← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

أَحْمَدَ بْنِ صَاحِبِ الْغَرَّافِ وَزَلْفِنْدَارَ، عُقُوبَةً لَهُمَا، ثُمَّ أَخْرَجَ مُجَاهِدَ الدِّينِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ذِكْرُ غَزْوِ بَيْسَانَ لَمَّا فَرَغَ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْ أَمْرِ حَلَبَ جَعَلَ فِيهَا وَلَدَهُ الْمَلِكَ الظَّاهِرَ غَازِيَ، وَهُوَ صَبِيٌّ، وَجَعَلَ مَعَهُ الْأَمِيرَ سَيْفَ الدِّينِ يَازِكَجَ، وَكَانَ أَكْبَرَ الْأُمَرَاءِ الْأَسَدِيَّةِ، وَسَارَ إِلَى دِمَشْقَ، وَتَجَهَّزَ لِلْغَزْوِ، وَمَعَهُ عَسَاكِرُ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ، وَدِيَارُ بَكْرٍ، وَسَارَ إِلَى بَلَدِ الْفِرِنْجِ، فَعَبَرَ نَهْرَ الْأُرْدُنِّ تَاسِعَ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنَ السَّنَةِ، فَرَأَى أَهْلَ تِلْكَ النَّوَاحِي قَدْ فَارَقُوهَا خَوْفًا، فَقَصَدَ بَيْسَانَ فَأَحْرَقَهَا وَخَرَّبَهَا، وَأَغَارَ عَلَى مَا هُنَاكَ، فَاجْتَمَعَ الْفِرِنْجُ، وَجَاءُوا إِلَى قُبَالَتِهِ، فَحِينَ رَأَوْا كَثْرَةَ عَسَاكِرِهِ لَمْ يَقْدَمُوا عَلَيْهِ، فَأَقَامَ عَلَيْهِمْ، وَقَدِ اسْتَنَدُوا إِلَى جَبَلٍ هُنَاكَ، وَخَنْدَقُوا عَلَيْهِمْ، فَأَحَاطَ بِهِمْ، وَعَسَاكِرُ الْإِسْلَامِ تَرْمِيهِمْ بِالسِّهَامِ، وَتُنَاوِشُهُمُ الْقِتَالَ، فَلَمْ يَخْرُجُوا وَأَقَامُوا كَذَلِكَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَعَادَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُمْ سَابِعَ عَشَرَ الشَّهْرِ، لَعَلَّ الْفِرِنْجَ يَطْمَعُونَ وَيَخْرُجُونَ، فَيَسْتَدْرِجُونَهُمْ لِيَبْلُغُوا مِنْهُمْ غَرَضًا، فَلَمَّا رَأَى الْفِرِنْجُ ذَلِكَ لَمْ يُطْمِعُوا أَنْفُسَهُمْ فِي غَيْرِ السَّلَامَةِ. وَأَغَارَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تِلْكَ الْأَعْمَالِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَوَصَلُوا فِيهَا إِلَى مَا لَمْ يَكُونُوا يَطْمَعُونَ فِي الْوُصُولِ إِلَيْهِ وَالْإِقْدَامِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَثُرَتِ الْغَنَائِمُ مَعَهُمْ رَأَوُا الْعَوْدَ إِلَى بِلَادِهِمْ بِمَا غَنِمُوا مَعَ الظَّفَرِ أَوْلَى، فَعَادُوا إِلَى بِلَادِهِمْ عَلَى عَزْمِ الْغَزْوِ. ذِكْرُ غَزْوِ الْكَرَكِ وَمُلْكِ الْعَادِلِ حَلَبَ لَمَّا عَادَ صَلَاحُ الدِّينِ وَالْمُسْلِمُونَ مِنْ غَزْوَةِ بَيْسَانَ تَجَهَّزُوا لِغَزْوِ الْكَرَكِ، فَسَارَ إِلَيْهِ

стр. 5707

فِي الْعَسَاكِرِ، وَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ الْعَادِلِأَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ، وَهُوَ نَائِبُهُ بِمِصْرَ، يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ بِجَمِيعِ الْعَسَاكِرِ إِلَى الْكَرَكِ. وَكَانَ الْعَادِلُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ يَطْلُبُ مِنْهُ مَدِينَةَ حَلَبَ وَقَلْعَتَهَا، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَوَصَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى الْكَرَكِ فِي رَجَبٍ، وَوَافَاهُ أَخُوهُ الْعَادِلُ فِي الْعَسْكَرِ الْمِصْرِيِّ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَتَمَكَّنَ مِنْ حَصْرِهِ، وَ [صَعِدَ] الْمُسْلِمُونَ إِلَى رَبَضِهِ وَمَلَكَهُ، وَحَصَرَ الْحِصْنَ مِنَ الرَّبَضِ، وَتَحَكَّمَ عَلَيْهِ فِي الْقِتَالِ، وَنَصَبَ عَلَيْهِ سَبْعَةَ مَجَانِيقَ لَا تَزَالُ تَرْمِي بِالْحِجَارَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا. وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ يَظُنُّ أَنَّ الْفِرِنْجَ لَا يُمَكِّنُونَهُ مِنْ حَصْرِ الْكَرَكِ، وَأَنَّهُمْ يَبْذُلُونَ جُهْدَهُمْ فِي رَدِّهِ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَسْتَصْحِبْ مَعَهُ مِنْ آلَاتِ الْحِصَارِ مَا يَكْفِي لِمِثْلِ ذَلِكَ الْحِصْنِ الْعَظِيمِ وَالْمَعْقِلِ الْمَنِيعِ، فَرَحَلَ عَنْهُ مُنْتَصَفَ شَعْبَانَ، وَسَيَّرَ تَقِيَّ الدِّينِ ابْنَ أَخِيهِ إِلَى مِصْرَ نَائِبًا عَنْهُ لِيَتَوَلَّى مَا كَانَ أَخُوهُ الْعَادِلُ يَتَوَلَّاهُ، وَاسْتَصْحَبَ أَخَاهُ الْعَادِلَ مَعَهُ إِلَى دِمَشْقَ، وَأَعْطَاهُ مَدِينَةَ حَلَبَ وَقَلْعَتَهَا وَأَعْمَالَهَا، وَمَدِينَةَ مَنْبِجَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، وَسَيَّرَهُ إِلَيْهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ، وَأَحْضَرَ وَلَدَهُ الظَّاهِرَ مِنْهَا إِلَى دِمَشْقَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَ الرِّبَاطُ الَّذِي بَنَتْهُ أُمُّ الْخَلِيفَةِ بِالْمَأْمُونِيَّةِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا، فِي ذِي الْحِجَّةِ، تُوُفِّيَ مُكْرَمُ بْنُ بَخْتِيَارَ أَبُو الْخَيْرِ الزَّاهِدُ بِبَغْدَادَ. رَوَى الْحَدِيثَ، وَكَانَ كَثِيرَ الْبُكَاءِ. وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ بَخْتِيَارَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عَبْدِ الْمُوَلِّدِ الشَّاعِرُ وَيُعْرَفُ بِالْأَبْلَهِ، فَمِنْ جُمْلَةِ شِعْرِهِ:

стр. 5708

أَرَاقَ دَمْعِي لَا بَلْ أَرَاقَ دَمِي ... ظُلْمًا بِظُلْمٍ مِنْ رِيقِهِ الشَّبِمِ ذُو قَامَةٍ كَالْقَضِيبِ نَاضِرَةٍ ... وَنَاظِرٍ مِنْ سَقَامِهِ سَقَمِي حَصَلْتُ مَنْ وَعْدِهِ عَلَى أَصْدَقِ ... الْ وَعْدِ وَمِنْ وَصْلِهِ عَلَى التُّهَمِ

стр. 5709

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ] ٥٨٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ إِطْلَاقِ مُجَاهِدِ الدِّينِ مِنَ الْحَبْسِ وَانْهِزَامِ الْعَجَمِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي مُحَرَّمٍ، أَطْلَقَ أَتَابِكُ عِزُّ الدِّينِ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، مُجَاهِدَ الدِّينِ قَايْمَازَ مِنَ الْحَبْسِ بِشَفَاعَةِ شَمْسِ الدِّينِ الْبَهْلَوَانِ، صَاحِبِ هَمَذَانَ وَبِلَادِ الْجَبَلِ، وَسَيَّرَهُ إِلَى الْبَهْلَوَانِ وَأَخِيهِ قُزْلَ يَسْتَنْجِدُهُمَا عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ، فَسَارَ إِلَى قُزْلَ أَوَّلًا، وَهُوَ صَاحِبُ أَذْرَبِيجَانَ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُ مِنَ الْمُضِيِّ إِلَى الْبَهْلَوَانِ، وَقَالَ: مَا تَخْتَارُهُ أَنَا أَفْعَلُهُ، وَجَهَّزَ مَعَهُ عَسْكَرًا كَثِيرًا نَحْوَ ثَلَاثَةِ آلَافِ فَارِسٍ، وَسَارُوا نَحْوَ إِرْبِلَ لِيَحْصُرُوهَا، فَلَمَّا قَارَبُوهَا أَفْسَدُوا فِي الْبِلَادِ وَخَرَّبُوهَا، وَنَهَبُوا وَسَبَوْا، وَأَخَذُوا النِّسَاءَ قَهْرًا، وَلَمْ يَقْدِرْ مُجَاهِدُ الدِّينِ عَلَى مَنْعِهِمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ زَيْنُ الدِّينِ يُوسُفُ، صَاحِبُ إِرْبِلَ، فِي عَسْكَرِهِ، فَلَقِيَهُمْ وَهُمْ مُتَفَرِّقُونَ فِي الْقُرَى يَنْهَبُونَ وَيَحْرِقُونَ، فَانْتَهَزَ الْفُرْصَةَ فِيهِمْ بِتَفَرُّقِهِمْ، وَأَلْقَى بِنَفْسِهِ وَعَسْكَرِهِ عَلَى أَوَّلِ مَنْ لَقِيَهُ مِنْهُمْ، فَهَزَمَهُمْ، وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَغَنِمَ الْإِرْبِلِيُّونَ أَمْوَالَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ وَسِلَاحَهُمْ، وَعَادَ الْعَجَمُ إِلَى بِلَادِهِمْ مُنْهَزِمِينَ، وَعَادَ صَاحِبُ إِرْبِلَ إِلَى بَلَدِهِ مُظَفَّرًا غَانِمًا، وَعَادَ مُجَاهِدُ الدِّينِ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَكَانَ يَحْكِي: إِنَّنِي مَا زِلْتُ أَنْتَظِرُ الْعُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سُوءِ أَفْعَالِ الْعَجَمِ، فَإِنَّنِي رَأَيْتُ مِنْهُمْ مَا لَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ يَفْعَلُهُ مُسْلِمٌ بِمُسْلِمٍ، وَكُنْتُ أَنْهَاهُمْ فَلَا يَسْمَعُونَ، حَتَّى كَانَ مِنَ الْهَزِيمَةِ مَا كَانَ. ذِكْرُ وَفَاةِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ يَعْقُوبَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ إِلَى بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، وَجَازَ الْبَحْرَ إِلَيْهَا فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنْ عَسَاكِرِ الْمَغْرِبِ، فَإِنَّهُ جَمَعَ وَحَشَدَ الْفَارِسَ وَالرَّاجِلَ، فَلَمَّا عَبَرَ الْخَلِيجَ قَصَدَ غَرْبِيَّ الْبِلَادِ، فَحَصَرَ مَدِينَةَ شَنْتَرِينَ، وَهِيَ لِلْفِرِنْجِ، شَهْرًا،

стр. 5710

فَأَصَابَهُ بِهَا مَرَضٌ فَمَاتَ مِنْهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَحُمِلَ فِي تَابُوتٍ إِلَى مَدِينَةِ إِشْبِيلِيَّةَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ. وَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَشَهْرًا، وَمَاتَ عَنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ بِالْمُلْكِ لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ، فَاتَّفَقَ رَأْيُ قُوَّادِ الْمُوَحِّدِينَ وَأَوْلَادِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ [عَلَى تَمْلِيكِ وَلَدِهِ أَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ] فَمَلَّكُوهُ مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَبُوهُ لِئَلَّا يَكُونُوا بِغَيْرِ مَلِكٍ يَجْمَعُ كَلِمَتَهُمْ لِقُرْبِهِمْ مِنَ الْعَدُوِّ، فَقَامَ فِي ذَلِكَ أَحْسَنَ قِيَامٍ، وَأَقَامَ رَايَةَ الْجِهَادِ، وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ فِي النَّاسِ. وَكَانَ دَيِّنًا مُقِيمًا لِلْحُدُودِ فِي الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، فَاسْتَقَامَتْ لَهُ الدَّوْلَةُ وَانْقَادَتْ إِلَيْهِ بِأَسْرِهَا مَعَ سِعَةِ أَقْطَارِهَا، وَرَتَّبَ ثُغُورَ الْأَنْدَلُسِ وَشَحَنَهَا بِالرِّجَالِ، وَرَتَّبَ الْمُقَاتِلَةَ فِي سَائِرِ بِلَادِهَا، وَأَصْلَحَ أَحْوَالَهَا وَعَادَ إِلَى مُرَّاكِشَ. وَكَانَ أَبُوهُ يُوسُفُ حَسَنَ السِّيرَةِ، وَكَانَ طَرِيقُهُ أَلْيَنَ مِنْ طَرِيقِ أَبِيهِ مَعَ النَّاسِ، يُحِبُّ الْعُلَمَاءَ وَيُقَرِّبُهُمْ وَيُشَاوِرُهُمْ، وَهُمْ أَهْلُ خِدْمَتِهِ وَخَاصَّتِهِ. وَأَحَبَّهُ النَّاسُ وَمَالُوا إِلَيْهِ، وَأَطَاعَهُ مِنَ الْبِلَادِ مَا امْتَنَعَ عَلَى أَبِيهِ، وَسَلَكَ فِي جِبَايَةِ الْأَمْوَالِ مَا كَانَ أَبُوهُ يَأْخُذُهُ، وَلَمْ يَتَعَدَّهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَاسْتَقَامَتْ لَهُ الْبِلَادُ بِحُسْنِ فِعْلِهِ مَعَ أَهْلِهَا، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. ذِكْرُ غَزْوِ صَلَاحِ الدِّينِ الْكَرَكِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، سَارَ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْ دِمَشْقَ يُرِيدُ الْغَزْوَ، وَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ، فَأَتَتْهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَمِمَّنْ أَتَاهُ نُورُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ قَرَا أَرْسَلَانَ، صَاحِبُ الْحِصْنِ. وَكَتَبَ إِلَى مِصْرَ لِيَحْضُرَ عَسْكَرُهَا عِنْدَهُ عَلَى الْكَرَكِ، فَنَازَلَ الْكَرَكَ وَحَصَرَهُ، وَضَيَّقَ عَلَى مَنْ بِهِ، وَأَمَرَ بِنَصْبِ الْمَجَانِيقِ عَلَى رَبَضَهِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَمَلَكَ الْمُسْلِمُونَ الرَّبَضَ، وَبَقِيَ الْحِصْنُ، وَهُوَ وَالرَّبَضُ عَلَى سَطْحِ جَبَلٍ وَاحِدٍ، إِلَّا أَنَّ بَيْنَهُمَا خَنْدَقًا

стр. 5711

عَظِيمًا عُمْقُهُ نَحْوُ سِتِّينَ ذِرَاعًا، فَأَمَرَ صَلَاحُ الدِّينِ بِإِلْقَاءِ الْأَحْجَارِ وَالتُّرَابِ فِيهِ لِيَطِمَّهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ عَلَى الدُّنُوِّ مِنْهُ لِكَثْرَةِ الرَّمْيِ عَلَيْهِمْ بِالسِّهَامِ مِنَ الْجُرْخِ وَالْقَوْسِ وَالْأَحْجَارِ مِنَ الْمَجَانِيقِ، فَأَمَرَ أَنْ يُبْنَى بِالْأَخْشَابِ وَاللَّبِنِ مَا يُمَكِّنُ الرِّجَالَ يَمْشُونَ تَحْتَهُ إِلَى الْخَنْدَقِ وَلَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنَ السِّهَامِ وَالْأَحْجَارِ، فَفُعِلَ ذَلِكَ، فَصَارُوا يَمْشُونَ تَحْتَ السَّقَائِفِ وَيُلْقُونَ فِي الْخَنْدَقِ مَا يَطِمُّهُ، وَمَجَانِيقُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ ذَلِكَ تَرْمِي الْحِصْنَ لَيْلًا وَنَهَارًا. وَأَرْسَلَ مَنْ فِيهِ مِنَ الْفِرِنْجِ إِلَى مَلِكِهِمْ وَفُرْسَانِهِمْ يَسْتَمِدُّونَهُمْ وَيُعَرِّفُونَهُمْ عَجْزَهُمْ وَضَعْفَهُمْ عَنْ حِفْظِ الْحِصْنِ، فَاجْتَمَعَتِ الْفِرِنْجُ عَنْ آخِرِهَا، وَسَارُوا إِلَى نَجْدَتِهِمْ عَجِلِينَ، فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ بِمَسِيرِهِمْ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ رَحَلَ عَنِ الْكَرَكِ إِلَى طَرِيقِهِمْ لِيَلْقَاهُمْ وَيُصَافِفَهُمْ، وَيُعُودَ بَعْدَ أَنْ يَهْزِمَهُمْ إِلَى الْكَرَكِ، فَقَرُبَ مِنْهُمْ وَخَيَّمَ وَنَزَلَ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الدُّنُوُّ مِنْهُمْ لِخُشُونَةِ الْأَرْضِ وَصُعُوبَةِ الْمَسْلَكِ إِلَيْهِمْ وَضِيقِهِ، فَأَقَامَ أَيَّامًا يَنْتَظِرُ خُرُوجَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْهُمْ، فَلَمْ يَبْرَحُوا مِنْهُ خَوْفًا عَلَى نُفُوسِهِمْ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَحَلَ عَنْهُمْ عِدَّةَ فَرَاسِخَ، وَجَعَلَ بِإِزَائِهِمْ مَنْ يُعْلِمُهُ بِمَسِيرِهِمْ، فَسَارُوا لَيْلًا إِلَى الْكَرَكِ، فَلَمَّا عَلِمَ صَلَاحُ الدِّينِ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ حِينَئِذٍ وَلَا يَبْلُغُ غَرَضَهُ، فَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ نَابُلُسَ، وَنَهَبَ كُلَّ مَا عَلَى طَرِيقِهِ مِنَ الْبِلَادِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى نَابُلُسَ أَحْرَقَهَا وَخَرَّبَهَا وَنَهَبَهَا، وَقَتَلَ فِيهَا وَأَسَرَ وَسَبَى فَأَكْثَرَ، وَسَارَ عَنْهَا إِلَى سَبَسْطِيَةَ، وَبِهَا مَشْهَدُ زَكَرِيَّاءَ ﵇ وَبِهَا كَنِيسَةٌ، وَبِهَا جَمَاعَةُ أَسْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَنْقَذَهُمْ، وَرَحَلَ إِلَى جِينِينَ فَنَهَبَهَا وَخَرَّبَهَا، وَعَادَ إِلَى دِمَشْقَ وَنَهَبَ مَا عَلَى طَرِيقِهِ وَخَرَّبَهُ، وَبَثَّ السَّرَايَا فِي طَرِيقِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا يَغْنَمُونَ وَيُخَرِّبُونَ، وَوَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ. ذِكْرُ مُلْكِ الْمُلَثَّمِينَ بِجَابَةَ وَعَوْدِهَا إِلَى أَوْلَادِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَعْبَانَ، خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ غَانِيَةَ وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ الْمُلَثَّمِينَ الَّذِينَ كَانُوا مُلُوكَ الْمَغْرِبِ، وَهُوَ حِينَئِذٍ صَاحِبُ جَزِيرَةِ مَيُورْقَةَ، إِلَى

стр. 5712

بِجَايَةَ فَمَلَكَهَا، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ بِوَفَاةِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ عَمَّرَ أُسْطُولَهُ فَكَانَ عِشْرِينَ قِطْعَةً وَسَارَ فِي جُمُوعِهِ فَأَرْسَى فِي سَاحِلِ بِجَايَةَ، وَخَرَجَتْ خَيْلُهُ وَرِجَالُهُ مِنَ الشَّوَانِيِّ فَكَانُوا نَحْوَ مِائَتَيْ فَارِسٍ مِنَ الْمُلَثَّمِينَ وَأَرْبَعَةِ آلَافِ رَاجِلٍ، فَدَخَلَ مَدِينَةَ بِجَايَةَ بِغَيْرِ قِتَالٍ لِأَنَّهُ اتَّفَقَ أَنَّ وَالِيَهَا سَارَ عَنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ إِلَى مُرَّاكِشَ وَلَمْ يَتْرُكْ فِيهَا جَيْشًا وَلَا مُمَانِعًا لِعَدَمِ عَدُوٍّ يَحْفَظُهَا مِنْهُ، فَجَاءَ الْمُلَثَّمُ وَلَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِمْ أَنَّهُ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، فَأَرْسَى بِهَا وَوَافَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ بَقَايَا دَوْلَةِ بَنِي حَمَّادٍ وَصَارُوا مَعَهُ فَكَثُرَ جَمْعُهُ بِهِمْ وَقَوِيَتْ نَفْسُهُ، فَسَمِعَ خَبَرَهُ وَالِي بِجَايَةَ فَعَادَ مِنْ طَرِيقِهِ وَمَعَهُ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ ثَلَاثُمِائَةِ فَارِسٍ، فَجَمَعَ مِنَ الْعَرَبِ وَالْقَبَائِلِ الَّذِينَ فِي تِلْكَ الْجِهَاتِ نَحْوَ أَلْفِ فَارِسٍ، فَسَمِعَ بِهِمُ الْمُلَثَّمُ وَبِقُرْبِهِمْ مِنْهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ صَارَ مَعَهُ قَدْرُ أَلْفِ فَارِسٍ، وَتَوَاقَفُوا سَاعَةً فَانْضَافَ جَمِيعُ الْجُمُوعِ الَّتِي كَانَتْ مَعَ وَالِي بِجَايَةَ إِلَى الْمُلَثَّمِ، فَانْهَزَمَ حِينَئِذٍ وَالِي بِجَايَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ وَسَارُوا إِلَى مُرَّاكِشَ، وَعَادَ الْمُلَثَّمُ إِلَى بِجَايَةَ فَجَمَعَ جَيْشَهُ وَخَرَجَ إِلَى أَعْمَالِ بِجَايَةَ فَأَطَاعَهُ جَمِيعُهَا إِلَّا قُسَنْطِينَةَ الْهَوَى فَحَصَرَهَا إِلَى أَنْ جَاءَ جَيْشٌ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ مُرَّاكِشَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ إِلَى بِجَايَةَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَكَانَ بِهَا يَحْيَى وَعَبْدُ اللَّهِ أَخَوَا عَلِيِّ بْنَ إِسْحَاقَ الْمُلَثَّمِ، فَخَرَجَا مِنْهَا هَارِبَيْنِ وَلَحِقَا بِأَخِيهِمَا فَرَحَلَ عَنْ قُسَنْطِينَةَ وَسَارَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ. وَكَانَ سَبَبُ إِرْسَالِ الْجَيْشِ مِنْ مُرَّاكِشَ أَنَّ وَالِيَ بِجَايَةَ وَصَلَ إِلَى يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ صَاحِبِ الْمَغْرِبِ وَعَرَّفَهُ مَا جَرَى بِبِجَايَةَ وَاسْتِيلَاءِ الْمُلَثَّمِينَ عَلَيْهَا، وَخَوْفِهِ عَاقِبَةَ التَّوَانِي، فَجَهَّزَ الْعَسَاكِرَ فِي الْبَرِّ عِشْرِينَ أَلْفَ فَارِسٍ وَجَهَّزَ الْأُسْطُولَ فِي الْبَحْرِ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ وَاسْتَعَادُوهَا. ذِكْرُ وَفَاةِ صَاحِبِ مَارِدِينَ وَمُلْكِ وَلَدِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ قُطْبُ الدِّينِ إِيلْغَازِيُّ بْنُ نَجْمِ الدِّينِ بْنِ أَلْبِيِّ بْنِ تَمْرِتَاشَ بْنِ إِيلْغَازِيِّ بْنِ أَرْتَقَ صَاحِبُ مَارِدِينَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ حُسَامُ الدِّينِ بَوْلَقُ أَرْسَلَانَ، وَهُوَ طِفْلٌ وَقَامَ بِتَرْبِيَتِهِ وَتَدْبِيرِ مَمْلَكَتِهِ نِظَامُ الدِّينِ الْبُقْشُ مَمْلُوكُ أَبِيهِ، وَكَانَ شَاهْ أَرْمَنَ صَاحِبُ خِلَاطَ خَالَ قُطْبِ الدِّينِ فَحَكَمَ فِي دَوْلَتِهِ، وَهُوَ رَتَّبَ الْبُقْشَ مَعَ وَلَدِهِ، وَكَانَ

стр. 5713

الْبُقْشُ دَيِّنًا خَيِّرًا عَادِلًا حَسَنَ السِّيرَةِ حَلِيمًا، فَأَحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ وَتَزَوَّجَ أُمَّهُ، فَلَمَّا كَبِرَ الْوَلَدُ لَمْ يُمَكِّنْهُ النِّظَامُ مِنْ مَمْلَكَتِهِ لِخَبْطٍ وَهَوَجٍ فِيهِ، وَكَانَ لِنِظَامِ الدِّينِ هَذَا مَمْلُوكٌ اسْمُهُ لُؤْلُؤٌ قَدْ تَحَكَّمَ فِي دَوْلَتِهِ وَحَكَمَ فِيهَا، فَكَانَ يَحْمِلُ النِّظَامَ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ مَعَ الْوَلَدِ، وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ الْوَلَدُ وَلَهُ أَخٌ أَصْغَرُ مِنْهُ لَقَبُهُ قُطْبُ الدِّينِ، فَرَتَّبَهُ النِّظَامُ فِي الْمُلْكِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْهُ إِلَّا الِاسْمُ، وَالْحُكْمُ إِلَى النِّظَامِ وَلُؤْلُؤٍ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّمِائَةٍ، فَمَرِضَ النِّظَامُ الْبُقْشُ فَأَتَاهُ قُطْبُ الدِّينِ يَعُودُهُ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ خَرَجَ مَعَهُ لُؤْلُؤٌ وَضَرَبَهُ قُطْبُ الدِّينِ بِسِكِّينٍ مَعَهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ إِلَى النِّظَامِ وَبِيَدِهِ السِّكِّينُ فَقَتَلَهُ أَيْضًا، وَخَرَجَ وَحْدَهُ وَمَعَهُ غُلَامٌ لَهُ وَأَلْقَى الرَّأْسَيْنِ إِلَى الْأَجْنَادِ، وَكَانُوا كُلُّهُمْ قَدْ أَنْشَأَهُمُ النِّظَامُ وَلُؤْلُؤٌ فَأَذْعَنُوا لَهُ بِالطَّاعَةِ، فَلَمَّا تَمَكَّنَ أَخْرَجَ مَنْ أَرَادَ وَتَرَكَ مَنْ أَرَادَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى قَلْعَةِ مَارِدِينَ وَأَعْمَالِهَا وَقَلْعَةِ الْبَارِعِيَّةِ وَصُورَ، وَهُوَ إِلَى الْآنَ حَاكِمٌ فِيهَا حَازِمٌ فِي أَفْعَالِهِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ [الْوَفَيَاتُ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ صَدْرُ الدِّينِ شَيْخُ الشُّيُوخِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ شَيْخِ الشُّيُوخِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ شَيْخِ الشُّيُوخِ أَبِي سَعِيدٍ أَحْمَدَ فِي شَعْبَانَ، وَكَانَ قَدْ سَارَ فِي دِيوَانِ الْخِلَافَةِ رَسُولًا إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ وَمَعَهُ شِهَابُ الدِّينِ بَشِيرٌ الْخَادِمُ فِي مَعْنَى الصُّلْحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِزِّ الدِّينِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَوَصَلَا إِلَى دِمَشْقَ وَصَلَاحُ الدِّينِ يَحْصُرُ الْكَرَكَ، فَأَقَامَا إِلَى أَنْ عَادَ فَلَمْ يَسْتَقِرَّ فِي الصُّلْحِ أَمْرٌ، وَمَرِضَا وَطَلَبَا الْعَوْدَةَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِمَا صَلَاحُ الدِّينِ بِالْمَقَامِ إِلَى أَنْ يَصْطَلِحَا، فَلَمْ يَفْعَلَا وَسَارَا فِي الْحَرِّ فَمَاتَ بَشِيرٌ بِالسَّخْنَةِ. وَمَاتَ صَدْرُ الدِّينِ بِالرَّحَبَةِ، وَدُفِنَ بِمَشْهَدِ الْبُوقِ، وَكَانَ وَاحِدَ زَمَانِهِ، قَدْ جَمَعَ

стр. 5714

بَيْنَ رِيَاسَةِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَكَانَ مَلْجَأً لِكُلِّ خَائِفٍ، صَالِحًا، كَرِيمًا، حَلِيمًا، وَلَهُ مَنَاقِبُ كَثِيرَةٌ، وَلَمْ يَسْتَعْمِلْ فِي مَرَضِهِ هَذَا دَوَاءً تَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّطِيفِ الْخُجَنْدِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، رَئِيسُ أَصْفَهَانَ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِبَابِ هَمَذَانَ وَقَدْ عَادَ مِنَ الْحَجِّ، وَلَهُ شِعْرٌ فَمِنْهُ: بِالْحِمَى دَارٌ سَقَاهَا مَدْمَعِي ... يَا سَقَى اللَّهُ الْحِمَى مِنْ مَرْبَعِ لَيْتَ شِعْرِي وَالْأَمَانِي ضَلَّةٌ ... هَلْ إِلَى وَادِي الْغَضَى مِنْ مَرْجِعِ؟ أَذِنَتْ عَلْوَةُ لِلْوَاشِي بِنَا ... مَا عَلَى عَلْوَةَ لَوْ لَمْ تَسْمَعِ أَوْ تَحَرَّتْ رَشَدًا فِيمَا وَشَى ... أَوْ عَفَتْ عَنِّي فَمَا قَلْبِي مَعِي ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.

стр. 5715

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَة] ٥٨١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ حَصْرِ صَلَاحِ الدِّينِ الْمَوْصِلَ، وَرَحِيلِهِ عَنْهَا لِوَفَاةِ شَاهْ أَرْمَنْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَصَرَ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ الْمَوْصِلَ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَكَانَ مَسِيرُهُ مِنْ دِمَشْقَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، فَوَصَلَ إِلَى حَلَبَ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ خَرَجَتِ السَّنَةُ، وَسَارَ مِنْهَا فَعَبَرَ إِلَى أَرْضِ الْجَزِيرَةِ، فَلَمَّا وَصَلَ حَرَّانَ قَبَضَ عَلَى مُظَفَّرِ الدِّينِ كَوْكَبْرِيِّ بْنِ زَيْنِ الدِّينِ الَّذِي كَانَ سَبَبَ مُلْكِهِ الدِّيَارَ الْجَزَرِيَّةِ. وَسَبَبُ قَبْضِهِ عَلَيْهِ أَنَّ مُظَفَّرَ الدِّينِ كَانَ يُرَاسِلُ صَلَاحَ الدِّينِ كُلَّ وَقْتٍ، وَيُشِيرُ عَلَيْهِ بِقَصْدِ الْمَوْصِلِ، وَيُحَسِّنُ لَهُ ذَلِكَ وَيُقَوِّي طَمَعَهُ، حَتَّى إِنَّهُ بَذَلَ لَهُ، إِذَا سَارَ إِلَيْهَا، خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمَّا وَصَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى حَرَّانَ، لَمْ يَفِ لَهُ بِمَا بَذَلَ مِنَ الْمَالِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَوَكَّلَ بِهِ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ. وَأَعَادَ إِلَيْهِ مَدِينَتِي حَرَّانَ وَالرُّهَا، وَكَانَ قَدْ أَخَذَهُمَا مِنْهُ وَإِنَّمَا أَطْلَقَهُ لِأَنَّهُ خَافَ انْحِرَافَ النَّاسِ عَنْهُ بِالْبِلَادِ الْجَزَرِيَّةِ، لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ عَلِمُوا بِمَا اعْتَمَدَهُ مُظَفَّرُ الدِّينِ مَعَهُ مِنْ تَمْلِيكِهِ الْبِلَادَ فَأَطْلَقَهُ. وَسَارَ صَلَاحُ الدِّينِ عَنْ حَرَّانَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ عَسَاكِرُ الْحِصْنِ، وَدَارَا، وَمُعِزُّ الدِّينِ سَنْجَرْ شَاهْ، صَاحِبُ الْجَزِيرَةِ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي عِزِّ الدِّينِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ قَدْ فَارَقَ طَاعَةَ عَمِّهِ بَعْدَ قَبْضِ مُجَاهِدِ الدِّينِ، وَسَارَ مَعَ صَلَاحِ الدِّينِ إِلَى الْمَوْصِلِ. فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى مَدِينَةِ بَلَدٍ سَيَّرَ أَتَابِكْ عِزُّ الدِّينِ وَالِدَتَهُ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ وَمَعَهَا ابْنَةُ عَمِّهِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زِنْكِيٍّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ النِّسَاءِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الدَّوْلَةِ، يَطْلُبُونَ مِنْهُ الْمُصَالَحَةَ، وَبَذَلُوا لَهُ الْمُوَافَقَةَ، وَالْإِنْجَادَ بِالْعَسَاكِرِ لِيَعُودَ عَنْهُمْ. وَإِنَّمَا أَرْسَلَهُنَّ لِأَنَّهُ وَكُلَّ مَنْ عِنْدَهُ ظَنُّوا أَنَّهُنَّ إِذَا طَلَبْنَ الشَّامَ أَجَابَهُنَّ إِلَى ذَلِكَ، لَا سِيَّمَا وَمَعَهُنَّ ابْنَةُ مَخْدُومِهِ وَوَلِيِّ نِعْمَتِهِ نُورِ الدِّينِ. فَلَمَّا وَصَلْنَ إِلَيْهِ أَنْزَلَهُنَّ، وَأَحْضَرَ أَصْحَابَهُ وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَا يَفْعَلُهُ وَيَقُولُهُ، فَأَشَارَ أَكْثَرُهُمْ بِإِجَابَتِهِنَّ إِلَى مَا طَلَبْنَ مِنْهُ، وَقَالَ لَهُ الْفَقِيهُ عِيسَى وَعَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْمَشْطُوبُ، وَهُمَا مِنْ بَلَدِ الْهَكَّارِيَّةِ مِنْ أَعْمَالِ

стр. 5716

الْمَوْصِلِ: مِثْلُ الْمَوْصِلِ لَا يُتْرَكُ لِامْرَأَةٍ، فَإِنَّ عِزَّ الدِّينِ مَا أَرْسَلَهُنَّ إِلَّا وَقَدْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِ الْبَلَدِ. وَوَافَقَ ذَلِكَ هَوَاهُ، فَأَعَادَهُنَّ خَائِبَاتٍ، وَاعْتَذَرَ بِأَعْذَارٍ غَيْرِ مَقْبُولَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ إِرْسَالُهُنَّ عَنْ ضَعْفٍ وَوَهْنٍ، إِنَّمَا أَرْسَلَهُنَّ طَلَبًا لِدَفْعِ الشَّرِّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. فَلَمَّا عُدْنَ رَحَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى الْمَوْصِلِ وَهُوَ كَالْمُتَيَقِّنِ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْبَلَدَ، وَكَانَ الْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَلَمَّا قَارَبَ الْبَلَدَ نَزَلَ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْهُ، وَامْتَدَّ عَسْكَرُهُ فِي تِلْكَ الصَّحْرَاءِ بِنَوَاحِي الْحِلَّةِ الْمَرَاقِيَّةِ، وَكَانَ يَجْرِي بَيْنَ الْعَسْكَرَيْنِ مُنَاوَشَاتٌ بِظَاهِرِ الْبَابِ الْعِمَادِيِّ. وَكُنْتُ إِذْ ذَاكَ بِالْمَوْصِلِ، وَبَذَلَ الْعَامَّةُ نُفُوسَهُمْ غَيْظًا وَحَنَقًا لِرَدِّهِ النِّسَاءَ، فَرَأَى صَلَاحُ الدِّينِ مَا لَمْ يَكُنْ يَحْسَبُهُ، فَنَدِمَ عَلَى رَدِّهِ النِّسَاءَ نَدَامَةَ الْكُسَعِيِّ، حَيْثُ فَاتَهُ حُسْنُ الذِّكْرِ وَمُلْكُ الْبَلَدِ، وَعَادَ عَلَى الَّذِينَ أَشَارُوا بِرَدِّهِنَّ بِاللَّوْمِ وَالتَّوْبِيخِ. وَجَاءَتْهُ كُتُبُ الْقَاضِي الْفَاضِلِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ هَوًى فِي الْمَوْصِلِ يُقَبِّحُونَ فِعْلَهُ وَيُنْكِرُونَهُ، وَأَتَاهُ وَهُوَ عَلَى الْمَوْصِلِ زَيْنُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ زَيْنِ الدِّينِ صَاحِبُ إِرْبِلَ، فَأَنْزَلَهُ وَمَعَهُ أَخُوهُ مُظَفَّرُ الدِّينِ كَوْكَبْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأُمَرَاءِ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنَ الْمَوْصِلِ. وَسَيَّرَ مِنَ الْمَنْزَلَةِ عَلِيَّ بْنَ أَحْمَدَ الْمَشْطُوبَ الْهَكَّارِيَّ إِلَى قَلْعَةِ الْجُدَيْدَةِ مِنْ بَلَدِ الْهَكَّارِيَّةِ، فَحَصَرَهَا وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَكْرَادِ وَالْهَكَارِيَّةِ كَثِيرٌ، وَبَقِيَ هُنَاكَ إِلَى أَنْ رَحَلَ صَلَاحُ الدِّينِ عَنِ الْمَوْصِلِ. وَكَانَ عَامَّةُ الْمَوْصِلِ يَعْبُرُونَ دِجْلَةَ فَيُقَاتِلُونَ مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنَ الْعَسْكَرِ وَيَعُودُونَ، وَلَمَّا كَانَ صَلَاحُ الدِّينِ يُحَاصِرُ الْمَوْصِلَ بَلَغَ أَتَابِكْ عِزَّ الدِّينِ صَاحِبَهَا أَنَّ نَائِبَهُ بِالْقَلْعَةِ زَلْفَنْدَارَ يُكَاتِبُهُ، فَمَنَعَهُ مِنَ الصُّعُودِ إِلَى الْقَلْعَةِ وَعَادَ يَقْتَدِي بِرَأْيِ مُجَاهِدِ الدِّينِ، وَكَانَ قَدْ أَخْرَجَهُ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَيَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِ، وَضَبَطَ الْأُمُورَ، وَأَصْلَحَ مَا كَانَ فَسَدَ مِنَ الْأَحْوَالِ، حَتَّى آلَ الْأَمْرُ إِلَى الصُّلْحِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَحَضَرَ عِنْدَ صَلَاحِ الدِّينِ إِنْسَانٌ بَغْدَادِيٌّ أَقَامَ بِالْمَوْصِلِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى صَلَاحِ

стр. 5717

الدِّينِ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِقَطْعِ دِجْلَةَ عَنِ الْمَوْصِلِ إِلَى نَاحِيَةِ نِينَوَى، وَقَالَ: إِنَّ دِجْلَةَ إِذَا نُقِلَتْ عَنِ الْمَوْصِلِ عَطِشَ أَهْلُهَا فَمَلَكْنَاهَا بِغَيْرِ قِتَالٍ فَظَنَّ صَلَاحُ الدِّينِ أَنَّ قَوْلَهُ صِدْقٌ، فَعَزَمَ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَطْعُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِنَّ الْمُدَّةَ تَطُولُ، وَالتَّعَبَ يَكْثُرُ، وَلَا فَائِدَةَ وَرَاءَهُ، وَقَبَّحَهُ عِنْدَهُ أَصْحَابُهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ. وَأَقَامَ بِمَكَانِهِ مِنْ أَوَّلِ رَبِيعٍ الْآخَرِ إِلَى أَنْ قَارَبَ آخِرُهُ، ثُمَّ رَحَلَ عَنْهَا إِلَى مَيَّافَارِقِينَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ شَاهْ أَرْمَنْ، صَاحِبَ خِلَاطَ، تُوُفِّيَ بِهَا تَاسِعَ رَبِيعٍ الْآخَرِ، فَوَصَلَ الْخَبَرُ بِوَفَاتِهِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْهُ فَعَزَمَ عَلَى الرَّحِيلِ إِلَيْهَا وَتَمَلُّكِهَا، حَيْثُ إِنَّ شَاهْ أَرْمَنْ لَمْ يُخْلِفْ وَلَدًا وَلَا أَحَدًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ يَمْلِكُ بِلَادَهُ بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا قَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا مَمْلُوكٌ لَهُ اسْمُهُ بُكْتُمُرْ وَلَقَبُهُ سَيْفُ الدِّينِ. فَاسْتَشَارَ صَلَاحُ الدِّينِ أُمَرَاءَهُ وَوُزَرَاءَهُ، فَاخْتَلَفُوا، فَأَمَّا مَنْ هَوَاهُ بِالْمَوْصِلِ فَيُشِيرُ بِالْمُقَامِ وَمُلَازِمَةِ الْحِصَارِ لَهَا، وَأَمَّا مَنْ يَكْرَهُ أَذَى الْبَيْتِ الْأَتَابِكِيِّ فَإِنَّهُ أَشَارَ بِالرَّحِيلِ، وَقَالَ: إِنَّ وِلَايَةَ خِلَاطَ أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ، وَهِيَ سَائِبَةٌ لَا حَافِظَ لَهَا، وَهَذِهِ لَهَا سُلْطَانٌ يَحْفَظُهَا وَيَذُبُّ عَنْهَا، وَإِذَا مَلَكْنَا تِلْكَ سَهُلَ أَمْرُ هَذِهِ وَغَيْرِهَا، فَتَتَرَدَّدَ فِي أَمْرِهِ. فَاتُّفِقَ أَنَّهُ جَاءَهُ كُتُبُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَعْيَانِ خِلَاطَ، مِنْ أَهْلِهَا وَأُمَرَائِهَا، يَسْتَدْعُونَهُ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ الْبَلَدَ، فَسَارَ عَنِ الْمَوْصِلِ، وَكَانَتْ مُكَاتَبَةُ مَنْ كَاتَبَهُ خَدِيعَةً وَمَكْرًا، فَإِنَّ شَمْسَ الدِّينِ الْبَهْلَوَانَ بْنَ إِيلْدِكَزْ، صَاحِبَ أَذْرَبِيجَانَ وَهَمَذَانَ وَتِلْكَ الْمَمْلَكَةِ، قَدْ قَصَدَهُمْ لِيَأْخُذَ الْبِلَادَ مِنْهُمْ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ زَوَّجَ شَاهْ أَرْمَنْ، عَلَى كِبَرِ سِنِّهِ، بِنْتًا لَهُ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ طَرِيقًا إِلَى مُلْكِ خِلَاطَ وَأَعْمَالِهَا. فَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَسِيرُهُ إِلَيْهِمْ كَاتَبُوا صَلَاحَ الدِّينِ يَسْتَدْعُونَهُ إِلَيْهِمْ لِيُسَلِّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ لِيَدْفَعُوا بِهِ الْبَهْلَوَانَ وَيَدْفَعُوهُ بِالْبَهْلَوَانِ، وَيَبْقَى الْبَلَدُ بِأَيْدِيهِمْ، فَسَارَ صَلَاحُ الدِّينِ وَسَيَّرَ فِي مُقَدِّمَتِهِ ابْنَ عَمِّهِ نَاصِرَ الدِّينِ مُحَمَّدَ بْنَ شِيرِكُوهُ، وَمُظَفَّرَ الدِّينِ بْنَ زَيْنِ الدِّينِ وَغَيْرَهُمَا. فَسَارُوا إِلَى خِلَاطَ، وَنَزَلُوا بِطُوَانَةَ بِالْقُرْبِ مِنْ خِلَاطَ، وَسَارَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ، وَأَمَّا الْبَهْلَوَانُ فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى خِلَاطَ، وَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْهَا، وَتَرَدَّدَتْ رُسُلُ أَهْلِ خِلَاطَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ صَلَاحِ الدِّينِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَصْلَحُوا أَمْرَهُمْ مَعَ الْبَهْلَوَانِ، وَصَارُوا مِنْ حِزْبِهِ وَخَطَبُوا لَهُ.

стр. 5718

ذِكْرُ وَفَاةِ نُورِ الدِّينِ صَاحِبِ الْحِصْنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ نُورُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَا أَرْسَلَانَ بْنِ دَاوُدَ، صَاحِبُ الْحِصْنِ وَآمِدَ، لَمَّا كَانَ صَلَاحُ الدِّينِ عَلَى الْمَوْصِلِ، وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ، فَمَلَّكَ الْأَكْبَرَ مِنْهُمَا وَاسْمُهُ سُقْمَانُ، وَلَقَبُهُ قُطْبُ الدِّينِ، وَتَوَلَّى تَدْبِيرَ الْأُمُورِ وَزِيرُهُ الْقَوَّامُ بْنُ سُمَاقَا الْأَسْعَرْدِيُّ. وَكَانَ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ قُرَا أَرْسَلَانَ قَدْ سَيَّرَهُ أَخُوهُ نُورُ الدِّينِ فِي عَسَاكِرِهِ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ، وَهُوَ يُحَاصِرُ الْمَوْصِلَ، وَهُوَ مَعَهُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ وَفَاةِ أَخِيهِ سَارَ لِيَمْلِكَ الْبِلَادَ بَعْدَهُ لِصِغَرِ أَوْلَادِهِ، فَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَسَارَ إِلَى خَرَّتْ بَرَّتْ فَمَلَكَهَا، وَهِيَ بَيَدِ أَوْلَادِهِ إِلَى سَنَةِ عِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ. وَلَمَّا حَصَرَ صَلَاحُ الدِّينِ مَيَّافَارِقِينَ حَضَرَ عِنْدَهُ وَلَدُ نُورِ الدِّينِ فَأَقَرَّهُ عَلَى مُلْكِ أَبِيهِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ آمِدُ، وَكَانُوا خَافُوا أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَرَدَّهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُرَاجِعُوهُ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ، وَيَصْدُرُوا عَنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَرَتَّبَ مَعَهُ أَمِيرًا لَقَبُهُ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِيهِ. ذِكْرُ مُلْكِ صَلَاحِ الدِّينِ مَيَّافَارِقِينَ لَمَّا سَارَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى خِلَاطَ جُعِلَ طَرِيقُهُ عَلَى مَيَّافَارِقِينَ مَطْمَعَ مَلِكِهَا، حَيْثُ كَانَ صَاحِبُهُ قُطْبُ الدِّينِ، صَاحِبُ مَارْدِينَ، قَدْ تُوُفِّيَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ، وَهُوَ طِفْلٌ، وَكَانَ حُكْمُهَا إِلَى شَاهْ أَرْمَنْ، وَعَسْكَرُهُ فِيهَا. فَلَمَّا تُوُفِّيَ طَمِعَ فِي أَخْذِهَا، فَلَمَّا نَازَلَهَا رَآهَا مَشْحُونَةً بِالرِّجَالِ، وَبِهَا زَوْجَةُ قُطْبِ الدِّينِ الْمُتَوَفَّى، وَمَعَهَا بَنَاتٌ لَهَا مِنْهُ، وَهِيَ أُخْتُ نُورِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ، صَاحِبِ الْحِصْنِ، فَأَقَامَ صَلَاحُ الدِّينِ عَلَيْهَا يَحْصُرُهَا مِنْ أَوَّلِ جُمَادَى الْأُولَى. وَكَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَى أَجْنَادِهَا أَمِيرًا اسْمُهُ يَرْنُقُشْ، وَلَقَبُهُ أَسَدُ الدِّينِ، وَكَانَ شُجَاعًا شَهْمًا، يَحْفَظُ الْبَلَدَ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ عَلَيْهِ وَنُصِبَتِ الْمَجَانِيقُ

стр. 5719

وَالْعَرَادَاتُ، فَلَمْ يَصِلْ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى مَا يُرِيدُ مِنْهَا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَدَلَ عَنِ الْقُوَّةِ وَالْحَرْبِ إِلَى إِعْمَالِ الْحِيلَةِ، فَرَاسَلَ امْرَأَةَ قُطْبِ الدِّينِ الْمُقِيمَةِ بِالْبَلَدِ يَقُولُ لَهَا: إِنَّ أَسَدَ الدِّينِ يَرْنَقُشْ قَدْ مَالَ إِلَيْنَا فِي تَسْلِيمِ الْبَلَدِ وَنَحْنُ نَرْعَى حَقَّ أَخِيهِ نُورِ الدِّينِ فِيكِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَنُرِيدُ أَنْ يَكُونَ لَكِ فِي هَذَا الْأَمْرِ نَصِيبٌ، وَأَنَا أُزَوِّجُ بَنَاتِكِ بِأَوْلَادِي وَتَكُونُ مَيَّافَارِقِينَ وَغَيْرُهَا لَكِ وَبِحُكْمِكِ. وَوَضَعَ مَنْ أَرْسَلَ إِلَى أَسَدٍ يُعَرِّفُهُ أَنَّ الْخَاتُونَ قَدْ مَالَتْ لِلْمُقَارَبَةِ وَالِانْقِيَادِ إِلَى السُّلْطَانِ، وَأَنَّ مَنْ بِخِلَاطَ قَدْ كَاتَبُوهُ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ. وَاتَّفَقَ أَنَّ رَسُولًا وَصَلَهُ مِنْ خِلَاطَ، يَبْذُلُونَ لَهُ الطَّاعَةَ، وَقَالُوا لَهُ مِنَ الِاسْتِدْعَاءِ إِلَيْهِمْ مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ، فَأَمَرَ صَلَاحُ الدِّينِ الرَّسُولَ، فَدَخَلَ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ، وَقَالَ لِأَسَدٍ: أَنْتَ عَمَّنْ تُقَاتِلُ، وَأَنَا قَدْ جِئْتُ فِي تَسْلِيمِ خِلَاطَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ! فَسُقِطَ فِي يَدِهِ، وَضَعُفَتْ نَفْسُهُ. وَأَرْسَلَ يَقْتَرِحُ أَقْطَاعًا وَمَالًا، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَسَلَّمَ الْبَلَدَ سَلْخَ جُمَادَى الْأُولَى، وَعَقَدَ النِّكَاحَ لِبَعْضِ أَوْلَادِهِ عَلَى بَعْضِ بَنَاتِ الْخَاتُونِ، وَأَقَرَّ بِيَدِهَا قَلْعَةَ الْهَتَّاخِ لِتَكُونَ فِيهَا هِيَ وَبَنَاتُهَا. ذِكْرُ عَوْدِ صَلَاحِ الدِّينِ إِلَى بَلَدِ الْمَوْصِلِ وَالصُّلْحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَتَابِكْ عِزِّ الدِّينِ لَمَّا فَرَغَ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْ أَمْرِ مَيَّافَارِقِينَ، وَأَحْكَمَ قَوَاعِدَهَا، وَقَرَّرَ إِقْطَاعَاتِهَا وَوِلَايَاتِهَا فَوَصَلَ إِلَى كَفْرِ زَمَّارٍ، أَجْمَعَ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَسَارَ نَحْوَهَا، وَجَعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى نَصِيبِينِ، فَوَصَلَ إِلَى كَفْرِ زَمَّارٍ، وَالزَّمَانُ شِتَاءٌ. فَنَزَلَهَا فِي عَسَاكِرِهِ، وَعَزَمَ عَلَى الْمُقَامِ بِهَا وَإِقْطَاعِ جَمِيعِ بِلَادِ الْمَوْصِلِ، وَأَخْذِ غِلَالِهَا وَدَخْلِهَا، وَإِضْعَافِ الْمَوْصِلِ بِذَلِكَ، إِذْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّغَلُّبُ عَلَيْهَا، وَكَانَ نُزُولُهُ فِي شَعْبَانَ، وَأَقَامَ بِهَا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِزِّ الدِّينِ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَصَارَ مُجَاهِدُ الدِّينِ يُرَاسِلُ وَيَتَقَرَّبُ،

стр. 5720

وَكَانَ قَوْلُهُ مَقْبُولًا عِنْدَ سَائِرِ الْمُلُوكِ لِمَا عَلِمُوا مِنْ صِحَّتِهِ. فَبَيْنَمَا الرُّسُلُ تَتَرَدَّدُ فِي الصُّلْحِ، إِذْ مَرِضَ صَلَاحُ الدِّينِ، وَسَارَ مَنْ كَفْرِ زَمَّارٍ عَائِدًا إِلَى حَرَّانَ، فَلَحِقَهُ الرُّسُلُ بِالْإِجَابَةِ إِلَى مَا طَلَبَ، فَتَقَرَّرَ الصُّلْحُ، وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَتِ الْقَاعِدَةُ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ عِزُّ الدِّينِ شَهْرَزُورُ وَأَعْمَالَهَا وَوِلَايَةَ الْقَرَابْلِيِّ، وَجَمِيعَ مَا وَرَاءَ الزَّابِّ مِنَ الْأَعْمَالِ. وَأَنْ يُخْطَبَ لَهُ عَلَى مَنَابِرِ بِلَادِهِ، وَيُضْرَبَ اسْمُهُ عَلَى السِّكَّةِ، فَلَمَّا حَلَفَ أَرْسَلَ رُسُلَهُ فَحَلَفَ عِزُّ الدِّينِ لَهُ، وَتَسَلَّمُوا الْبِلَادَ الَّتِي اسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ عَلَى تَسْمِيَتِهَا. وَوَصَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى حَرَّانَ، فَأَقَامَ بِهَا مَرِيضًا، وَأَمِنَتِ الدُّنْيَا، وَسَكَنَتِ الدَّهْمَاءُ، وَانْحَسَمَتْ مَادَّةُ الْفِتَنِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِتَوَصُّلِ مُجَاهِدِ الدِّينِ قَايْمَازْ، ﵀. وَأَمَّا صَلَاحُ الدِّينِ فَإِنَّهُ طَالَ مَرَضُهُ بِحَرَّانَ، وَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ أَهْلِهِ أَخُوهُ الْمَلِكُ الْعَادِلُ، وَلَهُ حِينَئِذٍ حَلَبُ، وَوَلَدُهُ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ عُثْمَانُ، وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ حَتَّى أَيِسُوا مِنْ عَافِيَتِهِ، فَحَلَفَ النَّاسُ لِأَوْلَادِهِ، وَجَعَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنَ الْبِلَادِ مَعْلُومًا، وَجَعَلَ أَخَاهُ الْعَادِلَ وَصِيًّا عَلَى الْجَمِيعِ، ثُمَّ إِنَّهُ عُوفِيَ وَعَادَ إِلَى دِمَشْقَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. وَلَمَّا كَانَ مَرِيضًا بِحَرَّانَ كَانَ عِنْدَهُ ابْنُ عَمِّهِ نَاصِرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ شِيرِكُوهُ، وَلَهُ مِنَ الْأَقْطَاعِ حِمْصُ وَالرَّحْبَةُ، فَسَارَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى حِمْصَ، فَاجْتَازَ بِحَلَبَ وَأَحْضَرَ جَمَاعَةً مِنْ أَحْدَاثِهَا وَأَعْطَاهُمْ مَالًا، وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى حِمْصَ رَاسَلَ جَمَاعَةً مِنَ الدِّمَشْقِيِّينَ وَوَاعَدَهُمْ عَلَى تَسْلِيمِ الْبَلَدِ إِلَيْهِ إِذَا مَاتَ صَلَاحُ الدِّينِ، وَأَقَامَ بِحِمْصَ يَنْتَظَرُ مَوْتَهُ لِيَسِيرَ إِلَى دِمَشْقَ فَيَمْلِكَهَا، فَعُوفِيَ وَبَلَغَهُ الْخَبَرُ عَلَى جِهَتِهِ. فَلَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ حَتَّى مَاتَ ابْنُ شِيرِكُوهُ لَيْلَةَ عِيدِ الْأَضْحَى فَإِنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ وَأَكْثَرَ مِنْهَا، فَأَصْبَحَ مَيِّتًا، فَذَكَرُوا، وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِمْ، أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ وَضَعَ عَلَيْهِ إِنْسَانًا يُقَالُ لَهُ النَّاصِحُ بْنُ الْعَمِيدِ، وَهُوَ مِنْ دِمَشْقَ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ، وَنَادَمَهُ وَسَقَاهُ سُمًّا. فَلَمَّا أَصْبَحُوا مِنَ الْغَدِ لَمْ يَرَوُا النَّاصِحَ، فَسَأَلُوا عَنْهُ، فَقِيلَ: إِنَّهُ سَارَ مِنْ لَيْلَتِهِ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ، فَكَانَ هَذَا مِمَّا قَوَّى الظَّنَّ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَعْطَى أَقْطَاعَهُ لِوَلَدِهِ شِيرِكُوهُ، وَعُمُرُهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَخَلَّفَ نَاصِرَ الدِّينِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْخَيْلِ وَالْآلَاتِ شَيْئًا كَثِيرًا، فَحَضَرَ صَلَاحُ الدِّينِ فِي حِمْصَ وَاسْتَعْرَضَ تَرِكَتَهُ، وَأَخَذَ أَكْثَرَهَا وَلَمْ يَتْرُكْ إِلَّا مَا لَا خَيْرَ فِيهِ.

стр. 5721

وَبَلَغَنِي أَنَّ شِيرِكُوهُ بْنَ نَاصِرِ الدِّينِ حَضَرَ عِنْدَ صَلَاحِ الدِّينِ، بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ بِسَنَةٍ، فَقَالَ لَهُ: إِلَى أَيْنَ بَلَغْتَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] فَعَجِبَ صَلَاحُ الدِّينِ وَالْحَاضِرُونَ مِنْ ذَكَائِهِ. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ التُّرْكُمَانِ، وَالْأَكْرَادِ بِدِيَارِ الْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ابْتَدَأَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ التُّرْكُمَانِ وَالْأَكْرَادِ بِدِيَارِ الْجَزِيرَةِ، وَالْمَوْصِلِ، وَدِيَارِ بَكْرٍ، وَخِلَاطَ، وَالشَّامِ، وَشَهْرَزُورَ، وَأَذْرَبِيجَانَ،، وَقُتِلَ فِيهَا مِنَ الْخَلْقِ مَا لَا يُحْصَى، وَدَامَتْ عِدَّةَ سِنِينَ، وَتَقَطَّعَتِ الطُّرُقُ، وَنُهِبَتِ الْأَمْوَالُ، وَأُرِيقَتِ الدِّمَاءُ. وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ امْرَأَةً مِنَ التُّرْكُمَانِ تَزَوَّجَتْ بِإِنْسَانٍ تُرْكُمَانِيٍّ، وَاجْتَازُوا فِي طَرِيقِهِمْ بِقَلْعَةٍ مِنَ الزَّوْزَانِ لِلْأَكْرَادِ، فَجَاءَ أَهْلُهَا وَطَلَبُوا مِنَ التُّرْكُمَانِ وَلِيمَةَ الْعُرْسِ، فَامْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ، وَجَرَى بَيْنَهُمْ كَلَامٌ صَارُوا مِنْهُ إِلَى الْقِتَالِ، فَنَزَلَ صَاحِبُ تِلْكَ الْقَلْعَةِ فَأَخَذَ الزَّوْجَ فَقَتَلَهُ، فَهَاجَتِ الْفِتْنَةُ، وَقَامَ التُّرْكُمَانُ عَلَى سَاقٍ، وَقَتَلُوا جَمْعًا كَثِيرًا مِنَ الْأَكْرَادِ، وَثَارَ الْأَكْرَادُ فَقَتَلُوا مِنَ التُّرْكُمَانِ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَتَفَاقَمَ الشَّرُّ وَدَامَ. ثُمَّ إِنَّ مُجَاهِدَ الدِّينِ قَايْمَازْ، ﵀، جَمَعَ عِنْدِهِ جَمْعًا مِنْ رُؤَسَاءِ الْأَكْرَادِ وَالتُّرْكُمَانِ، وَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ، وَأَعْطَاهُمُ الْخِلَعَ وَالثِّيَابَ وَغَيْرَهَا، وَأَخْرَجَ عَلَيْهِمْ مَالًا جَمًّا، فَانْقَطَعَتِ الْفِتْنَةُ وَكَفَى اللَّهُ شَرَّهَا، وَعَادَ النَّاسُ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ وَالْأَمَانِ. ذِكْرُ مُلْكِ الْمُلَثَّمِينَ وَالْعَرَبِ إِفْرِيقِيَةَ وَعَوْدِهَا إِلَى الْمُوَحِّدِينَ قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ ثَمَانِينَ مُلْكَ عَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ الْمُلَثَّمِ بِجَايَةَ، وَإِرْسَالَ يَعْقُوبَ بْنِ

стр. 5722

يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، صَاحِبِ الْمَغْرِبِ، الْعَسَاكِرَ وَاسْتِعَادَتَهَا، فَسَارَ عَلِيٌّ إِلَى إِفْرِيقِيَةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا اجْتَمَعَ سُلَيْمٌ وَرِيَاحٌ وَمَنْ هُنَاكَ مِنَ الْعَرَبِ، وَانْضَافَ إِلَيْهِمُ التُّرْكُ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ دَخَلُوا مِنْ مِصْرَ مَعَ قَرَاقُوشَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وُصُولِهِ إِلَيْهَا. وَدَخَلَ أَيْضًا مِنْ أَتْرَاكِ مِصْرَ مَمْلُوكٌ لِتَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ أَخِي صَلَاحِ الدِّينِ، اسْمُهُ بَوَزَّابَةُ، فَكَثُرَ جَمْعُهُمْ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا بَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ مَبْلَغًا كَثِيرًا وَكُلُّهُمْ كَارِهٌ لِدَوْلَةِ الْمُوَحِّدِينَ. وَاتَّبَعُوا جَمِيعُهُمْ عَلِيَّ بْنَ إِسْحَاقَ الْمُلَثَّمَ، لِأَنَّهُ مِنْ بَيْتِ الْمَمْلَكَةِ وَالرِّيَاسَةِ الْقَدِيمَةِ، وَانْقَادُوا إِلَيْهِ، وَلَقَّبُوهُ بِأَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَصَدُوا بِلَادَ إِفْرِيقِيَّةَ فَمَلَكُوهَا جَمِيعَهَا شَرْقًا وَغَرْبًا إِلَّا مَدِينَتَيْ تُونُسَ وَالْمَهْدِيَّةِ، فَإِنَّ الْمُوَحِّدِينَ أَقَامُوا بِهِمَا، وَحَفِظُوهُمَا عَلَى خَوْفٍ وَضِيقٍ وَشِدَّةٍ. وَانْضَافَ إِلَى الْمُفْسِدِ الْمُلَثَّمِ كُلُّ مُفْسِدٍ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ، وَمَنْ يُرِيدُ الْفِتْنَةَ وَالنَّهْبَ وَالْفَسَادَ وَالشَّرَّ، فَخَرَّبُوا الْبِلَادَ وَالْحُصُونَ وَالْقُرَى، وَهَتَكُوا الْحُرُمَ، وَقَطَّعُوا الْأَشْجَارَ. وَكَانَ الْوَالِي عَلَى إِفْرِيقِيَةَ حِينَئِذٍ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْهِنْتَانِيُّ وَهُوَ بِمَدِينَةِ تُونُسَ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلِكِ الْمَغْرِبِ يَعْقُوبَ وَهُوَ بِمَرَّاكُشَ يُعْلِمُهُ الْحَالَ، وَقَصَدَ الْمُلَثَّمُ جَزِيرَةَ بَاشَرَا، وَهِيَ بِقُرْبِ تُونُسَ، تَشْتَمِلُ عَلَى قُرًى كَثِيرَةٍ، فَنَازَلَهَا وَأَحَاطَ بِهَا، فَطَلَبَ أَهْلُهَا مِنْهُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ. فَلَمَّا دَخَلَهَا الْعَسْكَرُ نَهَبُوا جَمِيعَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالدَّوَابِّ وَالْغَلَّاتِ، وَسَلَبُوا النَّاسَ حَتَّى أَخَذُوا ثِيَابَهُمْ، وَامْتَدَّتِ الْأَيْدِي إِلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَتَرَكُوهُمْ هَلْكَى، فَقَصَدُوا مَدِينَةَ تُونُسَ، فَأَمَّا الْأَقْوِيَاءُ فَكَانُوا يَخْدُمُونَ وَيَعْمَلُونَ مَا يَقُومُ بِقُوَّتِهِمْ، وَأَمَّا الضُّعَفَاءُ فَكَانُوا يَسْتَعْطُونَ وَيَسْأَلُونَ النَّاسَ، وَدَخَلَ عَلَيْهِمْ فَصْلُ الشِّتَاءِ، فَأَهْلَكَهُمُ الْبَرْدُ، وَوَقَعَ فِيهِمُ الْوَبَاءُ فَأُحْصِيَ الْمَوْتَى مِنْهُمْ فَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، هَذَا مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَمَا الظَّنُّ بِالْبَاقِي؟ وَلَمَّا اسْتَوْلَى الْمُلَثَّمُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ قَطَعَ خُطْبَةَ أَوْلَادِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَخَطَبَ لِلْإِمَامِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ الْخَلِيفَةِ الْعَبَّاسِيِّ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَطْلُبُ الْخِلَعَ وَالْأَعْلَامَ السُّودَ. وَقَصَدَ

стр. 5723

فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] مَدِينَةَ قَفْصَةَ فَحَصَرَهَا، فَأَخْرَجَ أَهْلَهَا الْمُوَحِّدِينَ مِنْ عَسَاكِرِ وَلَدِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَسَلَّمُوهَا إِلَى الْمُلَثَّمِ، فَرَتَّبَ فِيهَا جُنْدًا مِنَ الْمُلَثَّمِينَ وَالْأَتْرَاكِ، وَحَصَّنَهَا بِالرِّجَالِ مَعَ حَصَانَتِهَا فِي الْبِنَاءِ. وَأَمَّا يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ لَمَّا وَصَلَهُ الْخَبَرُ اخْتَارَ مِنْ عَسَاكِرِهِ عِشْرِينَ أَلْفَ فَارِسٍ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ، وَقَصَدَ قِلَّةَ الْعَسْكَرِ لِقِلَّةِ الْقُوتِ فِي الْبِلَادِ، وَلِمَا جَرَى فِيهَا مِنَ التَّخْرِيبِ وَالْأَذَى، وَسَارَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَوَصَلَ إِلَى مَدِينَةِ تُونُسَ، وَأَرْسَلَ سِتَّةَ آلَافِ فَارِسٍ مَعَ ابْنِ أَخِيهِ، فَسَارُوا إِلَى عَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ الْمُلَثَّمِ لِيُقَاتِلُوهُ، وَكَانَ بِقَفْصَةَ، فَوَافَوْهُ، وَكَانَ مَعَ الْمُوَحِّدِينَ جَمَاعَةٌ مِنَ التُّرْكِ، فَخَامَرُوا عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمَ الْمُوَحِّدُونَ، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُقَدَّمِيهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ. فَلَمَّا بَلَغَ يَعْقُوبَ الْخَبَرُ أَقَامَ بِمَدِينَةِ تُونُسَ إِلَى نِصْفِ رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ، ثُمَّ خَرَجَ فَيَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ يَطْلُبُ الْمُلَثَّمَ وَالْأَتْرَاكَ، فَوَصَلَ إِلَيْهِمْ، فَالْتَقَوْا بِالْقُرْبِ مِنْ مَدِينَةِ قَابِسٍ، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْمُلَثَّمُ وَمَنْ مَعَهُ، فَأَكْثَرَ الْمُوَحِّدُونَ الْقَتْلَ حَتَّى كَادُوا يُفْنُونَهُمْ، فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، فَقَصَدُوا الْبَرَّ. وَرَجَعَ يَعْقُوبُ مِنْ يَوْمِهِ إِلَى قَابِسٍ فَفَتَحَهَا، وَأَخَذَ مِنْهَا قَرَاقُوشَ وَأَوْلَادَهُ وَحَمَلَهُمْ إِلَى مَرَّاكُشَ، وَتَوَجَّهَ إِلَى مَدِينَةِ قَفْصَةَ فَحَصَرَهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَقَطَّعَ أَشْجَارَهَا، وَخَرَّبَ مَا حَوْلَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ التُّرْكُ الَّذِينَ فِيهَا يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ لِأَنْفُسِهِمْ وَلِأَهْلِ الْبَلَدِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ. وَخَرَجَ الْأَتْرَاكُ مِنْهَا سَالِمِينَ، وَسَيَّرَ الْأَتْرَاكَ إِلَى الثُّغُورِ لِمَا رَأَى مِنْ شَجَاعَتِهِمْ وَنِكَايَتِهِمْ فِي الْعَدُوِّ، وَتَسَلَّمَ يَعْقُوبُ الْبَلَدَ، وَقَتَلَ مَنْ فِيهِ مِنَ الْمُلَثَّمِينَ، وَهَدَمَ أَسْوَارَهُ، وَتَرَكَ الْمَدِينَةِ مِثْلَ قَرْيَةٍ، وَظَهَرَ مَا أَنْذَرَ بِهِ الْمَهْدِيُّ بْنُ تُومَرْتَ، فَإِنَّهُ قَالَ إِنَّهَا تُخَرَّبُ أَسْوَارُهَا وَتُقَطَّعُ أَشْجَارُهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. فَلَمَّا فَرَغَ يَعْقُوبُ مِنْ أَمْرِ قَفْصَةَ، وَاسْتَقَامَتْ إِفْرِيقِيَّةُ عَادَ إِلَى مَرَّاكُشَ، وَكَانَ وُصُولُهُ إِلَيْهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَارَقَ الرَّضِيُّ أَبُو الْخَيْرِ إِسْمَاعِيلُ الْقَزْوِينِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ بَغْدَادَ،

стр. 5724

وَكَانَ مُدَرِّسَ النِّظَامِيَّةِ بِهَا، وَعَادَ إِلَى قَزْوِينَ، وَدَرَسَ فِيهَا بَعْدَهُ الشَّيْخُ أَبُو طَالِبٍ الْمُبَارَكُ صَاحِبُ ابْنِ الْخَلِّ، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ. وَفِيهَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ الْكَرْخِ بِبَغْدَادَ وَبَيْنَ أَهْلِ بَابِ الْبَصْرَةِ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ جُرِحَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَقُتِلَ، ثُمَّ أَصْلَحَ النَّقِيبُ الظَّاهِرُ بَيْنَهُمْ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْفَقِيهُ مُهَذَّبُ الدِّينِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَسْعَدَ الْمَوْصِلِيُّ، وَكَانَ عَالِمًا بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَلَهُ نَظْمٌ حَسَنٌ وَنَثْرٌ أَجَادَ فِيهِ، وَكَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الدُّنْيَا، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِحِمْصَ.

стр. 5725

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَة] ٥٨٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ نَقْلِ الْعَادِلِ مِنْ حَلَبَ، وَالْمَلِكِ الْعَزِيزِ إِلَى مِصْرَ، وَإِخْرَاجِ الْأَفْضَلِ مِنْ مِصْرَ إِلَى دِمَشْقَ وَإِقْطَاعِهِ إِيَّاهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَخْرَجَ صَلَاحُ الدِّينِ وَلَدَهُ الْأَفْضَلَ عَلِيًّا مِنْ مِصْرَ إِلَى دِمَشْقَ، وَأَقْطَعَهَا لَهُ، وَأَخَذَ حَلَبَ مِنْ أَخِيهِ الْعَادِلِ، وَسَيَّرَهُ مَعَ وَلَدِهِ الْعَزِيزِ عُثْمَانَ إِلَى مِصْرَ، وَجَعَلَهُ نَائِبًا عَنْهُ، وَاسْتَدْعَى تَقِيَّ الدِّينِ مِنْهَا. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدِ اسْتَنَابَ تَقِيَّ الدِّينِ بِمِصْرَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَجَعَلَ مَعَهُ وَلَدَهُ الْأَكْبَرَ الْأَفْضَلَ عَلِيًّا، فَأَرْسَلَ تَقِيُّ الدِّينِ يَشْكُو مِنَ الْأَفْضَلِ، وَيَذْكُرُ أَنَّهُ قَدْ عَجَزَ عَنْ جِبَايَةِ الْخَرَاجِ مَعَهُ لِأَنَّهُ كَانَ حَلِيمًا كَرِيمًا إِذَا أَرَادَ تَقِيُّ الدِّينِ مُعَاقَبَةَ أَحَدٍ مَنَعَهُ. فَأَحْضَرَ وَلَدَهُ الْأَفْضَلَ، وَقَالَ لِتَقِيِّ الدِّينِ: لَا تَحْتَجَّ فِي الْخَرَاجِ وَغَيْرِهِ بِحُجَّةٍ، وَتَغَيَّرَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ إِخْرَاجَ وَلَدِهِ الْأَفْضَلِ لِيَنْفَرِدَ بِمِصْرَ حَتَّى يَمْلَكَهَا إِذَا مَاتَ صَلَاحُ الدِّينِ. فَلَمَّا قَوِيَ هَذَا الْخَاطِرُ عِنْدَهُ أَحْضَرَ أَخَاهُ الْعَادِلَ مِنْ حَلَبَ وَسَيَّرَهُ إِلَى مِصْرَ وَمَعَهُ وَلَدُهُ الْعَزِيزُ عُثْمَانُ، وَاسْتَدْعَى تَقِيَّ الدِّينِ إِلَى الشَّامِ، فَامْتَنَعَ مِنَ الْحُضُورِ، وَجَمَعَ الْأَجْنَادَ وَالْعَسَاكِرَ لِيَسِيرَ إِلَى الْمَغْرِبِ، إِلَى مَمْلُوكِهِ قَرَاقُوشَ، وَكَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى جِبَالِ نَفُوسَةَ وَبَرْقَةَ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ يُرَغِّبُهُ فِي تِلْكَ [الْبِلَادِ] ، فَتَجَهَّزَ لِلْمَسِيرِ إِلَيْهِ وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ أَجْنَادَ الْعَسْكَرِ وَأَكْثَرَ مِنْهُمْ. فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ صَلَاحُ الدِّينِ سَاءَهُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ إِنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَمْنَعُهُ لَمْ يُجِبْهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: أُرِيدُ أَنْ تَحْضُرَ عِنْدِي لِأُوَدِّعَكَ، وَأُوصِيَكَ بِمَا تَفْعَلُهُ، فَلَمَّا حَضَرَ

стр. 5726

عِنْدَهُ مَنَعَهُ، وَزَادَ فِي إِقْطَاعِهِ، فَصَارَ إِقْطَاعُهُ حَمَاةَ، وَمَنْبَجَ، وَالْمَعَرَّةَ، وَكَفْرَ طَابَ، وَمَيَّافَارِقِينَ، وَجَبَلَ جَوْرٍ، بِجَمِيعِ أَعْمَالِهَا. وَكَانَ تَقِيُّ الدِّينِ قَدْ سَيَّرَ فِي مُقَدِّمَتِهِ مَمْلُوكَهُ بِوَزَّابَةَ، فَاتَّصَلَ بِقَرَاقُوشَ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَا ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. وَقَدْ بَلَغَنِي مِنْ خَبِيرٍ بِأَحْوَالِ صَلَاحِ الدِّينِ أَنَّهُ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى أَخْذِ حَلَبَ مِنَ الْعَادِلِ، وَإِعَادَةِ تَقِيِّ الدِّينِ إِلَى الشَّامِ، أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ لَمَّا مَرِضَ بِحَرَّانَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، أُرْجِفَ بِمِصْرَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ. فَجَرَى مِنْ تَقِيِّ الدِّينِ حَرَكَاتُ مَنْ يُرِيدُ [أَنَّ] يَسْتَبِدَّ بِالْمُلْكِ، فَلَمَّا عُوفِيَ صَلَاحُ الدِّينِ بَلَغَهُ ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ الْفَقِيهَ عِيسَى الْهَكَّارِيَّ، وَكَانَ كَبِيرَ الْقَدْرِ عِنْدَهُ، مُطَاعًا فِي الْجُنْدِ، إِلَى مِصْرَ، وَأَمَرَهُ بِإِخْرَاجِ تَقِيِّ الدِّينِ وَالْمَقَامِ بِمِصْرَ. فَسَارَ مُجِدًّا، فَلَمْ يَشْعُرْ تَقِيُّ الدِّينِ إِلَّا وَقَدْ دَخَلَ الْفَقِيهُ عِيسَى إِلَى دَارِهِ بِالْقَاهِرَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا، فَطَلَبَ أَنْ يُمْهَلَ إِلَى أَنْ يَتَجَهَّزَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَالَ: تُقِيمُ خَارِجَ [الْمَدِينَةِ] وَتَتَجَهَّزُ. فَخَرَجَ وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ الدُّخُولَ إِلَى الْغَرْبِ، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ، فَلَمَّا سَمِعَ صَلَاحُ الدِّينِ الْخَبَرَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَطْلُبُهُ، فَسَارَ إِلَى الشَّامِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يُظْهِرْ لَهُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ لِأَنَّهُ كَانَ حَلِيمًا، كَرِيمًا صَبُورًا، ﵀. وَأَمَّا أَخْذُ حَلَبَ مِنَ الْعَادِلِ، فَإِنَّ السَّبَبَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ جُنْدِهَا أَمِيرٌ كَبِيرٌ اسْمُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ جَنْدَرٍ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَلَاحِ الدِّينِ صُحْبَةٌ قَدِيمَةٌ، قَبْلَ الْمُلْكِ. وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وَكَانَ عَاقِلًا ذَا مَكْرٍ وَدَهَاءٍ، فَاتُّفِقَ أَنَّ الْمَلِكَ الْعَادِلَ لَمَّا كَانَ بِحَلَبَ لَمْ يَفْعَلْ مَعَهُ مَا كَانَ يَظُنُّهُ، وَقَدَّمَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ، فَتَأَثَّرَ بِذَلِكَ. فَلَمَّا مَرِضَ صَلَاحُ الدِّينِ، وَعُوفِيَ، سَارَ إِلَى الشَّامِ، فَسَايَرَهُ يَوْمًا سُلَيْمَانُ بْنُ جَنْدَرٍ، فَجَرَى حَدِيثُ مَرَضِهِ، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: بِأَيِّ رَأْيٍ كُنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ تَمْضِي إِلَى الصَّيْدِ فَلَا يُخَالِفُونَكَ؟ بِاللَّهِ مَا تَسْتَحِي يَكُونُ الطَّائِرُ أَهْدَى مِنْكَ إِلَى الْمَصْلَحَةِ؟ ! قَالَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ وَهُوَ يَضْحَكُ. قَالَ: إِذَا أَرَادَ الطَّائِرُ أَنْ يَعْمَلَ عُشًّا لِفِرَاخِهِ قَصَدَ أَعَالِيَ الشَّجَرِ لِيَحْمِيَ فِرَاخَهُ، وَأَنْتَ سَلَّمْتَ الْحُصُونَ إِلَى أَهْلِكَ، وَجَعَلْتَ أَوْلَادَكَ عَلَى الْأَرْضِ. هَذِهِ حَلَبُ بِيَدِ أَخِيكَ وَحَمَاةُ بِيَدِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَحِمْصُ بِيَدِ ابْنِ شِيرِكُوهُ، وَابْنُكَ الْعَزِيزُ مَعَ تَقِيِّ الدِّينِ بِمِصْرَ يُخْرِجُهُ أَيَّ وَقْتٍ أَرَادَ، وَهَذَا ابْنُكَ الْآخَرُ مَعَ أَخِيكَ فِي خَيْمَةٍ يَفْعَلُ بِهِ مَا أَرَادَ. فَقَالَ لَهُ صَدَقْتَ، وَاكْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ، ثُمَّ أَخَذَ حَلَبَ مِنْ أَخِيهِ، وَأَخْرَجَ تَقِيَّ الدِّينِ مِنْ مِصْرَ، ثُمَّ أَعْطَى أَخَاهُ الْعَادِلَ حَرَّانَ وَالرُّهَا وَمَيَّافَارِقِينَ لِيُخْرِجَهُ مِنَ الشَّامِ وَمِصْرَ، لِتَبْقَى لِأَوْلَادِهِ، فَلَمْ يَنْفَعْهُ مَا فَعَلَ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى نَقْلَ

стр. 5727

الْمُلْكِ عَنْ أَوْلَادِهِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. ذِكْرُ وَفَاةِ الْبَهْلَوَانِ وَمُلْكِ أَخِيهِ قُزَلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي أَوَّلِهَا، تُوُفِّيَ الْبَهْلَوَانُ مُحَمَّدُ بْنُ إِيلْدِكْزَ، صَاحِبُ بَلَدِ الْجَبَلِ وَالرَّيِّ وَأَصْفَهَانَ وَأَذْرَبِيجَانَ وَأَرَّانِيَّةَ وَغَيْرِهَا مِنِ الْبِلَادِ، وَكَانَ عَادِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، عَاقِلًا، حَلِيمًا، ذَا سِيَاسَةٍ حَسَنَةٍ لِلْمُلْكِ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْبِلَادُ فِي أَيَّامِهِ آمِنَةً وَالرَّعَايَا مُطَمْئِنَةً. فَلَمَّا مَاتَ جَرَى بِأَصْفَهَانَ بَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ مِنَ الْحُرُوبِ وَالْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ وَالنَّهْبِ مَا يَجِلُّ عَنِ الْوَصْفِ، وَكَانَ قَاضِي الْبَلَدِ رَأْسَ الْحَنَفِيَّةِ، وَابْنُ الْخُجَنْدِيِّ رَأْسَ الشَّافِعِيَّةِ، وَكَانَ بِمَدِينَةِ الرَّيِّ أَيْضًا فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ، وَتَفَرَّقَ أَهْلُهَا، وَقُتِلَ مِنْهُمْ، وَخُرِّبَتِ الْمَدِينَةُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْبِلَادِ. وَلَمَّا مَاتَ الْبَهْلَوَانُ مَلَكَ أَخُوهُ قُزَل أَرْسَلَانَ وَاسْمُهُ عُثْمَانُ، وَكَانَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْ بْنُ أَرْسِلَانَ بْنِ طُغْرُلْ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهَ مَعَ الْبَهْلَوَانِ، وَالْخُطْبَةُ لَهُ فِي الْبِلَادِ بِالسَّلْطَنَةِ، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا الْبِلَادُ وَالْأُمَرَاءُ وَالْأَمْوَالُ بِحُكْمِ الْبَهْلَوَانِ. فَلَمَّا مَاتَ الْبَهْلَوَانُ خَرَجَ طُغْرُلْ عَنْ حُكْمِ قُزَلَ، وَلَحِقَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْجُنْدِ، فَاسْتَوْلَى عَلَى بَعْضِ الْبِلَادِ، وَجَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُزَلَ حُرُوبٌ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [ذِكْرُ اخْتِلَافِ الْفِرِنْجِ بِالشَّامِ، وَانْحِيَازِ الْقُمُّصُ صَاحِبُ طَرَابُلُسَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ] كَانَ الْقُمُّصُ، صَاحِبُ طَرَابُلُسَ، وَاسْمُهُ رِيمَنْدُ بْنُ رِيمَنْدَ الصَّنْجَيْلِيُّ، قَدْ تَزَوَّجَ بِالْقُومَصَةِ، صَاحِبَةِ طَبَرِيَّةَ، وَانْتَقَلَ إِلَيْهَا، وَأَقَامَ عِنْدَهَا بِطَبَرِيَّةَ. وَمَاتَ مَلِكُ الْفِرِنْجِ بِالشَّامِ، وَكَانَ مَجْذُومًا، وَأَوْصَى بِالْمُلْكِ إِلَى ابْنِ أُخْتٍ لَهُ، وَكَانَ صَغِيرًا، فَكَفَلَهُ الْقُمُّصُ، وَقَامَ بِسِيَاسَةِ الْمُلْكِ وَتَدْبِيرِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْفِرِنْجِ ذَلِكَ الْوَقْتَ أَكْبَرُ مِنْهُ شَأْنًا، وَلَا أَشْجَعُ رَأْيًا مِنْهُ، فَطَمِعَ فِي الْمُلْكِ بِسَبَبِ هَذَا الصَّغِيرِ، فَاتُّفِقَ أَنَّ الصَّغِيرَ تُوُفِّيَ، فَانْتَقَلَ الْمُلْكُ إِلَى أُمِّهِ، فَبَطَلَ مَا كَانَ الْقُمُّصُ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ [بِهِ] .

стр. 5728

ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْمَلِكَةَ هَوِيَتْ رَجُلًا مِنَ الْفِرِنْجِ الَّذِينَ قَدِمُوا الشَّامَ مِنَ الْغَرْبِ اسْمُهُ كِي، فَتَزَوَّجَتْهُ، وَنَقَلَتِ الْمُلْكَ إِلَيْهِ، وَجَعَلَتِ التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَحْضَرَتِ الْبَطْرَكَ، وَالْقُسُوسَ، وَالرُّهْبَانَ، وَالِاسْبِتَارِيَّةَ، وَالدَّاوِيَّةَ، وَالْبَارُونِيَّةَ، وَأَعْلَمَتْهُمْ أَنَّهَا قَدْ رَدَّتِ الْمُلْكَ إِلَيْهِ، وَأَشْهَدَتْهُمْ عَلَيْهَا بِذَلِكَ، فَأَطَاعُوهُ، وَدَانُوا لَهُ. فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْقُمُّصِ، وَسُقِطَ فِي يَدَيْهِ، وَطُولِبَ بِحِسَابِ مَا جَبَى مِنَ الْأَمْوَالِ مُدَّةَ وِلَايَةِ ذَلِكَ الصَّبِيِّ، فَادَّعَى أَنَّهُ أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ، وَزَادَهُ ذَلِكَ نُفُورًا، وَجَاهَرَ بِالْمُشَاقَّةِ وَالْمُبَايَنَةِ، وَرَاسَلَ صَلَاحَ الدِّينِ، وَانْتَمَى إِلَيْهِ، وَاعْتَضَدَ بِهِ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْمُسَاعَدَةَ عَلَى بُلُوغِ غَرَضِهِ مِنَ الْفِرِنْجِ. فَفَرِحَ صَلَاحُ الدِّينِ وَالْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، وَوَعَدَهُ النُّصْرَةَ، وَالسَّعْيَ لَهُ فِي كُلِّ مَا يُرِيدُ، وَضَمِنَ لَهُ أَنَّهُ يَجْعَلُهُ مَلِكًا مُسْتَقِلًّا لِلْفِرِنْجِ قَاطِبَةً، وَكَانَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ فُرْسَانِ الْقُمُّصِ أَسْرَى فَأَطْلَقَهُمْ. فَحَلَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ أَعْظَمَ مَحَلٍّ، وَأَظْهَرَ طَاعَةَ صَلَاحِ الدِّينِ، وَوَافَقَهُ عَلَى مَا فَعَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَاخْتَلَفَتْ كَلِمَتُهُمْ وَتَفَرَّقَ شَمْلُهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِفَتْحِ بِلَادِهِمْ، وَاسْتِنْقَاذِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ مِنْهُمْ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَسَيَّرَ صَلَاحُ الدِّينِ السَّرَايَا نَاحِيَةَ طَبَرِيَّةَ، فَشَنَّتِ الْغَارَاتِ عَلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ، وَخَرَجَتْ سَالِمَةً غَانِمَةً، فَوَهَنَ الْفِرِنْجُ بِذَلِكَ، وَضَعُفُوا وَتَجَرَّأَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، وَطَمِعُوا فِيهِمْ. ذِكْرُ غَدْرِ الْبِرِنْسِ أَرْنَاطَ كَانَ الْبِرِنْسُ أَرْنَاطُ، صَاحِبُ الْكَرَكِ، مِنْ أَعْظَمِ الْفِرِنْجِ وَأَخْبَثِهِمْ، وَأَشَدِّهِمْ عَدَاوَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَعْظَمِهِمْ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَى صَلَاحُ الدِّينِ ذَلِكَ مِنْهُ قَصَدَهُ بِالْحَصْرِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَبِالْغَارَةِ عَلَى بِلَادِهِ كَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَذَلَّ، وَخَضَعَ، وَطَلَبَ الصُّلْحَ مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَهَادَنَهُ وَتَحَالَفَا، وَتَرَدَّدَتِ الْقَوَافِلُ مِنَ الشَّامِ إِلَى مِصْرَ، وَمِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ. فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةُ اجْتَازَ بِهِ قَافِلَةٌ عَظِيمَةٌ غَزِيرَةُ الْأَمْوَالِ، كَثِيرَةُ الرِّجَالِ، وَمَعَهَا جَمَاعَةٌ صَالِحَةٌ مِنَ الْأَجْنَادِ، فَغَدَرَ اللَّعِينُ بِهِمْ، وَأَخَذَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ

стр. 5729

وَدَوَابَّهُمْ وَسِلَاحَهُمْ، وَأَوْدَعَ السُّجُونَ مَنْ أَسْرَهُ مِنْهُمْ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ صَلَاحُ الدِّينِ يَلُومُهُ، وَيُقَبِّحُ فِعْلَهُ وَغَدْرَهُ، وَيَتَهَدَّدُهُ إِنْ لَمْ يُطْلِقِ الْأَسْرَى وَالْأَمْوَالَ، فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، وَأَصَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَنَذَرَ صَلَاحُ الدِّينِ نَذْرًا أَنْ يَقْتُلَهُ إِنْ ظَفَرَ [بِهِ] ، فَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ كَانَ الْمُنَجِّمُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا قَدْ حَكَمُوا أَنَّ هَذِهِ السَّنَةَ التَّاسِعَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ تَجْتَمِعُ الْكَوَاكِبُ الْخَمْسَةُ فِي بُرْجِ الْمِيزَانِ، وَيَحْدُثُ بِاقْتِرَانِهَا رِيَاحٌ شَدِيدَةٌ، وَتُرَابٌ يُهْلِكُ الْعِبَادَ وَيُخَرِّبُ الْبِلَادَ، فَلَمَّا دَخَلَتْ هَذِهِ السَّنَةُ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ صِحَّةٌ، وَلَمْ يَهُبَّ مِنَ الرِّيَاحِ شَيْءٌ الْبَتَّةَ، حَتَّى إِنَّ غِلَالَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ تَأَخَّرَ نَجَازُهَا لِعَدَمِ الْهَوَاءِ الَّذِي يَذْرِي بِهِ الْفَلَّاحُونَ، فَأَكْذَبَ اللَّهُ أُحْدُوثَةَ الْمُنَجِّمِينَ وَأَخْزَاهُمْ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرِّيِّ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ بَرِّيٍّ النَّحْوِيُّ الْمِصْرِيُّ، وَكَانَ إِمَامًا فِي النَّحْوِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 5730

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ] ٥٨٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ اتُّفِقَ أَوَّلُ هَذِهِ السَّنَةِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَهُوَ يَوْمُ النَّوْرُوزِ السُّلْطَانِيِّ، وَرَابِعَ عَشَرَ آذَارَ سَنَةَ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَثَمَانٍ وَتِسْعِينَ إِسْكَنْدَرِيَّةَ، وَكَانَ الْقَمَرُ وَالشَّمْسُ فِي الْحَمَلِ، وَاتَّفَقَ أَوَّلُ سَنَةِ الْعَرَبِ، وَأَوَّلُ سَنَةِ الْفُرْسِ الَّتِي جَدَّدُوهَا أَخِيرًا، وَأَوَّلُ سَنَةِ الرُّومِ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فِي أَوَّلِ الْبُرُوجِ، وَهَذَا يَبْعُدُ وُقُوعُ مِثْلِهِ. ذِكْرُ حَصْرِ صَلَاحِ الدِّينِ الْكَرَكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَتَبَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى جَمِيعِ الْبِلَادِ يَسْتَنْفِرُ النَّاسَ لِلْجِهَادِ، وَكَتَبَ إِلَى الْمَوْصِلِ وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ وَإِرْبِلَ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الشَّرْقِ، وَإِلَى مِصْرَ وَسَائِرِ بِلَادِ الشَّامِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجِهَادِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَيْهِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالتَّجَهُّزِ لَهُ بِغَايَةِ الْإِمْكَانِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ دِمَشْقَ، أَوَاخِرَ الْمُحَرَّمِ، فِي عَسْكَرِهَا الْخَاصِّ، فَسَارَ إِلَى رَأْسِ الْمَاءِ، وَتَلَاحَقَتْ بِهِ الْعَسَاكِرُ الشَّامِيَّةُ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَعَلَ عَلَيْهِمْ وَلَدَهُ الْمَلِكَ الْأَفْضَلَ عَلِيًّا لِيَجْتَمِعَ إِلَيْهِ مَنْ يَرِدُ إِلَيْهِ مِنْهَا، وَسَارَ هُوَ إِلَى بُصْرَى، جَرِيدَةً. وَكَانَ سَبَبُ مَسِيرِهِ وَقَصْدِهِ إِلَيْهَا أَنَّهُ أَتَتْهُ الْأَخْبَارُ أَنَّ الْبِرِنْسَ أَرْنَاطَ، صَاحِبَ الْكَرَكِ، يُرِيدُ أَنْ يَقْصِدَ الْحُجَّاجَ لِيَأْخُذَهُمْ مِنْ طَرِيقِهِمْ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ إِذَا فَرَغَ مِنْ أَخْذِ الْحُجَّاجِ يَرْجِعُ إِلَى طَرِيقِ الْعَسْكَرِ الْمِصْرِيِّ يَصُدُّهُمْ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ، فَسَارَ إِلَى بُصْرَى لِيَمْنَعَ الْبِرِنْسَ أَرْنَاطَ مِنْ طَلَبِ الْحُجَّاجِ، وَيَلْزَمَ بَلَدَهُ خَوْفًا عَلَيْهِ. وَكَانَ مِنَ الْحُجَّاجِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَقَارِبِهِ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ لَاجِينَ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَغَيْرُهُ، فَلَمَّا سَمِعَ أَرْنَاطُ بِقُرْبِ صَلَاحِ الدِّينِ مِنْ بَلَدِهِ لَمْ يُفَارِقْهُ، وَانْقَطَعَ

стр. 5731

عَمَّا طَمِعَ فِيهِ، فَوَصَلَ الْحُجَّاجُ سَالِمِينَ. فَلَمَّا وَصَلُوا وَفَرَغَ سِرُّهُ مِنْ جِهَتِهِمْ سَارَ إِلَى الْكَرَكِ فَحَصَرَهُ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ وَانْتَظَرَ وُصُولَ الْعَسْكَرِ الْمِصْرِيِّ، فَوَصَلُوا إِلَيْهِ عَلَى الْكَرَكِ، وَبَثَّ سَرَايَاهُ مِنْ هُنَاكَ عَلَى وِلَايَةِ الْكَرَكِ وَالشَّوْبَكِ وَغَيْرِهِمَا، فَنَهَبُوا وَخَرَّبُوا وَأَحْرَقُوا، وَالْبِرِنْسُ مَحْصُورٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَنْعِ عَنْ بَلَدِهِ. وَسَائِرُ الْفِرِنْجِ قَدْ لَزِمُوا طَرَفَ بِلَادِهِمْ، خَوْفًا مِنَ الْعَسْكَرِ الَّذِي مَعَ وَلَدِهِ الْأَفْضَلِ، فَتَمَكَّنَ مِنَ الْحَصْرِ وَالنَّهْبِ وَالتَّحْرِيقِ وَالتَّخْرِيبِ، هَذَا فِعْلُ صَلَاحِ الدِّينِ. ذِكْرُ الْغَارَةِ عَلَى بَلَدِ عَكَّا أَرْسَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى وَلَدِهِ الْأَفْضَلِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُرْسِلَ قِطْعَةً صَالِحَةً مِنَ الْجَيْشِ إِلَى بَلَدِ عَكَّا يَنْهَبُونَهُ وَيُخَرِّبُونَهُ، فَسَيَّرَ مُظَفَّرَ الدِّينِ كَوْكَبْرِيَّ بْنَ زَيْنِ الدِّينِ، وَهُوَ صَاحِبُ حَرَّانَ وَالرُّهَا، وَأَضَافَ إِلَيْهِ قَايْمَازْ النَّجْمِيَّ وَدِلْدِرْمَ الْيَارُوقِيَّ - وَهُمَا مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ - وَغَيْرَهُمَا فَسَارُوا لَيْلًا، وَصَبَّحُوا صَفُّورِيَّةَ أَوَاخِرَ صَفَرٍ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الْفِرِنْجُ فِي جَمْعٍ مِنَ الدَّاوِيَّةِ وَالِاسْبِتَارِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا، فَالْتَقَوْا هُنَاكَ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ تَشِيبُ لَهَا الْمَفَارِقُ السُّودُ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى نَصْرَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، وَأُسِرَ الْبَاقُونَ، وَفِيمَنْ قُتِلَ مُقَدَّمُ الِاسْبِتَارِيَّةِ، وَكَانَ مِنْ فُرْسَانِ الْفِرِنْجِ الْمَشْهُورِينَ، وَلَهُ الْكِنَايَاتُ الْعَظِيمَةُ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَنَهَبَ الْمُسْلِمُونَ مَا جَاوَرَهُمْ مِنَ الْبِلَادِ، وَغَنِمُوا وَسَبَوْا، وَعَادُوا سَالِمِينَ، وَكَانَ عَوْدُهُمْ عَلَى طَبَرِيَّةَ، وَبِهَا الْقُمُّصُ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ، فَكَانَ فَتْحًا كَثِيرًا، فَإِنَّ الدَّاوِيَّةَ وَالِاسْبِتَارِيَّةَ هُمْ جَمْرَةُ الْفِرِنْجِ، وَسُيِّرَتِ الْبَشَائِرُ إِلَى الْبِلَادِ بِذَلِكَ.

стр. 5732

ذِكْرُ عَوْدِ صَلَاحِ الدِّينِ إِلَى عَسْكَرِهِ وَدُخُولِهِ إِلَى الْفِرِنْجِ لَمَّا أَتَتْ صَلَاحَ الدِّينِ الْبِشَارَةُ بِهَزِيمَةِ الِاسْبِتَارِيَّةِ وَالدَّاوِيَّةِ، وَقَتْلِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، وَأَسْرِ مَنْ أُسِرَ، عَادَ عَنِ الْكَرَكِ إِلَى الْعَسْكَرِ الَّذِي مَعَ وَلَدِهِ الْمَلِكِ الْأَفْضَلِ، وَقَدْ تَلَاحَقَتْ سَائِرُ الْأَمْدَادِ وَالْعَسَاكِرِ، وَاجْتَمَعَ بِهِمْ، وَسَارُوا جَمِيعًا. وَعَرَضَ الْعَسْكَرَ، فَبَلَغَتْ عِدَّتُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ مِمَّنْ لَهُ الْأَقْطَاعُ وَالْجَامَكِيَّةُ، سِوَى الْمُتَطَوِّعَةِ، فَعَبَّأَ عَسْكَرَهُ قَلْبًا وَجَنَاحَيْنِ، وَمَيْمَنَةً وَمَيْسَرَةً وَجَالِسِيَّةً وَسَاقَةً، وَعَرَفَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَوْضِعَهُ وَمَوْقَفَهُ، وَأَمَرَهُ بِمُلَازَمَتِهِ. وَسَارَ عَلَى تَعْبِئَةٍ، فَنَزَلَ بِالْأُقْحُوَانَةِ بِقُرْبِ طَبَرِيَّةَ، وَكَانَ الْقُمُّصُ قَدِ انْتَمَى إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَكُتُبُهُ مُتَّصِلَةٌ إِلَيْهِ يَعِدُهُ النُّصْرَةَ، وَيُمَنِّيهِ الْمُعَاضَدَةَ، وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا. فَلَمَّا رَأَى الْفِرِنْجُ اجْتِمَاعَ الْعَسَاكِرِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَتَصْمِيمَ الْعَزْمِ عَلَى قَصْدِ بِلَادِهِمْ، أَرْسَلُوا إِلَى الْقُمُّصِ الْبَطْرَكَ وَالْقُسُوسَ وَالرُّهْبَانَ، وَكَثِيرًا مِنَ الْفُرْسَانِ، فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ انْتِمَاءَهُ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ، وَقَالُوا لَهُ: لَا شَكَّ أَنَّكَ أَسْلَمْتَ، وَإِلَّا لِمَ تَصْبِرُ عَلَى مَا فَعَلَ الْمُسْلِمُونَ أَمْسَ بِالْفِرِنْجِ، يُقَتِّلُونَ الدَّاوِيَّةَ وَالِاسْبِتَارِيَّةَ، وَيَأْسِرُونَهُمْ، وَيَجْتَازُونَ بِهِمْ عَلَيْكَ، وَأَنْتَ لَا تُنْكِرُ ذَلِكَ وَلَا تَمْنَعُ عَنْهُ. وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ عَسْكَرِ طَبَرِيَّةَ وَطَرَابُلُسَ، وَتَهَدَّدَهُ الْبَطْرَكُ أَنَّهُ يُحَرِّمُهُ، وَيَفْسَخُ نِكَاحَ زَوْجَتِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّهْدِيدِ. فَلَمَّا رَأَى الْقُمُّصُ شِدَّةَ الْأَمْرِ عَلَيْهِ خَافَ، فَاعْتَذَرَ وَتَنَصَّلَ وَتَابَ، فَقَبِلُوا عُذْرَهُ، وَغَفَرُوا زَلَّتَهُ، وَطَلَبُوا مِنْهُ الْمُوَافَقَةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُؤَازَرَةَ عَلَى حِفْظِ بِلَادِهِمْ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى الْمُصَالَحَةِ وَالِانْضِمَامِ إِلَيْهِمْ، وَالِاجْتِمَاعِ مَعَهُمْ. وَسَارَ مَعَهُمْ إِلَى مَلِكِ الْفِرِنْجِ، وَاجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهُمْ بَعْدَ فُرْقَتِهِمْ، وَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَجَمَعُوا فَارِسَهُمْ وَرَاجِلَهُمْ، ثُمَّ سَارُوا مَنْ عَكَّا إِلَى صَفُّورِيَّةَ، وَهُمْ يُقَدِّمُونَ رِجْلًا وَيُؤَخِّرُونَ أُخْرَى، قَدْ مُلِئَتْ قُلُوبُهُمْ رُعْبًا. ذِكْرُ فَتْحِ صَلَاحِ الدِّينِ طَبَرِيَّةَ لَمَّا اجْتَمَعَ الْفِرِنْجُ وَسَارُوا إِلَى صَفُّورِيَّةَ، جَمَعَ صَلَاحُ الدِّينِ أُمَرَاءَهُ وَوُزَرَاءَهُ

стр. 5733

وَاسْتَشَارَهُمْ، فَأَشَارَ أَكْثَرُهُمْ عَلَيْهِ بِتَرْكِ اللِّقَاءِ وَأَنْ يُضْعِفَ الْفِرِنْجَ بِشَنِّ الْغَارَاتِ، وَإِخْرَابِ الْوِلَايَاتِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أُمَرَائِهِ: الرَّأْيُ عِنْدِي أَنَّنَا نَجُوسُ بِلَادَهُمْ، وَنَنْهَبُ، وَنُخَرِّبُ، وَنُحَرِّقُ، وَنَسْبِي، فَإِنْ وَقَفَ أَحَدٌ مِنَ الْعَسْكَرِ الْفِرِنْجِ بَيْنَ أَيْدِينَا لَقِينَاهُ، فَإِنَّ النَّاسَ بِالْمَشْرِقِ يَلْعَنُونَنَا وَيَقُولُونَ تَرَكَ قِتَالَ الْكُفَّارِ، وَأَقْبَلُ يُرِيدُ قِتَالَ الْمُسْلِمِينَ، الرَّأْيُ أَنْ نَفْعَلَ فِعْلًا نُعْذَرُ فِيهِ وَنَكُفُّ الْأَلْسِنَةَ عَنَّا. فَقَالَ صَلَاحُ الدِّينِ: الرَّأْيُ عِنْدِي أَنْ نَلْقَى بِجَمْعِ الْمُسْلِمِينَ جَمْعَ الْكُفَّارِ، فَإِنَّ الْأُمُورَ لَا تَجْرِي بِحُكْمِ الْإِنْسَانِ، وَلَا نَعْلَمُ قَدْرَ الْبَاقِي مِنْ أَعْمَارِنَا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ نُفَرِّقَ هَذَا الْجَمْعَ إِلَّا بَعْدَ الْجِدِّ بِالْجِهَادِ. ثُمَّ رَحَلَ مِنَ الْأُقْحُوَانَةِ الْيَوْمَ الْخَامِسَ مِنْ نُزُولِهِ بِهَا، وَهُوَ يَوْمُ الْخَمِيسِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ، فَسَارَ حَتَّى خَلَّفَ طَبَرِيَّةَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَصَعِدَ جَبَلَهَا، وَتَقَدَّمَ حَتَّى قَارَبَ الْفِرِنْجَ، فَلَمْ يَرَ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَلَا فَارَقُوا خِيَامَهُمْ، فَنَزَلَ وَأَمَرَ الْعَسْكَرَ بِالنُّزُولِ. فَلَمَّا جَنَّهُ اللَّيْلُ جَعَلَ فِي مُقَابِلِ الْفِرِنْجِ مَنْ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْقِتَالِ، وَنَزَلَ جَرِيدَةَ إِلَى طَبَرِيَّةَ وَقَاتَلَهَا، وَنَقَبَ بَعْضَ أَبْرَاجِهَا، وَأَخَذَ الْمَدِينَةَ عَنْوَةً فِي لَيْلَةٍ، وَلَجَأَ مَنْ بِهَا إِلَى الْقَلْعَةِ الَّتِي لَهَا، فَامْتَنَعُوا بِهَا، وَفِيهَا صَاحِبَتُهَا، وَمَعَهَا أَوْلَادُهَا، فَنَهَبَ الْمَدِينَةَ وَأَحْرَقَهَا. فَلَمَّا سَمِعَ الْفِرِنْجُ نُزُولَ صَلَاحِ الدِّينِ إِلَى طَبَرِيَّةَ وَمُلْكَهُ الْمَدِينَةَ، وَأَخْذَ مَا فِيهَا، وَإِحْرَاقَهَا، وَإِحْرَاقَ مَا تَخَلَّفَ مِمَّا لَا يُحْمَلُ، اجْتَمَعُوا لِلْمَشُورَةِ، فَأَشَارَ بَعْضُهُمْ بِالتَّقَدُّمِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَقِتَالِهِمْ، وَمَنْعِهِمْ عَنْ طَبَرِيَّةَ. فَقَالَ الْقُمُّصُ: إِنَّ طَبَرِيَّةَ لِي وَلِزَوْجَتِي، وَقَدْ فَعَلَ صَلَاحُ الدِّينِ بِالْمَدِينَةِ مَا فَعَلَ، وَبَقِيَ الْقَلْعَةُ، وَفِيهَا زَوْجَتِي، وَقَدْ رَضِيتُ أَنْ يَأْخُذَ الْقَلْعَةَ وَزَوْجَتِي وَمَا لَنَا بِهَا وَيَعُودَ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَسَاكِرَ الْإِسْلَامِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا الْعَسْكَرِ الَّذِي مَعَ صَلَاحِ الدِّينِ كَثْرَةً وَقُوَّةً، وَإِذَا أَخَذَ طَبَرِيَّةَ لَا يُمْكِنُهُ الْمُقَامُ بِهَا، فَمَتَى فَارَقَهَا وَعَادَ عَنْهَا أَخَذْنَاهَا، وَإِنْ أَقَامَ بِهَا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمُقَامِ بِهَا إِلَّا بِجَمِيعِ عَسَاكِرِهِ، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى الصَّبْرِ طُولَ الزَّمَانِ عَنْ أَوْطَانِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ فَيُضْطَرُّ إِلَى تَرْكِهَا، وَنَفْتَكُّ مَنْ أُسِرَ مِنَّا. فَقَالَ لَهُ بِرِنْسُ أَرْنَاطُ، صَاحِبُ الْكَرَكِ: قَدْ أَطَلْتَ فِي التَّخْوِيفِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا شَكَّ أَنَّكَ تُرِيدُهُمْ، وَتَمِيلُ إِلَيْهِمْ، وَإِلَّا مَا كُنْتَ تَقُولُ هَذَا، وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّهُمْ كَثِيرُونَ، فَإِنَّ النَّارَ لَا يَضُرُّهَا كَثْرَةُ الْحَطَبِ. فَقَالَ: أَنَا وَاحِدٌ مِنْكُمْ إِنْ تَقَدَّمْتُمْ تَقَدَّمْتُ، وَإِنْ تَأَخَّرْتُمْ تَأَخَّرْتُ، وَسَتَرَوْنَ مَا يَكُونُ.

стр. 5734

فَقَوِيَ عَزْمُهُمْ عَلَى التَّقَدُّمِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَقِتَالِهِمْ، فَرَحَلُوا مِنْ مُعَسْكَرِهِمُ الَّذِي لَزِمُوهُ، وَقَرُبُوا مِنْ عَسَاكِرِ الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا سَمِعَ صَلَاحُ الدِّينِ بِذَلِكَ عَادَ عَنْ طَبَرِيَّةَ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ قَصْدُهُ بِمُحَاصَرَةِ طَبَرِيَّةَ أَنْ يُفَارِقَ الْفِرِنْجُ مَكَانَهُمْ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ قِتَالِهِمْ. وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ نَزَلُوا عَلَى الْمَاءِ، وَالزَّمَانُ قَيْظٌ شَدِيدُ الْحَرِّ، فَوَجَدَ الْفِرِنْجُ الْعَطَشَ، وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الْوُصُولِ إِلَى ذَلِكَ الْمَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانُوا قَدْ أَفْنَوْا مَا هُنَاكَ مِنْ مَاءِ الصَّهَارِيجِ وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الرُّجُوعِ خَوْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَبَقُوا عَلَى حَالِهِمْ إِلَى الْغَدِ، وَهُوَ يَوْمُ السَّبْتِ، وَقَدْ أَخَذَ الْعَطَشُ مِنْهُمْ. وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَإِنَّهُمْ فِيهِمْ، وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَخَافُونَهُمْ، فَبَاتُوا يُحَرِّضُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَقَدْ وَجَدُوا رِيحَ النَّصْرِ وَالظَّفَرِ، وَكُلَّمَا رَأَوْا حَالَ الْفِرِنْجِ خِلَافَ عَادَتِهِمْ مِمَّا رَكِبَهُمْ مِنَ الْخِذْلَانِ، زَادَ طَمَعُهُمْ وَجُرْأَتُهُمْ، فَأَكْثَرُوا التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ طُولَ لَيْلَتِهِمْ، وَرَتَّبَ السُّلْطَانُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الْجَالَيْشِيَّةَ، وَفَرَّقَ فِيهِمُ النُّشَّابَ. ذِكْرُ انْهِزَامِ الْفِرِنْجِ بِحِطِّينَ أَصْبَحَ صَلَاحُ الدِّينِ وَالْمُسْلِمُونَ يَوْمَ السَّبْتِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ، فَرَكِبُوا وَتَقَدَّمُوا إِلَى الْفِرِنْجِ، وَدَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، إِلَّا أَنَّ الْفِرِنْجَ قَدِ اشْتَدَّ بِهِمُ الْعَطَشُ وَانْخَذَلُوا، فَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، وَرَمَى جَالَيْشِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ النُّشَّابِ مَا كَانَ كَالْجَرَادِ الْمُنْتَشِرِ، فَقَتَلُوا مِنْ خُيُولِ الْفِرِنْجِ كَثِيرًا. هَذَا الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، وَالْفِرِنْجُ قَدْ جَمَعُوا نُفُوسَهُمْ بِرَاجِلِهِمْ وَهُمْ يُقَاتِلُونَ سَائِرِينَ، نَحْوَ طَبَرِيَّةَ، لَعَلَّهُمْ يَرِدُونَ الْمَاءَ. فَلَمَّا عَلِمَ صَلَاحُ الدِّينِ مَقْصِدَهُمْ صَدَّهُمْ عَنْ مُرَادِهِمْ، وَوَقَفَ بِالْعَسْكَرِ فِي وُجُوهِهِمْ، وَطَافَ بِنَفْسِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يُحَرِّضُهُمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِمَا يُصْلِحُهُمْ، وَيَنْهَاهُمْ عَمَّا يَضُرُّهُمْ، وَالنَّاسُ يَأْتَمِرُونَ لِقَوْلِهِ، وَيَقِفُونَ عِنْدَ نَهْيِهِ. فَحَمَلَ مَمْلُوكٌ مِنْ مَمَالِيكِهِ الصِّبْيَانِ حَمْلَةً مُنْكَرَةً عَلَى صَفِّ الْفِرِنْجِ، فَقَاتَلَ قِتَالًا عَجِبَ مِنْهُ النَّاسُ. ثُمَّ تَكَاثَرَ الْفِرِنْجُ عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، فَحِينَ قُتِلَ حَمَلَ الْمُسْلِمُونَ حَمْلَةً مُنْكَرَةً فَضَعْضَعُوا الْكُفَّارَ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ كَثِيرًا. فَلَمَّا رَأَى الْقُمُّصُ شِدَّةَ الْأَمْرِ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِالْمُسْلِمِينَ، فَاتَّفَقَ هُوَ

стр. 5735

وَجَمَاعَتُهُ وَحَمَلُوا عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ، وَكَانَ الْمُقَدَّمُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، تَقِيَّ الدِّينِ عُمَرَ ابْنَ أَخِي صَلَاحِ الدِّينِ، فَلَمَّا رَأَى حَمْلَةَ الْفِرِنْجِ حَمْلَةَ مَكْرُوبٍ، عَلِمَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى الْوُقُوفِ فِي وُجُوهِهِمْ. فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَفْتَحُوا لَهُمْ طَرِيقًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَفَعَلُوا فَخَرَجَ الْقُمُّصُ وَأَصْحَابُهُ ثُمَّ الْتَأَمَ الصَّفُّ. وَكَانَ بَعْضُ الْمُتَطَوِّعَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدِ أَلْقَى فِي تِلْكَ الْأَرْضِ نَارًا، وَكَانَ الْحَشِيشُ كَثِيرًا فَاحْتَرَقَ، وَكَانَتِ الرِّيحُ عَلَى الْفِرِنْجِ فَحَمَلَتْ حَرَّ النَّارِ وَالدُّخَانَ إِلَيْهِمْ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِمُ الْعَطَشُ، وَحَرُّ الزَّمَانِ، وَحَرُّ النَّارِ، وَالدُّخَانُ، وَحَرُّ الْقِتَالِ. فَلَمَّا انْهَزَمَ الْقُمُّصُ سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَكَادُوا يَسْتَسْلِمُونَ، ثُمَّ عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَا يُنْجِيهِمْ مِنَ الْمَوْتِ إِلَّا الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ، فَحَمَلُوا حَمَلَاتٍ مُتَدَارَكَةً كَادُوا يُزِيلُونَ [بِهَا] الْمُسْلِمِينَ، عَلَى كَثْرَتِهِمْ، عَنْ مَوَاقِفِهِمْ لَوْلَا لُطْفُ اللَّهِ بِهِمْ. إِلَّا أَنَّ الْفِرِنْجَ لَا يَحْمِلُونَ حَمْلَةً فَيَرْجِعُونَ إِلَّا وَقَدْ قُتِلَ مِنْهُمْ، فَوَهَنُوا لِذَلِكَ وَهْنًا عَظِيمًا، فَأَحَاطَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ إِحَاطَةَ الدَّائِرَةِ بِقُطْرِهَا، فَارْتَفَعَ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْفِرِنْجِ إِلَى تَلٍّ بِنَاحِيَةِ حِطِّينَ، وَأَرَادُوا أَنْ يَنْصِبُوا خِيَامَهُمْ، وَيَحْمُوا نُفُوسَهُمْ بِهِ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ عَلَيْهِمْ مِنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ، وَمَنَعُوهُمْ عَمَّا أَرَادُوا، وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ نَصْبِ خَيْمَةٍ غَيْرِ خَيْمَةِ مَلِكِهِمْ. وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ صَلِيبَهُمُ الْأَعْظَمَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ صَلِيبَ الصَّلَبُوتِ، وَيَذْكُرُونَ أَنَّ فِيهِ قِطْعَةً مِنَ الْخَشَبَةِ الَّتِي صُلِبَ عَلَيْهَا الْمَسِيحُ ﵇ بِزَعْمِهِمْ، فَكَانَ أَخْذُهُ عِنْدَهُمْ مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ عَلَيْهِمْ، وَأَيْقَنُوا بَعْدَهُ بِالْقَتْلِ وَالْهَلَاكِ. هَذَا وَالْقَتْلُ وَالْأَسْرُ يَعْمَلَانِ فِي فُرْسَانِهِمْ وَرِجَالَتِهِمْ، فَبَقِيَ الْمَلِكُ عَلَى التَّلِّ فِي مِقْدَارِ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَارِسًا مِنَ الْفُرْسَانِ الْمَشْهُورِينَ وَالشُّجْعَانِ الْمَذْكُورِينَ. فَحُكِيَ لِي عَنِ الْمَلِكِ الْأَفْضَلِ - وَلَدِ صَلَاحِ الدِّينِ - قَالَ: كُنْتُ إِلَى جَانِبِ أَبِي فِي ذَلِكَ الْمَصَافِّ، وَهُوَ أَوَّلُ مَصَافٍّ شَاهَدْتُهُ، فَلَمَّا صَارَ مَلِكُ الْفِرِنْجِ عَلَى التَّلِّ فِي تِلْكَ الْجَمَاعَةِ حَمَلُوا حَمْلَةً مُنْكَرَةً عَلَى مَنْ بِإِزَائِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَلْحَقُوهُمْ بِوَالِدِي. قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، وَقَدْ عَلَتْهُ كَآبَةٌ، وَارْبَدَّ لَوْنُهُ، وَأَمْسَكَ بِلِحْيَتِهِ، وَتَقَدَّمَ، وَهُوَ يَصِيحُ: كَذَبَ الشَّيْطَانُ، قَالَ: فَعَادَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْفِرِنْجِ، فَرَجَعُوا إِلَى التَّلِّ، فَلَمَّا رَأَيْتُ الْفِرِنْجَ قَدْ عَادُوا، وَالْمُسْلِمُونَ يَتْبَعُونَهُمْ، صِحْتُ مِنْ فَرَحِي: هَزَمْنَاهُمْ! فَعَادَ الْفِرِنْجُ فَحَمَلُوا حَمْلَةً ثَانِيَةً مِثْلَ الْأُولَى حَتَّى أَلْحَقُوا الْمُسْلِمِينَ بِوَالِدِي، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ أَوَّلًا. وَعَطَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ فَأَلْحَقُوهُمْ بِالتَّلِّ، فَصِحْتُ أَنَا أَيْضًا: هَزَمْنَاهُمْ! فَالْتَفَتَ وَالِدِي إِلَيَّ وَقَالَ: اسْكُتْ! مَا نَهْزِمُهُمْ حَتَّى تَسْقُطَ تِلْكَ الْخَيْمَةُ، قَالَ: فَهُوَ يَقُولُ

стр. 5736

لِي، وَإِذَا الْخَيْمَةُ قَدْ سَقَطَتْ، فَنَزَلَ السُّلْطَانُ وَسَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَبَكَى مِنْ فَرَحِهِ. وَكَانَ سَبَبُ سُقُوطِهَا أَنَّ الْفِرِنْجَ لَمَّا حَمَلُوا تِلْكَ الْحَمَلَاتِ ازْدَادُوا عَطَشًا، وَقَدْ كَانُوا يَرْجُونَ الْخَلَاصَ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْحَمَلَاتِ مِمَّا هُمْ فِيهِ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدُوا إِلَى الْخَلَاصِ طَرِيقًا، نَزَلُوا عَنْ دَوَابِّهِمْ وَجَلَسُوا عَلَى الْأَرْضِ، فَصَعِدَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ، فَأَلْقَوْا خَيْمَةَ الْمَلِكِ، وَأَسَرُوهُمْ عَلَى بَكْرَةِ أَبِيهِمْ، وَفِيهِمُ الْمَلِكُ وَأَخُوهُ، وَالْبِرِنْسُ أَرْنَاطُ، صَاحِبُ الْكَرَكِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْفِرِنْجِ أَشَدُّ مِنْهُ عَدَاوَةً لِلْمُسْلِمِينَ. وَأَسَرُوا أَيْضًا صَاحِبَ جُبَيْلٍ، وَابْنَ هَنْفَرِي، وَمُقَدَّمَ الدَّاوِيَّةِ، وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْفِرِنْجِ شَأْنًا، وَأَسَرُوا أَيْضًا جَمَاعَةً مِنَ الدَّاوِيَّةِ، وَجَمَاعَةً مِنَ الِاسْبِتَارِيَّةِ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ وَالْأَسْرُ فِيهِمْ، فَكَانَ مَنْ يَرَى الْقَتْلَى لَا يَظُنُّ أَنَّهُمْ أَسَرُوا وَاحِدًا، وَمَنْ يَرَى الْأَسْرَى لَا يَظُنُّ أَنَّهُمْ قَتَلُوا أَحَدًا، وَمَا أُصِيبَ الْفِرِنْجُ، مُنْذُ خَرَجُوا إِلَى السَّاحِلِ، وَهُوَ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ إِلَى الْآنَ، بِمِثْلِ هَذِهِ الْوَقْعَةِ. فَلَمَّا فَرَغَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ نَزَلَ صَلَاحُ الدِّينِ فِي خَيْمَتِهِ، وَأُحْضِرُ مَلِكُ الْفِرِنْجِ عِنْدَهُ، وَبِرِنْسُ صَاحِبُ الْكَرَكِ، وَأَجْلَسَ الْمَلِكَ إِلَى جَانِبِهِ وَقَدْ أَهْلَكَهُ الْعَطَشُ، فَسَقَاهُ مَاءً مَثْلُوجًا، فَشَرِبَ، وَأَعْطَى فَضْلَهُ بِرِنْسَ صَاحِبَ الْكَرَكِ، فَشَرِبَ. فَقَالَ صَلَاحُ الدِّينِ: إِنَّ هَذَا الْمَلْعُونَ لَمْ يَشْرَبِ الْمَاءَ بِإِذْنِي فَيَنَالَ أَمَانِي، ثُمَّ كَلَّمَ الْبِرِنْسَ، وَقَرَعَهُ بِذُنُوبِهِ، وَعَدَّدَ عَلَيْهِ غَدَرَاتِهِ، وَقَامَ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَضَرَبَ رَقَبَتَهُ، وَقَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ دَفْعَتَيْنِ أَنْ أَقْتُلَهُ إِنْ ظَفَرْتُ بِهِ: إِحْدَاهُمَا لَمَّا أَرَادَ الْمَسِيرَ إِلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَالثَّانِيَةُ لَمَّا أَخَذَ الْقَفَلَ غَدْرًا، فَلَمَّا قَتَلَهُ وَسُحِبَ وَأُخْرِجَ ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُ الْمَلِكِ، فَسَكَّنَ جَأْشَهُ وَأَمَّنَهُ. وَأَمَّا الْقُمُّصُ، صَاحِبُ طَرَابُلُسَ، فَإِنَّهُ لَمَّا نَجَا مِنَ الْمَعْرَكَةِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَصَلَ إِلَى صُورَ، ثُمَّ قَصَدَ طَرَابُلُسَ، وَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا أَيَّامًا قَلَائِلَ حَتَّى مَاتَ غَيْظًا وَحَنَقًا مِمَّا

стр. 5737

جَرَى عَلَى الْفِرِنْجِ خَاصَّةً، وَعَلَى دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ عَامَّةً. ذِكْرُ عَوْدِ صَلَاحِ الدِّينِ إِلَى طَبَرِيَّةَ، وَمُلْكِ قَلْعَتِهَا مَعَ الْمَدِينَةِ لَمَّا فَرَغَ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْ هَزِيمَةِ الْفِرِنْجِ أَقَامَ بِمَوْضِعِهِ بَاقِيَ يَوْمِهِ، وَأَصْبَحَ يَوْمَ الْأَحَدِ، فَعَادَ إِلَى طَبَرِيَّةَ وَنَازَلَهَا، فَأَرْسَلَتْ صَاحِبَتَهَا تَطْلُبُ الْأَمَانَ لَهَا وَلِأَوْلَادِهَا وَأَصْحَابِهَا وَمَالِهَا، فَأَجَابَهَا إِلَى ذَلِكَ، فَخَرَجَتْ بِالْجَمِيعِ، فَوَفَّى لَهَا، فَسَارَتْ آمِنَةً، ثُمَّ أَمَرَ بِالْمَلِكِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَعْيَانِ الْأَسْرَى فَأُرْسَلُوا إِلَى دِمَشْقَ، وَأَمَرَ بِمَنْ أُسِرَ مِنَ الدَّاوِيَّةِ وَالِاسْبِتَارِيَّةِ أَنْ يُجْمَعُوا لِيَقْتُلَهُمْ. ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ أَسِيرٌ لَا يَسْمَحُ بِهِ لِمَا يَرْجُو مِنْ فِدَائِهِ، فَبَذَلَ فِي كُلِّ أَسِيرٍ مِنْ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ خَمْسِينَ دِينَارًا مِصْرِيَّةً، فَأُحْضِرَ عِنْدَهُ فِي الْحَالِ مِائَتَا أَسِيرٍ مِنْهُمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ. وَإِنَّمَا خَصَّ هَؤُلَاءِ بِالْقَتْلِ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ شَوْكَةً مِنْ جَمِيعِ الْفِرِنْجِ، فَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِمْ، وَكَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ بِدِمَشْقَ لِيَقْتُلَ مَنْ دَخَلَ الْبَلَدَ مِنْهُمْ سَوَاءً كَانَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَلَقَدِ اجْتَزْتُ بِمَوْضِعِ الْوَقْعَةِ بَعْدَهَا بِنَحْوِ سَنَةٍ، فَرَأَيْتُ الْأَرْضَ مَلْأَى مِنْ عِظَامِهِمْ تَبِينُ عَلَى الْبُعْدِ، مِنْهَا الْمُجْتَمِعُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَمِنْهَا الْمُفْتَرِقُ، هَذَا سِوَى مَا جَحَفَتْهُ السُّيُولُ، وَأَخَذَتْهُ السِّبَاعُ فِي تِلْكَ الْآكَامِ وَالْوِهَادِ. ذِكْرُ فَتْحِ مَدِينَةِ عَكَّا لَمَّا فَرَغَ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْ طَبَرِيَّةَ سَارَ عَنْهَا يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَوَصَلَ إِلَى عَكَّا يَوْمَ

стр. 5738

الْأَرْبِعَاءِ، وَقَدْ صَعِدَ أَهْلُهَا عَلَى سُورِهَا يُظْهِرُونَ الِامْتِنَاعَ وَالْحِفْظَ، فَعَجِبَ هُوَ وَالنَّاسُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ عَسَاكِرَهُمْ مِنْ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ بَيْنَ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ. وَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، إِلَّا أَنَّهُ نَزَلَ يَوْمَهُ، وَرَكِبَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَقَدْ صَمَّمَ عَلَى الزَّحْفِ إِلَى الْبَلَدِ وَقِتَالِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَنْظُرُ مِنْ أَيْنَ يَزْحَفُ وَيُقَاتِلُ إِذْ خَرَجَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا يَضَّرَّعُونَ، وَيَطْلُبُونَ الْأَمَانَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَأَمَّنَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالظَّعْنِ، فَاخْتَارُوا الرَّحِيلَ خَوْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَسَارُوا عَنْهَا مُتَفَرِّقِينَ، وَحَمَلُوا مَا أَمْكَنَهُمْ حَمْلَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَتَرَكُوا الْبَاقِيَ عَلَى حَالِهِ. وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُسْتَهَلَّ جُمَادَى الْأُولَى، صَلُّوا بِهَا الْجُمُعَةَ فِي جَامِعٍ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ قَدِيمًا، ثُمَّ جَعَلَهُ الْفِرِنْجُ بَيْعَةً، ثُمَّ جَعَلَهُ صَلَاحٌ جَامِعًا، وَهَذِهِ الْجُمُعَةُ أَوَّلُ جُمُعَةٍ أُقِيمَتْ بِالسَّاحِلِ الشَّامِيِّ بَعْدَ أَنْ مَلَكَهُ الْفِرِنْجُ. وَسَلَّمَ الْبَلَدَ إِلَى وَلَدِهِ الْأَفْضَلِ، وَأَعْطَى جَمِيعَ مَا كَانَ فِيهِ لِلدَّاوِيَّةِ مِنْ أَقْطَاعٍ وَضِيَاعٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِلْفَقِيهِ عِيسَى. وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مَا بَقِيَ مِمَّا لَمْ يُطِقِ الْفِرِنْجُ حَمْلُهُ، وَكَانَ مِنْ كَثْرَتِهِ يَعْجِزُ الْإِحْصَاءُ عَنْهُ، فَرَأَوْا فِيهَا مِنَ الذَّهَبِ وَالْجَوْهَرِ وَالسِّقِلَّاطِ، وَالْبُنْدُقِيِّ، وَالشَّكَرِ، وَالسِّلَاحِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَمْتِعَةِ كَثِيرًا، فَإِنَّهَا كَانَتْ مَقْصِدًا لِلتُّجَّارِ الْفِرِنْجِ وَالرُّومِ وَغَيْرِهِمْ، مِنْ أَقْصَى الْبِلَادِ وَأَدْنَاهَا. وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْهَا قَدْ خَزَنَهُ التُّجَّارُ، وَسَافَرُوا عَنْهُ لِكَسَادِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَنْقُلُهُ، فَفَرَّقَ صَلَاحُ الدِّينِ وَابْنُهُ الْأَفْضَلُ ذَلِكَ جَمِيعَهُ عَلَى أَصْحَابِهِمَا، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ فَعَلَهُ الْأَفْضَلُ لِأَنَّهُ كَانَ مُقِيمًا بِالْبَلَدِ، وَكَانَتْ شِيمَتُهُ فِي الْكَرَمِ مَعْرُوفَةً. وَأَقَامَ صَلَاحُ الدِّينِ بِعَكَّا عِدَّةَ أَيَّامٍ لِإِصْلَاحِ حَالِهَا، وَتَقْرِيرِ قَوَاعِدِهَا. ذِكْرُ فَتْحِ مَجْدِ لَيَابَةَ لَمَّا هَزَمَ صَلَاحُ الدِّينِ الْفِرِنْجَ أَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ الْعَادِلِ بِمِصْرَ يُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ، وَيَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ مِنْ جِهَةِ مِصْرَ بِمَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَمُحَاصَرَةِ مَا يَلِيهِ مِنْهَا، فَسَارَعَ إِلَى ذَلِكَ، وَسَارَ عَنْ مِصْرَ فَنَازَلَ حِصْنَ مَجْدِ لَيَابَةَ وَحَصَرَهُ وَغَنِمَ مَا فِيهِ. وَوَرَدَ كِتَابُهُ بِذَلِكَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ، وَكَانَتْ بِشَارَةً كَبِيرَةً. ذِكْرُ فَتْحِ عِدَّةِ حُصُونٍ فِي مُدَّةِ مُقَامِ صَلَاحِ الدِّينِ بِعَكَّا تَفَرَّقَ عَسْكَرُهُ إِلَى النَّاصِرَةِ، وَقَيْسَارِيَّةِ، وَحَيْفَا،

стр. 5739

وَصَفُّورِيَّةَ، وَمَعْلَيَا، وَالشَّقِيفِ، وَالْفُولَةِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ الْمُجَاوِرَةِ لِعَكَّا، فَمَلَكُوهَا وَنَهَبُوهَا وَأَسَرُوا رِجَالَهَا، وَسَبُوا نِسَاءَهَا وَأَطْفَالَهَا، وَقَدِمُوا مِنْ ذَلِكَ بِمَا سَدَّ الْفَضَاءَ. وَسَيَّرَ تَقِيَّ الدِّينِ فَنَزَلَ عَلَى تِبْنِينَ لِيَقْطَعَ الْمِيرَةَ عَنْهَا وَعَنْ صُورَ، وَسَيَّرَ حُسَامَ الدِّينِ عُمَرَ بْنَ لَاجِينَ فِي عَسْكَرٍ إِلَى نَابُلُسَ فَأَتَى سَبَسْطِيَةَ وَبِهَا قَبْرُ زَكَرِيَّاءَ، فَأَخَذَهُ مِنْ أَيْدِي النَّصَارَى وَسَلَّمَهُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَوَصَلَ إِلَى نَابُلُسَ فَدَخَلَهَا وَحَصَرَ قَلْعَتَهَا وَاسْتَنْزَلَ مَنْ فِيهَا بِالْأَمَانِ، وَتَسَلَّمَ الْقَلْعَةَ، وَأَقَامَ أَهْلَ الْبَلَدِ بِهِ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. ذِكْرُ فَتْحِ يَافَا لَمَّا خَرَجَ الْعَادِلُ مِنْ مِصْرَ، وَفَتَحَ مَجْدَ لَيَابَةَ، كَمَا ذَكَرْنَا، سَارَ إِلَى مَدِينَةِ يَافَا، وَهِيَ عَلَى السَّاحِلِ، فَحَصَرَهَا وَمَلَكَهَا عَنْوَةً، وَنَهَبَهَا، وَأَسَرَ الرِّجَالَ، وَسَبَى الْحَرِيمَ، وَجَرَى عَلَى أَهْلِهَا مَا لَمْ يَجْرِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ. وَكَانَ عِنْدِي جَارِيَةٌ مِنْ أَهْلِهَا، وَأَنَا بِحَلَبَ، وَمَعَهَا طِفْلٌ عُمُرُهُ نَحْوُ سَنَةٍ، فَسَقَطَ مِنْ يَدِهَا فَانْسَلَخَ وَجْهُهُ، فَكَبَّتَ عَلَيْهِ كَثِيرًا، فَسَكَّنْتُهَا وَأَعْلَمْتُهَا أَنَّهُ لَيْسَ بِوَلَدِهَا مَا يُوجِبُ الْبُكَاءَ، فَقَالَتْ: مَا لَهُ أَبْكِي، إِنَّمَا أَبْكِي لِمَا جَرَى عَلَيْنَا. كَانَ لِي سِتَّةُ إِخْوَةٍ هَلَكُوا جَمِيعُهُمْ، وَزَوْجٌ وَأُخْتَانِ لَا أَعْلَمُ مَا كَانَ مِنْهُمْ. هَذَا مِنِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْبَاقِي بِالنِّسْبَةِ. وَرَأَيْتُ بِحَلَبَ امْرَأَةً فِرِنْجِيَّةً قَدْ جَاءَتْ مَعَ سَيِّدِهَا إِلَى بَابٍ، فَطَرَقَهُ سَيِّدُهَا، فَخَرَجَ صَاحِبُ الْبَيْتِ فَكَلَّمَهُمَا، ثُمَّ أَخْرَجَ امْرَأَةً فِرِنْجِيَّةً، فَحِينَ رَأَتْهَا الْأُخْرَى صَاحَتَا وَاعْتَنَقَتَا، وَهُمَا تَصْرُخَانِ وَتَبْكِيَانِ، وَسَقَطَتَا إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ قَعَدَتَا تَتَحَدَّثَانِ، وَإِذَا هُمَا أُخْتَانِ، وَكَانَ لَهُمَا عِدَّةٌ مِنَ الْأَهْلِ لَيْسَ لَهُمَا عِلْمٌ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ. ذِكْرُ فَتْحِ تِبْنِينَ وَصَيْدَا وَجُبَيْلٍ وَبَيْرُوتَ فَأَمَّا تِبْنِينُ، فَقَدْ ذَكَرْنَا إِنْفَاذَ صَلَاحِ الدِّينِ تَقِيَّ الدِّينِ ابْنَ أَخِيهِ إِلَى تِبْنِينَ، فَلَمَّا وَصَلَهَا نَازَلَهَا، وَأَقَامَ عَلَيْهَا، فَرَأَى حَصْرَهَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِوُصُولِ عَمِّهِ صَلَاحِ الدِّينِ إِلَيْهِ،

стр. 5740

فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يُعْلِمُهُ الْحَالَ، وَيَحُثُّهُ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ، فَرَحَلَ ثَامِنَ جُمَادَى الْأُولَى، وَنَزَلَ عَلَيْهِ فِي الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْهُ، فَحَصَرَهَا، وَضَايَقَهَا، وَقَاتَلَهَا بِالزَّحْفِ، وَهِيَ مِنَ الْقِلَاعِ الْمَنِيعَةِ عَلَى جَبَلٍ. فَلَمَّا ضَاقَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ وَاشْتَدَّ الْحَصْرُ أَطْلَقُوا مَنْ عِنْدَهُمْ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ يَزِيدُونَ عَلَى مِائَةِ رَجُلٍ، فَلَمَّا دَخَلُوا الْعَسْكَرَ أَحْضَرَهُمْ صَلَاحُ الدِّينِ وَكَسَاهُمْ، وَأَعْطَاهُمْ نَفَقَةً، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ. وَبَقِيَ الْفِرِنْجُ كَذَلِكَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ أَرْسَلُوا يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَسَلَّمُوهَا إِلَيْهِ، وَوَفَّى لَهُمْ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى مَأْمَنِهِمْ. وَأَمَّا صَيْدَا فَإِنَّ صَلَاحَ الدِّينِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ تِبْنِينَ رَحَلَ عَنْهَا إِلَى صَيْدَا، فَاجْتَازَ فِي طَرِيقِهِ بِصَرَفَنْدَ فَأَخَذَهَا عَفْوًا بِغَيْرِ قِتَالٍ، وَسَارَ عَنْهَا إِلَى صَيْدَا، وَهِيَ مِنْ مُدُنِ السَّاحِلِ الْمَعْرُوفَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ صَاحِبُهَا بِمَسِيرِهِ نَحْوَهُ سَارَ عَنْهَا وَتَرَكَهَا فَارِغَةً مِنْ مَانَعٍ وَمُدَافِعٍ، فَلَمَّا وَصَلَهَا صَلَاحُ الدِّينِ تَسَلَّمَهَا سَاعَةَ وُصُولِهِ، وَكَانَ مُلْكُهَا حَادِيَ عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى. وَأَمَّا بَيْرُوتُ فَهِيَ مِنْ أَحْصَنِ مُدُنِ السَّاحِلِ وَأَنْزَهِهَا وَأَطْيَبِهَا. فَلَمَّا فَتَحَ صَلَاحُ الدِّينِ صَيْدَا سَارَ عَنْهَا مِنْ يَوْمِهِ نَحْوَ بَيْرُوتَ وَوَصَلَ إِلَيْهَا مِنَ الْغَدِ فَرَأَى أَهْلَهَا قَدْ صَعِدُوا عَلَى سُورِهَا وَأَظْهَرُوا الْقُوَّةَ وَالْجَلَدَ وَالْعُدَّةَ وَقَاتَلُوا عَلَى سُورِهَا عِدَّةَ أَيَّامٍ قِتَالًا شَدِيدًا وَاغْتَرُّوا بِحَصَانَةِ الْبَلَدِ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى حِفْظِهِ. وَزَحَفَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَبَيْنَمَا الْفِرِنْجُ عَلَى السُّورِ يُقَاتِلُونَ إِذْ سَمِعُوا مِنَ الْبَلَدِ جَلَبَةً عَظِيمَةً وَغَلَبَةً زَائِدَةً، فَأَتَاهُمْ مَنْ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْبَلَدَ قَدْ دَخَلَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى قَهْرًا وَغَلَبَةً، فَأَرْسَلُوا يَنْظُرُونَ مَا الْخَبَرُ وَإِذَا لَيْسَ لَهُ صِحَّةٌ، فَأَرَادُوا تَسْكِينَ مَنْ بِهِ فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ السَّوَادِ. فَلَمَّا خَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ أَرْسَلُوا يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَتَسَلَّمَهَا فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ، فَكَانَ مُدَّةُ حَصْرِهَا ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ. وَأَمَّا جُبَيْلٌ فَإِنَّ صَاحِبَهَا كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْرَى الَّذِينَ سُيِّرُوا إِلَى دِمَشْقَ مَعَ مَلِكِهِمْ فَتَحَدَّثَ مَعَ نَائِبِ صَلَاحِ الدِّينِ بِدِمَشْقَ فِي تَسْلِيمِ جُبَيْلٍ عَلَى شَرْطِ إِطْلَاقِهِ، فَعَرَفَ صَلَاحُ الدِّينِ بِذَلِكَ، فَأَحْضَرَهُ مُقَيَّدًا عِنْدَهُ تَحْتَ الِاسْتِظْهَارِ وَالِاحْتِيَاطِ، وَكَانَ الْعَسْكَرُ حِينَئِذٍ عَلَى بَيْرُوتَ، فَسَلَّمَ حِصْنَهُ وَأَطْلَقَ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِهِ. وَأَطْلَقَهُ صَلَاحُ

стр. 5741

الدِّينِ كَمَا شَرَطَ لَهُ، وَكَانَ صَاحِبُ جُبَيْلٍ هَذَا مِنْ أَعْيَانِ الْفِرِنْجِ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَالْمَكْرِ وَالشَّرِّ، بِهِ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بَيْنَهُمْ، وَكَانَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ عَدُوٌّ أَزْرَقُ، وَكَانَ إِطْلَاقُهُ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُوهِنَةِ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. ذِكْرُ خُرُوجِ الْمَرْكِيسِ إِلَى صُورَ لَمَّا انْهَزَمَ الْقُمُّصُ صَاحِبُ طَرَابُلُسَ مِنْ حِطِّينَ إِلَى مَدِينَةِ صُورَ أَقَامَ بِهَا وَهِيَ أَعْظَمُ بِلَادِ السَّاحِلِ حَصَانَةً، وَأَشَدُّهَا امْتِنَاعًا عَلَى مَنْ رَامَهَا، فَلَمَّا رَأَى السُّلْطَانَ قَدْ مَلَكَ تِبْنِينَ وَصَيْدَا وَبَيْرُوتَ، خَافَ أَنْ يَقْصِدَ صَلَاحُ الدِّينِ صُورَ وَهِيَ فَارِغَةٌ مِمَّنْ يُقَاتِلُ فِيهَا وَيَحْمِيهَا وَيَمْنَعُهَا فَلَا يَقْوَى عَلَى حِفْظِهَا، وَتَرْكِهَا وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ طَرَابُلُسَ. فَبَقِيَتْ صُورُ شَاغِرَةً لَا مَانِعَ لَهَا وَلَا عَاصِمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَوْ بَدَأَ بِهَا صَلَاحُ الدِّينِ قَبْلَ تِبْنِينَ وَغَيْرِهَا لَأَخَذَهَا بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ، لَكِنَّهُ اسْتَعْظَمَهَا لِحَصَانَتِهَا فَأَرَادَ أَنْ يُفْرِغَ بَالَهُ مِمَّا يُجَاوِرُهَا مِنْ نَوَاحِيهَا لِيَسْهُلَ أَخْذُهَا، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ حِفْظِهَا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا. وَاتُّفِقَ أَنَّ إِنْسَانًا مِنَ الْفِرِنْجِ الَّذِينَ دَاخِلَ الْبَحْرَ يُقَالُ لَهُ الْمَرْكِيسُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، خَرَجَ فِي الْبَحْرِ بِمَالٍ كَثِيرٍ لِلزِّيَادَةِ وَالتِّجَارَةِ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِمَا كَانَ مِنَ الْفِرِنْجِ فَأَرْسَى بِعَكَّا، وَقَدْ رَابَهُ مَا رَأَى مِنْ تَرْكِ عَوَائِدِ الْفِرِنْجِ عِنْدَ وُصُولِ الْمَرَاكِبِ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَضَرْبِ الْأَجْرَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا رَأَى أَيْضًا مِنْ زِيِّ أَهْلِ الْبَلَدِ، فَوَقَفَ وَلَمْ يَدْرِ مَا الْخَبَرُ، وَكَانَتِ الرِّيحُ قَدْ رَكَدَتْ. فَأَرْسَلَ الْمَلِكُ الْأَفْضَلُ إِلَيْهِ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فِي سَفِينَةٍ يُبْصِرُ مَنْ هُوَ وَمَا يُرِيدُ، فَأَتَاهُ الْقَاصِدُ فَسَأَلَهُ الْمَرْكِيسُ عَنِ الْأَخْبَارِ لِمَا أَنْكَرَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِكَسْرَةِ

стр. 5742

الْفِرِنْجِ وَأَخْذِ عَكَّا وَغَيْرِهَا، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ صُورَ بِيَدِ الْفِرِنْجِ وَعَسْقَلَانَ وَغَيْرَهَا، وَحَكَى الْأَمْرَ لَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْحَرَكَةُ لِعَدَمِ الرِّيحِ، فَرَدَّ الرَّسُولَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ لِيَدْخُلَ الْبَلَدَ بِمَا مَعَهُ مِنْ مَتَاعٍ وَمَالٍ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ. فَرَدَّدَهُ مِرَارًا كُلَّ مَرَّةٍ يَطْلُبُ شَيْئًا لَمْ يَطْلُبْهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَهُوَ يَفْعَلُ ذَلِكَ انْتِظَارًا لِهُبُوبِ الْهَوَاءِ لِيَسِيرَ بِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي مُرَاجَعَاتِهِ إِذْ هَبَّتِ الرِّيحُ فَسَارَ نَحْوَ صُورَ، وَسَيَّرَ الْمَلِكُ الْأَفْضَلُ الشَّوَانِيَ فِي طَلَبِهِ فَلَمْ يُدْرِكُوهُ. فَأَتَى صُورَ وَقَدِ اجْتَمَعَ بِهَا مِنَ الْفِرِنْجِ خَلْقٌ كَثِيرٌ لِأَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ كَانَ كُلَّمَا فَتَحَ مَدِينَةَ عَكَّا وَبَيْرُوتَ وَغَيْرَهُمَا مِمَّا ذَكَرْنَا أَعْطَى أَهْلَهَا الْأَمَانَ، فَسَارُوا كُلُّهُمْ إِلَى صُورَ، وَكَثُرَ الْجَمْعُ بِهَا إِلَّا أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ رَأْسٌ يَجْمَعُهُمْ، وَلَا مُقَدَّمٌ يُقَاتِلُ بِهِمْ، وَلَيْسُوا أَهْلَ الْحَرْبِ، وَهُمْ عَازِمُونَ عَلَى مُرَاسَلَةِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَطَلَبِ الْأَمَانِ وَتَسْلِيمِ الْبَلَدِ إِلَيْهِ. فَأَتَاهُمُ الْمَرْكِيسُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْعَزْمِ، فَرَدَّهُمْ عَنْهُ وَقَوَّى نُفُوسَهُمْ وَضَمِنَ لَهُمْ حِفْظَ الْمَدِينَةِ وَبَذْلَ مَا مَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ تَكُونَ الْمَدِينَةُ وَأَعْمَالُهَا لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ فَأَخَذَ أَيْمَانَهُمْ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ وَدَبَّرَ أَحْوَالَهُمْ، وَكَانَ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ حَسَنَ التَّدْبِيرِ وَالْحِفْظِ، وَلَهُ شَجَاعَةٌ عَظِيمَةٌ، وَشَرَعَ فِي تَحْصِينِهَا فَجَدَّدَ حَفْرَ خَنَادِقِهَا وَعَمِلَ أَسْوَارَهَا، وَزَادَ فِي حَصَانَتِهَا وَاتَّفَقَ مَنْ بِهَا عَلَى الْحِفْظِ وَالْقِتَالِ دُونَهَا. ذِكْرُ فَتْحِ عَسْقَلَانَ وَمَا يُجَاوِرُهَا لَمَّا مَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ بَيْرُوتَ وَجُبَيْلَ وَغَيْرَهُمَا، كَانَ أَمْرُ عَسْقَلَانَ وَالْقُدْسِ أَهَمَّ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِهِمَا لِأَسْبَابٍ مِنْهَا أَنَّهُمَا عَلَى طَرِيقِ مِصْرَ، يَقْطَعُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الشَّامِ. وَكَانَ يَخْتَارُ أَنْ تَتَّصِلَ الْوِلَايَاتُ لَهُ لِيَسْهُلَ خُرُوجُ الْعَسْكَرِ مِنْهَا وَدُخُولُهُمْ إِلَيْهَا، وَلِمَا فِي فَتْحِ الْقُدْسِ مِنَ الذِّكْرِ الْجَمِيلِ وَالصِّيتِ الْعَظِيمِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْرَاضِ. فَسَارَ عَنْ بَيْرُوتَ نَحْوَ عَسْقَلَانَ، وَاجْتَمَعَ بِأَخِيهِ الْعَادِلِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ عَسَاكِرِ مِصْرَ، وَنَازَلُوهَا يَوْمَ الْأَحَدِ سَادِسَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ قَدْ أَحْضَرَ مَلِكَ الْفِرِنْجِ وَمُقَدَّمَ الدَّاوِيَّةِ إِلَيْهِ مِنْ دِمَشْقَ، وَقَالَ لَهُمَا: إِنْ سَلَّمْتُمَا الْبِلَادَ إِلَيَّ فَلَكُمَا الْأَمَانُ، فَأَرْسَلَا إِلَى مَنْ بِعَسْقَلَانَ مِنَ الْفِرِنْجِ يَأْمُرَانِهِمْ بِتَسْلِيمِ الْبَلَدِ، فَلَمْ يَسْمَعُوا أَمْرَهُمَا وَرَدُّوا عَلَيْهِمَا أَقْبَحَ رَدٍّ، وَجَبَّهُوهُمَا بِمَا يَسُوءُهُمَا. فَلَمَّا رَأَى السُّلْطَانُ ذَلِكَ جَدَّ فِي قِتَالِ الْمَدِينَةِ وَنَصَبَ الْمَجَانِيقَ عَلَيْهَا، وَزَحَفَ

стр. 5743

مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَتَقَدَّمَ النَّقَّابُونَ إِلَى السُّورِ، فَنَالُوا مِنْ بَاشُورَتِهِ شَيْئًا. هَذَا وَمَلِكُهُمْ يُكَرِّرُ الْمُرَاسَلَاتِ إِلَيْهِمْ بِالتَّسْلِيمِ، وَيُشِيرُ عَلَيْهِمْ، وَيَعِدُهُمْ أَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ مِنَ الْأَسْرِ أَضْرَمَ الْبِلَادَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نَارًا، وَاسْتَنْجَدَ بِالْفِرِنْجِ مِنَ الْبَحْرِ، وَأَجْلَبَ الْخَيْلَ وَالرَّجْلَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَقَاصِي بِلَادِ الْفِرِنْجِ وَأَدَانِيهَا، وَهُمْ لَا يُجِيبُونَ إِلَى مَا يَقُولُ وَلَا يَسْمَعُونَ مَا يُشِيرُ بِهِ. وَلِمَا رَأَوْا أَنَّهُمْ كُلَّ يَوْمٍ يَزْدَادُونَ ضَعْفًا وَوَهْنًا، وَإِذَا قُتِلَ مِنْهُمُ الرَّجُلُ لَا يَجِدُونَ لَهُ عِوَضًا، وَلَا لَهُمْ نَجْدَةٌ يَنْتَظِرُونَهَا، رَاسَلُوا مَلِكَهُمُ الْمَأْسُورَ فِي تَسْلِيمِ الْبَلَدِ عَلَى شُرُوطٍ اقْتَرَحُوهَا، فَأَجَابَهُمْ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَيْهَا. وَكَانُوا قَتَلُوا فِي الْحِصَارِ أَمِيرًا كَبِيرًا مِنَ الْمِهْرَانِيَّةِ، فَخَافُوا عِنْدَ مُفَارَقَةِ الْبَلَدِ أَنَّ عَشِيرَتَهُ يَقْتُلُونَ مِنْهُمْ بِثَأْرِهِ، فَاحْتَاطُوا فِيمَا اشْتَرَطُوا لِأَنْفُسِهِمْ، فَأُجِيبُوا إِلَى ذَلِكَ جَمِيعِهِ، وَسَلَّمُوا الْمَدِينَةَ سَلْخَ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنَ السَّنَةِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ الْحِصَارِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَسَيَّرَهُمْ صَلَاحُ الدِّينِ وَنِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَوَفَّى لَهُمْ بِالْأَمَانِ. ذِكْرُ فَتْحِ الْبِلَادِ وَالْحُصُونِ الْمُجَاوِرَةِ لِعَسْقَلَانَ لَمَّا فَتَحَ صَلَاحُ الدِّينِ عَسْقَلَانَ أَقَامَ بِظَاهِرِهَا، وَبَثَّ السَّرَايَا فِي أَطْرَافِ الْبِلَادِ الْمُجَاوِرَةِ لَهَا، فَفَتَحُوا الرَّمْلَةَ، وَالدَّارُومَ، وَغَزَّةَ، وَمَشْهَدَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، ﵇، وَيُبْنَى، وَبَيْتَ لَحْمٍ وَبَيْتَ جِبْرِيلَ، وَالنَّطْرُونَ، وَكُلَّ مَا كَانَ لِلدَّاوِيَّةِ. ذِكْرُ فَتْحِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ لَمَّا فَرَغَ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْ أَمْرِ عَسْقَلَانَ وَمَا يُجَاوِرُهَا مِنَ الْبِلَادِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى مِصْرَ أَخْرَجَ الْأُسْطُولَ الَّذِي بِهَا فِي جَمْعٍ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَمُقَدَّمُهُمْ حُسَامُ الدِّينِ لُؤْلُؤٌ الْحَاجِبُ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالشَّجَاعَةِ، وَالشَّهَامَةِ، وَيُمْنِ النَّقِيبَةِ. فَأَقَامُوا فِي الْبَحْرِ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلَى الْفِرِنْجِ، كُلَّمَا رَأَوْا لَهُمْ مَرْكَبًا غَنِمُوهُ، وَشَانِيًا أَخَذُوهُ، فَحِينَ وَصَلَ الْأُسْطُولُ وَخَلَا سِرُّهُ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ سَارَ عَنْ عَسْقَلَانَ إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ. وَكَانَ بِهِ الْبَطْرَكُ الْمُعَظَّمُ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ أَعْظَمُ شَأْنًا مِنْ مَلِكِهِمْ، وَبِهِ أَيْضًا بَالْيَانُ بْنُ بِيرْزَانَ، صَاحِبُ الرَّمْلَةِ، وَكَانَتْ مَرْتَبَتُهُ عِنْدَهُمْ تُقَارِبُ مَرْتَبَةَ الْمَلِكِ. وَبِهِ أَيْضًا مَنْ خَلُصَ مِنْ فُرْسَانِهِمْ مِنْ حِطِّينَ، وَقَدْ جَمَعُوا وَحَشَدُوا، وَاجْتَمَعَ أَهْلُ تِلْكَ النَّوَاحِي،

стр. 5744

عَسْقَلَانَ وَغَيْرِهَا. فَاجْتَمَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْخَلْقِ، كُلُّهُمْ يَرَى الْمَوْتَ أَيْسَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَمْلِكَ الْمُسْلِمُونَ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ وَيَأْخُذُوهُ مِنْهُمْ، وَيَرَى أَنَّ بَذْلَ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَأَوْلَادِهِ بَعْضُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حِفْظِهِ، وَحَصَّنُوهُ تِلْكَ الْأَيَّامَ بِمَا وَجَدُوا إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَصَعِدُوا عَلَى سُورِهِ بِحَدِّهِمْ وَحَدِيدِهِمْ، مُجْمِعِينَ عَلَى حِفْظِهِ وَالذَّبِّ عَنْهُ بِجُهْدِهِمْ وَطَاقَتِهِمْ، مُظْهِرِينَ الْعَزْمَ عَلَى الْمُنَاضَلَةِ دُونَهُ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِمْ، وَنَصَبُوا الْمَجَانِيقَ عَلَى أَسْوَارِهِ لِيَمْنَعُوا مَنْ يُرِيدُ الدُّنُوَّ مِنْهُ وَالنُّزُولَ عَلَيْهِ. وَلَمَّا قَرُبَ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْهُ تَقَدَّمَ أَمِيرٌ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، غَيْرَ مُحْتَاطٍ وَلَا حَذِرٍ، فَلَقِيَهُ جَمْعٌ مِنَ الْفِرِنْجِ قَدْ خَرَجُوا مِنَ الْقُدْسِ لِيَكُونُوا يَزَكًا، فَقَاتَلُوهُ وَقَاتَلَهُمْ، فَقَتَلُوهُ وَقَتَلُوا جَمَاعَةً مِمَّنْ مَعَهُ، فَأَهَمَّ الْمُسْلِمِينَ قَتْلُهُ، وَفُجِعُوا بِفَقْدِهِ، وَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْقُدْسِ مُنْتَصَفَ رَجَبٍ. فَلَمَّا نَزَلُوا عَلَيْهِ رَأَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى سُورِهِ مِنَ الرِّجَالِ مَا هَالَهُمْ، وَسَمِعُوا لِأَهْلِهِ مِنَ الْجَلَبَةِ، وَالضَّجِيجِ مِنْ وَسَطِ الْمَدِينَةِ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى كَثْرَةِ الْجَمْعِ، وَبَقِيَ صَلَاحُ الدِّينِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ يَطُوفُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ لِيَنْظُرَ مِنْ أَيْنَ يُقَاتِلُهُ، لِأَنَّهُ فِي غَايَةِ الْحَصَانَةِ وَالِامْتِنَاعِ، فَلَمْ يَجِدْ عَلَيْهِ مَوْضِعَ قِتَالٍ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ، نَحْوَ بَابِ عَمُودَا، وَكَنِيسَةِ صَهْيُونَ. فَانْتَقَلَ إِلَى هَذِهِ النَّاحِيَةِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ وَنَزَلَهَا، وَنَصَبَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الْمَجَانِيقَ، فَأَصْبَحَ مِنَ الْغَدِ وَقَدْ فَرَغَ مِنْ نَصْبِهَا، وَرَمَى بِهَا. وَنَصَبَ الْفِرِنْجُ عَلَى سُورِ الْبَلَدِ مَجَانِيقَ وَرَمَوْا بِهَا، وَقُوتِلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ يَرَى ذَلِكَ دِينًا، وَحَتْمًا وَاجِبًا، فَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى بَاعِثٍ سُلْطَانِيٍّ بَلْ كَانُوا يَمْنَعُونَ وَلَا يَمْتَنِعُونَ وَيَزْجُرُونَ وَلَا يَنْزَجِرُونَ. وَكَانَ خَيَّالَةُ الْفِرِنْجِ كُلَّ يَوْمٍ يَخْرُجُونَ إِلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ يُقَاتِلُونَ وَيُبَارِزُونَ، فَيُقْتَلُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَمِمَّنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْأَمِيرُ عِزُّ الدِّينِ عِيسَى بْنُ مَالِكٍ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ وَكَانَ أَبُوهُ صَاحِبَ قَلْعَةِ جَعْبَرٍ، وَكَانَ يَصْطَلِي الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ كُلَّ يَوْمٍ، فَقُتِلَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَكَانَ مَحْبُوبًا إِلَى الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، فَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ مَصْرَعَهُ عَظُمَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَأَخَذَ مِنْ قُلُوبِهِمْ، فَحَمَلُوا حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَأَزَالُوا الْفِرِنْجَ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ فَأَدْخَلُوهُمْ بَلَدَهُمْ، وَوَصَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْخَنْدَقِ، فَجَازُوهُ

стр. 5745

وَالْتَصَقُوا إِلَى السُّورِ فَنَقَبُوهُ، وَزَحَفَ الرُّمَاةُ يَحْمُونَهُمْ، وَالْمَجَانِيقُ تُوَالِي الرَّمْيَ لِتَكْشِفَ الْفِرِنْجَ عَنِ الْأَسْوَارِ لِيَتَمَكَّنَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ النَّقْبِ، فَلَمَّا نَقَبُوهُ حَشَوْهُ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ. فَلَمَّا رَأَى الْفِرِنْجُ شِدَّةَ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَحَكُّمَ الْمَجَانِيقِ بِالرَّمْيِ الْمُتَدَارِكِ، وَتَمَكُّنَ النَّقَّابِينَ مِنَ النَّقْبِ، وَأَنَّهُمْ قَدْ أَشْرَفُوا عَلَى الْهَلَاكِ، اجْتَمَعَ مُقَدَّمُوهُمْ يَتَشَاوَرُونَ فِيمَا يَأْتُونَ وَيَذَرُونَ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى طَلَبِ الْأَمَانِ، وَتَسْلِيمِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ. فَأَرْسَلُوا جَمَاعَةً مِنْ كُبَرَائِهِمْ وَأَعْيَانِهِمْ فِي طَلَبِ الْأَمَانِ، فَلَمَّا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلسُّلْطَانِ امْتَنَعَ مِنْ إِجَابَتِهِمْ، وَقَالَ: لَا أَفْعَلُ بِكُمْ إِلَّا كَمَا فَعَلْتُمْ بِأَهْلِهِ حِينَ مَلَكْتُمُوهُ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَجَزَاءُ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِهَا. فَلَمَّا رَجَعَ الرُّسُلُ خَائِبِينَ مَحْرُومِينَ، أَرْسَلَ بَالْيَانُ بْنُ بِيرْزَانَ وَطَلَبَ لِنَفْسِهِ لِيَحْضُرَ عِنْدَ صَلَاحِ الدِّينِ فِي هَذَا الْأَمْرِ وَتَحْرِيرِهِ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ، وَرَغِبَ فِي الْأَمَانِ، وَسَأَلَ فِيهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، وَاسْتَعْطَفَهُ فَلَمْ يَعْطِفْ عَلَيْهِ، وَاسْتَرْحَمَهُ فَلَمْ يَرْحَمْهُ. فَلَمَّا أَيِسَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ لَهُ: أَيُّهَا السُّلْطَانُ اعْلَمْ أَنَّنَا فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يَفْتُرُونَ عَنِ الْقِتَالِ رَجَاءَ الْأَمَانِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّكَ تُجِيبُهُمْ إِلَيْهِ كَمَا أَجَبْتَ غَيْرَهُمْ، وَهُمْ يَكْرَهُونَ الْمَوْتَ وَيَرْغَبُونَ فِي الْحَيَاةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا أَنَّ الْمَوْتَ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَوَاللَّهِ لَنَقْتُلَنَّ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا وَنُحَرِّقُ أَمْوَالَنَا وَأَمْتِعَتَنَا، وَلَا نَتْرُكُكُمْ تَغْنَمُونَ مِنْهَا دِينَارًا وَاحِدًا وَلَا دِرْهَمًا، وَلَا تَسْبُونَ وَتَأْسِرُونَ رَجُلًا وَلَا امْرَأَةً. وَإِذَا فَرَغْنَا مِنْ ذَلِكَ أَخْرَبْنَا الصَّخْرَةَ وَالْمَسْجِدَ الْأَقْصَى وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْمَوَاضِعِ، ثُمَّ نَقْتُلُ مَنْ عِنْدَنَا مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ خَمْسَةُ آلَافِ أَسِيرٍ، وَلَا نَتْرُكُ لَنَا دَابَّةً وَلَا حَيَوَانًا إِلَّا قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكُمْ كُلُّنَا فَقَاتَلْنَاكُمْ قِتَالَ مَنْ يُرِيدُ [أَنْ] يَحْمِيَ دَمَهُ وَنَفْسَهُ، وَحِينَئِذٍ لَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ حَتَّى يَقْتُلَ أَمْثَالَهُ، وَنَمُوتُ أَعِزَّاءَ أَوْ نَظْفَرُ كِرَامًا. فَاسْتَشَارَ صَلَاحُ الدِّينِ أَصْحَابَهُ. فَأَجْمَعُوا عَلَى إِجَابَتِهِمْ إِلَى الْأَمَانِ، وَأَنْ لَا يَخْرُجُوا وَيَحْمِلُوا عَلَى رُكُوبِ مَا لَا يُدْرَى عَاقِبَةُ الْأَمْرِ فِيهِ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ تَنْجَلِي، وَنَحْسَبُ أَنَّهُمْ أُسَارَى بِأَيْدِينَا، فَنَبِيعُهُمْ نُفُوسَهُمْ بِمَا يَسْتَقِرُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَأَجَابَ صَلَاحُ الدِّينِ حِينَئِذٍ إِلَى بَذْلِ الْأَمَانِ لِلْفِرِنْجِ. فَاسْتَقَرَّ أَنْ يَزِنَ الرَّجُلُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ يَسْتَوِي فِيهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَيَزِنَ الطِّفْلُ مِنَ الذُّكُورِ وَالْبَنَاتِ دِينَارَيْنِ، وَتَزِنَ الْمَرْأَةُ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ، فَمَنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَقَدْ نَجَا، وَمَنِ انْقَضَتِ الْأَرْبَعُونَ يَوْمًا عَنْهُ وَلَمْ يُؤَدِّ مَا
следующие страницы →