Полный текст (6 163 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.
стр. 5531
وَمُحَاصَرَتِهَا، فَبَيْنَمَا النَّاسُ يَوْمًا فِي خِيَامِهِمْ، وَسَطَ النَّهَارِ، لَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا ظُهُورُ صُلْبَانِ الْفِرِنْجِ مِنْ وَرَاءِ الْجَبَلِ الَّذِي عَلَيْهِ حِصْنُ الْأَكْرَادِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفِرِنْجَ اجْتَمَعُوا وَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى كَبْسَةِ الْمُسْلِمِينَ نَهَارًا، فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ آمِنِينَ، فَرَكِبُوا مِنْ وَقْتِهِمْ، وَلَمْ يَتَوَقَّفُوا حَتَّى يَجْمَعُوا عَسَاكِرَهُمْ، وَسَارُوا مُجِدِّينَ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ إِلَّا وَقَدْ قَرُبُوا مِنْهُمْ، فَأَرَادُوا مَنْعَهُمْ، فَلَمْ يُطِيقُوا ذَلِكَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى نُورِ الدِّينِ يُعَرِّفُونَهُ الْحَالَ، فَرَهِقَهُمُ الْفِرِنْجُ بِالْحَمْلَةِ، فَلَمْ يَثْبُتِ الْمُسْلِمُونَ، وَعَادُوا يَطْلُبُونَ مُعَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْفِرِنْجُ فِي ظُهُورِهِمْ، فَوَصَلُوا مَعًا إِلَى الْعَسْكَرِ النُّورِيِّ، فَلَمْ يَتَمَكَّنِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ رُكُوبِ الْخَيْلِ، وَأَخْذِ السِّلَاحِ إِلَّا وَقَدْ خَالَطُوهُمْ، فَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ وَالْأَسْرَ.
وَكَانَ أَشَدُّهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الدُّوقُسَ الرُّومِيَّ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ خَرَجَ مِنْ بِلَادِهِ إِلَى السَّاحِلِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الرُّومِ، فَقَاتَلُوا مُحْتَسِبِينَ فِي زَعْمِهِمْ، فَلَمْ يُبْقُوا عَلَى أَحَدٍ، وَقَصَدُوا خَيْمَةَ نُورِ الدِّينِ وَقَدْ رَكِبَ فِيهَا فَرَسَهُ وَنَجَا بِنَفْسِهِ، وَلِسُرْعَتِهِ رَكِبَ الْفَرَسَ وَالشَّبَحَةُ فِي رِجْلِهِ، فَنَزَلَ إِنْسَانٌ كُرْدِيٌّ قَطَعَهَا، فَنَجَا نُورُ الدِّينِ، وَقُتِلَ الْكُرْدِيُّ، فَأَحْسَنَ نُورُ الدِّينِ إِلَى مُخَلَّفِيهِ، وَوَقَفَ عَلَيْهِمُ الْوُقُوفَ.
وَنَزَلَ نُورُ الدِّينِ عَلَى بُحَيْرَةِ قَدَسَ بِالْقُرْبِ مِنْ حِمْصَ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْرَكَةِ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ، وَتَلَاحَقَ بِهِ مَنْ سَلِمَ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ مِنَ الرَّأْيِ أَنْ تُقِيمَ هَا هُنَا، فَإِنَّ الْفِرِنْجَ رُبَّمَا حَمَلَهُمُ الطَّمَعُ عَلَى الْمَجِيءِ إِلَيْنَا، فَنُؤْخَذُ وَنَحْنُ عَلَى هَذَا الْحَالِ، فَوَبَّخَهُ وَأَسْكَتَهُ، وَقَالَ: إِذَا كَانَ مَعِي أَلْفُ فَارِسٍ لَقِيتُهُمْ وَلَا أُبَالِي بِهِمْ، وَوَاللَّهِ لَا أَسْتَظِلُّ بِسَقْفٍ حَتَّى آخُذَ بِثَأْرِي وَثَأْرِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَلَبَ وَدِمَشْقَ، وَأَحْضَرَ الْأَمْوَالَ وَالثِّيَابَ وَالْخِيَامَ وَالسِّلَاحَ وَالْخَيْلَ، فَأَعْطَى اللِّبَاسَ عِوَضَ مَا أُخِذَ مِنْهُمْ جَمِيعُهُ بِقَوْلِهِمْ، فَعَادَ الْعَسْكَرُ كَأَنْ لَمْ تُصِبْهُ هَزِيمَةٌ، وَكُلُّ مَنْ قُتِلَ أَعْطَى أَقْطَاعَهُ لِأَوْلَادِهِ.
وَأَمَّا الْفِرِنْجُ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَازِمِينَ عَلَى قَصْدِ حِمْصَ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ الْبِلَادِ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ نُزُولُ نُورِ الدِّينِ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ قَالُوا: لَمْ يَفْعَلْ هَذَا إِلَّا وَعِنْدَهُ قُوَّةٌ يَمْنَعُنَا بِهَا.
وَلَمَّا رَأَى أَصْحَابُ نُورِ الدِّينِ كَثْرَةَ خَرْجِهِ قَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: إِنَّ لَكَ فِي بِلَادِكَ
стр. 5532
إِدْرَارَاتٍ وَصَدَقَاتٍ كَثِيرَةً عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَالْقُرَّاءِ، وَغَيْرِهِمْ، فَلَوِ اسْتَعَنْتَ [بِهَا] فِي هَذَا الْوَقْتِ لَكَانَ أَصْلَحَ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَا أَرْجُو النَّصْرَ إِلَّا بِأُولَئِكَ، فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ، كَيْفَ أَقْطَعُ صِلَاتِ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَ عَنِّي، وَأَنَا نَائِمٌ عَلَى فِرَاشِي، بِسِهَامٍ لَا تُخْطِئُ، وَأَصْرِفُهَا إِلَى مَنْ لَا يُقَاتِلُ عَنِّي إِلَّا إِذَا رَآنِي بِسِهَامٍ قَدْ تُصِيبُ وَقَدْ تُخْطِئُ، وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ لَهُمْ نَصِيبٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَيْفَ يَحِلُّ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ غَيْرَهُمْ؟
ثُمَّ إِنَّ الْفِرِنْجَ رَاسَلُوا نُورَ الدِّينِ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الصُّلْحَ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ، وَتَرَكُوا عِنْدَ حِصْنِ الْأَكْرَادِ مَنْ يَحْمِيهِ وَعَادُوا إِلَى بِلَادِهِمْ.
ذِكْرُ إِجْلَاءِ بَنِي أَسَدٍ مِنَ الْعِرَاقِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَنْجِدُ بِاللَّهِ بِإِهْلَاكِ بَنِي أَسَدٍ الْحِلَّةِ الْمَزْيَدِيَّةِ، لِمَا ظَهَرَ مِنْ فَسَادِهِمْ، وَلِمَا كَانَ فِي نَفْسِ الْخَلِيفَةِ مِنْهُمْ مَنْ مُسَاعَدَتِهِمُ السُّلْطَانَ مُحَمَّدًا لَمَّا حَصَرَ بَغْدَادَ، فَأَمَرَ يَزْدَنَ بْنَ قَمَاجَ بِقِتَالِهِمْ وَإِجْلَائِهِمْ مِنَ الْبِلَادِ، وَكَانُوا مُنْبَسِطِين فِي الْبَطَائِحِ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ، فَتَوَجَّهَ يَزْدَنُ إِلَيْهِمْ، وَجَمَعَ عَسَاكِرَ كَثِيرَةً مِنْ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ مَعْرُوفٍ مُقَدَّمِ الْمُنْتَفَقِ، وَهُوَ بِأَرْضِ الْبَصْرَةِ، فَجَاءَ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ، وَحَصَرَهُمْ، وَسَكَّرَ عَنْهُمُ الْمَاءَ، وَصَابَرَهُمْ مُدَّةً، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ يَعْتِبُ عَلَى يَزْدَنَ وَيُعَجِّزُهُ وَيَنْسُبُهُ إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ فِي التَّشَيُّعِ، وَكَانَ يَزْدَنُ يَتَشَيَّعُ، فَجَدَّ هُوَ وَابْنُ مَعْرُوفٍ فِي قِتَالِهِمْ وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ، وَسَدِّ مَسَالِكِهِمْ فِي الْمَاءِ، فَاسْتَسْلَمُوا حِينَئِذٍ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةَ آلَافِ قَتِيلٍ، وَنَادَى فِيمَنْ بَقِيَ: مَنْ وُجِدَ بَعْدَ هَذَا فِي الْحِلَّةِ الْمَزْيَدِيَّةِ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ، فَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ بِالْعِرَاقِ مَنْ يُعْرَفُ، وَسُلِّمَتْ بَطَائِحُهُمْ إِلَى ابْنِ مَعْرُوفٍ وَبِلَادُهُمْ.
стр. 5533
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ فِي بَغْدَادَ حَرِيقٌ فِي بَابِ دَرْبِ فَرَاشَا إِلَى مَشْرَعَةِ الصَّبَّاغِينَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا، فِي رَجَبَ، تُوُفِّيَ سَدِيدُ الدَّوْلَةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْأَنْبَارِيِّ، كَاتِبُ الْإِنْشَاءِ بِدِيوَانِ الْخِلَافَةِ، وَكَانَ فَاضِلًا أَدِيبًا ذَا تَقَدُّمٍ كَثِيرٍ عِنْدَ الْخُلَفَاءِ وَالسَّلَاطِينِ، وَخَدَمَ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ إِلَى الْآنِ فِي دِيوَانِ الْخِلَافَةِ، وَعَاشَ حَتَّى قَارَبَ تِسْعِينَ سَنَةً.
وَتُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو الْقَاسِمِ الْمَتُّوثِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَهُوَ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْمَشْهُورِينَ، إِلَّا أَنَّهُ كَثِيرُ الْهَجْوِ، وَمِنْ شِعْرِهِ:
يَا مَنْ هَجَرْتِ وَلَا تُبَالِي ... هَلْ تَرْجِعُ دَوْلَةُ الْوِصَالِ
هَلْ أَطْمَعُ يَا عَذَابَ قَلْبِي ... أَنْ يَنْعَمَ فِي هَوَاكِ بَالِي
الطَّرْفُ كَمَا عَهِدْتِ بَاكٍ ... وَالْجِسْمُ كَمَا تَرَيْنَ بَالِي
مَا ضَرَّكِ أَنْ تُعَلِّلِينِي ... فِي الْوَصْلِ بِمَوْعِدِ الْمُحَالِ
أَهْوَاكِ وَأَنْتِ حَظُّ غَيْرِي ... يَا قَاتِلَتِي فَمَا احْتِيَالِي
وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا.
стр. 5534
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
٥٥٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ مَسِيرِ شِيرِكُوهْ وَعَسَاكِرِ نُورِ الدِّينِ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ وُعَوْدِهِمْ عَنْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي جُمَادَى الْأُولَى، سَيَّرَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِي عَسْكَرًا كَثِيرًا إِلَى مِصْرَ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الْأَمِيرَ أَسَدَ الدِّينِ شِيرِكُوهْ بْنَ شَاذِي، وَهُوَ مُقَدَّمُ عَسْكَرِهِ، وَأَكْبَرُ أُمَرَاءِ دَوْلَتِهِ، وَأَشْجَعُهُمْ، وَسَنَذْكُرُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] سَبَبَ اتِّصَالِهِ بِنُورِ الدِّينِ وَعُلُوِّ شَأْنِهِ عِنْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَكَانَ سَبَبُ إِرْسَالِ هَذَا الْجَيْشِ أَنَّ شَاوُرَ وَزِيرَ الْعَاضِدِ لِدِينِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ، صَاحِبَ مِصْرَ، نَازَعَهُ فِي الْوِزَارَةِ ضِرْغَامَ، وَغَلَبَ عَلَيْهَا، فَهَرَبَ شَاوُرُ مِنْهُ إِلَى الشَّامِ، مُلْتَجِئًا إِلَى نُورِ الدِّينِ، وَمُسْتَجِيرًا بِهِ، فَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ، وَكَانَ وُصُولُهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ، وَطَلَبَ مِنْهُ إِرْسَالَ الْعَسَاكِرِ مَعَهُ إِلَى مِصْرَ لِيَعُودَ إِلَى مَنْصِبِهِ، وَيَكُونَ لِنُورِ الدِّينِ ثُلُثِ دَخْلِ الْبِلَادِ بَعْدَ إِقْطَاعَاتِ الْعَسَاكِرِ، وَيَكُونَ شِيرِكُوهْ مُقِيمًا بِعَسَاكِرِهِ فِي مِصْرَ، وَيَتَصَرَّفَ هُوَ بِأَمْرِ نُورِ الدِّينِ وَاخْتِيَارِهِ، فَبَقِيَ نُورُ الدِّينِ يُقَدِّمُ إِلَى هَذَا الْغَرَضِ رِجْلًا وَيُؤَخِّرُ أُخْرَى، فَتَارَةً يَحْمِلُهُ رِعَايَةً لِقَصْدِ شَاوُرَ بَابَهُ، وَطَلَبِ الزِّيَادَةِ فِي الْمُلْكِ وَالتَّقَوِّي عَلَى الْفِرِنْجِ، وَتَارَةً يَمْنَعُهُ خَطَرُ الطَّرِيقِ، وَأَنَّ الْفِرِنْجَ فِيهِ، وَتَخَوُّفُ أَنَّ شَاوُرَ إِنِ اسْتَقَرَّتْ قَاعِدَتُهُ رُبَّمَا لَا يَفِي.
ثُمَّ قَوَّى عَزْمَهُ عَلَى إِرْسَالِ الْجُيُوشِ، فَتَقَدَّمَ بِتَجْهِيزِهَا وَإِزَاحَةِ عِلَلِهَا، وَكَانَ هَوَى أَسَدِ الدِّينِ فِي ذَلِكَ، وَعِنْدَهُ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَقُوَّةِ النَّفْسِ مَا لَا يُبَالِي بِمَخَافَةٍ، فَتَجَهَّزَ، وَسَارُوا جَمِيعًا وَشَاوُرُ فِي صُحْبَتِهِمْ، فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، وَتَقَدَّمَ نُورُ الدِّينِ إِلَى شِيرِكُوهْ أَنْ يُعِيدَ شَاوُرَ إِلَى مَنْصِبِهِ، وَيَنْتَقِمَ لَهُ مِمَّنْ نَازَعَهُ فِيهِ.
стр. 5535
وَسَارَ نُورُ الدِّينِ إِلَى طَرَفِ بِلَادِ الْفِرِنْجِ مِمَّا يَلِي دِمَشْقَ بِعَسَاكِرِهِ لِيَمْنَعَ الْفِرِنْجَ مِنَ التَّعَرُّضِ لِأَسَدِ الدِّينِ وَمَنْ مَعَهُ، فَكَانَ قُصَارَى الْفِرِنْجِ حِفْظُ بِلَادِهِمْ مِنْ نُورِ الدِّينِ، وَوَصَلَ أَسَدُ الدِّينِ وَالْعَسَاكِرُ مَعَهُ إِلَى مَدِينَةِ بِلْبِيسَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ نَاصِرُ الدِّينِ أَخُو ضِرْغَامَ بِعَسْكَرِ الْمِصْرِيِّينَ وَلَقِيَهُمْ، فَانْهَزَمَ وَعَادَ إِلَى الْقَاهِرَةِ مَهْزُومًا.
وَوَصَلَ أَسَدُ الدِّينِ فَنَزَلَ عَلَى الْقَاهِرَةِ أَوَاخِرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَخَرَجَ ضِرْغَامُ مِنَ الْقَاهِرَةِ سَلْخَ الشَّهْرِ، فَقُتِلَ عِنْدَ مَشْهَدِ السَّيِّدَةِ نَفِيسَةَ، وَبَقِيَ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ حُمِلَ وَدُفِنَ فِي الْقَرَافَةِ، وَقُتِلَ أَخُوهُ فَارِسُ الْمُسْلِمِينَ، وَخُلِعَ عَلَى شَاوُرَ مُسْتَهَلَّ رَجَبَ، وَأُعِيدَ إِلَى الْوِزَارَةِ، وَتَمَكَّنَ مِنْهَا، وَأَقَامَ أَسَدُ الدِّينِ بِظَاهِرِ الْقَاهِرَةِ، فَغَدَرَ بِهِ شَاوُرُ، وَعَادَ عَمَّا كَانَ قَرَّرَهُ لِنُورِ الدِّينِ مِنَ الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ، وَلْأَسَدِ الدِّينِ أَيْضًا، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْعَوْدِ إِلَى الشَّامِ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ بِالِامْتِنَاعِ، وَطَلَبَ مَا كَانَ قَدِ اسْتَقَرَّ بَيْنَهُمْ، فَلَمْ يُجِبْهُ شَاوُرُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَرْسَلَ نُوَّابَهُ، فَتَسَلَّمُوا مَدِينَةَ بِلْبِيسَ، وَحَكَمَ عَلَى الْبِلَادِ الشَّرْقِيَّةِ، فَأَرْسَلَ شَاوُرُ إِلَى الْفِرِنْجِ يَسْتَمِدُّهُمْ وَيُخَوِّفُهُمْ مِنْ نُورِ الدِّينِ إِنْ مَلَكَ مِصْرَ.
وَكَانَ الْفِرِنْجُ قَدْ أَيْقَنُوا بِالْهَلَاكِ إِنْ تَمَّ مُلْكُهُ لَهَا، فَلَمَّا أَرْسَلَ شَاوُرُ يَطْلُبُ مِنْهُمْ أَنْ يُسَاعِدُوهُ عَلَى إِخْرَاجِ أَسَدِ الدِّينِ مِنَ الْبِلَادِ جَاءَهُمْ فَرَجٌ لَمْ يَحْتَسِبُوهُ، وَسَارَعُوا إِلَى تَلْبِيَةِ دَعْوَتِهِ وَنُصْرَتِهِ، وَطَمِعُوا فِي مُلْكِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَكَانَ قَدْ بَذَلَ لَهُمْ مَالًا عَلَى الْمَسِيرِ إِلَيْهِ، وَتَجَهَّزُوا وَسَارُوا، فَلَمَّا بَلَغَ نُورَ الدِّينِ ذَلِكَ سَارَ بِعَسَاكِرِهِ إِلَى أَطْرَافِ بِلَادِهِمْ ; لِيَمْتَنِعُوا عَنِ الْمَسِيرِ، فَلَمْ يَمْنَعْهُمْ ; لِعِلْمِهِمْ أَنَّ الْخَطَرَ فِي مَقَامِهِمْ، إِذَا مَلَكَ أَسَدُ الدِّينِ مِصْرَ، أَشَدُّ، فَتَرَكُوا فِي بِلَادِهِمْ مَنْ يَحْفَظُهَا، وَسَارَ مَلِكُ الْقُدْسِ فِي الْبَاقِينَ إِلَى مِصْرَ.
وَكَانَ قَدْ وَصَلَ إِلَى السَّاحِلِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْفِرِنْجِ فِي الْبَحْرِ ; لِزِيَارَةِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، فَاسْتَعَانَ بِهِمُ الْفِرِنْجُ السَّاحِلِيَّةُ، فَأَعَانُوهُمْ، فَسَارَ بَعْضُهُمْ مَعَهُمْ، وَأَقَامَ بَعْضُهُمْ فِي الْبِلَادِ لِحِفْظِهَا، فَلَمَّا قَارَبَ الْفِرِنْجُ مِصْرَ فَارَقَهَا أَسَدُ الدِّينِ، وَقَصَدَ مَدِينَةَ بِلْبِيسَ، فَأَقَامَ بِهَا هُوَ وَعَسْكَرُهُ، وَجَعَلَهَا لَهُ ظَهْرًا يَتَحَصَّنُ بِهِ، فَاجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ الْمِصْرِيَّةُ وَالْفِرِنْجُ، وَنَازَلُوا أَسَدَ الدِّينِ شِيرِكُوهْ بِمَدِينَةِ بِلْبِيسَ، وَحَصَرُوهُ بِهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ بِهَا مَعَ أَنَّ سُورَهَا قَصِيرٌ جِدًّا، وَلَيْسَ لَهَا خَنْدَقٌ، وَلَا فَصِيلٌ يَحْمِيهَا، وَهُوَ يُغَادِيهِمُ الْقِتَالَ وُيُرَوِاحَهُمْ، فَلَمْ يَبْلُغُوا مِنْهُ غَرَضًا، وَلَا نَالُوا مِنْهُ شَيْئًا.
стр. 5536
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِهَزِيمَةِ الْفِرِنْجِ عَلَى حَارِمَ وَمُلْكِ نُورِ الدِّينِ حَارِمَ، وَمَسِيرِهِ إِلَى بَانِيَاسَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَحِينَئِذٍ سَقَطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَرَادُوا الْعَوْدَةَ إِلَى بِلَادِهِمْ ; لِيَحْفَظُوهَا، فَرَاسَلُوا أَسَدَ الدِّينِ فِي الصُّلْحِ وَالْعَوْدِ إِلَى الشَّامِ، وَمُفَارَقَةِ مِصْرَ، وَتَسْلِيمِ مَا بِيَدِهِ مِنْهَا إِلَى الْمِصْرِيِّينَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ مَا فَعَلَهُ نُورُ الدِّينِ بِالشَّامِ بِالْفِرِنْجِ، وَلِأَنَّ الْأَقْوَاتَ وَالذَّخَائِرَ قَلَّتْ عَلَيْهِ، وَخَرَجَ مِنْ بِلْبِيسَ فِي ذِي الْحِجَّةِ.
فَحَدَّثَنِي مَنْ رَأَى أَسَدَ الدِّينِ حِينَ خَرَجَ مِنْ بِلْبِيسَ، قَالَ: أَخْرَجَ أَصْحَابَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَقِيَ فِي آخِرِهِمْ وَبِيَدِهِ لِتٌّ مِنْ حَدِيدٍ يَحْمِي سَاقَتَهُمْ، وَالْمُسْلِمُونَ وَالْفِرِنْجُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، قَالَ: فَأَتَاهُ فِرِنْجِيٌّ مِنَ الْغُرَبَاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنَ الْبَحْرِ، فَقَالَ لَهُ: أَمَا تَخَافُ أَنْ يَغْدِرَ بِكَ هَؤُلَاءِ الْمِصْرِيُّونَ وَالْفِرِنْجُ، وَقَدْ أَحَاطُوا بِكَ وَبِأَصْحَابِكَ، وَلَا يَبْقَى لَكُمْ بَقِيَّةٌ؟ فَقَالَ شِيرِكُوهْ: يَا لَيْتَهُمْ فَعَلُوهُ حَتَّى كُنْتَ تَرَى مَا أَفْعَلُهُ، كُنْتُ وَاللَّهِ أَضَعُ السَّيْفَ، فَلَا يُقْتَلُ مِنَّا رَجُلٌ حَتَّى يَقْتُلَ مِنْهُمْ رِجَالًا، وَحِينَئِذٍ يَقْصِدُهُمُ الْمَلِكُ الْعَادِلُ نُورُ الدِّينِ، وَقَدْ ضَعُفُوا، وَفَنِيَ شُجْعَانُهُمْ، فَنَمْلِكُ بِلَادَهُمْ، وَيَهْلَكُ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، وَاللَّهِ لَوْ أَطَاعَنِي هَؤُلَاءِ لَخَرَجْتُ إِلَيْكُمْ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، وَلَكِنَّهُمُ امْتَنَعُوا.
فَصَلَّبَ عَلَى وَجْهِهِ، وَقَالَ: كُنَّا نَعْجَبُ مِنْ فِرِنْجِ هَذِهِ الْبِلَادِ وَمُبَالَغَتِهِمْ فِي صِفَتِكَ وَخَوْفِهِمْ مِنْكَ، وَالْآنَ فَقَدْ عَذَرْنَاهُمْ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ.
وَسَارَ شِيرِكُوهْ إِلَى الشَّامِ، فَوَصَلَ سَالِمًا، وَكَانَ الْفِرِنْجُ قَدْ وَضَعُوا لَهُ عَلَى مَضِيقٍ فِي الطَّرِيقِ رَصْدًا لِيَأْخُذُوهُ أَوْ يَنَالُوا مِنْهُ ظَفَرًا، فَعَلِمَ بِهِمْ فَعَادَ عَنْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ، فَفِيهِ يَقُولُ عُمَارَةُ [الْيَمَنِيُّ] :
أَخَذْتُمْ عَلَى الْإِفْرَنْجِ كُلَّ ثَنِيَّةٍ ... وَقُلْتُمْ لِأَيْدِي الْخَيْلِ مُرِّي عَلَى مُرِّي
لَئِنْ نَصَبُوا فِي الْبَرِّ جِسْرًا فَإِنَّكُمْ ... عَبَرْتُمْ بِبَحْرٍ مِنْ حَدِيدٍ عَلَى الْجِسْرِ
وَلَفْظَةُ مُرِّي فِي آخِرِ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ اسْمُ مَلِكِ الْفِرِنْجِ.
стр. 5537
ذِكْرُ هَزِيمَةِ الْفِرِنْجِ وَفَتْحِ حَارِمَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَتَحَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِي قَلْعَةَ حَارِمَ مِنَ الْفِرِنْجِ ; وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ نُورَ الدِّينِ لَمَّا عَادَ مُنْهَزِمًا مِنَ الْبُقَيْعَةِ، تَحْتَ حِصْنِ الْأَكْرَادِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، فَرَّقَ الْأَمْوَالَ وَالسِّلَاحَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآلَاتِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَعَادَ الْعَسْكَرُ كَأَنَّهُمْ لَمْ يُصَابُوا وَأَخَذُوا فِي الِاسْتِعْدَادِ لِلْجِهَادِ وَالْأَخْذِ بِثَأْرِهِ.
وَاتَّفَقَ مَسِيرُ بَعْضِ الْفِرِنْجِ مَعَ مَلِكِهِمْ إِلَى مِصْرَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَقْصِدَ بِلَادَهُمْ لِيَعُودُوا عَنْ مِصْرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودٍ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ، وَإِلَى فَخْرِ الدِّينِ قُرَا أَرْسِلَان، صَاحِبِ حِصْنِ كَيْفَا، وَإِلَى نَجْمِ الدِّينِ أَلْبِي، صَاحِبِ مَارِدِينَ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الْأَطْرَافِ يَسْتَنْجِدُهُمْ، فَأَمَّا قُطْبُ الدِّينِ فَإِنَّهُ جَمَعَ عَسْكَرَهُ وَسَارَ مُجِدًّا، وَفِي مُقَدِّمَتِهِ زَيْنُ الدِّينِ عَلِيٌّ أَمِيرُ جَيْشِهِ، وَأَمَّا فَخْرُ الدِّينِ، صَاحِبُ الْحِصْنِ، فَبَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ نُدَمَاؤُهُ وَخَوَاصُّهُ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ عَزَمْتَ؟ فَقَالَ: عَلَى الْقُعُودِ، فَإِنَّ نُورَ الدِّينِ قَدْ تَحَشَّفَ مِنْ كَثْرَةِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَهُوَ يُلْقِي نَفْسَهُ وَالنَّاسَ مَعَهُ فِي الْمَهَالِكِ، فَكُلُّهُمْ وَافَقَهُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَمَرَ بِالتَّجَهُّزِ لِلْغُزَاةِ، فَقَالَ لَهُ أُولَئِكَ: مَا عَدَا مِمَّا بَدَا؟ فَارَقْنَاكَ أَمْسِ عَلَى حَالَةٍ، فَنَرَى الْيَوْمَ ضِدَّهَا؟ فَقَالَ: إِنَّ نُورَ الدِّينِ قَدْ سَلَكَ مَعِي طَرِيقًا إِنْ لَمْ أُنْجِدْهُ خَرَجَ أَهْلُ بِلَادِي عَنْ طَاعَتِي، وَأَخْرَجُوا الْبِلَادَ عَنْ يَدِي، فَإِنَّهُ قَدْ كَاتَبَ زُهَّادَهَا وَعُبَّادَهَا وَالْمُنْقَطِعِينَ عَنِ الدُّنْيَا، يَذْكُرُ لَهُمْ مَا لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَمَا نَالَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، وَيَسْتَمِدُّ مِنْهُمُ الدُّعَاءَ، وَيَطْلُبُ أَنْ يَحُثُّوا الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْغَزَاةِ، فَقَدْ قَعَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أُولَئِكَ، وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ وَأَتْبَاعُهُ، وَهُمْ يَقْرَؤُوَنَ كُتُبَ نُورِ الدِّينِ، وَيَبْكُونَ وَيَلْعَنُونَنِي، وَيَدْعُونَ عَلَيَّ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْمَسِيرِ إِلَيْهِ، ثُمَّ تَجَهَّزَ وَسَارَ بِنَفْسِهِ.
وَأَمَّا نَجْمُ الدِّينِ فَإِنَّهُ سَيَّرَ عَسْكَرًا، فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ سَارَ نَحْوَ حَارِمَ،
стр. 5538
فَحَصَرَهَا، وَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، وَتَابَعَ الزَّحْفَ إِلَيْهَا، فَاجْتَمَعَ مَنْ بَقِيَ بِالسَّاحِلِ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَجَاءُوا فِي حَدِّهِمْ وَحَدِيدِهِمْ، وَمُلُوكِهِمْ وَفُرْسَانِهِمْ، وَقِسِّيسِيهِمْ، وَرُهْبَانِهِمْ، وَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، وَكَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمُ الْبِرِنْسَ بَيْمُنْدَ، صَاحِبَ أَنْطَاكِيَةَ، وَقُمَّصُ، صَاحِبُ طَرَابُلُسَ وَأَعْمَالِهَا، وَابْنُ جُوسَلِينَ، وَهُوَ مِنْ مَشَاهِيرِ الْفِرِنْجِ، وَالدُّوكِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ كَبِيرٌ مِنَ الرُّومِ، وَجَمَعُوا الْفَارِسَ وَالرَّاجِلَ، فَلَمَّا قَارَبُوهُ رَحَلَ عَنْ حَارِمَ إِلَى أَرْتَاحَ طَمَعًا أَنْ يَتْبَعُوهُ، فَيَتَمَكَّنَ مِنْهُمْ ; لِبُعْدِهِمْ عَنْ بِلَادِهِمْ إِذَا لَقُوهُ، فَسَارُوا، فَنَزَلُوا عَلَى غَمَّرَ، ثُمَّ عَلِمُوا عَجْزَهُمْ عَنْ لِقَائِهِ، فَعَادُوا إِلَى حَارِمَ، فَلَمَّا عَادُوا تَبِعَهُمْ نُورُ الدِّينِ فِي أَبْطَالِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَعْبِئَةِ الْحَرْبِ.
فَلَمَّا تَقَارَبُوا اصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، فَبَدَأَ الْفِرِنْجُ بِالْحَمْلَةِ عَلَى مَيْمَنَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِيهَا عَسْكَرُ حَلَبَ وَصَاحِبُ الْحِصْنِ، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا، وَتَبِعَهُمُ الْفِرِنْجُ، فَقِيلَ كَانَتْ تِلْكَ الْهَزِيمَةُ مِنَ الْمَيْمَنَةِ عَلَى اتِّفَاقٍ وَرَأْيٍ دَبَّرُوهُ، وَهُوَ أَنْ يَتْبَعَهُمُ الْفِرِنْجُ فَيَبْعُدُوا عَنْ رَاجِلِهِمْ، فَيَمِيلُ عَلَيْهِمْ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِالسُّيُوفِ، فَيَقْتُلُوهُمْ، فَإِذَا عَادَ فُرْسَانُهُمْ لَمْ يَلْقُوا رَاجِلًا يَلْجَأُونَ إِلَيْهِ، وَلَا وَزَرًا يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ، وَيَعُودُ الْمُنْهَزِمُونَ فِي آثَارِهِمْ، فَيَأْخُذُهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ، وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ، فَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا دَبَّرُوهُ: فَإِنَّ الْفِرِنْجَ لَمَّا تَبِعُوا الْمُنْهَزِمِينَ عَطَفَ زَيْنُ الدِّينِ عَلِيٌّ فِي عَسْكَرِ الْمَوْصِلِ عَلَى رَاجِلِ الْفِرِنْجِ، فَأَفْنَاهُمْ قَتْلًا وَأَسْرًا، وَعَادَ خَيَّالَتُهُمْ، وَلَمْ يُمْعِنُوا فِي الطَّلَبِ خَوْفًا عَلَى رَاجِلِهِمْ، فَعَادَ الْمُنْهَزِمُونَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا وَصَلَ الْفِرِنْجُ رَأَوْا رِجَالَهُمْ قَتْلَى وَأَسْرَى، فَسُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا وَبَقُوا فِي الْوَسَطِ قَدْ أَحْدَقَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، وَقَامَتْ عَلَى سَاقٍ، وَكَثُرَ الْقَتْلَى فِي الْفِرِنْجِ، وَتَمَّتْ عَلَيْهِمُ الْهَزِيمَةُ، فَعَدَلَ حِينَئِذٍ الْمُسْلِمُونَ عَنِ الْقَتْلِ إِلَى الْأَسْرِ، فَأَسَرُوا مَا لَا يُحَدُّ، وَفِي جُمْلَةِ الْأَسْرَى صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ وَالْقُمَّصُ، صَاحِبُ طَرَابُلُسَ، وَكَانَ شَيْطَانَ الْفِرِنْجِ، وَأَشُدَّهُمْ شَكِيمَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالدَّوْكُ مُقَدَّمُ الرُّومِ، وَابْنُ جُوسَلِينَ، وَكَانَتْ عِدَّةُ الْقَتْلَى تَزِيدُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ قَتِيلٍ.
وَأَشَارَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى نُورِ الدِّينِ بِالْمَسِيرِ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ وَتَمَلُّكِهَا لِخُلُوِّهَا مِنْ حَامٍ
стр. 5539
يَحْمِيهَا وَمُقَاتِلٍ يَذُبُّ عَنْهَا، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَالَ: أَمَّا الْمَدِينَةُ فَأَمْرُهَا سَهْلٌ، وَأَمَّا الْقَلْعَةُ فَمَنِيعَةٌ، وَرُبَّمَا سَلَّمُوهَا إِلَى مَلِكِ الرُّومِ ; لِأَنَّ صَاحِبَهَا ابْنُ أَخِيهِ وَمُجَاوَرَةُ بَيْمُنْدَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مُجَاوَرَةِ صَاحِبِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَبَثَّ السَّرَايَا فِي تِلْكَ الْأَعْمَالِ، فَنَهَبُوهَا، وَأَسَرُوا أَهْلَهَا وَقَتَلُوهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُ فَادَى بَيْمُنْدَ الْبِرِنْسَ، صَاحِبَ أَنْطَاكِيَةَ، بِمَالٍ جَزِيلٍ وَأَسْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَثِيرَةٍ أَطْلَقَهُمْ.
ذِكْرُ مُلْكِ نُورِ الدِّينِ قَلْعَةَ بَانِيَاسَ مِنَ الْفِرِنْجِ أَيْضًا
فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ فَتَحَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ قَلْعَةَ بَانِيَاسَ، وَهِيَ بِالْقُرْبِ مِنْ دِمَشْقَ، وَكَانَتْ بِيَدِ الْفِرِنْجِ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَلَمَّا فَتَحَ حَارِمَ أَذِنَ لِعَسْكَرِ الْمَوْصِلِ وَدِيَارِ بَكْرٍ بِالْعَوْدِ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ طَبَرِيَّةَ، فَجَعَلَ مَنْ بَقِيَ مَنَّ الْفِرِنْجِ هِمَّتَهُمْ حِفْظَهَا وَتَقْوِيَتَهَا، فَسَارَ مَحْمُود إِلَى بَانِيَاسَ لِعِلْمِهِ بِقِلَّةِ مَنْ فِيهَا مِنَ الْحُمَاةِ الْمَانِعِينَ عَنْهَا، وَنَازَلَهَا، وَضَيَّقَ عَلَيْهَا وَقَاتَلَهَا، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ عَسْكَرِهِ أَخُوهُ نُصْرَةُ الدِّينِ أَمِيرُ أَمِيرَانِ، فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَأَذْهَبَ إِحْدَى عَيْنَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ نُورُ الدِّينِ قَالَ لَهُ: لَوْ كُشِفَ لَكَ عَنِ الْأَجْرِ الَّذِي أُعِدَّ لَكَ لَتَمَنَّيْتَ ذَهَابَ الْأُخْرَى. وَجَدَّ فِي حِصَارِهَا، فَسَمِعَ الْفِرِنْجُ، فَجَمَعُوا، فَلَمْ تَتَكَامَلْ عُدَّتَهُمْ، حَتَّى فَتَحَهَا، عَلَى أَنَّ الْفِرِنْجَ كَانُوا قَدْ ضَعُفُوا بِقَتْلِ رِجَالِهِمْ بِحَارِمَ وَأَسْرِهِمْ، فَمَلَكَ الْقَلْعَةَ، وَمَلَأَهَا ذَخَائِرَ، وَعُدَّةً، وَرِجَالًا، وَشَاطَرَ الْفِرِنْجَ فِي أَعْمَالِ طَبَرِيَّةَ، وَقَرَّرُوا لَهُ عَلَى الْأَعْمَالِ الَّتِي لَمْ يُشَاطِرْهُمْ عَلَيْهَا مَالًا فِي كُلِّ سَنَةٍ.
وَوَصَلَ خَبَرُ مُلْكِ حَارِمَ وَحَصْرِ بَانِيَاسَ إِلَى الْفِرِنْجِ بِمِصْرَ، فَصَالَحُوا شِيرِكُوهْ، وَعَادُوا لِيُدْرِكُوا بَانِيَاسَ، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَّا وَقَدْ مَلَكَهَا، وَلَمَّا عَادَ مِنْهَا إِلَى دِمَشْقَ كَانَ بِيَدِهِ
стр. 5540
خَاتَمٌ بِفَصِّ يَاقُوتٍ مِنْ أَحْسَنِ الْجَوْهَرِ، وَكَانَ يُسَمَّى الْجَبَلُ لِكِبَرِهِ وَحُسْنِهِ، فَسَقَطَ مِنْ يَدِهِ فِي شِعَارِي بَانِيَاسَ، وَهِيَ كَثِيرَةُ الْأَشْجَارِ مُلْتَفَّةَ الْأَغْصَانِ، فَلَمَّا أَبْعَدَ عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي ضَاعَ فِيهِ عَلِمَ بِهِ، فَأَعَادَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهِ، وَدَلَّهُمْ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ آخِرَ عَهْدِهِ بِهِ فِيهِ، وَقَالَ: أَظُنُّ هُنَاكَ سَقَطَ، فَعَادُوا إِلَيْهِ، فَوَجَدُوهُ، فَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ الشَّامِيِّينَ أَظُنُّهُ ابْنَ مُنِيرٍ يَمْدَحُهُ، وَيُهَنِّئُهُ بِهَذِهِ الْغَزَاةِ، وَيَذْكُرُ الْجَبَلَ الْيَاقُوتَ:
إِنْ يَمْتَرِ الشُّكَّاكُ فِيكَ فَإنَّكَ ... الْ مَهْدِيُّ مُطْفِي جَمْرَةَ الدَّجَّالِ
فَلِعَوْدَةِ الْجَبَلِ الَّذِي أَظْلَلْتَهُ ... بِالْأَمْسِ بَيْنَ غَيَاطِلٍ وَجِبَالِ
لَمْ يُعْطَهَا إِلَّا سُلَيْمَانُ وَقَدْ ... نَبَتَ الرُّبَا بِمُوشَكِ الْإِعْجَالِ
رَحْرَحْرَى لِسَرِيرِ مُلْكِكَ إِنَّهُ ... كَسَرِيرِهِ عَنْ كُلِّ حَدٍّ عَالِ
فَلَوِ الْبِحَارُ السَّبْعَةُ اسْتَهْوَيْنَهُ ... وَأَمَرْتَهُنَّ قَذَفْنَهُ فِي الْحَالِ
وَلَمَّا فَتَحَ الْحِصْنَ كَانَ مَعَهُ وَلَدُ مُعِينِ الدِّينِ أُنُزَ الَّذِي سَلَّمَ بَانِيَاسَ إِلَى الْفِرِنْجِ، فَقَالَ لَهُ: لِلْمُسْلِمِينَ بِهَذَا الْفَتْحِ فَرْحَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكَ فَرْحَتَانِ، فَقَالَ: كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ:
стр. 5541
لِأَنَّ الْيَوْمَ بَرَّدَ اللَّهُ جِلْدَ وَالِدَكَ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ.
ذِكْرُ أَخْذِ الْأَتْرَاكِ غَزْنَةَ مَنْ مَلِكْشَاهْ وَعَوْدِهِ إِلَيْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَصَدَ بِلَادَ غَزْنَةَ الْأَتْرَاكُ الْمَعْرُوفُونَ بِغُزٍّ، وَنَهَبُوهَا، وَخَرَّبُوهَا، وَقَصَدُوا غَزْنَةَ وَبِهَا صَاحِبُهَا مَلِكْشَاهْ بْنُ خُسْرُوشَاهِ الْمَحْمُودِيُّ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِمْ، فَفَارَقَهَا وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ لَهَاوُورَ، وَمَلَكَ الْغُزُّ مَدِينَةَ غَزْنَةَ، وَكَانَ الْقَيِّمُ بِأَمْرِهِمْ أَمِيرٌ اسْمُهُ زَنْكِي بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلِيفَةَ الشَّيْبَانِيُّ، ثُمَّ إِنَّ صَاحِبَهَا مَلِكْشَاهْ جَمَعَ وَعَادَ إِلَى غَزْنَةَ، فَفَارَقَهَا زَنْكِي وَعَادَ مَلِكُهَا مَلِكْشَاهْ وَدَخَلَهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ وَتَمَكَّنَ فِي دَارِ مُلْكِهِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ جَمَالِ الدِّينِ الْوَزِيرِ وَشَيْءٍ مِنْ سِيرَتِهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ جَمَالُ الدِّينِ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ الْأَصْفَهَانِيُّ، وَزِيرُ قُطْبِ الدِّينِ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فِي شَعْبَانَ مَقْبُوضًا، وَكَانَ قَدْ قُبِضَ عَلَيْهِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، فَبَقِيَ فِي الْحَبْسِ نَحْوَ سَنَةٍ.
حَكَى لِي إِنْسَانٌ صُوفِيٌّ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْقَاسِمِ كَانَ مُخْتَصًّا بِخِدْمَتِهِ فِي الْحَبْسِ، قَالَ: لَمْ يَزَلْ مَشْغُولًا فِي مَحْبِسِهِ بِأَمْرِ آخِرَتِهِ، وَكَانَ يَقُولُ: كُنْتُ أَخْشَى أَنْ أُنْقَلَ مِنَ الدَّسْتِ إِلَى الْقَبْرِ، فَلَمَّا مَرِضَ قَالَ لِي فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ! إِذَا جَاءَ طَائِرٌ أَبْيَضُ إِلَى الدَّارِ، فَعَرِّفْنِي. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي قَدِ اخْتَلَطَ عَقْلُهُ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَكْثَرَ السُّؤَالَ عَنْهُ، وَإِذَا طَائِرٌ أَبْيَضُ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَدْ سَقَطَ، فَقُلْتُ: جَاءَ الطَّائِرُ، فَاسْتَبْشَرَ، ثُمَّ قَالَ: جَاءَ الْحَقُّ، وَأَقْبَلَ عَلَى الشَّهَادَةِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ طَارَ ذَلِكَ الطَّائِرُ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ رَأَى شَيْئًا فِي مَعْنَاهُ.
стр. 5542
وَدُفِنَ بِالْمَوْصِلِ عِنْدَ فَتْحِ الْكَرَامِيِّ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، نَحْوَ سَنَةٍ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَدُفِنَ بِالْقُرْبِ مِنْ حَرَمِ النَّبِيِّ، ﷺ ، فِي رِبَاطٍ بَنَاهُ لِنَفْسِهِ هُنَاكَ، وَقَالَ لِأَبِي الْقَاسِمِ: بَيْنِي وَبَيْنَ أَسَدِ الدِّينِ شِيرِكُوهْ عَهْدٌ، مَنْ مَاتَ مِنَّا قَبْلَ صَاحِبِهِ حَمَلَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَدَفَنَهُ بِهَا فِي التُّرْبَةِ الَّتِي عَمِلَهَا، فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَامْضِ إِلَيْهِ وَذَكِّرْهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ سَارَ أَبُو الْقَاسِمِ إِلَى شِيرِكُوهْ فِي الْمَعْنَى، فَقَالَ لَهُ شِيرِكُوهْ: كَمْ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: أُرِيدَ أُجْرَةَ جَمَلٍ يَحْمِلُهُ وَجَمَلٍ يَحْمِلُنِي وَزَادِي، فَانْتَهَرَهُ، وَقَالَ: مِثْلُ جَمَالِ الدِّينِ يُحْمَلُ هَكَذَا إِلَى مَكَّةَ، وَأَعْطَاهُ مَالًا صَالِحًا ; لِيَحْمِلَ مَعَهُ جَمَاعَةً يَحُجُّونَ عَنْ جَمَالِ الدِّينِ، وَجَمَاعَةً يَقْرَءُونَ عَلَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ تَابُوتِهِ إِذَا حُمِلَ، وَإِذَا نَزَلَ عَنِ الْجَمَلِ، وَإِذَا وَصَلَ إِلَى مَدِينَةٍ يَدْخُلُ أُولَئِكَ الْقُرَّاءُ يُنَادُونَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَيُصَلَّى عَلَيْهِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ يَجْتَازُ بِهَا، وَأَعْطَاهُ أَيْضًا مَالًا لِلصَّدَقَةِ عَنْهُ، فَصُلِّي عَلَيْهِ فِي تَكْرِيتَ، وَبَغْدَادَ، وَالْحِلَّةِ، وَفَيْدَ، وَمَكَّةَ، وَالْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَجْتَمِعُ لَهُ فِي كُلِّ بَلَدٍ مِنَ الْخَلْقِ مَا لَا يُحْصَى، وَلَمَّا أَرَادُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ بِالْحِلَّةِ صَعِدَ شَابٌّ عَلَى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ، وَأَنْشَدَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ:
سَرَى نَعْشُهُ فَوْقَ الرِّقَابِ وَطَالَمَا ... سَرَى جُودُهُ فَوْقَ الرِّكَابِ وَنَائِلُهْ
يَمُرُّ عَلَى الْوَادِي فَتُثْنِي رِمَالُهُ ... عَلَيْهِ وَبِالنَّادِي فَتُثْنِي أَرَامِلُهْ
فَلَمْ نَرَ بَاكِيًا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَطَافُوا بِهِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَصَلُّوا عَلَيْهِ بِالْحَرَمِ الشَّرِيفِ، وَبَيْنَ قَبْرِهِ وَقَبْرِ النَّبِيِّ، ﷺ ، نَحْوَ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا.
وَأَمَّا سِيرَتُهُ فَكَانَ، ﵀، أَسْخَى النَّاسِ، وَأَكْثَرَهُمْ بَذْلًا لِلْمَالِ، رَحِيمًا بِالْخَلْقِ، مُتَعَطِّفًا عَلَيْهِمْ، عَادِلًا فِيهِمْ، فَمِنْ أَعْمَالِهِ الْحَسَنَةِ: أَنَّهُ جَدَّدَ بِنَاءَ مَسْجِدِ الْخَيْفِ
стр. 5543
بِمِنًى، وَغَرِمَ عَلَيْهِ أَمْوَالًا جَسِيمَةً، وَبَنَى الْحِجْرَ بِجَانِبِ الْكَعْبَةِ، وَزَخْرَفَ الْكَعْبَةَ وَذَهَّبَهَا، وَعَمَلَهَا بِالرُّخَامِ، وَلَمَّا أَرَادَ ذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ هَدِيَّةً جَلِيلَةً، وَطَلَبَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْأَمِيرِ عِيسَى أَمِيرِ مَكَّةَ هَدِيَّةً كَثِيرَةً، وَخِلَعًا سَنِيَّةً، مِنْهَا عِمَامَةٌ مُشْتَرَاهَا ثَلَاثُمِائَةِ دِينَارٍ، حَتَّى مَكَّنَهُ مِنْ ذَلِكَ.
وَعَمَّرَ أَيْضًا الْمَسْجِدَ الَّذِي عَلَى جَبَلِ عَرَفَاتٍ وَالدَّرَجِ الَّتِي يُصْعَدُ فِيهَا إِلَيْهِ، وَكَانَ النَّاسُ يَلْقُونَ شِدَّةً فِي صُعُودِهِمْ، وَعَمِلَ بِعَرَفَاتٍ أَيْضًا مَصَانِعَ لِلْمَاءِ، وَأَجْرَى الْمَاءَ إِلَيْهَا مِنْ نَعْمَانَ فِي طُرُقٍ مَعْمُولَةٍ تَحْتَ الْأَرْضِ، فَخَرَجَ عَلَيْهَا مَالٌ كَثِيرٌ. وَكَانَ يَجْرِي الْمَاءُ فِي الْمَصَانِعِ كُلَّ سَنَةٍ أَيَّامَ عَرَفَاتٍ، وَبَنَى سُورًا عَلَى مَدِينَةِ النَّبِيِّ، ﷺ ، وَعَلَى فَيْدَ، وَبَنَى لَهَا أَيْضًا فَصِيلًا.
وَكَانَ يُخْرِجُ عَلَى بَابِ دَارِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، لِلصَّعَالِيكِ وَالْفُقَرَاءِ مِائَةَ دِينَارٍ أَمِيرِيٍّ، هَذَا سِوَى الْإِدْرَارَاتِ وَالتَّعَهُّدَاتِ لِلْأَئِمَّةِ وَالصَّالِحِينَ وَأَرْبَابِ الْبُيُوتَاتِ.
وَمِنْ أَبْنِيَتِهِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهَا الْجِسْرُ الَّذِي بَنَاهُ عَلَى دِجْلَةَ عِنْدَ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ بِالْحَجَرِ الْمَنْحُوتِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالْكِلْسِ، فَقُبِضَ قَبْلَ أَنْ يَفْرَغَ، وَبَنَى عِنْدَهَا أَيْضًا جِسْرًا كَذَلِكَ عَلَى النَّهْرِ الْمَعْرُوفِ بِالْإِرْبَادِ، وَبَنَى الرُّبُطَ، وَقَصَدَهُ النَّاسُ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَيَكْفِيهِ أَنَّ ابْنَ الْخُجَنْدِيِّ، رَئِيسَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِأَصْفَهَانَ، قَصَدَهُ وَابْنُ الْكَافِي قَاضِي هَمَذَانَ، فَأَخْرَجَ عَلَيْهِمَا مَالًا عَظِيمًا، وَكَانَتْ صَدَقَاتُهُ وَصِلَاتُهُ مِنْ أَقَاصِي خُرَاسَانَ إِلَى حُدُودِ الْيَمَنِ.
وَكَانَ يَشْتَرِي الْأَسْرَى كُلَّ سَنَةٍ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ، هَذَا مِنَ الشَّامِ حَسْبُ، سِوَى مَا يَشْتَرِي مِنَ الْكَرَجِ.
حَكَى لِي وَالِدِي عَنْهُ قَالَ: كَثِيرًا مَا كُنْتُ أَرَى جَمَالَ الدِّينِ، إِذَا قُدِّمَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ، يَأْخُذُ مِنْهُ وَمِنَ الْحَلْوَى وَيَتْرُكُهُ فِي خُبْزٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَكُنْتُ أَنَا وَمَنْ يَرَاهُ نَظُنُّ أَنَّهُ يَحْمِلُهُ إِلَى أُمِّ وَلَدِهِ عَلِيٍّ، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ فِي بَعْضِ السِّنِينَ جَاءَ إِلَى الْجَزِيرَةِ مَعَ قُطْبِ الدِّينِ، وَكُنْتُ
стр. 5544
أَتَوَلَّى دِيوَانَهَا، وَحَمَلَ جَارِيَتَهُ أُمَّ وَلَدِهِ إِلَى دَارِي ; لِتَدْخُلَ الْحَمَّامَ، فَبَقِيَتْ فِي الدَّارِ أَيَّامًا، فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ فِي الْخِيَامِ وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ، فَعَلَ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ، ثُمَّ تَفَرَّقَ النَّاسُ، فَقُمْتُ، فَقَالَ: اقْعُدْ، فَقَعَدْتُ، فَلَمَّا خَلَا الْمَكَانُ قَالَ لِي: قَدْ آثَرْتُكَ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي، فَإِنَّنِي فِي الْخِيَامِ مَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَفْعَلَ مَا كُنْتُ أَفْعَلُهُ، خُذْ هَذَا الْخُبْزَ، وَاحْمِلْهُ أَنْتَ فِي كُمِّكَ فِي هَذَا الْمَنْدِيلِ، وَاتْرُكِ الْحَمَاقَةَ مِنْ رَأْسِكَ، وَعُدْ إِلَى بَيْتِكَ، فَإِذَا رَأَيْتَ فِي طَرِيقِكَ فَقِيرًا يَقَعُ فِي نَفْسِكَ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ، فَاقْعُدْ أَنْتَ بِنَفْسِكَ، وَأَطْعِمْهُ هَذَا الطَّعَامَ، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، وَكَانَ مَعِي جَمْعٌ كَثِيرٌ، فَفَرَّقْتُهُمْ فِي الطَّرِيقِ ; لِئَلَّا يَرَوْنِي أَفْعَلُ ذَلِكَ، وَبَقِيتُ فِي غِلْمَانِي، فَرَأَيْتُ فِي مَوْضِعٍ إِنْسَانًا أَعْمَى، وَعِنْدَهُ أَوْلَادُهُ وَزَوْجَتُهُ، وَهُمْ مِنَ الْفَقْرِ فِي حَالٍ شَدِيدٍ، فَنَزَلْتُ عَنْ دَابَّتِي إِلَيْهِمْ، وَأَخْرَجْتُ الطَّعَامَ وَأَطْعَمْتُهُمْ إِيَّاهُ، وَقُلْتُ لِلرَّجُلِ: تَجِيءُ غَدًا بُكْرَةً إِلَى دَارِ فُلَانٍ، أَعْنِي دَارِي، وَلَمْ أُعَرِّفْهُ نَفْسِي، فَإِنَّنِي آخُذُ لَكَ مِنْ صَدَقَةِ جَمَالِ الدِّينِ شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبْتُ إِلَيْهِ الْعَصْرَ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: مَا الَّذِي فَعَلْتَ فِي الَّذِي قُلْتُ لَكَ؟ فَأَخَذْتُ أَذْكُرُ لَهُ شَيْئًا يَتَعَلَّقُ بِدَوْلَتِهِمْ، فَقَالَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ إِنَّمَا أَسْأَلُكَ عَنِ الطَّعَامِ الَّذِي سَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ، فَذَكَرْتُ لَهُ الْحَالَ، فَفَرِحَ ثُمَّ قَالَ: بَقِيَ أَنَّكَ لَوْ قُلْتَ لِلرَّجُلِ يَجِيءُ إِلَيْكَ هُوَ وَأَهْلُهُ، فَتَكْسُوهُمْ وَتُعْطِيهِمْ دَنَانِيرَ، وَتُجْرِي لَهُمْ كُلَّ شَهْرٍ دِينَارًا. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُ لِلرَّجُلِ حَتَّى يَجِيءَ إِلَيَّ، فَازْدَادَ فَرَحًا، وَفَعَلْتُ بِالرَّجُلِ مَا قَالَ: وَلَمْ يَزَلْ يَصِلُ إِلَيْهِ رَسْمُهُ حَتَّى قُبِضَ. وَلَهُ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِثِيَابِهِ مِنْ عَلَى بَدَنِهِ فِي بَعْضِ السِّنِينَ الَّتِي تَعَذَّرَتِ الْأَقْوَاتُ فِيهَا.
ذِكْرُ إِجْلَاءِ الْقَارْغَلِّيَّةِ مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ
كَانَ خَانْ خَانَانِ الصِّينِيُّ مَلِكُ الْخَطَا قَدْ فَوَّضَ وِلَايَةَ سَمَرْقَنْدَ وَبُخَارَى إِلَى الْخَانْ جَغْرِي خَانْ بْنِ حَسَنِ تَكِينَ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ مِنْ بَيْتِ الْمَلِكِ، قَدِيمِ الْأُبُوَّةِ، فَبَقِيَ فِيهَا مُدَبِّرًا لِأُمُورِهَا، فَلَمَّا كَانَ الْآنَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَلِكُ الْخَطَا بِإِجْلَاءِ الْأَتْرَاكِ الْقَارْغِلِّيَّةِ مِنْ أَعْمَالِ بُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ إِلَى كَاشْغِرَ، وَأَنْ يَتْرُكُوا حَمْلَ السِّلَاحِ، وَيَشْتَغِلُوا بِالزِّرَاعَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ، فَتَقَدَّمَ جَغْرِي خَانْ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَامْتَنَعُوا، فَأَلْزَمَهُمْ وَأَلَحَّ
стр. 5545
عَلَيْهِمْ بِالِانْتِقَالِ، فَاجْتَمَعُوا وَصَارَتْ كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةً، فَكَثُرُوا، وَسَارُوا إِلَى بُخَارَى، فَأَرْسَلَ الْفَقِيهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ بُرْهَانِ الدِّينِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَازَةَ، رَئِيسُ بُخَارَى، إِلَى جَغْرِي خَانْ يُعْلِمُهُ ذَلِكَ وَيَحُثُّهُ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِمْ بِعَسَاكِرِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْظُمَ شَرُّهُمْ، وَيَنْهَبُوا الْبِلَادَ.
وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَ مَازَةَ يَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ الْكُفَّارَ بِالْأَمْسِ لَمَّا طَرَقُوا هَذِهِ الْبِلَادَ امْتَنَعُوا عَنِ النَّهْبِ وَالْقَتْلِ، وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، غُزَاةٌ، يَقْبُحُ مِنْكُمْ مَدُّ الْأَيْدِي إِلَى الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ، وَأَنَا أَبْذُلُ لَكُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا تَرْضَوْنَ بِهِ لِتَكُفُّوا عَنِ النَّهْبِ وَالْغَارَةِ، فَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ فِي تَقْرِيرِ الْقَاعِدَةِ، وَابْنُ مَازَةَ يُطَاوِلُ بِهِمْ وَيُمَادِي الْأَيَّامَ إِلَى أَنْ وَصَلَ جَغْرِي خَانْ، فَلَمْ يَشْعُرِ الْأَتْرَاكُ الْقَارْغَلِّيَّةُ إِلَّا وَقَدْ دَهَمَهُمْ جَغْرِي خَانْ فِي جُيُوشِهِ بَغْتَةً وَوَضَعَ السَّيْفَ فِيهِمْ. فَانْهَزَمُوا، وَتَفَرَّقُوا، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ وَالنَّهْبُ. وَاخْتَفَى طَائِفَةٌ فِي الْغِيَاضِ وَالْآجَامِ، ثُمَّ ظَفِرَ بِهِمْ أَصْحَابُ جَغْرِي خَانْ فَقَطَعُوا دَابِرَهُمْ، وَدَفَعُوا عَنْ بُخَارَى وَنَوَاحِيهَا ضَرَرَهُمْ، وَخَلَتْ تِلْكَ الْأَرْضُ مِنْهُمْ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ سُنْقُرَ عَلَى الطَّالْقَانِ وَغَرْشِسْتَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْلَى الْأَمِيرُ صَلَاحُ الدِّينِ سُنْقُرُ، وَهُوَ مِنْ مَمَالِيكِ السَّنْجَرِيَّةِ، عَلَى بِلَادِ الطَّالْقَانِ، وَأَغَارَ عَلَى حُدُودِ غَرْشِسْتَانَ، وَتَابَعَ الْغَارَاتِ عَلَيْهَا حَتَّى مَلَكَهَا، فَصَارَتِ الْوِلَايَتَانِ لَهُ وَبِحُكْمِهِ، وَلَهُ فِيهِمَا حُصُونٌ مَنِيعَةٌ، وَقِلَاعٌ حَصِينَةٌ، وَصَالَحَ الْأُمَرَاءَ الْغُزِّيَّةَ، وَحَمَلَ لَهُمُ الْإِتَاوَةَ كُلَّ سَنَةٍ.
ذِكْرُ قَتْلِ صَاحِبِ هَرَاةَ
كَانَ صَاحِبُ هَرَاةَ الْأَمِيرُ إِيتَكِينُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغُزِّ مُهَادَنَةً، فَلَمَّا تُوُفِّيَ مَلِكُ الْغُورِ مُحَمَّدٌ طَمِعَ فِي بِلَادِهِمْ، فَغَزَاهُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَنَهَبَ وَأَغَارَ، فَلَمَّا كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ جَمَعَ إِيتِكِينُ جُمُوعَهُ وَسَارَ إِلَى بِلَادِ الْغُورِ، وَسَارُوا إِلَى بَامَيَانَ وَإِلَى وِلَايَةِ بُسْتَ وَالرُّخَّجِ، فَقَاتَلَهُ صَاحِبُهَا طُغْرُلُ تَكِينَ يَرْنَقْشُ الْفَلَكِيُّ مِنْ قِبَلِ الْغُورِيَّةِ، فَظَهَرُوا إِلَى بَامِيَانَ، وَاسْتَوْلَى [عَلَى] بُسْتَ وَالرُّخَجِ فَسَلَّمَهَا إِلَى بَعْضِ أَوْلَادِ مُلُوكِ
стр. 5546
الْغُورِ، وَأَمَّا إِيتِكِينُ فَإِنَّهُ تَوَغَّلَ فِي بِلَادِ الْغُورِ، فَأَتَاهُ أَهْلُهَا، وَقَاتَلُوهُ، وَصَدُّوهُ، وَصَدَقُوهُ الْقِتَالَ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ، وَقُتِلَ هُوَ فِي الْمَعْرَكَةِ.
ذِكْرُ مُلِكِ شَاهْ مَازَنْدَرَانْ قُومَسَ وَبَسِطَامًا
قَدْ ذَكَرْنَا اسْتِيلَاءَ الْمُؤَيَّدِ صَاحِبِ نَيْسَابُورَ عَلَى قُومَسَ وَبَسِطَامَ وَتِلْكَ الْبِلَادِ، وَأَنَّهُ اسْتَنَابَ بِهَا مَمْلُوكَهُ تِنْكِزَ، فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ جَهَّزَ شَاهْ مَازَنْدَرَانْ جَيْشًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا لَهُ يُعْرَفُ بِسَابِقِ الدِّينِ الْقَزْوِينِيِّ، فَسَارَ إِلَى دَامِغَانَ، فَمَلَكَهَا، فَجَمَعَ تِنْكِزُ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ وَسَارَ إِلَيْهِ إِلَى دَامِغَانَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْقَزْوِينِيُّ، فَوَصَلَ إِلَى تِنْكِزَ عَلَى غِرَّةٍ مِنْهُ، فَلَمْ يَشْعُرْ هُوَ وَعَسْكَرُهُ إِلَّا وَقَدْ كَبَسَهُمُ الْقَزْوِينِيُّ وَوَضَعَ السَّيْفَ فِيهِمْ، فَتَفَرَّقُوا وَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ، وَاسْتَوْلَى عَسْكَرُ شَاهْ مَازَنْدَرَانْ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ، وَعَادَ تِنْكِزُ إِلَى الْمُؤَيَّدِ صَاحِبِ نَيْسَابُورَ. وَاشْتَغَلَ بِالْغَارَةِ عَلَى بَسْطَامَ وَبِلَادِ قُومَسَ.
ذِكْرُ عِصْيَانِ غُمَارَةَ بِالْمَغْرِبِ
لَمَّا تَحَقَّقَ النَّاسُ مَوْتَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، ثَارَتْ قَبَائِلُ غُمَارَةَ مَعَ مِفْتَاحِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ مُقَدَّمًا كَبِيرًا فِيهِمْ، وَتَبِعُوهُ بِأَجْمَعِهِمْ، وَامْتَنَعُوا فِي جِبَالِهِمْ، وَهِيَ مَعَاقِلُ مَانِعَةٌ، وَهُمْ أُمَمٌ جَمَّةٌ، فَتَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، وَمَعَهُ أَخَوَاهُ عَمْرٌو وَعُثْمَانُ، فِي جَيْشٍ كَبِيرٍ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ وَالْعَرَبِ، وَتَقَدَّمُوا إِلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَانْهَزَمَتْ غُمَارَةُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، وَفِيمَنْ قُتِلَ مِفْتَاحُ بْنُ عَمْرٍو مُقَدَّمُهُمْ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِهِمْ وَمُقَدَّمِيهِمْ، وَمَلَكُوا بِلَادَهُمْ عَنْوَةً.
وَكَانَ هُنَاكَ قَبَائِلُ كَثِيرَةٌ يُرِيدُونَ الْفِتْنَةَ، فَانْتَظَرُوا مَا يَكُونُ مِنْ غُمَارَةَ، فَلَمَّا قُتِلُوا ذَلَّتْ تِلْكَ الْقَبَائِلُ وَانْقَادُوا لِلطَّاعَةِ، وَلَمْ يَبْقَ مُتَحَرِّكٌ لِفِتْنَةٍ وَمَعْصِيَةٍ، فَسَكَنَتِ الدَّهْمَاءُ فِي جَمِيعِ الْمَغْرِبِ.
стр. 5547
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَغَارَ الْأَمِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ أُنُزَ عَلَى بَلَدِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ بِخُرَاسَانَ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ، وَأَسَرَ وَسَبَى وَأَكْثَرَ، وَمَلَأَ أَصْحَابُهُ أَيْدِيَهُمْ مِنْ ذَلِكَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْفَضْلِ نَصْرُ بْنُ خَلَفٍ مَلِكُ سِجِسْتَانَ، وَعُمُرُهُ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وَمُدَّةُ مُلْكِهِ ثَمَانُونَ سَنَةً، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو الْفَتْحِ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ، وَكَانَ أَبُو الْفَضْلِ مَلِكًا عَادِلًا عَفِيفًا عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَلَهُ آثَارٌ حَسَنَةٌ فِي نُصْرَةِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ فِي غَيْرِ مَوْقِفٍ.
وَفِيهَا خَرَجَ مَلِكُ الرُّومِ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي عَسَاكِرَ لَا تُحْصَى وَقَصَدَ بِلَادَ الْإِسْلَامِ الَّتِي بِيَدِ قَلْجِ أَرْسِلَان وَابْنِ دَانِشْمَنْدَ، فَاجْتَمَعَ التُّرْكُمَانُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ فِي جَمْعٍ كَبِيرٍ، فَكَانُوا يُغِيرُونَ عَلَى أَطْرَافِ عَسْكَرِهِ لَيْلًا، فَإِذَا أَصْبَحَ لَا يَرَى أَحَدًا.
وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي الرُّومِ حَتَّى بَلَغَتْ عِدَّةُ الْقَتْلَى عَشَرَاتِ أُلُوفٍ، فَعَادَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَلَمَّا عَادَ مَلَكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُ عِدَّةَ حُصُونٍ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْإِمَامُ عُمَرُ الْخُوَارَزْمِيُّ خَطِيبُ بَلْخَ وَمُفْتِيهَا بِهَا.
وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْمَحْمُودِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ وَالْأَشْعَارِ، وَلَهُ مَقَامَاتٌ بِالْفَارِسِيَّةِ عَلَى نَمَطِ مَقَامَاتِ الْحَرِيرِيِّ بِالْعَرَبِيَّةِ.
стр. 5548
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
٥٦٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ وَفَاةِ شَاهْ مَازَنْدَرَانْ وَمُلْكِ ابْنِهِ بَعْدَهُ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثَامِنِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تُوُفِّيَ شَاهْ مَازَنْدَرَانْ رُسْتُمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شَهْرَيَارَ بْنِ قَارِنَ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ كَتَمَ ابْنُهُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَسَنُ مَوْتَهُ أَيَّامًا، حَتَّى اسْتَوْلَى عَلَى سَائِرِ الْحُصُونِ وَالْبِلَادِ، ثُمَّ أَظْهَرَهُ، فَلَمَّا ظَهَرَ خَبَرُ وَفَاتِهِ أَظْهَرَ إِيثَاقُ صَاحِبُ جُرْجَانَ وَدِهِسْتَانَ الْمُنَازَعَةَ لِوَلَدِهِ فِي الْمُلْكِ، وَلَمْ يَرْعَ حَقَّ أَبِيهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَذُبُّ عَنْهُ وَيَحْمِيهِ إِذَا الْتَجَأَ إِلَيْهِ، وَلَكِنَّ الْمُلْكَ عَقِيمٌ، وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْ مُنَازَعَتِهِ عَلَى شَيْءٍ غَيْرَ سُوءِ السُّمْعَةِ وَقُبْحِ الْأُحْدُوثَةِ.
ذِكْرُ حَصْرِ عَسْكَرِ الْمُؤَيَّدِ نَسَا وَرَحِيلِهِمْ عَنْهَا
كَانَ الْمُؤَيَّدُ قَدْ سَيَّرَ جَيْشًا إِلَى مَدِينَةِ نَسَا، فَحَصَرُوهَا إِلَى جُمَادَى الْأُولَى فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَسَيَّرَ خُوَارَزْم شَاهْ أَيْل أَرْسِلَان بْنُ أَتْسِزَ جَيْشًا إِلَى نَسَا، فَلَمَّا قَارَبُوهَا رَحَلَ عَنْهَا عَسْكَرُ الْمُؤَيَّدِ، وَعَادُوا إِلَى نَيْسَابُورَ أَوَاخِرَ جُمَادَى الْأُولَى.
وَسَارَ عَسْكَرُ الْمُؤَيَّدِ إِلَى عَسْكَرِ خُوَارَزْمَ، لِأَنَّهُمْ تَوَجَّهُوا إِلَى نَيْسَابُورَ، فَتَقَدَّمَ الْعَسْكَرُ الْمُؤَيَّدِيُّ لِيَرُدَّهُمْ عَنْهَا، فَلَمَّا سَمِعَ الْعَسْكَرُ الْخُوَارَزْمِيُّ بِهِمْ عَادَ عَنْهُمْ، وَصَارَ صَاحِبُ نَسَا فِي طَاعَةِ خُوَارَزْم شَاهْ وَالْخُطْبَةُ لَهُ فِيهَا.
وَسَارَ عَسْكَرُ خُوَارَزْمَ إِلَى دِهِسْتَانَ، فَالْتَجَأَ صَاحِبُهَا الْأَمِيرُ إِيثَاقُ إِلَى الْمُؤَيَّدِ،
стр. 5549
صَاحِبِ نَيْسَابُورَ، بَعْدَ تَمَكُّنِ الْوَحْشَةِ بَيْنَهُمَا، فَقَبِلَهُ الْمُؤَيَّدُ وَسَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا كَثِيفًا، فَأَقَامُوا عِنْدَهُ حَتَّى دَفَعَ الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَبَلَدِهِ مِنْ جِهَةِ طَبَرِسْتَانَ.
وَأَمَّا دِهِسْتَانُ فَإِنَّ عَسْكَرَ خُوَارَزْمَ غَلَبُوا عَلَيْهَا وَصَارَ لَهُمْ فِيهَا شِحْنَةٌ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الْمُؤَيَّدِ عَلَى هَرَاةَ
قَدْ ذَكَرْنَا قَتْلَ صَاحِبِ هَرَاةَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، فَلَمَّا قُتِلَ تَجَهَّزَ الْأُمَرَاءُ الْغُزِّيَّةُ وَسَارُوا إِلَى هَرَاةَ وَحَصَرُوهَا، وَقَدْ تَوَلَّى أَمْرَهَا إِنْسَانٌ يُلَقَّبُ أَثِيرَ الدِّينِ، وَكَانَ لَهُ مَيْلٌ إِلَى الْغُزِّ، وَهُوَ يُحَارِبُهُمْ ظَاهِرًا، وَيُرَاسِلُهُمْ بَاطِنًا، فَهَلَكَ لِهَذَا السَّبَبِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ هَرَاةَ، فَاجْتَمَعَ أَهْلُهَا فَقَتَلُوهُ، وَقَامَ مَقَامَهُ أَبُو الْفُتُوحِ عَلِيُّ بْنُ فَضْلِ اللَّهِ الطُّغْرَائِيُّ، فَأَرْسَلَ أَهْلُهَا إِلَى الْمُؤَيَّدِ أَيْ أَبَهْ، صَاحِبِ نَيْسَابُورَ، بِالطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ إِلَيْهِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ مَمْلُوكَهُ سَيْفَ الدِّينِ تِنْكِزَ فِي جَيْشٍ، وَسَيَّرَ جَيْشًا آخَرَ أَغَارُوا عَلَى سَرْخَسَ، وَمَرْوَ، فَأَخَذُوا دَوَابَّ الْغُزِّ وَعَادُوا سَالِمِينَ، فَلَمَّا سَمِعَ الْغُزُّ بِذَلِكَ رَحَلُوا عَنْ هَرَاةَ إِلَى مَرْوَ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ قَلْجِ أَرْسِلَان وَبَيْنَ ابْنِ دَانِشْمَنْدَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ الْمَلِكِ قَلْجِ أَرْسِلَان بْنِ مَسْعُودِ بْنِ قَلْجِ أَرْسِلَان، صَاحِبِ قُونِيَةَ وَمَا يُجَاوِرُهَا مِنْ بَلَدِ الرُّومِ، وَبَيْنَ يَاغِي أَرْسِلَان بْنِ دَانِشْمَنْدَ، صَاحِبِ مَلَطْيَةَ وَمَا يُجَاوِرُهَا مِنْ بَلَدِ الرُّومِ، وَجَرَى بَيْنَهُمَا حَرْبٌ شَدِيدَةٌ.
وَسَبَبُهَا أَنْ قَلْجَ أَرْسِلَان تَزَوَّجَ ابْنَةَ الْمَلِكِ صَلِيقَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ، فَسُيِّرَتِ الزَّوْجَةُ إِلَى قَلْجِ أَرْسِلَان مَعَ جَهَازٍ كَثِيرٍ لَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ، وَأَغَارَ يَاغِي أَرْسِلَان صَاحِبُ مَلَطْيَةَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ الْعَرُوسَ وَمَا مَعَهَا وَأَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِابْنِ أَخِيهِ ذِي النُّونِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَانِشْمَنْدَ، فَأَمَرَهَا بِالرِّدَّةِ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَفَعَلَتْ ; لِيَنْفَسِخَ النِّكَاحُ مِنْ قَلْجِ أَرْسِلَان، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَزَوَّجَهَا مِنِ ابْنِ أَخِيهِ، فَجَمَعَ قَلْجُ أَرْسِلَان عَسْكَرَهُ وَسَارَ إِلَى ابْنِ دَانِشْمَنْدَ، فَالْتَقَيَا وَاقْتَتَلَا، فَانْهَزَمَ قَلْجُ أَرْسِلَان، وَالْتَجَأَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ، وَاسْتَنْصَرَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ جَيْشًا كَثِيرًا، فَمَاتَ يَاغِي أَرْسِلَان بْنُ دَانِشْمَنْدَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، وَمَلَكَ قَلْجُ
стр. 5550
أَرْسِلَان بَعْضَ بِلَادِهِ، وَاصْطَلَحَ هُوَ وَالْمَلِكُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ دَانِشْمَنْدَ، لِأَنَّهُ مَلَكَ الْبِلَادَ بَعْدَ عَمِّهِ يَاغِي أَرْسِلَان، وَاسْتَوْلَى ذُو النُّونِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ دَانِشْمَنْدَ عَلَى مَدِينَةِ قَيْسَارِيَّةَ، وَمَلَكَ شَاهَان شَاهْ بْنُ مَسْعُودٍ أَخُو قَلْجِ أَرْسِلَان عَلَى مَدِينَةِ أَنْكُورِيَّةَ وَاسْتَقَرَّتِ الْقَوَاعِدُ بَيْنَهُمْ وَاتَّفَقُوا.
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ نُورِ الدِّينِ وَقَلْجِ أَرْسِلَان
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَحْشَةٌ مُتَأَكَّدَةٌ بَيْنَ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِي، صَاحِبِ الشَّامِ، وَبَيْنَ قَلْجِ أَرْسِلَان بْنِ مَسْعُودِ بْنِ قَلْجِ أَرْسِلَان، صَاحِبِ الرُّومِ، أَدَّتْ إِلَى الْحَرْبِ وَالتَّضَاغُنِ، فَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُهَا إِلَى مِصْرَ كَتَبَ الصَّالِحُ بْنُ رُزَّيْكَ، وَزِيرُ صَاحِبِ مِصْرَ، إِلَى قَلْجِ أَرْسِلَان يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَيَأْمُرُهُ بِمُوَافَقَتِهِ، وَكَتَبَ فِيهِ شِعْرًا:
نَقُولُ وَلَكِنْ أَيْنَ مَنْ يَتَفَهَّمُ ... وَيَعْلَمُ وَجْهَ الرَّأْيِ وَالرَّأْيُ مُبْهَمُ
وَمَا كُلُّ مَنْ قَاسَ الْأُمُورَ وَسَاسَهَا ... يُوَفَّقُ لِلْأَمْرِ الَّذِي هُوَ أَحْزَمُ
وَمَا أَحَدٌ فِي الْمُلْكِ يَبْقَى مُخَلَّدًا ... وَمَا أَحَدٌ مِمَّا قَضَى اللَّهُ يَسْلَمُ
أَمِنْ بَعْدِ مَا ذَاقَ الْعِدَى طَعْمَ حَرْبِكُمْ
[بِفَيْهِمْ وَكَانَتْ] وَهِيَ صَابٌ وَعَلْقَمُ ... رَجَعْتُمْ إِلَى حُكْمِ التَّنَافُسِ بَيْنَكُمْ
وَفِيكُمْ مِنَ الشَّحْنَاءِ نَارٌ تُضْرَمُ ... أَمَا عِنْدَكُمْ مَنْ يَتَّقِي اللَّهَ وَحْدَهُ
أَمَا فِي رَعَايَاكُمْ مِنَ النَّاسِ مُسْلِمُ ... تَعَالَوْا لَعَلَّ اللَّهَ يَنْصُرُ دِينَهُ
إِذَا مَا نَصَرْنَا الدِّينَ نَحْنُ وَأَنْتُمُ ... وَنَنْهَضُ نَحْوَ الْكَافِرِينَ بِعَزْمَةٍ
بِأَمْثَالِهَا تُحْوَى الْبِلَادُ وَتُقْسَمُ
وَهِيَ أَطْوَلُ مِنْ هَذِهِ، هَكَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذِهِ الْحَادِثَةَ وَأَنَّ الصَّالِحَ أَرْسَلَ بِهَذَا الشِّعْرِ، فَإِنْ كَانَ الشِّعْرُ لِلصَّالِحِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْحَادِثَةُ قَبْلَ هَذَا التَّارِيخِ، لِأَنَّ الصَّالِحَ قُتِلَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] فِي رَمَضَانَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الشِّعْرُ لَهُ فَالْحَادِثَةُ فِي هَذَا التَّارِيخِ، (وَيُحْتَمَلُ) أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّنَافُسُ كَانَ أَيَّامَ الصَّالِحِ (فَكَتَبَ الْأَبِيَّاتِ ثُمَّ) امْتَدَّ إِلَى الْآنِ.
стр. 5551
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرَ، وَقَعَ بِأَصْفَهَانَ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ صَدْرِ الدِّينِ عَبْدِ اللَّطِيفِ بْنِ الْخَجَنْدِيِّ وَبَيْنَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ، بِسَبَبِ التَّعَصُّبِ لِلْمَذَاهِبِ، فَدَامَ الْقِتَالُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةً قُتِلَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَاحْتَرَقَ وَهُدِمَ كَثِيرٌ مِنَ الدُّورِ وَالْأَسْوَاقِ، ثُمَّ افْتَرَقُوا عَلَى أَقْبَحِ صُورَةٍ.
وَفِيهَا بَنَى الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ قَلْعَةً بِالْقُرْبِ مِنْ قَزْوِينَ، فَقِيلَ لِشَمْسِ الدِّينِ إِيلْدِكْزَ عَنْهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِنْكَارٌ لِهَذِهِ الْحَالِ خَوْفًا مِنْ شَرِّهِمْ وَغَائِلَتِهِمْ، فَتَقَدَّمُوا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى قَزْوِينَ، فَحَصَرُوهَا، وَقَاتَلَهُمْ أَهْلُهَا أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ.
وَحَكَى لِي بَعْضُ أَصْدِقَائِنَا بَلْ مَشَايِخِنَا مِنَ الْأَئِمَّةِ الْفُضَلَاءِ، قَالَ: كُنْتُ بِقَزْوِينَ أَشْتَغِلُ بِالْعِلْمِ، وَكَانَ بِهَا إِنْسَانٌ يَقُودُ جَمْعًا كَبِيرًا، وَكَانَ مَوْصُوفًا بِالشَّجَاعَةِ، وَلَهُ عِصَابَةٌ حَمْرَاءُ، إِذَا قَاتَلَ عَصَبَ بِهَا رَأْسَهُ، قَالَ: فَكُنْتُ أُحِبُّهُ وَأَشْتَهِي الْجُلُوسَ مَعَهُ، قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ يَوْمًا إِذَا هُوَ يَقُولُ: كَأَنِّي بِالْمَلَاحِدَةِ وَقَدْ قَصَدُوا الْبَلَدَ غَدًا، فَخَرَجْنَا إِلَيْهِمْ وَقَاتَلْنَاهُمْ، فَكُنْتُ أَوَّلَ النَّاسِ وَأَنَا مُتَعَصِّبٌ بِهَذِهِ الْعِصَابَةِ، فَقَتَلْنَاهُمْ، فَلَمْ يُقْتَلْ غَيْرِي، ثُمَّ تَرْجِعُ الْمَلَاحِدَةُ، وَيَرْجِعُ أَهْلُ الْبَلَدِ.
قَالَ: فَوَ اللَّهِ لَمَّا كَانَ الْغَدُ إِذْ قَدْ وَقَعَ الصَّوْتُ بِوُصُولِ الْمَلَاحِدَةِ، فَخَرَجَ النَّاسُ، قَالَ: فَذَكَرْتُ قَوْلَ الرَّجُلِ، فَخَرَجْتُ وَاللَّهِ وَلَيْسَ لِي هِمَّةٌ إِلَّا [أَنْ] أَنْظُرَ هَلْ يَصِحُّ مَا قَالَ أَمْ لَا؟ قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى عَادَ النَّاسُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَيْدِيهِمْ قَتِيلًا بِعِصَابَتِهِ الْحَمْرَاءِ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ بَيْنَهُمْ غَيْرُهُ، فَبَقِيتُ مُتَعَجِّبًا مِنْ قَوْلِهِ كَيْفَ صَحَّ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَمِنْ أَيْنَ لَهُ هَذَا الْيَقِينُ؟
وَلَمَّا حَكَى لِي هَذِهِ الْحِكَايَةَ لَمْ أَسْأَلْهُ عَنْ تَارِيخِهَا، وَإِنَّمَا كَانَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ، فَلِهَذَا أُثْبِتُهَا هَذِهِ السَّنَةَ عَلَى الظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ.
وَفِيهَا قَبَضَ الْمُؤَيَّدُ أَيْ أَبَهْ، صَاحِبُ نَيْسَابُورَ، عَلَى وَزِيرِهِ ضِيَاءِ الْمُلْكِ مُحَمَّدِ بْنِ
стр. 5552
أَبِي طَالِبٍ سَعْدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ مَحْمُودٍ الرَّازِيِّ وَحَبَسَهُ، وَاسْتَوْزَرَ بَعْدَهُ نَصِيرَ الدِّينِ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدٍ الْمُسْتَوْفِيِّ، وَكَانَ أَيَّامَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ يَتَوَلَّى إِشْرَافَ دِيوَانِهِ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ الدَّوْلَةِ السَّنْجَرِيَّةِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ أَنَّ النَّاسَ حَجُّوا سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، وَلَقُوا شِدَّةً، وَانْقَطَعَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي فَيْدَ، وَالثَّعْلَبِيَّةِ، وَوَاقِصَةَ، وَغَيْرِهَا، وَهَلَكَ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَمْضِ الْحَاجُّ إِلَى مَدِينَةِ النَّبِيِّ، ﷺ ، لِهَذِهِ الْأَسْبَابِ، وَلِشَدَّةِ الْغَلَاءِ فِيهَا، وَعَدَمِ مَا يُقْتَاتُ، وَوَقَعَ الْوَبَاءُ فِي الْبَادِيَةِ وَهَلَكَ مِنْهُمْ عَالَمٌ لَا يُحْصَوْنَ، وَهَلَكَتْ مَوَاشِيهِمْ، وَكَانَتِ الْأَسْعَارُ بِمَكَّةَ غَالِيَةً.
وَفِيهَا، فِي صَفَرَ، قَبَضَ الْمُسْتَنْجِدُ بِاللَّهِ عَلَى الْأَمِيرِ تَوْبَةَ بْنِ الْعُقَيْلِيِّ، وَكَانَ قَدْ قَرُبَ مِنْهُ قُرْبًا عَظِيمًا بِحَيْثُ يَخْلُو مَعَهُ، وَأَحَبَّهُ الْمُسْتَنْجِدُ مَحَبَّةً كَثِيرَةً، فَحَسَدَهُ الْوَزِيرُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، فَوَضَعَ كُتُبَا مِنَ الْعَجَمِ مَعَ قَوْمٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِيُؤْخَذُوا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَأُخِذُوا وَأُحْضِرُوا عِنْدَ الْخَلِيفَةِ، فَأَظْهَرُوا الْكُتُبَ بَعْدَ الِامْتِنَاعِ الشَّدِيدِ، فَلَمَّا وَقَفَ الْخَلِيفَةُ عَلَيْهَا خَرَجَ إِلَى نَهْرِ الْمَلِكِ يَتَصَيَّدُ، وَكَانَتْ حِلَلُ تَوْبَةَ عَلَى الْفُرَاتِ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ، فَأَمَرَ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ، فَقُبِضَ وَأُدْخِلَ بَغْدَادَ لَيْلًا وَحُبِسَ، فَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ، فَلَمْ يُمَتَّعِ الْوَزِيرُ بَعْدَهُ بِالْحَيَاةِ بَلْ مَاتَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَ تَوْبَةُ مَنْ أَكْمَلِ الْعَرَبِ مُرُوءَةً وَعَقْلًا وَسَخَاءً وَإِجَازَةً، وَاجْتَمَعَ فِيهِ مِنْ خِلَالِ الْكَمَالِ مَا تَفَرَّقَ فِي النَّاسِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تُوُفِّيَ الشِّهَابُ مَحْمُودُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْحَامِدِيُّ الْهَرَوِيُّ وَزِيرُ السُّلْطَانِ أَرْسِلَان، وَوَزِيرُ أَتَابِكِهِ شَمْسِ الدِّينِ إِيلْدِكْزَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَوْنُ الدِّينِ الْوَزِيرُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَاسْمُهُ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ أَبُو الْمُظَفَّرِ، وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي جُمَادَى الْأُولَى وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ تِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَدُفِنَ
стр. 5553
بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي بَنَاهَا لِلْحَنَابِلَةِ بِبَابِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ حَنْبَلِيَّ الْمَذْهَبِ، دَيِّنًا، خَيِّرًا، عَالِمًا يَسْمَعُ حَدِيثَ النَّبِيِّ، ﷺ ، وَلَهُ فِيهِ التَّصَانِيفُ الْحَسَنَةُ، وَكَانَ ذَا رَأْيٍ سَدِيدٍ، وَنَافَقَ عَلَى الْمُقْتَفِي نِفَاقًا عَظِيمًا، حَتَّى إِنَّ الْمُقْتَفِي كَانَ يَقُولُ: لَمْ يَزِرْ لِبَنِي الْعَبَّاسِ مِثْلُهُ، وَلَمَّا مَاتَ قَبَضَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَهْلِهِ.
وَتُوُفَّيَ بِهَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْبَغْدَادِيُّ بِالْمَوْصِلِ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْ قَوْلِهِ:
أَفْدِي الَّذِي وَكَّلَنِي حُبُّهُ ... بِطُولِ إِعْلَالٍ وَإِمْرَاضٍ
وَلَسْتُ أَدْرِي بَعْدَ ذَا كُلِّهِ ... أَسَاخِطٌ مَوْلَايَ أَمْ رَاضٍ
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ عُمَرُ بْنُ عِكْرِمَةَ بْنِ الْبَرْزِيِّ الشَّافِعِيُّ، (تَفَقَّهَ عَلَى الْفَقِيهِ) إِلْكِيَا الْهَرَّاسِيِّ، وَكَانَ وَاحِدَ عَصْرِهِ فِي الْفِقْهِ، تَأْتِيهِ الْفَتَاوَى مِنَ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَسَائِرِ الْبِلَادِ، وَهُوَ مِنْ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ.
стр. 5554
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
٥٦١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ فَتْحِ الْمُنَيْطِرَةِ مِنْ بَلَدِ الْفِرِنْجِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَتَحَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِي حِصْنَ الْمُنَيْطِرَةِ مِنَ الشَّامِ، وَكَانَ بِيَدِ الْفِرِنْجِ، وَلَمْ يَحْشُدْ لَهُ، وَلَا جَمَعَ عَسَاكِرَهُ، وَإِنَّمَا سَارَ إِلَيْهِ جَرِيدَةً عَلَى غِرَّةٍ مِنْهُمْ، وَعَلِمَ أَنَّهُ إِنْ جَمَعَ الْعَسَاكِرَ حَذِرُوا وَجَمَعُوا، وَانْتَهَزَ الْفُرْصَةَ وَسَارَ إِلَى الْمُنَيْطِرَةِ وَحَصَرَهُ، وَجَدَّ فِي قِتَالِهِ، فَأَخَذَهُ عَنْوَةً وَقَهْرًا، وَقَتَلَ مَنْ بِهَا وَسَبَى، وَغَنِمَ غَنِيمَةً كَثِيرَةً، فَإِنَّ الَّذِينَ بِهِ كَانُوا آمِنِينَ، فَأَخَذَتْهُمْ خَيْلُ اللَّهِ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَلَمْ يَجْتَمِعِ الْفِرِنْجُ لِدَفْعِهِ إِلَّا وَقَدْ مَلَكَهُ، وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّهُ جَرِيدَةٌ فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَسَاكِرِ لَأَسْرَعُوا إِلَيْهِ، إِنَّمَا ظَنُّوهُ أَنَّهُ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ. فَلَمَّا مَلَكَهُ تَفَرَّقُوا وَأَيِسُوا مِنْ رَدِّهِ.
ذِكْرُ قَتْلِ خَطَلْبِرْسَ مُقْطَعَ وَاسِطٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ خَطَلْبِرْسُ مُقْطَعُ وَاسِطٍ، قَتَلَهُ ابْنُ أَخِي شُمْلَةَ صَاحِبُ خُوزَسْتَانَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ سَنْكَا، وَهُوَ ابْنُ أَخِي شُمْلَةَ، كَانَ قَدْ صَاهَرَ مُنْكُوبَرْسَ مُقْطَعَ
стр. 5555
الْبَصْرَةِ، فَاتَّفَقَ أَنَّ الْمُسْتَنْجِدَ بِاللَّهِ قَتَلَ مُنْكُوبَرْسَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَلَمَّا قُتِلَ قَصَدَ ابْنَ سَنْكَا الْبَصْرَةَ وَنَهَبَ قُرَاهَا، فَأَرْسَلَ مِنْ بَغْدَادَ إِلَى كَمُشْتَكِينَ، صَاحِبِ الْبَصْرَةِ، بِمُحَارَبَةِ ابْنِ سَنْكَا، فَقَالَ: أَنَا عَامِلٌ لَسْتُ بِصَاحِبِ جَيْشٍ، يَعْنِي أَنَّهُ ضَامِنٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِقَامَةِ عَسْكَرٍ، فَطَمِعَ ابْنُ سَنْكَا، وَأَصْعَدَ إِلَى وَاسِطٍ، وَنَهَبَ سَوَادَهَا، فَجَمَعَ خَطَلْبِرْسُ مُقْطَعُهَا جَمْعًا وَخَرَجَ إِلَى قِتَالِهِ.
وَكَاتَبَ ابْنُ سَنْكَا الْأُمَرَاءَ الَّذِينَ مَعَ خَطَلْبِرْسَ، فَاسْتَمَالَهُمْ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ، فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ ابْنُ سَنْكَا عَلَمَ خَطَلْبِرْسَ، فَنَصَبَهُ، فَلَمَّا رَآهُ أَصْحَابُهُ ظَنُّوهُ بَاقِيًا، فَجَعَلُوا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، وَكُلُّ مَنْ رَجَعَ أَخَذَهُ ابْنُ سَنْكَا، فَقَتَلَهُ أَوْ أَسَرَهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الْكَرَجُ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ وَأَغَارُوا عَلَى بُلْدَانٍ، حَتَّى بَلَغُوا كِنْجَةَ، فَقَتَلُوا وَأَسَرُوا كَثِيرًا وَنَهَبُوا مَا لَا يُحْصَى.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحَسَنُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ رُسْتُمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْفَهَانِيُّ الرُّسْتُمِيُّ، الشَّيْخُ الصَّالِحُ، وَهُوَ مَشْهُورٌ يَرْوِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ خَلَفٍ، وَغَيْرِهِ.
وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، تُوُفِّيَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ أَبِي صَالِحٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجِيلِيُّ الْمُقِيمُ بِبَغْدَادَ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ مِنَ الصَّلَاحِ عَلَى حَالَةٍ كَبِيرَةٍ، وَهُوَ حَنْبَلِيُّ الْمَذْهَبِ، وَمَدْرَسَتُهُ وَرِبَاطُهُ مَشْهُورَانِ بِبَغْدَادَ.
стр. 5556
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
٥٦٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ عَوْدِ أَسَدِ الدِّينِ شِيرِكُوهْ إِلَى مِصْرَ
قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ مَسِيرَ أَسَدِ الدِّينِ شِيرِكُوهْ إِلَى مِصْرَ، وَمَا كَانَ مِنْهُ، وَقُفُولُهُ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الشَّامِ أَقَامَ عَلَى حَالِهِ فِي خِدْمَةِ نُورِ الدِّينِ إِلَى الْآنِ.
وَكَانَ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنْهَا لَا يَزَالُ يَتَحَدَّثُ بِهَا وَبِقَصْدِهَا، وَكَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ، فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ تَجَهَّزَ وَسَارَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ فِي جَيْشٍ قَوِيٍّ، وَسَيَّرَ مَعَهُ نُورُ الدِّينِ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَبَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ أَلْفَيْ فَارِسٍ، وَكَانَ كَارِهًا لِذَلِكَ، وَلَكِنْ لَمَّا رَأَى جِدَّ أَسَدِ الدِّينِ فِي الْمَسِيرِ لَمْ يُمْكِنْهُ إِلَّا أَنْ يُسَيِّرَ مَعَهُ جَمْعًا خَوْفًا مِنْ حَادِثٍ يَتَجَدَّدُ عَلَيْهِمْ، فَيَضْعُفُ الْإِسْلَامَ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ مَعَهُ عَسْكَرُهُ سَارَ إِلَى مِصْرَ عَلَى الْبَرِّ، وَتَرَكَ بِلَادَ الْفِرِنْجِ عَلَى يَمِينِهِ، فَوَصَلَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ، فَقَصَدَ إِطْفِيحَ، وَعَبَرَ النِّيلَ عِنْدَهَا إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَنَزَلَ بِالْجِيزَةِ مُقَابِلَ مِصْرَ، وَتَصَرَّفَ فِي الْبِلَادِ الْغَرْبِيَّةِ، وَحَكَمَ عَلَيْهَا، وَأَقَامَ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ يَوْمًا.
وَكَانَ شَاوُرُ لَمَّا بَلَغَهُ مَجِيءُ أَسَدِ الدِّينِ إِلَيْهِمْ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى الْفِرِنْجِ يَسْتَنْجِدُهُمْ، فَأَتَوْهُ عَلَى الصَّعْبِ وَالذَّلُولِ، طَمَعًا فِي مُلْكِهَا، وَخَوْفًا أَنْ يَمْلِكَهَا أَسَدُ الدِّينِ فَلَا يَبْقَى لَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ مَقَامٌ مَعَهُ وَمَعَ نُورِ الدِّينِ، فَالرَّجَاءُ يَقُودُهُمْ، وَالْخَوْفُ يَسُوقُهُمْ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى مِصْرَ عَبَرُوا إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَكَانَ أَسَدُ الدِّينِ وَعَسَاكِرُهُ قَدْ سَارُوا إِلَى الصَّعِيدِ، فَبَلَغَ مَكَانًا يُعْرَفُ بِالْبَابَيْنِ، وَسَارَتِ الْعَسَاكِرُ الْمِصْرِيَّةُ وَالْفِرِنْجُ وَرَاءَهُ، فَأَدْرَكُوهُ بِهَا الْخَامِسَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ أَرْسَلَ إِلَى الْمِصْرِيِّينَ وَالْفِرِنْجِ جَوَّاسِينَ، فَعَادُوا إِلَيْهِ، وَأَخْبَرُوهُ بِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَعُدَدِهِمْ، وَجَدِّهِمْ فِي طَلَبِهِ، فَعَزَمَ عَلَى قِتَالِهِمْ، إِلَّا أَنَّهُ خَافَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ تَضْعُفَ نُفُوسُهُمْ عَنِ الثَّبَاتِ فِي هَذَا الْمَقَامِ الْخَطَرِ الَّذِي عَطَبُهُمْ فِيهِ أَقْرَبُ مِنْ سَلَامَتِهِمْ، لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وَبُعْدِهِمْ عَنْ أَوْطَانِهِمْ وَبِلَادِهِمْ،
стр. 5557
وَخَطَرِ الطَّرِيقِ، فَاسْتَشَارَهُمْ، فَكُلُّهُمْ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِعُبُورِ النِّيلِ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ وَالْعَوْدِ إِلَى الشَّامِ، وَقَالُوا لَهُ: إِنْ نَحْنُ انْهَزَمْنَا، وَهُوَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ، فَإِلَى أَيْنَ نَلْتَجِئُ، وَبِمَنْ نَحْتَمِي، وَكُلُّ مَنْ فِي هَذِهِ الدِّيَارِ مِنْ جُنْدِيٍّ وَعَامِيٍّ وَفَلَّاحٍ عَدُوٌّ لَنَا؟
فَقَامَ أَمِيرٌ مِنْ مَمَالِيكِ نُورِ الدِّينِ يُقَالُ لَهُ شَرَفُ الدِّينِ بَزْغُشُ، صَاحِبُ شَقِيفَ، وَكَانَ شُجَاعًا، وَقَالَ: مَنْ يَخَافُ الْقَتْلَ وَالْأَسْرَ فَلَا يَخْدِمُ الْمُلُوكَ بَلْ يَكُونُ فِي بَيْتِهِ مَعَ امْرَأَتِهِ، وَاللَّهِ لَئِنْ عُدْنَا إِلَى نُورِ الدِّينِ مِنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ وَلَا بَلَاءٍ نُعْذَرُ فِيهِ لِيَأْخُذَنَّ مَا لَنَا مِنْ أَقْطَاعٍ وَجَامِكِيَّةٍ، وَلَيَعُودَنَّ عَلَيْنَا بِجَمِيعِ مَا أَخَذْنَاهُ مُنْذُ خَدَمْنَاهُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَيَقُولُ: تَأْخُذُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ وَتَفِرُّونَ عَنْ عَدُوِّهِمْ، وَتُسَلِّمُونَ مِثْلَ مِصْرَ إِلَى الْكُفَّارِ! وَالْحَقُّ بِيَدِهِ.
فَقَالَ أَسَدُ الدِّينِ: هَذَا الرَّأْيُ، وَبِهِ أَعْمَلُ، وَقَالَ ابْنُ أَخِيهِ صَلَاحُ الدِّينِ مِثْلَهُ، وَكَثُرَ الْمُوَافِقُونَ لَهُمْ، وَاجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ عَلَى الْقِتَالِ، فَأَقَامَ بِمَكَانِهِ حَتَّى أَدْرَكَهُ الْمِصْرِيُّونَ وَالْفِرِنْجُ وَهُوَ عَلَى تَعْبِئَةٍ، وَجَعَلَ الْأَثْقَالَ فِي الْقَلْبِ يَتَكَثَّرُ بِهَا، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَتْرُكَهَا بِمَكَانٍ آخَرَ فَيَنْهَبُهَا أَهْلُ الْبِلَادِ، وَجَعَلَ صَلَاحُ الدِّينِ فِي الْقَلْبِ، وَقَالَ وَلِمَنْ مَعَهُ: إِنَّ الْمِصْرِيِّينَ وَالْفِرِنْجَ يَجْعَلُونَ حَمْلَتَهُمْ عَلَى الْقَلْبِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنِّي فِيهِ، فَإِذَا حَمَلُوا عَلَيْكُمْ فَلَا تَصْدُقُوهُمُ الْقِتَالَ، وَلَا تُهْلِكُوا نُفُوسَكُمْ، وَانْدَفِعُوا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَإِذَا عَادُوا عَنْكُمْ، فَارْجِعُوا فِي أَعْقَابِهِمْ.
وَاخْتَارَ هُوَ مِنْ شُجْعَانِ عَسْكَرِهِ جَمْعًا يَثِقُ بِهِمْ وَيَعْرِفُ صَبْرَهُمْ فِي الْحَرْبِ، وَوَقَفَ بِهِمْ فِي الْمَيْمَنَةِ، فَلَمَّا تَقَاتَلَ الطَّائِفَتَانِ فَعَلَ الْفِرِنْجُ مَا ذَكَرَهُ، وَحَمَلُوا عَلَى الْقَلْبِ، فَقَاتَلَهُمْ مَنْ بِهِ قِتَالًا يَسِيرًا، وَانْهَزَمُوا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ غَيْرَ مُتَفَرِّقِينَ وَتَبِعَهُمُ الْفِرِنْجُ، فَحَمَلَ حِينَئِذٍ أَسَدُ الدِّينِ فِيمَنْ مَعَهُ عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الَّذِينَ حَمَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْفِرِنْجِ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ، فَهَزَمَهُمْ، وَوَضَعَ السَّيْفَ فِيهِمْ، فَأَثْخَنَ وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ وَالْأَسْرَ، فَلَمَّا عَادَ الْفِرِنْجُ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ رَأَوْا عَسْكَرَهُمْ مَهْزُومًا، وَالْأَرْضَ قَفْرًا، فَانْهَزَمُوا أَيْضًا، وَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْجَبِ مَا يُؤَرَّخُ أَنَّ أَلْفَيْ فَارِسٍ تَهْزِمُ عَسَاكِرَ مِصْرَ وَفِرِنَجَ السَّاحِلِ.
стр. 5558
ذِكْرُ مُلْكِ أَسَدِ الدِّينِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ وَعَوْدِهِ إِلَى الشَّامِ
لَمَّا انْهَزَمَ الْمِصْرِيُّونَ وَالْفِرِنْجُ مِنْ أَسَدِ الدِّينِ بِالْبَابَيْنِ سَارَ إِلَى ثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَجَبَى مَا فِي الْقُرَى عَلَى طَرِيقِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَوَصَلَ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَتَسَلَّمَهَا بِمُسَاعَدَةٍ مِنْ أَهْلِهَا سَلَّمُوهَا إِلَيْهِ، فَاسْتَنَابَ بِهَا صَلَاحَ الدِّينِ ابْنَ أَخِيهِ وَعَادَ إِلَى الصَّعِيدِ، فَمَلَكَهُ، وَجَبَى أَمْوَالَهُ، وَأَقَامَ بِهِ حَتَّى صَامَ رَمَضَانَ.
وَأَمَّا الْمِصْرِيُّونَ وَالْفِرِنْجُ فَإِنَّهُمْ عَادُوا وَاجْتَمَعُوا عَلَى الْقَاهِرَةِ، وَأَصْلَحُوا حَالَ عَسَاكِرِهِمْ، وَجَمَعُوا وَسَارُوا إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَحَصَرُوا صَلَاحَ الدِّينِ بِهَا، وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ، وَقَلَّ الطَّعَامُ عَلَى مَنْ بِهَا، فَصَبَرَ أَهْلُهَا عَلَى ذَلِكَ، وَسَارَ أَسَدُ الدِّينِ مِنَ الصَّعِيدِ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ شَاوُرُ قَدْ أَفْسَدَ بَعْضَ مَنْ مَعَهُ مِنَ التُّرْكُمَانِ، فَوَصَلَ رُسُلُ الْفِرِنْجِ وَالْمِصْرِيِّينَ يَطْلُبُونَ الصُّلْحَ، وَبَذَلُوا لَهُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ سِوَى مَا أَخَذَهُ مِنَ الْبِلَادِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَشَرَطَ [عَلَى] الْفِرِنْجِ أَنْ لَا يُقِيمُوا بِالْبِلَادِ، وَلَا يَتَمَلَّكُوا مِنْهَا قَرْيَةً وَاحِدَةً، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ، وَاصْطَلَحُوا وَعَادَ إِلَى الشَّامِ، وَتَسَلَّمَ الْمِصْرِيُّونَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ فِي نِصْفِ شَوَّالٍ، وَوَصَلَ شِيرِكُوهْ إِلَى دِمَشْقَ ثَامِنَ عَشَرَ ذِي الْقَعْدَةِ.
وَأَمَّا الْفِرِنْجُ فَإِنَّهُمُ اسْتَقَرَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمِصْرِيِّينَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ بِالْقَاهِرَةِ شِحْنَةٌ، وَتَكُونَ أَبْوَابُهَا بِيَدِ فُرْسَانِهِمْ لِيَمْتَنِعَ نُورُ الدِّينِ مِنْ إِنْفَاذِ عَسْكَرٍ إِلَيْهِمْ، وَيَكُونَ لَهُمْ مِنْ دَخْلِ مِصْرَ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. هَذَا كُلُّهُ اسْتَقَرَّ مَعَ شَاوُرَ، فَإِنَّ الْعَاضِدَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ حُكْمٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ حَجَرَ عَلَيْهِ وَحَجَبَهُ عَنِ الْأُمُورِ كُلِّهَا، وَعَادَ الْفِرِنْجُ إِلَى بِلَادِهِمْ بِالسَّاحِلِ الشَّامِيِّ، وَتَرَكُوا بِمِصْرَ جَمَاعَةً مِنْ مَشَاهِيرِ فُرْسَانِهِمْ.
وَكَانَ الْكَامِلُ شُجَاعُ بْنُ شَاوُرَ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى نُورِ الدِّينِ مَعَ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ يُنْهِي
стр. 5559
مَحَبَّتَهُ وَوَلَاءَهُ، وَيَسْأَلُهُ الدُّخُولَ فِي طَاعَتِهِ، وَضَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا وَيَجْمَعَ الْكَلِمَةَ بِمِصْرَ عَلَى طَاعَتِهِ، وَبَذَلَ مَالًا يَحْمِلُهُ كُلَّ سَنَةٍ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ مَالًا جَزِيلًا، فَبَقِيَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ قَصَدَ الْفِرِنْجُ مِصْرَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ مُلْكِ نُورِ الدِّينِ صَافَيْثَا وَعُرَيْمَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَمَعَ نُورُ الدِّينِ الْعَسَاكِرَ، فَسَارَ إِلَيْهِ أَخُوهُ قُطْبُ الدِّينِ مِنَ الْمَوْصِلِ وَغَيْرِهِ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى حِمْصَ، فَدَخَلَ نُورُ الدِّينِ بِالْعَسَاكِرِ بِلَادَ الْفِرِنْجِ، فَاجْتَازُوا عَلَى حِصْنِ الْأَكْرَادِ، فَأَغَارُوا وَنَهَبُوا، وَقَصَدُوا عِرْقَةَ، فَنَازَلُوهَا، وَحَصَرُوهَا، وَحَصَرُوا حَلْبَةَ وَأَخَذُوهَا وَخَرَّبُوهَا، وَسَارَتْ عَسَاكِرُ الْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِهِمْ يَمِينًا وَشِمَالًا تُغِيرُ وَتُخَرِّبُ الْبِلَادَ، وَفَتَحُوا الْعُرَيْمَةَ وَصَافَيْثَا، وَعَادُوا إِلَى حِمْصَ فَصَامُوا بِهَا رَمَضَانَ.
ثُمَّ سَارُوا إِلَى بَانِيَاسَ، وَقَصَدُوا حِصْنَ هُونِينَ، وَهُوَ لِلْفِرِنْجِ أَيْضًا، مِنْ أَمْنَعِ حُصُونِهِمْ وَمَعَاقِلِهِمْ، فَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ عَنْهُ وَأَحْرَقُوهُ، فَوَصَلَ نُورُ الدِّينِ مِنَ الْغَدِ فَهَدَمَ سُورَهُ جَمِيعَهُ، وَأَرَادَ الدُّخُولَ إِلَى بَيْرُوتَ، فَتَجَدَّدَ فِي الْعَسْكَرِ خُلْفٌ أَوْجَبَ التَّفَرُّقَ، فَعَادَ قُطْبُ الدِّينِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَأَعْطَاهُ نُورُ الدِّينِ مَدِينَةَ الرَّقَّةِ عَلَى الْفُرَاتِ، وَكَانَتْ لَهُ، فَأَخَذَهَا فِي طَرِيقِهِ وَعَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ.
ذِكْرُ قَصْدِ ابْنِ سَنْكَا الْبَصْرَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَادَ ابْنُ سَنْكَا فَقَصَدَ الْبَصْرَةَ، وَنَهَبَ بَلَدَهَا وَخَرَّبَهُ مِنَ الْجِهَةِ الشَّرْقِيَّةِ، وَسَارَ إِلَى مَطَارَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ كَمُشْتَكِينُ، صَاحِبُ الْبَصْرَةِ، وَوَاقَعَهُ وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا صَبَرَ فِيهِ الْفَرِيقَانِ، ثُمَّ انْهَزَمَ كَمُشْتَكِينُ إِلَى وَاسِطٍ، فَاجْتَمَعَ بِشَرَفِ الدِّينِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ الْبَلَدِيِّ النَّاظِرِ فِيهَا، وَمَعَهُمَا مُقْطِعُهُمَا أَرْغَشُ، وَاتَّصَلَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّ ابْنَ سَنْكَا وَاصِلٌ إِلَى وَاسِطٍ، فَخَافَ النَّاسُ مِنْهُ خَوْفًا شَدِيدًا، فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا.
стр. 5560
ذِكْرُ قَصْدِ شُمْلَةَ الْعِرَاقَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَ شُمْلَةُ صَاحِبُ خُوزَسْتَانَ إِلَى قَلْعَةِ الْمَاهِكِيِّ، مِنْ أَعْمَالِ بَغْدَادَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَنْجِدِ بِاللَّهِ يَطْلُبُ شَيْئًا مِنَ الْبِلَادِ، وَيَشْتَطُّ فِي الطَّلَبِ، فَسَيَّرَ الْخَلِيفَةُ أَكْثَرَ عَسَاكِرِهِ إِلَيْهِ ; لِيَمْنَعُوهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يُوسُفَ الدِّمَشْقِيَّ يَلُومُهُ، وَيُحَذِّرُهُ عَاقِبَةَ فِعْلِهِ، فَاعْتَذَرَ بِأَنَّ إِيلْدِكْزَ وَالسُّلْطَانَ أَرْسِلَان شَاهْ أَقْطَعَا الْمَلِكَ الَّذِي عِنْدَهُ، وَهُوَ وَلَدُ مَلِكْشَاهْ، الْبَصْرَةَ وَوَاسِطًا وَالْحِلَّةَ، وَعَرَضَ التَّوْقِيعَ بِذَلِكَ، وَقَالَ: أَنَا أَقْنَعُ بِثُلُثِ ذَلِكَ، فَعَادَ الدِّمَشْقِيُّ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بَلَعْنِهِ، وَأَنَّهُ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَجُمِعَتِ الْعَسَاكِرُ وَسُيَّرَتِ إِلَى أَرَغْشَ الْمُسْتَرْشِدِيِّ، وَكَانَ بِالنُّعْمَانِيَّةِ هُوَ وَشَرَفُ الدِّينِ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْبَلَدِيِّ، نَاظِرُ وَاسِطٍ، مُقَابِلَ شُمْلَةَ.
ثُمَّ إِنَّ شُمْلَةَ أَرْسَلَ قَلْجَ ابْنَ أَخِيهِ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ ; لِقِتَالِ طَائِفَةٍ مِنَ الْأَكْرَادِ، فَرَكِبَ أَرْغَشُ فِي بَعْضِ الْعَسْكَرِ الَّذِي عِنْدَهُ، وَسَارَ إِلَى قَلْجَ، فَحَارَبَهُ، فَأَسَرَ قَلْجَ وَبَعْضَ أَصْحَابِهِ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى بَغْدَادَ، وَبَلَغَ شُمْلَةَ، وَطَلَبَ الصُّلْحَ، فَلَمْ تَقَعِ الْإِجَابَةُ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ أَرْغَشَ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ بَعْدَ الْوَقْعَةِ، فَمَاتَ وَبَقِيَ شُمْلَةُ مُقِيمًا مُقَابِلَ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ رَحَلَ وَعَادَ إِلَى بِلَادِهِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ سَفَرِهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَصَى غَازِي بْنُ حَسَّانٍ الْمَنْبِجِيُّ عَلَى نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِي صَاحِبِ الشَّامِ، وَكَانَ نُورُ الدِّينِ قَدْ أَقْطَعَهُ مَدِينَةَ مَنْبِجٍ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ فِيهَا، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا، فَحَصَرُوهُ، وَأَخَذُوهَا مِنْهُ، وَأَقْطَعَهَا نُورُ الدِّينِ أَخَاهُ قُطْبَ الدِّينِ يَنَالَ بْنَ حَسَّانٍ، وَكَانَ عَادِلًا، خَيِّرًا، مُحْسِنًا إِلَى الرَّعِيَّةِ، جَمِيلَ السِّيرَةِ، فَبَقِيَ فِيهَا إِلَى أَنْ أَخَذَهَا مِنْهُ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ فَخْرُ الدِّينِ قُرَا أَرْسِلَان بْنُ دَاوُدَ بْنِ سَقْمَانَ بْنِ أَرْتَقَ صَاحِبُ حِصْنِ
стр. 5561
كَيْفَا وَأَكْثَرِ دِيَارِ بَكْرٍ، وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ أَرْسَلَ إِلَى نُورِ الدِّينِ مَحْمُودٍ، صَاحِبِ الشَّامِ، يَقُولُ لَهُ: بَيْنَنَا صُحْبَةٌ فِي جِهَادِ الْكُفَّارِ أُرِيدُ أَنْ تَرْعَى بِهَا وَلَدِي، ثُمَّ تُوُفِّيَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ نُورُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ، فَقَامَ نُورُ الدِّينِ الشَّامِيُّ بِنُصْرَتِهِ وَالذَّبِّ عَنْهُ، بِحَيْثُ أَنَّ أَخَاهُ قُطْبَ الدِّينِ مَوْدُودًا، صَاحِبَ الْمَوْصِلِ، أَرَادَ قَصْدَ بِلَادِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَخُوهُ نُورُ الدِّينِ يَمْنَعُهُ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنْ قَصَدْتَهُ أَوْ تَعَرَّضْتَ إِلَى بِلَادِهِ مَنَعْتُكَ قَهْرًا، فَامْتَنَعَ مِنْ قَصْدِهِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَمْدُونَ الْكَاتِبُ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ عَلَى دِيوَانِ الزِّمَامِ، فَقُبِضَ عَلَيْهِ فَمَاتَ مَحْبُوسًا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ قَمَاجُ الْمُسْتَرْشَدِيُّ وَلَدُ الْأَمِيرِ، يَزْدِنْ وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ بِبَغْدَادَ.
стр. 5562
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
٥٦٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ فِرَاقِ زَيْنِ الدِّينِ الْمَوْصِلَ وَتَحَكُّمِ قُطْبِ الدِّينِ فِي الْبِلَادِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَارَقَ زَيْنُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ بَكْتَكِينَ، وَالنَّائِبُ عَنْ قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِي، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، خِدْمَةَ صَاحِبِهِ بِالْمَوْصِلِ، وَسَارَ إِلَى إِرْبَلَ، وَكَانَ هُوَ الْحَاكِمَ فِي الدَّوْلَةِ، وَأَكْثَرُ الْبِلَادِ بِيَدِهِ، مِنْهَا إِرْبَلُ، وَفِيهَا بَيْتُهُ وَأَوْلَادُهُ وَخِزَانَتُهُ، وَمِنْهَا شَهْرَزُورُ وَجَمِيعُ الْقِلَاعِ الَّتِي مَعَهَا، وَجَمِيعُ بَلَدِ الْهَكَّارِيِّةِ وَقِلَاعِهِ، مِنْهَا الْعِمَادِيَّةُ وَغَيْرُهَا، وَبَلَدُ الْحَمِيدِيَّةِ، وَتَكْرِيتُ وَسَنَجَارُ وَحَرَّانُ، وَقَلْعَةُ الْمَوْصِلِ هُوَ بِهَا، وَكَانَ قَدْ أَصَابَهُ طَرَشٌ وَعَمًى أَيْضًا، فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى مُفَارَقَةِ الْمَوْصِلِ إِلَى بَيْتِهِ بِإِرْبَلَ سَلَّمَ جَمِيعَ مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنَ الْبِلَادِ إِلَى قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودٍ، وَبَقِيَ مَعَهُ إِرْبَلُ حَسْبُ.
وَكَانَ شُجَاعًا، عَاقِلًا، عَادِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، سَلِيمَ الْقَلْبِ، مَيْمُونَ النَّقِيبَةِ، لَمْ يَنْهَزِمْ مِنْ حَرْبٍ قَطُّ، وَكَانَ كَرِيمًا كَثِيرَ الْعَطَاءِ لِلْجُنْدِ وَغَيْرِهِمْ، مَدَحَهُ الْحَيْصُ بَيْصُ بِقَصِيدَةٍ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْشُدَهُ قَالَ: أَنَا لَا أَعْرِفُ مَا يَقُولُ، وَلَكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُ شَيْئًا، فَأَمَرَ لَهُ بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ وَفَرَسٍ وَخِلْعَةٍ وَثِيَابٍ مَجْمُوعُ ذَلِكَ أَلْفُ دِينَارٍ، وَلَمْ يَزَلْ بِإِرْبَلَ إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا بِهَذِهِ السَّنَةِ.
وَلَمَّا فَارَقَ زَيْنُ الدِّينِ قَلْعَةَ الْمَوْصِلِ سَلَّمَهَا قُطْبُ الدِّينِ إِلَى فَخْرِ الدِّينِ عَبْدِ الْمَسِيحِ وَحَكَّمَهُ فِي الْبِلَادِ، فَعَمَّرَ الْقَلْعَةَ، وَكَانَتْ خَرَابًا لِأَنَّ زَيْنَ الدِّينِ كَانَ قَلِيلَ الِالْتِفَاتَ إِلَى الْعِمَارَةِ، وَسَارَ عَبْدُ الْمَسِيحِ سِيرَةً سَدِيدَةً وَسِيَاسَةً عَظِيمَةً، وَهُوَ خَصِيٌّ أَبْيَضُ مِنْ مَمَالِيكِ زَنْكِي أَتَابِكَ عِمَادِ الدِّينِ.
стр. 5563
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْبَهْلَوَانِ وَصَاحِبِ مَرَاغَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَرْسَلَ آقَنَسْقَرُ الْأَحْمَدَيْلِيُّ، صَاحِبُ مَرَاغَةَ، إِلَى بَغْدَادَ يَسْأَلُ أَنْ يَخْطُبَ لِلْمَلِكِ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ، وَهُوَ وَلَدُ السُّلْطَانِ مُحَمَّد شَاهْ، وَيَبْذُلُ أَنَّهُ لَا يَطَأُ أَرْضَ الْعِرَاقِ، وَلَا يَطْلُبُ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، وَبَذَلَ مَالًا يَحْمِلُهُ إِذَا أُجِيبَ إِلَى مَا الْتَمَسَهُ، فَأُجِيبُ بِتَطْيِيبِ قَلْبِهِ.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِيلْدِكْزَ صَاحِبَ الْبِلَادِ، فَسَاءَهُ ذَلِكَ، وَجَهَّزَ عَسْكَرًا كَثِيفًا، وَجَعَلَ الْمُقَدَّمَ عَلَيْهِمُ ابْنَهُ الْبَهْلَوَانَ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى آقَنَسْقَرَ، فَوَقَعَتْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ أَجْلَتْ عَنْ هَزِيمَةَ آقَنَسْقَرَ وَتَحَصُّنِهِ بِمَرَاغَةَ. وَنَازَلَهُ الْبَهْلَوَانُ بِهَا وَحَصَرَهُ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ. ثُمَّ تَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ، فَاصْطَلَحُوا، وَعَادَ الْبَهْلَوَانُ إِلَى أَبِيهِ بِهَمَذَانَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْزَرَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَنْجِدُ بِاللَّهِ شَرَفَ الدِّينِ أَبَا جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَعْرُوفَ بِابْنِ الْبَلَدِيِّ، وَكَانَ نَاظِرًا بِوَاسِطٍ أَبَانَ فِي وِلَايَتِهَا عَنْ كِفَايَةٍ عَظِيمَةٍ، فَأَحْضَرَهُ الْخَلِيفَةُ وَاسْتَوْزَرَهُ، وَكَانَ عَضُدُ الدِّينِ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ قَدْ تَحَكَّمَ تَحَكُّمًا عَظِيمًا، فَتَقَدَّمَ الْخَلِيفَةُ إِلَى ابْنِ الْبَلَدِيِّ بِكَفِّ يَدِهِ وَأَيْدِي أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَوَكَّلَ بِتَاجِ الدِّينِ أَخِي أُسْتَاذِ الدَّارِ، وَطَالَبَهُ بِحِسَابِ نَهْرِ الْمَلِكِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَتَوَلَّاهُ مِنْ أَيَّامِ الْمُقْتَفِي، وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِغَيْرِهِ، فَحَصَّلَ بِذَلِكَ أَمْوَالًا جَمَّةً، وَخَافَهُ أُسْتَاذُ الدَّارِ عَلَى نَفْسِهِ، فَحَمَلَ مَالًا كَثِيرًا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ الْمَرْوَزِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَكَانَ مُكْثِرًا مِنْ سَمَاعِ الْحَدِيثِ، سَافَرَ فِي طَلَبِهِ، وَسَمِعَ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ غَيْرُهُ، وَرَحَلَ إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَخُرَاسَانَ دُفُعَاتٍ، وَدَخَلَ إِلَى بَلَدِ الْجَبَلِ، وَأَصْفَهَانَ، وَالْعِرَاقِ، وَالْمَوْصِلِ، وَالْجَزِيرَةِ، وَالشَّامِ، وَغَيْرِ
стр. 5564
ذَلِكَ مِنَ الْبِلَادِ، وَلَهُ التَّصَانِيفُ الْمَشْهُورَةُ مِنْهَا: " ذَيْلُ تَارِيخِ بَغْدَادَ " وَ " تَارِيخُ مَدِينَةِ مَرْوَ "، وَكِتَابُ " النَّسَبِ "، وَغَيْرُ ذَلِكَ، أَحْسَنَ فِيهَا مَا شَاءَ، وَقَدْ جَمَعَ مَشْيَخَتَهُ فَزَادَتْ عِدَّتُهُمْ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافِ شَيْخٍ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فَقَطَعَهُ.
فَمِنْ جُمْلَةِ قَوْلِهِ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الشَّيْخَ بِبَغْدَادَ وَيَعْبُرُ بِهِ إِلَى فَوْقِ نَهْرِ عِيسَى، فَيَقُولُ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَهَذَا بَارِدٌ جِدًّا، فَإِنَّ الرَّجُلَ سَافَرَ إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ حَقًّا، وَسَمِعَ فِي عَامَّةِ بِلَادِهِ مِنْ عَامَّةِ شُيُوخِهِ، فَأَيُّ حَاجَةٍ بِهِ إِلَى هَذَا التَّلْبِيسِ الْبَارِدِ؟ وَإِنَّمَا ذَنْبُهُ عِنْدَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ شَافِعِيٌّ، وَلَهُ أُسْوَةٌ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّ ابْنَ الْجَوْزِيِّ لَمْ يُبْقِ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا مُكَسِّرِي الْحَنَابِلَةِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْبَرَكَاتِ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الثَّقَفِيُّ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ يُوسُفُ الدِّمَشْقِيُّ مُدَرِّسُ النِّظَامِيَّةِ بِخُوزَسْتَانَ، وَكَانَ قَدْ سَارَ رَسُولًا إِلَى شُمْلَة.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الشَّيْخُ أَبُو النَّجِيبُ الشَّهْرَزُورِيُّ الصُّوفِيُّ الْفَقِيهُ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ الْمَشْهُورِينَ، وَدُفِنَ بِبَغْدَادَ.
стр. 5565
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
٥٦٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ مُلْكِ نُورِ الدِّينِ قَلْعَةَ جَعْبَرَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِي قَلْعَةَ جَعْبَرَ، أَخَذَهَا مِنْ صَاحِبِهَا شِهَابِ الدِّينِ مَالِكِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَالِكِ الْعُقَيْلِيِّ، وَكَانَتْ بِيَدِهِ وَيَدِ آبَائِهِ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ أَيَّامِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، وَهِيَ مِنْ أَمْنَعِ الْقِلَاعِ وَأَحْصَنِهَا مُطِلَّةٌ عَلَى الْفُرَاتِ مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ.
وَأَمَّا سَبَبُ مُلْكِهَا، فَإِنَّ صَاحِبَهَا نَزَلَ مِنْهَا يَتَصَيَّدُ، فَأَخَذَهُ بَنُو كِلَابٍ، وَحَمَلُوهُ إِلَى نُورِ الدِّينِ فِي رَجَبَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، فَاعْتَقَلَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَرَغَّبَهُ فِي الْإِقْطَاعِ وَالْمَالِ لِيُسَلِّمَ إِلَيْهِ الْقَلْعَةَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَعَدَلَ إِلَى الشِّدَّةِ وَالْعُنْفِ، وَتَهَدَّدَهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَسَيَّرَ إِلَيْهَا نُورُ الدِّينِ عَسْكَرًا مُقَدَّمَهُ الْأَمِيرُ فَخَرُّ الدِّينِ مَسْعُودُ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيُّ، فَحَصَرَهَا مُدَّةً، فَلَمْ يَظْفَرْ مِنْهَا بِشَيْءٍ، فَأَمَدَّهُمْ بِعَسْكَرٍ آخَرَ، وَجَعَلَ عَلَى الْجَمِيعِ الْأَمِيرَ مَجْدَ الدِّينِ أَبَا بَكْرٍ الْمَعْرُوفَ بِابْنِ الدَّايَةِ، وَهُوَ رَضِيعُ نُورِ الدِّينِ، وَأَكْبَرُ أُمَرَائِهِ، فَحَصَرَهَا أَيْضًا فَلَمْ يَرَ لَهُ فِيهَا مَطْمَعًا، فَسَلَكَ مَعَ صَاحِبِهَا طَرِيقَ اللِّينِ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ نُورِ الدِّينِ الْعِوَضَ وَلَا يُخَاطِرُ فِي حِفْظِهَا بِنَفْسِهِ، فَقَبِلَ قَوْلَهُ وَسَلَّمَهَا، فَأَخَذَ عِوَضًا عَنْهَا سَرُوجَ وَأَعْمَالَهَا وَالْمَلَّاحَةَ الَّتِي بَيْنَ بَلَدِ حَلَبَ وَبَابِ بُزَاعَةَ، وَعِشْرِينَ أَلْفِ دِينَارٍ مُعَجَّلَةً، وَهَذَا إِقْطَاعٌ عَظِيمٌ جِدًّا، إِلَّا أَنَّهُ لَا حِصْنَ فِيهِ.
وَهَذَا آخِرُ أَمْرِ بَنِي مَالِكٍ بِالْقَلْعَةِ وَلِكُلِّ أَمْرٍ أَمَدٌ وَلِكُلِّ وِلَايَةٍ نِهَايَةٌ، بَلَغَنِي أَنَّهُ قِيلَ
стр. 5566
لِصَاحِبِهَا: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ وَأَحْسَنُ مَقَامًا، سَرُوجُ وَالشَّامُ أَمِ الْقَلْعَةُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ أَكْثَرُ مَالًا، وَأَمَّا الْعِزُّ فَفَارَقْنَاهُ بِالْقَلْعَةِ.
ذِكْرُ مُلْكِ أَسَدِ الدِّينِ مِصْرَ وَقَتْلِ شَاوُرَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، سَارَ أَسَدُ الدِّينِ شِيرِكُوهْ بْنُ شَاذِي إِلَى دِيَارِ مِصْرَ، فَمَلَكَهَا، وَمَعَهُ الْعَسَاكِرُ النُّورِيَّةُ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَمَكُّنِ الْفِرِنْجِ مِنَ الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ، وَأَنَّهُمْ جَعَلُوا لَهُمْ فِي الْقَاهِرَةِ شِحْنَةً، وَتَسَلَّمُوا أَبْوَابَهَا، وَجَعَلُوا لَهُمْ فِيهَا جَمَاعَةً مِنْ شُجْعَانِهِمْ وَأَعْيَانِ فُرْسَانِهِمْ، وَحَكَمُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ حُكْمًا جَائِرًا، وَرَكَبُوهُمْ بِالْأَذَى الْعَظِيمِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، وَأَنَّ الْبِلَادَ لَيْسَ فِيهَا مَنْ يَرُدُّهُمْ، وَأَرْسَلُوا إِلَى مَلِكِ الْفِرِنْجِ بِالشَّامِ، وَهُوَ مُرِّي وَلَمْ يَكُنْ لِلْفِرِنْجِ مُذْ ظَهَرَ بِالشَّامِ مِثْلُهُ شَجَاعَةً وَمَكَرًا وَدَهَاءً، يَسْتَدْعُونَهُ لِيَمْلِكَهَا، وَأَعْلَمُوهُ خُلُوَّهَا مِنْ مُمَانِعٍ، وَهَوَّنُوا أَمْرَهَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ فُرْسَانُ الْفِرِنْجِ وَذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِقَصْدِهَا وَتَمَلُّكِهَا، فَقَالَ لَهُمْ: الرَّأْيُ عِنْدِي أَنَّنَا لَا نَقْصِدُهَا، فَإِنَّهَا طُعْمَةٌ لَنَا وَأَمْوَالُهَا تُسَاقُ إِلَيْنَا، نَتَقَوَّى بِهَا عَلَى نُورِ الدِّينِ، وَإِنْ نَحْنُ قَصَدْنَاهَا ; لِنَمْلِكَهَا فَإِنَّ صَاحِبَهَا وَعَسَاكِرَهُ، وَعَامَّةَ بِلَادِهِ وَفَلَّاحِيهَا، لَا يُسَلِّمُونَهَا إِلَيْنَا، وَيُقَاتِلُونَنَا دُونَهَا، وَيَحْمِلُهُمُ الْخَوْفُ مِنَّا عَلَى تَسْلِيمِهَا إِلَى نُورِ الدِّينِ، وَلَئِنْ أَخَذَهَا نُورُ الدِّينِ وَصَارَ لَهُ فِيهَا مِثْلُ أَسَدِ الدِّينِ، فَهُوَ هَلَاكُ الْفِرِنْجِ وَإِجْلَاؤُهُمْ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فَلَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، وَقَالُوا لَهُ: إِنَّهَا لَا مَانِعَ فِيهَا وَلَا حَامِيَ، وَإِلَى أَنْ يَتَجَهَّزَ عَسْكَرُ نُورِ الدِّينِ وَيَسِيرَ إِلَيْهَا، نَكُونُ نَحْنُ قَدْ مَلَكْنَاهَا، وَفَرَغْنَا مِنْ أَمْرِهَا، وَحِينَئِذٍ يَتَمَنَّى نُورُ الدِّينِ مِنَّا السَّلَامَةَ.
فَسَارَ مَعَهُمْ عَلَى كُرْهٍ وَشَرَعُوا يَتَجَهَّزُونَ وَيُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ قَصْدَ مَدِينَةِ حِمْصَ، فَلَمَّا سَمِعَ نُورُ الدِّينِ شَرَعَ أَيْضًا بِجَمْعِ عَسَاكِرِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَجَدَّ
стр. 5567
الْفِرِنْجُ فِي السَّيْرِ إِلَى مِصْرَ، فَقَدِمُوهَا، وَنَازَلُوا مَدِينَةَ بِلْبِيسَ، وَمَلَكُوهَا قَهْرًا مُسْتَهَلَّ صَفَرَ، وَنَهَبُوهَا وَقَتَلُوا فِيهَا وَأَسَرُوا وَسَبَوْا.
وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الْمِصْرِيِّينَ قَدْ كَاتَبُوا الْفِرِنْجَ، وَوَعَدُوهُمُ النُّصْرَةَ عَدَاوَةً مِنْهُمْ لِشَاوُرَ، مِنْهُمُ ابْنُ الْخَيَّاطِ، وَابْنُ فَرْجَلَةَ، فَقَوِيَ جَنَانَ الْفِرِنْجِ، وَسَارُوا مِنْ بِلْبِيسَ إِلَى مِصْرَ، فَنَزَلُوا إِلَى الْقَاهِرَةِ عَاشِرَ صَفَرَ، وَحَصَرُوهَا، فَخَافَ النَّاسُ مِنْهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِهِمْ كَمَا فَعَلُوا بِأَهْلِ بِلْبِيسَ، فَحَمَلَهُمُ الْخَوْفُ مِنْهُمْ عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَحَفَظُوا الْبَلَدَ، وَقَاتَلُوا دُونَهُ وَبَذَلُوا جُهْدَهُمْ فِي حِفْظِهِ، فَلَوْ أَنَّ الْفِرِنْجَ أَحْسَنُوا السِّيرَةَ فِي بِلْبِيسَ ; لَمَلَكُوا مِصْرَ وَالْقَاهِرَةَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَسَّنَ لَهُمْ مَا فَعَلُوا ; لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا.
وَأَمَرَ شَاوُرُ بِإِحْرَاقِ مَدِينَةِ مِصْرَ تَاسِعَ صَفَرَ، وَأَمَرَ أَهْلَهَا بِالِانْتِقَالِ مِنْهَا إِلَى الْقَاهِرَةِ، وَأَنْ يُنْهَبَ الْبَلَدُ، فَانْتَقَلُوا، وَبَقُوا عَلَى الطُّرُقِ، وَنُهِبَتِ الْمَدِينَةُ، وَافْتَقَرَ أَهْلُهَا، وَذَهَبَتْ أَمْوَالُهُمْ وَنِعْمَتُهُمْ قَبْلَ نُزُولِ الْفِرِنْجِ عَلَيْهِمْ بِيَوْمٍ، خَوْفًا أَنْ يَمْلِكَهَا الْفِرِنْجُ، فَبَقِيَتِ النَّارُ تَحْرِقُهَا أَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا.
وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ الْعَاضِدُ إِلَى نُورِ الدِّينِ يَسْتَغِيثُ بِهِ، وَيُعَرِّفَهُ ضَعْفَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ دَفْعِ الْفِرِنْجِ، وَأَرْسَلَ فِي الْكُتُبِ شُعُورَ النِّسَاءِ وَقَالَ: هَذِهِ شُعُورُ نِسَائِي مِنْ قَصْرِي يَسْتَغِثْنَ بِكَ ; لِتُنْقِذَهُنَّ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَشَرَعَ فِي تَسْيِيرِ الْجُيُوشِ.
وَأَمَّا الْفِرِنْجُ فَإِنَّهُمُ اشْتَدُّوا فِي حِصَارِ الْقَاهِرَةِ وَضَيَّقُوا عَلَى أَهْلِهَا، وَشَاوُرُ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِلْأَمْرِ وَالْعَسَاكِرِ وَالْقَتَّالِ، فَضَاقَ بِهِ الْأَمْرُ، وَضَعُفَ عَنْ رَدِّهِمْ، فَأَخَذَ إِلَى إِعْمَالِ الْحِيلَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلِكِ الْفِرِنْجِ يَذْكُرُ لَهُ مَوَدَّتَهُ وَمَحَبَّتَهُ الْقَدِيمَةَ لَهُ، وَأَنَّ هَوَاهُ مَعَهُ ; لِخَوْفِهِ مِنْ نُورِ الدِّينِ وَالْعَاضِدِ، وَإِنَّمَا الْمُسْلِمُونَ لَا يُوَافِقُونَهُ عَلَى التَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، وَيُشِيرُ بِالصُّلْحِ، وَأَخْذِ مَالٍ لِئَلَّا يَتَسَلَّمَ الْبِلَادَ نُورُ الدِّينِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ مِصْرِيَّةٍ، يُعَجِّلُ الْبَعْضَ، وَيُمْهِلُ بِالْبَعْضِ، فَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ عَلَى ذَلِكَ.
стр. 5568
وَرَأَى الْفِرِنْجَ أَنَّ الْبِلَادَ قَدِ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِمْ، وَرُبَّمَا سُلِّمَتْ إِلَى نُورِ الدِّينِ، فَأَجَابُوا كَارِهِينَ، وَقَالُوا: نَأْخُذُ الْمَالَ، فَنَتَقَوَّى بِهِ، وَنُعَاوِدُ الْبِلَادَ بِقُوَّةٍ لَا نُبَالِي مَعَهَا بِنُورِ الدِّينِ ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] فَعَجَّلَ لَهُمْ شَاوُرُ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَسَأَلَهُمُ الرَّحِيلَ عَنْهُ لِيَجْمَعَ لَهُمُ الْمَالَ، فَرَحَلُوا قَرِيبًا، وَجَعَلَ شَاوُرُ يَجْمَعُ لَهُمُ الْمَالَ مِنْ أَهْلِ الْقَاهِرَةِ وَمِصْرَ، فَلَمْ يَتَحَصَّلْ لَهُ إِلَّا قَدْرٌ لَا يَبْلُغُ خَمْسَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَسَبَبُهُ أَنَّ أَهْلَ مِصْرَ كَانُوا قَدِ احْتَرَقَتْ دُورُهُمْ وَمَا فِيهَا، وَمَا سَلِمَ نُهِبَ، وَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْأَقْوَاتِ فَضْلًا عَنِ الْأَقْسَاطِ.
وَأَمَّا الْقَاهِرَةُ فَالْأَغْلَبُ عَلَى أَهْلِهَا الْجُنْدُ وَغِلْمَانُهُمْ، فَلِهَذَا تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِمُ الْأَمْوَالُ، وَهُمْ خِلَالَ هَذَا يُرَاسِلُونَ نُورَ الدِّينِ بِمَا النَّاسُ فِيهِ، وَبَذَلُوا لَهُ ثُلْثَ بِلَادِ مِصْرَ، وَأَنْ يَكُونَ أَسَدُ الدِّينِ مُقِيمًا عِنْدَهُمْ فِي عَسْكَرٍ، وَأَقْطَاعُهُمْ مِنَ الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ أَيْضًا خَارِجًا عَنِ الثُّلُثِ الَّذِي لَهُمْ.
وَكَانَ نُورُ الدِّينِ لَمَّا وَصَلَهُ كُتُبُ الْعَاضِدِ بِحَلَبَ أَرْسَلَ إِلَى أَسَدِ الدِّينِ يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ، فَخَرَجَ الْقَاصِدُ فِي طَلَبِهِ، فَلَقِيَهُ عَلَى بَابِ حَلَبَ، وَقَدْ قَدِمَهَا مِنْ حِمْصَ وَكَانَتْ إِقْطَاعَهُ، وَكَانَ سَبَبُ وُصُولِهِ أَنْ كُتُبَ الْمِصْرِيِّينَ وَصَلَتْهُ أَيْضًا فِي الْمَعْنَى، فَسَارَ أَيْضًا إِلَى نُورِ الدِّينِ، وَاجْتَمَعَ بِهِ، وَعَجِبَ نُورُ الدِّينِ مِنْ حُضُورِهِ فِي الْحَالِ، وَسَرَّهُ ذَلِكَ، وَتَفَاءَلَ بِهِ، وَأَمَرَ بِالتَّجْهِيزِ إِلَى مِصْرَ، وَأَعْطَاهُ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ سِوَى الثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَسْلِحَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَحَكَّمَهُ فِي الْعَسْكَرِ وَالْخَزَائِنِ، وَاخْتَارَ مِنَ الْعَسْكَرِ أَلْفَيْ فَارِسٍ، وَأَخَذَ الْمَالَ، وَجَمَعَ سِتَّةَ آلَافِ فَارِسٍ، وَسَارَ هُوَ وَنُورُ الدِّينِ إِلَى دِمَشْقَ فَوَصَلَهَا سَلْخَ صَفَرَ، وَرَحَلَ إِلَى رَأْسِ الْمَاءِ، وَأَعْطَى نُورُ الدِّينِ كُلَّ فَارِسٍ مِمَّنْ مَعَ أَسَدِ الدِّينِ عِشْرِينَ دِينَارًا مَعُونَةً غَيْرَ مَحْسُوبَةٍ مِنْ جَامِكِيَّتِهِ، وَأَضَافَ إِلَى أَسَدِ الدِّينِ جَمَاعَةً أُخْرَى مِنَ الْأُمَرَاءِ مِنْهُمْ: مَمْلُوكُهُ عِزُّ الدِّينِ جُورْدِيكُ، وَعِزُّ الدِّينِ قَلْجُ، وَشَرَفُ الدِّينِ بَزْغَشُ،
стр. 5569
وَعَيْنُ الدَّوْلَةِ الْيَارُوقِيُّ، وَقُطْبُ الدِّينِ يَنَالُ بْنُ حَسَّانٍ الْمَنْبِجِيُّ، وَصَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخِي شِيرِكُوهْ، عَلَى كُرْهٍ مِنْهُ، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] أَحَبَّ نُورُ الدِّينِ مَسِيرَ صَلَاحِ الدِّينِ، وَفِيهِ ذَهَابُ بَيْتِهِ، وَكَرِهَ صَلَاحُ الدِّينِ الْمَسِيرَ، وَفِيهِ سَعَادَتُهُ وَمُلْكُهُ، وَسَيَرِدُ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِ شِيرِكُوهْ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَسَارَ أَسَدُ الدِّينِ شِيرِكُوهْ مِنْ رَأْسِ الْمَاءِ مُجِدًّا مُنْتَصَفَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَلَمَّا قَارَبَ مِصْرَ رَحَلَ الْفِرِنْجُ عَنْهَا عَائِدِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ خَائِبِينَ مِمَّا أَمَّلُوا، وَسَمِعَ نُورُ الدِّينِ بِعَوْدِهِمْ، فَسَّرَهُ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِضَرْبِ الْبَشَائِرِ فِي الْبِلَادِ، وَبَثَّ رُسُلَهُ فِي الْأَفَّاقِ مُبَشِّرِينَ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ كَانَ فَتْحًا جَدِيدًا لِمِصْرَ وَحِفْظًا لِسَائِرِ بِلَادِ الشَّامِ وَغَيْرِهَا.
فَأَمَّا أَسَدُ الدِّينِ فَإِنَّهُ وَصَلَ إِلَى الْقَاهِرَةِ سَابِعَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَدَخَلَ إِلَيْهَا، وَاجْتَمَعَ بِالْعَاضِدِ لِدِينِ اللَّهِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ وَعَادَ إِلَى خِيَامِهِ بِالْخِلْعَةِ الْعَاضِدِيَّةِ، وَفَرِحَ بِهِ أَهْلُ مِصْرَ، وَأُجْرِيَتَ عَلَيْهِ وَعَلَى عَسْكَرِهِ الْجِرَايَاتُ الْكَثِيرَةُ، وَالْإِقَامَاتُ الْوَافِرَةُ، وَلَمْ يُمْكِنْ شَاوُرُ الْمَنْعَ عَنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ رَأَى الْعَسَاكِرَ كَثِيرَةً مَعَ شِيرِكُوهْ وَهَوَى الْعَاضِدِ مَعَهُمْ، فَلَمْ يَتَجَاسَرْ عَلَى إِظْهَارِ مَا فِي نَفْسِهِ، وَشَرَعَ يُمَاطِلُ أَسَدَ الدِّينِ فِي تَقْرِيرِ مَا كَانَ بَذَلَ لِنُورِ الدِّينِ مِنَ الْمَالِ، وَإِقْطَاعِ الْجُنْدِ، وَإِفْرَادِ ثُلُثِ الْبِلَادِ لِنُورِ الدِّينِ، وَهُوَ يَرْكَبُ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى أَسَدِ الدِّينِ، وَيَسِيرُ مَعَهُ، وَيَعِدُهُ وَيُمَنِّيهِ ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠] .
ثُمَّ إِنَّهُ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ دَعْوَةً يَدْعُو إِلَيْهَا أَسَدَ الدِّينِ وَالْأُمَرَاءَ الَّذِينَ مَعَهُ، وَيَقْبِضَ عَلَيْهِمْ، وَيَسْتَخْدِمَ مَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْجُنْدِ، فَيَمْنَعَ بِهِمُ الْبِلَادَ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَنَهَاهُ ابْنُهُ الْكَامِلُ، وَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ لَئِنْ عَزَمْتَ عَلَى هَذَا ; لَأُعْرِفَنَّ شِيرِكُوهْ. فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ نَفْعَلْ هَذَا لُنَقْتَلَنَّ جَمِيعًا، فَقَالَ: صَدَقْتَ، وَلَأَنْ نُقْتَلَ وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ وَالْبِلَادُ إِسْلَامِيَّةٌ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ نُقْتَلَ وَقَدْ مَلَكَهَا الْفِرِنْجُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَوْدِ الْفِرِنْجِ إِلَّا أَنْ يَسْمَعُوا بِالْقَبْضِ عَلَى شِيرِكُوهْ، وَحِينَئِذٍ لَوْ مَشَى الْعَاضِدُ إِلَى نُورِ الدِّينِ لَمْ يُرْسِلْ مَعَهُ
стр. 5570
فَارِسًا وَاحِدًا، وَيَمْلِكُونَ الْبِلَادَ، فَتَرَكَ مَا كَانَ عَزَمَ عَلَيْهِ.
وَلَمَّا رَأَى الْعَسْكَرُ النُّورِيُّ مَطَلَ شَاوُرَ خَافُوا شَرَّهُ، فَاتَّفَقَ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ وَعِزُّ الدِّينِ جُورْدِيكُ وَغَيْرُهُمَا عَلَى قَتْلِ شَاوُرَ، فَأَعْلَمُوا أَسَدَ الدِّينِ، فَنَهَاهُمْ عَنْهُ، فَسَكَتُوا وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْعَزْمِ مِنْ قَتْلِهِ، فَاتَّفَقَ أَنَّ شَاوُرَ قَصَدَ عَسْكَرَ أَسَدِ الدِّينِ عَلَى عَادَتِهِ، فَلَمْ يَجِدْهُ فِي الْخِيَامِ، كَانَ قَدْ مَضَى يَزُورُ قَبْرَ الشَّافِعِيِّ، ﵁، فَلَقِيَهُ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ وَجُورْدِيكُ فِي جَمْعٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَخَدَمُوهُ، وَأَعْلَمُوهُ بِأَنْ شِيرِكُوهْ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، فَقَالَ: نَمْضِي إِلَيْهِ، فَسَارُوا جَمِيعًا، فَسَايَرَهُ صَلَاحُ الدِّينِ وُجُورَدِيكُ وَأَلْقَيَاهُ إِلَى الْأَرْضِ عَنْ فَرَسِهِ، فَهَرَبَ أَصْحَابُهُ عَنْهُ، فَأُخِذَ أَسِيرًا، فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ قَتْلُهُ بِغَيْرِ أَمْرِ أَسَدِ الدِّينِ، فَتَوَكَّلُوا بِحِفْظِهِ، وَسَيَّرُوا فَأَعْلَمُوا أَسَدَ الدِّينِ الْحَالَ، فَحَضَرَ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ إِلَّا إِتْمَامُ مَا عَمِلُوهُ، وَسَمِعَ الْخَلِيفَةُ الْعَاضِدُ صَاحِبُ مِصْرَ الْخَبَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَسَدِ الدِّينِ يَطْلُبُ مِنْهُ إِنْفَاذَ رَأْسِ شَاوُرَ، وَتَابَعَ الرُّسُلَ بِذَلِكَ، فَقُتِلَ، وَأُرْسِلَ رَأْسُهُ إِلَى الْعَاضِدِ فِي السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ.
وَدَخَلَ أَسَدُ الدِّينِ الْقَاهِرَةَ، فَرَأَى مِنِ اجْتِمَاعِ الْخَلْقِ مَا خَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِي الْعَاضِدَ، يَأْمُرُكُمْ بِنَهْبِ دَارِ شَاوُرَ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ إِلَيْهَا، فَنَهَبُوهَا، وَقَصَدَ هُوَ قَصْرَ الْعَاضِدِ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ خِلْعَةَ الْوِازَرَةِ، وَلُقِّبَ الْمَلِكُ الْمَنْصُورُ أَمِيرُ الْجُيُوشِ، وَسَارَ بِالْخِلَعِ إِلَى دَارِ الْوِزَارَةِ، وَهِيَ الَّتِي كَانَ فِيهَا شَاوِرُ، فَلَمْ يَرَ فِيهَا مَا يَقْعُدُ عَلَيْهِ، وَاسْتَقَرَّ فِي الْأَمْرِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ مَانِعٌ وَلَا مُنَازِعٌ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْأَعْمَالِ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَقْطَعَ الْبِلَادَ لِعَسَاكِرِهِ.
وَأَمَّا الْكَامِلُ بْنُ شَاوُرَ فَإِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ أَبُوهُ دَخَلَ الْقَصْرَ هُوَ وَإِخْوَتُهُ مُعْتَصِمِينَ بِهِ، فَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِمْ، فَكَانَ شِيرِكُوهْ يَتَأَسَّفُ عَلَيْهِ كَيْفَ عُدِمَ لِأَنَّهُ بَلَغَهُ مَا كَانَ مِنْهُ مَعَ أَبِيهِ فِي مَنْعِهِ مِنْ قَتْلِ شِيرِكُوهْ، وَكَانَ يَقُولُ: وَدِدْتُ أَنَّهُ بَقِيَ ; لِأُحْسِنَ إِلَيْهِ جَزَاءَ الصَّنِيعَةِ.
следующие страницы →