Полный текст (6 163 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.
стр. 5391
فَقُتِلَ مِنَ الْعَامَّةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَلَمْ يُبْقُوا عَلَى صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ، وَفَتَكُوا فِيهِمْ، فَأُصِيبَ أَهْلُ بَغْدَادَ بِمَا لَمْ يُصَابُوا بِمِثْلِهِ، وَكَثُرَ الْقَتْلَى وَالْجَرْحَى وَأُسِرَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَقُتِلَ الْبَعْضُ وَشُهِّرَ الْبَعْضُ، وَدَفَنَ النَّاسُ مَنْ عَرَفُوا، وَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ تُرِكَ طَرِيحًا بِالصَّحْرَاءِ، وَتَفَرَّقَ الْعَسْكَرُ فِي الْمَحَالِّ الْغَرْبِيَّةِ، فَأَخَذُوا مِنْ أَهْلِهَا الْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَ، وَنَهَبُوا بَلَدَ دُجَيْلٍ وَغَيْرَهُ، وَأَخَذُوا النِّسَاءَ وَالْوِلْدَانَ.
ثُمَّ إِنَّ الْأُمَرَاءَ اجْتَمَعُوا وَنَزَلُوا مُقَابِلَ التَّاجِ، وَقَبَّلُوا الْأَرْضَ وَاعْتَذَرُوا، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْخَلِيفَةِ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، وَعَادُوا إِلَى خِيَامِهِمْ، وَرَحَلُوا إِلَى النَّهْرَوَانِ، فَنَهَبُوا الْبِلَادَ، وَأَفْسَدُوا فِيهَا، وَعَادَ مَسْعُودْ بِلَالْ شِحْنَةُ بَغْدَادَ مِنْ تَكْرِيتَ إِلَى بَغْدَادَ.
ثُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءَ تَفَرَّقُوا وَفَارَقُوا الْعِرَاقَ، وَتُوُفِّيَ الْأَمِيرُ قَيْصَرُ بِأَذْرَبِيجَانَ، هَذَا كُلُّهُ وَالسُّلْطَانُ مَسْعُودٌ مُقِيمٌ بِبَلَدِ الْجَبَلِ، وَالرُّسُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمِّهِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ مُتَّصِلَةٌ ; وَكَانَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَلُومُهُ عَلَى تَقْدِيمِ خَاصِّ بِكْ، وَيَأْمُرُهُ بِإِبْعَادِهِ، وَيَتَهَدَّدُهُ بِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَسَيَقْصِدُهُ وَيُزِيلُهُ عَنِ السَّلْطَنَةِ ; وَهُوَ يُغَالِطُ وَلَا يَفْعَلُ، فَسَارَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ إِلَى الرَّيِّ، فَلَمَّا عَلِمَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ بِوُصُولِهِ سَارَ إِلَيْهِ وَتَرَضَّاهُ، وَاسْتَنْزَلَهُ عَمَّا فِي نَفْسِهِ فَسَكَنَ. وَكَانَ اجْتِمَاعُهُمَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ انْهِزَامِ الْفِرِنْجِ بِيَغْرَى
فِي هَذِهِ السَّنَةِ هَزَمَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِي الْفِرِنْجَ بِمَكَانٍ اسْمُهُ يَغْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، وَكَانُوا قَدْ تَجَمَّعُوا لِيَقْصِدُوا أَعْمَالَ حَلَبَ لِيُغِيرُوا عَلَيْهَا، فَعَلِمَ بِهِمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فِي عَسْكَرِهِ، فَالْتَقَوْا بِيَغْرَى وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَأَجْلَتِ الْمَعْرَكَةُ عَنِ انْهِزَامِ الْفِرِنْجِ، وَقَتْلِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَأَسْرِ جَمَاعَةٍ مِنْ مُقَدَّمِيهِمْ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْ ذَلِكَ الْجَمْعِ إِلَّا
стр. 5392
الْقَلِيلُ، وَأَرْسَلَ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَالْأَسَارَى إِلَى أَخِيهِ سَيْفِ الدِّينِ وَإِلَى الْخَلِيفَةِ بِبَغْدَادَ وَإِلَى السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَفِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ يَقُولُ ابْنُ الْقَيْسَرَانِيِّ فِي قَصِيدَتِهِ الَّتِي أَوَّلُهَا:
يَا لَيْتَ أَنَّ الصَّدَّ مَصْدُودُ ... أَوْ لَا، فَلَيْتَ النَّوْمَ مَرْدُودُ
وَمِنْهَا فِي ذِكْرِ نُورِ الدِّينِ:
وَكَيْفَ لَا نُثْنِي عَلَى عَيْشِنَا الْ ... مَحْمُودِ وَالسُّلْطَانُ مَحْمُودُ
وَصَارِمُ الْإِسْلَامِ لَا يَنْثَنِي ... إِلَّا وَشِلْوُ الْكُفْرِ مَقْدُودُ
مَكَارِمُ لَمْ تَكُ مَوْجُودَةً ... إِلَّا وَنُورُ الدِّينِ مَوْجُودُ
وَكَمْ لَهُ مِنْ وَقْعَةٍ يَوْمُهَا ... عِنْدَ الْمُلُوكِ الْكُفْرِ، مَشْهُودُ
ذِكْرُ مُلْكِ الْغُورِيَّةِ غَزْنَةَ وُعَوْدِهِمْ عَنْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَصَدَ سُورِي بْنُ الْحُسَيْنِ مَلِكُ الْغُورِ مَدِينَةَ غَزْنَةَ فَمَلَكَهَا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَخَاهُ مَلِكَ الْغُورِيَّةِ [قَبْلَهُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ كَانَ قَدْ صَاهَرَ بَهْرَامْ شَاهْ مَسْعُودَ بْنَ] إِبْرَاهِيمَ، صَاحِبَ غَزْنَةَ، وَهُوَ مِنْ بَيْتِ سُبُكْتِكِينَ، فَعَظُمَ شَأْنُهُ بِالْمُصَاهَرَةِ، وَعَلَتْ هِمَّتُهُ، فَجَمَعَ جُمُوعًا كَثِيرَةً وَسَارَ إِلَى غَزْنَةَ لِيَمْلِكَهَا. وَقِيلَ: إِنَّمَا مُظْهِرًا الْخِدْمَةَ وَالزِّيَارَةَ، وَهُوَ يُرِيدُ الْمَكْرَ وَالْغَدْرَ، فَعَلِمَ بِهِ بَهْرَامْ شَاهْ، فَأَخَذَهُ وَسَجَنَهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ، فَعَظُمَ قَتْلُهُ عَلَى الْغُورِيَّةِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْأَخْذُ بِثَأْرِهِ.
وَلَمَّا قُتِلَ مَلَكَ بَعْدَهُ أَخُوهُ سَامُ بْنُ الْحُسَيْنِ، فَمَاتَ بِالْجُدَرِيِّ ; وَمَلَكَ بَعْدَهُ أَخُوهُ الْمَلِكُ سُورِي بْنُ الْحُسَيْنِ بِلَادَ الْغُورِ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَتَمَكَّنَ فِي مُلْكِهِ، فَجَمَعَ عَسْكَرَهُ مِنَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ وَسَارَ إِلَى غَزْنَةَ طَالِبًا بِثَأْرِ أَخِيهِ الْمَقْتُولِ، وَقَاصِدًا مَلِكَ غَزْنَةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا مَلَكَهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَفَارَقَهَا بَهْرَامْ شَاهْ إِلَى بِلَادِ الْهِنْدِ، وَجَمَعَ جُمُوعًا كَثِيرَةً، وَعَادَ إِلَى غَزْنَةَ وَعَلَى
стр. 5393
مُقَدِّمَتِهِ السَّلَارُ الْحَسَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْعَلَوِيُّ أَمِيرُ هِنْدُوسْتَانَ. وَكَانَ عَسْكَرُ غَزْنَةَ، الَّذِينَ أَقَامُوا مَعَ سُورِي الْغُورِيِّ وَخَدَمُوهُ، قُلُوبُهُمْ مَعَ بَهْرَامْ شَاهْ، وَإِنَّمَا هُمْ بِظَوَاهِرِهِمْ مَعَ سُورِي، فَلَمَّا الْتَقَى سُورِي وَبَهْرَامْ شَاهْ رَجَعَ عَسْكَرُ غَزْنَةَ إِلَى بَهْرَامْ شَاهْ، وَصَارُوا مَعَهُ، وَسَلَّمُوا إِلَيْهِ سُورِي مَلِكَ الْغُورِيَّةِ. وَمَلَكَ بَهْرَامْ شَاهْ غَزْنَةَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، وَصُلِبَ الْمَلِكُ سُورِي (مَعَ) السَّيِّدِ الْمَاهِيَانِيِّ فِي الْمُحَرَّمِ أَيْضًا مِنَ السَّنَةِ.
وَكَانَ سُورِي أَحَدَ الْأَجْوَادِ، لَهُ الْكَرَمُ الْغَزِيرُ، وَالْمُرُوءَةُ الْعَظِيمَةُ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يَرْمِي الدَّرَاهِمَ فِي الْمَقَالِيعِ إِلَى الْفُقَرَاءِ لِتَقَعَ بِيَدِ مَنْ يَتَّفِقُ لَهُ.
ثُمَّ عَاوَدَ الْغُورِيَّةُ وَمَلَكُوهَا، وَخَرَّبُوهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] وَذَكَرْنَا هُنَاكَ ابْتِدَاءَ دَوْلَةِ الْغُورِيَّةِ ; لِأَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَظُمَ مَحَلُّهُمْ، وَفَارَقُوا الْجِبَالَ، وَقَصَدُوا خُرَاسَانَ، وَعَلَا شَأْنُهُمْ، وَفِي بَعْضِ الْخُلْفِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ مُدُنًا مِنَ الْأَنْدَلُسِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ الْفِرِنْجُ بِالْأَنْدَلُسِ مَدِينَةَ طَرْطُوشَةَ، وَمَلَكُوا مَعَهَا جَمِيعَ قِلَاعِهَا، وَحُصُونَ لَارِدَةَ وَأَفْرَاغَةَ، وَلَمْ يَبْقَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي تِلْكَ الْجِهَاتِ شَيْءٌ إِلَّا وَاسْتَوْلَى الْفِرِنْجُ عَلَى جَمِيعِهِ لِاخْتِلَافِ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَهُمْ، وَبَقِيَ بِأَيْدِيهِمْ إِلَى الْآنِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
[الْوَفَيَاتُ]
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ الْمُبَارَكُ بْنُ الْكَامِلِ بْنِ أَبِي غَالِبٍ الْبَغْدَادِيُّ
стр. 5394
الْمَعْرُوفُ أَبُوهُ بِالْخَفَّافِ، سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مُفِيدَ بَغْدَادَ.
[ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ] وَفِيهَا غَلَتِ الْأَسْعَارُ بِالْعِرَاقِ وَتَعَذَّرَتِ الْأَقْوَاتُ بِسَبَبِ الْعَسْكَرِ الْوَارِدِ، وَقَدِمَ أَهْلُ السَّوَادِ إِلَى بَغْدَادَ مُنْهَزِمِينَ قَدْ أُخِذَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَهَلَكُوا جُوعًا وَعُرْيًا ; وَكَذَلِكَ أَيْضًا كَانَ الْغَلَاءُ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ: خُرَاسَانَ، وَبِلَادِ الْجَبَلِ، وَأَصْفَهَانَ، وَدِيَارِ فَارِسَ، وَالْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ، وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَكَانَ أَشَدَّ غَلَاءً بِسَبَبِ انْقِطَاعِ الْغَيْثِ، وَدُخُولِ الْعَدُوِّ إِلَيْهَا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَبْهَانَ الْغَنَوِيُّ الرَّقِّيُّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَصَحِبَ الْغَزَالِيَّ، وَالشَّاشِيَّ، وَرَوَى " الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ " لِلْحُمَيْدِيِّ عَنْ مُصَنَّفِهِ.
وَفِيهَا، فِي ذِي الْقِعْدَةِ، تُوُفِّيَ الْإِمَامُ أَبُو الْفَضْلِ الْكَرْمَانِيُّ، الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ إِمَامُ خُرَاسَانَ.
стр. 5395
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
(٥٤٤)
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ وَفَاةِ سَيْفِ الدِّينِ غَازِي بْنِ أَتَابَكَ زَنْكِي وَبَعْضِ سِيرَتِهِ وَمُلْكِ أَخِيهِ قُطْبِ الدِّينِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ سَيْفُ الدِّينِ غَازِي بْنُ أَتَابَكَ زَنْكِي صَاحِبُ الْمَوْصِلِ بِهَا بِمَرَضٍ حَادٍّ، وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ أَرْسَلَ إِلَى بَغْدَادَ وَاسْتَدْعَى أَوْحَدَ الزَّمَانِ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ، فَرَأَى شِدَّةَ مَرَضِهِ، فَعَالَجَهُ، فَلَمْ يَنْجَعْ فِيهِ الدَّوَاءُ، وَتُوُفِّيَ أَوَاخِرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ ثَلَاثَ سِنِينَ وَشَهْرًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا ; وَكَانَ حَسَنَ الصُّورَةِ وَالشَّبَابِ، وَكَانَتْ وِلَادَتُهُ سَنَةَ خَمْسِمِائَةٍ، وَدُفِنَ بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي بَنَاهَا بِالْمَوْصِلِ، وَخَلَّفَ وَلَدًا ذَكَرًا، فَرَبَّاهُ عَمُّهُ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ، وَأَحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ، وَزَوَّجَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودٍ، فَلَمْ تَطُلْ أَيَّامُهُ وَتُوُفِّيَ فِي عُنْفُوَانِ شَبَابِهِ، فَانْقَرَضَ عِقْبُهُ.
وَكَانَ كَرِيمًا شُجَاعًا عَاقِلًا، وَكَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ لِعَسْكَرِهِ طَعَامًا كَثِيرًا مَرَّتَيْنِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَأَمَّا الَّذِي بُكْرَةً فَيَكُونُ مِائَةَ رَأْسِ غَنَمٍ جَيِّدَةٍ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ حُمِلَ عَلَى رَأْسِهِ السَّنْجَقُ، وَأَمَرَ الْأَجْنَادَ أَلَّا يَرْكَبُوا إِلَّا بِالسَّيْفِ فِي أَوْسَاطِهِمْ وَالدَّبُّوسُ تَحْتَ رُكَبِهِمْ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ اقْتَدَى بِهِ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ. بَنَى الْمَدْرَسَةَ الْأَتَابَكِيَّةَ الْعَتِيقَةَ بِالْمَوْصِلِ، وَهِيَ مِنْ أَحْسَنِ الْمَدَارِسِ، وَوَقَفَهَا عَلَى الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَبَنَى رِبَاطًا
стр. 5396
لِلصُّوفِيَّةِ بِالْمَوْصِلِ أَيْضًا عَلَى بَابِ الْمَشْرَعَةِ، وَلَمْ تَطُلْ أَيَّامُهُ لِيَفْعَلَ مَا فِي نَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَكَانَ عَظِيمَ الْهِمَّةِ، وَمِنْ جُمْلَةِ كَرَمِهِ أَنَّهُ قَصَدَهُ شِهَابُ الدِّينِ الْحَيْصَ بَيْصَ وَامْتَدَحَهُ بِقَصِيدَتِهِ الَّتِي أَوَّلُهَا:
إِلَامَ يَرَاكَ الْمَجْدُ فِي زِيِّ شَاعِرٍ ... وَقَدْ نَحَلَتْ شَوْقًا فَرُوعُ الْمَنَابِرِ
فَوَصَلَهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ عَيْنًا سِوَى الْخِلَعِ وَغَيْرِهَا.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ سَيْفُ الدِّينِ غَازِي كَانَ أَخُوهُ قُطْبُ الدِّينِ مُقِيمًا بِالْمَوْصِلِ، فَاتَّفَقَ جَمَالُ الدِّينِ الْوَزِيرُ وَزَيْنُ الدِّينِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْجَيْشِ عَلَى تَمْلِيكِهِ، فَأَحْضَرُوهُ، وَاسْتَحْلَفُوهُ، وَحَلَفُوا لَهُ، وَأَرْكَبُوهُ إِلَى دَارِ السَّلْطَنَةِ، وَزَيْنُ الدِّينِ فِي رِكَابِهِ، وَأَطَاعَهُ جَمِيعُ بِلَادِ سَيْفِ الدِّينِ كَالْمَوْصِلِ، وَالْجَزِيرَةِ، وَالشَّامِ.
وَلَمَّا مُلِّكَ تَزَوَّجَ الْخَاتُّونَ ابْنَةَ حُسَامِ الدِّينِ تِمِرْتَاشَ الَّتِي كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهَا أَخُوهُ سَيْفُ الدِّينِ وَتُوفِّيَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، وَهِيَ أَمُّ أَوْلَادِ قُطْبِ الدِّينِ: سَيْفِ الدِّينِ، وَعِزِّ الدِّينِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَوْلَادِهِ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ نُورِ الدِّينِ عَلَى سِنْجَارَ لَمَّا مَلَكَ قُطْبُ الدِّينِ مَوْدُودٌ الْمَوْصِلَ بَعْدَ أَخِيهِ سَيْفِ الدِّينَ غَازِي كَانَ أَخُوهُ الْأَكْبَرُ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ بِالشَّامِ، وَلَهُ حَلَبُ وَحَمَاةُ، فَكَاتَبَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَطَلَبُوهُ، وَفِيمَنْ كَاتَبَهُ الْمُقَدَّمُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَالِدُ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ حِينَئِذٍ مُسْتَحْفِظًا بِسِنْجَارَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَسْتَدْعِيهِ لِيَتَسَلَّمَ سِنْجَارَ، فَسَارَ جَرِيدَةً فِي سَبْعِينَ فَارِسًا مِنْ أُمَرَاءِ دَوْلَتِهِ، فَوَصَلَ إِلَى مَاكِسِينَ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ قَدْ سَبَقَ أَصْحَابَهُ.
وَكَانَ يَوْمًا شَدِيدَ الْمَطَرِ، فَلَمْ يَعْرِفْهُمُ الَّذِي يَحْفَظُ الْبَابَ، فَأَخْبَرَ الشِّحْنَةَ أَنْ نَفَرًا مِنَ التُّرْكُمَانِ الْمُتَجَنِّدِينَ قَدْ دَخَلُوا الْبَلَدَ، فَلَمْ يَسْتَتِمَّ كَلَامَهُ حَتَّى دَخَلَ نُورُ الدِّينِ الدَّارَ عَلَى الشِّحْنَةِ، فَقَامَ إِلَيْهِ وَقَبَّلَ يَدَهُ، وَلَحِقَ بِهِ بَاقِي أَصْحَابِهِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى سِنْجَارَ،
стр. 5397
فَوَصَلَهَا وَلَيْسَ مَعَهُ غَيْرُ رِكَابِيٍّ وَسِلَاحِ دَارٍ، وَنَزَلَ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ.
وَأَرْسَلَ إِلَى الْمُقَدَّمِ يُعْلِمُهُ بِوُصُولِهِ، فَرَآهُ الرَّسُولُ وَقَدْ سَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَتَرَكَ وَلَدَهُ شَمْسَ الدِّينِ مُحَمَّدًا بِالْقَلْعَةِ، فَأَعْلَمَهُ بِمَسِيرِ وَالِدِهِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَأَقَامَ مَنْ لَحِقَ أَبَاهُ بِالطَّرِيقِ، فَأَعْلَمَهُ بِوُصُولِ نُورِ الدِّينِ، فَعَادَ إِلَى سِنْجَارَ فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، فَدَخَلَهَا نُورُ الدِّينِ، وَأَرْسَلَ إِلَى فَخْرِ الدِّينِ قُرَّا أَرْسَلَانَ صَاحِبِ الْحِصْنِ، يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ لِمَوَدَّةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا، فَوَصَلَ إِلَيْهِ فِي عَسْكَرِهِ ; فَلَمَّا سَمِعَ أَتَابَكُ قُطْبُ الدِّينِ، وَجَمَالُ الدِّينِ، وَزَيْنُ الدِّينِ بِالْمَوْصِلِ بِذَلِكَ جَمَعُوا عَسَاكِرَهُمْ وَسَارُوا نَحْوَ سِنْجَارَ، فَوَصَلُوا إِلَى تَلِّ يَعْفَرَ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ بَعْدَ أَنْ كَانُوا عَازِمِينَ عَلَى قَصْدِهِ بِسِنْجَارَ، فَقَالَ لَهُمْ جَمَالُ الدِّينِ: لَيْسَ مِنَ الرَّأْيِ مَحَاقَّتُهُ وَقِتَالُهُ، فَإِنَّنَا نَحْنُ قَدْ عَظَّمْنَا مَحَلَّهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَمَا هُوَ بِصَدَدِهِ مِنَ الْغُزَاةِ، وَجَعَلْنَا أَنْفُسَنَا دُونَهُ، وَهُوَ يُظْهِرُ لِلْفِرِنْجِ تَعْظِيمًا وَأَنَّهُ تَبَعُنَا ; وَلَا يَزَالُ يَقُولُ لَهُمْ: إِنْ كُنْتُمْ كَمَا يَجِبُ، وَإِلَّا سَلَّمْتُ الْبِلَادَ إِلَى صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَحِينَئِذٍ يَفْعَلُ بِكُمْ وَيَصْنَعُ، فَإِذَا لَقِينَاهُ، فَإِنْ هَزَمْنَاهُ طَمِعَ السُّلْطَانُ فِينَا، وَيَقُولُ: هَذَا الَّذِي كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ وَيَحْتَمُونَ بِهِ أَضْعَفُ مِنْهُمْ، وَقَدْ هَزَمُوهُ ; وَإِنْ هُوَ هَزَمَنَا طَمِعَ فِيهِ الْفِرِنْجُ، وَيَقُولُونَ إِنَّ الَّذِينَ كَانَ يَحْتَمِي بِهِمْ أَضْعَفُ مِنْهُ، وَقَدْ هَزَمَهُمْ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ ابْنُ أَتَابَكَ الْكَبِيرِ.
وَأَشَارَ بِالصُّلْحِ، وَسَارَ هُوَ إِلَيْهِ فَاصْطَلَحَ، وَسَلَّمَ سِنْجَارَ إِلَى أَخِيهِ قُطْبِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ مَدِينَةَ حِمْصَ وَالرَّحْبَةَ بِأَرْضِ الشَّامِ وَبَقِيَ الشَّامُ لَهُ، وَدِيَارُ الْجَزِيرَةِ لِأَخِيهِ، وَاتَّفَقَا، وَعَادَ نُورُ الدِّينِ إِلَى الشَّامِ، وَأَخَذَ مَعَهُ مَا كَانَ قَدِ ادَّخَرَهُ أَبُوهُ أَتَابَكُ الشَّهِيدُ فِيهَا مِنَ الْخَزَائِنِ، وَكَانَتْ كَثِيرَةً جِدًّا.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْحَافِظِ وَوِلَايَةِ الظَّافِرِ [وَوِزَارَةِ] ابْنِ السَّلَارِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، تُوُفِّيَ الْحَافِظُ لِدِينِ اللَّهِ عَبْدُ الْمَجِيدِ ابْنُ
стр. 5398
الْأَمِيرِ أَبِي الْقَاسِمِ ابْنِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ الْعَلَوِيِّ، صَاحِبُ مِصْرَ. وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ عِشْرِينَ سَنَةً إِلَّا خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَعُمْرُهُ نَحْوٌ مِنْ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَلَمْ يَزَلْ فِي جَمِيعِهَا مَحْكُومًا عَلَيْهِ، يَحْكُمُ عَلَيْهِ وُزَرَاؤُهُ، حَتَّى إِنَّهُ جَعَلَ ابْنَهُ حَسَنًا وَزِيرًا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ، فَحَكَمَ عَلَيْهِ وَاسْتَبَدَّ الْأَمْرُ دُونَهُ، وَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْ أُمَرَاءِ دَوْلَتِهِ وَصَادَرَ كَثِيرًا، فَلَمَّا رَأَى الْحَافِظُ ذَلِكَ سَقَاهُ فَمَاتَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
وَلَمْ يَلِ الْأَمْرَ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ الْمِصْرِيِّينَ مَنْ أَبَوْهُ غَيْرُ خَلِيفَةٍ غَيْرَ الْحَافِظِ الْعَاضِدِ، وَسَيَرِدُ
ذِكْرُ نَسَبِ الْعَاضِدِ، وَوَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ بِمِصْرَ ابْنُهُ الظَّافِرُ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبُو مَنْصُورٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَافِظُ، وَاسْتَوْزَرَ ابْنَ مَصَّالٍ، فَبَقِيَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُدَبِّرُ الْأُمُورَ، فَقَصَدَهُ الْعَادِلُ بْنُ السَّلَارِ مِنْ ثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَنَازَعَهُ فِي الْوِزَارَةِ، وَكَانَ ابْنُ مَصَّالٍ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْقَاهِرَةِ فِي طَلَبِ بَعْضِ الْمُفْسِدِينَ مِنَ السُّودَانِ، فَخَلَفَهُ الْعَادِلُ بِالْقَاهِرَةِ وَصَارَ وَزِيرًا.
وَسَيَّرَ عَبَّاسَ بْنَ أَبِي الْفُتُوحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ تَمِيمِ بْنِ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ الصَّنْهَاجِيَّ فِي عَسْكَرٍ وَهُوَ رَبِيبُ الْعَادِلِ، إِلَى ابْنِ مَصَّالٍ، فَظَفِرَ بِهِ وَقَتَلَهُ، وَعَادَ إِلَى الْقَاهِرَةِ، وَاسْتَقَرَّ الْعَادِلُ وَتَمَكَّنَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْخَلِيفَةِ مَعَهُ حُكْمٌ.
وَأَمَّا سَبَبُ وُصُولِ الْعَبَّاسِ إِلَى مِصْرَ، فَإِنَّ جَدَّهُ يَحْيَى أَخْرَجَ أَبَاهُ أَبَا الْفُتُوحِ مِنَ الْمَهْدِيَّةِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ يَحْيَى، وَوَلِيَ بَعْدَهُ بِلَادَ إِفْرِيقِيَّةَ ابْنُهُ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ تَمِيمِ [بْنِ يَحْيَى صَاحِبُ] إِفْرِيقِيَّةَ، أَخْرَجَ أَخَاهُ أَبَا الْفُتُوحِ بْنَ يَحْيَى وَالِدَ عَبَّاسٍ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَسَارَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ بَلَّارَةُ ابْنَةُ الْقَاسِمِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ، وَوَلَدُهُ عَبَّاسٌ هَذَا وَهُوَ صَغِيرٌ يَرْضَعُ ; وَنَزَلَ أَبُو الْفُتُوحِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَأُكْرِمَ، وَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً يَسِيرَةً، وَتُوفِّيَ وَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ امْرَأَتُهُ بَلَّارَةَ بِالْعَادِلِ بْنَ السَّلَارِ.
وَشَبَّ الْعَبَّاسُ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ الْحَافِظِ، حَتَّى وَلِيَ الْوِزَارَةَ بَعْدَ الْعَادِلِ ; فَإِنَّ الْعَادِلَ قُتِلَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] . قِيلَ: وَضَعَ عَلَيْهِ عَبَّاسٌ مَنْ قَتَلَهُ،
стр. 5399
فَلَمَّا قُتِلَ وَلِيَ الْوِزَارَةَ بَعْدَهُ، وَتَمَكَّنَ فِيهَا، وَكَانَ جَلْدًا حَازِمًا، وَمَعَ هَذَا فَفِي أَيَّامِهِ أَخَذَ الْفِرِنْجُ عَسْقَلَانَ، وَاشْتَدَّ وَهَنُ الدَّوْلَةِ بِذَلِكَ ; وَفِي أَيَّامِهِ أَخَذَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ دِمَشْقَ مِنْ مُجِيرِ الدِّينِ أَبَقَ، وَصَارَ الْأَمْرُ بَعْدَ هَذَا إِلَى أَنْ أُخِذَتْ مِصْرُ مِنْهُمْ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عَوْدَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ إِلَى الْعِرَاقِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَجَبٍ، عَادَ الْبَقْشُ كُونْ خَرْ، وَالطُرْنَطَايُّ، وَابْنُ دُبَيْسٍ، وَمَعَهُمْ مَلِكْشَاهْ ابْنُ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ إِلَى الْعِرَاقِ، وَرَاسَلُوا الْخَلِيفَةَ فِي الْخُطْبَةِ لِمَلِكْشَاهْ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِمْ، وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ، وَحَصَّنَ بَغْدَادَ، وَأَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ يُعَرِّفُهُ الْحَالَ، فَوَعَدَهُ بِالْوُصُولِ إِلَى بَغْدَادَ، فَلَمْ يَحْضُرْ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُصُولِ عَمِّهِ السُّلْطَانِ سَنْجَرُ إِلَى الرَّيِّ فِي مَعْنَى خَاصِّ بِكْ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الرَّيِّ سَارَ إِلَيْهِ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ، وَلَقِيَهُ وَاسْتَرْضَاهُ، فَرَضِيَ عَنْهُ ; فَلَمَّا عَلِمَ الْبَقْشُ بِمُرَاسَلَةِ الْخَلِيفَةِ إِلَى مَسْعُودٍ نَهَبَ النَّهْرَوَانَ، وَقَبَضَ عَلَى الْأَمِيرِ عَلِيِّ بْنِ دُبَيْسٍ فِي رَمَضَانَ، فَلَمَّا عَلِمَ الطُّرْنَطَايُّ بِذَلِكَ هَرَبَ إِلَى النُّعْمَانِيَّةِ.
وَوَصَلَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ إِلَى بَغْدَادَ مُنْتَصَفَ شَوَّالٍ، وَرَحَلَ الْبَقْشُ كُونْ خَرْ مِنَ النَّهْرَوَانِ، وَأَطْلَقَ عَلِيَّ بْنَ دُبَيْسٍ، فَلَمَّا وَصَلَ السُّلْطَانُ إِلَى بَغْدَادَ قَصَدَهُ عَلِيٌّ، وَأَلْقَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاعْتَذَرَ، فَرَضِيَ عَنْهُ.
وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ هَذِهِ الْحَادِثَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، وَذَكَرَ أَيْضًا مِثْلَهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، فَظَنَّهَا حَادِثَتَيْنِ، وَأَنَا أَظُنُّهَا وَاحِدَةً وَلَكِنَّا تَبِعْنَاهُ فِي ذَلِكَ وَنَبَّهْنَا عَلَيْهِ.
ذِكْرُ قَتْلِ الْبِرِنْسِ صَاحِبِ أَنْطَاكِيَةَ وَهَزِيمَةِ الْفِرِنْجِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِي بِلَادَ الْفِرِنْجِ مِنْ نَاحِيَةِ أَنْطَاكِيَةَ،
стр. 5400
وَقَصَدَ حِصْنَ حَارِمَ، وَهُوَ لِلْفِرِنْجِ، فَحَصَرَهُ وَخَرَّبَ رَبَضَهُ، وَنَهَبَ سَوَادَهُ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى حِصْنِ إِنَّبَ فَحَصَرَهُ أَيْضًا، فَاجْتَمَعَتِ الْفِرِنْجُ مَعَ الْبِرِنْسِ صَاحِبِ أَنْطَاكِيَةَ وَحَارِمَ وَتِلْكَ الْأَعْمَالِ، وَسَارُوا إِلَى نُورِ الدِّينِ لِيُرَحِّلُوهُ عَنْ إِنَّبَ، فَلَقِيَهُمْ وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا عَظِيمًا.
وَبَاشَرَ نُورُ الدِّينِ الْقِتَالَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ أَقْبَحَ هَزِيمَةٍ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَأُسِرَ مِثْلُهُمْ.
وَكَانَ مِمَّنْ قُتِلَ الْبِرِنْسُ صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ، وَكَانَ عَاتِيًا مَنْ عُتَاةِ الْفِرِنْجِ، وَعَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ، وَلَمَّا قُتِلَ الْبِرِنْسُ مُلِّكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ بِيمُنْدُ، وَهُوَ طِفْلٌ، فَتَزَوَّجَتْ أُمُهُ بِبِرِنْسَ آخَرَ لِيُدَبِّرَ الْبَلَدَ إِلَى أَنْ يَكْبُرَ ابْنُهَا، وَأَقَامَ مَعَهَا بِأَنْطَاكِيَةَ.
ثُمَّ إِنَّ نُورَ الدِّينِ غَزَاهُمْ غَزْوَةً أُخْرَى، فَاجْتَمَعُوا وَلَقُوهُ، فَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ فِيهِمْ وَأَسَرَ، وَكَانَ فِيمَنْ أُسِرَ الْبِرِنْسُ الثَّانِي زَوْجُ أُمِّ بِيمُنْدَ، فَتَمَكَّنَ حِينَئِذٍ بِيمُنْدُ بِأَنْطَاكِيَةَ ; وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ مَدِيحَ نُورِ الدِّينِ وَتَهْنِئَتَهُ بِهَذَا الظَّفَرِ، فَإِنَّ قَتْلَ الْبِرِنْسِ كَانَ عَظِيمًا عِنْدَ الطَّائِفَتَيْنِ، وَمِمَّنْ قَالَ فِيهِ الْقَيْسَرَانِيُّ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي أَوَّلُهَا:
هَذِي الْعَزَائِمُ لَا مَا تَدَّعِي الْقُضُبُ ... وَذِي الْمَكَارِمُ لَا مَا قَالَتِ الْكُتُبُ
وَهَذِهِ الْهِمَمُ اللَّاتِي مَتَى خُطِبَتْ ... تَعَثَّرَتْ خَلْفَهَا الْأَشْعَارُ وَالْخُطَبُ
صَافَحْتَ يَا ابْنَ عِمَادِ الدِّينِ ذُرْوَتَهَا ... بِرَاحَةٍ لِلْمَسَاعِي دُونَهَا تَعَبُ
مَا زَالَ جَدُّكَ يَبْنِي كُلَّ شَاهِقَةٍ ... حَتَّى بَنَى قُبَّةً أَوْتَادُهَا الشُّهُبُ
стр. 5401
أَغْرَتْ سُيُوفُكَ بِالْإِفْرِنْجِ رَاجِفَةً ... فُؤَادُ رُومِيَّةَ الْكُبْرَى لَهَا يَجِبُ
ضَرَبْتَ كَبْشَهُمْ مِنْهَا بِقَاصِمَةٍ ... أَوْدَى بِهَا الصُّلْبُ وَانْحَطَّتْ بِهَا الصُّلُبُ
طَهَّرْتَ أَرْضَ الْأَعَادِي مِنْ دِمَائِهِمُ ... طَهَارَةَ كُلِّ سَيْفٍ عِنْدَهَا جُنُبُ
ذِكْرُ الْخُلْفِ بَيْنَ صَاحِبِ صِقِلِّيَةَ وَمَلِكِ الرُّومِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اخْتَلَفَ رُجَّارُ الْفِرِنْجِيُّ صَاحِبُ صِقِلِّيَةَ وَمَلِكُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَجَرَى بَيْنَهُمَا حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ دَامَتْ عِدَّةَ سِنِينَ، فَاشْتَغَلَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَلَكَ رُجَّارُ جَمِيعَ بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ.
وَكَانَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمُ بَرًّا وَبَحْرًا، وَالظَّفَرُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِصَاحِبِ صِقِلِّيَةَ، حَتَّى إِنْ أُسْطُولَهُ، فِي بَعْضِ السِّنِينَ وَصَلَ إِلَى مَدِينَةِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَدَخَلَ فَمَ الْمِينَاءِ، وَأَخَذُوا عِدَّةَ شَوَانٍ مِنَ الرُّومِ، وَأَسَرُوا جَمْعًا مِنْهُمْ ; وَرَمَى الْفِرِنْجُ طَاقَاتِ قَصْرِ الْمَلِكِ بِالنُّشَّابِ، وَكَانَ الَّذِي يَفْعَلُ هَذَا بِالرُّومِ وَالْمُسْلِمِينَ جُرْجِي وَزِيرُ صَاحِبِ صِقِلِّيَةَ، فَمَرِضَ عِدَّةَ أَمْرَاضٍ مِنْهَا الْبَوَاسِيرُ وَالْحَصَا، وَمَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ، وَاسْتَرَاحَ النَّاسُ مِنْ شَرِّهِ وَفَسَادِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ صَاحِبِ صِقِلِّيَةَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ بَعْدَهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زَلْزَلَةً عَظِيمَةً، فَقِيلَ إِنَّ جَبَلًا مُقَابِلَ حُلْوَانَ سَاخَ فِي الْأَرْضِ.
وَفِيهَا وَلِيَ أَبُو الْمُظَفَّرِ يَحْيَى بْنُ هُبَيْرَةَ وِزَارَةَ الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ، وَكَانَ قَبْلَ
стр. 5402
ذَلِكَ صَاحِبَ دِيوَانِ الزِّمَامِ، وَظَهَرَ لَهُ كِفَايَةٌ عَظِيمَةٌ عِنْدَ نُزُولِ الْعَسَاكِرِ بِظَاهِرِ بَغْدَادَ، وَحُسْنُ قِيَامٍ فِي رَدِّهِمْ، فَرَغِبَ الْخَلِيفَةُ فِيهِ، فَاسْتَوْزَرَهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ رَابِعَ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، وَكَانَ الْقَمَرُ عَلَى تَرْبِيعِ زُحَلَ، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ أَخَّرْتَ لُبْسَ الْخِلْعَةِ لِهَذِهِ التَّرْبِيعَاتِ؟ فَقَالَ: وَأَيُّ سَعَادَةٍ أَكْبَرُ مِنْ وِزَارَةِ الْخَلِيفَةِ؟ وَلَبِسَهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا فِي الْمُحَرَّمِ تُوُفِّيَ قَاضِي الْقُضَاةُ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الزَّيْنَبِيُّ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ عِمَادُ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الدَّامَغَانِيُّ.
وَفِيهَا فِي الْمُحَرَّمِ رَخُصَتِ الْأَسْعَارُ بِالْعِرَاقِ، وَكَثُرَتِ الْخَيْرَاتُ، وَخَرَجَ أَهْلُ السَّوَادِ إِلَى قُرَاهُمْ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ نَظَرٌ أَمِيرُ الْحَاجِّ، وَكَانَ قَدْ سَارَ بِالْحَاجِّ إِلَى الْحِلَّةِ، فَمَرِضَ وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْحَاجِّ قَايْمَازَ الْأُرْجُوَانِيَّ، وَعَادَ إِلَى بَغْدَادَ مَرِيضًا، فَتُوُفِّيَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، وَكَانَ خَصِيًّا عَاقِلًا خَيِّرًا، لَهُ مَعْرُوفٌ كَثِيرٌ، وَصَدَقَاتٌ وَافِرَةٌ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ الَّذِي كَانَ وَزِيرَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ وَالْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ رَافِعِ بْنِ خَلِيفَةَ الشَّيْبَانِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ خُرَاسَانَ، وَلَهُ مِائَةٌ وَسَبْعُ سِنِينَ شَمْسِيَّةٌ.
стр. 5403
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُعِينُ الدِّينِ أُنُرُ نَائِبُ أَبَقَ صَاحِبِ دِمَشْقَ، وَهُوَ كَانَ الْحَاكِمَ وَالْأَمْرُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبَقُ صُورَةَ أَمِيرٍ لَا مَعْنَى تَحْتَهَا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْأَرَّجَانِيُّ أَبُو بَكْرٍ قَاضِي تُسْتَرَ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ:
وَلَمَّا بَلَوْتُ النَّاسَ أَطْلُبُ عِنْدَهُمْ ... أَخَا ثِقَةٍ عِنْدَ اعْتِرَاضِ الشَّدَائِدِ
تَطَلَّعْتُ فِي حَالَيْ رَخَاءٍ وَشِدَّةٍ ... وَنَادَيْتُ فِي الْأَحْيَاءِ هَلْ مِنْ مُسَاعِدِ؟
فَلَمْ أَرَ فِيمَا سَاءَنِي غَيْرَ شَامِتٍ ... وَلَمْ أَرَ فِيمَا سَرَّنِي غَيْرَ حَاسِدِ
تَمَتَّعْتُمَا يَا نَاظِرَيَّ بِنَظْرَةٍ ... وَأَوْرَدْتُمَا قَلْبِي أَمَرَّ الْمَوَارِدِ
أَعَيْنَيَّ كُفَّا عَنْ فُؤَادِي فَإِنَّهُ ... مِنَ الْبَغْيِ سَعْيُ اثْنَيْنِ فِي قَتْلِ وَاحِدِ
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عِيسَى بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى الْبَزَّازُ وَكَانَ ظَرِيفًا، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، كَتَبَ إِلَيْهِ صَدِيقٌ لَهُ رُقْعَةً وَزَادَ فِي خِطَابِهِ فَأَجَابَهُ:
قَدْ زِدْتَّنِي فِي الْخِطَابِ حَتَّى ... خَشِيتُ نَقْصًا مِنَ الزِّيَادِهْ
فَاجْعَلْ خِطَابِي خِطَابَ ... مِثْلِي وَلَا تُغَيِّرْ عَلَيَّ عَادَهْ
стр. 5404
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
(٥٤٥)
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ أَخْذِ الْعَرَبِ الْحُجَّاجَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، رَابِعَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ خَرَجَ الْعَرَبُ، زَعْبٌ وَمَنِ انْضَمَّ إِلَيْهَا، عَلَى الْحُجَّاجِ بِالْغُرَابِيِّ، بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَأَخَذُوهُمْ وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ.
وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ نَظَرًا أَمِيرَ الْحَاجِّ [لَمَّا عَادَ مِنَ الْحِلَّةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَسَارَ عَلَى الْحَاجِّ] قَايْمَازُ الْأُرْجُوَانِيُّ، وَكَانَ حَدَثًا غِرًّا، سَارَ بِهِمْ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا رَأَى أَمِيرُ مَكَّةَ قَايْمَازَ اسْتَصْغَرَهُ، وَطَمِعَ فِي الْحَاجِّ، وَتَلَطَّفَ قَايْمَازُ الْحَالَ مَعَهُ إِلَى أَنْ عَادُوا.
فَلَمَّا سَارَ عَنْ مَكَّةَ سَمِعَ بِاجْتِمَاعِ الْعَرَبِ، فَقَالَ لِلْحَاجِّ: الْمَصْلَحَةُ أَنْ لَا نَمْضِيَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَضَجَّ الْعَجَمُ وَتَهَدَّدُوهُ بِالشَّكْوَى مِنْهُ إِلَى السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، فَقَالَ لَهُمْ: فَأَعْطُوا الْعَرَبَ مَالًا نَسْتَكْفِ بِهِ شَرَّهُمْ! فَامْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ، فَسَارَ بِهِمْ إِلَى الْغُرَابِيِّ، وَهُوَ مَنْزِلٌ يُخْرَجُ إِلَيْهِ مِنْ مَضِيقٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَوَقَفُوا عَلَى فَمِ مَضِيقٍ، وَقَاتَلَهُمْ قَايْمَازُ وَمَنْ مَعَهُ، فَلَمَّا رَأَى عَجْزَهُ أَخَذَ لِنَفْسِهِ أَمَانًا، وَظَفِرُوا بِالْحُجَّاجِ، وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ وَجَمِيعَ مَا مَعَهُمْ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْبَرِّ، وَهَلَكَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَلَمْ يَسْلَمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، فَوَصَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَتَحَمَّلُوا مِنْهَا إِلَى الْبِلَادِ، وَأَقَامَ بَعْضُهُمْ مَعَ الْعَرَبِ حَتَّى تَوَصَّلَ إِلَى الْبِلَادِ.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى انْتَصَرَ لِلْحَاجِّ مِنْ زَعْبٍ، فَلَمْ يَزَالُوا فِي نَقْصٍ وَذِلَّةٍ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ شَابًّا مِنْهُمْ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَجَرَى بَيْنِي وَبَيْنَهُ مُفَاوَضَةٌ قُلْتُ لَهُ فِيهَا: إِنَّنِي وَاللَّهِ كُنْتُ أَمِيلُ إِلَيْكَ حَتَّى سَمِعْتُ أَنَّكَ مِنْ زَعْبٍ، فَنَفَرْتُ وَخِفْتُ شَرَّكَ.
стр. 5405
فَقَالَ: وَلِمَ؟ فَقُلْتُ: بِسَبَبِ أَخْذِكُمُ الْحَاجَّ. فَقَالَ لِي: أَنَا لَمْ أُدْرِكْ ذَلِكَ الْوَقْتَ، وَكَيْفَ رَأَيْتَ اللَّهَ صَنَعَ بِنَا؟ وَاللَّهِ مَا أَفْلَحْنَا، وَلَا نَجَحْنَا، قَلَّ الْعَدَدُ وَطَمِعَ الْعَدُوُّ فِينَا.
ذِكْرُ فَتْحِ حِصْنِ فَامِيَّا فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَتَحَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ ابْنُ الشَّهِيدِ زَنْكِي حِصْنَ فَامِيَّا مِنَ الْفِرِنْجِ، وَهُوَ مُجَاوِرُ شَيْزَرَ وَحَمَاةَ، عَلَى تَلٍّ عَالٍ مِنْ أَحْصَنِ الْقِلَاعِ وَأَمْنَعِهَا، فَسَارَ نُورُ الدِّينِ إِلَيْهِ وَحَصَرَهُ وَبِهِ الْفِرِنْجُ، وَقَاتَلَهُمْ وَضَيَّقَ عَلَى مَنْ بِهِ مِنْهُمْ، فَاجْتَمَعَ مَنْ بِالشَّامِ مِنَ الْفِرِنْجِ وَسَارُوا نَحْوَهُ لِيُرَحِّلُوهُ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَّا وَقَدْ مَلَكَهُ، وَمَلَأَهُ ذَخَائِرَ وَسِلَاحًا وَرِجَالًا وَجَمِيعَ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَسِيرُ الْفِرِنْجِ إِلَيْهِ رَحَلَ عَنْهُ وَقَدْ فَرَغَ مِنْ أَمْرِ الْحِصْنِ وَسَارَ إِلَيْهِمْ يَطْلُبُهُمْ، فَحِينَ رَأَوْا أَنَّ الْحِصْنَ قَدْ مُلِكَ وَقُوَّةَ عَزْمِ نُورِ الدِّينِ عَلَى لِقَائِهِمْ عَدَلُوا عَنْ طَرِيقِهِ، وَدَخَلُوا بِلَادَهُمْ وَرَاسَلُوهُ فِي الْمُهَادَنَةِ، وَعَادَ سَالِمًا مُظَفَّرًا.
وَمَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ وَذَكَرُوا هَذَا الْفَتْحَ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ مُنِيرٍ مِنْ قَصِيدَةٍ أَوَّلُهَا:
أَسْنَى الْمَمَالِكِ مَا أَطَلْتَ مَنَارَهَا ... وَجَعَلْتَ مُرْهَفَةَ الدِّسَارِ دِسَارَهَا
وَأَحَقُّ مَنْ مَلَكَ الْبِلَادَ وَأَهْلَهَا ... رَؤُفٌ تَكَنَّفَ عَدْلُهُ أَقْطَارَهَا
وَمِنْهَا فِي وَصْفِ الْحِصْنِ:
أَدْرَكْتَ ثَأْرَكَ فِي الْبُغَاةِ وَكُنْتَ يَا ... مُخْتَارَ أَمَةِ أَحْمَدٍ مُخْتَارَهَا
طَابَتْ نُجُومُكَ فَوْقَهَا، وَلَرُبَّمَا ... بَاتَتْ تَنَافَثُهَا النُّجُومُ سِرَارَهَا
عَارِيَّةُ الزَّمَنِ الْمُعِيرِ شِمَالُهَا ... مِنْكَ الْمُعِيرَةُ وَاسْتَرَدَّ مُعَارَهَا
стр. 5406
أَمْسَتْ مَعَ الشِّعَرَى الْعُبُورِ وَأَصْبَحَتْ ... شَعْرَاءَ تَسْتَغِلِي الْفُحُولُ شِوَارَهَا
وَهِيَ طَوِيلَةٌ.
ذِكْرُ حَصْرِ الْفِرِنْجِ قُرْطُبَةَ وَرَحِيلِهُمْ عَنْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ السُّلَيْطِينُ، وَهُوَ الْأَذْفُونْشُ، وَهُوَ مَلِكُ طُلَيْطِلَةَ وَأَعْمَالِهَا، وَهُوَ مِنْ مُلُوكِ الْجَلَالِقَةِ نَوْعٍ مِنَ الْفِرِنْجِ، فِي أَرْبَعِينَ أَلْفَ فَارِسٍ إِلَى مَدِينَةِ قُرْطُبَةَ، فَحَصَرَهَا، وَهِيَ فِي ضَعْفٍ وَغَلَاءٍ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَهُوَ بِمَرَّاكُشَ، فَجَهَّزَ عَسْكَرًا كَثِيرًا، وَجَعَلَ مُقَدَّمَهُمْ أَبَا زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى بْنَ يَرْمُوزَ وَنَفَّذَهُمْ إِلَى قُرْطُبَةَ، فَلَمَّا قَرُبُوا مِنْهَا لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَلْقَوْا عَسْكَرَ السُّلَيْطِيِنِ فِي الْوِطَاءِ، وَأَرَادُوا الِاجْتِمَاعَ بِأَهْلِ قُرْطُبَةَ لِيَمْنَعُوهَا لِخَطَرِ الْعَاقِبَةِ بَعْدَ الْقِتَالِ، فَسَلَكُوا الْجِبَالَ الْوَعِرَةَ، وَالْمَضَايِقَ الْمُتَشَعِّبَةَ، فَسَارُوا نَحْوَ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا فِي الْوَعْرِ فِي مَسَافَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فِي السَّهْلِ، فَوَصَلُوا إِلَى جَبَلٍ مُطِلٍّ عَلَى قُرْطُبَةَ، فَلَمَّا رَآهُمُ السُّلَيْطِيِنُ وَتَحَقَّقَ أَمْرَهُمْ رَحَلَ عَنْ قُرْطُبَةَ.
وَكَانَ [فِيهَا] الْقَائِدُ أَبُو الْغَمْرِ السَّائِبُ مِنْ وَلَدِ الْقَائِدِ ابْنِ غَلْبُونَ، وَهُوَ مِنْ أَبْطَالِ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ وَأُمَرَائِهَا، فَلَمَّا رَحَلَ الْفِرِنْجُ خَرَجَ مِنْهَا لِوَقْتِهِ وَصَعِدَ إِلَى ابْنِ يَرْمُوزَ، وَقَالَ لَهُ: انْزِلُوا عَاجِلًا وَادْخُلُوا الْبَلَدَ ; فَفَعَلُوا، وَبَاتُوا فِيهَا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا مِنَ الْغَدِ رَأَوْا عَسْكَرَ السُّلَيْطِينِ عَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ الَّذِي كَانَ فِيهِ عَسْكَرُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو الْغَمْرِ: هَذَا الَّذِي خِفْتُهُ عَلَيْكُمْ لِأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّ السُّلَيْطِينَ مَا أَقْلَعَ إِلَّا طَالِبًا لَكُمْ، فَإِنَّ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ إِلَى الْجَبَلِ طَرِيقًا سَهْلَةً، وَلَوْ لَحِقَكُمْ هُنَاكَ لَنَالَ مُرَادَهُ مِنْكُمْ وَمِنْ قُرْطُبَةَ ; فَلَمَّا رَأَى السُّلَيْطِينُ أَنَّهُمْ قَدْ فَاتُوهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ طَمَعٌ فِي قُرْطُبَةَ ; فَرَحَلَ عَائِدًا إِلَى بِلَادِهِ، وَكَانَ حَصْرُهُ لِقُرْطُبَةَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 5407
ذِكْرُ مُلْكِ الْغُورِيَّةِ هَرَاةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ مَلِكُ الْغُورِ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ مِنْ بِلَادِ الْغُورِ إِلَى هَرَاةَ فَحَصَرَهَا، وَكَانَ أَهْلُهَا قَدْ كَاتَبُوهُ، وَطَلَبُوا أَنْ يُسَلِّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ هَرَبًا مِنْ ظُلْمِ الْأَتْرَاكِ لَهُمْ، وَزَالَ هَيْبَةُ السَّلْطَنَةِ عَنْهُمْ، فَامْتَنَعَ أَهْلُ هَرَاةَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ خَرَجُوا إِلَيْهِ وَسَلَّمُوا الْبَلَدَ وَأَطَاعُوهُ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ، وَغَمَرَهُمْ بِالْعَدْلِ، وَأَظْهَرَ طَاعَةَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، وَالْقِيَامَ عَلَى الْوَفَاءِ لَهُ، وَالِانْقِيَادَ إِلَيْهِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ عَلَاءُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ مَسْعُودٍ الْغَالِبُ عَلَى أَمْرِ طُرَيْثِيثَ الَّتِي بِيَدِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، بِإِقَامَةِ الْخُطْبَةِ لِلْخَلِيفَةِ، وَلُبْسِ السَّوَادِ، فَفَعَلَ الْخَطِيبُ ذَلِكَ، فَثَارَ بِهِ عَمُّهُ وَأَقَارِبُهُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَقَاتَلُوهُ، وَكَسَرُوا الْمِنْبَرَ وَقَتَلُوا الْخَطِيبَ.
وَكَانَ فِعْلُ عَلَاءِ الدِّينِ هَذَا لِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ مُسْلِمًا، فَلَمَّا تَغَلَّبَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ عَلَى طُرَيْثِيثَ أَظْهَرَ مُوَافَقَتَهُمْ، وَأَبْطَنَ اعْتِقَادَ الشَّرِيعَةِ، وَكَانَ يُنَاظِرُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَازْدَادَ تَقَدُّمًا بِطُرَيْثِيثَ، وَجَرَتْ أُمُورُهَا بِإِرَادَتِهِ ; فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى أَنْ يُغَسِّلَهُ فَقِيهٌ شَافِعِيٌّ، وَأَوْصَى إِلَى ابْنِهِ عَلَاءِ الدِّينِ إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُعِيدَ فِيهَا إِظْهَارَ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ فَعَلَ. فَلَمَّا رَأَى مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً فَعَلَهُ، فَلَمْ يَتِمَّ لَهُ.
وَفِيهَا كَثُرَ الْمَرَضُ بِالْعِرَاقِ لَا سِيَّمَا بِبَغْدَادَ، وَكَثُرَ الْمَوْتُ أَيْضًا فِيهَا، فَفَارَقَهَا السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ عَلِيُّ بْنُ دُبَيْسِ بْنِ صَدَقَةَ صَاحِبُ الْحِلَّةِ بِأَسْدَابَادَ، وَاتَّهَمَ طَبِيبَهُ مُحَمَّدَ بْنَ صَالِحٍ الْمُوَاطَأَةَ عَلَيْهِ، فَمَاتَ الطَّبِيبُ بَعْدَهُ بِقَرِيبٍ.
وَفِيهَا اسْتَوْزَرَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ صَاحِبُ بِلَادِ الْمَغْرِبِ أَبَا جَعْفَرِ بْنَ أَبِي أَحْمَدَ الْأَنْدَلُسِيَّ، وَكَانَ مَأْسُورًا عِنْدَهُ، فَوُصِفَ لَهُ بِالْعَقْلِ وَجَوْدَةِ الْكِتَابَةِ، فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْحَبْسِ وَاسْتَوْزَرَهُ، وَهُوَ أَوَّلُ وَزِيرٍ كَانَ لِلْمُوَحِّدِينَ.
стр. 5408
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، جَلَسَ يُوسُفُ الدِّمَشْقِيُّ مُدَرِّسًا فِي النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ جُلُوسُهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْخَلِيفَةِ، فَمُنِعَ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، مِنْ دُخُولِ الْجَامِعِ، فَصَلَّى فِي جَامِعِ السُّلْطَانِ، وَمُنِعَ مِنَ التَّدْرِيسِ، فَتَقَدَّمَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي النَّجِيبِ بِأَنْ يُدَرِّسَ فِيهَا، فَامْتَنَعَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْخَلِيفَةِ فَاسْتَخْرَجَ السُّلْطَانُ إِذْنَ الْخَلِيفَةِ فِي ذَلِكَ، فَدَرَّسَ مُنْتَصَفَ الْمُحَرَّمِ مِنَ السَّنَةِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مِهْرَانَ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، تَفَقَّهَ عَلَى الْهَرَّاسِيِّ، وَوَلِيَ قَضَاءَ نَصِيبِينَ، ثُمَّ تَرَكَ الْقَضَاءَ وَتَزَهَّدَ، فَأَقَامَ بِجَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى جَبَلٍ بِبَلَدِ الْحِصْنِ، فِي زَاوِيَةٍ، وَكَانَ لَهُ كَرَامَاتٌ ظَاهِرَةٌ.
وَفِيهَا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ ذِي النُّونِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الشُّغْرِيُّ أَبُو الْمَفَاخِرِ النَّيْسَابُورِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ فَقِيهًا أَدِيبًا دَائِمَ الْأَشْغَالِ، يَعِظُ النَّاسَ، وَكَانَ مِمَّا يُنْشِدُ:
مَاتَ الْكِرَامُ وَوَلَّوْا وَانْقَضَوْا وَمَضَوْا ... وَمَاتَ مِنْ بَعْدِهِمْ تِلْكَ الْكَرَامَاتُ
وَخَلَّفُونِي فِي قَوْمٍ ذَوِي سَفَهٍ ... لَوْ أَبْصَرُوا طَيْفَ ضَيْفٍ فِي الْكَرَى مَاتُوا
стр. 5409
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
(٥٤٦)
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ انْهِزَامِ نُورِ الدِّينِ مِنْ جُوسْلِينَ وَأَسْرِ جُوسْلِينَ بَعْدَ ذَلِكَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَمَعَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ عَسْكَرَهُ وَسَارَ إِلَى بِلَادِ جُوسْلِينَ الْفِرِنْجِيِّ، وَهِيَ شَمَالِيَّ حَلَبَ، مِنْهَا تَلُّ بَاشِرَ، وَعَيْنُ تَابَ، وَإِعْزَازُ، وَغَيْرُهَا، وَعَزَمَ عَلَى مُحَاصَرَتِهَا وَأَخْذِهَا، وَكَانَ جُوسْلِينَ، لَعَنَهُ اللَّهُ، فَارِسَ الْفِرِنْجِ غَيْرَ مُدَافَعٍ، قَدْ جَمَعَ الشَّجَاعَةَ وَالرَّأْيَ، فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ جَمَعَ الْفِرِنْجَ فَأَكْثَرَ، وَسَارَ نَحْوَ نُورِ الدِّينِ فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ وَأُسِرَ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ أُسِرَ سِلَاحُ دَارِ نُورِ الدِّينِ، فَأَخَذَهُ جُوسْلِينَ، وَمَعَهُ سِلَاحُ نُورِ الدِّينِ، فَسَيَّرَهُ إِلَى الْمَلِكِ مَسْعُودِ بْنِ قُلْجَ أَرَسْلَانَ صَاحِبِ قُونِيَّةَ، وَأَقْصَرَا، وَقَالَ لَهُ: هَذَا سِلَاحُ زَوْجِ ابْنَتِكَ، وَسَيَأْتِيكَ بَعْدَهُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ.
فَلَمَّا عَلِمَ نُورُ الدِّينِ الْحَالَ عَظُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَأَعْمَلَ الْحِيلَةَ [عَلَى] جُوسْلِينَ، وَهَجَرَ الرَّاحَةَ لِيَأْخُذَ بِثَأْرِهِ، وَأَحْضَرَ جَمَاعَةً مِنْ أُمَرَاءِ التُّرْكُمَانِ، وَبَذَلَ لَهُمُ الرَّغَائِبَ إِنْ هُمْ ظَفِرُوا بِجُوسْلِينَ وَسَلَّمُوهُ إِلَيْهِ إِمَّا قَتِيلًا أَوْ أَسِيرًا ; لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ مَتَى قَصَدَهُ بِنَفْسِهِ احْتَمَى بِمَجْمُوعِهِ وَحُصُونِهِ، فَجَعَلَ التُّرْكُمَانُ عَلَيْهِ الْعُيُونَ، فَخَرَجَ مُتَصَيِّدًا، فَلَحِقَتْ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَظَفِرُوا بِهِ، فَصَانَعَهُمْ عَلَى مَالٍ يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِمْ، فَأَجَابُوهُ إِلَى إِطْلَاقِهِ إِذَا حَضَرَ الْمَالُ، فَأَرْسَلَ فِي إِحْضَارِهِ، فَمَضَى بَعْضُهُمْ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ الدَّايَةِ، نَائِبِ نُورِ
стр. 5410
الدِّينِ بِحَلَبَ، فَأَعْلَمَهُ الْحَالَ، فَسَيَّرَ عَسْكَرًا مَعَهُ، فَكَبَسُوا أُولَئِكَ التُّرْكُمَانَ وَجُوسْلِينُ مَعَهُمْ، فَأَخَذُوهُ أَسِيرًا وَأَحْضَرُوهُ عِنْدَهُ، وَكَانَ أَسْرُهُ مِنْ أَعْظَمِ الْفُتُوحِ ; لِأَنَّهُ كَانَ شَيْطَانًا عَاتِيًا، شَدِيدًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، قَاسِيَ الْقَلْبِ، وَأُصِيبَتِ النَّصْرَانِيَّةُ كَافَّةً بِأَسْرِهِ.
وَلَمَّا أُسِرَ سَارَ نُورُ الدِّينِ إِلَى قِلَاعِهِ فَمَلَكَهَا، وَهِيَ تَلُّ بَاشِرَ، وَعَيْنُ تَابَ، وَإِعْزَازُ، وَتَلُّ خَالِدٍ، وَقُورَسُ، وَالرَّاوَنْدَانُ، وَبُرْجُ الرَّصَاصِ، وَحِصْنُ الْبَارَّةِ، وَكَفَرْسُودُ، وَكَفَرْلَاثَا، وَدُلُوكُ، وَمَرْعَشُ، وَنَهْرُ الْجَوْزِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِهِ، (فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ يَرِدُ تَفْصِيلُهَا) .
وَكَانَ نُورُ الدِّينِ كُلَّمَا فَتَحَ مِنْهَا حِصْنًا نَقَلَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْحُصُونُ، خَوْفًا مِنْ نَكْسَةٍ تَلْحَقُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَتَكُونُ بِلَادُهُمْ غَيْرَ مُحْتَاجَةٍ إِلَى مَا يَمْنَعُهَا مِنَ الْعَدُوِّ، وَمَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ، فَمِمَّنْ قَالَ فِيهِ الْقَيْسَرَانِيُّ مِنْ قَصِيدَةٍ فِي ذِكْرِ جُوسْلِينَ:
كَمَا أَهْدَتِ الْأَقْدَارُ لِلْقُمَّصِ أَسْرَهُ ... وَأُسْعِدَ قَرْنُ مَنْ حَوَاهُ لَكَ الْأَسْرُ
طَغَى وَبَغَى عَدْوًا عَلَى غُلَوَائِهِ ... فَأَوْبَقَهُ الْكُفْرَانُ عَدْوَاهُ وَالْكُفْرُ
وَأَمْسَتْ عِزَازٌ كَاسْمِهَا بِكَ عَزَّةً ... تَشُقُّ عَلَى النِّسْرَيْنِ لَوْ أَنَّهَا وَكْرُ
فَسِرْ وَامَلَإِ الدُّنْيَا ضِيَاءً وَبَهْجَةً ... فَبِالْأُفُقِ الدَّاجِي إِلَى ذَا السَّنَا فَقْرُ
كَأَنِّي بِهَذَا الْعَزْمِ لَا فُلَّ حَدُّهُ ... وَأَقْصَاهُ بِالْأَقْصَى وَقَدْ قُضِيَ الْأَمْرُ
وَقَدْ أَصْبَحَ الْبَيْتُ الْمُقَدَّسُ طَاهِرًا ... وَلَيْسَ سِوَى جَارِي الدِّمَاءِ لَهُ طُهْرُ
стр. 5411
ذِكْرُ حَصْرِ غَرْنَاطَةَ وَالْمَرِيَّةِ مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ جَيْشًا كَثِيفًا، نَحْوَ عِشْرِينَ أَلْفَ فَارِسٍ، إِلَى الْأَنْدَلُسِ مَعَ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ أَبِي يَحْيَى الْهِنْتَاتِيِّ، وَسَيَّرَ مَعَهُمْ نِسَاءَهُمْ، (فَكُنَّ يَسِرْنَ مُفْرَدَاتٍ) عَلَيْهِنَّ الْبَرَانِسُ السُّودُ، لَيْسَ مَعَهُنَّ غَيْرُ الْخَدَمِ، (وَمَتَى قُرُبَ مِنْهُنَّ رَجُلٌ ضُرِبَ بِالسِّيَاطِ) .
فَلَمَّا قَطَعُوا الْخَلِيجَ سَارُوا إِلَى غَرْنَاطَةَ وَبِهَا جَمْعٌ مِنَ الْمُرَابِطِينَ، فَحَصَرَهَا عُمَرُ وَعَسْكَرُهُ، وَضَيَّقُوا عَلَيْهَا، فَجَاءَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ مِلْحَانَ، صَاحِبُ مَدِينَةِ وَادِي آشَ وَأَعْمَالِهَا، بِجَمَاعَتِهِ، وَوَحَّدُوا، وَصَارُوا مَعَهُ، وَأَتَاهُمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَمْشَكَ صِهْرُ ابْنِ مَرْدَنِيشَ، صَاحِبِ جَيَّانَ، وَأَصْحَابُهُ، وَوَحَّدُوا، وَصَارُوا أَيْضًا مَعَهُ، فَكَثُرَ جَيْشُهُ، وَحَرَّضُوهُ عَلَى الْمُسَارَعَةِ إِلَى ابْنِ مَرْدَنِيشَ، مَلِكِ بِلَادِ شَرْقِ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، لِيَبْغَتَهُ بِالْحِصَارِ قَبْلَ أَنْ يَتَجَهَّزَ.
فَلَمَّا سَمِعَ ابْنُ مَرْدَنِيشَ ذَلِكَ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلِكِ بَرْشِلُونَةَ، مِنْ بِلَادِ الْفِرِنْجِ، يُخْبِرُهُ، وَيَسْتَنْجِدُهُ، وَيَسْتَحِثُّهُ، عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْفِرِنْجِيُّ فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ، وَسَارَ عَسْكَرُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَوَصَلُوا إِلَى حَمَّةِ بَلْقُوَارَةَ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مُرْسِيَّةَ، الَّتِي هِيَ مَقَرُّ ابْنِ مَرْدَنِيشَ مَرْحَلَةٌ، فَسَمِعُوا بِوُصُولِ الْفِرِنْجِ، فَرَجَعَ وَحَصَرَ مَدِينَةَ الْمَرِيَّةِ، وَهِيَ لِلْفِرِنْجِ، عِدَّةَ شُهُورٍ، فَاشْتَدَّ الْغَلَاءُ فِي الْعَسْكَرِ، وَعُدِمَتِ الْأَقْوَاتُ، فَرَحَلُوا عَنْهَا وَعَادُوا إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ فَأَقَامُوا بِهَا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، تُوُفِّيَ الْعِبَادِيُّ الْوَاعِظُ، وَاسْمُهُ الْمُظَفَّرُ ابْنُ أَرْدَشِيرَ، بِخُوزِسْتَانَ، وَكَانَ الْخَلِيفَةُ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ قَدْ سَيَّرَهُ فِي رِسَالَةٍ إِلَى الْمَلِكِ
стр. 5412
مُحَمَّدٍ ابْنِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَدْرٍ الْحُوَيْزِيِّ، فَتُوفِّيَ هُنَاكَ وَجَلَسَ وَلَدُهُ بِبَغْدَادَ لِلْعَزَاءِ، وَأُقِيمَ بِحَاجِبٍ مِنَ الدِّيوَانِ الْعَزِيزِ.
وَكَانَ يَجْلِسُ وَيَعِظُ وَيَذْكُرُ وَالِدَهُ وَيَبْكِي هُوَ وَالنَّاسُ كَافَّةً، وَنُقِلَ الْعِبَادِيُّ إِلَى بَغْدَادَ وَدُفِنَ بِالشُّوَنِيزَى، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الشَّيْرَوِيِّ، وَزَاهِرٍ الشَّحَّامِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَرَوَاهُ.
وَفِيهَا انْفَجَرَ بَثْقُ النَّهْرَوَانِ الَّذِي أَتَمَّهُ بَهْرُوزُ بِكَثْرَةِ الزِّيَادَةِ فِي تَامِرَّا وَإِهْمَالِ أَمْرِهَا، حَتَّى عَظُمَ ذَلِكَ وَتَضَرَّرَ بِهِ النَّاسُ.
وَفِيهَا سَارَ الْأَمِيرُ قُجُقُ فِي طَائِفَةٍ مِنْ عَسْكَرِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ إِلَى طُرَيْثِيثَ بِخُرَاسَانَ، وَأَغَارَ عَلَى بِلَادِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ فَنَهَبَ، وَسَبَى، وَخَرَّبَ، وَأَحْرَقَ الْمَسَاكِنَ، وَفَعَلَ بِهِمْ أَفَاعِيلَ عَظِيمَةً وَعَادَ سَالِمًا.
стр. 5413
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
(٥٤٧)
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ مَلْكِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بِجَايَةَ وَمُلْكِ بَنِي حَمَّادٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى بِجَايَةَ وَمَلَكَهَا، وَمَلَكَ جَمِيعَ مَمَالِكِ بَنِي حَمَّادٍ. وَكَانَ لَمَّا أَرَادَ قَصْدَهَا سَارَ مِنْ مَرَّاكُشَ إِلَى سَبْتَةَ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، فَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً يُعَمِّرُ الْأُسْطُولَ، وَيَجْمَعُ الْعَسَاكِرَ الْقَرِيبَةَ مِنْهُ.
وَأَمَّا مَا هُوَ عَلَى طَرِيقِهِ (إِلَى بِجَايَةَ مِنَ الْبِلَادِ) ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ لِيَتَجَهَّزُوا وَيَكُونُوا عَلَى الْحَرَكَةِ أَيَّ وَقْتٍ طَلَبَهُمْ، وَالنَّاسُ يَظُنُّونَ أَنَّهُ يُرِيدُ الْعُبُورَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، فَأَرْسَلَ فِي قَطْعِ السَّابِلَةِ عَنْ بِلَادِ شَرْقِ الْمَغْرِبِ بَرًّا وَبَحْرًا.
وَسَارَ مِنْ سَبْتَةَ فِي صَفَرَ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، فَأَسْرَعَ السَّيْرَ وَطَوَى الْمَرَاحِلَ، وَالْعَسَاكِرُ تَلْقَاهُ فِي طَرِيقِهِ، فَلَمْ يَشْعُرْ أَهْلُ بِجَايَةَ إِلَّا وَهُوَ فِي أَعْمَالِهَا، وَكَانَ مَلِكُهَا يَحْيَى بْنُ الْعَزِيزِ بْنِ حَمَّادٍ آخِرَ مَلُّوكِ بَنِي حَمَّادٍ، وَكَانَ مُولَعًا بِالصَّيْدِ وَاللَّهْوِ لَا يَنْظُرُ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ مَمْلَكَتِهِ، قَدْ حَكَمَ فِيهَا بَنُو حَمْدُونَ، فَلَمَّا اتَّصَلَ الْخَبَرُ بِمَيْمُونَ بْنِ حَمْدُونَ جَمَعَ الْعَسْكَرَ وَسَارَ عَنْ بِجَايَةَ نَحْوَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَلَقِيَهُمْ مُقَدِّمَتُهُ، وَهُوَ يَزِيدُ عَلَى عِشْرِينَ أَلْفَ فَارِسٍ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ بِجَايَةَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَدَخَلَتْ مُقَدِّمَةُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بِجَايَةَ قَبْلَ وَصُولِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بِيَوْمَيْنِ، وَتَفَرَّقَ جَمِيعُ عَسْكَرِ يَحْيَى بْنِ الْعَزِيزِ، وَهَرَبُوا بَرًّا وَبَحْرًا، وَتَحَصَّنَ يَحْيَى بِقَلْعَةِ قُسَنْطِينَةِ الْهَوَاءِ، وَهَرَبَ أَخَوَاهُ الْحَارِثُ، وَعَبْدُ اللَّهِ إِلَى صِقِلِّيَةَ، وَدَخْلَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بِجَايَةَ، وَمَلَكَ جَمِيعَ بِلَادِ ابْنِ الْعَزِيزِ بِغَيْرِ قِتَالٍ.
стр. 5414
ثُمَّ إِنَّ يَحْيَى نَزَلَ إِلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بِالْأَمَانِ فَأَمَّنَهُ، وَكَانَ يَحْيَى قَدْ فَرِحَ لَمَّا أُخِذَتْ بِلَادُ إِفْرِيقِيَّةَ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ فَرَحًا ظَهَرَ عَلَيْهِ، فَكَانَ يَذُمُّهُ، وَيَذْكُرُ مَعَايِبَهُ، فَلَمْ تَطُلِ الْمُدَّةُ حَتَّى أُخِذَتْ بِلَادُهُ، وَوَصَلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ فِي جَزَائِرِ بَنِي مَزَغَنَّانَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] سَبَبَ مَصِيرِهِ إِلَيْهَا، وَاجْتَمَعَا عِنْدَهُ، فَأَرْسَلَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ يَحْيَى بْنَ الْعَزِيزِ إِلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَأَقَامَ بِهَا، وَأَجْرَى عَلَيْهِ شَيْئًا كَثِيرًا.
وَأَمَّا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ أَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَأَلْزَمَهُ صُحْبَتَهُ، وَأَعْلَى مَرْتَبَتَهُ، فَلَزِمَهُ إِلَى أَنْ فَتَحَ عَبْدُ الْمُؤْمِنَ الْمَهْدِيَّةَ فَجَعَلَهُ فِيهَا، وَأَمَرَ وَالِيَهَا أَنْ يَقْتَدِيَ بِرَأْيِهِ وَيَرْجِعَ إِلَى قَوْلِهِ.
وَلَمَّا فَتَحَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بِجَايَةَ لَمْ يَتَعَرَّضْ إِلَى مَالِ أَهْلِهَا وَلَا غَيْرِهِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بَنِي حَمْدُونَ اسْتَأْمَنُوا فَوَفَّى بِأَمَانِهِ.
ذِكْرُ ظَفَرِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بِصِنْهَاجَةَ
لَمَّا مَلَكَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بِجَايَةَ تَجَمَّعَتْ صِنْهَاجَةُ فِي أُمَمٍ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَتَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ اسْمُهُ أَبُو قَصَبَةَ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمْ مِنْ كُتَامَةَ وَلُوَاتَةَ وَغَيْرِهِمَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقَصَدُوا حَرْبَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا كَثِيرًا، وَمُقَدَّمُهُمْ أَبُو سَعِيدٍ يَخْلُفُ، وَهُوَ مِنَ الْخَمْسِينَ، فَالْتَقَوْا فِي عُرْضِ الْجَبَلِ شَرْقِيَّ بِجَايَةَ، فَانْهَزَمَ أَبُو قَصَبَةَ وَقُتِلَ أَكْثَرُ مَنْ مَعَهُ، وَنُهِبَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَسُبِيَتْ نِسَاؤُهُمْ وَذَرَارِيهِمْ.
وَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ صِنْهَاجَةَ سَارُوا إِلَى قَلْعَةِ بَنِي حَمَّادٍ، وَهِيَ مِنْ أَحْصَنِ الْقِلَاعِ وَأَعْلَاهَا لَا تُرَامُ، عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ شَاهِقٍ يَكَادُ الطَّرْفُ لَا يُحَقِّقُهَا لِعُلُوِّهَا، وَلَكِنَّ الْقَدَرَ إِذَا جَاءَ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ مَعْقِلٌ وَلَا جُيُوشٌ، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُهَا عَسَاكِرَ الْمُوَحِّدِينَ هَرَبُوا مِنْهَا فِي رَءُوسِ الْجِبَالِ، وَمُلِكَتِ الْقَلْعَةُ، وَأُخِذَ جَمِيعُ مَا فِيهَا مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ وَحُمِلَ إِلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ فَقَسَّمَهُ.
стр. 5415
ذِكْرُ وَفَاةِ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ وَمُلْكِ مَلِكْشَاهْ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَوَّلَ رَجَبٍ تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ مَسْعُودُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ بِهَمَذَانَ، وَكَانَ مَرَضُهُ حُمَّى حَادَّةً نَحْوَ أُسْبُوعٍ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِمِائَةٍ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، وَمَاتَ مَعَهُ سَعَادَةُ الْبَيْتِ السَّلْجُوقِيِّ، فَلَمْ يَقُمْ لَهُ بَعْدَهُ رَايَةٌ وَلَا يُعْتَدُّ بِهَا وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا:
فَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ وَاحِدٍ ... وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا
وَكَانَ ﵀ حَسَنَ الْأَخْلَاقِ، كَثِيرَ الْمِزَاحِ وَالِانْبِسَاطِ مَعَ النَّاسِ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَتَابَكَ زَنْكِي، صَاحِبَ الْمَوْصِلِ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ الْقَاضِيَ كَمَالَ الدِّينِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ الشَّهْرَزُورِيَّ فِي رِسَالَةٍ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ وَأَقَامَ مَعَهُ فِي الْعَسْكَرِ، فَوَقَفَ يَوْمًا عَلَى خَيْمَةِ الْوَزِيرِ، حَتَّى قَارَبَ أَذَانُ الْمَغْرِبِ، فَعَادَ إِلَى خَيْمَتِهِ، فَأَذَّنَ الْمَغْرِبُ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ، فَرَأَى إِنْسَانًا فَقِيهًا فِي خَيْمَةٍ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ، فَصَلَّى مَعَهُ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ سَأَلَهُ كَمَالُ الدَّيْنِ مِنْ أَيْنَ هُوَ؟ فَقَالَ: أَنَا قَاضِي مَدِينَةِ كَذَا. فَقَالَ لَهُ كَمَالُ الدِّينِ: الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ، قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَهُوَ أَنَا وَأَنْتَ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ وَهُوَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ أَبْوَابَ هَؤُلَاءِ الظَّلَمَةِ وَلَا يَرَاهُمْ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَرْسَلَ السُّلْطَانُ وَأُحْضِرَ كَمَالُ الدَّيْنِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَرَآهُ ضَحِكَ وَقَالَ: الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ. فَقَالَ كَمَالُ الدَّيْنِ: نَعَمْ يَا مَوْلَانَا. فَقَالَ: وَاللَّهِ صَدَقْتَ، مَا أَسْعَدَ مَنْ لَا يَرَانَا وَلَا نَرَاهُ! ثُمَّ أَمَرَ أَنْ تُقْضَى حَاجَتُهُ وَأَعَادَهُ مِنْ يَوْمِهِ.
وَكَانَ كَرِيمًا عَفِيفًا عَنِ الْأَمْوَالِ الَّتِي لِلرَّعَايَا، حَسَنَ السِّيرَةِ فِيهِمْ، مِنْ أَصْلَحِ السَّلَاطِينِ سِيرَةً وَأَلْيَنِهِمْ عَرِيكَةً، سَهْلَ الْأَخْلَاقِ لَطِيفًا، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ اجْتَازَ يَوْمًا فِي بَعْضِ أَطْرَافِ بَغْدَادِ، فَسَمِعَ امْرَأَةً تَقُولُ لِأُخْرَى: تَعَالَيِ انْظُرِي إِلَى السُّلْطَانِ، فَوَقَفَ وَقَالَ: حَتَّى تَجِيءَ هَذِهِ السِّتُّ تَنْظُرُ إِلَيْنَا.
وَلَهُ فَضَائِلُ كَثِيرَةٌ وَمَنَاقِبُ جَمَّةٌ، وَكَانَ عَهِدَ إِلَى مَلِكْشَاهِ ابْنِ أَخِيهِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ خَطَبَ لَهُ الْأَمِيرُ خَاصُّ بِكْ بْنُ بَلَنْكَرِي بِالسَّلْطَنَةِ، وَرَتَّبَ الْأُمُورَ، وَقَرَّرَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَذْعَنَ لَهُ جَمِيعُ الْعَسْكَرِ بِالطَّاعَةِ.
стр. 5416
وَلَمَّا وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى بَغْدَادَ بِمَوْتِ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ هَرَبَ الشِّحْنَةُ بِهَا، وَهُوَ مَسْعُودُ بِلَالٍ إِلَى تَكْرِيتَ، وَاسْتَظْهَرَ الْخَلِيفَةَ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ عَلَى دَارِهِ، وَدَوْرِ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ بِبَغْدَادَ، وَأَخَذَ كُلَّ مَا لَهُمْ فِيهَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَحْضَرَهَا بِالدِّيوَانِ، وَجَمَعَ الْخَلِيفَةُ الرِّجَالَ وَالْعَسَاكِرَ وَأَكْثَرَ التَّجْنِيدَ، وَتَقَدَّمَ بِإِرَاقَةِ الْخُمُورِ مِنْ مَسَاكِنِ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ، وَوُجِدَ فِي دَارِ مَسْعُودِ بِلَالٍ شِحْنَةِ بَغْدَادَ كَثِيرٌ مِنَ الْخَمْرِ، فَأُرِيقُ، وَلَمْ يَكُنِ النَّاسُ يَظُنُّونَ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ بَعْدَ الْحَجِّ، وَقُبِضَ عَلَى الْمُؤَيَّدِ الْأَلُوسِيِّ الشَّاعِرِ، وَعَلَى الْحَيْصَ بَيْصَ الشَّاعِرِ، ثُمَّ أُطْلِقَ الْحَيْصَ بَيْصَ، وَأُعِيدَ عَلَيْهِ مَا أُخِذَ مِنْهُ.
ثُمَّ إِنَّ السُّلْطَانَ مَلِكْشَاهْ سَيَّرَ سَلَارْكُرْدَ فِي عَسْكَرٍ إِلَى الْحِلَّةِ، فَدَخَلَهَا، فَسَارَ إِلَيْهِ مَسْعُودُ بِلَالٍ، شِحْنَةُ بَغْدَادَ، وَأَظْهَرَ لَهُ الِاتِّفَاقَ مَعَهُ، فَلَمَّا اجْتَمَعَا قَبْضَ عَلَيْهِ مَسْعُودُ بِلَالٍ وَغَرَّقَهُ، وَاسْتَبَدَّ بِالْحِلَّةِ، فَلَمَّا عَلِمَ الْخَلِيفَةُ ذَلِكَ جَهَّزَ الْعَسَاكِرَ إِلَيْهِ مَعَ الْوَزِيرِ عَوْنِ الدِّينِ بْنِ هُبَيْرَةَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَارَبُوا الْحِلَّةَ عَبَرَ مَسْعُودُ بِلَالٍ الْفُرَاتَ إِلَيْهِمْ وَقَاتَلَهُمْ، فَانْهَزَمَ مِنْ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ، وَنَادَى أَهْلُ الْحِلَّةِ بِشِعَارِ الْخَلِيفَةِ، فَلَمْ يَدْخُلْهَا، وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ، فَعَادَ [إِلَى] تَكْرِيتَ، وَمَلَكَ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ الْحِلَّةِ، وَسَيَّرَ الْوَزِيرُ عَسْكَرًا إِلَى وَاسِطَ، فَمَلَكُوهُمَا.
ثُمَّ إِنَّ عَسَاكِرَ السُّلْطَانِ وَصَلَتْ إِلَى وَاسِطَ، فَفَارَقَهَا عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْخَلِيفَةُ ذَلِكَ تَجَهَّزَ بِنَفْسِهِ، وَسَارَ عَنْ بَغْدَادَ إِلَى وَاسِطَ، فَفَارَقَهَا الْعَسْكَرُ السُّلْطَانِيُّ، وَمَلَكَهَا الْخَلِيفَةُ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى الْحِلَّةِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَادَ، فَوَصَلَهَا تَاسِعَ عَشَرَ ذِي الْقِعْدَةِ، وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا
ثُمَّ إِنَّ خَاصَّ بِكْ بْنَ بَلَنْكَرِي قَبَضَ عَلَى الْمَلِكِ مَلِكْشَاهِ الَّذِي خُطِبَ لَهُ بِالسَّلْطَنَةِ بَعْدَ مَسْعُودٍ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ الْمَلِكِ مُحَمَّدٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] وَهُوَ بِخُوزِسْتَانَ يَسْتَدْعِيهِ، وَكَانَ قَصْدُهُ أَنْ يَحْضُرَ عِنْدَهُ فَيَقْبِضَهُ وَيَخْطُبَ لِنَفْسِهِ بِالسَّلْطَنَةِ، فَسَارَ الْمَلِكُ مُحَمَّدٌ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَصَلَ أَجْلَسَهُ عَلَى تَخْتِ السَّلْطَنَةِ أَوَائِلَ صَفَرٍ، وَخَطَبَ لَهُ بِالسَّلْطَنَةِ، وَخَدَمَهُ، وَبَالَغَ فِي خِدْمَتِهِ، وَحَمَلَ لَهُ هَدَايَا عَظِيمَةً جَلِيلَةَ الْمِقْدَارِ.
ثُمَّ إِنَّهُ دَخَلَ إِلَى الْمَلِكِ مُحَمَّدٍ ثَانِي يَوْمِ وُصُولِهِ، فَقَتَلَهُ مُحَمَّدٌ، وَقَتَلَ مَعَهُ زَنْكِي
стр. 5417
الْجَانْدَارَ، وَأَلْقَى بِرَأْسَيْهِمَا، فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُمَا، وَلَمْ يَنْتَطِحْ فِيهَا عَنْزَانِ. وَكَانَ أَيْدُغْدِي التُّرْكُمَانِيُّ الْمَعْرُوفُ بِشَمْلَةَ مَعَ خَاصِّ بِكْ، فَنَهَاهُ عَنِ الدُّخُولِ إِلَى الْمَلِكِ مُحَمَّدٍ، فَلَمْ يَنْتَهِ، فَقُتِلَ، وَنَجَا شَمْلَةُ، فَنَهَبَ جَشِيرَ الْمَلِكِ مُحَمَّدٍ، وَمَضَى طَالِبًا خُوزِسْتَانَ، وَأَخَذَ مُحَمَّدٌ مِنْ أَمْوَالِ خَاصِّ بِكْ كَثِيرًا، وَاسْتَقَرَّ مُحَمَّدٌ فِي السَّلْطَنَةِ وَتَمَكَّنَ، وَبَقِيَ خَاصٌّ بِكْ مُلْقًى حَتَّى أَكَلَتْهُ الْكِلَابُ، وَكَانَ صَبِيًّا تُرْكُمَانِيًّا اتَّصَلَ بِالسُّلْطَانِ مَسْعُودٍ، فَتَقَدَّمَ عَلَى سَائِرِ الْأُمَرَاءِ وَكَانَ هَذَا خَاتِمَةَ أَمْرِهِ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودٍ وَبَيْنَ الْفِرِنْجِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَجَمَّعَتِ الْفِرِنْجُ، وَحَشَدَتِ الْفَارِسَ وَالرَّاجِلَ، وَسَارُوا نَحْوَ نُورِ الدِّينِ، وَهُوَ بِبِلَادِ جُوسْلِينَ، لِيَمْنَعُوهُ عَنْ مُلْكِهَا، فَوَصَلُوا إِلَيْهِ وَهُوَ بِدُلُوكَ، فَلَمَّا قَرُبُوا مِنْهُ رَجَعَ إِلَيْهِمْ وَلَقِيَهُمْ، وَجَرَى الْمَصَافُّ بَيْنَهُمْ عِنْدَ دُلُوكَ، وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، ثُمَّ انْهَزَمَ الْفِرِنْجُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ وَأُسِرَ كَثِيرٌ، وَعَادَ نُورُ الدِّينِ إِلَى دُلُوكَ، فَمَلَكَهَا وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَمِمَّا قِيلَ فِي ذَلِكَ:
أَعَدْتَ بِعَصْرِكَ هَذَا الْأَنِي ... قِ فَتُوحَ النَّبِيِّ وَأَعْصَارَهَا
فَوَاطَأْتَ يَا حَبَّذَا " أُحُدَيْهَا " ... وَأَسْرَرْتَ مِنْ " بَدْرٍ " أَبْدَارَهَا
وَكَانَ مُهَاجِرُهَا تَابِعِي ... كَ وَأَنْصَارُ رَأْيِكَ أَنْصَارَهَا
فَجَدَّدَتْ إِسْلَامَ " سَلْمَانِهَا " ... وَعَمَّرَ جَدُّكَ عَمَّارَهَا
وَمَا يَوْمُ " إِنِّبَ " إِلَّا كَذَا ... كَ بَلْ طَالَ بِالْبُوعِ أَشْبَارَهَا
صَدَمْتَ " عَرِيمَتَهَا " صَدْمَةً ... أَذَابَتْ مَعَ الْمَاءِ أَحْجَارَهَا
وَفِي " تَلِّ بَاشِرَ " بَاشَرْتَهُمْ ... بِزَحْفٍ تَسَوَّرَ أَسْوَارَهَا
وَإِنْ دَالَكَتْهُمْ " دُلُوكُ " فَقَدَ ... شَدَّدْتَ فَصَدَّقْتَ أَخْبَارَهَا
стр. 5418
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ سَنْجَرَ وَالْغُورِيَّةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ بَيْنَ السُّلْطَانِ [سَنْجَرَ] وَبَيْنَ الْغُورِيَّةِ حَرْبٌ، وَكَانَتْ دَوْلَتُهُمْ أَوَّلَ مَا قَدْ ظَهَرَتْ، وَأَوَّلَ مَنْ مَلَكَ مِنْهُمْ رَجُلٌ اسْمُهُ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحُسَيْنِ مَلِكِ جِبَالِ الْغُورِ وَمَدِينَةِ فَيْرُوزَكُوهْ، وَهِيَ تُقَارِبُ أَعْمَالَ غَزْنَةَ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَتَلَقَّبَ بِعَلَاءِ الدِّينِ، وَتَعَرَّضَ إِلَى أَعْمَالٍ ; ثُمَّ جَمَعَ جَيْشًا عَظِيمًا، وَقَصَدَ هَرَاةَ مُحَاصِرًا لَهَا، فَنَهَبَ عَسْكَرُهُ نَابَ، وَأَوْبَةَ، وَمَارْبَادَ مِنْ هَرَاةَ وَالرُّوذِ، وَسَارَ إِلَى بَلْخَ وَحَصَرَهَا، فَقَاتَلَهُ الْأَمِيرُ قَمَاجُ، وَمَعَهُ جَمْعٌ مِنَ الْغُزِّ، فَغَدَرُوا بِهِ، وَصَارُوا مَعَ الْغُورِيِّ فَمَلَكَ بَلْخَ، فَلَمَّا سَمِعَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ بِذَلِكَ سَارَ إِلَيْهِ لِيَمْنَعَهُ، فَثَبَتَ لَهُ عَلَاءُ الدِّينِ، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْغُورِيَّةُ، وَأُسِرَ عَلَاءُ الدِّينِ، وَقُتِلَ مِنَ الْغُورِيَّةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، لَا سِيَّمَا الرَّجَّالَةُ، وَأَحْضَرَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ عَلَاءَ الدِّينِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: يَا حُسَيْنُ لَوْ ظَفِرْتَ بِي مَا كُنْتَ تَفْعَلُ بِي؟ فَأَخْرَجَ لَهُ قَيْدَ فِضَّةٍ وَقَالَ: كُنْتُ أُقَيِّدُكَ بِهَذَا وَأَحْمِلُكَ إِلَى فَيْرُوزَكُوهْ ; فَخَلَعَ عَلَيْهِ سَنْجَرُ وَرَدَّهُ إِلَى فَيْرُوزَكُوهْ فَبَقِيَ بِهَا مُدَّةً.
ثُمَّ إِنَّهُ قَصَدَ غَزْنَةَ وَمَلَكَهَا حِينَئِذٍ بَهْرَامْ شَاهْ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِهَا بَيْنَ يَدَيْ عَلَاءِ الدِّينِ، بَلْ فَارَقَهَا إِلَى مَدِينَةِ كَرْمَانَ، وَهِيَ مَدِينَةٌ بَيْنَ غَزْنَةَ وَالْهِنْدِ، وَسُكَّانُهَا قَوْمٌ يُقَالُ لَهُمْ أَبْغَانُ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِالْوِلَايَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِكَرْمَانَ. فَلَمَّا فَارَقَ بَهْرَامْ شَاهْ غَزْنَةَ مَلَكَهَا عَلَاءُ الدِّينِ الْغُورِيُّ، وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ [فِي أَهْلِهَا] وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ أَخَاهُ سَيْفَ الدِّينِ سُورِي، وَأَجْلَسَهُ عَلَى تَخْتِ الْمَمْلَكَةِ، وَخَطَبَ لِنَفْسِهِ وَلِأَخِيهِ سَيْفِ الدِّينِ بَعْدَهُ.
ثُمَّ عَادَ عَلَاءُ الدِّينِ إِلَى بَلَدِ الْغُورِ، وَأَمَرَ أَخَاهُ أَنْ يَخْلَعَ عَلَى أَعْيَانِ الْبَلَدِ خِلَعًا نَفِيسَةً، وَيَصِلَهُمْ بِصِلَاتٍ سَنِيَّةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَأَحْسَنَ [إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا] جَاءَ الشِّتَاءُ، وَوَقَعَ الثَّلْجُ، وَعَلِمَ أَهْلُ غَزْنَةَ أَنَّ الطَّرِيقَ قَدِ انْقَطَعَ إِلَيْهِمْ [كَاتَبُوا بَهْرَامْ شَاهْ الَّذِي كَانَ
стр. 5419
صَاحِبَهَا، وَاسْتَدْعَوْهُ إِلَيْهِمْ] ، فَسَارَ نَحْوَهُمْ فِي عَسْكَرِهِ، فَلَمَّا قَارَبَ الْبَلَدَ ثَارَ أَهْلُهُ عَلَى سَيْفِ الدِّينِ فَأَخَذُوهُ بِغَيْرِ قِتَالٍ، وَكَانَ الْعَلَوِيُّونَ هُمُ الَّذِينَ تَوَلَّوْا أَسْرَهُ، وَانْهَزَمَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ نَجَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أُخِذَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ سَوَّدُوا وَجْهَ سَيْفِ الدِّينِ، وَأَرْكَبُوهُ بَقَرَةً، وَطَافُوا بِهِ الْبَلَدَ، ثُمَّ صَلَبُوهُ، وَقَالُوا فِيهِ أَشْعَارًا يَهْجُونَهُ بِهَا وَغَنَّى بِهَا حَتَّى النِّسَاءُ.
فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى أَخِيهِ عَلَاءِ الدِّينِ الْحُسَيْنِ قَالَ شِعْرًا مَعْنَاهُ: إِنْ لَمْ أَقْلَعْ غَزْنَةَ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَسْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ الْحُسَيْنِ.
ثُمَّ تُوُفِّيَ بَهْرَامْ شَاهْ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ خُسْرُوشَاهْ، وَتَجَهَّزَ عَلَاءُ الدِّينِ الْحُسَيْنُ وَسَارَ إِلَى غَزْنَةَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى خُسْرُوشَاهْ سَارَ عَنْهَا إِلَى لَهَاوُورَ، وَمَلَكَهَا عَلَاءُ الدِّينِ، وَنَهَبَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَخَذَ الْعَلَوِيِّينَ الَّذِينَ أَسَرُوا أَخَاهُ فَأَلْقَاهُمْ مِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ، وَخَرَّبَ الْمَحَلَّةَ الَّتِي صُلِبَ فِيهَا أَخُوهُ، وَأَخَذَ النِّسَاءَ اللَّوَاتِي قِيلَ عَنْهُنَّ إِنَّهُنَّ كُنْ يُغَنِّينَ بِهِجَاءِ أَخِيهِ وَالْغُورِيَّةِ، فَأَدْخَلَهُنَّ حَمَّامًا وَمَنَعَهُنَّ مِنَ الْخُرُوجِ حَتَّى مِتْنَ فِيهِ.
وَأَقَامَ بِغَزْنَةَ حَتَّى أَصْلَحَهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى فَيْرُوزَكُوهْ، وَنَقَلَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ غَزْنَةَ خَلْقًا كَثِيرًا، وَحَمَّلَهُمُ الْمَخَالِيَ مَمْلُوءَةً تُرَابًا، فَبَنَى بِهِ قَلْعَةً فِي فَيْرُوزَكُوهْ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ إِلَى الْآنِ، وَتَلَقَّبَ بِالسُّلْطَانِ الْمُعَظَّمِ وَحَمَلَ الْجَتْرَ عَلَى عَادَةِ السَّلَاطِينِ السَّلْجُوقِيَّةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ مِنْ أَخْبَارِهِمْ، وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِهَذَا فِي بَعْضِ الْأَمْرِ، وَكُلًّا سَمِعْنَاهُ وَرَأَيْنَاهُ فِي مُصَنَّفَاتِهِمْ، فَلِهَذَا ذَكَرْنَا الْأَمْرَيْنِ، وَأَقَامَ الْحُسَيْنُ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً، وَاسْتَعْمَلَ ابْنَيْ أَخِيهِ، وَهُمَا غِيَاثُ الدِّينِ، وَشِهَابُ الدِّينِ.
ذِكْرُ مُلْكِ غِيَاثِ الدِّينِ وَشِهَابِ الدِّينِ الْغُورِيَّيْنِ
لَمَّا قَوِيَ أَمْرُ عَمِّهِمَا عَلَاءِ الدِّينِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحُسَيْنِ اسْتَعْمَلَ الْعُمَّالَ وَالْأُمَرَاءَ
стр. 5420
عَلَى الْبِلَادِ، وَكَانَ ابْنَا أَخِيهِ، وَهُمَا غِيَاثُ الدِّينِ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ سَامٍ، وَشِهَابُ الدِّينِ أَبُو الْمُظَفَّرِ مُحَمَّدُ بْنُ سَامٍ، فِيمَنِ اسْتُعْمِلَ عَلَى بَلَدٍ مِنْ بِلَادِ الْغُورِ اسْمُهُ سَنْجَةُ، وَكَانَ غِيَاثُ الدِّينِ يُلَقَّبُ حِينَئِذٍ شَمْسَ الدِّينِ، وَيُلَقَّبُ الْآخَرُ شِهَابَ الدِّينِ، فَلَمَّا اسْتَعْمَلَهَا أَحْسَنَا السِّيرَةَ فِي عَمَلِهِمَا وَعَدَلَا، وَبَذَلَا الْأَمْوَالَ فَمَالَ النَّاسُ إِلَيْهِمَا، وَانْتَشَرَ ذِكْرُهُمَا، فَسَعَى بِهِمَا مَنْ يَحْسُدُهُمَا إِلَى عَمِّهِمَا عَلَاءِ الدِّينِ، وَقَالَ: إِنَّهُمَا يُرِيدَانِ الْوُثُوبَ بِكَ، وَقَتْلَكَ، وَالِاسْتِيلَاءَ عَلَى الْمُلْكِ ; فَأَرْسَلَ عَمُّهُمَا يَسْتَدْعِيهِمَا إِلَيْهِ، فَامْتَنَعَا وَكَانَا قَدْ بَلَغَهُمَا الْخَبَرُ، فَلَمَّا امْتَنَعَا عَلَيْهِ جَهَّزَ إِلَيْهِمَا عَسْكَرًا مَعَ قَائِدٍ يُسَمَّى خُرُوشَ الْغَوْرِيَّ، فَلَمَّا الْتَقَوُا انْهَزَمَ خُرُوشُ وَمَنْ مَعَهُ، وَأُسِرَ هُوَ وَأَبْقَيَا عَلَيْهِ، وَأَحْسَنَا إِلَيْهِ، وَخَلَعَا عَلَيْهِ، وَأَظْهَرَا عِصْيَانَ عَمِّهِمَا وَقَطَعَا خُطْبَتَهُ ; فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِمَا عَلَاءُ الدِّينِ، وَسَارُوا هُمَا أَيْضًا إِلَيْهِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ عَلَاءُ الدِّينِ وَأُخِذَ أَسِيرًا وَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ، فَنَادَى فِيهِمُ ابْنَا أَخِيهِ بِالْأَمَانِ فَأُحْضِرَ عَمُّهُمَا وَأَجْلَسَاهُ عَلَى التَّخْتِ، وَوَقَفَا فِي خِدْمَتِهِ، فَبَكَى عَلَاءُ الدِّينِ وَقَالَ: هَذَانِ صَبِيَّانِ قَدْ فَعَلَا مَا لَوْ قَدَرْتُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا لَمْ أَفْعَلْهُ، ثُمَّ أَحْضَرَ عَمُّهُمَا الْقَاضِيَ فِي الْحَالِ، وَزَوَّجَ غِيَاثَ الدِّينِ بِنْتًا لَهُ، وَجَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ، وَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ.
فَلَمَّا تُوُفِّيَ مَلَكَ غِيَاثُ الدِّينِ بَعْدَهُ وَخَطَبَ لِنَفْسِهِ فِي الْغُورِ وَغَزْنَةَ بِالْمُلْكِ، وَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَلَكَ الْغُزُّ غَزْنَةَ بَعْدَ مَوْتِ عَلَاءِ الدِّينِ، طَمِعُوا فِيهَا بِمَوْتِهِ، وَبَقِيَتْ بِأَيْدِيهِمْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً يَصُبُّونَ عَلَى أَهْلِهَا الْعَذَابَ، وَيُتَابِعُونَ الظُّلْمَ كَعَادَتِهِمْ [فِي] كُلِّ بَلْدَةٍ مَلَكُوهَا، وَلَوْ أَنَّهُمْ لَمَّا مَلَكُوا أَحْسَنُوا السِّيرَةَ فِي الرَّعَايَا لَدَامَ مُلْكُهُمْ ; فَلَمْ يَزَلِ الْغُزُّ بِغَزْنَةَ هَذِهِ الْمُدَّةَ، وَغِيَاثُ الدِّينِ يُقَوِّي أَمْرَهُ، وَيُحْسِنُ السِّيرَةَ، وَالنَّاسُ يَمِيلُونَ إِلَيْهِ وَيَقْصِدُونَهُ.
ذِكْرُ مُلْكِ غِيَاثِ الدِّينِ غَزْنَةَ وَمَا جَاوَرَهَا مِنَ الْبِلَادِ
لَمَّا قَوِيَ أَمْرُ غِيَاثِ الدِّينِ جَهَّزَ جَيْشًا كَثِيفًا مَعَ أَخِيهِ شِهَابِ الدِّينِ إِلَى غَزْنَةَ، فِيهِ أَصْنَافُ الْغُورِيَّةِ، وَالْخَلْجِ، وَالْخُرَاسَانِيَّةِ، فَسَارُوا إِلَيْهَا، فَلَقِيَهُمُ الْغُزُّ
стр. 5421
وَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَ الْغُورِيَّةُ، وَثَبَتَ شِهَابُ الدِّينِ وَسَارَ الْغُزُّ خَلْفَ الْمُنْهَزِمِينَ فَعَطَفَ شِهَابُ الدِّينِ فِيمَنْ ثَبَتَ مَعَهُ عَلَى صَاحِبِ عَلَمِهِمْ فَقَتَلَهُ وَأَخَذَ الْعَلَمَ، وَتَرَكَهُ عَلَى حَالِهِ، فَتَرَاجَعَ الْغُزُّ، وَلَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا بِمَا كَانَ مِنْ شِهَابِ الدِّينِ، فَجَاءُوا يَطْلُبُونَ عَلَمَهُمْ، فَكُلَّمَا جَاءَ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ قَتَلَهُمْ، فَأَتَى عَلَى أَكْثَرِهِمْ، وَدَخَلَ غَزْنَةَ وَتَسَلَّمَهَا وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ فِي أَهْلِهَا وَأَفَاضَ الْعَدْلَ.
وَسَارَ مِنْ غَزْنَةَ إِلَى كَرْمَانَ وَشَنَوْرَانَ فَمَلَكَهُمَا، ثُمَّ تَعَدَّى إِلَى مَاءِ السِّنْدِ، وَعَمِلَ عَلَى الْعُبُورِ إِلَى بَلَدِ الْهِنْدِ، وَقَصَدَ لَهَاوُورَ، وَبِهَا يَوْمَئِذٍ خُسْرُوشَاهِ ابْنُ بَهْرَامْ شَاهْ الْمُقَدَّمُ ذِكْرُ وَالِدِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ خُسْرُوشَاهْ بِذَلِكَ سَارَ فَيَمَنْ مَعَهُ إِلَى مَاءِ السِّنْدِ، فَمَنَعَهُ مِنَ الْعُبُورِ، فَرَجَعَ عَنْهُ وَقَصَدَ خَرْشَابُورَ فَمَلَكَهَا وَمَا يَلِيهَا مِنْ جِبَالِ الْهِنْدِ، وَأَعْمَالِ الْأَبْغَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ مُلْكِ شِهَابِ الدِّينِ لَهَاوُورَ
لَمَّا مَلَكَ شِهَابُ الدِّينِ جِبَالَ الْهِنْدِ قَوِيَ أَمْرُهُ وَجَنَانُهُ، وَعَظُمَتْ هَيْبَتُهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، وَأَحَبُّوهُ لِحُسْنِ سِيرَتِهِ، فَلَمَّا خَرَجَ الشِّتَاءُ، وَأَقْبَلَ الرَّبِيعُ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، سَارَ نَحْوَ لَهَاوُورَ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ، وَحَشْدٍ كَثِيرٍ مِنْ خُرَاسَانَ وَالْغُورِ وَغَيْرِهِمَا، فَعَبَرَ إِلَى لَهَاوُورَ وَحَصَرَهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِهَا خُسْرُوشَاهْ وَإِلَى أَهْلِهَا يَتَهَدَّدُهُمْ إِنْ مَنَعُوهُ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ لَا يَزُولُ حَتَّى يَمْلِكَ الْبَلَدَ، وَبَذَلَ لِخُسْرُوشَاهْ الْأَمَانَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَمِنَ الْإِقْطَاعِ مَا أَرَادَ، وَأَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ بِابْنِ خُسْرُوشَاهْ عَلَى أَنْ يَطَأَ بِسَاطَهُ وَيَخْطُبَ لِأَخِيهِ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ، وَأَقَامَ شِهَابُ الدِّينِ مُحَاصِرًا لَهُ، مُضَيِّقًا عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ الْبَلَدِ وَالْعَسْكَرُ ذَلِكَ ضَعُفَتْ نِيَّاتُهُمْ فِي نُصْرَةِ صَاحِبِهِمْ، فَخَذَلُوهُ، فَأَرْسَلَ لَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَاضِيَ الْبَلَدِ وَالْخَطِيبَ يَطْلُبَانِ لَهُ الْأَمَانَ، فَأَجَابَهُ شِهَابُ الدِّينِ إِلَى ذَلِكَ وَحَلَفَ لَهُ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ، وَدَخَلَ الْغُورِيَّةُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَقِيَ كَذَلِكَ شَهْرَيْنِ مُكَرَّمًا عِنْدَ شِهَابِ الدِّينِ، فَوَرَدَ رَسُولٌ مِنْ غِيَاثِ الدِّينِ إِلَى شِهَابِ الدِّينِ يَأْمُرُهُ بِإِنْفَاذِ خُسْرُوشَاهْ إِلَيْهِ.
стр. 5422
ذِكْرُ انْقِرَاضِ دَوْلَةِ سُبُكْتِكِينَ
لَمَّا أَنْفَذَ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَى أَخِيهِ شِهَابِ الدِّينِ يَطْلُبُ إِنْفَاذَ خُسْرُوشَاهْ إِلَيْهِ أَمَرَهُ شِهَابُ الدِّينِ بِالتَّجَهُّزِ وَالْمَسِيرِ، فَقَالَ: أَنَا لَا أَعْرِفُ أَخَاكَ، وَلَا لِي حَدِيثٌ إِلَّا مَعَكَ، وَلَا يَمِينٌ إِلَّا فِي عُنُقِكَ، فَمَنَّاهُ وَطَيَّبَ قَلْبَهُ، وَجَهَّزَهُ وَسَيَّرَهُ وَسَيَّرَ مَعَهُ وَلَدَهُ، وَأَصْحَبَهُمَا جَيْشًا يَحْفَظُونَهُمَا، فَسَارَا كَارِهَيْنِ ; فَلَمَّا بَلَغَا فَرْشَابُورَ خَرَجَ أَهْلُهَا إِلَيْهِمَا يَبْكُونَ وَيَدْعُونَ لَهُمَا، فَزَجَرَهُمُ الْمُوَكَّلُونَ بِهِمَا، وَقَالُوا: سُلْطَانٌ يَزُورُ سُلْطَانًا آخَرَ، لِأَيِّ شَيْءٍ تَبْكُونَ؟ وَضَرَبُوهُمْ فَعَادُوا، وَخَرَجَ وَلَدُ خَطِيبِهَا إِلَى خُسْرُوشَاهْ عَنْ أَبِيهِ مُتَوَجِّعًا لَهُ، قَالَ: فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ أَعْلَمْتُهُ رِسَالَةَ أَبِي، وَقُلْتُ: إِنَّهُ قَدِ اعْتَزَلَ الْخَطَابَةَ، وَلَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى خِدْمَةِ غَيْرِكُمْ. فَقَالَ لِي: سَلِّمْ عَلَيْهِ. وَأَعْطَانِي فَرَجِيَّةً فُوَطًا وَمُصَلًّى مِنْ عَمَلِ الصُّوفِيَّةِ، وَقَالَ: هَذِهِ تَذْكِرَةُ أَبِيهِ عِنْدَ أَبِي، فَسَلِّمْهَا إِلَيْهِ وَقُلْ لَهُ: دُرْ مَعَ الدَّهْرِ كَيْفَمَا دَارَ ; وَأَنْشَدَ بِلِسَانٍ فَصِيحٍ:
وَلَيْسَ كَعَهْدِ الدَّارِ يَا أَمَّ مَالِكٍ ... وَلَكِنْ أَحَاطَتْ بِالرِّقَابِ السَّلَاسِلُ
قَالَ: فَانْصَرَفْتُ إِلَى أَبِي وَعَرَّفْتُهُ الْحَالَ، فَبَكَى، وَقَالَ: قَدْ أَيْقَنَ الرَّجُلُ بِالْهَلَاكِ ; ثُمَّ رَحَلُوا. فَلَمَّا بَلَغُوا بَلَدَ الْغُورِ لَمْ يَجْتَمِعْ بِهِمَا غِيَاثُ الدِّينِ بَلْ أَمَرَ بِهِمَا فَرُفِعَا إِلَى بَعْضِ الْقِلَاعِ، فَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِمَا.
وَهُوَ آخِرُ مُلُوكِ آلِ سُبُكْتِكِينَ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ دَوْلَتِهِمْ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَتَكُونُ مُدَّةُ وِلَايَتِهِمْ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً تَقْرِيبًا. وَكَانَ مُلُوكُهُمْ مِنْ أَحْسَنِ الْمُلُوكِ سِيرَةً، وَلَاسِيَّمَا جَدُّهُ مَحْمُودٌ، فَإِنَّ آثَارَهُ فِي الْجِهَادِ مَعْرُوفَةٌ، وَأَعْمَالَهُ لِلْآخِرَةِ مَشْهُورَةٌ:
لَوْ كَانَ يَقْعُدُ فَوْقَ الشَّمْسِ مِنْ كَرَمٍ ... قَوْمٌ بِأَوَّلِهِمْ أَوْ مَجْدِهِمْ قَعَدُوا
فَتَبَارَكَ الَّذِي لَا يَزُولُ مُلْكُهُ، وَلَا تُغَيِّرُهُ الدُّهُورُ، فَأُفٍّ لِهَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ، كَيْفَ تَفْعَلُ هَذَا بِأَبْنَائِهَا، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَكْشِفَ عَنْ قُلُوبِنَا حَتَّى نَرَاهَا بِعَيْنِ الْحَقِيقَةِ، وَأَنْ يُقْبِلَ بِنَا إِلَيْهِ، وَأَنْ يَشْغَلَنَا بِهِ عَمَّا سِوَاهُ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.
هَكَذَا ذَكَرَ بَعْضُ فُضَلَاءِ خُرَاسَانَ أَنَّ خُسْرُوشَاهْ آخِرُ مُلُوكِ آلِ سُبُكْتِكِينَ، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي الْمُلْكِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مَلِكْشَاهْ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي سَنَةِ
стр. 5423
تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَبِالْجُمْلَةِ فَابْتِدَاءُ دَوْلَةِ الْغُورِيَّةِ عِنْدِي فِيهِ خُلْفٌ لَوْ يَنْكَشِفُ الْحَقُّ فَأُصْلِحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ الْخُطْبَةِ لِغِيَاثِ الدِّينِ بِالسَّلْطَنَةِ
لَمَّا اسْتَقَرَّ مُلْكُهُمْ بِلَهَاوُورَ وَاتَّسَعَتْ مَمْلَكَتُهُمْ وَكَثُرَتْ عَسَاكِرُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ كَتَبَ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَى أَخِيهِ شِهَابِ الدِّينِ بِإِقَامَةِ الْخُطْبَةِ لَهُ بِالسَّلْطَنَةِ، وَتَلَقَّبَ بِأَلْقَابِ السَّلَاطِينِ، كَانَ لَقَبُهُ شَمْسَ الدِّينِ، فَتَلَقَّبَ غِيَاثَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا مُعِينَ الْإِسْلَامِ، قَسِيمَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ; وَلَقَّبَ أَخَاهُ مُعِزَّ الدِّينِ، فَفَعَلَ شِهَابُ الدِّينِ ذَلِكَ وَخَطَبَ لَهُ بِالسَّلْطَنَةِ.
ذِكْرُ مُلْكِ غِيَاثِ الدِّينِ هَرَاةَ وَغَيْرَهَا مِنْ خُرَاسَانَ
لَمَّا فَرَغَ شِهَابُ الدِّينِ مِنْ إِصْلَاحِ أَمْرِ لَهَاوُورَ وَتَقْرِيرِ قَوَاعِدِهَا، سَارَ إِلَى أَخِيهِ غِيَاثِ الدِّينِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ بِهِ اسْتَقَرَّ رَأْيُهُمَا عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى خُرَاسَانَ وَقَصَدَ مَدِينَةَ هَرَاةَ وَمُحَاصَرَتَهَا، فَسَارَا فِي الْعَسَاكِرِ الْكَثِيرَةِ إِلَيْهَا، وَكَانَ بِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ السَنْجَرِيَّةِ، فَنَازَلَا الْبَلَدَ وَحَصَرَاهُ، وَضَيَّقَا عَلَى مَنْ بِهِ، فَاسْتَسْلَمُوا إِلَيْهِمَا، وَأَرْسَلُوا يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ مِنْهُمَا، فَأَجَابَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَأَمَّنَاهُمْ، فَتَسَلَّمَا الْبَلَدَ، وَأَخْرَجَا مَنْ فِيهِ مِنَ الْأُمَرَاءِ السَنْجَرِيَّةِ، وَاسْتَنَابَ فِيهِ غِيَاثُ الدِّينِ خَزْنَكَ الْغَوْرِيَّ، وَسَارَ غِيَاثُ الدِّينِ وَأَخُوهُ إِلَى فُوشَنْجَ فَمَلَكَاهَا، ثُمَّ إِلَى بَاذَغِيسَ وَكَالِينَ وَبَيْوَارَ فَمَلَكَاهَا أَيْضًا، وَتَسَلَّمَ ذَلِكَ جَمِيعَهُ غِيَاثُ الدِّينِ، وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ فِي الْبِلَادِ، وَرَجَعَ إِلَى فَيْرُوزَكُوهْ، وَرَجَعَ شِهَابُ الدِّينِ إِلَى غَزْنَةَ.
(وَكَانَ) يَنْبَغِي أَنَّ حَوَادِثَ الْغُورِيَّةِ تُذْكَرُ فِي السِّنِينَ، وَإِنَّمَا جَمَعْنَاهَا لِيَتْلُوَ
стр. 5424
بَعْضُهَا بَعْضًا ; وَلِأَنَّ فِيهِ مَا لَمْ يُعَرَفْ تَارِيخُهُ فَتَرَكْنَاهُ بِحَالِهِ.
ذِكْرُ مُلْكِ شِهَابِ الدِّينِ مَدِينَةَ آجُرَةَ مِنْ بَلَدِ الْهِنْدِ
لَمَّا رَجَعَ شِهَابُ الدِّينِ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى غَزْنَةَ أَقَامَ بِهَا حَتَّى أَرَاحَ وَاسْتَرَاحَ هُوَ وَعَسَاكِرُهُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى بَلَدِ الْهِنْدِ، فَحَاصَرَ مَدِينَةَ آجُرَةَ، وَبِهَا مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْهِنْدِ، فَلَمْ يَظْفَرْ مِنْهُ بِطَائِلٍ، وَكَانَ لِلْهِنْدِيِّ زَوْجَةٌ غَالِبَةٌ عَلَى أَمْرِهِ، فَرَاسَلَهَا شِهَابُ الدِّينِ أَنَّهُ يَتَزَوَّجُهَا، فَأَعَادَتِ الْجَوَابَ أَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لَهُ، وَأَنَّ لَهَا ابْنَةً جَمِيلَةً تُزَوِّجُهُ إِيَّاهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا يُجِيبُهَا إِلَى التَّزَوُّجِ بِابْنَتِهَا، فَسَقَتْ زَوْجَهَا سُمًّا فَمَاتَ وَسَلَّمَتِ الْبَلَدَ إِلَيْهِ.
فَلَمَّا تَسَلَّمَهُ أَخَذَ الصَّبِيَّةَ فَأَسْلَمَتْ، وَتَزَوَّجَهَا، وَحَمَلَهَا إِلَى غَزْنَةَ وَأَجْرَى عَلَيْهَا الْجِرَايَاتِ الْوَافِرَةَ، وَوَكَّلَ بِهَا مَنْ عَلَّمَهَا الْقُرْآنَ، وَتَشَاغَلَ عَنْهَا، فَتُوُفِّيَتْ وَالِدَتُهَا، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ هِيَ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ، وَلَمْ يَرَهَا وَلَمْ يَقْرَبْهَا، فَبَنَى لَهَا مَشْهَدًا وَدَفَنَهَا فِيهِ، وَأَهْلُ غَزْنَةَ يَزُورُونَ قَبْرَهَا.
ثُمَّ عَادَ إِلَى بَلَدِ الْهِنْدِ، فَذَلَّ لَهُ صِعَابُهَا، وَتَيَسَّرَ لَهُ فَتْحُ الْكَثِيرِ مِنْ بِلَادِهِمْ، وَدَوَّخَ مُلُوكَهُمْ، وَبَلَغَ مِنْهُمْ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ مِنْ مُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ.
ذِكْرُ ظَفَرِ الْهِنْدِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ
لَمَّا اشْتَدَّتْ نِكَايَةُ شِهَابِ الدِّينِ فِي بِلَادِ الْهِنْدِ وَإِثْخَانُهُ فِي أَهْلِهَا وَاسْتِيلَاؤُهُ عَلَيْهَا، اجْتَمَعَ مُلُوكُهُمْ وَتَآمَرُوا بَيْنَهُمْ، وَوَبَّخَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى الِاجْتِمَاعِ وَالتَّعَاضُدِ عَلَى حَرْبِهِ، فَجَمَعُوا عَسَاكِرَهُمْ وَحَشَدُوا، وَأَقْبَلَ إِلَيْهِمُ الْهُنُودُ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ عَلَى الصَّعْبِ وَالذَّلُولِ، وَجَاءُوا بِحَدِّهِمْ وَحَدِيدِهِمْ، وَكَانَ الْحَاكِمُ عَلَى جَمِيعِ الْمُلُوكِ الْمُجْتَمِعِينَ امْرَأَةً هِيَ مِنْ أَكْبَرِ مُلُوكِهِمْ.
فَلَمَّا سَمِعَ بِاجْتِمَاعِهِمْ وَمَسِيرِهِمْ إِلَيْهِ تَقَدَّمَ هُوَ أَيْضًا إِلَيْهِمْ فِي عَسْكَرٍ عَظِيمٍ مِنَ الْغُورِيَّةِ وَالْخَلْجِ وَالْخُرَاسَانِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ كَثِيرُ قَتَّالٍ حَتَّى انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَرَكِبَهُمُ الْهُنُودُ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ، وَأَثْخَنُوا فِيهِمْ، وَأَصَابَ شِهَابَ
стр. 5425
الدِّينِ ضَرْبَةٌ بَطَلَتْ مِنْهَا يَدُهُ الْيُسْرَى، وَضَرْبَةٌ أُخْرَى عَلَى رَأْسِهِ سَقَطَ مِنْهَا إِلَى الْأَرْضِ، وَحَجَزَ اللَّيْلُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَأَحَسَّ شِهَابُ الدِّينِ بِجَمَاعَةٍ مِنْ غِلْمَانِهِ الْأَتْرَاكِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَهُمْ يَطْلُبُونَهُ فِي الْقَتْلَى وَيَبْكُونَ، وَقَدْ رَجَعَ الْهُنُودُ إِلَى وَرَائِهِمْ، وَكَلَّمَهُمْ وَهُوَ عَلَى مَا بِهِ مِنَ الْجَهْدِ، فَجَاءُوا إِلَيْهِ مُسْرِعِينَ، وَحَمَلُوهُ عَلَى رُءُوسِهِمْ رَجَّالَةً يَتَنَاوَبُونَ حَمْلَهُ، حَتَّى بَلَغُوا مَدِينَةَ آجُرَةَ مَعَ الصَّبَاحِ.
وَشَاعَ خَبَرُ سَلَامَتِهِ فِي النَّاسِ، فَجَاءُوا إِلَيْهِ يُهَنِّئُونَهُ مِنْ أَقْطَارِ الْبِلَادِ، فَأَوَّلُ مَا عَمِلَ أَنَّهُ أَخَذَ أُمَرَاءَ الْغُورِيَّةِ الَّذِينَ انْهَزَمُوا عَنْهُ وَأَسْلَمُوهُ، فَمَلَأَ مَخَالِيَ خَيْلِهِمْ شَعِيرًا، وَحَلَفَ لَئِنْ لَمْ يَأْكُلُوهُ لَيَضْرِبَنَّ أَعْنَاقَهُمْ، فَأَكَلُوهُ ضَرُورَةً.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى أَخِيهِ غِيَاثِ الدِّينِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَلُومُهُ عَلَى عَجَلَتِهِ وَإِقْدَامِهِ وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ جَيْشًا عَظِيمًا.
ذِكْرُ ظَفَرِ الْمُسْلِمِينَ بِالْهِنْدِ
لَمَّا سَلِمَ شِهَابُ الدِّينِ وَعَادَ إِلَى آجِرَةَ، وَأَتَاهُ الْمَدَدُ مِنْ أَخِيهِ غِيَاثِ الدِّينِ، عَادَ الْهُنُودُ فَجَدَّدُوا سِلَاحَهُمْ، وَوَفَّرُوا جَمْعَهُمْ، وَأَقَامُوا عِوَضَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، وَسَارَتْ مَلِكَتُهُمْ وَهُمْ مَعَهَا فِي عَدَدٍ يَضِيقُ عَنْهُ الْفَضَاءُ، فَرَاسَلَهَا شِهَابُ الدِّينِ يَخْدَعُهَا بِأَنَّهُ يَتَزَوَّجُهَا، فَلَمْ تُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَتْ: إِمَّا الْحَرْبُ، وَإِمَّا أَنْ تُسَلِّمَ بِلَادَ الْهِنْدِ وَتَعُودَ إِلَى غَزْنَةَ، فَأَجَابَهَا إِلَى الْعَوْدِ إِلَى غَزْنَةَ، وَأَنَّهُ يَسْتَأْذِنُ أَخَاهُ غِيَاثَ الدِّينِ؛ فَعَلَ ذَلِكَ مَكْرًا وَخَدِيعَةً.
وَكَانَ بَيْنَ الْعَسْكَرَيْنِ نَهْرٌ، وَقَدْ حَفِظَ الْهُنُودُ الْمَخَاضَاتُ، فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [أَنْ] يَجُوزَهُ، وَأَقَامُوا يَنْتَظِرُونَ مَا يَكُونُ مِنْ جَوَابِ غِيَاثِ الدِّينِ بِزَعْمِهِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ وَصَلَ إِنْسَانٌ هِنْدِيٌّ إِلَى شِهَابِ الدِّينِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ يَعْرِفُ مَخَاضًا قَرِيبًا مِنْ عَسْكَرِ الْهُنُودِ، وَطَلَبَ أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُ جَيْشًا يُعَبِّرُهُمُ الْمَخَاضَ، وَيَكْبِسُونَ الْهُنُودَ وَهُمْ غَارُّونَ غَافِلُونَ، فَخَافَ شِهَابُ الدِّينِ أَنْ تَكُونَ خَدِيعَةً وَمَكْرًا، فَأَقَامَ لَهُ ضُمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ آجُرَةَ وَالْمُولْتَانِ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ جَيْشًا كَثِيفًا، وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الْأَمِيرَ الْحُسَيْنَ بْنَ خَرْمِيلَ الْغَوْرِيَّ، وَهُوَ الَّذِي صَارَ بَعْدُ صَاحِبَ هَرَاةَ، وَكَانَ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالرَّأْيِ بِالْمَنْزِلَةِ الْمَشْهُورَةِ.
стр. 5426
فَسَارَ الْجَيْشُ مَعَ الْهِنْدِيِّ، فَعَبَرُوا النَّهْرَ، فَلَمْ يَشْعُرِ الْهُنُودُ إِلَّا وَقَدْ خَالَطَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَوَضَعُوا السَّيْفَ فِيهِمْ، فَاشْتَغَلَ الْمُوَكَّلُونَ بِحِفْظِ الْمَخَاضَاتِ، فَعَبَرَ شِهَابُ الدِّينِ وَبَاقِي الْعَسَاكِرِ، وَأَحَاطُوا بِالْهُنُودِ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَنَادَوْا بِشِعَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَنْجُ مِنَ الْهُنُودِ إِلَّا مَنْ عَجَزَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ قَتْلِهِ وَأَسْرِهِ، وَقُتِلَتْ مَلِكَتُهُمْ، وَتَمَكَّنَ شِهَابُ الدِّينِ بَعْدَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ، وَأَمِنَ مَعَرَّةَ فَسَادِهِمْ، وَالْتَزَمُوا لَهُ بِالْأَمْوَالِ وَسَلَّمُوا إِلَيْهِ الرَّهَائِنَ وَصَالَحُوهُ وَأَقْطَعَ مَمْلُوكَهُ قُطْبَ الدِّينِ أَيْبَكَ مَدِينَةَ دَهْلِي، وَهِيَ كُرْسِيُّ الْمَمَالِكِ الَّتِي فَتَحَهَا مِنَ الْهِنْدِ، فَأَرْسَلَ عَسْكَرًا مِنَ الْخَلِيجِ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ بَخْتَيَارَ، فَمَلَكُوا مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ مَوَاضِعَ مَا وَصَلَ إِلَيْهَا مُسْلِمٌ قَبْلَهُ، حَتَّى قَارَبُوا حُدُودَ الصِّينِ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ.
وَقَدْ حَدَّثَنِي صَدِيقٌ لِي مِنَ التُّجَّارِ بِوَقْعَتَيْنِ تُشْبِهَانِ هَاتَيْنِ الْوَقْعَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَبَيْنَهُمَا بَعْضُ الْخِلَافِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ يَعْقُوبُ الْكَاتِبُ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ يَسْكُنُ بِالْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ، وَحَضَرَ مُتَوَلِّي الْمَتْرُوكَاتِ وَخَتَمَ عَلَى الْغُرْفَةِ الَّتِي كَانَ يَسْكُنُهَا بِالْمَدْرَسَةِ، فَثَارَ الْفُقَهَاءُ وَضَرَبُوا الْمُتَوَلِّيَ وَأَخَذُوا التَّرِكَةَ، وَهَذِهِ عَادَتُهُمْ فِيمَنْ يَمُوتُ بِهَا وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ، فَقَبَضَ حَاجِبُ الْبَابِ عَلَى رَجُلَيْنِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَعَاقَبَهُمَا، وَحَبَسَهُمَا، فَأَغْلَقَ الْفُقَهَاءُ الْمَدْرَسَةَ، وَأَلْقَوْا كُرْسِيَّ الْوُعَّاظِ فِي الطَّرِيقِ، وَصَعِدُوا سَطْحَ الْمَدْرَسَةِ لَيْلًا، وَاسْتَغَاثُوا، وَتَرَكُوا الْأَدَبَ.
وَكَانَ حِينَئِذٍ مُدَرِّسُهُمُ الشَّيْخَ أَبَا النَّجِيبِ، فَجَاءَ وَأَلْقَى نَفْسَهُ تَحْتَ التَّاجِ يَعْتَذِرُ، فَعُفِيَ عَنْهُ.
стр. 5427
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ حُسَامُ الدِّينِ تِمِرْتَاشُ صَاحِبُ مَارِدِينَ وَمَيَّافَارِقِينَ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَتَوَلَّى بَعْدَهُ ابْنُهُ نَجْمُ الدِّينِ أَلْبِي.
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ يُوسُفَ الْأَرْمَوِيُّ الشَّافِعِيُّ الْمُحَدِّثُ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْأَسْعَدِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْقُشَيْرِيُّ فِي شَوَّالٍ، وَهُوَ شَيْخُ شُيُوخِ خُرَاسَانَ.
وَفِيهَا، فِي الْمُحَرَّمِ، بَاضَ دِيكٌ بِبَغْدَادَ بَيْضَةً، وَبَاضَ بَازِيٌّ بَيْضَتَيْنِ، وَبَاضَتْ نَعَامَةٌ لَا ذَكَرَ مَعَهَا بَيْضَةً.
стр. 5428
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
(٥٤٨)
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ انْهِزَامِ سَنْجَرَ مِنَ الْغُزِّ وَنَهْبِهِمْ خُرَاسَانَ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، انْهَزَمَ السُّلْطَانُ سَنْجَرَ مِنَ الْأَتْرَاكِ الْغُزِّ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ التُّرْكِ مُسْلِمُونَ، كَانُوا بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَلَمَّا مَلَكَ الْخَطَا أَخْرَجُوهُمْ مِنْهُ، كَمَا ذَكَرْنَا، فَقَصَدُوا خُرَاسَانَ، وَكَانُوا خَلْقًا كَثِيرًا فَأَقَامُوا بِنَوَاحِي بَلْخَ يَرْعَوْنَ فِي مَرَاعِيهَا، وَكَانَ لَهُمْ أُمَرَاءُ اسْمُ أَحَدِهِمْ دِينَارٌ، وَالْآخَرُ بُخْتِيَارُ، وَالْآخَرُ طَوْطَى، وَالْآخَرُ أَرْسَلَانَ، وَالْآخَرُ جَغَرُ، وَالْآخَرُ مَحْمُودٌ، فَأَرَادَ الْأَمِيرُ قَمَاجُ، وَهُوَ مُقْطِعُ بَلْخَ، إِبْعَادَهُمْ، فَصَانَعُوهُ بِشَيْءٍ بَذَلُوهُ لَهُ، فَعَادَ عَنْهُمْ، فَأَقَامُوا عَلَى حَالَةٍ حَسَنَةٍ لَا يُؤْذُونَ أَحَدًا، وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ.
ثُمَّ إِنَّ قَمَاجَ عَاوَدَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِالِانْتِقَالِ عَنْ بَلَدِهِ، فَامْتَنَعُوا، وَانْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ مِنْ طَوَائِفِ التُّرْكِ، فَسَارَ قَمَاجُ إِلَيْهِمْ فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَجَاءَ إِلَيْهِ أُمَرَاؤُهُمْ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَكُفَّ عَنْهُمْ، وَيَتْرُكَهُمْ فِي مَرَاعِيهِمْ، وَيُعْطُونَهُ مِنْ كُلِّ بَيْتٍ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِضَّةٍ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِي الِانْتِزَاحِ عَنْ بَلَدِهِ، فَعَادُوا عَنْهُ، وَاجْتَمَعُوا وَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ قَمَاجُ وَنَهَبُوا مَالَهُ وَمَالَ عَسْكَرِهِ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِي الْعَسْكَرِ وَالرَّعَايَا، وَاسْتَرَقُّوا النِّسَاءَ وَالْأَطْفَالَ، وَعَمِلُوا كُلَّ عَظِيمَةٍ، وَقَتَلُوا الْفُقَهَاءَ وَخَرَّبُوا الْمَدَارِسَ.
وَانْتَهَتِ الْهَزِيمَةُ بِقَمَاجَ إِلَى مَرْوَ، وَبِهَا السُّلْطَانُ سَنْجَرُ، فَأَعْلَمَهُ الْحَالَ، فَرَاسَلَهُمْ سَنْجَرُ يَتَهَدَّدُهُمْ، فَأَمَرَهُمْ بِمُفَارَقَةِ بِلَادِهِ، فَاعْتَذَرُوا، وَبَذَلُوا بَذْلًا كَثِيرًا لِيَكُفَّ عَنْهُمْ
стр. 5429
وَيَتْرُكَهُمْ فِي مَرَاعِيهِمْ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ مِنْ أَطْرَافِ الْبِلَادِ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُ مَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ فَارِسٍ، وَقَصَدَهُمْ وَوَقَعَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ، فَانْهَزَمَتْ عَسَاكِرُ سَنْجَرَ، وَانْهَزَمَ هُوَ أَيْضًا، وَتَبِعَهُمُ الْغُزُّ قَتْلًا وَأَسْرًا، فَصَارَ قَتْلَى الْعَسْكَرِ كَالتِّلَالِ، وَقُتِلَ عَلَاءُ الدِّينِ قَمَاجَ، وَأُسِرَ [السُّلْطَانُ سَنْجَرُ وَأُسِرَ] مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، [فَأَمَّا الْأُمَرَاءُ] فَضَرَبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَأَمَّا السُّلْطَانُ سَنْجَرُ، فَإِنَّ أُمَرَاءَ الْغُزِّ اجْتَمَعُوا، وَقَبَّلُوا الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالُوا: نَحْنُ عَبِيدُكَ لَا نَخْرُجُ عَنْ طَاعَتِكَ، فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ لَمْ تُرِدْ قِتَالَنَا وَإِنَّمَا حُمِلْتَ عَلَيْهِ، فَأَنْتَ السُّلْطَانُ وَنَحْنُ الْعَبِيدُ ; فَمَضَى عَلَى ذَلِكَ شَهْرَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، وَدَخَلُوا مَعَهُ إِلَى مَرْوَ وَهِيَ كُرْسِيُّ مُلْكِ خُرَاسَانَ، وَطَلَبَهَا مِنْهُ بُخْتِيَارُ إِقْطَاعًا، فَقَالَ السُّلْطَانُ: هَذِهِ دَارُ الْمُلْكِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إِقْطَاعًا لِأَحَدٍ. فَضَحِكُوا مِنْهُ وَحَبَقَ لَهُ بُخْتِيَارُ بِفَمِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَزَلَ عَنْ سَرِيرِ الْمُلْكِ وَدَخَلَ خَانَكَانِ مَرْوَ وَتَابَ عَنِ الْمُلْكِ.
وَاسْتَوْلَى الْغُزُّ عَلَى الْبِلَادِ، وَظَهَرَ مِنْهُمْ مِنَ الْجَوْرِ مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَوَلَّوْا عَلَى نَيْسَابُورَ وَالِيًا، فَسَقَطَ عَلَى النَّاسِ كَثِيرًا وَعَسَفَهُمْ وَضَرَبَهُمْ، وَعَلَّقَ فِي الْأَسْوَاقِ ثَلَاثَ غَرَائِرَ، وَقَالَ: أُرِيدُ مَلْءَ هَذِهِ ذَهَبًا ; فَثَارَ عَلَيْهِ الْعَامَّةُ فَقَتَلُوهُ وَمَنْ مَعَهُ، فَرَكِبَ الْغُزُّ وَدَخَلُوا نَيْسَابُورَ وَنَهَبُوهَا مُجْحِفًا، وَجَعَلُوهَا قَاعًا صَفْصَفًا، وَقَتَلُوا الْكِبَارَ وَالصِّغَارَ وَأَحْرَقُوهَا، وَقَتَلُوا الْقُضَاةَ وَالْعُلَمَاءَ فِي الْبِلَادِ كُلِّهَا، فَمِمَّنْ [قُتِلَ] الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَرْسَابَنْدِيُّ، وَالْقَاضِي عَلِيُّ بْنُ مَسْعُودٍ، وَالشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى.
وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِي مَرَاثِي مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، فَمِمَّنْ قَالَ فِيهِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكَاتِبُ:
مَضَى الَّذِي كَانَ يُجْنَى الدُّرُّ مِنْ فِيهِ ... يَسِيلُ بِالْفَضْلِ وَالْإِفْضَالِ وَادِيهِ
مَضَى ابْنُ يَحْيَى الَّذِي قَدْ كَانَ صَوْبَ ... حَيًا لِأَبْرَ شَهْرَ وَمِصْبَاحًا لِدَاجِيهِ
خَلَا خُرَاسَانُ مِنْ عِلْمٍ وَمِنْ وَرَعٍ ... لَمَّا نَعَاهُ إِلَى الْآفَاقِ نَاعِيهِ
لَمَّا أَمَاتُوهُ مَاتَ الدِّينُ وَا أَسَفًا ... مَنْ ذَا الَّذِي بَعْدَ مُحْيِي الدِّينِ يُحْيِيهِ
стр. 5430
وَيَتَعَذَّرُ وَصْفُ مَا جَرَى مِنْهُمْ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ جَمِيعِهَا، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْ خُرَاسَانَ شَيْءٌ لَمْ تَنْهَبْهُ الْغُزُّ غَيْرَ هَرَاةَ وَدِهِسْتَانَ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ حَصِينَةً فَامْتَنَعَتْ.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مُؤَرِّخِي خُرَاسَانَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ مَا فِيهِ زِيَادَةُ وُضُوحٍ، وَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْغُزَّ قَوْمٌ انْتَقَلُوا مِنْ نَوَاحِي الثَّغْرِ مِنْ أَقَاصِي التُّرْكِ إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ فِي أَيَّامِ الْمَهْدِيِّ، وَأَسْلَمُوا، وَاسْتَنْصَرَ بِهِمُ الْمُقَنَّعُ صَاحِبُ الْمَخَارِيقِ وَالشَّعْبَذَةِ، حَتَّى تَمَّ أَمْرُهُ، فَلَمَّا سَارَتِ الْعَسَاكِرُ إِلَيْهِ خَذَلَهُ هَؤُلَاءِ الْغُزُّ وَأَسْلَمُوهُ، وَهَذِهِ عَادَتُهُمْ فِي كُلِّ دَوْلَةٍ كَانُوا فِيهَا ; وَفَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ مَعَ الْمُلُوكِ الْخَاقَانِيَّةِ، إِلَّا أَنَّ الْأَتْرَاكَ الْقَارَغْلِيَّةَ قَمَعُوهُمْ، وَطَرَدُوهُمْ عَنْ أَوْطَانِهِمْ، فَدَعَاهُمُ الْأَمِيرُ زَنْكِي بْنُ خَلِيفَةَ الشَّيْبَانِيُّ الْمُسْتَوْلِي عَلَى حُدُودِ طَخَارِسْتَانَ إِلَيْهِ، وَأَنْزَلَهُمْ بِلَادَهُ، وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمِيرِ قَمَاجَ عَدَاوَةٌ أَحْكَمَتْهَا الْأَيَّامُ لِلْمُجَاوَرَةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُرِيدُ أَنْ يَعْلُوَ عَلَى الْآخَرِ وَيَحْكُمَ عَلَيْهِ، فَتَقَوَّى بِهِمْ زَنْكِي، وَسَارُوا مَعَهُ إِلَى بَلْخَ لِمُحَارَبَةِ قَمَاجَ، فَكَاتَبَهُمْ قَمَاجُ، فَمَالُوا إِلَيْهِ، وَخَذَلُوا زَنْكِي عِنْدَ الْحَرْبِ، فَأُخِذَ زَنْكِي وَابْنُهُ أَسِيرَيْنِ، فَقَتَلَ قَمَاجُ ابْنَ زَنْكِي، وَجَعَلَ يُطْعِمُ أَبَاهُ لَحْمَهُ، ثُمَّ قَتَلَ الْأَبَ أَيْضًا، وَأَقْطَعَ قَمَاجُ الْغُزَّ مَوَاضِعَ، وَأَبَاحَهُمْ مَرَاعِيَ بِلَادِهِ.
فَلَمَّا قَامَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْغُورِيُّ بِغَزْنَةَ وَقَصَدَ بَلْخَ خَرَجَ إِلَيْهِ قَمَاجُ وَعَسَاكِرُهُ وَمَعَهُ الْغُزُّ، فَفَارَقَهُ الْغُزُّ وَانْضَمُّوا إِلَى الْغَوْرِيِّ حَتَّى مَلَكَ مَدِينَةَ بَلْخَ، فَسَارَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ إِلَى بَلْخَ، فَفَارَقَهَا الْغَوْرِيُّ بَعْدَ قِتَالٍ انْهَزَمَ مِنْهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى السُّلْطَانِ سَنْجَرَ لِعَجْزِهِ عَنْ مُقَاوَمَتِهِ، فَرَدَّهُ إِلَى غَزْنَةَ.
وَبَقِيَ الْغُزُّ بِنَوَاحِي طَخَارِسْتَانَ وَفِي نَفْسِ قَمَاجَ مِنْهُمُ الْغَيْظُ الْعَظِيمُ لِمَا فَعَلُوهُ مَعَهُ، فَأَرَادَ صَرْفَهُمْ عَنْ بِلَادِهِ، فَتَجَمَّعُوا، وَانْضَمَّ إِلَيْهِمْ طَوَائِفُ مِنَ التُّرْكِ، وَقَدَّمُوا عَلَيْهِمْ أَرْسَلَانَ بُوقَا التُّرْكِيَّ، فَجَمَعَ قَمَاجُ عَسْكَرَهُ وَلَقِيَهُمْ فَاقْتَتَلُوا يَوْمًا كَامِلًا إِلَى اللَّيْلِ، فَانْهَزَمَ قَمَاجُ وَعَسْكَرُهُ، وَأُسِرَ هُوَ وَابْنُهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَتَلُوهُمَا، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى نَوَاحِي بَلْخَ، وَعَاثُوا فِيهَا وَأَفْسَدُوا بِالنَّهْبِ وَالْقَتْلِ وَالسَّلْبِ.
следующие страницы →