Полный текст (6 163 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.
стр. 5566
لِصَاحِبِهَا: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ وَأَحْسَنُ مَقَامًا، سَرُوجُ وَالشَّامُ أَمِ الْقَلْعَةُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ أَكْثَرُ مَالًا، وَأَمَّا الْعِزُّ فَفَارَقْنَاهُ بِالْقَلْعَةِ.
ذِكْرُ مُلْكِ أَسَدِ الدِّينِ مِصْرَ وَقَتْلِ شَاوُرَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، سَارَ أَسَدُ الدِّينِ شِيرِكُوهْ بْنُ شَاذِي إِلَى دِيَارِ مِصْرَ، فَمَلَكَهَا، وَمَعَهُ الْعَسَاكِرُ النُّورِيَّةُ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَمَكُّنِ الْفِرِنْجِ مِنَ الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ، وَأَنَّهُمْ جَعَلُوا لَهُمْ فِي الْقَاهِرَةِ شِحْنَةً، وَتَسَلَّمُوا أَبْوَابَهَا، وَجَعَلُوا لَهُمْ فِيهَا جَمَاعَةً مِنْ شُجْعَانِهِمْ وَأَعْيَانِ فُرْسَانِهِمْ، وَحَكَمُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ حُكْمًا جَائِرًا، وَرَكَبُوهُمْ بِالْأَذَى الْعَظِيمِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، وَأَنَّ الْبِلَادَ لَيْسَ فِيهَا مَنْ يَرُدُّهُمْ، وَأَرْسَلُوا إِلَى مَلِكِ الْفِرِنْجِ بِالشَّامِ، وَهُوَ مُرِّي وَلَمْ يَكُنْ لِلْفِرِنْجِ مُذْ ظَهَرَ بِالشَّامِ مِثْلُهُ شَجَاعَةً وَمَكَرًا وَدَهَاءً، يَسْتَدْعُونَهُ لِيَمْلِكَهَا، وَأَعْلَمُوهُ خُلُوَّهَا مِنْ مُمَانِعٍ، وَهَوَّنُوا أَمْرَهَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ فُرْسَانُ الْفِرِنْجِ وَذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِقَصْدِهَا وَتَمَلُّكِهَا، فَقَالَ لَهُمْ: الرَّأْيُ عِنْدِي أَنَّنَا لَا نَقْصِدُهَا، فَإِنَّهَا طُعْمَةٌ لَنَا وَأَمْوَالُهَا تُسَاقُ إِلَيْنَا، نَتَقَوَّى بِهَا عَلَى نُورِ الدِّينِ، وَإِنْ نَحْنُ قَصَدْنَاهَا ; لِنَمْلِكَهَا فَإِنَّ صَاحِبَهَا وَعَسَاكِرَهُ، وَعَامَّةَ بِلَادِهِ وَفَلَّاحِيهَا، لَا يُسَلِّمُونَهَا إِلَيْنَا، وَيُقَاتِلُونَنَا دُونَهَا، وَيَحْمِلُهُمُ الْخَوْفُ مِنَّا عَلَى تَسْلِيمِهَا إِلَى نُورِ الدِّينِ، وَلَئِنْ أَخَذَهَا نُورُ الدِّينِ وَصَارَ لَهُ فِيهَا مِثْلُ أَسَدِ الدِّينِ، فَهُوَ هَلَاكُ الْفِرِنْجِ وَإِجْلَاؤُهُمْ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فَلَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، وَقَالُوا لَهُ: إِنَّهَا لَا مَانِعَ فِيهَا وَلَا حَامِيَ، وَإِلَى أَنْ يَتَجَهَّزَ عَسْكَرُ نُورِ الدِّينِ وَيَسِيرَ إِلَيْهَا، نَكُونُ نَحْنُ قَدْ مَلَكْنَاهَا، وَفَرَغْنَا مِنْ أَمْرِهَا، وَحِينَئِذٍ يَتَمَنَّى نُورُ الدِّينِ مِنَّا السَّلَامَةَ.
فَسَارَ مَعَهُمْ عَلَى كُرْهٍ وَشَرَعُوا يَتَجَهَّزُونَ وَيُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ قَصْدَ مَدِينَةِ حِمْصَ، فَلَمَّا سَمِعَ نُورُ الدِّينِ شَرَعَ أَيْضًا بِجَمْعِ عَسَاكِرِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَجَدَّ
стр. 5567
الْفِرِنْجُ فِي السَّيْرِ إِلَى مِصْرَ، فَقَدِمُوهَا، وَنَازَلُوا مَدِينَةَ بِلْبِيسَ، وَمَلَكُوهَا قَهْرًا مُسْتَهَلَّ صَفَرَ، وَنَهَبُوهَا وَقَتَلُوا فِيهَا وَأَسَرُوا وَسَبَوْا.
وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الْمِصْرِيِّينَ قَدْ كَاتَبُوا الْفِرِنْجَ، وَوَعَدُوهُمُ النُّصْرَةَ عَدَاوَةً مِنْهُمْ لِشَاوُرَ، مِنْهُمُ ابْنُ الْخَيَّاطِ، وَابْنُ فَرْجَلَةَ، فَقَوِيَ جَنَانَ الْفِرِنْجِ، وَسَارُوا مِنْ بِلْبِيسَ إِلَى مِصْرَ، فَنَزَلُوا إِلَى الْقَاهِرَةِ عَاشِرَ صَفَرَ، وَحَصَرُوهَا، فَخَافَ النَّاسُ مِنْهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِهِمْ كَمَا فَعَلُوا بِأَهْلِ بِلْبِيسَ، فَحَمَلَهُمُ الْخَوْفُ مِنْهُمْ عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَحَفَظُوا الْبَلَدَ، وَقَاتَلُوا دُونَهُ وَبَذَلُوا جُهْدَهُمْ فِي حِفْظِهِ، فَلَوْ أَنَّ الْفِرِنْجَ أَحْسَنُوا السِّيرَةَ فِي بِلْبِيسَ ; لَمَلَكُوا مِصْرَ وَالْقَاهِرَةَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَسَّنَ لَهُمْ مَا فَعَلُوا ; لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا.
وَأَمَرَ شَاوُرُ بِإِحْرَاقِ مَدِينَةِ مِصْرَ تَاسِعَ صَفَرَ، وَأَمَرَ أَهْلَهَا بِالِانْتِقَالِ مِنْهَا إِلَى الْقَاهِرَةِ، وَأَنْ يُنْهَبَ الْبَلَدُ، فَانْتَقَلُوا، وَبَقُوا عَلَى الطُّرُقِ، وَنُهِبَتِ الْمَدِينَةُ، وَافْتَقَرَ أَهْلُهَا، وَذَهَبَتْ أَمْوَالُهُمْ وَنِعْمَتُهُمْ قَبْلَ نُزُولِ الْفِرِنْجِ عَلَيْهِمْ بِيَوْمٍ، خَوْفًا أَنْ يَمْلِكَهَا الْفِرِنْجُ، فَبَقِيَتِ النَّارُ تَحْرِقُهَا أَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا.
وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ الْعَاضِدُ إِلَى نُورِ الدِّينِ يَسْتَغِيثُ بِهِ، وَيُعَرِّفَهُ ضَعْفَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ دَفْعِ الْفِرِنْجِ، وَأَرْسَلَ فِي الْكُتُبِ شُعُورَ النِّسَاءِ وَقَالَ: هَذِهِ شُعُورُ نِسَائِي مِنْ قَصْرِي يَسْتَغِثْنَ بِكَ ; لِتُنْقِذَهُنَّ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَشَرَعَ فِي تَسْيِيرِ الْجُيُوشِ.
وَأَمَّا الْفِرِنْجُ فَإِنَّهُمُ اشْتَدُّوا فِي حِصَارِ الْقَاهِرَةِ وَضَيَّقُوا عَلَى أَهْلِهَا، وَشَاوُرُ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِلْأَمْرِ وَالْعَسَاكِرِ وَالْقَتَّالِ، فَضَاقَ بِهِ الْأَمْرُ، وَضَعُفَ عَنْ رَدِّهِمْ، فَأَخَذَ إِلَى إِعْمَالِ الْحِيلَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلِكِ الْفِرِنْجِ يَذْكُرُ لَهُ مَوَدَّتَهُ وَمَحَبَّتَهُ الْقَدِيمَةَ لَهُ، وَأَنَّ هَوَاهُ مَعَهُ ; لِخَوْفِهِ مِنْ نُورِ الدِّينِ وَالْعَاضِدِ، وَإِنَّمَا الْمُسْلِمُونَ لَا يُوَافِقُونَهُ عَلَى التَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، وَيُشِيرُ بِالصُّلْحِ، وَأَخْذِ مَالٍ لِئَلَّا يَتَسَلَّمَ الْبِلَادَ نُورُ الدِّينِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ مِصْرِيَّةٍ، يُعَجِّلُ الْبَعْضَ، وَيُمْهِلُ بِالْبَعْضِ، فَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ عَلَى ذَلِكَ.
стр. 5568
وَرَأَى الْفِرِنْجَ أَنَّ الْبِلَادَ قَدِ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِمْ، وَرُبَّمَا سُلِّمَتْ إِلَى نُورِ الدِّينِ، فَأَجَابُوا كَارِهِينَ، وَقَالُوا: نَأْخُذُ الْمَالَ، فَنَتَقَوَّى بِهِ، وَنُعَاوِدُ الْبِلَادَ بِقُوَّةٍ لَا نُبَالِي مَعَهَا بِنُورِ الدِّينِ ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] فَعَجَّلَ لَهُمْ شَاوُرُ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَسَأَلَهُمُ الرَّحِيلَ عَنْهُ لِيَجْمَعَ لَهُمُ الْمَالَ، فَرَحَلُوا قَرِيبًا، وَجَعَلَ شَاوُرُ يَجْمَعُ لَهُمُ الْمَالَ مِنْ أَهْلِ الْقَاهِرَةِ وَمِصْرَ، فَلَمْ يَتَحَصَّلْ لَهُ إِلَّا قَدْرٌ لَا يَبْلُغُ خَمْسَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَسَبَبُهُ أَنَّ أَهْلَ مِصْرَ كَانُوا قَدِ احْتَرَقَتْ دُورُهُمْ وَمَا فِيهَا، وَمَا سَلِمَ نُهِبَ، وَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْأَقْوَاتِ فَضْلًا عَنِ الْأَقْسَاطِ.
وَأَمَّا الْقَاهِرَةُ فَالْأَغْلَبُ عَلَى أَهْلِهَا الْجُنْدُ وَغِلْمَانُهُمْ، فَلِهَذَا تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِمُ الْأَمْوَالُ، وَهُمْ خِلَالَ هَذَا يُرَاسِلُونَ نُورَ الدِّينِ بِمَا النَّاسُ فِيهِ، وَبَذَلُوا لَهُ ثُلْثَ بِلَادِ مِصْرَ، وَأَنْ يَكُونَ أَسَدُ الدِّينِ مُقِيمًا عِنْدَهُمْ فِي عَسْكَرٍ، وَأَقْطَاعُهُمْ مِنَ الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ أَيْضًا خَارِجًا عَنِ الثُّلُثِ الَّذِي لَهُمْ.
وَكَانَ نُورُ الدِّينِ لَمَّا وَصَلَهُ كُتُبُ الْعَاضِدِ بِحَلَبَ أَرْسَلَ إِلَى أَسَدِ الدِّينِ يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ، فَخَرَجَ الْقَاصِدُ فِي طَلَبِهِ، فَلَقِيَهُ عَلَى بَابِ حَلَبَ، وَقَدْ قَدِمَهَا مِنْ حِمْصَ وَكَانَتْ إِقْطَاعَهُ، وَكَانَ سَبَبُ وُصُولِهِ أَنْ كُتُبَ الْمِصْرِيِّينَ وَصَلَتْهُ أَيْضًا فِي الْمَعْنَى، فَسَارَ أَيْضًا إِلَى نُورِ الدِّينِ، وَاجْتَمَعَ بِهِ، وَعَجِبَ نُورُ الدِّينِ مِنْ حُضُورِهِ فِي الْحَالِ، وَسَرَّهُ ذَلِكَ، وَتَفَاءَلَ بِهِ، وَأَمَرَ بِالتَّجْهِيزِ إِلَى مِصْرَ، وَأَعْطَاهُ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ سِوَى الثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَسْلِحَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَحَكَّمَهُ فِي الْعَسْكَرِ وَالْخَزَائِنِ، وَاخْتَارَ مِنَ الْعَسْكَرِ أَلْفَيْ فَارِسٍ، وَأَخَذَ الْمَالَ، وَجَمَعَ سِتَّةَ آلَافِ فَارِسٍ، وَسَارَ هُوَ وَنُورُ الدِّينِ إِلَى دِمَشْقَ فَوَصَلَهَا سَلْخَ صَفَرَ، وَرَحَلَ إِلَى رَأْسِ الْمَاءِ، وَأَعْطَى نُورُ الدِّينِ كُلَّ فَارِسٍ مِمَّنْ مَعَ أَسَدِ الدِّينِ عِشْرِينَ دِينَارًا مَعُونَةً غَيْرَ مَحْسُوبَةٍ مِنْ جَامِكِيَّتِهِ، وَأَضَافَ إِلَى أَسَدِ الدِّينِ جَمَاعَةً أُخْرَى مِنَ الْأُمَرَاءِ مِنْهُمْ: مَمْلُوكُهُ عِزُّ الدِّينِ جُورْدِيكُ، وَعِزُّ الدِّينِ قَلْجُ، وَشَرَفُ الدِّينِ بَزْغَشُ،
стр. 5569
وَعَيْنُ الدَّوْلَةِ الْيَارُوقِيُّ، وَقُطْبُ الدِّينِ يَنَالُ بْنُ حَسَّانٍ الْمَنْبِجِيُّ، وَصَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخِي شِيرِكُوهْ، عَلَى كُرْهٍ مِنْهُ، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] أَحَبَّ نُورُ الدِّينِ مَسِيرَ صَلَاحِ الدِّينِ، وَفِيهِ ذَهَابُ بَيْتِهِ، وَكَرِهَ صَلَاحُ الدِّينِ الْمَسِيرَ، وَفِيهِ سَعَادَتُهُ وَمُلْكُهُ، وَسَيَرِدُ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِ شِيرِكُوهْ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَسَارَ أَسَدُ الدِّينِ شِيرِكُوهْ مِنْ رَأْسِ الْمَاءِ مُجِدًّا مُنْتَصَفَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَلَمَّا قَارَبَ مِصْرَ رَحَلَ الْفِرِنْجُ عَنْهَا عَائِدِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ خَائِبِينَ مِمَّا أَمَّلُوا، وَسَمِعَ نُورُ الدِّينِ بِعَوْدِهِمْ، فَسَّرَهُ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِضَرْبِ الْبَشَائِرِ فِي الْبِلَادِ، وَبَثَّ رُسُلَهُ فِي الْأَفَّاقِ مُبَشِّرِينَ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ كَانَ فَتْحًا جَدِيدًا لِمِصْرَ وَحِفْظًا لِسَائِرِ بِلَادِ الشَّامِ وَغَيْرِهَا.
فَأَمَّا أَسَدُ الدِّينِ فَإِنَّهُ وَصَلَ إِلَى الْقَاهِرَةِ سَابِعَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَدَخَلَ إِلَيْهَا، وَاجْتَمَعَ بِالْعَاضِدِ لِدِينِ اللَّهِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ وَعَادَ إِلَى خِيَامِهِ بِالْخِلْعَةِ الْعَاضِدِيَّةِ، وَفَرِحَ بِهِ أَهْلُ مِصْرَ، وَأُجْرِيَتَ عَلَيْهِ وَعَلَى عَسْكَرِهِ الْجِرَايَاتُ الْكَثِيرَةُ، وَالْإِقَامَاتُ الْوَافِرَةُ، وَلَمْ يُمْكِنْ شَاوُرُ الْمَنْعَ عَنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ رَأَى الْعَسَاكِرَ كَثِيرَةً مَعَ شِيرِكُوهْ وَهَوَى الْعَاضِدِ مَعَهُمْ، فَلَمْ يَتَجَاسَرْ عَلَى إِظْهَارِ مَا فِي نَفْسِهِ، وَشَرَعَ يُمَاطِلُ أَسَدَ الدِّينِ فِي تَقْرِيرِ مَا كَانَ بَذَلَ لِنُورِ الدِّينِ مِنَ الْمَالِ، وَإِقْطَاعِ الْجُنْدِ، وَإِفْرَادِ ثُلُثِ الْبِلَادِ لِنُورِ الدِّينِ، وَهُوَ يَرْكَبُ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى أَسَدِ الدِّينِ، وَيَسِيرُ مَعَهُ، وَيَعِدُهُ وَيُمَنِّيهِ ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠] .
ثُمَّ إِنَّهُ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ دَعْوَةً يَدْعُو إِلَيْهَا أَسَدَ الدِّينِ وَالْأُمَرَاءَ الَّذِينَ مَعَهُ، وَيَقْبِضَ عَلَيْهِمْ، وَيَسْتَخْدِمَ مَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْجُنْدِ، فَيَمْنَعَ بِهِمُ الْبِلَادَ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَنَهَاهُ ابْنُهُ الْكَامِلُ، وَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ لَئِنْ عَزَمْتَ عَلَى هَذَا ; لَأُعْرِفَنَّ شِيرِكُوهْ. فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ نَفْعَلْ هَذَا لُنَقْتَلَنَّ جَمِيعًا، فَقَالَ: صَدَقْتَ، وَلَأَنْ نُقْتَلَ وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ وَالْبِلَادُ إِسْلَامِيَّةٌ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ نُقْتَلَ وَقَدْ مَلَكَهَا الْفِرِنْجُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَوْدِ الْفِرِنْجِ إِلَّا أَنْ يَسْمَعُوا بِالْقَبْضِ عَلَى شِيرِكُوهْ، وَحِينَئِذٍ لَوْ مَشَى الْعَاضِدُ إِلَى نُورِ الدِّينِ لَمْ يُرْسِلْ مَعَهُ
стр. 5570
فَارِسًا وَاحِدًا، وَيَمْلِكُونَ الْبِلَادَ، فَتَرَكَ مَا كَانَ عَزَمَ عَلَيْهِ.
وَلَمَّا رَأَى الْعَسْكَرُ النُّورِيُّ مَطَلَ شَاوُرَ خَافُوا شَرَّهُ، فَاتَّفَقَ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ وَعِزُّ الدِّينِ جُورْدِيكُ وَغَيْرُهُمَا عَلَى قَتْلِ شَاوُرَ، فَأَعْلَمُوا أَسَدَ الدِّينِ، فَنَهَاهُمْ عَنْهُ، فَسَكَتُوا وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْعَزْمِ مِنْ قَتْلِهِ، فَاتَّفَقَ أَنَّ شَاوُرَ قَصَدَ عَسْكَرَ أَسَدِ الدِّينِ عَلَى عَادَتِهِ، فَلَمْ يَجِدْهُ فِي الْخِيَامِ، كَانَ قَدْ مَضَى يَزُورُ قَبْرَ الشَّافِعِيِّ، ﵁، فَلَقِيَهُ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ وَجُورْدِيكُ فِي جَمْعٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَخَدَمُوهُ، وَأَعْلَمُوهُ بِأَنْ شِيرِكُوهْ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، فَقَالَ: نَمْضِي إِلَيْهِ، فَسَارُوا جَمِيعًا، فَسَايَرَهُ صَلَاحُ الدِّينِ وُجُورَدِيكُ وَأَلْقَيَاهُ إِلَى الْأَرْضِ عَنْ فَرَسِهِ، فَهَرَبَ أَصْحَابُهُ عَنْهُ، فَأُخِذَ أَسِيرًا، فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ قَتْلُهُ بِغَيْرِ أَمْرِ أَسَدِ الدِّينِ، فَتَوَكَّلُوا بِحِفْظِهِ، وَسَيَّرُوا فَأَعْلَمُوا أَسَدَ الدِّينِ الْحَالَ، فَحَضَرَ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ إِلَّا إِتْمَامُ مَا عَمِلُوهُ، وَسَمِعَ الْخَلِيفَةُ الْعَاضِدُ صَاحِبُ مِصْرَ الْخَبَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَسَدِ الدِّينِ يَطْلُبُ مِنْهُ إِنْفَاذَ رَأْسِ شَاوُرَ، وَتَابَعَ الرُّسُلَ بِذَلِكَ، فَقُتِلَ، وَأُرْسِلَ رَأْسُهُ إِلَى الْعَاضِدِ فِي السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ.
وَدَخَلَ أَسَدُ الدِّينِ الْقَاهِرَةَ، فَرَأَى مِنِ اجْتِمَاعِ الْخَلْقِ مَا خَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِي الْعَاضِدَ، يَأْمُرُكُمْ بِنَهْبِ دَارِ شَاوُرَ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ إِلَيْهَا، فَنَهَبُوهَا، وَقَصَدَ هُوَ قَصْرَ الْعَاضِدِ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ خِلْعَةَ الْوِازَرَةِ، وَلُقِّبَ الْمَلِكُ الْمَنْصُورُ أَمِيرُ الْجُيُوشِ، وَسَارَ بِالْخِلَعِ إِلَى دَارِ الْوِزَارَةِ، وَهِيَ الَّتِي كَانَ فِيهَا شَاوِرُ، فَلَمْ يَرَ فِيهَا مَا يَقْعُدُ عَلَيْهِ، وَاسْتَقَرَّ فِي الْأَمْرِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ مَانِعٌ وَلَا مُنَازِعٌ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْأَعْمَالِ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَقْطَعَ الْبِلَادَ لِعَسَاكِرِهِ.
وَأَمَّا الْكَامِلُ بْنُ شَاوُرَ فَإِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ أَبُوهُ دَخَلَ الْقَصْرَ هُوَ وَإِخْوَتُهُ مُعْتَصِمِينَ بِهِ، فَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِمْ، فَكَانَ شِيرِكُوهْ يَتَأَسَّفُ عَلَيْهِ كَيْفَ عُدِمَ لِأَنَّهُ بَلَغَهُ مَا كَانَ مِنْهُ مَعَ أَبِيهِ فِي مَنْعِهِ مِنْ قَتْلِ شِيرِكُوهْ، وَكَانَ يَقُولُ: وَدِدْتُ أَنَّهُ بَقِيَ ; لِأُحْسِنَ إِلَيْهِ جَزَاءَ الصَّنِيعَةِ.
стр. 5571
ذِكْرُ وَفَاةِ أَسَدِ الدِّينِ شِيرِكُوهْ
لَمَّا ثَبَتَ قَدَمُ أَسَدِ الدِّينِ، وَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ مُنَازِعٌ، أَتَاهُ أَجْلُهُ ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] فَتُوُفِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ الثَّانِيَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ شَهْرَيْنِ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ.
وَأَمَّا ابْتِدَاءُ أَمْرِهِ وَسَبَبُ اتِّصَالِهِ بِنُورِ الدِّينِ، فَإِنَّهُ كَانَ هُوَ وَأَخُوهُ نَجْمُ الدِّينِ أَيُّوبُ ابْنَا شَاذِي مِنْ بَلَدِ دُوَيْنَ، وَأَصْلُهُمَا مِنَ الْأَكْرَادِ الرَّوَادِيَّةِ، وَهَذَا النَّسْلُ هُمْ أَشْرَافُ الْأَكْرَادِ، فَقَدِمَا الْعِرَاقَ، وَخَدَمَا مُجَاهِدَ الدِّينِ بَهْرُوزَ شِحْنَةَ بَغْدَادَ، فَرَأَى مِنْ نَجْمِ الدِّينِ عَقْلًا وَرَأَيًا وَافِرًا وَحُسْنِ سِيرَةٍ، وَكَانَ أَكْبَرَ مِنْ شِيرِكُوهْ، فَجَعَلَهُ مُسْتَحْفِظًا لِقَلْعَةِ تَكْرِيتَ، وَهِيَ لَهُ، فَسَارَ إِلَيْهَا وَمَعَهُ أَخُوهُ شِيرِكُوهْ فَلَمَّا انْهَزَمَ أَتَابِكَ الشَّهِيدَ زَنْكِي بْنَ آقْسَنْقَرَ بِالْعِرَاقِ مِنْ قَرَاجَةَ السَّاقِي عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَصَلَ مُنْهَزِمًا إِلَى تَكْرِيتَ، فَخَدَمَهُ نَجْمُ الدِّينِ، وَأَقَامَ لَهُ السُّفُنَ فَعَبَرَ دِجْلَةَ هُنَاكَ، وَتَبِعَهُ أَصْحَابُهُ، فَأَحْسَنَ أَيُّوبُ صُحْبَتَهُمْ وَسَيَّرَهُمْ.
ثُمَّ إِنَّ شِيرِكُوهْ قَتَلَ إِنْسَانًا بِتَكْرِيتَ لِمُلَاحَاةٍ جَرَتْ بَيْنَهُمَا، فَأَخْرَجَهُمَا بَهْرُوزُ مِنَ الْقَلْعَةِ، فَسَارَا إِلَى الشَّهِيدِ زَنْكِي، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمَا، وَعَرَفَ لَهُمَا خِدْمَتَهُمَا، وَأَقْطَعَهُمَا إِقْطَاعًا حَسَنًا، فَلَمَّا مَلَكَ قَلْعَةَ بَعْلَبَكَّ جَعَلَ أَيُّوبَ مُسْتَحْفِظًا بِهَا، فَلَمَّا قُتِلَ الشَّهِيدُ حَصَرَ عَسْكَرُ دِمَشْقَ بَعْلَبِكَّ وَهُوَ بِهَا، فَضَاقَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، وَكَانَ سَيْفُ الدِّينِ غَازِي بْنُ زَنْكِي مَشْغُولًا عَنْهُ بِإِصْلَاحِ الْبِلَادِ، فَاضْطَرَّ إِلَى تَسْلِيمِهَا إِلَيْهِمْ، فَسَلَّمَهَا عَلَى إِقْطَاعٍ ذَكَرَهُ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَصَارَ مِنْ أَكْبَرِ الْأُمَرَاءِ بِدِمَشْقَ.
وَاتَّصَلَ أَخُوهُ أَسَدُ الدِّينِ شِيرِكُوهْ بِنُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بَعْدَ قَتْلِ زَنْكِي، وَكَانَ يَخْدِمُهُ فِي أَيَّامِ وَالِدِهِ، فَقَرَّبَهُ وَقَدَّمَهُ، وَرَأَى مِنْهُ شَجَاعَةً يَعْجِزُ غَيْرُهُ عَنْهَا، فَزَادَهُ حَتَّى صَارَ لَهُ
стр. 5572
حِمْصُ وَالرَّحْبَةُ وَغَيْرُهُمَا، وَجَعَلَهُ مُقَدَّمَ عَسْكَرِهِ، فَلَمَّا أَرَادَ نُورُ الدِّينِ مُلْكَ دِمَشْقَ أَمَرَهُ فَرَاسَلَ أَخَاهُ أَيُّوبَ وَهُوَ بِهَا، وَطَلَبَ مِنْهُ الْمُسَاعَدَةَ عَلَى فَتْحِهَا، فَأَجَابَ إِلَى مَا يُرِيدُ مِنْهُ عَلَى إِقْطَاعٍ ذَكَرَهُ لَهُ وَلِأَخِيهِ، وَقُرًى يَتَمَلَّكَانِهَا، فَأَعْطَاهُمَا مَا طَلَبَا، وَفَتَحَ دِمَشْقَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَوَفَّى لَهُمَا، وَصَارَا أَعْظَمَ أُمَرَاءِ دَوْلَتِهِ. فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُرْسِلَ الْعَسَاكِرَ إِلَى مِصْرَ، لَمْ يُرِدْ لِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ وَالْمَقَامِ الْخَطِيرِ غَيْرَهُ، فَأَرْسَلَهُ، فَفَعَلَ مَا ذَكَرْنَاهُ.
ذِكْرُ مُلْكِ صَلَاحِ الدِّينِ مِصْرَ
لَمَّا تُوُفِّيَ أَسَدُ الدِّينِ شِيرِكُوهْ كَانَ مَعَهُ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ ابْنُ أَخِيهِ أَيُّوبَ بْنِ شَاذِي قَدْ سَارَ مَعَهُ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُ لِلْمَسِيرِ.
حَكَى لِي عَنْهُ بَعْضُ أَصْدِقَائِنَا مِمَّنْ كَانَ قَرِيبًا إِلَيْهِ خِصِّيصًا بِهِ، قَالَ: لَمَّا وَرَدَتْ كُتُبُ الْعَاضِدِ عَلَى نُورِ الدِّينِ يَسْتَغِيثُ بِهِ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَيَطْلُبُ إِرْسَالَ الْعَسَاكِرِ، أَحْضَرَنِي وَأَعْلَمَنِي الْحَالَ، وَقَالَ: تَمْضِي إِلَى عَمِّكِ أَسَدِ الدِّينِ بِحِمْصَ مَعَ رَسُولِي إِلَيْهِ لِيَحْضُرَ، وَتَحُثَّهُ أَنْتَ عَلَى الْإِسْرَاعِ، فَمَا يَحْتَمِلُ الْأَمْرُ التَّأْخِيرَ، فَفَعَلْتُ، وَخَرَجْنَا مِنْ حَلَبَ، فَمَا كُنَّا عَلَى مِيلٍ مِنْ حَلَبَ حَتَّى لَقِينَاهُ قَادِمًا فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَأَمَرَهُ نُورُ الدِّينِ بِالْمَسِيرِ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ نُورُ الدِّينِ ذَلِكَ الْتَفَتَ عَمِّي إِلَيَّ فَقَالَ لِي: تَجَهَّزْ يَا يُوسُفُ! فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ مُلْكَ مِصْرَ مَا سِرْتُ إِلَيْهَا: فَلَقَدْ قَاسَيْتُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَغَيْرِهَا مَا لَا أَنْسَاهُ أَبَدًا، فَقَالَ لِنُورِ الدِّينِ: لَا بُدَّ مِنْ مَسِيِرِهِ مَعِي فَتَأْمُرْ بِهِ، فَأَمَرَنِي نُورُ الدِّينِ، وَأَنَا أَسْتَقِيلُ، وَانْقَضَى الْمَجْلِسُ.
وَتَجَهَّزَ أَسَدُ الدِّينِ، وَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الْمَسِيرِ، قَالَ لِي نُورُ الدِّينِ: لَا بُدَّ مِنْ مَسِيرِكَ مَعَ عَمِّكَ، فَشَكَوْتُ إِلَيْهِ الضَّائِقَةَ وَعَدَمَ الْبِرَكَ، فَأَعْطَانِي مَا تَجَهَّزْتُ بِهِ، فَكَأَنَّمَا أُسَاقُ إِلَى الْمَوْتِ، فَسِرْتُ مَعَهُ وَمَلَكَهَا، ثُمَّ تُوُفِّيَ فَمَلَّكَنِيَ اللَّهُ تَعَالَى مَا لَمْ أَكُنْ أَطْمَعُ فِي بَعْضِهِ.
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ وِلَايَتِهِ، فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ النُّورِيَّةِ الَّذِينَ كَانُوا بِمِصْرَ طَلَبُوا التَّقَدُّمَ عَلَى الْعَسَاكِرِ، وَوِلَايَةِ الْوِزَارَةِ الْعَاضِدِيَّةِ بَعْدَهُ، مِنْهُمْ: عَيْنُ الدَّوْلَةِ الْيَارُوقِيُّ، وَقُطْبُ الدِّينِ، وَسَيْفُ الدِّينِ الْمَشْطُوبُ الْهَكَّارِيُّ، وَشِهَابُ الدِّينِ مَحْمُودٌ الْحَارِمِيُّ، وَهُوَ خَالُ صَلَاحِ الدِّينِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ يَخْطُبُهَا، وَقَدْ جَمَعَ أَصْحَابَهُ لِيُغَالِبَ عَلَيْهَا،
стр. 5573
فَأَرْسَلَ الْعَاضِدُ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ، فَأَحْضَرَهُ عِنْدَهُ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَوَلَّاهُ الْوِزَارَةَ بَعْدَ عَمِّهِ.
وَكَانَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَصْحَابَهُ قَالُوا لَهُ: لَيْسَ فِي الْجَمَاعَةِ أَضْعَفُ وَلَا أَصْغَرُ سِنًّا مِنْ يُوسُفَ، وَالرَّأْيُ أَنْ يُوَلَّى؛ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ حُكْمِنَا، ثُمَّ نَضَعُ عَلَى الْعَسَاكِرِ مَنْ يَسْتَمِيلُهُمْ إِلَيْنَا، فَيَصِيرُ عِنْدَنَا مِنَ الْجُنُودِ مَنْ نَمْنَعُ بِهِمُ الْبِلَادَ، ثُمَّ نَأْخُذُ يُوسُفَ أَوْ نُخْرِجُهُ.
فَلَمَّا خَلَعَ عَلَيْهِ لَقَبَ الْمَلِكِ النَّاصِرِ لَمْ يُطِعْهُ أَحَدٌ مِنْ أُولَئِكَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْأَمْرَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَلَا خَدَمُوهُ، وَكَانَ الْفَقِيهُ عِيسَى الْهَكَّارِيُّ مَعَهُ، فَسَعَى مَعَ الْمَشْطُوبِ حَتَّى أَمَالَهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَصِلُ إِلَيْكَ مَعَ عَيْنِ الدَّوْلَةِ وَالْحَارِمِيِّ وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ قَصَدَ الْحَارِمِيَّ، وَقَالَ: هَذَا صَلَاحُ الدِّينِ هُوَ ابْنُ أُخْتِكَ وَعِزُّهُ وَمُلْكُهُ لَكَ، وَقَدِ اسْتَقَامَ لَهُ الْأَمْرُ، فَلَا تَكُنْ أَوَّلَ مَنْ يَسْعَى فِي إِخْرَجِهِ عَنْهُ، وَلَا يَصِلُ إِلَيْكَ، فَمَالَ إِلَيْهِ أَيْضًا، ثُمَّ فَعَلَ مِثْلَ هَذَا بِالْبَاقِينَ، وَكُلُّهُمْ أَطَاعَ غَيْرَ عَيْنِ الدَّوْلَةِ الْيَارُوقِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: أَنَا لَا أَخْدِمُ يُوسُفَ، وَعَادَ إِلَى نُورِ الدِّينِ بِالشَّامِ وَمَعَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَثَبَتَ قَدَمُ صَلَاحِ الدِّينِ، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ نَائِبٌ عَنْ نُورِ الدِّينِ.
وَكَانَ نُورُ الدِّينِ يُكَاتِبُهُ بِالْأَمِيرِ الْأَسْفَهَسْلَارِ، وَيَكْتُبُ عَلَامَتَهُ عَلَى رَأْسِ الْكِتَابِ تَعْظِيمًا عَنْ أَنْ يَكْتُبَ اسْمَهُ، وَكَانَ لَا يُفْرِدُهُ بِكِتَابٍ بَلْ يَكْتُبُ الْأَمِيرُ الْأَسْفَهَسْلَارُ صَلَاحُ [الدِّينِ] وَجَمِيعُ الْأُمَرَاءِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ يَفْعَلُونَ كَذَا.
وَاسْتَمَالَ صَلَاحُ الدِّينِ قُلُوبَ النَّاسِ، وَبَذَلَ الْأَمْوَالَ، فَمَالُوا إِلَيْهِ، وَأَحَبُّوهُ، وَضَعُفَ أَمْرُ الْعَاضِدِ، ثُمَّ أَرْسَلَ صَلَاحُ الدِّينِ يَطْلُبُ مِنْ نُورِ الدِّينِ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ إِخْوَتَهُ وَأَهْلَهُ، فَأَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ طَاعَتَهُ وَالْقِيَامَ بِأَمْرِهِ، وَمُسَاعَدَتَهُ، وَكُلُّهُمْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَأَخَذَ إِقْطَاعَاتِ الْأُمَرَاءِ الْمِصْرِيِّينَ، فَأَعْطَاهَا أَهْلَهُ وَالْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَهُ، وَزَادَهُمْ، فَازْدَادُوا لَهُ حُبًّا وَطَاعَةً.
قَدِ اعْتَبَرْتُ التَّوَارِيخَ، فَرَأَيْتُ كَثِيرًا مِنَ التَّوَارِيخِ الْإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي يُمْكِنُ ضَبْطُهَا، وَرَأَيْتُ كَثِيرًا مِمَّنْ يَبْتَدِئُ الْمُلْكَ تَنْتَقِلُ الدَّوْلَةُ عَنْ صُلْبِهِ إِلَى بَعْضِ أَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ، مِنْهُمْ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ: مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، أَوَّلُ مَنْ مَلَكَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَنُقِلَ الْمُلْكُ عَنْ
стр. 5574
أَعْقَابِهِ إِلَى بَنِي مَرْوَانَ مِنْ بَنِي عَمِّهِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ السَّفَّاحُ أَوَّلُ مَنْ مَلَكَ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ، انْتَقَلَ الْمُلْكُ مِنْ أَعْقَابِهِ إِلَى أَخِيهِ الْمَنْصُورِ، ثُمَّ السَّامَانِيَّةُ أَوَّلُ مَنِ اسْتَبَدَّ مِنْهُمْ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ، فَانْتَقَلَ الْمُلْكُ عَنْهُ إِلَى أَخِيهِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ وَأَعْقَابِهِ، ثُمَّ يَعْقُوبُ الصَّفَّارُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ مَلَكَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَانْتَقَلَ الْمُلْكُ إِلَى أَخِيهِ عَمْرٍو وَأَعْقَابِهِ، ثُمَّ عِمَادُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ أَوَّلُ مَنْ مَلَكَ مِنْ أَهْلِهِ انْتَقَلَ الْمُلْكُ عَنْهُ إِلَى أَخَوَيْهِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ وَعِزِّ الدَّوْلَةِ، ثُمَّ خَلَصَ فِي أَعْقَابِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، (وَمُعِزِّ الدَّوْلَةِ) ، ثُمَّ خَلَصَ فِي أَعْقَابِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، ثُمَّ الدَّوْلَةِ السَّلْجُوقِيَّةِ أَوَّلُ مَنْ مَلَكَ مِنْهُمْ طُغْرُلْبَكُ انْتَقَلَ الْمُلْكُ إِلَى أَوْلَادِ أَخِيهِ دَاوُدَ، ثُمَّ شِيرِكُوهْ هَذَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ (انْتَقَلَ الْمُلْكُ إِلَى أَعْقَابِ أَخِيهِ أَيُّوبَ، ثُمَّ إِنَّ صَلَاحَ الدِّينِ لَمَّا أَنْشَأَ الدَّوْلَةَ وَعَظَّمَهَا، وَصَارَ كَأَنَّهُ أَوَّلٌ لَهَا، نُقِلَ الْمُلْكُ إِلَى أَعْقَابِ أَخِيهِ الْعَادِلِ، وَلَمْ يَبْقَ بِيَدِ أَعْقَابِهِ غَيْرُ حَلَبَ) .
وَهَذِهِ أَعْظَمُ الدُّوَلِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَلَوْلَا خَوْفُ التَّطْوِيلِ لَذَكَرْنَا أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، وَالَّذِي أَظُنُّهُ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَكُونُ أَوَّلَ دَوْلَةٍ يُكْثِرُ، وَيَأْخُذُ الْمُلْكَ وَقُلُوبُ مَنْ كَانَ فِيهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ فَلِهَذَا يَحْرُمُهُ اللَّهُ أَعْقَابَهُ وَمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِهِمْ عُقُوبَةً لَهُ.
ذِكْرُ وَقْعَةِ السُّودَانِ بِمِصْرَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي أَوَائِلِ ذِي الْقَعْدَةِ قُتِلَ مُؤْتَمَنُ الْخِلَافَةِ، وَهُوَ خَصِيٌّ كَانَ بِقَصْرِ الْعَاضِدِ، إِلَيْهِ الْحُكْمُ فِيهِ، وَالتَّقَدُّمُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ يَحْوِيهِ، فَاتَّفَقَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ عَلَى مُكَاتَبَةِ الْفِرِنْجِ وَاسْتِدْعَائِهِمْ إِلَى الْبِلَادِ، وَالتَّقَوِّي بِهِمْ عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ وَمَنْ مَعَهُ، وَسَيَّرُوا الْكُتُبَ مَعَ إِنْسَانٍ يَثِقُونَ بِهِ، وَأَقَامُوا يَنْتَظِرُونَ جَوَابَهُ، وَسَارَ ذَلِكَ الْقَاصِدُ إِلَى الْبِئْرِ الْبَيْضَاءِ، فَلَقِيَهُ إِنْسَانٌ تُرْكُمَانِيٌّ، فَرَأَى (مَعَهُ) نَعْلَيْنِ جَدِيدَيْنِ، فَأَخَذَهُمَا مِنْهُ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: لَوْ كَانَا مِمَّا يَلْبَسُهُ هَذَا الرَّجُلُ (لَكَانَا خَلِقَيْنِ،
стр. 5575
فَإِنَّهُ) رَثُّ الْهَيْئَةِ، وَارْتَابَ بِهِ وَبِهِمَا، فَأَتَى بِهِمَا صَلَاحَ الدِّينِ فَفَتَقَهُمَا، فَرَأَى الْكِتَابَ فِيهِمَا، فَقَرَأَهُ وَسَكَتَ عَلَيْهِ.
وَكَانَ مَقْصُودُ مُؤْتَمَنِ الْخِلَافَةِ أَنْ يَتَحَرَّكَ الْفِرِنْجُ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَإِذَا وَصَلُوا إِلَيْهَا خَرَجَ صَلَاحُ الدِّينِ فِي الْعَسَاكِرِ إِلَى قِتَالِهِمْ، فَيَثُورُ مُؤْتَمَنُ الْخِلَافَةِ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ عَلَى مُخَلَّفِيهِمْ فَيَقْتُلُونَهُمْ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ بِأَجْمَعِهِمْ يَتَّبِعُونَ صَلَاحَ الدِّينِ، فَيَأْتُونَهُ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَالْفِرِنْجُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَلَا يَبْقَى لَهُمْ بَاقِيَةٌ، فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ سَأَلَ عَنْ كَاتِبِهِ، فَقِيلَ: رَجُلٌ يَهُودِيٌّ، فَأُحْضِرَ، فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ وَتَقْرِيرِهِ، فَابْتَدَأَ وَأَسْلَمَ، وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، وَأَخْفَى صَلَاحُ الدِّينِ الْحَالَ.
وَاسْتَشْعَرَ مُؤْتَمَنُ الْخِلَافَةِ فَلَازَمَ الْقَصْرَ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ خَوْفًا، وَإِذَا خَرَجَ لَمْ يَبْعُدْ [وَصَلَاحُ الدِّينِ] لَا يُظْهِرُ لَهُ شَيْئًا مِنَ الطَّلَبِ ; لِئَلَّا يُنْكِرَ ذَلِكَ، فَلَمَّا طَالَ الْأَمْرُ خَرَجَ مِنَ الْقَصْرِ إِلَى قَرْيَةٍ لَهُ تُعْرَفُ بِالْحِرْقَانِيَّةِ لِلتَّنَزُّهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِ صَلَاحُ الدِّينِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ جَمَاعَةً، فَأَخَذُوهُ، وَقَتَلُوهُ، وَأَتَوْهُ بِرَأْسِهِ، وَعَزَلَ جَمِيعَ الْخَدَمِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ أَمْرَ قَصْرِ الْخِلَافَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْجَمِيعِ بَهَاءَ الدِّينِ قَرَاقُوشَ، وَهُوَ خَصِيٌّ أَبْيَضُ، وَكَانَ لَا يَجْرِي فِي الْقَصْرِ صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ إِلَّا بِأَمْرِهِ وَحُكْمِهِ، فَغَضِبَ السُّودَانُ الَّذِينَ بِمِصْرَ لِقَتْلِ مُؤْتَمَنِ الْخِلَافَةِ حَمِيَّةً، وَلِأَنَّهُ كَانَ يَتَعَصَّبُ لَهُمْ، فَحَشَدُوا وَجَمَعُوا، فَزَادَتْ عُدَّتُهُمْ عَلَى خَمْسِينَ أَلْفًا، وَقَصَدُوا حَرْبَ الْأَجْنَادِ الصَّلَاحِيَّةِ، فَاجْتَمَعَ الْعَسْكَرُ أَيْضًا، وَقَاتَلُوهُمْ بَيْنَ الْقَصْرَيْنِ.
وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي الْفَرِيقَيْنِ، فَأَرْسَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى مَحَلَّتِهِمُ الْمَعْرُوفَةِ بِالْمَنْصُورَةِ، فَأَحْرَقَهَا عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَحَرَمِهِمْ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِذَلِكَ وَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ، فَرَكِبَهُمُ السَّيْفُ، وَأُخِذَتْ عَلَيْهِمْ أَفْوَاهُ السِّكَكِ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ بَعْدَ أَنْ كَثُرَ فِيهِمُ الْقَتْلُ، فَأُجِيبُوا إِلَى ذَلِكَ، فَأُخْرِجُوا مِنْ مِصْرَ إِلَى الْجِيزَةِ، فَعَبَرَ إِلَيْهِمْ شَمْسُ الدَّوْلَةِ تُورَانْشَاهْ أَخُو صَلَاحِ الدِّينِ الْأَكْبَرُ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَأَبَادَهُمْ بِالسَّيْفِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ الشَّرِيدُ، وَكَفَى اللَّهُ تَعَالَى شَرَّهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 5576
ذِكْرُ مُلْكِ شُمْلَةَ فَارِسَ وَإِخْرَاجِهِ عَنْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ شُمْلَةُ صَاحِبُ خُوزَسْتَانَ بِلَادَ فَارِسَ، وَأُخْرِجَ عَنْهَا، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ زَنْكِي بْنَ دَكْلَا صَاحِبَهَا أَسَاءَ السِّيرَةَ مَعَ عَسْكَرِهِ، فَأَرْسَلُوا إِلَى شُمْلَةَ بِخُوزَسْتَانَ وَحَسَّنُوا لَهُ قَصْدَ فَارِسَ، فَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَتَجَهَّزَ، وَسَارَ إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ زَنْكِي بْنُ دَكْلَا، وَوَقَعَتْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ خَامَرَ فِيهَا أَصْحَابُ زَنْكِي عَلَيْهِ، فَانْهَزَمَ فِي شِرْذِمَةٍ مِنْ عَسْكَرِهِ، وَنَجَا بِنَفْسِهِ، وَقَصَدَ الْأَكْرَادَ الشُّوَانْكَارَ وَالْتَجَأَ إِلَيْهِمْ، فَأَجَارَهُ صَاحِبُهَا، وَأَحْسَنَ ضِيَافَتَهُ.
وَنَزَلَ شُمْلَةُ بِبِلَادِ فَارِسَ فَمَلَكَهَا، فَأَسَاءَ السِّيرَةَ إِلَى أَهْلِهَا، وَنَهَبَ ابْنُ أَخِيهِ ابْنُ سَنْكَا الْبِلَادَ فَتَغَيَّرَتْ بَوَاطِنِ أَهْلِهَا عَلَيْهِ، وَاجْتَمَعَ إِلَى زَنْكِي بَعْضُ الْعَسْكَرِ الَّذِينَ خَامَرُوا عَلَيْهِ، لَمَّا رَأَوْا مِنْ سُوءِ سِيرَةِ شُمْلَةَ فِيهِمْ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ مَعَ الْأَكْرَادِ الشُّوَانْكَارِ، وَنَزَلَ بِهِمْ إِلَى الْبِلَادِ، وَكَاتَبَ عَسْكَرَهُ، وَوَعَدَهُمِ الْإِحْسَانَ، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ، فَقَصَدَ شُمْلَةَ، وَوَاقَعَهُ، فَانْهَزَمَ شُمْلَةُ، وَاسْتَعَادَ زَنْكِي بِلَادَهُ، وَرَجَعَ إِلَى مُلْكِهِ، وَعَادَ شُمْلَةُ إِلَى بِلَادِهِ خُوزَسْتَانَ.
ذِكْرُ مُلْكِ إِيلْدِكْزَ الرَّيَّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ إِيلْدِكْزُ مَدِينَةَ الرَّيِّ وَالْبِلَادَ الَّتِي كَانَتْ بِيَدِ إِينَانْجَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ إِيلْدِكْزَ كَانَ قَدِ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِينَانْجَ عَلَى مَالٍ يُؤَدِّيهِ إِلَى إِيلْدِكْزَ، فَمَنَعَهُ سَنَتَيْنِ، فَأَرْسَلَ إِيلْدِكْزُ يَطْلُبُ الْمَالَ، فَاعْتَذَرَ بِكَثْرَةِ غِلْمَانِهِ وَحَاشِيَتِهِ، فَتَجَهَّزَ إِيلْدِكْزُ وَقَصَدَ الرَّيَّ، فَالْتَقَاهُ إِينَانْجُ، وَحَارَبَهُ حَرْبًا عَظِيمَةً، فَانْهَزَمَ إِينَانْجُ، وَمَضَى مُنْهَزِمًا، فَتَحَصَّنَ بِقَلْعَةِ طَبْرَكَ، فَحَصَرَهُ إِيلْدِكْزُ فِيهَا وَرَاسَلَ سِرًّا جَمَاعَةً مِنْ مَمَالِيكِهِ، فَأَطْمَعَهُمْ فِي الْإِقْطَاعَاتِ وَالْأَمْوَالِ وَالْإِحْسَانِ الْعَظِيمِ لِيَقْتُلُوا إِينَانْجَ، فَقَتَلُوهُ، وَكَانُوا جَمَاعَةً كَثِيرَةً، وَسَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَى إِيلْدِكْزَ، فَرَتَّبَ فِيهِ عُمَرَ بْنَ عَلِيٍّ يَاغَ، وَعَادَ إِلَى هَمَذَانَ، وَلَمْ يَفِ لِلْغِلْمَانِ الَّذِينَ قَتَلُوا إِينَانْجَ وَسَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ بِمَا وَعَدَهُمْ، وَقَالَ: مِثْلَ هَؤُلَاءِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُسْتَخْدَمَ، وَأَبْعَدَهُمْ عَنْهُ، فَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ، فَسَارَ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ الَّذِي
стр. 5577
تَوَلَّى قَتْلَهُ، إِلَى خُوَارَزْم شَاهْ، فَصَلَبَهُ خُوَارَزْم شَاهْ ; نَكَالًا بِمَا فَعَلَ بِصَاحِبِهِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ رُئِيَ فِي دَارِ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَنْجِدِ بِاللَّهِ رَجُلٌ غَرِيبٌ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي يَرْكَبُ فِيهِ، وَفِي زَنْدِهِ سِكِّينٌ صَغِيرَةٌ، وَفِي يَدِهِ سِكِّينٌ أُخْرَى كَبِيرَةٌ، فَأَخَذُوهُ وَقَرَّرُوهُ، فَقَالَ: أَنَا مِنْ حَلَبَ، فَحُبِسَ وَعُوقِبَ الْبَوَّابُ، وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيْنَ دَخَلَ.
وَفِيهَا قَبَضَ ابْنُ الْبَلَدِيِّ وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ السَّيْبِيِّ، وَعَلَى أَخِيهِ الْأَصْغَرِ، وَكَانَا ابْنَيْ عَمَّةِ عَضُدِ الدِّينِ أُسْتَاذِ الدَّارِ، وَكَانَ الْأَصْغَرُ عَامِلَ الْبَيْمَارَسْتَانِ، فَقُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ، قِيلَ كَانَ عِنْدَهُ صُنُجٌ زَائِدَةٌ يَقْبِضُ بِهَا وَتَحْمِلُ إِلَى الدِّيوَانِ بِالصُنُجِ الصَّحِيحَةِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَحُمِلَ إِلَى الْبِيمَارَسْتَانِ، فَمَاتَ بِهِ، وَكَانَ شَاعِرًا، فَمِنْ شِعْرِهِ وَهُوَ مَحْبُوسٌ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ:
سَلَامٌ عَلَى أَهْلِي وَصَحْبِي وَجُلَّاسِي ... وَمَنْ فِي فُؤَادِي ذِكْرُهُمْ رَاسِبٌ رَاسِي
أُعَالِجُ فِيكُمْ كُلَّ هَمٍّ وَلَا أَرَى ... لِدَاءِ هُمُومِي غَيْرَ رُؤْيَتِكُمْ آسِي
لَقَدْ أَبْدَتِ الْأَيَّامُ لِي كُلَّ شِدَّةٍ ... تَشِيبُ لَهَا الْأَكْبَادُ فَضْلًا عَنِ الرَّاسِ
فَيَا ابْنَةَ عَبْدِ اللَّهِ صَبْرًا عَلَى الَّذِي ... لَقِيتُ فَهَذَا الْحُكْمُ مِنْ مَالِكِ النَّاسِ
فَلَوْ أَبْصَرَتْ عَيْنَاكِ ذُلِّي بَكَيْتِ لِي ... بِدَمْعٍ سَوِيٍّ بِالْمَدَامِعِ رَجَّاسِ
أَقُولُ لِقَلْبِي وَالْهُمُومُ تَنُوشُهُ ... وَقَدْ حَدَّثَتْهُ النَّفْسُ بِالضُّرِّ وَالْيَاسِ
فَلَوْ هَمَّ طَيْفٌ مِنْ خَيَالِي يَزُورُكُمْ ... لَمَانَعَهُ دُونَ الْمُغَالِقِ حُرَّاسِي
وَمَا حَذَرِي إِلَّا عَلَى النَّفْسِ لَا عَلَى سِوَاهَا ... لِأَنِّي حِلْفُ فَقْرٍ وَإِفْلَاسِ
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْمُعَمَّرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ رَجَاءٍ أَبُو أَحْمَدُ الْأَصْفَهَانِيُّ الْحَافِظُ، يَرْوِي عَنْ أَصْحَابِ أَبِي نُعَيْمٍ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِالْبَادِيَةِ ذَاهِبًا إِلَى الْحَجِّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ.
وَفِي رَجَبَ مِنْهَا تُوُفِّيَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْفَارِقِيُّ الْمُتَكَلِّمُ عَلَى النَّاسِ، وَكَانَ أَحَدَ
стр. 5578
الزُّهَّادِ، لَهُ كَرَامَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْخَاطِرِ، وَكَلَامُهُ مَجْمُوعٌ مَشْهُورٌ.
وَفِيهَا مَاتَ جُعَيْفَرٌ الرَّقَّاصُ مِنْ نُدَمَاءِ دَارِ الْخِلَافَةِ.
وَفِي شَوَّالٍ مِنْهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى الْقُرَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ.
وَفِي ذِي الْحِجَّةِ تُوُفِّيَ نَجْمُ الدِّينِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْقَاسِمِ الشَّهْرَزُورِيُّ قَاضِي الْمَوْصِلِ، وَوَلَّى ابْنَهُ حُجَّةَ الدِّينِ عَبْدَ الْقَاهِرِ الْقَضَاءَ.
стр. 5579
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
٥٦٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ حَصْرِ الْفِرِنْجِ دِمْيَاطَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرَ، نَزَلَ الْفِرِنْجُ عَلَى مَدِينَةِ دِمْيَاطَ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَحَصَرُوهَا، وَكَانَ الْفِرِنْجُ بِالشَّامِ، لَمَّا مَلَكَ أَسَدُ الدِّينِ شِيرِكُوهْ مِصْرَ، قَدْ خَافُوهُ، وَأَيْقَنُوا بِالْهَلَاكِ، وَكَاتَبُوا الْفِرِنْجَ الَّذِينَ بِصِقِلِّيَةَ وَالْأَنْدَلُسِ وَغَيْرِهِمَا يَسْتَمِدُّونَهُمْ وَيُعَرِّفُونَهُمْ مَا تُجِدِّدَ مَنْ مُلْكِ الْأَتْرَاكِ مِصْرَ، وَأَنَّهُمْ خَائِفُونَ عَلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ مِنْهُمْ، فَأَرْسَلُوا جَمَاعَةً مِنَ الْقُسُوسِ وَالرُّهْبَانِ يُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى الْحَرَكَةِ، فَأَمَدُّوهُمْ بِالْأَمْوَالِ وَالرِّجَالِ وَالسِّلَاحِ، وَاتَّعَدُوا لِلنُّزُولِ عَلَى دِمْيَاطَ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَهَا، وَيَتَّخِذُونَهَا ظَهْرًا يَمْلِكُونَ بِهِ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] فَإِلَى أَنْ دَخَلُوا كَانَ أَسَدُ الدِّينِ قَدْ مَاتَ وَمَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ، فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهَا، وَحَصَرُوهَا، وَضَيَّقُوا عَلَى مَنْ بِهَا.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا صَلَاحُ الدِّينِ الْعَسَاكِرَ فِي النِّيلِ وَحَشَرَ فِيهَا كُلَّ مَنْ عِنْدَهُ، وَأَمَدَّهُمْ بِالْأَمْوَالِ وَالسِّلَاحِ وَالذَّخَائِرِ، وَأَرْسَلَ إِلَى نُورِ الدِّينِ يَشْكُو مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْمَخَافَةِ، وَيَقُولُ: إِنِّي إِنْ تَأَخَّرْتُ عَنْ دِمْيَاطَ مَلَكَهَا الْفِرِنْجُ، وَإِنْ سِرْتُ إِلَيْهَا خَلَّفَنِي الْمِصْرِيُّونَ فِي أَهْلِهَا وَأَمْوَالِهَا بِالشَّرِّ، وَخَرَجُوا عَنْ طَاعَتِي، وَسَارُوا فِي أَثَرِي، وَالْفِرِنْجُ مِنْ أَمَامِي، فَلَا يَبْقَى لَنَا بَاقِيَةٌ.
فَسَيَّرَ نُورُ الدِّينِ الْعَسَاكِرَ إِلَيْهِ أَرْسَالًا يَتْلُو بَعْضُهَا بَعْضًا، ثُمَّ سَارَ هُوَ بِنَفْسِهِ إِلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ الشَّامِيَّةِ، فَنَهَبَهَا، وَأَغَارَ عَلَيْهَا وَاسْتَبَاحَهَا، فَوَصَلَتِ الْغَارَاتُ إِلَى مَا لَمْ تَكُنْ تَبْلُغُهُ قَبْلُ لِخُلُوِّ الْبِلَادِ مِنْ مَانَعٍ.
стр. 5580
فَلَمَّا رَأَى الْفِرِنْجُ تَتَابَعُ الْعَسَاكِرُ إِلَى مِصْرَ، وَدُخُولِ نُورِ الدِّينِ إِلَى بِلَادِهِمْ وَنَهْبِهَا وَتَخْرِيبِهَا، رَجَعُوا خَائِبِينَ لَمْ يَظْفَرُوا بِشَيْءٍ، وَوَجَدُوا بِلَادَهُمْ خَرَابًا، وَأَهْلَهَا بَيْنَ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ، فَكَانُوا مَوْضِعَ الْمَثَلِ: خَرَجَتِ النَّعَامَةُ تَطْلُبُ قَرْنَيْنِ رَجَعَتْ بِلَا أُذُنَيْنِ.
وَكَانَتْ مُدَّةُ مَقَامِهِمْ عَلَى دِمْيَاطَ خَمْسِينَ يَوْمًا أَخْرَجَ فِيهَا صَلَاحُ الدِّينِ أَمْوَالًا لَا تُحْصَى، حُكِيَ لِي أَنَّهُ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَكْرَمَ مِنَ الْعَاضِدِ، أَرْسَلَ إِلَيَّ مُدَّةً لِمَقَامِ الْفِرِنْجِ عَلَى دِمْيَاطَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ مِصْرِيَّةٍ سِوَى الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا.
ذِكْرُ حَصْرِ نُورِ الدِّينِ الْكَرَكَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، سَارَ نُورُ الدِّينِ إِلَى بَلَدَ الْفِرِنْجِ، فَحَصَرَ الْكَرَكَ، وَهُوَ مِنْ أَمْنَعِ الْمَعَاقِلِ عَلَى طَرَفِ الْبَرِّ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ أَرْسَلَ إِلَى نُورِ الدِّينِ يَطْلُبُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ وَالِدَهُ نَجْمَ الدِّينِ أَيُّوبَ، فَجَهَّزَهُ نُورُ الدِّينِ، وَسَيَّرَهُ، وَسَيَّرَ مَعَهُ عَسْكَرًا، وَاجْتَمَعَ مَعَهُ مِنَ التُّجَّارِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَانْضَافَ إِلَيْهِمْ مَنْ كَانَ لَهُ مَعَ صَلَاحِ الدِّينِ أُنْسٌ وَصُحْبَةٌ، فَخَافَ نُورُ الدِّينِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَسَارَ فِي عَسَاكِرِهِ إِلَى الْكَرَكِ، فَحَصَرَهُ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، وَنَصَبَ عَلَيْهِ الْمَجَانِيقَ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ أَنَّ الْفِرِنْجَ قَدْ جَمَعُوا لَهُ، وَسَارُوا إِلَيْهِ، وَقَدْ جَعَلُوا فِي مُقَدِّمَتِهِمْ إِلَيْهِ ابْنَ هَنْفَرِيِّ وَقَرِيبَ بْنَ الرَّقِيقِ، وَهُمَا فَارِسَا الْفِرِنْجِ فِي وَقْتِهِمَا، فَرَحَلَ نُورُ الدِّينِ نَحْوَ هَذَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ لِيَلْقَاهُمَا وَمَنْ مَعَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقَ بِهَا بَاقِي الْفِرِنْجُ، فَلَمَّا قَارَبَهُمَا رَجَعَا الْقَهْقَرَى، وَاجْتَمَعَا بِبَاقِي الْفِرِنْجِ.
وَسَلَكَ نُورُ الدِّينِ وَسَطَ بِلَادِهِمْ يَنْهَبُ وَيَحْرِقُ مَا عَلَى طَرِيقِهِ مِنَ الْقُرَى إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَنَزَلَ عَلَى عَشْتَرَا، وَأَقَامَ يَنْتَظِرُ حَرَكَةَ الْفِرِنْجِ لِيَلْقَاهُمْ، فَلَمْ
стр. 5581
يَبْرَحُوا مِنْ مَكَانِهِمْ، فَأَقَامَ هُوَ حَتَّى أَتَاهُ خَبَرُ الزَّلْزَلَةِ الْحَادِثَةِ فَرَحَلَ.
وَأَمَّا نَجْمُ الدِّينِ أَيُّوبُ فَإِنَّهُ وَصَلَ إِلَى مِصْرَ سَالِمًا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَخَرَجَ الْعَاضِدُ الْخَلِيفَةُ فَالْتَقَاهُ إِكْرَامًا لَهُ.
ذِكْرُ غَزْوَةٍ لِسَرِيَّةٍ نُورِيَّةٍ
كَانَ شِهَابُ الدِّينِ إِلْيَاسُ بْنُ إِيلْغَازِي بْنِ أَرْتِقَ، صَاحِبُ قَلْعَةِ الْبِيرَةِ، قَدْ سَارَ فِي عَسْكَرِهِ، وَهُوَ فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ، إِلَى نُورِ الدِّينِ وَهُوَ بِعَشْتَرَا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَرْيَةِ اللَّبْوَةِ، وَهِيَ مِنْ عَمَلِ بَعْلَبَكَّ، رَكِبَ مُتَصَيِّدًا، فَصَادَفَ ثَلَاثَمِائَةِ فَارِسٍ مَنَّ الْفِرِنْجِ قَدْ سَارُوا لِلْإِغَارَةِ عَلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ سَابِعَ عَشَرَ شَوَّالًا، فَوَقَعَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ لَا سِيَّمَا الْمُسْلِمُونَ، فَإِنَّ أَلْفَ فَارِسٍ لَا يَصْبِرُونَ لِحَمْلَةِ ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ إِفْرِنْجِيَّةٍ، وَكَثُرَ الْقَتْلَى بَيْنَ الطَّائِفِينَ، فَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ، وَعَمَّهُمُ الْقَتْلُ وَالْأَسْرُ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ.
وَسَارَ شِهَابُ الدِّينِ بِرُءُوسِ الْقَتْلَى وَبِالْأَسْرَى إِلَى نُورِ الدِّينِ، فَرَكِبَ نُورُ الدِّينِ وَالْعَسْكَرِ، فَلَقُوهُمْ، فَرَأَى نُورُ الدِّينِ فِي الرُّءُوسِ رَأْسَ مُقَدَّمِ الْإِسْبِتَارِ، صَاحِبِ حِصْنِ الْأَكْرَادِ، وَكَانَ مِنَ الشَّجَاعَةِ بِمَحَلٍّ كَبِيرٍ، وَكَانَ شَجًّا فِي حُلُوقِ الْمُسْلِمِينَ.
ذِكْرُ الزَّلْزَلَةِ وَمَا فَعَلَتْهُ بِالشَّامِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا، ثَانِيَ عَشَرَ شَوَّالًا، كَانَتْ زَلَازِلُ عَظِيمَةٌ مُتَتَابِعَةٌ هَائِلَةٌ لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهَا، وَعَمَّتْ أَكْثَرَ الْبِلَادِ مِنَ الشَّامِ، وَالْجَزِيرَةِ، وَالْمَوْصِلِ، وَالْعِرَاقِ، وَغَيْرِهَا
стр. 5582
مِنَ الْبِلَادِ، وَأَشَدُّهَا كَانَ بِالشَّامِ، فَخَرَّبَتْ كَثِيرًا مِنْ دِمَشْقَ، وَبَعْلَبَكَّ، وَحِمْصَ، وَحَمَاةَ، وَشَيْزَرَ، وَبُعْرَيْنَ، وَحَلَبَ، وَغَيْرَهَا، وَتَهَدَّمَتْ أَسْوَارُهَا وَقِلَاعُهَا، وَسَقَطَتِ الدُّوُرُ عَلَى أَهْلِهَا، وَهَلَكَ مِنْهُمْ مَا يَخْرُجُ عَنِ الْحَدِّ.
فَلَمَّا أَتَاهُ الْخَبَرُ سَارَ إِلَى بَعْلَبَكَّ لِيُعَمِّرَ مَا انْهَدَمَ مِنْ سُورِهَا وَقَلْعَتِهَا، فَلَمَّا وَصَلَهَا أَتَاهُ خَبَرُ بَاقِي الْبِلَادِ، وَخَرَابُ أَسْوَارِهَا وَقِلَاعِهَا، وَخُلُوِّهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَجَعَلَ بِبَعْلَبَكَّ مَنْ يُعَمِّرُهَا وَيَحْمِيهَا وَيَحْفَظُهَا، وَسَارَ إِلَى حِمْصَ، فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِلَى حَمَاةَ، (ثُمَّ إِلَى بَعْرِينَ) ، وَكَانَ شَدِيدَ الْحَذَرِ عَلَى سَائِرِ الْبِلَادِ مِنَ الْفِرِنْجِ، ثُمَّ أَتَى مَدِينَةَ حَلَبَ، فَرَأَى فِيهَا مِنْ آثَارِ الزَّلْزَلَةِ مَا لَيْسَ بِغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ قَدْ أَتَتْ عَلَيْهَا، وَبَلَغَ الرُّعْبُ مِمَّنْ نَجَا كُلَّ مَبْلَغٍ، وَكَانُوا لَا يَقْدِرُونَ [أَنْ] يَأْوُوا [إِلَى] مَسَاكِنِهِمْ خَوْفًا مِنَ الزَّلْزَلَةِ، فَأَقَامَ بِظَاهِرِهَا، وَبَاشَرَ عِمَارَتَهَا بِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى أَحْكَمَ أَسْوَارَ الْبِلَادِ وَجَوَامِعَهَا.
وَأَمَّا بِلَادُ الْفِرِنْجِ فَإِنَّ الزَّلَازِلَ أَيْضًا عَمِلَتْ بِهَا كَذَلِكَ، فَاشْتَغَلُوا بِعِمَارَةِ بِلَادِهِمْ خَوْفًا مِنْ نُورِ الدِّينِ عَلَيْهَا، فَاشْتَغَلَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِعِمَارَةِ بِلَادِهِ خَوْفًا مِنَ الْآخَرِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِي وَمُلْكِ ابْنِهِ سَيْفِ الدِّينِ غَازِي
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْحِجَّةِ، مَاتَ قُطْبُ الدِّينِ مَوْدُودُ بْنُ زَنْكِي، ابْنُ آقَنَسْقَرَ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، بِالْمَوْصِلِ، وَكَانَ مَرَضُهُ حُمَّى حَادَّةً، وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ
стр. 5583
أَوْصَى بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ لِابْنِهِ الْأَكْبَرِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي، ثُمَّ عَدَلَ عَنْهُ إِلَى ابْنِهِ الْآخَرِ سَيْفِ الدِّينِ غَازِي، وَإِنَّمَا صَرَفَ الْمُلْكَ عَنِ ابْنِهِ الْأَكْبَرِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي بْنِ مَوْدُودٍ ; لِأَنَّ الْقَيِّمَ بِأُمُورِ دَوْلَتِهِ، وَالْمُقَدَّمَ فِيهَا، كَانَ خَادِمًا لَهُ يُقَالُ لَهُ فَخْرُ الدِّينِ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَكَانَ يَكْرَهُ عِمَادَ الدِّينِ ; لِأَنَّهُ كَانَ طَوْعَ عَمِّهِ نُورِ الدِّينِ، لِكَثْرَةِ مَقَامِهِ عِنْدَهُ، وَلِأَنَّهُ زَوْجُ ابْنَتِهِ، وَكَانَ نُورُ الدِّينِ يَبْغَضُ عَبْدَ الْمَسِيحِ، فَاتَّفَقَ فَخْرُ الدِّينِ وَخَاتُونُ ابْنَةِ حُسَامِ الدِّينِ تَمَرْتَاشَ بْنِ إِيلْغَازِي، وَهِيَ وَالِدَةُ سَيْفِ الدِّينِ، عَلَى صَرْفِ الْمُلْكِ عَنْ عِمَادِ الدِّينِ إِلَى سَيْفِ الدِّينِ، فَرَحَلَ عِمَادُ الدِّينِ إِلَى عَمِّهِ نُورِ الدِّينِ مُسْتَنْصِرًا بِهِ ; لِيُعِينَهُ عَلَى أَخْذِ الْمُلْكِ لِنَفْسِهِ.
وَتُوُفِّيَ قُطْبُ الدِّينِ وَعُمُرُهُ نَحْوَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ مُلْكُهُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَنِصْفًا، وَكَانَ فَخْرُ الدِّينِ هُوَ الْمُدَبِّرُ لِلْأُمُورِ وَالْحَاكِمُ فِي الدَّوْلَةِ، وَكَانَ قُطْبُ الدِّينِ مِنْ أَحْسَنِ الْمُلُوكِ سِيرَةً، وَأَعَفِّهِمْ عَنْ أَمْوَالِ رَعِيَّتِهِ، مُحْسِنًا إِلَيْهِمْ، كَثِيرَ الْإِنْعَامِ عَلَيْهِمْ، مَحْبُوبًا إِلَى كَبِيرِهِمْ وَصَغِيرِهِمْ، عَطُوفًا عَلَى شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ، كَرِيمَ الْأَخْلَاقِ، حَسَنَ الصُّحْبَةِ لَهُمْ، فَكَأَنَّ الْقَائِلَ أَرَادَهُ بِقَوْلِهِ:
خُلُقٌ كَمَاءِ الْمُزْنِ طِيبَ مَذَاقَةٍ ... وَالرَّوْضَةِ الْغَنَّاءِ طِيبَ نَسِيمِ
كَالسَّيْفِ لَكِنْ فِيهِ حِلْمٌ وَاسِعٌ ... عَمَّنْ جَنَى وَالسَّيْفُ غَيْرُ حَلِيمِ
كَالْغَيْثِ إِلَّا أَنَّ وَابِلَ جُودِهِ ... أَبَدًا وُجُودُ الْغَيْثِ غَيْرُ مُقِيمِ
كَالدَّهْرِ إِلَّا أَنَّهُ ذُو رَحْمَةٍ ... وَالدَّهْرُ قَاسِي الْقَلْبِ غَيْرُ رَحِيمِ
وَكَانَ سَرِيعَ الِانْفِعَالِ لِلْخَيْرِ، بَطِيئًا عَنِ الشَّرِّ، جَمَّ الْمَنَاقِبِ، قَلِيلَ الْمَعَايِبِ، ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ وَعَنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ، إِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ.
ذِكْرُ حَالَةٍ يَنْبَغِي لِلْمُلُوكِ أَنْ يَحْتَرِزُوا مِنْ مِثْلِهَا
حَدَّثَنِي وَالِدِي، ﵀، قَالَ: كُنْتُ أَتَوَلَّى جَزِيرَةَ ابْنِ عُمَرَ لِقُطْبِ الدِّينِ، كَمَا عَلِمْتُمْ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَسِيرٍ أَتَانَا كِتَابٌ مِنَ الدِّيوَانِ بِالْمَوْصِلِ يَأْمُرُونَ بِمِسَاحَةِ جَمِيعِ بَسَاتِينِ الْعَقِيمَةِ، وَهَذِهِ الْعَقِيمَةُ هِيَ قَرْيَةٌ تُحَاذِي الْجَزِيرَةَ بَيْنَهُمَا دِجْلَةُ، وَلَهَا
стр. 5584
بَسَاتِينُ كَثِيرَةٌ بَعْضُهَا يُمْسَحُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ شَيْءٌ مَعْلُومٌ، وَبَعْضُهَا عَلَيْهِ خَرَاجٌ، وَبَعْضُهَا مُطْلَقٌ مِنَ الْجَمِيعِ.
قَالَ: وَكَانَ لِي فِيهَا مِلْكٌ كَثِيرٌ، فَكُنْتُ أَقُولُ: إِنَّ الْمَصْلَحَةَ أَنْ لَا يُغَيَّرَ عَلَى النَّاسِ شَيْءٌ، وَمَا أَقُولُ هَذَا لِأَجْلِ مِلْكِي، فَإِنَّنِي أَنَا أَمْسَحُ مِلْكِي، وَإِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ يَدُومَ الدُّعَاءُ مِنَ النَّاسِ لِلدَّوْلَةِ، فَجَاءَنِي كِتَابُ النَّائِبِ يَقُولُ: لَا بُدَّ مِنَ الْمِسَاحَةِ، قَالَ: فَأَظْهَرْتُ الْأَمْرَ، وَكَانَ بِهَا قَوْمٌ صَالِحُونَ، لِي بِهِمْ أُنْسٌ، وَبَيْنَنَا مَوَدَّةٌ، فَجَاءَنِي النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَأُولَئِكَ مَعَهُمْ، يَطْلُبُونَ الْمُرَاجَعَةَ، فَأَعْلَمْتُهُمْ أَنَّنِي رَجَعْتُ وَمَا أُجِبْتُ إِلَى ذَلِكَ، فَجَاءَنِي مِنْهُمْ رَجُلَانِ أَعْرِفُ صَلَاحَهُمَا، وَطَلَبَا مِنِّي الْمُعَاوَدَةَ وَمُخَاطَبَةً ثَانِيَةً، فَفَعَلْتُ، فَأَصَرُّوا عَلَى الْمَسْحِ، فَعَرَّفْتُهُمَا الْحَالَ.
قَالَ: فَمَا مَضَى إِلَّا عِدَّةُ أَيَّامٍ، وَإِذْ قَدْ جَاءَنِي الرَّجُلَانِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمَا ظَنَنْتُ أَنَّهُمَا جَاءَا يَطْلُبَانِ الْمُعَاوَدَةَ، فَعَجِبْتُ مِنْهُمَا، وَأَخَذْتُ أَعْتَذِرُ إِلَيْهِمَا، فَقَالَا: مَا جِئْنَا إِلَيْكَ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا جِئْنَا نُعَرِّفَكَ أَنَّ حَاجَتَنَا قُضِيَتْ، قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُمَا قَدْ أَرْسَلَا إِلَى الْمَوْصِلِ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَهُمَا، فَقُلْتُ: مَنِ الَّذِي خَاطَبَ فِي هَذَا بِالْمَوْصِلِ؟ فَقَالَا: إِنَّ حَاجَتَنَا قَدْ قُضِيَتْ مِنَ السَّمَاءِ، وَلِكَافَّةِ أَهْلِ الْعَقِيمَةِ.
قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّ هَذَا مِمَّا قَدْ حَدَّثَا بِهِ نُفُوسَهُمَا، ثُمَّ قَامَا عَنِّي، لَمْ يَمْضِ غَيْرُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَإِذْ قَدْ جَاءَنَا كِتَابٌ مِنَ الْمَوْصِلِ يَأْمُرُونَ بِإِطْلَاقِ الْمِسَاحَةِ وَالْمُحْبَسِينَ وَالْمُكُوسَ، وَيَأْمُرُونَ بِالصَّدَقَةِ، وَيُقَالُ: إِنَّ السُّلْطَانَ، يَعْنِي قُطْبَ الدِّينِ، مَرِيضٌ، يَعْنِي عَلَى حَالَةٍ شَدِيدَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ جَاءَنَا الْكِتَابُ بِوَفَاتِهِ، فَعَجِبْتُ مِنْ قَوْلِهِمَا، وَاعْتَقَدْتُهُ كَرَامَةً لَهُمَا، فَصَارَ وَالِدِي بَعْدَ ذَلِكَ يُكْثِرُ إِكْرَامَهُمَا وَاحْتِرَامَهُمَا وَيَزُورُهُمَا.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَسَاكِرِ ابْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَابْنِ مَرْدَنِيشَ
كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مَرْدَنِيشَ، مَلَكَ شَرْقَ الْأَنْدَلُسِ، قَدِ اتَّفَقَ هُوَ وَالْفِرِنْجُ، وَامْتَنَعَ عَلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَابْنِهِ بَعْدَهُ، فَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ، لَا سِيَّمَا بَعْدَ وَفَاةِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ،
стр. 5585
فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ جَهَّزَ إِلَيْهِ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْعَسَاكِرَ الْكَثِيرَةَ مَعَ أَخِيهِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَجَاسُوا بِلَادَهُ وَخَرَّبُوهَا، وَأَخَذُوا مَدِينَتَيْنِ مِنْ بِلَادِهِ، وَأَخَافُوا عَسَاكِرَهُ وَجُنُودَهُ، وَأَقَامُوا بِبِلَادِهِ مُدَّةً يَنْتَقِلُونَ فِيهَا وَيَجْبُونَ أَمْوَالَهَا.
ذِكْرُ وَفَاةِ صَاحِبِ كَرْمَانَ وَالْخُلْفِ بَيْنَ أَوْلَادِهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمَلِكُ طُغْرُلُ بْنُ قَاوَرْتَ صَاحِبُ كَرْمَانَ، وَاخْتَلَفَ أَوْلَادُهُ بَهْرَام شَاهْ وَأَرْسِلَان شَاهْ، وَهُوَ الْأَكْبَرُ، وَجَرَى بَيْنَهُمَا قِتَالٌ انْهَزَمَ فِيهِ بَهْرَام شَاهْ وَمَعَهُ أَخٌ لَهُ اسْمُهُ تُرْكَان شَاهْ، فَمَلَكَ الْبِلَادَ أَرْسِلَان شَاهْ، وَمَضَى بَهْرَام شَاهْ إِلَى خُرَاسَانَ، فَدَخَلَ عَلَى الْمُؤَيَّدِ صَاحِبِ نَيْسَابُورَ وَاسْتَنْجَدَهُ، فَأَنْجَدَهُ بِعَسَاكِرَ سَارَ بِهَا إِلَى كَرْمَانَ، فَجَرَى بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ حَرْبٌ ظَفِرَ فِيهَا بَهْرَام شَاهْ، [وَهَرَبَ أَرْسِلَان شَاهْ، فَقَصَدَ أَصْفَهَانَ مُسْتَجِيرًا بِإِيلْدِكْزَ، فَأَنْفَذَ مَعَهُ عَسْكَرًا، وَاسْتَنْقَذُوا الْبِلَادَ مِنْ بَهْرَام شَاهْ وَسَلَّمُوهَا إِلَى أَخِيهِ أَرْسِلَان شَاهْ فَعَادَ] بَهْرَام شَاهْ إِلَى نَيْسَابُورَ مُسْتَجِيرًا بِالْمُؤَيَّدِ صَاحِبِهَا، فَأَقَامَ عِنْدَهُ، فَاتَّفَقَ أَنَّ أَخَاهُ أَرْسِلَان شَاهْ مَاتَ، فَسَارَ إِلَى كَرْمَانَ، فَمَلَكَهَا، وَأَقَامَ بِهَا بِغَيْرِ مُنَازِعٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَثُرَتِ الْأَذِيَّةُ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطَاءٍ، وَتَطَرَّقَ بِلَادَ حُلْوَانَ، وَنَهَبَ وَأَفْسَدَ، وَتَطَرَّقَ الْحُجَّاجُ، فَأُنْفِذَ إِلَيْهِ مِنْ بَغْدَادَ عَسْكَرٌ، فَنَازَلُوهُ فِي قِلَاعِهِ، وَضَايَقُوهُ، وَنَهَبُوا أَمْوَالَهُ وَأَمْوَالَ أَهْلِهِ، حَتَّى أَذْعَنَ بِالطَّاعَةِ، وَلَا يُعَاوِدُ أَذَى الْحُجَّاجِ وَلَا غَيْرِهِمْ، فَعَادَ الْعَسْكَرُ عَنْهُ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مَجْدُ الدِّينِ أَبُو بَكْرِ بْنُ الدَّايَةِ، وَهُوَ رَضِيعُ نُورِ الدِّينِ، وَكَانَ أَعْظَمَ الْأُمَرَاءِ مَنْزِلَةً عِنْدَهُ، وَلَهُ فِي أَقْطَاعِهِ حَلَبُ وَحَارِمُ وَقَلْعَةُ جَعْبَرَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَدَّ نُورُ الدِّينِ مَا كَانَ لَهُ إِلَى أَخِيهِ شَمْسِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ الدَّايَةِ.
وَفِيهَا، فِي شَعْبَانَ، تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ شَافِعٍ أَبُو الْفَضْلِ الْجِيلِيُّ بِبَغْدَادَ، وَهُوَ مِنْ مَشْهُورِي الْمُحَدِّثِينَ. الْجِيلِيُّ: بِالْجِيمِ وَالْيَاءُ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ.
стр. 5586
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
٥٦٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُسْتَنْجِدِ بِاللَّهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، تَاسِعَ رَبِيعٍ الْآخِرِ، تُوُفِّيَ الْمُسْتَنْجِدُ بِاللَّهِ أَبُو الْمُظَفَّرِ يُوسُفُ بْنُ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَاقِي النَّسَبِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ، اسْمُهَا طَاوُسُ، وَقِيلَ نَرْجِسُ، رُومِيَّةٌ، وَمَوْلِدُهُ مُسْتَهَلُّ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ عَشْرٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَشَهْرًا وَسِتَّةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ أَسْمَرَ، تَامَّ الْقَامَةِ، طَوِيلَ اللِّحْيَةِ.
وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّهُ مَرِضَ وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، وَكَانَ قَدْ خَافَهُ أُسْتَاذُ الدَّارِ عَضُدُ الدِّينِ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ، وَقُطْبُ الدِّينِ قَايْمَازُ الْمَقْتَفَوِيُّ، وَهُوَ حِينَئِذٍ أَكْبَرُ أَمِيرٍ بِبَغْدَادَ، فَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُ الْخَلِيفَةِ اتَّفَقَا، وَوَضَعَا الطَّبِيبَ عَلَى أَنْ يَصِفَ لَهُ مَا يُؤْذِيهِ، فَوَصَفَ لَهُ دُخُولَ الْحَمَّامِ، فَامْتَنَعَ لِضَعْفِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ دَخَلَ وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَمَاتَ.
وَهَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِمَّنْ يَعْلَمُ الْحَالَ، وَقِيلَ إِنَّ الْخَلِيفَةَ كَتَبَ إِلَى وَزِيرِهِ مَعَ طَبِيبِهِ ابْنِ صَفِيَّةَ يَأْمُرُهُ بِالْقَبْضِ عَلَى أُسْتَاذِ الدَّارِ وَقُطْبِ الدِّينِ وَصَلْبِهِمَا، فَاجْتَمَعَ ابْنُ صَفِيَّةَ بِأُسْتَاذِ الدَّارِ، وَأَعْطَاهُ خَطَّ الْخَلِيفَةِ، فَقَالَ لَهُ: تَعُودُ وَتَقُولُ إِنَّنِي أَوْصَلْتُ الْخَطَّ إِلَى الْوَزِيرِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَأَحْضَرَ أُسْتَاذَ الدَّارِ قُطْبَ الدِّينِ وَيَزْدِنَ وَأَخَاهُ تَنَامِشَ، وَعَرَضَ الْخَطَّ عَلَيْهِمْ، فَاتَّفَقُوا عَلَى قَتْلِ الْخَلِيفَةِ، فَدَخَلَ إِلَيْهِ يَزْدِنُ وَقَايْمَازُ الْحُمَيْدِيُّ، فَحَمَلَاهُ إِلَى الْحَمَّامِ وَهُوَ يَسْتَغِيثُ وَأَلْقَيَاهُ، وَأَغْلَقَا الْبَابَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَصِيحُ إِلَى أَنْ مَاتَ، ﵀.
وَكَانَ وَزِيرُهُ حِينَئِذٍ أَبَا جَعْفَرِ بْنَ الْبَلَدِيِّ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ أُسْتَاذِ الدَّارِ عَضُدِ الدِّينِ
стр. 5587
عَدَاوَةٌ مُسْتَحْكِمَةٌ، لِأَنَّ الْمُسْتَنْجِدَ بِاللَّهِ كَانَ يَأْمُرُهُ بِأَشْيَاءَ تَتَعَلَّقُ بِهِمَا فَيَفْعَلُهَا، فَكَانَا يَظُنَّانِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسْعَى بِهِمَا، فَلَمَّا مَرِضَ الْمُسْتَنْجِدُ وَأُرْجِفَ بِمَوْتِهِ، رَكِبَ الْوَزِيرُ وَمَعَهُ الْأُمَرَاءُ وَالْأَجْنَادُ وَغَيْرُهُمْ بِالْعُدَّةِ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدَهُ خَبَرُ مَوْتِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَضُدُ الدِّينِ يَقُولُ: إِنْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ خَفَّ مَا بِهِ مِنَ الْمَرَضِ، وَأَقْبَلَتِ الْعَافِيَةُ، فَخَافَ الْوَزِيرُ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ الْخِلَافَةِ بِالْجُنْدِ، فَرُبَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَعَادَ إِلَى دَارِهِ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ، وَكَانَ عَضُدُ الدِّينِ وَقُطْبُ الدِّينِ قَدِ اسْتَعَدَّا لِلْهَرَبِ لَمَّا رَكِبَ الْوَزِيرُ خَوْفًا مِنْهُ إِنْ دَخَلَ الدَّارَ أَنْ يَأْخُذَهُمَا، فَلَمَّا عَادَ أَغْلَقَ أُسْتَاذُ الدَّارِ أَبْوَابَ الدَّارِ، وَأَظْهَرُوا وَفَاةَ الْمُسْتَنْجِدِ، وَأَحْضَرَ هُوَ وَقُطْبُ الدِّينِ ابْنَهُ أَبَا مُحَمَّدٍ الْحَسَنَ، وَبَايَعَاهُ بِالْخِلَافَةِ، وَلَقَّبَاهُ الْمُسْتَضِيءَ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ شُرُوطًا أَنْ يَكُونَ عَضُدُ الدِّينِ وَزِيرًا، وَابْنُهُ كَمَالُ الدِّينِ أُسْتَاذَ الدَّارِ، وَقُطْبُ الدِّينِ أَمِيرَ الْعَسْكَرِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ.
وَلَمْ يَتَوَلَّ الْخِلَافَةَ مَنِ اسْمُهُ الْحَسَنُ إِلَّا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَالْمُسْتَضِيءُ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَاتَّفَقَا فِي الْكُنْيَةِ وَالْكَرَمِ، فَبَايَعَهُ أَهْلُ بَيْتِهِ الْخَاصَّةُ يَوْمَ تُوُفِّيَ أَبُوهُ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ مِنَ الْغَدِ فِي التَّاجِ بَيْعَةً عَامَّةً، وَأَظْهَرَ مِنَ الْعَدْلِ أَضْعَافَ مَا عَمِلَ أَبُوهُ، وَفَرَّقَ أَمْوَالًا جَلِيلَةَ الْمِقْدَارِ.
وَعَلِمَ الْوَزِيرُ ابْنُ الْبَلَدِيِّ، فَسُقِطَ فِي يَدِهِ وَقَرَعَ سِنَّهُ ; نَدَمًا عَلَى مَا فَرَّطَ فِي عَوْدِهِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ، وَأَتَاهُ مَنْ يَسْتَدْعِيهِ لِلْجُلُوسِ لِلْعَزَاءِ وَالْبَيْعَةِ لِلْمُسْتَضِيءِ، فَمَضَى إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، فَلَمَّا دَخَلَهَا صُرِفَ إِلَى مَوْضِعٍ وَقُتِلَ وَقُطِّعَ قِطَعًا، وَأُلْقِي فِي دِجْلَةَ، ﵀، وَأُخِذَ جَمِيعُ مَا فِي دَارِهِ، فَرَأَيَا فِيهَا خُطُوطَ الْمُسْتَنْجِدِ بِاللَّهِ يَأْمُرُهُ فِيهَا بِالْقَبْضِ عَلَيْهِمَا، وَخَطَّ الْوَزِيرِ قَدْ رَاجَعَهُ فِي ذَلِكَ، وَصَرَفَهُ عَنْهُ، فَلَمَّا وَقَفَا عَلَيْهِمَا عَرَفَا بَرَاءَتَهُ مِمَّا كَانَا يَظُنَّانِ فِيهِ، فَنَدِمَا حَيْثُ فَرَّطَا فِي قَتْلِهِ.
وَكَانَ الْمُسْتَنْجِدُ بِاللَّهِ مِنْ أَحْسَنِ الْخُلَفَاءِ سِيرَةً مَعَ الرَّعِيَّةِ، عَادِلًا فِيهِمْ، كَثِيرَ الرِّفْقِ بِهِمْ، وَأَطْلَقَ كَثِيرًا مِنَ الْمُكُوسِ، وَلَمْ يَتْرُكْ بِالْعِرَاقِ مِنْهَا شَيْئًا، وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى أَهْلِ الْعَيْثِ وَالْفَسَادِ وَالسِّعَايَةِ بِالنَّاسِ.
بَلَغَنِي أَنَّهُ قَبَضَ عَلَى إِنْسَانٍ كَانَ يَسْعَى بِالنَّاسِ، فَأَطَالَ حَبْسَهُ، فَشَفَعَ فِيهِ بَعْضُ
стр. 5588
أَصْحَابِهِ الْمُخْتَصِّينَ بِخِدْمَتِهِ، وَبَذَلَ عَنْهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، فَقَالَ: أَنَا أُعْطِيكَ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ وَتُحْضِرُ لِي إِنْسَانًا آخَرَ مِثْلَهُ لِأَكُفَّ شَرَّهُ عَنِ النَّاسِ، وَلَمْ يُطْلِقْهُ، وَرَدَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَمْوَالِ عَلَى أَصْحَابِهَا، وَقَبَضَ عَلَى الْقَاضِي ابْنِ الْمُرَخَّمِ، وَأَخَذَ مِنْهُ مَالًا كَثِيرًا، فَأَعَادَهُ عَلَى أَصْحَابِهِ أَيْضًا، وَكَانَ ابْنُ الْمُرَخَّمِ ظَالِمًا جَائِرًا فِي أَحْكَامِهِ.
ذِكْرُ مُلْكِ نُورِ الدِّينِ الْمَوْصِلَ وَإِقْرَارِ سَيْفِ الدِّينِ عَلَيْهَا
لَمَّا بَلَغَ نُورَ الدِّينِ مَحْمُودًا وَفَاةُ أَخِيهِ قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودٍ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَمُلْكُ وَلَدِهِ سَيْفِ الدِّينِ غَازِي الْمَوْصِلَ وَالْبِلَادَ الَّتِي كَانَتْ لِأَبِيهِ، بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَقِيَامُ فَخْرِ الدِّينِ عَبْدِ الْمَسِيحِ بِالْأَمْرِ مَعَهُ، وَتَحَكُّمُهُ عَلَيْهِ، أَنِفَ لِذَلِكَ، وَكَبُرَ لَدَيْهِ، وَعَظُمَ عَلَيْهِ، وَكَانَ يُبْغِضُ فَخْرَ الدِّينِ لِمَا يَبْلُغُهُ عَنْهُ مِنْ خُشُونَةِ سِيَاسَتِهِ، فَقَالَ: أَنَا أَوْلَى بِتَدْبِيرِ أَوْلَادِ أَخِي وَمُلْكِهِمْ، وَسَارَ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْعَزَاءِ جَرِيدَةً فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَعَبَرَ الْفُرَاتَ، عِنْدَ قَلْعَةِ جَعْبَرَ، مُسْتَهَلَّ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَصَدَ الرَّقَّةَ فَحَصَرَهَا وَأَخَذَهَا.
ثُمَّ سَارَ إِلَى الْخَابُورِ فَمَلَكَهُ جَمِيعَهُ، وَمَلَكَ نَصِيبِينَ، وَأَقَامَ بِهَا يَجْمَعُ الْعَسَاكِرَ، فَأَتَاهُ بِهَا نُورُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ قَرَا أَرْسِلَان بْنِ دَاوُدَ، صَاحِبُ حِصْنِ كَيْفَا، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَكَانَ قَدْ تَرَكَ أَكْثَرَ عَسَاكِرِهِ بِالشَّامِ ; لِحِفْظِ ثُغُورِهِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ سَارَ إِلَى سَنْجَارَ، فَحَصَرَهَا، وَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، وَمَلَكَهَا، وَسَلَّمَهَا إِلَى عِمَادِ الدِّينِ ابْنِ أَخِيهِ قُطْبِ الدِّينِ.
وَكَانَ قَدْ جَاءَتْهُ كُتُبُ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ بِالْمَوْصِلِ سِرًّا، يَبْذُلُونَ لَهُ الطَّاعَةَ، وَيَحُثُّونَهُ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِمْ، فَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ فَأَتَى مَدِينَةَ بَلَدٍ، وَعَبَرَ دِجْلَةَ عِنْدَهَا مَخَاضَةً إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَسَارَ فَنَزَلَ شَرْقَ الْمَوْصِلِ عَلَى حِصْنِ نِينَوَى، وَدِجْلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْصِلِ، وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ يَوْمَ نُزُولِهِ سَقَطَ مِنْ سُورِ الْمَوْصِلِ بَدَنَةٌ كَبِيرَةٌ.
وَكَانَ سَيْفُ الدِّينِ غَازِي وَفَخْرُ الدِّينِ قَدْ سَيَّرَا عِزَّ الدِّينِ مَسْعُودَ بْنَ قُطْبِ الدِّينِ إِلَى أَتَابِكِ شَمْسِ الدِّينِ إِيلْدِكْزَ، صَاحِبِ هَمَذَانَ وَبَلَدِ الْجَبَلِ، وَأَذْرَبِيجَانَ، وَأَصْفَهَانَ، وَالرَّيِّ وَتِلْكَ الْأَعْمَالِ يَسْتَنْجِدُهُ عَلَى عَمِّهِ نُورِ الدِّينِ، فَأَرْسَلَ إِيلْدِكْزُ رَسُولًا إِلَى نُورِ
стр. 5589
الدِّينِ يَنْهَاهُ عَنِ التَّعَرُّضِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّ هَذِهِ الْبِلَادَ لِلسُّلْطَانِ، فَلَا تَقْصِدْهَا، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، وَقَالَ لِلرَّسُولِ: قُلْ لِصَاحِبِكَ أَنَا أَصْلَحُ لِأَوْلَادِ أَخِي مِنْكَ، فَلِمَ تُدْخِلْ نَفْسَكَ بَيْنَنَا؟ وَعِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ إِصْلَاحِ بِلَادِهِمْ يَكُونُ الْحَدِيثُ مَعَكَ عَلَى بَابِ هَمَذَانَ، فَإِنَّكَ قَدْ مَلَكْتَ هَذِهِ الْمَمْلَكَةَ الْعَظِيمَةَ، وَأَهْمَلْتَ الثُّغُورَ حَتَّى غَلَبَ الْكَرَجُ عَلَيْهَا، وَقَدْ بُلِيتُ أَنَا، وَلِي مِثْلُ رُبُعِ بِلَادِكَ، بِالْفِرِنْجِ، وَهُمْ أَشْجَعُ الْعَالَمِ، فَأَخَذْتُ مُعْظَمَ بِلَادِهِمْ، وَأَسَرْتُ مُلُوكَهُمْ، وَلَا يَحِلُّ لِيَ السُّكُوتُ عَنْكَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا الْقِيَامُ بِحِفْظِ مَا أَهْمَلْتَ وَإِزَالَةُ الظُّلْمِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ.
فَأَقَامَ نُورُ الدِّينِ عَلَى الْمَوْصِلِ، فَعَزَمَ مَنْ بِهَا مِنَ الْأُمَرَاءِ عَلَى مُجَاهَرَةِ فَخْرِ الدِّينِ عَبْدِ الْمَسِيحِ بِالْعِصْيَانِ، وَتَسْلِيمِ الْبَلَدِ إِلَى نُورِ الدِّينِ، فَعَلِمَ ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَى نُورِ الدِّينِ فِي تَسْلِيمِ الْبَلَدِ إِلَيْهِ عَلَى أَنْ يُقِرَّهُ بِيَدِ سَيْفِ الدِّينِ، وَيَطْلُبَ لِنَفْسِهِ الْأَمَانَ وَلِمَالِهِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَشَرَطَ أَنَّ فَخْرَ الدِّينِ يَأْخُذُهُ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ، وَيُعْطِيهِ عِنْدَهُ إِقْطَاعًا يُرْضِيهِ، فَتَسَلَّمَ الْبَلَدَ ثَالِثَ عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَدَخَلَ الْقَلْعَةَ مِنْ بَابِ السِّرِّ ; لِأَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ عِصْيَانُ عَبْدِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا إِلَّا مِنْ أَحْصَنِ مَوْضِعٍ فِيهَا، وَلَمَّا مَلَكَهَا أَطْلَقَ مَا بِهَا مِنَ الْمُكُوسِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَبْوَابِ الْمَظَالِمِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِنَصِيبِينَ وَسَنَجَارَ وَالْخَابُورِ، وَهَكَذَا كَانَ جَمِيعُ بِلَادِهِ مِنَ الشَّامِ وَمِصْرَ.
وَوَصَلَهُ، وَهُوَ عَلَى الْمَوْصِلِ يُحَاصِرُهَا، خِلْعَةٌ مِنَ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَضِيءِ بِأَمْرِ اللَّهِ، فَلَبِسَهَا، وَلَمَّا مَلَكَ الْمَوْصِلَ خَلَعَهَا عَلَى سَيْفِ الدِّينِ ابْنِ أَخِيهِ، وَأَمَرَهُ وَهُوَ بِالْمَوْصِلِ بِعِمَارَةِ الْجَامِعِ النُّورِيِّ، وَرَكِبَ هُوَ بِنَفْسِهِ إِلَى مَوْضِعِهِ، فَرَآهُ، وَصَعِدَ مَنَارَةَ مَسْجِدِ أَبِي حَاضِرٍ فَأَشْرَفَ مِنْهَا عَلَى مَوْضِعِ الْجَامِعِ، فَأَمَرَ أَنْ يُضَافَ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي شَاهَدَهَا مَا يُجَاوِرُهَا مِنَ الدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ، وَأَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهَا شَيْءٌ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ أَصْحَابِهِ. وَوَلَّى الشَّيْخَ عُمَرَ الْمُلَّا عِمَارَتَهُ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ الْأَخْيَارِ، فَاشْتَرَى الْأَمْلَاكَ مِنْ أَصْحَابِهَا بِأَوْفَرِ الْأَثْمَانِ، وَعَمَّرَهُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ، وَفَرَغَ مِنْ عِمَارَتِهِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَعَادَ إِلَى الشَّامِ، وَاسْتَنَابَ فِي قَلْعَةِ الْمَوْصِلِ خَصِيًّا كَانَ لَهُ اسْمُهُ كَمُشْتَكِينُ، وَلَقَبُهُ سَعْدُ الدِّينِ، وَأَمَرَ سَيْفَ الدِّينِ أَنْ لَا يَنْفَرِدَ عَنْهُ بِقَلِيلٍ مِنَ الْأُمُورِ وَلَا بِكَثِيرٍ،
стр. 5590
وَحَكَّمَهُ [فِي الْبِلَادِ] وَأَقْطَعَ مَدِينَةَ سَنَجَارَ لِعِمَادِ الدِّينِ ابْنِ أَخِيهِ قُطْبِ الدِّينِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الشَّهْرَزُورِيِّ: هَذَا طَرِيقٌ إِلَى أَذًى يَحْصُلُ لِبَيْتِ أَتَابِكِ ; لِأَنَّ عِمَادَ الدِّينِ كَبِيرٌ لَا يَرَى طَاعَةَ سَيْفِ الدِّينِ، [وَسَيْفَ الدِّينِ] هُوَ الْمَلِكُ لَا يَرَى الْإِغْضَاءَ لِعِمَادِ الدِّينِ فَيَحْصُلُ الْخُلْفُ، وَيَطْمَعُ الْأَعْدَاءُ، فَكَانَ كَذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ سَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَ مَقَامُ نُورِ الدِّينِ بِالْمَوْصِلِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ فَخْرَ الدِّينِ عَبْدَ الْمَسِيحِ، وَغَيَّرَ اسْمَهُ فَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَأَقْطَعَهُ إِقْطَاعًا كَبِيرًا.
ذِكْرُ غَزْوَةِ صَلَاحِ الدِّينِ بِلَادَ الْفِرِنْجِ وَفَتْحِ أَيْلَةَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ صَلَاحُ الدِّينِ أَيْضًا عَنْ مِصْرَ إِلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ، فَأَغَارَ عَلَى أَعْمَالِ عَسْقَلَانَ وَالرَّمْلَةِ، وَهَجَمَ عَلَى رَبَضِ غَزَّةَ فَنَهَبَهُ، وَأَتَاهُ مَلِكُ الْفِرِنْجِ فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ مُسْرِعِينَ لِرَدِّهِ عَنِ الْبِلَادِ، فَقَاتَلَهُمْ وَهَزَمَهُمْ، وَأَفْلَتَ مَلِكُ الْفِرِنْجِ بَعْدَ أَنْ أَشْرَفَ أَنْ يُؤْخَذَ أَسِيرًا، وَعَادَ إِلَى مِصْرَ، وَعَمِلَ مَرَاكِبَ مُفَصَّلَةً، وَحَمَلَهَا قِطَعًا عَلَى الْجِمَالِ فِي الْبَرِّ، وَقَصَدَ أَيْلَةَ، فَجَمَعَ قِطَعَ الْمَرَاكِبِ وَأَلْقَاهَا فِي الْبَحْرِ، وَحَصَرَ أَيْلَةَ بَرًّا وَبَحْرًا وَفَتَحَهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَّلِ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَاسْتَبَاحَ أَهْلَهَا وَمَا فِيهَا وَعَادَ إِلَى مِصْرَ.
ذِكْرُ مَا اعْتَمَدَهُ صَلَاحُ الدِّينِ بِمِصْرَ هَذِهِ السَّنَةَ
كَانَ بِمِصْرَ دَارٌ لِلشِّحْنَةِ تُسَمَّى دَارُ الْمَعُونَةِ يَحْبِسُ فِيهَا مَنْ يُرِيدُ حَبْسَهُ، فَهَدَمَهَا صَلَاحُ الدِّينِ، وَبَنَاهَا مَدْرَسَةً لِلشَّافِعِيَّةِ، وَأَزَالَ مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الظُّلْمِ، وَبَنَى دَارَ
стр. 5591
الْعَدْلِ مَدْرَسَةً لِلشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا، وَعَزَلَ قُضَاةَ الْمِصْرِيِّينَ، وَكَانُوا شِيعَةً، وَأَقَامَ قَاضِيًا شَافِعِيًّا فِي مِصْرَ، فَاسْتَنَابَ الْقُضَاةَ الشَّافِعِيَّةِ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اشْتَرَى تَقِيُّ الدِّينِ عُمَرُ ابْنُ أَخِي صَلَاحِ الدِّينِ مَنَازِلَ الْعِزِّ بِمِصْرَ، وَبَنَاهَا مَدْرَسَةً لِلشَّافِعِيَّةِ.
وَفِيهَا أَغَارَ شَمْسُ الدَّوْلَةِ تُورَانْشَاهْ أَخُو صَلَاحِ الدِّينِ أَيْضًا عَلَى الْأَعْرَابِ الَّذِينَ بِالصَّعِيدِ، وَكَانُوا قَدْ أَفْسَدُوا فِي الْبِلَادِ، وَمَدُّوا أَيْدِيَهُمْ، فَكُفُّوا عَمَّا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ.
وَفِيهَا مَاتَ الْقَاضِي ابْنُ الْخَلَّال مِنْ أَعْيَانِ الْكُتَّابِ الْمِصْرِيِّينَ وَفُضَلَائِهِمْ، وَكَانَ صَاحِبَ دِيوَانِ الْإِنْشَاءِ بِهَا.
وَفِيهَا وَقَعَ حَرِيقٌ بِبَغْدَادَ فِي دَرْبِ الْمَطْبَخِ، وَفِي خَرَابَةِ ابْنِ جَرْدَةَ.
стр. 5592
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ نَصْرُ بْنُ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ، عَمُّ الْمُسْتَنْجِدِ بِاللَّهِ وَحُمُوهُ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلَادِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَدُفِنَ فِي التُّرَبِ بِالرَّصَافَةِ.
وَفِيهَا جُعِلَ ظَهِيرُ الدِّينِ أَبُو بَكْرٍ نَصْرُ بْنُ الْعَطَّارِ صَاحِبَ الْمَخْزَنِ بِبَغْدَادَ، وَلُقِّبَ ظَهِيرَ الدِّينِ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ الْأَمِيرُ طَاشَتِكِينُ الْمُسْتَنْجَدِيُّ، وَكَانَ نِعْمَ الْأَمِيرُ، ﵀.
стр. 5593
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
٥٦٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ إِقَامَةِ الْخُطْبَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ بِمِصْرَ وَانْقِرَاضِ الدَّوْلَةِ الْعَلَوِيَّةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ثَانِي جُمُعَةٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ، قُطِعَتْ خُطْبَةُ الْعَاضِدِ لِدِينِ اللَّهِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْإِمَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ الْحَافِظِ لِدِينِ اللَّهِ أَبِي الْمَيْمُونِ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ أَبِي تَمِيمٍ مَعْدِ بْنِ الظَّاهِرِ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَاكِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي عَلِيٍّ الْمَنْصُورِ بْنِ الْعَزِيزِ بِاللَّهِ أَبِي مَنْصُورِ بْنِ نِزَارِ بْنِ الْمُعِزِّ لِدِينِ اللَّهِ أَبِي تَمِيمٍ مَعْدِ بْنِ الْمَنْصُورِ بِاللَّهِ أَبِي الظَّاهِرِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي الْقَاسِمِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَهْدِيِّ بِاللَّهِ أَبِي مُحَمَّدٍ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَهُوَ أَوَّلُ الْعَلَوِيِّينَ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِينَ خُطِبَ لَهُمْ بِالْخِلَافَةِ، وَخُوطِبُوا بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَكَانَ سَبَبُ الْخُطْبَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ بِمِصْرَ أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ يُوسُفَ بْنَ أَيُّوبَ لَمَّا ثَبَتَ قَدَمُهُ بِمِصْرَ وَزَالَ الْمُخَالِفُونَ لَهُ، وَضَعُفَ أَمْرُ الْخَلِيفَةِ بِهَا الْعَاضِدِ، وَصَارَ قَصْرُهُ يَحْكُمُ فِيهِ صَلَاحُ الدِّينِ وَنَائِبُهُ قَرَاقُوشُ، وَهُوَ خَصِيٌّ، كَانَ مِنْ أَعْيَانِ الْأُمَرَاءِ الْأَسْدِيَةِ، كُلُّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِي يَأْمُرُهُ بِقَطْعِ الْخُطْبَةِ الْعَاضِدِيَّةِ وَإِقَامَةِ الْخُطْبَةِ الْمُسْتَضِيئِيَّةِ، فَامْتَنَعَ صَلَاحُ الدِّينِ، وَاعْتَذَرَ بِالْخَوْفِ مِنْ قِيَامِ أَهْلِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ عَلَيْهِ لِمَيْلِهِمْ إِلَى الْعَلَوِيِّينَ.
стр. 5594
وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ يَكْرَهُ قَطْعَ الْخُطْبَةِ لَهُمْ، وَيُرِيدُ بَقَاءَهُمْ خَوْفًا مِنْ نُورِ الدِّينِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَخَافُهُ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ يَأْخُذُهَا مِنْهُ، فَكَانَ يُرِيدُ [أَنْ] يَكُونَ الْعَاضِدُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَصَدَهُ نُورُ الدِّينِ امْتَنَعَ بِهِ وَبِأَهْلِ مِصْرَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا اعْتَذَرَ إِلَى نُورِ الدِّينِ بِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِ بِقَطْعِ خُطْبَتِهِ، وَأَلْزَمَهُ إِلْزَامًا لَا فُسْحَةَ لَهُ فِي مُخَالَفَتِهِ، وَكَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ نَائِبُ نُورِ الدِّينِ، وَاتَّفَقَ أَنَّ الْعَاضِدَ مَرِضَ هَذَا الْوَقْتَ مَرَضًا شَدِيدًا، فَلَمَّا عَزَمَ صَلَاحُ الدِّينِ عَلَى قَطْعِ خُطْبَتِهِ اسْتَشَارَ أُمَرَاءَهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَشَارَ بِهِ وَلَمْ يُفَكِّرْ فِي الْمِصْرِيِّينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَافَهُمْ إِلَّا أَنَّهُ مَا يُمْكِنُهُ إِلَّا امْتِثَالُ أَمْرِ نُورِ الدِّينِ.
وَكَانَ قَدْ دَخَلَ إِلَى مِصْرَ إِنْسَانٌ أَعْجَمِيٌّ يُعْرَفُ بِالْأَمِيرِ الْعَالِمِ، رَأَيْتُهُ أَنَا بِالْمَوْصِلِ، فَلَمَّا رَأَى مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْإِحْجَامِ، وَأَنَّ أَحَدًا لَا يَتَجَاسَرُ [أَنْ] يَخْطُبَ لِلْعَبَّاسِيِّينَ قَالَ: أَنَا أَبْتَدِئُ بِالْخُطْبَةِ لَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ أَوَّلَ جُمُعَةٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ صَعِدَ الْمِنْبَرَ قَبْلَ الْخَطِيبِ، وَدَعَا لِلْمُسْتَضِيءِ بِأَمْرِ اللَّهِ، فَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ الْجُمُعَةُ الثَّانِيَةُ أَمَرَ صَلَاحُ الدِّينِ الْخُطَبَاءَ بِمِصْرَ وَالْقَاهِرَةِ أَنْ يَقْطَعُوا خُطْبَةَ الْعَاضِدِ وَيَخْطُبُوا لِلْمُسْتَضِيءِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَلَمْ يَنْتَطِحْ فِيهَا عَنْزَانِ، وَكُتِبَ بِذَلِكَ إِلَى سَائِرِ بِلَادِ مِصْرَ، فَفَعَلَ، وَكَانَ الْعَاضِدُ قَدِ اشْتَدَّ مَرَضُهُ فَلَمْ يُعْلِمْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ بِقَطْعِ الْخُطْبَةِ، وَقَالُوا: إِنْ عُوفِيَ فَهُوَ يَعْلَمُ، وَإِنْ تُوُفِّيَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ نَفْجَعَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْحَادِثَةِ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَتُوُفِّيَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِقَطْعِ الْخُطْبَةِ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ جَلَسَ صَلَاحُ الدِّينِ لِلْعَزَاءِ، وَاسْتَوْلَى عَلَى قَصْرِ الْخِلَافَةِ، وَعَلَى جَمِيعِ مَا فِيهِ، فَحَفِظَهُ بَهَاءُ الدِّينِ قَرَاقُوشُ الَّذِي كَانَ قَدْ رَتَّبَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْعَاضِدِ، فَحُمِلَ الْجَمِيعُ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ، وَكَانَ مِنْ كَثْرَتِهِ يَخْرُجُ عَنِ الْإِحْصَاءِ، وَفِيهِ مِنَ الْأَعْلَاقِ النَّفِيسَةِ وَالْأَشْيَاءِ الْغَرِيبَةِ مَا تَخْلُو الدُّنْيَا عَنْ مِثْلِهِ، وَمِنَ الْجَوَاهِرِ الَّتِي لَمْ تُوجَدُ عِنْدَ أَحَدٍ غَيْرَهُمْ، فَمِنْهُ الْجَبَلُ الْيَاقُوتُ، وَزْنُهُ سَبْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ مِثْقَالًا، أَنَا لَا أَشُكُّ، لِأَنَّنِي رَأَيْتُهُ وَوَزَنْتُهُ، وَاللُّؤْلُؤُ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ، وَمِنْهُ النِّصَابُ الزُّمُرُّدُ الَّذِي طُولُهُ أَرْبَعُ أَصَابِعَ فِي عَرْضِ عِقْدٍ كَبِيرٍ، وَوُجِدَ فِيهِ طَبْلٌ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْ مَوْضِعِ الْعَاضِدِ، وَقَدِ احْتَاطُوا عَلَيْهِ بِالْحِفْظِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ ظَنُّوهُ عُمِلَ لِأَجْلِ اللَّعِبِ بِهِ، فَسَخِرُوا
стр. 5595
مِنَ الْعَاضِدِ، فَأَخَذَهُ إِنْسَانٌ، فَضَرَبَ بِهِ، فَضَرَّطَ، فَتَضَاحَكُوا مِنْهُ، ثُمَّ آخَرُ كَذَلِكَ، وَكَانَ كُلُّ مَنْ ضَرَبَ بِهِ ضَرَّطَ، فَأَلْقَاهُ أَحَدُهُمْ، فَكَسَرَهُ، فَإِذَا الطَّبْلُ لِأَجْلِ قُولَنْجَ، فَنَدِمُوا عَلَى كَسْرِهِ لَمَّا قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ.
وَكَانَ فِيهِ مِنَ الْكُتُبِ النَّفِيسَةِ الْمَعْدُومَةِ الْمِثْلِ مَا لَا يُعَدُّ، فَبَاعَ جَمِيعَ مَا فِيهِ، وَنُقِلَ أَهْلُ الْعَاضِدِ إِلَى مَوْضِعٍ مِنَ الْقَصْرِ، وَوَكَّلَ بِهِمْ مَنْ يَحْفَظُهُمْ، وَأَخْرَجَ جَمِيعَ مَنْ فِيهِ مِنْ أَمَةٍ وَعَبْدٍ، فَبَاعَ الْبَعْضَ، وَأَعْتَقَ الْبَعْضَ، وَوَهَبَ الْبَعْضَ، وَخَلَى الْقَصْرُ مِنْ سُكَّانِهِ كَأَنْ لَمْ يَغْنَ بِالْأَمْسِ، فَسُبْحَانَ الْحَيِّ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَزُولُ مُلْكُهُ، وَلَا تُغَيِّرُهُ الدُّهُورُ وَلَا يَقْرُبُ النَّقْصُ حِمَاهُ.
وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُ الْعَاضِدِ أَرْسَلَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ يَسْتَدْعِيهِ، فَظَنَّ ذَلِكَ خَدِيعَةً، فَلَمْ يَمْضِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ عَلِمَ صِدْقَهُ، فَنَدِمَ عَلَى تَخَلُّفِهِ عَنْهُ، وَكَانَ يَصِفُهُ كَثِيرًا بِالْكَرَمِ، وَلِينِ الْجَانِبِ، وَغَلَبَةِ الْخَيْرِ عَلَى طَبْعِهِ، وَانْقِيَادِهِ، وَكَانَ فِي نَسَبِهِ تِسْعَةُ خُطِبَ لَهُمْ بِالْخِلَافَةِ وَهُمْ: الْحَافِظُ، وَالْمُسْتَنْصِرُ، وَالظَّاهِرُ، وَالْحَاكِمُ، وَالْعَزِيزُ، وَالْمُعِزُّ، وَالْمَنْصُورُ، وَالْقَائِمُ، وَالْمَهْدِيُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُخْطَبْ لَهُ بِالْخِلَافَةِ: أَبُوهُ يُوسُفُ بْنُ الْحَافِظِ، وَجَدُّ أَبِيهِ، وَهُوَ الْأَمِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُسْتَنْصِرِ.
وَبَقِيَ مِنْ خُطِبَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ وَلَيْسَ مِنْ آبَائِهِ: الْمُسْتَعْلِي، وَالْآمِرُ، وَالظَّافِرُ، وَالْفَائِزُ.
وَجَمِيعُ مَنْ خُطِبَ لَهُ مِنْهُمْ بِالْخِلَافَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ خَلِيفَةً مِنْهُمْ بِإِفْرِيقِيَّةَ: الْمَهْدِيُّ، وَالْقَائِمُ، وَالْمَنْصُورُ، وَالْمُعِزُّ، إِلَى أَنْ سَارَ إِلَى مِصْرَ، وَمِنْهُمْ بِمِصْرَ: الْمُعِزُّ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَرَجَ إِلَيْهَا مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ، وَالْعَزِيزُ، وَالْحَاكِمُ، وَالظَّاهِرُ، وَالْمُسْتَنْصِرُ، وَالْمُسْتَعْلِي، وَالْآمِرُ، وَالْحَافِظُ، وَالظَّافِرُ، وَالْفَائِزُ، وَالْعَاضِدُ، وَجَمِيعُ مُدَّةِ مُلْكِهِمْ مِنْ حِينِ ظَهَرَ الْمَهْدِيُّ بِسِجْلَمَاسَةَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ الْعَاضِدُ مِائَتَانِ وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً وَشَهْرًا تَقْرِيبًا.
وَهَذَا دَأْبُ الدُّنْيَا لَمْ تُعْطِ إِلَّا وَاسْتَرَدَّتْ، وَلَمْ تَحْلُ إِلَّا وَتَمَرَّرَتْ، وَلَمْ تَصْفُ إِلَّا وَتَكَدَّرَتْ، بَلْ صَفْوُهَا لَا يَخْلُو مِنَ الْكَدَرِ، وَكَدَرُهَا قَدْ يَخْلُو مِنَ الصَّفْوِ، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى
стр. 5596
أَنْ يُقْبِلَ بِقُلُوبِنَا إِلَيْهِ، وَيُرِيَنَا الدُّنْيَا حَقِيقَةً، وَيُزَهِّدَنَا فِيهَا، وَيُرَغِّبَنَا فِي الْآخِرَةِ، إِنَّهُ سُمَيْعُ الدُّعَاءِ قَرِيبٌ مِنَ الْإِجَابَةِ.
وَلَمَّا وَصَلَتِ الْبِشَارَةُ إِلَى بَغْدَادَ بِذَلِكَ ضُرِبَتِ الْبَشَائِرُ بِهَا عِدَّةَ أَيَّامٍ، وَزُيَّنَتْ بَغْدَادُ وَظَهَرَ مِنَ الْفَرَحِ وَالْجَذَلِ مَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَسُيِّرَتِ الْخِلَعُ مَعَ عِمَادِ الدِّينِ صَنْدَلٍ، وَهُوَ مِنْ خَوَاصِّ الْخَدَمِ الْمَقْتُفَوِيَّةِ وَالْمُقَدَّمِينَ فِي الدَّوْلَةِ لِنُورِ الدِّينِ وَصَلَاحِ الدِّينِ، فَسَارَ صَنْدَلٌ إِلَى نُورِ الدِّينِ وَأَلْبَسُهُ الْخِلْعَةَ، وَسَيَّرَ الْخِلْعَةَ الَّتِي لِصَلَاحِ الدِّينِ وَلِلْخُطَبَاءِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَالْأَعْلَامِ السُّودِ، ثُمَّ إِنَّ صَنْدَلًا هَذَا صَارَ أُسْتَاذَ دَارِ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَضِيءِ بِأَمْرِ اللَّهِ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ يَدْرِي الْفِقْهَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ، وَيَعْرِفُ أَشْيَاءَ حَسَنَةً، وَفِيهِ دِينٌ، وَلَهُ مَعْرُوفٌ كَثِيرٌ، وَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ بَغْدَادَ.
ذِكْرُ الْوَحْشَةِ بَيْنَ نُورِ الدِّينِ وَصَلَاحِ الدِّينِ بَاطِنًا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَرَتْ أُمُورٌ أَوْجَبَتْ أَنْ تَأَثَّرَ نُورُ الدِّينِ مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ، وَلَمْ يُظْهِرْ ذَلِكَ، وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ يُوسُفَ بْنَ أَيُّوبَ سَارَ عَنْ مِصْرَ فِي صَفَرَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ إِلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ غَازِيًا، وَنَازَلَ حِصْنَ الشَّوْبَكِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَرَكِ يَوْمٌ، وَحَصَرَهُ، وَضَيَّقَ عَلَى مَنْ بِهِ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَأَدَامَ الْقِتَالَ، وَطَلَبُوا الْأَمَانَ وَاسْتَمْهَلُوهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ.
فَلَمَّا سَمِعَ نُورُ الدِّينِ بِمَا فَعَلَهُ صَلَاحُ الدِّينِ سَارَ عَنْ دِمَشْقَ قَاصِدًا بِلَادَ الْفِرِنْجِ أَيْضًا لِيَدْخُلَ إِلَيْهَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَقِيلَ لِصَلَاحِ الدِّينِ: إِنْ دَخَلَ نُورُ الدِّينِ بِلَادَ الْفِرِنْجِ، وَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ: أَنْتَ مِنْ جَانِبٍ وَنُورُ الدِّينِ مِنْ جَانِبٍ، مَلَكَهَا، وَمَتَى زَالَ الْفِرِنْجُ عَنِ الطَّرِيقِ وَأَخَذَ مُلْكَهُمْ لَمْ يَبْقَ بِدِيَارِ مِصْرَ مُقَامٌ مَعَ نُورِ الدِّينِ، وَإِنْ جَاءَ نُورُ الدِّينِ إِلَيْكَ وَأَنْتَ هَا هُنَا، فَلَا بُدَّ لَكَ مِنَ الِاجْتِمَاعِ بِهِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ هُوَ الْمُتَحَكِّمُ فِيكَ بِمَا شَاءَ، إِنْ شَاءَ تَرَكَكَ، وَإِنْ شَاءَ عَزَلَكَ، فَقَدْ لَا تَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ عَلَيْهِ، وَالْمَصْلَحَةُ الرُّجُوعُ إِلَى مِصْرَ.
فَرَحَلَ عَنِ الشَّوْبَكِ عَائِدًا إِلَى مِصْرَ، وَلَمْ يَأْخُذْهُ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَكَتَبَ إِلَى نُورِ الدِّينِ يَعْتَذِرُ بِاخْتِلَالِ الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ لِأُمُورٍ بَلَغَتْهُ عَنْ بَعْضِ شِيعَتِهِ الْعَلَوِيِّينَ، وَأَنَّهُمْ
стр. 5597
عَازِمُونَ عَلَى الْوُثُوبِ بِهَا، فَإِنَّهُ يَخَافُ عَلَيْهَا مِنَ الْبُعْدِ عَنْهَا أَنْ يَقُومَ أَهْلُهَا عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ بِهَا، فَيُخْرِجُوهُمْ وَتَعُودُ مُمْتَنِعَةً، وَأَطَالَ الِاعْتِذَارَ، فَلَمْ يَقْبَلْهَا نُورُ الدِّينِ مِنْهُ، وَتَغَيَّرَ عَلَيْهِ وَعَزَمَ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى مِصْرَ وَإِخْرَاجِهِ عَنْهَا.
وَظَهَرَ ذَلِكَ فَسَمِعَ صَلَاحُ الدِّينِ الْخَبَرَ، فَجَمَعَ أَهْلَهُ، وَفِيهِمْ أَبُوهُ نَجْمُ الدِّينِ أَيُّوبُ، وَخَالُهُ شِهَابُ الدِّينِ الْحَارِمِيُّ، وَمَعَهُمْ سَائِرُ الْأُمَرَاءِ، وَأَعْلَمَهُمْ مَا بَلَغَهُ مِنْ عَزْمِ نُورِ الدِّينِ وَحَرَكَتِهِ إِلَيْهِ، وَاسْتَشَارَهُمْ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَامَ تَقِيُّ الدِّينِ عُمَرُ ابْنُ أَخِي صَلَاحِ الدِّينِ، فَقَالَ: إِذَا جَاءَنَا قَاتَلْنَاهُ، وَمَنَعْنَاهُ عَنِ الْبِلَادِ، وَوَافَقَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِهِمْ، فَشَتَمَهُمْ نَجْمُ الدِّينِ أَيُّوبُ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَاسْتَعْظَمَهُ، وَشَتَمَ تَقِيَّ الدِّينِ، وَأَقْعَدَهُ، وَقَالَ لِصَلَاحِ الدِّينِ: أَنَا أَبُوكَ وَهَذَا خَالُكَ شِهَابُ الدِّينِ، وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَحَبَّةً لَكَ مِنْ جَمِيعِ مَنْ تَرَى، وَوَاللَّهِ لَوْ رَأَيْتُ أَنَا وَخَالُكَ هَذَا نُورَ الدِّينِ، لَمْ يُمَكِّنَا إِلَّا أَنْ نُقَبَّلَ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَوْ أَمَرَنَا أَنْ نَضْرِبَ عُنُقَكَ بِالسَّيْفِ لَفَعَلْنَا، فَإِذَا كُنَّا نَحْنُ هَكَذَا، فَمَا ظَنُّكَ بِغَيْرِنَا؟ وَكُلُّ مَنْ تَرَاهُ عِنْدَكَ مِنَ الْأُمَرَاءِ لَوْ رَأَوْا نُورَ الدِّينِ وَحْدَهُ لَمْ يَتَجَاسَرُوا عَلَى الثَّبَاتِ عَلَى سَرُوجِهِمْ، وَهَذِهِ الْبِلَادُ لَهُ، وَنَحْنُ مَمَالِيكُهُ وَنُوَّابُهُ فِيهَا، فَإِنْ أَرَادَ عَزْلَكَ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، وَالرَّأْيُ أَنْ تَكْتُبَ كِتَابًا مَعَ نَجَّابٍ تَقُولُ فِيهِ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ الْحَرَكَةَ لِأَجْلِ الْبِلَادِ، فَأَيُّ حَاجَةٍ إِلَى هَذَا؟ يُرْسِلُ الْمَوْلَى نَجَّابًا يَضَعُ فِي رَقَبَتِي مِنْدِيلًا وَيَأْخُذُنِي إِلَيْكَ، وَمَا هَا هُنَا مَنْ يَمْتَنِعُ عَلَيْكَ.
وَأَقَامَ الْأُمَرَاءُ وَغَيْرُهُمْ، وَتَفَرَّقُوا عَلَى هَذَا، فَلَمَّا خَلَا بِهِ أَيُّوبُ قَالَ لَهُ: بِأَيِّ عَقْلٍ فَعَلْتَ هَذَا؟ أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ نُورَ الدِّينِ إِذَا سَمِعَ عَزَمْنَا عَلَى مَنْعِهِ وَمُحَارَبَتِهِ جَعَلَنَا أَهَمَّ الْوُجُوهِ إِلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ لَا تَقْوَى بِهِ، وَأَمَّا الْآنَ، إِذَا بَلَغَهُ مَا جَرَى وَطَاعَتُنَا لَهُ تَرَكَنَا وَاشْتَغَلَ بِغَيْرِنَا، وَالْأَقْدَارُ تَعْمَلُ عَمَلَهَا، وَوَاللَّهِ لَوْ أَرَادَ نُورُ الدِّينِ قَصَبَةً مِنْ قَصَبِ السُّكَّرِ لَقَاتَلْتُهُ أَنَا عَلَيْهَا حَتَّى أَمْنَعَهُ أَوْ أُقْتَلَ.
فَفَعَلَ صَلَاحُ الدِّينِ مَا أَشَارَ بِهِ، فَتَرَكَ نُورُ الدِّينِ قَصْدَهُ وَاشْتَغَلَ بِغَيْرِهِ، فَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنَّهُ أَيُّوبُ، فَتُوُفِّيَ نُورُ الدِّينِ وَلَمْ يَقْصِدْهُ، وَمَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ الْبِلَادَ، وَكَانَ هَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْآرَاءِ وَأَجْوَدِهَا.
стр. 5598
ذِكْرُ غَزْوَةٍ إِلَى الْفِرِنْجِ بِالشَّامِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ مَرْكَبَانِ مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ فَأَرْسَيَا بِمَدِينَةِ لَاذِقِيَّةَ، فَأَخَذَهُمَا الْفِرِنْجُ، وَهُمَا مَمْلُوءَانِ مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالتُّجَّارِ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نُورِ الدِّينِ هُدْنَةٌ، فَنَكَثُوا وَغَدَرُوا، فَأَرْسَلَ نُورُ الدِّينِ إِلَيْهِمْ فِي الْمَعْنَى وَإِعَادَةِ مَا أَخَذُوهُ مِنْ أَمْوَالِ التُّجَّارِ، فَغَالَطُوهُ، وَاحْتَجُّوا بِأُمُورٍ مِنْهَا أَنَّ الْمَرْكَبَيْنِ كَانَا قَدِ انْكَسَرَا وَدَخَلَهُمَا الْمَاءُ.
وَكَانَ الشَّرْطُ أَنَّ كُلَّ مَرْكَبٍ يَنْكَسِرُ وَيَدْخُلُهُ الْمَاءُ يَأْخُذُونَهُ، فَلَمْ يَقْبَلْ مُغَالَطَتَهُمْ، وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ، وَبَثَّ السَّرَايَا فِي بِلَادِهِمْ بَعْضَهَا نَحْوَ أَنْطَاكِيَةَ، وَبَعْضَهَا نَحْوَ طَرَابُلُسَ، وَحَصَرَ هُوَ حِصْنَ عِرْقَةَ، وَخَرَّبَ رَبَضَهُ، وَأَرْسَلَ طَائِفَةً مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى حِصْنِ صَافِيثَا وَعُرَيْمَةَ، فَأَخَذَهُمَا عَنْوَةً، وَنَهَبَ وَخَرَّبَ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَعَادُوا إِلَيْهِ وَهُوَ بِعِرْقَةَ، فَسَارَ فِي الْعَسَاكِرِ جَمِيعِهَا إِلَى أَنْ قَارَبَ طَرَابُلُسَ يَنْهَبُ وَيُخَرِّبُ وَيَحْرِقُ وَيَقْتُلُ.
وَأَمَّا الَّذِينَ سَارُوا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، فَفَعَلُوا فِي وِلَايَتِهَا مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي وِلَايَةِ طَرَابُلُسَ، فَرَاسَلَهُ الْفِرِنْجُ، وَبَذَلُوا إِعَادَةَ مَا أَخَذُوهُ مِنَ الْمَرْكَبَيْنِ، وَتَجْدِيدِ الْهُدْنَةِ مَعَهُمْ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَأَعَادُوا مَا أَخَذُوا وَهُمْ صَاغِرُونَ، وَقَدْ خُرِّبَتْ بِلَادُهُمْ وَغُنِمَتْ أَمْوَالُهُمْ.
ذِكْرُ وَفَاةِ ابْنِ مَرْدَنِيشَ وَمُلْكِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بِلَادَهُ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مَرْدَنِيشَ، صَاحِبُ الْبِلَادِ بِشَرْقِ الْأَنْدَلُسِ، وَهِيَ: مُرْسِيَةُ وَبَلَنْسِيَةُ وَغَيْرُهُمَا، وَوَصَّى أَوْلَادَهُ أَنْ يَقْصِدُوا بَعْدَ مَوْتِهِ الْأَمِيرَ أَبَا يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، صَاحِبَ الْغَرْبِ وَالْأَنْدَلُسِ، وَتُسَلِّمُوا الْبِلَادَ وَتَدْخُلُوا فِي طَاعَتِهِ، فَلَمَّا مَاتَ قَصَدُوا يَعْقُوبَ، وَكَانَ قَدِ اجْتَازَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ فِي مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ قَبْلَ مَوْتِ ابْنِ مَرْدَنِيشَ، فَحِينَ رَآهُمْ يُوسُفُ فَرِحَ بِهِمْ، وَسَرَّهُ قُدُومَهُمْ عَلَيْهِ، وَتَسَلَّمَ بِلَادَهُمْ، وَتَزَوَّجَ أُخْتَهُمْ، وَأَكْرَمَهُمْ، وَعَظَّمَ أَمْرَهُمْ، وَوَصَلَهُمْ بِالْأَمْوَالِ الْجَزِيلَةِ، وَأَقَامُوا مَعَهُ.
стр. 5599
ذِكْرُ عُبُورِ الْخَطَا جَيْحُونَ وَالْحَرْبِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خُوَارَزْم شَاهْ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبَرَ الْخَطَا نَهْرَ جَيْحُونَ يُرِيدُونَ خُوَارَزْمَ، فَسَمِعَ صَاحِبُهَا خُوَارَزْم شَاهْ أَرْسِلَان بْنُ أَتْسِزَ، فَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ إِلَى آمِوِيَّةَ ; لِيُقَاتِلَهُمْ وَيَصُدَّهُمْ، فَمَرِضَ، وَأَقَامَ بِهَا، وَسَيَّرَ بَعْضَ جَيْشِهِ مَعَ أَمِيرٍ كَبِيرٍ إِلَيْهِمْ، فَلَقِيَهُمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الْخُوَارَزْمِيُّونَ، وَأُسِرَ مُقَدَّمُهُمْ، وَرَجَعَ بِهِ الْخَطَا إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَعَادَ خُوَارَزْم شَاهْ إِلَى خُوَارَزْمَ مَرِيضًا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اتَّخَذَ نُورُ الدِّينِ بِالشَّامِ الْحَمَامَ الْهَوَادِيَّ، وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا الْمَنَاسِيبُ، وَهِيَ تَطِيرُ مِنَ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ إِلَى أَوْكَارِهَا، وَجَعَلَهَا فِي جَمِيعِ بِلَادِهِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا اتَّسَعَتْ بِلَادُهُ، وَطَالَتْ مَمْلَكَتُهُ، وَعَرُضَتْ أَكْنَافُهَا، وَتَبَاعَدَتْ أَوَائِلُهَا عَنْ أَوَاخِرِهَا، ثُمَّ إِنَّهَا جَاوَرَتْ بِلَادَ الْفِرِنْجِ، وَكَانُوا رُبَّمَا نَازَلُوا حِصْنًا مِنْ ثُغُورِهِ، فَإِلَى أَنْ يَصِلَ الْخَبَرُ، وَيَسِيرَ إِلَيْهِمْ [يَكُونُونَ] قَدْ بَلَغُوا غَرَضَهُمْ مِنْهُ، فَأَمَرَ بِالْحَمَامِ ; لِيَصِلَ الْخَبَرُ إِلَيْهِ فِي يَوْمِهِ، وَأَجْرَى الْجِرَايَاتِ عَلَى الْمُرَتَّبِينَ لِحِفْظِهَا وَإِقَامَتِهَا، فَحَصَلَ مِنْهَا الرَّاحَةُ الْعَظِيمَةُ، وَالنَّفْعُ الْكَبِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَفِيهَا عَزَلَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَضِيءُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَزِيرَهُ عَضُدَ الدِّينِ أَبَا الْفَرَجِ بْنَ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ مُكْرَهًا لِأَنَّ قُطْبَ الدِّينِ قَايْمَازَ أَلْزَمَهُ بِعَزْلِهِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ مُخَالَفَتُهُ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَشَّابُ اللُّغَوِيُّ، وَكَانَ قَيِّمًا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ إِلَى أَنْ مَاتَ.
وَفِيهَا مَاتَ الْبُورِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، تَفَقَّهَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، وَقَدِمَ بَغْدَادَ وَوَعَظَ، وَكَانَ يَذُمُّ الْحَنَابِلَةَ، وَكَثُرَتْ أَتْبَاعُهُ، فَأَصَابَهُ إِسْهَالٌ، فَمَاتَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ
стр. 5600
أَصْحَابِهِ، فَقِيلَ: إِنَّ الْحَنَابِلَةَ أَهْدَوْا لَهُ حَلْوَاءَ فَمَاتَ هُوَ وَكُلُّ مَنْ أَكَلَ مِنْهَا.
وَفِيهَا مَاتَ الْقُرْطُبِيُّ أَبُو بَكْرٍ يَحْيَى بْنُ سَعْدُونَ بْنِ تَمَامٍ الْأَزْدِيُّ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْقِرَاءَةِ وَالنَّحْوِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ، زَاهِدًا عَابِدًا، انْتَفَعَ بِهِ النَّاسُ فِي الْمَوْصِلِ، وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاتُهُ.
стр. 5601
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
٥٦٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ وَفَاةِ خُوَارَزْم شَاهْ أَرْسِلَان وَمُلْكِ وَلَدِهِ سُلْطَان شَاهْ وَبَعْدَهُ وَلَدُهُ الْآخَرُ تُكَشُ وَقَتْلِ الْمُؤَيَّدِ وَمُلْكِ ابْنِهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ خُوَارَزْم شَاهْ أَرْسِلَان بْنُ أَتْسِزَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَنُوشْتَكِينَ، قَدْ عَادَ مِنْ قِتَالِ الْخَطَا مَرِيضًا، فَتُوُفِّيَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ سُلْطَان شَاهْ مَحْمُودٌ، وَدَبَّرَتْ وَالِدَتُهُ الْمَمْلَكَةَ وَالْعَسَاكِرَ.
وَكَانَ ابْنُهُ الْأَكْبَرُ عَلَاءُ الدِّينِ تُكَشُ مُقِيمًا فِي الْجُنْدِ قَدْ أَقْطَعُهُ أَبُوهُ إِيَّاهَا، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُ أَبِيهِ وَتَوْلِيَةُ أَخِيهِ الصَّغِيرِ أَنِفَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَصَدَ مَلِكَ الْخَطَا، وَاسْتَمَدَّهُ عَلَى أَخِيهِ، وَأَطْمَعَهُ فِي الْأَمْوَالِ وَذَخَائِرِ خُوَارَزْمَ، فَسَيَّرَ مَعَهُ جَيْشًا كَثِيفًا مُقَدَّمُهُمْ قُومَا، فَسَارُوا حَتَّى قَارَبُوا خُوَارَزْمَ، فَخَرَجَ سُلْطَان شَاهْ وَأُمُّهُ إِلَى الْمُؤَيَّدِ، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً جَلِيلَةَ الْمِقْدَارِ، وَوَعَدَهُ أَمْوَالَ خُوَارَزْمَ وَذَخَائِرَهَا، فَاغْتَرَّ بِقَوْلِهِ، وَجَمَعَ جُيُوشَهُ وَسَارَ مَعَهُ حَتَّى بَلَغَ سُوبَرْنَى، بُلَيْدَةٌ عَلَى عِشْرِينَ فَرْسَخًا مِنْ خُوَارَزْمَ، وَكَانَ تُكَشُ قَدْ عَسْكَرَ بِالْقُرْبِ مِنْهَا، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ انْهَزَمَ عَسْكَرُ الْمُؤَيَّدِ، وَكُسِرَ الْمُؤَيَّدُ وَأُخِذَ أَسِيرًا، وَجِيءَ بِهِ إِلَى خُوَارَزْم شَاهْ تُكَشَ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقُتِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ صَبْرًا.
وَهَرَبَ سُلْطَان شَاهْ، وَأَخَذَ إِلَى دِهِسْتَانَ، فَقَصَدَهُ خُوَارَزْم شَاهْ تُكَشُ، فَافْتَتَحَ الْمَدِينَةَ عَنْوَةً، فَهَرَبَ سُلْطَان شَاهْ وَأُخِذَتْ أُمُّهُ فَقَتَلَهَا تُكَشُ، وَعَادَ إِلَى خُوَارَزْمَ.
стр. 5602
وَلَمَّا عَادَ الْمُنْهَزِمُونَ مَنْ عَسْكَرِ الْمُؤَيَّدِ إِلَى نَيْسَابُورَ مَلَّكُوا ابْنَهُ طُغَان شَاهْ أَبَا بَكْرِ بْنَ الْمُؤَيَّدِ، وَاتَّصَلَ بِهِ سُلْطَان شَاهْ، ثُمَّ سَارَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ مَلِكِ الْغُورِيَّةِ، فَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ وَأَحْسَنَ ضِيَافَتَهُ.
وَأَمَّا عَلَاءُ الدِّينِ تُكَشُ، فَإِنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ قَدَمُهُ بِخُوَارَزْمَ اتَّصَلَتْ بِهِ رُسُلُ الْخَطَا بِالِاقْتِرَاحَاتِ وَالتَّحَكُّمِ كَعَادَتِهِمْ، فَأَخَذَتْهُ حَمِيَّةُ الْمُلْكِ وَالدِّينِ، وَقَتَلَ أَحَدَ أَقَارِبِ الْمَلِكِ، وَكَانَ قَدْ وَرَدَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ أَرْسَلَهُمْ مَلِكُهُمْ فِي مُطَالَبَةِ خُوَارَزْم شَاهْ بِالْمَالِ، فَأَمَرَ خُوَارَزْم شَاهْ أَعْيَانَ خُوَارَزْمَ، فَقَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَجُلًا مِنَ الْخَطَا، فَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَنَبَذُوا إِلَى مَلِكِ الْخَطَا عَهْدَهُ.
وَبَلَغَ ذَلِكَ سُلْطَان شَاهْ، فَسَارَ إِلَى مَلِكِ الْخَطَا وَاغْتَنَمَ الْفُرْصَةَ بِهَذِهِ الْحَالِ وَاسْتَنْجَدَهُ عَلَى أَخِيهِ عَلَاءِ الدِّينِ تُكَشَ، وَزَعَمَ لَهُ أَنَّ أَهْلَ خُوَارَزْمَ مَعَهُ يُرِيدُونَهُ، وَيَخْتَارُونَ مُلْكَهُ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ رَأَوْهُ لَسَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ، فَسَيَّرَ مَعَهُ جَيْشًا كَثِيرًا مِنَ الْخَطَا مَعَ قُومَا أَيْضًا، فَوَصَلُوا إِلَى خُوَارَزْمَ، فَحَصَرُوهَا، فَأَمَرَ خُوَارَزْم شَاهْ عَلَاءُ الدِّينِ بِإِجْرَاءِ مَاءِ جَيْحُونَ عَلَيْهِمْ فَكَادُوا يَغْرَقُونَ، فَرَحَلُوا وَلَمْ يَبْلُغُوا مِنْهَا غَرَضًا، وَلَحِقَهُمُ النَّدَمُ حَيْثُ لَمْ يَنْفَعْهُمْ، وَلَامُوا سُلْطَان شَاهْ وَعَنَّفُوهُ، فَقَالَ لِقُومَا: لَوْ أَرْسَلْتَ مَعِي جَيْشًا إِلَى مَرْوَ لَاسْتَخْلَصْتُهَا مِنْ يَدِ دِينَارٍ الْغُزِّيِّ، وَكَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا مِنْ حِينِ كَانَتْ فِتْنَةُ الْغُزِّ إِلَى الْآنِ، فَسَيَّرَ مَعَهُ جَيْشًا، فَنَزَلَ عَلَى سَرْخَسَ عَلَى غِرَّةٍ مِنْ أَهْلِهَا، وَهَجَمُوا عَلَى الْغُزِّ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، فَلَمْ يَتْرُكُوا بِهَا أَحَدًا مِنْهُمْ، وَأَلْقَى دِينَارٌ مَلِكُهُمْ نَفْسَهُ فِي خَنْدَقِ الْقَلْعَةِ، فَأُخْرِجَ مِنْهُ، وَدَخَلَ الْقَلْعَةَ وَتَحَصَّنَ بِهَا.
وَسَارَ سُلْطَان شَاهْ إِلَى مَرْوَ، فَمَلَكَهَا، وَعَادَ الْخَطَا إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَجَعَلَ سُلْطَان شَاهْ دَأْبَهُ قِتَالَ الْغُزِّ وَقَصْدَهُمْ، وَالْقَتْلَ فِيهِمْ، وَالنَّهْبَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا عَجَزَ دِينَارٌ عَنْ مُقَاوَمَتِهِ أَرْسَلَ إِلَى نَيْسَابُورَ إِلَى طُغَان شَاهْ بْنِ الْمُؤَيَّدِ يَقُولُ لَهُ لِيُرْسِلَ إِلَيْهِ مَنْ يُسَلِّمُ إِلَيْهِ قَلْعَةَ سَرْخَسَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ جَيْشًا مَعَ أَمِيرٍ اسْمُهُ قَرَاقُوشُ، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ دِينَارٌ الْقَلْعَةَ وَلَحِقَ بِطُغَان شَاهْ، فَقَصَدَ سُلْطَان شَاهْ سَرْخَسَ، وَحَصَرَ قَلْعَتَهَا، وَبَلَغَ ذَلِكَ طُغَان شَاهْ، فَجَمَعَ جُيُوشَهُ وَقَصَدَ سَرْخَسَ، فَلَمَّا الْتَقَى هُوَ وَسُلْطَان شَاهْ فَرَّ طُغَان شَاهْ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَذَلِكَ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَأَخْلَى قَرَاقُوشُ قَلْعَةَ سَرْخَسَ وَلَحِقَ بِصَاحِبِهِ، وَمَلَكَهَا
стр. 5603
سُلْطَان شَاهْ، ثُمَّ أَخَذَ طُوسَ، وَالزَّامَ، وَضَيَّقَ الْأَمْرَ عَلَى طُغَان شَاهْ بِعُلُوِّ هِمَّتِهِ، وَقِلَّةِ قَرَارِهِ، وَحِرْصِهِ عَلَى طَلَبِ الْمُلْكِ.
وَكَانَ طُغَان شَاهْ يُحِبُّ الدَّعَةَ وَمُعَاقَرَةَ الْخَمْرِ، فَلَمْ يَزَلِ الْحَالُ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ طُغَانُ شَاهْ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِي الْمُحَرَّمِ، وَمَلَكَ ابْنُهُ سَنْجَر شَاهْ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ مَمْلُوكُ جَدِّهِ الْمُؤَيَّدِ، اسْمُهُ مَنْكَلِي تَكِينَ، فَتَفَرَّقَ الْأُمَرَاءُ أَنَفَةً مِنْ تَحَكُّمِهِ، وَاتَّصَلَ أَكْثَرُهُمْ بِسُلْطَان شَاهْ، وَسَارَ الْمَلِكُ دِينَارٌ إِلَى كَرْمَانَ، وَمَعَهُ الْغُزُّ، فَمَلَكَهَا.
وَأَمَّا مَنْكَلِي تَكِينَ فَإِنَّهُ أَسَاءَ السِّيرَةَ فِي الرَّعِيَّةِ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، وَقَتَلَ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ، فَسَمِعَ خُوَارَزْم شَاهْ بِذَلِكَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَحَصَرَهُ بِنَيْسَابُورَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَحَصَرَهَا شَهْرَيْنِ، فَلَمْ يَظْفَرْ بِهَا وَعَادَ إِلَى خُوَارَزْمَ، ثُمَّ رَجَعَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَحَصَرَهَا، وَطَلَبُوا مِنْهُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ، فَسَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ، فَقُتِلَ مَنْكَلِي تَكِينَ وَأَخَذَ سَنْجَر شَاهْ وَأَكْرَمَهُ، وَأَنْزَلَهُ بِخُوَارَزْمَ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى نَيْسَابُورَ يَسْتَمِيلُ أَهْلَهَا لِيَعُودَ إِلَيْهِمْ، فَسَمِعَ بِهِ خُوَارَزْم شَاهْ، فَأَخَذَ سَنْجَر شَاهْ فَسَمَلَهُ، وَكَانَ قَدْ تَزَوَّجَ بِأُمِّهِ وَزَوَّجَهُ بِابْنَتِهِ، فَمَاتَتْ، فَزَوَّجَهُ بِأُخْتِهِ، وَبَقِيَ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
ذَكَرَ هَذَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ " مَشَارِبِ التَّجَارِبِ "، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالتَّوَارِيخِ هَذِهِ الْحَوَادِثَ مُخَالِفَةً لِهَذَا فِي بَعْضِ الْأُمُورِ مَعَ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ، وَنَحْنُ نُورِدُهَا، فَقَالَ إِنَّ تُكَشَ خُوَارَزْم شَاهْ إِيلْ أَرْسِلَان أَخْرَجَ أَخَاهُ سُلْطَان شَاهْ مِنْ خُوَارَزْمَ، وَكَانَ قَدْ مَلَكَهَا بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، فَجَاءَ إِلَى مَرْوَ، فَمَلَكَهَا وَأَزَاحَ الْغُزَّ عَنْهَا، فَخَرَجُوا أَيَّامًا، ثُمَّ عَادُوا عَلَيْهِ، فَأَخْرَجُوهُ مِنْهَا، وَانْتَهَبُوا خِزَانَتَهُ، وَقَتَلُوا أَكْثَرَ رِجَالِهِ، فَعَبَرَ إِلَى الْخَطَا، فَاسْتَنْجَدَهُمْ، وَضَمِنَ لَهُمْ مَالًا، وَجَاءَ بِجَيْشٍ عَظِيمٍ، فَأَخْرَجَ الْغُزَّ عَنْ مَرْوَ، وَسَرْخَسَ، وَنَسَا، وَأَبْيُوَرْدَ، وَمَلَكَهَا وَرَدَّ الْخَطَا.
فَلَمَّا أُبْعِدُوا كَاتَبَ غِيَاثَ الدِّينِ الْغُورِيَّ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَنْزِلَ عَنْ هَرَاةَ وَبُوشَنْجَ وَبَاذْغِيسَ وَمَا وَالَاهَا، وَيَتَوَعَّدُهُ إِنْ هُوَ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ ذَلِكَ، فَأَجَابَهُ غِيَاثُ الدِّينِ يَطْلُبُ مِنْهُ إِقَامَةَ الْخُطْبَةِ لَهُ بِمَرْوَ وَسَرْخَسَ وَمَا مَلَكَهُ مِنْ بِلَادِ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا سَمِعَ الرِّسَالَةَ سَارَ عَنْ مَرْوَ وَشَنَّ الْغَارَاتِ عَلَى بَاذْغِيسَ وَبَيْوَارَ وَمَا وَالَاهَا، وَحَصَرَ بُوشَنْجَ وَنَهَبَ
стр. 5604
الرَّسَاتِيقَ، وَصَادَرَ الرَّعَايَا، فَلَمَّا سَمِعَ غِيَاثُ الدِّينِ ذَلِكَ لَمْ يَرْضَ لِنَفَسِهِ أَنْ يَسِيرَ هُوَ بَلْ سَيَّرَ مَلِكَ سِجِسْتَانَ، وَكَاتَبَ ابْنَ أُخْتِهِ بَهَاءَ الدِّينِ سَامَ، صَاحِبَ بَامِيَانَ، بِاللَّحَاقِ بِهِ، لِأَنَّ أَخَاهُ شِهَابَ الدِّينِ كَانَ بِالْهِنْدِ، وَالزَّمَانُ شِتَاءٌ، فَجَاءَ بَهَاءُ الدِّينِ ابْنُ أُخْتِ غِيَاثِ الدِّينِ وَمَلِكُ سِجِسْتَانَ وَمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَوَافَقَ ذَلِكَ وُصُولَ سُلْطَان شَاهْ إِلَى هَرَاةَ، فَلَمَّا عَلِمَ بِوُصُولِهِمْ عَادَ إِلَى مَرْوَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ، وَأَحْرَقَ كُلَّ مَا مَرَّ بِهِ مِنَ الْبِلَادِ وَنَهَبَهُ، وَأَقَامَ بِمَرْوَ إِلَى الرَّبِيعِ، وَأَعَادَ مُرَاسَلَةَ غِيَاثِ الدِّينِ فِي الْمَعْنَى، فَأَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ شِهَابِ الدِّينِ يُعَرِّفَهُ الْحَالَ، فَنَادَى فِي عَسَاكِرِهِ الرَّحِيلَ لِسَاعَتِهِ، وَعَادَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَاجْتَمَعَ هُوَ وَأَخُوهُ غِيَاثُ الدِّينِ وَمَلِكُ سِجِسْتَانَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَقَصَدُوا سُلْطَان شَاهْ، فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ جَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ، مَنِ الْغُزِّ وَالْمُفْسِدِينَ، وَقَطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَمَنْ عِنْدَهُ طَمَعٌ، خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَنَزَلَ غِيَاثُ الدِّينِ وَمَنْ مَعَهُ فِي الطَّالْقَانِ، وَنَزَلَ سُلْطَان شَاهْ بِمَرْوِ الرُّوذِ، وَتَقَدَّمَ عَسْكَرُ الْغُورِيَّةِ إِلَيْهِ، وَتَوَاعَدُوا لِلْمَصَافِّ.
وَبَقُوا كَذَلِكَ شَهْرَيْنِ وَالرُّسُلُ تَتَرَدَّدُ بَيْنَ غِيَاثِ الدِّينِ وَبَيْنَ سُلْطَان شَاهْ، وَشِهَابُ الدِّينِ يَطْلُبُ مِنْ أَخِيهِ غِيَاثِ الدِّينِ الْإِذْنَ فِي الْحَرْبِ، فَلَا يَتْرُكُهُ، وَتَقَرَّرَ الْأَمْرُ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَى سُلْطَان شَاهْ بُوشَنْجَ وَبَاذْغِيسَ وَقِلَاعَ بِيُوَارَ، وَكَرِهَ ذَلِكَ شِهَابُ الدِّينِ وَبَهَاءُ الدِّينِ سَامُ، صَاحِبُ بَامِيَانَ، إِلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يُخَالِفَا غِيَاثَ الدِّينِ، وَفِي آخِرِ الْأَمْرِ حَضَرَ رَسُولُ سُلْطَان شَاهْ عِنْدَ غِيَاثِ الدِّينِ، وَحَضَرَ الْأُمَرَاءُ ; لِيُكْتَب الْعَهْدُ، فَقَالَ الرَّسُولُ: إِنَّ سُلْطَانَ شَاهْ يَطْلُبُ أَنْ يَحْضُرَ شِهَابُ الدِّينِ وَبَهَاءُ الدِّينِ هَذَا الْأَمْرَ، فَأَرْسَلَ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَيْهِمَا، فَأَعَادَا الْجَوَابَ: إِنَّنَا مَمَالِيكُكَ، وَمَهْمَا تَفْعَلْ لَا يُمْكِنْنَا مُخَالَفَتُكَ.
فَبَيْنَمَا النَّاسُ مُجْتَمِعُونَ فِي تَحْرِيرِ الْأَمْرِ وَإِذْ قَدْ أَقْبَلَ مَجْدُ الدِّينِ الْعَلَوِيُّ الْهَرَوِيُّ، وَكَانَ خِصِّيصًا بِغِيَاثِ الدِّينِ بِحَيْثُ يَفْعَلُ فِي مُلْكِهِ مَا يَخْتَارُ فَلَا يُخَالَفُ، فَجَاءَ الْعَلَوِيُّ وَيَدُهُ فِي يَدِ أَلْب غَازِي ابْنِ أُخْتِ غِيَاثِ الدِّينِ، وَقَدْ كَتَبُوا الْكِتَابَ، وَقَدْ أَحْضَرَ غِيَاثُ الدِّينِ أَخَاهُ شِهَابَ الدِّينِ وَبَهَاءَ الدِّينِ سَامَ مَلِكِ الْبَامِيَانِ، فَجَاءَ الْعَلَوِيُّ كَأَنَّهُ يَسَارُ غِيَاثِ الدِّينِ، وَوَقَفَ فِي وَسَطِ الْحَلْقَةِ، وَقَالَ لِلرَّسُولِ: يَا فُلَانُ! تَقُولُ لِسُلْطَان شَاهْ: قَدْ تَمَّ لَكَ الصُّلْحُ مِنْ جَانِبِ السُّلْطَانِ الْأَعْظَمِ، وَمِنْ شِهَابِ الدِّينِ، وَبَهَاءِ الدِّينِ، وَيَقُولُ لَكَ الْعَلَوِيُّ خَصْمُكَ: أَنَا وَمَوْلَانَا أَلْب غَازِي بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ السَّيْفُ، ثُمَّ صَرَخَ صَرْخَةً وَمَزَّقَ ثِيَابَهُ، وَحَثَا التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ وَأَقْبَلَ عَلَى غِيَاثِ الدِّينِ، وَقَالَ لَهُ: هَذَا وَاحِدٌ طَرَدَهُ
стр. 5605
أَخُوهُ، وَأَخْرَجَهُ فَرِيدًا وَحِيدًا، لِمَ تَتْرُكْ لَهُ مَا مَلَكْنَاهُ بِأَسْيَافِنَا مِنَ الْغُزِّ وَالْأَتْرَاكِ السَّنْجَرِيَّةِ؟ فَإِذَا سَمِعَ هَذَا عَنَّا يَجِيءُ أَخُوهُ يَطْلُبُ مُنَازَعَتَهُ الْهِنْدَ وَجَمِيعَ مَا بِيَدِكَ، فَحَرَّكَ غِيَاثُ الدِّينِ رَأْسَهُ وَلَمْ يَتَفَوَّهْ بِكَلِمَةٍ، فَقَالَ مَلِكُ سِجِسْتَانَ لِلْعَلَوِيِّ: اتْرُكِ الْأَمْرَ يَنْصَلِحْ.
فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمْ غِيَاثُ الدِّينِ مَعَ الْعَلَوِيِّ قَالَ شِهَابُ الدِّينِ لِجَاوَوِشِيتِهَ: نَادَوْا فِي الْعَسْكَرِ بِالتَّجَهُّزِ لِلْحَرْبِ، وَالتَّقَدُّمِ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ، وَقَامَ، وَأَنْشَدَ الْعَلَوِيُّ بَيْتًا مِنَ الشِّعْرِ عَجَمِيًّا مَعْنَاهُ: إِنِ الْمَوْتَ تَحْتَ السُّيُوفِ أَسْهَلُ مِنَ الرِّضَى بِالدَّنِيَّةِ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ إِلَى سُلْطَان شَاهْ، وَأَعْلَمَهُ الْحَالَ، فَرَتَّبَ عَسَاكِرَهُ لِلْمَصَافِّ، وَالْتَقَى الْفَرِيقَانِ وَاقْتَتَلُوا، فَصَبَرُوا لِلْحَرْبِ، فَانْهَزَمَ سُلْطَان شَاهْ وَعَسْكَرُهُ، وَأُخِذَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ أَسْرَى، فَأَطْلَقَهُمْ غِيَاثُ الدِّينِ، وَدَخَلَ سُلْطَان شَاهْ مَرْوَ فِي عِشْرِينَ فَارِسًا، وَلَحِقَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ نَحْوُ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ.
وَلَمَّا سَمِعَ خُوَارَزْم شَاهْ تُكَشُ بِمَا جَرَى لِأَخِيهِ سَارَ مِنْ خُوَارَزْمَ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ وَأَرْسَلَ إِلَى جَيْحُونَ ثَلَاثَةَ آلَافِ فَارِسٍ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلَى أَخِيهِ إِنْ أَرَادَ الْخَطَا، وَجَدَّ فِي السَّيْرِ لِيَقْبِضَ عَلَى أَخِيهِ قَبْلَ أَنْ يَقْوَى، فَأَتَتِ الْأَخْبَارُ سُلْطَان شَاهْ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى عُبُورِ جَيْحُونَ إِلَى الْخَطَا، فَسَارَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ وَكَتَبَ إِلَيْهِ يُعْلِمُهُ قَصْدَهُ إِلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَى هَرَاةَ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِهِ بِإِكْرَامِهِ وَاحْتِرَامِهِ وَحَمْلِ الْإِقَامَاتِ إِلَيْهِ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، وَقَدِمَ عَلَى غِيَاثِ الدِّينِ، وَالْتَقَاهُ، وَأَكْرَمَهُ وَأَنْزَلَهُ مَعَهُ فِي دَارِهِ، وَأَنْزَلَ أَصْحَابُ سُلْطَان شَاهْ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ عِنْدَ مَنْ هُوَ فِي طَبَقَتِهِ، فَأَنْزَلَ الْوَزِيرَ عِنْدَ وَزِيرِهِ وَالْعَارِضَ عِنْدَ عَارَضِهِ، وَكَذَلِكَ غَيْرَهُمْ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ حَتَّى انْسَلَخَ الشِّتَاءُ، فَأَرْسَلَ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ خُوَارَزْم شَاهْ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يُذَكِّرُهُ مَا صَنَعَهُ أَخُوهُ سُلْطَان شَاهْ مَعَهُ مِنْ تَخْرِيبِ بِلَادِهِ، وَجَمْعِ الْعَسَاكِرِ عَلَيْهِ، وَيُشِيرُ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَرَدِّهِ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ الرَّسُولَ، وَإِذْ قَدْ أَتَاهُ كِتَابُ نَائِبِهِ بِهَرَاةَ يُخْبِرُهُ أَنَّ كِتَابَ خُوَارَزْم شَاهْ جَاءَهُ يَتَهَدَّدُهُ، فَأَجَابَهُ أَنَّهُ لَا يُظْهِرُ لِخُوَارَزْم شَاهْ أَنَّهُ أَعْلَمَهُ بِالْحَالِ، وَأَحْضَرَ الرَّسُولَ، وَقَالَ لَهُ: تَقُولُ لِعَلَاءِ الدِّينِ: أَمَّا قَوْلُكَ إِنَّ سُلْطَانَ شَاهْ أَخْرَبَ الْبِلَادَ وَأَرَادَ مُلْكَهَا، فَلَعَمْرِي إِنَّهُ مَلِكٌ وَابْنُ مَلِكٍ، وَلَهُ هِمَّةٌ عَالِيَةٌ، وَإِذَا أَرَادَ الْمُلْكَ، فَمِثْلُهُ أَرَادَهُ، وَلِلْأُمُورِ مُدَبِّرٌ يُوصِلُهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، وَقَدِ الْتَجَأَ إِلَيَّ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَنْزَاحَ عَنْ بِلَادِهِ، وَتُعْطِيَهُ نَصِيبَهُ مِمَّا خَلَّفَ أَبُوهُ، وَمِنَ الْأَمْلَاكِ الَّتِي خَلَّفَ، وَالْأَمْوَالِ،
следующие страницы →