← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

أَخَذَهُ سَيْفُ الدِّينِ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ مِنَ الْبِلَادِ الْجَزَرِيَّةِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى حَمَاةَ مَلَكَ الْمَدِينَةَ مُسْتَهَلَّ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ بِقَلْعَتِهَا الْأَمِيرُ عِزُّ الدِّينِ جُورْدِيكُ، وَهُوَ مِنَ الْمَمَالِيكِ النُّورِيَّةِ، فَامْتَنَعَ مِنَ التَّسْلِيمِ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ صَلَاحُ الدِّينِ يُعَرِّفُهُ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ طَاعَةِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ حِفْظَ بِلَادِهِ عَلَيْهِ، فَاسْتَحْلَفَهُ جُورْدِيكُ عَلَى ذَلِكَ فَحَلِفَ وَسَيَّرَهُ إِلَى حَلَبَ فِي اجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ عَلَى طَاعَةِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، وَفِي إِطْلَاقِ شَمْسِ الدِّينِ عَلِيٍّ وَحَسَنٍ وَعُثْمَانَ أَوْلَادِ الدَّايَةِ مِنَ السِّجْنِ، فَسَارَ جُورْدِيكُ إِلَى حَلَبَ، وَاسْتَخْلَفَ بِقَلْعَةِ حَمَاةَ أَخَاهُ لِيَحْفَظَهَا، فَلَمَّا وَصَلَ جُورْدِيكُ إِلَى حَلَبَ قَبَضَ عَلَيْهِ كَمُشْتَكِينَ وَسَجَنَهُ، فَلَمَّا عَلِمَ أَخُوهُ بِذَلِكَ سَلَّمَ الْقَلْعَةَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ فَمَلَكَهَا. ذِكْرُ حَصْرِ صَلَاحِ الدِّينِ حَلَبَ وَعَوْدِهِ عَنْهَا وَمُلْكِهِ قَلْعَةَ حِمْصَ وَبَعْلَبَكَّ لَمَّا مَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ حَمَاةَ سَارَ إِلَى حَلَبَ فَحَصَرَهَا ثَالِثَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا، وَرَكِبَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ، وَهُوَ صَبِيٌّ عُمْرُهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَجَمَعَ أَهْلَ حَلَبَ وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمْ إِحْسَانَ أَبِي إِلَيْكُمْ وَمَحَبَّتَهُ لَكُمْ وَسِيرَتَهُ فِيكُمْ، وَأَنَا يَتِيمُكُمْ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا الظَّالِمُ الْجَاحِدُ إِحْسَانُ وَالِدِي إِلَيْهِ يَأْخُذُ بَلَدِي وَلَا يُرَاقِبُ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَا الْخَلْقَ، وَقَالَ مِنْ هَذَا كَثِيرًا وَبَكَى فَأَبْكَى النَّاسَ، فَبَذَلُوا لَهُ الْأَمْوَالَ وَالْأَنْفُسَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى الْقِتَالِ دُونَهُ، وَالْمَنْعِ عَنْ بَلَدِهِ، وَجَدُّوا فِي الْقِتَالِ، وَفِيهِمْ شَجَاعَةٌ، قَدْ أَلِفُوا الْحَرْبَ وَاعْتَادُوهَا، حَيْثُ كَانَ الْفِرِنْجُ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ، فَكَانُوا يَخْرُجُونَ وَيُقَاتِلُونَ صَلَاحَ الدِّينِ عِنْدَ جَبَلِ جَوْشَنَ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْقُرْبِ مِنَ الْبَلَدِ. وَأَرْسَلَ سَعْدُ الدِّينِ كَمُشْتَكِينُ إِلَى سِنَانَ مُقَدَّمِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، وَبَذَلَ لَهُ أَمْوَالًا كَثِيرَةً لِيَقْتُلُوا صَلَاحَ الدِّينِ، فَأَرْسَلُوا جَمَاعَةً مِنْهُمْ إِلَى عَسْكَرِهِ، فَلَمَّا وَصَلُوا رَآهُمْ أَمِيرٌ اسْمُهُ

стр. 5637

خُمَارْتِكِينُ، صَاحِبُ قَلْعَةِ أَبِي قُبَيْسٍ، فَعَرَفَهُمْ لِأَنَّهُ جَارُهُمْ فِي الْبِلَادِ، كَثِيرُ الْاجْتِمَاعِ بِهِمْ وَالْقِتَالِ لَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ لَهُمْ: مَا الَّذِي أَقْدَمَكُمْ وَفِي أَيِّ شَيْءٍ جِئْتُمْ؟ فَجَرَحُوهُ جِرَاحَاتٍ مُثْخَنَةٍ، وَحَمَلَ أَحَدُهُمْ عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ لِيَقْتُلَهُ، فَقُتِلَ دُونَهُ، وَقَاتَلَ الْبَاقُونَ مِنَ الْإِسْمَاعِيلِّيَّةِ، فَقَتَلُوا جَمَاعَةً ثُمَّ قُتِلُوا. وَبَقِيَ صَلَاحُ الدِّينِ مُحَاصِرًا لِحَلَبَ إِلَى سَلْخِ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَرَحَلَ عَنْهَا مُسْتَهَلَّ رَجَبَ، وَسَبَبُ رَحِيلِهِ أَنَّ الْقُمَّصَ رِيمُنْدُ الصَّنْجِيلِيُّ، صَاحِبُ طَرَابُلُسَ، كَانَ قَدْ أَسَرَهُ نُورُ الدِّينِ عَلَى حَارِمٍ سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَبَقِيَ فِي الْحَبْسِ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ، فَأَطْلَقَهُ سَعْدُ الدِّينِ بِمِائَةِ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ صُورِيَّةٍ وَأَلْفِ أَسِيرٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَلَدِهِ اجْتَمَعَ الْفِرِنْجُ عَلَيْهِ يُهَنِّئُونَهُ بِالسَّلَامَةِ، وَكَانَ عَظِيمًا فِيهِمْ مِنْ أَعْيَانِ شَيَاطِينِهِمْ، فَاتَّفَقَ أَنَّ مُرِّيَّ مَلِكَ الْفِرِنْجِ، لَعَنَهُ اللَّهُ، مَاتَ أَوَّلَ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ أَعْظَمَ مُلُوكِهِمْ شَجَاعَةً وَأَجْوَدَهُمْ رَأْيًا وَمَكْرًا وَمَكِيدَةً، فَلَمَّا تُوُفِّيَ خَلَّفَ ابْنًا مَجْذُومًا عَاجِزًا عَنْ تَدْبِيرِ الْمُلْكِ، فَمَلَّكَهُ الْفِرِنْجُ صُورَةً لَا مَعْنًى تَحْتَهَا، وَتَوَلَّى الْقُمُّصُ رِيمُنْدُ تَدْبِيرَ الْمُلْكِ، وَإِلَيْهِ الْحَلُّ وَالْعَقْدُ، عَنْ أَمْرِهِ يُصْدِرُونَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ بِحَلَبَ يَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يَقْصِدَ بَعْضَ الْبِلَادِ الَّتِي بِيَدِ صَلَاحِ الدِّينِ لِيَرْحَلَ عَنْهُمْ، فَسَارَ إِلَى حِمْصَ وَنَازَلَهَا سَابِعَ رَجَبٍ، فَلَمَّا تَجَهَّزَ لِقَصْدِهَا سَمِعَ صَلَاحُ الدِّينِ الْخَبَرَ فَرَحَلَ عَنْ حَلَبَ، فَوَصَلَ إِلَى حَمَاةَ ثَامِنَ رَجَبٍ، بَعْدَ نُزُولِ الْفِرِنْجِ عَلَى حِمْصَ بِيَوْمٍ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى الرَّسْتَنِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْفِرِنْجُ بِقُرْبِهِ رَحَلُوا عَنْ حِمْصَ، وَوَصَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَيْهَا، فَحَصَرَ الْقَلْعَةَ إِلَى أَنْ مَلَكَهَا فِي الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ، فَصَارَ أَكْثَرُ الشَّامِ بِيَدِهِ. وَلَمَّا مَلَكَ حِمْصَ سَارَ مِنْهَا إِلَى بَعْلَبَكَّ، وَبِهَا خَادِمٌ اسْمُهُ يُمْنٌ، وَهُوَ وَالٍ عَلَيْهَا مِنْ أَيَّامِ نُورِ الدِّينِ، فَحَصَرَهَا صَلَاحُ الدِّينِ، فَأَرْسَلَ يُمْنٌ يَطْلُبُ الْأَمَانَ لَهُ وَلِمَنْ عِنْدَهُ،

стр. 5638

فَأَمَّنَهُمْ صَلَاحُ الدِّينِ، وَسَلَّمَ الْقَلْعَةَ رَابِعَ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ. ذِكْرُ حَصْرِ سَيْفِ الدِّينِ أَخَاهُ عِمَادَ الدِّينِ بِسِنْجَارَ لَمَّا مَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ دِمَشْقَ وَحِمْصَ وَحَمَاةَ كَتَبَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُورِ الدِّينِ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ سَيْفِ الدِّينِ غَازِي بْنِ قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودِ، يَسْتَنْجِدُهُ عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ، وَيَطْلُبَ أَنْ يَعْبُرَ إِلَيْهِ لِيَقْصِدُوا صَلَاحَ الدِّينِ وَيَأْخُذُوا الْبِلَادَ مِنْهُ، فَجَمَعَ سَيْفُ الدِّينِ عَسَاكِرَهُ، وَكَاتِبَ أَخَاهُ عِمَادَ الدِّينِ زَنْكِي، صَاحِبَ سِنْجَارَ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَنْزِلَ إِلَيْهِ بِعَسَاكِرِهِ لِيَجْتَمِعَا عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الشَّامِ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ. وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ قَدْ كَاتَبَ عِمَادَ الدِّينِ وَأَطْمَعَهُ فِي الْمُلْكِ لِأَنَّهُ هُوَ الْكَبِيرُ، فَحَمَلَهُ الطَّمَعُ عَلَى الِامْتِنَاعِ عَلَى أَخِيهِ، فَلَمَّا رَأَى سَيْفُ الدِّينِ امْتِنَاعَهُ جَهَّزَ أَخَاهُ عِزَّ الدِّينِ مَسْعُودًا فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ، هُوَ مُعْظَمُ عَسْكَرِهِ، وَسَيَّرَهُ إِلَى الشَّامِ، وَجَعَلَ الْمُقَدَّمَ عَلَى الْعَسْكَرِ مَعَ أَخِيهِ عِزِّ الدِّينِ مَحْمُودٍ، وَيُلَقَّبُ أَيْضًا زَلْفِنْدَارَ، وَجَعَلَهُ الْمُدَبِّرَ لِلْأَمْرِ، وَسَارَ سَيْفُ الدِّينِ إِلَى سِنْجَارَ فَحَصَرَهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَقَاتَلَهَا، وَجَدَّ فِي الْقِتَالِ، وَامْتَنَعَ عِمَادُ الدِّينِ بِهَا، وَأَحْسَنَ حِفْظَهَا وَالذَّبَّ عَنْهَا، فَدَامَ الْحِصَارُ عَلَيْهَا، فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَاصِرُهَا أَتَاهُ الْخَبَرُ بِانْهِزَامِ عَسْكَرِهِ الَّذِي مَعَ أَخِيهِ عِزِّ الدِّينِ مَسْعُودٍ مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ، فَرَاسَلَ حِينَئِذٍ أَخَاهُ عِمَادَ الدِّينِ، وَصَالَحَهُ عَلَى مَا بِيَدِهِ، وَرَحَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَثَبَتَ قَدَمُ صَلَاحُ الدِّينِ بَعْدَ هَذِهِ الْهَزِيمَةِ، وَخَافَهُ النَّاسُ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيْفِ الدِّينِ (غَازِي فِي الصُّلْحِ) ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ حَالٌ. ذِكْرُ انْهِزَامِ عَسْكَرِ سَيْفِ الدِّينِ مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ وَحَصْرِهِ مَدِينَةَ حَلَبَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ عَسْكَرُ سَيْفِ الدِّينِ مَعَ أَخِيهِ عِزِّ الدِّينِ وَعِزِّ الدِّينِ زَلْفِنْدَارَ إِلَى حَلَبَ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمَا عَسَاكِرُ حَلَبَ، وَسَارُوا كُلُّهُمْ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ لِيُحَارِبُوهُ، فَأَرْسَلَ

стр. 5639

صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى سَيْفِ الدِّينِ يَبْذُلُ تَسْلِيمَ حِمْصَ وَحَمَاةَ، وَأَنْ يُقِرَّ بِيَدِهِ مَدِينَةَ دِمَشْقَ، وَهُوَ فِيهَا نَائِبُ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ تَسْلِيمِ جَمِيعِ مَا أُخِذَ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ وَالْعَوْدِ إِلَى مِصْرَ. وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ يَجْمَعُ عَسَاكِرَهُ وَيَتَجَهَّزُ لِلْحَرْبِ، فَلَمَّا امْتَنَعَ سَيْفُ الدِّينِ مِنْ إِجَابَتِهِ إِلَى مَا بَذَلَ سَارَ فِي عَسَاكِرِهِ إِلَى عِزِّ الدِّينِ مَسْعُودٍ وَزَلْفِنْدَارَ، فَالْتَقَوْا تَاسِعَ عَشَرَ رَمَضَانَ، بِالْقُرْبِ مِنْ مَدِينَةِ حَمَاةَ، بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ قُرُونُ حَمَاةَ، وَكَانَ زَلْفِنْدَارُ جَاهِلًا بِالْحُرُوبِ وَالْقِتَالِ، غَيْرُ عَالِمٍ بِتَدْبِيرِهَا، مَعَ جُبْنٍ فِيهِ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ رُزِقَ سَعَادَةً وَقَبُولًا مِنْ سَيْفِ الدِّينِ، فَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ لَمْ يَثْبُتِ الْعَسْكَرُ السَّيْفِيُّ، وَانْهَزَمُوا لَا يَلْوِي أَخٌ عَلَى أَخِيهِ، وَثَبَتَ عِزُّ الدِّينِ أَخُو سَيْفِ الدِّينِ بَعْدَ انْهِزَامِ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَأَى صَلَاحُ الدِّينِ ثَبَاتَهُ قَالَ: إِمَّا أَنَّ هَذَا أَشْجَعُ النَّاسِ، أَوْ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْحَرْبَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْحَمْلَةِ عَلَيْهِ، فَحَمَلُوا فَأَزَالُوهُ عَنْ مَوْقِفِهِ، وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ. وَتَبِعَهُمْ صَلَاحُ الدِّينِ وَعَسْكَرُهُ حَتَّى جَاوَزُوا مُعَسْكَرِهِمْ، وَغَنِمُوا مِنْهُمْ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَآلَةً، وَسِلَاحًا عَظِيمًا، وَدَوَابَّ فَارِهَةً، وَعَادُوا بَعْدَ طُولِ الْبِيكَارَ مُسْتَرِيحِينَ، وَعَادَ الْمُنْهَزِمُونَ إِلَى حَلَبَ، وَتَبِعَهُمْ صَلَاحُ الدِّينِ، فَنَازَلَهُمْ بِهَا مُحَاصِرًا لَهَا وَمُقَاتِلًا، وَقَطَعَ حِينَئِذٍ خُطْبَةَ الْمَلِكِ الصَّالِحِ بْنِ نُورِ الدِّينِ، وَأَزَالَ اسْمَهُ عَنِ السِّكَّةِ فِي بِلَادِهِ، وَدَامَ مُحَاصِرًا لَهُمْ، فَلَمَّا طَالَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ رَاسَلُوهُ فِي الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا بِيَدِهِ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ وَلَهُمْ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْهَا، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَانْتَظَمَ الصُّلْحُ وَرَحَلَ عَنْ حَلَبَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ وَوَصَلَ إِلَى حَمَاةَ، وَوَصَلَتْ إِلَيْهِ بِهَا خِلَعُ الْخَلِيفَةِ مَعَ رَسُولِهِ.

стр. 5640

ذِكْرُ مُلْكِ صَلَاحِ الدِّينِ قَلْعَةَ بِعَرِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ، مَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ قَلْعَةَ بِعَرِينَ مِنَ الشَّامِ، وَكَانَ [صَاحِبُهَا] فَخْرَ الدِّينِ مَسْعُودَ بْنَ الزَّعْفَرَانِيِّ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ النُّورِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَى قُوَّةَ صَلَاحِ الدِّينِ نَزَلَ مِنْهَا، وَاتَّصَلَ بِصَلَاحِ الدِّينِ، وَظَنَّ أَنَّهُ يُكْرِمُهُ وَيُشَارِكُهُ فِي مُلْكِهِ، وَلَا يَنْفَرِدُ عَنْهُ بِأَمْرٍ مِثْلُ مَا كَانَ مَعَ نُورِ الدِّينِ، فَلَمْ يَرَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَفَارَقَهُ، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ لَهُ مِنْ إِقْطَاعِهِ الَّذِي كَانَ لَهُ فِي الْأَيَّامِ النُّورِيَّةِ غَيْرُ بِعَرِينَ وَنَائِبِهِ بِهَا، فَلَمَّا صَالَحَ صَلَاحُ الدِّينِ الْمَلِكَ الصَّالِحَ بِحَلَبَ، عَادَ إِلَى حَمَاةَ وَسَارَ مِنْهَا إِلَى بِعَرِينَ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْهَا، فَحَصَرَهَا وَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، وَأَدَامَ قِتَالَهَا، فَسَلَّمَهَا وَالِيهَا بِالْأَمَانِ، فَلَمَّا مَلَكَهَا عَادَ إِلَى حَمَاةَ، فَأَقْطَعَهَا خَالَهُ شِهَابَ الدِّينِ مَحْمُودَ بْنَ تَكِشَ الْحَارِمِيَّ، وَأَقْطَعَ حِمْصَ نَاصِرَ الدِّينِ مُحَمَّدَ ابْنَ عَمِّهِ شِيرْكُوهْ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى دِمَشْقَ فَدَخَلَهَا أَوَاخِرَ شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ. ذِكْرُ مُلْكِ الْبَهْلَوَانِ مَدِينَةَ تَبْرِيزَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ الْبَهْلَوَانُ بْنُ إِيلْدِكْزَ مَدِينَةَ تَبْرِيزَ، وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ بِلَادِ آقْسُنْقُرَ الْأَحْمَدِيلِيِّ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَهْلَوَانَ سَارَ إِلَى مَرَاغَةَ وَحَصَرَهَا، وَكَانَ ابْنُ آقْسُنْقُرَ الْأَحْمَدِيلِيُّ صَاحِبُهَا قَدْ مَاتَ، وَوَصَّى بِالْمُلْكِ لِابْنِهِ فَلَكِ الدِّينِ، فَقَصَدَهُ الْبَهْلَوَانُ، وَنَزَلَ عَلَى قَلْعَةِ رُويِينَ دُزْ وَحَصَرَهَا فَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ، فَتَرَكَهَا، وَحَصَرَ مَرَاغَةَ، وَسَيَّرَ أَخَاهُ قُزْلَ أَرْسَلَانَ فِي جَيْشٍ إِلَى مَدِينَةِ تَبْرِيزَ فَحَصَرَهَا أَيْضًا. وَكَانَ الْبَهْلَوَانُ يُقَاتِلُ أَهْلَ مَرَاغَةَ، فَظَفِرُوا بِطَائِفَةٍ مِنْ عَسْكَرِهِ، فَخَلَعَ عَلَيْهِمْ صَدْرُ الدِّينِ قَاضِي مَرَاغَةَ، وَأَطْلَقَهُمْ، فَحَسُنَ ذَلِكَ عِنْدَ الْبَهْلَوَانِ، وَشَرَعَ الْقَاضِي فِي الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يُسَلِّمُوا تَبْرِيزَ إِلَى الْبَهْلَوَانِ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ عَلَيْهِ، وَحَلِفَ

стр. 5641

كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَتَسَلَّمَ الْبَهْلَوَانُ تِبْرِيزُ وَأَعْطَاهَا أَخَاهُ قُزْلَ أَرْسَلَانَ، وَرَحَلَ عَنْ مَرَاغَةَ. ذِكْرُ وَفَاةِ شُمْلَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ شُمْلَةُ التُّرْكُمَانِيُّ، صَاحِبُ خُوزِسْتَانَ، وَكَانَ قَدْ كَثُرَتْ وِلَايَتُهُ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ، وَبَنَى عِدَّةَ حُصُونٍ، وَبَقِيَ كَذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى عِشْرِينَ سَنَةٍ. وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّهُ قَصَدَ بَعْضَ التُّرْكُمَانِ، فَعَلِمُوا بِذَلِكَ، فَاسْتَعَانُوا بِشَمْسِ الدِّينِ الْبَهْلَوَانِ بْنِ إِيلْدِكْزَ، صَاحِبِ عِرَاقِ الْعَجَمِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا، فَاقْتَتَلُوا فَأَصَابَ شُمْلَةَ سَهْمٌ، ثُمَّ أُخِذَ أَسِيرًا وَوَلَدُهُ وَابْنُ أَخِيهِ، وَتُوُفِّيَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، وَهُوَ مِنَ التُّرْكُمَانِ الْأَقْشَرِيَّةِ، وَلَمَّا مَاتَ مَلَكَ ابْنُهُ بَعْدَهُ. ذِكْرُ هَرَبِ قُطْبِ الدِّينِ قَايْمَازَ مِنْ بَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، سَيَّرَ عَلَاءُ الدِّينِ تُنَامُشَ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ بِبَغْدَادَ، وَهُوَ ابْنُ أَحْمَدَ قُطْبُ الدِّينِ قَايْمَازُ زَوْجُ أُخْتِهِ، عَسْكَرًا إِلَى الْغَرَّافِ، فَنَهَبُوا أَهْلَهُ، وَبَالَغُوا فِي أَذَاهُمْ، فَجَاءَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ إِلَى بَغْدَادَ وَاسْتَغَاثُوا، فَلَمْ يُغَاثُوا لِضَعْفِ الْخَلِيفَةِ مَعَ قَايْمَازَ وَتُنَامُشَ، وَتَحَكُّمِهِمَا عَلَيْهِ، فَقَصَدُوا جَامِعَ الْقَصْرِ وَاسْتَغَاثُوا فِيهِ، وَمَنَعُوا الْخَطِيبَ، وَفَاتَتِ الصَّلَاةُ أَكْثَرَ النَّاسِ، فَأَنْكَرَ الْخَلِيفَةُ مَا جَرَى، فَلَمْ يَلْتَفِتْ قُطْبُ الدِّينِ وَتُنَامُشُ إِلَى مَا فَعَلَ، وَاحْتَقَرُوهُ، فَلَا جَرَمَ لَمْ يُمْهِلْهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِاحْتِقَارِهِمْ وَازْدِرَائِهِمْ أَهْلَهُ. فَلَمَّا كَانَ خَامِسُ ذِي الْقِعْدَةِ قَصَدَ قُطْبُ الدِّينِ قَايْمَازُ أَذَى ظَهِيرِ الدِّينِ بْنِ الْعَطَّارِ، وَكَانَ صَاحِبَ الْمَخْزَنِ، وَهُوَ خَاصُّ الْخَلِيفَةِ، وَلَهُ بِهِ عِنَايَةٌ تَامَّةٌ، فَلَمْ يُرَاعِ الْخَلِيفَةَ فِي صَاحِبِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَسْتَدْعِيهِ لِيَحْضُرَ عِنْدَهُ، فَهَرَبَ، فَأَحْرَقَ قُطْبُ الدِّينِ دَارَهُ،

стр. 5642

وَحَالِفَ الْأُمَرَاءَ عَلَى الْمُسَاعَدَةِ وَالْمُظَاهَرَةِ لَهُ، وَجَمَعَهُمْ، وَقَصَدَ دَارَ الْخَلِيفَةِ لِعِلْمِهِ أَنَّ ابْنَ الْعَطَّارِ فِيهَا، فَلَمَّا عَلِمَ الْخَلِيفَةُ ذَلِكَ وَرَأَى الْغَلَبَةَ صَعِدَ إِلَى سَطْحِ دَارِهِ وَظَهَرَ لِلْعَامَّةِ وَأَمَرَ خَادِمًا فَصَاحَ وَاسْتَغَاثَ، وَقَالَ لِلْعَامَّةِ: مَالُ قُطْبِ الدِّينِ لَكُمْ وَدَمُهُ لِي، فَقَصَدَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ دَارَ قُطْبِ الدِّينِ لِلنَّهْبِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْمَقَامُ لِضِيقِ الشَّوَارِعِ وَغَلَبَةِ الْعَامَّةِ، فَهَرَبَ مِنْ دَارِهِ مِنْ بَابِ فَتْحِةٍ فِي ظَهْرِهَا لِكَثْرَةِ الْخَلْقِ عَلَى بَابِهَا، وَخَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ وَنُهِبَتْ دَارُهُ، وَأُخِذَ مِنْهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُحْصَى، فَرُئِيَ فِيهَا مِنَ التَّنَعُّمِ مَا لَيْسَ لِأَحَدٍ مِثْلُهُ، فَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنَّ بَيْتَ الطَّهَارَةِ الَّذِي كَانَ لَهُ فِيهِ سِلْسِلَةُ ذَهَبٍ مِنَ السَّقْفِ إِلَى مُحَاذِي وَجْهِ الْقَاعِدِ عَلَى الْخَلَا، وَفِي أَسْفَلِهَا كُرَةٌ كَبِيرَةٌ ذَهَبٌ، مُخْرَّمَةٌ، مَحْشُوَّةٌ بِالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ لِيَشُمَّهَا إِذَا قَعَدَ، فَتَشَبَّثَ بِهَا إِنْسَانٌ وَقَطَعَهَا وَأَخَذَهَا، وَدَخَلَ بَعْضُ الصَّعَالِيكِ فَأَخَذَ عِدَّةَ أَكْيَاسٍ مَمْلُوءَةٍ دَنَانِيرُ. وَكَانَ الْأَقْوِيَاءُ قَدْ وَقَفُوا عَلَى الْبَابِ يَأْخُذُونَ مَا يَخْرُجُ بِهِ النَّاسُ، فَلَمَّا أَخَذَ ذَلِكَ الصُّعْلُوكُ الْأَكْيَاسَ قَصَدَ الْمَطْبَخَ فَأَخَذَ مِنْهُ قِدْرًا مَمْلُوءَةً طَبِيخًا، وَأَلْقَى الْأَكْيَاسَ فِيهَا وَحَمَلَهَا عَلَى رَأْسِهِ وَخَرَجَ بِهَا، وَالنَّاسُ يَضْحَكُونَ مِنْهُ، فَيَقُولُ: أَنَا أُرِيدُ شَيْئًا أُطَعِمُهُ عِيَالِي الْيَوْمَ، فَنَجَا بِمَا مَعَهُ، فَاسْتَغْنَى بَعْدَ ذَلِكَ، فَظَهَرَ الْمَالُ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ نِعْمَةِ قُطْبِ الدِّينِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ. وَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْبَلَدِ تَبِعَهُ تُنَامُشُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَنُهِبَتْ دُورُهُمْ أَيْضًا، وَأُخِذَتْ أَمْوَالُهُمْ وَأُحْرِقَ أَكْثَرُهَا، وَسَارَ قُطْبُ الدِّينِ إِلَى الْحِلَّةِ وَمَعَهُ الْأُمَرَاءُ، فَسَيَّرَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِ صَدْرَ الدِّينِ شَيْخَ الشُّيُوخِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ يَخْدَعُهُ حَتَّى سَارَ عَنِ الْحِلَّةِ إِلَى الْمَوْصِلِ عَلَى الْبَرِّ، فَلَحِقَهُ وَمَنْ مَعَهُ عَطَشٌ عَظِيمٌ فَهَلَكَ أَكْثَرُهُمْ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْعَطَشِ. وَمَاتَ قُطْبُ الدِّينِ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى الْمَوْصِلِ فَحُمِلَ وَدُفِنَ بِظَاهِرِ بَابِ الْعِمَادِيِّ وَقَبْرُهُ مَشْهُورٌ هُنَاكَ. وَهَذَا عَاقِبَةُ عِصْيَانِ الْخَلِيفَةِ، وَكُفْرَانِ الْإِحْسَانِ، وَالظُّلْمِ، وَسُوءِ التَّدْبِيرِ، فَإِنَّهُ ظَلَمَ أَهْلَ الْعِرَاقِ، وَكَفْرَ إِحْسَانَ الْخَلِيفَةِ الَّذِي كَانَ قَدْ غَمَرَهُ، وَلَوْ أَقَامَ بِالْحِلَّةِ وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَعَاوَدَ بَغْدَادَ لَاسْتَوْلَى عَلَى الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا كَانَ، فَإِنَّ عَامَّةَ بَغْدَادَ كَانُوا يُرِيدُونَهُ، وَكَانَ قَوِيَ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْبِلَادِ فَأَطَاعُوهُ. وَلَمَّا مَاتَ فِي ذِي الْحِجَّةِ وَصَلَ عَلَاءُ الدِّينِ تُنَامُشُ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَأَقَامَ مُدِيدَةً، ثُمَّ أَمَرَهُ الْخَلِيفَةُ بِالْقُدُومِ إِلَى بَغْدَادَ، فَعَادَ إِلَيْهَا وَبَقِيَ بِهَا إِلَى أَنَّ مَاتَ بِغَيْرِ إِقْطَاعٍ،

стр. 5643

وَكَانَ هَذَا آخَرَ أَمْرِهِمْ. وَلَمَّا أَقَامَ قُطْبُ الدِّينِ بِالْحِلَّةِ امْتَنَعَ الْحَاجُّ مِنَ السَّفَرِ، فَتَأَخَّرُوا إِلَى أَنْ رَحَلَ عَنْهَا، فَدَخَلُوا مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى عَرَفَاتٍ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهَذَا مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَفَاتَ كَثِيرًا مِنْهُمُ الْحَجُّ. وَلَمَّا هَرَبَ قُطْبُ الدِّينِ خَلَعَ الْخَلِيفَةُ عَلَى عَضُدِ الدِّينِ الْوَزِيرِ وَأُعِيدَ [إِلَى] الْوِزَارَةِ. قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي قُطْبِ الدِّينِ وَتُنَامُشَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ: إِنْ كُنْتَ مُعْتَبِرًا بِمُلْكٍ زَائِلٍ ... وَحَوَادِثٍ عَنَقِيَّةِ الْإِدْلَاجِ فَدَعِ الْعَجَائِبَ وَالتَّوَارِيخَ الْأُولَى ... وَانْظُرْ إِلَى قَايْمَازَ وَابْنِ قَمَاجِ عَطَفَ الزَّمَانُ عَلَيْهِمَا فَسَقَاهُمَا ... مِنْ كَأْسِهِ صِرْفًا بِغَيْرِ مِزَاجِ فَتَبَدَّلُوا بَعْدَ الْقُصُورِ وَظِلِّهَا ... وَنَعِيمِهَا بِمَهَامِهٍ وَفِجَاجِ فَلْيَحْذَرِ الْبَاقُونَ مِنْ أَمْثَالِهَا ... نَكَبَاتِ دَهْرٍ خَائِنٍ مِزْعَاجِ وَكَانَ قُطْبُ الدِّينِ كَرِيمًا، طَلْقَ الْوَجْهِ، مُحِبًّا لِلْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، كَثِيرَ الْبَذْلِ لِلْمَالِ. وَالَّذِي كَانَ جَرَى مِنْهُ إِنَّمَا كَانَ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ تُنَامُشُ وَلَمْ يَكُنْ بِإِرَادَتِهِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ زَعِيمُ الدِّينِ صَاحِبُ الْمَخْزَنِ، وَاسْمُهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُعَمَّرِ بْنِ جَعْفَرَ أَبُو الْفَضْلِ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ عِدَّةَ سِنِينَ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ فِي الطَّرِيقِ، وَنَابَ عَنِ الْوِزَارَةِ، وَتَنَقَّلَ فِي هَذِهِ الْأَعْمَالِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ.

стр. 5644

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ] ٥٧١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ انْهِزَامِ سَيْفِ الدِّينِ مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، عَاشِرَ شَوَّالٍ، كَانَ الْمَصَافُّ بَيْنَ سَيْفِ الدِّينِ غَازِي بْنُ مَوْدُودٍ وَبَيْنَ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ بِتَلِّ السُّلْطَانِ، عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنْ حَلَبَ، وَعَلَى طَرِيقِ حَمَاةَ، وَانْهَزَمَ سَيْفُ الدِّينِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا انْهَزَمَ أَخُوهُ عِزُّ الدِّينِ مَسْعُودٌ مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ فِي الْعَامِ الْمَاضِي وَصَالَحَ سَيْفُ الدِّينِ أَخَاهُ عِمَادَ الدِّينِ صَاحِبَ سِنْجَارَ، عَادَ [إِلَى] الْمَوْصِلِ، وَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ، وَفَرَّقَ فِيهِمُ الْأَمْوَالَ، وَاسْتَنْجَدَ صَاحِبُ حِصْنِ كَيْفَا، وَصَاحِبُ مَارِدِينَ وَغَيْرِهِمَا، فَاجْتَمَعَتْ مَعَهُ عَسَاكِرُ كَثِيرَةٌ بَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ سِتَّةَ آلَافِ فَارِسٍ، فَسَارَ إِلَى نَصِيبِينَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَأَقَامَ بِهَا فَأَطَالَ الْمَقَامَ حَتَّى انْقَضَى الشِّتَاءُ وَهُوَ مُقِيمٌ، فَضَجِرَ الْعَسْكَرُ وَنَفَذَتْ نَفَقَاتُهُمْ، وَصَارَ الْعَوْدُ إِلَى بُيُوتِهِمْ مَعَ الْهَزِيمَةِ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ الظَّفَرِ لِمَا يَتَوَقَّعُونَهُ، إِنْ ظَفِرُوا، مِنْ طُولِ الْمَقَامِ بِالشَّامِ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ. ثُمَّ سَارَ إِلَى حَلَبَ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ سَعِدُ الدِّينِ كُمُشْتَكِينُ الْخَادِمُ، مُدَبِّرُ دَوْلَةِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، وَمَعَهُ عَسَاكِرُ حَلَبَ، وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَسَاكِرِ لِأَنَّهُ كَانَ صَالَحَ الْفِرِنْجَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَقَدْ سَيَّرَ عَسَاكِرَهُ إِلَى مِصْرَ، فَأَرْسَلَ يَسْتَدْعِيهَا فَلَوْ عَاجَلُوهُ لَبَلَغُوا غَرَضَهُمْ مِنْهُ، لَكِنَّهُمْ تَرَيَّثُوا وَتَأَخَّرُوا عَنْهُ، فَجَاءَتْهُ عَسَاكِرُهُ، فَسَارَ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى نَاحِيَةِ حَلَبَ لِيَلْقَى سَيْفَ الدِّينِ، فَالْتَقَى الْعَسْكَرَانِ بِتَلِّ السُّلْطَانِ، وَكَانَ سَيْفُ الدِّينِ قَدْ سَبَقَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ صَلَاحُ [الدِّينِ] كَانَ

стр. 5645

وُصُولُهُ الْعَصْرَ، وَقَدْ تَعِبَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَعَطِشُوا، فَأَلْقَوْا نُفُوسَهُمْ إِلَى الْأَرْضِ لَيْسَ فِيهِمْ حَرَكَةٌ، فَأَشَارَ عَلَى سَيْفِ الدِّينِ جَمَاعَةٌ بِقِتَالِهِمْ وَهُمْ عَلَى هَذَا الْحَالِ، فَقَالَ زَلْفِنْدَارُ: مَا بِنَا هَذِهِ الْحَاجَةُ إِلَى قِتَالِ هَذَا الْخَارِجِيِّ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، غَدًا بُكْرَةً نَأْخُذُهُمْ كُلَّهُمْ، فَتَرَكَ الْقِتَالَ إِلَى الْغَدِ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا اصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، فَجَعَلَ زَلْفِنْدَارُ، وَهُوَ الْمُدَبِّرُ لِلْعَسْكَرِ السَّيْفِيِّ، أَعْلَاهُمْ فِي وَهْدَةٍ مِنَ الْأَرْضِ، لَا يَرَاهَا إِلَّا مَنْ هُوَ بِالْقُرْبِ مِنْهَا، فَلَمَّا لَمْ يَرَهَا النَّاسُ ظَنُّوا أَنَّ السُّلْطَانَ قَدِ انْهَزَمَ، فَلَمْ يَثْبُتُوا وَانْهَزَمُوا، وَلَمْ يَلْوِ أَخٌ عَلَى أَخِيهِ، وَلَمْ يُقْتَلْ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَوَصَلَ سَيْفُ الدِّينِ إِلَى حَلَبَ، وَتَرَكَ بِهَا أَخَاهُ عِزَّ الدِّينِ مَسْعُودًا فِي جَمْعٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَلَمْ يُقِمْ هُوَ، وَعَبَرَ الْفُرَاتَ، وَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَهُوَ لَا يُصَدِّقُ أَنَّهُ يَنْجُو. وَظَنَّ أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ يَعْبُرُ الْفُرَاتَ وَيَقْصِدُهُ بِالْمَوْصِلِ، فَاسْتَشَارَ وَزِيرَهُ جَلَالَ الدِّينِ وَمُجَاهِدَ الدِّينِ قَايْمَازَ، فِي مُفَارَقَةِ الْمَوْصِلِ وَالِاعْتِصَامِ بِقَلْعَةِ عَقْرَ الْحُمَيْدِيَّةِ، فَقَالَ لَهُ مُجَاهِدُ الدِّينِ: أَرَأَيْتَ إِنْ مُلِكَتِ الْمَوْصِلُ عَلَيْكَ، أَتَقْدِرُ أَنْ تَمْتَنِعَ بِبَعْضِ أَبْرَاجِ الْفَصِيلِ؟ فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: بُرْجٌ فِي الْفَصِيلِ خَيْرٌ مِنَ الْعَقْرِ، وَمَا زَالَ الْمُلُوكُ يَنْهَزِمُونَ وَيُعَاوِدُونَ الْحَرْبَ، وَاتَّفَقَ هُوَ وَالْوَزِيرُ عَلَى شَدِّ أَزْرِهِ، وَتَقْوِيَةِ قَلْبِهِ، فَثَبَتَ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْ زَلْفِنْدَارَ وَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ عَلَى إِمَارَةِ الْجُيُوشِ مُجَاهِدَ الدِّينِ قَايْمَازَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْعِمَادُ الْكَاتِبُ فِي كِتَابِ " الْبَرْقُ الشَّامِيُّ " فِي تَارِيخِ الدَّوْلَةِ الصَّلَاحِيَّةِ أَنَّ سَيْفَ الدِّينِ كَانَ عَسْكَرُهُ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ عِشْرِينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، إِنَّمَا كَانَ عَلَى التَّحْقِيقِ يَزِيدُ عَلَى سِتَّةِ آلَافِ فَارِسٍ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ، فَإِنَّنِي وَقَفْتُ عَلَى

стр. 5646

جَرِيدَةِ الْعَرْضِ، وَتَرْتِيبِ الْعَسْكَرِ لِلْمَصَافِّ مَيْمَنَةً وَمَيْسَرَةً وَقَلْبًا وَجَالِيشِيَّةً، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ الْمُتَوَلِّي لِذَلِكَ وَالْكَاتِبُ لَهُ أَخِي مَجْدَ الدِّينِ أَبَا السِّعَادَاتِ الْمُبَارَكَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ ﵀ وَإِنَّمَا قَصَدَ الْعِمَادُ أَنْ يُعَظِّمَ أَمْرَ صَاحِبِهِ بِأَنَّهُ هَزَمَ بِسِتَّةِ آلَافٍ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ، ثُمَّ يَا لَيْتَ شِعْرِي كَمْ هِيَ الْمَوْصِلُ وَأَعْمَالُهُاَ إِلَى الْفُرَاتِ حَتَّى يَكُونَ لَهَا وَفِيهَا عِشْرُونَ أَلْفَ فَارِسٍ؟ ذِكْرُ مَا مَلَكَهُ صَلَاحُ الدِّينِ بَعْدَ الْكَسْرَةِ مِنْ بِلَادِ الصَّالِحِ بْنِ نُورِ الدِّينِ لَمَّا انْهَزَمَ سَيْفُ الدِّينِ وَعَسْكَرُهُ وَوَصَلُوا إِلَى حَلَبَ عَادَ سَيْفُ الدِّينِ إِلَى الْمَوْصِلِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَتَرَكَ بِحَلَبَ أَخَاهُ عِزَّ الدِّينِ مَسْعُودًا فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ نَجْدَةً لِلْمَلِكِ الصَّالِحِ، وَأَمَّا صَلَاحُ الدِّينِ فَإِنَّهُ لَمَّا اسْتَوْلَى عَلَى أَثْقَالِ الْعَسْكَرِ الْمَوْصِلِيِّ هُوَ وَعَسْكَرُهُ، وَغَنِمُوهَا وَاتَّسَعُوا بِهَا وَقَوُوا، سَارَ إِلَى بُزَاعَةَ فَحَصَرَهَا، وَقَاتَلَهُ مَنْ بِالْقَلْعَةِ، ثُمَّ تَسَلَّمَهَا وَجَعَلَ فِيهَا مَنْ يَحْفَظُهَا، وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ مَنْبَجَ فَحَصَرَهَا آخِرَ شَوَّالٍ، وَبِهَا صَاحِبُهَا قُطْبُ الدِّينِ يَنَّالُ بْنُ حَسَّانَ الْمَنْبَجِيُّ وَكَانَ شَدِيدَ الْعَدَاوَةِ لِصَلَاحِ الدِّينِ وَالتَّحْرِيضِ عَلَيْهِ، وَالْإِطْمَاعِ فِيهِ، وَالطَّعْنِ فِيهِ، فَصَلَاحُ الدِّينِ حَنَقَ عَلَيْهِ مُتَهَدِّدٌ لَهُ، فَأَمَّا الْمَدِينَةُ فَمَلَكَهَا، وَلَمْ تَمْتَنِعْ عَلَيْهِ، وَبَقِيَ الْقَلْعَةُ وَبِهَا صَاحِبُهَا قَدْ جَمَعَ إِلَيْهَا الرِّجَالَ وَالسِّلَاحَ وَالذَّخَائِرَ، فَحَصَرَهُ صَلَاحُ الدِّينِ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ وَزَحَفَ إِلَى الْقَلْعَةِ فَوَصَلَ النَّقَّابُونَ إِلَى السُّورِ فَنَقَبُوهَا وَمَلَكُوهَا عَنْوَةً، وَغَنِمَ الْعَسْكَرُ الصَّلَاحِيُّ كُلُّ مَا فِيهَا، وَأُخِذَ صَاحِبُهَا يَنَّالُ أَسِيرًا، فَأَخَذَ صَلَاحُ الدِّينِ كُلَّ مَالِهِ وَأَصْبَحَ فَقِيرًا لَا يَمْلِكُ نَقِيرًا، ثُمَّ أَطْلَقَهُ صَلَاحُ الدِّينِ فَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَأَقْطَعَهُ سَيْفُ الدِّينِ غَازِي مَدِينَةَ الرَّقَّةِ. وَلَمَّا فَرَغَ صَلَاحُ [الدِّينِ] مِنْ مَنْبَجَ سَارَ إِلَى قَلْعَةِ إِعْزَازَ فَنَازَلَهَا ثَالِثَ ذِي الْقِعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ، وَهِيَ مِنْ أَحْصَنِ الْقِلَاعِ وَأَمْنَعِهَا، فَنَازَلَهَا وَحَصَرَهَا، وَأَحَاطَ بِهَا وَضَيَّقَ عَلَى مَنْ فِيهَا وَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، وَقُتِلَ عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَبَيْنَمَا صَلَاحُ الدِّينِ يَوْمًا فِي خَيْمَةٍ لِبَعْضِ أُمَرَائِهِ يُقَالُ لَهُ جَاوْلِي، وَهُوَ مُقَدَّمُ الطَّائِفَةِ الْأَسْدِيَّةِ، إِذْ وَثَبَ عَلَيْهِ بَاطِنِيٌّ فَضَرَبَهُ بِسِكِّينٍ فِي رَأْسِهِ فَجَرَحَهُ، فَلَوْلَا أَنَّ الْمِغْفَرَ الزَّرَدَ كَانَ تَحْتَ الْقَلَنْسُوَةِ لَقَتَلَهُ، فَأَمْسَكَ صَلَاحُ الدِّينِ يَدَ الْبَاطِنِيَّ بِيَدِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِ مِنَ الضَّرْبِ

стр. 5647

بِالْكُلِّيَّةِ، إِنَّمَا يَضْرِبُ ضَرْبًا ضَعِيفًا، فَبَقِيَ الْبَاطِنِيُّ يَضْرِبُهُ فِي رَقَبَتِهِ بِالسِّكِّينِ، وَكَانَ عَلَيْهِ كُزَاغَنْدُ فَكَانَتِ الضَّرَبَاتُ تَقَعُ فِي زِيقِ الْكُزَاغَنْدِ فَتَقْطَعُهُ، وَالزَّرَدُ يَمْنَعُهَا مِنَ الْوُصُولِ إِلَى رَقَبَتِهِ لِبُعْدِ أَجْلِهِ، فَجَاءَ أَمِيرٌ مِنْ أُمَرَائِهِ اسْمُهُ يَازَكْشُ، فَأَمَسَكَ السِّكِّينَ بِكِفَّهِ، فَجَرَحَهُ الْبَاطِنِيُّ، وَلَمْ يُطْلِقْهَا مِنْ يَدِهِ إِلَى أَنْ قَتَلَ الْبَاطِنِيَّ، وَجَاءَ آخَرٌ مِنَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ فَقُتِلَ أَيْضًا، وَثَالِثٌ فَقُتِلَ، وَرَكِبَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى خَيْمَتِهِ كَالْمَذْعُورِ لَا يُصَدِّقُ بِنَجَاتِهِ، ثُمَّ اعْتَبَرَ جُنْدَهُ، فَمَنْ أَنْكَرَهُ أَبْعَدَهُ، وَمَنْ عَرَفَهُ أَقَرَّهُ عَلَى خِدْمَتِهِ، وَلَازَمَ حِصَارَ إِعْزَازَ ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، كُلَّ يَوْمٍ أَشَدُّ قِتَالًا مِمَّا قَبْلَهُ، وَكَثُرَتِ النُّقُوبُ فِيهَا، فَأَذْعَنَ مَنْ بِهَا، وَسَلَّمُوا الْقَلْعَةَ إِلَيْهِ فَتَسَلَّمَهَا حَادِي عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ. ذِكْرُ حَصْرِ صَلَاحِ الدِّينِ مَدِينَةَ حَلَبَ وَالصُّلْحِ عَلَيْهَا لَمَّا مَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ قَلْعَةَ إِعْزَازَ رَحَلَ إِلَى حَلَبَ فَنَازَلَهَا مُنْتَصَفَ ذِي الْحِجَّةِ وَحَصَرَهَا، وَبِهَا الْمَلِكُ الصَّالِحُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَقَدْ قَامَ الْعَامَّةُ فِي حِفْظِ الْبَلَدِ الْقِيَامَ الْمَرْضِيَّ، بِحَيْثُ إِنَّهُمْ مَنَعُوا صَلَاحَ الدِّينِ مِنَ الْقُرْبِ مِنَ الْبَلَدِ، لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا تَقَدَّمَ لِلْقِتَالِ خَسِرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَكَثُرَ الْجِرَاحُ فِيهِمْ وَالْقَتْلُ، وَكَانُوا يَخْرُجُونَ وَيُقَاتِلُونَهُ ظَاهِرَ الْبَلَدِ، فَتَرَكَ الْقِتَالَ وَأَخْلَدَ لِلْمُطَاوَلَةِ. وَانْقَضَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَدَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَهُوَ مُحَاصِرٌ لَهَا، ثُمَّ تَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ فِي الصُّلْحِ فِي الْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، فَوَقَعَتِ الْإِجَابَةُ إِلَيْهِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، لِأَنَّ أَهْلَ حَلَبَ خَافُوا مِنْ طُولِ الْحِصَارِ، فَإِنَّهُمْ رُبَّمَا ضَعُفُوا، وَصَلَاحُ

стр. 5648

الدِّينِ رَأَى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الدُّنُوِّ مِنَ الْبَلَدِ، وَلَا عَلَى قِتَالِ مَنْ بِهِ، فَأَجَابَ أَيْضًا، وَتَقَرَّرَتِ الْقَاعِدَةُ فِي الصُّلْحِ لِلْجَمِيعِ، لِلْمَلِكِ الصَّالِحِ، وَلِسَيْفِ الدِّينِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَلِصَاحِبِ الْحِصْنِ، وَلِصَاحِبِ مَارِدِينَ، وَتَحَالَفُوا وَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ عَوْنًا عَلَى النَّاكِثِ الْغَادِرِ. فَلَمَّا انْفَصَلَ الْأَمْرُ وَتَمَّ الصُّلْحُ رَحَلَ صَلَاحُ الدِّينِ عَنْ حَلَبَ بَعْدَ أَنْ أَعَادَ قَلْعَةَ إِعْزَازَ إِلَى الْمَلِكِ الصَّالِحِ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ [إِلَى] صَلَاحِ الدِّينِ أُخْتًا لَهُ صَغِيرَةً طِفْلَةً، فَأَكْرَمَهَا صَلَاحُ الدِّينِ وَحَمَلَ لَهَا شَيْئًا كَثِيرًا، وَقَالَ لَهَا: مَا تُرِيدِينَ؟ قَالَتْ: أُرِيدُ قَلْعَةَ إِعْزَازَ، وَكَانُوا قَدْ عَلَّمُوهَا ذَلِكَ، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِمْ، وَرَحَلَ إِلَى بَلَدِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِمَكَّةَ وَعَزْلِ أَمِيرِهَا وَإِقَامَةِ غَيْرِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْحِجَّةِ، كَانَ بِمَكَّةَ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ بَيْنَ أَمِيرِ الْحَاجِّ طَاشْتَكِينَ وَبَيْنَ الْأَمِيرِ مُكْثِرِ أَمِيرِ مَكَّةَ، وَكَانَ الْخَلِيفَةُ قَدْ أَمَرَ أَمِيرَ الْحَاجِّ بِعَزْلِ مُكْثِرٍ وَإِقَامَةِ أَخِيهِ دَاوُدَ مَقَامَهُ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ بَنَى قَلْعَةً عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ، فَلَمَّا سَارَ الْحَاجُّ عَنْ عَرَفَاتٍ لَمْ يَبِيتُوا بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَإِنَّمَا اجْتَازُوا بِهَا، فَلَمْ يَرْمُوا الْجِمَارَ، إِنَّمَا بَعْضُهُمْ رَمَى بَعْضَهَا وَهُوَ سَائِرٌ، وَنَزَلُوا الْأَبْطَحَ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَحَارَبُوهَا، وَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمَاعَةٌ، وَصَاحَ النَّاسُ: الْغَزَاةُ إِلَى مَكَّةَ، فَهَجَمُوا عَلَيْهَا، فَهَرَبَ أَمِيرُ مَكَّةَ مُكْثِرٌ، فَصَعِدَ إِلَى الْقَلْعَةِ الَّتِي بَنَاهَا عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ فَحَصَرُوهُ بِهَا، فَفَارَقَهَا وَسَارَ عَنْ مَكَّةَ، وَوَلِيَ أَخُوهُ دَاوُدُ الْإِمَارَةَ، وَنَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْحَاجِّ مَكَّةَ وَأَخَذُوا مِنْ أَمْوَالِ

стр. 5649

التُّجَّارِ الْمُقِيمِينَ بِهَا شَيْئًا كَثِيرًا، وَأَحْرَقُوا دُورًا كَثِيرَةً. وَمِنْ أَعْجَبِ مَا جَرَى فِيهَا أَنَّ إِنْسَانًا زَرَّاقًا ضَرَبَ دَارًا بِقَارُورَةِ نِفْطٍ فَأَحْرَقَهَا، وَكَانَتْ لِأَيْتَامٍ، فَأَحْرَقَتْ مَا فِيهَا، ثُمَّ أَخَذَ قَارُورَةً أُخْرَى لِيَضْرِبَ بِهَا مَكَانًا آخَرَ، فَأَتَاهُ حَجَرٌ فَأَصَابَ الْقَارُورَةَ فَكَسَرَهَا، فَاحْتَرَقَ هُوَ بِهَا، فَبَقِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يُعَذَّبُ بِالْحَرِيقِ ثُمَّ مَاتَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ جَمِيعُهَا، وَأَظْلَمَتِ الْأَرْضُ حَتَّى بَقِيَ الْوَقْتُ كَأَنَّهُ لَيْلٌ مُظْلِمٌ، وَظَهَرَتِ الْكَوَاكِبُ، وَكَانَ ذَلِكَ ضَحْوَةَ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ التَّاسِعَ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ، وَكُنْتُ حِينَئِذٍ صَبِيًّا بِظَاهِرِ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ مَعَ شَيْخٍ لَنَا مِنَ الْعُلَمَاءِ أَقْرَأُ عَلَيْهِ الْحِسَابَ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ خِفْتُ خَوْفًا شَدِيدًا، وَتَمَسَّكْتُ بِهِ، فَقَوَّى قَلْبِي، وَكَانَ عَالِمًا بِالنُّجُومِ أَيْضًا، وَقَالَ لِيَ: الْآنَ تَرَى هَذَا جَمِيعَهُ، فَانْصَرَفَ سَرِيعًا. وَفِيهَا وَلَّى الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَضِيءُ بِأَمْرِ اللَّهِ حِجَابَةَ الْبَابِ أَبَا طَالِبٍ نَصْرَ بْنَ عَلِيٍّ النَّاقِدَ، وَكَانَ يُلَقَّبُ فِي صِغَرِهِ قُنْبُرًا، فَصَارُوا يَصِيحُونَ بِهِ ذَلِكَ إِذَا خَرَجَ، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ أَنْ يَرْكَبَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ وَيَمْنَعُوا النَّاسَ، مِنْ ذَلِكَ، فَامْتَنَعُوا، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ الْعِيدِ خَلْعَ عَلَيْهِ لِيَرْكَبَ فِي الْمَوْكِبِ، فَاشْتَرَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ مِنَ الْقَنَابِرِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَعَزَمُوا عَلَى إِرْسَالِهَا فِي الْمَوْكِبِ إِذَا رَأُوُا ابْنَ النَّاقِدِ، فَأُنْهِيَ ذَلِكَ إِلَى الْخَلِيفَةِ، وَقِيلَ لَهُ يَصِيرُ الْمَوْكِبُ ضِحْكَةً، فَعَزَلَهُ وَوَلَّى ابْنَ الْمُعْوَجِّ. وَفِيهَا، فِي ذِي الْحِجَّةِ، يَوْمَ الْعِيدِ، وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بِبَغْدَادَ بَيْنَ الْعَامَّةِ وَبَعْضِ الْأَتْرَاكِ

стр. 5650

بِسَبَبِ أَخْذِ جَمَالِ النَّحْرِ، فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ جَمَاعَةٌ وَنُهِبَ شَيْءٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَفَرَّقَ الْخَلِيفَةُ أَمْوَالًا جَلِيلَةً فِيمَنْ نُهِبَ مَالُهُ. وَفِيهَا زُلْزِلَتْ بِلَادُ الْعَجَمِ مِنْ حَدِّ الْعِرَاقِ إِلَى مَا وَرَاءَ الرَّيِّ، وَهَلَكَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَتَهَدَّمَتْ دُورٌ كَثِيرَةٌ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ كَانَ بِالرَّيِّ وَقَزْوِينَ. وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، اسْتَوْزَرَ سَيْفُ الدِّينِ غَازِي، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، جَلَالَ الدِّينِ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ جَمَالِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ، وَكَانَ أَبُوهُ جَمَالُ الدِّينِ وَزِيرَ الْبَيْتِ الْأَتَابِكِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَخْبَارُهُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ بِالْجُودِ وَالْإِفْضَالِ، وَلَمَّا وَلِيَ جَلَالُ الدِّينِ الْوِزَارَةَ ظَهَرَتْ مِنْهُ كِفَايَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمَعْرِفَةٌ تَامَّةٌ بِقَوَانِينِ الْوِزَارَةِ، وَلَهُ مُكَاتَبَاتٌ وَعُهُودٌ حَسَنَةٌ مُدَوَّنَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَكَانَ جَوَّادًا فَاضِلًا خَيِّرًا، عُمْرُهُ، لَمَّا وَلِيَ الْوِزَارَةَ، خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً. وَفِيهَا، فِي ذِي الْحِجَّةِ، اسْتَنَابَ سَيْفُ الدِّينِ أَيْضًا عَنْهُ بِقَلْعَةِ الْمَوْصِلِ مُجَاهِدَ الدِّينِ قَايْمَازَ، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ الْأُمُورَ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ [فَوَّضَ] إِلَيْهِ الْأَمْرَ بِمَدِينَةِ إِرْبِلَ وَأَعْمَالِهِاَ، وَكَانَ ﵀ مِنْ صَالِحِي الْأُمَرَاءِ وَأَرْبَابِ الْمَعْرُوفِ، بَنَى كَثِيرًا مِنَ الْجَوَامِعِ وَالْخَانَاتِ فِي الطُّرُقِ، وَالْقَنَاطِرِ عَلَى الْأَنْهَارِ وَالرُّبُطِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ، وَكَانَ دَائِمَ الصَّدَقَةِ، كَثِيرَ الْإِحْسَانِ، عَادِلَ السِّيرَةِ ﵀. وَفِيهَا قَبَضَ الْخَلِيفَةُ عَلَى عِمَادِ الدِّينِ صَنْدَلِ الْمُقْتَفَوِيِّ، أُسْتَاذِ الدَّارِ، وَرَتَّبَ مَكَانَهُ أَبَا الْفَضْلِ هِبَةَ اللَّهِ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الصَّاحِبِ. وَفِيهَا، فِي رَمَضَانَ، قَدِمَ شَمْسُ الدَّوْلَةِ تُورَانْشَاهُ بْنُ أَيُّوبَ الَّذِي مَلَكَ الْيَمَنَ إِلَى دِمَشْقَ لَمَّا سَمِعَ أَنَّ أَخَاهُ صَلَاحَ الدِّينِ مَلَكَهَا، حَنَّ إِلَى الْوَطَنِ وَالْأَتْرَابِ فَفَارَقَ الْيَمَنَ وَسَارَ إِلَى الشَّامِ، وَأَرْسَلَ مِنَ الطَّرِيقِ إِلَى أَخِيهِ يُعْلِمُهُ بِوُصُولِهِ، وَكَتَبَ فِي الْكِتَابِ شِعْرًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْمُنَجِّمِ الْمِصْرِيِّ:

стр. 5651

وَإِلَى صَلَاحِ الدِّينِ أَشْكُو أَنَّنِي ... مِنْ بَعْدِهِ مُضْنَى الْجَوَانِحِ مُولَعُ جَزِعًا لِبُعْدِ الدَّارِ مِنْهُ وَلَمْ أَكُنْ ... لَوْلَا هَوَاهُ لِبُعْدِ دَارٍ أَجْزَعُ فَلَأَرْكَبَنَّ إِلَيْهِ مَتْنَ عَزَائِمِي ... وَيَخُبُّ بِي رَكْبُ الْغَرَامِ وَيُوسِعُ وَلَأَقْطَعَنَّ مِنَ النَّهَارِ هَوَاجِرًا ... قَلْبُ النَّهَارِ بِحَرِّهَا يَتَقَطَّعُ وَلَأُسْرِيَنَّ اللَّيْلَ لَا يَسْرِي بِهِ ... طَيْفُ الْخَيَالِ وَلَا الْبَرْوَقُ اللُّمَّعُ وَأُقَدِّمَنَّ إِلَيْهِ قَلْبِي مُخْبِرًا ... أَنِّي بِجِسْمِي مِنْ قَرِيبٍ أَتْبَعُ حَتَّى أُشَاهِدَ مِنْهُ أَسْعَدَ طَلْعَةٍ ... مِنْ أُفُقِهَا صُبْحُ السَّعَادَةِ يَطْلُعُ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، بَرَزَ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْ دِمَشْقَ، وَقَدْ عَظُمَ شَأْنُهُ بِمَا مَلَكَهُ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ، وَبِكَسْرِهِ عَسْكَرَ الْمَوْصِلِ، فَخَافَهُ الْفِرِنْجُ وَغَيْرُهُمْ، وَعَزَمَ عَلَى دُخُولِ بَلَدِهِمْ وَنَهْبِهِ وَالْإِغَارَةِ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَطْلُبُونَ الْهُدْنَةَ مَعَهُ، فَأَجَابَهُمْ إِلَيْهَا وَصَالَحَهُمْ، فَأَمْرَ الْعَسَاكِرَ الْمِصْرِيَّةَ بِالْعُوْدِ إِلَى مِصْرَ وَالِاسْتِرَاحَةِ إِلَى أَنْ يُعَاوِدَ طَلَبَهُمْ، وَشَرَّطَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ مَتَى أَرْسَلَ يَسْتَدْعِيهِمْ لَا يَتَأَخَّرُونَ، فَسَارُوا إِلَيْهَا وَأَقَامُوا بِهَا إِلَى أَنِ اسْتَدْعَاهُمْ لِلْحَرْبِ مَعَ سَيْفِ الدِّينِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَسَاكِرَ الْبِطَائِحِيُّ الْمُقْرِئُ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ وَرَوَاهُ، وَكَانَ نَحْوِيًّا جَيِّدًا. وَفِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا تُوُفِّيَ أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الرَّزَّازِ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْدِقَائِهِ مُكَاتَبَةً وَضَمَّنَهَا شِعْرًا، فَأَجَابَهُ: يَا مَنْ أَيَادِيهِ تُغْنِي مَنْ يُعَدِّدُهَا ... وَلَيْسَ يُحْصِي مَدَاهَا مَنْ لَهَا يَصِفُ عَجَزْتُ عَنْ شُكْرِ مَا أَوْلَيْتَ مِنْ كَرَمٍ ... وَصِرْتُ عَبْدًا وَلِي فِي ذَلِكَ الشَّرَفُ أَهْدَيْتَ مَنْظُومَ شِعْرٍ كُلَّهُ دُرَرٌ ... فَكُلُّ نَاظِمِ عِقْدٍ دُونَهُ يَقِفُ إِذَا أَتَيْتَ بِبَيْتٍ مِنْهُ كَانَ لَنَا ... قَصْرًا وَدُرُّ الْمَعَانِي فَوْقَهُ شُرَفُ وَإِنْ أَتَيْتُ أَنَا بَيْتًا يُنَاقِضُهُ ... أَتَيْتُ لَكِنْ بِبَيْتٍ سَقْفُهُ يَكِفُّ مَا كُنْتُ مِنْهُ وَلَا مِنْ أَهْلِهِ أَبَدًا ... وَإِنَّمَا حِينَ أَدْنُو مِنْهُ أَقْتَطِفُ وَقِيلَ كَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ.

стр. 5652

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ] ٥٧٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ نَهْبِ صَلَاحِ الدِّينِ بَلَدَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ لَمَّا رَحَلَ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْ حَلَبَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، قَصَدَ بِلَادَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ فِي الْمُحَرَّمِ لِيُقَاتِلَهُمْ بِمَا فَعَلُوهُ بِهِ مِنَ الْوُثُوبِ عَلَيْهِ وَإِرَادَةِ قَتْلِهِ، فَنَهَبَ بَلَدَهُمْ وَخَرَّبَهُ وَأَحْرَقَهُ، وَحَصَرَ قَلْعَةَ مِصْيَافَ، وَهِيَ أَعْظَمُ حُصُونِهِمْ، وَأَحْصَنُ قِلَاعِهِمْ، فَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، وَضَيَّقَ عَلَى مَنْ بِهَا، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ، فَأَرْسَلَ سِنَانٌ مُقَدَّمُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ إِلَى شِهَابِ الدِّينِ الْحَارِمِيِّ، صَاحِبِ حَمَاةَ وَهُوَ خَالُ صَلَاحِ الدِّينِ، يَسْأَلُهُ أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَهُمْ وَيُصْلِحُ الْحَالَ وَيَشْفَعُ فِيهِمْ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنْ لَمْ تَفْعَلْ قَتَلْنَاكَ وَجَمِيعَ أَهْلِ صَلَاحِ الدِّينِ وَأُمَرَائِهِ، فَحَضَرَ شِهَابٌ عِنْدَ صَلَاحِ الدِّينِ وَشَفَعَ فِيهِمْ وَسَأَلَ الصَّفْحَ عَنْهُمْ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَصَالَحَهُمْ، وَرَحَلَ عَنْهُمْ. وَكَانَ عَسْكَرُهُ قَدْ مَلُّوا مِنْ طُولِ الْبِيكَارِ، وَقَدِ امْتَلَاتْ أَيْدِيهُمْ مِنْ غَنَائِمِ عَسْكَرِ الْمَوْصِلِ، وَنَهْبِ بَلَدِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، فَطَلَبُوا الْعَوْدَ إِلَى بِلَادِهِمْ لِلِاسْتِرَاحَةِ، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَسَارَ هُوَ إِلَى مِصْرَ مَعَ عَسْكَرِهَا، لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ طَالَ عَهْدُهُ عَنْهَا، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْمُضِيُّ إِلَيْهَا فِيمَا تَقَدَّمَ خَوْفًا عَلَى بِلَادِ الشَّامِ، فَلَمَّا انْهَزَمَ سَيْفُ الدِّينِ، وَحَصَرَ هُوَ حَلَبَ، وَمَلَكَ بِلَادَهَا، وَاصْطَلَحُوا، أَمِنَ عَلَى الْبِلَادِ، فَسَارَ إِلَى مِصْرَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا أَمَرَ

стр. 5653

بِبِنَاءِ سُورٍ عَلَى مِصْرَ فِي الشِّعَارِيِّ وَالْغِيَاضِ وَالْقَاهِرَةِ وَالْقَلْعَةِ الَّتِي عَلَى جَبَلِ الْمُقَطَّمِ، دَوْرُهُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ ذِرَاعٍ وَثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ بِالذِّرَاعِ الْهَاشِمِيِّ، وَلَمْ يَزَلِ الْعَمَلُ فِيهِ إِلَى أَنْ مَاتَ صَلَاحُ الدِّينِ. ذِكْرُ ظَفَرٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْفِرِنْجِ وَلِلْفِرِنْجِ بِالْمُسْلِمِينَ كَانَ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمُقَدَّمِ صَاحِبُ بَعْلَبَكَّ، فَأَتَاهُ خَبَرٌ أَنَّ جَمْعًا مِنَ الْفِرِنْجِ قَدْ قَصَدُوا الْبِقَاعَ مِنْ أَعْمَالِ بِعْلَبَكَّ، وَأَغَارُوا عَلَيْهَا، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، وَكَمَنَ لَهُمْ فِي الشِّعَارِيِّ وَالْغِيَاضِ، وَأَوْقَعَ بِهِمْ، وَقَتَلَ فِيهِمْ وَأَكْثَرَ، وَأَسَرَ نَحْوَ مِائَتَيْ رَجُلٍ مِنْهُمْ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ. وَكَانَ شَمْسُ الدَّوْلَةِ تُورَانْشَاهُ أَخُو صَلَاحِ الدِّينِ، وَهُوَ الَّذِي مَلَكَ الْيَمَنَ، قَدْ وَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ فِيهَا، فَسَمِعَ أَنَّ طَائِفَةً مِنَ الْفِرِنْجِ قَدْ خَرَجُوا مِنْ بِلَادِهِمْ إِلَى أَعْمَالِ دِمَشْقَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَلَقِيَهُمْ [عِنْدَ عَيْنِ الْجَرِّ فِي تِلْكَ الْمُرُوجِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ، وَانْهَزَمَ عَنْهُمْ فَظَفِرُوا] بِجَمْعٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَسَرُوهُمْ، مِنْهُمْ سَيْفُ الدِّينِ أَبُو بَكْرٍ بْنُ السَلَّارِ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ الْجُنْدِ الدِّمَشْقِيِّينَ، وَاجْتَرَأَ الْفِرِنْجُ بَعْدَهَا، وَانْبَسَطُوا فِي تِلْكَ الْوِلَايَةِ، وَجَبَرُوا الْكَسْرَ الَّذِي نَالَهُ مِنْهُمُ ابْنُ الْمُقَدَّمِ. ذِكْرُ عِصْيَانِ صَاحِبِ شَهْرَزُورَ عَلَى سَيْفِ الدِّينِ وَعَوْدِهِ إِلَى طَاعَتِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَصَى شِهَابُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ بِزَانَ، صَاحِبُ شَهْرَزُورَ، عَلَى سَيْفِ الدِّينِ غَازِي وَكَانَ فِي طَاعَتِهِ وَتَحْتَ حُكْمِهِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مُجَاهِدَ الدِّينِ قَايْمَازَ كَانَ مُتَوَلِّيًا مَدِينَةَ إِرْبِلَ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ

стр. 5654

ابْنِ بِزَانَ عَدَاوَةٌ مَحْكَمَةٌ، فَلَمَّا اسْتَنَابَ سَيْفُ الدِّينِ مُجَاهِدَ الدِّينِ بِالْمَوْصِلِ خَافَ ابْنُ بِزَانَ أَنْ يَنَالَهُ مِنْهُ أَذَىً، فَأَظْهَرَ الِامْتِنَاعَ مِنَ النُّزُولِ إِلَى الْخِدْمَةِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ جَلَالُ الدِّينِ وَزِيرُ سَيْفِ الدِّينِ كِتَابًا يَأْمُرُهُ بِمُعَاوَدَةِ الطَّاعَةِ، وَيُحَذِّرُهُ عَاقِبَةَ الْمُخَالَفَةِ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الْكُتُبِ وَأَبْلَغِهَا فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَلَوْلَا خَوْفُ التَّطْوِيلِ لَذَكَرْتُهُ، فَلْيُطْلَبُ مِنْ مُكَاتَبَاتِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ الْكِتَابُ وَالرَّسُولُ بَادَرَ إِلَى حُضُورِ الْخِدْمَةِ بِالْمَوْصِلِ وَزَالَ الْخُلْفُ. ذِكْرُ فَرَجٍ بَعْدَ شِدَّةٍ يَتَعَلَّقُ بِالتَّارِيخِ بِالْقُرْبِ مِنْ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ حِصْنٌ مَنِيعٌ مِنْ أَمْنَعِ الْمَعَاقِلِ اسْمُهُ فَنَكُ، وَهُوَ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ عَالٍ، وَهُوَ لِلْأَكْرَادِ الْبَشْنَوِيَّةِ، لَهُ بِأَيْدِيهِمْ نَحْوُ ثَلَاثِمِاِئَةِ سَنَةٍ، وَكَانَ صَاحِبَهُ هَذِهِ السَّنَةَ أَمِيرٌ مِنْهُمُ اسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ، وَلَهُ أَخٌ اسْمُهُ عِيسَى، قَدْ خَرَجَ مِنْهُ، وَهُوَ لَا يَزَالُ يَسْعَى فِي أَخْذِهِ مِنْ أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ، فَأَطَاعَهُ بَعْضُ بِطَانَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَفَتَحَ بَابَ السِّرِّ لَيْلًا، وَأَصْعَدَ مِنْهُ إِلَى رَأْسِ الْقَلْعَةِ نَيِّفًا وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى، فَقَبَضُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ عِنْدَهُ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا نَفَرٌ مِنْ خَوَاصِّهِ، وَهَذِهِ قِلَّةٌ عَلَى صَخْرَةٍ كَبِيرَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَنْ سَائِرِ الْقَلْعَةِ ارْتِفَاعًا كَثِيرًا، وَبِهَا يَسْكُنُ الْأَمِيرُ وَأَهْلُهُ وَخَوَاصُّهُ، وَبَاقِي الْجُنْدِ فِي الْقَلْعَةِ تَحْتَ الْقُلَّةِ، فَلَمَّا قَبَضُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ جَعَلُوهُ فِي خِزَانَةٍ، وَضَرَبَهُ بَعْضُهُمْ بِسَيْفٍ فِي يَدِهِ عَلَى عَاتِقِهِ، فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، فَلَمَّا جُعِلَ فِي الْخِزَانَةِ وَكَّلَ بِهِ رَجُلَانِ، وَصَعِدَ الْبَاقُونَ إِلَى سَطْحِ الْقُلَّةِ، وَلَا يَشُكُّونَ أَنَّ الْقَلْعَةَ لَهُمْ لَا مَانِعَ عَنْهَا. وَوَصَلَ مِنَ الْغَدِ بُكْرَةً الْأَمِيرُ عِيسَى لِيَتَسَلَّمَ الْقَلْعَةَ، وَبَيْنَهُمَا دِجْلَةُ وَكَانَتِ امْرَأَةُ الْأَمِيرِ إِبْرَاهِيمَ فِي خِزَانَةٍ أُخْرَى، وَفِيهَا شُبَّاكُ حَدِيدٍ ثَقِيلٍ يُشْرِفُ عَلَى الْقَلْعَةِ، فَجَذَبَتْهُ بِيَدِهَا فَانْقَلَعَ، وَجُنْدُ زَوْجِهَا فِي الْقَلْعَةِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ، فَلَمَّا قَلَعَتِ الشُّبَّاكَ أَرَادَتْ أَنْ تُدْلِيَ حَبْلًا تَرْفَعُ بِهِ الرِّجَالَ إِلَيْهَا، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا غَيْرُ ثِيَابٍ خَامٍ، فَوَصَلَتْ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ وَدَلَّتْهَا إِلَى الْقَلْعَةِ، وَشَدَّتْ طَرَفَيْهَا عِنْدَهَا فِي عُودٍ فَأَصْعَدَتْ إِلَيْهَا عَشَرَةَ رِجَالٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَرَاهُمُ الَّذِينَ عَلَى السَّطْحِ. وَرَأَى الْأَمِيرُ عِيسَى، وَهُوَ عَلَى جَانِبِ دِجْلَةَ، الرِّجَالَ يَصْعَدُونَ، فَصَاحَ هُوَ وَمَنْ

стр. 5655

مَعَهُ إِلَى أُولَئِكَ الَّذِينَ عَلَى السَّطْحِ لِيَحْذَرُوا، وَكَانُوا كُلَّمَا صَاحُوا صَاحَ أَهْلُ الْقَلْعَةِ لِتَخْتَلِفَ الْأَصْوَاتُ فَلَا يَفْهَمُ الَّذِينَ عَلَى السَّطْحِ، فَيَنْزِلُونَ وَيَمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ عِنْدَهَا عَشَرَةُ رِجَالٍ أَرْسَلَتْ مَعَ خَادِمٍ عِنْدَهَا إِلَى زَوْجِهَا قَدَحَ شَرَابٍ وَأَمَرَتْهُ أَنْ يَقْرُبَ مِنْهُ كَأَنَّهُ يَسْقِيهِ الشَّرَابَ وَيُعَرِّفُهُ الْحَالَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَسْقِيَهُ، وَعَرَّفَهُ الْحَالَ، فَقَالَ: ازْدَادُوا مِنَ الرِّجَالِ، فَأَصْعَدَتْ عِشْرِينَ رَجُلًا وَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهَا، فَمَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ الْمُوَكَّلَيْنِ بِهِ، فَأَخَذَ شُعُورَهَمُاَ، وَأَمَرَ الْخَادِمَ بِقَتْلِهِمَا، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ عِنْدَهُ، فَقَتَلَهُمَا بِسِلَاحِهِمَا، فَخَرَجَ وَاجْتَمَعَ بِأَصْحَابِهِ وَأَرَادُوا فَتْحَ الْقَلْعَةِ لِيَصْعَدَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ مِنَ الْقَلْعَةِ، فَلَمْ يَجِدِ الْمَفَاتِيحَ، وَكَانَتْ مَعَ أُولَئِكَ الرِّجَالِ الَّذِينَ عَلَى السَّطْحِ، فَاضْطَرُّوا إِلَى الصُّعُودِ إِلَى سَطْحِ الْقُلَّةِ لِيَأْخُذُوا أَصْحَابَ عِيسَى، فَعَلِمُوا الْحَالَ، فَجَاءُوا وَوَقَفُوا عَلَى رَأْسِ الْمَمْرَقِ فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ [أَنْ] يَصْعَدَ، فَأَخَذَ بَعْضُ أَصْحَابِ إِبْرَاهِيمَ تُرْسًا وَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَحَصَلَ فِي الدَّرَجَةِ، وَصَعَدَ وَقَاتَلَ الْقَوْمَ عَلَى رَأْسِ الْمَمْرَقِ، حَتَّى صَعِدَ أَصْحَابُهُ فَقَتَلُوا الْجَمَاعَةَ وَبَقِيَ مِنْهُمْ رَجُلٌ أَلْقَى نَفْسَهُ مِنَ السَّطْحِ، فَنَزَلَ إِلَى أَسْفَلِ الْجَبَلِ فَتَقَطَّعَ. فَلَمَّا رَأَى عِيسَى مَا حَلَّ بِأَصْحَابِهِ عَادَ خَائِبًا مِمَّا أَمَّلَهُ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمِيرُ إِبْرَاهِيمُ فِي قَلْعَتِهِ عَلَى حَالِهِ. ذِكْرُ نَهْبِ الْبَنْدَنِيجِينِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَ الْمَلِكُ الَّذِي بِخُوزِسْتَانَ عِنْدَ شُمْلَةَ، وَهُوَ ابْنُ مَلِكْشَاهْ بْنِ مَحْمُودٍ، إِلَى الْبَنْدَنِيجِينِ، فَخَرَّبَهَا وَنَهَبَهَا وَفَتَكَ فِي النَّاسِ، وَسَبَى حَرِيمَهُمْ، وَفَعَلَ كُلَّ قَبِيحٍ. وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى بَغْدَادَ فَخَرَجَ الْوَزِيرُ عَضُدُ الدِّينِ وَعَرَضَ الْعَسْكَرَ، وَوَصَلَ عَسْكَرُ الْحِلَّةَ وَوَاسِطَ مَعَ طَاشْتَكِينَ أَمِيرِ الْحَاجِّ وَغَرْغَلِي، وَسَارُوا نَحْوَ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا سَمِعَ بِوُصُولِهِمْ فَارَقَ مَكَانَهُ وَعَادَ، وَكَانَ مَعَهُ مِنَ التُّرْكُمَانِ جَمْعٌ كَثِيرٌ، فَنَهَبَهُمْ عَسْكَرُ بَغْدَادَ، وَرَجَعُوا مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ بِالْعَوْدِ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَأُمِرُوا بِالْعُوْدِ إِلَى مَوَاقِفِهِمْ، فَعَادُوا لِأَوَائِلِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَقَدْ رَجَعَ الْمَلِكُ فَنَهَبَ مِنَ الْبَنْدَنِيجِينِ مَا كَانَ سَلِمَ مِنَ النَّهْبِ الْأَوَّلِ، وَوَقَعَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَلِكِ وَقْعَةٌ. ثُمَّ افْتَرَقُوا، فَمَضَى الْمَلِكُ وَفَارَقَ وِلَايَةَ الْعِرَاقِ وَعَادَ عَسْكَرُ بَغْدَادَ.

стр. 5656

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي جُمَادَى الْأُولَى، أُقِيمَتِ الْجُمْعَةُ فِي الْجَامِعِ الَّذِي بَنَاهُ فَخَرُ الدَّوْلَةِ بْنُ الْمُطَّلَبِ بِقِصَرِ الْمَأْمُونِ غَرْبِيَّ بَغْدَادَ. وَفِيهَا أَمَرَ صَلَاحُ الدِّينِ بِبِنَاءِ الْمَدْرَسَةِ الَّتِي عَلَى قَبْرِ الشَّافِعِيِّ ﵁ بِمِصْرَ، وَعَمِلَ بِالْقَاهِرَةِ بِيمَارِسْتَانَ، وَوَقَفَ عَلَيْهِمَا الْوُقُوفَ الْعَظِيمَةَ الْكَبِيرَةَ. وَفِيهَا رَأَيْتُ بِالْمَوْصِلِ خَرُوفَيْنِ بِبَطْنٍ وَاحِدٍ وَرَأْسَيْنِ وَرَقَبَتَيْنِ وَظَهْرَيْنِ وَثَمَانِيَ قَوَائِمَ كَأَنَّهُمَا خَرُوفَانِ بِبَطْنٍ وَاحِدٍ، وَجْهُ أَحَدِهِمَا إِلَى وَجْهِ الْآخَرِ، وَهَذَا مِنَ الْعَجَائِبِ. وَفِيهَا انْقَضَّ كَوْكَبٌ أَضَاءَتْ لَهُ الْأَرْضُ إِضَاءَةً كَثِيرَةً، وَسُمِعَ لَهُ صَوْتٌ عَظِيمٌ وَبَقِيَ أَثَرُهُ فِي السَّمَاءِ مِقْدَارَ سَاعَةٍ وَذَهَبَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ تَاجُ الدِّينِ أَبُو عَلِيِّ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ أَخُو الْوَزِيرِ عَضُدِ الدِّينِ وَزِيرِ الْخَلِيفَةِ. وَفِيهَا، فِي الْمُحَرَّمِ، تُوُفِّيَ الْقَاضِي كَمَالُ الدِّينِ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ الشَّهْرَزُورِيُّ، قَاضِي دِمَشْقَ وَجَمِيعِ الشَّامِ، وَإِلَيْهِ الْوُقُوفُ بِهَا وَالدِّيوَانُ، وَكَانَ جَوَّادًا فَاضِلًا رَئِيسًا ذَا عَقْلٍ وَمَعْرِفَةٍ فِي تَدْبِيرِ الدُّوَلِ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ -.

стр. 5657

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ] ٥٧٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ انْهِزَامِ صَلَاحِ الدِّينِ بِالرَّمَلَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَوَاخِرَ جُمَادَى الْأُولَى، سَارَ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ لِقَصْدِ غَزَاةِ بِلَادِ الْفِرِنْجِ، وَجَمَعَ مَعَهُ عَسَاكِرَ كَثِيرَةً وَجُنُودًا غَزِيرَةً، فَلَمْ يَزَالُوا يَجِدُّونَ السَّيْرَ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى عَسْقَلَانَ فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ، فَنَهَبُوا وَأَسَرُوا وَقَتَلُوا وَأَحْرَقُوا وَتَفَرَّقُوا فِي تِلْكَ الْأَعْمَالِ مُغِيرِينَ. فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْفِرِنْجَ لَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ عَسْكَرٌ وَلَا اجْتَمَعَ لَهُمْ مَنْ يَحْمِي الْبِلَادَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، طَمِعُوا، وَانْبَسَطُوا، وَسَارُوا فِي الْأَرْضِ آمِنِينَ مُطَمَئِنِّينَ، وَوَصَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى الرَّمْلَةِ، عَازِمًا عَلَى أَنْ يَقْصِدَ بَعْضَ حُصُونِهِمْ لِيَحْصُرَهُ، فَوَصَلَ إِلَى نَهْرٍ، فَازْدَحَمَ النَّاسُ لِلْعُبُورِ، فَلَمْ يَرْعَهُمْ إِلَّا وَالْفِرِنْجُ قَدْ أَشْرَفَتْ عَلَيْهِمْ بِأَطْلَابِهَا وَأَبْطَالِهَا، وَكَانَ مَعَ صَلَاحِ الدِّينِ بَعْضُ الْعَسْكَرِ، لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ تَفَرَّقُوا فِي طَلَبِ الْغَنِيمَةِ، فَلَمَّا رَآهُمْ وَقَفَ لَهُمْ فِيمَنْ مَعَهُ، وَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ تَقِيُّ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنُ أَخِي صَلَاحِ الدِّينِ، فَبَاشَرَ الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْ عَمِّهِ، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةٌ، وَكَذَلِكَ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَكَانَ لِتَقِيِّ الدِّينِ وَلَدٌ اسْمُهُ أَحْمَدُ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الشَّبَابِ أَوَّلُ مَا تَكَامَلَتْ لِحْيَتُهُ فَأَمَرَهُ أَبُوهُ بِالْحَمْلَةِ عَلَيْهِمْ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ وَقَاتَلَهُمْ وَعَادَ سَالِمًا قَدْ أَثَّرَ فِيهِمْ أَثَرًا كَثِيرًا، فَأَمَرَهُ بِالْعَوْدَةِ إِلَيْهِمْ ثَانِيَةً، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ فَقُتِلَ شَهِيدًا، وَمَضَى حَمِيدًا ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ -. وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ قِتَالًا ذَلِكَ الْيَوْمَ الْفَقِيهُ عِيسَى ﵀ وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَحَمَلَ بَعْضُ الْفِرِنْجِ عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ فَقَارَبَهُ حَتَّى كَادَ يَصِلُ إِلَيْهِ، فَقُتِلَ الْفِرِنْجِيُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَكَاثَرَ الْفِرِنِجُ عَلَيْهِ، فَمَضَى مُنْهَزِمًا، يَسِيرُ قَلِيلًا وَيَقِفُ لِيَلْحَقَهُ الْعَسْكَرُ إِلَى أَنْ دَخَلَ اللَّيْلُ، فَسَلَكَ الْبَرِيَّةَ إِلَى أَنْ مَضَى فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ إِلَى مِصْرَ، وَلَقَوْا

стр. 5658

فِي طَرِيقِهِمْ مَشَقَّةً شَدِيدَةً وَقَلَّ عَلَيْهِمُ الْقُوتُ وَالْمَاءُ، وَهَلَكَ كَثِيرٌ مِنْ دَوَابِّ الْعَسْكَرِ جُوعًا وَعَطَشًا وَسُرْعَةَ سَيْرٍ. وَأَمَّا الْعَسْكَرُ الَّذِي كَانُوا دَخَلُوا بِلَادَ الْفِرِنْجِ فِي الْغَارَةِ، فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ ذَهَبَ مَا بَيْنَ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ. وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أُسِرَ الْفَقِيهُ عِيسَى الْهَكَّارِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ الْأَسْدِيَّةِ، وَكَانَ جَمَعَ الْعِلْمَ وَالدِّينَ وَالشَّجَاعَةَ، وَأُسِرَ أَيْضًا أَخُوهُ الظَّهِيرُ، وَكَانَا قَدْ سَارَا مُنْهَزِمَيْنِ فَضَلَّا الطَّرِيقَ، فَأُخِذَا وَمَعَهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا، وَبَقُوا سِنِينَ فِي الْأَسْرِ، فَافْتَدَى صَلَاحُ الدِّينِ الْفَقِيهَ عِيسَى بِسِتِّينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَجَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْأَسْرَى. وَوَصَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى الْقَاهِرَةِ نِصْفَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَرَأَيْتُ كِتَابًا كَتَبَهُ صَلَاحُ الدِّينِ بِخَطِّ يَدِهِ إِلَى أَخِيهِ شَمْسِ الدَّوْلَةِ تُورَانْشَاهْ وَهُوَ بِدِمَشْقَ، يَذْكُرُ الْوَقْعَةَ وَفِي أَوَّلِهِ: ذَكَّرْتُكَ وَالْخَطِّيُّ يَخْطُرُ بَيْنَنَا ... وَقَدْ نَهَلَتْ مِنَّا الْمُثَقَّفَةُ السُّمْرُ وَيَقُولُ فِيهِ: لَقَدْ أَشْرَفْنَا عَلَى الْهَلَاكِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَمَا أَنْجَانَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْهُ إِلَّا لِأَمْرٍ يُرِيدُهُ سُبْحَانَهُ: وَمَا ثَبَتَتْ إِلَّا وَفِي نَفْسِهَا أَمْرُ. ذِكْرُ حَصَرِ الْفِرِنْجِ مَدِينَةَ حَمَاةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، حَصَرَ الْفِرِنْجُ أَيْضًا مَدِينَةَ حَمَاةَ. وَسَبَبُ

стр. 5659

ذَلِكَ أَنَّهُ وَصَلَ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى السَّاحِلِ الشَّامِيِّ كُنْدٌ كَبِيرٌ مِنَ الْفِرِنْجِ مِنْ أَكْبَرِ طَوَاغِيتِهِمْ، فَرَأَى صَلَاحَ الدِّينِ بِمِصْرَ قَدْ عَادَ مُنْهَزِمًا، فَاغْتَنَمَ خُلُوَّ الْبِلَادِ، لِأَنَّ شَمْسَ الدَّوْلَةِ بْنَ أَيُّوبَ كَانَ بِدِمَشْقَ يَنُوبُ عَنْ صَلَاحِ الدِّينِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَكَانَ أَيْضًا كَثِيرَ الِانْهِمَاكِ فِي اللَّذَّاتِ مَائِلًا إِلَى الرَّاحَاتِ، فَجَمَعَ ذَلِكَ الْكُنْدُ الْفِرِنْجِيُّ مَنْ بِالشَّامِ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَفَرَّقَ فِيهِمُ الْأَمْوَالَ، وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ حَمَاةَ فَحَصَرَهَا وَبِهَا صَاحِبُهَا شِهَابُ الدِّينِ مَحْمُودُ الْحَارِمِيُّ، خَالُ صَلَاحِ الدِّينِ، وَهُوَ مَرِيضٌ شَدِيدُ الْمَرَضِ، وَكَانَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَسْكَرِ الصَّلَاحِيِّ بِالْقُرْبِ مِنْهَا، فَدَخَلُوا إِلَيْهَا وَأَعَانُوا مَنْ بِهَا. وَقَاتَلَ الْفِرِنْجُ عَلَى الْبَلَدِ قِتَالًا شَدِيدًا وَهَجَمُوا بَعْضَ الْأَيَّامِ عَلَى طَرَفٍ مِنْهُ، وَكَادُوا يَمْلِكُونَ الْبَلَدَ قَهْرًا وَقَسْرًا، فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْبَلَدِ مَعَ الْعَسْكَرِ إِلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ، وَاسْتَقَلَّ الْمُسْلِمُونَ وَحَامَوْا عَنِ الْأَنْفُسِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ، فَأَخْرَجُوا الْفِرِنْجَ مِنَ الْبَلَدِ إِلَى ظَاهِرِهِ، وَدَامَ الْقِتَالُ ظَاهِرَ الْبَلَدِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَقَوِيَتْ نُفُوسُ الْمُسْلِمِينَ حِينَ أَخْرَجُوهُمْ مِنَ الْبَلَدِ، وَطَمِعُوا فِيهِمْ، وَأَكْثَرُوا فِيهِمُ الْقَتْلَ، فَرَحَلَ الْفِرِنْجُ حِينَئِذٍ خَائِبِينَ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُمْ، فَسَارُوا إِلَى حَارِمٍ فَحَصَرُوهَا، وَكَانَ مَقَامُهُمْ عَلَى حَمَاةَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ. وَلَمَّا رَحَلَ الْفِرِنْجُ عَنْ حَمَاةَ مَاتَ صَاحِبُهَا شِهَابُ الدِّينِ الْحَارِمِيُّ، وَكَانَ لَهُ ابْنٌ مِنْ أَحْسَنِ الشَّبَابِ مَاتَ قَبْلَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. ذِكْرُ قَتْلِ كُمُشْتَكِينَ وَحَصْرِ الْفِرِنْجِ حَارِمَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ بْنُ نُورِ الدِّينِ عَلَى سَعْدِ الدِّينِ كُمُشْتَكِينَ، وَكَانَ الْمُتَوَلِّي لِأَمْرِ دَوْلَتِهِ وَالْحَاكِمَ فِيهَا، وَسَبَبُ قَبْضِهِ أَنَّهُ كَانَ بِحَلَبَ إِنْسَانٌ مِنْ أَعْيَانِ أَهْلِهَا يُقَالُ لَهُ أَبُو صَالِحِ بْنُ الْعَجَمِيِّ، وَكَانَ مُقْدَّمًا عِنْدَ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودٍ، فَلَمَّا مَاتَ نُورُ الدِّينِ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي دَوْلَةِ وَلَدِهِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْوَزِيرِ الْكَبِيرِ الْمُتَمَكِّنِ لِكَثْرَةِ أَتْبَاعِهِ بِحَلَبَ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ يَحْسُدُ كُمُشْتَكِينَ انْضَمَّ إِلَى صَالِحٍ،

стр. 5660

وَقَوُوا جَنَانَهُ، وَكَثَّرُوا سَوَادَهُ، وَكَانَ عِنْدَهُ إِقْدَامٌ وَجُرْأَةٌ فَصَارَ وَاحِدَ الدَّوْلَةِ بِحَلَبَ، وَمَنْ يَصْدُرُ الْجَمَاعَةُ عَنْ رَأْيِهِ وَأَمْرِهِ. فَبَيْنَمَا هُوَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ فِي الْجَامِعِ وَثَبَ بِهِ الْبَاطِنِيَّةُ فَقَتَلُوهُ وَمَضَى شَهِيدًا، وَتَمَكَّنَ بَعْدَهُ سَعْدُ الدِّينِ وَقَوِيَ حَالُهُ، فَلَمَّا قُتِلَ أَحَالَ الْجَمَاعَةُ قَتْلَهُ عَلَى سَعْدِ الدِّينِ، وَقَالُوا: هُوَ وَضَعَ الْبَاطِنِيَّةَ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوهُ، وَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلْمَلِكِ الصَّالِحِ، وَنَسَبُوهُ إِلَى الْعَجْزِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حُكْمٌ، وَأَنَّ سَعْدَ الدِّينِ قَدْ تَحَكَّمَ عَلَيْهِ وَاحْتَقَرَهُ وَاسْتَصْغَرَهُ، وَقَتَلَ وَزِيرَهُ، وَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى قَبَضَ عَلَيْهِ. وَكَانَتْ قَلْعَةُ حَارِمَ لِسَعْدِ الدِّينِ قَدْ أَقْطَعَهُ إِيَّاهَا الْمَلِكُ الصَّالِحُ، فَامْتَنَعَ مَنْ بِهَا بَعْدَ قَبْضِهِ، وَتَحَصَّنُوا فِيهَا، فَسُيِّرَ سَعْدُ الدِّينِ إِلَيْهَا تَحْتَ الِاسْتِظْهَارِ لِيَأْمُرَ أَصْحَابَهُ بِتَسْلِيمِهَا إِلَى الْمَلِكِ الصَّالِحِ، فَأَمْرَهُمْ بِذَلِكَ، فَامْتَنَعُوا، فَعَذَّبَ كُمُشْتَكِينَ وَأَصْحَابُهُ يَرَوْنَهُ وَلَا يَرْحَمُونَهُ، فَمَاتَ فِي الْعَذَابِ، وَأَصَرَّ أَصْحَابُهُ عَلَى الِامْتِنَاعِ وَالْعِصْيَانِ. فَلَمَّا رَأَى الْفِرِنْجُ ذَلِكَ سَارُوا إِلَى حَارِمَ مِنْ حَمَاةَ فِي جُمَادَى الْأُولَى، عَلَى مَا نُذْكُرُهُ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا نَاصِرَ لَهُمْ، وَأَنَّ الْمَلِكَ الصَّالِحَ صَبِيٌّ قَلِيلُ الْعَسْكَرِ، وَصَلَاحَ الدِّينِ بِمِصْرَ، فَاغْتَنَمُوا هَذِهِ الْفُرْصَةَ وَنَازَلُوهَا وَأَطَالُوا الْمَقَامَ عَلَيْهَا مُدَّةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَنَصَبُوا عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ وَالسَّلَالِمَ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ إِلَى أَنْ بَذَلَ لَهُمُ الْمَلِكُ الصَّالِحُ مَالًا، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ صَلَاحَ الدِّينِ وَاصِلٌ إِلَى الشَّامِ، وَرُبَّمَا سَلَّمَ الْقَلْعَةَ مَنْ بِهَا إِلَيْهِ، فَأَجَابُوهُ حِينَئِذٍ إِلَى الرَّحِيلِ عَنْهَا، فَلَمَّا رَحَلُوا عَنْهَا سَيَّرَ إِلَيْهَا الْمَلِكُ الصَّالِحُ جَيْشًا فَحَصَرُوهَا، وَقَدْ بَلَغَ الْجَهْدُ مِنْهُمْ بِحِصَارِ الْفِرِنْجِ، وَصَارُوا كَأَنَّهُمْ طَلَائِعُ، وَكَانَ قَدْ قُتِلَ مِنْ أَهْلِهَا وَجُرِحَ كَثِيرٌ، فَسَلَّمُوا الْقَلْعَةَ إِلَى الْمَلِكِ الصَّالِحِ، فَاسْتَنَابَ بِهَا مَمْلُوكًا كَانَ لِأَبِيهِ اسْمُهُ سَرْخَكُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، خُطِبَ لِلسُّلْطَانِ طُغْرُلَ بْنَ أَرْسَلَانَ بْنِ طُغْرُلَ بْنِ

стр. 5661

مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهَ الْمُقِيمِ عِنْدَ إِيلْدِكْزَ بِهَمَذَانَ، وَكَانَ أَبُوهُ أَرْسَلَانُ قَدْ تُوُفِّيَ. وَفِيهَا، سَابِعَ شَوَّالٍ، هَبَّتْ بِبَغْدَادَ رِيحٌ عَظِيمَةٌ، فَزُلْزِلَتِ الْأَرْضُ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ، فَبَقِيَ ذَلِكَ سَاعَةً ثُمَّ انْجَلَتْ، وَقَدْ وَقَعَ كَثِيرٌ مِنَ الدُّورِ، وَمَاتَ فِيهَا جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ. وَفِيهَا، رَابِعَ ذِي الْقِعْدَةِ، قُتِلَ عَضُدُ الدِّينِ أَبُو الْفَرَجِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْمُسْلِمَةِ وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى الْحَجِّ فَعَبَرَ دِجْلَةَ لِيَسِيرَ، وَعَبَرَ مَعَهُ أَرْبَابُ مَنَاصِبَ، وَهُوَ فِي مَوْكِبٍ عَظِيمٍ، وَتَقَدَّمَ إِلَى أَصْحَابِهِ أَنْ لَا يَمْنَعُوا عَنْهُ أَحَدًا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَابِ قُطُفْتَا لَقِيَهُ كَهْلٌ فَقَالَ: أَنَا مَظْلُومٌ، وَتَقَدَّمَ لِيَسْمَعَ الْوَزِيرُ كَلَامَهُ، فَضَرَبَهُ بِسِكِّينٍ فِي خَاصِرَتِهِ، فَصَاحَ الْوَزِيرُ: قَتَلْتَنِي! وَوَقَعَ مِنَ الدَّابَّةِ، وَسَقَطَتْ عِمَامَتُهُ، فَغَطَّى رَأْسَهُ بِكُمِّهِ، وَضَرَبَ الْبَاطِنِيَّ بِسَيْفٍ، وَعَادَ إِلَى الْوَزِيرِ فَضَرَبَهُ، وَأَقْبَلَ حَاجِبُ الْبَابِ ابْنُ الْمُعْوَجِّ لِيَنْصُرَ الْوَزِيرَ، فَضَرْبَهُ الْبَاطِنِيُّ بِسِكِّينٍ وَقِيلَ بَلْ ضَرَبَهُ رَفِيقٌ كَانَ لِلْبَاطِنِيِّ، ثُمَّ قُتِلَ الْبَاطِنِيُّ وَرَفِيقُهُ، وَكَانَ لَهُمَا رَفِيقٌ ثَالِثٌ، فَصَاحَ وَبِيَدِهِ سِكِّينٌ فَقُتِلَ وَلَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا. وَأَحْرَقُوا ثَلَاثَتَهُمْ وَحُمِلَ الْوَزِيرُ إِلَى دَارٍ لَهُ هُنَاكَ، وَحُمِلَ حَاجِبُ الْبَابِ مَجْرُوحًا إِلَى بَيْتِهِ، فَمَاتَ هُوَ وَالْوَزِيرُ، وَحُمِلَ الْوَزِيرُ فَدُفِنَ عِنْدَ أَبِيهِ بِمَقْبَرَةِ الرِّبَاطِ عِنْدَ جَامِعِ الْمَنْصُورِ. وَكَانَ الْوَزِيرُ قَدْ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ مُعَانِقُ عُثْمَانَ بْنِ [عَفَّانَ] ، وَحَكَى عَنْهُ وَلَدُهُ أَنَّهُ اغْتَسَلَ قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَقَالَ: هَذَا غُسْلُ الْإِسْلَامِ، وَأَنَا مَقْتُولٌ بِلَا شَكٍّ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَ أَبُوهُ أُسْتَاذَ دَارِ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ، فَلَمَّا مَاتَ وُلِّيَ هُوَ مَكَانَهُ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ الْمُقْتَفِي، فَأَقَرَّهُ الْمُسْتَنْجِدُ عَلَى ذَلِكَ وَرَفَعَ قَدْرَهُ، فَلَمَّا وُلِّيَ الْمُسْتَضِيءُ اسْتَوْزَرَهُ، وَكَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ، سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَلَهُ مَعْرُوفٌ كَثِيرٌ، وَكَانَتْ دَارُهُ مَجْمَعًا لِلْعُلَمَاءِ، وَخُتِمَتْ أَعْمَالُهُ بِالشَّهَادَةِ وَهُوَ عَلَى قَصْدِ الْحَجِّ.

стр. 5662

وَفِيهَا كَانَتْ فِتْنَةٌ بِبَغْدَادَ، وَسَبَبُهَا أَنَّهُ حَضَرَ قَوْمٌ مِنْ مُسْلِمِي الْمَدَائِنِ إِلَى بَغْدَادَ، فَشَكُوا مَنْ يَهُودِهَا، وَقَالُوا: لَنَا مَسْجِدٌ نُؤَذِّنُ فِيهِ وَنُصَلِّي، وَهُوَ مُجَاوِرُ الْكَنِيسَةِ، فَقَالَ لَنَا الْيَهُودُ: قَدْ آذَيْتُمُونَا بِكَثْرَةِ الْأَذَانِ، فَقَالَ الْمُؤَذِّنُ: مَا نُبَالِي بِذَلِكَ، فَاخْتَصَمُوا، وَكَانَتْ فِتْنَةٌ اسْتَظْهَرَ فِيهَا الْيَهُودُ، فَجَاءَ الْمُسْلِمُونَ يَشْكُونَ مِنْهُمْ، فَأَمَرَ ابْنُ الْعَطَّارِ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمَخْزَنِ، بِحَبْسِهِمْ، ثُمَّ أُخْرِجُوا، فَقَصَدُوا جَامِعَ الْقَصْرِ، وَاسْتَغَاثُوا قَبْلَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، فَخَفَّفَ الْخَطِيبُ الْخُطْبَةَ وَالصَّلَاةَ، فَعَادُوا يَسْتَغِيثُونَ، فَأَتَاهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْجُنْدِ وَمَنَعُوهُمْ، فَلَمَّا رَأَى الْعَامَّةُ مَا فُعِلَ بِهِمْ غَضِبُوا نُصْرَةً لِلْإِسْلَامِ، فَاسْتَغَاثُوا، وَقَالُوا أَشْيَاءَ قَبِيحَةً، وَقَلَعُوا طَوَابِيقَ الْجَامِعِ، وَرَجَمُوا الْجُنْدَ فَهَرَبُوا، ثُمَّ قَصَدَ الْعَامَّةُ دَكَاكِينَ الْمُخَلَّطِينَ، لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَهُودٌ، فَنَهَبُوهَا، وَأَرَادَ حَاجِبُ الْبَابِ مَنْعَهُمْ، فَرَجَمُوهُ فَهَرَبَ مِنْهُمْ، وَانْقَلَبَ الْبَلَدُ، وَخَرَّبُوا الْكَنِيسَةَ الَّتِي عِنْدَ دَارِ الْبَسَاسِيرِيِّ، وَأَحْرَقُوا التَّوْرَاةَ فَاخْتَفَى الْيَهُودُ، وَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ أَنْ تُنْقَضَ الْكَنِيسَةُ الَّتِي بِالْمَدَائِنِ وَتُجْعَلَ مَسْجِدًا، وَنُصِبَ بِالرَّحَبَةِ أَخْشَابٌ لِيُصْلَبَ عَلَيْهَا قَوْمٌ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَظَنَّهَا الْعَامَّةُ نُصِبَتْ تَخْوِيفًا لَهُمْ لِأَجْلِ مَا فَعَلُوا، فَعَلَّقُوا عَلَيْهَا فِي اللَّيْلِ جِرْذَانًا مَيْتَةً، وَأُخْرِجَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحَبْسِ لُصُوصٌ فَصُلِبُوا عَلَيْهَا. وَفِيهَا، فِي شَعْبَانَ، قَبَضَ سَيْفُ الدِّينِ غَازِي، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، عَلَى وَزِيرِهِ جَلَالِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ جَمَالِ الدِّينِ بِغَيْرِ جُرْمٍ وَلَا عَجْزٍ، وَلَا لِتَقْصِيرٍ، بَلْ لِعَجْزِ سَيْفِ الدِّينِ، فَإِنَّ جَلَالَ الدِّينِ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُجَاهِدِ الدِّينِ قَايْمَازَ مُشَاحَنَةٌ، فَقَالَ مُجَاهِدُ الدِّينِ لِسَيْفِ الدِّينِ: لَابُدَّ مِنْ قَبْضِ الْوَزِيرِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ كَارِهًا لِذَلِكَ، ثُمَّ شَفَعَ ابْنُ نِيسَانَ رَئِيسُ آمِدَ لِصِهْرٍ بَيْنَهُمَا، فَأُخْرِجَ، وَسَارَ إِلَى آمِدَ فَمَرِضَ بِهَا، وَعَادَ إِلَى دُنَيْسِرَ، فَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] وَعُمْرُهُ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَحُمِلَ إِلَى مَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَدُفِنَ عِنْدَ وَالِدِهِ فِي الرِّبَاطِ الَّذِي بَنَاهُ بِهَا.

стр. 5663

وَكَانَ ﵀ مِنْ مَحَاسِنِ الدُّنْيَا، جَمَعَ كَرَمًا، وَعِلْمًا، وَدِينًا، وَعِفَّةً، وَحُسْنَ سِيرَةٍ، وَاسْتَحْلَفَهُ سَيْفُ الدِّينِ أَنَّهُ لَا يَمْضِي إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَمْضِيَ إِلَيْهِ لِلْمَوَدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ جَمَالِ الدِّينِ وَبَيْنَ نَجْمِ الدِّينِ أَيُّوبَ وَأَسَدِ الدِّينِ شِيرِكُوهْ، فَبَلَغَنِي أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ طَلَبَهُ فَلَمْ يَقْصِدْهُ لِلْيَمِينِ. وَفِيهَا اجْتَمَعَ طَائِفَةٌ مِنَ الْفِرِنْجِ وَقَصَدُوا أَعْمَالَ حِمْصَ فَنَهَبُوهَا وَغَنِمُوا، وَأَسَرُوا وَسَبَوْا، فَسَارَ نَاصِرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ شِيرِكُوهْ، صَاحِبُ حِمْصَ، وَسَبَقَهُمْ وَوَقَفَ عَلَى طَرِيقِهِمْ. وَكَمَنَ لَهُمْ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ خَرَجَ إِلَيْهِمْ هُوَ وَالْكَمِينُ، وَوَضَعُوا السَّيْفَ فِيهِمْ، فَقُتِلَ أَكْثَرُهُمْ وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُقَدَّمَتِهِمْ، وَمَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ لَمْ يُفْلِتْ إِلَّا وَهُوَ مُثْخَنٌ بِالْجِرَاحِ، وَاسْتَرَدَّ مِنْهُمْ جَمِيعَ مَا غَنِمُوا فَرَدَّهُ عَلَى أَصْحَابِهِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، تُوُفِّيَ صَدَقَةُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادُ، الَّذِي ذَيَّلَ " تَارِيخَ ابْنِ الزَّاغُونِيِّ " بِبَغْدَادَ. وَفِيهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى، تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْمُشَطَّبِ بِبَغْدَادَ.

стр. 5664

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ] ٥٧٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ قَصْدِ الْفِرِنْجِ مَدِينَةَ حَمَاةَ أَيْضًا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، سَارَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْفِرِنْجِ بِالشَّامِ إِلَى مَدِينَةِ حَمَاةَ، وَكَثُرَ جَمْعُهُمْ مِنَ الْفُرْسَانِ وَالرَّجَّالَةِ طَمَعًا فِي النَّهْبِ وَالْغَارَةِ، فَشَنُّوا الْغَارَةَ، وَنَهَبُوا، وَخَرَّبُوا الْقُرَى، وَأَحْرَقُوا، وَأَسَرُوا، وَقَتَلُوا، فَلَمَّا سَمِعَ الْعَسْكَرُ الْمُقِيمُ بِحَمَاةَ سَارُوا إِلَيْهِمْ، وَهُمْ قَلِيلٌ، مُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، وَصَدَقَ الْمُسْلِمُونَ الْقِتَالَ، فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ وَالْأَسْرُ فِيهِمْ وَاسْتَرَدُّوا مِنْهُمْ مَا غَنِمُوهُ مِنَ السَّوَادِ. وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ قَدْ عَادَ مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ فِي شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهُوَ نَازِلٌ بِظَاهِرِ حِمْصَ. فَحُمِلَتِ الرُّءُوسُ وَالْأَسْرَى وَالْأَسْلَابُ إِلَيْهِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْرَى فَقُتِلُوا. ذِكْرُ عِصْيَانِ ابْنِ الْمُقَدَّمِ عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ وَحَصْرِ بَعْلَبَكَّ وَأَخْذِ الْبَلَدِ مِنْهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَصَى شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمُقَدَّمِ عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ بِبَعْلَبَكَّ، وَكَانَتْ لَهُ قَدْ سَلَّمَهَا إِلَيْهِ صَلَاحُ الدِّينِ لَمَّا فَتَحَهَا جَزَاءً لَهُ حَيْثُ سَلَّمَ إِلَيْهِ ابْنُ الْمُقَدَّمِ دِمَشْقَ، عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ، فَلَمْ تَزَلْ بِيَدِهِ إِلَى الْآنَ، فَطَلَبَ شَمْسُ الدَّوْلَةِ بْنُ أَيُّوبَ أَخُو صَلَاحِ الدِّينِ مِنْهُ بَعْلَبَكَّ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِ فِي طَلَبِهَا لِأَنَّ تَرْبِيَتَهُ وَمَنْشَأَهُ كَانَ بِهَا، وَكَانَ يُحِبُّهَا، وَيَخْتَارُهَا عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَكَانَ الْأَكْبَرَ، فَلَمْ يُمْكِنْ صَلَاحَ الدِّينِ مُخَالَفَتُهُ، فَأَمَرَ شَمْسَ الدِّينِ بِتَسْلِيمِهَا إِلَى أَخِيهِ لِيُعَوِّضَهُ عَنْهَا، فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ،

стр. 5665

وَذَكَّرَهُ الْعُهُودَ الَّتِي لَهُ، وَمَا اعْتَمَدَهُ مَعَهُ مِنْ تَسْلِيمِ الْبِلَادِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يُصْغِ إِلَيْهِ وَلَجَّ عَلَيْهِ فِي أَخْذِهَا، وَسَارَ ابْنُ الْمُقَدَّمِ إِلَيْهَا، وَاعْتَصَمَ بِهَا فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ صَلَاحُ الدِّينِ، وَحَصَرَهُ بِهَا مُدَّةً، ثُمَّ رَحَلَ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْخُذَهَا، وَتَرَكَ عَلَيْهِ عَسْكَرًا يَحْصُرُهُ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ الْحِصَارُ أَرْسَلَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ يَطْلُبُ الْعِوَضَ عَنْهَا لِيُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ فَعَوَّضَهُ عَنْهَا وَسَلَّمَهَا، فَأَقْطَعَهَا صَلَاحُ الدِّينِ أَخَاهُ شَمْسَ الدَّوْلَةِ. ذِكْرُ الْغَلَاءِ وَالْوَبَاءِ الْعَامِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْقَطَعَتِ الْأَمْطَارُ بِالْكُلِّيَّةِ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ وَالْجَزِيرَةِ وَالْبِلَادِ الْعِرَاقِيَّةِ، وَالدِّيَارِ بَكْرِيَّةٍ، وَالْمَوْصِلِ وَبِلَادِ الْجَبَلِ، وَخِلَاطَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَاشْتَدَّ الْغَلَاءُ، وَكَانَ عَامًّا فِي سَائِرِ الْبِلَادِ، فَبِيعَتْ غِرَارَةُ الْحِنْطَةِ بِدِمَشْقَ وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ مَكُّوكًا بِالْمَوْصِلِيِّ، بِعِشْرِينَ دِينَارًا صُورِيَّةً عِتْقًا، وَكَانَ الشَّعِيرُ بِالْمَوْصِلِ كُلُّ ثَلَاثَةِ مَكَاكِيٍّ بِدِينَارٍ أَمِيرِيٍّ، وَفِي سَائِرِ الْبِلَادِ مَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ. وَاسْتَسْقَى النَّاسُ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ، فَلَمْ يُسْقَوْا، وَتَعَذَّرَتِ الْأَقْوَاتُ وَأَكَلَتِ النَّاسُ الْمَيْتَةَ وَمَا نَاسَبَهَا، وَدَامَ كَذَلِكَ إِلَى آخَرِ سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، ثُمَّ تَبِعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَبَاءٌ شَدِيدٌ عَامٌّ أَيْضًا، كَثُرَ فِيهِ الْمَوْتُ، وَكَانَ مَرَضُ النَّاسِ شَيْئًا وَاحِدًا، وَهُوَ السِّرْسَامُ، وَكَانَ النَّاسُ لَا يَلْحَقُونَ يَدْفِنُونَ الْمَوْتَى، إِلَّا أَنَّ بَعْضَ الْبِلَادِ كَانَ أَشَدُّ مِنَ الْبَعْضِ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَحِمَ الْعِبَادَ وَالْبِلَادَ وَالدَّوَابَّ وَأَرْسَلَ الْأَمْطَارَ، وَأَرْخَصَ الْأَسْعَارَ. وَمِنْ عَجِيبِ مَا رَأَيْتُ أَنَّنِي قَصَدْتُ رَجُلًا مِنَ الْعُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ بِالْجَزِيرَةِ لِأَسْمَعَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﵇ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ

стр. 5666

[وَخَمْسِمِائَةٍ] ، وَالنَّاسُ فِي أَشَدِّ مَا كَانُوا غَلَاءً وَقُنُوطًا مِنَ الْأَمْطَارِ، وَقَدْ تَوَسَّطَ الرَّبِيعُ وَلَمْ تَجِئْ قَطْرَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ الْمَطَرِ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ وَمَعِيَ جَمَاعَةٌ نَنْتَظِرُ الشَّيْخَ، إِذْ أَقْبَلَ إِنْسَانٌ تُرْكُمَانِيٌّ قَدْ أَثَّرَ عَلَيْهِ الْجُوعُ، وَكَأَنَّهُ قَدْ أُخْرِجَ مَنْ قَبْرٍ، فَبَكَى وَشَكَا الْجُوعَ، فَأَرْسَلَتُ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ خُبْزًا، فَتَأَخَّرَ إِحْضَارُهُ لِعَدَمِهِ، وَهُوَ يَبْكِي وَيَتَمَرَّغُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَشْكُو الْجُوعَ، فَلَمْ يَبْقَ فِينَا إِلَّا مَنْ بَكَى رَحْمَةً لَهُ وَلِلنَّاسِ، فَفِي الْحَالِ تَغَيَّمَتِ السَّمَاءُ وَجَاءَتْ نُقَطٌ مِنَ الْمَطَرِ مُتَفَرِّقَةً، فَضَجَّ النَّاسُ وَاسْتَغَاثُوا، ثُمَّ جَاءَ الْخُبْزُ، فَأَكَلَ التُّرْكُمَانِيُّ بَعْضَهُ، وَأَخَذَ الْبَاقِي وَمَشَى وَاشْتَدَّ الْمَطَرُ وَدَامَ الْمَطَرُ مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ. ذِكْرُ غَارَاتِ الْفِرِنْجِ عَلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْقِعْدَةِ، اجْتَمَعَ الْفِرِنْجُ وَسَارُوا إِلَى بَلَدِ دِمَشْقَ مَعَ مَلِكِهِمْ، فَأَغَارُوا عَلَى أَعْمَالِهَا فَنَهَبُوهَا وَأَسَرُوا وَقَتَلُوا وَسَبَوْا، فَأَرْسَلَ صَلَاحُ الدِّينِ فَرْخَشَاهْ، وَلَدَ أَخِيهِ، فِي جَمْعٍ مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُ أَنَّهُ إِذَا قَارَبَهُمْ يُرْسِلُ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ عَلَى جَنَاحِ طَائِرٍ لِيَسِيرَ إِلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَ أَهْلَ الْبَلَدِ بِالِانْتِزَاحِ مِنْ بَيْنِ يَدِيِ الْفِرِنْجِ، فَسَارَ فَرْخَشَاهْ فِي عَسْكَرِهِ يَطْلُبُهُمْ، فَلَمْ يَشْعُرْ إِلَّا وَالْفِرِنْجُ قَدْ خَالَطُوهُ، فَاضْطَرَّ إِلَى الْقِتَالِ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ، وَأَلْقَى فَرْخَشَاهْ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ، وَغَشِيَ الْحَرْبَ وَلَمْ يَكِلْهَا إِلَى سِوَاهُ، فَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ وَنُصِرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، وَقُتِلَ مِنْ مُقَدَّمِيهِمْ جَمَاعَةٌ وَمِنْهُمْ هَنْفَرِي، وَمَا أَدْرَاكَ مَا هَنْفَرِي؟ بِهِ كَانَ يُضْرَبُ الْمَثَلُ فِي الشَّجَاعَةِ وَالرَّأْيِ فِي الْحَرْبِ، وَكَانَ بَلَاءًا صَبَّهُ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَرَاحَ اللَّهُ مِنْ شَرِّهِ. وَقُتِلَ غَيْرُهُ مِنْ أَضِرَابِهِ، وَلَمْ يَبْلُغْ عَسْكَرُ فَرْخَشَاهْ أَلْفَ فَارِسٍ. وَفِيهَا أَيْضًا أَغَارَ الْبُرْنُسُ صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ وَلَاذِقِيَّةَ عَلَى جِشِيرِ الْمُسْلِمِينَ بِشَيْزَرَ وَأَخَذَهُ.

стр. 5667

وَأَغَارَ صَاحِبُ طَرَابُلُسَ عَلَى جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ التُّرْكُمَانِ، فَاحْتَجَفَ أَمْوَالَهُمْ. وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ عَلَى بَانِيَاسَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَسَيَّرَ وَلَدَ أَخِيهِ تَقِيَّ الدِّينِ عُمَرَ إِلَى حَمَاةَ وَابْنَ عَمِّهِ نَاصِرَ الدِّينِ مُحَمَّدَ بْنَ شِيرِكُوهْ إِلَى مِصْرَ، وَأَمْرَهُمَا بِحِفْظِ الْبِلَادِ، وَحِيَاطَةِ أَطْرَافِهَا مِنَ الْعَدُوِّ - دَمَّرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى -. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ انْكَسَفَ الْقَمَرُ نَحْوَ ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ وَغَابَ مُنْكَسِفًا. وَفِيهَا أَيْضًا، فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ، انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ وَقْتَ الْعَصْرِ، فَغَرَبَتْ مُنْكَسِفَةً. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَعْبَانَ، تُوُفِّيَ الْحَيْصَ بَيْصَ الشَّاعِرُ، وَاسْمُهُ سَعْدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ أَبُو الْفَوَارِسِ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَمَدَحَ الْخُلَفَاءَ وَالسَّلَاطِينَ وَالْأَكَابِرَ. وَشِعْرُهُ مَشْهُورٌ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ: كُلَّمَا أَوْسَعْتُ حِلْمِيَ جَاهِلًا ... أَوْسَعَ الْفُحْشُ لَهُ فُحْشُ الْمَقَالِ وَإِذَا شَارِدَةٌ فُهْتُ بِهَا ... سَبَقَتْ مَرَّ النُّعَامَى وَالشَّمَالِ لَا تَلُمْنِي فِي شَقَائِي بِالْعُلَى ... رَغَدُ الْعَيْشِ لِرَبَّاتِ الْحِجَالِ سَيْفُ عِزٍّ زَانَهُ رَوْنَقُهُ ... فَهُوَ بِالطَّبْعِ غَنِيٌّ عَنْ صِقَالِ وَفِي الْمُحَرَّمِ مَاتَتْ شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْإِبَرِيِّ الْكَاتِبَةُ، وَسَمِعَتِ الْحَدِيثَ مِنَ السِّرَاجِ وَطَرَّادٍ وَغَيْرِهِمَا، وَعُمِّرَتْ حَتَّى قَارَبَتْ مِائَةَ سَنَةٍ، وَسَمِعَ عَلَيْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ لِعُلُوِّ إِسْنَادِهَا.

стр. 5668

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ] ٥٧٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ تَخْرِيبِ الْحِصْنِ الَّذِي بَنَاهُ الْفِرِنْجُ عِنْدَ مَخَاضَةِ الْأَحْزَانِ كَانَ الْفِرِنْجُ قَدْ بَنَوْا حِصْنًا مَنِيعًا يُقَارِبُ بَانِيَاسَ، عِنْدَ بَيْتِ يَعْقُوبَ ﵇ بِمَكَانٍ يُعْرَفُ بِمَخَاضَةِ الْأَحْزَانِ، فَلَمَّا سَمِعَ صَلَاحُ الدِّينِ بِذَلِكَ سَارَ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى بَانِيَاسَ، وَأَقَامَ بِهَا، وَبَثَّ الْغَارَاتِ عَلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الْحِصْنِ وَحَصَرَهُ لِيُخَرِّبَهُ ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الْعَسَاكِرِ، فَلَمَّا نَازَلَ الْحِصْنَ قَاتَلَ مَنْ بِهِ مِنَ الْفِرِنْجِ، ثُمَّ عَادَ عَنْهُ، فَلَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ لَمْ يُفَارِقْ بَانِيَاسَ بَلْ أَقَامَ بِهَا وَخَيْلُهُ تُغِيرُ عَلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ. وَأَرْسَلَ جَمَاعَةً مِنْ عَسْكَرِهِ مَعَ جَالِبِي الْمِيرَةِ، فَلَمْ تَشْعُرْ إِلَّا وَالْفِرِنْجُ مَعَ مَلِكِهِمْ قَدْ خَرَجُوا عَلَيْهِمْ، فَأَرْسَلُوا إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ يُعَرِّفُونَهُ الْخَبَرَ [فَسَارَ] فِي الْعَسَاكِرِ مُجِدًّا [حَتَّى] وَافَاهُمْ وَهُمْ فِي الْقِتَالِ، فَقَاتَلَ الْفِرِنْجُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَحَمَلُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ عِدَّةَ حَمَلَاتٍ كَادُوا يُزِيلُونَهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهَزَمَ الْمُشْرِكِينَ، وَقُتِلَتْ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ كَثِيرَةٌ، وَنَجَا مَلِكُهُمْ فَرِيدًا، وَأُسِرَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ مِنْهُمُ ابْنُ بَيْرُزَانَ صَاحِبُ الرَّمْلَةِ وَنَابُلُسَ، وَهُوَ أَعْظَمُ الْفِرِنْجِ مَحَلًّا بَعْدَ الْمَلِكِ، وَأَسَرُوا أَيْضًا أَخَا صَاحِبِ جُبَيْلٍ، وَصَاحِبَ طَبَرِيَّةَ، وَمُقْدَّمَ الدَّاوِيَّةِ، وَمُقَدَّمَ الْإِسْبَاتَارِيَّةِ، وَصَاحِبَ جِينِينَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ مَشَاهِيرِ فُرْسَانِهِمْ وَطَوَاغِيتِهِمْ، فَأَمَّا ابْنُ بَيْرُزَانَ فَإِنَّهُ فَدَى

стр. 5669

نَفْسَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ صُورِيَّةٍ، وَإِطْلَاقِ أَلْفِ أَسِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ أَكْثَرُ الْعَمَلِ فِي هَذَا الْيَوْمِ لِعِزِّ الدِّينِ فَرْخَشَاهَ ابْنِ أَخِي صَلَاحِ الدِّينِ، وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ذَكَرْتُ فِي تِلْكَ الْحَالِ بَيْتَيِ الْمُتَنَبِّيَ وَهُمَا: فَإِنْ تَكُنِ الدُّولَاتُ قِسْمًا فَإِنَّهَا ... لِمَنْ يَرِدُ الْمَوْتَ الزُّؤَامَ تَؤُولُ وَمَنْ هَوَّنَ الدُّنْيَا عَلَى النَّفْسِ سَاعَةً ... وَلِلْبِيضِ فِي هَامِ الْكُمَاةِ صَلِيلُ فَهَانَ الْمَوْتُ فِي عَيْنِي، فَأَلْقَيْتُ نَفْسِي إِلَيْهِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الظَّفَرِ، ثُمَّ عَادَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى بَانِيَاسَ مِنْ مَوْضِعِ الْمَعْرَكَةِ، وَتَجَهَّزَ لِلدُّخُولِ إِلَى ذَلِكَ الْحِصْنِ وَمُحَاصَرَتِهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَأَحَاطَ بِهِ، وَقَوَّى طَمَعَهُ بِالْهَزِيمَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي فَتْحِهِ، وَبَثَّ الْعَسَاكِرَ فِي بَلَدِ الْفِرِنْجِ لِلْإِغَارَةِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَجَمَعُوا مِنَ الْأَخْشَابِ وَالزَّرَجُونِ شَيْئًا كَثِيرًا لِيَجْعَلَهُ مَتَارِسَ لِلْمَجَانِيقِ، فَقَالَ لَهُ جَاوِلِيٌّ الْأَسَدِيُّ، وَهُوَ مُقَدَّمُ الْأَسَدِيَّةِ وَأَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ: الرَّأْيُ أَنَّنَا نُجَرِّبُهُمْ بِالزَّحْفِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَنَذُوقُ قِتَالَ مَنْ بِهِ، وَنَنْظُرُ الْحَالَ مَعَهُمْ، فَإِنِ اسْتَضْعَفْنَاهُمْ، وَإِلَّا فَنَصُبُّ الْمَجَانِيقَ مَا يَفُوتُ. فَقَبِلَ رَأْيَهُ، وَأَمَرَ فَنُودِيَ بِالزَّحْفِ إِلَيْهِ، وَالْجِدِّ فِي قِتَالِهِ، فَزَحَفُوا وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ وَعَظُمَ الْأَمْرُ، فَصَعِدَ إِنْسَانٌ مِنَ الْعَامَّةِ بِقَمِيصٍ خَلِقٍ فِي بَاشُورَةِ الْحِصْنِ وَقَاتَلَ عَلَى السُّورِ لَمَّا عَلَاهُ وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَضِرَابِهِ، وَلَحِقَ بِهِمُ الْجُنْدُ فَمَلَكُوا الْبَاشُورَةَ، فَصَعِدَ الْفِرِنْجُ حِينَئِذٍ مِنْهَا إِلَى أَسْوَارِ الْحِصْنِ لِيَحْمُوا نُفُوسَهُمْ وَحِصْنَهُمْ إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُمُ الْمَدَدُ. وَكَانَ الْفِرِنْجُ قَدْ جَمَعُوا بِطَبَرِيَّةَ، فَأَلَحَّ الْمُسْلِمُونَ فِي قِتَالِ الْحِصْنِ، خَوْفًا مِنْ وَصُولِ الْفِرِنْجِ إِلَيْهِمْ وَإِزَاحَتِهِمْ عَنْهُ، وَأَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ، فَأَمَرَ صَلَاحُ الدِّينِ بِالْمَبِيتِ بِالْبَاشُورَةِ إِلَى الْغَدِ، فَفَعَلُوا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَصْبَحُوا وَقَدْ نَقَبُوا الْحِصْنَ، وَعَمَّقُوا النَّقْبَ، وَأَشْعَلُوا النِّيرَانَ فِيهِ، وَانْتَظَرُوا سُقُوطَ السُّورِ، فَلَمْ يَسْقُطْ لِعَرْضِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ تِسْعَةَ أَذْرُعٍ بِالنُّجَّارِيِّ، يَكُونُ الذِّرَاعُ ذِرَاعًا وَنِصْفًا، فَانْتَظَرُوهُ يَوْمَيْنِ فَلَمْ يَسْقُطْ، فَأَمَرَ صَلَاحُ الدِّينِ بِإِطْفَاءِ النَّارِ الَّتِي فِي النَّقْبِ، فَحُمِلَ الْمَاءُ وَأُلْقِيَ عَلَيْهَا فَطُفِئَتْ، وَعَادَ

стр. 5670

النَّقَّابُونَ فَنَقَّبُوا، وَخَرَّقُوا السُّورَ، وَأَلْقَوْا فِيهِ النَّارَ، فَسَقَطَ يَوْمَ الْخَمِيسِ لَسْتٍّ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ الْحِصْنَ عَنْوَةً وَأَسَرُوا كُلَّ مَنْ فِيهِ، وَأَطْلَقُوا مَنْ كَانَ بِهِ مَنْ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلَ صَلَاحُ الدِّينِ كَثِيرًا مِنْ أَسْرَى الْفِرِنْجِ، وَأَدْخَلَ الْبَاقِينَ إِلَى دِمَشْقَ، وَأَقَامَ صَلَاحُ الدِّينِ بِمَكَانِهِ حَتَّى هَدَمَ الْحِصْنَ، وَعَفَى أَثَرُهُ، وَأَلْحَقَهُ بِالْأَرْضِ، وَكَانَ قَدْ بَذَلَ الْفِرِنْجُ سِتِّينَ أَلْفَ دِينَارٍ مِصْرِيَّةٍ لِيَهْدِمُوهُ بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَلَمْ يَفْعَلُوا ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ إِذَا بَقِيَ بِنَاؤُهُ تَمَكَّنُوا بِهِ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الْفِرِنْجُ فَاجْتَمَعُوا بِطَبَرِيَّةَ لِيَحْمُوا الْحِصْنَ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِأَخْذِهِ فُتَّ فِي أَعَضَادِهِمْ، فَتَفَرَّقُوا إِلَى بِلَادِهِمْ. وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِيهِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ صَدِيقِنَا النَّشْوِ بْنِ نَفَّاذَةَ ﵀: هَلَاكُ الْفِرِنْجِ أَتَى عَاجِلًا ... وَقَدْ آنَ تَكْسِيرُ صُلْبَانِهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ دَنَا حَتْفُهَا ... لَمَا عَمَّرَتْ بَيْتَ أَحْزَانِهَا وَقَوْلُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّاعَاتِيِّ الدِّمَشْقِيِّ: أَتَسْكُنُ أَوْطَانَ النَّبِيِّينَ عُصْبَةٌ ... تَمِينُ لَدَى أَيْمَانِهَا وَهِيَ تَحْلِفُ نَصَحْتُكُمُ وَالنُّصْحُ لِلدِّينِ وَاجِبٌ ... ذَرُوا بَيْتَ يَعْقُوبَ فَقَدْ جَاءَ يُوسُفُ ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَسْكَرِ صَلَاحِ الدِّينِ وَعَسْكَرِ قَلَجِ أَرْسَلَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ عَسْكَرِ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ وَمُقَدَّمُهُمْ

стр. 5671

ابْنُ أَخِيهِ تَقِيُّ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ شَاهِنْشَاهْ بْنِ أَيُّوبَ، وَبَيْنَ عَسْكَرِ الْمَلِكِ قَلَجِ أَرْسَلَانَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ قَلَجِ أَرْسَلَانَ، صَاحِبِ بِلَادِ قُونِيَةَ، وَأَقْصَرَا. وَسَبَبُهَا أَنَّ نُورَ الدِّينِ مَحْمُودَ بْنَ زَنْكِي بْنِ آقْسُنْقُرَ ﵀ كَانَ قَدْ أَخَذَ قَدِيمًا مِنْ قَلَجِ أَرَسْلَانَ حِصْنَ رَعْبَانَ، وَكَانَ بِيَدِ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ الْمُقَدَّمِ إِلَى الْآنَ، فَطَمِعَ فِيهِ قَلَجُ أَرْسَلَانَ بِسَبَبِ أَنَّ الْمَلِكَ الصَّالِحَ بِحَلَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَلَاحِ الدِّينِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ يَحْصُرُهُ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ، يُقَالُ: كَانُوا عِشْرِينَ أَلْفًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ صَلَاحُ الدِّينِ تَقِيَّ الدِّينِ فِي أَلْفِ فَارِسٍ، فَوَاقَعَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ وَهَزَمَهُمْ، وَأَصْلَحَ حَالَ تِلْكَ الْوِلَايَةِ، وَعَادَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ، وَلَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ تَخْرِيبُ حِصْنِ الْأَحْزَانِ، فَكَانَ يَفْتَخِرُ وَيَقُولُ: هَزَمْتُ بِأَلْفِ مُقَاتِلٍ عِشْرِينَ أَلْفًا. ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُسْتَضِيءِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَخِلَافَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ثَانِي ذِي الْقِعْدَةِ، تُوُفِّيَ الْإِمَامُ الْمُسْتَضِيءُ بِأَمْرِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ يُوسُفَ الْمُسْتَنْجِدِ ﵁ وَأَمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ أَرْمِنِيَّةٌ تُدْعَى غَضَّةَ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ نَحْوَ تِسْعِ سِنِينَ وَسَبْعَةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَ عَادِلًا حَسَنَ السِّيرَةِ فِي الرَّعِيَّةِ، كَثِيرَ الْبَذْلِ لِلْأَمْوَالِ، غَيْرَ مُبَالَغٍ فِي أَخْذِ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَخْذِهِ، وَكَانَ النَّاسُ مَعَهُ فِي أَمْنٍ عَامٍّ وَإِحْسَانٍ شَامِلٍ، وَطُمَأْنِينَةٍ وَسُكُونٍ، لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، وَكَانَ حَلِيمًا، قَلِيلَ الْمُعَاقَبَةِ عَلَى الذُّنُوبِ، مُحِبًّا لِلْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنِ الْمُذْنِبِينَ، فَعَاشَ حَمِيدًا وَمَاتَ سَعِيدًا ﵁ فَلَقَدْ كَانَتْ أَيَّامُهُ كَمَا قِيلَ: كَأَنَّ أَيَّامَهُ مِنْ حُسْنِ سِيرَتِهِ ... مَوَاسِمُ الْحَجِّ وَالْأَعْيَادُ وَالْجُمَعُ وَوَزِرَ لَهُ عَضُدُ الدِّينِ أَبُو الْفَرَجِ بْنِ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ إِلَى أَنْ قُتِلَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ

стр. 5672

سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَلَمَّا قُتِلَ حَكَمَ فِي الدَّوْلَةِ ظَهِيرُ الدِّينِ أَبُو بَكْرٍ مَنْصُورُ بْنُ نَصْرٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْعَطَّارِ، وَكَانَ خَيِّرًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، كَثِيرَ الْعَطَاءِ، وَتَمَكَّنَ تَمَكُّنًا كَثِيرًا، فَلَمَّا مَاتَ الْمُسْتَضِيءُ شَرَعَ ظَهِيرُ الدِّينِ ابْنُ الْعَطَّارِ فِي أَخْذِ الْبَيْعَةِ لِوَلَدِهِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ، أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا تَمَّتِ الْبَيْعَةُ صَارَ الْحَاكِمَ فِي الدَّوْلَةِ أُسْتَاذُ الدَّارِ مَجْدُ الدِّينِ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ الصَّاحِبِ. وَفِي سَابِعِ ذِي الْقِعْدَةِ قُبِضَ عَلَى ابْنِ الْعَطَّارِ ظَهِيرِ الدِّينِ، وَوُكِّلَ عَلَيْهِ فِي دَارِهِ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى التَّاجِ، وَقُيِّدَ وَوُكِّلَ بِهِ، وَطُلِبَتْ وَدَائِعُهُ وَأَمْوَالُهُ، وَفِي لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ ثَامِنَ عَشَرَ ذِي الْقِعْدَةِ أُخْرِجَ مَيِّتًا عَلَى رَأْسِ حَمَّالٍ سِرًّا، فَغَمَزَ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ، فَثَارَ بِهِ الْعَامَّةُ، فَأَلْقَوْهُ عَنْ رَأْسِ الْحَمَّالِ، وَكَشَفُوا سَوْءَتَهُ وَشَدُّوا فِي ذَكَرِهِ حَبْلًا وَسَحَبُوهُ فِي الْبَلَدِ، وَكَانُوا يَضَعُونَ بِيَدِهِ مِغْرَفَةً يَعْنِي أَنَّهَا قَلَمٌ وَقَدْ غَمَسُوهَا فِي الْعُذْرَةِ وَيَقُولُونَ: وَقِّعْ لَنَا يَا مَوْلَانَا، إِلَى غَيْرِ هَذَا مِنَ الْأَفْعَالِ الشَّنِيعَةِ، ثُمَّ خُلِّصَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَدُفِنَ. هَذَا فِعْلُهُمْ بِهِ مَعَ حُسْنِ سِيرَتِهِ فِيهِمْ وَكَفِّهِ عَنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ. وَسُيِّرَتِ الرُّسُلُ إِلَى الْآفَاقِ لِأَخْذِ الْبَيْعَةِ، فَسَيَّرَ صَدَرُ الدِّينِ شَيْخُ الشُّيُوخِ إِلَى الْبَهْلَوَانِ، صَاحِبِ هَمَذَانَ وَأَصْفَهَانَ وَالرَّيِّ وَغَيْرِهَا، فَامْتَنَعَ مِنَ الْبَيْعَةِ، فَرَاجَعَهُ صَدْرُ الدِّينِ، وَأَغْلَظَ لَهُ فِي الْقَوْلِ، حَتَّى أَنَّهُ قَالَ لِعَسْكَرِهِ فِي حَضْرَتِهِ: [لَيْسَ] لِهَذَا عَلَيْكُمْ طَاعَةٌ مَا لَمْ يُبَايِعْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَخْلَعُوهُ مِنَ الْإِمَارَةِ، وَتُقَاتِلُوهُ، فَاضْطَرَّ إِلَى الْبَيْعَةِ وَالْخُطْبَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى رَضِيِّ الدِّينِ الْقَزْوِينِيِّ مُدَرِّسَ النِّظَامِيَّةِ إِلَى الْمَوْصِلِ لِأَخْذِ الْبَيْعَةِ، فَبَايَعَ صَاحِبُهَا، وَخَطَبَ لِلْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ هَبَّتْ رِيحٌ سَوْدَاءٌ مُظْلِمَةٌ بِالدِّيَارِ الْجَزَرِيَّةِ وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِهَا، وَعَمَّتْ

стр. 5673

أَكْثَرَ الْبِلَادِ مِنَ الظُّهْرِ إِلَى أَنْ مَضَى مِنَ اللَّيْلِ رُبْعُهُ، وَبَقِيَتِ الدُّنْيَا مُظْلِمَةً يَكَادُ الْإِنْسَانُ لَا يُبْصِرُ صَاحِبَهُ، وَكُنْتُ حِينَئِذٍ بِالْمَوْصِلِ، فَصَلَّيْنَا الْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ الْآخِرَةَ عَلَى الظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ، وَأَقْبَلَ النَّاسُ عَلَى التَّضَرُّعِ وَالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَظَنُّوا أَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ، فَلَمَّا مَضَى مِقْدَارُ رُبْعِ اللَّيْلِ زَالَ ذَلِكَ الظَّلَامُ وَالْعَتْمَةُ الَّتِي غَطَّتِ السَّمَاءَ، فَنَظَرْنَا فَرَأَيْنَا النُّجُومَ، فَعَلِمْنَا مِقْدَارَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ، لِأَنَّ الظَّلَامَ لَمْ يَزْدَدْ بِدُخُولِ اللَّيْلِ، وَكَانَ كُلُّ مَنْ يَصِلُ مِنْ جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ يُخْبِرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ. وَفِيهَا، فِي ذِي الْقِعْدَةِ، نَزَلَ شَمْسُ الدَّوْلَةِ أَخُو صَلَاحِ الدِّينِ عَنْ بَعْلَبَكَّ، وَطَلَبَ عِوَضًا عَنْهَا الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ، فَأَجَابَهُ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى ذَلِكَ وَأَقْطَعَ بَعْلَبَكَّ لِعِزِّ الدِّينِ فَرْخْشَاهَ ابْنِ أَخِيهِ، فَسَارَ إِلَيْهَا، وَجَمَعَ أَصْحَابَهُ، وَأَغَارَ عَلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى قَلْعَةِ صَفَدَ، وَهِيَ مُطِلَّةٌ عَلَى طَبَرِيَّةَ، فَسَبَى وَأَسَرَ وَغَنِمَ وَخَرَّبَ وَفَعَلَ فِي الْفِرِنْجِ أَفَاعِيلَ عَظِيمَةً. وَأَمَّا شَمْسُ الدَّوْلَةِ فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى مِصْرَ وَأَقَامَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْبِضَ رَجُلًا بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ إِلَيْهَا حَاجَةً، فَإِنَّهُ أَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا. وَفِيهَا قَارَبَ الْجَامِعُ الَّذِي بَنَاهُ مُجَاهِدُ الدِّينِ قَايْمَازُ بِظَاهِرِ الْمَوْصِلِ مِنْ جِهَةِ بَابِ الْجِسْرِ الْفَرَاغَ، وَأُقِيمَتْ فِيهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الْجَوَامِعِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصُّوفِيُّ شَيْخُ رِبَاطِ الزَّوْزَنِيِّ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَكَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ. وَعَبْدُ الْحَقِّ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ يُوسُفَ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ، وَهُوَ مِنْ بَيْتِ الْحَدِيثِ. وَالْقَاضِي عُمَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْخَضِرِ أَبُو الْحَسَنِ الدِّمَشْقِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ، وَوَلِيَ قَضَاءَ الْحَرِيمِ. وَعَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الزَّيْدِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَلَهُ وَقْفُ كُتُبٍ كَثِيرَةٍ بِبَغْدَادَ،

стр. 5674

وَكَانَ زَاهِدًا، خَيِّرًا، صَالِحًا. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَقَاسِيُّ نَقِيبُ الْعَلَوِيِّينَ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ يُنْشِدُ كَثِيرًا: رُبَّ قَوْمٍ فِي خَلَائِقِهِمْ ... عُرَرٌ قَدْ صُيِّرُوا غُرَرَا سَتَرَ الْمَالُ الْقَبِيحُ لَهُمْ ... سَتَرَى إِنْ زَالَ مَا سَتَرَا وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ سَدِيدِ الدَّوْلَةِ الْأَنْبَارِيِّ، كَاتِبُ الْإِنْشَاءِ بَعْدَ أَبِيهِ. وَأَبُو الْفُتُوحِ نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّامَغَانِيُّ الْفَقِيهُ، كَانَ مُنَاظِرًا أَحْسَنَ الْمُنَاظَرَةِ، كَثِيرَ الْعِبَادَةِ، وَدُفِنَ عِنْدَ قَبْرِ أَبِي حَنِيفَةَ.

стр. 5675

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ] ٥٧٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ وَفَاةِ سَيْفِ الدِّينِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ وَوِلَايَةِ أَخِيهِ عِزِّ الدِّينِ بَعْدَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثَالِثَ صَفَرٍ، تُوُفِّيَ سَيْفُ الدِّينِ غَازِي بْنُ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِي، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ، وَكَانَ مَرَضُهُ السُّلَّ، وَطَالَ بِهِ ثُمَّ أَدْرَكَهُ فِي آخِرِهِ سِرْسَامٌ، وَمَاتَ. وَمِنْ عَجِيبِ مَا يُحْكَى أَنَّ النَّاسَ خَرَجُوا سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ يَسْتَسْقُونَ لِانْقِطَاعِ الْغَيْثِ وَشِدَّةِ الْغَلَاءِ، وَخَرَجَ سَيْفُ الدِّينِ فِي مَوْكِبِهِ، فَثَارَ بِهِ النَّاسُ وَقَصَدُوهُ بِالِاسْتِغَاثَةِ، وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَأْمُرَ بِالْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ الْخَمْرِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَدَخَلُوا الْبَلَدَ وَقَصَدُوا مَسَاكِنَ الْخَمَّارِينَ، وَخَرَّبُوا أَبْوَابَهُمْ، وَدَخَلُوهَا، وَنَهَبُوهَا، وَأَرَاقُوا مَا بِهَا مِنْ خُمُورٍ، وَكَسَرُوا الظُّرُوفَ، وَعَمِلُوا مَا لَا يَحِلُّ، فَاسْتَغَاثَ أَصْحَابُ الدُّورِ إِلَى نُوَّابِ السُّلْطَانِ، وَخَصُّوا بِالشَّكْوَى رَجُلًا مِنَ الصَّالِحِينَ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْفَرَجِ الدَّقَّاقُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَدٌ فِي الَّذِي فَعَلَهُ الْعَامَّةُ مِنَ النَّهْبِ، وَمَا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ، إِنَّمَا هُوَ أَرَاقَ الْخُمُورَ، وَنَهَى الْعَامَّةَ عَنِ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ، فَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ، فَلَمَّا شَكَا الْخَمَّارُونَ مِنْهُ أُحْضِرَ بِالْقَلْعَةِ، وَضُرِبَ عَلَى رَأْسِهِ، فَسَقَطَتْ عِمَامَتُهُ، فَلَمَّا أُطْلِقَ لِيَنْزِلَ مِنَ الْقَلْعَةِ نَزَلَ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ، فَأَرَادُوا تَغْطِيَتَهُ بِعِمَامَتِهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا غَطَّيْتُ رَأْسِي حَتَّى يَنْتَقِمَ اللَّهُ لِي مِمَّنْ ظَلَمَنِي! فَلَمْ يَمْضِ غَيْرُ أَيَّامٍ حَتَّى تُوُفِّيَ الدَّزْدَارُ الَّذِي تَوَلَّى أَذَاهُ، ثُمَّ بِعَقِبِهِ مَرِضَ سَيْفُ الدِّينِ، وَاسْتَمَرَّ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَعَمْرُهُ حِينَئِذٍ نَحْوُ ثَلَاثِينَ سَنَةً. وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ عَشْرَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ حَسَنَ الصُّورَةِ، مَلِيحَ الشَّبَابِ، تَامَّ الْقَامَةِ، أَبْيَضَ اللَّوْنِ وَكَانَ عَاقِلًا وَقُورًا، قَلِيلَ الِالْتِفَاتِ إِذَا رَكِبَ وَإِذَا جَلَسَ، عَفِيفًا لَمْ يُذْكَرْ عَنْهُ مَا يُنَافِي الْعِفَّةَ.
следующие страницы →