Полный текст (6 163 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.
стр. 5216
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
٥١٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ قَتْلِ بَلْكَ بْنِ بَهْرَامَ بْنِ أُرْتُقَ وَمُلْكِ تَمَرْتَاشَ حَلَبَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ، قَبَضَ بَلْكُ بْنُ بَهْرَامَ بْنِ أُرْتُقَ، صَاحِبُ حَلَبَ، عَلَى الْأَمِيرِ حَسَّانَ الْبَعْلَبَكِّيِّ، صَاحِبِ مَنْبِجَ، وَسَارَ إِلَيْهَا فَحَصَرَهَا، فَمَلَكَ الْمَدِينَةَ، وَحَصَرَ الْقَلْعَةَ، فَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ، فَسَارَ الْفِرِنْجُ إِلَيْهِ لِيُرَحِّلُوهُ عَنْهَا لِئَلَّا يَقْوَى بِأَخْذِهَا، فَلَمَّا قَارَبُوهُ تَرَكَ عَلَى الْقَلْعَةِ مَنْ يَحْصُرُهَا، وَسَارَ فِي بَاقِي عَسْكَرِهِ إِلَى الْفِرِنْجِ، فَلَقِيَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ، فَكَسَرَهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَعَادَ إِلَى مَنْبِجَ فَحَصَرَهَا، فَبَيْنَمَا هُوَ يُقَاتِلُ مَنْ بِهَا أَتَاهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، لَا يُدْرَى مَنْ رَمَاهُ، وَاضْطَرَبَ عَسْكَرُهُ وَتَفَرَّقُوا، وَخَلَصَ حَسَّانُ مِنَ الْحَبْسِ، فَكَانَ حُسَامُ الدِّينِ تَمَرْتَاشُ بْنُ إِيلْغَازِي بْنِ أُرْتُقَ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ بَلْكَ، فَحَمَلَهُ مَقْتُولًا إِلَى ظَاهِرِ حَلَبَ، وَتَسَلَّمَهَا فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَزَالَ الْحِصَارُ عَنْ قَلْعَةِ مَنْبِجَ، وَعَادَ إِلَيْهَا صَاحِبُهَا حَسَّانُ، وَاسْتَقَرَّ تَمَرْتَاشُ بِحَلَبَ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا.
ثُمَّ إِنَّهُ جَعَلَ فِيهَا نَائِبًا لَهُ يَثِقُ بِهِ، وَرَتَّبَ عِنْدَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ جُنْدٍ وَغَيْرِهِمْ وَعَادَ إِلَى مَارِدِينَ، لِأَنَّهُ رَأَى الشَّامَ كَثِيرَةَ الْحَرْبِ مَعَ الْفِرِنْجِ، وَكَانَ رَجُلًا يُحِبُّ الدَّعَةَ وَالرَّفَاهَةَ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى مَارِدِينَ أُخِذَتْ حَلَبُ مِنْهُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 5217
ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ مَدِينَةَ صُورَ بِالشَّامِ
كَانَتْ مَدِينَةُ صُورَ لِلْخُلَفَاءِ الْعَلَوِيِّينَ بِمِصْرَ، وَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَكَانَ بِهَا وَالٍ مِنْ جِهَةِ الْأَفْضَلِ أَمِيرِ الْجُيُوشِ، وَزِيرِ الْآمِرِ بِأَحْكَامِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ، يُلَقَّبُ عِزَّ الْمُلْكِ، وَكَانَ الْفِرِنْجُ قَدْ حَصَرُوهَا، وَضَيَّقُوا عَلَيْهَا، وَنَهَبُوا بَلَدَهَا غَيْرَ مَرَّةٍ، فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ سِتٍّ تَجَهَّزَ مَلِكُ الْفِرِنْجِ، وَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ لِيَسِيرَ إِلَى صُورَ، فَخَافَهُمْ أَهْلُ صُورَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى أَتَابِكَ طُغْتِكِينَ، صَاحِبِ دِمَشْقَ، يَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ أَمِيرًا مِنْ عِنْدِهِ يَتَوَلَّاهُمْ وَيَحْمِيهِمْ، وَيَكُونُ الْبَلَدُ لَهُ، وَقَالُوا لَهُ: إِنْ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا وَالِيًا، وَعَسْكَرًا، وَإِلَّا سَلَّمْنَا الْبَلَدَ إِلَى الْفِرِنْجِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا، وَجَعَلَ عِنْدَهُمْ وَالِيًا اسْمُهُ مَسْعُودٌ، وَكَانَ شَهْمًا، شُجَاعًا، عَارِفًا بِالْحَرْبِ وَمَكَايِدِهَا، وَأَمَدَّهُ بِعَسْكَرٍ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ مِيرَةً وَمَالًا فَرَّقَهُ فِيهِمْ.
وَطَابَتْ نُفُوسُ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَلَمْ تُغَيَّرِ الْخُطْبَةُ لِلْآمِرِ، صَاحِبِ مِصْرَ، وَلَا السِّكَّةُ، وَكَتَبَ إِلَى الْأَفْضَلِ بِمِصْرَ يُعَرِّفُهُ صُورَةَ الْحَالِ، وَيَقُولُ: مَتَى وَصَلَ إِلَيْهَا مِنْ مِصْرَ مَنْ يَتَوَلَّاهَا، وَيَذُبُّ عَنْهَا، سَلَّمْتُهَا إِلَيْهِ، وَيَطْلُبُ أَنَّ الْأُسْطُولَ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهَا بِالرِّجَالِ وَالْقُوَّةِ. فَشَكَرَهُ الْأَفْضَلُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَوَّبَ رَأْيَهُ فِيمَا فَعَلَهُ، وَجَهَّزَ أُسْطُولًا، وَسَيَّرَهُ إِلَى صُورَ، فَاسْتَقَامَتْ أَحْوَالُ أَهْلِهَا.
وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ، بَعْدَ قَتْلِ الْأَفْضَلِ، فَسُيِّرَ إِلَيْهَا أُسْطُولٌ، عَلَى جَارِي الْعَادَةِ، وَأَمَرُوا الْمُقَدَّمَ عَلَى الْأُسْطُولِ أَنْ يُعْمِلَ الْحِيلَةَ عَلَى الْأَمِيرِ مَسْعُودٍ الْوَالِي بِصُورَ مِنْ قِبَلِ طُغْتِكِينَ، وَيَقْبِضَ عَلَيْهِ، وَيَتَسَلَّمَ الْبَلَدَ مِنْهُ.
وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ أَهْلَ صُورَ أَكْثَرُوا الشَّكْوَى مِنْهُ إِلَى الْآمِرِ بِأَحْكَامِ اللَّهِ، صَاحِبِ مِصْرَ، بِمَا يَعْتَمِدُهُ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ، وَالْإِضْرَارِ بِهِمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَسَارَ الْأُسْطُولُ فَأَرْسَى عِنْدَ صُورَ، فَخَرَجَ مَسْعُودٌ إِلَيْهِ لِلسَّلَامِ عَلَى الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا صَعِدَ إِلَى الْمَرْكِبِ الَّذِي فِيهِ الْمُقَدَّمِ اعْتَقَلَهُ، وَنَزَلَ الْبَلَدَ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَعَادَ الْأُسْطُولُ إِلَى مِصْرَ، وَفِيهِ الْأَمِيرُ مَسْعُودٌ، فَأُكْرِمَ وَأُحْسِنَ إِلَيْهِ، وَأُعِيدَ إِلَى دِمَشْقَ.
وَأَمَّا الْوَالِي مِنْ قِبَلِ الْمِصْرِيِّينَ فَإِنَّهُ طَيَّبَ قُلُوبَ النَّاسِ، وَرَاسَلَ طُغْتِكِينَ يَخْدُمُهُ بِالدُّعَاءِ وَالِاعْتِضَادِ، وَأَنَّ سَبَبَ مَا فَعَلَ هُوَ شَكْوَى أَهْلِ صُورَ مِنْ مَسْعُودٍ، فَأَحْسَنَ طُغْتِكِينُ الْجَوَابَ، وَبَذَلَ مِنْ نَفْسِهِ الْمُسَاعَدَةَ.
стр. 5218
وَلَمَّا سَمِعَ الْفِرِنْجُ بِانْصِرَافِ مَسْعُودٍ عَنْ صُورَ قَوِيَ طَمَعُهُمْ فِيهَا، وَحَدَّثُوا نُفُوسَهُمْ بِمُلْكِهَا، وَشَرَعُوا فِي الْجَمْعِ وَالتَّأَهُّبِ لِلنُّزُولِ عَلَيْهَا وَحَصْرِهَا، فَسَمِعَ الْوَالِي بِهَا لِلْمِصْرِيِّينَ الْخَبَرَ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا قُوَّةَ لَهُ، وَلَا طَاقَةَ عَلَى دَفْعِ الْفِرِنْجِ عَنْهَا، لِقِلَّةِ مَنْ بِهَا مِنَ الْجُنْدِ وَالْمِيرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْآمِرِ بِذَلِكَ، فَرَأَى أَنْ يَرُدَّ وِلَايَةَ صُورَ إِلَى طُغْتِكِينَ، صَاحِبِ دِمَشْقَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، فَمَلَكَ صُورَ، وَرَتَّبَ بِهَا مِنَ الْجُنْدِ وَغَيْرِهِمْ مَا ظَنَّ فِيهِ كِفَايَةً.
وَسَارَ الْفِرِنْجُ إِلَيْهِمْ وَنَازَلُوهُمْ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَضَيَّقُوا عَلَيْهِمْ، وَلَازَمُوا الْقِتَالَ، فَقَلَّتِ الْأَقْوَاتُ، وَسَئِمَ مَنْ بِهَا الْقِتَالَ، وَضَعُفَتْ نُفُوسُهُمْ، وَسَارَ طُغْتِكِينُ إِلَى بَانْيَاسَ لِيَقْرُبَ مِنْهُمْ، وَيَذُبَّ عَنِ الْبَلَدِ، وَلَعَلَّ الْفِرِنْجَ إِذَا رَأَوْا قُرْبَهُ مِنْهُمْ رَحَلُوا، فَلَمْ يَتَحَرَّكُوا، وَلَزِمُوا الْحِصَارَ، فَأَرْسَلَ طُغْتِكِينُ إِلَى مِصْرَ يَسْتَنْجِدُهُمْ، فَلَمْ يُنْجِدُوهُ، وَتَمَادَتِ الْأَيَّامُ، وَأَشْرَفَ أَهْلُهَا عَلَى الْهَلَاكِ، فَرَاسَلَ حِينَئِذٍ طُغْتِكِينُ، صَاحِبُ دِمَشْقَ، وَقَرَّرَ الْأَمْرَ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ الْمَدِينَةَ إِلَيْهِمْ، وَيُمَكِّنُوا مَنْ بِهَا مِنَ الْجُنْدِ وَالرَّعِيَّةِ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهَا بِمَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَرِحَالِهِمْ وَغَيْرِهَا، فَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْبَلَدِ، وَمَلَكَهُ الْفِرِنْجُ، وَفَارَقَهُ أَهْلُهُ، وَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ، وَحَمَلُوا مَا أَطَاقُوا، وَتَرَكُوا مَا عَجَزُوا عَنْهُ، وَلَمْ يَعْرِضِ الْفِرِنْجُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الضَّعِيفُ عَجَزَ عَنِ الْحَرَكَةِ.
وَمَلَكَ الْفِرِنْجُ الْبَلَدَ فِي الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ، وَكَانَ فَتْحُهُ وَهَنًا عَظِيمًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ مِنْ أَحْصِنِ الْبِلَادِ وَأَمْنَعِهَا، فَاللَّهُ يُعِيدُهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيُقِرُّ أَعْيُنَ الْمُسْلِمِينَ بِفَتْحِهِ، بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ.
ذِكْرُ عَزْلِ الْبُرْسُقِيِّ عَنْ شِحْنَكِيَّةِ الْعِرَاقِ وَوِلَايَةِ يَرْنَقْشَ الزَّكْوِيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ الْبُرْسُقِيُّ عَنْ شِحْنَكِيَّةِ الْعِرَاقِ، وَوَلِيَهَا سَعْدُ الدَّوْلَةِ يَرْنَقْشُ الزَّكْوِيُّ.
стр. 5219
وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ الْبُرْسُقِيَّ نَفَرَ عَنْهُ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ يَلْتَمِسُ مِنْهُ أَنْ يَعْزِلَ الْبُرْسُقِيَّ عَنِ الْعِرَاقِ وَيُعِيدَهُ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَأَجَابَهُ السُّلْطَانُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْبُرْسُقِيِّ يَأْمُرُهُ بِالْعَوْدِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَالِاشْتِغَالِ بِجِهَادِ الْفِرِنْجِ، فَلَمَّا عَلِمَ الْبُرْسُقِيُّ الْخَبَرَ شَرَعَ فِي جِبَايَةِ الْأَمْوَالِ، وَوَصَلَ نَائِبُ يَرْنَقْشَ، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْبُرْسُقِيُّ الْأَمْرَ، وَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ وَلَدًا لَهُ صَغِيرًا مَعَ أُمِّهِ إِلَى الْبُرْسُقِيِّ لِيَكُونَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ الصَّغِيرُ إِلَى الْعِرَاقِ خَرَجَتِ الْعَسَاكِرُ وَالْمَوَاكِبُ إِلَى لِقَائِهِ، وَحُمِلَتْ لَهُ الْإِقَامَاتُ، وَكَانَ يَوْمُ دُخُولِهِ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَتَسَلَّمَهُ الْبُرْسُقِيُّ وَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَهُوَ وَوَالِدَتُهُ مَعَهُ.
وَلَمَّا سَارَ الْبُرْسُقِيُّ إِلَى الْمَوْصِلِ كَانَ عِمَادُ الدِّينِ زِنْكِيُّ بْنُ آقْسُنْقُرَ بِالْبَصْرَةِ قَدْ سَيَّرَهُ الْبُرْسُقِيُّ إِلَيْهَا لِيَحْمِيَهَا، فَظَهَرَ مِنْ حِمَايَتِهِ لَهَا مَا عَجِبَ مِنْهُ النَّاسُ، وَلَمْ يَزَلْ يَقْصِدُ الْعَرَبَ وَيُقَاتِلُهُمْ فِي حِلَلِهِمْ، حَتَّى أَبْعَدُوا إِلَى الْبَرِّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْبُرْسُقِيُّ يَأْمُرُهُ بِاللِّحَاقِ بِهِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: قَدْ ضَجِرْنَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ: كُلَّ يَوْمٍ لِلْمَوْصِلِ أَمِيرٌ جَدِيدٌ، وَنُرِيدُ نَخْدُمُهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَسِيرَ إِلَى السُّلْطَانِ فَأَكُونَ مَعَهُ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ بِأَصْبَهَانَ فَأَكْرَمَهُ، وَأَقْطَعَهُ الْبَصْرَةَ وَأَعَادَهُ إِلَيْهَا.
ذِكْرُ مُلْكِ الْبُرْسُقِيِّ مَدِينَةَ حَلَبَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْحِجَّةِ، مَلَكَ آقْسُنْقُرُ مَدِينَةَ حَلَبَ وَقَلْعَتَهَا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ الْفِرِنْجَ لَمَّا مَلَكُوا مَدِينَةَ صُورَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، طَمِعُوا، وَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وَتَيَقَّنُوا الِاسْتِيلَاءَ عَلَى بِلَادِ الشَّامِ، وَاسْتَكْثَرُوا مِنَ الْجُمُوعِ، ثُمَّ وَصَلَ إِلَيْهِمْ دُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ، صَاحِبُ الْحِلَّةِ، فَأَطْمَعَهُمْ طَمَعًا ثَانِيًا، لَا سِيَّمَا فِي حَلَبَ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَهْلَهَا شِيعَةٌ، وَهُمْ يَمِيلُونَ إِلَيَّ لِأَجْلِ الْمَذْهَبِ، فَمَتَى رَأَوْنِي سَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَيَّ. وَبَذَلَ لَهُمْ عَلَى مُسَاعَدَتِهِ بُذُولًا كَثِيرَةً، وَقَالَ: إِنَّنِي أَكُونُ هَاهُنَا نَائِبًا عَنْكُمْ وَمُطِيعًا لَكُمْ. فَسَارُوا مَعَهُ إِلَيْهَا وَحَصَرُوهَا، وَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَوَطَّنُوا نُفُوسَهُمْ عَلَى الْمُقَامِ الطَّوِيلِ وَأَنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَهَا حَتَّى يَمْلِكُوهَا، وَبَنَوُا الْبُيُوتَ لِأَجْلِ الْبَرْدِ وَالْحَرِّ.
فَلَمَّا رَأَى أَهْلُهَا ذَلِكَ ضَعُفَتْ نُفُوسُهُمْ، وَخَافُوا الْهَلَاكَ، وَظَهَرَ لَهُمْ مِنْ صَاحِبِهِمْ تَمَرْتَاشَ الْوَهَنُ وَالْعَجْزُ، وَقَلَّتِ الْأَقْوَاتُ عِنْدَهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْا مَا دُفِعُوا إِلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ، أَعْمَلُوا الرَّأْيَ فِي طَرِيقٍ يَتَخَلَّصُونَ بِهِ، فَرَأَوْا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ غَيْرُ الْبُرْسُقِيِّ،
стр. 5220
صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَسْتَنْجِدُونَهُ وَيَسْأَلُونَهُ الْمَجِيءَ إِلَيْهِمْ لِيُسَلِّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ.
فَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَقَصَدَهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ بِالْبَلَدِ، وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ، يَقُولُ: إِنَّنِي لَا أَقْدِرُ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْكُمْ، وَالْفِرِنْجُ يُقَاتِلُونَكُمْ، إِلَّا إِذَا سَلَّمْتُمُ الْقَلْعَةَ إِلَى نُوَّابِي، وَصَارَ أَصْحَابِي فِيهَا، فَإِنَّنِي لَا أَدْرِي مَا يُقَدِّرُهُ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا أَنَا لَقِيتُ الْفِرِنْجَ، فَإِنِ انْهَزَمْنَا مِنْهُمْ وَلَيْسَتْ حَلَبُ بِيَدِ أَصْحَابِي حَتَّى أَحْتَمِيَ أَنَا وَعَسْكَرِي بِهَا، لَمْ يَبْقَ مِنَّا أَحَدٌ، وَحِينَئِذٍ تُؤْخَذُ حَلَبُ وَغَيْرُهَا.
فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَسَلَّمُوا الْقَلْعَةَ إِلَى نُوَّابِهِ، فَلَمَّا اسْتَقَرُّوا فِيهَا، وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا، سَارَ فِي الْعَسَاكِرِ الَّتِي مَعَهُ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهَا رَحَلَ الْفِرِنْجُ عَنْهَا، وَهُوَ يَرَاهُمْ، فَأَرَادَ مَنْ فِي مُقَدِّمَةِ عَسْكَرِهِ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ، فَمَنَعَهُمْ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَقَالَ: قَدْ كُفِينَا شَرَّهُمْ، وَحَفَظْنَا بَلَدَنَا مِنْهُمْ، وَالْمَصْلَحَةُ تَرْكُهُمْ حَتَّى يَتَقَرَّرَ أَمْرُ حَلَبَ وَنُصْلِحُ حَالَهَا وَنُكْثِرُ ذَخَائِرَهَا، ثُمَّ حِينَئِذٍ نَقْصِدُهُمْ وَنُقَاتِلُهُمْ.
فَلَمَّا رَحَلَ الْفِرِنْجُ خَرَجَ أَهْلُ حَلَبَ وَلَقُوهُ، وَفَرِحُوا بِهِ، وَأَقَامَ عِنْدَهُمْ حَتَّى أَصْلَحَ الْأُمُورَ وَقَرَّرَهَا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْقَطَعَتِ الْأَمْطَارُ فِي الْعِرَاقِ، وَالْمَوْصِلِ، وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ، وَالشَّامِ وَدِيَارِ بَكْرٍ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ، فَقَلَّتِ الْأَقْوَاتُ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ، وَدَامَ إِلَى سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَفِيهَا وَصَلَ مَنْصُورُ بْنُ صَدَقَةَ أَخُو دُبَيْسٍ إِلَى بَغْدَاذَ تَحْتَ الِاسْتِظْهَارِ، فَمَرِضَ بِهَا، فَأَحْضَرَ الْخَلِيفَةُ الْأَطِبَّاءَ وَأَمَرَهُمْ بِمُعَالَجَتِهِ، وَأَحْضَرَهُ عِنْدَهُ، وَجُعِلَ فِي حُجْرَةٍ، وَأُدْخِلَ أَصْحَابُهُ إِلَيْهِ.
وَفِيهَا سَارَ دُبَيْسٌ مِنَ الشَّامِ، بَعْدَ رَحِيلِهِ عَنْ حَلَبَ، وَقَصَدَ الْمَلِكَ طُغْرَلَ، فَأَغْرَاهُ بِالْخَلِيفَةِ، وَأَطْمَعَهُ فِي الْعِرَاقِ، وَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِيهَا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، مُقَدَّمُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، صَاحِبُ أَلَمُوتَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ أَخْبَارِهِ مَا يُعْلَمُ بِهِ مَحَلُّهُ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالرَّأْيِ وَالتَّجْرِبَةِ.
стр. 5221
وَفِيهَا أَيْضًا تُوُفِّيَ دَاوُدُ مَلِكُ الْأَبْخَازِ، وَشَمْسُ الدَّوْلَةِ بْنُ نَجْمِ الدِّينِ إِيلْغَازِي.
وَفِيهَا ثَارَ أَهْلُ آمِدَ بِمَنْ فِيهَا مِنَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، وَكَانُوا قَدْ كَثُرُوا، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ نَحْوَ سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ، فَضَعُفَ أَمْرُهُمْ بِهَا بَعْدَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا، فِي صَفَرٍ، تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الزَّعْفَرَانِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْخَطِيبِ الْبَغْدَاذِيِّ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بُرْهَانَ أَبُو الْفَتْحِ، الْفَقِيهُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْحَمَّامِيِّ لِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ حَمَّامِيًّا، وَكَانَ حَنْبَلِيًّا، تَفَقَّهَ عَلَى ابْنِ عُقَيْلٍ، ثُمَّ صَارَ شَافِعِيًّا، وَتَفَقَّهَ عَلَى الْغَزَالِيِّ وَالشَّاشِيِّ.
стр. 5222
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
٥١٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ وُصُولِ الْمَلِكِ طُغْرَلَ وَدُبَيْسِ بْنِ صَدَقَةَ إِلَى الْعِرَاقِ وَعَوْدِهِمَا عَنْهُ
قَدْ ذَكَرْنَا مَسِيرَ دُبَيْسِ بْنِ صَدَقَةَ إِلَى الْمَلِكِ طُغْرَلَ مِنَ الشَّامِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ لَقِيَهُ، وَأَكْرَمَهُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَجَعَلَهُ مِنْ أَعْيَانِ خَوَاصِّهِ وَأُمَرَائِهِ، فَحَسَّنَ لَهُ دُبَيْسٌ قَصْدَ الْعِرَاقِ، وَهَوَّنَ أَمْرَهُ عَلَيْهِ، وَضَمِنَ لَهُ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ، فَسَارَ مَعَهُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَوَصَلُوا دَقُوقَا فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ. فَكَتَبَ مُجَاهِدُ الدَّيْنِ بَهْرُوزُ مِنْ تَكْرِيتَ يُخْبِرُ الْخَلِيفَةَ خَبَرَهُمَا، فَتَجَهَّزَ لِلْمَسِيرِ وَمَنْعِهِمَا، وَأَمَرَ يَرْنَقْشَ الزَّكْوِيَّ، شِحْنَةَ الْعِرَاقِ، أَنْ يَكُونَ مُسْتَعِدًّا لِلْحَرْبِ، وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ، وَالْأُمَرَاءَ الْبَكْجِيَّةَ، وَغَيْرَهُمْ، فَبَلَغَتْ عِدَّةُ الْعَسَاكِرِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا سِوَى الرَّجَّالَةِ وَأَهْلِ بَغْدَاذَ، وَفَرَّقَ السِّلَاحَ.
وَبَرَزَ خَامِسَ صَفَرٍ وَبَيْنَ يَدَيْهِ أَرْبَابُ الدَّوْلَةِ رَجَّالَةٌ، وَخَرَجَ مِنْ بَابِ النَّصْرِ، وَكَانَ قَدْ أَمَرَ بِفَتْحِهِ تِلْكَ الْأَيَّامِ، وَسَمَّاهُ بَابَ النَّصْرِ، وَنَزَلَ صَحْرَاءَ الشَّمَّاسِيَّةِ، وَنَزَلَ يَرْنَقْشُ عِنْدَ السَّبِّيِّ، ثُمَّ سَارَ فَنَزَلَ الْخَالِصَ تَاسِعَ صَفَرٍ.
فَلَمَّا سَمِعَ طُغْرَلُ بِخُرُوجِ الْخَلِيفَةِ عَدَلَ إِلَى طَرِيقِ خُرَاسَانَ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ فِي النَّهْبِ وَالْفَسَادِ، وَنَزَلَ هُوَ رِبَاطَ جَلُولَاءَ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْوَزِيرُ جَلَالُ الدِّينِ بْنُ صَدَقَةَ فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ، فَنَزَلَ الدَّسْكَرَةَ وَتَوَجَّهَ طُغْرَلُ وَدُبَيْسٌ إِلَى الْهَارُونِيَّةِ وَسَارَ الْخَلِيفَةُ فَنَزَلَ بِالدَّسْكَرَةِ هُوَ وَالْوَزِيرُ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ بَيْنَ دُبَيْسٍ وَطُغْرَلَ أَنْ يَسِيرًا حَتَّى يَعْبُرَا دَيَالَى وَتَامَرَّا، وَيَقْطَعَا جِسْرَ النَّهْرَوَانِ، وَيُقِيمَ دُبَيْسٌ لِيَحْفَظَ الْمَعَابِرَ، وَيَتَقَدَّمَ طُغْرَلُ إِلَى بَغْدَاذَ فَيَمْلِكَهَا وَيَنْهَبَهَا، فَسَارَا عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، فَعَبَرَا تَامَرَّا، وَنَزَلَ طُغْرَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَيَالَى.
وَسَارَ دُبَيْسٌ عَلَى أَنْ يَلْحَقَهُ طُغْرَلُ، فَقَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْمَلِكَ طُغْرَلَ لَحِقَهُ حُمَّى شَدِيدَةٌ، وَنَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَطَرِ مَا لَمْ يُشَاهِدُوا مِثْلَهُ، وَزَادَتِ الْمِيَاهُ وَجَاءَتِ السُّيُولُ
стр. 5223
وَالْخَلِيفَةُ بِالدَّسْكَرَةِ، وَسَارَ دُبَيْسٌ فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ، وَقَصَدَ مَعَرَّةَ النَّهْرَوَانِ وَهُوَ تَعْبَانُ سَهْرَانُ، وَقَدْ لَقِيَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مِنَ الْمَطَرِ وَالْبَلَلِ مَا آذَاهُمْ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ طُغْرَلَ وَأَصْحَابَهُ يَلْحَقُونَهُمْ، فَتَأَخَّرُوا لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَنَزَلُوا جِيَاعًا قَدْ نَالَهُمُ الْبَرْدُ، وَإِذَا قَدْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثُونَ جَمَلًا تَحْمِلُ الثِّيَابَ الْمَخِيطَةَ، وَالْعَمَائِمَ، وَالْأَقْبِيَةَ، وَالْقَلَانِسَ، وَغَيْرَهَا مِنَ الْمَلْبُوسِ، وَتَحْمِلُ أَيْضًا أَنْوَاعَ الْأَطْعِمَةِ الْمَصْنُوعَةِ، قَدْ حُمِلَتْ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَأَخَذَ دُبَيْسٌ الْجَمِيعَ، فَلَبِسُوا الثِّيَابَ الْجُدُدَ، وَنَزَعُوا الثِّيَابَ النَّدِيَّةَ، وَأَكَلُوا الطَّعَامَ، وَنَامُوا فِي الشَّمْسِ مِمَّا نَالَهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ أَهْلَ بَغْدَاذَ، فَلَبِسُوا السِّلَاحَ، وَبَقُوا يَحْرُسُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى الْخَلِيفَةِ وَالْعَسْكَرِ الَّذِينَ مَعَهُ أَنَّ دُبَيْسًا قَدْ مَلَكَ بَغْدَاذَ، فَرَحَلَ مِنَ الدَّسْكَرَةِ، وَوَقَعَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى الْعَسْكَرِ إِلَى النَّهْرَوَانَ، وَتَرَكُوا أَثْقَالَهُمْ مُلْقَاةً بِالطَّرِيقِ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا أَحَدٌ، وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَطَفَ بِهِمْ بِحُمَّى الْمَلِكِ طُغْرَلَ وَتَأَخُّرِهِ لَكَانَ قَدْ هَلَكَ الْعَسْكَرُ، وَالْخَلِيفَةُ أَيْضًا، وَأُخِذُوا، وَكَانَتِ السَّوَاقِي مَمْلُوءَةً بِالْوَحْلِ وَالْمَاءِ مِنَ السَّيْلِ، فَتَمَزَّقُوا، وَلَوْ لَحِقَهُمْ مِائَةُ فَارِسٍ لَهَلَكُوا.
وَوَصَلَتْ رَايَاتُ الْخَلِيفَةِ، وَدُبَيْسٌ وَأَصْحَابُهُ نِيَامٌ، وَتَقَدَّمَ الْخَلِيفَةُ، وَأَشْرَفَ عَلَى دَيَالَى، وَدُبَيْسٌ نَازِلٌ غَرْبَ النَّهْرَوَانِ وَالْجِسْرُ مَمْدُودٌ شَرْقَ النَّهْرَوَانِ، فَلَمَّا أَبْصَرَ دُبَيْسٌ شَمْسَةَ الْخَلِيفَةِ قَبَّلَ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ وَقَالَ: أَنَا الْعَبْدُ الْمَطْرُودُ، فَلْيَعْفُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ عَبْدِهِ.
فَرَقَّ الْخَلِيفَةُ لَهُ، وَهَمَّ بِصُلْحِهِ، حَتَّى وَصَلَ الْوَزِيرُ ابْنُ صَدَقَةَ فَثَنَاهُ عَنْ رَأْيِهِ، وَرَكِبَ دُبَيْسٌ، وَوَقَفَ بِإِزَاءِ عَسْكَرِ يَرْنَقْشَ الزَّكْوِيِّ يُحَادِثُهُمْ وَيَتَمَاجَنُ مَعَهُمْ، ثُمَّ أَمَرَ الْوَزِيرُ الرَّجَّالَةَ فَعَبَرُوا لِيَمُدُّوا الْجِسْرَ آخِرَ النَّهَارِ، فَسَارَ حِينَئِذٍ دُبَيْسٌ عَائِدًا إِلَى الْمَلِكِ طُغْرَلَ، وَسَيَّرَ الْخَلِيفَةُ عَسْكَرًا مَعَ الْوَزِيرِ فِي أَثَرِهِ، عَادَ إِلَى بَغْدَاذَ فَدَخَلَهَا، وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا.
ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ طُغْرَلَ وَدُبَيْسًا عَادَا وَسَارَا إِلَى السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، فَاجْتَازَا بِهَمَذَانَ، فَقَسَّطَا عَلَى أَهْلِهَا مَالًا كَثِيرًا، وَأَخَذَاهُ وَغَابَا فِي تِلْكَ الْأَعْمَالِ، فَبَلَغَ خَبَرُهُمُ السُّلْطَانَ مَحْمُودًا، فَجَدَّ السَّيْرَ إِلَيْهِمْ، فَانْهَزَمُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَتَبِعَتْهُمُ الْعَسَاكِرُ، فَدَخَلُوا خُرَاسَانَ إِلَى السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، وَشَكَوْا إِلَيْهِ مِنَ الْخَلِيفَةِ وَيَرْنَقْشَ الزَّكْوِيِّ.
стр. 5224
ذِكْرُ فَتْحِ الْبُرْسُقِيِّ كَفَرْطَابَ مِنَ الْفِرِنْجِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَمَعَ الْبُرْسُقِيُّ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ إِلَى الشَّامِ، وَقَصَدَ كَفَرْطَابَ وَحَصَرَهَا، فَمَلَكَهَا مِنَ الْفِرِنْجِ، وَسَارَ إِلَى قَلْعَةِ عَزَازَ، وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ حَلَبَ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ، وَصَاحِبُهَا جُوسُلِينُ، فَحَصَرَهَا، فَاجْتَمَعَتِ الْفِرِنْجُ، فَارِسُهَا وَرَاجِلُهَا، وَقَصَدُوهُ لِيُرَحِّلُوهُ عَنْهَا، فَلَقِيَهُمْ وَضَرَبَ مَعَهُمْ مَصَافًّا، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا صَبَرُوا كُلُّهُمْ فِيهِ، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ وَأُسِرَ كَثِيرٌ.
وَكَانَ عَدَدُ الْقَتْلَى أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ قَتِيلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَادَ مُنْهَزِمًا إِلَى حَلَبَ، فَخَلَّفَ بِهَا ابْنَهُ مَسْعُودًا، وَعَبَرَ الْفُرَاتَ إِلَى الْمَوْصِلِ لِيَجْمَعَ الْعَسَاكِرَ وَيُعَاوِدَ الْقِتَالَ، وَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ قَتْلِ الْمَأْمُونِ بْنِ الْبَطَائِحِيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَمَضَانَ، قَبَضَ الْآمِرُ بِأَحْكَامِ اللَّهِ الْعَلَوِيُّ، صَاحِبُ مِصْرَ، عَلَى وَزِيرِهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْبَطَائِحِيِّ، الْمُلَقَّبِ بِالْمَأْمُونِ، وَصَلَبَهُ وَإِخْوَتَهُ.
وَكَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهِ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ مِنْ جَوَاسِيسِ الْأَفْضَلِ بِالْعِرَاقِ، فَمَاتَ وَلَمْ يُخَلِّفْ شَيْئًا، فَتَزَوَّجَتْ أُمُّهُ وَتَرَكَتْهُ فَقِيرًا، فَاتَّصَلَ بِإِنْسَانٍ يَتَعَلَّمُ الْبِنَاءَ بِمِصْرَ ثُمَّ صَارَ يَحْمِلُ الْأَمْتِعَةَ بِالسُّوقِ الْكَبِيرِ، فَدَخَلَ مَعَ الْحَمَّالِينَ إِلَى دَارِ الْأَفْضَلِ أَمِيرِ الْجُيُوشِ، مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَرَآهُ الْأَفْضَلُ خَفِيفًا رَشِيقًا، حَسَنَ الْحَرَكَةِ، حُلْوَ الْكَلَامِ، فَأَعْجَبَهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقِيلَ هُوَ ابْنُ فُلَانٍ، فَاسْتَخْدَمَهُ مَعَ الْفَرَّاشِينَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ عِنْدَهُ، وَكَبُرَتْ مَنْزِلَتُهُ، وَعَلَتْ حَالَتُهُ، حَتَّى صَارَ وَزِيرًا.
وَكَانَ كَرِيمًا، وَاسِعَ الصَّدْرِ، قَتَّالًا، سَفَّاكًا لِلدِّمَاءِ، وَكَانَ شَدِيدَ التَّحَرُّزِ، كَثِيرَ التَّطَلُّعِ إِلَى أَحْوَالِ النَّاسِ مِنَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ: مِصْرَ، وَالشَّامِ، وَالْعِرَاقِ، وَكَثُرَ الْغَمَّازُونَ فِي أَيَّامِهِ.
وَأَمَّا سَبَبُ قَتْلِهِ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَرْسَلَ الْأَمِيرَ جَعْفَرًا أَخَا الْآمِرِ لِيَقْتُلَ الْآمِرَ وَيَجْعَلَهُ
стр. 5225
خَلِيفَةً، وَتَقَرَّرَتِ الْقَاعِدَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى ذَلِكَ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، وَكَانَ خِصِّيصًا بِالْآمِرِ، قَرِيبًا مِنْهُ، وَقَدْ نَالَهُ مِنَ الْوَزِيرِ أَذًى وَاطِّرَاحٌ، فَحَضَرَ عِنْدَ الْآمِرِ وَأَعْلَمَهُ الْحَالَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَصَلَبَهُ، وَهَذَا جَزَاءُ مَنْ قَابَلَ الْإِحْسَانَ بِالْإِسَاءَةِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
[الْوَفَيَاتُ]
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ شَمْسُ الدَّوْلَةِ سَالِمُ بْنُ مَالِكٍ، صَاحِبُ قَلْعَةِ جَعْبَرَ، وَتُعْرَفُ قَدِيمًا بِقَلْعَةِ دَوْسَرَ.
وَفِيهَا قُتِلَ الْقَاضِي أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ مَنْصُورٍ الْهَرَوِيُّ بِهَمَذَانَ، قَتَلَهُ الْبَاطِنِيَّةُ، وَكَانَ قَدْ مَضَى إِلَى خُرَاسَانَ فِي رِسَالَةِ الْخَلِيفَةِ إِلَى السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، فَعَادَ فَقُتِلَ، وَكَانَ ذَا مُرُوءَةٍ غَزِيرَةٍ، وَتَقَدُّمٍ كَثِيرٍ فِي الدَّوْلَةِ السَّلْجُوقِيَّةِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ هِلَالُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ بِلَالِ بْنِ رَبَاحٍ، مُؤَذِّنِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو سَعْدٍ، طَافَ الْبِلَادَ، وَسَمِعَ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِسَمَرْقَنْدَ.
стр. 5226
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
٥٢٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ حَرْبِ الْفِرِنْجِ وَالْمُسْلِمِينَ بِالْأَنْدَلُسِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَظُمَ شَأْنُ ابْنِ رُدْمِيرَ الْفِرِنْجِيِّ بِالْأَنْدَلُسِ، وَاسْتَطَالَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَخَرَجَ فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَجَاسَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَخَاضَهَا، حَتَّى وَصَلَ إِلَى قَرِيبِ قُرْطُبَةَ، وَأَكْثَرَ النَّهْبَ وَالسَّبْيَ وَالْقَتْلَ، فَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ زَائِدِ الْحَدِّ فِي الْكَثْرَةِ، وَقَصَدُوهُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِمْ طَاقَةٌ، فَتَحَصَّنَ مِنْهُمْ فِي حِصْنٍ مَنِيعٍ لَهُ اسْمُهُ أَرْنِيسُولُ، فَحَصَرُوهُ، وَكَسَبَهُمْ لَيْلًا، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَعَادَ إِلَى بِلَادِهِ.
ذِكْرُ قَصْدِ بِلَادِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ بِخُرَاسَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ الْوَزِيرُ الْمُخْتَصُّ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ، وَزِيرُ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، بِغَزْوِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَقَتْلِهِمْ أَيْنَ كَانُوا، وَحَيْثُمَا ظُفِرَ بِهِمْ، وَنَهْبِ أَمْوَالِهِمْ، وَسَبْيِ حَرِيمِهِمْ، وَجَهَّزَ جَيْشًا إِلَى طُرَيْثِيثَ، وَهِيَ لَهُمْ، وَجَيْشًا إِلَى بَيْهَقَ مِنْ أَعْمَالِ نَيْسَابُورَ، وَكَانَ فِي هَذِهِ الْأَعْمَالِ قَرْيَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِهِمُ اسْمُهَا طَرَّزُ، وَمُقَدَّمُهُمْ بِهَا إِنْسَانٌ اسْمُهُ الْحَسَنُ بْنُ سَمِينَ.
وَسَيَّرَ إِلَى كُلِّ طَرَفٍ مِنْ أَعْمَالِهِمْ جَمْعًا مِنَ الْجُنْدِ، وَوَصَّاهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا مَنْ لَقُوهُ مِنْهُمْ، فَقَصَدَ كُلُّ طَائِفَةٍ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي سُيِّرَتْ إِلَيْهَا. فَأَمَّا الْقَرْيَةُ الَّتِي بِأَعْمَالِ بَيْهَقَ
стр. 5227
فَقَصَدَهَا الْعَسْكَرُ، فَقَتَلُوا كُلَّ مَنْ بِهَا، وَهَرَبَ مُقَدَّمُهُمْ، وَصَعِدَ مَنَارَةَ الْمَسْجِدِ وَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنْهَا فَهَلَكَ، وَكَذَلِكَ الْعَسْكَرُ الْمُنْفَذُ إِلَى طُرَيْثِيثَ قَتَلُوا مِنْ أَهْلِهَا فَأَكْثَرُوا، وَغَنِمُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَعَادُوا.
ذِكْرُ مُلْكِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ قَلْعَةَ بَانْيَاسَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَظُمَ أَمَرُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ بِالشَّامِ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ، وَمَلَكُوا بَانْيَاسَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بَهْرَامَ ابْنَ أُخْتِ الْأَسْدَابَاذِيِّ، لَمَّا قُتِلَ خَالُهُ بِبَغْدَاذَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، هَرَبَ إِلَى الشَّامِ، وَصَارَ دَاعِيَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ فِيهِ، وَكَانَ يَتَرَدَّدُ فِي الْبِلَادِ، وَيَدْعُو أَوْبَاشَ النَّاسِ وَطُغَامَهُمْ إِلَى مَذْهَبِهِ، فَاسْتَجَابَ لَهُ مِنْهُمْ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ، إِلَّا أَنَّهُ يُخْفِي شَخْصَهُ فَلَا يُعْرَفُ، وَأَقَامَ بِحَلَبَ مُدَّةً، وَنَفَرَ إِلَى إِيلْغَازِي صَاحِبِهَا.
وَأَرَادَ إِيلْغَازِي أَنْ يَعْتَضِدَ بِهِ لِاتِّقَاءِ النَّاسِ شَرَّهُ وَشَرَّ أَصْحَابِهِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتُلُونَ كُلَّ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَقَصَدَ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِهِمْ، وَأَشَارَ إِيلْغَازِي عَلَى طُغْتِكِينَ، صَاحِبِ دِمَشْقَ، بِأَنْ يَجْعَلَهُ عِنْدَهُ لِهَذَا السَّبَبِ، فَقَبِلَ رَأْيَهُ، وَأَخَذَهُ إِلَيْهِ، فَأَظْهَرَ حِينَئِذٍ شَخْصَهُ، وَأَعْلَنَ دَعْوَتَهُ، فَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ مِنْ كُلِّ مَنْ يُرِيدُ الشَّرَّ وَالْفَسَادَ، وَأَعَانَهُ الْوَزِيرُ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَعْدٍ الْمَرْغِينَانِيُّ قَصْدًا لِلِاعْتِضَادِ بِهِ عَلَى مَا يُرِيدُ، فَعَظُمَ شَرُّهُ وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ، وَصَارَ أَتْبَاعُهُ أَضْعَافَ مَا كَانُوا، فَلَوْلَا أَنَّ عَامَّةَ دِمَشْقَ يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ مَذَاهِبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَنَّهُمْ يُشَدِّدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ لَمَلَكَ الْبَلَدَ.
ثُمَّ إِنَّ بَهْرَامَ رَأَى مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ فَظَاظَةً وَغِلْظَةً عَلَيْهِ، فَخَافَ عَادِيَتَهُمْ، فَطَلَبَ مِنْ طُغْتِكِينَ حِصْنًا يَأْوِي إِلَيْهِ هُوَ وَمِنِ اتَّبَعَهُ، فَأَشَارَ الْوَزِيرُ بِتَسْلِيمِ قَلْعَةِ بَانْيَاسَ إِلَيْهِ، فَسُلِّمَتْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا سَارَ إِلَيْهَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَعَظُمَ حِينَئِذٍ خَطْبُهُ، وَجَلَتِ الْمِحْنَةُ بِظُهُورِهِ، وَاشْتَدَّ الْحَالُ عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ الدِّينِ، وَلَا سِيَّمَا أَهْلِ السُّنَّةِ وَالسِّتْرِ وَالسَّلَامَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَنْطِقُوا بِحَرْفٍ وَاحِدٍ، خَوْفًا مِنْ سُلْطَانِهِمْ أَوَّلًا، وَمِنْ شَرِّ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ ثَانِيًا، فَلَمْ يَقْدَمْ أَحَدٌ عَلَى إِنْكَارِ هَذِهِ الْحَالِ، فَانْتَظَرُوا بِهِمُ الدَّوَائِرَ.
стр. 5228
ذِكْرُ قَتْلِ الْبُرْسُقِيِّ وَمُلْكِ ابْنِهِ عِزِّ الدِّينِ مَسْعُودٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثَامِنَ ذِي الْقَعْدَةِ، قُتِلَ قَسِيمُ الدَّوْلَةِ آقْسُنْقُرُ الْبُرْسُقِيُّ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، بِمَدِينَةِ الْمَوْصِلِ، قَتَلَتْهُ الْبَاطِنِيَّةُ يَوْمَ جُمُعَةٍ بِالْجَامِعِ، وَكَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ مَعَ الْعَامَّةِ، وَكَانَ قَدْ رَأَى تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي مَنَامِهِ أَنَّ عِدَّةً مِنَ الْكِلَابِ ثَارَتْ بِهِ، فَقَتَلَ بَعْضَهَا، وَنَالَ مِنْهُ الْبَاقِي مَا آذَاهُ، فَقَصَّ رُؤْيَاهُ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِتَرْكِ الْخُرُوجِ مِنْ دَارِهِ عِدَّةَ أَيَّامٍ، فَقَالَ: لَا أَتْرُكُ الْجُمُعَةَ لِشَيْءٍ أَبَدًا، فَغَلَبُوا عَلَى رَأْيِهِ، وَمَنَعُوهُ مِنْ قَصْدِ الْجُمُعَةِ، فَعَزَمَ عَلَى ذَلِكَ، فَأَخَذَ الْمُصْحَفَ يَقْرَأُ فِيهِ، فَأَوَّلَ مَا رَأَى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] ، فَرَكِبَ إِلَى الْجَامِعِ عَلَى عَادَتِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ بِضْعَةَ عَشَرَ نَفْسًا عِدَّةَ الْكِلَابِ الَّتِي رَآهَا، فَجَرَحُوهُ بِالسَّكَاكِينِ، فَجَرَحَ هُوَ بِيَدِهِ مِنْهُمْ ثَلَاثَةً، وَقُتِلَ ﵀.
وَكَانَ مَمْلُوكًا تُرْكِيًّا، خَيِّرًا، يُحِبُّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالصَّالِحِينَ، وَيَرَى الْعَدْلَ وَيَفْعَلُهُ، وَكَانَ مِنْ خَيْرِ الْوُلَاةِ يُحَافِظُ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا، وَيُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مُتَهَجِّدًا.
حَكَى لِي وَالِدِي، ﵀، عَنْ بَعْضِ مَنْ كَانَ يَخْدُمُهُ قَالَ: كُنْتُ فَرَّاشًا مَعَهُ، فَكَانَ يُصَلِّي كُلَّ لَيْلَةٍ كَثِيرًا، وَكَانَ يَتَوَضَّأُ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَسْتَعِينُ بِأَحَدٍ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ لَيَالِي الشِّتَاءِ بِالْمَوْصِلِ، وَقَدْ قَامَ مِنْ فِرَاشِهِ، وَعَلَيْهِ فَرَجِيَّةٌ صَغِيرَةٌ وَبْرٌ، وَبِيَدِهِ إِبْرِيقٌ، فَمَشَى نَحْوَ دِجْلَةَ لِيَأْخُذَ مَاءً، فَمَنَعَنِي الْبَرْدُ مِنَ الْقِيَامِ، ثُمَّ إِنَّنِي خِفْتُهُ، فَقُمْتُ إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ لِآخُذَ الْإِبْرِيقَ مِنْهُ، فَمَنَعَنِي وَقَالَ: يَا مِسْكِينُ! ارْجِعْ إِلَى مَكَانِكَ، فَإِنَّهُ بَرْدٌ، فَاجْتَهَدْتُ لِآخُذَ الْإِبْرِيقَ، فَلَمْ يُعْطِنِي، وَرَدَّنِي إِلَى مَكَانِي ثُمَّ تَوَضَّأَ وَقَامَ يُصَلِّي.
وَلَمَّا قُتِلَ كَانَ ابْنُهُ عِزُّ الدِّينِ مَسْعُودٌ بِحَلَبَ يَحْفَظُهَا مِنَ الْفِرِنْجِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ أَبِيهِ بِالْخَبَرِ، فَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ وَدَخَلَهَا أَوَّلَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَحْسَنَ إِلَى أَصْحَابِ أَبِيهِ بِهَا، وَأَقَرَّ وَزِيرَهُ الْمُؤَيِّدَ أَبَا غَالِبِ بْنَ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَلَى وِزَارَتِهِ، وَأَطَاعَهُ الْأُمَرَاءُ وَالْأَجْنَادُ، وَانْحَدَرَ إِلَى خِدْمَةِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَعَادَهُ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بِلَادِ أَبِيهِ.
стр. 5229
وَوَقَعَ الْبَحْثُ عَنْ حَالِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَالِاسْتِقْصَاءُ عَنْ أَخْبَارِهِمْ، فَقِيلَ إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْلِسُونَ إِلَى إِسْكَافٍ بِدَرْبِ إِيلِيَا، فَأُحْضِرَ وَوُعِدَ الْإِحْسَانُ إِنْ أَقَرَّ، فَلَمْ يُقِرَّ، فَهُدِّدَ بِالْقَتْلِ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ وَرَدُوا مِنْ سِنِينَ لِقَتْلِهِ، فَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْهُ إِلَى الْآنِ، فَقُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَذَكَرُهُ، وَرُجِمَ بِالْحِجَارَةِ فَمَاتَ.
وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ صَاحِبَ أَنْطَاكِيَةَ أَرْسَلَ إِلَى عِزِّ الدِّينِ بْنِ الْبُرْسُقِيِّ يُخْبِرُهُ بِقَتْلِ وَالِدِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ الْخَبَرُ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَهُ الْفِرِنْجُ قَبْلَهُ لِشِدَّةِ عِنَايَتِهِمْ بِمَعْرِفَةِ الْأَحْوَالِ الْإِسْلَامِيَّةِ.
وَلَمَّا اسْتَقَرَّ عِزُّ الدِّينِ فِي الْوِلَايَةِ قَبَضَ عَلَى الْأَمِيرِ بَابَكْرِ بْنِ مِيكَائِيلَ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُسَلِّمَ ابْنَ أَخِيهِ قَلْعَةَ إِرْبَلَ إِلَى الْأَمِيرِ فَضْلٍ وَأَبِي عَلِيٍّ، ابْنَيْ أَبِي الْهَيْجَاءِ، وَكَانَ ابْنُ أَخِيهِ قَدْ أَخَذَهَا مِنْهُ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَرَاسَلَ ابْنَ أَخِيهِ، فَسَلَّمَ إِرْبَلَ إِلَى الْمَذْكُورَيْنِ.
ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ وَالسُّلْطَانِ مَحْمُودٍ
كَانَ قَدْ جَرَى بَيْنَ يَرْنَقْشَ الزَّكْوِيِّ، شِحْنَةِ بَغْدَاذَ، وَبَيْنَ نُوَّابِ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ نُفْرَةٌ تَهَدَّدَهُ الْخَلِيفَةُ فِيهَا، فَخَافَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَسَارَ عَنْ بَغْدَاذَ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَشَكَا إِلَيْهِ، وَحَذَّرَهُ جَانِبَ الْخَلِيفَةِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ قَادَ الْعَسَاكِرَ، وَلَقِيَ الْحُرُوبَ، وَقَوِيَتْ نَفْسُهُ، وَمَتَى لَمْ تُعَاجِلْهُ بِقَصْدِ الْعِرَاقِ وَدُخُولِ بَغْدَاذَ، ازْدَادَ قُوَّةً وَجَمْعًا، وَمَنْعَهُ عَنْهُ، وَحِينَئِذٍ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مَا هُوَ الْآنَ بِيَدِهِ.
فَتَوَجَّهَ السُّلْطَانُ نَحْوَ الْعِرَاقِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ يُعَرِّفُهُ مَا هِيَ الْبِلَادُ وَأَهْلُهَا عَلَيْهِ مِنَ الضَّعْفِ وَالْوَهَنِ، بِسَبَبِ دُبَيْسٍ، وَإِفْسَادِ عَسْكَرِهِ فِيهَا، وَأَنَّ الْغَلَاءَ قَدِ اشْتَدَّ بِالنَّاسِ لِعَدَمِ الْغَلَّاتِ وَالْأَقْوَاتِ، لِهَرَبِ الْأُكْرَةِ عَنْ بِلَادِهِمْ، وَيَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ هَذِهِ الدَّفْعَةَ إِلَى أَنْ يَنْصَلِحَ حَالُ الْبِلَادِ ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهَا، فَلَا مَانِعَ لَهُ عَنْهَا، وَبَذَلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مَالًا كَثِيرًا.
فَلَمَّا سَمِعَ السُّلْطَانُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ قَوِيَ عِنْدَهُ مَا قَرَّرَهُ الزَّكْوِيُّ، وَأَبَى أَنْ يُجِيبَ إِلَى التَّأَخُّرِ، وَصَمَّمَ الْعَزْمَ وَسَارَ إِلَيْهَا مُجِدًّا. فَلَمَّا بَلَغَ الْخَلِيفَةَ الْخَبَرُ عَبَرَ هُوَ وَأَهْلُهُ وَحُرَمُهُ
стр. 5230
وَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَوْلَادِ الْخُلَفَاءِ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، مُظْهِرًا لِلْغَضَبِ وَالِانْتِزَاحِ عَنْ بَغْدَاذَ إِنْ قَصَدَهَا السُّلْطَانُ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ دَارِهِ بَكَى النَّاسُ جَمِيعُهُمْ بُكَاءً عَظِيمًا لَمْ يُشَاهَدْ مِثْلُهُ. فَلَمَّا عَلِمَ السُّلْطَانُ ذَلِكَ اشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَبَلَغَ مِنْهُ كُلَّ مَبْلَغٍ، فَأَرْسَلَ يَسْتَعْطِفُ الْخَلِيفَةَ، وَيَسْأَلُهُ الْعَوْدَ إِلَى دَارِهِ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَوْدِكَ هَذِهِ الدَّفْعَةِ، فَإِنَّ النَّاسَ هَلْكَى بِشِدَّةِ الْغَلَاءِ، وَخَرَابِ الْبِلَادِ، وَأَنَّهُ لَا يَرَى فِي دِينِهِ أَنْ يَزْدَادَ مَا بِهِمْ، وَهُوَ يُشَاهِدُهُمْ، فَإِنْ عَادَ السُّلْطَانُ، وَإِلَّا رَحَلَ هُوَ عَنِ الْعِرَاقِ لِئَلَّا يُشَاهِدَ مَا يَلْقَى النَّاسُ بِمَجِيءِ الْعَسَاكِرِ.
فَغَضِبَ السُّلْطَانُ لِقَوْلِهِ، وَرَحَلَ نَحْوَ بَغْدَاذَ، وَأَقَامَ الْخَلِيفَةُ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، فَلَمَّا حَضَرَ عِيدُ الْأَضْحَى خَطَبَ النَّاسَ، وَصَلَّى بِهِمْ، فَبَكَى النَّاسُ لِخُطْبَتِهِ، وَأَرْسَلَ عَفِيفًا الْخَادِمِ، وَهُوَ مِنْ خَوَاصِّهِ، فِي عَسْكَرٍ إِلَى وَاسِطَ لِيَمْنَعَ عَنْهَا نُوَّابَ السُّلْطَانِ، فَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَيْهِ عِمَادَ الدِّينِ زِنْكِيَّ بْنَ آقْسُنْقُرَ، وَكَانَ لَهُ حِينَئِذٍ الْبَصْرَةُ، وَقَدْ فَارَقَ الْبُرْسُقِيَّ، وَاتَّصَلَ بِالسُّلْطَانِ، فَأَقْطَعَهُ الْبَصْرَةَ.
فَلَمَّا وُصَلَ عَفِيفٌ إِلَى وَاسِطَ سَارَ إِلَيْهِ عِمَادُ الدِّينِ، فَنَزَلَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَكَانَ عَفِيفٌ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عِمَادُ الدِّينِ يُحَذِّرُهُ الْقِتَالَ، وَيَأْمُرُهُ بِالِانْتِزَاحِ عَنْهُمْ، فَأَبَى وَلَمْ يَفْعَلْ، فَعَبَرَ إِلَيْهِ عِمَادُ الدِّينِ، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ عَفِيفٍ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأُسِرَ مِثْلُهُمْ، وَتَغَافَلَ عَنْ عَفِيفٍ حَتَّى نَجَا لِمَوَدَّةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا.
ثُمَّ إِنَّ الْخَلِيفَةَ جَمَعَ السُّفُنَ جَمِيعَهَا إِلَيْهِ، وَسَدَّ أَبْوَابَ دَارِ الْخِلَافَةِ سِوَى بَابِ النُّوبِيِّ، وَأَمَرَ حَاجِبَ الْبَابِ ابْنَ الصَّاحِبِ بِالْمُقَامِ فِيهِ لِحِفْظِ الدَّارِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ حَوَاشِي الْخَلِيفَةِ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ سِوَاهُ.
وَوَصَلَ السُّلْطَانُ إِلَى بَغْدَاذَ فِي الْعِشْرِينِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَنَزَلَ بِبَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ، وَدَخَلَ بَعْضُ عَسْكَرِهِ إِلَى بَغْدَاذَ وَنَزَلُوا فِي دُورِ النَّاسِ، فَشَكَا النَّاسُ ذَلِكَ إِلَى السُّلْطَانِ، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ، وَبَقِيَ فِيهَا مَنْ لَهُ دَارٌ، وَبَقِيَ السُّلْطَانُ يُرَاسِلُ الْخَلِيفَةَ بِالْعَوْدِ، وَيَطْلُبُ الصُّلْحَ، وَهُوَ يَمْتَنِعُ.
وَكَانَ يَجْرِي بَيْنَ الْعَسْكَرَيْنِ مُنَاوَشَةٌ، وَالْعَامَّةُ مِنَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ يَسُبُّونَ السُّلْطَانَ أَفْحَشَ سَبٍّ. ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنْ عَسْكَرِ السُّلْطَانِ دَخَلُوا دَارَ الْخِلَافَةِ، وَنَهَبُوا التَّاجَ،
стр. 5231
وَحُجَرَ الْخَلِيفَةِ، أَوَّلَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَضَجَّ أَهْلُ بَغْدَاذَ مِنْ ذَلِكَ، فَاجْتَمَعُوا وَنَادَوُا الْغُزَاةَ، فَأَقْبَلُوا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَلَمَّا رَآهُمُ الْخَلِيفَةُ خَرَجَ مِنَ السُّرَادِقِ وَالشِّمْسَةُ عَلَى رَأْسِهِ، وَالْوَزِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَمَرَ بِضَرْبِ الْكُوسَاتِ وَالْبُوقَاتِ، وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا آلَ هَاشِمٍ! وَأَمَرَ بِتَقْدِيمِ السُّفُنِ، وَنَصَبَ الْجِسْرَ وَعَبَرَ النَّاسُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَكَانَ لَهُ فِي الدَّارِ أَلْفُ رَجُلٍ مُخْتَفِينَ فِي السَّرَادِيبِ، فَظَهَرُوا، وَعَسْكَرُ السُّلْطَانِ مُشْتَغِلُونَ بِالنَّهْبِ، فَأُسِرَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَنَهَبَ الْعَامَّةُ دَارَ وَزِيرِ السُّلْطَانِ، وَدُورَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَدَارَ عَزِيزِ الدِّينِ الْمُسْتَوْفِي، وَدَارَ الْحَكِيمِ أَوْحَدِ الزَّمَانِ الطَّبِيبِ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي الدُّرُوبِ.
ثُمَّ عَبَرَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ مِنْ أَهْلِ بَغْدَاذَ وَالسَّوَادِ، وَأَمَرَ بِحَفْرِ الْخَنَادِقِ، فَحُفِرَتْ بِاللَّيْلِ، وَحَفِظُوا بَغْدَاذَ مِنْ عَسْكَرِ السُّلْطَانِ، وَوَقَعَ الْغَلَاءُ عِنْدَ الْعَسْكَرِ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ الْقِتَالُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَيْهِمْ عِنْدَ أَبْوَابِ الْبَلَدِ وَعَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ، وَعَزَمَ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ عَلَى أَنْ يَكْبِسُوا عَسْكَرَ السُّلْطَانِ، فَغَدَرَ بِهِمُ الْأَمِيرُ أَبُو الْهَيْجَاءِ الْكُرْدِيُّ، صَاحِبُ إِرْبَلَ، وَخَرَجَ كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْقِتَالَ، فَالْتَحَقَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ بِالسُّلْطَانِ.
وَكَانَ السُّلْطَانُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى عِمَادِ الدِّينِ بِوَاسِطَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَحْضُرَ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَمَعَهُ الْمُقَاتِلَةُ فِي السُّفُنِ، وَعَلَى الدَّوَابِّ فِي الْبَرِّ، فَجَمَعَ كَلَّ سَفِينَةٍ فِي الْبَصْرَةِ إِلَى بَغْدَاذَ، وَشَحَنَهَا بِالرِّجَالِ الْمُقَاتِلَةِ، وَأَكْثَرَ مِنَ السِّلَاحِ، وَأَصْعَدَ، فَلَمَّا قَارَبَ بَغْدَاذَ أَمَرَ كُلَّ مَنْ مَعَهُ فِي السُّفُنِ وَفِي الْبَرِّ بِلُبْسِ السِّلَاحِ، وَإِظْهَارِ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْجَلَدِ وَالنَّهْضَةِ، فَسَارَتِ السُّفُنُ فِي الْمَاءِ، وَالْعَسْكَرُ فِي الْبَرِّ عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ قَدِ انْتَشَرُوا وَمَلَأُوا الْأَرْضَ بَرًّا وَبَحْرًا، فَرَأَى النَّاسُ مَنْظَرًا عَجِيبًا، كَبُرَ فِي أَعْيُنِهِمْ، وَمَلَأَ صُدُورَهُمْ، وَرَكِبَ السُّلْطَانُ وَالْعَسْكَرُ إِلَى لِقَائِهِمْ، فَنَظَرُوا إِلَى مَا لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، وَعَظُمَ عِمَادُ الدِّينِ فِي أَعْيُنِهِمْ، وَعَزَمَ السُّلْطَانُ عَلَى قِتَالِ بَغْدَاذَ حِينَئِذٍ، وَالْجِدِّ فِي ذَلِكَ فِي الْبَرِّ وَالْمَاءِ. فَلَمَّا رَأَى الْإِمَامُ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ الْأَمْرَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَخُرُوجَ الْأَمِيرِ أَبِي الْهَيْجَاءِ مِنْ عِنْدِهِ، أَجَابَ إِلَى الصُّلْحِ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا، فَاصْطَلَحَا، وَاعْتَذَرَ السُّلْطَانُ مِمَّا جَرَى، وَكَانَ حَلِيمًا يَسْمَعُ سَبَّهُ بِأُذُنِهِ فَلَا يُعَاقِبُ عَلَيْهِ، وَعَفَا عَنْ أَهْلِ بَغْدَاذَ جَمِيعِهِمْ.
وَكَانَ أَعْدَاءُ الْخَلِيفَةِ يُشِيرُونَ عَلَى السُّلْطَانِ بِإِحْرَاقِ بَغْدَاذَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَالَ: لَا تُسَاوِي الدُّنْيَا فِعْلُ مِثْلِ هَذَا. وَأَقَامَ بِبَغْدَاذَ إِلَى رَابِعِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَحَمَلَ الْخَلِيفَةُ مِنَ الْمَالِ إِلَيْهِ كَمَا اسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ عَلَيْهِ، وَأَهْدَى لَهُ
стр. 5232
سِلَاحًا وَخَيْلًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَمَرِضَ السُّلْطَانُ بِبَغْدَاذَ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ الْأَطِبَّاءُ بِمُفَارَقَتِهَا، فَرَحَلَ إِلَى هَمَذَانَ، فَلَمَّا وَصَلَهَا عُوفِيَ.
ذِكْرُ مَصَافٍّ بَيْنَ طُغْتِكِينَ أَتَابِكَ وَالْفِرِنْجِ بِالشَّامِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اجْتَمَعَتِ الْفِرِنْجُ وَمُلُوكُهَا وَقَمَامِصَتُهَا وَكُنُودُهَا وَسَارُوا إِلَى نَوَاحِي دِمَشْقَ فَنَزَلُوا بِمَرْجِ الصُّفَّرِ عِنْدَ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا سَقْبَا بِالْقُرْبِ مِنْ دِمَشْقَ، فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَاشْتَدَّ خَوْفُهُمْ، وَكَاتَبَ طُغْتِكِينُ أَتَابِكُ صَاحِبُهَا أُمَرَاءَ التُّرْكُمَانِ مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ وَغَيْرِهَا وَجَمَعَهُمْ وَكَانَ قَدْ سَارَ عَنْ دِمَشْقَ إِلَى جِهَةِ الْفِرِنْجِ وَاسْتَخْلَفَ بِهَا ابْنَهُ تَاجَ الْمُلُوكِ بُورِيَّ فَكَانَ بِهَا، كُلَّمَا جَاءَتْ طَائِفَةٌ أَحْسَنَ ضِيَافَتَهُمْ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى أَبِيهِ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا سَارَ بِهِمْ طُغْتِكِينُ إِلَى الْفِرِنْجِ فَالْتَقَوْا أَوَاخِرَ ذِي الْحِجَّةِ وَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَسَقَطَ طُغْتِكِينُ عَنْ فَرَسِهِ، فَظَنَّ أَصْحَابُهُ أَنَّهُ قُتِلَ، فَانْهَزَمُوا وَرَكِبَ طُغْتِكِينُ فَرَسَهُ وَلَحِقَهُمْ وَتَبِعَهُمُ الْفِرِنْجُ وَبَقِيَ التُّرْكُمَانُ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَلْحَقُوا بِالْمُسْلِمِينَ فِي الْهَزِيمَةِ فَتَخَلَّفُوا، فَلَمَّا رَأَوْا فُرْسَانَ الْفِرِنْجِ قَدْ تَبِعُوا الْمُنْهَزِمِينَ وَأَنَّ مُعَسْكَرَهُمْ وَرَاجِلَهُمْ لَيْسَ لَهُ مَانِعٌ وَلَا حَامٍ حَمَلُوا عَلَى الرَّجَّالَةِ فَقَتَلُوهُمْ وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَنَهَبُوا مُعَسْكَرَ الْفِرِنْجِ وَخِيَامَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَجَمِيعَ مَا مَعَهُمْ وَفِي جُمْلَتِهِ كَنِيسَةٌ وَفِيهَا مِنَ الذَّهَبِ وَالْجَوَاهِرِ مَا لَا يَقُومُ كَثْرَةً فَنَهَبُوا ذَلِكَ جَمِيعَهُ وَعَادُوا إِلَى دِمَشْقَ سَالِمِينَ لَمْ يُعْدَمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلَمَّا رَجَعَ الْفِرِنْجُ مِنْ أَثَرِ الْمُنْهَزِمِينَ وَرَأَوْا رَجَّالَتَهُمْ قَتْلَى وَأَمْوَالَهُمْ مَنْهُوبَةً تَمُّوا مُنْهَزِمِينَ لَا يَلْوِي الْأَخُ عَلَى أَخِيهِ، وَكَانَ هَذَا مِنَ الْغَرِيبِ أَنَّ طَائِفَتَيْنِ تَنْهَزِمَانِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبَتِهَا!
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَصَرَ الْفِرِنْجُ رَفَنِيَّةَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، وَهِيَ بَيْدِ الْمُسْلِمِينَ، وَضَيَّقُوا عَلَيْهَا فَمَلَكُوهَا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْفَتْحِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغَزَالِيُّ، الْوَاعِظُ، وَهُوَ أَخُو
стр. 5233
الْإِمَامِ أَبِي حَامِدٍ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ ذَمَّهُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا: رِوَايَتُهُ فِي وَعْظِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُ يَقْدَحُ فِيهِ بِهَذَا، وَتَصَانِيفُهُ هُوَ وَوَعْظُهُ مَحْشُوٌّ بِهِ، مَمْلُوءَةٌ مِنْهُ، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَنَا مِنَ الْوَقِيعَةِ فِي النَّاسِ، ثُمَّ يَا لَيْتَ شِعْرِي أَمَا كَانَ لِلْغَزَالِيِّ حَسَنَةٌ تُذْكَرُ مَعَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْمَسَاوِئِ الَّتِي نَسَبَهَا إِلَيْهِ لِئَلَّا يُنْسَبَ إِلَى الْهَوَى وَالْغَرَضِ؟
стр. 5234
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ]
٥٢١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ
ذِكْرُ وِلَايَةِ الشَّهِيدِ أَتَابَكْ زَنْكِي شِحْنَكِيَّةَ الْعِرَاقِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، أَسْنَدَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ شِحْنَكِيَّةَ الْعِرَاقِ إِلَى عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي بْنِ آقَسُنْقَرَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ عِمَادَ الدِّينِ لَمَّا أُصْعِدَ مِنْ وَاسِطَ فِي التَّجَمُّلِ وَالْجَمْعِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَقَامَ فِي حِفْظِ وَاسِطَ وَالْبَصْرَةِ وَتِلْكَ النَّوَاحِي الْقِيَامَ الَّذِي عَجَزَ غَيْرُهُ عَنْهُ، عَظُمَ فِي صَدْرِ السُّلْطَانِ وَصُدُورِ أُمَرَائِهِ، فَلَمَّا عَزَمَ السُّلْطَانُ عَلَى الْمَسِيرِ عَنْ بَغْدَاذَ نَظَرَ فِيمَنْ يَصْلُحُ أَنْ يَلِيَ شِحْنَكِيَّةَ الْعِرَاقِ وَيَأْمَنُ مَعَهُ مِنَ الْخَلِيفَةِ، فَاعْتَبَرَ أُمَرَاءَهُ وَأَعْيَانَ دَوْلَتِهِ، فَلَمْ يَرَ فِيهِمْ مَنْ يَقُومُ فِي هَذَا الْأَمْرِ مَقَامَ عِمَادِ الدِّينِ، فَاسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ فَكُلٌّ أَشَارَ بِهِ وَقَالُوا:
لَا نَقْدِرُ عَلَى رَقْعِ هَذَا الْخَرْقِ، وَإِعَادَةِ نَامُوسِ هَذِهِ الْوِلَايَةِ، وَلَا تَقْوَى نَفْسُ أَحَدٍ عَلَى رُكُوبِ هَذَا الْخَطَرِ غَيْرُ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي.
فَوَافَقَ مَا عِنْدَهُ، فَأَسْنَدَ إِلَيْهِ الْوِلَايَةَ، وَفَوَّضَهَا [إِلَيْهِ] مُضَافَةً إِلَى مَا لَهُ مِنَ الْأَقْطَاعِ، وَسَارَ عَنْ بَغْدَاذَ وَقَدِ اطْمَأَنَّ قَلْبُهُ مِنْ جِهَةِ الْعِرَاقِ، فَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنَّ.
ذِكْرُ عَوْدِ السُّلْطَانِ عَنْ بَغْدَاذَ، وَوِزَارَةِ أَنُوشِرْوَانَ بْنِ خَالِدٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي عَاشِرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ، سَارَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ عَنْ بَغْدَاذَ، بَعْدَ
стр. 5235
تَقْرِيرِ الْقَوَاعِدِ بِهَا، وَلَمَّا عَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ حَمَلَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ الْخِلَعَ، وَالدَّوَابَّ الْكَثِيرَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ جَمِيعَهُ وَسَارَ.
وَلَمَّا أَبْعَدَ عَنْ بَغْدَاذَ قَبَضَ عَلَى وَزِيرِهِ أَبِي الْقَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ الْقَاسِمِ الْأَنْسَابَاذِيِّ فِي رَجَبٍ ; لِأَنَّهُ اتَّهَمَهُ بِمُمَالَأَةِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ لِقِيَامِهِ فِي أَمْرِهِ، وَإِتْمَامِ الصُّلْحِ مَقَامًا ظَهَرَ أَثَرُهُ، فَسَعَى بِهِ أَعْدَاؤُهُ، فَلَمَّا قَبَضَ عَلَيْهِ أَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَى بَغْدَاذَ فَأَحْضَرَ شَرَفَ الدِّينِ أَنُوشِرْوَانَ بْنَ خَالِدٍ، وَكَانَ مُقِيمًا بِهَا، فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ جَاءَتْهُ الْهَدَايَا مِنْ كُلِّ أَحَدٍ حَتَّى مِنَ الْخَلِيفَةِ، وَسَارَ عَنْ بَغْدَاذَ خَامِسَ شَعْبَانَ، فَوَصَلَ إِلَى السُّلْطَانِ، وَهُوَ بِأَصْبَهَانَ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ خِلَعَ الْوِزَارَةِ، وَبَقِيَ فِيهَا نَحْوَ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ اسْتَعْفَى مِنْهَا، وَعَزَلَ نَفْسَهُ، وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَأَمَّا الْوَزِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ فَإِنَّهُ بَقِيَ مَقْبُوضًا إِلَى أَنْ خَرَجَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ إِلَى الرَّيِّ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ، فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْحَبْسِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَأَعَادَهُ إِلَى وِزَارَةِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، وَهِيَ الْوِزَارَةُ الثَّانِيَةُ.
ذِكْرُ وَفَاةِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ الْبُرْسُقِيِّ، وَوِلَايَةِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي الْمَوْصِلَ وَأَعْمَالَهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ عِزُّ الدِّينِ مَسْعُودُ بْنُ الْبُرْسُقِيِّ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِمَدِينَةِ الرَّحْبَةِ، وَسَبَبُ مَسِيرِهِ إِلَيْهَا أَنَّهُ لَمَّا اسْتَقَامَتْ أُمُورُهُ فِي وِلَايَتِهِ، وَرَاسَلَ السُّلْطَانَ مَحْمُودًا، وَخَطَبَ لَهُ وِلَايَةَ مَا كَانَ أَبُوهُ يَتَوَلَّاهُ مِنَ الْمَوْصِلِ وَغَيْرِهَا، أَجَابَ السُّلْطَانَ إِلَى مَا طَلَبَ، فَرَتَّبَ الْأُمُورَ وَقَرَّرَهَا، فَكَثُرَ جُنْدُهُ، وَكَانَ شُجَاعًا شَهْمًا، فَطَمِعَ فِي التَّغَلُّبِ عَلَى بِلَادِ الشَّامِ، فَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ، وَسَارَ إِلَى الشَّامِ يُرِيدُ قَصْدَ دِمَشْقَ، فَابْتَدَأَ بِالرَّحَبَةِ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا وَنَازَلَهَا، وَقَامَ يُحَاصِرُهَا، فَأَخَذَهُ مَرَضٌ حَادٌّ وَهُوَ مُحَاصِرٌ لَهَا، فَتَسَلَّمَ الْقَلْعَةَ، وَمَاتَ بَعْدَ سَاعَةٍ، فَنَدِمَ مَنْ بِهَا عَلَى تَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ.
وَلَمَّا مَاتَ بَقِيَ مَطْرُوحًا عَلَى بِسَاطٍ لَمْ يُدْفَنْ، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ عَسَاكِرُهُ، وَنَهَبَ بَعْضُهُمْ
стр. 5236
بَعْضًا، فَشُغِلُوا عَنْهُ، ثُمَّ دُفِنَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَامَ بَعْدَهُ أَخٌ لَهُ صَغِيرٌ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ مَمْلُوكٌ لِلْبُرْسُقِيِّ يُعْرَفُ بِالْجَاوِلِيِّ، وَدَبَّرَ أَمْرَ الصَّبِيِّ، وَأَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ يَطْلُبُ أَنْ يُقَرِّرَ الْبِلَادَ عَلَى وَلَدِ الْبُرْسُقِيِّ، وَبَذَلَ الْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَ عَلَى ذَلِكَ.
وَكَانَ الرَّسُولَ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْقَاضِي بَهَاءُ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ الشَّهْرَزُورِيُّ، وَصَلَاحُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ أَمِيرُ حَاجِبِ الْبُرْسُقِيِّ، فَحَضَرَا دَرَكَاهَ السُّلْطَانَ لِيُخَاطِبَا فِي ذَلِكَ، وَكَانَا يَخَافَانِ جَاوِلِي، وَلَا يَرْضَيَانِ بِطَاعَتِهِ وَالتَّصَرُّفِ بِمَا يَحْكُمُ بِهِ، فَاجْتَمَعَ صَلَاحُ الدِّينِ، وَنَصِيرُ الدِّينِ جَقَرُ الَّذِي صَارَ نَائِبًا عَنْ أَتَابَكْ عِمَادِ الدِّينِ بِالْمَوْصِلِ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا مُصَاهَرَةٌ، وَذَكَرَ لَهُ صَلَاحُ الدِّينِ مَا وَرَدَ فِيهِ، وَأَفْشَى إِلَيْهِ سِرَّهُ، فَخَوَّفَهُ نَصِيرُ الدِّينِ مِنْ جَاوِلِي، وَقَبَّحَ عِنْدَهُ طَاعَتَهُ، وَقَرَّرَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا أَبْقَاهُ وَأَمْثَالَهُ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِمْ، وَمَتَى أُجِيبَ إِلَى مَطْلُوبِهِ لَا يُبْقِي عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ.
وَتَحَدَّثَ مَعَهُ فِي الْمُخَاطَبَةِ فِي وِلَايَةِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي، وَضَمِنَ لَهُ الْوِلَايَاتِ وَالْأَقْطَاعَ الْكَثِيرَةَ، وَكَذَلِكَ لِلْقَاضِي بَهَاءِ الدِّينِ الشَّهْرَزُورِيِّ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَحْضَرَهُ مَعَهُ عِنْدَ الْقَاضِي بَهَاءِ الدِّينِ، وَخَاطَبَاهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ، وَضَمِنَا لَهُ كُلَّ مَا أَرَادَهُ، فَوَافَقَهُمَا عَلَى مَا طَلَبَا، وَرَكِبَ هُوَ وَصَلَاحُ الدِّينِ إِلَى دَارِ الْوَزِيرِ، وَهُوَ حِينَئِذٍ شَرَفُ الدِّينِ أَنُوشِرْوَانَ بْنُ خَالِدٍ، وَقَالَا لَهُ:
قَدْ عَلِمْتَ أَنْتَ وَالسُّلْطَانُ أَنَّ دِيَارَ الْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ قَدْ تَمَكَّنَ الْفِرِنْجُ مِنْهَا، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ بِهَا، فَاسْتَوْلَوْا عَلَى أَكْثَرِهَا، وَقَدْ أَصْبَحَتْ وِلَايَتُهُمْ مِنْ حُدُودِ مَارِدِينَ إِلَى عَرِيشِ مِصْرَ، مَا عَدَا الْبِلَادَ الْبَاقِيَةَ بِيَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ كَانَ الْبُرْسُقِيُّ مَعَ شَجَاعَتِهِ وَتَجْرِيبِهِ وَانْقِيَادِ الْعَسَاكِرِ إِلَيْهِ، يَكُفُّ بَعْضَ عَادِيَتِهِمْ وَشَرِّهِمْ، فَمُذْ قُتِلَ ازْدَادَ طَمَعُهُمْ، وَهَذَا وَلَدُهُ طِفْلٌ صَغِيرٌ، وَلَا بُدَّ لِلْبِلَادِ مِنْ رَجُلٍ شَهْمٍ شُجَاعٍ، ذِي رَأْيٍ وَتَجْرِبَةٍ، يَذُبُّ عَنْهَا وَيَحْفَظُهَا وَيَحْمِي حَوْزَتَهَا، وَقَدْ أَنْهَيْنَا الْحَالَ لِئَلَّا يَجْرِيَ خَلَلٌ أَوْ وَهْنٌ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَيُخْتَصُّ اللَّوْمُ بِنَا، وَيُقَالُ: أَلَا أَنْهَيْتُمْ إِلَيْنَا جَلِيَّةَ الْحَالِ؟ .
فَرَفَعَ الْوَزِيرُ قَوْلَهُمَا إِلَى السُّلْطَانِ، فَاسْتَحْسَنَهُ، وَشَكَرَهُمَا عَلَيْهِ، وَأَحْضَرَهُمَا
стр. 5237
وَاسْتَشَارَهُمَا فِيمَنْ يَصْلُحُ لِلْوِلَايَةِ، فَذَكَرَا جَمَاعَةً، مِنْهُمْ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي، وَبَذَلَا عَنْهُ تَقَرُّبًا إِلَى خِزَانَةِ السُّلْطَانِ مَالًا جَلِيلًا، فَأَجَابَ السُّلْطَانُ إِلَى تَوْلِيَتِهِ، لِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ كِفَايَتِهِ لِمَا يَلِيهِ، فَأَحْضَرَهُ وَوَلَّاهُ الْبِلَادَ كُلَّهَا، وَكَتَبَ مَنْشُورَهُ بِهَا.
وَسَارَ فَبَدَأَ بِالْبَوَازِيجِ لِيَمْلِكَهَا وَيَتَقَوَّى بِهَا، وَيَجْعَلَهَا ظَهْرَهُ ; لِأَنَّهُ خَافَ مِنْ جَاوِلِي أَنَّهُ رُبَّمَا صَدَّهُ عَنِ الْبِلَادِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْبَوَازِيجَ سَارَ عَنْهَا إِلَى الْمَوْصِلِ.
فَلَمَّا سَمِعَ جَاوِلِي بِقُرْبِهِ مِنَ الْبَلَدِ خَرَجَ إِلَى تَلَقِّيهِ وَمَعَهُ جَمِيعُ الْعَسْكَرِ، فَلَمَّا رَآهُ جَاوِلِي نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ، وَقَبَّلَ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَادَ فِي خِدْمَتِهِ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَدَخَلَهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَقْطَعَ جَاوِلِي الرَّحْبَةَ وَسَيَّرَهُ إِلَيْهَا، وَأَقَامَ بِالْمَوْصِلِ يُصْلِحُ أُمُورَهَا، وَيُقَرِّرُ قَوَاعِدَهَا، فَوَلَّى نَصِيرَ الدِّينِ دَزْدَارِيَّةَ الْقَلْعَةِ بِالْمَوْصِلِ، وَجَعَلَ إِلَيْهِ سَائِرَ دَزْدَارِيَّةِ الْقِلَاعِ، وَجَعَلَ صَلَاحَ الدِّينِ مُحَمَّدًا أَمِيرَ حَاجِبٍ، وَبَهَاءَ الدِّينِ قَاضِيَ قُضَاةِ بِلَادِهِ جَمِيعِهَا، وَزَادَهُ أَمْلَاكًا، وَأَقْطَاعًا، وَاحْتِرَامًا، وَكَانَ لَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ.
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْرِ الْمَوْصِلِ سَارَ عَنْهَا إِلَى جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَبِهَا مَمَالِيكُ الْبُرْسُقِيِّ، فَامْتَنَعُوا عَنْهُ، فَحَصَرَهُمْ وَرَاسَلَهُمْ، وَبَذَلَ لَهُمُ الْبُذُولَ الْكَثِيرَةَ إِنْ سَلَّمُوا، فَلَمْ يُجِيبُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَجَدَّ فِي قِتَالِهِمْ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَلَدِ دِجْلَةُ، فَأَمَرَ النَّاسَ، فَأَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَاءِ لِيَعْبُرُوهُ إِلَى الْبَلَدِ، فَفَعَلُوا، وَعَبَرَ بَعْضُهُمْ سِبَاحَةً، وَبَعْضُهُمْ فِي السُّفُنِ، وَبَعْضُهُمْ فِي الْأَكْلَاكِ، وَتَكَاثَرُوا عَلَى أَهْلِ الْجَزِيرَةِ، وَكَانُوا قَدْ خَرَجُوا عَنِ الْبَلَدِ إِلَى أَرْضٍ بَيْنَ الْجَزِيرَةِ وَدِجْلَةَ تُعْرَفُ بِالزَّلَّاقَةِ، لِيَمْنَعُوا مَنْ يُرِيدُ عُبُورَ دِجْلَةَ، فَلَمَّا عَبَرَ الْعَسْكَرُ إِلَيْهِمْ قَاتَلُوهُمْ، وَمَانَعُوهُمْ، فَتَكَاثَرَ عَسْكَرُ عِمَادِ الدِّينِ عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ الْبَلَدِ، وَدَخَلُوهُ، وَتَحَصَّنُوا بِأَسْوَارِهِ، وَاسْتَوْلَى عِمَادُ الدِّينِ عَلَى الزَّلَّاقَةِ، فَلَمَّا رَأَى مَنْ بِالْبَلَدِ ذَلِكَ ضَعُفُوا، وَوَهَنُوا، وَأَيْقَنُوا أَنَّ الْبَلَدَ يُمْلَكُ سِلْمًا أَوْ عَنْوَةً، فَأَرْسَلُوا يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ هُوَ أَيْضًا مَعَ عَسْكَرِهِ بِالزَّلَّاقَةِ، فَسَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ، فَدَخَلَهُ هُوَ وَعَسْكَرُهُ.
ثُمَّ إِنَّ دِجْلَةَ زَادَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ زِيَادَةً عَظِيمَةً لَحِقَتْ سُورَ الْبَلَدِ، وَصَارَتِ الزَّلَّاقَةُ مَاءً، فَلَوْ أَقَامَ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَغَرِقَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ
стр. 5238
ذَلِكَ أَيْقَنُوا بِسَعَادَتِهِ، وَأَيْقَنُوا أَنَّ أَمْرًا هَذَا بِدَايَتُهُ لَعَظِيمٌ.
ثُمَّ سَارَ عَنِ الْجَزِيرَةِ إِلَى نَصِيبِينَ، وَكَانَتْ لِحُسَامِ الدِّينِ تَمْرُتَاشَ صَاحِبِ مَارِدِينَ، فَلَمَّا نَازَلَهَا سَارَ حُسَامُ الدِّينِ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ دَاوُدَ بْنِ سَقْمَانَ بْنِ أَرْتَقَ، وَهُوَ صَاحِبُ حِصْنِ كِيفَا وَغَيْرِهَا، فَاسْتَنْجَدَهُ عَلَى أَتَابَكْ زَنْكِي، فَوَعَدَ النَّجْدَةَ بِنَفْسِهِ، وَجَمَعَ عَسْكَرَهُ، وَعَادَ تَمْرُتَاشُ إِلَى مَارِدِينَ، وَأَرْسَلَ رِقَاعًا عَلَى أَجْنِحَةِ الطُّيُورِ إِلَى نَصِيبِينَ يَعْرِفُ مَنْ بِهَا مِنَ الْعَسْكَرِ أَنَّهُ وَابْنَ عَمِّهِ سَائِرَانِ فِي الْعَسْكَرِ الْكَثِيرِ إِلَيْهِمْ، وَإِزَاحَةِ عِمَادِ الدِّينِ عَنْهُمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِحِفْظِ الْبَلَدِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ.
فَبَيْنَمَا أَتَالِكُ فِي خَيْمَتِهِ إِذْ سَقَطَ طَائِرٌ عَلَى خَيْمَةٍ تُقَابِلُهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَصِيدَ، فَرَأَى فِيهِ رُقْعَةً، فَقَرَأَهَا، وَعَرَفَ مَا فِيهَا، فَأَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ غَيْرَهَا، يَقُولُ فِيهَا:
إِنَّنِي قَصَدْتُ ابْنَ عَمِّي رُكْنَ الدَّوْلَةِ، وَقَدْ وَعَدَنِي النُّصْرَةَ وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ، وَمَا يَتَأَخَّرُ عَنِ الْوُصُولِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ يَوْمًا، وَيَأْمُرُهُمْ بِحِفْظِ الْبَلَدِ هَذِهِ الْمُدَّةَ إِلَى أَنْ يَصِلُوا، وَجَعَلَهَا فِي الطَّائِرِ وَأَرْسَلَهُ، فَدَخَلَ نَصِيبِينَ، فَلَمَّا وَقَفَ مَنْ بِهَا عَلَى الرُّقْعَةِ سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَحْفَظُوا الْبَلَدَ هَذِهِ الْمُدَّةَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى الشَّهِيدِ وَصَالَحُوهُ، وَسَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ، فَبَطَلَ عَلَى تَمْرُتَاشَ وَدَاوُدَ مَا كَانَا عَزَمَا عَلَيْهِ، وَهَذَا مِنْ غَرِيبِ مَا يُسْمَعُ.
فَلَمَّا مَلَكَ نَصِيبِينَ سَارَ عَنْهَا إِلَى سِنْجَارَ، فَامْتَنَعَ مَنْ بِهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ صَالَحُوهُ، وَسَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ، وَسَيَّرَ مِنْهَا الشِّحَنَ إِلَى الْخَابُورِ، فَمَلَكَهُ جَمِيعَهُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى حَرَّانَ وَهِيَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتِ الرُّهَا وَسَرُوجُ وَالْبِيرَةُ وَتِلْكَ النَّوَاحِي جَمِيعُهَا لِلْفِرِنْجِ، وَأَهْلُ حَرَّانَ مَعَهُمْ فِي ضُرٍّ عَظِيمٍ، وَضِيقٍ شَدِيدٍ ; لِخُلُوِّ الْبِلَادِ مِنْ حَامٍ يَذُبُّ عَنْهَا، وَسُلْطَانٍ يَمْنَعُهَا، فَلَمَّا قَارَبَ حَرَّانَ خَرَجَ أَهْلُ الْبَلَدِ وَأَطَاعُوهُ، وَسَلَّمُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا مَلَكَهَا أَرْسَلَ إِلَى جُوسْلِينْ صَاحِبِ الرُّهَا وَتِلْكِ الْبِلَادِ، وَرَاسَلَهُ وَهَادَنَهُ مُدَّةً يَسِيرَةً، وَكَانَ غَرَضُهُ أَنْ يَتَفَرَّغَ لِإِصْلَاحِ الْبِلَادِ، وَتَجْنِيدِ الْأَجْنَادِ، وَكَانَ أَهَمُّ الْأُمُورِ إِلَيْهِ أَنْ يَعْبُرَ الْفُرَاتَ إِلَى الشَّامِ، وَيَمْلِكَ مَدِينَةَ حَلَبَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ، فَاسْتَقَرَّ الصُّلْحُ بَيْنَهُمْ، وَأَمِنَ النَّاسُ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مُلْكَ حَلَبَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
стр. 5239
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ مُعِينُ الْمَلِكِ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ، وَزِيرُ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، قَتَلَتْهُ الْبَاطِنِيَّةُ، وَكَانَ لَهُ فِي قِتَالِهِمْ آثَارٌ حَسَنَةٌ، وَنِيَّةٌ صَالِحَةٌ، فَرَزَقَهُ اللَّهُ الشَّهَادَةَ.
وَفِيهَا وَلَّى السُّلْطَانُ شِحْنَكِيَّةَ بَغْدَاذَ مُجَاهِدَ الدِّينِ بَهْرُوزَ لَمَّا سَارَ أَتَابَكْ زَنْكِي إِلَى الْمَوْصِلِ.
وَفِيهَا رُتِّبَ الْحَسَنُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي تَدْرِيسِ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَاذَ.
وَفِيهَا أَوْقَعَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ بِالْبَاطِنِيَّةِ فِي أَلَمُوتَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، قِيلَ: كَانُوا يَزِيدُونَ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ نَفْسٍ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَتُوُفِّيَ هَذِهِ السَّنَةَ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ أَبُو الْحَسَنِ الْمُقْرِئُ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْفَاعُوسِ، الْحَنْبَلِيُّ، بِبَغْدَاذَ، فِي شَوَّالٍ، وَكَانَ صَالِحًا.
وَفِي شَوَّالٍ تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْفَضْلِ الْهَمَذَانِيُّ الْفَرَضِيُّ، صَاحِبُ " التَّارِيخِ ".
стр. 5240
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ]
(٥٢٢)
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ
ذِكْرُ مُلْكٍ أَتَابَكْ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي مَدِينَةَ حَلَبَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَوَّلَ مُحَرَّمٍ، مَلَكَ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي بْنُ آقَسُنْقَرَ مَدِينَةَ حَلَبَ وَقَلْعَتَهَا، وَنَحْنُ نَذْكُرُ كَيْفَ كَانَ سَبَبُ مُلْكِهَا، فَنَقُولُ:
قَدْ ذَكَرْنَا مُلْكَ الْبُرْسُقِيِّ لِمَدِينَةِ حَلَبَ، وَقَلْعَتِهَا سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ [وَخَمْسِمَائَةٍ] وَاسْتِخْلَافَهُ بِهَا ابْنَهُ مَسْعُودًا، وَلَمَّا قُتِلَ الْبُرْسُقِيُّ سَارَ مَسْعُودٌ عَنْهَا إِلَى الْمَوْصِلِ وَمَلَكَهَا، وَاسْتَنَابَ بِحَلَبَ أَمِيرًا اسْمُهُ قُومَانُ، ثُمَّ إِنَّهُ وَلَّى عَلَيْهَا أَمِيرًا اسْمُهُ قُتْلُغْ أَبَهْ، وَسَيَّرَهُ بِتَوْقِيعٍ إِلَى قُومَانَ لِتَسْلِيمِهَا، فَقَالَ:
بَيْنِي وَبَيْنَ عِزِّ الدِّينِ عَلَامَةٌ لَمْ أَرَهَا وَلَا أُسَلِّمْ إِلَّا بِهَا، وَكَانَتِ الْعَلَامَةُ بَيْنَهُمَا صُورَةَ غَزَالٍ، وَكَانَ مَسْعُودُ بْنُ الْبُرْسُقِيِّ حَسَنَ التَّصْوِيرِ، فَعَادَ قُتْلُغْ أَبَهْ إِلَى مَسْعُودٍ وَهُوَ يُحَاصِرُ الرَّحْبَةَ فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ، فَعَادَ إِلَى حَلَبَ مُسْرِعًا.
وَعَرَفَ النَّاسُ مَوْتَهُ، فَسَلَّمَ الرَّئِيسُ فَضَائِلُ بْنُ بَدِيعٍ الْبَلَدَ، وَأَطَاعَهُ الْمُقَدِّمُونَ بِهِ، وَاسْتَنْزَلُوا قُومَانَ مِنَ الْقَلْعَةِ بَعْدَ أَنْ صَحَّ عِنْدَهُ وَفَاةُ صَاحِبِهِ مَسْعُودٍ، وَأَعْطَوْهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَتَسَلَّمَ قُتْلُغُ الْقَلْعَةَ فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ [وَخَمْسِمَائَةٍ] ، فَظَهَرَ مِنْهُ بَعْدَ أَيَّامٍ جَوْرٌ شَدِيدٌ، وَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وَمَدَّ يَدَهُ إِلَى أَمْوَالِ النَّاسِ لَا سِيَّمَا التَّرِكَاتِ فَإِنَّهُ أَخَذَهَا، وَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ الْأَشْرَارُ، فَنَفَرَتْ قُلُوبُ النَّاسِ مِنْهُ.
وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ بَدْرُ الدَّوْلَةِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ أُرْتُقَ الَّذِي كَانَ قَدِيمًا صَاحِبَهَا، فَأَطَاعَهُ أَهْلُهَا، وَقَامُوا لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ ثَانِيَ شَوَّالٍ فَقَبَضُوا عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ بِالْبَلَدِ
стр. 5241
مِنْ أَصْحَابِ قُتْلُغْ أَبَهْ، وَكَانَ أَكْثَرُهُمْ يَشْرَبُونَ فِي الْبَلَدِ صُبْحَةَ الْعِيدِ، وَزَحَفُوا إِلَى الْقَلْعَةِ، فَتَحَصَّنَ قُتْلُغْ أَبَهْ فِيهَا بِمَنْ مَعَهُ، فَحَصَرُوهُ، وَوَصَلَ إِلَى حَلَبَ حَسَّانُ صَاحِبُ مَنْبَجَ وَحَسَنُ صَاحِبُ بُزَاعَةَ ; لِإِصْلَاحِ الْأَمْرِ فَلَمْ يَنْصَلِحْ.
وَسَمِعَ الْفِرِنْجُ بِذَلِكَ، فَتَقَدَّمَ جُوسْلِينْ بِعَسْكَرِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَصُونِعَ بِمَالٍ، فَعَادَ عَنْهَا، ثُمَّ وَصَلَ بَعْدَهُ صَاحِبُ أَنْطَاكِيَّةَ فِي جَمْعٍ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَخَنْدَقَ الْحَلَبِيُّونَ حَوْلَ الْقَلْعَةِ، فَمُنِعَ الدَّاخِلُ وَالْخَارِجُ إِلَيْهَا مِنْ ظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَأَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى الْخَطَرِ الْعَظِيمِ إِلَى مُنْتَصَفِ ذِي الْحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ.
وَكَانَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْصِلَ وَالْجَزِيرَةَ، فَسَيَّرَ إِلَى حَلَبَ الْأَمِيرَ سُنْقُرَ دِرَازْ، وَالْأَمِيرَ حَسَنْ قَرَاقُوشْ، وَهُمَا مِنْ أَكَابِرَ أُمَرَاءَ الْبُرْسُقِيِّ، وَقَدْ صَارُوا مَعَهُ فِي عَسْكَرٍ قَوِيٍّ، وَمَعَهُ التَّوْقِيعُ مِنَ السُّلْطَانِ بِالْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ، فَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ أَنْ يَسِيرَ بَدْرُ الدَّوْلَةِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ وَقُتْلُغْ أَبَهْ إِلَى الْمَوْصِلِ إِلَى عِمَادِ الدِّينِ، فَسَارُوا إِلَيْهِ، وَأَقَامَ حَسَنْ قَرَاقُوشْ بِحَلَبَ وَالِيًا عَلَيْهَا وِلَايَةً مُسْتَعَارَةً، فَلَمَّا وَصَلَ بَدْرُ الدَّوْلَةِ وَقُتْلُغْ أَبَهْ إِلَى عِمَادِ الدِّينِ أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَرُدَّ وَاحِدًا مِنْهُمَا إِلَى حَلَبَ، وَسَيَّرَ حَاجِبَهُ صَلَاحَ الدِّينِ مُحَمَّدًا الْيَاغِسْيَانِيَّ إِلَيْهَا فِي عَسْكَرٍ، فَصَعِدَ إِلَى الْقَلْعَةِ، وَرَتَّبَ الْأُمُورَ، وَجَعَلَ فِيهَا وَالِيًا.
وَسَارَ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي إِلَى الشَّامِ فِي جُيُوشِهِ وَعَسَاكِرِهِ، فَمَلَكَ فِي طَرِيقِهِ مَدِينَةَ مَنْبِجَ وَبُزَاعَةَ، وَخَرَجَ أَهْلُ حَلَبَ إِلَيْهِ، فَالْتَقَوْهُ، وَاسْتَبْشَرُوا بِقُدُومِهِ، وَدَخَلَ الْبَلَدَ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ، وَرَتَّبَ أُمُورَهُ، وَأَقْطَعُ أَعْمَالَهُ الْأَجْنَادَ وَالْأُمَرَاءَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الَّذِي أَرَادَهُ قَبَضَ عَلَى قُتْلُغْ أَبَهْ، وَسَلَّمَهُ إِلَى ابْنِ بَدِيعٍ، فَكَحَلَهُ بِدَارِهِ بِحَلَبَ، فَمَاتَ قُتْلُغْ أَبَهْ، وَاسْتَوْحَشَ ابْنُ بَدِيعٍ، فَهَرَبَ إِلَى قَلْعَةِ جَعْبَرَ، وَاسْتَجَارَ بِصَاحِبِهَا فَأَجَارَهُ.
وَجَعَلَ عِمَادُ الدِّينِ فِي رِئَاسَةِ حَلَبَ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِمُلْكِ أَتَابِكْ بِبِلَادِ الشَّامِ، (لَمَلَكَهَا الْفِرِنْجُ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَحْصُرُونَ بَعْضَ الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ، وَإِذَا) عَلِمَ ظَهِيرُ الدِّينِ طُغْتِكِينْ بِذَلِكَ جَمَعَ عَسَاكِرَهُ، وَقَصَدَ بِلَادَهُمْ وَحَصَرَهَا، وَأَغَارَ عَلَيْهَا، فَيَضْطَرُّ الْفِرِنْجُ إِلَى الرَّحِيلِ لِدَفْعِهِ عَنْ بِلَادِهِمْ، فَقَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ تُوُفِّيَ هَذِهِ السَّنَةَ، فَخَلَا لَهُمُ الشَّامُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ مِنْ رَجُلٍ يَقُومُ
стр. 5242
بِنُصْرَةِ أَهْلِهِ، فَلَطَفَ اللَّهُ بِالْمُسْلِمِينَ بِوِلَايَةِ عِمَادِ الدِّينِ، فَفَعَلَ بِالْفِرِنْجِ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ قُدُومِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ إِلَى الرَّيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى الرَّيِّ فِي جَيْشٍ كَبِيرٍ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ دُبَيْسَ بْنَ صَدَقَةَ لَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ هُوَ وَالْمَلِكُ طُغْرُلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، لَمْ يَزَلْ يُطْمِعُهُ فِي الْعِرَاقِ، وَيُسَهِّلُ عَلَيْهِ قَصْدَهُ، وَيُلْقِي فِي نَفْسِهِ أَنَّ الْمُسْتَرْشِدَ بِاللَّهِ وَالسُّلْطَانَ مَحْمُودًا مُتَّفِقَانِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَجَابَهُ إِلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَلَمَّا سَارُوا وَصَلَ إِلَى الرَّيِّ، وَكَانَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ بِهَمَذَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ لِيَنْظُرَ هَلْ هُوَ عَلَى طَاعَتِهِ أَمْ قَدْ تَغَيَّرَ عَلَى مَا زَعَمَ دُبَيْسٌ، فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ بَادَرَ إِلَى الْمَسِيرِ إِلَى عَمِّهِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ أَمَرَ الْعَسْكَرَ جَمِيعَهُ بِلِقَائِهِ، وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى التَّخْتِ، وَبَالَغَ فِي إِكْرَامِهِ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ إِلَى مُنْتَصَفِ ذِي الْحِجَّةِ، ثُمَّ عَادَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ إِلَى خُرَاسَانَ، وَسَلَّمَ دُبَيْسًا إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، وَوَصَّاهُ بِإِكْرَامِهِ وَإِعَادَتِهِ إِلَى بَلَدِهِ، وَرَجَعَ مَحْمُودٌ إِلَى هَمَذَانَ وَدُبَيْسٌ مَعَهُ، ثُمَّ سَارَا إِلَى الْعِرَاقِ، فَلَمَّا قَارَبَا بَغْدَاذَ خَرَجَ الْوَزِيرُ إِلَى لِقَائِهِ، وَكَانَ قُدُومُهُ تَاسِعَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ [وَخَمْسِمَائَةٍ] .
وَكَانَ الْوَزِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْسَابَاذِيُّ قَدْ قَبَضَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ عَلَيْهِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ بِالسُّلْطَانِ سَنْجَرَ أَمَرَ بِإِطْلَاقِهِ فَأَطْلَقَهُ، وَقَرَّرَهُ سَنْجَرُ فِي وِزَارَةِ ابْنَتِهِ الَّتِي زَوَّجَهَا بِالسُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، فَلَمَّا وَصَلَ مَعَهُ إِلَى بَغْدَاذَ أَعَادَهُ مَحْمُودٌ إِلَى وِزَارَتِهِ فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَهِيَ وِزَارَتُهُ الثَّانِيَةُ.
ذِكْرُ عِدَّةَ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَامِنَ صَفَرٍ تُوُفِّيَ أَتَابَكْ طُغْتِكِينْ صَاحِبُ دِمَشْقَ، وَهُوَ مَمْلُوكُ
стр. 5243
الْمَلِكِ تُتُشِ بْنِ أَلْبْ أَرْسِلَانْ، وَكَانَ عَاقِلًا خَيَّرَا، كَثِيرَ الْغَزَوَاتِ وَالْجِهَادِ لِلْفِرِنْجِ، حَسَنَ السِّيرَةِ فِي رَعِيَّتِهِ، مُؤْثِرًا لِلْعَدْلِ فِيهِمْ، وَكَانَ لَقَبُهُ ظَهِيرَ الدِّينِ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ تَاجُ الْمُلُوكِ بُورِي وَهُوَ أَكْبَرُ أَوْلَادِهِ، بِوَصِيَّةٍ مِنْ وَالِدِهِ لَهُ بِالْمُلْكِ، وَأَقَرَّ وَزِيرُ أَبِيهِ أَبُو عَلِيٍّ طَاهِرُ بْنُ سَعْدٍ الْمَزْدُقَانِيُّ عَلَى وِزَارَتِهِ.
وَفِيهَا فِي مُسْتَهَلِّ رَجَبٍ، تُوُفِّيَ الْوَزِيرُ جَلَالُ الدِّينِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ صَدَقَةَ وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، جَمِيلَ الطَّرِيقَةِ، مُتَوَاضِعًا، مُحِبًّا لِأَهْلِ الْعِلْمِ، مُكْرِمًا لَهُمْ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْهُ فِي مَدْحِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ:
وَجَدْتُ الْوَرَى كَالْمَاءِ طَعْمًا وَرِقَّةً ... وَأَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ زُلَالُهُ
وَصَوَّرْتُ مَعْنَى الْعَقْلِ شَخْصًا مُصَوَّرًا ... وَأَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِثَالُهُ
وَلَوْلَا طَرِيقُ الدِّينِ وَالشَّرْعِ وَالتُّقَى ... لَقُلْتُ مِنَ الْإِعْظَامِ ﷻ
وَأُقِيمَ فِي النِّيَابَةِ بَعْدَهُ شَرَفُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ طِرَادٍ الزَّيْنَبِيُّ، ثُمَّ جُعِلَ وَزِيرًا، وَخُلِعَ عَلَيْهِ آخِرَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ [وَخَمْسِمَائَةٍ] ، وَلَمْ يَزِرْ لِلْخُلَفَاءِ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ هَاشِمِيٌّ غَيْرُهُ.
وَفِيهَا هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ اسْوَدَّتْ لَهَا الْآفَاقُ، وَجَاءَتْ بِتُرَابٍ أَحْمَرَ يُشْبِهُ الرَّمْلَ، وَظَهَرَ فِي السَّمَاءِ أَعْمِدَةٌ كَأَنَّهَا نَارٌ، فَخَافَ النَّاسُ وَعَدَلُوا إِلَى الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ، فَانْكَشَفَ عَنْهُمْ مَا يَخَافُونَهُ.
стр. 5244
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ]
(٥٢٣)
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ
ذِكْرُ قُدُومِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ إِلَى بَغْدَاذَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ بَغْدَاذَ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنْ عِنْدِ عَمِّهِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، لِيُصْلِحَ حَالَهُ مَعَ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ، فَتَأَخَّرَ دُبَيْسٌ عَنِ السُّلْطَانِ، ثُمَّ دَخَلَ بَغْدَاذَ، وَنَزَلَ بِدَارِ السُّلْطَانِ، وَاسْتَرْضَى عَنْهُ الْخَلِيفَةَ، فَامْتَنَعَ الْخَلِيفَةُ مِنَ الْإِجَابَةِ إِلَى أَنْ يُوَلَّى دُبَيْسٌ شَيْئًا مِنِ الْبِلَادِ، وَبَذَلَ لَهُ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ لِذَلِكَ.
وَعَلِمَ أَتَابَكْ زَنْكِي أَنَّ السُّلْطَانَ يُرِيدُ أَنْ يُوَلِّيَ دُبَيْسًا الْمَوْصِلَ، فَبَذَلَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَحَضَرَ بِنَفْسِهِ إِلَى خِدْمَةِ السُّلْطَانِ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ إِلَّا وَهُوَ عِنْدَ السِّتْرِ، وَحَمَلَ مَعَهُ الْهَدَايَا الْجَلِيلَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَ السُّلْطَانِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَأَعَادَهُ إِلَى الْمَوْصِلِ.
وَخَرَجَ السُّلْطَانُ يَتَصَيَّدُ، فَعَمِلَ لَهُ شَيْخٌ الْمَزْرَفَةِ دَعْوَةً عَظِيمَةً امْتَارَ مِنْهَا جَمِيعُ عَسْكَرِ السُّلْطَانِ، وَأَدْخَلَهُ إِلَى حَمَّامٍ فِي دَارِهِ، وَجَعَلَ فِيهِ عِوَضَ الْمَاءِ مَاءَ الْوَرْدِ، فَأَقَامَ السُّلْطَانُ إِلَى رُبْعِ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَسَارَ عَنْهَا إِلَى هَمَذَانَ، وَجَعَلَ بَهْرُوزَ عَلَى شِحْنَكِيَّةِ بَغْدَاذَ، وَسُلِّمَتْ إِلَيْهِ الْحِلَّةُ أَيْضًا.
стр. 5245
ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ دُبَيْسٌ بِالْعِرَاقِ وَعَوْدَ السُّلْطَانِ إِلَى بَغْدَاذَ
لَمَّا رَحَلَ السُّلْطَانُ إِلَى هَمَذَانَ مَاتَتْ زَوْجَتُهُ، وَهِيَ ابْنَةُ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُعْنَى بِأَمْرِ دُبَيْسٍ وَتُدَافُعُ عَنْهُ، فَلَمَّا مَاتَتِ انْحَلَّ أَمْرُ دُبَيْسٍ.
ثُمَّ إِنَّ السُّلْطَانَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا، فَأَخَذَ دُبَيْسٌ ابْنًا لَهُ صَغِيرًا وَقَصَدَ الْعِرَاقَ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ بِذَلِكَ جَنَّدَ الْأَجْنَادَ وَحَشَدَ، وَكَانَ بَهْرُوزُ بِالْحِلَّةِ، فَهَرَبَ مِنْهَا، فَدَخَلَهَا دُبَيْسٌ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَلَمَّا سَمِعَ السُّلْطَانُ الْخَبَرَ عَنْ دُبَيْسٍ أَحْضَرَ الْأَمِيرَيْنِ قَزَلَ وَالْأَحْمَدِيلِيَّ، وَقَالَ: أَنْتُمَا ضَمِنْتُمَا دُبَيْسًا مِنِّي، وَأُرِيدُهُ مِنْكُمَا. فَسَارَ الْأَحْمَدِيلِيُّ إِلَى الْعِرَاقِ إِلَى دُبَيْسٍ، لِيَكُفَّ شَرَّهُ عَنِ الْبِلَادِ، وَيُحْضِرَهُ إِلَى السُّلْطَانِ، فَلَمَّا سَمِعَ دُبَيْسٌ الْخَبَرَ أَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَسْتَعْطِفُهُ، وَيَقُولُ: إِنْ رَضِيتَ عَنِّي فَأَنَا أَرُدُّ أَضْعَافَ مَا أَخَذْتُ، وَأَكُونُ الْعَبْدَ الْمَمْلُوكَ، فَتَرَدَّدَ الرُّسُلُ وَدُبَيْسٌ يَجَمْعُ الْأَمْوَالَ وَالرِّجَالِ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ عَشَرَةُ آلَافِ فَارِسٍ، وَكَانَ قَدْ وَصَلَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ، وَوَصَلَ الْأَحْمَدِيلِيُّ بَغْدَاذَ فِي شَوَّالٍ، وَسَارَ فِي أَثَرٍ دُبَيْسٍ.
ثُمَّ إِنَّ السُّلْطَانَ سَارَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَلَمَّا سَمِعَ دُبَيْسٌ بِذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ هَدَايَا جَلِيلَةَ الْمِقْدَارِ، وَبَذَلَ ثَلَاثَمِائَةِ حِصَانٍ مُنَعَّلَةً بِالذَّهَبِ، وَمِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ ; لِيَرْضَى عَنْهُ السُّلْطَانُ وَالْخَلِيفَةُ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، وَوَصَلَ السُّلْطَانُ إِلَى بَغْدَاذَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَلَقِيَهُ الْوَزِيرُ الزَّيْنَبِيُّ وَأَرْبَابُ الْمَنَاصِبِ، فَلَمَّا تَيَقَّنَ دُبَيْسٌ وُصُولَهُ رَحَلَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، وَقَصَدَ الْبَصْرَةَ، وَأَخَذَ مِنْهَا أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَمَا لِلْخَلِيفَةِ وَالسُّلْطَانِ هُنَاكَ مِنَ الدَّخْلِ، فَسَيَّرَ السُّلْطَانُ إِثْرَهُ عَشَرَةَ آلَافِ فَارِسٍ، فَفَارَقَ الْبَصْرَةَ وَدَخَلَ الْبَرِّيَّةَ.
ذِكْرُ قَتْلِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ بِدِمَشْقَ
قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ قَتْلَ إِبْرَاهِيمَ الْأَسْدَابَاذِيِّ بِبَغْدَاذَ، وَهَرَبَ ابْنِ أُخْتِهِ بَهْرَامَ إِلَى الشَّامِ، وَمُلْكَهُ قَلْعَةَ بَانِيَاسَ، وَمَسِيرَهُ إِلَيْهَا، وَلَمَّا فَارَقَ دِمَشْقَ أَقَامَ لَهُ بِهَا خَلِيفَةً يَدْعُو النَّاسَ إِلَى مَذْهَبِهِ، فَكَثُرُوا وَانْتَشَرُوا، وَمَلَكَ هُوَ عِدَّةَ حُصُونٍ مِنِ الْجِبَالِ مِنْهَا الْقَدْمُوسُ
стр. 5246
وَغَيْرُهُ، وَكَانَ بِوَادِي التَّيْمِ مِنْ أَعْمَالِ بَعْلَبَكَّ أَصْحَابُ مَذَاهِبٍ مُخْتَلِفَةٍ مَنِ النَّصِيرِيَّةِ، وَالدُّرْزِيَّةِ وَالْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَمِيرُهُمُ اسْمُهُ الضَّحَّاكُ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ بَهْرَامُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ [وَخَمْسِمَائَةٍ] ، وَحَصَرَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الضَّحَّاكُ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، وَكَبَسَ عَسْكَرَ بَهْرَامَ فَوَضَعَ السَّيْفَ فِيهِمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً كَثِيرَةً، وَقُتِلَ بَهْرَامُ، وَانْهَزَمَ مَنْ سَلِمَ، وَعَادُوا إِلَى بَانِيَاسَ عَلَى أَقْبَحِ صُورَةٍ.
وَكَانَ بَهْرَامُ قَدِ اسْتَخْلَفَ فِي بَانِيَاسَ رَجُلًا مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِهِ اسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ، فَقَامَ مَقَامَهُ، وَجَمَعَ شَمْلَ مَنْ عَادَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ، وَبَثَّ دُعَاتَهُ فِي الْبِلَادِ، وَعَاضَدَهُ الْمَزْدُقَانِيُّ أَيْضًا، وَقَوَّى نَفْسَهُ عَلَى مَا عِنْدَهُ مِنَ الِامْتِعَاضِ بِهَذِهِ الْحَادِثَةِ وَالْهَمِّ بِسَبَبِهَا.
ثُمَّ إِنَّ الْمَزْدُقَانِيَّ أَقَامَ بِدِمَشْقَ عِوَضَ بَهْرَامَ إِنْسَانًا اسْمُهُ أَبُو الْوَفَاءِ، فَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَعَلَا شَأْنُهُ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، وَقَامَ بِدِمَشْقَ، فَصَارَ الْمُسْتَوْلِي عَلَى مَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَحُكْمُهُ أَكْثَرَ مِنْ حُكْمِ صَاحِبِهَا تَاجِ الْمُلُوكِ. ثُمَّ إِنَّ الْمَزْدُقَانِيَّ رَاسَلَ الْفِرِنْجَ لِيُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ مَدِينَةَ دِمَشْقَ، وَيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ مَدِينَةً صُورَ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ بَيْنَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَتَقَرَّرَ بَيْنَهُمُ الْمِيعَادُ يَوْمَ جُمُعَةٍ ذَكَرُوهُ، وَقَرَّرَ الْمَزْدُقَانِيُّ مَعَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةَ أَنْ يَحْتَاطُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ (بِأَبْوَابِ الْجَامِعِ، فَلَا يُمَكِّنُوا أَحَدًا مِنَ الْخُرُوجِ) مِنْهُ ;لِيَجِيءَ الْفِرِنْجُ وَيَمْلِكُوا الْبِلَادَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ تَاجَ الْمُلُوكِ صَاحِبَ دِمَشْقَ، فَاسْتَدْعَى الْمَزْدُقَانِيَّ إِلَيْهِ فَحَضَرَ وَخَلَا مَعَهُ، فَقَتَلَهُ تَاجُ الْمُلُوكِ، وَعَلَّقَ رَأَّسَهُ عَلَى بَابِ الْقَلْعَةِ، وَنَادَى فِي الْبَلَدِ بِقَتْلِ الْبَاطِنِيَّةِ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ سِتَّةُ آلَافِ نَفْسٍ، وَكَانَ ذَلِكَ مُنْتَصَفَ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُمْ، وَرَدَّ عَلَى الْكَافِرِينَ كَيْدَهُمْ.
وَلَمَّا تَمَّتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ بِدِمَشْقَ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيَّةَ خَافَ إِسْمَاعِيلُ وَالِي بَانِيَاسَ أَنْ يَثُورَ بِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ النَّاسُ فَيَهْلَكُوا، فَرَاسَلَ الْفِرِنْجَ، وَبَذَلَ لَهُمْ تَسْلِيمَ بَانِيَاسَ إِلَيْهِمْ وَالِانْتِقَالَ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَأَجَابُوهُ، فَسَلَّمَ الْقَلْعَةَ إِلَيْهِمْ، وَانْتَقَلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَلَقُوا شِدَّةً وَذِلَّةً وَهَوَانًا، وَتُوُفِّيَ إِسْمَاعِيلُ أَوَائِلَ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ [وَخَمْسِمَائَةٍ] ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ شَرَّهُمْ.
стр. 5247
ذِكْرُ حَصْرِ الْفِرِنْجِ دِمَشْقَ وَانْهِزَامِهِمْ
لَمَّا بَلَغَ الْفِرِنْجَ قَتْلُ الْمَزْدُقَانِيِّ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ بِدِمَشْقَ عَظُمَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَتَأَسَّفُوا عَلَى دِمَشْقَ حَيْثُ لَمْ يَتِمْ لَهُمْ مُلْكُهَا، وَعَمَّتْهُمُ الْمُصِيبَةُ، فَاجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ: صَاحِبُ الْقُدْسِ، وَصَاحِبُ أَنْطَاكِيَّةَ، وَصَاحِبُ طَرَابُلُسَ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْفِرِنْجِ وَقَمَامِصَتُهُمْ، وَمَنْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ فِي الْبَحْرِ لِلتِّجَارَةِ وَالزِّيَارَةِ، فَاجْتَمَعُوا فِي خَلْقٍ عَظِيمٍ نَحْوَ أَلْفَيْ فَارِسٍ، وَأَمَّا الرَّاجِلُ فَلَا يُحْصَى، وَسَارُوا إِلَى دِمَشْقَ لِيَحْصُرُوهَا.
وَلَمَّا سَمِعَ تَاجُ الْمُلُوكِ بِذَلِكَ جَمَعَ الْعَرَبَ، وَالتُّرْكُمَانَ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُمْ ثَمَانِيَةُ آلَافِ فَارِسٍ، وَوَصَلَ الْفِرِنْجُ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَنَازَلُوا الْبَلَدَ، وَأَرْسَلُوا إِلَى أَعْمَالِ دِمَشْقَ لِجَمْعِ الْمِيرَةِ وَالْإِغَارَةِ عَلَى الْبِلَادِ، فَلَمَّا سَمِعَ تَاجُ الْمُلُوكِ أَنَّ جَمْعًا كَثِيرًا قَدْ سَارُوا إِلَى حَوْرَانَ لِنَهْبِهِ وَإِحْضَارِ الْمِيرَةِ، سَيَّرَ أَمِيرًا مِنْ أُمَرَائِهِ يُعْرَفُ بِشَمْسِ الْخَوَاصِّ فِي جَمْعٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ خُرُوجُهُمْ فِي لَيْلَةٍ شَاتِيَةٍ كَثِيرَةِ الْمَطَرِ، وَلَقُوا الْفِرِنْجَ مِنَ الْغَدِ، فَوَاقَعُوهُمْ وَاقْتَتَلُوا، وَصَبَرَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، فَظَفِرَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ وَقَتَلُوهُمْ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ غَيْرُ مُقَدِّمِهِمْ وَمَعَهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، وَأَخَذُوا مَا مَعَهُمْ وَهِيَ عَشَرَةُ آلَافِ دَابَّةٍ مُوقِرَةٍ وَثَلَاثَمِائَةِ أَسِيرٍ، وَعَادُوا إِلَى دِمَشْقَ لَمْ يَمْسَسْهُمْ قَرْحٌ.
فَلَمَّا عَلِمَ مَنْ عَلَيْهَا مِنَ الْفِرِنْجِ ذَلِكَ أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَرَحَلُوا عَنْهَا شِبْهَ الْمُنْهَزِمِينَ، وَأَحْرَقُوا مَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ حَمْلُهُ مِنْ سِلَاحٍ وَمِيرَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَالْمَطَرُ شَدِيدٌ وَالْبَرَدُ عَظِيمٌ، يَقْتُلُونَ كُلَّ مَنْ تَخَلَّفَ مِنْهُمْ، فَكَثُرَ الْقَتْلَى مِنْهُمْ، وَكَانَ نُزُولُهُمْ وَرَحِيلُهُمْ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
ذِكْرُ مُلْكِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي مَدِينَةَ حَمَاةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي بْنُ آقَسُنْقَرَ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ مَدِينَةَ حَمَاةَ.
стр. 5248
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَبَرَ الْفُرَاتَ إِلَى الشَّامِ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ جِهَادَ الْفِرِنْجِ، وَأَرْسَلَ إِلَى تَاجِ الْمُلُوكِ بُورِي بْنُ طُغْتِكِينَ صَاحِبِ دِمَشْقَ يَسْتَنْجِدُهُ، وَيَطْلُبُ مِنْهُ الْمَعُونَةَ عَلَى جِهَادِهِمْ، فَأَجَابَ إِلَى الْمُرَادِ، وَأَرْسَلَ مَنْ أَخَذَ لَهُ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ، فَلَمَّا وَصَلَتِ التَّوْثِقَةُ جَرَّدَ عَسْكَرًا مِنْ دِمَشْقَ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِهِ سُونَجَ وَهُوَ بِمَدِينَةِ حَمَاةَ، يَأْمُرُهُ بِالنُّزُولِ إِلَى الْعَسْكَرِ وَالْمَسِيرِ مَعَهُمْ إِلَى زَنْكِي، فَسَارُوا جَمِيعُهُمْ فَوَصَلُوا إِلَيْهِ، فَأَكْرَمَهُمْ، وَأَحْسَنَ لِقَاءَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ أَيَّامًا.
ثُمَّ إِنَّهُ غَدَرَ بِهِمْ، فَقَبَضَ عَلَى سُونَجَ وَلَدِ تَاجِ الْمُلُوكِ وَعَلَى جَمَاعَةِ الْأُمَرَاءِ الْمُقَدَّمِينَ، وَنَهَبَ خِيَامَهُمْ وَمَا فِيهَا مِنَ الْكُرَاعِ، وَاعْتَقَلَهُمْ بِحَلَبَ، وَهَرَبَ مَنْ سِوَاهُمْ، وَسَارَ مِنْ يَوْمِهِ إِلَى حَمَاةَ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا وَهِيَ خَالِيَةً مِنَ الْجُنْدِ الْحُمَاةِ الذَّابِّينَ، فَمَلَكَهَا وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَرَحَلَ عَنْهَا إِلَى حِمْصَ، وَكَانَ صَاحِبُهَا قَرْجَانُ بْنُ قُرَاجَةَ مَعَهُ فِي عَسْكَرِهِ، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِ بِالْغَدْرِ بِوَلَدِ تَاجِ الْمُلُوكِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَنَزَلَ عَلَى حِمْصَ وَحَصَرَهَا، وَطَلَبَ مِنْ قَرْجَانَ صَاحَبِهَا أَنْ يَأْمُرَ نُوَّابَهُ وَوَلَدَهُ الَّذِينَ فِيهَا بِتَسْلِيمِهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ بِالتَّسْلِيمِ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ وَلَا الْتَفَتُوا إِلَى قَوْلِهِ، فَأَقَامَ عَلَيْهَا مُحَاصِرًا لَهَا، وَمُقَاتِلًا لِمَنْ فِيهَا مُدَّةً طَوِيلَةً، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُلْكِهَا، فَرَحَلَ عَنْهَا عَائِدًا إِلَى الْمَوْصِلِ، وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ سُونَجَ بْنَ تَاجِ الْمُلُوكِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ الدِّمَشْقِيِّينَ.
وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ فِي إِطْلَاقِهِمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَاجِ الْمُلُوكِ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى خَمْسِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، فَأَجَابَ تَاجُ الْمُلُوكِ إِلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْتَظِمْ بَيْنَهُمْ أَمْرٌ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ بَيْمُنْدُ صَاحِبُ أَنْطَاكِيَّةَ حِصْنَ الْقَدْمُوسِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا وَثَبَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ عَلَى عَبْدِ اللَّطِيفِ بْنِ الْخُجَنْدِيِّ رَئِيسِ الشَّافِعِيَّةِ بِأَصْبَهَانَ، فَقَتَلُوهُ، وَكَانَ ذَا رِئَاسَةٍ عَظِيمَةٍ وَتَحَكُّمٍ كَثِيرٍ.
стр. 5249
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْإِمَامُ أَبُو الْفَتْحِ أَسْعَدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْمِيهَنِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، مُدَرِّسُ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَاذَ، وَلَهُ طَرِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الْخِلَافِ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيِّ، وَكَانَ لَهُ قَبُولٌ عَظِيمٌ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ وَالسُّلْطَانِ وَسَائِرِ النَّاسِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ حَمْزَةُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّرِيفُ الْعَلَوِيُّ الْحَسَنِيُّ، النَّيْسَابُورِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ وَرَوَاهُ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَجَمَعَ مَعَ شَرَفِ النَّسَبِ شَرَفَ النَّفْسِ وَالتَّقْوَى، وَكَانَ زَيْدِيَّ الْمَذْهَبِ.
стр. 5250
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ]
٥٢٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ
ذِكْرُ مُلْكِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ مَدِينَةَ سَمَرْقَنْدَ مِنْ مُحَمَّدْ خَانْ، وَمُلْكِ مَحْمُودِ بْنِ مُحَمَّدْ خَانَ الْمَذْكُورِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، مَلَكَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ مَدِينَةَ سَمَرْقَنْدَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ رَتَّبَ فِيهَا لَمَّا مَلَكَهَا أَوَّلًا أَرْسِلَانْ خَانْ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ بَغْرَاخَانْ دَاوُدَ، فَأَصَابَهُ فَالِجٌ فَاسْتَنَابَ ابْنًا لَهُ يُعْرَفُ بِنَصْرِخَانْ، وَكَانَ شَهْمًا شُجَاعًا، وَكَانَ بِسَمَرْقَنْدَ إِنْسَانٌ عَلَوِيٌّ فَقِيهٌ مُدَرِّسٌ، إِلَيْهِ الْحَلُّ وَالْعَقْدُ وَالْحُكْمُ فِي الْبَلَدِ، فَاتَّفَقَ هُوَ وَرَئِيسُ الْبَلَدِ عَلَى قَتْلِ نَصْرِخَانْ، فَقَتَلَاهُ لَيْلًا، وَكَانَ أَبُوهُ مُحَمَّدْ خَانْ غَائِبًا، فَعَظُمَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ، وَكَانَ لَهُ ابْنٌ آخَرُ غَائِبٌ فِي بِلَادِ تُرْكِسْتَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ وَاسْتَدْعَاهُ، فَلَمَّا قَارَبَ سَمَرْقَنْدَ خَرَجَ الْعَلَوِيُّ وَرَئِيسُ الْبَلَدِ إِلَى اسْتِقْبَالِهِ، فَقَتَلَ الْعَلَوِيَّ فِي الْحَالِ، وَقَبَضَ عَلَى الرَّئِيسِ.
وَكَانَ وَالِدُهُ أَرْسِلَانْ خَانْ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ سَنْجَرَ رَسُولًا يَسْتَدْعِيهِ ; ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ ابْنَهُ لَا يَتِمُّ أَمْرُهُ مَعَ الْعَلَوِيِّ وَالرَّئِيسِ، فَتَجَهَّزَ سَنْجَرُ، وَسَارَ يُرِيدُ سَمَرْقَنْدَ، فَلَمَّا ظَفِرَ ابْنُ أَرْسِلَانْ خَانْ بِهِمَا نَدَمَ عَلَى اسْتِدْعَائِهِ السُّلْطَانَ سَنْجَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يُعَرِّفُهُ أَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِالْعَلَوِيِّ وَالرَّئِيسِ، وَأَنَّهُ وَابْنَهُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَيَسْأَلُهُ الْعَوْدَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَغَضِبَ سَنْجَرُ مِنْ ذَلِكَ وَأَقَامَ أَيَّامًا، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي الصَّيْدِ إِذْ رَأَى اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فِي السِّلَاحِ التَّامِّ، فَقَبَضَ عَلَيْهِمْ وَعَاقَبَهُمْ، فَأَقَرُّوا أَنَّ مُحَمَّدْ خَانْ أَرْسَلَهُمْ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَتَلَهُمْ ثُمَّ سَارَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ فَمَلَكَهَا عَنْوَةً، وَنَهَبَ بَعْضَهَا وَمُنِعَ مِنَ الْبَاقِي، وَتَحَصَّنَ مِنْهُ مُحَمَّدْ خَانْ بِبَعْضِ تِلْكَ الْحُصُونِ، فَاسْتَنْزَلَهُ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ بِأَمَانٍ بَعْدَ مُدَّةٍ، فَلَمَّا نَزَلَ إِلَيْهِ أَكْرَمَهُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى ابْنَتِهِ زَوْجَةِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، فَبَقِيَ عِنْدَهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ.
وَأَقَامَ سَنْجَرُ بِسَمَرْقَنْدَ مُدَّةً حَتَّى أَخَذَ الْمَالَ وَالسِّلَاحَ وَالْخَزَائِنَ، وَسَلَّمَ الْبَلَدَ إِلَى
стр. 5251
الْأَمِيرِ حَسَنْ تِكِينْ، وَعَادَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَلَمْ يَلْبَثْ حَسَنْ تِكِينْ أَنْ مَاتَ، فَمَلَّكَ سَنْجَرُ بَعْدَهُ عَلَيْهَا مَحْمُودَ بْنَ خَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، الْمُقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَقِيلَ إِنَّ السَّبَبَ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَسَيَرِدُ ذِكْرُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ لِلْحَاجَةِ إِلَى ذِكْرِهِ هُنَاكَ.
ذِكْرُ فَتْحِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي حِصْنَ الْأَثَارِبِ وَهَزِيمَةِ الْفِرِنْجِ
لَمَّا فَرَغَ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي مِنْ أَمْرِ الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ - حَلَبَ وَأَعْمَالِهَا - وَلَمَّا مَلَكَهُ وَقَرَّرَ قَوَاعِدَهُ، عَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ لِيَسْتَرِيحَ عَسْكَرُهُ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالتَّجَهُّزِ لِلْغُزَاةِ، فَتَجَهَّزُوا وَأَعَدُّوا وَاسْتَعَدُّوا، وَعَادَ إِلَى الشَّامِ وَقَصَدَ حَلَبَ، فَقَوِيَ عَزْمُهُ عَلَى قَصْدِ حِصْنِ الْأَثَارِبِ وَمُحَاصَرَتِهِ ; لِشِدَّةِ ضَرَرِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَهَذَا الْحِصْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَلَبَ نَحْوُ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنْطَاكِيَّةَ، وَكَانَ مَنْ بِهِ مِنَ الْفِرِنْجِ يُقَاسِمُونَ حَلَبَ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِهَا الْغَرْبِيَّةِ، حَتَّى عَلَى رَحَىً لِأَهْلِ حَلَبَ بِظَاهِرِ بَابِ الْجِنَانِ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَلَدِ عَرْضُ الطَّرِيقِ، وَكَانَ أَهْلُ الْبَلَدِ مَعَهُمْ فِي ضُرٍّ شَدِيدٍ وَضِيقٍ، كُلَّ يَوْمٍ قَدْ أَغَارُوا عَلَيْهِمْ وَنَهَبُوا أَمْوَالَهُمْ.
فَلَمَّا رَأَى الشَّهِيدُ هَذِهِ الْحَالَ صَمَّمَ الْعَزْمَ عَلَى حَصْرِ هَذَا الْحِصْنِ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَنَازَلَهُ.
فَلَمَّا عَلِمَ الْفِرِنْجُ بِذَلِكَ جَمَعُوا فَارِسَهُمْ وَرَاجِلَهُمْ، وَعَلِمُوا أَنَّ هَذِهِ وَقْعَةٌ لَهَا مَا بَعْدَهَا، فَحَشَدُوا وَجَمَعُوا، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ طَاقَتِهِمْ شَيْئًا إِلَّا اسْتَنْفَدُوهُ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ أَمْرِهِمْ سَارُوا نَحْوَهُ، فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِيمَا يَفْعَلُ، وَكُلٌّ أَشَارَ بِالْعَوْدِ عَنِ الْحِصْنِ، فَإِنَّ لِقَاءَ الْفِرِنْجِ فِي بِلَادِهِمْ خَطَرٌ لَا يُدْرَى عَلَى أَيِ شَيْءٍ تَكُونُ الْعَاقِبَةُ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْفِرِنْجَ مَتَّى رَأَوْنَا قَدْ عُدْنَا مِنْ أَيْدِيهِمْ طَمِعُوا وَسَارُوا فِي أَثَرِنَا، وَخَرَّبُوا بِلَادَنَا، وَلَا بُدَ مِنْ لِقَائِهِمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
ثُمَّ تَرَكَ الْحِصْنَ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ، فَالْتَقَوْا وَاصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، وَصَبَرَ كُلُّ فَرِيقٍ لِخَصْمِهِ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ نَصْرَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَظَفِرُوا
стр. 5252
وَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ أَقْبَحَ هَزِيمَةٍ، وَوَقَعَ كَثِيرٌ مِنْ فُرْسَانِهِمْ فِي الْأَسْرِ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَتَقَدَّمَ عِمَادُ الدِّينِ إِلَى عَسْكَرِهِ بِالْإِنْجَازِ، وَقَالَ: هَذَا أَوَّلُ مَصَافٍّ عَمِلْنَاهُ مَعَهُمْ، فَلْنُذِقْهُمْ مِنْ بَأْسِنَا مَا يَبْقَى رُعْبُهُ فِي قُلُوبِهِمْ، فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ، وَلَقَدِ اجْتَزْتُ بِتِلْكَ الْأَرْضِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ لَيْلًا، فَقِيلَ لِي: إِنَّ كَثِيرًا مِنِ الْعِظَامِ بَاقٍ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ.
فَلَمَّا فَرَغَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ظَفَرِهِمْ عَادُوا إِلَى الْحِصْنِ فَتَسَلَّمُوهُ عَنْوَةً، وَقَتَلُوا وَأَسَرُوا كُلَّ مَنْ فِيهِ، وَأَخْرَبَهُ عِمَادُ الدِّينِ وَجَعَلَهُ دَكًّا، وَبَقِيَ إِلَى الْآنَ خَرَابًا، ثُمَّ سَارَ مِنْهُ إِلَى قَلْعَةِ حَارِمٍ، وَهِيَ بِالْقُرْبِ مِنْ أَنْطَاكِيَّةَ، فَحَصَرَهَا وَهِيَ أَيْضًا لِلْفِرِنْجِ، فَبَذَلَ لَهُ أَهْلُهَا نِصْفَ دَخْلِ بَلَدِ حَارِمٍ وَهَادَنُوهُ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَعَادَ عَنْهُمْ وَقَدِ اسْتَدَارَ الْمُسْلِمُونَ بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ، وَضَعُفَتْ قُوَى الْكَافِرِينَ، وَعَلِمُوا أَنَّ الْبِلَادَ قَدْ جَاءَهَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابٍ، وَصَارَ قُصَارَاهُمْ حِفْظَ مَا بِأَيْدِيهِمْ بَعْدَ أَنْ كَانُوا قَدْ طَمِعُوا فِي مُلْكِ الْجَمِيعِ.
ذِكْرُ مُلْكِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي أَيْضًا مَدِينَةَ سَرْجِي وَدَارًا
لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْرِ الْأَثَارِبِ وَتِلْكَ النَّوَاحِي عَادَ إِلَى دِيَارِ الْجَزِيرَةِ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَهُ عَنْ حُسَامِ الدِّينْ تَمْرُتَاشَ بْنِ إِيلْغَازِي صَاحِبِ مَارِدِينَ، وَابْنِ عَمِّهِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ دَاوُدَ بْنِ سَقْمَانَ صَاحِبِ حِصْنِ كِيفَا، قَوَارِصَ، فَعَادَ إِلَيْهِمْ وَحَصَرَ مَدِينَةَ سَرْجِي، وَهِيَ بَيْنَ مَارِدِينَ وَنَصِيبِينَ، فَاجْتَمَعَ حُسَامُ الدِّينِ وَرُكْنُ الدَّوْلَةِ وَصَاحِبُ آمِدَ وَغَيْرُهُمْ، وَجَمَعُوا خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ التُّرْكُمَانِ بَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَسَارُوا إِلَيْهِ، فَتَصَافُّوا بِتِلْكَ النَّوَاحِي، فَهَزَمَهُمْ عِمَادُ الدِّينِ وَمَلَكَ سَرْجِي.
فَحَكَى لِي وَالِدِي قَالَ:
لَمَّا انْهَزَمَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ دَاوُدُ قَصَدَ بَلَدَ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ وَنَهَبَهُ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى عِمَادِ الدِّينِ، فَسَارَ نَحْوَ الْجَزِيرَةِ، وَأَرَادَ دُخُولَ بَلَدٍ دَاوُدَ، ثُمَّ عَادَ لِضِيقِ مَسَالِكِهِ وَخُشُونَةِ الْجِبَالِ الَّتِي فِي الطَّرِيقِ، وَسَارَ إِلَى
стр. 5253
دَارَا فَمَلَكَهَا، وَهِيَ مِنِ الْقِلَاعِ فِي تِلْكَ الْأَعْمَالِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْآمِرِ، وَخِلَافَةِ الْحَافِظِ الْعَلَوِيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثَانِي ذِي الْقَعْدَةِ، قُتِلَ الْآمِرُ بِأَحْكَامِ اللَّهِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْمُسْتَعْلِي الْعَلَوِيُّ، صَاحِبُ مِصْرَ، خَرَجَ إِلَى مُنْتَزَهٍ لَهُ، فَلَمَّا عَادَ وَثَبَ عَلَيْهِ الْبَاطِنِيَّةُ فَقَتَلُوهُ ; لِأَنَّهُ كَانَ سَيِّئَ السِّيرَةِ فِي رَعِيَّتِهِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَعُمْرُهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَهُوَ الْعَاشِرُ مِنْ وَلَدِ الْمَهْدِيِّ عُبَيْدِ اللَّهِ الَّذِي ظَهَرَ بِسِجِلْمَاسَةَ وَبَنَى الْمَهْدِيَّةَ بِإِفْرِيقِيَّةِ، وَهُوَ أَيْضًا الْعَاشِرُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الْعَلَوِيِّينَ مِنْ أَوْلَادِ الْمَهْدِيِّ أَيْضًا.
وَلَمَّا قُتِلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَهُ، فَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُ عَمِّهِ الْمَيْمُونُ عَبْدُ الْمَجِيدِ ابْنُ الْأَمِيرِ الْقَاسِمِ بْنِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ، وَلَمْ يُبَايَعْ بِالْخِلَافَةِ وَإِنَّمَا بُويِعَ لَهُ لِيَنْظُرَ فِي الْأَمْرِ نِيَابَةً، حَتَّى يُكْشَفَ عَنْ حَمْلٍ إِنْ كَانَ لِلْآمِرِ فَتَكُونُ الْخِلَافَةُ فِيهِ، وَيَكُونُ هُوَ نَائِبًا عَنْهُ.
وَمَوْلِدُ الْحَافِظِ بِعَسْقَلَانَ، لِأَنَّ أَبَاهُ خَرَجَ مِنْ مِصْرَ إِلَيْهَا فِي الشِّدَّةِ فَأَقَامَ بِهَا، فَوُلِدَ ابْنَهُ عَبْدُ الْمَجِيدِ هُنَاكَ، وَلَمَّا وَلِيَ اسْتَوْزَرَ أَبَا عَلِيٍّ أَحْمَدَ بْنَ الْأَفْضَلِ بْنِ بَدْرٍ الْجَمَالِيِّ، وَاسْتَبَدَّ بِالْأَمْرِ، وَتَغَلَّبَ عَلَى الْحَافِظِ وَحَجَرَ عَلَيْهِ، وَأَوْدَعَهُ فِي خِزَانَةٍ، وَلَا يَدْخُلُ إِلَيْهِ إِلَّا مَنْ يُرِيدُهُ أَبُو عَلِيٍّ، وَبَقِيَ الْحَافِظُ لَهُ اسْمٌ لَا مَعْنًى تَحْتَهُ، وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ كُلَّ مَا كَانَ فِي الْقَصْرِ إِلَى دَارِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا، وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ قُتِلَ أَبُو عَلِيٍّ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ [وَخَمْسِمَائَةٍ] فَاسْتَقَامَتْ أُمُورُ الْحَافِظِ، وَحَكَمَ فِي دَوْلَتِهِ، وَتَمَكَّنَ مِنْ وِلَايَتِهِ وَبِلَادِهِ.
стр. 5254
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَتِ الْخَاتُونُ ابْنَةُ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، وَهِيَ زَوْجَةُ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ.
وَفِيهَا قُتِلَ بَيْمُنْدُ الْفِرِنْجِيُّ صَاحِبُ أَنْطَاكِيَّةَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ نَصِيرُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ مُؤَيَّدِ الْمُلْكِ بْنَ نِظَامِ الْمُلْكِ فِي شَعْبَانَ بِبَغْدَاذَ، وَوَقَعَ الْحَرِيقُ فِي دَارِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَفِي حَظَائِرَ الْحَطَبِ وَالسُّوقِ التُّتُشِيِّ، فَذَهَبَ مِنَ النَّاسِ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ.
وَفِيهَا وَزَرَ الرَّئِيسُ أَبُو الذُّوَادِ الْمُفَرِّجُ بْنُ الْحَسَنِ بْنُ الصُّوفِيِّ لِصَاحِبِ دِمَشْقَ تَاجِ الْمُلُوكِ.
وَفِيهَا كَانَ الرَّصْدُ بِالدَّارِ السُّلْطَانِيَّةِ شَرْقَيْ بَغْدَاذَ، تَوَلَّاهُ الْبَدِيعُ الْإِصْطِرْلَابِيُّ، وَلَمْ يَتِمَّ.
وَفِيهَا بِبَغْدَاذَ عَقَارِبُ طَيَّارَةٌ ذَوَاتُ شَوْكَتَيْنِ، فَنَالَ النَّاسَ مِنْهَا خَوْفٌ شَدِيدٌ وَأَذًى عَظِيمٌ.
وَفِيهَا، فِي ذِي الْحِجَّةِ، خَرَجَ الْمَلِكُ مَسْعُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ خُرَاسَانَ، وَكَانَ عِنْدَ عَمِّهِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، وَوَصَلَ إِلَى سَاوَةَ، وَوَقَعَ الْإِرْجَافُ أَنَّ عَزْمَهُ عَلَى مُخَالَفَةِ أَخِيهِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ قَوِيٌّ، وَأَنَّ عَمَّهُ سَنْجَرَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، فَاسْتَشْعَرَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ، وَسَارَ
стр. 5255
عَنْ بَغْدَاذَ إِلَى هَمَذَانَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى كَرْمَانْشَاهَانَ وَصَلَ إِلَيْهِ أَخُوهُ الْمَلِكُ مَسْعُودٌ وَخَدَمَهُ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِلْإِرْجَافِ أَثَرٌ، فَأَقْطَعُهُ السُّلْطَانُ مَدِينَةً كَنْجَةَ وَأَعْمَالَهَا وَسَيَّرَهُ إِلَيْهَا.
وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، بِالْعِرَاقِ، وَبَلَدِ الْجَبَلِ، وَالْمَوْصِلِ، وَالْجَزِيرَةِ، فَخَرَّبَتْ كَثِيرًا.
وَفِيهَا مَلَكَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ قَلْعَةَ أَلَمَوْتَ.
[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو إِسْحَاقَ الْغَزِّيُّ مِنْ أَهْلِ غَزَّةَ، مَدِينَةٍ بِفِلَسْطِينَ مِنَ الشَّامِ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَهُوَ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْمُجِيدِينَ، فَمِنْ قَوْلِهِ مِنْ قَصِيدَةٍ يَصِفُ فِيهَا الْأَتْرَاكَ:
فِي فِتْيَةٍ مِنْ جُيُوشِ التُّرْكِ مَا تَرَكَتْ ... لِلرَّعْدِ كَرَّاتُهُمْ صَوْتًا وَلَا صِيتًا
قَوْمٌ إِذَا قُوبِلُوا كَانُوا مَلَائِكَةً ... حُسْنًا وَإِنْ قُوتِلُوا كَانُوا عَفَارِيَتَا
وَلَهُ فِي الزُّهْدِ:
إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ مَتَاعٌ ... وَالسَّفِيهُ الْغَوِيُّ مَنْ يَصْطَفِيهَا
مَا مَضَى فَاتَ وَالْمُؤَمَّلُ غَيْبٌ ... وَلَكَ السَّاعَةُ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا
следующие страницы →