← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

فَسَارَ الْجَيْشُ مَعَ الْهِنْدِيِّ، فَعَبَرُوا النَّهْرَ، فَلَمْ يَشْعُرِ الْهُنُودُ إِلَّا وَقَدْ خَالَطَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَوَضَعُوا السَّيْفَ فِيهِمْ، فَاشْتَغَلَ الْمُوَكَّلُونَ بِحِفْظِ الْمَخَاضَاتِ، فَعَبَرَ شِهَابُ الدِّينِ وَبَاقِي الْعَسَاكِرِ، وَأَحَاطُوا بِالْهُنُودِ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَنَادَوْا بِشِعَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَنْجُ مِنَ الْهُنُودِ إِلَّا مَنْ عَجَزَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ قَتْلِهِ وَأَسْرِهِ، وَقُتِلَتْ مَلِكَتُهُمْ، وَتَمَكَّنَ شِهَابُ الدِّينِ بَعْدَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ، وَأَمِنَ مَعَرَّةَ فَسَادِهِمْ، وَالْتَزَمُوا لَهُ بِالْأَمْوَالِ وَسَلَّمُوا إِلَيْهِ الرَّهَائِنَ وَصَالَحُوهُ وَأَقْطَعَ مَمْلُوكَهُ قُطْبَ الدِّينِ أَيْبَكَ مَدِينَةَ دَهْلِي، وَهِيَ كُرْسِيُّ الْمَمَالِكِ الَّتِي فَتَحَهَا مِنَ الْهِنْدِ، فَأَرْسَلَ عَسْكَرًا مِنَ الْخَلِيجِ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ بَخْتَيَارَ، فَمَلَكُوا مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ مَوَاضِعَ مَا وَصَلَ إِلَيْهَا مُسْلِمٌ قَبْلَهُ، حَتَّى قَارَبُوا حُدُودَ الصِّينِ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ. وَقَدْ حَدَّثَنِي صَدِيقٌ لِي مِنَ التُّجَّارِ بِوَقْعَتَيْنِ تُشْبِهَانِ هَاتَيْنِ الْوَقْعَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَبَيْنَهُمَا بَعْضُ الْخِلَافِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ يَعْقُوبُ الْكَاتِبُ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ يَسْكُنُ بِالْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ، وَحَضَرَ مُتَوَلِّي الْمَتْرُوكَاتِ وَخَتَمَ عَلَى الْغُرْفَةِ الَّتِي كَانَ يَسْكُنُهَا بِالْمَدْرَسَةِ، فَثَارَ الْفُقَهَاءُ وَضَرَبُوا الْمُتَوَلِّيَ وَأَخَذُوا التَّرِكَةَ، وَهَذِهِ عَادَتُهُمْ فِيمَنْ يَمُوتُ بِهَا وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ، فَقَبَضَ حَاجِبُ الْبَابِ عَلَى رَجُلَيْنِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَعَاقَبَهُمَا، وَحَبَسَهُمَا، فَأَغْلَقَ الْفُقَهَاءُ الْمَدْرَسَةَ، وَأَلْقَوْا كُرْسِيَّ الْوُعَّاظِ فِي الطَّرِيقِ، وَصَعِدُوا سَطْحَ الْمَدْرَسَةِ لَيْلًا، وَاسْتَغَاثُوا، وَتَرَكُوا الْأَدَبَ. وَكَانَ حِينَئِذٍ مُدَرِّسُهُمُ الشَّيْخَ أَبَا النَّجِيبِ، فَجَاءَ وَأَلْقَى نَفْسَهُ تَحْتَ التَّاجِ يَعْتَذِرُ، فَعُفِيَ عَنْهُ.

стр. 5427

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ حُسَامُ الدِّينِ تِمِرْتَاشُ صَاحِبُ مَارِدِينَ وَمَيَّافَارِقِينَ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَتَوَلَّى بَعْدَهُ ابْنُهُ نَجْمُ الدِّينِ أَلْبِي. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ يُوسُفَ الْأَرْمَوِيُّ الشَّافِعِيُّ الْمُحَدِّثُ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْأَسْعَدِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْقُشَيْرِيُّ فِي شَوَّالٍ، وَهُوَ شَيْخُ شُيُوخِ خُرَاسَانَ. وَفِيهَا، فِي الْمُحَرَّمِ، بَاضَ دِيكٌ بِبَغْدَادَ بَيْضَةً، وَبَاضَ بَازِيٌّ بَيْضَتَيْنِ، وَبَاضَتْ نَعَامَةٌ لَا ذَكَرَ مَعَهَا بَيْضَةً.

стр. 5428

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ] (٥٤٨) ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ انْهِزَامِ سَنْجَرَ مِنَ الْغُزِّ وَنَهْبِهِمْ خُرَاسَانَ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، انْهَزَمَ السُّلْطَانُ سَنْجَرَ مِنَ الْأَتْرَاكِ الْغُزِّ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ التُّرْكِ مُسْلِمُونَ، كَانُوا بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَلَمَّا مَلَكَ الْخَطَا أَخْرَجُوهُمْ مِنْهُ، كَمَا ذَكَرْنَا، فَقَصَدُوا خُرَاسَانَ، وَكَانُوا خَلْقًا كَثِيرًا فَأَقَامُوا بِنَوَاحِي بَلْخَ يَرْعَوْنَ فِي مَرَاعِيهَا، وَكَانَ لَهُمْ أُمَرَاءُ اسْمُ أَحَدِهِمْ دِينَارٌ، وَالْآخَرُ بُخْتِيَارُ، وَالْآخَرُ طَوْطَى، وَالْآخَرُ أَرْسَلَانَ، وَالْآخَرُ جَغَرُ، وَالْآخَرُ مَحْمُودٌ، فَأَرَادَ الْأَمِيرُ قَمَاجُ، وَهُوَ مُقْطِعُ بَلْخَ، إِبْعَادَهُمْ، فَصَانَعُوهُ بِشَيْءٍ بَذَلُوهُ لَهُ، فَعَادَ عَنْهُمْ، فَأَقَامُوا عَلَى حَالَةٍ حَسَنَةٍ لَا يُؤْذُونَ أَحَدًا، وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ. ثُمَّ إِنَّ قَمَاجَ عَاوَدَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِالِانْتِقَالِ عَنْ بَلَدِهِ، فَامْتَنَعُوا، وَانْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ مِنْ طَوَائِفِ التُّرْكِ، فَسَارَ قَمَاجُ إِلَيْهِمْ فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَجَاءَ إِلَيْهِ أُمَرَاؤُهُمْ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَكُفَّ عَنْهُمْ، وَيَتْرُكَهُمْ فِي مَرَاعِيهِمْ، وَيُعْطُونَهُ مِنْ كُلِّ بَيْتٍ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِضَّةٍ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِي الِانْتِزَاحِ عَنْ بَلَدِهِ، فَعَادُوا عَنْهُ، وَاجْتَمَعُوا وَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ قَمَاجُ وَنَهَبُوا مَالَهُ وَمَالَ عَسْكَرِهِ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِي الْعَسْكَرِ وَالرَّعَايَا، وَاسْتَرَقُّوا النِّسَاءَ وَالْأَطْفَالَ، وَعَمِلُوا كُلَّ عَظِيمَةٍ، وَقَتَلُوا الْفُقَهَاءَ وَخَرَّبُوا الْمَدَارِسَ. وَانْتَهَتِ الْهَزِيمَةُ بِقَمَاجَ إِلَى مَرْوَ، وَبِهَا السُّلْطَانُ سَنْجَرُ، فَأَعْلَمَهُ الْحَالَ، فَرَاسَلَهُمْ سَنْجَرُ يَتَهَدَّدُهُمْ، فَأَمَرَهُمْ بِمُفَارَقَةِ بِلَادِهِ، فَاعْتَذَرُوا، وَبَذَلُوا بَذْلًا كَثِيرًا لِيَكُفَّ عَنْهُمْ

стр. 5429

وَيَتْرُكَهُمْ فِي مَرَاعِيهِمْ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ مِنْ أَطْرَافِ الْبِلَادِ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُ مَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ فَارِسٍ، وَقَصَدَهُمْ وَوَقَعَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ، فَانْهَزَمَتْ عَسَاكِرُ سَنْجَرَ، وَانْهَزَمَ هُوَ أَيْضًا، وَتَبِعَهُمُ الْغُزُّ قَتْلًا وَأَسْرًا، فَصَارَ قَتْلَى الْعَسْكَرِ كَالتِّلَالِ، وَقُتِلَ عَلَاءُ الدِّينِ قَمَاجَ، وَأُسِرَ [السُّلْطَانُ سَنْجَرُ وَأُسِرَ] مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، [فَأَمَّا الْأُمَرَاءُ] فَضَرَبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَأَمَّا السُّلْطَانُ سَنْجَرُ، فَإِنَّ أُمَرَاءَ الْغُزِّ اجْتَمَعُوا، وَقَبَّلُوا الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالُوا: نَحْنُ عَبِيدُكَ لَا نَخْرُجُ عَنْ طَاعَتِكَ، فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ لَمْ تُرِدْ قِتَالَنَا وَإِنَّمَا حُمِلْتَ عَلَيْهِ، فَأَنْتَ السُّلْطَانُ وَنَحْنُ الْعَبِيدُ ; فَمَضَى عَلَى ذَلِكَ شَهْرَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، وَدَخَلُوا مَعَهُ إِلَى مَرْوَ وَهِيَ كُرْسِيُّ مُلْكِ خُرَاسَانَ، وَطَلَبَهَا مِنْهُ بُخْتِيَارُ إِقْطَاعًا، فَقَالَ السُّلْطَانُ: هَذِهِ دَارُ الْمُلْكِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إِقْطَاعًا لِأَحَدٍ. فَضَحِكُوا مِنْهُ وَحَبَقَ لَهُ بُخْتِيَارُ بِفَمِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَزَلَ عَنْ سَرِيرِ الْمُلْكِ وَدَخَلَ خَانَكَانِ مَرْوَ وَتَابَ عَنِ الْمُلْكِ. وَاسْتَوْلَى الْغُزُّ عَلَى الْبِلَادِ، وَظَهَرَ مِنْهُمْ مِنَ الْجَوْرِ مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَوَلَّوْا عَلَى نَيْسَابُورَ وَالِيًا، فَسَقَطَ عَلَى النَّاسِ كَثِيرًا وَعَسَفَهُمْ وَضَرَبَهُمْ، وَعَلَّقَ فِي الْأَسْوَاقِ ثَلَاثَ غَرَائِرَ، وَقَالَ: أُرِيدُ مَلْءَ هَذِهِ ذَهَبًا ; فَثَارَ عَلَيْهِ الْعَامَّةُ فَقَتَلُوهُ وَمَنْ مَعَهُ، فَرَكِبَ الْغُزُّ وَدَخَلُوا نَيْسَابُورَ وَنَهَبُوهَا مُجْحِفًا، وَجَعَلُوهَا قَاعًا صَفْصَفًا، وَقَتَلُوا الْكِبَارَ وَالصِّغَارَ وَأَحْرَقُوهَا، وَقَتَلُوا الْقُضَاةَ وَالْعُلَمَاءَ فِي الْبِلَادِ كُلِّهَا، فَمِمَّنْ [قُتِلَ] الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَرْسَابَنْدِيُّ، وَالْقَاضِي عَلِيُّ بْنُ مَسْعُودٍ، وَالشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى. وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِي مَرَاثِي مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، فَمِمَّنْ قَالَ فِيهِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكَاتِبُ: مَضَى الَّذِي كَانَ يُجْنَى الدُّرُّ مِنْ فِيهِ ... يَسِيلُ بِالْفَضْلِ وَالْإِفْضَالِ وَادِيهِ مَضَى ابْنُ يَحْيَى الَّذِي قَدْ كَانَ صَوْبَ ... حَيًا لِأَبْرَ شَهْرَ وَمِصْبَاحًا لِدَاجِيهِ خَلَا خُرَاسَانُ مِنْ عِلْمٍ وَمِنْ وَرَعٍ ... لَمَّا نَعَاهُ إِلَى الْآفَاقِ نَاعِيهِ لَمَّا أَمَاتُوهُ مَاتَ الدِّينُ وَا أَسَفًا ... مَنْ ذَا الَّذِي بَعْدَ مُحْيِي الدِّينِ يُحْيِيهِ

стр. 5430

وَيَتَعَذَّرُ وَصْفُ مَا جَرَى مِنْهُمْ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ جَمِيعِهَا، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْ خُرَاسَانَ شَيْءٌ لَمْ تَنْهَبْهُ الْغُزُّ غَيْرَ هَرَاةَ وَدِهِسْتَانَ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ حَصِينَةً فَامْتَنَعَتْ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مُؤَرِّخِي خُرَاسَانَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ مَا فِيهِ زِيَادَةُ وُضُوحٍ، وَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْغُزَّ قَوْمٌ انْتَقَلُوا مِنْ نَوَاحِي الثَّغْرِ مِنْ أَقَاصِي التُّرْكِ إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ فِي أَيَّامِ الْمَهْدِيِّ، وَأَسْلَمُوا، وَاسْتَنْصَرَ بِهِمُ الْمُقَنَّعُ صَاحِبُ الْمَخَارِيقِ وَالشَّعْبَذَةِ، حَتَّى تَمَّ أَمْرُهُ، فَلَمَّا سَارَتِ الْعَسَاكِرُ إِلَيْهِ خَذَلَهُ هَؤُلَاءِ الْغُزُّ وَأَسْلَمُوهُ، وَهَذِهِ عَادَتُهُمْ فِي كُلِّ دَوْلَةٍ كَانُوا فِيهَا ; وَفَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ مَعَ الْمُلُوكِ الْخَاقَانِيَّةِ، إِلَّا أَنَّ الْأَتْرَاكَ الْقَارَغْلِيَّةَ قَمَعُوهُمْ، وَطَرَدُوهُمْ عَنْ أَوْطَانِهِمْ، فَدَعَاهُمُ الْأَمِيرُ زَنْكِي بْنُ خَلِيفَةَ الشَّيْبَانِيُّ الْمُسْتَوْلِي عَلَى حُدُودِ طَخَارِسْتَانَ إِلَيْهِ، وَأَنْزَلَهُمْ بِلَادَهُ، وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمِيرِ قَمَاجَ عَدَاوَةٌ أَحْكَمَتْهَا الْأَيَّامُ لِلْمُجَاوَرَةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُرِيدُ أَنْ يَعْلُوَ عَلَى الْآخَرِ وَيَحْكُمَ عَلَيْهِ، فَتَقَوَّى بِهِمْ زَنْكِي، وَسَارُوا مَعَهُ إِلَى بَلْخَ لِمُحَارَبَةِ قَمَاجَ، فَكَاتَبَهُمْ قَمَاجُ، فَمَالُوا إِلَيْهِ، وَخَذَلُوا زَنْكِي عِنْدَ الْحَرْبِ، فَأُخِذَ زَنْكِي وَابْنُهُ أَسِيرَيْنِ، فَقَتَلَ قَمَاجُ ابْنَ زَنْكِي، وَجَعَلَ يُطْعِمُ أَبَاهُ لَحْمَهُ، ثُمَّ قَتَلَ الْأَبَ أَيْضًا، وَأَقْطَعَ قَمَاجُ الْغُزَّ مَوَاضِعَ، وَأَبَاحَهُمْ مَرَاعِيَ بِلَادِهِ. فَلَمَّا قَامَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْغُورِيُّ بِغَزْنَةَ وَقَصَدَ بَلْخَ خَرَجَ إِلَيْهِ قَمَاجُ وَعَسَاكِرُهُ وَمَعَهُ الْغُزُّ، فَفَارَقَهُ الْغُزُّ وَانْضَمُّوا إِلَى الْغَوْرِيِّ حَتَّى مَلَكَ مَدِينَةَ بَلْخَ، فَسَارَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ إِلَى بَلْخَ، فَفَارَقَهَا الْغَوْرِيُّ بَعْدَ قِتَالٍ انْهَزَمَ مِنْهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى السُّلْطَانِ سَنْجَرَ لِعَجْزِهِ عَنْ مُقَاوَمَتِهِ، فَرَدَّهُ إِلَى غَزْنَةَ. وَبَقِيَ الْغُزُّ بِنَوَاحِي طَخَارِسْتَانَ وَفِي نَفْسِ قَمَاجَ مِنْهُمُ الْغَيْظُ الْعَظِيمُ لِمَا فَعَلُوهُ مَعَهُ، فَأَرَادَ صَرْفَهُمْ عَنْ بِلَادِهِ، فَتَجَمَّعُوا، وَانْضَمَّ إِلَيْهِمْ طَوَائِفُ مِنَ التُّرْكِ، وَقَدَّمُوا عَلَيْهِمْ أَرْسَلَانَ بُوقَا التُّرْكِيَّ، فَجَمَعَ قَمَاجُ عَسْكَرَهُ وَلَقِيَهُمْ فَاقْتَتَلُوا يَوْمًا كَامِلًا إِلَى اللَّيْلِ، فَانْهَزَمَ قَمَاجُ وَعَسْكَرُهُ، وَأُسِرَ هُوَ وَابْنُهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَتَلُوهُمَا، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى نَوَاحِي بَلْخَ، وَعَاثُوا فِيهَا وَأَفْسَدُوا بِالنَّهْبِ وَالْقَتْلِ وَالسَّلْبِ.

стр. 5431

وَبَلَغَ السُّلْطَانَ سَنْجَرَ الْخَبَرُ، فَجَمْعَ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَرَاسَلُوهُ يَعْتَذِرُونَ وَيَتَنَصَّلُونَ، فَلَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُمْ، وَوَصَلَ إِلَيْهِمْ مُقَدِّمَةُ السُّلْطَانِ، وَفِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ قَمَاجَ الْمَقْتُولِ، وَالْمُؤَيَّدُ أَيْ أَبَهْ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَوَصَلَ بَعْدَهُمُ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ، فَالْتَقَاهُ الْغُزُّ بَعْدَ أَنْ أَرْسَلُوا يَعْتَذِرُونَ وَيَبْذُلُونَ الْأَمْوَالَ وَالطَّاعَةَ وَالِانْقِيَادَ إِلَى كُلِّ مَا يُؤْمَرُونَ بِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ سَنْجَرُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَلَقُوهُ وَقَاتَلُوهُ وَصَبَرُوا لَهُ، وَدَامَ قِتَالُهُمْ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ سَنْجَرَ، وَهُوَ مَعَهُمْ، فَتَوَجَّهُوا إِلَى بَلْخَ عَلَى أَقْبَحِ صُورَةٍ، وَتَبِعَهُمُ الْغُزُّ، وَاقْتَتَلُوا مَرَّةً ثَانِيَةً، فَانْهَزَمَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ أَيْضًا، وَمَضَى مُنْهَزِمًا إِلَى مَرْوَ فِي صَفَرٍ مِنَ السَّنَةِ، فَقَصَدَ الْغُزُّ إِلَيْهَا، فَلَمَّا سَمِعَ الْعَسْكَرُ الْخُرَاسَانِيُّ بِقُرْبِهِمْ مِنْهُمْ أَجْفَلُوا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ هَارِبِينَ لِمَا دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْ خَوْفِهِمْ وَالرُّعْبِ مِنْهُمْ، فَلَمَّا فَارَقَهَا السُّلْطَانُ وَالْعَسْكَرُ دَخَلَهَا الْغُزُّ وَنَهَبُوهَا أَفْحَشَ نَهْبٍ وَأَقْبَحَهُ، وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ، وَقُتِلَ بِهَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا وَأَعْيَانِهَا، مِنْهُمْ قَاضِي الْقُضَاةِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَرْسَابَنْدِيُّ، وَالْقَاضِي عَلِيُّ بْنُ مَسْعُودٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ. وَلَمَّا خَرَجَ سَنْجَرُ مِنْ مَرْوَ قَصَدَ إِنْدِرَابَةَ وَأَخَذَهُ الْغُزُّ أَسِيرًا، وَأَجْلَسُوهُ عَلَى تَخْتِ السَّلْطَنَةِ عَلَى عَادَتِهِ، وَقَامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَذَلُوا لَهُ طَاعَةً، ثُمَّ عَاوَدُوا الْغَارَةَ عَلَى مَرْوَ فِي رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ، فَمَنَعَهُمْ أَهْلُهَا، وَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا بَذَلُوا فِيهِ جُهْدَهُمْ وَطَاقَتَهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ عَجَزُوا، فَاسْتَسْلَمُوا إِلَيْهِمْ، فَنَهَبُوهَا أَقْبَحَ مِنَ النَّهْبِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَتْرُكُوا بِهَا شَيْئًا. وَكَانَ قَدْ فَارَقَ سَنْجَرَ جَمِيعُ أُمَرَاءِ خُرَاسَانَ وَوَزِيرُهُ طَاهِرُ بْنُ فَخْرِ الْمُلْكِ ابْنِ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ غَيْرُ نَفَرٍ يَسِيرٍ مِنْ خَوَاصِّهِ وَخَدَمِهِ ; فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى نَيْسَابُورَ أَحْضَرُوا الْمَلِكَ سُلَيْمَانَ شَاهْ ابْنَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، فَوَصَلَ إِلَى نَيْسَابُورَ تَاسِعَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنَ السَّنَةِ، فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَخَطَبُوا لَهُ بِالسَّلْطَنَةِ، وَسَارَ فِي هَذَا الشَّهْرِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَسْكَرِ السُّلْطَانِيِّ إِلَى طَائِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْغُزِّ، فَأَوْقَعُوا بِهِمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ كَثِيرًا، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ إِلَى أُمَرَائِهِمُ الْغُزِّيَّةِ فَاجْتَمَعُوا مَعَهُمْ. وَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ عَلَى الْمَلِكِ سُلَيْمَانَ شَاهْ سَارُوا إِلَى مَرْوَ يَطْلُبُونَ الْغُزَّ، فَبَرَزَ الْغُزُّ إِلَيْهِمْ، فَسَاعَةَ رَآهُمُ الْعَسْكَرُ الْخُرَاسَانِيُّ انْهَزَمُوا وَوَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ،

стр. 5432

وَقَصَدُوا نَيْسَابُورَ، وَتَبِعَهُمُ الْغُزُّ، فَمَرُّوا بِطُوسَ، وَهِيَ مَعْدِنُ الْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ، فَنَهَبُوهَا، وَسَبَوْا نِسَاءَهَا، وَقَتَلُوا رِجَالَهَا، وَخَرَّبُوا مَسَاجِدَهَا وَمَسَاكِنَ أَهْلِهَا، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْ جَمِيعِ وِلَايَةِ طُوسَ إِلَّا الْبَلَدُ الَّذِي فِيهِ مَشْهَدُ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَى، وَمَوَاضِعُ أُخَرُ يَسِيرَةٌ لَهَا أَسْوَارٌ. وَمِمَّنْ قُتِلَ مِنْ أَعْيَانِ أَهْلِهَا إِمَامُهَا مُحَمَّدٌ الْمَارْشِكِيُّ، وَنَقِيبُ الْعَلَوِيِّينَ بِهَا عَلِيٌّ الْمُوسَوِيُّ، وَخَطِيبُهَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْمُحْسِنِ، وَشَيْخُ شُيُوخِهَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَفْنَوْا مَنْ بِهَا مِنَ الشُّيُوخِ الصَّالِحِينَ. وَسَارُوا مِنْهَا إِلَى نَيْسَابُورَ، فَوَصَلُوا إِلَيْهَا فِي شَوَّالٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، وَلَمْ يَجِدُوا دُونَهَا مَانِعًا وَلَا مُدَافِعًا، فَنَهَبُوهَا نَهْبًا ذَرِيعًا، وَقَتَلُوا أَهْلَهَا، فَأَكْثَرُوا حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُمْ لَمْ يُبْقُوا بِهَا أَحَدًا، حَتَّى إِنَّهُ أُحْصِيَ فِي مَحَلَّتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ قَتِيلٍ مِنَ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَسَبَوْا نِسَاءَهَا وَأَطْفَالَهَا، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، وَبَقِيَ الْقَتْلَى فِي الدُّرُوبِ كَالتِّلَالِ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ، وَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ أَهْلِهَا بِالْجَامِعِ الْمَنِيعِيِّ وَتَحَصَّنُوا بِهِ، فَحَصَرَهُمُ الْغُزُّ فَعَجَزَ أَهْلُ نَيْسَابُورَ عَنْ مَنْعِهِمْ، فَدَخَلَ الْغُزُّ إِلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَكَانُوا يَطْلُبُونَ مِنَ الرَّجُلِ الْمَالَ، فَإِذَا أَعْطَاهُمُ الرَّجُلُ مَالَهُ قَتَلُوهُ، وَقَتَلُوا كَثِيرًا مِنْ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الَّذِي لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ مِثْلُهُ، كَانَ رِحْلَةُ النَّاسِ مِنْ أَقْصَى الْغَرْبِ وَالشَّرْقِ إِلَيْهِ، وَرَثَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَيْهَقِيُّ فَقَالَ: يَا سَافِكًا دَمَ عَالِمٍ مُتَبَحِّرٍ قَدْ ... طَارَ فِي أَقْصَى الْمَمَالِكِ صِيتُهُ بِاللَّهِ قُلْ لِي يَا ظَلُومُ وَلَا تَخَفْ ... مَنْ كَانَ يُحْيِي الدِّينَ كَيْفَ تُمِيتُهُ وَمِنْهُمُ الزَّاهِدُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْأَكَّافُ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكَاتِبُ سِبْطُ الْقُشَيْرِيِّ، وَأَبُو الْبَرَكَاتِ الْفُرَاوِيُّ، وَالْإِمَامُ عَلِيٌّ الصَّبَّاغُ الْمُتَكَلِّمُ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَامِدٍ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الْمُلْقَابَاذِيُّ وَالْقَاضِي صَاعِدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَاعِدٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الرَّازِيُّ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالزُّهَّادِ وَالصَّالِحِينَ، وَأَحْرَقُوا مَا بِهَا مِنْ خَزَائِنِ الْكُتُبِ وَلَمْ يَسْلَمْ إِلَّا بَعْضُهَا.

стр. 5433

وَحَصَرُوا شَارِسْتَانَ، وَهِيَ مَنِيعَةٌ، فَأَحَاطُوا بِهَا، وَقَاتَلَهُمْ مَنْ فَوْقَ سُورِهَا، وَقَصَدُوا جُوَيْنَ فَنَهَبُوهَا، وَقَاتَلَهُمْ أَهْلُ بَحْرَابَاذَ مِنْ أَعْمَالِ جُوَيْنَ، وَبَذَلُوا نُفُوسَهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى، وَحَمَوْا بَيْضَتَهُمْ وَالْبَاقِي أَتَى النَّهْبُ وَالْقَتْلُ عَلَيْهِ ; ثُمَّ قَصَدُوا أَسْفَرَايِينَ فَنَهَبُوهَا وَخَرَّبُوهَا، وَقَتَّلُوا فِي أَهْلِهَا فَأَكْثَرُوا. وَمِمَّنْ قُتِلَ عَبْدُ الرَّشِيدِ الْأَشْعَثِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَعْيَانِ دَوْلَةِ السُّلْطَانِ، فَتَرَكَهَا وَأَقْبَلَ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ وَطَلَبِ الْآخِرَةِ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْفَنْدَرُوجِيُّ، وَكَانَ مِنْ ذَوِي الْفَضَائِلِ لَا سِيَّمَا فِي عِلْمِ الْأَدَبِ. وَلَمَّا فَرَغَ الْغُزُّ مِنْ جُوَيْنَ وَأَسْفَرَايِينَ عَاوَدُوا نَيْسَابُورَ، فَنَهَبُوا مَا بَقِيَ فِيهَا بَعْدَ النَّهْبِ الْأَوَّلِ، وَكَانَ قَدْ لَحِقَ بِشَهْرَسْتَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا، فَحَصَرَهُمُ الْغُزُّ وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا، وَنَهَبُوا مَا كَانَ فِيهَا لِأَهْلِهَا وَلِأَهْلِ نَيْسَابُورَ، وَنَهَبُوا الْحُرَمَ وَالْأَطْفَالَ، وَفَعَلُوا مَا لَمْ يَفْعَلْهُ الْكُفَّارُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ الْعَيَّارُونَ أَيْضًا يَنْهَبُونَ نَيْسَابُورَ أَشَدَّ مِنْ نَهْبِ الْغُزِّ وَيَفْعَلُونَ أَقْبَحَ مِنْ فِعْلِهِمْ. ثُمَّ إِنَّ أَمْرَ الْمَلِكِ سُلَيْمَانَ شَاهْ ضَعُفَ، وَكَانَ قَبِيحَ السِّيرَةِ سَيِّئَ التَّدْبِيرِ، وَإِنَّ وَزِيرَهُ طَاهِرَ بْنَ فَخْرِ الْمُلْكِ ابْنِ نِظَامِ الْمُلْكِ تُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] فَضَعُفَ أَمْرُهُ، وَاسْتَوْزَرَ سُلَيْمَانُ شَاهْ بَعْدَهُ ابْنَهُ نِظَامَ الْمُلْكِ أَبَا عَلِيٍّ الْحَسَنَ بْنَ طَاهِرٍ، وَانْحَلَّ أَمْرُ دَوْلَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَفَارَقَ خُرَاسَانَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] وَعَادَ إِلَى جُرْجَانَ، فَاجْتَمَعَ الْأُمَرَاءُ وَرَاسَلُوا الْخَانْ مَحْمُودَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ بُغْرَاخَانْ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، وَخَطَبُوا لَهُ عَلَى مَنَابِرِ خُرَاسَانَ وَاسْتَدْعَوْهُ إِلَيْهِمْ، فَمَلَّكُوهُ أُمُورَهُمْ، وَانْقَادُوا لَهُ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَسَارُوا مَعَهُ إِلَى الْغُزِّ وَهُمْ يُحَاصِرُونَ هَرَاةَ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ كَانَ الظَّفَرُ فِي أَكْثَرِهَا لِلُغُزِّ، وَرَحَلُوا فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ سَنَةِ خَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ مِنْ عَلَى هَرَاةَ إِلَى مَرْوَ وَعَاوَدُوا الْمُصَادَرَةَ لِأَهْلِهَا. وَسَارَ خَاقَانُ مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِلَى نَيْسَابُورَ وَقَدْ غَلَبَ عَلَيْهَا الْمُؤَيَّدُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَرَاسَلَ الْغُزَّ فِي الصُّلْحِ، فَاصْطَلَحُوا فِي رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ خَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ،

стр. 5434

هُدْنَةً عَلَى دَخَنٍ، وَسَيَرِدُ بَاقِي أَخْبَارِهِمْ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ. ذِكْرُ مُلْكِ الْمُؤَيَّدِ نَيْسَابُورَ وَغَيْرَهَا كَانَ لِلسُّلْطَانِ سَنْجَرَ مَمْلُوكٌ اسْمُهُ أَيْ أَبَهْ، وَلَقَبُهُ الْمُؤَيَّدُ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْفِتْنَةُ تَقَدَّمَ، وَعَلَا شَأْنُهُ، وَأَطَاعَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَاسْتَوْلَى عَلَى نَيْسَابُورَ، وَطُوسَ، وَنَسَا، وَأَبِيوَرْدَ، وَشَهْرَسْتَانَ وَالدَّامَغَانِ، وَأَزَاحَ الْغُزَّ عَنِ الْجَمِيعِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ، وَعَدَلَ فِي الرَّعِيَّةِ، وَاسْتَمَالَ النَّاسَ، وَوَفَّرَ الْخَرَاجَ عَلَى أَهْلِهِ، وَبَالَغَ فِي مُرَاعَاةِ أَرْبَابِ الْبُيُوتِ، فَاسْتَقَرَّتِ الْبِلَادُ لَهُ، وَدَانَتْ لَهُ الرَّعِيَّةُ لِحُسْنِ سِيرَتِهِ، وَعِظَمِ شَأْنِهِ، وَكَثُرَتْ جُمُوعُهُ، فَرَاسَلَهُ خَاقَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي تَسْلِيمِ الْبِلَادِ وَالْحُضُورِ عِنْدَهُ، فَامْتَنَعَ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ، حَتَّى اسْتَقَرَّ عَلَى الْمُؤَيَّدِ مَالٌ يَحْمِلُهُ إِلَى الْمَلِكِ مَحْمُودٍ، فَكَفَّ عَنْهُ مَحْمُودٌ، وَأَقَامَ الْمُؤَيَّدُ بِالْبِلَادِ هُوَ وَالْمَلِكُ مَحْمُودٌ. ذِكْرُ مُلْكِ إِينَانْجَ الرَّيَّ كَانَ إِينَانْجُ أَحَدَ مَمَالِيكِ سَنْجَرَ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ فِتْنَةِ الْغُزِّ مَا ذَكَرْنَاهُ هَرَبَ مِنْ خُرَاسَانَ، وَوَصَلَ إِلَى الرَّيِّ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَأَقَامَ بِهَا، فَأَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ مُحَمَّدِ شَاهْ بْنِ مَحْمُودِ شَاهْ بْنِ مَحْمُودٍ صَاحِبِ هَمَذَانَ، وَأَصْفَهَانَ، وَغَيْرِهِمَا، خَدَمَهُ وَهَدَايَا فَأَرْضَاهُ بِهَا، وَأَظْهَرَ لَهُ الطَّاعَةَ، وَبَقِيَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ الْمَلِكُ مَحْمُودٌ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَعَلَى عِدَّةِ بِلَادٍ تُجَاوِرُ الرَّيَّ، فَمَلَكَهَا، فَعَظُمَ أَمْرُهُ، وَعَلَا شَأْنُهُ، وَصَارَتْ عَسَاكِرُهُ عَشَرَةَ آلَافِ فَارِسٍ. فَلَمَّا مَلَكَ سُلَيْمَانُ شَاهْ هَمَذَانَ، (عَلَى مَا نَذْكُرُهُ) ، حَضَرَ عِنْدَهُ، وَأَطَاعَهُ لِأُنْسِهِ بِهِ. كَانَ أَيَّامَ مُقَامِ سُلَيْمَانَ شَاهْ بِخُرَاسَانَ، فَتَقَوَّى أَمْرُهُ بِذَلِكَ.

стр. 5435

ذِكْرُ قَتْلِ ابْنِ السَّلَارِ وَزِيرِ الظَّافِرِ، وَوِزَارَةِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ، قُتِلَ الْعَادِلُ بْنُ السَّلَارِ وَزِيرُ الظَّافِرِ بِاللَّهِ ; قَتَلَهُ رَبِيبُهُ عَبَّاسُ بْنُ أَبِي الْفُتُوحِ بْنِ يَحْيَى الصَّنْهَاجِيُّ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْأَمِيرُ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ، وَوَافَقَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ الظَّافِرُ بِاللَّهِ، فَأَمَرَ وَلَدَهُ نَصْرًا، فَدَخَلَ عَلَى الْعَادِلِ وَهُوَ عِنْدَ جَدَّتِهِ أَمِّ عَبَّاسٍ، فَقَتَلَهُ وَوَلِيَ الْوِزَارَةَ (بَعْدَهُ رَبِيبُهُ) عَبَّاسٌ. وَكَانَ عَبَّاسٌ قَدْ قَدِمَ مِنَ الْمَغْرِبِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ إِلَى مِصْرَ، وَتَعَلَّمَ الْخِيَاطَةَ، وَكَانَ خَيَّاطًا حَسَنًا، فَلَمَّا تَزَوَّجَ ابْنُ السَّلَارِ بِأُمِّهِ أَحَبَّهُ، وَأَحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ، فَجَازَاهُ بِأَنْ قَتَلَهُ وَوَلِيَ بَعْدَهُ. وَكَانَتِ الْوِزَارَةُ فِي مِصْرَ لِمَنْ غَلَبَ، وَالْخُلَفَاءُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، وَالْوُزَرَاءُ كَالْمُتَمَلِّكِينَ، وَقَلَّ أَنْ وَلِيَهَا أَحَدٌ بَعْدَ الْأَفْضَلِ إِلَّا بِحَرْبٍ وَقَتْلٍ وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ ذَكَرْنَاهُمْ فِي تَرَاجِمَ مُفْرَدَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْعَرَبِ وَعَسَاكِرِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي صَفَرٍ، كَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ عَسْكَرِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَالْعَرَبِ عِنْدَ مَدِينَةِ سَطِيفَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ، وَهُمْ بَنُو هِلَالٍ وَالْأَبْتَحِ وَعَدِيٍّ وَرِيَاحٍ وَزُعْبٍ، وَغَيْرُهِمْ مِنَ الْعَرَبِ، لَمَّا مَلَكَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بِلَادَ بَنِي حَمَّادٍ اجْتَمَعُوا مِنْ أَرْضِ طَرَابُلُسَ إِلَى أَقْصَى الْمَغْرِبِ، وَقَالُوا: إِنْ جَاوَرْنَا عَبْدَ الْمُؤْمِنِ أَجْلَانَا مِنَ الْمَغْرِبِ، وَلَيْسَ الرَّأْيُ إِلَّا إِلْقَاءَ الْجِدِّ مَعَهُ، وَإِخْرَاجَهُ مِنَ الْبِلَادِ قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ.

стр. 5436

وَتَحَالَفُوا عَلَى التَّعَاوُنِ وَالتَّضَافُرِ، وَأَنْ لَا يَخُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَعَزَمُوا عَلَى لِقَائِهِ بِالرِّجَالِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ لِيُقَاتِلُوا قِتَالَ الْحَرِيمِ. وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِالْمَلِكِ رُجَّارَ الْفِرِنْجِيِّ، صَاحِبِ صِقِلِّيَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أُمَرَاءِ الْعَرَبِ، وَهُمْ مُحْرِزُ بْنُ زِيَادٍ، وَجُبَارَةُ بْنُ كَامِلٍ، وَحَسَنُ بْنُ ثَعْلَبٍ، وَعِيسَى بْنُ حَسَنٍ وَغَيْرُهُمْ، يَحُثُّهُمْ عَلَى لِقَاءِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ خَمْسَةَ آلَافِ فَارِسٍ مِنَ الْفِرِنْجِ يُقَاتِلُونَ مَعَهُمْ عَلَى شَرْطِ أَنْ يُرْسِلُوا إِلَيْهِ الرَّهَائِنَ ; فَشَكَرُوهُ وَقَالُوا: مَا بِنَا حَاجَةٌ إِلَى نَجْدَتِهِ، وَلَا نَسْتَعِينُ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ. وَسَارُوا فِي عَدَدٍ لَا يُحْصَى، وَكَانَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ قَدْ رَحَلَ مِنْ بِجَايَةَ إِلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُهُمْ جَهَّزَ جَيْشًا مِنَ الْمُوَحِّدِينَ يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ الْهَنْتَانِيَّ، وَسَعْدَ اللَّهِ بْنَ يَحْيَى، وَكَانَ الْعَرَبُ أَضْعَافَهُمْ، فَاسْتَجَرَّهُمُ الْمُوَحِّدُونَ، وَتَبِعَهُمُ الْعَرَبُ إِلَى أَنْ وَصَلُوا إِلَى أَرْضِ سَطِيفَ، بَيْنَ جِبَالٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ عَسْكَرُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَجَاءَهُ وَالْعَرَبُ عَلَى غَيْرِ أُهْبَةٍ، وَالتَقَى الْجَمْعَانِ، وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ وَأَعْظَمَهُ، فَانْجَلَتِ الْمَعْرَكَةُ عَنِ انْهِزَامِ الْعَرَبِ وَنُصْرَةِ الْمُوَحِّدِينَ. وَتَرَكَ الْعَرَبُ جَمِيعَ مَا لَهُمْ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ وَأَثَاثٍ وَنَعَمٍ، فَأَخَذَ الْمُوَحِّدُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ، وَعَادَ الْجَيْشُ إِلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بِجَمِيعِهِ، فَقَسَّمَ جَمِيعَ الْأَمْوَالِ عَلَى عَسْكَرِهِ، وَتَرَكَ النِّسَاءَ وَالْأَوْلَادَ تَحْتَ الِاحْتِيَاطِ، وَوَكَّلَ بِهِمْ مِنَ الْخَدَمِ الْخِصْيَانِ مَنْ يَخْدُمُهُمْ وَيَقُومُ بِحَوَائِجِهِمْ، وَأَمَرَ بِصِيَانَتِهِمْ، فَلَمَّا وَصَلُوا مَعَهُ إِلَى مَرَّاكُشَ أَنْزَلَهُمْ فِي الْمَسَاكِنِ الْفَسِيحَةِ، وَأَجْرَى لَهُمُ النَّفَقَاتِ الْوَاسِعَةَ، وَأَمَرَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ ابْنَهُ مُحَمَّدًا أَنْ يُكَاتِبَ أُمَرَاءَ الْعَرَبِ، وَيُعْلِمَهُمْ أَنَّ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ تَحْتَ الْحِفْظِ وَالصِّيَانَةِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَحْضُرُوا لِيُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ أَبُوهُ ذَلِكَ جَمِيعَهُ، وَأَنَّهُ قَدْ بَذَلَ لَهُمُ الْأَمَانَ وَالْكَرَامَةَ. فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ مُحَمَّدٍ إِلَى الْعَرَبِ سَارَعُوا إِلَى الْمَسِيرِ إِلَى مَرَّاكُشَ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا أَعْطَاهُمْ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَأَعْطَاهُمْ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، فَاسْتَرَقَّ قُلُوبَهُمْ بِذَلِكَ، وَأَقَامُوا عِنْدَهُ، وَكَانَ بِهِمْ حَفِيًّا، وَاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى

стр. 5437

وِلَايَةِ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ لِلْعَهْدِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] . ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ مَدِينَةَ بُونَةَ وَمَوْتِ رُجَّارَ وَمُلْكِ ابْنِهِ غُلْيَالِمَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ أُسْطُولُ رُجَّارَ مَلِكِ الْفِرِنْجِ بِصِقِلِّيَةَ إِلَى مَدِينَةِ بُونَةَ، وَكَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ فَتَاهُ فِيلِبَ الْمَهْدَوِيَّ فَحَصَرَهَا وَاسْتَعَانَ بِالْعَرَبِ عَلَيْهَا، فَأَخَذُوهَا فِي رَجَبٍ، وَسَبَى أَهْلَهَا، وَمَلَكَ مَا فِيهَا، غَيْرَ أَنَّهُ أَغْضَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ، حَتَّى خَرَجُوا بِأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إِلَى الْقُرَى، فَأَقَامَ بِهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَعَادَ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ وَبَعْضُ الْأَسْرَى مَعَهُ، وَعَادَ إِلَى صِقِلِّيَةَ فَقَبَضَ رُجَّارُ عَلَيْهِ لِمَا اعْتَمَدَهُ مِنَ الرِّفْقِ بِالْمُسْلِمِينَ فِي بُونَةَ. وَكَانَ فِيلِبُ، يُقَالُ إِنَّهُ وَجَمِيعُ فِتْيَانِهِ مُسْلِمُونَ، يَكْتُمُونَهُ ذَلِكَ، وَشَهِدُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَصُومُ مَعَ الْمَلِكِ، وَأَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَجَمَعَ رُجَّارُ الْأَسَاقِفَةَ وَالْقُسُوسَ وَالْفُرْسَانَ، فَحَكَمُوا بِأَنْ يُحْرَقَ، فَأُحْرِقَ فِي رَمَضَانَ، وَهَذَا أَوَّلُ وَهَنٍ دَخَلَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِصِقِلِّيَةَ. وَلَمْ يُمْهِلِ اللَّهُ رُجَّارَ بَعْدَهُ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى [مَاتَ] فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ، وَكَانَ مَرَضُهُ الْخَوَانِيقَ، وَكَانَ عُمْرُهُ قَرِيبَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَكَانَ مُلْكُهُ نَحْوَ سِتِّينَ سَنَةً ; وَلَمَّا مَاتَ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ غُلْيَالِمُ، وَكَانَ فَاسِدَ التَّدْبِيرِ سَيِّئَ التَّصْوِيرِ، فَاسْتَوْزَرَ مَايُو الْبُرْصَانِيَّ، فَأَسَاءَ التَّدْبِيرَ، فَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ حُصُونٌ مِنْ جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ، وَبِلَادِ قَلُّورِيَّةَ، وَتَعَدَّى الْأَمْرُ إِلَى إِفْرِيقِيَةَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. ذِكْرُ وَفَاةِ بَهْرَامْ شَاهْ صَاحِبِ غَزْنَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَجَبٍ تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ بَهْرَامْ شَاهْ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ صَاحِبُ غَزْنَةَ بِهَا، وَقَامَ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ نِظَامُ الدِّينِ خُسْرُوشَاهْ، وَكَانَتْ وِلَايَةُ بَهْرَامْ شَاهْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ عَادِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، جَمِيلَ الطَّرِيقَةِ، مُحِبًّا لِلْعُلَمَاءِ، مُكْرِمًا لَهُمْ، بَاذِلًا لَهُمُ الْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَ، جَامِعًا لِلْكُتُبِ تُقْرَأُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَفْهَمُ مَضْمُونَهَا ; وَلَمَّا مَاتَ مَلَكَ وَلَدُهُ خُسْرُوشَاهْ.

стр. 5438

ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ مَدِينَةَ عَسْقَلَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ الْفِرِنْجُ بِالشَّامِ مَدِينَةَ عَسْقَلَانَ، وَكَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ مَمْلَكَةِ الظَّافِرِ بِاللَّهِ الْعَلَوِيِّ الْمِصْرِيِّ، وَكَانَ الْفِرِنْجُ كُلَّ سَنَةٍ يَقْصِدُونَهَا وَيَحْصُرُونَهَا، فَلَا يَجِدُونَ إِلَى مُلْكِهَا سَبِيلًا، وَكَانَ الْوُزَرَاءُ بِمِصْرَ لَهُمُ الْحُكْمُ فِي الْبِلَادِ، وَالْخُلَفَاءُ مَعَهُمُ اسْمٌ لَا مَعْنَى تَحْتَهُ، وَكَانَ الْوُزَرَاءُ كُلَّ سَنَةٍ يُرْسِلُونَ إِلَيْهَا مِنَ الذَّخَائِرِ وَالْأَسْلِحَةِ وَالْأَمْوَالِ وَالرِّجَالِ مَنْ يَقُومُ بِحِفْظِهَا. فَلَمَّا كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ ابْنُ السَّلَارِ الْوَزِيرُ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَاخْتَلَفَتِ الْأَهْوَاءُ فِي مِصْرَ، وَوَلِيَ عَبَّاسٌ الْوِزَارَةَ، وَإِلَى أَنِ اسْتَقَرَّتْ قَاعِدَةٌ، اغْتَنَمَ الْفِرِنْجُ اشْتِغَالَهُمْ عَنْ عَسْقَلَانَ، فَاجْتَمَعُوا وَحَصَرُوهَا، فَصَبَرَ أَهْلُهَا، وَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، حَتَّى إِنَّهُمْ بَعْضَ الْأَيَّامِ قَاتَلُوا خَارِجَ السُّورِ، وَرَدُّوا الْفِرِنْجَ إِلَى خِيَامِهِمْ مَقْهُورِينَ، وَتَبِعَهُمْ أَهْلُ الْبَلَدِ إِلَيْهَا فَأَيِسَ حِينَئِذٍ الْفِرِنْجُ مِنْ مُلْكِهِ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى عَزْمِ الرَّحِيلِ إِذْ قَدْ أَتَاهُمُ الْخَبَرُ أَنَّ الْخُلْفَ قَدْ وَقَعَ بَيْنَ أَهْلِهِ، وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى، فَصَبَرُوا، وَكَانَ سَبَبَ هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّهُمْ لَمَّا عَادُوا عَنْ قِتَالِ الْفِرِنْجِ قَاهِرِينَ مَنْصُورِينَ، ادَّعَى كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ أَنَّ النُّصْرَةَ مِنْ جِهَتِهِمْ كَانَتْ، وَأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ رَدُّوا الْفِرِنْجَ خَاسِرِينَ، فَعَظُمَ الْخِصَامُ بَيْنَهُمْ إِلَى أَنْ قُتِلَ مِنْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَتِيلٌ، وَاشْتَدَّ الْخَطْبُ حِينَئِذٍ، وَتَفَاقَمَ الشَّرُّ، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى، فَطَمِعَ الْفِرِنْجُ، وَزَحَفُوا إِلَيْهِ وَقَاتَلُوا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجِدُوا مَنْ يَمْنَعُهُمْ فَمَلَكُوهُ. ذِكْرُ حَصْرِ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ تَكْرِيتَ وَعَوْدِهِمْ عَنْهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ الْخَلِيفَةُ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ عَسْكَرًا إِلَى تَكْرِيتَ لِيَحْصُرُوهَا،

стр. 5439

وَأَرْسَلَ مَعَهُمْ مُقَدَّمًا عَلَيْهِمْ أَبَا الْبَدْرِ ابْنَ الْوَزِيرِ عَوْنِ الدِّينِ بْنِ هُبَيْرَةَ، وَتُرْشَكَ، وَهُوَ مِنْ خَوَاصِّ الْخَلِيفَةِ، وَغَيْرَهُمَا، فَجَرَى بَيْنَ أَبِي الْبَدْرِ وَتُرْشَكَ مُنَافَرَةٌ أَوْجَبَتْ أَنْ كَتَبَ ابْنُ الْوَزِيرِ يَشْكُو مِنْ تُرْشَكَ، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِالْقَبْضِ عَلَى تُرْشَكَ، فَعَرَفَ ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَسْعُودِ بِلَالٍ، صَاحِبِ تَكْرِيتَ، وَصَالَحَهُ وَقَبَضَ عَلَى ابْنِ الْوَزِيرِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَسَلَّمَهُمْ إِلَى مَسْعُودِ بِلَالٍ، [فَانْهَزَمَ الْعَسْكَرُ وَغَرِقَ مِنْهُ كَثِيرٌ، وَسَارَ مَسْعُودُ بِلَالٍ] وَتُرْشَكُ مِنْ تَكْرِيتَ إِلَى طَرِيقِ خُرَاسَانَ فَنَهَبَا وَأَفْسَدَا، فَسَارَ الْمُقْتَفِي عَنْ بَغْدَادَ لِدَفْعِهِمَا، فَهَرَبَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَقَصَدَ تَكْرِيتَ، فَحَصَرَهَا أَيَّامًا وَجَرَى لَهُ مَعَ أَهْلِهَا حُرُوبٌ مِنْ وَرَاءِ السُّورِ، فَقُتِلَ مِنَ الْعَسْكَرِ جَمَاعَةٌ بِالنُّشَّابِ، فَعَادَ الْخَلِيفَةُ عَنْهَا، وَلَمْ يَمْلِكْهَا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَتْ مَرَاكِبُ مِنْ صِقِلِّيَةَ، فِيهَا جَمْعٌ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَنَهَبُوا مَدِينَةَ تِنِّيسَ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ. وَفِيهَا كَانَ بَيْنَ الْكُرْجِ بِأَرْمِينِيَّةَ وَبَيْنَ صُلَيْقٍ، صَاحِبِ أَرْزَنَ الرُّومِ، مَصَافٌّ وَحَرْبٌ شَدِيدَةٌ، وَانْهَزَمَ صَلِيقٌ وَأَسَرَهُ الْكُرْجُ ثُمَّ أَطْلَقُوهُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي غَالِبٍ الْوَرَّاقُ - الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الطَّلَّايَةِ - الزَّاهِدُ الْبَغْدَادِيُّ بِهَا، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَلَهُ حَدِيثٌ وَرِوَايَةٌ.

стр. 5440

وَتُوُفِّيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَهْلٍ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْكَرُوخِيُّ الْهَرَوِيُّ، رَاوِي " جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ "، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ فِي ذِي الْحِجَّةِ.

стр. 5441

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ] (٥٤٩) ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ قَتْلِ الظَّافِرِ وَخِلَافَةِ ابْنِهِ الْفَائِزِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ، قُتِلَ الظَّافِرُ بِاللَّهِ أَبُو الْمَنْصُورِ إِسْمَاعِيلُ ابْنُ الْحَافِظِ لِدِينِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْعَلَوِيُّ صَاحِبُ مِصْرَ. وَكَانَ سَبَبَ قَتْلِهِ أَنَّ وَزِيرَهُ عَبَّاسًا كَانَ لَهُ وَلَدٌ اسْمُهُ نَصْرٌ، فَأَحَبَّهُ الظَّافِرُ، وَجَعَلَهُ مِنْ نُدَمَائِهِ وَأَحْبَابِهِ الَّذِينَ لَا يَقْدِرُ عَلَى فِرَاقِهِمْ سَاعَةً وَاحِدَةً، فَاتَّفَقَ أَنْ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ مُؤَيَّدُ الدَّوْلَةِ الْأَمِيرُ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ الْكِنَانِيُّ فِي وِزَارَةِ ابْنِ السَّلَارِ، وَاتَّصَلَ بِعَبَّاسٍ، فَحَسَّنَ لَهُ قَتْلَ الْعَادِلِ بْنِ السَّلَارِ زَوْجِ أُمِّهِ، فَقَتَلَهُ، وَوَلَّاهُ الظَّافِرُ الْوِزَارَةَ، فَاسْتَبَدَّ بِالْأَمْرِ، وَتَمَّ لَهُ ذَلِكَ. وَعَلِمَ الْأُمَرَاءُ وَالْأَجْنَادُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ ابْنِ مُنْقِذٍ، فَعَزَمُوا عَلَى قَتْلِهِ، فَخَلَا بِعَبَّاسٍ وَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا أَسْمَعُ مِنْ قَبِيحِ الْقَوْلِ؟ قَالَ: وَمَا ذَلِكَ؟ قَالَ: النَّاسُ يَزْعُمُونَ أَنَّ الظَّافِرَ يَفْعَلُ بِابْنِكَ نَصْرٍ ; وَ (كَانَ) نَصْرٌ خِصِّيصًا بِالظَّافِرِ، وَكَانَ مُلَازِمًا لَهُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، وَكَانَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ صُورَةً، وَكَانَ الظَّافِرُ يُتَّهَمُ بِهِ، فَانْزَعَجَ لِذَلِكَ وَعَظُمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: كَيْفَ الْحِيلَةُ؟ قَالَ: تَقْتُلُهُ فَيَذْهَبَ عَنْكَ الْعَارُ، فَذَكَرَ الْحَالَ لِوَلَدِهِ نَصْرٍ، فَاتَّفَقَا عَلَى قَتْلِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ الظَّافِرَ أَقْطَعَ نَصْرَ بْنَ عَبَّاسٍ قَرْيَةَ قَلْيُوبَ، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ قُرَى مِصْرَ، فَيَدْخُلُ إِلَيْهِ مُؤَيَّدُ الدَّوْلَةِ بْنُ مُنْقِذٍ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِيهِ عَبَّاسٍ. قَالَ لَهُ نَصْرٌ: قَدْ أَقْطَعَنِي مَوْلَانَا قَرْيَةَ قَلْيُوبَ. فَقَالَ لَهُ مُؤَيَّدُ الدَّوْلَةِ: مَا هِيَ فِي مَهْرِكَ بِكَثِيرٍ ; فَعَظُمَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَبِيهِ، وَأَنِفَ مِنْ هَذِهِ الْحَالِ، وَشَرَعَ فِي قَتْلِ الظَّافِرِ بِأَمْرِ أَبِيهِ، فَحَضَرَ نَصَرٌ عِنْدَ الظَّافِرِ وَقَالَ

стр. 5442

لَهُ: أَشْتَهِي أَنْ تَجِيءَ إِلَى دَارِي لِدَعْوَةٍ صَنَعْتُهَا، وَلَا تُكْثِرْ مِنَ الْجَمْعِ، فَمَشَى مَعَهُ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ مِنَ الْخَدَمِ لَيْلًا، فَلَمَّا دَخَلَ الدَّارَ قَتَلَهُ وَقَتَلَ مَنْ مَعَهُ، وَأَفْلَتَ خَادِمٌ صَغِيرٌ اخْتَبَأَ فَلَمْ يَرَوْهُ، وَدَفَنَ الْقَتْلَى فِي دَارِهِ. وَأَخْبَرَ أَبَاهُ عَبَّاسًا الْخَبَرَ، فَبَكَّرَ إِلَى الْقَصْرِ، وَطَلَبَ مِنَ الْخَدَمِ الْخَصِّيصِينَ بِخِدْمَةِ الظَّافِرِ أَنْ يَطْلُبُوا لَهُ إِذْنًا فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ لِأَمْرٍ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ رَأْيَهُ فِيهِ. فَقَالُوا: إِنَّهُ لَيْسَ فِي الْقَصْرِ. فَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْهُ. وَكَانَ غَرَضُهُ أَنْ يَنْفِيَ التُّهْمَةَ عَنْهُ بِقَتْلِهِ، وَأَنْ يَقْتُلَ مَنْ بِالْقَصْرِ مِمَّنْ يَخَافُ أَنْ يُنَازِعَهُ فِيمَنْ يُقِيمُهُ فِي الْخِلَافَةِ ; فَلَمَّا أَلَحَّ عَلَيْهِمْ عَجَزُوا عَنْ إِحْضَارِهِ. فَبَيْنَمَا هُمْ يَطْلُبُونَهُ حَائِرِينَ دَهِشِينَ لَا يَدْرُونَ مَا الْخَبَرُ إِذْ وَصَلَ إِلَيْهِمُ الْخَادِمُ الصَّغِيرُ الَّذِي شَاهَدَ قَتْلَهُ، وَقَدْ هَرَبَ مِنْ دَارِ عَبَّاسٍ عِنْدَ غَفْلَتِهِمْ عَنْهُ، وَأَخْبَرَهُمْ بِقَتْلِ الظَّافِرِ، فَخَرَجُوا إِلَى عَبَّاسٍ، وَقَالُوا لَهُ: سَلْ وَلَدَكَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَعْرِفُ أَيْنَ هُوَ ; لِأَنَّهُمَا خَرَجَا جَمِيعًا. فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَعْتَبِرَ الْقَصْرَ لِئَلَّا يَكُونَ قَدِ اغْتَالَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ ; فَاسْتَعْرَضَ الْقَصْرَ، فَقَتَلَ أَخَوَيْنِ لِلظَّافِرِ، وَهُمَا يُوسُفُ وَجِبْرِيلُ، وَأَجْلَسَ الْفَائِزَ بِنَصْرِ اللَّهِ أَبَا الْقَاسِمِ عِيسَى ابْنَ الظَّافِرِ بِأَمْرِ اللَّهِ إِسْمَاعِيلَ ثَانِي يَوْمٍ قُتِلَ أَبُوهُ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ خَمْسُ سِنِينَ، فَحَمَلَهُ عَبَّاسٌ عَلَى كَتِفِهِ، وَأَجْلَسَهُ عَلَى سَرِيرِ الْمُلْكِ، وَبَايَعَ لَهُ النَّاسُ، وَأَخَذَ عَبَّاسٌ مِنَ الْقَصْرِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْأَعْلَاقِ النَّفِيسَةِ مَا أَرَادَ، وَلَمْ يَتْرُكْ فِيهِ إِلَّا مَا لَا خَيْرَ فِيهِ. ذِكْرُ وِزَارَةِ الصَّالِحِ طَلَائِعِ بْنِ رُزَيِّكَ كَانَ السَّبَبُ فِي وِزَارَةِ الصَّالِحِ طَلَائِعِ بْنِ رُزَيِّكَ أَنَّ عَبَّاسًا، لَمَّا قَتَلَ الظَّافِرَ وَأَقَامَ الْفَائِزَ، ظَنَّ أَنَّ الْأَمْرَ يَتِمُّ لَهُ عَلَى مَا يُرِيدُهُ، فَكَانَ الْحَالُ خِلَافَ مَا اعْتَقَدَهُ، فَإِنَّ الْكَلِمَةَ اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ، وَثَارَ بِهِ الْجُنْدُ وَالسُّودَانُ، وَصَارَ إِذَا أَمَرَ بِالْأَمْرِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ وَلَا يُسْمَعُ قَوْلُهُ، فَأَرْسَلَ مَنْ بِالْقَصْرِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْخَدَمِ إِلَى الصَّالِحِ طَلَائِعِ بْنِ زُرَيِّكَ يَسْتَغِيثُونَ بِهِ، وَأَرْسَلُوا شُعُورَهُمْ طَيَّ الْكُتُبِ ; وَكَانَ فِي مُنْيَةِ بَنِي حَصِيبٍ وَالِيًا عَلَيْهَا وَعَلَى أَعْمَالِهَا،

стр. 5443

وَلَيْسَتْ مِنَ الْأَعْمَالِ الْجَلِيلَةِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ أَقْرَبَ الْأَعْمَالِ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ فِيهِ شَهَامَةٌ، فَجَمَعَ لِيَقْصِدَ عَبَّاسًا، وَسَارَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا سَمِعَ عَبَّاسٌ ذَلِكَ خَرَجَ مِنْ مِصْرَ نَحْوَ الشَّامِ بِمَا مَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ الَّتِي لَا تُحْصَى كَثْرَةً، وَالتُّحَفِ وَالْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا تُوجَدُ إِلَّا هُنَاكَ مِمَّا كَانَ أَخَذَهَ مِنَ الْقَصْرِ. فَلَمَّا سَارَ وَقَعَ بِهِ الْفِرِنْجُ فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا جَمِيعَ مَا مَعَهُ فَتَقَوَّوْا بِهِ. وَسَارَ الصَّالِحُ فَدَخَلَ الْقَاهِرَةَ بِأَعْلَامٍ سُودٍ وَثِيَابٍ سُودٍ حُزْنًا عَلَى الظَّافِرِ، وَالشُّعُورُ الَّتِي أُرْسِلَتْ إِلَيْهِ مِنَ الْقَصْرِ عَلَى رُءُوسِ رِمَاحٍ، وَكَانَ هَذَا مِنَ الْفَأْلِ الْعَجِيبِ، فَإِنَّ الْأَعْلَامَ السُّودَ الْعَبَّاسِيَّةَ دَخَلَتْهَا وَأَزَالَتِ الْأَعْلَامَ الْعَلَوِيَّةَ بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَلَمَّا دَخَلَ الصَّالِحُ الْقَاهِرَةَ خُلِعَ عَلَيْهِ خِلَعُ الْوِزَارَةِ، وَاسْتَقَرَّ فِي الْأَمْرِ، وَأَحْضَرَ الْخَادِمَ الَّذِي شَاهَدَ قَتْلَ الظَّافِرِ، فَأَرَاهُ مَوْضِعَ دَفْنِهِ، فَأَخْرَجَهُ وَنَقَلَهُ إِلَى مَقَابِرِهِمْ بِالْقَصْرِ. وَلَمَّا قَتَلَ الْفِرِنْجُ عَبَّاسًا أَسَرُوا ابْنَهُ، فَأَرْسَلَ الصَّالِحُ إِلَى الْفِرِنْجِ وَبَذَلَ لَهُمْ مَالًا وَأَخَذَهُ مِنْهُمْ، فَسَارَ مِنَ الشَّامِ مَعَ أَصْحَابِ الصَّالِحِ، فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً إِلَى أَنْ رَأَى الْقَاهِرَةَ فَأَنْشَدَ: بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَبَادَنَا ... صُرُوفُ اللَّيَالِي وَالْجُدُودُ الْعَوَاثِرُ وَأُدْخِلَ الْقَصْرَ، فَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ، فَإِنَّهُ قُتِلَ، وَصُلِبَ عَلَى بَابِ زُوَيْلَةَ، وَاسْتَقْصَى الصَّالِحُ بُيُوتَ الْكِبَارِ وَالْأَعْيَانِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فَأَهْلَكَ أَهْلَهَا وَأَبْعَدَهُمْ عَنْ دِيَارِهِمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ هَلَكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَفَرَّقَ فِي بِلَادِ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَغَيْرِهِمَا ; فَعَلَ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْهُمْ أَنْ يَثُورُوا عَلَيْهِ وَيُنَازِعُوهُ فِي الْوِزَارَةِ ; وَكَانَ ابْنُ مُنْقِذٍ قَدْ هَرَبَ مَعَ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا قُتِلَ هَرَبَ إِلَى الشَّامِ.

стр. 5444

ذِكْرُ حَصْرِ تَكْرِيتَ وَوَقْعَةِ بِكَمْزَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ رَسُولًا إِلَى وَالِي تَكْرِيتَ، بِسَبَبِ مَنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الْمَأْسُورِينَ، وَهُمُ ابْنُ الْوَزِيرِ وَغَيْرُهُ، فَقَبَضُوا عَلَى الرَّسُولِ، فَسَيَّرَ الْخَلِيفَةُ عَسْكَرًا إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ أَهْلُ تَكْرِيتَ، فَقَاتَلُوا الْعَسْكَرَ وَمَنَعُوهُ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى الْبَلَدِ، فَسَارَ الْخَلِيفَةُ بِنَفْسِهِ مُسْتَهَلَّ صَفَرٍ فَنَزَلَ عَلَى الْبَلَدِ، فَهَرَبَ أَهْلُهُ، فَدَخَلَ الْعَسْكَرُ فَشَعَّثُوا وَنَهَبُوا بَعْضَهُ، وَنَصَبَ عَلَى الْقَلْعَةِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مَنْجَنِيقًا، فَسَقَطَ مِنْ أَسْوَارِهَا بُرْجٌ وَبَقِيَ الْحَصْرُ كَذَلِكَ إِلَى الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِالْقِتَالِ وَالزَّحْفِ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَكَثُرَ الْقَتْلَى، وَلَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا غَرَضًا، فَرَحَلَ عَائِدًا إِلَى بَغْدَادَ، فَدَخَلَهَا آخِرَ الشَّهْرِ، ثُمَّ أَمَرَ الْوَزِيرَ عَوْنَ الدِّينِ بْنَ هُبَيْرَةَ بِالْعَوْدِ إِلَى مُحَاصَرَتِهَا، وَالِاسْتِعْدَادِ، وَالِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْآلَاتِ لِلْحِصَارِ، فَسَارَ إِلَيْهَا سَابِعَ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَنَازَلَهَا وَضَيَّقَ عَلَيْهَا، فَوَصَلَ الْخَبَرُ بِأَنَّ مَسْعُودَ بِلَالٍ وَصَلَ إِلَى شَهْرَابَانَ وَمَعَهُ الْبَقْشُ كُونْ خَرْ وَتُرْشَكُ فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ وَنَهَبُوا الْبِلَادَ، فَعَادَ الْوَزِيرُ إِلَى بَغْدَادَ. وَكَانَ سَبَبَ وُصُولِ هَذَا الْعَسْكَرِ أَنَّهُمْ حَثُّوا الْمَلِكَ مُحَمَّدًا ابْنَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ عَلَى قَصْدِ الْعِرَاقِ، فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ ذَلِكَ، فَسَيَّرَ هَذَا الْعَسْكَرَ، وَانْضَافَ إِلَيْهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ التُّرْكُمَانِ، فَخَرَجَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِمْ، فَأَرْسَلَ مَسْعُودُ بِلَالٍ إِلَى تَكْرِيتَ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا الْمَلِكَ أَرْسَلَانَ ابْنَ السُّلْطَانِ طُغْرُلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ مَحْبُوسًا بِتَكْرِيتَ، وَقَالَ: هَذَا السُّلْطَانُ نُقَاتِلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِزَاءِ الْخَلِيفَةِ. وَالْتَقَى الْعَسْكَرَانِ عِنْدَ بِكَمْزَا بِالْقُرْبِ مِنْ بَعْقُوبَا، وَدَامَ بَيْنَهُمُ الْمُنَاوَشَةُ وَالْمُحَارَبَةُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ إِنَّهُمُ الْتَقَوْا آخِرَ رَجَبٍ فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتْ مَيْمَنَةُ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ وَبَعْضُ الْقَلْبِ، حَتَّى بَلَغَتِ الْهَزِيمَةُ بَغْدَادَ، وَنُهِبَتْ خَزَائِنُهُ، وَقُتِلَ خَازِنُهُ، فَحَمَلَ الْخَلِيفَةُ بِنَفْسِهِ هُوَ وَوَلِيُّ عَهْدِهِ وَصَاحَ: يَا آلَ هَاشِمٍ! كَذَبَ الشَّيْطَانُ ; وَقَرَأَ: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] ،

стр. 5445

وَحَمَلَ بَاقِي الْعَسْكَرِ مَعَهُ فَانْهَزَمَ مَسْعُودٌ وَالْبَقْشُ وَجَمِيعُ مَنْ مَعَهُمْ، وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ، وَظَفَرَ الْخَلِيفَةُ بِهِمْ، وَغَنَمَ عَسْكَرُهُ جَمِيعَ مَالِ التُّرْكُمَانِ مِنْ دَوَابَّ وَغَنَمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَبِيعَ كُلُّ كَبْشٍ بِدَانَقٍ ; وَكَانُوا قَدْ حَضَرُوا بِنِسَائِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَخَرَكَاهَاتِهِمْ وَجَمِيعِ مَالِهِمْ، فَأُخِذَ جَمِيعُهُ، وَنُودِيَ: مَنْ أَخَذَ مِنْ أَوْلَادِ التُّرْكُمَانِ وَنِسَائِهِمْ شَيْئًا فَلْيَرُدَّهُ ; فَرَدُّوهُ، فَأَخَذَ الْبَقْشُ كُونْ خَرْ الْمَلِكَ أَرْسَلَانَ، وَانْهَزَمَ إِلَى بَلَدِ اللِّحْفِ وَقَلْعَةِ الْمَاهِكِي. وَفِي هَذِهِ الْحَرْبِ غَدَرَ بَنُو عَوْفٍ مِنْ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ، وَلَحِقُوا بِالْعَجَمِ، وَمَضَى هِنْدِيٌّ الْكُرْدِيُّ أَيْضًا مَعَهُمْ. وَكَانَ الْمَلِكُ مُحَمَّدٌ قَدْ أَرْسَلَ عَسْكَرًا مَعَ خَاصِّ بِكْ بْنِ آقْسُنْقُرْ نَجْدَةً لِكُونْ خَرْ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الرَّاذَانِ بَلَغَهُمْ خَبَرُ الْهَزِيمَةِ فَعَادُوا، وَرَجَعَ الْخَلِيفَةُ إِلَى بَغْدَادَ فَدَخَلَهَا أَوَائِلَ شَعْبَانَ، فَوَصَلَهُ الْخَبَرُ أَنَّ مَسْعُودَ بِلَالٍ وَتُرْشَكُ قَصْدَا مَدِينَةَ وَاسِطَ فَنَهَبَا وَخَرَّبَا، فَسَيَّرَ الْخَلِيفَةُ الْوَزِيرَ ابْنَ هُبَيْرَةَ فِي عَسْكَرٍ خَامِسَ عَشَرَ شَعْبَانَ، فَانْهَزَمَ الْعَجَمُ فَلَقِيَهُمْ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ، وَنَهَبَ مِنْهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا، وَعَادُوا إِلَى بَغْدَادَ، فَلُقِّبَ الْوَزِيرُ سُلْطَانُ الْعِرَاقِ مَلِكَ الْجُيُوشِ. وَسَيَّرَ الْخَلِيفَةُ عَسْكَرًا إِلَى بَلَدِ اللِّحْفِ فَأَخَذَهُ وَصَارَ فِي جُمْلَتِهِ، وَأَمَّا الْمَلِكُ أَلْبُ أَرْسَلَانْ بْنُ طُغْرُلَ فَإِنَّ الْبَقْشُ أَخَذَهُ مَعَهُ إِلَى بَلَدِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ مُحَمَّدٌ يَقُولُ لَهُ لِيَحْضُرَ عِنْدَهُ وَأَرْسَلَانُ مَعَهُ، فَمَاتَ الْبَقْشُ كُونْ خَرْ فِي رَمَضَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَبَقِيَ أَرْسَلَانُ مَعَ ابْنِ الْبَقْشِ، وَحَسَنٍ الْجَانْدَارِ، فَحَمَلَاهُ [إِلَى] الْجَبَلِ، فَخَافَ الْمَلِكُ مُحَمَّدٌ أَنْ يَصِلَ أَرْسَلَانُ إِلَى زَوْجِ أُمِّهِ إِيلْدِكْزَ فَيَجْعَلَهُ ذَرِيعَةً إِلَى قَصْدِ الْبِلَادِ، فَلَمْ يَنْفَعْهُ حَذَرُهُ، وَاتَّصَلَ أَرْسَلَانُ بِإِيلْدِكْزَ زَوْجِ أُمِّهِ فَصَارَ مَعَهُ، وَهُوَ أَخُو الْبَهْلَوَانِ بْنِ إِيلْدِكْزَ لِأُمِّهِ، وَطُغْرُلُ الَّذِي قَتَلَهُ خَوَارَزْمُ شَاهْ وَلَدُ أَرْسَلَانَ هَذَا، وَكَانَ طُغْرُلُ آخِرَ السَّلْجُوقِيَّةِ.

стр. 5446

ذِكْرُ مُلْكِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودٍ مَدِينَةَ دِمَشْقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي صَفَرٍ مَلَكَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِي بْنِ آقْسُنْقُرْ مَدِينَةَ دِمَشْقَ، وَأَخَذَهَا مِنْ صَاحِبِهَا مُجِيرِ الدِّينِ أَبَقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بُورِي بْنِ طُغْتِكِينَ أَتَابَكَ. وَكَانَ سَبَبَ جِدِّهِ فِي مُلْكِهَا أَنَّ الْفِرِنْجَ لَمَّا مَلَكُوا فِي الْعَامِ الْمَاضِي مَدِينَةَ عَسْقَلَانَ لَمْ يَكُنْ لِنُورِ الدِّينِ طَرِيقٌ إِلَى إِزْعَاجِهِمْ عَنْهَا لِاعْتِرَاضِ دِمَشْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَسْقَلَانَ، فَلَمَّا مَلَكَ الْفِرِنْجُ عَسْقَلَانَ طَمِعُوا فِي دِمَشْقَ، حَتَّى إِنَّهُمُ اسْتَعْرَضُوا كُلَّ مَنْ بِهَا مِنْ مَمْلُوكٍ وَجَارِيَةٍ مِنَ النَّصَارَى، فَمَنْ أَرَادَ الْمُقَامَ بِهَا تَرَكُوهُ، وَمَنْ أَرَادَ الْعَوْدَ إِلَى وَطَنِهِ أَخَذُوهُ قَهْرًا شَاءَ صَاحِبُهُ أَمْ أَبَى. وَكَانَ لَهُمْ عَلَى أَهْلِهَا كُلَّ سَنَةٍ قَطِيعَةٌ يَأْخُذُونَهَا مِنْهُمْ، فَكَانَ رُسُلُهُمْ يَدْخُلُونَ الْبَلَدَ وَيَأْخُذُونَهَا مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَأَى نُورُ الدِّينِ ذَلِكَ خَافَ أَنْ يَمْلِكَهَا الْفِرِنْجُ فَلَا يَبْقَى حِينَئِذٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِالشَّامِ مُقَامٌ، فَأَعْمَلَ الْحِيلَةَ فِي أَخْذِهَا حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ قُوَّةً ; لِأَنَّ صَاحِبَهَا مَتَى رَأَى غَلَبَهُ رَاسَلَ الْفِرِنْجَ وَاسْتَعَانَ بِهِمْ، فَأَعَانُوهُ لِئَلَّا يَمْلِكَهَا مَنْ يَقْوَى بِهَا عَلَى قِتَالِهِمْ، فَرَاسَلَ مُجِيرَ الدِّينِ صَاحِبَهَا وَاسْتَمَالَهُ، وَوَاصَلَهُ بِالْهَدَايَا، وَأَظْهَرَ لَهُ الْمَوَدَّةَ حَتَّى وَثِقَ بِهِ فَكَانَ نُورُ الدِّينِ يَقُولُ لَهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ: إِنَّ فُلَانًا قَدْ كَاتَبَنِي فِي تَسْلِيمِ دِمَشْقَ، يَعْنِي بَعْضَ أُمَرَاءِ مُجِيرِ الدِّينِ، فَكَانَ يُبْعِدُ الَّذِي قِيلَ عَنْهُ، وَيَأْخُذُ أَقْطَاعَهُ، فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ أَحَدٌ قَدَّمَ أَمِيرًا يُقَالُ لَهُ عَطَا بْنُ حَفَّاظٍ السُّلَمِيُّ الْخَادِمُ، وَكَانَ شَهْمًا شُجَاعًا، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَ دَوْلَتِهِ، فَكَانَ نُورُ الدِّينِ لَا يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنْ أَخْذِ دِمَشْقَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ مُجِيرُ الدِّينِ وَقَتَلَهُ، فَسَارَ نُورُ الدِّينِ حِينَئِذٍ إِلَى دِمَشْقَ، وَكَانَ قَدْ كَاتَبَ مَنْ بِهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ وَاسْتَمَالَهُمْ، فَوَعَدَهُ بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا حَصَرَ نُورُ الدِّينِ الْبَلَدَ أَرْسَلَ مُجِيرُ الدِّينِ إِلَى الْفِرِنْجِ يَبْذُلُ لَهُمُ الْأَمْوَالَ وَتَسْلِيمَ قَلْعَةِ بَعْلَبَكَّ إِلَيْهِمْ لِيُنْجِدُوهُ وَيُرَحِّلُوا نُورَ الدِّينِ عَنْهُ، فَشَرَعُوا فِي جَمْعِ فَارِسِهِمْ وَرَاجِلِهِمْ لِيُرَحِّلُوا نُورَ الدِّينِ عَنِ الْبَلَدِ، فَإِلَى أَنِ اجْتَمَعَ لَهُمْ مَا يُرِيدُونَ تَسَلَّمَ نُورُ الدِّينِ الْبَلَدَ، فَعَادُوا بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ.

стр. 5447

وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ تَسْلِيمِ دِمَشْقَ فَإِنَّهُ لَمَّا حَصَرَهَا ثَارَ الْأَحْدَاثُ الَّذِينَ رَاسَلَهُمْ، فَسَلَّمُوا إِلَيْهِ الْبَلَدَ مِنَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ وَمَلَكَهُ، وَحَصَرَ مُجِيرَ الدِّينِ فِي الْقَلْعَةِ، وَرَاسَلَهُ فِي تَسْلِيمِهَا وَبَذَلَ لَهُ إِقْطَاعًا مِنْ جُمْلَتِهِ مَدِينَةُ حِمْصَ، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ وَسَارَ إِلَى حِمْصَ، ثُمَّ إِنَّهُ رَاسَلَ أَهْلَ دِمَشْقَ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ، فَعَلِمَ نُورُ الدِّينِ ذَلِكَ فَخَافَهُ، فَأَخَذَ مِنْهُ حِمْصَ ; وَأَعْطَاهُ عِوَضًا عَنْهَا بَالَسَ، فَلَمْ يَرْضَهَا، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى الْعِرَاقِ، وَأَقَامَ بِبَغْدَادَ وَابْتَنَى بِهَا دَارًا بِالْقُرْبِ مِنَ النِّظَامِيَّةِ، وَتُوُفِّيَ بِهَا. ذِكْرُ قَصْدِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ خُرَاسَانَ وَالظَّفَرِ بِهِمْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، اجْتَمَعَ كَثِيرٌ مِنَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ مِنْ قُهِسْتَانَ، بَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ سَبْعَةَ آلَافِ رَجُلٍ مَا بَيْنَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَسَارُوا يُرِيدُونَ خُرَاسَانَ لِاشْتِغَالِ عَسَاكِرِهَا بِالْغُزِّ، وَقَصَدُوا أَعْمَالَ خَوَافَ وَمَا يُجَاوِرُهَا، فَلَقِيَهُمُ الْأَمِيرُ فَرْخَشَاهْ بْنُ مَحْمُودٍ الْكَاسَانِيُّ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ حَشَمِهِ وَأَصْحَابِهِ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِمْ، فَتَرَكَهُمْ وَسَارَ عَنْهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْأَمِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ أُنُرَ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ أُمَرَاءِ خُرَاسَانَ وَأَشْجَعِهِمْ، يُعَرِّفُهُ الْحَالَ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْمَسِيرَ إِلَيْهِمْ بِعَسْكَرِهِ وَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأُمَرَاءِ لِيَجْتَمِعُوا عَلَيْهِمْ وَيُقَاتِلُوهُمْ. فَسَارَ مُحَمَّدُ بْنُ أُنُرَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَاجْتَمَعُوا هُمْ وَفَرْخَشَاهْ، وَوَاقَعُوا الْإِسْمَاعِيلِيَّةَ وَقَاتَلُوهُمْ، وَطَالَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ نَصَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ وَانْهَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَهَلَكَ أَعْيَانُهُمْ وَسَادَاتُهُمْ: بَعْضُهُمْ قُتِلَ، وَبَعْضُهُمْ أُسِرَ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ الشَّرِيدُ، وَخَلَتْ قِلَاعُهُمْ وَحُصُونُهُمْ مِنْ حَامٍ وَمَانِعٍ، فَلَوْلَا اشْتِغَالُ الْعَسَاكِرِ بِالْغُزِّ لَكَانُوا

стр. 5448

مَلَكُوهَا بِغَيْرِ تَعَبٍ وَلَا مَشَقَّةٍ، وَأَرَاحُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لِلَّهِ أَمْرٌ هُوَ بَالِغُهُ. ذِكْرُ مُلْكِ نُورِ الدِّينِ تَلَّ بَاشِرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَوِ الَّتِي بَعْدَهَا، مَلَكَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِي قَلْعَةَ تَلِّ بَاشِرَ، وَهِيَ شَمَالِيَّ حَلَبَ مِنْ أَمْنَعِ الْقِلَاعِ. وَسَبَبُ مُلْكِهَا أَنَّ الْفِرِنْجَ لَمَّا رَأَوْا مُلْكَ نُورِ الدِّينِ دِمَشْقَ خَافُوهُ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ يَقْوَى عَلَيْهِمْ، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى الِانْتِصَافِ مِنْهُ، لِمَا كَانُوا يَرَوْنَ مِنْهُ قَبْلَ مُلْكِهَا، فَرَاسَلَهُ مَنْ بِهَذِهِ الْقَلْعَةِ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَبَذَلُوا لَهُ تَسْلِيمَهَا، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمُ الْأَمِيرَ حَسَّانًا الْمَنْبِجِيَّ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ أُمَرَائِهِ، وَكَانَ إِقْطَاعُهُ ذَلِكَ الْوَقْتَ مَدِينَةَ مَنْبِجَ، وَهِيَ تُقَارِبُ تَلَّ بَاشِرَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهَا وَيَتَسَلَّمَهَا، فَسَارَ إِلَيْهَا وَتَسَلَّمَهَا مِنْهُمْ، وَحَصَّنَهَا وَرَفَعَ إِلَيْهَا مِنَ الذَّخَائِرِ مَا يَكْفِيهَا سِنِينَ كَثِيرَةً. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ [الْوَفَيَاتُ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ أُسْتَاذُ الدَّارِ أَبُو الْفُتُوحِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ ابْنِ الْمُظَفَّرِ ابْنِ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ، وَكَانَ لَهُ صَدَقَاتٌ، وَمَعْرُوفٌ كَثِيرٌ، وَمُجَالَسَةٌ لِلْفُقَرَاءِ. وَلَمَّا مَاتَ وَلَّى الْخَلِيفَةُ ابْنَهُ الْأَكْبَرَ عَضُدَ الدِّينِ أَبَا الْفَرَجِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ مَا كَانَ إِلَى أَبِيهِ. وَتُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَكَّافُ النَّيْسَابُورِيُّ. كَانَ زَاهِدًا، عَابِدًا، فَقِيهًا، مُنَاظِرًا، وَكَانَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ يَزُورُهُ وَيَتَبَرَّكُ بِدُعَائِهِ، وَكَانَ رُبَّمَا حَجَبَهُ فَلَا يُمَكِّنُهُ مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهِ.

стр. 5449

وَفِيهَا تُوُفِّيَ ثِقَةُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَيْنِيُّ، وَكَانَ يَخْدِمُ أَبَا نَصْرٍ أَحْمَدَ بْنَ الْفَرَجِ الْأَبَرِّيَّ، فَرَبَّاهُ حَتَّى قِيلَ: " ابْنُ الْأَبَرِّيِّ "، وَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ شُهْدَةَ الْكَاتِبَةَ، فَقَرَّبَهُ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ، وَوَكَّلَهُ فَبَنَى مَدْرَسَةً بِبَابِ الْأَزَجِ.

стр. 5450

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَة] (٥٥٠) ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ [ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْخَلِيفَةُ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ إِلَى دَقُوقَا فَحَصَرَهَا، وَقَاتَلَ مَنْ بِهَا، ثُمَّ رَحَلَ عَنْهَا لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَسْكَرَ الْمَوْصِلِ قَدْ تَجَهَّزُوا لِلْمَسِيرِ لِمَنْعِهِ عَنْهَا، فَرَحَلَ وَلَمْ يَبْلُغْ غَرَضًا. وَفِيهَا اسْتَوْلَى شَمْلَةُ التُّرْكُمَانِيُّ عَلَى خُوزِسْتَانَ، وَكَانَ قَدْ جَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا مِنَ التُّرْكُمَانِ، وَسَارَ يُرِيدُ خُوزِسْتَانَ، وَصَاحِبُهُ حِينَئِذٍ مَلِكْشَاهْ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَسَيَّرَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِ عَسْكَرًا، فَلَقِيَهُمْ شَمْلَةُ فِي رَجَبٍ، وَقَاتَلَهُمْ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ، وَأُسِرَ وُجُوهُهُمْ، ثُمَّ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَأَطْلَقَهُمْ، وَأَرْسَلَ يَعْتَذِرُ، فَقُبِلَ عُذْرُهُ، وَسَارَ إِلَى خُوزِسْتَانَ فَمَلَكَهَا وَأَزَاحَ عَنْهَا مَلِكْشَاهْ ابْنَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ. وَفِيهَا سَارَ الْغُزُّ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَمَلَكُوهَا بِالسَّيْفِ، فَدَخَلُوهَا وَقَتَلُوا (مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى الْفَقِيهَ الشَّافِعِيَّ وَ) نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَكَانَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ لَهُ اسْمُ السَّلْطَنَةِ، وَهُوَ مُعْتَقَلٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، حَتَّى إِنَّهُ أَرَادَ كَثِيرًا مِنَ الْأَيَّامِ أَنْ يَرْكَبَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَحْمِلُ سِلَاحَهُ، فَشَدَّهُ عَلَى وَسَطِهِ وَرَكِبَ. وَكَانَ إِذَا قُدِّمَ إِلَيْهِ طَعَامٌ يَدَّخِرُ مِنْهُ مَا يَأْكُلُهُ وَقْتًا آخَرَ، خَوْفًا مِنِ انْقِطَاعِهِ عَنْهُ، لِتَقْصِيرِهِمْ فِي وَاجِبِهِ، وَلِأَنَّهُمْ لَيْسَ هَذَا مِمَّا يَعْرِفُونَهُ.

стр. 5451

وَفِيهَا وَثَبَ قُسُوسُ الْأَرْمَنِ بِمَدِينَةِ آنِي فَأَخَذُوهَا مِنَ الْأَمِيرِ شَدَّادٍ، وَسَلَّمُوهَا إِلَى أَخِيهِ فَضْلُونَ. وَفِيهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ، قَتَلَ الْأَتْرَاكُ الْقَارَغْلِيَّةُ طُمْغَاجْ خَانْ بْنَ مُحَمَّدٍ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَأَلْقَوْهُ فِي الصَّحْرَاءِ، وَنَسَبُوهُ إِلَى أَشْيَاءَ قَبِيحَةٍ ; وَكَانَ مُدَّةَ مُلْكِهِ مُسْتَضْعَفًا غَيْرَ مَهِيبٍ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ الْحَافِظُ الْأَدِيبُ وَكَانَ مَشْهُورًا بِالْفَضْلِ، وَكَانَ شَافِعِيًّا، وَصَارَ حَنْبَلِيًّا مُغَالِيًا، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِي شَعْبَانَ، وَكَانَ مَوْتُهُ أَيْضًا فِي شَعْبَانَ. وَفِيهَا كَانَ بِالْعِرَاقِ وَمَا جَاوَرَهُ مِنَ الْبِلَادِ زَلْزَلَةٌ كَبِيرَةٌ فِي ذِي الْحِجَّةِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ النَّحْوِيُّ الْمَوْصَلِيُّ، وَكَانَ فَاضِلًا خَيِّرًا. وَتَاجُ الدِّينِ أَبُو طَاهِرٍ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ الشَّهْرَزُورِيُّ، قَاضِي جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ.

стр. 5452

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ] (٥٥١) ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ عِصْيَانِ الْجَزَائِرِ وَإِفْرِيقِيَّةَ عَلَى مَلِكِ الْفِرِنْجِ بِصِقِلِّيَةَ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ مَوْتَ رُجَّارَ مَلِكِ صِقِلِّيَةَ وَمُلْكَ وَلَدِهِ غُلْيَالِمَ، وَأَنَّهُ كَانَ فَاسِدَ التَّدْبِيرِ، فَخَرَجَ مِنْ حُكْمِهِ عِدَّةٌ مِنْ حُصُونِ صِقِلِّيَةَ. فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ قَوِيَ طَمَعُ النَّاسِ فِيهِ، فَخَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ جَزِيرَةُ جَرْبَةَ وَجَزِيرَةُ قَرْقَنَّةَ، وَأَظْهَرُوا الْخِلَافَ عَلَيْهِ، وَخَالَفَ عَلَيْهِ أَهْلُ إِفْرِيقِيَّةَ، فَأَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ الْخِلَافَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْفُرِّيَانِيُّ بِمَدِينَةِ سَفَاقُسَ، وَكَانَ رُجَّارُ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا، لَمَّا فَتَحَهَا أَبَاهُ أَبَا الْحَسَنِ، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ، فَأَظْهَرَ الْعَجْزَ وَالضَّعْفَ وَقَالَ: اسْتَعْمِلْ وَلَدِي ; فَاسْتَعْمَلَهُ، وَأَخَذَ أَبَاهُ رَهِينَةً إِلَى صِقِلِّيَةَ. فَلَمَّا أَرَادَ الْمَسِيرَ إِلَيْهَا قَالَ لِوَلَدِهِ عُمَرَ: إِنَّنِي كَبِيرُ السِّنِّ، وَقَدْ قَارَبَ أَجَلِي، فَمَتَى أَمْكَنَتْكَ الْفُرْصَةُ فِي الْخِلَافِ عَلَى الْعَدُوِّ فَافْعَلْ، وَلَا تُرَاقِبْهُمْ، وَلَا تَنْظُرْ فِي أَنَّنِي أُقْتَلُ وَاحْسَبْ أَنِّي قَدْ مُتُّ ; فَلَمَّا وَجَدَ هَذِهِ الْفُرْصَةَ دَعَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْخِلَافِ وَقَالَ: يَطْلُعُ جَمَاعَةٌ مِنْكُمْ إِلَى السُّورِ، وَجَمَاعَةٌ يَقْصِدُونَ مَسَاكِنَ الْفِرِنْجِ وَالنَّصَارَى جَمِيعِهِمْ، وَيَقْتُلُونَهُمْ كُلَّهُمْ. فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ سَيِّدَنَا الشَّيْخَ وَالدَكَ نَخَافُ عَلَيْهِ. قَالَ: هُوَ أَمَرَنِي بِهَذَا، وَإِذَا قُتِلَ بِالشَّيْخِ أُلُوفٌ مِنَ الْأَعْدَاءِ فَمَا مَاتَ ; فَلَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ حَتَّى قَتَلُوا

стр. 5453

الْفِرِنْجَ عَنْ آخِرِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. ثُمَّ اتَّبَعَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مَطْرُوحٍ بِطَرَابُلُسَ وَبَعْدَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ رَشِيدٍ بِقَابِسَ، وَسَارَ عَسْكَرُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ إِلَى بُونَةَ فَمَلَكَهَا وَخَرَجَ جَمِيعُ إِفْرِيقِيَّةَ عَنْ حُكْمِ الْفِرِنْجِ مَا عَدَا الْمَهْدِيَّةَ وَسْوَسَةَ. وَأَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ [أَبِي] الْحُسَيْنِ إِلَى زَوِيلَةَ، وَهِيَ مَدِينَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَهْدِيَّةِ نَحْوُ مَيْدَانٍ، يُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْوُثُوبِ عَلَى مَنْ مَعَهُمْ فِيهَا مِنَ النَّصَارَى، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَقِدَمَ عَرَبُ الْبِلَادِ إِلَى زَوِيلَةَ، فَأَعَانُوا أَهْلَهَا عَلَى مَنْ بِالْمَهْدِيَّةِ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَقَطَعُوا الْمِيرَةَ عَنِ الْمَهْدِيَّةِ. فَلَمَّا اتَّصَلَ الْخَبَرُ بِغُلْيَالِمَ مَلِكِ صِقِلِّيَةَ أَحْضَرَ أَبَا الْحُسَيْنِ وَعَرَّفَهُ مَا عَمِلَ ابْنُهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَيَأْمُرَهُ بِالْعَوْدِ إِلَى طَاعَتِهِ، وَيُخَوِّفَهُ عَاقِبَةَ فِعْلِهِ، فَقَالَ: مَنْ قَدِمَ عَلَى هَذَا لَا يَرْجِعُ بِكِتَابٍ، فَأَرْسَلَ مَلِكُ صِقِلِّيَةَ إِلَيْهِ رَسُولًا يَتَهَدَّدُهُ، وَيَأْمُرُهُ بِتَرْكِ مَا ارْتَكَبَهُ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُ عُمَرُ مِنْ دُخُولِ الْبَلَدِ يَوْمَهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ خَرَجَ أَهْلُ الْبَلَدِ جَمِيعُهُمْ وَمَعَهُمْ جِنَازَةٌ، وَالرَّسُولُ يُشَاهِدُهُمْ، فَدَفَنُوهَا وَعَادُوا، وَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى الرَّسُولِ يَقُولُ لَهُ: هَذَا أَبِي قَدْ دَفَنْتُهُ، وَقَدْ جَلَسْتُ لِلْعَزَاءِ بِهِ، فَاصْنَعُوا بِهِ مَا أَرَدْتُمْ. فَعَادَ الرَّسُولُ إِلَى غُلْيَالِمَ فَأَخْبَرَهُ بِمَا صَنَعَ عُمَرُ بْنُ أَبِي الْحُسَيْنِ، فَأَخَذَ أَبَاهُ وَصَلَبَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى مَاتَ. وَأَمَّا أَهْلُ زَوِيلَةَ فَإِنَّهُمْ كَثُرَ جَمْعُهُمْ بِالْعَرَبِ وَأَهْلِ سَفَاقُسَ وَغَيْرِهِمْ، فَحَصَرُوا الْمَهْدِيَّةَ وَضَيَّقُوا عَلَيْهَا، وَكَانَتِ الْأَقْوَاتُ بِالْمَهْدِيَّةِ قَلِيلَةً، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ صَاحِبُ صِقِلِّيَةَ عَشْرِينَ شِينِيًّا فِيهَا الرِّجَالُ وَالسِّلَاحُ، فَدَخَلُوا الْبَلَدَ، وَأَرْسَلُوا إِلَى الْعَرَبِ وَبَذَلُوا

стр. 5454

لَهُمْ مَالًا لِيَنْهَزِمُوا، وَخَرَجُوا مِنَ الْغَدِ، فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَأَهْلُ زَوِيلَةَ، فَانْهَزَمَتِ الْعَرَبُ، وَبَقِيَ أَهْلُ زَوِيلَةَ وَأَهْلُ سَفَاقُسَ يُقَاتِلُونَ الْفِرِنْجَ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَأَحَاطَ بِهِمُ الْفِرِنْجُ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ سَفَاقُسَ وَرَكِبُوا فِي الْبَحْرِ فَنَجَوْا، وَبَقِيَ أَهْلُ زَوِيلَةَ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمُ الْفِرِنْجُ فَانْهَزَمُوا إِلَى زَوِيلَةَ، فَوَجَدُوا أَبْوَابَهَا مُغْلَقَةً، فَقَاتَلُوا تَحْتَ السُّورِ، وَصَبَرُوا حَتَّى قُتِلَ أَكْثَرُهُمْ وَلَمْ يَنْجُ إِلَّا الْقَلِيلُ فَتَفَرَّقُوا، وَمَضَى بَعْضُهُمْ إِلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ. فَلَمَّا قُتِلُوا هَرَبَ مَنْ بِهَا مِنَ الْحُرَمِ وَالصِّبْيَانِ وَالشُّيُوخِ فِي الْبَرِّ، وَلَمْ يُعَرِّجُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَدَخَلَ الْفِرِنْجُ زَوِيلَةَ فَقَتَلُوا مَنْ وَجَدُوا فِيهَا مِنَ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ، وَنَهَبُوا الْأَمْوَالَ، وَاسْتَقَرَّ الْفِرِنْجُ بِالْمَهْدِيَّةِ إِلَى أَنْ أَخَذَهَا مِنْهُمْ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى سُلَيْمَانَ شَاهْ وَحَبْسِهِ بِالْمَوْصِلِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ زَيْنُ الدِّينِ عَلِيٌّ كُوجَكُ نَائِبُ قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِي بْنِ آقْسُنْقُرْ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، عَلَى الْمَلِكِ سُلَيْمَانَ شَاهِ ابْنِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ شَاهْ عِنْدَ عَمِّهِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ قَدِيمًا، وَقَدْ جَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ، وَخَطَبَ لَهُ فِي مَنَابِر خُرَاسَانَ، فَلَمَّا جَرَى لِسَنْجَرَ مَعَ الْغُزِّ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَتَقَدَّمَ عَلَى عَسْكَرِ خُرَاسَانَ، وَضَعُفُوا عَنِ الْغُزِّ، مَضَى إِلَى خَوَارَزْمَ شَاهْ فَزَوَّجَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ أَقْسِيسَ، ثُمَّ بَلَغَهُ عَنْهُ مَا كَرِهَهُ فَأَبْعَدَهُ، فَجَاءَ إِلَى أَصْفَهَانَ فَمَنَعَهُ شِحْنَتُهَا مِنَ الدُّخُولِ، فَمَضَى إِلَى قَاشَانَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ شَاهْ ابْنُ أَخِيهِ مَحْمُودِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَسْكَرًا أَبْعَدُوهُ عَنْهَا، فَسَارَ إِلَى خُوزِسْتَانَ، فَمَنَعَهُ مَلِكْشَاهْ عَنْهَا، فَقَصَدَ اللِّحْفَ وَنَزَلَ الْبَنْدَيْجِينِ، وَأَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَفِي يُعْلِمُهُ بِوُصُولِهِ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا، إِلَى أَنِ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى أَنْ يُرْسِلَ زَوْجَتَهُ تَكُونُ رَهِينَةً، فَأَرْسَلَهَا إِلَى بَغْدَادَ وَمَعَهَا كَثِيرٌ مِنَ الْجَوَارِي وَالْأَتْبَاعِ، وَقَالَ: قَدْ أَرْسَلْتُ هَؤُلَاءِ رَهَائِنَ، فَإِنْ أَذِنَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي دُخُولَ بَغْدَادَ فَعَلْتُ وَإِلَّا رَجَعْتُ.

стр. 5455

فَأَكْرَمَ الْخَلِيفَةُ زَوْجَتَهُ وَمَنْ مَعَهَا، وَأَذِنَ فِي الْقُدُومِ وَمَعَهُ عَسْكَرٌ خَفِيفٌ يَبْلُغُونَ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ، فَخَرَجَ وَلَدُ الْوَزِيرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ يَلْتَقِيهِ، وَمَعَهُ قَاضِي الْقُضَاةِ وَالنَّقِيبَانِ، وَلَمْ يَتَرَجَّلْ لَهُ ابْنُ الْوَزِيرِ، وَدَخَلَ بَغْدَادَ وَعَلَى رَأْسِهِ الشِّمْسَةُ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ، وَأَقَامَ بِبَغْدَادَ إِلَى أَنْ دَخَلَ الْمُحَرَّمُ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فَأُحْضِرَ فِيهِ سُلَيْمَانُ شَاهْ إِلَى دَارِ الْخَلِيفَةِ، وَأُحْضِرَ قَاضِي الْقُضَاةِ وَالشُّهُودُ وَأَعْيَانُ الْعَبَّاسِيِّينَ، وَحَلَفَ لِلْخَلِيفَةِ عَلَى النُّصْحِ وَالْمُوَافَقَةِ وَلُزُومِ الطَّاعَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ إِلَى الْعِرَاقِ بِحَالٍ. فَلَمَّا حَلَفَ خُطِبَ لَهُ بِبَغْدَادَ وَلُقِّبَ أَلْقَابَ أَبِيهِ غِيَاثِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَبَاقِي أَلْقَابِهِ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ خِلَعُ السَّلْطَنَةِ، وَسُيِّرَ مَعَهُ مِنْ عَسْكَرِ بَغْدَادَ ثَلَاثَةُ آلَافِ فَارِسٍ، وَجُعِلَ الْأَمِيرُ قُوَيْدَانُ صَاحِبُ الْحِلَّةِ أَمِيرَ حَاجِبٍ مَعَهُ، وَسَارَ نَحْوَ بِلَادِ الْجَبَلِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَسَارَ الْخَلِيفَةُ إِلَى حُلْوَانَ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَلِكْشَاهِ ابْنِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ أَخِي السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ صَاحِبِ هَمَذَانَ وَغَيْرِهَا يَدْعُوهُ إِلَى مُوَافَقَتِهِ، فَقَدِمَ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ، فَحَلَفَ كُلُّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ وَجُعِلَ مَلِكْشَاهْ وَلِيَ عَهْدِ سُلَيْمَانَ شَاهْ، وَقَوَّاهُمَا الْخَلِيفَةُ بِالْمَالِ وَالْأَسْلِحَةِ وَغَيْرِهَا، فَسَارُوا وَاجْتَمَعُوا هُمْ وَإِيلْدِكْزُ، فَصَارُوا فِي جَمْعٍ كَبِيرٍ. فَلَمَّا سَمِعَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ خَبَرَهُمْ أَرْسَلَ إِلَى قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودٍ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَنَائِبِهِ زَيْنِ الدِّينِ يَطْلُبُ مِنْهُمَا الْمُسَاعَدَةَ وَالْمُعَاضَدَةَ، وَيَبْذُلُ لَهُمَا الْبَذُولَ الْكَثِيرَةَ إِنْ ظَفِرَ، فَأَجَابَاهُ إِلَى ذَلِكَ وَوَافَقَا، فَقَوِيَتْ نَفْسُهُ وَسَارَ إِلَى لِقَاءِ سُلَيْمَانْ شَاهْ وَمَنِ اجْتَمَعَ مَعَهُ مِنْ عَسَاكِرِهِ، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَانْهَزَمَ سُلَيْمَانُ شَاهْ وَمَنْ مَعَهُ، وَتَشَتَّتَ الْعَسْكَرُ وَوَصَلَ مِنْ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ - وَكَانُوا ثَلَاثَةَ آلَافِ رَجُلٍ - نَحْوٌ مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا

стр. 5456

أُخِذَتْ خُيُولُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَتَشَتَّتُوا، وَجَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ. وَفَارَقَ سَلِيمَانُ شَاهْ إِيلْدِكْزَ وَسَارَ نَحْوَ بَغْدَادَ عَلَى شَهْرَزَوْرَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ زَيْنُ الدِّينِ عَلِيٌّ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ عَسْكَرِ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ بِشَهْرَزَوْرَ الْأَمِيرُ بَزَّانُ مُقْطِعًا لَهَا مِنْ جِهَةِ زَيْنِ الدِّينِ، فَخَرَجَ زَيْنُ الدِّينِ وَسَارَ، فَوَقَفَا عَلَى طَرِيقِ سُلَيْمَانَ شَاهْ، فَأَخَذَاهُ أَسِيرًا، وَحَمَلَهُ زَيْنُ الدِّينِ إِلَى قَلْعَةِ الْمَوْصِلِ وَحَبَسَهُ بِهَا مُكَرَّمًا مُحْتَرَمًا، إِلَى أَنْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمَّا قُبِضَ سُلَيْمَانُ شَاهْ أَرْسَلَ زَيْنُ الدِّينِ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، وَوَعَدَهُ الْمُعَاضَدَةَ عَلَى كُلِّ مَا يُرِيدُهُ مِنْهُ. ذِكْرُ حَصْرِ نُورِ الدِّينِ قَلْعَةَ حَارِمَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ الزَّنْكِي إِلَى قَلْعَةِ حَارِمَ، وَهِيَ لِلْفِرِنْجِ، ثُمَّ لِبَيْمُنْدَ، صَاحِبِ أَنْطَاكِيَةَ، وَهِيَ تُقَارِبُ أَنْطَاكِيَةَ مِنْ شَرْقِيِّهَا، وَحَصَرَهَا وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا، وَهِيَ قَلْعَةٌ مَنِيعَةٌ فِي نُحُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَاجْتَمَعَتِ الْفِرِنْجُ مَنْ قُرْبٍ مِنْهَا وَمِنْ بُعْدٍ، وَسَارُوا نَحْوَهُ لِيُرَحِّلُوهُ عَنْهَا. وَكَانَ بِالْحِصْنِ شَيْطَانٌ مِنْ شَيَاطِينِهِمْ يَعْرِفُونَ عَقْلَهُ وَيَرْجِعُونَ إِلَى رَأْيِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَقُولُ: إِنَّنَا نَقْدِرُ عَلَى حِفْظِ الْقَلْعَةِ، وَلَيْسَ بِنَا ضَعْفٌ، فَلَا تُخَاطِرُوا أَنْتُمْ بِاللِّقَاءِ، فَإِنَّهُ إِنْ هَزَمَكُمْ أَخَذَهَا وَغَيْرَهَا، وَالرَّأْيُ مُطَاوَلَتُهُ ; فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ وَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُ نِصْفَ أَعْمَالِ حَارِمَ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى ذَلِكَ، وَرَحَلَ عَنْهُمْ، فَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:

стр. 5457

أَلْبَسْتَ دِينَ مُحَمَّدٍ يَا نُورَهُ ... عِزًّا لَهُ فَوْقَ السُّهَا أُسَادُ مَا زِلْتَ تَشْمَلُهُ بِمَيَّادِ الْقَنَا ... حَتَّى تَثَقَّفَ عُودُهُ الْمَيَّادُ لَمْ يَبْقَ مُذْ أَرْهَفْتَ عَزْمَكَ دُونَهُ عَدَدٌ يُرَاعُ بِهِ، وَلَا اسْتِعْدَادُ ... إِنَّ الْمَنَابِرَ لَوْ تُطِيقُ تَكَلُّمًا حَمِدَتْكَ عَنْ خُطَبَائِهَا الْأَعْوَادُ ... مُلْقٍ بِأَطْرَافِ الْقَرِيحَةِ كَلْكَلًا طَرَفَاهُ ضَرْبٌ صَادِقٌ وَجِلَادُ ... حَامُوا فَلَمَّا عَايَنُوا خَوْضَ الرَّدَى حَامَوْا فَرَائِسَ كَيْدِهِمْ أَوْ كَادُوا ... وَرَأَى " الْبِرِنْسُ " وَقَدْ تَبَرْنَسَ ذِلَّةً حَزْمًا لِحَارِمَ وَالْمَصَادُ مَصَادُ ... مَنْ مُنْكِرٌ أَنْ يَنْسِفَ السَّيْلُ الرُّبَى وَأَبُوهُ ذَاكَ الْعَارِضُ الْمَدَّادُ ... أَوْ أَنْ يُعِيدَ الشَّمْسَ كَاسِفَةَ السَّنَا نَارٌ لَهَا ذَاكَ الشِّهَابُ زِنَادُ ... لَا يَنْفَعُ الْآبَاءَ مَا سَمَكُوا مِنَ الْ عَلْيَاءِ حَتَّى يُرْفَعَ الْأَوْلَادُ وَهِيَ طَوِيلَةٌ.

стр. 5458

ذِكْرُ وَفَاةِ خَوَارَزْمَ شَاهْ أَتْسِزَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُلُوكِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَاسِعَ جُمَادَى الْآخِرَةِ تُوُفِّيَ خَوَارَزْمُ شَاهْ أَتْسِزُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَنُوشِتِكِينَ، وَكَانَ قَدْ أَصَابَهُ فَالِجٌ، فَتَعَالَجَ مِنْهُ فَلَمْ يَبْرَأْ، فَاسْتَعْمَلَ أَدْوِيَةً شَدِيدَةَ الْحَرَارَةِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْأَطِبَّاءِ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، فَتُوُفِّيَ. وَكَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَوْتِ: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ - هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨ - ٢٩] ، وَكَانَتْ وِلَادَتُهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَرْسَلَانُ، فَقَتَلَ نَفَرًا مِنْ أَعْمَامِهِ، وَسَمَلَ أَخًا لَهُ فَمَاتَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقِيلَ بَلْ قَتَلَ نَفْسَهُ. وَأَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، وَكَانَ قَدْ هَرَبَ مِنْ أَسْرِ الْغُزِّ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ بِبَذْلِ الطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ، فَكَتَبَ لَهُ مَنْشُورًا بِوِلَايَةِ خَوَارَزْمَ، وَسَيَّرَ الْخِلَعَ لَهُ فِي رَمَضَانَ، فَبَقِيَ فِي وِلَايَتِهِ سَاكِنًا آمِنًا. وَكَانَ أَتْسِزُ حَسَنَ السِّيرَةِ، كَافًّا عَنْ أَمْوَالِ رَعِيَّتِهِ، مُنْصِفًا لَهُمْ مَحْبُوبًا إِلَيْهِمْ ; مُؤْثِرًا لِلْإِحْسَانِ وَالْخَيْرِ إِلَيْهِمْ ; وَكَانَ الرَّعِيَّةُ مَعَهُ بَيْنَ أَمْنٍ غَامِرٍ وَعَدْلٍ شَامِلٍ. وَفِي سَابِعَ عَشَرَ الشَّهْرِ الْمَذْكُورِ تُوُفِّيَ أَبُو الْفَوَارِسِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَرْسَلَانْ شَاهْ مَلِكُ كَرْمَانَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ سَلْجُوقْشَاهْ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْمَلِكُ مَسْعُودُ بْنُ قُلْجَ أَرْسَلَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ قَتَلْمِشَ صَاحِبُ قُونِيَّةَ وَمَا يُجَاوِرُهَا مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ قَلْجُ أَرْسَلَانَ. ذِكْرُ هَرَبِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ مَنِ الْغُزِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَمَضَانَ هَرَبَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ بْنُ مَلِكْشَاهْ مِنْ أَسْرِ الْغُزِّ هُوَ

стр. 5459

وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَهُ، وَسَارَ إِلَى قَلْعَةِ تِرْمِذَ، وَاسْتَظْهَرَ بِهَا عَلَى الْغُزِّ، وَكَانَ خَوَارَزْمُ شَاهْ أَتْسِزُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَنُوشِتِكِينَ، وَالْخَاقَانُ مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ، يَقْصِدَانِ الْغُزَّ فَيُقَاتِلَانِهِمْ فِيمَنْ مَعَهُمَا، فَكَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ سِجَالًا، وَغَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْغُزِّ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ عَلَى نَاحِيَةٍ مِنْ خُرَاسَانَ، فَهُوَ يَأْكُلُ دَخْلَهَا، لَا رَأْسَ لَهُمْ يَجْمَعُهُمْ. وَسَارَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ مِنْ تِرْمِذَ إِلَى جَيْحُونَ يُرِيدُ الْعُبُورَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَاتَّفَقَ أَنَّ مُقَدَّمَ الْأَتْرَاكِ الْقَارَغْلِيَّةِ، اسْمُهُ عَلِيٌّ بِكْ تُوُفِّيَ، وَكَانَ أَشَدَّ شَيْءٍ [عَلَى] السُّلْطَانِ سَنْجَرَ وَعَلَى غَيْرِهِ، كَثِيرَ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ وَإِثَارَةِ الْفِتَنِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَقْبَلَتِ الْقَارَغْلِيَّةُ إِلَى السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ مِنْ أَقَاصِي الْبِلَادِ وَأَدَانِيهَا، وَعَادَ إِلَى دَارِ مُلْكِهِ بِمَرْوَ فِي رَمَضَانَ ; فَكَانَتْ مُدَّةُ أَسْرِهِ مَعَ الْغُزِّ مِنْ سَادِسِ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ إِلَى رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. ذِكْرُ الْبَيْعَةِ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بِوِلَايَةِ عَهْدِ أَبِيهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بِالْبَيْعَةِ لِوَلَدِهِ مُحَمَّدٍ بِوِلَايَةِ عَهْدِهِ، وَكَانَ الشَّرْطُ وَالْقَاعِدَةُ بَيْنَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَبَيْنَ عُمَرَ هِنْتَاتِيٍّ أَنْ يَلِيَ عُمَرُ الْأَمْرَ بَعْدَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ; فَلَمَّا تَمَكَّنَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْمُلْكِ وَكَثُرَ أَوْلَادُهُ أَحَبَّ أَنْ يَنْقُلَ الْمُلْكَ إِلَيْهِمْ، فَأَحْضَرَ أُمَرَاءَ الْعَرَبِ مِنْ هِلَالٍ وَرُعْبَةَ وَعَبْدِيٍّ وَغَيْرِهِمْ إِلَيْهِ وَوَصَلَهُمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَوَضَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ يَقُولُ لَهُمْ لِيَطْلُبُوا مِنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، وَيَقُولُوا لَهُ: نُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ لَنَا وَلِيَ عَهْدٍ مِنْ وَلَدِكَ يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَيْهِ بَعْدَكَ ; فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِكْرَامًا لِعُمَرَ هِنْتَاتِيٍّ لِعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ فِي الْمُوَحِّدِينَ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْأَمْرَ لِأَبِي حَفْصٍ عُمَرَ ; فَلَمَّا عَلِمَ عُمَرُ ذَلِكَ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، فَحَضَرَ عِنْدَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَأَجَابَ إِلَى خَلْعِ نَفْسِهِ، فَحِينَئِذٍ بُويِعَ لِمُحَمَّدٍ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَكَتَبَ إِلَى جَمِيعِ بِلَادِهِ بِذَلِكَ، وَخُطِبَ لَهُ فِيهَا جَمِيعِهَا، فَأَخْرَجَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ فِي

стр. 5460

ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْأَمْوَالِ شَيْئًا كَثِيرًا. ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ أَوْلَادَهُ عَلَى الْبِلَادِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ أَوْلَادَهُ عَلَى الْبِلَادِ، فَاسْتَعْمَلَ وَلَدَهُ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللَّهِ عَلَى بِجَايَةَ وَأَعْمَالِهَا ; وَاسْتَعْمَلَ ابْنَهُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيًّا عَلَى فَاسَ وَأَعْمَالِهَا ; وَاسْتَعْمَلَ ابْنَهُ أَبَا حَفْصٍ عُمَرَ عَلَى مَدِينَةِ تِلْمِسَانَ وَأَعْمَالِهَا، وَوَلَّى ابْنَهُ أَبَا سَعِيدٍ سَبْتَةَ وَالْجَزِيرَةَ الْخَضْرَاءَ وَمَالِقَةَ ; وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ. وَلَقَدْ سَلَكَ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ طَرِيقًا عَجِيبًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْبِلَادِ شُيُوخَ الْمُوَحِّدِينَ الْمَشْهُورِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَهْدِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ تُومَرْتَ، وَكَانَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْزِلَهُمْ، فَأَخَذَ أَوْلَادَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ عِنْدَهُ يَشْتَغِلُونَ فِي الْعُلُومِ، فَلَمَّا مَهَرُوا فِيهَا وَصَارُوا يُقْتَدَى بِهِمْ قَالَ لِآبَائِهِمْ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا عِنْدِي أَسْتَعِينُ بِكُمْ عَلَى مَا أَنَا بِصَدَدِهِ، وَيَكُونُ أَوْلَادُكُمْ فِي الْأَعْمَالِ (لِأَنَّهُمْ عُلَمَاءُ فُقَهَاءُ) ; فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ وَهُمْ فَرِحُونَ مَسْرُورُونَ، (فَوَلَّى أَوْلَادَهُمْ) ثُمَّ وَضَعَ عَلَيْهِمْ بَعْضَهُمْ مِمَّنْ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي أَرَى أَمْرًا عَظِيمًا قَدْ فَعَلْتُمُوهُ ; فَارَقْتُمْ فِيهِ الْحَزْمَ وَالْأَدَبَ. فَقَالُوا: وَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: أَوْلَادُكُمْ فِي الْأَعْمَالِ، وَأَوْلَادُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ لَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْعِلْمِ وَحُسْنِ السِّيَاسَةِ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَنْظُرَ فِي هَذَا فَتَسْقُطَ مَنْزِلَتُكُمْ عِنْدَهُ، فَعَلِمُوا صِدْقَ الْقَائِلِ، فَحَضَرُوا عِنْدَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَقَالُوا: نُحِبُّ أَنْ تَسْتَعْمِلَ عَلَى الْبِلَادِ السَّادَةَ أَوْلَادَكَ. فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِسُؤَالِهِمْ. ذِكْرُ حَصْرِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ بَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، حَصَرَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ بَغْدَادَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ السُّلْطَانَ مُحَمَّدَ بْنَ مَحْمُودٍ كَانَ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَطْلُبُ أَنْ يُخْطَبَ لَهُ بِبَغْدَادَ وَالْعِرَاقِ، فَامْتَنَعَ الْخَلِيفَةُ مِنْ إِجَابَتِهِ إِلَى ذَلِكَ، فَسَارَ مِنْ هَمَذَانَ فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ نَحْوَ الْعِرَاقِ، وَوَعَدَهُ أَتَابَكُ قُطْبُ الدِّينِ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، وَنَائِبُهُ زَيْنُ الدِّينِ عَلِيٌّ بِإِرْسَالِ

стр. 5461

الْعَسَاكِرِ إِلَيْهِ نَجْدَةً لَهُ عَلَى حَصْرِ بَغْدَادَ، فَقَدِمَ الْعِرَاقَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، وَاضْطَّرَبَ النَّاسُ بِبَغْدَادَ، وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ يَجْمَعُ الْعَسَاكِرَ فَأَقْبَلَ خَطْلَبُرْسُ مِنْ وَاسِطَ وَعَصَى أَرْغَشُ، صَاحِبُ الْبَصْرَةِ، وَأَخَذَ وَاسِطَ، وَرَحَلَ مُهَلْهِلٌ إِلَى الْحِلَّةِ فَأَخَذَهَا، وَاهْتَمَّ الْخَلِيفَةُ وَعَوْنُ الدِّينِ بْنُ هُبَيْرَةَ بِأَمْرِ الْحِصَارِ، وَجَمَعَ جَمِيعَ السُّفُنِ وَقَطَعَ الْجِسْرَ وَجَعَلَ الْجَمِيعَ تَحْتَ التَّاجِ، وَنُودِيَ مُنْتَصَفَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، أَنْ لَا يُقِيمَ أَحَدٌ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، فَأَجْفَلَ النَّاسُ وَأَهْلُ السَّوَادِ، وَنُقِلَتِ الْأَمْوَالُ إِلَى حَرِيمِ دَارِ الْخِلَافَةِ، وَخَرَّبَ الْخَلِيفَةُ قَصْرَ عِيسَى وَالْمُرَبَّعَةَ وَالْقُرَيَّةَ وَالْمُسْتَجِدَّةَ وَالنَّجْمِيَّ، وَنَهَبَ أَصْحَابُهُ مَا وَجَدُوا، وَخَرَّبَ أَصْحَابُ مُحَمَّدِ شَاهْ نَهْرَ الْقَلَّابِينَ، وَالتُّوثَةَ، وَشَارِعَ ابْنِ رِزْقِ اللَّهِ وَبَابَ الْمَيْدَانِ وَقُطُفْتَا. وَأَمَّا أَهْلُ الْكَرْخِ وَأَهْلُ بَابِ الْبَصْرَةِ فَإِنَّهُمْ خَرَجُوا إِلَى عَسْكَرِ مُحَمَّدٍ، وَكَسَبُوا مَعَهُمْ أَمْوَالًا كَثِيرَةً. وَعَبَرَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ فَوْقَ حَرْبَى إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَنُهِبَتْ أُوَانَا، وَاتَّصَلَ بِهِ زَيْنُ الدِّينِ هُنَاكَ، وَسَارُوا، فَنَزَلَ مُحَمَّدُ شَاهْ عِنْدَ الرَّمْلَةِ، وَفَرَّقَ الْخَلِيفَةُ السِّلَاحَ عَلَى الْجُنْدِ وَالْعَامَّةِ، وَنَصَبَ الْمَجَانِيقَ وَالْعَرَّادَاتِ. فَلَمَّا كَانَ فِي الْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ رَكِبَ عَسْكَرُ مُحَمَّدِ شَاهْ وَزَيْنِ الدِّينِ عَلِيٍّ، وَوَقَفُوا عِنْدَ الرَّقَّةِ، وَرَمَوْا بِالنُّشَّابِ إِلَى نَاحِيَةِ التَّاجِ، فَعَبَرَ إِلَيْهِمْ عَامَّةُ بَغْدَادَ فَقَاتَلُوهُمْ، وَرَمَوْهُمْ بِالنِّفْطِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ جَرَى بَيْنَهُمْ عِدَّةُ حُرُوبٍ. وَفِي ثَالِثِ صَفَرٍ عَاوَدُوا الْقِتَالَ، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، وَعَبَرَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ سِبَاحَةً وَفِي السُّفُنِ، فَقُتِلُوا ; وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا. وَلَمْ تَزَلِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ كُلَّ وَقْتٍ، وَعُمِلَ الْجِسْرُ عَلَى دِجْلَةَ وَعَبَرَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعَسْكَرِ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَصَارَ الْقِتَالُ فِي الْجَانِبَيْنِ، وَبَقِيَ زَيْنُ الدِّينِ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ فَنُودِيَ: كُلُّ مَنْ جُرِحَ فَلَهُ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، فَكَانَ كُلَّمَا جُرِحَ إِنْسَانٌ يَحْضُرُ عِنْدَ الْوَزِيرِ فَيُعْطِيهِ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ، فَاتَّفَقَ أَنَّ بَعْضَ الْعَامَّةِ جُرِحَ جُرْحًا لَيْسَ بِكَبِيرٍ،

стр. 5462

فَحَضَرَ يَطْلُبُ الدَّنَانِيرَ، فَقَالَ لَهُ الْوَزِيرُ: لَيْسَ هَذَا الْجُرْحُ بِشَيْءٍ، فَعَاوَدَ الْقِتَالَ، فَضُرِبَ، فَانْشَقَّ جَوْفُهُ وَخَرَجَ شَيْءٌ مِنْ شَحْمِهِ، فَحُمِلَ إِلَى الْوَزِيرِ فَقَالَ: يَا مَوْلَانَا الْوَزِيرُ أَيُرْضِيكَ هَذَا؟ فَضَحِكَ مِنْهُ، وَأَضْعَفَ لَهُ، وَرَتَّبَ لَهُ مَنْ يُعَالِجُ جِرَاحَتَهُ إِلَى أَنْ بَرِئَ. وَتَعَذَّرَتِ الْأَقْوَاتُ فِي الْعَسْكَرِ إِلَّا أَنَّ اللَّحْمَ وَالْفَوَاكِهَ وَالْخُضَرَ كَثِيرَةٌ، وَكَانَتِ الْغَلَّاتُ بِبَغْدَادَ كَثِيرَةً ; لِأَنَّ الْوَزِيرَ كَانَ يُفَرِّقُهَا فِي الْجُنْدِ عِوَضَ الدَّنَانِيرِ فَيَبِيعُونَهَا، فَلَمْ تَزَلِ الْأَسْعَارُ عِنْدَهُمْ رَخِيصَةً، إِلَّا أَنَّ اللَّحْمَ وَالْفَاكِهَةَ وَالْخُضَرَ قَلِيلَةٌ عِنْدَهُمْ. وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَى أَهْلِ بَغْدَادَ لِانْقِطَاعِ الْمَوَادِّ عَنْهُمْ وَعَدَمِ الْمَعِيشَةِ لِأَهْلِهَا ; وَكَانَ زَيْنُ الدِّينِ وَعَسْكَرُ الْمَوْصِلِ غَيْرَ مُجِدِّينَ فِي الْقِتَالِ لِأَجْلِ الْخَلِيفَةِ وَالْمُسْلِمِينَ ; وَقِيلَ لِأَنَّ نُورَ الدِّينِ مَحْمُودَ بْنَ زَنْكِي، وَهُوَ أَخُو قُطْبِ الدِّينِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ الْأَكْبَرِ، أَرْسَلَ إِلَى زَيْنِ الدِّينِ يَلُومُهُ عَلَى قِتَالِ الْخَلِيفَةِ، فَفَتَرَ وَأَقْصَرَ. (وَلَمْ تَزَلِ الْحَرْبُ فِي أَكْثَرِ الْأَيَّامِ) ، وَعَمِلَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ أَرْبَعَمِائَةٍ سُلَّمٍ لِيَصْعَدَ الرِّجَالُ فِيهَا إِلَى السُّورِ. وَزَحَفُوا، وَقَاتَلُوا، فَفَتَحَ أَهْلُ بَغْدَادَ أَبْوَابَ الْبَلَدِ وَقَالُوا: أَيُّ حَاجَةٍ بِكُمْ إِلَى السَّلَالِيمِ؟ هَذِهِ الْأَبْوَابُ مُفَتَّحَةٌ فَادْخُلُوا مِنْهَا ; فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَقْرَبُوهَا. فَبَيْنَمَا الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَخَاهُ مَلِكْشَاهْ وَإِيلْدِكْزَ صَاحِبَ بِلَادِ أَرَّانَ، وَمَعَهُ الْمَلِكُ أَرْسَلَانُ ابْنُ الْمَلِكِ طُغْرُلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ ابْنُ امْرَأَةِ إِيلْدِكْزَ، قَدْ دَخَلُوا هَمَذَانَ وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا، وَأَخَذُوا أَهْلَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَ مُحَمَّدِ شَاهْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَلَمَّا سَمِعَ مُحَمَّدُ شَاهْ ذَلِكَ جَدَّ فِي الْقِتَالِ لَعَلَّهُ يَبْلُغُ غَرَضًا، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ وَرَحَلَ عَنْهَا نَحْوَ هَمَذَانَ فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. وَعَادَ زَيْنُ الدِّينِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَتَفَرَّقَ ذَلِكَ الْجَمْعُ عَلَى عَزْمِ الْعَوْدِ إِذَا فَرَغَ مُحَمَّدُ شَاهْ مِنْ إِصْلَاحِ بِلَادِهِ، فَلَمْ يَعُودُوا يَجْتَمِعُونَ ; وَفِي كَثْرَةِ حُرُوبِهِمْ لَمْ يُقْتَلْ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ، وَإِنَّمَا الْجِرَاحُ كَانَتْ كَثِيرَةً، وَلَمَّا سَارُوا نَهَبُوا بَعْقُوبَا وَغَيْرَهَا مِنْ طَرِيقِ خُرَاسَانَ.

стр. 5463

وَلَمَّا رَحَلَ الْعَسْكَرُ مِنْ بَغْدَادَ أَصَابَ أَهْلَهَا أَمْرَاضٌ شَدِيدَةٌ حَادَّةٌ، وَمَوْتٌ كَثِيرٌ لِلشِّدَّةِ الَّتِي مَرَّتْ بِهِمْ ; وَأَمَّا مَلِكْشَاهْ وَإِيلْدِكْزُ وَمَنْ مَعَهُمَا فَإِنَّهُمْ سَارُوا مِنْ هَمَذَانَ إِلَى الرَّيِّ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ إِينَانْجُ شِحْنَتُهَا وَقَاتَلَهُمْ فَهَزَمُوهُ، فَأَنْفَذَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ الْأَمِيرَ سُقْمُسَ بْنَ قَيْمَازَ الْحَرَّامِيَّ فِي عَسْكَرٍ نَجْدَةً لِإِينَانْجَ، فَسَارَ سُقْمُسُ، وَكَانَ إِيلْدِكْزُ وَمَلِكْشَاهْ وَمَنْ مَعَهُمَا قَدْ عَادُوا مِنَ الرَّيِّ يُرِيدُونَ مُحَاصَرَةَ الْخَلِيفَةِ، فَلَقِيَهُمْ سُقْمُسُ وَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمُوهُ وَنَهَبُوا عَسْكَرَهُ وَأَثْقَالَهُمْ، فَاحْتَاجَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ إِلَى الْإِسْرَاعِ، فَسَارَ، فَلَمَّا بَلَغَ حُلْوَانَ بَلَغَهُ أَنَّ إِيلْدِكْزَ بِالدِّينَوَرِ، وَأَتَاهُ رَسُولٌ مِنْ نَائِبِهِ إِينَانْجَ أَنَّهُ دَخَلَ هَمَذَانَ، وَأَعَادَ الْخُطْبَةَ لَهُ فِيهَا، فَقَوِيَتْ نَفْسُهُ وَهَرَبَ شَمْلَةُ، صَاحِبُ خُوزِسْتَانَ إِلَى بِلَادِهِ، وَتَفَرَّقَ أَكْثَرُ جَمْعِ إِيلْدِكْزَ وَمَلِكْشَاهْ، وَبَقِيَا فِي خَمْسَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَعَادَا إِلَى بِلَادِهِمَا شِبْهَ الْهَارِبِ. وَلَمَّا رَحَلَ مُحَمَّدُ شَاهْ إِلَى هَمَذَانَ أَرَادَ التَّجَهُّزَ لِقَصْدِ بِلَادِ إِيلْدِكْزَ، فَابْتَدَأَ بِهِ مَرَضُ السُّلِّ، وَبَقِيَ بِهِ إِلَى أَنْ مَاتَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، أُطْلِقَ أَبُو الْبَدْرِ ابْنُ الْوَزِيرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ مِنْ حَبْسِ تَكْرِيتَ ; وَلَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ خَرَجَ أَخُوهُ وَالْمَوْكِبُ يَتَلَقَّوْنَهُ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَكَانَ مُقَامُهُ فِي الْحَبْسِ يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِ سِنِينَ. وَفِيهَا احْتَرَقَتْ بَغْدَادُ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَكَثُرَ الْحَرِيقُ بِهَا، وَاحْتَرَقَ دَرْبُ فِرَاشَا، وَدَرْبُ الدَّوَابِّ، وَدَرْبُ اللَّبَّانِ، وَخَرَابَةُ ابْنِ جَرْدَةَ، وَالظَّفَرِيَّةُ، وَالْخَاتُونِيَّةُ، وَدَارُ

стр. 5464

الْخِلَافَةِ، وَبَابُ الْأَزَجِ، وَسُوقُ السُّلْطَانِ وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَفِيهَا فِي شَوَّالٍ قَصَدَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ طَبَسَ بِخُرَاسَانَ، فَأَوْقَعُوا بِهَا وَقْعَةً عَظِيمَةً، وَأَسَرُوا جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ دَوْلَةِ السُّلْطَانِ، وَنَهَبُوا أَمْوَالَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ وَقَتَّلُوا فِيهِمْ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا فِي ذِي الْقِعْدَةِ تُوُفِّيَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْمَعَالِي الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الرَّزَّازِ بِنَيْسَابُورَ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ الْأَفَاضِلِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ مُرِيدُ الدَّيْنِ بْنُ نِيسَانَ رَئِيسُ آمِدَ وَالْحَاكِمُ فِيهَا عَلَى صَاحِبِهَا، وَوَلِيَ مَا كَانَ إِلَيْهِ بَعْدَهُ ابْنُهُ كَمَالُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ. وَتُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْغَزْنَوِيُّ، الْوَاعِظُ الْمَشْهُورُ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ قَدِمَ إِلَيْهَا سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَ لَهُ قَبُولٌ عَظِيمٌ عِنْدَ السَّلَاطِينِ وَالْعَامَّةِ وَالْخُلَفَاءِ إِلَّا أَنَّ الْمُقْتَفِيَ أَعْرَضَ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ لِإِقْبَالِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِ، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي الْمُحَرَّمِ. وَتُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْخَلِّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ بِبَغْدَادَ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي بَكْرٍ الشَّاشِيِّ، وَجَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَكَانَ يَؤُمُّ بِالْخَلِيفَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَتُوُفِّيَ ابْنُ الْآمِدِيِّ الشَّاعِرُ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّيْلِ مِنْ أَعْيَانِ الشُّعَرَاءِ فِي طَبَقَةِ الْغَزِّيِّ وَالْأَرَّجَانِيِّ، وَكَانَ عُمْرُهُ قَدْ زَادَ عَلَى تِسْعِينَ سَنَةً. وَفِيهَا قُتِلَ مُظَفَّرُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي الْخَيْرِ صَاحِبُ الْبَطِيحَةِ، قَتَلَهُ نَفِيسُ بْنُ فَضْلِ

стр. 5465

بْنِ أَبِي الْخَيْرِ فِي الْحَمَّامِ، وَوَلِيَ ابْنُهُ بَعْدَهُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْوَأْوَاءُ الْحَلَبِيُّ الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ. وَفِيهَا فِي رَمَضَانَ تُوُفِّيَ الْحَكِيمُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ بِأَسْفَرَايِينَ، وَكَانَ صَاحِبَ مَعْرِفَةٍ بِعُلُومِ الْحُكَمَاءِ الْأَوَائِلِ.
следующие страницы →