← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ] ٥٦٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ وَفَاةِ خُوَارَزْم شَاهْ أَرْسِلَان وَمُلْكِ وَلَدِهِ سُلْطَان شَاهْ وَبَعْدَهُ وَلَدُهُ الْآخَرُ تُكَشُ وَقَتْلِ الْمُؤَيَّدِ وَمُلْكِ ابْنِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ خُوَارَزْم شَاهْ أَرْسِلَان بْنُ أَتْسِزَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَنُوشْتَكِينَ، قَدْ عَادَ مِنْ قِتَالِ الْخَطَا مَرِيضًا، فَتُوُفِّيَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ سُلْطَان شَاهْ مَحْمُودٌ، وَدَبَّرَتْ وَالِدَتُهُ الْمَمْلَكَةَ وَالْعَسَاكِرَ. وَكَانَ ابْنُهُ الْأَكْبَرُ عَلَاءُ الدِّينِ تُكَشُ مُقِيمًا فِي الْجُنْدِ قَدْ أَقْطَعُهُ أَبُوهُ إِيَّاهَا، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُ أَبِيهِ وَتَوْلِيَةُ أَخِيهِ الصَّغِيرِ أَنِفَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَصَدَ مَلِكَ الْخَطَا، وَاسْتَمَدَّهُ عَلَى أَخِيهِ، وَأَطْمَعَهُ فِي الْأَمْوَالِ وَذَخَائِرِ خُوَارَزْمَ، فَسَيَّرَ مَعَهُ جَيْشًا كَثِيفًا مُقَدَّمُهُمْ قُومَا، فَسَارُوا حَتَّى قَارَبُوا خُوَارَزْمَ، فَخَرَجَ سُلْطَان شَاهْ وَأُمُّهُ إِلَى الْمُؤَيَّدِ، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً جَلِيلَةَ الْمِقْدَارِ، وَوَعَدَهُ أَمْوَالَ خُوَارَزْمَ وَذَخَائِرَهَا، فَاغْتَرَّ بِقَوْلِهِ، وَجَمَعَ جُيُوشَهُ وَسَارَ مَعَهُ حَتَّى بَلَغَ سُوبَرْنَى، بُلَيْدَةٌ عَلَى عِشْرِينَ فَرْسَخًا مِنْ خُوَارَزْمَ، وَكَانَ تُكَشُ قَدْ عَسْكَرَ بِالْقُرْبِ مِنْهَا، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ انْهَزَمَ عَسْكَرُ الْمُؤَيَّدِ، وَكُسِرَ الْمُؤَيَّدُ وَأُخِذَ أَسِيرًا، وَجِيءَ بِهِ إِلَى خُوَارَزْم شَاهْ تُكَشَ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقُتِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ صَبْرًا. وَهَرَبَ سُلْطَان شَاهْ، وَأَخَذَ إِلَى دِهِسْتَانَ، فَقَصَدَهُ خُوَارَزْم شَاهْ تُكَشُ، فَافْتَتَحَ الْمَدِينَةَ عَنْوَةً، فَهَرَبَ سُلْطَان شَاهْ وَأُخِذَتْ أُمُّهُ فَقَتَلَهَا تُكَشُ، وَعَادَ إِلَى خُوَارَزْمَ.

стр. 5602

وَلَمَّا عَادَ الْمُنْهَزِمُونَ مَنْ عَسْكَرِ الْمُؤَيَّدِ إِلَى نَيْسَابُورَ مَلَّكُوا ابْنَهُ طُغَان شَاهْ أَبَا بَكْرِ بْنَ الْمُؤَيَّدِ، وَاتَّصَلَ بِهِ سُلْطَان شَاهْ، ثُمَّ سَارَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ مَلِكِ الْغُورِيَّةِ، فَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ وَأَحْسَنَ ضِيَافَتَهُ. وَأَمَّا عَلَاءُ الدِّينِ تُكَشُ، فَإِنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ قَدَمُهُ بِخُوَارَزْمَ اتَّصَلَتْ بِهِ رُسُلُ الْخَطَا بِالِاقْتِرَاحَاتِ وَالتَّحَكُّمِ كَعَادَتِهِمْ، فَأَخَذَتْهُ حَمِيَّةُ الْمُلْكِ وَالدِّينِ، وَقَتَلَ أَحَدَ أَقَارِبِ الْمَلِكِ، وَكَانَ قَدْ وَرَدَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ أَرْسَلَهُمْ مَلِكُهُمْ فِي مُطَالَبَةِ خُوَارَزْم شَاهْ بِالْمَالِ، فَأَمَرَ خُوَارَزْم شَاهْ أَعْيَانَ خُوَارَزْمَ، فَقَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَجُلًا مِنَ الْخَطَا، فَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَنَبَذُوا إِلَى مَلِكِ الْخَطَا عَهْدَهُ. وَبَلَغَ ذَلِكَ سُلْطَان شَاهْ، فَسَارَ إِلَى مَلِكِ الْخَطَا وَاغْتَنَمَ الْفُرْصَةَ بِهَذِهِ الْحَالِ وَاسْتَنْجَدَهُ عَلَى أَخِيهِ عَلَاءِ الدِّينِ تُكَشَ، وَزَعَمَ لَهُ أَنَّ أَهْلَ خُوَارَزْمَ مَعَهُ يُرِيدُونَهُ، وَيَخْتَارُونَ مُلْكَهُ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ رَأَوْهُ لَسَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ، فَسَيَّرَ مَعَهُ جَيْشًا كَثِيرًا مِنَ الْخَطَا مَعَ قُومَا أَيْضًا، فَوَصَلُوا إِلَى خُوَارَزْمَ، فَحَصَرُوهَا، فَأَمَرَ خُوَارَزْم شَاهْ عَلَاءُ الدِّينِ بِإِجْرَاءِ مَاءِ جَيْحُونَ عَلَيْهِمْ فَكَادُوا يَغْرَقُونَ، فَرَحَلُوا وَلَمْ يَبْلُغُوا مِنْهَا غَرَضًا، وَلَحِقَهُمُ النَّدَمُ حَيْثُ لَمْ يَنْفَعْهُمْ، وَلَامُوا سُلْطَان شَاهْ وَعَنَّفُوهُ، فَقَالَ لِقُومَا: لَوْ أَرْسَلْتَ مَعِي جَيْشًا إِلَى مَرْوَ لَاسْتَخْلَصْتُهَا مِنْ يَدِ دِينَارٍ الْغُزِّيِّ، وَكَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا مِنْ حِينِ كَانَتْ فِتْنَةُ الْغُزِّ إِلَى الْآنِ، فَسَيَّرَ مَعَهُ جَيْشًا، فَنَزَلَ عَلَى سَرْخَسَ عَلَى غِرَّةٍ مِنْ أَهْلِهَا، وَهَجَمُوا عَلَى الْغُزِّ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، فَلَمْ يَتْرُكُوا بِهَا أَحَدًا مِنْهُمْ، وَأَلْقَى دِينَارٌ مَلِكُهُمْ نَفْسَهُ فِي خَنْدَقِ الْقَلْعَةِ، فَأُخْرِجَ مِنْهُ، وَدَخَلَ الْقَلْعَةَ وَتَحَصَّنَ بِهَا. وَسَارَ سُلْطَان شَاهْ إِلَى مَرْوَ، فَمَلَكَهَا، وَعَادَ الْخَطَا إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَجَعَلَ سُلْطَان شَاهْ دَأْبَهُ قِتَالَ الْغُزِّ وَقَصْدَهُمْ، وَالْقَتْلَ فِيهِمْ، وَالنَّهْبَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا عَجَزَ دِينَارٌ عَنْ مُقَاوَمَتِهِ أَرْسَلَ إِلَى نَيْسَابُورَ إِلَى طُغَان شَاهْ بْنِ الْمُؤَيَّدِ يَقُولُ لَهُ لِيُرْسِلَ إِلَيْهِ مَنْ يُسَلِّمُ إِلَيْهِ قَلْعَةَ سَرْخَسَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ جَيْشًا مَعَ أَمِيرٍ اسْمُهُ قَرَاقُوشُ، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ دِينَارٌ الْقَلْعَةَ وَلَحِقَ بِطُغَان شَاهْ، فَقَصَدَ سُلْطَان شَاهْ سَرْخَسَ، وَحَصَرَ قَلْعَتَهَا، وَبَلَغَ ذَلِكَ طُغَان شَاهْ، فَجَمَعَ جُيُوشَهُ وَقَصَدَ سَرْخَسَ، فَلَمَّا الْتَقَى هُوَ وَسُلْطَان شَاهْ فَرَّ طُغَان شَاهْ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَذَلِكَ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَأَخْلَى قَرَاقُوشُ قَلْعَةَ سَرْخَسَ وَلَحِقَ بِصَاحِبِهِ، وَمَلَكَهَا

стр. 5603

سُلْطَان شَاهْ، ثُمَّ أَخَذَ طُوسَ، وَالزَّامَ، وَضَيَّقَ الْأَمْرَ عَلَى طُغَان شَاهْ بِعُلُوِّ هِمَّتِهِ، وَقِلَّةِ قَرَارِهِ، وَحِرْصِهِ عَلَى طَلَبِ الْمُلْكِ. وَكَانَ طُغَان شَاهْ يُحِبُّ الدَّعَةَ وَمُعَاقَرَةَ الْخَمْرِ، فَلَمْ يَزَلِ الْحَالُ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ طُغَانُ شَاهْ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِي الْمُحَرَّمِ، وَمَلَكَ ابْنُهُ سَنْجَر شَاهْ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ مَمْلُوكُ جَدِّهِ الْمُؤَيَّدِ، اسْمُهُ مَنْكَلِي تَكِينَ، فَتَفَرَّقَ الْأُمَرَاءُ أَنَفَةً مِنْ تَحَكُّمِهِ، وَاتَّصَلَ أَكْثَرُهُمْ بِسُلْطَان شَاهْ، وَسَارَ الْمَلِكُ دِينَارٌ إِلَى كَرْمَانَ، وَمَعَهُ الْغُزُّ، فَمَلَكَهَا. وَأَمَّا مَنْكَلِي تَكِينَ فَإِنَّهُ أَسَاءَ السِّيرَةَ فِي الرَّعِيَّةِ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، وَقَتَلَ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ، فَسَمِعَ خُوَارَزْم شَاهْ بِذَلِكَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَحَصَرَهُ بِنَيْسَابُورَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَحَصَرَهَا شَهْرَيْنِ، فَلَمْ يَظْفَرْ بِهَا وَعَادَ إِلَى خُوَارَزْمَ، ثُمَّ رَجَعَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَحَصَرَهَا، وَطَلَبُوا مِنْهُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ، فَسَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ، فَقُتِلَ مَنْكَلِي تَكِينَ وَأَخَذَ سَنْجَر شَاهْ وَأَكْرَمَهُ، وَأَنْزَلَهُ بِخُوَارَزْمَ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى نَيْسَابُورَ يَسْتَمِيلُ أَهْلَهَا لِيَعُودَ إِلَيْهِمْ، فَسَمِعَ بِهِ خُوَارَزْم شَاهْ، فَأَخَذَ سَنْجَر شَاهْ فَسَمَلَهُ، وَكَانَ قَدْ تَزَوَّجَ بِأُمِّهِ وَزَوَّجَهُ بِابْنَتِهِ، فَمَاتَتْ، فَزَوَّجَهُ بِأُخْتِهِ، وَبَقِيَ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. ذَكَرَ هَذَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ " مَشَارِبِ التَّجَارِبِ "، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالتَّوَارِيخِ هَذِهِ الْحَوَادِثَ مُخَالِفَةً لِهَذَا فِي بَعْضِ الْأُمُورِ مَعَ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ، وَنَحْنُ نُورِدُهَا، فَقَالَ إِنَّ تُكَشَ خُوَارَزْم شَاهْ إِيلْ أَرْسِلَان أَخْرَجَ أَخَاهُ سُلْطَان شَاهْ مِنْ خُوَارَزْمَ، وَكَانَ قَدْ مَلَكَهَا بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، فَجَاءَ إِلَى مَرْوَ، فَمَلَكَهَا وَأَزَاحَ الْغُزَّ عَنْهَا، فَخَرَجُوا أَيَّامًا، ثُمَّ عَادُوا عَلَيْهِ، فَأَخْرَجُوهُ مِنْهَا، وَانْتَهَبُوا خِزَانَتَهُ، وَقَتَلُوا أَكْثَرَ رِجَالِهِ، فَعَبَرَ إِلَى الْخَطَا، فَاسْتَنْجَدَهُمْ، وَضَمِنَ لَهُمْ مَالًا، وَجَاءَ بِجَيْشٍ عَظِيمٍ، فَأَخْرَجَ الْغُزَّ عَنْ مَرْوَ، وَسَرْخَسَ، وَنَسَا، وَأَبْيُوَرْدَ، وَمَلَكَهَا وَرَدَّ الْخَطَا. فَلَمَّا أُبْعِدُوا كَاتَبَ غِيَاثَ الدِّينِ الْغُورِيَّ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَنْزِلَ عَنْ هَرَاةَ وَبُوشَنْجَ وَبَاذْغِيسَ وَمَا وَالَاهَا، وَيَتَوَعَّدُهُ إِنْ هُوَ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ ذَلِكَ، فَأَجَابَهُ غِيَاثُ الدِّينِ يَطْلُبُ مِنْهُ إِقَامَةَ الْخُطْبَةِ لَهُ بِمَرْوَ وَسَرْخَسَ وَمَا مَلَكَهُ مِنْ بِلَادِ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا سَمِعَ الرِّسَالَةَ سَارَ عَنْ مَرْوَ وَشَنَّ الْغَارَاتِ عَلَى بَاذْغِيسَ وَبَيْوَارَ وَمَا وَالَاهَا، وَحَصَرَ بُوشَنْجَ وَنَهَبَ

стр. 5604

الرَّسَاتِيقَ، وَصَادَرَ الرَّعَايَا، فَلَمَّا سَمِعَ غِيَاثُ الدِّينِ ذَلِكَ لَمْ يَرْضَ لِنَفَسِهِ أَنْ يَسِيرَ هُوَ بَلْ سَيَّرَ مَلِكَ سِجِسْتَانَ، وَكَاتَبَ ابْنَ أُخْتِهِ بَهَاءَ الدِّينِ سَامَ، صَاحِبَ بَامِيَانَ، بِاللَّحَاقِ بِهِ، لِأَنَّ أَخَاهُ شِهَابَ الدِّينِ كَانَ بِالْهِنْدِ، وَالزَّمَانُ شِتَاءٌ، فَجَاءَ بَهَاءُ الدِّينِ ابْنُ أُخْتِ غِيَاثِ الدِّينِ وَمَلِكُ سِجِسْتَانَ وَمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَوَافَقَ ذَلِكَ وُصُولَ سُلْطَان شَاهْ إِلَى هَرَاةَ، فَلَمَّا عَلِمَ بِوُصُولِهِمْ عَادَ إِلَى مَرْوَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ، وَأَحْرَقَ كُلَّ مَا مَرَّ بِهِ مِنَ الْبِلَادِ وَنَهَبَهُ، وَأَقَامَ بِمَرْوَ إِلَى الرَّبِيعِ، وَأَعَادَ مُرَاسَلَةَ غِيَاثِ الدِّينِ فِي الْمَعْنَى، فَأَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ شِهَابِ الدِّينِ يُعَرِّفَهُ الْحَالَ، فَنَادَى فِي عَسَاكِرِهِ الرَّحِيلَ لِسَاعَتِهِ، وَعَادَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَاجْتَمَعَ هُوَ وَأَخُوهُ غِيَاثُ الدِّينِ وَمَلِكُ سِجِسْتَانَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَقَصَدُوا سُلْطَان شَاهْ، فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ جَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ، مَنِ الْغُزِّ وَالْمُفْسِدِينَ، وَقَطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَمَنْ عِنْدَهُ طَمَعٌ، خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَنَزَلَ غِيَاثُ الدِّينِ وَمَنْ مَعَهُ فِي الطَّالْقَانِ، وَنَزَلَ سُلْطَان شَاهْ بِمَرْوِ الرُّوذِ، وَتَقَدَّمَ عَسْكَرُ الْغُورِيَّةِ إِلَيْهِ، وَتَوَاعَدُوا لِلْمَصَافِّ. وَبَقُوا كَذَلِكَ شَهْرَيْنِ وَالرُّسُلُ تَتَرَدَّدُ بَيْنَ غِيَاثِ الدِّينِ وَبَيْنَ سُلْطَان شَاهْ، وَشِهَابُ الدِّينِ يَطْلُبُ مِنْ أَخِيهِ غِيَاثِ الدِّينِ الْإِذْنَ فِي الْحَرْبِ، فَلَا يَتْرُكُهُ، وَتَقَرَّرَ الْأَمْرُ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَى سُلْطَان شَاهْ بُوشَنْجَ وَبَاذْغِيسَ وَقِلَاعَ بِيُوَارَ، وَكَرِهَ ذَلِكَ شِهَابُ الدِّينِ وَبَهَاءُ الدِّينِ سَامُ، صَاحِبُ بَامِيَانَ، إِلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يُخَالِفَا غِيَاثَ الدِّينِ، وَفِي آخِرِ الْأَمْرِ حَضَرَ رَسُولُ سُلْطَان شَاهْ عِنْدَ غِيَاثِ الدِّينِ، وَحَضَرَ الْأُمَرَاءُ ; لِيُكْتَب الْعَهْدُ، فَقَالَ الرَّسُولُ: إِنَّ سُلْطَانَ شَاهْ يَطْلُبُ أَنْ يَحْضُرَ شِهَابُ الدِّينِ وَبَهَاءُ الدِّينِ هَذَا الْأَمْرَ، فَأَرْسَلَ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَيْهِمَا، فَأَعَادَا الْجَوَابَ: إِنَّنَا مَمَالِيكُكَ، وَمَهْمَا تَفْعَلْ لَا يُمْكِنْنَا مُخَالَفَتُكَ. فَبَيْنَمَا النَّاسُ مُجْتَمِعُونَ فِي تَحْرِيرِ الْأَمْرِ وَإِذْ قَدْ أَقْبَلَ مَجْدُ الدِّينِ الْعَلَوِيُّ الْهَرَوِيُّ، وَكَانَ خِصِّيصًا بِغِيَاثِ الدِّينِ بِحَيْثُ يَفْعَلُ فِي مُلْكِهِ مَا يَخْتَارُ فَلَا يُخَالَفُ، فَجَاءَ الْعَلَوِيُّ وَيَدُهُ فِي يَدِ أَلْب غَازِي ابْنِ أُخْتِ غِيَاثِ الدِّينِ، وَقَدْ كَتَبُوا الْكِتَابَ، وَقَدْ أَحْضَرَ غِيَاثُ الدِّينِ أَخَاهُ شِهَابَ الدِّينِ وَبَهَاءَ الدِّينِ سَامَ مَلِكِ الْبَامِيَانِ، فَجَاءَ الْعَلَوِيُّ كَأَنَّهُ يَسَارُ غِيَاثِ الدِّينِ، وَوَقَفَ فِي وَسَطِ الْحَلْقَةِ، وَقَالَ لِلرَّسُولِ: يَا فُلَانُ! تَقُولُ لِسُلْطَان شَاهْ: قَدْ تَمَّ لَكَ الصُّلْحُ مِنْ جَانِبِ السُّلْطَانِ الْأَعْظَمِ، وَمِنْ شِهَابِ الدِّينِ، وَبَهَاءِ الدِّينِ، وَيَقُولُ لَكَ الْعَلَوِيُّ خَصْمُكَ: أَنَا وَمَوْلَانَا أَلْب غَازِي بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ السَّيْفُ، ثُمَّ صَرَخَ صَرْخَةً وَمَزَّقَ ثِيَابَهُ، وَحَثَا التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ وَأَقْبَلَ عَلَى غِيَاثِ الدِّينِ، وَقَالَ لَهُ: هَذَا وَاحِدٌ طَرَدَهُ

стр. 5605

أَخُوهُ، وَأَخْرَجَهُ فَرِيدًا وَحِيدًا، لِمَ تَتْرُكْ لَهُ مَا مَلَكْنَاهُ بِأَسْيَافِنَا مِنَ الْغُزِّ وَالْأَتْرَاكِ السَّنْجَرِيَّةِ؟ فَإِذَا سَمِعَ هَذَا عَنَّا يَجِيءُ أَخُوهُ يَطْلُبُ مُنَازَعَتَهُ الْهِنْدَ وَجَمِيعَ مَا بِيَدِكَ، فَحَرَّكَ غِيَاثُ الدِّينِ رَأْسَهُ وَلَمْ يَتَفَوَّهْ بِكَلِمَةٍ، فَقَالَ مَلِكُ سِجِسْتَانَ لِلْعَلَوِيِّ: اتْرُكِ الْأَمْرَ يَنْصَلِحْ. فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمْ غِيَاثُ الدِّينِ مَعَ الْعَلَوِيِّ قَالَ شِهَابُ الدِّينِ لِجَاوَوِشِيتِهَ: نَادَوْا فِي الْعَسْكَرِ بِالتَّجَهُّزِ لِلْحَرْبِ، وَالتَّقَدُّمِ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ، وَقَامَ، وَأَنْشَدَ الْعَلَوِيُّ بَيْتًا مِنَ الشِّعْرِ عَجَمِيًّا مَعْنَاهُ: إِنِ الْمَوْتَ تَحْتَ السُّيُوفِ أَسْهَلُ مِنَ الرِّضَى بِالدَّنِيَّةِ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ إِلَى سُلْطَان شَاهْ، وَأَعْلَمَهُ الْحَالَ، فَرَتَّبَ عَسَاكِرَهُ لِلْمَصَافِّ، وَالْتَقَى الْفَرِيقَانِ وَاقْتَتَلُوا، فَصَبَرُوا لِلْحَرْبِ، فَانْهَزَمَ سُلْطَان شَاهْ وَعَسْكَرُهُ، وَأُخِذَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ أَسْرَى، فَأَطْلَقَهُمْ غِيَاثُ الدِّينِ، وَدَخَلَ سُلْطَان شَاهْ مَرْوَ فِي عِشْرِينَ فَارِسًا، وَلَحِقَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ نَحْوُ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ. وَلَمَّا سَمِعَ خُوَارَزْم شَاهْ تُكَشُ بِمَا جَرَى لِأَخِيهِ سَارَ مِنْ خُوَارَزْمَ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ وَأَرْسَلَ إِلَى جَيْحُونَ ثَلَاثَةَ آلَافِ فَارِسٍ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلَى أَخِيهِ إِنْ أَرَادَ الْخَطَا، وَجَدَّ فِي السَّيْرِ لِيَقْبِضَ عَلَى أَخِيهِ قَبْلَ أَنْ يَقْوَى، فَأَتَتِ الْأَخْبَارُ سُلْطَان شَاهْ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى عُبُورِ جَيْحُونَ إِلَى الْخَطَا، فَسَارَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ وَكَتَبَ إِلَيْهِ يُعْلِمُهُ قَصْدَهُ إِلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَى هَرَاةَ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِهِ بِإِكْرَامِهِ وَاحْتِرَامِهِ وَحَمْلِ الْإِقَامَاتِ إِلَيْهِ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، وَقَدِمَ عَلَى غِيَاثِ الدِّينِ، وَالْتَقَاهُ، وَأَكْرَمَهُ وَأَنْزَلَهُ مَعَهُ فِي دَارِهِ، وَأَنْزَلَ أَصْحَابُ سُلْطَان شَاهْ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ عِنْدَ مَنْ هُوَ فِي طَبَقَتِهِ، فَأَنْزَلَ الْوَزِيرَ عِنْدَ وَزِيرِهِ وَالْعَارِضَ عِنْدَ عَارَضِهِ، وَكَذَلِكَ غَيْرَهُمْ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ حَتَّى انْسَلَخَ الشِّتَاءُ، فَأَرْسَلَ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ خُوَارَزْم شَاهْ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يُذَكِّرُهُ مَا صَنَعَهُ أَخُوهُ سُلْطَان شَاهْ مَعَهُ مِنْ تَخْرِيبِ بِلَادِهِ، وَجَمْعِ الْعَسَاكِرِ عَلَيْهِ، وَيُشِيرُ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَرَدِّهِ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ الرَّسُولَ، وَإِذْ قَدْ أَتَاهُ كِتَابُ نَائِبِهِ بِهَرَاةَ يُخْبِرُهُ أَنَّ كِتَابَ خُوَارَزْم شَاهْ جَاءَهُ يَتَهَدَّدُهُ، فَأَجَابَهُ أَنَّهُ لَا يُظْهِرُ لِخُوَارَزْم شَاهْ أَنَّهُ أَعْلَمَهُ بِالْحَالِ، وَأَحْضَرَ الرَّسُولَ، وَقَالَ لَهُ: تَقُولُ لِعَلَاءِ الدِّينِ: أَمَّا قَوْلُكَ إِنَّ سُلْطَانَ شَاهْ أَخْرَبَ الْبِلَادَ وَأَرَادَ مُلْكَهَا، فَلَعَمْرِي إِنَّهُ مَلِكٌ وَابْنُ مَلِكٍ، وَلَهُ هِمَّةٌ عَالِيَةٌ، وَإِذَا أَرَادَ الْمُلْكَ، فَمِثْلُهُ أَرَادَهُ، وَلِلْأُمُورِ مُدَبِّرٌ يُوصِلُهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، وَقَدِ الْتَجَأَ إِلَيَّ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَنْزَاحَ عَنْ بِلَادِهِ، وَتُعْطِيَهُ نَصِيبَهُ مِمَّا خَلَّفَ أَبُوهُ، وَمِنَ الْأَمْلَاكِ الَّتِي خَلَّفَ، وَالْأَمْوَالِ،

стр. 5606

وَأَحْلِفُ لَكُمَا يَمِينًا عَلَى الْمَوَدَّةِ وَالْمُصَافَاةِ، وَتَخْطُبُ لِي بِخُوَارَزْمَ، وَتُزَوِّجُ أَخِي شِهَابَ الدِّينِ بِأُخْتِكَ. فَلَمَّا سَمِعَ خُوَارَزْم شَاهِ الرِّسَالَةَ امْتَعَضَ لِذَلِكَ، وَكَتَبَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ كِتَابًا يَتَهَدَّدُهُ بِقَصْدِ بِلَادِهِ، فَجَهَّزَ غِيَاثُ الدِّينِ الْعَسَاكِرَ مَعَ ابْنِ أُخْتِ أَلْب غَازِي وَصَاحِبِ سِجِسْتَانَ، وَسَيَّرَهُمَا مَعَ سُلْطَان شَاهْ إِلَى خُوَارَزْمَ، وَكَتَبَ إِلَى الْمُؤَيَّدِ صَاحِبِ نَيْسَابُورَ يَسْتَنْجِدُهُ، وَكَانَ قَدْ صَارَ بَيْنَهُمَا مُصَاهَرَةٌ: زَوَّجَ الْمُؤَيَّدُ ابْنَهُ طُغَانَ بِابْنَةِ غِيَاثِ الدِّينِ، فَجَمَعَ الْمُؤَيَّدُ عَسَاكِرَهُ، وَأَقَامَ بِظَاهِرِ نَيْسَابُورَ عَلَى طَرِيقِ خُوَارَزْمَ. وَكَانَ خُوَارَزْم شَاهْ قَدْ سَارَ عَنْ خُوَارَزْمَ إِلَى لِقَاءِ عَسْكَرِ الْغُورِيَّةِ الَّذِينَ مَعَ أَخِيهِ سُلْطَان شَاهْ، وَقَدْ نَزَلُوا بِطَرَفِ الرَّمْلِ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي مَسِيرِهِ أَتَاهُ خَبَرُ الْمُؤَيَّدِ أَنَّهُ قَدْ جَمَعَ عَسَاكِرَهُ، وَأَنَّهُ عَلَى قَصْدِ خُوَارَزْمَ إِذَا فَارَقَهَا، فَسُقِطَ فِي يَدَيْهِ وَعَادَ فَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ، وَعَادَ إِلَى خُوَارَزْمَ، فَأَخَذَ أَمْوَالَهُ وَذَخَائِرَهُ وَعَبَرَ جَيْحُونَ إِلَى الْخَطَا، وَأَخْلَى خُوَارَزْمَ فَوَقَعَ بِهَا خَبْطٌ عَظِيمٌ، فَحَضَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِهَا عِنْدَ أَلْب غَازِي وَسَأَلُوهُ إِرْسَالَ أَمِيرٍ مَعَهُمْ يَضْبُطُ الْبَلَدَ، فَخَافَ أَنْ تَكُونَ مَكِيدَةً، فَلَمْ يَفْعَلْ. فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ تُوُفِّيَ سُلْطَان شَاهْ، سَلْخَ رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَكَتَبَ أَلْب غَازِي إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يُعْلِمُهُ الْخَبَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْعَوْدِ إِلَيْهِ، فَرَجَعَ وَمَعَهُ أَصْحَابُ سُلْطَان شَاهْ، فَأَمَرَ غِيَاثُ الدِّينِ بِأَنْ يُسْتَخْدَمُوا، وَأَقْطَعَ الْأَجْنَادَ الْإِقْطَاعَاتِ الْجَيِّدَةِ، وَكُلُّهُمْ قَابَلَ إِحْسَانَهُ بِكُفْرَانٍ، وَسَنَذْكُرُهُ بَاقِي أَخْبَارِهِمْ. وَلَمَّا سَمِعَ خُوَارَزْم شَاهْ تُكَشُ بِوَفَاةِ أَخِيهِ عَادَ إِلَى خُوَارَزْمَ، وَأَرْسَلَ إِلَى سَرْخَسَ وَمَرْوَ شَحْنَاءَ، فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ أَمِيرُ هَرَاةَ عُمَرُ الْمَرْغَنِيُّ جَيْشًا، فَأَخْرَجُوهُمْ، وَقَالَ: حَتَّى نَسْتَأْذِنَ السُّلْطَانَ غِيَاثَ الدِّينِ، وَأَرْسَلَ خُوَارَزْم شَاهْ رَسُولًا إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يَطْلُبُ الصُّلْحَ وَالْمُصَاهَرَةَ، وَسَيَّرَ مَعَ رَسُولِهِ جَمَاعَةً مِنْ فُقَهَاءِ خُرَاسَانَ وَالْعَلَوِيِّينَ، وَمَعَهُمْ وَجِيهُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودٍ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ غِيَاثَ الدِّينِ شَافِعِيًّا، وَكَانَ لَهُ عِنْدَهُ

стр. 5607

مَنْزِلَةٌ كَبِيرَةٌ، فَوَعَظُوهُ، وَخَوَّفُوهُ اللَّهَ تَعَالَى، وَأَعْلَمُوهُ أَنَّ خُوَارَزْم شَاهْ يُرَاسِلُهُمْ وَيَتَهَدَّدُهُمْ بِأَنَّهُ يَجِيءُ بِالْأَتْرَاكِ وَالْخَطَا وَيَسْتَبِيحُ حَرِيمَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَقَالُوا لَهُ: إِمَّا أَنْ تَحْضُرَ أَنْتَ بِنَفْسِكَ، وَتَجْعَلَ مَرْوَ دَارَ مُلْكِكَ، حَتَّى يَنْقَطِعَ طَمَعُ الْكَافِرِينَ عَنِ الْبِلَادِ وَيَأْمَنَ أَهْلُهَا، وَإِمَّا أَنْ تُصَالِحَ خُوَارَزْم شَاهْ، فَأَجَابَ إِلَى الصُّلْحِ وَتَرَكَ مُعَارَضَةَ الْبِلَادِ. فَلَمَّا سَمِعَ مَنْ بِخُرَاسَانَ مِنَ الْغُزِّ بِذَلِكَ طَمِعُوا فِي الْبِلَادِ، فَعَاوَدُوا النَّهْبَ وَالْإِحْرَاقَ وَالتَّخْرِيبَ، فَسَمِعَ خُوَارَزْم شَاهْ فَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَحَضَرَ بِخُرَاسَانَ، وَدَخَلَ مَرْوَ وَسَرْخَسَ وَنَسَا وَأَبْيُوَرْدَ وَغَيْرَهَا، وَأَصْلَحَ الْبِلَادَ، وَتَطَرَّقَ إِلَى طُوسَ وَهِيَ لِلْمُؤَيَّدِ صَاحِبِ نَيْسَابُورَ، فَجَمَعَ الْمُؤَيَّدُ جُيُوشَهُ وَسَارَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُؤَيَّدُ بِعَوْدِ خُوَارَزْم شَاهْ طَمِعَ فِيهِ وَتَبِعَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ خُوَارَزْم شَاهْ بِذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى الْمَنَاهِلِ الَّتِي فِي الْبَرِّيَّةِ فَأَلْقَى فِيهَا الْجِيَفَ وَالتُّرَابَ بِحَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ الِانْتِفَاعُ بِهَا. فَلَمَّا تَوَسَّطَ الْمُؤَيَّدُ الْبَرِّيَّةَ طَلَبَ الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَجَاءَ خُوَارَزْم شَاهْ إِلَيْهِ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، وَمَعَهُ الْمَاءُ عَلَى الْجِمَالِ، فَأَحَاطَ بِهِ، فَأَمَّا عَسْكَرُهُ فَاسْتَسْلَمُوا بِأَسْرِهِمْ، وَجِيءَ بِالْمُؤَيَّدِ أَسِيرًا إِلَى خُوَارَزْم شَاهْ، فَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا مُخَنَّثُ هَذَا فِعَالُ النَّاسِ؟ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، وَقَتَلَهُ وَحَمَلَ رَأْسَهُ إِلَى خُوَارَزْمَ. فَلَمَّا قُتِلَ مَلِكُ نَيْسَابُورَ مَلَكَ مَا كَانَ لَهُ ابْنُهُ طُغَان شَاهْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ قَابِلَ جَمَعَ خُوَارَزْم شَاهْ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَحَاصَرَهَا وَقَاتَلَهَا، فَمَنَعَهُ طُغَان شَاهْ، فَعَادَ عَنْهُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ طُغَان شَاهْ، فَقَاتَلَهُ، فَأَسَرَ طُغَان شَاهْ، وَأَخَذَهُ، وَزَوَّجَهُ أُخْتَهُ، وَحَمَلَهُ مَعَهُ إِلَى خُوَارَزْمَ، وَمَلَكَ نَيْسَابُورَ وَجَمِيعَ مَا كَانَ لِطُغَان شَاهْ مِنَ الْمُلْكِ وَعَظُمَ شَأْنُهُ وَقَوِيَ أَمْرُهُ. هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ لَفَعَلْتُ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ قَدَّمَ مَا أَخَّرَهُ الْآخَرُ، فَلِهَذَا أَوْرَدْنَا جَمِيعَ مَا قَالَاهُ، وَلِبُعْدِ الْبِلَادِ عَنَّا لَمْ نَعْلَمْ أَيَّ الْقَوْلَيْنِ أَصَحَّ لِنَذْكُرَهُ وَنَتْرُكَ الْآخَرَ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَتْهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ أَيَّامَ سُلْطَان شَاهْ لَمْ تُطِلْ لَهُ وَلِأَعْقَابِهِ حَتَّى تَتَفَرَّقَ عَلَى السِّنِينَ، فَلِهَذَا أَوْرَدْتُهَا مُتَتَابِعَةً.

стр. 5608

ذِكْرُ غَارَةِ الْفِرِنْجِ عَلَى بَلَدِ حَوْرَانَ وَغَارَةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَلَدِ الْفِرِنْجِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، اجْتَمَعَتِ الْفِرِنْجُ وَسَارُوا إِلَى بَلَدِ حَوْرَانَ مِنْ أَعْمَالِ دِمَشْقَ لِلْغَارَةِ عَلَيْهِ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى نُورِ الدِّينِ وَكَانَ قَدْ بَرَزَ وَنَزَلَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ بِالْكُسْوَةِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ مُجِدًّا، وَقَدِمَ بِجُمُوعِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا عَلِمُوا بِقُرْبِهِ مِنْهُمْ دَخَلُوا إِلَى السَّوَادِ، وَهُوَ مِنْ أَعْمَالِ دِمَشْقَ أَيْضًا، وَلَحِقَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَتَخَطَّفُوا مَنْ فِي سَاقَتِهِمْ وَنَالُوا مِنْهُمْ، وَسَارَ نُورُ الدِّينِ فَنَزَلَ فِي عَشْتَرَا، وَسَيَّرَ مِنْهَا سَرِيَّةً إِلَى أَعْمَالِ طَبَرِيَّةَ، فَشَنُّوا الْغَارَاتِ عَلَيْهَا، فَنَهَبُوا وَسَبَوْا، وَأَحْرَقُوا وَخَرَّبُوا، فَسَمِعَ الْفِرِنْجُ ذَلِكَ، فَرَحَلُوا إِلَيْهِمْ ; لِيَمْنَعُوا عَنْ بَلَدِهِمْ، فَلَمَّا وَصَلُوا كَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ فَرَغُوا مِنْ نَهْبِهِمْ وَغَنِيمَتِهِمْ، وَعَادُوا، وَعَبَرُوا النَّهْرَ. وَأَدْرَكَهُمُ الْفِرِنْجُ، فَوَقَفَ مُقَابِلَهُمْ شُجْعَانُ الْمُسْلِمِينَ وَحُمَاتُهُمْ يُقَاتِلُونَهُمْ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، الْفِرِنْجُ يَرُومُونَ أَنْ يَلْحَقُوا الْغَنِيمَةَ فَيَرُدُّوهَا، وَالْمُسْلِمُونَ يُرِيدُونَ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ عَنْهَا لِيَنْجُوَ بِهَا مَنْ قَدْ سَارَ مَعَهَا، فَلَمَّا طَالَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، وَأَبْعَدَتِ الْغَنِيمَةُ وَسَلِمَتْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ عَادَ الْفِرِنْجُ وَلَمْ يَقْدِرُوا [أَنْ] يَسْتَرِدُّوا مِنْهَا شَيْئًا. ذِكْرُ مَسِيرِ شَمْسِ الدَّوْلَةِ إِلَى بَلَدِ النُّوبَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، سَارَ شَمْسُ الدَّوْلَةِ تُورَان شَاهْ بْنُ أَيُّوبَ أَخُو صَلَاحِ الدِّينِ الْأَكْبَرِ مِنْ مِصْرَ إِلَى بَلَدِ النُّوبَةِ، فَوَصَلَ إِلَى أَوَّلِ بِلَادِهِمْ ; لِيَتَغَلَّبَ عَلَيْهِ وَيَتَمَلَّكَهُ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ وَأَهْلَهُ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ نُورَ الدِّينِ كَانَ عَلَى عَزْمِ الدُّخُولِ إِلَى مِصْرَ وَأَخْذِهَا مِنْهُمْ، فَاسْتَقَرَّ الرَّأْيُ بَيْنَهُمْ أَنَّهُمْ يَتَمَلَّكُونَ إِمَّا بِلَادَ النُّوبَةِ أَوْ بِلَادَ الْيَمَنِ، حَتَّى إِذَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ نُورُ الدِّينِ لَقُوهُ وَصَدُّوهُ عَنِ الْبِلَادِ، فَإِنْ قَوُوا عَلَى مَنْعِهِ أَقَامُوا بِمِصْرَ، وَإِنْ عَجَزُوا عَنْ مَنْعِهِ رَكِبُوا الْبَحْرَ وَلَحِقُوا بِالْبِلَادِ الَّتِي قَدِ افْتَتَحُوهَا، فَجَهَّزَ شَمْسُ الدَّوْلَةِ وَسَارَ إِلَى أَسْوَانَ، وَمِنْهَا إِلَى بَلَدِ النُّوبَةِ، فَنَازَلَ قَلْعَةً اسْمُهَا

стр. 5609

أَبْرِيمُ، فَحَصَرَهَا، وَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِقِتَالِ الْعَسْكَرِ الْإِسْلَامِيِّ قُوَّةٌ ; لِأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ جُنَّةٌ تَقِيهِمُ السِّهَامَ وَغَيْرَهَا مِنْ آلَةِ الْحَرْبِ، فَسَلَّمُوهَا، فَمَلَكَهَا، وَأَقَامَ بِهَا، وَلَمْ يَرَ لِلْبِلَادِ دَخْلًا يُرْغَبُ فِيهِ وَتُحْتَمَلُ الْمَشَقَّةُ لِأَجْلِهِ، وَقُوتُهُمُ الذُّرَةُ، فَلَمَّا رَأَى عَدَمَ الْحَاصِلِ، وَقَشَفَ الْعَيْشِ مَعَ مُبَاشَرَةِ الْحُرُوبِ وَمُعَانَاةِ التَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ، تَرَكَهَا وَعَادَ إِلَى مِصْرَ بِمَا غَنِمَ، وَكَانَ عَامَّةُ غَنِيمَتِهِمِ الْعَبِيدَ وَالْجَوَارِيَ. ذِكْرُ ظَفَرٍ لِمُلَيْحِ بْنِ لِيُونَ بِالرُّومِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، هَزَمَ مُلَيْحُ بْنُ لِيُونَ الْأَرْمَنِيُّ، صَاحِبُ بِلَادِ الدُّرُوبِ الْمُجَاوِرَةِ لِحَلَبَ، عَسْكَرَ الرُّومِ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ نُورَ الدِّينِ كَانَ قَدِ اسْتَخْدَمَ مُلَيْحًا الْمَذْكُورَ، وَأَقْطَعَهُ إِقْطَاعًا سَنِيًّا، وَكَانَ مُلَازِمَ الْخِدْمَةِ لِنُورِ الدِّينِ، وَمُشَاهِدًا لِحُرُوبِهِ مَعَ الْفِرِنْجِ، وَمُبَاشِرًا لَهَا، وَكَانَ هَذَا مِنْ جَيِّدِ الرَّأْيِ وَصَائِبِهِ، فَإِنَّ نُورَ الدِّينِ لَمَّا قِيلَ لَهُ فِي مَعْنَى اسْتِخْدَامِهِ وَإِعْطَائِهِ الْأَقْطَاعَ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ قَالَ: أَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ مِلَّتِهِ، وَأُرِيحُ طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِي تَكُونُ بِإِزَائِهِ لِتَمْنَعَهُ مِنَ الْغَارَةِ عَلَى الْبِلَادِ الْمُجَاوِرَةِ لَهُ. وَكَانَ مُلَيْحٌ أَيْضًا يَتَقَوَّى بِنُورِ الدِّينِ عَلَى مَنْ يُجَاوِرُهُ مِنَ الْأَرْمَنِ وَالرُّومِ، وَكَانَتْ مَدِينَةُ أَدِنَةَ وَالْمِصِّيصَةِ وَطَرْسُوسَ بِيَدِ مَلِكِ الرُّومِ، صَاحِبِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَأَخَذَهَا مُلَيْحٌ مِنْهُمْ لِأَنَّهَا تُجَاوِرُ بِلَادَهُ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ مَلِكُ الرُّومِ جَيْشًا كَثِيفًا، وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ بَعْضَ أَعْيَانِ الْبَطَارِقَةِ مَنْ أَقَارِبِهِ، فَلَقِيَهُمْ مُلَيْحٌ وَمَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ عَسْكَرِ نُورِ الدِّينِ، فَقَاتَلَهُمْ، وَصَدَقَهُمُ الْقِتَالَ، وَصَابَرَهُمْ، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ، وَكَثُرَ فِيهِمُ الْقَتْلُ وَالْأَسْرُ، وَقَوِيَتْ شَوْكَةُ مُلَيْحٍ، وَانْقَطَعَ أَمَلُ الرُّومِ مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ.

стр. 5610

وَأَرْسَلَ مُلَيْحٌ إِلَى نُورِ الدِّينِ كَثِيرًا مِنْ غَنَائِمِهِمْ وَمِنَ الْأَسْرَى ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ مَشْهُورِيهِمْ وَأَعْيَانِهِمْ، فَسَيَّرَ نُورُ الدِّينِ بَعْضَ ذَلِكَ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَضِيءِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَكَتَبَ يَعْتَدُّ بِهَذَا لِأَنَّ بَعْضَ جُنْدِهِ فَعَلُوهُ. ذِكْرُ وَفَاةِ إِيلْدِكْزَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَتَابِكُ إِيلْدِكْزُ بِهَمَذَانَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ الْبَهْلَوَانُ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَكَانَ إِيلْدِكْزُ هَذَا مَمْلُوكًا لِلْكَمَالِ السُّمَيْرَمِيِّ، وَزِيرِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، فَلَمَّا قُتِلَ الْكَمَالُ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، صَارَ إِيلْدِكْزُ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، فَلَمَّا وَلِيَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ السَّلْطَنَةَ وَلَّاهُ أَرَّانِيَّةَ، فَمَضَى إِلَيْهَا، وَلَمْ يَعُدْ يَحْضُرُ عِنْدَ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ وَلَا غَيْرِهِ، ثُمَّ مَلَكَ أَكْثَرَ أَذْرَبِيجَانَ وَبِلَادَ الْجَبَلِ وَهَمَذَانَ وَغَيْرَهَا، وَأَصْفَهَانَ وَالرَّيَّ وَمَا وَالَاهُمَا مِنَ الْبِلَادِ، وَخَطَبَ بِالسَّلْطَنَةِ لِابْنِ امْرَأَتِهِ أَرْسِلَان شَاهْ بْنِ طُغْرُلَ، وَكَانَ عَسْكَرُهُ خَمْسِينَ أَلْفِ فَارِسٍ سِوَى الْأَتْبَاعِ، وَاتَّسَعَ مُلْكُهُ مِنْ بَابِ تَفْلِيسَ إِلَى كَرْمَانَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ أَرْسِلَان شَاهْ مَعَهُ حُكْمٌ إِنَّمَا كَانَ لَهُ جِرَايَةً تَصِلُ إِلَيْهِ. وَبَلَغَ مَنْ تَحَكُّمِهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَرِبَ لَيْلَةً، فَوَهَبَ مَا فِي خِزَانَتِهِ، وَكَانَ كَثِيرًا، فَلَمَّا سَمِعَ إِيلْدِكْزُ بِذَلِكَ اسْتَعَادَهُ جَمِيعَيَهُ، وَقَالَ لَهُ: مَتَى أَخْرَجْتَ الْمَالَ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ، أَخَذْتَهُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ، وَظَلَمْتَ الرَّعِيَّةَ. وَكَانَ إِيلْدِكْزُ عَاقِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، يَجْلِسُ بِنَفْسِهِ لِلرَّعِيَّةِ، وَيَسْمَعُ شَكَاوِيهِمْ، وَيُنْصِفُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ.

стр. 5611

ذِكْرُ وَصُولِ التُّرْكِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَمُلْكِهِمْ طَرَابُلُسَ وَغَيْرَهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ طَائِفَةٌ مِنَ التُّرْكِ مِنْ دِيَارِ مِصْرَ مَعَ قَرَاقُوشَ مَمْلُوكِ تَقِيِّ الدِّينِ عُمَرَ ابْنِ أَخِي صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ، إِلَى جِبَالِ نَفُوسَةَ، وَاجْتَمَعَ بِهِ مَسْعُودُ بْنُ زِمَامٍ الْمَعْرُوفُ بِمَسْعُودٍ الْبَلَّاطِ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ أُمَرَاءِ الْعَرَبِ هُنَاكَ، وَكَانَ خَارِجًا عَنْ طَاعَةِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَأَوْلَادِهِ، فَاتَّفَقَا، وَكَثُرَ جَمْعُهُمَا، وَنَزَلَا عَلَى طَرَابُلُسَ الْغَرْبِ، فَحَاصَرَاهَا، وَضَيَّقَا عَلَى أَهْلِهَا، ثُمَّ فُتِحَتْ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا قَرَاقُوشُ، وَأَسْكَنَ أَهْلَهُ قَصْرَهَا، وَمَلَكَ كَثِيرًا مِنْ بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ مَا خَلَا الْمَهْدِيَّةَ، وَسَفَاقُسَ، وَقَفْصَةَ، وَتُونُسَ وَمَا وَالَاهَا مِنَ الْقُرَى وَالْمَوَاضِعِ. وَصَارَ مَعَ قَرَاقُوشَ عَسْكَرٌ كَثِيرٌ، فَحَكَمَ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ بِمُسَاعَدَةِ الْعَرَبِ بِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنَ التَّخْرِيبِ وَالنَّهْبِ، وَالْإِفْسَادِ بِقَطْعِ الْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَجَمَعَ بِهَا أَمْوَالًا عَظِيمَةً، وَجَعَلَهَا بِمَدِينَةِ قَابِسَ، وَقَوِيَتْ نَفْسُهُ، وَحَدَّثَتْهُ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى جَمِيعِ إِفْرِيقِيَّةَ ; لِبُعْدِ أَبِي يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ صَاحِبِهَا عَنْهَا، وَكَانَ مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ذِكْرُ غَزْوِ ابْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْفِرِنْجَ بِالْأَنْدَلُسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَمَعَ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ عَسَاكِرَهُ، وَسَارَ مِنْ إِشْبِيلِيَّةَ إِلَى الْغَزْوِ، فَقَصَدَ بِلَادَ الْفِرِنْجِ، وَنَزَلَ عَلَى مَدِينَةِ وَبْذَةَ، وَهِيَ بِالْقُرْبِ مِنْ طُلَيْطِلَةَ شَرْقًا مِنْهَا، وَحَصَرَهَا، وَاجْتَمَعَتِ الْفِرِنْجُ عَلَى ابْنِ الْأَذْفُونْشِ مَلِكِ طُلَيْطِلَةَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَلَمْ يُقْدِمُوا عَلَى لِقَاءِ الْمُسْلِمِينَ. فَاتَّفَقَ أَنَّ الْغَلَاءَ اشْتَدَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَعُدِمَتِ الْأَقْوَاتُ عِنْدَهُمْ، وَهُمْ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَاضْطَرُّوا إِلَى مُفَارَقَةِ بِلَادِ الْفِرِنْجِ، فَعَادُوا إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ.

стр. 5612

وَأَقَامَ أَبُو يَعْقُوبَ بِهَا إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يُجَهِّزُ الْعَسَاكِرَ وَيُسَيِّرُهَا إِلَى غَزْوِ بِلَادِ الْفِرِنْجِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَكَانَ فِيهَا عِدَّةُ وَقَائِعَ وَغَزَوَاتٍ ظَهَرَ فِيهَا مِنَ الْعَرَبِ مِنَ الشَّجَاعَةِ مَا لَا يُوصَفُ، وَصَارَ الْفَارِسُ مِنَ الْعَرَبِ يَبْرُزُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَيَطْلُبُ مُبَارَزَةَ الْفَارِسِ الْمَشْهُورِ مَنَ الْفِرِنْجِ، فَلَا يَبْرُزُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، ثُمَّ عَادَ أَبُو يَعْقُوبَ إِلَى مَرَّاكُشَ. ذِكْرُ نَهْبِ نَهَاوَنْدَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ نَهَبَ عَسْكَرُ شُمْلَةَ نَهَاوَنْدَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ شُمْلَةَ كَانَ أَيَّامَ إِيلْدِكْزَ لَا يَزَالُ يَطْلُبُ مِنْهُ نَهَاوَنْدَ ; لِكَوْنِهَا مُجَاوِرَةً بِلَادَهُ، وَيَبْذُلُ فِيهَا الْأَمْوَالَ، فَلَا يُجِيبُهُ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا مَاتَ إِيلْدِكْزُ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ مُحَمَّدٌ الْبَهْلَوَانُ، وَسَارَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ لِإِصْلَاحِهَا، أَنْفَذَ شُمْلَةُ ابْنَ أَخِيهِ ابْنَ سَنْكَا لِأَخْذِ نَهَاوَنْدَ، وَبَلَغَ أَهْلَ الْبَلَدِ الْخَبَرُ، فَتَحَصَّنُوا، وَحَصَرَهُمْ، وَقَاتَلَهُمْ وَقَاتَلُوهُ، وَأَفْحَشُوا فِي سَبِّهِ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِمْ رَجَعَ إِلَى تُسْتَرَ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْهَا، وَأَرْسَلَ أَهْلُ نَهَاوَنْدَ إِلَى الْبَهْلَوَانِ يَطْلُبُونَ مِنْهُ نَجْدَةً، فَتَأَخَّرَتْ عَنْهُمْ، فَلَمَّا اطْمَأَنُّوا خَرَجَ ابْنُ سَنْكَا مِنْ تُسْتَرَ فِي خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ جَرِيدَةً، وَسَارَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَقَطَعَ أَرْبَعِينَ فَرْسَخًا حَتَّى وَصَلَ إِلَى نَهَاوَنْدَ، وَضَرَبَ الْبُوقَ وَأَظْهَرَ أَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الْبَهْلَوَانِ، لِأَنَّهُ جَاءَهُمْ مِنْ نَاحِيَتِهِ، فَفَتَحَ أَهْلُ الْبَلَدِ لَهُ الْأَبْوَابَ، فَدَخَلَهُ، فَلَمَّا تَوَسَّطَ قَبَضَ عَلَى الْقَاضِي وَالرُّؤَسَاءِ وَصَلَبَهُمْ، وَنَهَبَ الْبَلَدَ وَأَحْرَقَهُ، وَقَطَعَ أَنْفَ الْوَالِي وَأَطْلَقَهُ، وَتَوَجَّهَ نَحْوَ مَاسَبَذَانَ قَاصِدًا لِلْعِرَاقِ. ذِكْرُ قَصْدِ نُورِ الدِّينِ بِلَادَ قَلْجِ أَرْسِلَان فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِي إِلَى مَمْلَكَةِ عِزِّ الدِّينِ قَلْجِ أَرْسِلَان بْنِ مَسْعُودِ بْنِ قَلْجِ أَرْسِلَان، وَهِيَ مَلَطْيَةُ، وَسِيوَاسُ، وَأَقْصَرَا وَغَيْرِهَا، عَازِمًا عَلَى حَرْبِهِ وَأَخْذِ بِلَادِهِ مِنْهُ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ ذَا النُّونِ بْنَ دَانِشْمَنْدَ صَاحِبَ مَلَطْيَةَ وَسِيوَاسَ قَصَدَهُ قَلْجُ

стр. 5613

أَرْسِلَان، وَأَخَذَ بِلَادَهُ، وَأَخْرَجَهُ عَنْهَا طَرِيدًا فَرِيدًا، فَسَارَ إِلَى نُورِ الدِّينِ مُسْتَجِيرًا بِهِ، وَمُلْتَجِئًا إِلَيْهِ، فَأَكْرَمَ نُزُلَهُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَحَمَلَ لَهُ مَا يَلِيقُ أَنْ يُحْمَلَ إِلَى الْمُلُوكِ، وَوَعَدَهُ النُّصْرَةَ وَالسَّعْيَ فِي رَدِّ مُلْكِهِ إِلَيْهِ. ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى قَلْجِ أَرْسِلَان يَشْفَعُ إِلَيْهِ فِي إِعَادَةِ بِلَادِ ذِي النُّونِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَسَارَ نُورُ الدِّينِ إِلَيْهِ، فَابْتَدَأَ بِكَيْسُونَ، وَبَهَسْنا، وَمَرْعَشَ، وَمَرْزُبَانَ، فَمَلَكَهَا وَمَا بَيْنَهَا، وَكَانَ مُلْكُهُ لِمَرْعَشَ أَوَائِلَ ذِي الْقَعْدَةِ، وَالْبَاقِي بَعْدَهَا، فَلَمَّا مَلَكَهَا سَيَّرَ طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِهِ إِلَى سِيوَاسَ، فَمَلَكُوهَا. وَكَانَ قَلْجُ أَرْسِلَان لَمَّا سَارَ نُورُ الدِّينِ إِلَى بِلَادِهِ قَدْ سَارَ مِنْ طَرَفِهَا الَّذِي يَلِيَ الشَّامَ إِلَى وَسَطِهَا، وَرَاسَلَ نُورَ الدِّينِ يَسْتَعْطِفُهُ، وَيَسْأَلُهُ الصُّلْحَ، فَتَوَقَّفَ نُورُ الدِّينِ عَنْ قَصْدِهِ رَجَاءَ أَنْ يَنْصَلِحَ الْأَمْرُ بِغَيْرِ حَرْبٍ، فَأَتَاهُ عَنِ الْفِرِنْجِ مَا أَزْعَجَهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى الصُّلْحِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُنْجِدَهُ بِعَسَاكِرَ إِلَى الْغَزَاةِ، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ مُجَاوِرُ الرُّومِ وَلَا تَغْزُوهُمْ، وَبِلَادُكَ قِطْعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْغَزَاةِ مَعِي، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَتَبْقَى سِيوَاسُ عَلَى حَالِهَا بِيَدِ نُوَّابِ نُورِ الدِّينِ وَهِيَ لِذِي النُّونِ، فَبَقِيَ الْعَسْكَرُ بِهَا فِي خِدْمَةِ ذِي النُّونِ إِلَى أَنْ مَاتَ نُورُ الدِّينِ، فَلَمَّا مَاتَ رَحَلَ عَسْكَرُهُ عَنْهَا، وَعَادَ قَلْج أَرْسِلَان وَمَلَكَهَا، وَهِيَ بِيَدِ أَوْلَادِهِ إِلَى الْآنِ سَنَةَ عِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ. وَلَمَّا كَانَ نُورُ الدِّينِ فِي هَذِهِ السَّفْرَةِ جَاءَهُ رَسُولُ كَمَالِ الدِّينِ أَبِي الْفَضْلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّهْرَزُورِيِّ مِنْ بَغْدَادَ وَمَعَهُ مَنْشُورٌ مِنَ الْخَلِيفَةِ بِالْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ وَبِإِرْبَلَ وَخِلَاطِ الشَّامِ وَبِلَادِ قَلْجِ أَرْسِلَان وَدِيَارِ مِصْرَ.

стр. 5614

ذِكْرُ رَحِيلِ صَلَاحِ الدِّينِ مِنْ مِصْرَ إِلَى الْكَرَكِ وَعَوْدِهِ عَنْهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، رَحَلَ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ مِنْ مِصْرَ بِعَسَاكِرِهَا جَمِيعِهَا إِلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ يُرِيدُ حَصْرَ الْكَرَكِ، وَالِاجْتِمَاعَ مَعَ نُورِ الدِّينِ عَلَيْهِ، وَالِاتِّفَاقَ عَلَى قَصْدِ بِلَادِ الْفِرِنْجِ مِنْ جِهَتَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي جِهَةٍ بِعَسْكَرِهِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ نُورَ الدِّينِ لَمَّا أَنْكَرَ عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ عَوْدَهُ مِنْ بِلَادِ الْفِرِنْجِ فِي الْعَامِ الْمَاضِي، وَأَرَادَ نُورُ الدِّينِ قَصْدَ مِصْرَ وَأَخْذَهَا مِنْهُ، أَرْسَلَ يَعْتَذِرُ، وَيَعِدُ مِنْ نَفْسِهِ بِالْحَرَكَةِ عَلَى مَا يُقَرِّرُهُ نُورُ الدِّينِ، فَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ يَخْرُجُ مِنْ مِصْرَ وَيَسِيرُ نُورُ الدِّينِ مِنْ دِمَشْقَ، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ صَاحِبَهُ يُقِيمُ إِلَى أَنْ يَصِلَ الْآخَرُ إِلَيْهِ، وَتَوَاعَدَا عَلَى يَوْمٍ مَعْلُومٍ يَكُونُ وُصُولُهُمَا فِيهِ، فَسَارَ صَلَاحُ الدِّينِ عَنْ مِصْرَ لِأَنَّ طَرِيقَهُ أَصْعَبُ وَأَبْعَدُ وَأَشَقُّ، وَوَصَلَ إِلَى الْكَرَكِ وَحَصَرَهُ. وَأَمَّا نُورُ الدِّينِ فَإِنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ كِتَابُ صَلَاحِ الدِّينِ بِرَحِيلِهِ مِنْ مِصْرَ فَرَّقَ الْأَمْوَالَ، وَحَصَّلَ الْأَزْوَادَ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَسَارَ إِلَى الْكَرَكِ فَوَصَلَ إِلَى الرَّقِيمِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَرَكِ مَرْحَلَتَانِ. فَلَمَّا سَمِعَ صَلَاحُ الدِّينِ بِقُرْبِهِ خَافَهُ هُوَ وَجَمِيعُ أَهْلِهِ، وَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى مِصْرَ، وَتَرْكِ الْاجْتِمَاعِ بِنُورِ الدِّينِ، لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهُ إِنِ اجْتَمَعَا كَانَ عَزْلُهُ عَلَى نُورِ الدِّينِ سَهْلًا. فَلَمَّا عَادَ أَرْسَلَ الْفَقِيهَ عِيسَى إِلَى نُورِ الدِّينِ يَعْتَذِرُ عَنْ رَحِيلِهِ بِأَنَّهُ كَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَ أَبَاهُ نَجْمَ الدِّينِ أَيُّوبَ عَلَى دِيَارِ مِصْرَ، وَأَنَّهُ مَرِيضٌ شَدِيدُ الْمَرَضِ، وَيَخَافُ أَنْ يَحْدُثَ عَلَيْهِ حَادِثُ الْمَوْتِ فَتَخْرُجَ الْبِلَادُ عَنْ أَيْدِيهِمْ، وَأَرْسَلَ مَعَهُ [مِنَ] التُّحَفِ وَالْهَدَايَا مَا يَجِلُّ عَنِ الْوَصْفِ، فَجَاءَ الرَّسُولُ إِلَى نُورِ الدِّينِ وَأَعْلَمَهُ ذَلِكَ فَعَظُمَ عَلَيْهِ وَعَلِمَ الْمُرَادَ مِنَ الْعَوْدِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ لِلرَّسُولِ تَأَثُّرًا بَلْ قَالَ لَهُ: حِفْظُ مِصْرَ أَهَمُّ عِنْدَنَا مِنْ غَيْرِهَا. وَسَارَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى مِصْرَ فَوَجَدَ أَبَاهُ قَدْ قَضَى نَحْبَهُ وَلَحِقَ بِرَبِّهِ، وَرُبَّ كَلِمَةٍ تَقُولُ لِقَائِلِهَا دَعْنِي. وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِ نَجْمِ الدِّينِ أَنَّهُ رَكِبَ يَوْمًا فَرَسًا بِمِصْرَ، فَنَفَرَ بِهِ

стр. 5615

الْفَرَسُ نَفْرَةً شَدِيدَةً، فَسَقَطَ عَنْهُ فَحُمِلَ إِلَى قَصْرِهِ وَقِيذًا، وَبَقِيَ أَيَّامًا، وَمَاتَ فِي السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَ خَيِّرًا، عَاقِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ كَرِيمًا جَوَادًا، كَثِيرَ الْإِحْسَانِ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ، وَالْمُجَالَسَةِ لَهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِهِ وَابْتِدَاءِ أَمْرِهِ وَأَمْرِ أَخِيهِ شِيرِكُوهْ مَا لَا حَاجَةَ إِلَى إِعَادَتِهِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ زَادَتْ دِجْلَةُ زِيَادَةً كَثِيرَةً أَشْرَفَتْ [بِهَا] بَغْدَادُ عَلَى الْغَرَقِ فِي شَعْبَانَ، وَسَدُّوا أَبْوَابَ الدُّرُوبِ، وَوَصَلَ الْمَاءُ إِلَى قُبَّةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَوَصَلَ إِلَى النِّظَامِيَّةِ وَرِبَاطِ شَيْخِ الشُّيُوخِ، وَاشْتَغَلَ النَّاسُ بِالْعَمَلِ فِي الْقَوْرَجِ، ثُمَّ نَقَصَ وَكَفَى النَّاسَ شَرَّهُ. وَفِيهَا وَقَعَتِ النَّارُ بِبَغْدَادَ مِنْ دَرْبِ بَهْرُوزَ إِلَى بَابِ جَامِعِ الْقَصْرِ، وَمِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْ حَجَرِ النُّحَاسِ إِلَى دَارِ أُمِّ الْخَلِيفَةِ. وَفِيهَا أَغَارَ بَنُو حَزْنٍ مِنْ خَفَاجَةَ عَلَى سَوَادِ الْعِرَاقِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحِمَايَةَ كَانَتْ لَهُمْ لِسَوَادِ الْعِرَاقِ، فَلَمَّا تَمَكَّنَ يَزْدَنُ مِنَ الْبِلَادِ وَتَسَلَّمَ الْحِلَّةَ أَخَذَهَا مِنْهُمْ، وَجَعَلَهَا لِبَنِي كَعْبٍ مِنْ خَفَاجَةَ، وَأَغَارَ بَنُو حَزْنٍ عَلَى السَّوَادِ، فَسَارَ يَزْدَنُ فِي عَسْكَرٍ وَمَعَهُ الْغَضْبَانُ الْخَفَاجِيُّ، وَهُوَ مِنْ بَنِي كَعْبٍ، لِقِتَالِ بَنِي حَزْنٍ، فَبَيْنَمَا هُمْ سَائِرُونَ لَيْلًا رَمَى بَعْضُ الْجُنْدِ الْغَضْبَانَ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ لِفَسَادِهِ، وَكَانَ فِي السَّوَادِ، فَلَمَّا قُتِلَ عَادَ الْعَسْكَرُ إِلَى بَغْدَادَ وَأُعِيدَتْ خِفَارَةُ السَّوَادِ إِلَى بَنِي حَزْنٍ. وَفِيهَا خَرَجَ بُرْجُمُ الْإِيوَائِيُّ فِي جَمْعٍ مِنَ التُّرْكُمَانِ، [فِي حَيَاةِ إِيلْدِكْزَ] ، وَتَطَرَّقَ أَعْمَالَ هَمَذَانَ، وَنَهَبَ الدِّينَوَرَ، وَاسْتَبَاحَ الْحَرِيمَ.

стр. 5616

وَسَمِعَ إِيلْدِكْزُ الْخَبَرَ وَهُوَ بِنَقْجُوَانَ، فَسَارَ مُجِدًّا فِيمَنْ خَفَّ مَعَهُ مِنْ عَسْكَرِهِ، فَقَصَدَهُ، فَهَرَبَ بُرْجُمٌ إِلَى أَنْ قَارَبَ بَغْدَادَ، وَتَبِعَهُ إِيلْدِكْزُ فَظَنَّ الْخَلِيفَةُ أَنَّهَا حِيلَةٌ لِيَصِلَ إِلَى بَغْدَادَ فَجْأَةً، فَشَرَعَ فِي جَمْعِ الْعَسَاكِرِ وَعَمِلَ السُّورَ، فَأَرْسَلَ إِلَى إِيلْدِكْزَ الْخِلَعَ وَالْأَلْقَابَ الْكَبِيرَةَ، فَاعْتَذَرَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إِلَّا كَفَّ فَسَادِ هَؤُلَاءِ، وَلَمْ يَتَعَدَّ قَنْطَرَةَ خَانِقِينَ وَعَادَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ يَزْدَنُ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ أُمَرَاءِ بَغْدَادَ، وَكَانَ يَتَشَيَّعُ، فَوَقَعَ بِسَبَبِهِ فِتْنَةٌ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ بِوَاسِطَ لِأَنَّ الشِّيعَةَ جَلَسُوا لَهُ لِلْعَزَاءِ وَأَظْهَرَ السُّنَّةُ الشَّمَاتَةَ بِهِ فَآلَ الْأَمْرُ إِلَى الْقِتَالِ فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ جَمَاعَةٌ. وَلَمَّا مَاتَ أُقْطِعَ أَخُوهُ تُنَامُشُ مَا كَانَ لِأَخِيهِ وَهُوَ مَدِينَةُ وَاسِطَ، وَلُقِّبَ عَلَاءَ الدِّينِ. وَفِيهَا أَرْسَلَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِي رَسُولًا إِلَى الْخَلِيفَةِ، وَكَانَ الرَّسُولُ الْقَاضِيَ كَمَالَ الدِّينِ أَبَا الْفَضْلِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الشَّهْرَزُورِيَّ، قَاضِيَ بِلَادِهِ جَمِيعِهَا مَعَ الْوُقُوفِ وَالدِّيوَانِ، وَحَمَّلَهُ رِسَالَةً مَضْمُونُهَا الْخِدْمَةُ لِلدِّيوَانِ، وَمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَادِ الْكُفَّارِ، وَفَتْحِ بِلَادِهِمْ، وَيَطْلُبُ تَقْلِيدًا بِمَا بِيَدِهِ مِنَ الْبِلَادِ، مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ، وَبِمَا فِي طَاعَتِهِ كَدِيَارِ بَكْرٍ وَمَا يُجَاوِرُ ذَلِكَ كَخِلَاطَ وَبِلَادِ قَلَجِ أَرْسِلَانَ، وَأَنْ يُعْطَى مِنَ الْإِقْطَاعِ بِسَوَادِ الْعِرَاقِ مَا كَانَ لِأَبِيهِ زَنْكِي وَهُوَ: صَرِيفِينُ وَدَرْبُ هَارُونَ، وَالْتَمَسَ أَرْضًا عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ يَبْنِيهَا مَدْرَسَةً لِلشَّافِعِيَّةِ، وَيُوقِفُ عَلَيْهَا صَرِيفِينَ وَدَرْبَ هَارُونَ، فَأُكْرِمَ كَمَالُ الدِّينِ إِكْرَامًا لَمْ يُكْرَمْ بِهِ رَسُولٌ قَبْلَهُ، وَأُجِيبَ إِلَى مَا الْتَمَسَهُ، فَمَاتَ نُورُ الدِّينِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي بِنَاءِ الْمَدْرَسَةِ ﵀.

стр. 5617

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ] ٥٦٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ شَمْسِ الدَّوْلَةِ زَبِيدَ وَعَدَنَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ بِلَادِ الْيَمَنِ قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ يُوسُفَ بْنَ أَيُّوبَ، صَاحِبَ مِصْرَ، وَأَهْلَهُ كَانُوا يَخَافُونَ مِنْ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودَ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى مِصْرَ فَيَأْخُذَهَا مِنْهُمْ، فَشَرَعُوا فِي تَحْصِيلِ مَمْلَكَةٍ يَقْصِدُونَهَا وَيَتَمَلَّكُونَهَا تَكُونُ عِدَّةً لَهُمْ إِنْ أَخْرَجَهُمْ نُورُ الدِّينِ مِنْ مِصْرَ سَارُوا إِلَيْهَا وَأَقَامُوا بِهَا، فَسَيَّرُوا شَمْسَ الدَّوْلَةِ تُورَانْشَاهْ بْنَ أَيُّوبَ، وَهُوَ أَخُو صَلَاحِ الدِّينِ الْأَكْبَرِ، إِلَى بَلَدِ النُّوبَةِ، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ. فَلَمَّا عَادَ إِلَى مِصْرَ اسْتَأْذَنُوا نُورَ الدِّينِ فِي أَنْ يَسِيرَ إِلَى الْيَمَنِ لِقَصْدِ عَبْدِ النَّبِيِّ، صَاحِبِ زَبِيدَ [وَأَخْذِ بَلَدِهِ] لِأَجْلِ قَطْعِ الْخُطْبَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، فَأَذِنَ فِي ذَلِكَ. وَكَانَ بِمِصْرَ شَاعِرٌ اسْمُهُ عُمَارَةُ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَكَانَ يُحَسِّنُ لِشَمْسِ الدَّوْلَةِ قَصْدَ الْيَمَنِ، وَيَصِفُ الْبِلَادَ لَهُ، وَيُعَظِّمُ ذَلِكَ فِي عَيْنِهِ، فَزَادَهُ قَوْلُهُ رَغْبَةً فِيهَا، فَشَرَعَ يَتَجَهَّزُ وَيُعِدُّ الْأَزْوَادَ وَالرَّوَايَا وَالسِّلَاحَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْآلَاتِ، وَجَنَّدَ الْأَجْنَادَ، فَجَمَعَ وَحَشَدَ، وَسَارَ عَنْ مِصْرَ مُسْتَهَلَّ رَجَبٍ، فَوَصَلَ إِلَى مَكَّةَ، أَعَزَّهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَمِنْهَا إِلَى زَبِيدَ، وَفِيهَا صَاحِبُهَا الْمُتَغَلِّبُ عَلَيْهَا الْمَعْرُوفُ بِعَبْدِ النَّبِيِّ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهَا رَآهُ أَهْلُهَا، فَاسْتَقَلُّوا مَنْ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ النَّبِيِّ: كَأَنَّكُمْ بِهَؤُلَاءِ وَقَدْ حَمِيَ عَلَيْهِمُ الْحَرُّ فَهَلَكُوا وَمَا هُمْ إِلَّا أَكْلَةُ رَأْسٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بِعَسْكَرِهِ، فَقَاتَلَهُمْ شَمْسُ الدَّوْلَةِ وَمَنْ مَعَهُ، فَلَمْ يَثْبُتْ أَهْلُ زَبِيدَ وَانْهَزَمُوا، وَوَصَلَ الْمِصْرِيُّونَ إِلَى سُورِ زَبِيدَ، فَلَمْ يَجِدُوا عَلَيْهِ مَنْ يَمْنَعُهُمْ، فَنَصَبُوا السَّلَالِمَ، وَصَعَدُوا السُّورَ، فَمَلَكُوا الْبَلَدَ عَنْوَةً وَنَهَبُوهُ وَأَكْثَرُوا النَّهْبَ،

стр. 5618

وَأَخَذُوا عَبْدَ النَّبِيِّ أَسِيرًا وَزَوْجَتَهُ الْمَدْعُوَّةَ بِالْحُرَّةِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً صَالِحَةً كَثِيرَةَ الصَّدَقَةِ لَا سِيَّمَا إِذَا حَجَّتْ، فَإِنَّ فُقَرَاءَ الْحَاجِّ كَانُوا يَجِدُونَ عِنْدَهَا صَدَقَةً دَارَّةً، وَخَيْرًا كَثِيرًا، وَمَعْرُوفًا عَظِيمًا، [وَسَلَّمَ شَمْسُ الدَّوْلَةِ عَبْدَ النَّبِيِّ] إِلَى بَعْضِ أُمَرَائِهِ، يُقَالُ لَهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ مُبَارَكُ بْنُ كَامِلٍ مِنْ بَنِي مُنْقِذٍ، أَصْحَابِ شَيْزَرَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَخْرِجَ مِنْهُ الْأَمْوَالَ، فَأَعْطَاهُ مِنْهَا شَيْئًا كَثِيرًا، ثُمَّ إِنَّهُ دَلَّهُمْ عَلَى قَبْرٍ كَانَ قَدْ صَنَعَهُ لِوَالِدِهِ، وَبَنَى عَلَيْهِ بِنْيَةً عَظِيمَةً، وَلَهُ هُنَاكَ دَفَائِنُ كَثِيرَةٌ، فَأَعْلَمَهُمْ بِهَا، فَاسْتُخْرِجَتِ الْأَمْوَالُ مِنْ هُنَاكَ وَكَانَتْ جَلِيلَةَ الْمِقْدَارِ، وَأَمَّا الْحُرَّةُ فَإِنَّهَا أَيْضًا كَانَتْ تَدُلُّهُمْ عَلَى وَدَائِعَ لَهَا، فَأَخَذَ مِنْهَا مَالًا كَثِيرًا. وَلَمَّا مَلَكُوا زَبِيدَ وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ لَهُمْ بِهَا، وَدَانَ أَهْلُهَا، وَأُقِيمَتْ فِيهَا الْخُطْبَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ، أَصْلَحُوا حَالَهَا، وَسَارُوا إِلَى عَدَنَ، وَهِيَ عَلَى الْبَحْرِ، وَلَهَا مَرْسًى عَظِيمٌ، وَهِيَ فُرْضَةُ الْهِنْدِ وَالزِّنْجِ وَالْحَبَشَةِ، وَعُمَانَ وَكِرْمَانَ، وَكِيشَ، وَفَارِسَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهِيَ مِنْ جِهَةِ الْبَرِّ مِنْ أَمْنَعِ الْبِلَادِ وَأَحْصَنِهَا، وَصَاحِبُهَا إِنْسَانٌ اسْمُهُ يَاسِرٌ، فَلَوْ أَقَامَ بِهَا وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا لَعَادُوا خَائِبِينَ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ جَهْلُهُ وَانْقِضَاءُ مُدَّتِهِ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَيْهِمْ وَمُبَاشَرَةِ قِتَالِهِمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَقَاتَلَهُمْ فَانْهَزَمَ يَاسِرٌ وَمَنْ مَعَهُ، وَسَبَقَهُمْ بَعْضُ عَسْكَرِ شَمْسِ الدَّوْلَةِ، فَدَخَلُوا الْبَلَدَ قَبْلَ أَهْلِهِ، فَمَلَكُوهُ، وَأَخَذُوا صَاحِبَهُ يَاسِرًا أَسِيرًا، وَأَرَادُوا نَهْبَ الْبَلَدِ، فَمَنَعَهُمْ شَمْسُ الدَّوْلَةِ، وَقَالَ: مَا جِئْنَا لِنُخَرِّبَ الْبِلَادَ، وَإِنَّمَا جِئْنَا لِنَمْلِكَهَا وَنُعَمِّرَهَا وَنَنْتَفِعَ بِدَخْلِهَا، فَلَمْ يَنْهَبْ أَحَدٌ مِنْهَا شَيْئًا، فَبَقِيَتْ عَلَى حَالِهَا وَثَبَتَ مُلْكُهُ وَاسْتَقَرَّ أَمْرُهُ. وَلَمَّا مَضَى إِلَى عَدَنَ كَانَ مَعَهُ عَبْدُ النَّبِيِّ صَاحِبُ زَبِيدَ مَأْسُورًا، فَلَمَّا دَخَلَ إِلَى عَدَنَ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! كُنْتُ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّنِي أَدْخُلُ إِلَى (عَدَنَ فِي مَوْكِبٍ كَبِيرٍ) فَأَنَا أَنْتَظِرُ ذَلِكَ وَأُسَرُّ بِهِ، وَلَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّنِي أَدْخُلُهَا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ. وَلَمَّا فَرَغَ شَمْسُ الدَّوْلَةِ مِنْ أَمْرِ عَدَنَ عَادَ إِلَى زَبِيدَ، وَحَصَرَ مَا فِي الْجَبَلِ مِنَ الْحُصُونِ، فَمَلَكَ قَلْعَةَ تَعِزَّ، وَهِيَ مِنْ أَحْصَنِ الْقِلَاعِ، وَبِهَا تَكُونُ خَزَائِنُ صَاحِبِ زَبِيدَ، وَمَلَكَ أَيْضًا قَلْعَةَ التَّعْكَرِ وَالْجَنَدِ وَغَيْرَهَا مِنَ الْمَعَاقِلِ وَالْحُصُونِ، وَاسْتَنَابَ بِعَدَنَ عِزَّ

стр. 5619

الدِّينِ عُثْمَانَ بْنِ الزَّنْجِيلِيِّ، وَبِزَبِيدَ سَيْفَ الدَّوْلَةِ مُبَارَكَ بْنَ مُنْقِذٍ، وَجَعَلَ فِي كُلِّ قَلْعَةٍ نَائِبًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَلْقَى مُلْكَهُمْ بِالْيَمَنِ جِرَانَهُ وَدَامَ، وَأَحْسَنَ شَمْسُ الدَّوْلَةِ إِلَى أَهْلِ الْبِلَادِ، وَاسْتَصْفَى طَاعَتَهُمْ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَعَادَتْ زَبِيدُ إِلَى أَحْسَنِ أَحْوَالِهَا مِنَ الْعِمَارَةِ وَالْأَمْنِ. ذِكْرُ قَتْلِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ أَرَادُوا الْوُثُوبَ بِصَلَاحِ الدِّينِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثَانِي رَمَضَانَ، صَلَبَ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ جَمَاعَةً مِمَّنْ أَرَادُوا الْوُثُوبَ بِهِ بِمِصْرَ مِنْ أَصْحَابِ الْخُلَفَاءِ الْعَلَوِيِّينَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ شِيعَةِ الْعَلَوِيِّينَ مِنْهُمْ عُمَارَةُ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ الْيَمَنِيُّ الشَّاعِرُ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ الْكَاتِبُ، وَالْقَاضِي الْعُوَيْرِسُ، وَدَاعِي الدُّعَاةِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ جُنْدِ الْمِصْرِيِّينَ وَرِجَالَتِهِمُ السُّودَانِ، وَحَاشِيَةِ الْقَصْرِ، وَوَافَقَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ أُمَرَاءِ صَلَاحِ الدِّينِ وَجُنْدِهِ، وَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى اسْتِدْعَاءِ الْفِرِنْجِ مِنْ صِقِلِّيَّةَ، وَمِنْ سَاحِلِ الشَّامِ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ عَلَى شَيْءٍ بَذَلُوهُ لَهُمْ مِنَ الْمَالِ وَالْبِلَادِ، فَإِذَا قَصَدُوا الْبِلَادَ، فَإِنْ خَرَجَ صَلَاحُ الدِّينِ بِنَفْسِهِ إِلَيْهِمْ ثَارُوا هُمْ فِي الْقَاهِرَةِ وَمِصْرَ وَأَعَادُوا الدَّوْلَةَ الْعَلَوِيَّةَ، وَعَادَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَسْكَرِ الَّذِينَ وَافَقُوهُمْ عَنْهُ، فَلَا يَبْقَى لَهُ مَقَامٌ مُقَابِلَ الْفِرِنْجِ، وَإِنْ كَانَ صَلَاحُ الدِّينِ يُقِيمُ وَيُرْسِلُ الْعَسَاكِرَ إِلَيْهِمْ ثَارُوا بِهِ، وَأَخَذُوهُ أَخْذًا بِالْيَدِ لِعَدَمِ النَّاصِرِ لَهُ وَالْمُسَاعِدِ، وَقَالَ لَهُمْ عُمَارَةُ: وَأَنَا قَدْ أَبْعَدْتُ أَخَاهُ إِلَى الْيَمَنِ خَوْفًا أَنْ يَسُدَّ مَسَدَّهُ وَتَجْتَمِعَ الْكَلِمَةُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ. وَأَرْسَلُوا إِلَى الْفِرِنْجِ بِصِقِلِّيَّةَ وَالسَّاحِلِ فِي ذَلِكَ، وَتَقَرَّرَتِ الْقَاعِدَةُ بَيْنَهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ

стр. 5620

إِلَّا رَحِيلُ الْفِرِنْجِ، وَكَانَ مَنْ لُطْفِ اللَّهِ بِالْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الْمِصْرِيِّينَ أَدْخَلُوا مَعَهُمْ فِي هَذَا الْأَمِيرَ زَيْنَ الدِّينِ عَلِيَّ بْنَ نَجَا الْوَاعِظَ، الْمَعْرُوفَ بِابْنِ نُجَيَّةَ، وَرَتَّبُوا الْخَلِيفَةَ وَالْوَزِيرَ وَالْحَاجِبَ وَالدَّاعِيَ وَالْقَاضِيَ، إِلَّا أَنَّ بَنِي رُزَّيْكٍ قَالُوا: يَكُونُ الْوَزِيرُ مِنَّا، وَبَنِي شَاوِرٍ قَالُوا: يَكُونُ الْوَزِيرُ مِنَّا، فَلَمَّا عَلِمَ ابْنُ نَجَا الْحَالَ حَضَرَ عِنْدَ صَلَاحِ الدِّينِ، وَأَعْلَمَهُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ، فَأَمَرَ بِمُلَازَمَتِهِمْ، وَمُخَالَطَتِهِمْ، وَمُوَاطَأَتِهِمْ عَلَى مَا يُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلُوهُ، وَتَعْرِيفِهِ مَا يَتَجَدَّدُ أَوَّلًا بِأَوَّلٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَصَارَ يُطَالِعُهُ بِكُلِّ مَا عَزَمُوا عَلَيْهِ. ثُمَّ وَصَلَ رَسُولٌ مِنْ مَلِكِ الْفِرِنْجِ بِالسَّاحِلِ الشَّامِيِّ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ بِهَدِيَّةٍ وَرِسَالَةٍ، وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ إِلَيْهِ، وَالْبَاطِنِ إِلَى أُولَئِكَ الْجَمَاعَةِ، وَكَانَ يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ بَعْضَ النَّصَارَى وَتَأْتِيهِ رُسُلُهُمْ، فَأَتَى الْخَبَرُ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ مِنْ بِلَادِ الْفِرِنْجِ بِجَلِيَّةِ الْحَالِ، فَوَضَعَ صَلَاحُ الدِّينِ عَلَى الرَّسُولِ بَعْضَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنَ النَّصَارَى، وَدَاخَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ الرَّسُولُ بِالْخَبَرِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَقَبَضَ حِينَئِذٍ عَلَى الْمُقَدَّمِينَ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ مِنْهُمْ: عُمَارَةُ وَعَبْدُ الصَّمَدِ وَالْعُوَيْرِسُ وَغَيْرُهُمْ وَصَلَبَهُمْ. وَقِيلَ فِي كَشْفِ أَمْرِهِمْ إِنَّ عَبْدَ الصَّمَدِ الْمَذْكُورَ كَانَ إِذَا لَقِيَ الْقَاضِيَ الْفَاضِلَ الْكَاتِبَ الصَّلَاحِيَّ يَخْدِمُهُ وَيَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِجَهْدِهِ وَطَاقَتِهِ، فَلَقِيَهُ يَوْمًا، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَقَالَ الْقَاضِي الْفَاضِلُ: مَا هَذَا إِلَّا لِسَبَبٍ. وَخَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ صَارَ لَهُ بَاطِنٌ مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ، فَأَحْضَرَ عَلِيَّ بْنَ نَجَا الْوَاعِظَ وَأَخْبَرَهُ الْحَالَ، وَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ تَكْشِفَ لِي الْأَمْرَ، فَسَعَى فِي كَشْفِهِ فَلَمْ يَرَ لَهُ مِنْ جَانِبِ صَلَاحِ الدِّينِ شَيْئًا، فَعَدَلَ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَكَشَفَ الْحَالَ، وَحَضَرَ عِنْدَ الْقَاضِي الْفَاضِلِ وَأَعْلَمَهُ، فَقَالَ: تَحْضُرُ السَّاعَةَ عِنْدَ صَلَاحِ الدِّينِ وَتُنْهِي الْحَالَ إِلَيْهِ، فَحَضَرَ عِنْدَ صَلَاحِ الدِّينِ وَهُوَ فِي الْجَامِعِ، فَذَكَرَ لَهُ الْحَالَ، فَقَامَ وَأَخَذَ الْجَمَاعَةَ وَقَرَّرَهُمْ، فَأَقَرُّوا، فَأَمَرَ بِصَلْبِهِمْ. وَكَانَ عُمَارَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَاضِلِ عَدَاوَةٌ مِنْ أَيَّامِ الْعَاضِدِ وَقَبْلَهَا، فَلَمَّا أَرَادَ صَلْبَهُ قَامَ الْقَاضِي الْفَاضِلُ وَخَاطَبَ صَلَاحَ الدِّينِ فِي إِطْلَاقِهِ، وَظَنَّ عُمَارَةُ أَنَّهُ يُحَرِّضُ عَلَى هَلَاكِهِ، فَقَالَ لِصَلَاحِ الدِّينِ: يَا مَوْلَانَا لَا تَسْمَعُ مِنْهُ فِي حَقِّي، فَغَضِبَ الْفَاضِلُ وَخَرَجَ، وَقَالَ صَلَاحُ الدِّينِ لِعُمَارَةَ: إِنَّهُ كَانَ يَشْفَعُ فِيكَ، فَنَدِمَ، ثُمَّ أُخْرِجَ عُمَارَةُ لِيُصْلَبَ، فَطَلَبَ أَنْ

стр. 5621

يُمَرَّ بِهِ عَلَى مَجْلِسِ الْفَاضِلِ، فَاجْتَازُوا بِهِ عَلَيْهِ، فَأَغْلَقَ بَابَهُ وَلَمْ يَجْتَمِعْ بِهِ، فَقَالَ عُمَارَةُ: عَبْدُ الرَّحِيمِ قَدِ احْتَجَبْ ... إِنَّ الْخَلَاصَ هُوَ الْعَجَبْ ثُمَّ صُلِبَ هُوَ وَالْجَمَاعَةُ، وَنُودِيَ فِي أَجْنَادِ الْمِصْرِيِّينَ بِالرَّحِيلِ مِنْ دِيَارِ مِصْرَ وَمُفَارَقَتِهَا إِلَى أَقَاصِي الصَّعِيدِ، وَاحْتِيطَ عَلَى مَنْ بِالْقَصْرِ مِنْ سُلَالَةِ الْعَاضِدِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِهِ. وَأَمَّا الَّذِينَ نَافَقُوا عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ مِنْ جُنْدِهِ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُمْ، وَلَا أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ عَلِمَ بِحَالِهِمْ. وَأَمَّا الْفِرِنْجُ، فَإِنَّ فِرِنْجَ صِقِلِّيَّةَ قَصَدُوا الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِمْ ظُهُورُ الْخَبَرِ عِنْدَ صَلَاحِ الدِّينِ. وَأَمَّا فِرِنْجُ السَّاحِلِ الشَّامِيِّ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتَحَرَّكُوا لِعِلْمِهِمْ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ. وَكَانَ عُمَارَةُ شَاعِرًا مُفْلِقًا، فَمِنْ شِعْرِهِ: لَوْ أَنَّ قَلْبِي يَوْمَ كَاظِمَةٍ مَعِي ... لَمَلَكْتُهُ وَكَظَمْتُ فَيْضَ الْأَدْمُعِ قَلْبٌ كَفَاكَ مِنَ الصَّبَابَةِ أَنَّهُ ... لَبَّى نِدَاءَ الظَّاعِنِينَ وَمَا دُعِيَ مَا الْقَلْبُ أَوَّلَ غَادِرٍ فَأَلُومَهُ ... هِيَ شِيمَةُ الْأَيَّامِ مُذْ خُلِقَتْ مَعِي وَمِنَ الظُّنُونِ الْفَاسِدَاتِ تَوَهُّمِي ... بَعْدَ الْيَقِينِ بَقَاءَهُ فِي أَضْلُعِي وَلَهُ أَيْضًا: لِي فِي هَوَى الرَّشَإِ الْعُذْرِيِّ إِعْذَارُ ... لَمْ يَبْقَ لِي مُذْ أَقَرَّ الدَّمْعُ إِنْكَارُ

стр. 5622

لِي فِي الْقُدُودِ وَفِي لَثْمِ الْخُدُودِ ... وَفِي ضَمِّ النُّهُودِ لُبَانَاتٌ وَأَوْطَارُ هَذَا اخْتِيَارِي فَوَافِقْ إِنْ رَضِيتَ بِهِ ... أَوْ لَا فَدَعْنِي وَمَا أَهْوَى وَأَخْتَارُ وَلَهُ دِيوَانُ شِعْرٍ مَشْهُورٌ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالرِّقَّةِ وَالْمَلَاحَةِ. ذِكْرُ وَفَاةِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِي ﵀ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِي بْنِ آقْسُنْقُرَ، صَاحِبُ الشَّامِ وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ وَمِصْرَ، يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ حَادِيَ عَشَرَ شَوَّالٍ، بِعِلَّةِ الْخَوَانِيقِ، وَدُفِنَ بِقَلْعَةِ دِمَشْقَ، وَنُقِلَ مِنْهَا إِلَى الْمَدْرَسَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا بِدِمَشْقَ، عِنْدَ سُوقِ الْخَوَّاصِينَ. وَمِنْ عَجِيبِ الِاتِّفَاقِ أَنَّهُ رَكِبَ ثَانِيَ شَوَّالٍ وَإِلَى جَانِبِهِ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ الْأَخْيَارِ، فَقَالَ لَهُ الْأَمِيرُ: سُبْحَانَ مَنْ يَعْلَمُ هَلْ نَجْتَمِعُ هُنَا فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ نُورُ الدِّينِ: لَا تَقُلْ هَكَذَا، بَلْ سُبْحَانَ مَنْ يَعْلَمُ هَلْ نَجْتَمِعُ بَعْدَ شَهْرٍ أَمْ لَا؟ فَمَاتَ نُورُ الدِّينِ ﵀ بَعْدَ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَمَاتَ الْأَمِيرُ قَبْلَ الْحَوْلِ، فَأُخِذَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا قَالَهُ. وَكَانَ قَدْ شَرَعَ يَتَجَهَّزُ لِلدُّخُولِ إِلَى مِصْرَ لِأَخْذِهَا مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ، فَإِنَّهُ رَأَى فُتُورًا فِي غَزْوِ الْفِرِنْجِ مِنْ نَاحِيَتِهِ، وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَمْنَعُ صَلَاحَ الدِّينِ مِنَ الْغَزْوِ الْخَوْفُ مِنْهُ وَمِنَ الِاجْتِمَاعِ بِهِ، فَإِنَّهُ يُؤْثِرُ كَوْنَ الْفِرِنْجِ فِي الطَّرِيقِ لِيَمْتَنِعَ بِهِمْ عَلَى نُورِ الدِّينِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ وَدِيَارِ بَكْرٍ يَطْلُبُ الْعَسَاكِرَ لِلْغَزَاةِ، وَكَانَ عَزْمُهُ أَنْ يَتْرُكَهَا مَعَ ابْنِ أَخِيهِ سَيْفِ الدِّينِ غَازِي، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ بِالشَّامِ، وَيَسِيرُ هُوَ بِعَسَاكِرِهِ إِلَى مِصْرَ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَتَجَهَّزُ لِذَلِكَ أَتَاهُ أَمْرُ اللَّهِ الَّذِي لَا مَرَدَّ لَهُ. حَكَى لِي طَبِيبٌ يُعْرَفُ بِالطَّبِيبِ الرَّحَبِيِّ وَهُوَ كَانَ يَخْدُمُ نُورَ الدِّينِ، وَهُوَ مَنْ حُذَّاقِ الْأَطِبَّاءِ، قَالَ: اسْتَدْعَانِي نُورُ الدِّينِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ مَعَ غَيْرِي مِنَ

стр. 5623

الْأَطِبَّاءِ، فَدَخَلْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ فِي بَيْتٍ صَغِيرٍ بِقَلْعَةِ دِمَشْقَ، وَقَدْ تَمَكَّنَتِ الْخَوَانِيقُ مِنْهُ، وَقَارَبَ الْهَلَاكَ، فَلَا يَكَادُ يُسْمَعُ صَوْتُهُ، وَكَانَ يَخْلُو فِيهِ لِلتَّعَبُّدِ، فَابْتَدَأَ بِهِ الْمَرَضُ، فَلَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُ، فَلَمَّا دَخَلْنَا وَرَأَيْنَا مَا بِهِ قُلْتُ لَهُ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُؤَخِّرَ إِحْضَارَنَا إِلَى أَنَّ يَشْتَدَّ بِكَ الْمَرَضُ الْآنَ، وَيَنْبَغِي أَنْ تُعَجِّلَ الْانْتِقَالَ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى مَكَانٍ فَسِيحٍ مُضِيءٍ، فَلَهُ أَثَرٌ فِي هَذَا الْمَرَضِ. وَشَرَعْنَا فِي عِلَاجِهِ، وَأَشَرْنَا بِالْفَصْدِ، فَقَالَ ابْنُ سِتِّينَ: لَا يُفْتَصَدُ، وَامْتَنَعَ مِنْهُ، فَعَالَجْنَاهُ بِغَيْرِهِ، فَلَمْ يَنْجَعْ فِيهِ الدَّوَاءُ، وَعَظُمَ الدَّاءُ، وَمَاتَ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ -. وَكَانَ أَسْمَرَ، طَوِيلَ الْقَامَةِ، وَلَيْسَ لَهُ لِحْيَةٌ إِلَّا فِي حَنَكِهِ، وَكَانَ وَاسِعَ الْجَبْهَةِ، حَسَنَ الصُّورَةِ، حُلْوَ الْعَيْنَيْنِ، وَكَانَ قَدِ اتَّسَعَ مُلْكُهُ جِدًّا، وَخُطِبَ لَهُ بِالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَبِالْيَمَنِ لَمَّا دَخَلَهَا شَمْسُ الدَّوْلَةِ بْنُ أَيُّوبَ وَمَلَكَهَا، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَخَمْسِمَائَةٍ، وَطَبَّقَ ذِكْرُهُ الْأَرْضَ بِحُسْنِ سِيرَتِهِ وَعَدْلِهِ. وَقَدْ طَالَعْتُ سِيَرَ الْمُلُوكِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَلَمْ أَرَ فِيهَا بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَحْسَنَ مِنْ سِيرَتِهِ، وَلَا أَكْثَرَ تَحَرِّيًا مِنْهُ لِلْعَدْلِ. وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ " الْبَاهِرِ " مِنْ أَخْبَارِ دَوْلَتِهِمْ، وَلْنَذْكُرْ هَهُنَا نُبْذَةً مُخْتَصَرَةً لَعَلَّ يَقِفُ عَلَيْهَا مَنْ لَهُ حُكْمٌ فَيَقْتَدِي بِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ زُهْدُهُ وَعِبَادَتُهُ وَعِلْمُهُ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَلْبَسُ [وَلَا يَتَصَرَّفُ] فِي الَّذِي يَخُصُّهُ [إِلَّا] مِنْ مِلْكٍ كَانَ لَهُ قَدِ اشْتَرَاهُ مِنْ سَهْمِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَمِنَ الْأَمْوَالِ الْمُرْصَدَةِ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَقَدْ شَكَتْ إِلَيْهِ زَوْجَتُهُ مِنَ الضَّائِقَةِ، فَأَعْطَاهَا ثَلَاثَ دَكَاكِينَ فِي حِمْصَ كَانَتْ لَهُ، مِنْهَا يَحْصُلُ لَهُ فِي السَّنَةِ نَحْوُ عِشْرِينَ دِينَارًا، فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْهَا قَالَ: لَيْسَ لِي إِلَّا هَذَا، وَجَمِيعُ مَا بِيَدِي أَنَا فِيهِ خَازِنٌ لِلْمُسْلِمِينَ لَا أَخُونُهُمْ فِيهِ، وَلَا أَخُوضُ نَارَ جَهَنَّمَ لِأَجْلِكِ. وَكَانَ يُصَلِّي كَثِيرًا بِاللَّيْلِ، وَلَهُ فِيهِ أَوْرَادٌ حَسَنَةٌ، وَكَانَ كَمَا قِيلَ: جَمَعَ الشَّجَاعَةَ وَالْخُشُوعَ لِرَبِّهِ ... مَا أَحْسَنَ الْمِحْرَابَ فِي الْمِحْرَابِ وَكَانَ عَارِفًا بِالْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، لَيْسَ عِنْدَهُ فِيهِ تَعَصُّبٌ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، وَأَسْمَعَهُ طَلَبًا لِلْأَجْرِ. وَأَمَّا عَدْلُهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ فِي بِلَادِهِ، عَلَى سِعَتِهَا، مَكْسًا وَلَا عُشْرًا بَلْ أَطْلَقَهَا

стр. 5624

جَمِيعَهَا فِي مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ، وَكَانَ يُعَظِّمُ الشَّرِيعَةَ، وَيَقِفُ عِنْدَ أَحْكَامِهَا، وَأَحْضَرَهُ إِنْسَانٌ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَمَضَى مَعَهُ إِلَيْهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْقَاضِي كَمَالِ الدِّينِ بْنِ الشَّهْرَزُورِيِّ يَقُولُ: قَدْ جِئْتُ مُحَاكَمًا، فَاسْلُكْ مَعِيَ مَا تَسْلُكُ مَعَ الْخُصُومِ، وَظَهَرَ الْحَقُّ لَهُ، فَوَهَبَهُ الْخَصْمَ الَّذِي أَحْضَرَهُ، وَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَتْرُكَ لَهُ مَا يَدَّعِيهِ، إِنَّمَا خِفْتُ أَنْ يَكُونَ الْبَاعِثُ لِي عَلَى ذَلِكَ الْكِبْرُ وَالْأَنَفَةُ مِنَ الْحُضُورِ إِلَى مَجْلِسِ الشَّرِيعَةِ، فَحَضَرْتُ، ثُمَّ وَهَبْتُهُ مَا يَدَّعِيهِ. وَبَنَى دَارَ الْعَدْلِ فِي بِلَادِهِ، وَكَانَ يَجْلِسُ هُوَ وَالْقَاضِي فِيهَا يُنْصِفُ الْمَظْلُومَ، وَلَوْ أَنَّهُ يَهُودِيٌّ، مِنَ الظَّالِمِ وَلَوْ أَنَّهُ وَلَدُهُ أَوْ أَكْبَرُ أَمِيرٍ عِنْدَهُ. وَأَمَّا شَجَاعَتُهُ، فَإِلَيْهَا النِّهَايَةُ، وَكَانَ فِي الْحَرْبِ يَأْخُذُ قَوْسَيْنِ وَتَرْكَشَيْنِ لِيُقَاتِلَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ الْقُطْبُ النِّشَاوِيُّ الْفَقِيهُ: بِاللَّهِ عَلَيْكَ لَا تُخَاطِرْ بِنَفْسِكَ وَبِالْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ أُصِبْتَ فِي مَعْرَكَةٍ لَا يَبْقَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ إِلَّا أَخَذَهُ السَّيْفُ. فَقَالَ لَهُ نُورُ الدِّينِ: وَمَنْ مَحْمُودٌ حَتَّى يُقَالُ لَهُ هَذَا؟ مِنْ قَبْلِي مَنْ حَفِظَ الْبِلَادَ وَالْإِسْلَامَ؟ ذَلِكَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. وَأَمَّا مَا فَعَلَهُ مِنَ الْمَصَالِحِ، فَإِنَّهُ بَنَى أَسْوَارَ مُدُنِ الشَّامِ جَمِيعِهَا وَقِلَاعِهَا، فَمِنْهَا دِمَشْقُ وَحِمْصُ وَحَمَاةُ وَحَلَبُ وَشَيْزَرُ وَبَعْلَبَكُّ وَغَيْرُهَا، وَبَنَى الْمَدَارِسَ الْكَثِيرَةَ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَبَنَى الْجَامِعَ النُّورِيَّ بِالْمَوْصِلِ، وَبَنَى الْبِيمَارِسْتَانَاتِ وَالْخَانَاتِ فِي الطُّرُقِ، وَبَنَى الْخَانَكَاهَاتِ لِلصُّوفِيَّةِ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ، وَوَقَفَ عَلَى الْجَمِيعِ الْوُقُوفَ الْكَثِيرَةَ. سَمِعْتُ أَنَّ حَاصِلَ وَقْفِهِ كُلَّ شَهْرٍ تِسْعَةُ آلَافِ دِينَارٍ صُورِيٍّ. وَكَانَ يُكْرِمُ الْعُلَمَاءَ وَأَهْلَ الدِّينِ وَيُعَظِّمُهُمْ وَيُعْطِيهِمْ وَيَقُومُ إِلَيْهِمْ وَيُجْلِسُهُمْ مَعَهُ، وَيَنْبَسِطُ مَعَهُمْ، وَلَا يَرُدُّ لَهُمْ قَوْلًا، وَيُكَاتِبُهُمْ بِخَطِّ يَدِهِ، وَكَانَ وَقُورًا مَهِيبًا مَعَ تَوَاضُعِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَحَسَنَاتُهُ كَثِيرَةٌ وَمَنَاقِبُهُ غَزِيرَةٌ لَا يَحْتَمِلُهَا هَذَا الْكِتَابُ. ذِكْرُ مُلْكِ وَلَدِهِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ لَمَّا تُوُفِّيَ نُورُ الدِّينِ قَامَ ابْنُهُ الْمَلِكُ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ. وَكَانَ عُمْرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةٍ، وَحَلَفَ لَهُ الْأُمَرَاءُ وَالْمُقَدَّمُونَ بِدِمَشْقَ، وَأَقَامَ بِهَا، وَأَطَاعَهُ النَّاسُ

стр. 5625

بِالشَّامِ وَصَلَاحُ الدِّينِ بِمِصْرَ، وَخَطَبَ لَهُ بِهَا، وَضَرَبَ السَّكَّةَ بِاسْمِهِ، وَتَوَلَّى تَرْبِيَتَهُ الْأَمِيرُ شَمْسُ [الدِّينِ] مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْمُقَدِّمِ، وَصَارَ مُدَبِّرَ دَوْلَتِهِ. فَقَالَ لَهُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الشَّهْرَزُورِيِّ وَلِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ صَاحِبَ مِصْرَ هُوَ مِنْ مَمَالِيكِ نُورِ الدِّينِ وَنُوَّابِهِ أَصْحَابِ نُورِ الدِّينِ، وَالْمَصْلَحَةُ أَنْ نُشَاوِرَهُ فِي الَّذِي نَفْعَلُهُ، وَلَا نُخْرِجُهُ مِنْ بَيْنِنَا فَيَخْرُجُ عَنْ طَاعَتِنَا، وَيَجْعَلُ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْنَا، وَهُوَ أَقْوَى مِنَّا، لِأَنَّهُ قَدِ انْفَرَدَ الْيَوْمَ بِمُلْكِ مِصْرَ، فَلَمْ يُوَافِقْ هَذَا الْقَوْلُ أَغْرَاضَهُمْ، وَخَافُوا أَنْ يَدْخُلَ صَلَاحُ الدِّينِ وَيُخْرِجَهُمْ، فَلَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ حَتَّى وَرَدَتْ كُتُبُ صَلَاحِ الدِّينِ إِلَى الْمَلِكِ الصَّالِحِ يُعَزِّيهِ وَيُهَنِّئُهُ بِالْمُلْكِ، وَأَرْسَلَ دَنَانِيرَ مِصْرِيَّةً عَلَيْهَا اسْمُهُ وَيُعَرِّفُهُ أَنَّ الْخُطْبَةَ وَالطَّاعَةَ لَهُ كَمَا كَانَتْ لِأَبِيهِ. فَلَمَّا سَارَ سَيْفُ الدِّينِ غَازِي، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، وَمَلَكَ الْبِلَادَ الْجَزَرِيَّةَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، أَرْسَلَ صَلَاحُ الدِّينِ أَيْضًا إِلَى الْمَلِكِ الصَّالِحِ يَعْتِبُهُ حَيْثُ لَمْ يُعْلِمْهُ قَصْدَ سَيْفِ الدِّينِ بِلَادَهُ وَأَخْذَهَا، لِيَحْضُرَ فِي خِدْمَتِهِ وَيَكُفَّ سَيْفَ الدِّينِ، وَكَتَبَ إِلَى كَمَالِ الدِّينِ وَالْأُمَرَاءِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ نُورَ الدِّينِ يَعْلَمُ أَنَّ فِيكُمْ مَنْ يَقُومُ مَقَامِي، أَوْ يَثِقُ بِهِ مِثْلَ ثِقَتِهِ بِي لَسَلَّمَ إِلَيْهِ مِصْرَ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ مَمَالِكِهِ وَوِلَايَاتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَعْجَلْ عَلَيْهِ الْمَوْتُ لَمْ يَعْهَدْ إِلَى أَحَدٍ بِتَرْبِيَةِ وَلَدِهِ وَالْقِيَامِ بِخِدْمَتِهِ غَيْرِي، وَأَرَاكُمْ قَدْ تَفَرَّدْتُّمْ بِمَوْلَايَ وَابْنِ مَوْلَايَ دُونِي، وَسَوْفَ أَصِلُ إِلَى خِدْمَتِهِ، وَأُجَازِي إِنْعَامَ وَالِدِهِ بِخِدْمَةٍ يَظْهَرُ أَثَرُهَا، وَأُجَازِي كُلًّا مِنْكُمْ عَلَى سُوءِ صَنِيعِهِ فِي تَرْكِ الذَّبِّ عَنْ بِلَادِهِ. وَتَمَسَّكَ ابْنُ الْمُقَدَّمِ وَجَمَاعَةُ الْأُمَرَاءِ بِالْمَلِكِ الصَّالِحِ، وَلَمْ يُرْسِلُوهُ إِلَى حَلَبَ، خَوْفًا أَنْ يَغْلِبَهُمْ عَلَيْهِ شَمْسُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ الدَّايَةِ، فَإِنَّهُ أَكْبَرُ الْأُمَرَاءِ النُّورِيَّةِ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ مِنَ الْاتِّصَالِ بِهِ وَالْقِيَامِ بِخِدْمَتِهِ مَرَضٌ لَحِقَهُ، وَكَانَ هُوَ وَإِخْوَتُهُ بِحَلَبَ، وَأَمْرُهَا إِلَيْهِمْ، وَعَسَاكِرُهَا مَعَهُمْ فِي حَيَاةِ نُورِ الدِّينِ وَبَعْدَهُ، وَلَمَّا عَجَزَ عَنِ الْحَرَكَةِ أَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ الصَّالِحِ يَدْعُوهُ إِلَى حَلَبَ لِيَمْنَعَ بِهِ الْبِلَادَ الْجَزَرِيَّةَ مِنْ سَيْفِ الدِّينِ ابْنِ عَمِّهِ قُطْبِ الدِّينِ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُ الْأُمَرَاءُ الَّذِينَ مَعَهُ مِنَ الِانْتِقَالِ إِلَى حَلَبَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. ذِكْرُ مُلْكِ سَيْفِ الدِّينِ الْبِلَادَ الْجَزَرِيَّةَ كَانَ نُورُ الدِّينِ قَبْلَ أَنْ يَمْرَضَ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى الْبِلَادِ الشَّرْقِيَّةِ، الْمَوْصِلِ وَدِيَارِ

стр. 5626

الْجَزِيرَةِ وَغَيْرِهَا، يَسْتَدْعِي الْعَسَاكِرَ مِنْهَا لِلْغَزَاةِ، وَالْمُرَادُ غَيْرُهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَسَارَ سَيْفُ الدِّينِ غَازِي بْنُ قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِي، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، فِي عَسَاكِرِهِ، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ الْخَادِمُ سَعْدُ الدِّينِ كَمَشْتَكِينُ الَّذِي كَانَ قَدْ جَعَلَهُ نُورُ الدِّينِ بِقَلْعَةِ الْمَوْصِلِ مَعَ سَيْفِ الدِّينِ، فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَصَلَتِ الْأَخْبَارُ بِوَفَاةِ نُورِ الدِّينِ، فَأَمَّا سَعْدُ الدِّينِ فَإِنَّهُ كَانَ فِي الْمُقَدِّمَةِ، فَهَرَبَ جَرِيدَةً. وَأَمَّا سَيْفُ الدِّينِ فَأَخَذَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ مِنْ بَرْكٍ وَغَيْرِهِ، وَعَادَ إِلَى نَصِيبِينَ فَمَلَكَهَا، وَأَرْسَلَ الشَّحْنَ إِلَى الْخَابُورِ فَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ، وَأَقْطَعَهُ، وَسَارَ هُوَ إِلَى حَرَّانَ فَحَصَرَهَا عِدَّةَ أَيَّامٍ، وَبِهَا مَمْلُوكٌ لِنُورِ الدِّينِ يُقَالُ لَهُ قَايْمَازُ الْحَرَّانِيُّ، فَامْتَنَعَ بِهَا، وَأَطَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ تَكُونَ حَرَّانُ لَهُ، وَنَزَلَ إِلَى خِدْمَةِ سَيْفِ الدِّينِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَأَخَذَ حَرَّانَ مِنْهُ، وَسَارَ إِلَى الرُّهَا فَحَصَرَهَا وَمَلَكَهَا، وَكَانَ بِهَا خَادِمٌ خَصِيٌّ أَسْوَدٌ لِنُورِ الدِّينِ فَسَلَّمَهَا وَطَلَبَ عِوَضَهَا قَلْعَةَ الزَّعْفَرَانِ مِنْ أَعْمَالِ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، فَأُعْطِيَهَا، ثُمَّ أُخِذَتْ مِنْهُ، ثُمَّ صَارَ إِلَى أَنْ يَسْتَعْطِيَ مَا يَقُوتُهُ. وَسَيَّرَ سَيْفُ الدِّينِ إِلَى الرَّقَّةِ فَمَلَكَهَا، وَكَذَلِكَ سَرُوجٌ، وَاسْتَكْمَلَ مُلْكَ جَمِيعِ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ سِوَى قَلْعَةِ جَعْبَرَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ مَنِيعَةً، وَسِوَى رَأْسِ عَيْنٍ، فَإِنَّهَا كَانَتْ لِقُطْبِ الدِّينِ، صَاحِبِ مَارْدِينَ، وَهُوَ ابْنُ خَالِ سَيْفِ الدِّينِ، فَلَمْ يَتَعَرَّضْ إِلَيْهَا. وَكَانَ شَمْسُ الدِّينِ عَلِيُّ ابْنُ الدَّايَةِ، وَهُوَ أَكْبَرُ الْأُمَرَاءِ النُّورِيَّةِ، بِحَلَبَ مَعَ عَسَاكِرِهَا، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْعُبُورِ إِلَى سَيْفِ الدِّينِ لِيَمْنَعَهُ مِنْ أَخْذِ الْبِلَادِ، لِفَالِجٍ كَانَ بِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى دِمَشْقَ يَطْلُبُ الْمَلِكَ الصَّالِحَ، فَلَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَمَّا مَلَكَ سَيْفُ الدِّينِ الدِّيَارَ الْجَزَرِيَّةَ قَالَ لَهُ فَخْرُ الدِّينِ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَكَانَ قَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ مَنْ سِيوَاسَ بَعْدَ مَوْتِ نُورِ الدِّينِ، وَهُوَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ الْمَلِكُ بَعْدَ أَبِيهِ قُطْبِ الدِّينِ، فَظَنَّ أَنَّ سَيْفَ الدِّينِ يَرْعَى لَهُ ذَلِكَ، فَلَمْ يَجْنِ ثَمَرَةَ مَا غَرَسَ، وَكَانَ عِنْدَهُ كَبَعْضِ الْأُمَرَاءِ، قَالَ لَهُ: الرَّأْيُ أَنْ تَعْبُرَ إِلَى الشَّامِ فَلَيْسَ بِهِ مَانِعٌ، فَقَالَ لَهُ أَكْبَرُ أُمَرَائِهِ، وَهُوَ أَمِيرٌ يُقَالُ لَهُ عِزُّ الدِّينِ مَحْمُودٌ الْمَعْرُوفُ بِزُلْفِنْدَارَ: قَدْ مَلَكْتَ أَكْثَرَ مَا كَانَ لِأَبِيكَ، وَالْمَصْلَحَةُ أَنْ تَعُودَ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْلِهِ، وَعَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا.

стр. 5627

ذِكْرُ حَصْرِ الْفِرِنْجِ بَانِيَاسَ وَعَوْدِهِمْ عَنْهَا لَمَّا مَاتَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ، صَاحِبُ الشَّامِ، اجْتَمَعَتِ الْفِرِنْجُ وَسَارُوا إِلَى قَلْعَةِ بَانِيَاسَ مِنْ أَعْمَالِ دِمَشْقَ فَحَصَرُوهَا، فَجَمَعَ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ بْنُ الْمُقَدَّمِ الْعَسْكَرَ عِنْدَهُ بِدِمَشْقَ، فَخَرَجَ عَنْهَا، فَرَاسَلَهُمْ، وَلَاطَفَهُمْ، ثُمَّ أَغْلَظَ لَهُمْ فِي الْقَوْلِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنْ أَنْتُمْ صَالَحْتُمُونَا وَعُدْتُمْ عَنْ بَانِيَاسَ، فَنَحْنُ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَنُرْسِلُ إِلَى سَيْفِ الدِّينِ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَنُصَالِحُهُ، وَنَسْتَنْجِدُهُ، وَنُرْسِلُ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ بِمِصْرَ فَنَسْتَنْجِدُهُ، وَنَقْصُدُ بِلَادَكُمْ مِنْ جِهَاتِهَا كُلِّهَا، وَلَا تَقُومُونَ لَنَا. وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ كَانَ يَخَافُ أَنْ يَجْتَمِعَ بِنُورِ الدِّينِ، وَالْآنَ فَقَدْ زَالَ ذَلِكَ الْخَوْفُ، وَإِذَا طَلَبْنَاهُ إِلَى بِلَادِكُمْ فَلَا يَمْتَنِعُ. فَعَلِمُوا صِدْقَهُ، فَصَالَحُوهُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْمَالِ أَخَذُوهُ وَأَسْرَى أُطْلِقُوا لَهُمْ كَانُوا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَتَقَرَّرَتِ الْهُدْنَةُ. فَلَمَّا سَمِعَ صَلَاحُ الدِّينِ بِذَلِكَ أَنْكَرَهُ وَاسْتَعْظَمَهُ، وَكَتَبَ إِلَى الْمَلِكِ الصَّالِحِ وَالْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَهُ يُقَبِّحُ لَهُمْ مَا فَعَلُوهُ وَيَبْذُلُ مِنْ نَفْسِهِ قَصْدَ بِلَادِ الْفِرِنْجِ وَمُقَارَعَتَهُمْ وَإِزْعَاجَهُمْ عَنْ قَصْدِ شَيْءٍ مِنْ بِلَادِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، وَكَانَ قَصْدُهُ أَنْ يَصِيرَ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ لِيَتَمَلَّكَ الْبِلَادَ، وَالْأُمَرَاءُ الشَّامِيُّونَ إِنَّمَا صَالَحُوا الْفِرِنْجَ خَوْفًا مِنْهُ وَمِنْ سَيْفِ الدِّينِ غَازِي، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَخَذَ الْبِلَادَ الْجَزَرِيَّةَ، وَخَافُوا مِنْهُ أَنْ يَعْبُرَ إِلَى الشَّامِ، فَرَأَوْا صُلْحَ الْفِرِنْجِ أَصْلَحَ مِنْ أَنْ يَجِيءَ هَذَا مِنَ الْغَرْبِ، وَهَذَا مِنَ الشَّرْقِ، وَهُمْ مَشْغُولُونَ عَنْ رَدِّهِمْ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، وَقَعَ الْحَرِيقُ بِبَغْدَادَ فَاحْتَرَقَ أَكْثَرُ الظَّفَرِيَّةِ وَمَوَاضِعَ غَيْرِهَا، وَدَامَ الْحَرِيقُ إِلَى بُكْرَةٍ وَطُفِئَتِ النَّارُ. وَفِيهَا فِي شَعْبَانَ، بَنَى ابْنُ سَنْكَا، وَهُوَ ابْنُ أَخِي شُمْلَةَ صَاحِبِ خُوزِسْتَانَ، قَلْعَةً

стр. 5628

بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَاهِكِي لِيَتَقَوَّى بِهَا عَلَى الِاسْتِيلَاءِ عَلَى تِلْكَ الْأَعْمَالِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ الْعَسَاكِرَ مِنْ بَغْدَادَ لِمَنْعِهِ، فَالْتَقَوْا وَحَمَلَ بِنَفْسِهِ عَلَى الْمَيْمَنَةِ فَهَزَمَهَا، وَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا عَظِيمًا، وَأُسِرَ ابْنُ أَخِي شُمْلَةَ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى بَغْدَادَ، فَعُلِّقَ بِبَابِ النُّوبِيِّ، وَهُدَمَتِ الْقَلْعَةُ. وَفِيهَا، فِي رَمَضَانَ، تَوَالَتِ الْأَمْطَارُ فِي دِيَارِ بَكْرٍ وَالْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ، فَدَامَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ فِيهَا غَيْرَ مَرَّتَيْنِ، كُلُّ مَرَّةٍ مِقْدَارُ لَحْظَةٍ، وَخُرِّبَتِ الْمَسَاكِنُ وَغَيْرُهَا، وَكَثُرَ الْهَدْمُ، وَمَاتَ تَحْتَهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَزَادَتْ دِجْلَةُ زِيَادَةً عَظِيمَةً، وَكَانَ أَكْثَرُهَا بِبَغْدَادَ، فَإِنَّهَا زَادَتْ عَلَى كُلِّ زِيَادَةٍ تَقَدَّمَتْ مُنْذُ بُنِيَتْ بَغْدَادُ بِذِرَاعٍ وَكَسْرٍ، وَخَافَ النَّاسُ الْغَرَقَ، وَفَارَقُوا الْبَلَدَ، وَأَقَامُوا عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ خَوْفًا مِنَ انْفِتَاحِ الْقَوْرَجِ وَغَيْرِهِ، وَكَانُوا كُلَّمَا انْفَتَحَ مَوْضِعٌ بَادَرُوا بِسَدِّهِ، وَنَبَعَ الْمَاءُ فِي الْبَلَالِيعِ، وَخَرَّبَ كَثِيرًا مِنَ الدُّورِ، وَدَخَلَ الْمَاءُ إِلَى الْبِيمَارِسْتَانَ الْعَضُدِيِّ، وَدَخَلَتِ السُّفُنُ مِنَ الشَّبَابِيكِ الَّتِي لَهُ، فَإِنَّهَا كَانَتْ قَدْ تَعَلَّقَتْ، فَمَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّاسِ بِنَقْصِ الْمَاءِ بَعْدَ أَنْ أَشْرَفُوا عَلَى الْغَرَقِ. وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْأُولَى، كَانَتِ الْفِتْنَةُ بِبَغْدَادَ بَيْنَ قُطْبِ الدِّينِ قَايْمَازَ وَالْخَلِيفَةِ، وَسَبَبُهَا أَنَّ الْخَلِيفَةَ أَمَرَ بِإِعَادَةِ عَضُدِ الدِّينِ ابْنِ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ إِلَى الْوِزَارَةِ، فَمَنَعَ مِنْهُ قُطْبُ الدِّينِ، وَأَغْلَقَ بَابَ النُّوبِيِّ وَبَابَ الْعَامَّةِ، وَبَقِيَتْ دَارُ الْخَلِيفَةِ كَالْمُحَاصَرَةِ، فَأَجَابَ الْخَلِيفَةُ إِلَى تَرْكِ وَزَارَتِهِ، فَقَالَ قُطْبُ الدِّينِ: لَا أَقْنَعُ إِلَّا بِإِخْرَاجِ عَضُدِ الدِّينِ مِنْ بَغْدَادَ، فَأُمِرَ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا، فَالْتَجَأَ إِلَى صَدْرِ الدِّينِ شَيْخِ الشُّيُوخِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، فَأَخَذَهُ إِلَى رِبَاطَهِ وَأَجَارَهُ، وَنَقَلَهُ إِلَى دَارِ الْوَزِيرِ بِقَطُفْتَا، فَأَقَامَ بِهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَيْتِهِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ. وَفِيهَا سَقَطَ الْأَمِيرُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ ابْنُ الْخَلِيفَةِ - وَهُوَ الَّذِي صَارَ خَلِيفَةً - مِنْ قُبَّةٍ عَالِيَةٍ إِلَى أَرْضِ التَّاجِ وَمَعَهُ غُلَامٌ لَهُ اسْمُهُ نَجَاحٌ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ بَعْدَهُ، وَسَلِمَ ابْنُ الْخَلِيفَةِ

стр. 5629

وَنَجَاحٌ، فَقِيلَ لِنَجَاحٍ: لِمَ أَلْقَيْتَ نَفْسَكَ؟ فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُرِيدُ الْبَقَاءَ بَعْدَ مَوْلَايَ، فَرَعَى لَهُ الْأَمِيرُ أَبُو الْعَبَّاسِ ذَلِكَ، فَلَمَّا صَارَ خَلِيفَةً جَعَلَهُ شَرَابِيًّا، وَصَارَتِ الدَّوْلَةُ جَمِيعُهَا بِحُكْمِهِ، وَلَقِيَهُ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ عِزُّ الدِّينِ، وَبَالَغَ فِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ وَالتَّقْدِيمِ لَهُ، وَخَدَمَهُ جَمِيعُ الْأُمَرَاءِ بِالْعِرَاقِ وَالْوُزَرَاءِ وَغَيْرُهُمْ. وَفِيهَا، فِي رَمَضَانَ، وَقَعَ بِبَغْدَادَ بَرَدٌ كِبَارٌ مَا رَأَى النَّاسُ مِثْلَهُ، فَهَدَمَ الدُّورَ، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرًا مِنَ الْمَوَاشِي، فَوُزِنَتْ بَرَدَةٌ مِنْهَا فَكَانَتْ سَبْعَةَ أَرْطَالٍ، وَكَانَ عَامَّتُهُ كَالنَّارِنْجِ يُكَسِّرُ الْأَغْصَانَ. هَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " تَارِيخِهِ "، وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الْمُؤَيِّدِ، صَاحِبِ نَيْسَابُورَ، وَبَيْنَ شَاهْ مَازَنْدَرَانَ، قُتِلَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، فَانْهَزَمَ شَاهُ مَازَنْدَرَانَ، وَدَخَلَ الْمُؤَيِّدُ بَلَدَ الدَّيْلَمِ وَخَرَّبَهُ وَفَتَكَ بِأَهْلِهِ وَعَادَ عَنْهُ. وَفِيهَا وَقَعَتْ وَقْعَةٌ كَبِيرَةٌ بَيْنَ أَهْلِ بَابِ الْبَصْرَةِ وَأَهْلِ بَابِ الْكَرْخِ، وَسَبَبُهَا أَنَّ الْمَاءَ لَمَّا زَادَ سَكَرَ أَهْلُ الْكَرْخِ سَكْرًا رَدَّ الْمَاءَ عَنْهُمْ، فَغَرِقَ مَسْجِدٌ فِيهِ شَجَرَةٌ، فَانْقَلَعَتْ، فَصَاحَ أَهْلُ الْكَرْخِ: انْقَلَعَتِ الشَّجَرَةُ، لَعَنَ اللَّهُ الْعَشَرَةَ! فَقَامَتِ الْفِتْنَةُ، فَتَقَدَّمَ الْخَلِيفَةُ إِلَى عَلَاءِ الدِّينِ تَنَامِشَ بِكَفِّهِمْ، فَمَالَ عَلَى أَهْلِ بَابِ الْبَصْرَةِ لِأَنَّهُ كَانَ شِيعِيًّا، وَأَرَادَ دُخُولَ الْمَحِلَّةِ، فَمَنَعَهُ أَهْلُهَا، وَأَغْلَقُوا الَأَبْوَابَ وَوَقَفُوا عَلَى السُّورِ، وَأَرَادَ إِحْرَاقَ الْأَبْوَابِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْخَلِيفَةَ فَأَنْكَرَهُ أَشَدَّ إِنْكَارٍ وَأَمَرَ بِإِعَادَةِ تَنَامَشَ، فَعَادَ، وَدَامَتِ الْفِتْنَةُ أُسْبُوعًا، ثُمَّ انْفَصَلَ الْحَالُ مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ سُلْطَانٍ. وَفِيهَا عَبَرَ مَلِكُ الرُّومِ خَلِيجَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَقَصَدَ بِلَادَ قَلَجِ أَرَسْلَانَ، فَجَرَى بَيْنَهُمَا حَرْبٌ اسْتَظْهَرَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ، فَلَمَّا رَأَى مَلِكُ الرُّومِ عَجْزَهُ عَادَ إِلَى بَلَدِهِ، وَقَدْ قُتِلَ مِنْ عَسْكَرِهِ وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ.

стр. 5630

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْأُولَى، مَاتَ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُعَمَّرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَلَوِيُّ الْحُسَيْنِيُّ نَقِيبُ الْعَلَوِيِّينَ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ يُلَقَّبُ الظَّاهِرَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ وَرَوَاهُ، وَكَانَ حَسَنَةَ أَهْلِ بَغْدَادَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ الْهَمَذَانِيُّ، سَافَرَ الْكَثِيرَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَاللُّغَةِ، وَكَانَ مِنْ أَعْيَانِ الْمُحَدِّثِينَ فِي زَمَانِهِ، وَكَانَ لَهُ قَبُولٌ عَظِيمٌ بِبَلَدِهِ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو مُحَمَّدٍ سَعِيدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الدَّهَانِ النَّحْوِيُّ الْبَغْدَادِيُّ بِالْمَوْصِلِ، وَكَانَ إِمَامًا فِي النَّحْوِ، لَهُ التَّصَانِيفُ الْمَشْهُورَةُ مِنْهَا " الْغُرَّةُ " وَغَيْرُهَا.

стр. 5631

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ] ٥٧٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ ذِكْرُ وُصُولِ أُسْطُولِ صِقِلِّيَّةَ إِلَى مَدِينَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَانْهِزَامِهِ عَنْهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ ظَفِرَ أَهْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَعَسْكَرِ مِصْرَ بِأُسْطُولِ الْفِرِنْجِ مِنْ صِقِلِّيَّةَ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ [إِرْسَالِ] أَهْلِ مِصْرَ إِلَى مَلِكِ الْفِرِنْجِ بِسَاحِلِ الشَّامِ، وَإِلَى صَاحِبِ صِقِلِّيَّةَ، لِيَقْصِدُوا دِيَارَ مِصْرَ لِيَثُورُوا بِصَلَاحِ الدِّينِ وَيُخْرِجُوهُ مِنْ مِصْرَ، فَجَهَّزَ صَاحِبُ صِقِلِّيَّةَ أُسْطُولًا كَثِيرًا عُدَّتُهُ مِائَتَا شِينِيٍّ تَحْمِلُ الرَّجَّالَةَ، وَسِتُّ وَثَلَاثُونَ طَرِيدَةً تَحْمِلُ الْخَيْلَ، وَسِتَّةُ مَرَاكِبَ كِبَارٍ تَحْمِلُ آلَةَ الْحَرْبِ، وَأَرْبَعُونَ مَرْكَبًا تَحْمِلُ الْأَزْوَادَ، وَفِيهَا مِنَ الرَّاجِلِ خَمْسُونَ أَلْفًا، وَمِنَ الْفُرْسَانِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٌ، مِنْهَا خَمْسُمِائَةُ تَرَكْبَلِيٍّ. وَكَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمُ ابْنَ عَمِّ صَاحِبِ صِقِلِّيَّةَ، وَسَيَّرَهُ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مِنْ دِيَارِ مِصْرَ، فَوَصَلُوا إِلَيْهَا فِي السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ، عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا وَطُمَأْنِينَةٍ، فَخَرَجَ أَهْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بِسِلَاحِهِمْ وَعُدَّتِهِمْ لِيَمْنَعُوهُمْ مِنَ النُّزُولِ، وَأَبْعَدُوا عَنِ الْبَلَدِ، فَمَنْعَهُمُ الْوَالِي عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَهُمْ بِمُلَازَمَةِ السُّورِ، وَنَزَلَ الْفِرِنْجُ إِلَى الْبَرِّ مِمَّا يَلِي الْبَحْرَ وَالْمَنَارَةَ وَتَقَدَّمُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَنَصَبُوا عَلَيْهَا الدَّبَّابَاتِ وَالْمَجَانِيقَ وَقَاتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، وَصَبَرَ لَهُمْ أَهْلُ الْبَلَدِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَرَأَى الْفِرِنْجُ مِنْ شَجَاعَةِ أَهْلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَحُسْنِ سِلَاحِهِمْ مَا رَاعَهُمْ. وَسُيِّرَتِ الْكُتُبُ بِالْحَالِ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ يَسْتَدْعُونَهُ لِدَفْعِ الْعَدُوِّ عَنْهُمْ، وَدَامَ الْقِتَالُ أَوَّلَ يَوْمٍ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، ثُمَّ عَاوَدَ الْفِرِنْجُ الْقِتَالَ الْيَوْمَ الثَّانِيَ، وَجَدُّوا، وَلَازَمُوا الزَّحْفَ، حَتَّى وَصَلَتِ الدَّبَّابَاتُ إِلَى قُرْبِ السُّورِ، وَوَصَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنَ الْعَسَاكِرِ

стр. 5632

الْإِسْلَامِيَّةِ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي أَقْطَاعِهِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَقَوِيَتْ بِهِمْ نُفُوسُ أَهْلِهَا، وَأَحْسَنُوا الْقِتَالَ وَالصَّبْرَ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ بَابَ الْبَلَدِ وَخَرَجُوا مِنْهُ عَلَى الْفِرِنْجِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَهُمْ غَارُّونَ، وَكَثُرَ الصِّيَاحُ مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ، فَارْتَاعَ الْفِرِنْجُ وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَوَصَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الدَّبَّابَاتِ فَأَحْرَقُوهَا، وَصَبَرُوا لِلْقِتَالِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلَيْهِمْ، وَظَهَرَتْ أَمَارَاتُهُ، وَلَمْ يَزَالُوا مُبَاشِرِينَ الْقِتَالَ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، وَدَخَلَ أَهْلُ الْبَلَدِ إِلَيْهِ وَهُمْ فَرِحُونَ مُسْتَبْشِرُونَ بِمَا رَأَوْا مِنْ تَبَاشِيرَ الظَّفَرِ وَقُوَّتِهِمْ، وَفَشَلِ الْفِرِنْجِ وَفُتُورِ حَرْبِهِمْ، وَكَثْرَةِ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ فِي رَجَّالَتِهِمْ. وَأَمَّا صَلَاحُ الدِّينِ فَإِنَّهُ لَمَّا وَصَلَهُ الْخَبَرُ سَارَ بِعَسَاكِرِهِ، وَسَيَّرَ مَمْلُوكًا لَهُ وَمَعَهُ ثَلَاثُ جَنَائِبَ لِيَجِدَّ السَّيْرَ عَلَيْهَا إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ يُبَشِّرُ بِوُصُولِهِ، وَسَيَّرَ طَائِفَةً مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى دُمْيَاطَ خَوْفًا عَلَيْهَا، وَاحْتِيَاطًا لَهَا، فَسَارَ ذَلِكَ الْمَمْلُوكُ، فَوَصَلَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ مِنْ يَوْمِهِ وَقْتَ الْعَصْرِ، وَالنَّاسُ قَدْ رَجَعُوا مِنَ الْقِتَالِ، فَنَادَى فِي الْبَلَدِ بِمَجِيءِ صَلَاحِ الدِّينِ وَالْعَسَاكِرِ مُسْرِعِينَ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ ذَلِكَ عَادُوا إِلَى [الْقِتَالِ، وَقَدْ] زَالَ مَا بِهِمْ مِنْ تَعَبٍ وَأَلَمِ الْجِرَاحِ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَظُنُّ أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ مَعَهُ، فَهُوَ يُقَاتِلُ قِتَالَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُشَاهَدَ قِتَالُهُ. وَسَمِعَ الْفِرِنْجُ بِقُرْبِ صَلَاحِ الدِّينِ فِي عَسَاكِرِهِ، فَسُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَازْدَادُوا تَعَبًا وَفُتُورًا، فَهَاجَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ اخْتِلَاطِ الظَّلَامِ، وَوَصَلُوا إِلَى خِيَامِهِمْ فَغَنِمُوهَا بِمَا فِيهَا مِنَ الْأَسْلِحَةِ الْكَثِيرَةِ وَالتَّحَمُّلَاتِ الْعَظِيمَةِ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي رَجَّالَةِ الْفِرِنْجِ، فَهَرَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى الْبَحْرِ، وَقَرَّبُوا شَوَانِيَهُمْ إِلَى السَّاحِلِ لِيَرْكَبُوا فِيهَا، فَسَلِمَ بَعْضُهُمْ وَرَكِبَ، وَغَرِقَ بَعْضُهُمْ، وَغَاصَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَاءِ وَخَرَقَ بَعْضَ شَوَانِيِّ الْفِرِنْجِ فَغَرِقَتْ، فَخَافَ الْبَاقُونَ مِنْ ذَلِكَ، فَوَلَّوْا هَارِبِينَ، وَاحْتَمَى ثَلَاثَمِائَةٌ مِنْ فُرْسَانِ الْفِرِنْجِ عَلَى رَأْسِ تَلٍّ، فَقَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى بُكْرَةٍ، وَدَامَ الْقِتَالُ إِلَى أَنْ أَضْحَى النَّهَارُ، فَغَلَبَهُمْ أَهْلُ الْبَلَدِ وَقَهَرُوهُمْ فَصَارُوا بَيْنَ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُمْ وَحَاقَ بِالْكَافِرِينَ مَكْرُهُمْ.

стр. 5633

ذِكْرُ خِلَافِ الْكَنْزِ بِصَعِيدِ مِصْرَ وَفِي أَوَّلِ هَذِهِ السَّنَةِ خَالَفَ الْكَنْزُ بِصَعِيدِ مِصْرَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْ رَعِيَّةِ الْبِلَادِ وَالسُّودَانِ وَالْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ هُنَاكَ أَمِيرٌ مِنَ الصَّلَاحِيَّةِ فِي أَقْطَاعِهِ، وَهُوَ أَخُو الْأَمِيرِ أَبِي الْهَيْجَاءِ السَّمِينِ، فَقَتَلَهُ الْكَنْزُ، فَعَظُمَ قَتْلُهُ عَلَى أَخِيهِ، وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْأُمَرَاءِ وَأَشْجَعِهِمْ، فَسَارَ إِلَى قِتَالِ الْكَنْزِ، وَسَيَّرَ مَعَهُ صَلَاحُ الدِّينِ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَكَثِيرًا مِنَ الْعَسْكَرِ، وَوَصَلُوا إِلَى مَدِينَةِ طَوْدٍ، فَاحْتَمَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَاتَلُوا مَنْ بِهَا، وَظَفِرُوا بِهِمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ كَثِيرًا، وَذُلُّوا بَعْدَ الْعِزِّ وَقُهِرُوا وَاسْتَكَانُوا. ثُمَّ سَارَ الْعَسْكَرُ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْ طَوْدٍ إِلَى الْكَنْزِ، وَهُوَ فِي طُغْيَانِهِ يَعْمَهُ، فَقَاتَلُوهُ، فَقُتِلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَعْرَابِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَمِنَتْ بَعْدَهُ الْبِلَادُ وَاطْمَأَنَّ أَهْلُهَا. ذِكْرُ مُلْكِ صَلَاحِ الدِّينِ دِمَشْقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، سَلْخَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، مَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ مَدِينَةَ دِمَشْقَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ نُورَ الدِّينِ لَمَّا مَاتَ وَمَلَكَ ابْنُهُ الْمَلِكُ الصَّالِحُ بَعْدَهُ كَانَ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ سَعْدُ الدِّينِ كَمُشْتَكِينَ قَدْ هَرَبَ مِنْ سَيْفِ الدِّينِ غَازِي إِلَى حَلَبَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَأَقَامَ بِهَا عِنْدَ شَمْسِ الدِّينِ ابْنِ الدَّايَةِ، فَلَمَّا اسْتَوْلَى سَيْفُ الدِّينِ عَلَى الْبِلَادِ الْجَزَرِيَّةِ خَافَ ابْنُ الدَّايَةِ أَنْ يُغِيرَ إِلَى حَلَبَ فَيَمْلِكُهَا، فَأَرْسَلَ سَعْدُ الدِّينِ إِلَى دِمَشْقَ لِيَحْضُرَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ وَمَعَهُ الْعَسَاكِرُ إِلَى حَلَبَ، فَلَمَّا قَارَبَ دِمَشْقَ سَيَّرَ إِلَيْهِ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُقَدَّمِ عَسْكَرًا فَنَهَبُوهُ، وَعَادَ مُنْهَزِمًا إِلَى حَلَبَ، فَأَخْلَفَ عَلَيْهِ ابْنُ الدَّايَةِ عِوَضَ مَا أُخِذَ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ الْأُمَرَاءَ الَّذِينَ بِدِمَشْقَ نَظَرُوا فِي الْمَصْلَحَةِ، فَعَلِمُوا أَنَّ مَسِيرَهُ إِلَى حَلَبَ أَصْلَحُ لِلدَّوْلَةِ مِنْ مَقَامِهِ بِدِمَشْقَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّايَةِ يَطْلُبُونَ إِرْسَالَ سَعْدِ الدِّينِ لِيَأْخُذَ الْمَلِكَ الصَّالِحَ، فَجَهَّزَهُ وَسَيَّرَهُ وَعَلَى نَفْسِهَا بِرَاقِشُ تَجْنِي، فَسَارَ إِلَى

стр. 5634

دِمَشْقَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَأَخَذَ الْمَلِكَ الصَّالِحَ وَعَادَ إِلَى حَلَبَ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا قَبَضَ سَعِدُ الدِّينِ عَلَى شَمْسِ الدِّينِ ابْنِ الدَّايَةِ وَإِخْوَتِهِ، وَعَلَى رَئِيسِ بْنِ الْخَشَّابِ رَئِيسِ حَلَبَ وَمُقَدَّمِ الْأَحْدَاثِ بِهَا، وَلَوْلَا مَرَضُ شَمْسِ الدِّينِ ابْنِ الدَّايَةِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ. وَاسْتَبَدَّ سَعْدُ الدِّينِ بِتَدْبِيرِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، فَخَافَهُ ابْنُ الْمُقَدَّمِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ بِدِمَشْقَ وَقَالُوا: إِذَا اسْتَقَرَّ أَمْرُ حَلَبَ أَخَذَ الْمَلِكَ الصَّالِحَ وَسَارَ بِهِ إِلَيْنَا، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِحَلَبَ، وَكَاتَبُوا سَيْفَ الدِّينِ غَازِي صَاحِبَ الْمَوْصِلِ لِيَعْبُرَ الْفُرَاتَ إِلَيْهِمْ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ دِمَشْقَ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَخَافَ أَنْ تَكُونَ مَكِيدَةً عَلَيْهِ لِيَعْبُرَ الْفُرَاتَ وَيَسِيرَ إِلَى دِمَشْقَ فَيُمْنَعُ عَنْهَا وَيَقْصِدُهُ ابْنُ عَمِّهِ وَعَسْكَرُ حَلَبَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ فَيَهْلَكُ. أَشَارَ عَلَيْهِ بِهَذَا زَلْفِنْدَارُ عِزُّ الدِّينِ، وَالْجَبَانُ يُقَدِّرُ الْبَعِيدَ مِنَ الشَّرِّ قَرِيبًا، وَيَرَى الْجُبْنَ حَزْمًا، كَمَا قَالَ: يَرَى الْجُبَنَاءُ أَنَّ الْجُبْنَ حَزْمٌ ... وَتِلْكَ طَبِيعَةُ الرَّجُلِ الْجَبَانِ فَلَمَّا أَشَارَ عَلَيْهِ بِهَذَا الرَّأْيِ زَلْفِنْدَارُ قَبِلَهُ وَامْتَنَعَ مِنْ قَصْدِ دِمَشْقَ، وَرَاسَلَ سَعْدَ الدِّينِ وَالْمَلِكَ الصَّالِحَ وَصَالَحَهُمَا عَلَى مَا أَخَذَهُ مِنَ الْبِلَادِ، فَلَمَّا امْتَنَعَ عَنِ الْعُبُورِ إِلَى دِمَشْقَ عَظْمَ خَوْفُهُمْ، وَقَالُوا: حَيْثُ صَالَحَهُمْ سَيْفُ الدِّينِ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَانِعٌ عَنِ الْمَسِيرِ إِلَيْنَا، فَكَاتَبُوا حِينَئِذٍ صَلَاحَ الدِّينِ يُوسُفَ بْنَ أَيُّوبَ، صَاحِبَ مِصْرَ، وَاسْتَدْعُوهُ لِيُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ كَبِيرُهُمْ فِي ذَلِكَ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْمُقَدَّمِ، وَمَنْ أَشْبَهَ أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مُخَامَرَةَ أَبِيهِ فِي تَسْلِيمِ سِنْجَارَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ. فَلَمَّا وَصَلَتِ الرُّسُلُ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ بِذَلِكَ لَمْ يَلْبَثْ، وَسَارَ جَرِيدَةً فِي سَبْعِمِائَةِ فَارِسٍ وَالْفِرِنْجُ فِي طَرِيقِهِ، فَلَمْ يُبَالِ بِهِمْ، فَلَمَّا وَطِئَ أَرْضَ الشَّامِ قَصَدَ بُصْرَى، وَكَانَ [بِهَا] حِينَئِذٍ صَاحِبُهَا وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ كَاتَبَهُ، فَخَرَجَ وَلَقِيَهُ، فَلَمَّا رَأَى قِلَّةَ مَنْ مَعَهُ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، وَاجْتَمَعَ بِالْقَاضِي الْفَاضِلِ وَقَالَ: مَا أَرَى مَعَكُمْ عَسْكَرًا، وَهَذَا بَلَدٌ عَظِيمٌ لَا يُقْصَدُ بِمِثْلِ هَذَا الْعَسْكَرِ، وَلَوْ مَنَعَكُمْ مَنْ بِهِ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ أَخَذَكُمْ أَهْلُ السَّوَادِ، فَإِنْ كَانَ مَعَكُمْ مَالٌ سَهُلَ الْأَمْرُ. فَقَالَ: مَعَنَا: مَالٌ كَثِيرٌ يَكُونُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَضَرْبَ صَاحِبُ بُصْرَى عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ: هَلَكْتُمْ وَأَهْلَكْتُمُونَا، وَجَمِيعُ مَا كَانَ مَعَهُمْ عَشْرَةُ آلَافِ دِينَارٍ. ثُمَّ سَارَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى دِمَشْقَ فَخَرَجَ كُلُّ مَنْ بِهَا مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَيْهِ، فَلَقُوهُ

стр. 5635

وَخَدَمُوهُ، وَدَخْلَ الْبَلَدَ، وَنَزَلَ فِي دَارِ وَالِدِهِ الْمَعْرُوفَةِ بِدَارِ الْعَقِيقِيِّ، وَكَانَتِ الْقَلْعَةُ بِيَدِ خَادِمٍ اسْمُهُ رَيْحَانُ، فَأَحْضَرَ صَلَاحُ الدِّينِ كَمَالَ الدِّينِ بْنَ الشَّهْرَزُورِيَّ وَهُوَ قَاضِي الْبَلَدِ وَالْحَاكِمُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ مِنَ الدِّيوَانِ وَالْوَقْفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى رَيْحَانَ لِيُسَلِّمَ الْقَلْعَةَ إِلَيْهِ، وَقَالَ: أَنَا مَمْلُوكُ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، وَمَا جِئْتُ إِلَّا لِأَنْصُرَهُ وَأَخْدِمَهُ، وَأُعِيدُ الْبِلَادَ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ يَخْطُبُ لَهُ فِي بِلَادِهِ كُلِّهَا، فَصَعِدَ كَمَالُ الدَّيْنِ إِلَى رَيْحَانَ، وَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ حَتَّى سَلَّمَ الْقَلْعَةَ، فَصَعِدَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَيْهَا، وَأَخْذَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ، وَأَخْرَجَهَا وَاتَّسَعَ بِهَا وَثَبَّتَ قَدَمَهُ، وَقَوِيَتْ نَفْسُهُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يُظْهِرُ طَاعَةَ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، وَيُخَاطِبُهُ بِالْمَمْلُوكِ، وَالْخُطْبَةُ وَالسِّكَّةُ بِاسْمِهِ. ذِكْرُ مُلْكِ صَلَاحِ الدِّينِ مَدِينَتَيْ حِمْصَ وَحَمَاةَ لَمَّا اسْتَقَرَّ مُلْكُ صَلَاحِ الدِّينِ لِدِمَشْقَ، وَقَرَّرَ أَمْرَهَا، اسْتَخْلَفَ بِهَا أَخَاهُ سَيْفَ الْإِسْلَامِ طُغْدُكِينَ بْنَ أَيُّوبَ، وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ حِمْصَ مُسْتَهَلَّ جُمَادَى الْأُولَى، وَكَانَتْ حِمْصُ وَحَمَاةُ وَقَلْعَةُ بَعْرِينَ وَسَلَمِيَّةَ وَتَلُّ خَالِدٍ وَالرُّهَا مِنْ بَلْدِ الْجَزِيرَةِ فِي أَقَطَاعِ الْأَمِيرِ فَخْرِ الدِّينِ مَسْعُودِ الزَّعْفَرَانِيِّ، فَلَمَّا مَاتَ نُورُ الدِّينِ لَمْ يُمْكِنْهُ الْمَقَامُ بِهَا لِسُوءِ سِيرَتِهِ فِي أَهْلِهَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي قِلَاعِ هَذِهِ الْبِلَادِ حُكْمٌ إِنَّمَا فِيهَا وُلَاةٌ لِنُورِ الدِّينِ. وَكَانَ بِقَلْعَةِ حِمْصَ وَالٍ يَحْفَظُهَا، فَلَمَّا نَزَلَ صَلَاحُ الدِّينِ عَلَى حِمْصَ، حَادِي عَشَرَ الشَّهْرَ الْمَذْكُورَ، رَاسَلَ مَنْ فِيهَا بِالتَّسْلِيمِ، فَامْتَنَعُوا، فَقَاتَلَهُمْ مِنَ الْغَدِ، فَمَلَكَ الْبَلَدَ وَأَمَّنَ أَهْلَهُ، وَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ الْقَلْعَةُ وَبَقِيَتْ مُمْتَنِعَةً إِلَى أَنْ عَادَ مِنْ حَلَبَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَتَرَكَ بِمَدِينَةِ حِمْصَ مَنْ يَحْفَظُهَا، وَيَمْنَعُ مَنْ بِالْقَلْعَةِ مِنَ التَّصَرُّفِ، وَأَنْ تَصَعَدَ إِلَيْهِمْ مَيْرَةٌ. وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ حَمَاةَ، وَهُوَ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ لَا يُظْهِرُ إِلَّا طَاعَةَ الْمَلِكِ الصَّالِحِ بْنِ نُورِ الدِّينِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا خَرَجَ لِحِفْظِ بِلَادِهِ عَلَيْهِ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَاسْتِعَادَةِ مَا

стр. 5636

أَخَذَهُ سَيْفُ الدِّينِ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ مِنَ الْبِلَادِ الْجَزَرِيَّةِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى حَمَاةَ مَلَكَ الْمَدِينَةَ مُسْتَهَلَّ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ بِقَلْعَتِهَا الْأَمِيرُ عِزُّ الدِّينِ جُورْدِيكُ، وَهُوَ مِنَ الْمَمَالِيكِ النُّورِيَّةِ، فَامْتَنَعَ مِنَ التَّسْلِيمِ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ صَلَاحُ الدِّينِ يُعَرِّفُهُ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ طَاعَةِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ حِفْظَ بِلَادِهِ عَلَيْهِ، فَاسْتَحْلَفَهُ جُورْدِيكُ عَلَى ذَلِكَ فَحَلِفَ وَسَيَّرَهُ إِلَى حَلَبَ فِي اجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ عَلَى طَاعَةِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، وَفِي إِطْلَاقِ شَمْسِ الدِّينِ عَلِيٍّ وَحَسَنٍ وَعُثْمَانَ أَوْلَادِ الدَّايَةِ مِنَ السِّجْنِ، فَسَارَ جُورْدِيكُ إِلَى حَلَبَ، وَاسْتَخْلَفَ بِقَلْعَةِ حَمَاةَ أَخَاهُ لِيَحْفَظَهَا، فَلَمَّا وَصَلَ جُورْدِيكُ إِلَى حَلَبَ قَبَضَ عَلَيْهِ كَمُشْتَكِينَ وَسَجَنَهُ، فَلَمَّا عَلِمَ أَخُوهُ بِذَلِكَ سَلَّمَ الْقَلْعَةَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ فَمَلَكَهَا. ذِكْرُ حَصْرِ صَلَاحِ الدِّينِ حَلَبَ وَعَوْدِهِ عَنْهَا وَمُلْكِهِ قَلْعَةَ حِمْصَ وَبَعْلَبَكَّ لَمَّا مَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ حَمَاةَ سَارَ إِلَى حَلَبَ فَحَصَرَهَا ثَالِثَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا، وَرَكِبَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ، وَهُوَ صَبِيٌّ عُمْرُهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَجَمَعَ أَهْلَ حَلَبَ وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمْ إِحْسَانَ أَبِي إِلَيْكُمْ وَمَحَبَّتَهُ لَكُمْ وَسِيرَتَهُ فِيكُمْ، وَأَنَا يَتِيمُكُمْ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا الظَّالِمُ الْجَاحِدُ إِحْسَانُ وَالِدِي إِلَيْهِ يَأْخُذُ بَلَدِي وَلَا يُرَاقِبُ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَا الْخَلْقَ، وَقَالَ مِنْ هَذَا كَثِيرًا وَبَكَى فَأَبْكَى النَّاسَ، فَبَذَلُوا لَهُ الْأَمْوَالَ وَالْأَنْفُسَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى الْقِتَالِ دُونَهُ، وَالْمَنْعِ عَنْ بَلَدِهِ، وَجَدُّوا فِي الْقِتَالِ، وَفِيهِمْ شَجَاعَةٌ، قَدْ أَلِفُوا الْحَرْبَ وَاعْتَادُوهَا، حَيْثُ كَانَ الْفِرِنْجُ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ، فَكَانُوا يَخْرُجُونَ وَيُقَاتِلُونَ صَلَاحَ الدِّينِ عِنْدَ جَبَلِ جَوْشَنَ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْقُرْبِ مِنَ الْبَلَدِ. وَأَرْسَلَ سَعْدُ الدِّينِ كَمُشْتَكِينُ إِلَى سِنَانَ مُقَدَّمِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، وَبَذَلَ لَهُ أَمْوَالًا كَثِيرَةً لِيَقْتُلُوا صَلَاحَ الدِّينِ، فَأَرْسَلُوا جَمَاعَةً مِنْهُمْ إِلَى عَسْكَرِهِ، فَلَمَّا وَصَلُوا رَآهُمْ أَمِيرٌ اسْمُهُ

стр. 5637

خُمَارْتِكِينُ، صَاحِبُ قَلْعَةِ أَبِي قُبَيْسٍ، فَعَرَفَهُمْ لِأَنَّهُ جَارُهُمْ فِي الْبِلَادِ، كَثِيرُ الْاجْتِمَاعِ بِهِمْ وَالْقِتَالِ لَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ لَهُمْ: مَا الَّذِي أَقْدَمَكُمْ وَفِي أَيِّ شَيْءٍ جِئْتُمْ؟ فَجَرَحُوهُ جِرَاحَاتٍ مُثْخَنَةٍ، وَحَمَلَ أَحَدُهُمْ عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ لِيَقْتُلَهُ، فَقُتِلَ دُونَهُ، وَقَاتَلَ الْبَاقُونَ مِنَ الْإِسْمَاعِيلِّيَّةِ، فَقَتَلُوا جَمَاعَةً ثُمَّ قُتِلُوا. وَبَقِيَ صَلَاحُ الدِّينِ مُحَاصِرًا لِحَلَبَ إِلَى سَلْخِ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَرَحَلَ عَنْهَا مُسْتَهَلَّ رَجَبَ، وَسَبَبُ رَحِيلِهِ أَنَّ الْقُمَّصَ رِيمُنْدُ الصَّنْجِيلِيُّ، صَاحِبُ طَرَابُلُسَ، كَانَ قَدْ أَسَرَهُ نُورُ الدِّينِ عَلَى حَارِمٍ سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَبَقِيَ فِي الْحَبْسِ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ، فَأَطْلَقَهُ سَعْدُ الدِّينِ بِمِائَةِ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ صُورِيَّةٍ وَأَلْفِ أَسِيرٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَلَدِهِ اجْتَمَعَ الْفِرِنْجُ عَلَيْهِ يُهَنِّئُونَهُ بِالسَّلَامَةِ، وَكَانَ عَظِيمًا فِيهِمْ مِنْ أَعْيَانِ شَيَاطِينِهِمْ، فَاتَّفَقَ أَنَّ مُرِّيَّ مَلِكَ الْفِرِنْجِ، لَعَنَهُ اللَّهُ، مَاتَ أَوَّلَ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ أَعْظَمَ مُلُوكِهِمْ شَجَاعَةً وَأَجْوَدَهُمْ رَأْيًا وَمَكْرًا وَمَكِيدَةً، فَلَمَّا تُوُفِّيَ خَلَّفَ ابْنًا مَجْذُومًا عَاجِزًا عَنْ تَدْبِيرِ الْمُلْكِ، فَمَلَّكَهُ الْفِرِنْجُ صُورَةً لَا مَعْنًى تَحْتَهَا، وَتَوَلَّى الْقُمُّصُ رِيمُنْدُ تَدْبِيرَ الْمُلْكِ، وَإِلَيْهِ الْحَلُّ وَالْعَقْدُ، عَنْ أَمْرِهِ يُصْدِرُونَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ بِحَلَبَ يَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يَقْصِدَ بَعْضَ الْبِلَادِ الَّتِي بِيَدِ صَلَاحِ الدِّينِ لِيَرْحَلَ عَنْهُمْ، فَسَارَ إِلَى حِمْصَ وَنَازَلَهَا سَابِعَ رَجَبٍ، فَلَمَّا تَجَهَّزَ لِقَصْدِهَا سَمِعَ صَلَاحُ الدِّينِ الْخَبَرَ فَرَحَلَ عَنْ حَلَبَ، فَوَصَلَ إِلَى حَمَاةَ ثَامِنَ رَجَبٍ، بَعْدَ نُزُولِ الْفِرِنْجِ عَلَى حِمْصَ بِيَوْمٍ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى الرَّسْتَنِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْفِرِنْجُ بِقُرْبِهِ رَحَلُوا عَنْ حِمْصَ، وَوَصَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَيْهَا، فَحَصَرَ الْقَلْعَةَ إِلَى أَنْ مَلَكَهَا فِي الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ، فَصَارَ أَكْثَرُ الشَّامِ بِيَدِهِ. وَلَمَّا مَلَكَ حِمْصَ سَارَ مِنْهَا إِلَى بَعْلَبَكَّ، وَبِهَا خَادِمٌ اسْمُهُ يُمْنٌ، وَهُوَ وَالٍ عَلَيْهَا مِنْ أَيَّامِ نُورِ الدِّينِ، فَحَصَرَهَا صَلَاحُ الدِّينِ، فَأَرْسَلَ يُمْنٌ يَطْلُبُ الْأَمَانَ لَهُ وَلِمَنْ عِنْدَهُ،

стр. 5638

فَأَمَّنَهُمْ صَلَاحُ الدِّينِ، وَسَلَّمَ الْقَلْعَةَ رَابِعَ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ. ذِكْرُ حَصْرِ سَيْفِ الدِّينِ أَخَاهُ عِمَادَ الدِّينِ بِسِنْجَارَ لَمَّا مَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ دِمَشْقَ وَحِمْصَ وَحَمَاةَ كَتَبَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُورِ الدِّينِ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ سَيْفِ الدِّينِ غَازِي بْنِ قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودِ، يَسْتَنْجِدُهُ عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ، وَيَطْلُبَ أَنْ يَعْبُرَ إِلَيْهِ لِيَقْصِدُوا صَلَاحَ الدِّينِ وَيَأْخُذُوا الْبِلَادَ مِنْهُ، فَجَمَعَ سَيْفُ الدِّينِ عَسَاكِرَهُ، وَكَاتِبَ أَخَاهُ عِمَادَ الدِّينِ زَنْكِي، صَاحِبَ سِنْجَارَ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَنْزِلَ إِلَيْهِ بِعَسَاكِرِهِ لِيَجْتَمِعَا عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الشَّامِ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ. وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ قَدْ كَاتَبَ عِمَادَ الدِّينِ وَأَطْمَعَهُ فِي الْمُلْكِ لِأَنَّهُ هُوَ الْكَبِيرُ، فَحَمَلَهُ الطَّمَعُ عَلَى الِامْتِنَاعِ عَلَى أَخِيهِ، فَلَمَّا رَأَى سَيْفُ الدِّينِ امْتِنَاعَهُ جَهَّزَ أَخَاهُ عِزَّ الدِّينِ مَسْعُودًا فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ، هُوَ مُعْظَمُ عَسْكَرِهِ، وَسَيَّرَهُ إِلَى الشَّامِ، وَجَعَلَ الْمُقَدَّمَ عَلَى الْعَسْكَرِ مَعَ أَخِيهِ عِزِّ الدِّينِ مَحْمُودٍ، وَيُلَقَّبُ أَيْضًا زَلْفِنْدَارَ، وَجَعَلَهُ الْمُدَبِّرَ لِلْأَمْرِ، وَسَارَ سَيْفُ الدِّينِ إِلَى سِنْجَارَ فَحَصَرَهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَقَاتَلَهَا، وَجَدَّ فِي الْقِتَالِ، وَامْتَنَعَ عِمَادُ الدِّينِ بِهَا، وَأَحْسَنَ حِفْظَهَا وَالذَّبَّ عَنْهَا، فَدَامَ الْحِصَارُ عَلَيْهَا، فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَاصِرُهَا أَتَاهُ الْخَبَرُ بِانْهِزَامِ عَسْكَرِهِ الَّذِي مَعَ أَخِيهِ عِزِّ الدِّينِ مَسْعُودٍ مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ، فَرَاسَلَ حِينَئِذٍ أَخَاهُ عِمَادَ الدِّينِ، وَصَالَحَهُ عَلَى مَا بِيَدِهِ، وَرَحَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَثَبَتَ قَدَمُ صَلَاحُ الدِّينِ بَعْدَ هَذِهِ الْهَزِيمَةِ، وَخَافَهُ النَّاسُ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيْفِ الدِّينِ (غَازِي فِي الصُّلْحِ) ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ حَالٌ. ذِكْرُ انْهِزَامِ عَسْكَرِ سَيْفِ الدِّينِ مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ وَحَصْرِهِ مَدِينَةَ حَلَبَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ عَسْكَرُ سَيْفِ الدِّينِ مَعَ أَخِيهِ عِزِّ الدِّينِ وَعِزِّ الدِّينِ زَلْفِنْدَارَ إِلَى حَلَبَ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمَا عَسَاكِرُ حَلَبَ، وَسَارُوا كُلُّهُمْ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ لِيُحَارِبُوهُ، فَأَرْسَلَ

стр. 5639

صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى سَيْفِ الدِّينِ يَبْذُلُ تَسْلِيمَ حِمْصَ وَحَمَاةَ، وَأَنْ يُقِرَّ بِيَدِهِ مَدِينَةَ دِمَشْقَ، وَهُوَ فِيهَا نَائِبُ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ تَسْلِيمِ جَمِيعِ مَا أُخِذَ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ وَالْعَوْدِ إِلَى مِصْرَ. وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ يَجْمَعُ عَسَاكِرَهُ وَيَتَجَهَّزُ لِلْحَرْبِ، فَلَمَّا امْتَنَعَ سَيْفُ الدِّينِ مِنْ إِجَابَتِهِ إِلَى مَا بَذَلَ سَارَ فِي عَسَاكِرِهِ إِلَى عِزِّ الدِّينِ مَسْعُودٍ وَزَلْفِنْدَارَ، فَالْتَقَوْا تَاسِعَ عَشَرَ رَمَضَانَ، بِالْقُرْبِ مِنْ مَدِينَةِ حَمَاةَ، بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ قُرُونُ حَمَاةَ، وَكَانَ زَلْفِنْدَارُ جَاهِلًا بِالْحُرُوبِ وَالْقِتَالِ، غَيْرُ عَالِمٍ بِتَدْبِيرِهَا، مَعَ جُبْنٍ فِيهِ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ رُزِقَ سَعَادَةً وَقَبُولًا مِنْ سَيْفِ الدِّينِ، فَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ لَمْ يَثْبُتِ الْعَسْكَرُ السَّيْفِيُّ، وَانْهَزَمُوا لَا يَلْوِي أَخٌ عَلَى أَخِيهِ، وَثَبَتَ عِزُّ الدِّينِ أَخُو سَيْفِ الدِّينِ بَعْدَ انْهِزَامِ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَأَى صَلَاحُ الدِّينِ ثَبَاتَهُ قَالَ: إِمَّا أَنَّ هَذَا أَشْجَعُ النَّاسِ، أَوْ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْحَرْبَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْحَمْلَةِ عَلَيْهِ، فَحَمَلُوا فَأَزَالُوهُ عَنْ مَوْقِفِهِ، وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ. وَتَبِعَهُمْ صَلَاحُ الدِّينِ وَعَسْكَرُهُ حَتَّى جَاوَزُوا مُعَسْكَرِهِمْ، وَغَنِمُوا مِنْهُمْ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَآلَةً، وَسِلَاحًا عَظِيمًا، وَدَوَابَّ فَارِهَةً، وَعَادُوا بَعْدَ طُولِ الْبِيكَارَ مُسْتَرِيحِينَ، وَعَادَ الْمُنْهَزِمُونَ إِلَى حَلَبَ، وَتَبِعَهُمْ صَلَاحُ الدِّينِ، فَنَازَلَهُمْ بِهَا مُحَاصِرًا لَهَا وَمُقَاتِلًا، وَقَطَعَ حِينَئِذٍ خُطْبَةَ الْمَلِكِ الصَّالِحِ بْنِ نُورِ الدِّينِ، وَأَزَالَ اسْمَهُ عَنِ السِّكَّةِ فِي بِلَادِهِ، وَدَامَ مُحَاصِرًا لَهُمْ، فَلَمَّا طَالَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ رَاسَلُوهُ فِي الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا بِيَدِهِ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ وَلَهُمْ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْهَا، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَانْتَظَمَ الصُّلْحُ وَرَحَلَ عَنْ حَلَبَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ وَوَصَلَ إِلَى حَمَاةَ، وَوَصَلَتْ إِلَيْهِ بِهَا خِلَعُ الْخَلِيفَةِ مَعَ رَسُولِهِ.

стр. 5640

ذِكْرُ مُلْكِ صَلَاحِ الدِّينِ قَلْعَةَ بِعَرِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ، مَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ قَلْعَةَ بِعَرِينَ مِنَ الشَّامِ، وَكَانَ [صَاحِبُهَا] فَخْرَ الدِّينِ مَسْعُودَ بْنَ الزَّعْفَرَانِيِّ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ النُّورِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَى قُوَّةَ صَلَاحِ الدِّينِ نَزَلَ مِنْهَا، وَاتَّصَلَ بِصَلَاحِ الدِّينِ، وَظَنَّ أَنَّهُ يُكْرِمُهُ وَيُشَارِكُهُ فِي مُلْكِهِ، وَلَا يَنْفَرِدُ عَنْهُ بِأَمْرٍ مِثْلُ مَا كَانَ مَعَ نُورِ الدِّينِ، فَلَمْ يَرَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَفَارَقَهُ، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ لَهُ مِنْ إِقْطَاعِهِ الَّذِي كَانَ لَهُ فِي الْأَيَّامِ النُّورِيَّةِ غَيْرُ بِعَرِينَ وَنَائِبِهِ بِهَا، فَلَمَّا صَالَحَ صَلَاحُ الدِّينِ الْمَلِكَ الصَّالِحَ بِحَلَبَ، عَادَ إِلَى حَمَاةَ وَسَارَ مِنْهَا إِلَى بِعَرِينَ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْهَا، فَحَصَرَهَا وَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، وَأَدَامَ قِتَالَهَا، فَسَلَّمَهَا وَالِيهَا بِالْأَمَانِ، فَلَمَّا مَلَكَهَا عَادَ إِلَى حَمَاةَ، فَأَقْطَعَهَا خَالَهُ شِهَابَ الدِّينِ مَحْمُودَ بْنَ تَكِشَ الْحَارِمِيَّ، وَأَقْطَعَ حِمْصَ نَاصِرَ الدِّينِ مُحَمَّدَ ابْنَ عَمِّهِ شِيرْكُوهْ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى دِمَشْقَ فَدَخَلَهَا أَوَاخِرَ شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ. ذِكْرُ مُلْكِ الْبَهْلَوَانِ مَدِينَةَ تَبْرِيزَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ الْبَهْلَوَانُ بْنُ إِيلْدِكْزَ مَدِينَةَ تَبْرِيزَ، وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ بِلَادِ آقْسُنْقُرَ الْأَحْمَدِيلِيِّ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَهْلَوَانَ سَارَ إِلَى مَرَاغَةَ وَحَصَرَهَا، وَكَانَ ابْنُ آقْسُنْقُرَ الْأَحْمَدِيلِيُّ صَاحِبُهَا قَدْ مَاتَ، وَوَصَّى بِالْمُلْكِ لِابْنِهِ فَلَكِ الدِّينِ، فَقَصَدَهُ الْبَهْلَوَانُ، وَنَزَلَ عَلَى قَلْعَةِ رُويِينَ دُزْ وَحَصَرَهَا فَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ، فَتَرَكَهَا، وَحَصَرَ مَرَاغَةَ، وَسَيَّرَ أَخَاهُ قُزْلَ أَرْسَلَانَ فِي جَيْشٍ إِلَى مَدِينَةِ تَبْرِيزَ فَحَصَرَهَا أَيْضًا. وَكَانَ الْبَهْلَوَانُ يُقَاتِلُ أَهْلَ مَرَاغَةَ، فَظَفِرُوا بِطَائِفَةٍ مِنْ عَسْكَرِهِ، فَخَلَعَ عَلَيْهِمْ صَدْرُ الدِّينِ قَاضِي مَرَاغَةَ، وَأَطْلَقَهُمْ، فَحَسُنَ ذَلِكَ عِنْدَ الْبَهْلَوَانِ، وَشَرَعَ الْقَاضِي فِي الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يُسَلِّمُوا تَبْرِيزَ إِلَى الْبَهْلَوَانِ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ عَلَيْهِ، وَحَلِفَ
следующие страницы →