السُّلْطَانِ، وَأَكْرَمَهُ الْخَلِيفَةُ وَاسْتَحْلَفَهُ لِنَفْسِهِ. ثُمَّ وَصَلَ رَسُولُ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ يَطْلُبُ الْخُطْبَةَ، وَيَتَهَدَّدُ إِنْ مُنِعَهَا، فَلَمْ يُجَبْ إِلَى مَا طَلَبَهُ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ عَبَّاسِيَّةَ الْخَالِصِ، وَبَرَزَ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ وَعَسْكَرُ سَلْجُوقْشَاهْ وَقُرَاجَةَ السَّاقِي نَحْوَ مَسْعُودٍ إِلَى أَنْ يَفْرَغَ مِنْ حَرْبِ أَتَابَكْ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي، وَسَارَ يَوْمًا وَلَيْلَةً إِلَى الْمَعْشُوقِ، وَوَاقَعَ عِمَادَ الدِّينِ زَنْكِي فَهَزَمَهُ، وَأَسَرَ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَسَارَ زَنْكِي مُنْهَزِمًا إِلَى تَكْرِيتَ، فَعَبَرَ فِيهَا دِجْلَةَ، وَكَانَ الدَّزْدَارَ بِهَا حِينَئِذٍ نَجْمُ الدِّينِ أَيُّوبُ، فَأَقَامَ لَهُ الْمَعَابِرَ، فَلَمَّا عَبَرَ أَمِنَ الطَّلَبَ، وَسَارَ إِلَى بِلَادِهِ لِإِصْلَاحِ حَالِهِ وَحَالِ رِجَالِهِ، وَهَذَا الْفِعْلُ مِنْ نَجْمِ الدِّينِ أَيُّوبَ كَانَ سَبَبًا لِاتِّصَالِهِ بِهِ وَالْمَصِيرِ

стр. 5264

فِي جُمْلَتِهِ، حَتَّى آلَ بِهِمُ الْأَمْرُ إِلَى مُلْكِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَغَيْرِهِمَا عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. وَأَمَّا السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ فَإِنَّهُ سَارَ مِنَ الْعَبَّاسِيَّةِ إِلَى الْمَلَكِيَّةِ، وَوَقَعَتِ الطَّلَائِعُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لَمْ تَزَلِ الْمُنَاوَشَةُ تَجْرِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ سَلْجُوقْشَاهْ يَوْمَيْنِ. وَأَرْسَلَ سَلْجُوقْشَاهْ إِلَى قُرَاجَةَ يَسْتَحِثُّهُ عَلَى الْمُبَادَرَةِ، فَعَادَ سَرِيعًا، وَعَبَرَ دِجْلَةَ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَلَمَّا عَلِمَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ بِانْهِزَامِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي رَجَعَ إِلَى وَرَائِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يُعَرِّفُهُ وُصُولَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ إِلَى الرَّيِّ، وَأَنَّهُ عَازِمٌ عَلَى قَصْدِ الْخَلِيفَةِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ نَتَّفِقَ عَلَى قِتَالِهِ وَدَفْعِهِ عَنِ الْعِرَاقِ، وَيَكُونُ الْعِرَاقُ لِوَكِيلِ الْخَلِيفَةِ، فَأَنَا مُوَافِقٌ عَلَى ذَلِكَ. فَأَعَادَ الْخَلِيفَةُ الْجَوَابَ يَسْتَوْقِفُهُ. وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ فِي الصُّلْحِ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْعِرَاقُ لِوَكِيلِ الْخَلِيفَةِ، وَتَكُونَ السَّلْطَنَةُ لِمَسْعُودٍ، وَيَكُونُ سَلْجُوقْشَاهْ وَلِيَّ عَهْدِهِ، وَتَحَالَفُوا عَلَى ذَلِكَ، وَعَادَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ إِلَى بَغْدَاذَ، فَنَزَلَ بِدَارِ السُّلْطَانِ، وَنَزَلَ سَلْجُوقْشَاهْ فِي دَارٍ الشِّحْنَكِيَّةِ، وَكَانَ اجْتِمَاعُهُمْ فِي جُمَادَى الْأُولَى. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ وَعَمِّهِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ لَمَّا تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ سَارَ سَنْجَرُ إِلَى بِلَادِ الْجِبَالِ وَمَعَهُ الْمَلِكُ طُغْرُلُ ابْنُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ عِنْدَهُ قَدْ لَازَمَهُ، فَوَصَلَ إِلَى الرَّيِّ، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى هَمَذَانَ، فَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ وَالسُّلْطَانِ مَسْعُودٍ بِوُصُولِهِ إِلَى هَمَذَانَ، فَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قِتَالِهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْخَلِيفَةُ مَعَهُمْ، وَتَجَهَّزَ الْخَلِيفَةُ، فَتَقَدَّمَ قُرَاجَةُ السَّاقِي وَالسُّلْطَانُ مَسْعُودٌ وَسَلْجُوقْشَاهْ نَحْوَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، وَتَأَخَّرَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ عَنِ الْمَسِيرِ مَعَهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى قُرَاجَةَ، وَأَلْزَمَهُ وَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَخَافُ مِنْ سَنْجَرَ آجِلًا أَنَا أَفْعَلُهُ عَاجِلًا. فَبَرَزَ حِينَئِذٍ وَسَارَ عَلَى تَرَيُّثٍ وَتَوَقُّفٍ إِلَى أَنْ بَلَغَ إِلَى خَانِقِينَ وَأَقَامَ بِهَا. وَقُطِعَتْ خُطْبَةُ سَنْجَرَ مِنِ الْعِرَاقِ جَمِيعِهِ، وَوَصَلَتِ الْأَخْبَارُ بِوُصُولِ عِمَادِ الدِّينِ

стр. 5265

زَنْكِي، وَدُبَيْسِ بْنِ صَدَقَةَ إِلَى قُرَيْبِ بَغْدَاذَ، فَأَمَّا دُبَيْسٌ فَإِنَّهُ ذُكِرَ أَنَّ السُّلْطَانَ سَنْجَرَ أَقْطَعَهُ الْحِلَّةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ يَضْرَعُ، وَيَسْأَلُ الرِّضَا عَنْهُ، فَامْتَنَعَ مِنْ إِجَابَتِهِ إِلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي فَإِنَّهُ ذُكِرَ أَنَّ السُّلْطَانَ سَنْجَرَ قَدْ أَعْطَاهُ شِحْنَكِيَّةِ بَغْدَاذَ، فَعَادَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ إِلَى بَغْدَاذَ، وَأَمَرَ أَهْلَهَا بِالِاسْتِعْدَادِ لِلْمُدَافِعَةِ عَنْهَا، وَجَنَّدَ أَجْنَادًا جَعَلَهُمْ مَعَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ السُّلْطَانَ مَسْعُودًا وَصَلَ إِلَى دَادْمَرْجَ، فَلَقِيَهُمْ طَلَائِعُ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ فَتَأَخَّرَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ إِلَى كَرْمَانْشَاهَانَ، وَنَزَلَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ فِي أَسَدَابَاذَ فِي مِائَةِ أَلْفِ فَارِسٍ، فَسَارَ مَسْعُودٌ وَأَخُوهُ سَلْجُوقْشَاهْ إِلَى جَبَلَيْنِ يُقَالُ لَهُمَا: كَاوٍ، وَمَاهِي، فَنَزَلَا بَيْنَهُمَا، وَنَزَلَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ كِنْكَوْرَ، فَلَمَّا سَمِعَ بِانْحِرَافِهِمْ أَسْرَعَ فِي طَلَبِهِمْ، فَرَجَعُوا إِلَى وَرَائِهِمْ مَسِيرَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَالْتَقَى الْعَسْكَرَانِ بِعَوْلَانَ، عِنْدَ الدِّينَوَرِ، وَكَانَ مَسْعُودٌ يُدَافِعُ الْحَرْبَ انْتِظَارًا لِقُدُومِ الْمُسْتَرْشِدِ، فَلَمَّا نَازَلَهُ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنَ الْمَصَافِّ، وَجَعَلَ سَنْجَرُ عَلَى مَيْمَنَتِهِ طُغْرُلَ ابْنَ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ وَقَمَاجَ وَأَمِيرَ أَمِيرَانَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ خُوَارَزْمُ شَاهْ أَتْسَزَ بْنَ مُحَمَّدٍ مَعَ جَمْعٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَجَعَلَ مَسْعُودٌ عَلَى مَيْمَنَتِهِ قُرَاجَةَ السَّاقِي وَالْأَمِيرَ قَزَلَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ يَرَنْقَشُ بَازْدَارْ وَيُوسُفُ جَاوُوشُ، وَغَيْرُهُمَا، وَكَانَ قَزَلُ قَدْ وَاطَأَ سَنْجَرَ عَلَى الِانْهِزَامِ. وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ وَقَامَتْ عَلَى سَاقٍ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، فَحَمَلَ قُرَاجَةُ السَّاقِي عَلَى الْقَلْبِ وَفِيهِ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ مِنْ شُجْعَانِ الْعَسْكَرِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْفِيَلَةُ، فَلَمَّا حَمَلَ قُرَاجَةُ عَلَى الْقَلْبِ رَجَعَ الْمَلِكُ طُغْرُلُ وَخُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى وَرَاءِ ظَهْرِهِ، فَصَارَ قُرَاجَةُ فِي الْوَسَطِ فَقَاتَلَ إِلَى أَنْ جُرِحَ عِدَّةَ جِرَاحَاتٍ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأُخِذَ هُوَ أَسِيرًا وَبِهِ جِرَاحَاتٌ كَثِيرَةٌ، فَلَمَّا رَأَى السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ ذَلِكَ انْهَزَمَ وَسَلِمَ مِنَ الْمَعْرَكَةِ، وَقُتِلَ يُوسُفُ جَاوُوشُ، وَحُسَيْنُ أَزْبِكُ، وَهُمَا مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ، وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ ثَامِنَ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. فَلَمَّا تَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى مَسْعُودٍ نَزَلَ سَنْجَرُ، وَأَحْضَرَ قُرَاجَةَ، فَلَمَّا حَضَرَ قُرَاجَةُ سَبَّهُ وَقَالَ لَهُ: يَا مُفْسِدُ أَيَّ شَيْءٍ تَرْجُو بِقِتَالِي؟ قَالَ: كُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَقْتُلَكَ وَأُقِيمَ

стр. 5266

سُلْطَانًا أَحْكُمُ عَلَيْهِ. فَقَتَلَهُ صَبْرًا، وَأَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ يَسْتَدْعِيهِ فَحَضَرَ عِنْدَهُ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَ خُونْجَ، فَلَمَّا رَآهُ قَبَّلَهُ وَأَكْرَمَهُ وَعَاتَبَهُ عَلَى الْعِصْيَانِ عَلَيْهِ وَمُخَالَفَتِهِ، وَأَعَادَهُ إِلَى كَنْجَةَ، وَأَجْلَسَ الْمَلِكُ طُغْرُلَ ابْنَ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ فِي السَّلْطَنَةِ، وَخَطَبَ لَهُ جَمِيعَ الْبِلَادِ، وَجَعَلَ فِي وِزَارَتِهِ أَبَا الْقَاسِمِ الْأَنْسَابَاذِيَّ وَزِيرَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، وَعَادَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَوَصَلَ إِلَى نَيْسَابُورَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ [وَخَمْسِمَائَةٍ] . وَأَمَّا الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ فَكَانَ مِنْهُ مَا نَذْكُرُهُ. ذِكْرُ مَسِيرِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي إِلَى بَغْدَاذَ وَانْهِزَامِهِ لَمَّا سَارَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ مِنْ بَغْدَاذَ وَبَلَغَهُ انْهِزَامُ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ، عَزَمَ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى بَغْدَاذَ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِوُصُولِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي إِلَى بَغْدَاذَ، وَمَعَهُ دُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ، وَكَانَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ قَدْ كَاتَبَهُمَا وَأَمَرَهُمَا بِقَصْدِ الْعِرَاقِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا عَلِمَ الْخَلِيفَةُ بِذَلِكَ أَسْرَعَ الْعَوْدَ إِلَيْهَا، وَعَبَرَ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَسَارَ فَنَزَلَ بِالْعَبَّاسِيَّةِ، وَنَزَلَ عِمَادُ الدِّينِ بِالْمَنَارِيَّةِ مِنْ دُجَيْلٍ، وَالْتَقَيَا بِحِصْنِ الْبَرَامِكَةِ فِي السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ، فَابْتَدَأَ زَنْكِي فَحَمَلَ عَلَى مَيْمَنَةِ الْخَلِيفَةِ، وَبِهَا جَمَالُ الدَّوْلَةِ إِقْبَالُ، فَانْهَزَمُوا مِنْهُ، وَحَمَلَ نَظَرُ الْخَادِمِ مِنْ مَيْسَرَةِ الْخَلِيفَةِ عَلَى مَيْمَنَةِ عِمَادِ الدِّينِ وَدُبَيْسٍ، وَحَمَلَ الْخَلِيفَةُ بِنَفْسِهِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَانْهَزَمَ دُبَيْسٌ، وَأَرَادَ عِمَادُ الدِّينِ الصَّبْرَ فَرَأَى النَّاسَ قَدْ تَفَرَّقُوا عَنْهُ فَانْهَزَمَ أَيْضًا، وَقُتِلَ مِنَ الْعَسْكَرِ جَمَاعَةٌ وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ، وَبَاتَ الْخَلِيفَةُ هُنَاكَ لَيْلَتَهُ، وَعَادَ مِنَ الْغَدِ إِلَى بِغَدَاذَ.

стр. 5267

ذِكْرُ حَالِ دُبَيْسٍ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ وَفِيهَا عَادَ دُبَيْسٌ بَعْدَ انْهِزَامِهِ الْمَذْكُورِ يَلُوذُ بِبِلَادِ الْحِلَّةِ وَتِلْكَ النَّوَاحِي، وَجَمَعَ جَمْعًا، وَكَانَتْ تِلْكَ الْوِلَايَةُ بِيَدِ إِقْبَالٍ الْمُسْتَرْشِدِيِّ، فَأُمِدَّ بِعَسْكَرٍ مِنْ بَغْدَاذَ، فَالْتَقَى هُوَ وَدُبَيْسٌ فَانْهَزَمَ دُبَيْسٌ وَاخْتَفَى فِي أَجَمَةٍ هُنَاكَ، وَبَقِيَ ثَلَاثَةً لَمْ يَطْعَمْ شَيْئًا، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهَا، حَتَّى أَخْرَجَهُ جَمَّاسٌ عَلَى ظَهْرِهِ. ثُمَّ جَمَعَ وَقَصَدَ وَاسِطَ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ عَسْكَرُهَا، وَبُخْتِيَارُ، وَشَاقُّ، وَابْنُ أَبِي الْجَبْرِ، لَمْ يَزَلْ فِيهَا إِلَى أَنْ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ [وَخَمْسِمَائَةٍ] ، فَنَفَذَ إِلَيْهِمْ يَرَنْقَشُ بَازْدَارُ وَإِقْبَالٌ الْخَادِمُ الْمُسْتَرْشِدِيُّ فِي عَسْكَرٍ، فَاقْتَتَلُوا فِي الْمَاءِ وَالْبَرِّ، فَانْهَزَمَ الْوَاسِطِيُّونَ وَدُبَيْسٌ، وَأُسِرَ بُخْتِيَارُ، وَشَاقُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ. ذِكْرُ وَفَاةِ تَاجِ الْمُلُوكِ صَاحِبِ دِمَشْقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَجَبٍ، تُوُفِّيَ تَاجُ الْمُلُوكِ بُورِي بْنُ طُغْتِكِينَ، صَاحِبُ دِمَشْقَ، وَسَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّ الْجُرْحَ الَّذِي كَانَ بِهِ مِنَ الْبَاطِنِيَّةِ - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ - اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْآنَ وَأَضْعَفَهُ، وَأَسْقَطَ قُوَّتَهُ، فَتُوُفِّيَ فِي الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ، وَوَصَّى بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ لِوَلَدِهِ شَمْسِ الْمُلُوكِ إِسْمَاعِيلَ، وَوَصَّى بِمَدِينَةِ بَعْلَبَكَّ وَأَعْمَالِهَا لِوَلَدِهِ شَمْسِ الدَّوْلَةِ مُحَمَّدٍ. وَكَانَ بُورِي كَثِيرَ الْجِهَادِ، شُجَاعًا مِقْدَامًا، سَدَّ مَسَدَّ أَبِيهِ وَفَاقَ عَلَيْهِ، وَكَانَ مُمَدَّحًا، أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ مَدَائِحَهُ لَاسِيَّمَا ابْنُ الْخَيَّاطِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ شَمْسُ الْمُلُوكِ، وَقَامَ بِتَدْبِيرِ الْأَمْرِ بَيْنَ يَدَيْهِ الْحَاجِبُ يُوسُفُ بْنُ فَيْرُوزَ شِحْنَةُ دِمَشْقَ، وَهُوَ حَاجِبُ أَبِيهِ، اعْتَمَدَ عَلَيْهِ وَابْتَدَأَ أَمْرَهُ بِالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، فَكَثُرَ الدُّعَاءُ لَهُ وَالْقُصَّادُ عَلَيْهِ.

стр. 5268

ذِكْرُ مُلْكِ شَمْسِ الْمُلُوكِ حِصْنَ اللَّبْوَةِ وَحِصْنَ رَاسٍ وَحَصْرِهِ بَعْلَبَكَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ شَمْسُ الْمُلُوكِ إِسْمَاعِيلُ صَاحِبُ دِمَشْقَ حِصْنَ اللَّبْوَةِ وَحِصْنَ رَاسٍ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا كَانَا لِأَبِيهِ تَاجِ الْمُلُوكِ، وَفِي كُلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَحْفِظٌ يَحْفَظُهُ، فَلَمَّا مَلَكَ شَمْسُ الْمُلُوكِ بَلَغَهُ أَنَّ أَخَاهُ شَمْسَ الدَّوْلَةِ مُحَمَّدًا صَاحِبَ بَعْلَبَكَّ قَدْ رَاسَلَهُمَا وَاسْتَمَالَهُمَا إِلَيْهِ، فَسَلَّمَا الْحِصْنَيْنِ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ فِيهِمَا مِنَ الْجُنْدِ مَا يَكْفِيهِمَا، فَلَمْ يُظْهِرْ بِذَلِكَ أَثَرًا بَلْ رَاسَلَ أَخَاهُ بِلُطْفٍ يُقَبِّحُ هَذِهِ الْحَالَ، وَيَطْلُبُ أَنْ يُعِيدَهُمَا إِلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَأَغْضَى عَلَى ذَلِكَ، وَتَجَهَّزَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْلِمَ أَحَدًا. وَسَارَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ آخِرَ ذِي الْقَعْدَةِ، فَطَلَبَ جِهَةَ الشَّمَالِ، ثُمَّ عَادَ مُغَرِّبًا، فَلَمْ يَشْعُرْ مَنْ بِحِصْنِ اللَّبْوَةِ إِلَّا وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ وَزَحَفَ لِوَقْتِهِ، فَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ نَصْبِ مَنْجَنِيقٍ وَلَا غَيْرِهِ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ فَبَذَلَهُ لَهُمْ، وَتَسَلَّمَ الْحِصْنَ مِنْ يَوْمِهِ، وَسَارَ مِنْ آخَرَ النَّهَارِ إِلَى حِصْنِ رَاسٍ، فَبَغَتَهُمْ، وَجَرَى الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى تِلْكَ الْقَضِيَّةِ وَتَسَلَّمَهُ، وَجَعَلَ فِيهِمَا مَنْ يَحْفَظُهُمَا. ثُمَّ رَحَلَ إِلَى بَعْلَبَكَّ وَحَصَرَهَا وَفِيهَا أَخُوهُ شَمْسُ الدَّوْلَةِ مُحَمَّدٌ، وَقَدِ اسْتَعَدَّ وَجَمَعَ فِي الْحِصْنِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ رِجَالٍ وَذَخَائِرَ، فَحَصَرَهُمْ شَمْسُ الْمُلُوكِ، وَزَحَفَ فِي الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ، وَقَاتَلَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ عَلَى السُّورِ، ثُمَّ زَحَفَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ، فَمَلَكَ الْبَلَدَ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ وَقَتْلَى كَثِيرَةٍ، وَبَقِيَ الْحِصْنُ فَقَاتَلَهُ وَفِيهِ أَخُوهُ، وَنَصَبَ الْمَجَانِيقَ، وَلَازَمَ الْقِتَالَ، فَلَمَّا رَأَى أَخُوهُ شَمْسُ الدَّوْلَةِ شِدَّةَ الْأَمْرِ أَرْسَلَ يَبْذُلُ الطَّاعَةَ، وَيَسْأَلُ أَنْ يُقَرَّ عَلَى مَا بِيَدِهِ، وَجَعَلَهُ أَبُوهُ بِاسْمِهِ، فَأَجَابَهُ إِلَى مَطْلُوبِهِ، وَأَقَرَّ عَلَيْهِ بَعْلَبَكَّ وَأَعْمَالَهَا، وَتَحَالَفُوا، وَعَادَ شَمْسُ الْمُلُوكِ إِلَى دِمَشْقَ وَقَدِ اسْتَقَامَتْ لَهُ الْأُمُورُ.

стр. 5269

ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ السُّلْطَانِ طُغْرُلَ وَالْمَلِكِ دَاوُدَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَمَضَانَ كَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْمَلِكِ طُغْرُلَ، وَبَيْنَ ابْنِ أَخِيهِ الْمَلِكِ دَاوُدَ بْنِ مَحْمُودٍ، وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ السُّلْطَانَ سَنْجَرَ أَجْلَسَ الْمَلِكَ طُغْرُلَ فِي السَّلْطَنَةِ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - وَعَادَ إِلَى خُرَاسَانَ ; لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ صَاحِبَ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ أَحْمَدَ خَانْ قَدْ عَصَى عَلَيْهِ، فَبَادَرَ إِلَى الْعَوْدِ لِتَلَافِي ذَلِكَ الْخَرْقِ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى خُرَاسَانَ عَصَى الْمَلِكُ دَاوُدُ عَلَى عَمِّهِ طُغْرُلَ وَخَالَفَهُ، وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ بِأَذْرَبِيجَانَ وَبِلَادِ كَنْجَةَ، وَسَارَ إِلَى هَمَذَانَ، فَنَزَلَ مُسْتَهَلَّ رَمَضَانَ عِنْدَ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: وَهْمَانَ بِقُرْبِ هَمَذَانَ. وَخَرَجَ إِلَيْهِ طُغْرُلُ، وَعَبَّأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابَهُ مَيْمَنَةً وَمَيْسَرَةً، وَكَانَ عَلَى مَيْمَنَةِ السُّلْطَانِ طُغْرُلَ ابْنُ بُرْسُقَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ قَزَلُ، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ قَرَاسُنْقُرُ، وَكَانَ عَلَى مَيْمَنَةِ دَاوُدَ يَرَنْقَشُ الزَّكَوِيُّ وَلَمْ يُقَاتِلْ، فَلَمَّا رَأَى التُّرْكُمَانُ ذَلِكَ نَهَبُوا خِيَمَهُ وَبِرَكَهُ جَمِيعَهُ، وَوَقَعَ الْخُلْفُ فِي عَسْكَرِ دَاوُدَ، فَلَمَّا رَأَى أَتَابَكُهُ آقَسُنْقَرُ الْأَحْمَدِيلِيُّ ذَلِكَ وَلَّى هَرَبًا، وَتَبِعَهُ النَّاسُ فِي الْهَزِيمَةِ، وَقَبَضَ طُغْرُلُ عَلَى يَرَنْقَشَ الزَّكَوِيِّ وَعَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ. وَأَمَّا الْمَلِكُ دَاوُدُ فَإِنَّهُ لَمَّا انْهَزَمَ بَقِيَ مُتَحَيِّرًا إِلَى أَوَائِلَ ذِي الْقَعْدَةِ، فَقَدِمَ بَغْدَاذَ وَمَعَهُ أَتَابَكُهُ آقَسُنْقَرُ الْأَحْمَدِيلِيُّ، فَأَكْرَمَهُ الْخَلِيفَةُ، وَأَنْزَلَهُ بِدَارِ السُّلْطَانِ، وَكَانَ الْمَلِكُ مَسْعُودٌ بِكَنْجَةَ، فَلَمَّا سَمِعَ بِانْهِزَامِ الْمَلِكِ دَاوُدَ تَوَجَّهَ نَحْوَ بَغْدَاذَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ عَلَى وَزِيرِهِ شَرَفِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ طِرَادٍ الزَّيْنَبِيِّ، وَاسْتَوْزَرَ أَنُوشِرْوَانَ بْنَ خَالِدٍ بَعْدَ أَنِ امْتَنَعَ وَسَأَلَ الْإِقَالَةَ.

стр. 5270

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَامِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو نَصْرٍ مُسْتَوْفِي السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ الْمُلَقَّبُ بِالْعَزِيزِ بِقَلْعَةِ تَكْرِيتَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ ذَلِكَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ [وَخَمْسِمَائَةٍ] . وَفِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ أَبِي يَعْلَى بْنَ الْفَرَّاءِ الْحَنْبَلِيُّ، مَوْلِدُهُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنَ الْخَطِيبِ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُهْتَدِي، وَغَيْرِهِمَا، وَتَفَقَّهَ، قَتَلَهُ أَصْحَابُهُ غِيلَةً وَأَخَذُوا مَالَهُ. وَفِي جُمَادَى الْأُولَى تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنَ كَادِشَ أَبُو الْعِزِّ الْعُكْبَرِيُّ، وَكَانَ مُحَدِّثًا مُكْثِرًا. وَتُوُفِّيَ فِيهَا أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُظَفَّرِ بْنِ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ، وَكَانَ أَدِيبًا وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْهُ مَا كَتَبَهُ إِلَى جَلَالِ الدِّينِ بْنِ صَدَقَةَ الْوَزِيرِ: أَمَوْلَانَا جَلَالَ الدِّينِ يَا مَنْ أُذَكِّرُهُ بِخِدْمَتِيَ الْقَدِيمَهْ أَلَمْ تَكُ قَدْ عَزَمْتَ عَلَى اصْطِنَاعِي فَمَاذَا صَدَّ عَنْ تِلْكَ الْعَزِيمَهْ

стр. 5271

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ] (٥٢٧) ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ شَمْسِ الْمُلُوكِ بَانِيَاسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ مَلَكَ شَمْسُ الْمُلُوكِ صَاحِبُ دِمَشْقَ حِصْنَ بَانِيَاسَ مِنَ الْفِرِنْجِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْفِرِنْجَ اسْتَضْعَفُوهُ وَطَمِعُوا فِيهِ، وَعَزَمُوا عَلَى نَقْضِ الْهُدْنَةِ الَّتِي بَيْنَهُمْ، فَتَعَرَّضُوا إِلَى أَمْوَالِ جَمَاعَةٍ مِنْ تُجَّارِ دِمَشْقَ بِمَدِينَةِ بَيْرُوتَ وَأَخَذُوهَا، فَشَكَا التُّجَّارُ إِلَى شَمْسِ الْمُلُوكِ، فَرَاسَلَ فِي إِعَادَةٍ مَا أَخَذُوهُ، وَكَرَّرَ الْقَوْلَ فِيهِ، فَلَمْ يَرُدُّوا شَيْئًا، فَحَمَلَتْهُ الْأَنَفَةُ مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ وَالْغَيْظُ عَلَى أَنْ جَمَعَ عَسْكَرَهُ وَتَأَهَّبَ، وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ أَيْنَ يُرِيدُ. ثُمَّ سَارَ وَسَبَقَ خَبَرَهُ أَوَاخِرَ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَنَزَلَ عَلَى بَانِيَاسَ أَوَّلَ صَفَرٍ، وَقَاتَلَهَا لِسَاعَتِهِ، وَزَحَفَ إِلَيْهَا زَحْفًا مُتَتَابِعًا، وَكَانُوا غَيْرَ مُتَأَهِّبِينَ، وَلَيْسَ فِيهَا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ مَنْ يَقُومُ بِهَا وَقَرُبَ مِنْ سُورِ الْمَدِينَةِ، وَتَرَجَّلَ بِنَفْسِهِ، وَتَبِعَهُ النَّاسُ مِنَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ، وَوَصَلُوا إِلَى السُّورِ، فَنَقَبُوهُ وَدَخَلُوا الْبَلَدَ عَنْوَةً، وَالْتَجَأَ مَنْ كَانَ مِنْ جُنْدِ الْفِرِنْجِ إِلَى الْحِصْنِ، وَتَحَصَّنُوا بِهِ، فَقُتِلَ مِنَ الْبَلَدِ كَثِيرٌ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَأُسِرَ كَثِيرٌ، وَنُهِبَتِ الْأَمْوَالُ، وَقَاتَلَ الْقَلْعَةَ قِتَالًا شَدِيدًا لَيْلًا وَنَهَارًا، فَمَلَكَهَا رَابِعَ صَفَرٍ

стр. 5272

بِالْأَمَانِ، وَعَادَ إِلَى دِمَشْقَ فَوَصَلَهَا سَادِسَهُ. وَأَمَّا الْفِرِنْجُ فَإِنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا نُزُولَهُ عَلَى بَانِيَاسَ شَرَعُوا يَجْمَعُونَ عَسْكَرًا يَسِيرُونَ بِهِ إِلَيْهِ، فَأَتَاهُمْ خَبَرُ فَتْحِهَا، فَبَطَلَ مَا كَانُوا فِيهِ. ذِكْرُ حَرْبٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْفِرِنْجِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي صَفَرَ، سَارَ مَلِكٌ الْفِرِنْجِ صَاحِبُ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ فِي خَيَّالَتِهِ إِلَى أَطْرَافِ أَعْمَالِ حَلَبَ، فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْأَمِيرُ أَسْوَارُ النَّائِبُ بِحَلَبَ فِي مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَانْضَافَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ التُّرْكُمَانِ، فَاقْتَتَلُوا عِنْدَ قِنَّسْرِينَ، فَقُتِلَ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى حَلَبَ، وَتَرَدَّدَ مَلِكٌ الْفِرِنْجِ فِي أَعْمَالِ حَلَبَ، فَعَادَ أَسْوَارُ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَوَقَعَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ وَالْأَسْرَ، فَعَادَ مَنْ سَلِمَ مُنْهَزِمًا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَانْجَبَرَ ذَلِكَ الْمُصَابُ بِهَذَا الظَّفَرِ، وَدَخَلَ أَسْوَارُ حَلَبَ، وَمَعَهُ الْأَسْرَى وَرُءُوسُ الْقَتْلَى، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا. ثُمَّ إِنَّ طَائِفَةً مِنَ الْفِرِنْجِ مِنَ الرُّهَا قَصَدُوا أَعْمَالَ حَلَبَ لِلْغَارَةِ عَلَيْهَا، فَسَمِعَ بِهِمْ أَسْوَارُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ هُوَ وَالْأَمِيرُ حَسَّانُ الْبَعْلَبَكِّيُّ، فَأَوْقَعُوا بِهِمْ، وَقَتَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ فِي بَلَدِ الشَّمَالِ، وَأَسَرُوا مَنْ لَمْ يُقْتَلْ، وَرَجَعُوا إِلَى حَلَبَ سَالِمِينَ. ذِكْرُ عَوْدِ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ إِلَى السَّلْطَنَةِ وَانْهِزَامِ الْمَلِكِ طُغْرُلَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ انْهِزَامِ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ مِنْ عَمِّهِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ وَعَوْدِهِ إِلَى كَنْجَةَ،

стр. 5273

وَوِلَايَةِ الْمَلِكِ طُغْرُلَ السَّلْطَنَةَ، وَأَنَّهُ تَحَارَبَ هُوَ وَالْمَلِكُ دَاوُدُ ابْنُ أَخِيهِ مَحْمُودٍ، وَانْهِزَامِ دَاوُدَ وَدُخُولِهِ بَغْدَاذَ، فَلَمَّا بَلَغَ السُّلْطَانَ مَسْعُودًا انْهِزَامُ دَاوُدَ وَقَصْدُهُ بَغْدَاذَ، سَارَ هُوَ إِلَى بَغْدَاذَ أَيْضًا، فَلَمَّا قَارَبَهَا لَقِيَهُ دَاوُدُ وَتَرَجَّلَ لَهُ، وَخَدَمَهُ، وَدَخَلَا بَغْدَاذَ. وَنَزَلَ مَسْعُودٌ بِدَارِ السَّلْطَنَةِ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَخَاطَبَ فِي الْخُطْبَةِ لَهُ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَخُطِبَ لَهُ وَلِدَاوُدَ بَعْدَهُ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمَا، وَدَخَلَا إِلَى الْخَلِيفَةِ فَأَكْرَمَهُمَا، وَرُفِعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى مَسِيرِ مَسْعُودٍ وَدَاوُدَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَأَنْ يُرْسِلَ الْخَلِيفَةُ مَعَهُمَا عَسْكَرًا، فَسَارُوا فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى مَرَاغَةَ حَمَلَ آقَسُنْقَرُ الْأَحْمَدِيلِيُّ مَالًا كَثِيرًا، وَإِقَامَةً عَظِيمَةً، وَمَلَكَ مَسْعُودٌ سَائِرَ بِلَادِ أَذْرَبِيجَانَ، وَانْهَزَمَ مَنْ بِهَا مَنِ الْأُمَرَاءِ مِثْلَ قَرَاسُنْقُرَ وَغَيْرِهِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَتَحَصَّنَ مِنْهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِمَدِينَةِ أَرْدَبِيلَ، فَقَصَدَهُمْ وَحَصَرَهُمْ بِهَا، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ. ثُمَّ سَارَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى هَمَذَانَ لِمُحَارَبَةِ أَخِيهِ الْمَلِكِ طُغْرُلَ، فَلَمَّا سَمِعَ طُغْرُلُ بِقُرْبِهِ بَرَزَ إِلَى لِقَائِهِ، فَاقْتَتَلُوا إِلَى الظُّهْرِ، ثُمَّ انْهَزَمَ طُغْرُلُ، وَقَصَدَ الرَّيَّ، وَاسْتَوْلَى السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ عَلَى هَمَذَانَ فِي شَعْبَانَ، وَلَمَّا اسْتَقَرَّ مَسْعُودٌ بِهَمَذَانَ قُتِلَ آقَسُنْقَرُ الْأَحْمَدِيلِيُّ، قَتَلَهُ الْبَاطِنِيَّةُ، فَقِيلَ إِنَّ السُّلْطَانَ مَسْعُودًا وَضَعَ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ. ثُمَّ إِنَّ طُغْرُلَ لَمَّا بَلَغَ قُمَّ عَادَ إِلَى أَصْبَهَانَ وَدَخَلَهَا وَأَرَادَ التَّحَصُّنَ بِهَا فَسَارَ إِلَيْهِ أَخُوهُ مَسْعُودٌ لِيُحَاصِرَهُ بِهَا، فَرَأَى طُغْرُلُ أَنَّ أَهْلَ أَصْبَهَانَ لَا يُطَاوِعُونَهُ عَلَى الْحِصَارِ، فَرَحَلَ عَنْهُمْ إِلَى بِلَادِ فَارِسَ، وَاسْتَوْلَى مَسْعُودٌ عَلَى أَصْبَهَانَ، وَفَرِحَ أَهْلُهَا بِهِ، وَسَارَ مِنْ أَصْبَهَانَ نَحْوَ فَارِسَ يَقْتَصُّ أَثَرَ أَخِيهِ طُغْرُلَ، فَوَصَلَ إِلَى مَوْضِعٍ بِقُرْبِ الْبَيْضَاءِ، فَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ أَمِيرٌ مِنْ أُمَرَاءَ أَخِيهِ مَعَهُ أَرْبَعُمِائَةِ فَارِسٍ فَأَمَّنَهُ، فَخَافَ طُغْرُلُ مِنْ عَسْكَرِهِ أَنْ يَنْحَازُوا إِلَى أَخِيهِ، فَانْهَزَمَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَقَصَدَ الرَّيَّ فِي رَمَضَانَ، وَقُتِلَ وَزِيرُهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْسَابَاذِيُّ فِي الطَّرِيقِ فِي شَوَّالٍ، قَتَلَهُ غِلْمَانُ الْأَمِيرِ شِيرْكِيرَ الَّذِي سَعَى فِي قَتْلِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَسَارَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ يَتْبَعُهُ، فَلَحِقَهُ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: ذَكْرَاوَرُ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا

стр. 5274

الْمَصَافُّ هُنَاكَ، فَلَمَّا اشْتَبَكَتِ الْحَرْبُ انْهَزَمَ الْمَلِكُ طُغْرُلُ، فَوَقَعَ عَسْكَرُهُ فِي أَرْضٍ قَدْ نَضَبَ عَنْهَا الْمَاءُ وَهِيَ وَحْلٌ، فَأُسِرَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ مِنْهُمُ الْحَاجِبُ تُنْكُرُ، وَابْنُ بُغْرَا، فَأَطْلَقَهُمُ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ، وَلَمْ يُقْتَلْ فِي هَذَا الْمَصَافِّ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ، وَرَجَعَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ إِلَى هَمَذَانَ. ذِكْرُ حَصْرِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ الْمَوْصِلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ (٥٢٧) حَصَرَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ مَدِينَةَ الْمَوْصِلِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَصْدِ الشَّهِيدِ زَنْكِي بَغْدَادَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، فَلَمَّا كَانَ الْآنُ قَصَدَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ السَّلْجُوقِيَّةِ بَابَ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ، وَصَارُوا مَعَهُ فَقَوِيَ بِهِمْ. وَاشْتَغَلَ السَّلَاطِينُ السَّلْجُوقِيَّةُ بِالْخُلْفِ الْوَاقِعِ بَيْنَهُمْ، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ الشَّيْخَ بَهَاءَ الدِّينِ أَبَا الْفُتُوحِ الْإِسْفَرَايِينِيَّ الْوَاعِظَ إِلَى عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي بِرِسَالَةٍ فِيهَا خُشُونَةٌ، وَزَادَهَا أَبُو الْفُتُوحِ زِيَادَةً ثِقَةً بِقُوَّةِ الْخَلِيفَةِ وَنَامُوسِ الْخِلَافَةِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي، وَأَهَانَهُ وَلَقِيَهُ بِمَا يَكْرَهُ، فَأَرْسَلَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ إِلَى السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ يُعَرِّفُهُ الْحَالَ الَّذِي جَرَى مِنْ زَنْكِي، وَيُعْلِمُهُ أَنَّهُ عَلَى قَصْدِ الْمَوْصِلِ وَحَصْرِهَا، وَتَمَادَتِ الْأَيَّامَ إِلَى شَعْبَانَ، فَسَارَ عَنْ بَغْدَادَ فِي النِّصْفِ مِنْهُ فِي ثَلَاثِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ. فَلَمَّا قَارَبَ الْمَوْصِلَ فَارَقَهَا أَتَابَكْ زَنْكِي فِي بَعْضِ عَسْكَرِهِ، وَتَرَكَ الْبَاقِيَ بِهَا مَعَ نَائِبِهِ نَصِيرِ الدِّينِ جَقَرَ دُزْدَارْهَا وَالْحَاكِمِ فِي دَوْلَتِهِ وَأَمَرَهُمْ بِحِفْظِهَا، وَنَازَلَهَا الْخَلِيفَةُ وَقَاتَلَهَا وَضَيَّقَ عَلَى مَنْ بِهَا، وَأَمَّا عِمَادُ الدِّينِ فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى سِنْجَارَ وَكَانَ يَرْكَبُ كُلَّ لَيْلَةٍ وَيَقْطَعُ الْمِيرَةَ عَنِ الْعَسْكَرِ، وَمَتَى ظَفِرَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَسْكَرِ أَخَذَهُ وَنَكَّلَ بِهِ. وَضَاقَتِ الْأُمُورُ بِالْعَسْكَرِ أَيْضًا، وَتَوَاطَأَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْجَصَّاصِينَ بِالْمَوْصِلِ عَلَى تَسْلِيمِ الْبَلَدِ، فَسُعِيَ بِهِمْ فَأُخِذُوا وَصُلِبُوا.

стр. 5275

وَبَقِيَ الْحِصَارُ عَلَى الْمَوْصِلِ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَلَمْ يَظْفَرْ مِنْهَا بِشَيْءٍ، وَلَا بَلَغَهُ عَمَّنْ بِهَا وَهَنٌ وَلَا قِلَّةُ مِيرَةٍ وَقُوتٍ، فَرَحَلَ عَنْهَا عَائِدًا إِلَى بَغْدَادَ، فَقِيلَ: إِنَّ نَظَرَ الْخَادِمِ وَصَلَ إِلَيْهِ عَسْكَرُ السُّلْطَانِ، وَأَبْلَغَهُ عَنِ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ مَا أَوْجَبَ مَسِيرَهُ، وَعَوْدِهِ إِلَى بَغْدَادَ، وَقِيلَ: بَلْ بَلَغَهُ أَنَّ السُّلْطَانَ مَسْعُودًا عَزَمَ عَلَى قَصْدِ الْعِرَاقِ فَعَادَ بِالْجُمْلَةِ، وَأَنَّهُ رَحَلَ عَنْهَا مُنْحَدِرًا فِي شَبَّارَةِ فِي دِجْلَةَ فَوَصَلَ إِلَى بَغْدَادَ يَوْمَ عَرَفَةَ. ذِكْرُ مُلْكِ شَمْسِ الْمُلُوكِ مَدِينَةَ حَمَاةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا فِي شَوَّالٍ، مَلَكَ شَمْسُ الْمُلُوكِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ تَاجِ الْمُلُوكِ صَاحِبُ دِمَشْقَ مَدِينَةَ حَمَاةَ وَقَلْعَتَهَا، وَهِيَ لِأَتَابَكِ زَنْكِي بْنِ آقَسُنْقَرَ أَخَذَهَا مِنْ تَاجِ الْمُلُوكِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ. وَلَمَّا مَلَكَ شَمْسُ الْمُلُوكِ قَلْعَةَ بَانِيسَ أَقَامَ بِدِمَشْقَ إِلَى شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى حَمَاةَ فِي الْعُشْرِ الْأَخِيرِ مِنْهُ. وَسَبَبُ طَمَعِهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْمُسْتَرْشِدَ بِاللَّهِ يُرِيدُ [أَنْ] يَحْصُرُ الْمَوْصِلَ فَطَمِعَ، وَكَانَ الْوَالِي بِحَمَاةَ قَدْ سَمِعَ الْخَبَرَ فَتَحَصَّنَ وَاسْتَكْثَرَ مِنَ الرِّجَالِ وَالذَّخَائِرِ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ شَمْسِ الْمُلُوكِ إِلَّا وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِتَرْكِ قَصْدِهَا; لِقُوَّةِ صَاحِبِهَا، فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ، وَسَارَ إِلَيْهَا وَحَصَرَ الْمَدِينَةَ، وَقَاتَلَ مَنْ بِهَا يَوْمَ الْعِيدِ، وَزَحَفَ إِلَيْهَا مِنْ وَقْتِهِ، فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ وَقَاتَلُوهُ، فَعَادَ عَنْهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ بَكَّرَ إِلَيْهِمْ وَزَحَفَ إِلَى الْبَلَدِ مِنْ جَوَانِبِهِ، فَمَلَكَهُ قَهْرًا وَعَنْوَةً، وَطَلَبَ مَنْ بِهِ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ وَحَصَرَ الْقَلْعَةَ، وَلَمْ تَكُنْ فِي الْحَصَانَةِ وَالْعُلُوِّ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، فَإِنَّ تَقِيَّ الدِّينِ عُمَرَ ابْنَ أَخِي صَلَاحِ الدِّينِ قَطَعَ جَبَلَهَا وَعَمِلَهَا هَكَذَا فِي سِنِينَ كَثِيرَةٍ، فَلَمَّا حَصَرَهَا عَجَزَ الْوَالِي بِهَا عَنْ حِفْظِهَا فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَعَلَى مَا بِهَا مِنْ ذَخَائِرَ وَسِلَاحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى قَلْعَةِ شَيْزَرَ وَبِهَا صَاحِبُهَا مِنْ بَنِي

стр. 5276

مُنْقِذٍ، فَحَصَرَهَا وَنَهَبَ بَلَدَهَا، فَرَاسَلَهُ صَاحِبُهَا، وَصَانَعَهُ بِمَالٍ حَمَلَهُ إِلَيْهِ، فَعَادَ عَنْهُ إِلَى دِمَشْقَ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ. ذِكْرُ هَزِيمَةِ صَاحِبِ طَرَابُلُسَ الْفِرِنْجِيِّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبَرَ إِلَى الشَّامِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ التُّرْكُمَانِ مِنْ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ، وَأَغَارُوا عَلَى بِلَادِ طَرَابُلُسَ، وَغَنِمُوا وَقَتَلُوا كَثِيرًا، فَخَرَجَ الْقُمَّصُ صَاحِبُ طَرَابُلُسَ فِي جُمُوعِهِ، فَانْزَاحَ التُّرْكُمَانُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَتَبِعَهُمْ فَعَادُوا إِلَيْهِ، وَقَاتَلُوهُ فَهَزَمُوهُ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِي عَسْكَرِهِ، وَمَضَى هُوَ وَمَنْ سَلِمَ مَعَهُ إِلَى قَلْعَةِ بَعْرِينَ، فَتَحَصَّنُوا فِيهَا، وَامْتَنَعُوا عَلَى التُّرْكُمَانِ، فَحَصَرَهُمُ التُّرْكُمَانُ فِيهَا. فَلَمَّا طَالَ الْحِصَارُ عَلَيْهِمْ نَزَلَ صَاحِبُ طَرَابُلُسَ، وَمَعَهُ عِشْرُونَ فَارِسًا مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِهِ سِرًّا فَنَجَوْا وَسَارُوا إِلَى طَرَابُلُسَ، وَتَرَكَ الْبَاقِينَ فِي بَعْرِينَ يَحْفَظُونَهَا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى طَرَابُلُسَ كَاتَبَ جَمِيعَ الْفِرِنْجِ، فَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَتَوَجَّهَ بِهِمْ نَحْوَ التُّرْكُمَانِ لِيُرَحِّلَهُمْ عَنْ بَعْرِينَ، فَلَمَّا سَمِعَ التُّرْكُمَانُ بِذَلِكَ قَصَدُوهُمْ وَالْتَقُوهُمْ، وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأَشْرَفَ الْفِرِنْجُ عَلَى الْهَزِيمَةِ، فَحَمَلُوا نُفُوسَهُمْ، وَرَجَعُوا عَلَى حَامِيَةٍ إِلَى رَفَنِيَةَ فَتَعَذَّرَ عَلَى التُّرْكُمَانِ اللَّحَاقُ بِهِمْ إِلَى وَسَطِ بِلَادِهِمْ فَعَادُوا عَنْهُمْ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اشْتَرَى الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ بِالشَّامِ حِصْنَ الْقَدْمُوسِ مِنْ صَاحِبِهِ ابْنِ عَمْرُونَ، وَصَعِدُوا إِلَيْهِ، وَقَامُوا بِحَرْبِ مَنْ يُجَاوِرُهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْفِرِنْجِ، وَكَانُوا

стр. 5277

كُلُّهُمْ يَكْرَهُونَ مُجَاوَرَتَهُمْ. وَفِيهَا وَقَعَ الْخُلْفُ بَيْنَ الْفِرِنْجِ بِالشَّامِ فَقَاتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَمْ تَجْرِ لَهُمْ بِذَلِكَ عَادَةٌ قَبْلَ هَذِهِ السَّنَةِ وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ جَمَاعَةٌ. وَفِيهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ أَغَارَ الْأَمِيرُ أَسْوَارُ مُقَدَّمُ عَسْكَرِ زَنْكِي بِحَلَبَ عَلَى وِلَايَةِ تَلِ بَاشَرَ فَغَنِمَ الْكَثِيرَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْفِرِنْجُ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ فَقَاتَلُوهُ، فَظَفِرَ بِهِمْ وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَكَانَ عِدَّةُ الْقَتْلَى نَحْوَ أَلْفِ قَتِيلٍ، وَعَادَ سَالِمًا. وَفِيهَا - تَاسِعَ رَبِيعٍ الْآخَرِ - وَثَبَ عَلَى شَمْسِ الْمُلُوكِ صَاحِبِ دِمَشْقَ بَعْضُ مَمَالِيكِ جَدِّهِ طُغْدِكِينَ، فَضَرَبَهُ بِسَيْفٍ فَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ شَيْئًا، وَتَكَاثَرَ عَلَيْهِ مَمَالِيكُ شَمْسِ الْمُلُوكِ فَأَخَذُوهُ، وَقَرَّرَ مَا الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى مَا فَعَلَ فَقَالَ: أَرَدْتُ إِرَاحَةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ شَرِّكَ وَظُلْمِكَ، وَلَمْ يَزَلْ يُضْرَبُ حَتَّى أَقَرَّ عَلَى جَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ وَضَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَتَلَهُمْ شَمْسُ الْمُلُوكِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ، وَقَتَلَ مَعَهُمْ أَخَاهُ سُونَجَ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، وَنَفَرُوا عَنْهُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَفَاءِ الْفَارِسِيُّ، وَكَانَ لَهُ جِنَازَةٌ مَشْهُودَةٌ حَضَرَهَا أَعْيَانُ بَغْدَادَ. وَفِيهَا - فِي رَجَبٍ - تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَخْلَدٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الرُّطَبِيِّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ قَاضِي الْكَرْخِ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ وَأَبِي

стр. 5278

نَصْرِ بْنِ الصَّبَّاغِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ، وَكَانَ قَرِيبًا مِنَ الْخَلِيفَةِ يُؤَدِّبُ أَوْلَادَهُ. وَتُوُفِّيَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَصْرٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الزَّاغُونِيِّ الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ الْوَاعِظُ، وَكَانَ ذَا فُنُونٍ، تُوُفِّيَ فِي الْمُحَرَّمِ. وَتُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ يَعْلَى بْنِ عِوَضِ بْنَ الْقَاسِمِ الْهَرَوِيُّ الْعَلَوِيُّ، كَانَ وَاعِظًا، وَلَهُ بِخُرَاسَانَ قَبُولٌ كَثِيرٌ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعُثْمَانِيُّ الدِّيبَاجِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَوْلَادِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُثْمَانِيِّ الدِّيبَاجِيِّ، وَهُوَ مِنْ أَوْلَادِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. وَكَانَ مُحَمَّدٌ يُلَقَّبُ بِالدِّيبَاجِ لِحُسْنِهِ، وَأَصْلُهُ مِنْ مَكَّةَ، وَهُوَ مِنْ أَهْلٍ نَابُلُسَ، وَكَانَ مُغَالِيًا فِي مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ، وَكَانَ يَعِظُ. تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو فُلَيْتَةَ أَمِيرُ مَكَّةَ، وَوَلِيَ الْإِمَارَةَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْقَاسِمُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْعَزِيزُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّرِيفُ الْعَلَوِيُّ الْحُسَيْنِيُّ فُجْأَةً بِنَيْسَابُورَ. وَكَانَ جَدُّهُ نَقِيبَ النُّقَبَاءِ بِخُرَاسَانَ. وَعُرِضَ عَلَى الْعَزِيزِ هَذَا نِقَابَةُ الْعَلَوِيِّينَ بِنَيْسَابُورَ فَامْتَنَعَ، وَعُرِضَ عَلَيْهِ وِزَارَةُ السُّلْطَانِ فَامْتَنَعَ، وَلَزِمَ الِانْقِطَاعَ وَالِاشْتِغَالَ بِأَمْرِ آخِرَتِهِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ قَاضِي قُضَاةِ خُرَاسَانَ أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ صَاعِدٍ، وَكَانَ خَيِّرًا صَالِحًا.

стр. 5279

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ] (٥٢٨) ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ شَمْسِ الْمُلُوكِ شَقِيفَ تِيرُونَ وَنَهْبِهِ بَلَدَ الْفِرِنْجِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ سَارَ شَمْسُ الْمُلُوكِ إِسْمَاعِيلُ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى شَقِيفِ تِيرُونَ وَهُوَ فِي الْجَبَلِ الْمُطِلِّ عَلَى بَيْرُوتَ وَصَيْدَا، وَكَانَ بِيَدِ الضَّحَّاكِ بْنِ جَنْدَلٍ رَئِيسِ وَادِي الْتَّيْمِ، قَدْ تَغَلَّبَ عَلَيْهِ وَامْتَنَعَ بِهِ، فَتَحَامَاهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْفِرِنْجُ، يَحْتَمِي عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ بِالْأُخْرَى، فَسَارَ شَمْسُ الْمُلُوكِ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَأَخَذَهُ مِنْهُ فِي الْمُحَرَّمِ، وَعَظُمَ أَخْذُهُ عَلَى الْفِرِنْجِ ; لِأَنَّ الضَّحَّاكَ كَانَ لَا يَتَعَرَّضُ لِشَيْءٍ مِنْ بِلَادِهِمُ الْمُجَاوِرَةِ لَهُ، فَخَافُوا شَمْسَ الْمُلُوكِ، فَشَرَعُوا فِي جَمْعِ عَسَاكِرِهِمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ سَارُوا إِلَى بَلَدِ حَوْرَانَ، فَخَرَّبُوا أُمَّهَاتِ الْبَلَدِ، وَنَهَبُوا مَا أَمْكَنَهُمْ نَهْبَهُ نُهْبَةً عَظِيمَةً. وَكَانَ شَمْسُ الْمُلُوكِ، لَمَّا رَآهُمْ يَجْتَمِعُونَ جَمَعَ هُوَ أَيْضًا، وَحَشَدَ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ التُّرْكُمَانِ وَغَيْرِهِمْ، فَنَزَلَ بِإِزَاءِ الْفِرِنْجِ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ مُنَاوَشَةٌ عِدَّةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ إِنَّ شَمْسَ الْمُلُوكِ نَهَضَ بِبَعْضِ عَسْكَرِهِ، وَجَعَلَ الْبَاقِيَ قُبَالَةً الْفِرِنْجِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَقَصَدَ بِلَادَهُمْ طَبَرِيَّةَ، وَالنَّاصِرَةَ، وَعَكَّا وَمَا يُجَاوِرُهَا مِنِ الْبِلَادِ، فَنَهَبُ وَخَرَّبَ وَأَحْرَقَ وَأَهْلَكَ أَكْثَرَ الْبِلَادِ وَسَبَى النِّسَاءَ وَالذُّرِّيَّةَ، وَامْتَلَأَتْ أَيْدِي مَنْ مَعَهُ مِنَ الْغَنَائِمِ، وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِالْفِرِنْجِ، فَانْزَعَجُوا، وَرَحَلُوا فِي الْحَالِ لَا يَلْوِي أَخٌ عَلَى أَخِيهِ، وَطَلَبُوا بِلَادَهُمْ. وَأَمَّا شَمْسُ الْمُلُوكِ فَإِنَّهُ عَادَ إِلَى عَسْكَرِهِ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكَهُ الْفِرِنْجُ،

стр. 5280

فَوَصَلَ سَالِمًا، وَوَصَلَ الْفِرِنْجُ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَرَأَوْهَا خَرَابًا فَفَتَّ فِي أَعَضَادِهِمْ وَتَفَرَّقُوا، وَرَاسَلُوا فِي تَجْدِيدِ الْهُدْنَةِ فَتَمَّ ذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ لِلسَّنَةِ. ذِكْرُ عَوْدِ الْمَلِكِ طُغْرُلَ إِلَى الْجَبَلِ وَانْهِزَامِ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَادَ الْمَلِكُ طُغْرُلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ مَلِكُ بِلَادِ الْجَبَلِ جَمِيعِهَا، وَأَجْلَى عَنْهَا أَخَاهُ السُّلْطَانَ مَسْعُودًا. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَسْعُودًا لَمَّا عَادَ مِنْ حَرْبِ أَخِيهِ بَلَغَهُ عِصْيَانُ دَاوُدَ ابْنِ أَخِيهِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ بِأَذْرَبِيجَانَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، وَحَصَرَهُ بِقَلْعَةِ رُوئِينَ دَزْ، وَكَانَ قَدْ تَحَصَّنَ بِهَا، وَاشْتَغَلَ بِحَصْرِهِ، فَجَمَعَ الْمَلِكُ طُغْرُلُ الْعَسَاكِرَ، وَمَالَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ، وَلَمْ يَزَلْ يَفْتَحُ الْبِلَادَ، فَكَثُرَتْ عَسَاكِرُهُ، وَقَصَدَ مَسْعُودًا، فَلَمَّا قَارَبَ قَزْوِينَ سَارَ مَسْعُودٌ نَحْوَهُ، فَلَمَّا تَرَاءَى الْعَسْكَرَانِ فَارَقَ مَسْعُودًا مِنْ أُمَرَائِهِ مَنْ كَانَ قَدِ اسْتَمَالَهُ طُغْرُلُ فَبَقِيَ فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَوَلَّى مُنْهَزِمًا أَوَاخِرَ رَمَضَانَ. وَأَرْسَلَ إِلَى الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ فِي الْقُدُومِ [إِلَى] بَغْدَادَ، فَأَذِنَ لَهُ، وَكَانَ نَائِبَهُ بِأَصْفَهَانَ أُلْبُقْشُ السِّلَاحِيُّ، وَمَعَهُ الْمَلِكُ سَلْجُوقْشَاهْ، فَلَمَّا سَمِعَ بِانْهِزَامِ مَسْعُودٍ قَصَدَ بَغْدَادَ أَيْضًا، فَنَزَلَ سَلْجُوقْشَاهْ بِدَارِ السُّلْطَانِ، فَأَكْرَمَهُ الْخَلِيفَةُ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، ثُمَّ قَصَدَ مَسْعُودٌ بَغْدَادَ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ رُكَّابُ جِمَالٍ ;لِعَدَمٍ مَا يَرْكَبُونَهُ، وَلَقِيَ فِي طَرِيقَهِ شِدَّةً، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ الدَّوَابَّ، وَالْخِيَامَ، وَالْآلَاتِ، وَغَيْرَهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالثِّيَابِ، فَدَخَلَ الدَّارَ السُّلْطَانِيَّةَ بِبَغْدَادَ مُنْتَصَفَ شَوَّالٍ، وَأَقَامَ طُغْرُلُ بِهَمَذَانَ. ذِكْرُ حَصْرِ أَتَابَكْ زَنْكِي آمِدَ، وَالْحَرْبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَاوُدَ، وَمُلْكِ زَنْكِي قَلْعَةَ الصُّورِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اجْتَمَعَ أَتَابَكْ زَنْكِي صَاحِبُ الْمَوْصِلِ وَتَمُرْتَاشُ صَاحِبُ مَارِدِينَ،

стр. 5281

وَقَصَدَا مَدِينَةَ آمِدَ فَحَصَرَاهَا، فَأَرْسَلَ صَاحِبُهَا إِلَى دَاوُدَ بْنِ سَقْمَانَ بْنِ أُرْتُقَ صَاحِبِ حِصْنِ كِيفَا يَسْتَنْجِدُهُ، فَجَمَعَ مَنْ أَمْكَنَهُ جَمْعَهُ، وَسَارَ نَحْوَ آمِدَ لِيُرَحِّلَهُمَا عَنْهَا، فَالْتَقَوْا عَلَى بَابِ آمِدَ، وَتَصَافُّوا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ فَانْهَزَمَ دَاوُدُ، وَعَادَ مَفْلُولًا، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ عَسْكَرِهِ. وَأَقَامَ زَنْكِي وَتَمُرْتَاشُ عَلَى آمِدَ مُحَاصِرِينَ لَهَا، وَقَطَّعَا الشَّجَرَ، وَشَعَّثَا الْبَلَدَ، وَعَادَا عَنْهَا مِنْ غَيْرِ بُلُوغِ غَرَضٍ، فَقَصَدَ زَنْكِي قَلْعَةَ الصُّورَ مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ، وَحَصَرَهَا وَضَايَقَهَا، فَمَلَكَهَا فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَاتَّصَلَ بِهِ ضِيَاءُ الدِّينِ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْكَفْرَتُوثِيِّ زَنْكِي، وَكَانَ حَسَنَ الطَّرِيقَةِ، عَظِيمَ الرِّئَاسَةِ وَالْكِفَايَةِ، مُحِبًّا لِلْخَيْرِ وَأَهْلِهِ. ذِكْرُ مُلْكِ زَنْكِي قِلَاعَ الْأَكْرَادِ الْحُمَيْدِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْلَى عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي عَلَى جَمِيعِ قِلَاعِ الْأَكْرَادِ الْحُمَيْدِيَّةِ، مِنْهَا قَلْعَةُ الْعَقْرِ وَقَلْعَةُ شُوشَ، وَغَيْرُهُمَا. وَكَانَ لَمَّا مَلَكَ الْمَوْصِلَ أَقَرَّ صَاحِبَهَا الْأَمِيرَ عِيسَى الْحُمَيْدِيَّ عَلَى وِلَايَتِهَا وَأَعْمَالِهَا، وَلَمْ يَعْتَرِضْهُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا هُوَ بِيَدِهِ، فَلَمَّا حَصَرَ الْمُسْتَرْشِدُ الْمَوْصِلَ حَضَرَ عِيسَى هَذَا عِنْدَهُ، وَجَمَعَ الْأَكْرَادَ عِنْدَهُ فَأَكْثَرَ، فَلَمَّا رَحَلَ الْمُسْتَرْشِدُ عَنِ الْمَوْصِلِ أَمَرَ زَنْكِي أَنْ تُحْصَرَ قِلَاعُهُمْ فَحُصِرَتْ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَقُوتِلَتْ قِتَالًا شَدِيدًا إِلَى أَنْ مُلِكَتْ هَذِهِ السَّنَةَ، فَاطْمَأَنَّ إِذًا أَهْلُ سَوَادِ الْمَوْصِلِ الْمُجَاوِرُونَ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مَعَهُمْ فِي ضَائِقَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ نَهْبِ أَمْوَالِهِمْ، وَخَرَابِ الْبِلَادِ. ذِكْرُ مُلْكِ قِلَاعِ الْهَكَّارِيَّةِ وَكَوَاشَى وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْأَكْرَادِ مِمَّنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأَحْوَالِهِمْ أَنَّ أَتَابَكْ زَنْكِي لَمَّا

стр. 5282

مَلَكَ قِلَاعَ الْحُمَيْدِيَّةِ وَأَجْلَاهُمْ عَنْهَا خَافَ أَبُو الْهَيْجَاءِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ صَاحِبُ قَلْعَةِ آشِبَ وَالْجَزِيرَةِ وَنُوشَى، فَأَرْسَلَ إِلَى أَتَابَكْ زَنْكِي مَنِ اسْتَحْلَفَهُ لَهُ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ مَالًا، وَحَضَرَ عِنْدَ زَنْكِي بِالْمَوْصِلِ فَبَقِيَ مُدَّةً ثُمَّ مَاتَ، فَدُفِنَ بِتَلِّ تَوْبَةَ. وَلَمَّا سَارَ عْنَ آشِبَ إِلَى الْمَوْصِلِ أَخْرَجَ وَلَدَهُ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي الْهَيْجَاءِ مِنْهَا ; خَوْفًا أَنَّ يَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا، وَأَعْطَاهُ قَلْعَةَ نُوشَى، وَأَحْمَدُ هَذَا هُوَ وَالِدُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْمَعْرُوفِ بِالْمَشْطُوبِ، مِنْ أَكَابِرَ أُمَرَاءَ صَلَاحِ الدِّينِ بْنِ أَيُّوبَ بِالشَّامِ. وَلَمَّا أَخْرَجَهُ أَبُوهُ مَنْ آشِبَ اسْتَنَابَ بِهَا كُرْدِيًّا يُقَالُ لَهُ: بَاوُ الْأَرْجِيُّ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو الْهَيْجَاءِ سَارَ وَلَدُهُ أَحْمَدُ بْنُ نُوشَى إِلَى آشِبَ لِيَمْلِكَهَا، فَمَنَعَهُ بَاوُ وَأَرَادَ حِفْظَهَا لِوَلَدٍ صَغِيرٍ لِأَبِي الْهَيْجَاءِ اسْمُهُ عَلِيٌّ، فَسَارَ زَنْكِي بِعَسْكَرِهِ فَنَزَلَ عَلَى آشِبَ وَمَلَكَهَا. وَسَبَبُ مَلْكِهَا أَنَّ أَهْلَهَا نَزَلُوا كُلُّهُمْ إِلَى الْقِتَالِ، فَتَرَكَهُمْ زَنْكِي حَتَّى قَارَبُوهُ، وَاسْتَجَرَّهُمْ حَتَّى أَبْعَدُوا عَنِ الْقَلْعَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمُوا، فَوَضَعَ السَّيْفَ فِيهِمْ، فَأَكْثَرَ الْقَتْلَ وَالْأَسْرَ، وَمَلَكَ زَنْكِي الْقَلْعَةَ فِي الْحَالِ، وَأَحْضَرَ جَمَاعَةً مِنْ مُقَدِّمِي الْأَكْرَادِ فِيهِمْ بَاوُ فَقَتَلَهُمْ، وَعَادَ عَنْهَا إِلَى الْمَوْصِلِ، ثُمَّ سَارَ عَنْهَا، فَفِي غَيْبَتِهِ أَرْسَلَ نَصِيرَ الدِّينِ جَقَرَ نَائِبَ زَنْكِي، وَخَرَّبَ آشِبَ وَخَلَّى كُهَيْجَةَ وَنُوشَى وَقَلْعَةَ الْجَلَّابِ وَهِيَ قَلْعَةُ الْعِمَادِيَّةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى قَلْعَةِ الشَّعْبَانِيِّ، وَفَرَحٍ، وَكُوشِرَ، وَالزَّعْفَرَانِ، وَأَلْقَى، وَنِيرُوَّةَ، وَهِيَ حُصُونٌ الْمِهْرَانِيَّةِ، فَحَصَرَهَا فَمَلَكَ الْجَمِيعَ، وَاسْتَقَامَ أَمْرُ الْجَبَلِ وَالزُّوزَانِ، وَأَمِنَتِ الرَّعَايَا مِنَ الْأَكْرَادِ. وَأَمَّا بَاقِي قِلَاعِ الْهَكَّارِيَّةِ جَلَّ صُورَ، وَهَرُورُ، وَالْمَلَاسِي، وَمَابَرْمَا، وَيَابُوخَا، وَبَاكِزَا، وَنِسْبَاسُ، فَإِنَّ قُرَاجَةَ صَاحِبَ الْعِمَادِيَّةِ فَتَحَهَا مِنْ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ بَعْدَ قَتْلِ زَنْكِي، وَقُرَاجَةُ هَذَا كَانَ أَمِيرًا قَدْ أَقْطَعَهُ زَيْنُ الدِّينِ عَلِيٌّ بَلَدَ الْهَكَّارِيَّةِ بَعْدَ قَتْلِ زَنْكِي، وَلَمْ أَعْلَمْ تَارِيخَ فَتْحِ هَذِهِ الْقِلَاعِ ;فَلِهَذَا ذَكَرْتُهُ هَاهُنَا. وَحَكَى غَيْرَ هَذَا بَعْضُ فُضَلَاءِ الْأَكْرَادِ، وَخَالَفَ فِيهِ فَقَالَ: إِنَّ زَنْكِي لَمَّا فَتَحَ قَلْعَةَ آشِبَ وَخَرَّبَهَا، وَبَنَى قَلْعَةَ الْعِمَادِيَّةِ، وَلَمْ يَبْقَ فِي الْهَكَّارِيَّةِ إِلَّا صَاحِبُ جَلَّ صُورَا، وَصَاحِبُ هَرُورَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا شَوْكَةٌ يُخَافُ مِنْهَا، عَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ فَخَافَهُ أَصْحَابُ الْقِلَاعِ الْجَبَلِيَّةِ، فَاتُّفِقَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِيسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ صَاحِبَ الرَّبِيَّةِ، وَأَلْقَى، وَفَرَحٍ،

стр. 5283

وَغَيْرِهَا تُوُفِّيَ، وَمَلَكَهَا بَعْدَهُ وَلَدُهُ عَلِيٌّ، وَكَانَتْ وَالِدَتُهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ الْحَسَنِ أُخْتُ إِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى - وَهُمَا مِنَ الْأُمَرَاءِ - مَعَ زَنْكِي، وَكَانَا بِالْمَوْصِلِ، فَأَرْسَلَهَا وَلَدُهَا عَلِيٌّ إِلَى أَخَوَيْهَا، وَطَلَبَا لَهُ الْأَمَانَ مِنْ زَنْكِي، وَحَلَّفَاهُ لَهُ فَفَعَلَ، وَنَزَلَ إِلَى خِدْمَةِ زَنْكِي، وَأَقَرَّهُ عَلَى قِلَاعِهِ، وَاشْتَغَلَ زَنْكِي بِفَتْحِ قِلَاعِ الْهَكَّارِيَّةِ، وَكَانَ الشَّعْبَانِيُّ بِيَدِ أَمِيرٍ مِنَ الْمِهْرَانِيَّةِ اسْمُهُ الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ، فَأَخْذَهُ مِنْهُ، وَقَرَّبَهُ مِنْهُ لِكِبَرِهِ وَقِلَّةِ أَعْمَالِهِ. وَكَانَ نَصِيرُ الدِّينِ جَقَرَ يَكْرَهُ عَلِيًّا صَاحِبَ الرَّبِيَّةِ، وَغَيْرِهَا، فَحَسَّنَ لِزَنْكِي الْقَبْضَ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، ثُمَّ نَدِمَ زَنْكِي عَلَى قَبْضِهِ فَأَرْسَلَ إِلَى نَصِيرِ الدِّينِ أَنْ يُطْلِقَهُ فَرَآهُ قَدْ مَاتَ، قِيلَ إِنَّ نَصِيرَ الدِّينِ قَتَلَهُ. ثُمَّ أَرْسَلَ الْعَسْكَرُ إِلَى قَلْعَةِ الرَّبِيَّةِ فَنَازَلُوهَا بَغْتَةً، فَمَلَكُوهَا فِي سَاعَةٍ، وَأَسَرُوا كُلَّ مَنْ بِهَا مِنْ وَلَدِ عَلِيٍّ وَأَخَوَاتِهِ، وَكَانَتْ وَالِدَةُ عَلِيٍّ خَدِيجَةُ غَائِبَةً فَلَمْ تُوجَدْ، فَلَمَّا سَمِعَ زَنْكِي الْخَبَرَ بِفَتْحِ الرَّبِيَّةِ سَرَّهُ، وَأَمَرَ أَنْ تَسِيرَ الْعَسَاكِرُ إِلَى بَاقِي الْقِلَاعِ الَّتِي لَعَلِيٍّ، فَسَارَتِ الْعَسَاكِرُ فَحَصَرُوهَا، فَرَأَوْهَا مَنِيعَةً، فَرَاسَلَهُمْ زَنْكِي، وَوَعَدَهُمُ الْإِحْسَانَ، فَأَجَابُوهُ إِلَى التَّسْلِيمِ عَلَى شَرْطِ أَنْ يُطْلِقَ كُلَّ مَنْ فِي السِّجْنِ مِنْهُمْ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُسَلِّمُوا أَيْضًا قَلْعَةَ كَوَاشَى، فَمَضَتْ خَدِيجَةُ وَالِدَةُ عَلِيٍّ إِلَى صَاحِبِ كَوَاشَى، وَاسْمُهُ خَوْلُ وَهْرُونَ، وَهُوَ مِنَ الْمِهْرَانِيَّةِ، فَسَأَلَتْهُ النُّزُولَ عَنْ كَوَاشَى، فَأَجَابَهَا إِلَى ذَلِكَ، وَتَسَلَّمَ زَنْكِي الْقِلَاعَ، وَأَطْلَقَ الْأَسْرَى، فَلَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِ هَذَا، فَقَالَ: يَنْزِلُ مِنْ مِثْلِ كَوَاشَى لِقَوْلِ امْرَأَةٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ النَّاسِ مُرُوءَةً لَا يَرُدُّ مَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ النَّاسِ عَقْلًا، وَاسْتَقَامَتْ وِلَايَةُ الْجِبَالِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَوْقَعَ الدَّانِشْمَنْدُ صَاحِبُ مَلَطْيَةَ بِالْفِرِنْجِ الَّذِينَ بِالشَّامِ، فَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْهُمْ، وَأَسَرَ كَثِيرًا، وَفِيهَا اصْطَلَحَ الْخَلِيفَةُ وَأَتَابَكْ زَنْكِي، وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ عُزِلَ شَرَفُ الدِّينِ أَنُوشِرْوَانُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ وِزَارَةِ

стр. 5284

الْخَلِيفَةِ، وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ أَمُّ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ، وَفِيهَا سَيَّرَ الْمُسْتَرْشِدُ عَسْكَرًا إِلَى تَكْرِيتَ فَحَصَرُوا مُجَاهِدَ الدِّينِ بَهْرُوزَ فَصَانَعَ عَنْهَا بِمَالٍ فَعَادُوا عَنْهُ. وَفِيهَا اجْتَمَعَ جَمْعٌ مِنَ الْعَسَاكِرِ السَّنْجَرِيَّةِ مَعَ الْأَمِيرِ أَرْغَشَ، وَحَصَرُوا قَلْعَةَ كَرْدَكُوهَ بِخُرَاسَانَ، وَهِيَ لِلْإِسْمَاعِيلِيَّةَ، وَضَيَّقُوا عَلَى أَهْلِهَا، وَطَالَ حَصْرُهَا، وَعَدِمَتْ عِنْدَهُمُ الْأَقْوَاتُ، فَأَصَابَ أَهْلَهَا تَشَنُّجٌ، وَكُزَازٌ، وَعَجْزَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنِ الْقِيَامِ فَضْلًا عَنِ الْقِتَالِ، فَلَمَّا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْفَتْحِ رَحَلَ الْأَمِيرُ أَرْغَشُ، فَقِيلَ: إِنَّهُمْ حَمَلُوا إِلَيْهِ مَالًا كَثِيرًا، وَأَعْلَاقًا نَفِيسَةً، فَرَحَلَ عَنْهُمْ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُهَارِشٍ الْعُقَيْلِيُّ أَمِيرُ بَنِي عُقَيْلٍ، وَوَلِيَ الْإِمَارَةَ بَعْدَهُ أَوْلَادُهُ مَعَ صِغَرِ سِنِّهِمْ، وَطِيفَ بِهِمْ فِي بَغْدَادَ رِعَايَةً لِحَقِّ جَدِّهِمْ مُهَارِشٍ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ الْخَلِيفَةُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ عِنْدَهُ فِي الْحَدِيثَةِ لَمَّا فَعَلَ بِهِ الْبَسَاسِيرِيُّ مَا ذَكَرْنَا. وَفِيهَا فِي الْمُحَرَّمِ تُوُفِّيَ الْفَقِيهُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ فَرْهُونَ الشَّافِعِيُّ الْفَارِقِيُّ، وَمَوْلِدُهُ بِمَيَّافَارِقِينَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَتَفَقَّهَ بِهَا عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْكَازَرُونِيِّ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْكَازَرُونِيُّ انْحَدَرَ إِلَى بَغْدَادَ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، وَأَبِي نَصْرٍ الصَّبَّاغِ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِوَاسِطَ، وَكَانَ خَيِّرًا فَاضِلًا، لَا يُوَارِي وَلَا يُحَابِي أَحَدًا فِي الْحُكْمِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ [اللَّهِ] بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ

стр. 5285

الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، تَفَقَّهَ عَلَى أَبِيهِ وَأَفْتَى وَنَاظَرَ، وَكَانَ يَعِظُ، وَيُكْثِرُ فِي كَلَامِهِ مِنَ التَّجَانُسِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: أَيْنَ الْقُدُودُ الْعَالِيَةُ، وَالْخُدُودُ الْوَرْدِيَّةُ، مُلِئَتْ بِهَا وَاللَّهِ الْعَالِيَةُ وَالْوَرْدِيَّةُ، وَهُمَا مَقْبَرَتَانِ بِنَهَرِ الْمُعَلَّى. وَمِنْ شِعْرِهِ: الدَّمْعُ دَمًا يَسِيلُ مِنْ أَجْفَانِي ... إِنْ عِشْتُ مَعَ الْبُكَا فَمَا أَجْفَانِي سِجْنِي شَجَنِي وَهَمَّنِي سَمَّانِي ... الْعَاذِلُ بِالْمَلَامِ قَدْ سَمَّانِي وَالذِّكْرُ لَهُمْ يَزِيدُ فِي أَشْجَانِي ... وَالنَّوْحُ مَعَ الْحَمَامِ قَدْ أَشْجَانِي ضَاقَتْ بِبُعَادِ مُنْيَتِي أَعْطَانِي ... وَالْبَيْنُ يَدَ الْهُمُومِ قَدْ أَعْطَانِي وَفِيهَا تُوُفِّيَ ابْنُ أَبِي الصَّلْتِ الشَّاعِرُ، وَمِنْ شِعْرِهِ يَذُمُّ ثَقِيلًا: لِي صَدِيقٌ عَجِبْتُ كَيْفَ ... اسْتَطَاعَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ تُقِلُّهْ أَنَا أَرْعَاهُ مُكْرِمًا وَبِقَلْبِي مِنْهُ ... مَا يَنْسِفُ الْجِبَالَ أَقِلُّهْ هُوَ مِثْلُ الْمَشِيبِ أَكْرَهُ رُؤْيَا ... هُ وَلَكِنْ أَصُونُهُ وَأُجِلُّهْ وَلَهُ أَيْضًا: سَادَ صِغَارُ النَّاسِ فِي عَصْرِنَا ... لَا دَامَ مِنْ عَصْرٍ وَلَا كَانَا كَالدَّسْتِ مَهْمَا هَمَّ أَنْ يَنْقَضِيَ ... صَارَ بِهِ الْبَيْذَقُ فِرْزَانَا وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ أَبُو رَشِيدٍ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، مِنْ أَهْلٍ طَبَرِسْتَانَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ أَيْضًا وَرَوَاهُ، وَكَانَ زَاهِدًا عَابِدًا، أَقَامَ بِجَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ سِنِينَ مُنْفَرِدًا يَعْبُدُ اللَّهَ ، وَعَادَ إِلَى آمِلَ فَتُوُفِّيَ فِيهَا وَقَبَرُهُ يُزَارُ.

стр. 5286

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ] (٥٢٩) ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ ذِكْرُ وَفَاةِ الْمَلِكِ طُغْرُلَ، وَمُلْكِ مَسْعُودٍ بَلَدَ الْجَبَلِ قَدْ ذَكَرْنَا قُدُومَ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ إِلَى بَغْدَادَ مُنْهَزِمًا مِنْ أَخِيهِ الْمَلِكِ طُغْرُلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَغْدَادَ أَكْرَمَهُ الْخَلِيفَةُ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِثْلُهُ، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى هَمَذَانَ، وَجَمْعِ الْعَسَاكِرِ، وَمُنَازَعَةِ أَخِيهِ طُغْرُلَ فِي السَّلْطَنَةِ وَالْبِلَادِ، وَمَسْعُودٌ يَعُدُّ وَيُدَافِعُ الْأَيَّامَ، وَالْخَلِيفَةُ يَحُثُّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَوَعَدَهُ أَنْ يَسِيرَ مَعَهُ بِنَفْسِهِ، وَأَمَرَ أَنْ تَبْرُزَ خِيَامُهُ إِلَى بَابِ الْخَلِيفَةِ. وَكَانَ قَدِ اتَّصَلَ الْأَمِيرُ الْبَقْشُ السِّلَاحِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ بِالْخَلِيفَةِ، وَطَلَبُوا خِدْمَتَهُ فَاسْتَخْدَمَهُمْ، وَاتَّفَقَ مَعَهُمْ. وَاتَّفَقَ أَنَّ إِنْسَانًا أُخِذَ فَوُجِدَ مَعَهُ مُلَطِّفَاتٌ مِنْ طُغْرُلَ إِلَى هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءِ وَخَاتَمُهُ بِالْإِقْطَاعِ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى الْخَلِيفَةُ ذَلِكَ قَبَضَ عَلَى أَمِيرٍ مِنْهُمُ اسْمُهُ أَغْلَبَكَّ، وَنَهَبَ مَالَهُ، فَاسْتَشْعَرَ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَ الْخَلِيفَةِ فَهَرَبُوا إِلَى عَسْكَرِ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى مَسْعُودٍ فِي إِعَادَتِهِمْ إِلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ وَاحْتَجَّ بِأَشْيَاءَ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْخَلِيفَةِ، وَحَدَثَ بَيْنَهُمَا وَحْشَةٌ أَوْجَبَتْ تَأَخُّرَهُ عَنِ الْمَسِيرِ مَعَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يُلْزِمُهُ بِالْمَسِيرِ مَعَهُ أَمْرًا جَزْمًا، فَبَيْنَمَا الْأَمْرُ عَلَى هَذَا إِذْ جَاءَهُ الْخَبَرُ بِوَفَاةِ أَخِيهِ طُغْرُلَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِمَائَةٍ فِي الْمُحَرَّمِ، وَكَانَ خَيِّرًا عَاقِلًا عَادِلًا قَرِيبًا إِلَى الرَّعِيَّةِ مُحْسِنًا إِلَيْهَا، وَكَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ قَدْ خَرَجَ مِنْ دَارِهِ يُرِيدُ السَّفَرَ إِلَى أَخِيهِ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ، فَدَعَا لَهُ النَّاسُ، فَقَالَ: ادْعُوَا بِخَيْرِنَا لِلْمُسْلِمِينَ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى مَسْعُودٍ سَارَ مِنْ سَاعَتِهِ نَحْوَ هَمَذَانَ، وَأَقْبَلَتِ الْعَسَاكِرُ جَمِيعُهَا إِلَيْهِ، وَاسْتَوْزَرَ شَرَفَ الدِّينِ أَنُوشِرْوَانَ بْنَ خَالِدٍ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ فِي

стр. 5287

صُحْبَتِهِ هُوَ وَأَهْلُهُ، وَوَصَلَ مَسْعُودٌ إِلَى هَمَذَانَ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَأَطَاعَتْهُ الْبِلَادُ جَمِيعُهَا وَأَهْلُهَا. ذِكْرُ قَتْلِ شَمْسِ الْمُلُوكِ، وَمُلْكِ أَخِيهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ رَابِعَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخَرِ، قُتِلَ شَمْسُ الْمُلُوكِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ تَاجِ الْمُلُوكِ بُورِي بْنِ طُغْدِكِينَ صَاحِبُ دِمَشْقَ، وَسَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ رَكِبَ طَرِيقًا شَنِيعًا مِنَ الظُّلْمِ وَمُصَادَرَاتِ الْعُمَّالِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَعْمَالِ الْبَلَدِ، وَبَالَغَ فِي الْعُقُوبَاتِ لِاسْتِخْرَاجِ الْأَمْوَالِ، وَظَهَرَ مِنْهُ بُخْلٌ زَائِدٌ وَدَنَاءَةٌ نَفْسٍ بِحَيْثُ أَنَّهُ لَا يَأْنَفُ مِنْ أَخْذِ الشَّيْءِ الْحَقِيرِ بِالْعُدْوَانِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، وَكَرِهَهُ أَهْلُهُ وَأَصْحَابُهُ وَرَعِيَّتُهُ. ثُمَّ ظَهَرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَاتَبَ عِمَادَ الدِّينِ زَنْكِي يُسَلِّمُ إِلَيْهِ دِمَشْقَ، وَيُحِثُّهُ عَلَى سُرْعَةِ الْوُصُولِ، وَأَخْلَى الْمَدِينَةَ مِنَ الذَّخَائِرِ، وَنَقَلَ الْجَمِيعَ إِلَى صَرْخَدَ، وَتَابَعَ الرُّسُلَ إِلَى زَنْكِي يَحُثُّهُ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ وَيَقُولُ لَهُ: إِنْ أَهْمَلْتَ الْمَجِيءَ سَلَّمْتُهَا إِلَى الْفِرِنْجِ، فَسَارَ زَنْكِي، فَظَهَرَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ فِي دِمَشْقَ، فَامْتَعَضَ أَصْحَابُ أَبِيهِ وَجَدِّهِ لِذَلِكَ وَأَقْلَقَهُمْ، وَأَنْهَوُا الْحَالَ لِوَالِدَتِهِ فَسَاءَهَا، وَأَشْفَقَتْ مِنْهُ، وَوَعَدَتْهُمْ بِالرَّاحَةِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ. ثُمَّ إِنَّهَا ارْتَقَبَتِ الْفُرْصَةَ فِي الْخَلْوَةِ مِنْ غِلْمَانِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ عَلَى ذَلِكَ أَمَرَتْ غِلْمَانَهَا بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ، وَأَمَرَتْ بِإِلْقَائِهِ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الدَّارِ لِيُشَاهِدَهُ غِلْمَانُهُ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَتِيلًا سُرُّوا لِمَصْرَعِهِ وَبِالرَّاحَةِ مِنْ شَرِّهِ. وَكَانَ مَوْلِدُهُ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ سَابِعَ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِمَائَةٍ، وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ وَالِدَهُ كَانَ لَهُ حَاجِبٌ اسْمُهُ يُوسُفُ بْنُ فَيْرُوزَ، وَكَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ حَاكِمًا فِي دَوْلَتِهِ ثُمَّ فِي دَوْلَةِ شَمْسِ الْمُلُوكِ بَعْدَهُ، فَاتُّهِمَ بِأُمِّ شَمْسِ الْمُلُوكِ، وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، فَهَمَّ بِقَتْلِ يُوسُفَ فَهَرَبَ مِنْهُ إِلَى تَدْمُرَ وَتَحَصَّنَ بِهَا، وَأَظْهَرَ الطَّاعَةَ لِشَمْسِ الْمُلُوكِ، فَأَرَادَ قَتْلَ أُمَّهُ، فَبَلَغَهَا الْخَبَرُ فَقَتَلَهُ خَوْفًا مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 5288

وَلَمَّا قُتِلَ مَلَكَ بَعْدَهُ أَخُوهُ شِهَابُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ تَاجِ الْمُلُوكِ بُورِي، وَجَلَسَ فِي مَنْصِبِهِ، وَحَلَفَ لَهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَاسْتَقَرَّ فِي الْمُلْكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ذِكْرُ حَصْرِ أَتَابَكْ زَنْكِي دِمَشْقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَصَرَ أَتَابَكْ زَنْكِي دِمَشْقَ، وَكَانَ نُزُولُهُ عَلَيْهَا أَوَّلَ جُمَادَى الْأُولَى، وَسَبَبُهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ إِرْسَالِ شَمْسِ الْمُلُوكِ صَاحِبَهُ إِلَيْهِ، وَاسْتِدْعَائِهِ لِيُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَصَلَتْ كُتُبُهُ، وَرُسُلُهُ بِذَلِكَ سَارَ إِلَيْهَا، فَقُتِلَ شَمْسُ الْمُلُوكِ قَبْلَ وُصُولِهِ، وَلَمَّا عَبَرَ الْفُرَاتَ أَرْسَلَ رُسُلًا فِي تَقْرِيرِ قَوَاعِدِ التَّسْلِيمِ، فَرَأَوُا الْأَمْرَ قَدْ فَاتَ إِلَّا أَنَّهُمْ أُكْرِمُوا وَأُحْسِنَ إِلَيْهِمْ، وَأُعِيدُوا بِأَجْمَلِ جَوَابٍ، وَعَرَفَ زَنْكِي قَتْلَ شَمْسِ الْمُلُوكِ، وَأَنَّ الْقَوَاعِدَ عِنْدَهُمْ مُسْتَقِرَّةٌ لِشِهَابِ الدِّينِ، وَالْكَلِمَةَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى طَاعَتِهِ، فَلَمْ يَحْفَلْ زَنْكِي بِهَذَا الْجَوَابِ، وَسَارَ إِلَى دِمَشْقَ فَنَازَلَهَا، وَأَجْفَلَ أَهْلُ السَّوَادِ إِلَى دِمَشْقَ، وَاجْتَمَعُوا فِيهَا عَلَى مُحَارَبَتِهِ. وَنَزَلَ أَوَّلًا شَمَالَيْهَا ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى مَيْدَانِ الْحِصَارِ، وَزَحَفَ وَقَاتَلَ، فَرَأَى قُوَّةً ظَاهِرَةً، وَشُجَاعَةً عَظِيمَةً، وَاتِّفَاقًا تَامًّا عَلَى مُحَارَبَتِهِ، وَقَامَ مُعِينُ الدِّينِ أُنُزُ مَمْلُوكُ جَدِّهِ طُغْدِكِينَ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ بِدِمَشْقَ قِيَامًا مَشْهُودًا، وَظَهَرَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِأُمُورِ الْحِصَارِ وَالْقِتَالِ وَكِفَايَتِهِ مَا لَمْ يُرَ وَمَا كَانَ سَبَبُ تَقَدُّمِهِ وَاسْتِيلَائِهِ عَلَى الْأُمُورِ بِأَسْرِهَا، عَلَى مَا نَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَاصِرُهَا، وَصَلَ رَسُولُ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ، وَهُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ بِشْرٍ الْجَزَرِيُّ مِنْ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ يَخْلَعُ لِأَتَابَكْ زَنْكِي، وَيَأْمُرُهُ بِمُصَالَحَةِ صَاحِبِ دِمَشْقَ

стр. 5289

الْمَلِكِ أَلْبْ أَرْسِلَانْ مَحْمُودٍ الَّذِي مَعَ أَتَابَكْ زَنْكِي، فَرَحَلَ عَنْهَا لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ. ذِكْرُ قَتْلِ حَسَنِ بْنِ الْحَافِظِ قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ أَنَّ الْحَافِظَ لِدِينِ اللَّهِ صَاحِبَ مِصْرَ اسْتَوْزَرَ ابْنَهُ حَسَنًا، وَخَطَبَ لَهُ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ، فَبَقِيَ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ، وَمَاتَ مَسْمُومًا، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ الْحَافِظَ - وَكَانَ جَرِيئًا عَلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ - وَكَانَ فِي نَفْسِ الْحَافِظِ عَلَى الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ أَعَانُوا أَبَا عَلِيِّ بْنَ الْأَفْضَلِ حِقْدٌ، وَيُرِيدُ الِانْتِقَامَ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَاشِرَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَأَمَرَ ابْنَهُ حَسَنًا بِذَلِكَ، فَتَغَلَّبَ عَلَى الْأَمْرِ جَمِيعِهِ وَاسْتَبَدَّ بِهِ، وَلَمْ يَبْقَ لِأَبِيهِ مَعَهُ حُكْمٌ، وَقَتَلَ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْمِصْرِيِّينَ وَمِنْ أَعْيَانِ الْبِلَادِ أَيْضًا، حَتَّى إِنَّهُ قَتَلَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَرْبَعِينَ أَمِيرًا. فَلَمَّا رَأَى أَبُوهُ تَغَلُّبَهُ عَلَيْهِ أَخْرَجَ لَهُ خَادِمًا مِنْ خَدَمِ الْقَصْرِ الْأَكَابِرِ، فَجَمَعَ الْجُمُوعَ، وَحَشَدَ مِنَ الرَّجَّالَةِ خَلْقًا كَثِيرًا، وَتَقَدَّمَ إِلَى الْبَلَدِ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِمْ حَسَنٌ جَمَاعَةً مِنْ خَوَاصِّهِ وَأَصْحَابِهِ، فَقَاتَلُوهُمْ فَانْهَزَمَ الْخَادِمُ، وَقُتِلَ مِنَ الرَّجَّالَةِ الَّذِينَ مَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَعَبَرَ الْبَاقُونَ إِلَى بَرِ الْجَزِيرَةِ، فَاسْتَكَانَ الْحَافِظُ، فَصَبَرَ تَحْتَ الْحَجْرِ. ثُمَّ إِنَّ الْبَاقِينَ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْمِصْرِيِّينَ اجْتَمَعُوا، وَاتَّفَقُوا عَلَى قَتْلِ حَسَنٍ، وَأَرْسَلُوا إِلَى أَبِيهِ الْحَافِظِ، وَقَالُوا لَهُ: إِمَّا أَنَّكَ تُسَلِّمُ ابْنَكَ إِلَيْنَا لِنَقْتُلَهُ أَوْ نَقْتُلَكُمَا جَمِيعًا، فَاسْتَدْعَى وَلَدَهُ إِلَيْهِ وَاحْتَاطَ عَلَيْهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْأُمَرَاءِ بِذَلِكَ، فَقَالُوا: لَا نَرْضَى إِلَّا بِقَتْلِهِ. فَرَأَى أَنَّهُ إِنْ سَلَّمَهُ إِلَيْهِمْ طَمِعُوا فِيهِ، وَلَيْسَ إِلَى إِبْقَائِهِ سَبِيلٌ، فَأَحْضَرَ طَبِيبَيْنِ كَانَا لَهُ، أَحَدَهُمَا مُسْلِمٌ وَالْآخِرُ يَهُودِيٌّ، فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: نُرِيدُ سُمًّا نَسْقِيهِ لِهَذَا الْوَلَدِ لِيَمُوتَ وَنُخَلُصَ مِنْ هَذِهِ الْحَادِثَةِ. فَقَالَ: أَنَا لَا أَعْرِفُ غَيْرَ النُّقُوعِ وَمَاءِ الشَّعِيرِ وَمَا شَاكَلَ هَذَا مِنَ الْأَوْدِيَةِ. فَقَالَ: أَنَا أُرِيدُ مَا أَخْلُصُ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ. فَقَالَ لَهُ: لَا أَعْرِفُ شَيْئًا، فَأَحْضَرَ الطَّبِيبَ الْمُسْلِمَ وَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَصَنَعَ لَهُ شَيْئًا، فَسَقَاهُ الْوَلَدَ فَمَاتَ لِوَقْتِهِ، فَأَرْسَلَ

стр. 5290

الْحَافِظُ إِلَى الْجُنْدِ يَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ. فَقَالُوا: نُرِيدُ [أَنْ] نَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَأَحْضَرَ بَعْضَهُمْ عِنْدَهُ فَرَأَوْهُ، وَظَنُّوهُ قَدْ عَمِلَ حِيلَةً، فَجَرَحُوا أَسَافِلَ رِجْلَيْهِ فَلَمْ يَجْرِ مِنْهَا دَمٌ، فَعَلِمُوا مَوْتَهُ، وَخَرَجُوا. وَدُفِنَ حَسَنٌ، وَأَحْضَرَ الْحَافِظُ الطَّبِيبَ الْمُسْلِمَ، وَقَالَ لَهُ: يَنْبَغِي أَنْ تَخْرُجَ مِنْ عِنْدِنَا مِنَ الْقَصْرِ، وَجَمِيعُ مَا لَكَ مِنِ الْإِنْعَامِ وَالْجَامِكِيَّةِ بَاقٍ عَلَيْكَ، وَأَحْضَرَ الْيَهُودِيَّ وَزَادَهُ وَقَالَ لَهُ: أَعْلَمُ أَنَّكَ تَعْرِفُ مَا طَلَبْتُهُ مِنْكَ، وَلَكِنَّكَ عَاقِلٌ فَتُقِيمُ فِي الْقَصْرِ عِنْدَنَا. وَكَانَ حَسَنٌ سَيِّئَ السِّيرَةِ ظَالِمًا، جَرِيئًا عَلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، فَهَجَاهُ الشُّعَرَاءُ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَ الْمُعْتَمِدُ بْنُ الْأَنْصَارِيِّ صَاحِبُ التَّرَسُّلِ الْمَشْهُورِ: لَمْ تَأْتِ يَا حَسَنٌ بَيْنَ الْوَرَى حَسَنَا ... وَلَمْ تَرَ الْحَقَّ فِي دُنْيَا وَلَا دِينِ قَتْلُ النُّفُوسِ بِلَا جُرْمٍ وَلَا سَبَبٍ ... وَالْجَوْرُ فِي أَخْذِ أَمْوَالِ الْمَسَاكِينِ لَقَدْ جَمَعْتَ بِلَا عِلْمٍ وَلَا أَدَبٍ ... تِيهَ الْمُلُوكِ وَأَخْلَاقَ الْمَجَانِينِ وَقِيلَ: إِنَّ الْحَافِظَ لَمَّا رَأَى ابْنَهُ تَغَلَّبَ عَلَى الْمُلْكِ وَضَعَ عَلَيْهِ مَنْ سَقَاهُ السُّمَّ فَمَاتَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا مَاتَ حَسَنٌ اسْتَوْزَرَ الْحَافِظُ الْأَمِيرَ تَاجَ الدَّوْلَةِ بَهْرَامَ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَتَحَكَّمَ، وَاسْتَعْمَلَ الْأَرْمَنَ عَلَى النَّاسِ، فَاسْتَذَلُّوا الْمُسْلِمِينَ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ مَسِيرِ الْمُسْتَرْشِدِ إِلَى حَرْبِ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ وَانْهِزَامِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ وَبَيْنَ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ السُّلْطَانَ مَسْعُودًا لَمَّا سَافَرَ مِنْ بَغْدَادَ إِلَى هَمَذَانَ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ طُغْرُلَ وَمَلَكَهَا - فَارَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الْأُمَرَاءِ مِنْهُمْ يَرَنْقُشُ بَازْدَارْ،
следующие страницы →