Полный текст (6 163 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.
стр. 5741
الدِّينِ كَمَا شَرَطَ لَهُ، وَكَانَ صَاحِبُ جُبَيْلٍ هَذَا مِنْ أَعْيَانِ الْفِرِنْجِ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَالْمَكْرِ وَالشَّرِّ، بِهِ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بَيْنَهُمْ، وَكَانَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ عَدُوٌّ أَزْرَقُ، وَكَانَ إِطْلَاقُهُ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُوهِنَةِ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ.
ذِكْرُ خُرُوجِ الْمَرْكِيسِ إِلَى صُورَ
لَمَّا انْهَزَمَ الْقُمُّصُ صَاحِبُ طَرَابُلُسَ مِنْ حِطِّينَ إِلَى مَدِينَةِ صُورَ أَقَامَ بِهَا وَهِيَ أَعْظَمُ بِلَادِ السَّاحِلِ حَصَانَةً، وَأَشَدُّهَا امْتِنَاعًا عَلَى مَنْ رَامَهَا، فَلَمَّا رَأَى السُّلْطَانَ قَدْ مَلَكَ تِبْنِينَ وَصَيْدَا وَبَيْرُوتَ، خَافَ أَنْ يَقْصِدَ صَلَاحُ الدِّينِ صُورَ وَهِيَ فَارِغَةٌ مِمَّنْ يُقَاتِلُ فِيهَا وَيَحْمِيهَا وَيَمْنَعُهَا فَلَا يَقْوَى عَلَى حِفْظِهَا، وَتَرْكِهَا وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ طَرَابُلُسَ.
فَبَقِيَتْ صُورُ شَاغِرَةً لَا مَانِعَ لَهَا وَلَا عَاصِمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَوْ بَدَأَ بِهَا صَلَاحُ الدِّينِ قَبْلَ تِبْنِينَ وَغَيْرِهَا لَأَخَذَهَا بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ، لَكِنَّهُ اسْتَعْظَمَهَا لِحَصَانَتِهَا فَأَرَادَ أَنْ يُفْرِغَ بَالَهُ مِمَّا يُجَاوِرُهَا مِنْ نَوَاحِيهَا لِيَسْهُلَ أَخْذُهَا، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ حِفْظِهَا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا.
وَاتُّفِقَ أَنَّ إِنْسَانًا مِنَ الْفِرِنْجِ الَّذِينَ دَاخِلَ الْبَحْرَ يُقَالُ لَهُ الْمَرْكِيسُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، خَرَجَ فِي الْبَحْرِ بِمَالٍ كَثِيرٍ لِلزِّيَادَةِ وَالتِّجَارَةِ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِمَا كَانَ مِنَ الْفِرِنْجِ فَأَرْسَى بِعَكَّا، وَقَدْ رَابَهُ مَا رَأَى مِنْ تَرْكِ عَوَائِدِ الْفِرِنْجِ عِنْدَ وُصُولِ الْمَرَاكِبِ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَضَرْبِ الْأَجْرَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا رَأَى أَيْضًا مِنْ زِيِّ أَهْلِ الْبَلَدِ، فَوَقَفَ وَلَمْ يَدْرِ مَا الْخَبَرُ، وَكَانَتِ الرِّيحُ قَدْ رَكَدَتْ.
فَأَرْسَلَ الْمَلِكُ الْأَفْضَلُ إِلَيْهِ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فِي سَفِينَةٍ يُبْصِرُ مَنْ هُوَ وَمَا يُرِيدُ، فَأَتَاهُ الْقَاصِدُ فَسَأَلَهُ الْمَرْكِيسُ عَنِ الْأَخْبَارِ لِمَا أَنْكَرَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِكَسْرَةِ
стр. 5742
الْفِرِنْجِ وَأَخْذِ عَكَّا وَغَيْرِهَا، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ صُورَ بِيَدِ الْفِرِنْجِ وَعَسْقَلَانَ وَغَيْرَهَا، وَحَكَى الْأَمْرَ لَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْحَرَكَةُ لِعَدَمِ الرِّيحِ، فَرَدَّ الرَّسُولَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ لِيَدْخُلَ الْبَلَدَ بِمَا مَعَهُ مِنْ مَتَاعٍ وَمَالٍ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ.
فَرَدَّدَهُ مِرَارًا كُلَّ مَرَّةٍ يَطْلُبُ شَيْئًا لَمْ يَطْلُبْهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَهُوَ يَفْعَلُ ذَلِكَ انْتِظَارًا لِهُبُوبِ الْهَوَاءِ لِيَسِيرَ بِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي مُرَاجَعَاتِهِ إِذْ هَبَّتِ الرِّيحُ فَسَارَ نَحْوَ صُورَ، وَسَيَّرَ الْمَلِكُ الْأَفْضَلُ الشَّوَانِيَ فِي طَلَبِهِ فَلَمْ يُدْرِكُوهُ.
فَأَتَى صُورَ وَقَدِ اجْتَمَعَ بِهَا مِنَ الْفِرِنْجِ خَلْقٌ كَثِيرٌ لِأَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ كَانَ كُلَّمَا فَتَحَ مَدِينَةَ عَكَّا وَبَيْرُوتَ وَغَيْرَهُمَا مِمَّا ذَكَرْنَا أَعْطَى أَهْلَهَا الْأَمَانَ، فَسَارُوا كُلُّهُمْ إِلَى صُورَ، وَكَثُرَ الْجَمْعُ بِهَا إِلَّا أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ رَأْسٌ يَجْمَعُهُمْ، وَلَا مُقَدَّمٌ يُقَاتِلُ بِهِمْ، وَلَيْسُوا أَهْلَ الْحَرْبِ، وَهُمْ عَازِمُونَ عَلَى مُرَاسَلَةِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَطَلَبِ الْأَمَانِ وَتَسْلِيمِ الْبَلَدِ إِلَيْهِ.
فَأَتَاهُمُ الْمَرْكِيسُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْعَزْمِ، فَرَدَّهُمْ عَنْهُ وَقَوَّى نُفُوسَهُمْ وَضَمِنَ لَهُمْ حِفْظَ الْمَدِينَةِ وَبَذْلَ مَا مَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ تَكُونَ الْمَدِينَةُ وَأَعْمَالُهَا لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ فَأَخَذَ أَيْمَانَهُمْ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ وَدَبَّرَ أَحْوَالَهُمْ، وَكَانَ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ حَسَنَ التَّدْبِيرِ وَالْحِفْظِ، وَلَهُ شَجَاعَةٌ عَظِيمَةٌ، وَشَرَعَ فِي تَحْصِينِهَا فَجَدَّدَ حَفْرَ خَنَادِقِهَا وَعَمِلَ أَسْوَارَهَا، وَزَادَ فِي حَصَانَتِهَا وَاتَّفَقَ مَنْ بِهَا عَلَى الْحِفْظِ وَالْقِتَالِ دُونَهَا.
ذِكْرُ فَتْحِ عَسْقَلَانَ وَمَا يُجَاوِرُهَا
لَمَّا مَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ بَيْرُوتَ وَجُبَيْلَ وَغَيْرَهُمَا، كَانَ أَمْرُ عَسْقَلَانَ وَالْقُدْسِ أَهَمَّ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِهِمَا لِأَسْبَابٍ مِنْهَا أَنَّهُمَا عَلَى طَرِيقِ مِصْرَ، يَقْطَعُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الشَّامِ.
وَكَانَ يَخْتَارُ أَنْ تَتَّصِلَ الْوِلَايَاتُ لَهُ لِيَسْهُلَ خُرُوجُ الْعَسْكَرِ مِنْهَا وَدُخُولُهُمْ إِلَيْهَا، وَلِمَا فِي فَتْحِ الْقُدْسِ مِنَ الذِّكْرِ الْجَمِيلِ وَالصِّيتِ الْعَظِيمِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْرَاضِ.
فَسَارَ عَنْ بَيْرُوتَ نَحْوَ عَسْقَلَانَ، وَاجْتَمَعَ بِأَخِيهِ الْعَادِلِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ عَسَاكِرِ مِصْرَ، وَنَازَلُوهَا يَوْمَ الْأَحَدِ سَادِسَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ قَدْ أَحْضَرَ مَلِكَ الْفِرِنْجِ وَمُقَدَّمَ الدَّاوِيَّةِ إِلَيْهِ مِنْ دِمَشْقَ، وَقَالَ لَهُمَا: إِنْ سَلَّمْتُمَا الْبِلَادَ إِلَيَّ فَلَكُمَا الْأَمَانُ، فَأَرْسَلَا إِلَى مَنْ بِعَسْقَلَانَ مِنَ الْفِرِنْجِ يَأْمُرَانِهِمْ بِتَسْلِيمِ الْبَلَدِ، فَلَمْ يَسْمَعُوا أَمْرَهُمَا وَرَدُّوا عَلَيْهِمَا أَقْبَحَ رَدٍّ، وَجَبَّهُوهُمَا بِمَا يَسُوءُهُمَا.
فَلَمَّا رَأَى السُّلْطَانُ ذَلِكَ جَدَّ فِي قِتَالِ الْمَدِينَةِ وَنَصَبَ الْمَجَانِيقَ عَلَيْهَا، وَزَحَفَ
стр. 5743
مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَتَقَدَّمَ النَّقَّابُونَ إِلَى السُّورِ، فَنَالُوا مِنْ بَاشُورَتِهِ شَيْئًا. هَذَا وَمَلِكُهُمْ يُكَرِّرُ الْمُرَاسَلَاتِ إِلَيْهِمْ بِالتَّسْلِيمِ، وَيُشِيرُ عَلَيْهِمْ، وَيَعِدُهُمْ أَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ مِنَ الْأَسْرِ أَضْرَمَ الْبِلَادَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نَارًا، وَاسْتَنْجَدَ بِالْفِرِنْجِ مِنَ الْبَحْرِ، وَأَجْلَبَ الْخَيْلَ وَالرَّجْلَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَقَاصِي بِلَادِ الْفِرِنْجِ وَأَدَانِيهَا، وَهُمْ لَا يُجِيبُونَ إِلَى مَا يَقُولُ وَلَا يَسْمَعُونَ مَا يُشِيرُ بِهِ.
وَلِمَا رَأَوْا أَنَّهُمْ كُلَّ يَوْمٍ يَزْدَادُونَ ضَعْفًا وَوَهْنًا، وَإِذَا قُتِلَ مِنْهُمُ الرَّجُلُ لَا يَجِدُونَ لَهُ عِوَضًا، وَلَا لَهُمْ نَجْدَةٌ يَنْتَظِرُونَهَا، رَاسَلُوا مَلِكَهُمُ الْمَأْسُورَ فِي تَسْلِيمِ الْبَلَدِ عَلَى شُرُوطٍ اقْتَرَحُوهَا، فَأَجَابَهُمْ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَيْهَا.
وَكَانُوا قَتَلُوا فِي الْحِصَارِ أَمِيرًا كَبِيرًا مِنَ الْمِهْرَانِيَّةِ، فَخَافُوا عِنْدَ مُفَارَقَةِ الْبَلَدِ أَنَّ عَشِيرَتَهُ يَقْتُلُونَ مِنْهُمْ بِثَأْرِهِ، فَاحْتَاطُوا فِيمَا اشْتَرَطُوا لِأَنْفُسِهِمْ، فَأُجِيبُوا إِلَى ذَلِكَ جَمِيعِهِ، وَسَلَّمُوا الْمَدِينَةَ سَلْخَ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنَ السَّنَةِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ الْحِصَارِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَسَيَّرَهُمْ صَلَاحُ الدِّينِ وَنِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَوَفَّى لَهُمْ بِالْأَمَانِ.
ذِكْرُ فَتْحِ الْبِلَادِ وَالْحُصُونِ الْمُجَاوِرَةِ لِعَسْقَلَانَ
لَمَّا فَتَحَ صَلَاحُ الدِّينِ عَسْقَلَانَ أَقَامَ بِظَاهِرِهَا، وَبَثَّ السَّرَايَا فِي أَطْرَافِ الْبِلَادِ الْمُجَاوِرَةِ لَهَا، فَفَتَحُوا الرَّمْلَةَ، وَالدَّارُومَ، وَغَزَّةَ، وَمَشْهَدَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، ﵇، وَيُبْنَى، وَبَيْتَ لَحْمٍ وَبَيْتَ جِبْرِيلَ، وَالنَّطْرُونَ، وَكُلَّ مَا كَانَ لِلدَّاوِيَّةِ.
ذِكْرُ فَتْحِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ
لَمَّا فَرَغَ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْ أَمْرِ عَسْقَلَانَ وَمَا يُجَاوِرُهَا مِنَ الْبِلَادِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى مِصْرَ أَخْرَجَ الْأُسْطُولَ الَّذِي بِهَا فِي جَمْعٍ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَمُقَدَّمُهُمْ حُسَامُ الدِّينِ لُؤْلُؤٌ الْحَاجِبُ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالشَّجَاعَةِ، وَالشَّهَامَةِ، وَيُمْنِ النَّقِيبَةِ.
فَأَقَامُوا فِي الْبَحْرِ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلَى الْفِرِنْجِ، كُلَّمَا رَأَوْا لَهُمْ مَرْكَبًا غَنِمُوهُ، وَشَانِيًا أَخَذُوهُ، فَحِينَ وَصَلَ الْأُسْطُولُ وَخَلَا سِرُّهُ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ سَارَ عَنْ عَسْقَلَانَ إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ.
وَكَانَ بِهِ الْبَطْرَكُ الْمُعَظَّمُ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ أَعْظَمُ شَأْنًا مِنْ مَلِكِهِمْ، وَبِهِ أَيْضًا بَالْيَانُ بْنُ بِيرْزَانَ، صَاحِبُ الرَّمْلَةِ، وَكَانَتْ مَرْتَبَتُهُ عِنْدَهُمْ تُقَارِبُ مَرْتَبَةَ الْمَلِكِ.
وَبِهِ أَيْضًا مَنْ خَلُصَ مِنْ فُرْسَانِهِمْ مِنْ حِطِّينَ، وَقَدْ جَمَعُوا وَحَشَدُوا، وَاجْتَمَعَ أَهْلُ تِلْكَ النَّوَاحِي،
стр. 5744
عَسْقَلَانَ وَغَيْرِهَا.
فَاجْتَمَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْخَلْقِ، كُلُّهُمْ يَرَى الْمَوْتَ أَيْسَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَمْلِكَ الْمُسْلِمُونَ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ وَيَأْخُذُوهُ مِنْهُمْ، وَيَرَى أَنَّ بَذْلَ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَأَوْلَادِهِ بَعْضُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حِفْظِهِ، وَحَصَّنُوهُ تِلْكَ الْأَيَّامَ بِمَا وَجَدُوا إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَصَعِدُوا عَلَى سُورِهِ بِحَدِّهِمْ وَحَدِيدِهِمْ، مُجْمِعِينَ عَلَى حِفْظِهِ وَالذَّبِّ عَنْهُ بِجُهْدِهِمْ وَطَاقَتِهِمْ، مُظْهِرِينَ الْعَزْمَ عَلَى الْمُنَاضَلَةِ دُونَهُ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِمْ، وَنَصَبُوا الْمَجَانِيقَ عَلَى أَسْوَارِهِ لِيَمْنَعُوا مَنْ يُرِيدُ الدُّنُوَّ مِنْهُ وَالنُّزُولَ عَلَيْهِ.
وَلَمَّا قَرُبَ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْهُ تَقَدَّمَ أَمِيرٌ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، غَيْرَ مُحْتَاطٍ وَلَا حَذِرٍ، فَلَقِيَهُ جَمْعٌ مِنَ الْفِرِنْجِ قَدْ خَرَجُوا مِنَ الْقُدْسِ لِيَكُونُوا يَزَكًا، فَقَاتَلُوهُ وَقَاتَلَهُمْ، فَقَتَلُوهُ وَقَتَلُوا جَمَاعَةً مِمَّنْ مَعَهُ، فَأَهَمَّ الْمُسْلِمِينَ قَتْلُهُ، وَفُجِعُوا بِفَقْدِهِ، وَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْقُدْسِ مُنْتَصَفَ رَجَبٍ.
فَلَمَّا نَزَلُوا عَلَيْهِ رَأَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى سُورِهِ مِنَ الرِّجَالِ مَا هَالَهُمْ، وَسَمِعُوا لِأَهْلِهِ مِنَ الْجَلَبَةِ، وَالضَّجِيجِ مِنْ وَسَطِ الْمَدِينَةِ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى كَثْرَةِ الْجَمْعِ، وَبَقِيَ صَلَاحُ الدِّينِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ يَطُوفُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ لِيَنْظُرَ مِنْ أَيْنَ يُقَاتِلُهُ، لِأَنَّهُ فِي غَايَةِ الْحَصَانَةِ وَالِامْتِنَاعِ، فَلَمْ يَجِدْ عَلَيْهِ مَوْضِعَ قِتَالٍ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ، نَحْوَ بَابِ عَمُودَا، وَكَنِيسَةِ صَهْيُونَ.
فَانْتَقَلَ إِلَى هَذِهِ النَّاحِيَةِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ وَنَزَلَهَا، وَنَصَبَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الْمَجَانِيقَ، فَأَصْبَحَ مِنَ الْغَدِ وَقَدْ فَرَغَ مِنْ نَصْبِهَا، وَرَمَى بِهَا.
وَنَصَبَ الْفِرِنْجُ عَلَى سُورِ الْبَلَدِ مَجَانِيقَ وَرَمَوْا بِهَا، وَقُوتِلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ يَرَى ذَلِكَ دِينًا، وَحَتْمًا وَاجِبًا، فَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى بَاعِثٍ سُلْطَانِيٍّ بَلْ كَانُوا يَمْنَعُونَ وَلَا يَمْتَنِعُونَ وَيَزْجُرُونَ وَلَا يَنْزَجِرُونَ.
وَكَانَ خَيَّالَةُ الْفِرِنْجِ كُلَّ يَوْمٍ يَخْرُجُونَ إِلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ يُقَاتِلُونَ وَيُبَارِزُونَ، فَيُقْتَلُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَمِمَّنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْأَمِيرُ عِزُّ الدِّينِ عِيسَى بْنُ مَالِكٍ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ وَكَانَ أَبُوهُ صَاحِبَ قَلْعَةِ جَعْبَرٍ، وَكَانَ يَصْطَلِي الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ كُلَّ يَوْمٍ، فَقُتِلَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَكَانَ مَحْبُوبًا إِلَى الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، فَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ مَصْرَعَهُ عَظُمَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَأَخَذَ مِنْ قُلُوبِهِمْ، فَحَمَلُوا حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَأَزَالُوا الْفِرِنْجَ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ فَأَدْخَلُوهُمْ بَلَدَهُمْ، وَوَصَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْخَنْدَقِ، فَجَازُوهُ
стр. 5745
وَالْتَصَقُوا إِلَى السُّورِ فَنَقَبُوهُ، وَزَحَفَ الرُّمَاةُ يَحْمُونَهُمْ، وَالْمَجَانِيقُ تُوَالِي الرَّمْيَ لِتَكْشِفَ الْفِرِنْجَ عَنِ الْأَسْوَارِ لِيَتَمَكَّنَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ النَّقْبِ، فَلَمَّا نَقَبُوهُ حَشَوْهُ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.
فَلَمَّا رَأَى الْفِرِنْجُ شِدَّةَ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَحَكُّمَ الْمَجَانِيقِ بِالرَّمْيِ الْمُتَدَارِكِ، وَتَمَكُّنَ النَّقَّابِينَ مِنَ النَّقْبِ، وَأَنَّهُمْ قَدْ أَشْرَفُوا عَلَى الْهَلَاكِ، اجْتَمَعَ مُقَدَّمُوهُمْ يَتَشَاوَرُونَ فِيمَا يَأْتُونَ وَيَذَرُونَ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى طَلَبِ الْأَمَانِ، وَتَسْلِيمِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ.
فَأَرْسَلُوا جَمَاعَةً مِنْ كُبَرَائِهِمْ وَأَعْيَانِهِمْ فِي طَلَبِ الْأَمَانِ، فَلَمَّا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلسُّلْطَانِ امْتَنَعَ مِنْ إِجَابَتِهِمْ، وَقَالَ: لَا أَفْعَلُ بِكُمْ إِلَّا كَمَا فَعَلْتُمْ بِأَهْلِهِ حِينَ مَلَكْتُمُوهُ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَجَزَاءُ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِهَا.
فَلَمَّا رَجَعَ الرُّسُلُ خَائِبِينَ مَحْرُومِينَ، أَرْسَلَ بَالْيَانُ بْنُ بِيرْزَانَ وَطَلَبَ لِنَفْسِهِ لِيَحْضُرَ عِنْدَ صَلَاحِ الدِّينِ فِي هَذَا الْأَمْرِ وَتَحْرِيرِهِ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ، وَرَغِبَ فِي الْأَمَانِ، وَسَأَلَ فِيهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، وَاسْتَعْطَفَهُ فَلَمْ يَعْطِفْ عَلَيْهِ، وَاسْتَرْحَمَهُ فَلَمْ يَرْحَمْهُ.
فَلَمَّا أَيِسَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ لَهُ: أَيُّهَا السُّلْطَانُ اعْلَمْ أَنَّنَا فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يَفْتُرُونَ عَنِ الْقِتَالِ رَجَاءَ الْأَمَانِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّكَ تُجِيبُهُمْ إِلَيْهِ كَمَا أَجَبْتَ غَيْرَهُمْ، وَهُمْ يَكْرَهُونَ الْمَوْتَ وَيَرْغَبُونَ فِي الْحَيَاةِ.
فَإِذَا رَأَيْنَا أَنَّ الْمَوْتَ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَوَاللَّهِ لَنَقْتُلَنَّ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا وَنُحَرِّقُ أَمْوَالَنَا وَأَمْتِعَتَنَا، وَلَا نَتْرُكُكُمْ تَغْنَمُونَ مِنْهَا دِينَارًا وَاحِدًا وَلَا دِرْهَمًا، وَلَا تَسْبُونَ وَتَأْسِرُونَ رَجُلًا وَلَا امْرَأَةً.
وَإِذَا فَرَغْنَا مِنْ ذَلِكَ أَخْرَبْنَا الصَّخْرَةَ وَالْمَسْجِدَ الْأَقْصَى وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْمَوَاضِعِ، ثُمَّ نَقْتُلُ مَنْ عِنْدَنَا مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ خَمْسَةُ آلَافِ أَسِيرٍ، وَلَا نَتْرُكُ لَنَا دَابَّةً وَلَا حَيَوَانًا إِلَّا قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكُمْ كُلُّنَا فَقَاتَلْنَاكُمْ قِتَالَ مَنْ يُرِيدُ [أَنْ] يَحْمِيَ دَمَهُ وَنَفْسَهُ، وَحِينَئِذٍ لَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ حَتَّى يَقْتُلَ أَمْثَالَهُ، وَنَمُوتُ أَعِزَّاءَ أَوْ نَظْفَرُ كِرَامًا.
فَاسْتَشَارَ صَلَاحُ الدِّينِ أَصْحَابَهُ. فَأَجْمَعُوا عَلَى إِجَابَتِهِمْ إِلَى الْأَمَانِ، وَأَنْ لَا يَخْرُجُوا وَيَحْمِلُوا عَلَى رُكُوبِ مَا لَا يُدْرَى عَاقِبَةُ الْأَمْرِ فِيهِ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ تَنْجَلِي، وَنَحْسَبُ أَنَّهُمْ أُسَارَى بِأَيْدِينَا، فَنَبِيعُهُمْ نُفُوسَهُمْ بِمَا يَسْتَقِرُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَأَجَابَ صَلَاحُ الدِّينِ حِينَئِذٍ إِلَى بَذْلِ الْأَمَانِ لِلْفِرِنْجِ.
فَاسْتَقَرَّ أَنْ يَزِنَ الرَّجُلُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ يَسْتَوِي فِيهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَيَزِنَ الطِّفْلُ مِنَ الذُّكُورِ وَالْبَنَاتِ دِينَارَيْنِ، وَتَزِنَ الْمَرْأَةُ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ، فَمَنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَقَدْ نَجَا، وَمَنِ انْقَضَتِ الْأَرْبَعُونَ يَوْمًا عَنْهُ وَلَمْ يُؤَدِّ مَا
стр. 5746
عَلَيْهِ فَقَدْ صَارَ مَمْلُوكًا، فَبَذَلَ بَالْيَانُ بْنُ بِيرْزَانَ عَنِ الْفُقَرَاءِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ.
وَسُلِّمَتِ الْمَدِينَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ السَّابِعَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَرُفِعَتِ الْأَعْلَامُ الْإِسْلَامِيَّةُ عَلَى أَسْوَارِهَا.
وَرَتَّبَ صَلَاحُ الدِّينِ عَلَى أَبْوَابِ الْبَلَدِ، فِي كُلِّ بَابٍ، أَمِينًا مِنَ الْأُمَرَاءِ لِيَأْخُذُوا مِنْ أَهْلِهِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِمْ، فَاسْتَعْمَلُوا الْخِيَانَةَ، وَلَمْ يُؤَدُّوا فِيهِ أَمَانَةً، وَاقْتَسَمَ الْأُمَنَاءُ الْأَمْوَالَ، وَتَفَرَّقَتْ أَيْدِي سَبًّا، وَلَوْ أُدِّيَتْ فِيهِ الْأَمَانَةُ لَمَلَأَ الْخَزَائِنَ، وَعَمَّ النَّاسَ.
فَإِنَّهُ كَانَ فِيهِ عَلَى الضَّبْطِ سِتُّونَ أَلْفَ رَجُلٍ مَا بَيْنَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ سِوَى مَنْ يَتْبَعُهُمْ مِنَ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، وَلَا يَعْجَبُ السَّامِعُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْبَلَدَ كَبِيرٌ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْ تِلْكَ النَّوَاحِي مِنْ عَسْقَلَانَ وَغَيْرِهَا، وَالدَّارُومِ، وَالرَّمْلَةِ، وَغَزَّةَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْقُرَى، بِحَيْثُ امْتَلَأَتِ الطُّرُقُ وَالْكَنَائِسُ، وَكَانَ الْإِنْسَانُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَمْشِيَ.
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى كَثْرَةِ الْخَلْقِ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ وَزَنَ مَا اسْتَقَرَّ مِنَ الْقَطِيعَةِ، وَأَطْلَقَ بَالْيَانُ بْنُ بِيرْزَانَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ وَزَنَ عَنْهُمْ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَبَقِيَ بَعْدَ هَذَا جَمِيعِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُعْطِي، وَأُخِذَ أَسِيرًا سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفَ آدَمِيٍّ مَا بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ، هَذَا بِالضَّبْطِ وَالْيَقِينِ.
ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ رَعِيَّةِ إِقْطَاعِهِ مُقِيمُونَ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، فَيُطْلِقُهُمْ وَيَأْخُذُ هُوَ قَطِيعَتَهُمْ، وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ يُلْبِسُونَ الْفِرِنْجَ زِيَّ الْجُنْدِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُخْرِجُونَهُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْهُمْ قَطِيعَةً قَرَّرُوهَا، وَاسْتَوْهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ عَدَدًا مِنَ الْفِرِنْجِ، فَوَهَبَهُمْ لَهُمْ، فَأَخَذُوا قَطِيعَتَهُمْ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمْ يَصِلْ إِلَى خَزَائِنِهِ إِلَّا الْقَلِيلُ.
وَكَانَ بِالْقُدْسِ بَعْضُ نِسَاءِ الْمُلُوكِ مِنَ الرُّومِ قَدْ تَرَهَّبَتْ وَأَقَامَتْ بِهِ، وَمَعَهَا مِنَ الْحَشَمِ وَالْعَبِيدِ وَالْجَوَارِي خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَلَهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، فَطَلَبَتِ الْأَمَانَ لِنَفْسِهَا وَمَنْ مَعَهَا، فَأَمَّنَهَا وَسَيَّرَهَا.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا أَطْلَقَ مَلِكَةَ الْقُدْسِ الَّتِي كَانَ زَوْجُهَا الَّذِي أَسَرَهُ صَلَاحُ الدِّينِ قَدْ مَلَكَ الْفِرِنْجَ بِسَبَبِهَا، وَنِيَابَةً عَنْهَا كَانَ يَقُومُ بِالْمُلْكِ، وَأَطْلَقَ مَالَهَا وَحَشَمَهَا، وَاسْتَأْذَنَتْهُ فِي الْمَصِيرِ إِلَى زَوْجِهَا، وَكَانَ حِينَئِذٍ مَحْبُوسًا بِقَلْعَةِ نَابُلُسَ، فَأَذِنَ لَهَا، فَأَتَتْهُ وَأَقَامَتْ عِنْدَهُ.
стр. 5747
وَأَتَتْهُ أَيْضًا امْرَأَةٌ لِلْبِرِنْسِ أَرْنَاطَ صَاحِبِ الْكَرَكِ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ صَلَاحُ الدِّينِ بِيَدِهِ يَوْمَ الْمَصَافِّ بِحِطِّينَ، فَشَفَعَتْ فِي وَلَدٍ لَهَا مَأْسُورٍ، فَقَالَ لَهَا صَلَاحُ الدِّينِ: إِنْ سَلَّمْتِ الْكَرَكَ أَطْلَقْتُهُ، فَسَارَتْ إِلَى الْكَرَكِ، فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهَا الْفِرِنْجُ الَّذِي فِيهِ، وَلَمْ يُسَلِّمُوهُ فَلَمْ يُطْلَقْ وَلَدُهَا، وَلَكِنَّهُ أَطْلَقَ مَا لَهَا وَمَنْ تَبِعَهَا.
وَخَرَجَ الْبَطْرَكُ الْكَبِيرُ الَّذِي لِلْفِرِنْجِ، وَمَعَهُ مِنْ أَمْوَالِ الْبِيَعِ مِنْهَا: الصَّخْرَةُ وَالْأَقْصَى، وَقُمَامَةُ وَغَيْرُهَا، مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْمَالِ مِثْلُ ذَلِكَ، فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ صَلَاحُ الدِّينِ، فَقِيلَ لَهُ لِيَأْخُذَ مَا مَعَهُ يُقَوِّي بِهِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: لَا أَغْدِرُ بِهِ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ غَيْرَ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَسَيَّرَ الْجَمِيعَ وَمَعَهُمْ مَنْ يَحْمِيهِمْ إِلَى مَدِينَةِ صُورَ.
وَكَانَ عَلَى رَأْسِ قُبَّةِ الصَّخْرَةِ صَلِيبٌ كَبِيرٌ مُذَهَّبٌ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ الْبَلَدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَسَلَّقَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إِلَى أَعْلَى الْقُبَّةِ لِيَقْلَعُوا الصَّلِيبَ، فَلَمَّا فَعَلُوا وَسَقَطَ صَاحَ النَّاسُ كُلُّهُمْ صَوْتًا وَاحِدًا مِنَ الْبَلَدِ وَمِنْ ظَاهِرِهِ الْمُسْلِمُونَ وَالْفِرِنْجُ: أَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَكَبَّرُوا فَرَحًا، وَأَمَّا الْفِرِنْجُ فَصَاحُوا تَفَجُّعًا وَتَوَجُّعًا، فَسَمِعَ النَّاسُ ضَجَّةً كَادَتِ الْأَرْضُ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ لِعِظَمِهَا وَشِدَّتِهَا.
فَلَمَّا مُلِكَ الْبَلَدُ وَفَارَقَهُ الْكُفَّارُ أَمَرَ صَلَاحُ الدِّينِ بِإِعَادَةِ الْأَبْنِيَةِ إِلَى حَالِهَا الْقَدِيمِ، فَإِنَّ الدَّاوِيَّةَ بَنَوْا غَرْبِيَّ الْأَقْصَى أَبْنِيَةً لِيَسْكُنُوهَا، وَعَمِلُوا فِيهَا مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ هُرْيٍ وَمُسْتَرَاحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَدْخَلُوا بَعْضَ الْأَقْصَى فِي أَبْنِيَتِهِمْ فَأُعِيدَ إِلَى الْأَوَّلِ، وَأَمَرَ بِتَطْهِيرِ الْمَسْجِدِ وَالصَّخْرَةِ مِنَ الْأَقْذَارِ وَالْأَنْجَاسِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ أَجْمَعَ.
وَلَمَّا كَانَ الْجُمُعَةُ الْأُخْرَى، رَابِعَ شَعْبَانَ، صَلَّى الْمُسْلِمُونَ فِيهِ الْجُمُعَةَ، وَمَعَهُمْ صَلَاحُ الدِّينِ، وَصَلَّى فِي قُبَّةِ الصَّخْرَةِ، وَكَانَ الْخَطِيبُ وَالْإِمَامُ مُحْيِي الدِّينِ بْنَ الزَّكِيِّ، قَاضِيَ دِمَشْقَ، ثُمَّ رَتَّبَ فِيهِ صَلَاحُ الدِّينِ خَطِيبًا وَإِمَامًا بِرَسْمِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ.
وَأَمَرَ أَنْ يُعْمَلَ لَهُ مِنْبَرٌ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ نُورَ الدِّينِ مَحْمُودًا كَانَ قَدْ عَمِلَ بِحَلَبَ مِنْبَرًا أَمَرَ الصُّنَّاعَ بِالْمُبَالَغَةِ فِي تَحْسِينِهِ وَإِتْقَانِهِ، وَقَالَ: هَذَا قَدْ عَمِلْنَاهُ لِيُنْصَبَ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، فَعَمِلَهُ النَّجَّارُونَ فِي عِدَّةِ سِنِينَ لَمْ يُعْمَلْ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُهُ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِ، فَحُمِلَ مِنْ حَلَبَ وَنُصِبَ بِالْقُدْسِ، وَكَانَ بَيْنَ عَمَلِ الْمِنْبَرِ وَحَمْلِهِ مَا يَزِيدُ عَلَى عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ هَذَا مِنْ كَرَامَاتِ نُورِ الدِّينِ، وَحُسْنِ مَقَاصِدِهِ، ﵀.
стр. 5748
وَلَمَّا فَرَغَ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ تَقَدَّمَ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَاسْتِنْفَادِ الْوُسْعِ فِي تَحْسِينِهِ وَتَرْصِيفِهِ، وَتَدْقِيقِ نُقُوشِهِ، فَأَحْضَرُوا مِنَ الرُّخَامِ الَّذِي لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ، وَمِنَ الْفَصِّ الْمُذَهَّبِ الْقُسْطَنْطِينِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، قَدِ ادُّخِرَ عَلَى طُولِ السِّنِينَ.
فَشَرَعُوا فِي عِمَارَتِهِ، وَمَحَوْا مَا كَانَ فِي تِلْكَ الْأَبْنِيَةِ مِنَ الصُّوَرِ، وَكَانَ الْفِرِنْجُ فَرَشُوا الرُّخَامَ فَوْقَ الصَّخْرَةِ وَغَيَّبُوهَا، فَأَمَرَ بِكَشْفِهَا.
وَكَانَ سَبَبُ تَغْطِيَتِهَا بِالْفُرُشِ أَنَّ الْقِسِّيسِينَ بَاعُوا كَثِيرًا مِنْهَا لِلْفِرِنْجِ الْوَارِدِينَ إِلَيْهِمْ مِنْ دَاخِلِ الْبَحْرِ لِلزِّيَارَةِ، فَكَانُوا يَشْتَرُونَهُ بِوَزْنِهِ ذَهَبًا رَجَاءَ بَرَكَتِهَا، وَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا دَخَلَ بِلَادَهُ بِالْيَسِيرِ مِنْهَا بَنَى لَهُ الْكَنِيسَةَ، وَيُجْعَلُ فِي مَذْبَحِهَا، فَخَافَ بَعْضُ مُلُوكِهِمْ أَنْ تَفْنَى، فَأَمَرَ بِهَا فَفُرِشَ فَوْقَهَا حِفْظًا لَهَا.
فَلَمَّا كُشِفَتْ نَقَلَ إِلَيْهَا صَلَاحُ الدِّينِ الْمَصَاحِفَ الْحَسَنَةَ، وَالرَّبَعَاتِ الْجَيِّدَةَ، وَرَتَّبَ الْقُرَّاءَ، وَأَدَرَّ عَلَيْهِمُ الْوَظَائِفَ الْكَثِيرَةَ، فَعَادَ الْإِسْلَامُ هُنَاكَ غَضًّا طَرِيًّا، وَهَذِهِ الْمَكْرُمَةُ مِنْ فَتْحِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ لَمْ يَفْعَلْهَا بَعْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ﵁، غَيْرُ صَلَاحِ الدِّينِ، ﵀، وَكَفَاهُ ذَلِكَ فَخْرًا وَشَرَفًا.
وَأَمَّا الْفِرِنْجُ مِنْ أَهْلِهِ فَإِنَّهُمْ أَقَامُوا، وَشَرَعُوا فِي بَيْعِ مَا لَا يُمْكِنُهُمْ حَمْلُهُ مِنْ أَمْتِعَتِهِمْ وَذَخَائِرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَمَا لَا يُطِيقُونَ حَمْلَهُ، وَبَاعُوا ذَلِكَ بِأَرْخَصِ الثَّمَنِ، فَاشْتَرَاهُ التُّجَّارُ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ، وَاشْتَرَاهُ النَّصَارَى مِنْ أَهْلِ الْقُدْسِ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنَ الْفِرِنْجِ، فَإِنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ أَنْ يُمَكِّنَهُمْ مِنَ الْمُقَامِ فِي مَسَاكِنِهِمْ، وَيَأْخُذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَاشْتَرَوْا حِينَئِذٍ مِنْ أَمْوَالِ الْفِرِنْجِ.
وَتَرَكَ الْفِرِنْجُ أَيْضًا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً لَمْ يُمْكِنْهُمْ بَيْعُهَا مِنَ الْأَسِرَّةِ وَالصَّنَادِيقِ وَالْبَتِّيَّاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَتَرَكُوا أَيْضًا مِنَ الرُّخَامِ الَّذِي لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ، مِنَ الْأَسَاطِينِ وَالْأَلْوَاحِ وَالْفَصِّ وَغَيْرِهِ، شَيْئًا كَثِيرًا ثُمَّ سَارُوا.
стр. 5749
ذِكْرُ رَحِيلِ صَلَاحِ الدِّينِ إِلَى صُورَ وَمُحَاصَرَتِهَا.
لَمَّا فَتَحَ صَلَاحُ الدِّينِ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ أَقَامَ بِظَاهِرِهِ إِلَى الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ يُرَتِّبُ أُمُورَ الْبَلَدِ وَأَحْوَالَهُ، وَتَقَدَّمَ بِعَمَلِ الرُّبَطِ وَالْمَدَارِسِ، فَجَعَلَ دَارَ الِاسْبِتَارِ مَدْرَسَةً لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهِيَ فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنَ الْحُسْنِ.
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْرِ الْبَلَدِ سَارَ إِلَى مَدِينَةِ صُورَ، وَكَانَتْ قَدِ اجْتَمَعَ فِيهَا مِنَ الْفِرِنْجِ عَالَمٌ كَثِيرٌ، وَقَدْ صَارَ الْمَرْكِيسُ صَاحِبَهَا وَالْحَاكِمَ فِيهَا، وَقَدْ سَاسَهُمْ أَحْسَنَ سِيَاسَةٍ، وَبَالَغَ فِي تَحْصِينِ الْبَلَدِ.
وَوَصَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى عَكَّا، وَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، فَلَمَّا سَمِعَ الْمَرْكِيسُ بِوُصُولِهِ إِلَيْهَا جَدَّ فِي عَمَلِ سُورِ صُورَ وَخَنَادِقِهَا وَتَعْمِيقِهَا، وَوَصَلَهَا مِنَ الْبَحْرِ إِلَى الْبَحْرِ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَصَارَتِ الْمَدِينَةُ كَالْجَزِيرَةِ فِي وَسَطِ الْمَاءِ لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَيْهَا وَلَا الدُّنُوُّ مِنْهَا.
ثُمَّ رَحَلَ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْ عَكَّا، فَوَصَلَ إِلَى صُورَ تَاسِعَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَنَزَلَ عَلَى نَهْرٍ قَرِيبٍ [مِنَ] الْبَلَدِ بِحَيْثُ يَرَاهُ، حَتَّى اجْتَمَعَ النَّاسُ وَتَلَاحَقُوا، وَسَارَ فِي الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ.
فَنَزَلَ عَلَى تَلٍّ يُقَارِبُ سُورَ الْبَلَدِ، بِحَيْثُ يَرَى الْقِتَالَ، وَقَسَّمَ الْقِتَالَ عَلَى الْعَسْكَرِ كُلُّ جَمْعٍ مِنْهُمْ لَهُ وَقْتٌ مَعْلُومٌ يُقَاتِلُونَ فِيهِ، بِحَيْثُ يَتَّصِلُ الْقِتَالُ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، عَلَى أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يُقَاتِلُونَ فِيهِ قَرِيبُ الْمَسَافَةِ، يَكْفِيهِ الْجَمَاعَةُ الْيَسِيرَةُ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لِحِفْظِهِ، وَعَلَيْهِ الْخَنَادِقُ الَّتِي قَدْ وَصَلَتْ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى الْبَحْرِ، فَلَا يَكَادُ الطَّيْرُ يَطِيرُ عَلَيْهَا، فَإِنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكَفِّ فِي الْبَحْرِ، وَالسَّاعِدَ مُتَّصِلٌ بِالْبَرِّ وَالْبَحْرِ مِنْ جَانِبَيِ السَّاعِدِ، وَالْقِتَالُ إِنَّمَا هُوَ فِي السَّاعِدِ، فَزَحَفَ الْمُسْلِمُونَ مَرَّةً بِالْمَجَانِيقِ، وَالْعَرَّادَاتِ، وَالْجُرُوخِ، وَالدَّبَّابَاتِ.
وَكَانَ أَهْلُ صَلَاحِ الدِّينِ يَتَنَاوَبُونَ الْقِتَالَ مِثْلَ: وَلَدِهِ الْأَفْضَلِ، وَوَلَدِهِ الظَّاهِرِ غَازِي، وَأَخِيهِ الْعَادِلِ بْنِ أَيُّوبَ، وَابْنِ أَخِيهِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأُمَرَاءِ.
وَكَانَ لِلْفِرِنْجِ شَوَانٍ وَحَرَّاقَاتٌ يَرْكَبُونَ فِيهَا فِي الْبَحْرِ، وَيَقِفُونَ مِنْ جَانِبَيِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَاتِلُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُ أَهْلَ الْبَلَدِ، فَيَرْمُونَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ جَانِبِهِمْ بِالْجُرُوخِ، وَيُقَاتِلُونَهُمْ. وَكَانَ ذَلِكَ يَعْظُمُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ أَهْلَ الْبَلَدِ يُقَاتِلُونَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، وَأَصْحَابَ الشَّوَانِي يُقَاتِلُونَهُمْ مِنْ جَانِبَيْهِمْ، فَكَانَتْ سِهَامُهُمْ تَنْفُذُ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ لِضِيقِ الْمَوْضِعِ، فَكَثُرَتِ الْجِرَاحَاتُ فِي الْمُسْلِمِينَ وَالْقَتْلُ.
وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا
стр. 5750
مِنَ الدُّنُوِّ إِلَى الْبَلَدِ، فَأَرْسَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى الشَّوَانِي الَّتِي جَاءَتْهُ مِنْ مِصْرَ، وَهِيَ عَشْرُ قِطَعٍ، وَكَانَتْ بِعَكَّا، فَأَحْضَرَهَا بِرِجَالِهَا وَمُقَاتِلَتِهَا وَعِدَّتِهَا، وَكَانَتْ فِي الْبَحْرِ تَمْنَعُ شَوَانِيَ أَهْلِ صُورَ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَتَمَكَّنَ الْمُسْلِمُونَ حِينَئِذٍ مِنَ الْقُرْبِ مِنَ الْبَلَدِ، وَمِنْ قِتَالِهِ، فَقَاتَلُوهُ بَرًّا وَبَحْرًا وَضَايَقُوهُ حَتَّى كَادُوا يَظْفَرُونَ.
فَجَاءَتِ الْأَقْدَارُ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحِسَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ خَمْسَ قِطَعٍ مِنْ شَوَانِي الْمُسْلِمِينَ بَاتَتْ، فِي بَعْضِ تِلْكَ اللَّيَالِي، مُقَابِلَ مِينَاءِ صُورَ لِيُمْنَعُوا مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهُ وَالدُّخُولِ إِلَيْهِ، فَبَاتُوا لَيْلَتَهُمْ يَحْرُسُونَ، وَكَانَ مُقَدَّمُهُمْ عَبْدَ السَّلَامِ الْمَغْرِبِيَّ الْمَوْصُوفَ بِالْحَذَقِ فِي صِنَاعَتِهِ.
فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ السَّحَرِ أَمِنُوا فَنَامُوا، فَمَا شَعَرُوا إِلَّا بِشَوَانِي الْفِرِنْجِ قَدْ نَازَلَتْهُمْ وَضَايَقَتْهُمْ، فَأَوْقَعَتْ بِهِمْ، فَقَتَلُوا مَنْ أَرَادُوا قَتْلَهُ، وَأَخَذُوا الْبَاقِينَ بِمَرَاكِبِهِمْ، وَأُدْخِلُوا مِينَاءَ صُورَ، وَالْمُسْلِمُونَ فِي الْبَرِّ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ، وَرَمَى جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْفُسَهُمْ مِنَ الشَّوَانِي فِي الْبَحْرِ، فَمِنْهُمْ مَنْ سَبَحَ فَنَجَا، وَمِنْهُمْ مَنْ غَرِقَ.
وَتَقَدَّمَ السُّلْطَانُ إِلَى الشَّوَانِي الْبَاقِيَةِ بِالْمَسِيرِ إِلَى بَيْرُوتَ لِعَدَمِ انْتِفَاعِهِ بِهَا لِقِلَّتِهَا، فَسَارَتْ، فَتَبِعَهَا شَوَانِي الْفِرِنْجِ، فَحِينَ رَأَى مَنْ فِي شَوَانِي الْمُسْلِمِينَ الْفِرِنْجَ مُجِدِّينَ فِي طَلَبِهِمْ أَلْقَوْا نُفُوسَهُمْ فِي شَوَانِيهِمْ إِلَى الْبَرِّ فَنَجَوْا وَتَرَكُوهَا، فَأَخَذَهَا صَلَاحُ الدِّينِ، وَنَقَضَهَا وَعَادَ إِلَى مُقَاتَلَةِ صُورَ فِي الْبَرِّ، وَكَانَ ذَلِكَ قَلِيلَ الْجَدْوَى لِضِيقِ الْمَجَالِ.
وَفِي بَعْضِ الْأَيَّامِ خَرَجَ الْفِرِنْجُ فَقَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ وَرَاءِ خَنَادِقِهِمْ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَدَامَ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، كَانَ خُرُوجُهُمْ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَأُسِرَ مِنْهُمْ فَارِسٌ كَبِيرٌ مَشْهُورٌ، بَعْدَ أَنْ كَثُرَ الْقِتَالُ وَالْقَتْلُ عَلَيْهِ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، لَمَّا سَقَطَ، فَلَمَّا أُسِرَ قُتِلَ، وَبَقَوْا كَذَلِكَ عِدَّةَ أَيَّامٍ.
ذِكْرُ الرَّحِيلِ عَنْ صُورَ إِلَى عَكَّا وَتَفْرِيقِ الْعَسَاكِرِ
لَمَّا رَأَى صَلَاحُ الدِّينِ أَنَّ أَمْرَ صُورَ يَطُولُ رَحَلَ عَنْهَا، وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَتُهُ، مَتَى
стр. 5751
ثَبَتَ الْبَلَدُ بَيْنَ يَدَيْهِ ضَجَرَ مِنْهُ وَمِنْ حِصَارِهِ فَرَحَلَ عَنْهُ، وَكَانَ هَذِهِ السَّنَةَ لَمْ يَطُلْ مُقَامُهُ عَلَى مَدِينَةٍ بَلْ فَتَحَ الْجَمِيعَ فِي الْأَيَّامِ الْقَرِيبَةِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، بِغَيْرِ تَعَبٍ وَلَا مَشَقَّةٍ.
فَلَمَّا رَأَى هُوَ وَأَصْحَابُهُ شِدَّةَ أَمْرِ صُورَ مَلُّوهَا، وَطَلَبُوا الِانْتِقَالَ عَنْهَا، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ ذَنْبٌ فِي أَمْرِهَا غَيْرَ صَلَاحِ الدِّينِ، فَإِنَّهُ هُوَ جَهَّزَ إِلَيْهَا جُنُودَ الْفِرِنْجِ، وَأَمَدَّهَا بِالرِّجَالِ وَالْأَمْوَالِ مِنْ أَهْلِ عَكَّا وَعَسْقَلَانَ وَالْقُدْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ.
كَانَ يُعْطِيهِمُ الْأَمَانَ وَيُرْسِلُهُمْ إِلَى صُورَ، فَصَارَ فِيهَا مَنْ سَلِمَ مِنْ فُرْسَانِ الْفِرِنْجِ بِالسَّاحِلِ، بِأَمْوَالِهِمْ وَأَمْوَالِ التُّجَّارِ وَغَيْرِهِمْ، فَحَفِظُوا الْمَدِينَةَ وَرَاسَلُوا الْفِرِنْجَ دَاخِلَ الْبَحْرِ يَسْتَمِدُّونَهُمْ، فَأَجَابُوهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ لِدَعْوَتِهِمْ، وَوَعْدِهِمْ بِالنُّصْرَةِ، وَأَمَرُوهُمْ بِحِفْظِ صُورَ لِتَكُونَ دَارَ هِجْرَتِهِمْ يَحْتَمُونَ بِهَا وَيَلْجَأُونَ إِلَيْهَا، فَزَادَهُمْ ذَلِكَ حِرْصًا عَلَى حِفْظِهَا وَالذَّبِّ عَنْهَا.
وَسَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا صَارَ إِلَيْهِ الْأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْمَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ الْحَزْمَ، وَإِنْ سَاعَدَتْهُ الْأَقْدَارُ، فَلَأَنْ يَعْجِزَ حَازِمًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَظْفَرَ مُفَرِّطًا مُضَيِّعًا لِلْحَزْمِ، وَأَعْذَرُ لَهُ عِنْدَ النَّاسِ.
وَلَمَّا أَرَادَ الرَّحِيلَ اسْتَشَارَ أُمَرَاءَهُ، فَاخْتَلَفُوا، فَجَمَاعَةٌ يَقُولُونَ: الرَّأْيُ أَنْ نَرْحَلَ، فَقَدْ جُرِحَ الرِّجَالُ، وَقُتِلُوا، وَمَلُّوا، وَفَنِيَتِ النَّفَقَاتُ، وَهَذَا الشِّتَاءُ قَدْ حَضَرَ، وَالشَّوْطُ بِطِينٍ، فَنُرِيحُ وَنَسْتَرِيحُ فِي هَذَا الْبَرْدِ، فَإِذَا جَاءَ الرَّبِيعُ اجْتَمَعْنَا وَعَاوَدْنَاهَا وَغَيْرَهَا.
وَكَانَ هَذَا قَوْلَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْهُمْ، وَكَأَنَّهُمْ خَافُوا أَنَّ السُّلْطَانَ يَقْتَرِضُ مِنْهُمْ مَا يُنْفِقُهُ فِي الْعَسْكَرِ إِذَا أَقَامَ لِخُلُوِّ الْخَزَائِنِ وَبُيُوتِ الْأَمْوَالِ مِنَ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ كُلَّ مَا حُمِلَ إِلَيْهِ مِنْهَا.
وَقَالَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى: الرَّأْيُ أَنْ نُصَابِرَ الْبَلَدَ وَنُضَايِقَهُ، فَهُوَ الَّذِي يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ مِنْ حُصُونِهِمْ، وَمَتَى أَخَذْنَاهُ مِنْهُمُ انْقَطَعَ طَمَعُ مَنْ دَاخِلِ الْبَحْرِ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ وَأَخَذْنَا بَاقِيَ الْبِلَادِ صَفْوًا عَفْوًا.
فَبَقِيَ صَلَاحُ الدِّينِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الرَّحِيلِ وَالْإِقَامَةِ، فَلَمَّا رَأَى مَنْ يَرَى الرَّحِيلَ إِقَامَتَهُ أَخَلَّ بِمَا رُدَّ إِلَيْهِ مِنَ الْمُحَارَبَةِ وَالرَّمْيِ بِالْمَنْجَنِيقِ، وَاعْتَذَرُوا بِجِرَاحِ رِجَالِهِمْ، وَأَنَّهُمْ قَدْ أَرْسَلُوا بَعْضَهُمْ لِيُحْضِرُوا نَفَقَاتِهِمْ وَالْعُلُوفَاتِ لِدَوَابِّهِمْ وَالْأَقْوَاتَ لَهُمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْذَارِ، فَصَارُوا مُقِيمِينَ بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَاضْطُرَّ إِلَى الرَّحِيلِ، فَرَحَلَ عَنْهَا آخِرَ شَوَّالٍ.
وَكَانَ أَوَّلَ كَانُونَ الْأَوَّلِ، إِلَى عَكَّا، فَأَذِنَ لِلْعَسَاكِرِ جَمِيعِهَا بِالْعَوْدِ إِلَى أَوْطَانِهِمْ
стр. 5752
وَالِاسْتِرَاحَةِ فِي الشِّتَاءِ، وَالْعَوْدِ فِي الرَّبِيعِ، فَعَادَتْ عَسَاكِرُ الشَّرْقِ وَالْمَوْصِلِ وَغَيْرِهَا، وَعَسَاكِرُ الشَّامِ، وَعَسَاكِرُ مِصْرَ، وَبَقِيَ حَلِقَتُهُ الْخَاصُّ مُقِيمًا بِعَكَّا، فَنَزَلَ بِقَلْعَتِهَا، وَرَدَّ أَمْرَ الْبَلَدِ إِلَى عِزِّ الدِّينِ جُورْدِيكَ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْمَمَالِيكِ النُّورِيَّةِ، جَمَعَ الدِّيَانَةَ، وَالشَّجَاعَةَ، وَحُسْنَ السِّيرَةِ.
ذِكْرُ فَتْحِ هُونِينَ
لَمَّا فَتَحَ السُّلْطَانُ صَلَاحُ الدِّينِ تِبْنِينَ امْتَنَعَ مَنْ بِهُونِينَ مِنْ تَسْلِيمِهَا، وَهِيَ مِنْ أَحْصَنِ الْقِلَاعِ وَأَمْنَعِهَا، فَلَمْ يَرَ التَّعْرِيجَ عَلَيْهَا وَلَا الِاشْتِغَالَ بِمُحَاصَرَتِهَا، بَلْ سَيَّرَ إِلَيْهَا جَمَاعَةً مِنَ الْعَسْكَرِ وَالْأُمَرَاءِ فَحَصَرُوهَا، وَمَنَعُوا مِنْ حَمْلِ الْمِيرَةِ إِلَيْهَا، وَاشْتَغَلَ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ فَتْحِ عَسْقَلَانَ وَالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ يُحَاصِرُ مَدِينَةَ صُورَ أَرْسَلَ مَنْ فِيهَا يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ، فَسَلَّمُوا، وَنَزَلُوا مِنْهَا فَوَفَّى لَهُمْ بِأَمَانِهِمْ.
ذِكْرُ حَصْرِ صَفَدَ وَكَوْكَبَ وَالْكَرَكِ
لَمَّا سَارَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى عَسْقَلَانَ جَعَلَ عَلَى قَلْعَةِ كَوْكَبَ، وَهِيَ مُطِلَّةٌ عَلَى الْأُرْدُنِّ مَنْ يَحْصُرُهَا، وَيَحْفَظُ الطَّرِيقَ لِلْمُجْتَازِينَ لِئَلَّا يَنْزِلَ مَنْ بِهِ مِنَ الْفِرِنْجِ يَقْطَعُونَهُ، وَسَيَّرَ طَائِفَةً أُخْرَى مِنَ الْعَسْكَرِ أَيْضًا إِلَى قَلْعَةِ صَفَدَ فَحَصَرُوهَا، وَهِيَ مُطِلَّةٌ عَلَى مَدِينَةِ طَبَرِيَّةَ.
وَكَانَ حِصْنُ كَوْكَبَ لِلْإِسْبِتَارِ، وَحِصْنُ صَفَدَ لِلدَّاوِيَّةِ، وَهُمَا قَرِيبَانِ مِنْ حِطِّينَ، مَوْضِعِ الْمَصَافِّ، فَلَجَأَ إِلَيْهَا جَمْعٌ مِمَّنْ سَلِمَ مِنَ الدَّاوِيَّةِ وَالِاسْبِتَارِ فَحَمَوْهُمَا، فَلَمَّا حَصَرَهُمَا الْمُسْلِمُونَ اسْتَرَاحَ النَّاسُ مِنْ شَرِّ مَنْ فِيهِمَا، وَاتَّصَلَتِ الطُّرُقُ حَتَّى كَانَ يَسِيرُ فِيهَا الْمُنْفَرِدُ فَلَا يَخَافُ.
وَكَانَ مُقَدَّمُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ يَحْصُرُونَ قَلْعَةَ كَوْكَبَ أَمِيرًا يُقَالُ لَهُ سَيْفُ الدِّينِ، وَهُوَ أَخُو جَاوِلِي الْأَسَدِيِّ، وَكَانَ شَهْمًا شُجَاعًا، يَرْجِعُ إِلَى دِينٍ وَعِبَادَةٍ، فَأَقَامَ عَلَيْهِ إِلَى آخِرِ شَوَّالٍ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَحْرُسُونَ نُوَبًا مُرَتَّبَةً.
فَلَمَّا كَانَ آخِرُ لَيْلَةٍ مِنْ شَوَّالٍ غَفَلَ الَّذِي
стр. 5753
كَانَتْ نَوْبَتُهُ فِي الْحِرَاسَةِ، وَكَانَ قَدْ صَلَّى وِرْدَهُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَى السَّحَرِ، وَكَانَتْ لَيْلَةً كَثِيرَةَ الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ، وَالرِّيحِ وَالْمَطَرِ، فَلَمْ يَشْعُرِ الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ نَازِلُونَ إِلَّا وَالْفِرِنْجُ قَدْ خَالَطُوهُمْ بِالسُّيُوفِ، وَوَضَعُوا السِّلَاحَ فِيهِمْ، فَقَتَلُوهُمْ أَجْمَعِينَ، وَأَخَذُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ طَعَامٍ وَسِلَاحٍ وَغَيْرِهِ وَعَادُوا إِلَى قَلْعَتِهِمْ، فَقَوُوا بِذَلِكَ قُوَّةً عَظِيمَةً أَمْكَنَتْهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا قَلْعَتَهُمْ إِلَى أَنْ أُخِذَتْ أَوَاخِرَ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَأَتَى الْخَبَرُ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ بِذَلِكَ، عِنْدَ رَحِيلِهِ عَنْ (صُورَ، فَعَظُمَ) ذَلِكَ عَلَيْهِ، مُضَافًا إِلَى مَا نَالَهُ مِنْ أَخْذِ شَوَانِيهِ وَمَنْ فِيهَا، وَرَحِيلِهِ عَنْ صُورَ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَى حِصْنِ كَوْكَبَ الْأَمِيرَ قَايْمَازْ النَّجْمِيَّ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى مِنَ الْأَجْنَادِ، فَحَصَرُوهَا.
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِعَرَفَاتٍ وَقَتْلِ ابْنِ الْمُقَدَّمِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، يَوْمَ عَرَفَةَ، قُتِلَ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْمُقَدَّمِ بِعَرَفَاتٍ، وَهُوَ أَكْبَرُ الْأُمَرَاءِ الصَّلَاحِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ ذَكْرِهِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ.
وَسَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ لَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ طَلَبَ إِذْنًا مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ لِيَحُجَّ وَيُحْرِمَ مِنَ الْقُدْسِ، وَيَجْمَعَ فِي سَنَةٍ بَيْنَ الْجِهَادِ وَالْحَجِّ وَزِيَارَةِ الْخَلِيلِ، ﵇، وَمَا بِالشَّامِ مِنْ مَشَاهِدِ الْأَنْبِيَاءِ، وَبَيْنَ زِيَارَةِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، أَجْمَعِينَ، فَأَذِنَ لَهُ.
وَكَانَ قَدِ اجْتَمَعَ تِلْكَ السَّنَةَ مِنَ الْحُجَّاجِ بِالشَّامِ الْخَلْقُ الْعَظِيمُ مِنَ الْبِلَادِ: الْعِرَاقِ، وَالْمَوْصِلِ، وَدِيَارِ بَكْرٍ، وَالْجَزِيرَةِ، وَخِلَاطَ، وَبِلَادِ الرُّومِ وَمِصْرَ وَغَيْرِهَا، لِيَجْمَعُوا بَيْنَ زِيَارَةِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ وَمَكَّةَ، فَجُعِلَ ابْنُ الْمُقَدَّمِ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ فَسَارُوا حَتَّى وَصَلُوا إِلَى عَرَفَاتٍ سَالِمِينَ، وَوَقَفُوا فِي تِلْكَ الْمَشَاعِرِ، وَأَدَّوُا الْوَاجِبَ وَالسُّنَّةَ.
فَلَمَّا كَانَ عَشِيَّةُ عَرَفَةَ تَجَهَّزَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ لِيَسِيرُوا مِنْ عَرَفَاتٍ، فَأَمَرَ بِضَرْبِ كَوْسَاتِهِ الَّتِي هِيَ أَمَارَةُ الرَّحِيلِ، فَضَرَبَهَا أَصْحَابُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْحَاجِّ الْعِرَاقِيِّ،
стр. 5754
وَهُوَ مُجِيرُ الدِّينِ طَاشْ تِكِينُ، يَنْهَاهُ عَنِ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَهُ، وَيَأْمُرُهُ بِكَفِّ أَصْحَابِهِ عَنْ ضَرْبِ كَوْسَاتِهِ.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: إِنِّي لَيْسَ لِي مَعَكَ تَعَلُّقٌ، أَنْتَ أَمِيرُ الْحَاجِّ الْعِرَاقِيِّ، وَأَنَا أَمِيرُ الْحَاجِّ الشَّامِيِّ، وَكُلٌّ مِنَّا يَفْعَلُ مَا يَرَاهُ وَيَخْتَارُهُ، وَسَارَ وَلَمْ يَقِفْ، وَلَمْ يَسْمَعْ قَوْلَهُ.
فَلَمَّا رَأَى طَاشْ تِكِينُ إِصْرَارَهُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ رَكِبَ فِي أَصْحَابِهِ وَأَجْنَادِهِ، وَتَبِعَهُ مِنْ غَوْغَاءِ الْحَاجِّ الْعِرَاقِيِّ وَبَطَّاطِيهِمْ، وَطَمَّاعَتِهِمُ، الْعَالَمُ الْكَثِيرُ، وَالْجَمُّ الْغَفِيرُ، وَقَصَدُوا حَاجَّ الشَّامِ مُهَوِّلِينَ عَلَيْهِمْ.
فَلَمَّا قَرُبُوا مِنْهُمْ خَرَجَ الْأَمْرُ مِنَ الضَّبْطِ، وَعَجَزُوا عَنْ تَلَافِيهِ، فَهَجَمَ طَمَّاعَةُ الْعِرَاقِ عَلَى حَاجِّ الشَّامِ وَفَتَكُوا فِيهِمْ، وَقَتَلُوا جَمَاعَةً وَنُهِبَتْ أَمْوَالُهُمْ وَسُبِيَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ نِسَائِهِمْ، إِلَّا أَنَّهُنَّ رُدِدْنَ عَلَيْهِمْ.
وَجُرِحَ ابْنُ الْمُقَدَّمِ عِدَّةَ جِرَاحَاتٍ، وَكَانَ يَكُفُّ أَصْحَابَهُ عَنِ الْقِتَالِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُمْ لَانْتَصَفَ مِنْهُمْ وَزَادَ، لَكِنَّهُ أَخَذَهُ طَاشْ تِكِينْ إِلَى خَيْمَتِهِ، وَأَنْزَلَهُ عِنْدَهُ لِيُمَرِّضَهُ وَيَسْتَدْرِكَ الْفَارِطَ فِي حَقِّهِ، وَسَارُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مَاتَ بِمِنًى، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الْمُعَلَّى، وَرُزِقَ الشَّهَادَةَ بَعْدَ الْجِهَادِ، وَشُهُودِ فَتْحِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ قُوَّةِ السُّلْطَانِ طُغْرُلْ عَلَى قُزَلَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَوِيَ أَمْرُ السُّلْطَانِ طُغْرُلْ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَمَلَكَ كَثِيرًا مِنَ الْبِلَادِ، فَأَرْسَلَ قُزَلُ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَسْتَنْجِدُهُ، وَيُخَوِّفُهُ مِنْ طُغْرُلْ، وَيَبْذُلُ مِنْ نَفْسِهِ الطَّاعَةَ وَالتَّصَرُّفَ عَلَى مَا يَخْتَارُونَهُ.
وَأَرْسَلَ طُغْرُلْ رَسُولًا إِلَى بَغْدَادَ يَقُولُ: أُرِيدُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الدِّيوَانُ بِعِمَارَةِ [دَارِ] السَّلْطَنَةِ لِأَسْكُنَهَا إِذَا وَصَلْتُ، فَأَكْرَمَ رَسُولَ قُزَلَ وَوَعَدَهُ بِالنَّجْدَةِ، وَرَدَّ رَسُولَ السُّلْطَانِ طُغْرُلْ بِغَيْرِ جَوَابٍ، وَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِنَقْضِ دَارِ السَّلْطَنَةِ، فَهُدِمَتْ إِلَى الْأَرْضِ، وَعُفِيَ أَثَرُهَا.
ذِكْرُ مُلْكِ شَرْسَتِي مِنَ الْهِنْدِ وَغَيْرِهَا وَانْهِزَامِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَهَا
فِي آخِرِ هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ شِهَابُ الدِّينِ الْغَوْرِيُّ، مَلِكُ غَزْنَةَ، إِلَى بِلَادِ الْهِنْدِ، وَقَصَدَ بِلَادَ أَجْمِيرْ، وَتَعَرَّفَ بِوِلَايَةِ السَّوَالِكِ، وَاسْمُ مَلِكِهِمْ كُولَةُ، وَكَانَ شُجَاعًا
стр. 5755
شَهْمًا، فَلَمَّا دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ بِلَادَهُ مَلَكُوا مَدِينَةَ تَبْرَنْدَةَ، وَهِيَ حِصْنٌ مَنِيعٌ عَامِرٌ، وَمَلَكُوا شَرْسَتِي، وَمَلَكُوا كُوَّةَ رَامْ.
فَلَمَّا سَمِعَ مَلِكُهُمْ جَمَعَ الْعَسَاكِرَ فَأَكْثَرَ، وَسَارَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، فَالْتَقَوْا، وَقَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ، وَكَانَ مَعَ الْهِنْدِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فِيلًا، فَلَمَّا اشْتَدَّتِ الْحَرْبُ انْهَزَمَتْ مَيْمَنَةُ الْمُسْلِمِينَ وَمَيْسَرَتُهُمْ، فَقَالَ لِشِهَابِ الدِّينِ بَعْضُ خَوَاصِّهِ: قَدِ انْكَسَرَتِ الْمَيْمَنَةُ وَالْمَيْسَرَةُ، فَانْجُ بِنَفْسِكَ لَا يَهْلِكُ الْمُسْلِمُونَ.
فَأَخَذَ شِهَابُ الدِّينِ الرُّمْحَ وَحَمَلَ عَلَى الْهُنُودِ، فَوَصَلَ إِلَى الْفِيَلَةِ، فَطَعَنَ فِيلًا مِنْهَا فِي كَتِفِهِ، وَجُرْحُ الْفِيلِ لَا يَنْدَمِلُ، فَلَمَّا وَصَلَ شِهَابُ الدِّينِ إِلَى الْفِيَلَةِ زَرَقَهُ بَعْضُ الْهُنُودِ بِحَرْبَةٍ، فَوَقَعَتِ الْحَرْبَةُ فِي سَاعِدِهِ، فَنَفَذَتِ الْحَرْبَةُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَوَقَعَ حِينَئِذٍ إِلَى الْأَرْضِ، فَقَاتَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ لِيُخَلِّصُوهُ، وَحَرَصَتِ الْهُنُودُ عَلَى أَخْذِهِ، وَكَانَ عِنْدَهُ حَرْبٌ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا، وَأَخَذَهُ أَصْحَابُهُ فَرَكَّبُوهُ فَرَسَهُ وَعَادُوا بِهِ مُنْهَزِمِينَ.
فَلَمْ يَتْبَعْهُمُ الْهُنُودُ، فَلَمَّا أُبْعِدُوا عَنْ مَوْضِعِ الْوَقْعَةِ بِمِقْدَارِ فَرْسَخٍ أُغْمِيَ عَلَى شِهَابِ الدِّينِ مِنْ كَثْرَةِ خُرُوجِ الدَّمِ، فَحَمَلَهُ الرِّجَالُ عَلَى أَكْتَافِهِمْ فِي مِحَفَّةِ الْيَدِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ فَرْسَخًا.
فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى لَهَاوُورْ أَخَذَ الْأُمَرَاءَ الْغُورِيَّةَ، وَهُمُ الَّذِينَ انْهَزَمُوا وَلَمْ يَثْبُتُوا، وَعَلَّقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلِيقَ شَعِيرٍ، وَقَالَ: أَنْتُمْ دَوَابُّ مَا أَنْتُمْ أُمَرَاءَ! وَسَارَ إِلَى غَزْنَةَ، وَأَمَرَ بَعْضَهُمْ فَمَشَى إِلَيْهَا مَاشِيًا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى غَزْنَةَ أَقَامَ بِهَا لِيَسْتَرِيحَ النَّاسُ، وَنَذْكُرُ مَا فَعَلَهُ بِمَلِكِ الْهِنْدِ الَّذِي هَزَمَهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، قُتِلَ مَجْدُ الدِّينِ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ الصَّاحِبِ، وَهُوَ أُسْتَاذُ دَارِ الْخَلِيفَةِ، أَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِقَتْلِهِ، وَكَانَ مُتَحَكِّمًا فِي الدَّوْلَةِ، لَيْسَ لِلْخَلِيفَةِ مَعَهُ حُكْمٌ، وَكَانَ هُوَ الْقَيِّمَ بِالْبَيْعَةِ لَهُ، وَظَهَرَ لَهُ أَمْوَالٌ عَظِيمَةٌ، أُخِذَ جَمِيعُهَا، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ عَفِيفًا عَنِ الْأَمْوَالِ، وَكَانَ الَّذِي سَعَى بِهِ إِنْسَانٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَصَنَائِعِهِ، يُقَالُ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ، فَسَعَى بِهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ، وَقَبَّحَ آثَارَهُ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَقَتَلَهُ
стр. 5756
وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَقَعَ حَرِيقٌ فِي الْحَظَائِرِ بِبَغْدَادَ، وَاحْتَرَقَتْ أَحْطَابٌ كَثِيرَةٌ، وَسَبَبُهُ أَنْ فَقِيهًا بِالْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ كَانَ يَطْبُخُ طَعَامًا يَأْكُلُهُ، فَغَفَلَ عَنِ النَّارِ وَالطَّبِيخِ، فَعَلَقَتِ النَّارُ وَاتَّصَلَتْ إِلَى الْحَظَائِرِ، فَاحْتَرَقَتْ جَمِيعُهَا، وَاحْتَرَقَ دَرْبُ السِّلْسِلَةِ وَغَيْرُهُ مِمَّا يُجَاوِرُهُ.
وَفِيهَا، فِي شَوَّالٍ، اسْتَوْزَرَ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ أَبَا الْمُظَفَّرِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ يُونُسَ، وَلَقَبُهُ جَلَالُ الدِّينِ، وَمَشَى أَرْبَابُ الدَّوْلَةِ فِي رِكَابِهِ، حَتَّى قَاضِي الْقُضَاةِ، وَكَانَ ابْنُ يُونُسَ مِنْ شُهُودِهِ، وَكَانَ يَمْشِي وَيَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ طُولَ الْعُمُرِ.
[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا، فِي الْمُحَرَّمِ، تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمُغِيثِ بْنُ زُهَيْرٍ الْحَرْبِيُّ بِبَغْدَادَ وَكَانَ مِنْ أَعْيَانِ الْحَنَابِلَةِ، قَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَصَنَّفَ كِتَابًا فِي فَضَائِلِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَتَى فِيهِ بِالْعَجَائِبِ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الدَّامَغَانِيِّ، وَوَلِيَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ لِلْمُقْتَفِي بَعْدَ مَوْتِ الزَّيْنَبِيِّ، ثُمَّ لِلْمُسْتَنْجِدِ بِاللَّهِ، ثُمَّ عُزِلَ، ثُمَّ أُعِيدَ إِلَى الْمُسْتَضِيءِ بِأَمْرِ اللَّهِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْوَزِيرُ جَلَالُ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ جَمَالِ الدِّينِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ وَزِيرُ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَهُوَ الْجَوَادُ ابْنُ الْجَوَادِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ أَخْبَارِهِ وَأَخْبَارِ أَبِيهِ مَا يُعْلَمُ بِهِ مَحَلُّهُمَا، وَحُمِلَ إِلَى مَدِينَةِ النَّبِيِّ، ﷺ ، فَدُفِنَ بِهَا عِنْدَ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ خَطَّابِ بْنِ ظُفَرَ الشَّيْخِ الصَّالِحِ مِنْ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَكَانَ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ أَرْبَابِ الْكَرَامَاتِ، وَصَحِبْتُهُ أَنَا مُدَّةً، فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ حُسْنَ خُلُقٍ وَسَمْتٍ وَكَرَمٍ وَعِبَادَةٍ، ﵀.
وَفِيهَا وَلَدَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سَوَادِ بَغْدَادَ بِنْتًا لَهَا أَسْنَانٌ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ نَصْرُ بْنُ فِتْيَانَ بْنِ مَطَرٍ أَبُو الْفَتْحِ بْنِ الْمَنِّيِّ الْفَقِيهِ الْحَنْبَلِيُّ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِثْلُهُ، ﵀.
стр. 5757
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
٥٨٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ حَصْرِ صَلَاحِ الدِّينِ كَوْكَبَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَفِي الْمُحَرَّمِ، انْحَسَرَ الشِّتَاءُ، فَسَارَ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْ عَكَّا فِيمَنْ تَخَلَّفَ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى قَلْعَةِ كَوْكَبَ، فَحَصَرَهَا، وَنَازَلَهَا، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ مُلْكَهَا سَهْلٌ، وَأَنَّ أَخْذَهَا، وَهُوَ فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، مُتَيَسِّرٌ، فَلَمَّا رَآهَا عَالِيَةً مَنِيعَةً [أَدْرَكَ أَنَّ] الْوُصُولَ إِلَيْهَا مُتَعَذِّرٌ.
وَكَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا وَمِنْ صَفَدَ وَالْكَرَكِ الْمُقِيمُ الْمُقْعِدُ، لِأَنَّ الْبِلَادَ السَّاحِلِيَّةَ، مِنْ عَكَّا إِلَى جِهَةِ الْجَنُوبِ، كَانَتْ قَدْ مَلَكَ جَمِيعَهَا مَا عَدَا هَذِهِ الْحُصُونَ، وَكَانَ يَخْتَارُ أَنْ لَا يَبْقَى فِي وَسَطِهَا مَا يَشْغَلُ قَلْبَهُ، وَيُقَسِّمُ هَمَّهُ، وَيَحْتَاجُ إِلَى حِفْظِهِ، وَلِئَلَّا يَنَالَ الرَّعَايَا وَالْمُجْتَازِينَ مِنْهُمُ الضَّرَرُ الْعَظِيمُ.
فَلَمَّا حَصَرَ كَوْكَبَ، وَرَآهَا مَنِيعَةً، يُبْطِئُ مُلْكُهَا وَأَخْذُهَا، رَحَلَ عَنْهَا، وَجَعَلَ عَلَيْهَا قَايْمَازْ النَّجْمِيَّ مُسْتَدِيمًا لِحِصَارِهِ. وَكَانَ رَحِيلُهُ عَنْهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
وَأَتَاهُ رُسُلُ الْمَلِكِ قَلْج أَرَسِلَانَ. وَقُزَل أَرْسِلَانَ وَغَيْرِهِمَا. يُهَنِّئُونَهُ بِالْفَتْحِ وَالظَّفَرِ، وَسَارَ مِنْ كَوْكَبَ إِلَى دِمَشْقَ، فَفَرِحَ النَّاسُ بِقُدُومِهِ. وَكَتَبَ إِلَى الْبِلَادِ جَمِيعِهَا بِاجْتِمَاعِ الْعَسَاكِرِ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ سَارَ إِلَى السَّاحِلِ.
ذِكْرُ رَحِيلِ صَلَاحِ الدِّينِ إِلَى بَلَدِ الْفِرِنْجِ
لَمَّا أَرَادَ صَلَاحُ الدِّينِ الْمَسِيرَ عَنْ دِمَشْقَ حَضَرَ عِنْدَ الْقَاضِي الْفَاضِلِ مُوَدِّعًا لَهُ
стр. 5758
وَمُسْتَشِيرًا.
وَكَانَ مَرِيضًا، وَوَدَّعَهُ وَسَارَ عَنْ دِمَشْقَ مُنْتَصَفَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ إِلَى حِمْصَ، فَنَزَلَ عَلَى بُحَيْرَةِ قُدْسَ غَرْبِيَّ حِمْصَ، وَجَاءَتْهُ الْعَسَاكِرُ: فَأَوَّلُ مَنْ أَتَاهُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَطْرَافِ عِمَادُ الدِّينِ: زِنْكِيُّ بْنُ مَوْدُودٍ بْنِ آقْسَنْقَرَ، صَاحِبُ سِينْجَارَ، وَنَصِيبِينِ، وَالْخَابُورِ، وَتَلَاحَقَتِ الْعَسَاكِرُ مِنَ الْمَوْصِلِ وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ وَغَيْرِهَا، فَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ وَكَثُرَتْ عِنْدَهُ.
فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ تَحْتَ حِصْنِ الْأَكْرَادِ مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَكُنْتُ مَعَهُ حِينَئِذٍ، فَأَقَامَ يَوْمَيْنِ، وَسَارَ جَرَيْدَةً وَتَرَكَ أَثْقَالَ الْعَسْكَرِ مَوْضِعَهَا تَحْتَ الْحِصْنِ، وَدَخَلَ إِلَى بَلَدِ الْفِرِنْجِ فَأَغَارَ عَلَى صَافِيثَا وَالْعُرَيْمَةِ وَيَحْمُورَ.
وَغَيْرِهَا مِنِ الْبِلَادِ وَالْوِلَايَاتِ، وَوَصَلَ إِلَى قُرْبِ طَرَابُلُسَ، وَأَبْصَرَ الْبِلَادَ، وَعَرَفَ مَنْ يَأْتِيهَا، وَأَيْنَ يَسْلُكُ مِنْهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى مُعَسْكَرِهِ سَالِمًا.
وَقَدْ غَنِمَ الْعَسْكَرُ مِنَ الدَّوَابِّ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا مَا لَا حَدَّ لَهُ. وَأَقَامَ تَحْتَ حِصْنِ الْأَكْرَادِ إِلَى آخِرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ.
ذِكْرُ فَتْحِ جَبَلَةَ
لَمَّا أَقَامَ صَلَاحُ الدِّينِ تَحْتَ حِصْنِ الْأَكْرَادِ، أَتَاهُ قَاضِي جَبَلَةَ، وَهُوَ مَنْصُورُ بْنُ نَبِيلٍ، يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهَا لِيُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ، وَكَانَ هَذَا الْقَاضِي عِنْدَ بَيْمُنْد، صَاحِبِ أَنْطَاكِيَةَ وَجَبَلَةَ، مَسْمُوعَ الْقَوْلِ مَقْبُولَ الْكَلِمَةِ، لَهُ الْحُرْمَةُ الْوَافِرَةُ، وَالْمَنْزِلَةُ الْعَالِيَةُ، وَهُوَ يَحْكُمُ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِجَبَلَةَ وَنَوَاحِيهَا، وَعَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَيْمُنْدِ.
فَحَمَلَتْهُ الْغَيْرَةُ لِلدِّينِ عَلَى قَصْدِ السُّلْطَانِ، وَتَكَفَّلَ لَهُ بِفَتْحِ جَبَلَةَ وَلَاذِقِيَّةَ وَالْبِلَادِ الشَّمَالِيَّةِ، فَسَارَ صَلَاحُ الدِّينِ مَعَهُ رَابِعَ جُمَادَى الْأُولَى، فَنَزَلَ بِأَنْطَرْطُوسَ سَادِسَهُ، فَرَأَى الْفِرِنْجَ قَدْ أَخْلَوُا الْمَدِينَةَ، وَاحْتَمَوْا فِي بُرْجَيْنِ حَصِينَيْنِ، وَاحِدٌ مِنْهُمَا قَلْعَةٌ حَصِينَةٌ وَمَعْقِلٌ مَنِيعٌ، فَخَرَّبَ الْمُسْلِمُونَ دُورَهُمْ وَمَسَاكِنَهُمْ وَسُورَ الْبَلَدِ، وَنَهَبُوا مَا وَجَدُوهُ مِنْ ذَخَائِرِهِمْ.
وَكَانَ الدَّاوِيَّةُ بِأَحَدِ الْبُرْجَيْنِ. فَحَصَرَهُمَا صَلَاحُ الدِّينِ فَنَزَلَ إِلَيْهِ مَنْ فِي أَحَدِ الْبُرْجَيْنِ بِأَمَانٍ وَسَلَّمُوهُ. فَأَمَّنَهُمْ، وَخَرَّبَ الْبُرْجَ: وَأَلْقَى حِجَارَتَهُ فِي الْبَحْرِ، وَبَقِيَ الَّذِي فِيهِ الدَّاوِيَّةُ لَمْ يُسَلِّمُوهُ.
وَكَانَ مَعَهُمْ مُقَدَّمُهُمُ الَّذِي أَسَرَهُ صَلَاحُ الدِّينِ يَوْمَ الْمَصَافِّ، وَكَانَ قَدْ أَطْلَقَهُ لَمَّا مَلَكَ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ فَهُوَ الَّذِي حَفِظَ هَذَا الْحِصْنَ فَخَرَّبَ صَلَاحُ الدِّينِ وِلَايَةَ أَنْطَرْطُوسَ، وَرَحَلَ عَنْهَا وَأَتَى مَرَقِيَّةَ، وَقَدْ أَخْلَاهَا أَهْلُهَا، وَرَحَلُوا عَنْهَا.
стр. 5759
وَسَارُوا إِلَى الْمَرْقَبِ، وَهُوَ مِنْ حُصُونِهِمُ الَّتِي لَا تُرَامُ، وَلَا يُحَدِّثُ أَحَدٌ نَفْسَهُ بِمُلْكِهِ لِعُلُوِّهِ وَامْتِنَاعِهِ، وَهُوَ لِلْإِسْبِتَارِ، وَالطَّرِيقُ تَحْتَهُ فَيَكُونُ الْحِصْنُ عَلَى يَمِينِ الْمُجْتَازِ إِلَى جَبَلَةَ، وَالْبَحْرُ عَنْ يَسَارِهِ، وَالطَّرِيقُ مَضِيقٌ لَا يَسْلُكُهُ إِلَّا الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ.
فَاتُّفِقَ أَنَّ صَاحِبَ صَقَلِّيَةَ مِنَ الْفِرِنْجِ قَدْ سَيَّرَ نَجْدَةً إِلَى فِرِنْجِ السَّاحِلِ فِي سِتِّينَ قِطْعَةً مِنَ الشَّوَانِي، وَكَانُوا بِطَرَابُلُسَ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِمَسِيرِ صَلَاحِ الدِّينِ جَاءُوا وَوَقَفُوا فِي الْبَحْرِ، تَحْتَ الْمَرْقَبِ، فِي شَوَانِيهِمْ، لِيَمْنَعُوا مَنْ يَجْتَازُ بِالسِّهَامِ.
فَلَمَّا رَأَى صَلَاحُ الدِّينِ ذَلِكَ أَمَرَ بِالطَّارِقِيَّاتِ وَالْجِفْتِيَّاتِ، فَصُفَّتْ عَلَى الطَّرِيقِ مِمَّا يَلِي الْبَحْرَ مِنْ أَوَّلِ الْمَضِيقِ إِلَى آخِرِهِ وَجَعَلَ وَرَاءَهَا الرُّمَاةَ فَمَنَعُوا الْفِرِنْجَ مِنَ الدُّنُوِّ إِلَيْهِمْ فَاجْتَازَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ آخِرِهِمْ حَتَّى عَبَرُوا الْمَضِيقَ وَوَصَلُوا إِلَى جَبَلَةَ ثَامِنَ عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى، وَتَسَلَّمَهَا وَقْتَ وُصُولِهِ.
وَكَانَ قَاضِيهَا قَدْ سَبَقَ إِلَيْهَا وَدَخَلَ، فَلَمَّا وَصَلَ صَلَاحُ الدِّينِ رَفَعَ أَعْلَامَهُ عَلَى سُورِهَا وَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، وَتَحَصَّنَ الْفِرِنْجُ الَّذِينَ كَانُوا بِهَا بِحِصْنِهَا، وَاحْتَمَوْا بِقَلْعَتِهَا، فَمَا زَالَ قَاضِي جَبَلَةَ يُخَوِّفُهُمْ وَيُرَغِّبُهُمْ. حَتَّى اسْتَنْزَلَهُمْ بِشَرْطِ الْأَمَانِ، وَأَنْ يَأْخُذَ رَهَائِنَهُمْ يَكُونُونَ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ يُطْلِقَ الْفِرِنْجُ رَهَائِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ جَبَلَةَ.
وَكَانَ بَيْمُنْدُ، صَاحِبُهَا، قَدْ أَخَذَ رَهَائِنَ الْقَاضِي وَمُسْلِمِي جَبَلَةَ وَتَرَكَهُمْ عِنْدَهُ بِأَنْطَاكِيَةَ، فَأَخَذَ الْقَاضِي رَهَائِنَ الْفِرِنْجِ فَأَنْزَلَهُمْ عِنْدَهُ حَتَّى أَطْلَقَ بَيْمُنْدُ رَهَائِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَطْلَقَ الْمُسْلِمُونَ رَهَائِنَ الْفِرِنْجِ، وَجَاءَ رُؤَسَاءُ أَهْلِ الْجَبَلِ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ بِطَاعَةِ أَهْلِهِ وَهُوَ مِنْ أَمْنَعِ الْجِبَالِ وَأَشَقِّهَا مَسْلَكًا، وَفِيهِ حِصْنٌ يُعْرَفُ بِبِكْسَرَائِيلَ، بَيْنَ جَبَلَةَ وَمَدِينَةِ حَمَاةَ، فَمَلَكَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَصَارَ الطَّرِيقُ فِي هَذَا الْوَقْتِ عَلَيْهِ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ إِلَى الْعَسْكَرِ.
وَكَانَ النَّاسُ يَلْقَوْنَ شِدَّةً فِي سُلُوكِهِ، وَقَرَّرَ صَلَاحُ الدِّينِ أَحْوَالَ جَبَلَةَ. وَجَعَلَ فِيهَا لِحِفْظِهَا الْأَمِيرَ سَابِقَ الدِّينِ عُثْمَانَ بْنَ الدَّايَةِ. صَاحِبَ شَيْزَرَ. وَسَارَ عَنْهَا.
стр. 5760
ذِكْرُ فَتْحِ لَاذِقِيَّةَ
لَمَّا فَرَغَ السُّلْطَانُ مِنْ أَمْرِ جَبَلَةَ، سَارَ عَنْهَا إِلَى لَاذِقِيَّةَ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، فَتَرَكَ الْفِرِنْجُ الْمَدِينَةَ لِعَجْزِهِمْ عَنْ حِفْظِهَا، وَصَعِدُوا إِلَى حِصْنَيْنِ لَهَا عَلَى الْجَبَلِ فَامْتَنَعُوا بِهِمَا.
فَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ الْمَدِينَةَ وَحَصَرُوا الْقَلْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فِيهِمَا الْفِرِنْجُ، وَزَحَفُوا إِلَيْهِمَا، وَنَقَبُوا السُّورَ سِتِّينَ ذِرَاعًا، وَعَلَّقُوهُ وَعَظُمَ الْقِتَالُ وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عِنْدَ الْوُصُولِ إِلَى السُّورِ، فَلَمَّا أَيْقَنَ الْفِرِنْجُ بِالْعَطَبِ، وَدَخَلَ عَلَيْهِمْ قَاضِي جَبَلَةَ فَخَوَّفَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ صَلَاحُ الدِّينِ، وَرَفَعُوا الْأَعْلَامَ الْإِسْلَامِيَّةَ إِلَى الْحِصْنَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنَ النُّزُولِ عَلَيْهَا.
وَكَانَتْ عِمَارَةُ اللَّاذِقِيَّةِ مِنْ أَحْسَنِ الْأَبْنِيَةِ وَأَكْثَرِهَا زَخْرَفَةً مَمْلُوءَةً بِالرُّخَامِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، فَخَرَّبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا، وَنَقَلُوا رُخَامَهَا، وَشَعَّثُوا كَثِيرًا مِنْ بِيَعِهَا الَّتِي قَدْ غُرِمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا الْأَمْوَالُ الْجَلِيلَةُ الْمِقْدَارِ وَسَلَّمَهَا إِلَى ابْنِ أَخِيهِ تَقِيِّ الدِّينِ عُمَرَ، فَعَمَّرَهَا، وَحَصَّنَ قَلْعَتَهَا حَتَّى إِذَا رَآهَا الْيَوْمَ مَنْ رَآهَا قَبْلَ أَنْ يُنْكِرَهَا فَلَا يَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ تِلْكَ ; وَكَانَ عَظِيمَ الْهِمَّةِ فِي تَحْصِينِ الْقِلَاعِ وَالْغَرَامَةِ الْوَافِرَةِ عَلَيْهَا، كَمَا فَعَلَ بِقَلْعَةِ حَمَاةَ.
ذِكْرُ حَالِ أُسْطُولِ صَقَلِّيَةَ
لَمَّا نَازَلَ صَلَاحُ الدِّينِ لَاذِقِيَّةَ [جَاءَ أُسْطُولُ صَقَلِّيَةَ] الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَوَقَفَ بِإِزَاءِ مِينَاءِ لَاذِقِيَّةَ، فَلَمَّا سَلَّمَهَا الْفِرِنْجُ الَّذِينَ بِهَا إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ، عَزَمَ أَهْلُ هَذَا الْأُسْطُولِ عَلَى أَخْذِ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ أَهْلِهَا غَيْظًا وَحَنَقًا. حَيْثُ سَلَّمُوهَا سَرِيعًا، فَسَمِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ لَاذِقِيَّةَ فَأَقَامُوا: وَبَذَلُوا الْجِزْيَةَ. وَكَانَ سَبَبَ مَقَامِهِمْ.
ثُمَّ إِنَّ مُقَدَّمَ هَذَا الْأُسْطُولِ طَلَبَ مِنَ السُّلْطَانِ الْأَمَانَ، لِيَحْضُرَ عِنْدَهُ، فَأَمَّنَهُ، وَحَضَرَ [وَقَبَّلَ] الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ مَا مَعْنَاهُ: إِنَّكَ سُلْطَانٌ رَحِيمٌ وَكَرِيمٌ، وَقَدْ فَعَلْتَ بِالْفِرِنْجِ مَا فَعَلْتَ فَذَلُّوا فَاتْرُكْهُمْ يَكُونُونَ مَمَالِيكَكَ وَجُنْدَكَ تَفْتَحُ بِهِمُ الْبِلَادَ وَالْمَمَالِكَ. وَتَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِلَادَهُمْ. وَإِلَّا جَاءَكَ مِنَ الْبَحْرِ مَا لَا طَاقَةَ لَكَ بِهِ، فَيَعْظُمَ
стр. 5761
عَلَيْكَ الْأَمْرُ وَيَشْتَدَّ الْحَالُ.
فَأَجَابَهُ صَلَاحُ الدِّينِ بِنَحْوٍ مِنْ كَلَامِهِ مِنْ إِظْهَارِ الْقُوَّةِ وَالِاسْتِهَانَةِ بِكُلِّ مَنْ يَجِيءُ مِنَ الْبَحْرِ، وَأَنَّهُمْ إِنْ خَرَجُوا أَذَاقَهُمْ مَا أَذَاقَ أَصْحَابَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، فَصَلَّبَ عَلَى وَجْهِهِ، وَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ.
ذِكْرُ فَتْحِ صَهْيُونَ وَعِدَّةٍ مِنَ الْحُصُونِ
ثُمَّ رَحَلَ صَلَاحُ الدِّينِ عَنْ لَاذِقِيَّةَ فِي السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، وَقَصَدَ قَلْعَةَ صَهْيُونَ، وَهِيَ قَلْعَةٌ، مَنِيعَةٌ شَاهِقَةٌ فِي الْهَوَاءِ، صَعْبَةُ الْمُرْتَقَى، عَلَى قَرْنَةِ جَبَلٍ يُطِيفُ بِهَا وَادٍ عَمِيقٌ، فِيهِ ضِيقٌ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، بِحَيْثُ إِنَّ حَجَرَ الْمَنْجَنِيقِ يَصِلُ مِنْهُ إِلَى الْحِصْنِ، إِلَّا أَنَّ الْجَبَلَ مُتَّصِلٌ بِهَا مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ.
وَقَدْ عَمِلُوا لَهَا خَنْدَقًا عَمِيقًا لَا يُرَى قَعْرُهُ، وَخَمْسَةَ أَسْوَارٍ مَنِيعَةٍ فَنَزَلَ صَلَاحُ الدِّينِ عَلَى هَذَا الْجَبَلِ الْمُلْتَصِقِ بِهَا وَنَصَبَ عَلَيْهِ الْمَجَانِيقَ وَرَمَاهَا وَتَقَدَّمَ إِلَى وَلَدِهِ الظَّاهِرِ، صَاحِبِ حَلَبَ، فَنَزَلَ عَلَى الْمَكَانِ الضَّيِّقِ مِنَ الْوَادِي، وَنَصَبَ عَلَيْهِ الْمَجَانِيقَ أَيْضًا، فَرَمَى الْحِصْنَ مِنْهُ.
وَكَانَ مَعَهُ مِنَ الرَّجَّالَةِ الْحَلَبِيِّينَ كَثِيرٌ، وَهُمْ فِي الشَّجَاعَةِ بِالْمَنْزِلَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَدَامَ رَشْقُ السِّهَامِ مِنْ قِسِيِّ الْيَدِ وَالْجَرْخِ، وَالزُّنْبُورِكِ، وَالزِّيَارِ، فَجُرِحَ أَكْثَرُ مَنْ بِالْحِصْنِ، وَهُمْ يُظْهِرُونَ التَّجَلُّدَ وَالِامْتِنَاعَ.
وَزَحَفَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ ثَانِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَتَعَلَّقُوا بِقَرْنَةٍ مِنْ ذَلِكَ الْجَبَلِ قَدْ أَغْفَلَ الْفِرِنْجُ إِحْكَامَهَا، فَتَسَلَّقُوا مِنْهَا بَيْنَ الصُّخُورِ، حَتَّى الْتَحَقُوا بِالسُّورِ الْأَوَّلِ فَقَاتَلُوهُمْ عَلَيْهِ حَتَّى مَلَكُوهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَاتَلُوهُمْ عَلَى بَاقِي الْأَسْوَارِ فَمَلَكُوا مِنْهَا ثَلَاثَةً وَغَنِمُوا مَا فِيهَا مِنْ أَبْقَارٍ وَدَوَابَّ وَذَخَائِرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَاحْتَمَى الْفِرِنْجُ بِالْقِلَّةِ الَّتِي لِلْقَلْعَةِ، فَقَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا، فَنَادَوْا وَطَلَبُوا الْأَمَانَ فَلَمْ يُجِبْهُمْ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَيْهِ، فَقَرَّرُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِثْلَ قَطِيعَةِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَتَسَلَّمَ الْحِصْنَ وَسَلَّمَهُ إِلَى أَمِيرٍ يُقَالُ لَهُ نَاصِرُ الدِّينِ مَنْكُوبَرْسُ، صَاحِبِ قَلْعَةِ أَبِي قُبَيْسٍ، فَحَصَّنَهُ وَجَعَلَهُ مِنْ أَحْصَنِ الْحُصُونِ.
وَلَمَّا مَلَكَ الْمُسْلِمُونَ صَهْيُونَ تَفَرَّقُوا فِي تِلْكَ النَّوَاحِي، فَمَلَكُوا حِصْنَ بَلَاطُنُوسْ، وَكَانَ مَنْ بِهِ مِنَ الْفِرِنْجِ قَدْ هَرَبُوا مِنْهُ وَتَرَكُوهُ خَوْفًا وَرُعْبًا، وَمَلَكَ أَيْضًا
стр. 5762
حِصْنَ الْعِيذُو، وَحِصْنَ الْجُمَاهِرَتَيْنِ، فَاتَّسَعَتِ الْمَمْلَكَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ بِتِلْكَ النَّاحِيَةِ، إِلَّا أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَيْهَا مِنِ الْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ عَلَى عَقَبَةِ بِكْسَرَائِيلَ شَاقٌّ شَدِيدٌ، لِأَنَّ الطَّرِيقَ السَّهْلَةَ كَانَتْ غَيْرَ مَسْلُوكَةٍ، لِأَنَّ بَعْضَهَا بِيَدِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، وَبَعْضَهَا بِيَدِ الْفِرِنْجِ.
ذِكْرُ فَتْحِ حِصْنِ بَكَاسَ وَالشُّغْرِ
ثُمَّ سَارَ صَلَاحُ الدِّينِ عَنْ صَهْيُونَ ثَالِثَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَوَصَلَ إِلَى قَلْعَةِ بَكَاسَ [فَرَأَى الْفِرِنْجَ قَدْ أَخْلَوْهَا، وَتَحَصَّنُوا بِقَلْعَةِ الشُّغْرِ، فَمَلَكَ قَلْعَةً بَكَاسَ] بِغَيْرِ قِتَالٍ وَتَقَدَّمَ إِلَى قَلْعَةِ الشُّغْرِ وَحَصَرَهَا، وَهِيَ وَبَكَاسَ عَلَى الطَّرِيقِ السَّهْلِ الْمَسْلُوكِ إِلَى لَاذِقِيَّةَ وَجَبَلَةَ وَالْبِلَادِ الَّتِي افْتَتَحَهَا صَلَاحُ الدِّينِ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ الْإِسْلَامِيَّةِ.
فَلَمَّا نَازَلَهَا رَآهَا مَنِيعَةً حَصِينَةً لَا تُرَامُ، وَلَا يُوصَلُ إِلَيْهَا بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، إِلَّا أَنَّهُ أَمَرَ بِمُزَاحَفَتِهِمْ وَنَصْبِ مَنْجَنِيقٍ عَلَيْهِمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَرُمِيَ بِالْمَنْجَنِيقِ فَلَمْ يَصِلْ مِنْ أَحْجَارِهِ إِلَى الْقَلْعَةِ شَيْءٌ إِلَّا الْقَلِيلَ الَّذِي لَا يُؤْذِي. فَبَقِيَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ أَيَّامًا لَا يَرَوْنَ فِيهِ طَمَعًا وَأَهْلُهُ غَيْرُ مُهْتَمِّينَ بِالْقِتَالِ لِامْتِنَاعِهِمْ عَنْ ضَرَرٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِمْ وَبَلَاءٍ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ.
فَبَيْنَمَا صَلَاحُ الدِّينِ جَالِسٌ، وَعِنْدَهُ أَصْحَابُهُ، وَهُمْ فِي ذِكْرِ الْقَلْعَةِ وَإِعْمَالِ الْحِيلَةِ فِي الْوُصُولِ إِلَيْهَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الْحِصْنُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] فَقَالَ صَلَاحُ الدِّينِ: أَوْ يَأْتِي إِلَيْهِ بِنَصْرٍ مِنْ عِنْدِهِ وَفَتْحٍ.
فَبَيْنَمَا هُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِذْ قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فِرِنْجِيٌّ وَنَادَى بِطَلَبِ الْأَمَانِ لِرَسُولٍ يَحْضُرُ عِنْدَ صَلَاحِ الدِّينِ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَنَزَلَ رَسُولٌ وَسَأَلَ إِنْظَارَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
стр. 5763
فَإِنْ جَاءَهُمْ مَنْ يَمْنَعُهُمْ. وَإِلَّا سَلَّمُوا الْقَلْعَةَ بِمَا فِيهَا مِنْ ذَخَائِرَ وَدَوَابَّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَيْهِ وَأَخَذَ رَهَائِنَهُمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ.
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ سَلَّمُوهَا إِلَيْهِ، وَاتَّفَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَادِسَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ سَبَبُ اسْتِمْهَالِهِمْ أَنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَى الْبَيْمُنْدَ، صَاحِبِ أَنْطَاكِيَةَ، وَكَانَ هَذَا الْحِصْنُ لَهُ، يُعَرِّفُونَهُ أَنَّهُمْ مَحْصُورُونَ، وَيَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يُرَحِّلَ عَنْهُمُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ فَعَلَ، وَإِلَّا سَلَّمُوهَا.
وَإِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِرُعْبٍ قَذَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِهِمْ، وَإِلَّا فَلَوْ أَقَامُوا الدَّهْرَ الطَّوِيلَ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِمْ أَحَدٌ، وَلَا بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ غَرَضًا فَلَمَّا تَسَلَّمَ صَلَاحُ الدِّينِ الْحِصْنَ سَلَّمَهُ إِلَى أَمِيرٍ يُقَالُ لَهُ قَلْجُ، وَأَمَرَهُ بِعِمَارَتِهِ. وَرَحَلَ عَنْهُ.
ذِكْرُ فَتْحِ سَرْمِينِيَّةَ
لَمَّا كَانَ صَلَاحُ الدِّينِ مَشْغُولًا بِهَذِهِ الْقِلَاعِ وَالْحُصُونِ، سَيَّرَ وَلَدَهُ الظَّاهِرَ غَازِي صَاحِبَ حَلَبَ، فَحَصَرَ سَرْمِينِيَّةَ، وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا، وَاسْتَنْزَلَهُمْ عَلَى قَطِيعَةٍ قَرَّرَهَا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَنْزَلَهُمْ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ الْمُقَاطَعَةَ، هَدَمَ الْحِصْنَ وَعَفَى أَثَرَهُ وَعَالِيَ بُنْيَانِهِ.
وَكَانَ فِيهِ وَفِي هَذِهِ الْحُصُونِ مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ الْجَمُّ الْغَفِيرُ فَأُطْلِقُوا، وَأُعْطُوا كِسْوَةً وَنَفَقَةً، وَكَانَ فَتْحُهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ.
وَاتُّفِقَ أَنَّ فَتْحَ هَذِهِ الْمُدُنِ وَالْحُصُونِ جَمِيعِهَا مِنْ جَبَلَةَ إِلَى سَرْمِينِيَّةَ، مَعَ كَثْرَتِهَا، كَانَ فِي سِتِّ جُمَعٍ مَعَ أَنَّهَا فِي أَيْدِي أَشْجَعِ النَّاسِ وَأَشَدِّهِمْ عَدَاوَةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَسُبْحَانَ مَنْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُسَهِّلَ الصَّعْبَ فَعَلَ وَهِيَ جَمِيعُهَا مِنْ أَعْمَالِ أَنْطَاكِيَةَ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا سِوَى الْقُصَيْرِ، وَبَغْرَاسَ، وَدَرْبِ سَاكْ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَكَانِهِ.
ذِكْرُ فَتْحِ بَرْزَيَةَ
لَمَّا دَخَلَ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْ قَلْعَةِ الشُّغْرِ سَارَ إِلَى قَلْعَةِ بَرْزَيَةَ، وَكَانَتْ قَدْ وُصِفَتْ
стр. 5764
لَهُ، وَهِيَ تُقَابِلُ حِصْنَ أَفَامْيَةَ، وَتُنَاصِفُهَا فِي أَعْمَالِهَا وَبَيْنَهُمَا بُحَيْرَةٌ تَجْتَمِعُ مِنْ مَاءِ الْعَاصِي، وَعُيُونٌ تَتَفَجَّرُ مِنْ جَبَلِ بَرْزَيَةَ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ أَهْلُهَا أَضَرَّ شَيْءٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ، وَيُبَالِغُونَ فِي الْأَذَى.
فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا نَزَلَ شَرْقِيَّهَا فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، ثُمَّ رَكِبَ مِنَ الْغَدِ وَطَافَ عَلَيْهَا لِيَنْظُرَ مَوْضِعًا يُقَاتِلُهَا مِنْهُ. فَلَمْ يَجِدْهُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْغَرْبِ فَنَصَبَ لَهُ هُنَاكَ [خَيْمَةً] صَغِيرَةً وَنَزَلَ فِيهَا وَمَعَهُ بَعْضُ الْعَسْكَرِ جَرِيدَةً لِضِيقِ الْمَوَاضِعِ.
وَهَذِهِ الْقَلْعَةُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُقَاتَلَ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ وَالْجَنُوبِ الْبَتَّةَ، فَإِنَّهَا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَصْعَدَ جَبَلَهَا مِنْ هَاتَيْنِ الْجِهَتَيْنِ، وَأَمَّا الْجَانِبُ الشَّرْقِيُّ فَيُمْكِنُ الصُّعُودُ مِنْهُ لَكِنْ لِغَيْرِ مُقَاتِلٍ، لِعُلُوِّهِ وَصُعُوبَتِهِ، وَأَمَّا جِهَةُ الْغَرْبِ فَإِنَّ الْوَادِيَ الْمُطِيفَ بِجَبَلِهَا قَدِ ارْتَفَعَ هُنَاكَ ارْتِفَاعًا كَثِيرًا، حَتَّى قَارَبَ الْقَلْعَةَ، بِحَيْثُ يَصِلُ مِنْهُ حَجَرُ الْمَنْجَنِيقِ وَالسِّهَامُ فَنَزَلَهُ الْمُسْلِمُونَ وَنَصَبُوا عَلَيْهِ الْمَجَانِيقَ، وَنَصَبَ أَهْلُ الْقَلْعَةِ عَلَيْهَا مَنْجَنِيقًا بَطَّلَهَا.
وَرَأَيْتُ أَنَا مِنْ رَأْسِ جَبَلٍ عَالٍ يُشْرِفُ عَلَى الْقَلْعَةِ، لَكِنَّهُ لَا يَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَيْهَا، امْرَأَةً تَرْمِي مِنَ الْقَلْعَةِ عَنِ الْمَنْجَنِيقِ، وَهِيَ الَّتِي بَطَّلَتْ مَنْجَنِيقَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا رَأَى صَلَاحُ الدِّينِ أَنَّ الْمَنْجَنِيقَ لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، عَزَمَ عَلَى الزَّحْفِ، وَمُكَاثَرَةِ أَهْلِهَا بِجُمُوعِهِ.
فَقَسَّمَ عَسْكَرَهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: يَزْحَفُ قِسْمٌ، فَإِذَا تَعِبُوا وَكَلُّوا عَادُوا وَزَحَفَ الْقِسْمُ الثَّانِي، فَإِذَا تَعِبُوا وَضَجَرُوا عَادُوا وَزَحَفَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ، ثُمَّ يَدُورُ الدَّوْرُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى يَتْعَبَ الْفِرِنْجُ وَيَنْصَبُوا، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الْكَثْرَةِ مَا يَتَقَسَّمُونَ كَذَلِكَ، فَإِذَا تَعِبُوا وَأُعْيُوا سَلَّمُوا الْقَلْعَةَ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، وَهُوَ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، تَقَدَّمَ أَحَدُ الْأَقْسَامِ، وَكَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ عِمَادَ الدِّينِ زِنْكِيَّ بْنَ مَوْدُودِ بْنِ زِنْكِيٍّ، صَاحِبَ سِنْجَارَ، وَزَحَفُوا، وَخَرَجَ الْفِرِنْجُ مِنْ حِصْنِهِمْ، فَقَاتَلَهُمْ عَلَى فَصِيلِهِمْ، وَرَمَاهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِالسِّهَامِ مِنْ وَرَاءِ الْجِفْتِيَّاتِ وَالْجِنْوِيَّاتِ وَالطَّارِقِيَّاتِ، وَمَشَوْا إِلَيْهِمْ حَتَّى قَرُبُوا إِلَى الْجَبَلِ.
فَلَمَّا قَارَبُوا الْفِرِنْجَ عَجَزُوا عَنِ الدُّنُوِّ مِنْهُمْ لِخُشُونَةِ الْمُرْتَقَى وَتَسَلُّطِ الْفِرِنْجِ عَلَيْهِمْ، لِعُلُوِّ مَكَانِهِمْ، بِالنُّشَّابِ وَالْحِجَارَةِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُلْقُونَ الْحِجَارَةَ الْكِبَارَ فَتَتَدَحْرَجُ إِلَى أَسْفَلِ الْجَبَلِ، فَلَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ.
стр. 5765
فَلَمَّا تَعِبَ هَذَا الْقِسْمُ انْحَدَرُوا، وَصَعِدَ الْقِسْمُ الثَّانِي، وَكَانُوا جُلُوسًا يَنْتَظِرُونَهُمْ، وَهُمْ حَلِقَةُ صَلَاحِ الدِّينِ الْخَاصُّ، فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَ الزَّمَانُ حَرًّا شَدِيدًا، فَاشْتَدَّ الْكَرْبُ عَلَى النَّاسِ، وَصَلَاحُ الدِّينِ فِي سِلَاحِهِ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وَيُحَرِّضُهُمْ وَكَانَ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ أَخِيهِ كَذَلِكَ، فَقَاتَلُوهُمْ إِلَى قَرِيبِ الظُّهْرِ ثُمَّ تَعِبُوا، وَرَجَعُوا.
فَلَمَّا رَآهُمْ صَلَاحُ الدِّينِ قَدْ عَادُوا تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ وَبِيَدِهِ جُمَاقٌ يَرُدُّهُمْ، وَصَاحَ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَهُمْ جُلُوسٌ يَنْتَظِرُونَ نَوْبَتَهُمْ، فَوَثَبُوا مُلَبِّينَ، وَسَاعَدُوا إِخْوَانَهُمْ وَزَحَفُوا مَعَهُمْ، فَجَاءَ الْفِرِنْجَ مَا لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ.
وَكَانَ أَصْحَابُ عِمَادِ الدِّينِ قَدِ اسْتَرَاحُوا فَقَامُوا أَيْضًا مَعَهُمْ، فَحِينَئِذٍ اشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى الْفِرِنْجِ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، وَكَانُوا قَدِ اشْتَدَّ تَعَبُهُمْ وَنَصَبُهُمْ، فَظَهَرَ عَجْزُهُمْ عَنِ الْقِتَالِ وَضَعْفُهُمْ عَنْ حَمْلِ السِّلَاحِ لِشِدَّةِ الْحَرِّ وَالْقِتَالِ، فَخَالَطَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَعَادَ الْفِرِنْجُ يَدْخُلُونَ الْحِصْنَ، فَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُمْ.
وَكَانَ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ فِي الْخِيَامِ شَرْقِيَّ الْحِصْنِ فَرَأَوُا الْفِرِنْجَ قَدْ أَهْمَلُوا ذَلِكَ الْجَانِبَ، لِأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ فِيهِ مُقَاتِلًا، وَلِيُكْثِرُوا فِي الْجِهَةِ الَّتِي فِيهَا صَلَاحُ الدِّينِ فَصَعِدَتْ تِلْكَ الطَّائِفَةُ مِنَ الْعَسْكَرِ فَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مَانِعٌ.
فَصَعِدُوا أَيْضًا الْحِصْنَ مِنِ الْجِهَةِ الْأُخْرَى فَالْتَقُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ الدَّاخِلِينَ مَعَ الْفِرِنْجِ فَمَلَكُوا الْحِصْنَ عَنْوَةً وَقَهْرًا وَدَخَلَ الْفِرِنْجُ الْقُلَّةَ الَّتِي لِلْحِصْنِ، وَأَحَاطَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ وَأَرَادُوا نَقْبَهَا.
وَكَانَ الْفِرِنْجُ قَدْ رَفَعُوا مَنْ عِنْدَهُمْ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ إِلَى سَطْحِ الْقُلَّةِ، وَأَرْجُلُهُمْ فِي الْقُيُودِ وَالْخَشَبِ الْمَنْقُوبِ، فَلَمَّا سَمِعُوا تَكْبِيرَ الْمُسْلِمِينَ فِي نَوَاحِي الْقَلْعَةِ كَبَّرُوا فِي سَطْحِ الْقُلَّةِ، وَظَنَّ الْفِرِنْجُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ صَعِدُوا عَلَى السَّطْحِ فَاسْتَسْلَمُوا، وَأَلْقَوْا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى الْأَسْرِ، فَمَلَكَهَا الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً، وَنَهَبُوا مَا فِيهَا، وَأَسَرُوا وَسَبَوْا مَنْ فِيهَا، وَأَخَذُوا صَاحِبَهَا وَأَهْلَهُ، وَأَمْسَتْ خَالِيَةً لَا دِيَارَ بِهَا، وَأَلْقَى الْمُسْلِمُونَ النَّارَ فِي بَعْضِ بُيُوتِهِمْ فَاحْتَرَقَتْ.
وَمِنْ أَعْجَبِ مَا يُحْكَى مِنَ السَّلَامَةِ أَنَّنِي رَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَذَا الْحِصْنِ قَدْ جَاءَ مِنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ شَمَالِيَّ الْقَلْعَةِ إِلَى طَائِفَةٍ أُخْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَنُوبِيَّ الْقَلْعَةِ. وَهُوَ يَعْدُو فِي الْجَبَلِ عَرْضًا، فَأُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْحِجَارَةُ، وَجَاءَ حَجَرٌ كَبِيرٌ لَوْ نَالَهُ لَبَعَجَهُ.
فَنَزَلَ عَلَيْهِ، فَنَادَاهُ النَّاسُ يُحَذِّرُونَهُ، فَالْتَفَتَ يَنْظُرُ مَا الْخَبَرُ. فَسَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ عَثْرَةٍ، فَاسْتَرْجَعَ النَّاسُ، وَجَاءَ الْحَجَرُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَارَبَهُ وَهُوَ مُنْبَطِحٌ
стр. 5766
عَلَى وَجْهِهِ لَقِيَهُ حَجَرٌ آخَرُ ثَابِتٌ فِي الْأَرْضِ فَوْقَ الرَّجُلِ، فَضَرَبَهُ الْمُنْحَدَرُ فَارْتَفَعَ عَنِ الْأَرْضِ، وَجَازَ الرَّجُلَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ جَانِبِهِ الْآخَرِ لَمْ يَنَلْهُ مِنْهُ أَذًى وَلَا ضَرَرٌ، وَقَامَ يَعْدُو حَتَّى لَحِقَ بِأَصْحَابِهِ فَكَانَ سُقُوطُهُ سَبَبَ نَجَاتِهِ فَتَعِسَتْ أُمُّ الْجَبَانِ.
وَأَمَّا صَاحِبُ بَرْزَيَةَ، فَإِنَّهُ أُسِرَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَأَوْلَادُهُ، وَمِنْهُمْ بِنْتٌ لَهُ مَعَهَا زَوْجُهَا، فَتَفَرَّقَهُمُ الْعَسْكَرُ، فَأَرْسَلَ صَلَاحُ الدِّينِ فِي الْوَقْتِ وَبَحَثَ عَنْهُمْ وَاشْتَرَاهُمْ، وَجَمَعَ شَمْلَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَلَمَّا قَارَبَ أَنْطَاكِيَةَ أَطْلَقَهُمْ وَسَيَّرَهُمْ إِلَيْهَا.
وَكَانَتِ امْرَأَةُ صَاحِبِ بَرْزَيَةَ أُخْتَ امْرَأَةِ بَيْمُنْدَ صَاحِبِ أَنْطَاكِيَةَ، وَكَانَتْ تُرَاسِلُ صَلَاحَ الدِّينِ وَتُهَادِيهِ، وَتُعْلِمُهُ كَثِيرًا عَنِ الْأَحْوَالِ الَّتِي تُؤَثِّرُ، فَأَطْلَقَ هَؤُلَاءِ لِأَجْلِهَا.
ذِكْرُ فَتْحِ دَرْبِ سَاكْ
لَمَّا فَتَحَ صَلَاحُ الدِّينِ حِصْنَ بَرْزَيَةَ رَحَلَ عَنْهُ مِنَ الْغَدِ، فَأَتَى جِسْرَ الْحَدِيدِ، وَهُوَ عَلَى الْعَاصِي، بِالْقُرْبِ مِنْ أَنْطَاكِيَةَ، فَأَقَامَ عَلَيْهِ حَتَّى وَافَاهُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ مِنْ عَسْكَرِهِ ثُمَّ سَارَ عَنْهُ إِلَى قَلْعَةِ دَرْبِ سَاكْ. فَنَزَلَ عَلَيْهَا ثَامِنَ رَجَبٍ، وَهِيَ مِنْ مَعَاقِلِ الدَّاوِيَّةِ الْحَصِينَةِ وَقِلَاعِهِمُ الَّتِي يَدَّخِرُونَهَا لِحِمَايَاتِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدَائِدِ.
فَلَمَّا نَزَلَ عَلَيْهَا نَصَبَ الْمَجَانِيقَ، وَتَابَعَ الرَّمْيَ بِالْحِجَارَةِ، فَهَدَمَتْ مِنْ سُورِهَا شَيْئًا يَسِيرًا، فَلَمْ يُبَالِ مَنْ فِيهِ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ بِالزَّحْفِ عَلَيْهَا وَمُهَاجَمَتِهَا، فَبَادَرَهَا الْعَسْكَرُ بِالزَّحْفِ وَقَاتَلُوهَا، وَكَشَفُوا الرِّجَالَ عَنْ سُورِهَا، وَتَقَدَّمَ النَّقَّابُونَ فَنَقَبُوا مِنْهَا بُرْجًا وَعَلَّقُوهُ، فَسَقَطَ وَاتَّسَعَ الْمَكَانُ الَّذِي يُرِيدُ الْمُقَاتِلَةُ [أَنْ] يَدْخُلُوا مِنْهُ، وَعَادُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ بَاكَرُوا الزَّحْفَ مِنَ الْغَدِ.
وَكَانَ مَنْ فِيهِ قَدْ أَرْسَلُوا إِلَى صَاحِبِ أَنْطَاكِيَةَ يَسْتَنْجِدُونَهُ، فَصَبَرُوا، وَأَظْهَرُوا الْجَلَدَ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ وُصُولَ جَوَابِهِ إِمَّا بِإِنْجَادِهِمْ وَإِزَاحَةِ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ، وَإِمَّا بِالتَّخَلِّي عَنْهُمْ لِيَقُومَ عُذْرُهُمْ فِي التَّسْلِيمِ، فَلَمَّا عَلِمُوا عَجْزَهُ عَنْ نُصْرَتِهِمْ، وَخَافُوا
стр. 5767
هُجُومَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا، وَأَخْذَهُمْ بِالسَّيْفِ، وَقَتْلَهُمْ وَأَسْرَهُمْ وَنَهْبَ أَمْوَالِهِمْ، طَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ عَلَى شَرْطِ [أَنْ] لَا يَخْرُجَ أَحَدٌ إِلَّا بِثِيَابِهِ الَّتِي عَلَيْهِ بِغَيْرِ مَالٍ، وَلَا سِلَاحٍ، وَلَا أَثَاثِ بَيْتٍ، وَلَا دَابَّةٍ، وَلَا شَيْءَ مِمَّا بِهَا، ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ مِنْهُ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، وَكَانَ فَتْحُهُ تَاسِعَ عَشَرَ.
ذِكْرُ فَتْحِ بَغْرَاسَ
ثُمَّ سَارَ عَنْ دَرْبِ سَاكْ إِلَى قَلْعَةِ بَغْرَاسَ، فَحَصَرَهَا، بَعْدَ أَنِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي حَصْرِهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ أَشَارَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَهَى عَنْهُ وَقَالَ: هُوَ حِصْنٌ حَصِينٌ، وَقَلْعَةٌ مَنِيعَةٌ، وَهُوَ بِالْقُرْبِ مِنْ أَنْطَاكِيَةَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَصْرِهِ وَحَصْرِهَا، وَيَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ الْعَسْكَرِ فِي الْيَزَكِ مُقَابِلَ أَنْطَاكِيَةَ فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ قَلَّ الْمُقَاتِلُونَ عَلَيْهَا، وَيَتَعَذَّرُ حِينَئِذٍ الْوُصُولُ إِلَيْهَا.
فَاسْتَخَارَ اللَّهَ تَعَالَى وَسَارَ إِلَيْهَا، وَجَعَلَ أَكْثَرَ عَسْكَرِهِ يَزَكًا مُقَابِلَ أَنْطَاكِيَةَ، يُغِيرُونَ عَلَى أَعْمَالِهَا، وَكَانُوا حَذِرِينَ مِنَ الْخَوْفِ مِنْ أَهْلِهَا، إِنْ غَفَلُوا، لِقُرْبِهِمْ مِنْهَا، وَصَلَاحُ الدِّينِ فِي بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَلَى الْقَلْعَةِ يُقَاتِلُهَا، وَنَصَبَ الْمَجَانِيقَ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهَا شَيْئًا لِعُلُوِّهَا وَارْتِفَاعِهَا.
فَغَلَبَ عَلَى الظُّنُونِ تَعَذُّرُ فَتْحِهَا وَتَأَخُّرُ مُلْكِهَا، وَشَقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قِلَّةُ الْمَاءِ عِنْدَهُمْ، إِلَّا أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ نَصَبَ الْحِيَاضَ، وَأَمَرَ بِحَمْلِ الْمَاءِ إِلَيْهَا. فَخَفَّفَ الْأَمْرَ عَلَيْهِمْ.
فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ إِذْ قَدْ فُتِحَ بَابُ الْقَلْعَةِ، وَخَرَجَ مِنْهُ إِنْسَانٌ يَطْلُبُ الْأَمَانَ لِيَحْضُرَ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، فَأُذِنَ لَهُ فِي الْحُضُورِ، فَحَضَرَ، وَطَلَبَ الْأَمَانَ لِمَنْ فِي الْحِصْنِ حَتَّى يُسَلِّمُوهُ إِلَيْهِ بِمَا فِيهِ عَلَى قَاعِدَةِ دَرْبِ سَاكْ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا فَعَادَ الرَّسُولُ وَمَعَهُ الْأَعْلَامُ الْإِسْلَامِيَّةُ، فَرُفِعَتْ عَلَى رَأْسِ الْقَلْعَةِ، وَنَزَلَ مَنْ فِيهَا، وَتَسَلَّمَ الْمُسْلِمُونَ الْقَلْعَةَ بِمَا فِيهَا مِنْ ذَخَائِرَ وَأَمْوَالٍ وَسِلَاحٍ.
وَأَمَرَ صَلَاحُ الدِّينِ بِتَخْرِيبِهِ،
стр. 5768
فَخُرِّبَ، وَكَانَ ذَلِكَ مَضَرَّةً عَظِيمَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ ابْنَ لِيُونَ صَاحِبَ الْأَرْمَنِ خَرَجَ إِلَيْهِ مِنْ وِلَايَتِهِ وَهُوَ مُجَاوِرُهُ، فَجَدَّدَ عِمَارَتَهُ وَأَتْقَنَهُ، وَجَعَلَ فِيهِ جَمَاعَةً مِنْ عَسْكَرِهِ يُغِيرُونَ مِنْهُ عَلَى الْبِلَادِ، فَتَأَذَّى بِهِمُ السَّوَادُ الَّذِي بِحَلَبَ، وَهُوَ إِلَى الْآنَ بِأَيْدِيهِمْ.
ذِكْرُ الْهُدْنَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَصَاحِبِ أَنْطَاكِيَةَ
لَمَّا فَتَحَ صَلَاحُ الدِّينِ بَغْرَاسَ عَزَمَ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ وَحَصْرِهَا، فَخَافَ الْبَيْمُنْدُ صَاحِبُهَا مِنْ ذَلِكَ، وَأَشْفَقَ مِنْهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ يَطْلُبُ الْهُدْنَةَ، وَبَذْلَ إِطْلَاقِ كُلِّ أَسِيرٍ عِنْدَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَشَارَ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَطْرَافِ وَغَيْرِهِمْ، فَأَشَارَ أَكْثَرُهُمْ بِإِجَابَتِهِ إِلَى ذَلِكَ لِيَعُودَ النَّاسُ وَيَسْتَرِيحُوا وَيُجَدِّدُوا مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ.
وَاصْطَلَحَا ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، أَوَّلُهَا: أَوَّلُ تِشْرِينَ الْأَوَّلِ، وَآخِرُهَا: آخِرُ أَيَارَ، وَسَيَّرَ رَسُولَهُ إِلَى صَاحِبِ أَنْطَاكِيَةَ يَسْتَحْلِفُهُ، وَيُطْلِقُ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْأَسْرَى.
وَكَانَ صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ، فِي هَذَا الْوَقْتِ أَعْظَمَ الْفِرِنْجِ شَأْنًا، وَأَكْثَرَهُمْ مُلْكًا، فَإِنَّ الْفِرِنْجَ كَانُوا قَدْ سَلَّمُوا إِلَيْهِ طَرَابُلُسَ، بَعْدَ مَوْتِ الْقُمُّصِ، وَجَمِيعَ أَعْمَالِهَا، مُضَافًا إِلَى مَا كَانَ لَهُ، لِأَنَّ الْقُمُّصَ لَمْ يُخْلِفْ وَلَدًا، فَلَمَّا سُلِّمَتْ إِلَيْهِ طَرَابُلُسُ جَعَلَ وَلَدَهُ الْأَكْبَرَ فِيهَا نَائِبًا عَنْهُ.
وَأَمَّا صَلَاحُ الدِّينِ فَإِنَّهُ عَادَ إِلَى حَلَبَ ثَالِثَ شَعْبَانَ، فَدَخَلَهَا وَسَارَ مِنْهَا إِلَى دِمَشْقَ، وَفَرَّقَ الْعَسَاكِرَ الشَّرْقِيَّةَ، كَعِمَادِ الدِّينِ زِنْكِيِّ بْنِ مَوْدُودٍ صَاحِبِ سِنْجَارَ وَالْخَابُورِ، وَعَسْكَرَ الْمَوْصِلِ، وَغَيْرَهَا، ثُمَّ رَحَلَ مِنْ حَلَبَ إِلَى دِمَشْقَ، وَجَعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى قَبْرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَزَارَهُ، وَزَارَ الشَّيْخَ الصَّالِحَ أَبَا زَكَرِيَّا الْمَغْرِبِيَّ وَكَانَ مُقِيمًا هُنَاكَ، وَكَانَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَلَهُ كَرَامَاتٌ ظَاهِرَةٌ.
وَكَانَ مَعَ صَلَاحِ الدِّينِ الْأَمِيرُ عِزُّ الدِّينِ أَبُو الْفُلَيْتَةِ قَاسِمُ بْنُ الْمُهَنَّا الْعَلَوِيُّ الْحُسَيْنِيُّ وَهُوَ أَمِيرُ مَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، كَانَ قَدْ حَضَرَ عِنْدَهُ وَشَهِدَ
стр. 5769
مَعَهُ مَشَاهِدَهُ وَفُتُوحَهُ، وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ قَدْ تَبَارَكَ بِرُؤْيَتِهِ، وَتَيَمَّنَ بِصُحْبَتِهِ، وَكَانَ يُكْرِمُهُ كَثِيرًا وَيَنْبَسِطُ مَعَهُ، وَيَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ فِي أَعْمَالِهِ كُلِّهَا.
وَدَخَلَ دِمَشْقَ أَوَّلَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَأُشِيرَ عَلَيْهِ بِتَفْرِيقِ الْعَسَاكِرِ، فَقَالَ: إِنَّ الْعُمُرَ قَصِيرٌ وَالْأَجَلَ غَيْرُ مَأْمُونٍ وَقَدْ بَقِيَ بِيَدِ الْفِرِنْجِ هَذِهِ الْحُصُونُ: كَوْكَبُ، وَصَفَدُ، وَالْكَرَكُ، وَغَيْرُهَا وَلَا بُدَّ مِنَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، فَإِنَّهَا فِي وَسَطِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّ أَهْلِهَا، وَإِنْ أَغْفَلْنَاهُمْ نَدِمْنَا فِيمَا بَعْدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ فَتَحِ الْكَرَكِ وَمَا يُجَاوِرُهُ
كَانَ صَلَاحُ الدِّينِ قَدْ جَعَلَ عَلَى الْكَرَكِ عَسْكَرًا يَحْصُرُهُ، فَلَازَمُوا الْحِصَارَ هَذِهِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، حَتَّى فَنِيَتْ أَزْوَادُ الْفِرِنْجِ وَذَخَائِرُهُمْ، وَأَكَلُوا دَوَابَّهُمْ، وَصَبَرُوا حَتَّى لَمْ يَبْقَ لِلصَّبْرِ مَجَالٌ، فَرَاسَلُوا الْمَلِكَ الْعَادِلَ، أَخَا صَلَاحِ الدِّينِ، وَكَانَ جَعَلَهُ صَلَاحُ الدِّينِ عَلَى قَلْعَةِ الْكَرَكِ، فِي جَمْعٍ مِنَ الْعَسْكَرِ يَحْصُرُهَا، وَيَكُونُ مُطَّلِعًا عَلَى هَذِهِ النَّاحِيَةِ مِنَ الْبِلَادِ لَمَّا أَبْعَدَ هُوَ إِلَى دَرْبِ سَاكْ، وَبَغْرَاسَ.
فَوَصَلَتْهُ رُسُلُ الْفِرِنْجِ، مِنَ الْكَرَكِ يَبْذُلُونَ تَسْلِيمَ الْقَلْعَةِ إِلَيْهِ، وَيَطْلُبُونَ الْأَمَانَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ إِلَى مُقَدَّمِ الْعَسْكَرِ الَّذِي يَحْصُرُهَا فِي الْمَعْنَى، فَتَسَلَّمَ الْقَلْعَةَ مِنْهَا وَأَمَّنَهُمْ.
وَتَسَلَّمَ أَيْضًا مَا يُقَارِبُهُ مِنَ الْحُصُونِ كَالشَّوْبَكِ، وَهُرْمُزَ، وَالْوَعِيرَةِ، وَالسَّلْعِ، وَفَرَّغَ الْقَلْبَ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَأَلْقَى الْإِسْلَامَ هُنَاكَ جُرَّانَهُ، وَأَمِنَتْ قُلُوبُ مَنْ فِي ذَلِكَ السَّقْعِ مِنَ الْبِلَادِ، كَالْقُدْسِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مِمَّنْ بِتِلْكَ الْحُصُونِ وَجِلِينَ، وَمِنْ شَرِّهِمْ مُشْفِقِينَ.
ذِكْرُ فَتْحِ قَلْعَةِ صَفَدَ
لَمَّا وَصَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى دِمَشْقَ، وَأُشِيرَ عَلَيْهِ بِتَفْرِيقِ الْعَسَاكِرِ، وَقَالَ: لَا بُدَّ
стр. 5770
مِنَ الْفَرَاغِ مِنْ صَفَدَ وَكَوْكَبَ وَغَيْرِهِمَا، أَقَامَ بِدِمَشْقَ إِلَى مُنْتَصَفِ رَمَضَانَ، وَسَارَ عَنْ دِمَشْقَ إِلَى قَلْعَةِ صَفَدَ فَحَصَرَهَا وَقَاتَلَهَا، وَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، وَأَدَامَ الرَّمْيَ إِلَيْهَا لَيْلًا وَنَهَارًا بِالْحِجَارَةِ وَالسِّهَامِ.
وَكَانَ أَهْلُهَا قَدْ قَارَبَتْ ذَخَائِرُهُمْ وَأَزْوَادُهُمْ أَنْ تَفْنَى فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا مُحَاصَرِينَ، فَإِنَّ عَسْكَرَ صَلَاحِ الدِّينِ كَانَ يُحَاصِرُهُمْ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ فَلَمَّا رَأَى أَهْلُهُ جِدَّ صَلَاحِ الدِّينِ فِي قِتَالِهِمْ، خَافُوا أَنْ يُقِيمَ إِلَى أَنْ يَفْنَى مَا بَقِيَ مَعَهُمْ مِنْ أَقْوَاتِهِمْ، وَكَانَتْ قَلِيلَةً، وَيَأْخُذَهُمْ عَنْوَةً وَيُهْلِكَهُمْ، أَوْ أَنَّهُمْ يَضْعُفُونَ عَنْ مُقَاوَمَتِهِ قَبْلَ فَنَاءِ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْقُوتِ فَيَأْخُذَهُمْ.
فَأَرْسَلُوا يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ وَتَسَلَّمَهَا مِنْهُمْ، فَخَرَجُوا عَنْهَا وَسَارُوا إِلَى مَدِينَةِ صُورَ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ شَرَّهُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا وَسَطَ الْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ.
ذِكْرُ فَتْحِ كَوْكَبَ
لَمَّا كَانَ صَلَاحُ الدِّينِ يُحَاصِرُ صَفَدَ، اجْتَمَعَ مَنْ بِصُورَ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَقَالُوا: إِنْ فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ قَلْعَةَ صَفَدَ لَمْ تَبْقَ كَوْكَبُ، وَلَوْ أَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْكَوْكَبِ، وَحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ طَمَعُنَا مِنْ هَذَا الطَّرَفِ مِنَ الْبِلَادِ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى إِنْفَاذِ نَجْدَةٍ لَهَا سِرًّا مِنْ رِجَالٍ وَسِلَاحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَأَخْرَجُوا مِائَتَيْ رَجُلٍ مِنْ شُجْعَانِ الْفِرِنْجِ وَأَجْلَادِهِمْ، فَسَارُوا اللَّيْلَ مُسْتَخْفِينَ، وَأَقَامُوا النَّهَارَ مُكْمِنِينَ.
فَاتُّفِقَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُحَاصِرُونَ كَوْكَبَ خَرَجَ مُتَصَيِّدًا، فَلَقِيَ رَجُلًا مِنْ تِلْكَ النَّجْدَةِ، فَاسْتَغْرَبَهُ بِتِلْكَ الْأَرْضِ، فَضَرَبَهُ لِيُعْلِمَهُ بِحَالِهِ، وَمَا الَّذِي أَقْدَمَهُ إِلَى هُنَاكَ، فَأَقَرَّ بِالْحَالِ، وَدَلَّهُ عَلَى أَصْحَابِهِ.
فَعَادَ الْجُنْدِيُّ الْمُسْلِمُ إِلَى قَايْمَازْ النَّجْمِيِّ، وَهُوَ مُقَدَّمُ ذَلِكَ الْعَسْكَرِ، فَأَعْلَمَهُ الْخَبَرَ، وَالْفِرِنْجِيُّ مَعَهُ، فَرَكِبَ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَدِ اخْتَفَى فِيهِ الْفِرِنْجُ، فَكَبَسَهُمْ، فَأَخَذَهُمْ،
стр. 5771
وَتَتَبَّعَهُمْ فِي الشِّعَابِ وَالْكُهُوفِ، فَلَمْ يَفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
فَكَانَ مَعَهُمْ مُقَدَّمَانِ مِنْ فُرْسَانِ الِاسْبِتَارِ، فَحُمِلَا إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ وَهُوَ عَلَى صَفَدَ، فَأَحْضَرَهُمَا لِيَقْتُلَهُمَا، وَكَانَتْ عَادَتُهُ قَتْلَ الدَّاوِيَّةِ وَالِاسْبِتَارِيَّةِ لِشِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ وَشَجَاعَتِهِمْ، فَلَمَّا أَمَرَ بِقَتْلِهِمَا قَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا: مَا أَظُنُّ يَنَالُنَا سُوءٌ وَقَدْ نَظَرْنَا إِلَى طَلْعَتِكَ الْمُبَارَكَةِ وَوَجْهِكَ الصَّبِيحِ. وَكَانَ ﵀ كَثِيرَ الْعَفْوِ، يَفْعَلُ الِاعْتِذَارُ وَالِاسْتِعْطَافُ فِيهِ، فَيَعْفُوُ وَيَصْفَحُ، فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَهُمَا لَمْ يَقْتُلْهُمَا، وَأَمَرَ بِهِمَا فَسُجِنَا.
وَلَمَّا فَتَحَ صَفَدَ سَارَ عَنْهَا إِلَى كَوْكَبَ وَنَازَلَهَا وَحَصَرَهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ بِهَا مِنَ الْفِرِنْجِ يَبْذُلُ لَهُمُ الْأَمَانَ إِنْ سَلَّمُوا، وَيَتَهَدَّدُهُمْ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَالنَّهْبِ إِنِ امْتَنَعُوا، فَلَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَهُ، وَأَصَرُّوا عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَجَدَّ فِي قِتَالِهِمْ، وَنَصَبَ عَلَيْهِمُ الْمَجَانِيقَ، وَتَابَعَ رَمْيَ الْأَحْجَارِ إِلَيْهِمْ، وَزَحَفَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
وَكَانَتِ الْأَمْطَارُ كَثِيرَةً، لَا تَنْقَطِعُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا، فَلَمْ يَتَمَكَّنِ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْقِتَالِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُرِيدُونَهُ، وَطَالَ مَقَامُهُمْ عَلَيْهَا.
وَفِي آخِرِ الْأَمْرِ زَحَفُوا إِلَيْهَا دَفْعَاتٍ مُتَنَاوِبَةٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَوَصَلُوا إِلَى بَاشُورَةِ الْقَلْعَةِ، وَمَعَهُمُ النَّقَّابُونَ وَالرُّمَاةُ يَحْمُونَهُمْ بِالنُّشَّابِ عَنْ قَوْسِ الْيَدِ وَالْجُرُوخِ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يُخْرِجَ رَأْسَهُ مِنْ أَعْلَى السُّورِ، فَنَقَبُوا الْبَاشُورَةَ فَسَقَطَتْ، وَتَقَدَّمُوا إِلَى السُّورِ الْأَعْلَى، فَلَمَّا رَأَى الْفِرِنْجُ ذَلِكَ أَذْعَنُوا بِالتَّسْلِيمِ، وَطَلَبُوا الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، وَتَسَلَّمَ الْحِصْنَ مِنْهُمْ مُنْتَصَفَ ذِي الْقِعْدَةِ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى صُورَ، فَوَصَلُوا إِلَيْهَا.
وَاجْتَمَعَ بِهَا مِنْ شَيَاطِينِ الْفِرِنْجِ وَشُجْعَانِهِمْ كُلُّ صِنْدِيدٍ، فَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُمْ، وَحَمِيَتْ جَمْرَتُهُمْ، وَتَابَعُوا الرُّسُلَ إِلَى مَنْ بِالْأَنْدَلُسِ وَصَقَلِّيَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ يَسْتَغِيثُونَ وَيَسْتَنْجِدُونَ، وَالْأَمْدَادُ كُلَّ قَلِيلٍ تَأْتِيهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِتَفْرِيطِ صَلَاحِ الدِّينِ فِي إِطْلَاقِ كُلِّ مَنْ حَصَرَهُ، حَتَّى عَضَّ بَنَانَهُ نَدَمًا وَأَسَفًا حَيْثُ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ.
وَاجْتَمَعَ لِلْمُسْلِمِينَ بِفَتْحِ كَوْكَبَ وَصَفَدَ مِنْ حَدِّ أَيْلَةَ إِلَى أَقْصَى أَعْمَالِ بَيْرُوتَ، لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُ غَيْرُ مَدِينَةِ صُورَ، وَجَمِيعُ أَعْمَالِ أَنْطَاكْيَةَ سِوَى الْقُصَيْرِ، وَلَمَّا مَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ صَفَدَ سَارَ إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، فَعَيَّدَ فِيهِ عِيدَ الْأَضْحَى، ثُمَّ سَارَ مِنْهُ إِلَى عَكَّا، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى انْسَلَخَتِ السَّنَةُ.
стр. 5772
ذِكْرُ ظُهُورِ طَائِفَةٍ مِنَ الشِّيعَةِ بِمِصْرَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَارَ بِالْقَاهِرَةِ جَمَاعَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ، عُدَّتُهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، لَيْلًا وَنَادَوْا بِشِعَارِ الْعَلَوِيِّينَ: يَالِعَلِيٍّ، يَالِعَلِيٍّ، وَسَلَكُوا الدُّرُوبَ يُنَادُونَ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ رَعِيَّةَ الْبَلَدِ يُلَبُّونَ دَعْوَتَهُمْ. وَيَخْرُجُونَ مَعَهُمْ، فَيُعِيدُونَ الدَّوْلَةَ الْعَلَوِيَّةَ، وَيُخْرِجُونَ بَعْضَ مَنْ بِالْقَصْرِ مَحْبُوسًا مِنْهُمْ، وَيَمْلِكُونَ الْبَلَدَ فَلَمْ يَلْتَفِتْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَيْهِمْ، وَلَا أَعَارَهُمْ سَمْعَهُ.
فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ تَفَرَّقُوا خَائِفِينَ، فَأُخِذُوا، وَكُتِبَ بِذَلِكَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ، فَأَهَمَّهُ أَمْرُهُمْ وَأَزْعَجَهُ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْقَاضِي الْفَاضِلُ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ الْقَاضِي الْفَاضِلُ: يَنْبَغِي أَنْ تَفْرَحَ بِذَلِكَ وَلَا تَحْزَنَ وَلَا تَهْتَمَّ، حَيْثُ عَلِمْتَ مِنْ بَوَاطِنِ رَعِيَّتِكَ الْمَحَبَّةَ لَكَ وَالنُّصْحَ، وَتَرْكَ الْمَيْلِ إِلَى عَدُوِّكَ وَلَوْ وَضَعْتَ جَمَاعَةً يَفْعَلُونَ مِثْلَ هَذِهِ الْحَالَةِ لِنَعْلَمَ بَوَاطِنَ أَصْحَابِكَ وَرَعِيَّتِكَ، وَخَسِرْتَ الْأَمْوَالَ الْجَلِيلَةَ عَلَيْهِمْ. لَكَانَ قَلِيلًا فَسُرِّيَ عَنْهُ.
وَكَانَ هَذَا الْقَاضِي الْفَاضِلُ صَاحِبَ دَوْلَةِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَأَكْبَرَ مَنْ بِهَا، وَسَتَأْتِي مَنَاقِبُهُ عِنْدَ وَفَاتِهِ، مَا تَرَاهُ.
ذِكْرُ انْهِزَامِ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ مِنَ السُّلْطَانِ طُغْرُلْ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَهَّزَ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ عَسْكَرًا كَثِيرًا، وَجَعَلَ الْمُقَدَّمَ عَلَيْهِمْ وَزِيرَهُ جَلَالَ الدِّينِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ يُونُسَ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى مُسَاعَدَةِ قُزَلَ، لِيَكُفَّ السُّلْطَانَ طُغْرُلْ عَنِ الْبِلَادِ.
فَسَارَ الْعَسْكَرُ ثَالِثَ صَفَرٍ إِلَى أَنْ قَارَبَ هَمَذَانَ، فَلَمْ يَصِلْ قُزْلُ إِلَيْهِمْ، وَأَقْبَلَ طُغْرُلْ إِلَيْهِمْ فِي عَسَاكِرِهِ، فَالْتَقَوْا ثَامِنَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بِدَايْ مَرْجَ عِنْدَ هَمَذَانَ، وَاقْتَتَلُوا، فَلَمْ يَثْبُتْ عَسْكَرُ بَغْدَادَ، بَلِ انْهَزَمُوا وَتَفَرَّقُوا، وَثَبَتَ الْوَزِيرُ قَائِمًا، وَمَعَهُ مُصْحَفٌ وَسَيْفٌ، فَأَتَاهُ مِنْ عَسْكَرِ طُغْرُلْ مَنْ أَسَرَهُ، وَأَخَذَ مَا مَعَهُ مِنْ خِزَانَةٍ وَسِلَاحٍ وَدَوَابَّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَعَادَ الْعَسْكَرُ إِلَى بَغْدَادَ مُتَفَرِّقِينَ.
стр. 5773
وَكُنْتُ حِينَئِذٍ بِالشَّامِ فِي عَسْكَرِ صَلَاحِ الدِّينِ يُرِيدُ الْغَزَاةَ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ مَعَ النَّجَّابِينَ بِمَسِيرِ الْعَسْكَرِ الْبَغْدَادِيِّ، فَقَالَ: كَأَنَّكُمْ وَقَدْ وَصَلَ الْخَبَرُ بِانْهِزَامِهِمْ.
فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لَا شَكَّ أَنَّ أَصْحَابِي وَأَهْلِي أَعْرَفُ بِالْحَرْبِ مِنَ الْوَزِيرِ. وَأَطْوَعُ فِي الْعَسْكَرِ مِنْهُ وَمَعَ هَذَا، فَمَا أُرْسِلُ أَحَدًا مِنْهُمْ فِي سِرِيَّةٍ لِلْحَرْبِ إِلَّا وَأَخَافُ عَلَيْهِ وَهَذَا الْوَزِيرُ غَيْرُ عَارِفٍ بِالْحَرْبِ، وَقَرِيبُ الْعَهْدِ بِالْوِلَايَةِ وَلَا يَرَاهُ الْأُمَرَاءُ أَهْلًا أَنْ يُطَاعَ، وَفِي مُقَابَلَةِ سُلْطَانٍ شُجَاعٍ قَدْ بَاشَرَ الْحَرْبَ بِنَفْسِهِ، وَمَنْ مَعَهُ يُطِيعُهُ.
وَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَيْهِ بِانْهِزَامِهِمْ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُنْتُ أَخْبَرْتُكُمْ بِكَذَا وَكَذَا، وَقَدْ وَصَلَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ.
وَلَمَّا عَادَتْ عَسَاكِرُ بَغْدَادَ مُنْهَزِمَةً قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ وَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ الْوَاثِقِ بِاللَّهِ:
اتْرُكُونَا مِنْ جَائِحَاتِ الْجَرِيمَهْ ... طَلْعَةً طَلْعَةً تَكُونُ وَخِيَمَهْ
بَرَكَاتُ الْوَزِيرِ قَدْ شَمَلَتْنَا ... فَلِهَذَا أُمُورُنَا مُسْتَقِيمَهْ
خَرَجَتْ جُنْدُنَا تُرِيدُ خُرَاسَا ... نَ جَمِيعًا بِأُبَّهَاتٍ عَظِيمَهْ
بِخُيُولٍ وَعِدَّةٍ وَعَدِيدٍ ... وَسُيُوفٍ مُجَرِّبَاتٍ قَدِيمَهْ
وَوَزِيرٍ وَطَاقِ طُنْبٍ وَنَقْشٍ ... وَخُيُولٍ مُعَدَّةٍ لِلْهَزِيمَهْ
هُمْ رَأَوْا غُرَّةَ الْعَدُوِّ وَقَدْ أَقْ - ... بَلَ وَلَّوْا وَانْحَلَّ عَقْدُ الْعَزِيمَهْ
وَأَتَوْنَا وَلَا بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ ... بِوُجُوهٍ سُودٍ قِبَاحٍ دَمِيمَهْ
لَوْ رَأَى صَاحِبُ الزَّمَانِ وَلَوْ عَا ... يَنَ أَفْعَالَهُمْ وَقُبْحَ الْجَرِيمَهْ
قَابَلَ الْكُلَّ بِالنَّكَالِ وَنَاهِي ... كَ بِهَا سُبَّةً عَلَيْهِمْ مُقِيمَهْ.
كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَتَقَدَّمَ هَذِهِ الْحَادِثَةُ، وَإِنَّمَا أَخَّرْتُهَا لِتَتَبُّعِ الْحَوَادِثِ الْمُتَقَدِّمَةِ بَعْضِهَا بَعْضًا، لِتَعَلُّقِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِالْأُخْرَى.
стр. 5774
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
[الْوَفَيَاتُ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ شَيْخُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُوَيْدَةَ التِّكْرِيتِيُّ، كَانَ عَالِمًا بِالْحَدِيثِ، وَلَهُ تَصَانِيفُ حَسَنَةٌ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ سَلْجُوقَةُ خَاتُونَ بِنْتُ قَلْجَ أَرْسَلَانَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ قَلْج أَرَسْلَانَ زَوْجَةُ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ زَوْجَةَ نُورِ الدِّينِ، مُحَمَّدِ بْنِ قُرَا أَرْسَلَانَ، صَاحِبِ الْحِصْنِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ عَنْهَا تَزَوَّجَهَا الْخَلِيفَةُ. وَوَجَدَ الْخَلِيفَةُ عَلَيْهَا وَجْدًا عَظِيمًا ظَهَرَ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ، وَبَنَى عَلَى قَبْرِهَا تُرْبَةً بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَإِلَى جَانِبِ التُّرْبَةِ رِبَاطُهُ الْمَشْهُورُ بِالرَّمْلَةِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَلَاءُ الدِّينِ تَنَامِشُ وَحُمِلَ تَابُوتُهُ إِلَى مَشْهَدِ الْحُسَيْنِ ﵇.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ خَالِصٌ خَادِمُ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَ أَكْبَرَ أَمِيرٍ بِبَغْدَادَ، وَمَاتَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ النَّقُّورِ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَهُوَ مِنْ بَيْتِ الْحَدِيثِ ﵀.
стр. 5775
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
٥٨٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ فَتْحِ شَقِيفِ أَرْنُوَنَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، سَارَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى شَقِيفِ أَرْنُوَنَ، وَهُوَ مِنْ أَمْنَعِ الْحُصُونِ، لِيَحْصُرَهُ، فَنَزَلَ صَاحِبُ الشَّقِيفِ، وَهُوَ أَرْنَاطُ صَاحِبُ صَيْدَا، وَكَانَ أَرْنَاطُ هَذَا لَمِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ دَهَاءً وَمَكْرًا، فَدَخَلَ إِلَيْهِ وَاجْتَمَعَ بِهِ، وَأَظْهَرَ لَهُ الطَّاعَةَ وَالْمَوَدَّةَ.
وَقَالَ لَهُ: أَنَا مُحِبٌّ لَكَ، وَمُعْتَرِفٌ بِإِحْسَانِكَ، وَأَخَافُ أَنْ يَعْرِفَ الْمَرْكِيسُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَيَنَالَ أَوْلَادِي وَأَهْلِي مِنْهُ أَذًى، فَإِنَّهُمْ عِنْدَهُ، فَأَشْتَهِي أَنْ تُمْهِلَنِي حَتَّى أَتَوَصَّلَ فِي تَخْلِيصِهِمْ مِنْ عِنْدِهِ، وَحِينَئِذٍ أَحْضُرُ أَنَا وَهُمْ عِنْدَكَ، وَنُسَلِّمُ الْحِصْنَ إِلَيْكَ، وَنَكُونُ فِي خِدْمَتِكَ، نَقْنَعُ بِمَا تُعْطِينَا مِنْ إِقْطَاعٍ فَظَنَّ صَلَاحُ الدِّينِ صِدْقَهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى مَا سَأَلَ، فَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا أَنْ يُسَلِّمَ الشَّقِيفَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ.
وَأَقَامَ صَلَاحُ الدِّينِ بِمَرْجِ عُيُونٍ يَنْتَظِرُ الْمِيعَادَ، وَهُوَ قَلِقٌ مُفَكِّرٌ، لِقُرْبِ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْهُدْنَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْمُنْدِ، صَاحِبِ أَنْطَاكِيَةَ، فَأَمَرَ تَقِيَّ الدِّينِ ابْنَ أَخِيهِ أَنْ يَسِيرَ فِي مَنْ مَعَهُ مِنْ عَسَاكِرِهِ، وَمَنْ يَأْتِي مِنْ بِلَادِ الْمَشْرِقِ، وَيَكُونَ مُقَابِلَ أَنْطَاكِيَةَ لِئَلَّا يُغِيرَ صَاحِبُهَا عَلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْهُدْنَةِ.
وَكَانَ أَيْضًا مُنْزَعِجَ الْخَاطِرِ، كَثِيرَ الْهَمِّ، لِمَا بَلَغَهُ مِنِ اجْتِمَاعِ الْفِرِنْجِ بِمَدِينَةِ صُورَ،
стр. 5776
وَمَا يَتَّصِلُ بِهِمْ مِنَ الْأَمْدَادِ فِي الْبَحْرِ، وَأَنَّ مَلِكَ الْفِرِنْجِ الَّذِي كَانَ قَدْ أَسَرَهُ صَلَاحُ الدِّينِ وَأَطْلَقَهُ، بَعْدَ فَتْحِ الْقُدْسِ، قَدِ اصْطَلَحَ هُوَ وَالْمَرْكِيسُ، بَعْدَ اخْتِلَافٍ كَانَ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا فِي خَلْقٍ، لَا يُحْصَوْنَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ مَدِينَةِ صُورَ إِلَى ظَاهِرِهَا.
فَكَانَ هَذَا وَأَشْبَاهُهُ مِمَّا يُزْعِجُهُ، وَيَخَافُ مِنْ تَرْكِ الشَّقِيفِ وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَالتَّقَدُّمِ إِلَى صُورَ وَفِيهَا الْجُمُوعُ الْمُتَوَافِرَةُ فَتَنْقَطِعُ الْمِيرَةُ عَنْهُ، إِلَّا أَنَّهُ مَعَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُقِيمٌ عَلَى الْعَهْدِ مَعَ أَرْنَاطَ صَاحِبِ الشَّقِيفِ.
وَكَانَ أَرْنَاطُ، فِي مُدَّةِ الْهُدْنَةِ، يَشْتَرِي الْأَقْوَاتَ مِنْ سُوقِ الْعَسْكَرِ وَالسِّلَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُحَصِّنُ بِهِ شَقِيفَهُ، وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ يُحْسِنُ الظَّنَّ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ عَنْهُ مِمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ الْمَكْرِ، وَإِنَّ قَصْدَهُ الْمُطَاوَلَةَ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ الْفِرِنْجُ مِنْ صُورَ، وَحِينَئِذٍ يُبْدِي فَضِيحَتَهُ، وَيُظْهِرُ مُخَالَفَتَهُ لَا يَقْبَلُ فِيهِ.
فَلَمَّا قَارَبَ انْقِضَاءُ الْهُدْنَةِ تَقَدَّمَ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْ مُعَسْكَرِهِ إِلَى الْقُرْبِ مِنْ شَقِيفِ أَرْنُونَ وَأَحْضَرَ عِنْدَهُ أَرْنَاطَ، وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْأَجَلِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. فَقَالَ لَهُ فِي مَعْنَى تَسْلِيمِ الشَّقِيفِ، فَاعْتَذَرَ بِأَوْلَادِهِ وَأَهْلِهِ، وَأَنَّ الْمَرْكِيسَ يُمَكِّنُهُمْ مِنَ الْمَجِيءِ إِلَيْهِ وَطَلَبَ التَّأْخِيرَ مُدَّةً أُخْرَى.
فَحِينَئِذٍ عَلِمَ السُّلْطَانُ مَكْرَهُ وَخِدَاعَهُ، فَأَخَذَهُ وَحَبَسَهُ، وَأَمَرَهُ بِتَسْلِيمِ الشَّقِيفِ، فَطَلَبَ قِسِّيسًا، ذَكَرَهُ، لِيُحَمِّلَهُ رِسَالَةً إِلَى مَنْ بِالشَّقِيفِ لِيُسَلِّمُوهُ، فَأَحْضَرُوهُ عِنْدَهُ، فَسَارَّهُ بِمَا لَمْ يَعْلَمُوا، فَمَضَى ذَلِكَ الْقِسِّيسُ إِلَى الشَّقِيفِ، فَأَظْهَرَ أَهْلُهُ الْعِصْيَانَ، فَسَيَّرَ صَلَاحُ الدِّينِ أَرْنَاطَ إِلَى دِمَشْقَ وَسَجَنَهُ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الشَّقِيفِ فَحَصَرَهُ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ، عَلَيْهِ مَنْ يَحْفَظُهُ، وَيَمْنَعُ عَنْهُ الذَّخِيرَةَ وَالرِّجَالَ.
ذِكْرُ وَقْعَةِ الْيَزَكِ مَعَ الْفِرِنْجِ
لَمَّا كَانَ صَلَاحُ الدِّينِ بِمَرْجِ عُيُونٍ، وَعَلَى الشَّقِيفِ، جَاءَتْهُ كُتُبٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ يَزَكًا فِي مُقَابِلِ الْفِرِنْجِ عَلَى صُورَ، يُخْبِرُونَهُ فِيهَا أَنَّ الْفِرِنْجَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى عُبُورِ الْجِسْرِ الَّذِي لِصُورَ، وَعَزَمُوا عَلَى حِصَارِ صَيْدَا، فَسَارَ صَلَاحُ الدِّينِ جَرِيدَةً
стр. 5777
فِي شُجْعَانِ أَصْحَابِهِ، سِوَى مَنْ جَعَلَهُ عَلَى الشَّقِيفِ، فَوَصَلَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ فَاتَ الْأَمْرُ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْفِرِنْجَ قَدْ فَارَقُوا صُورَ وَسَارُوا عَنْهَا لِمَقْصِدِهِمْ، فَلَقِيَهُمُ الْيَزَكُ عَلَى مَضِيقٍ هُنَاكَ، وَقَاتَلُوهُمْ وَمَنَعُوهُمْ، وَجَرَى لَهُمْ مَعَهُمْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ يَشِيبُ لَهَا الْوَلِيدُ، وَأَسَرُوا مِنَ الْفِرِنْجِ جَمَاعَةً، وَقَتَلُوا جَمَاعَةً مِنْهُمْ سَبْعَةُ رِجَالٍ مِنْ فُرْسَانِهِمُ الْمَشْهُورِينَ وَجَرَحُوا جَمَاعَةً.
وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مَمْلُوكٌ لِصَلَاحِ الدِّينِ كَانَ مِنْ أَشْجَعِ النَّاسِ، فَحَمَلَ وَحْدَهُ عَلَى صَفِّ الْفِرِنْجِ، فَاخْتَلَطَ بِهِمْ، وَضَرَبَهُمْ بِسَيْفِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَتَكَاثَرُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، ﵀، ثُمَّ إِنِ الْفِرِنْجَ عَجَزُوا عَنِ الْوُصُولِ إِلَى صَيْدَا فَعَادُوا إِلَى مَكَانِهِمْ.
ذِكْرُ وَقْعَةٍ ثَانِيَةٍ لِلْغُزَاةِ الْمُتَطَوِّعَةِ
لَمَّا وَصَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى الْيَزَكِ وَقَدْ فَاتَتْهُ تِلْكَ الْوَقْعَةُ أَقَامَ عِنْدَهُمْ فِي خَيْمَةٍ صَغِيرَةٍ، يَنْتَظِرُ عَوْدَةَ الْفِرِنْجِ لِيَنْتَقِمَ مِنْهُمْ، وَيَأْخُذَ بِثَأْرِ مَنْ قَتَلُوهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
فَرَكِبَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ فِي عِدَّةٍ يَسِيرَةٍ عَلَى أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مُخَيَّمِ الْفِرِنْجِ مِنَ الْجَبَلِ لِيَعْمَلَ بِمُقْتَضَى مَا يُشَاهِدُهُ، وَظَنَّ مَنْ هُنَاكَ مِنْ غُزَاةِ الْعَجَمِ وَالْعَرَبِ الْمُتَطَوِّعَةِ أَنَّهُ عَلَى قَصْدِ الْمَصَافِّ وَالْحَرْبِ، فَسَارُوا مُجِدِّينَ وَأَوْغَلُوا فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ مُبْعِدِينَ، وَفَارَقُوا الْحَزْمَ، وَخَلَّفُوا السُّلْطَانَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَقَارَبُوا الْفِرِنْجَ.
فَأَرْسَلَ صَلَاحُ الدِّينِ عِدَّةً مِنَ الْأُمَرَاءِ يَرُدُّونَهُمْ وَيَحْمُونَهُمْ إِلَى أَنْ يَخْرُجُوا، فَلَمْ يَسْمَعُوا وَلَمْ يَقْبَلُوا.
وَكَانَ الْفِرِنْجُ قَدِ اعْتَقَدُوا أَنَّ وَرَاءَهُمْ كَمِينًا، فَلَمْ يُقَدِمُوا عَلَيْهِمْ، فَأَرْسَلُوا مَنْ يَنْظُرُ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، فَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ أَنَّهُمْ مُنْقَطِعُونَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ وَرَاءَهُمْ مَنْ يُخَافُ، فَحَمَلَتِ الْفِرِنْجُ عَلَيْهِمْ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَقَاتَلُوهُمْ فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ أَنَامُوهُمْ، وَقُتِلَ مَعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَعْرُوفَيْنِ وَشَقَّ عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ وَالْمُسْلِمِينَ مَا جَرَى عَلَيْهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ بِتَفْرِيطِهِمْ فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمْ، ﵏ وَرَضِيَ عَنْهُمْ.
وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ تَاسِعَ جُمَادَى الْأُولَى فَلَمَّا رَأَى صَلَاحُ الدِّينِ ذَلِكَ انْحَدَرَ مِنَ الْجَبَلِ إِلَيْهِمْ فِي عَسْكَرِهِ، فَحَمَلُوا عَلَى الْفِرِنْجِ فَأَلْقَوْهُمْ إِلَى الْجِسْرِ وَقَدْ أَخَذُوا طَرِيقَهُمْ، فَأَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَاءِ، فَغَرِقَ مِنْهُمْ نَحْوُ مِائَةِ دَارِعٍ سِوَى مَنْ قُتِلَ.
وَعَزَمَ السُّلْطَانُ عَلَى مُصَابَرَتِهِمْ وَمُحَاصَرَتِهِمْ، فَتَسَامَعَ النَّاسُ فَقَصَدُوهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَاجْتَمَعَ مَعَهُ خَلْقٌ
стр. 5778
كَثِيرٌ، فَلَمَّا رَأَى الْفِرِنْجُ ذَلِكَ عَادُوا إِلَى مَدِينَةِ صُورَ، فَلَمَّا عَادُوا إِلَيْهَا سَارَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى تِبْنِينَ، ثُمَّ إِلَى عَكَّا يَنْظُرُ حَالَهَا ثُمَّ عَادَ إِلَى الْعَسْكَرِ وَالْمُخَيَّمِ.
ذِكْرُ وَقْعَةٍ ثَالِثَةٍ
لَمَّا عَادَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى الْعَسْكَرِ أَتَاهُ الْخَبَرُ أَنَّ الْفِرِنْجَ يَخْرُجُونَ مِنْ صُورَ لِلِاحْتِطَابِ وَالِاحْتِشَاشِ، مُتَبَدَّدِينَ، فَكَتَبَ إِلَى مَنْ بِعَكَّا مِنَ الْعَسْكَرِ وَوَاعَدَهُمْ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثَامِنَ جُمَادَى الْآخِرَةِ لِيُلَاقُوهُمْ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَرَتَّبَ كُمَنَاءَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ وَاخْتَارَ جَمَاعَةً مِنْ شُجْعَانِ عَسْكَرِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّعَرُّضِ لِلْفِرِنْجِ وَأَمَرَهُمْ أَنَّهُمْ إِذَا حَمَلَ عَلَيْهِمُ الْفِرِنْجُ قَاتِلُوهُمْ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ ثُمَّ تَطَارَدُوا لَهُمْ وَأَرَوْهُمُ الْعَجْزَ عَنْ مُقَاتِلَتِهِمْ فَإِذَا تَبِعَهُمُ الْفِرِنْجُ اسْتَجَرُّوهُمْ إِلَى أَنْ يَجُوزُوا مَوْضِعَ الْكَمِينِ ثُمَّ يَعْطِفُوا عَلَيْهِمْ وَيَخْرُجُ الْكَمِينُ مِنْ خَلْفِهِمْ، فَخَرَجُوا عَلَى هَذِهِ الْعَزِيمَةِ. فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ وَالْتَقَتِ الْفِئَتَانِ وَاقْتَتَلُوا أَنِفَ فُرْسَانُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَظَهْرَ عَنْهُمُ اسْمُ الْهَزِيمَةِ فَثَبَتُوا فَقَاتَلُوهُمْ وَصَبَرَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ وَعَظُمَ الْأَمْرُ وَدَامَتِ الْحَرْبُ وَطَالَ عَلَى الْكُمَنَاءِ الِانْتِظَارُ فَخَافُوا عَلَى أَصْحَابِهِمْ فَخَرَجُوا مِنْ مَكَامِنِهِمْ نَحْوَهُمْ مُسْرِعِينَ وَإِلَيْهِمْ قَاصِدِينَ فَأَتَوْهُمْ وَهُمْ فِي شِدَّةِ الْحَرْبِ فَازْدَادَ الْأَمْرُ شِدَّةً عَلَى شِدَّةٍ وَكَانَ فِيهِمْ أَرْبَعَةُ أُمَرَاءَ مِنْ رَبِيعَةَ وَطَيِّءٍ وَكَانُوا يَجْهَلُونَ تِلْكَ الْأَرْضَ فَلَمْ يَسْلُكُوا مَسْلَكَ أَصْحَابِهِمْ فَسَلُكُوا الْوَادِيَ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِهِمْ إِلَى أَصْحَابِهِمْ وَتَبِعَهُمْ بَعْضُ مَمَالِيكِ صَلَاحِ الدِّينِ فَلَمَّا رَأَوْهُمُ الْفِرِنْجَ بِالْوَادِي عَلِمُوا أَنَّهُمْ جَاهِلُونَ فَأَتَوْهُمْ وَقَاتَلُوهُمْ. وَأَمَّا الْمَمْلُوكُ فَإِنَّهُ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ وَجَلَسَ عَلَى صَخْرَةٍ وَأَخَذَ قَوْسَهُ بِيَدِهِ وَحَمَى نَفْسَهُ وَجَعَلُوا يَرْمُونَهُ بِسِهَامِ الزُّنْبُورَكِ وَهُوَ يَرْمِيهِمْ فَجَرَحَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً وَجَرَحُوهُ جِرَاحَاتٍ كَثِيرَةٍ فَسَقَطَ فَأَتَوْهُ وَهُوَ بِآخِرِ رَمَقٍ فَتَرَكُوهُ وَانْصَرَفُوا وَهُمْ يَحْسَبُونَهُ مَيِّتًا ثُمَّ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ جَاءُوا مِنَ الْغَدِ عَلَى مَوْضِعِهِمْ فَرَأَوُا الْقَتْلَى وَرَأَوُا الْمَمْلُوكَ حَيًّا فَحَمَلُوهُ فِي كِسَاءٍ وَهُوَ يَكَادُ لَا يُعْرَفُ مِنْ كَثْرَةِ الْجِرَاحَاتِ فَأَيِسُوا مِنْ حَيَاتِهِ فَأَعْرَضُوا عَنْهُ وَعَرَضُوا عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ وَبَشَّرُوهُ بِالشَّهَادَةِ فَتَرَكُوهُ ثُمَّ عَادُوا إِلَيْهِ فَرَأَوْهُ وَقَدْ قَوِيَتْ نَفْسُهُ فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ بِمَشْرُوبٍ فَعُوفِيَ ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَحْضُرُ
стр. 5779
مَشْهَدًا إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِ الْأَثَرُ الْعَظِيمُ.
ذِكْرُ مَسِيرِ الْفِرِنْجِ إِلَى عَكَّا وَمُحَاصَرَتِهَا
لَمَّا كَثُرَ جَمْعُ الْفِرِنْجِ بِصُورَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ كَانَ كُلَّمَا فَتَحَ مَدِينَةً أَوْ قَلْعَةً أَعْطَى أَهْلَهَا الْأَمَانَ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَيْهَا بِأَمْوَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ، اجْتَمَعَ بِهَا مِنْهُمْ عَالَمٌ كَثِيرٌ لَا يُعَدُّ وَلَا يُحْصَى، وَمِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يَفْنَى عَلَى كَثْرَةِ الْإِنْفَاقِ فِي السِّنِينَ الْكَثِيرَةِ.
ثُمَّ إِنَّ الرُّهْبَانَ وَالْقُسُوسَ وَخَلْقًا كَثِيرًا مِنْ مَشْهُورِيهِمْ، وَفُرْسَانِهِمْ لَبِسُوا السَّوَادَ، وَأَظْهَرُوا الْحُزْنَ عَلَى خُرُوجِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَأَخَذَهُمُ الْبَطْرَكُ الَّذِي كَانَ بِالْقُدْسِ، وَدَخَلَ بِهِمْ بِلَادَ الْفِرِنْجِ يَطُوفُهَا بِهِمْ جَمِيعًا، وَيَسْتَنْجِدُونَ أَهْلَهَا، وَيَسْتَجِيرُونَ بِهِمْ، وَيَحُثُّونَهُمْ عَلَى الْأَخْذِ بِثَأْرِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ.
وَصَوَّرُوا الْمَسِيحَ ﵇ وَجَعَلُوهُ مَعَ صُورَةِ عَرَبِيٍّ يَضْرِبُهُ، وَقَدْ جَعَلُوا الدِّمَاءَ عَلَى صُورَةِ الْمَسِيحِ ﵇ وَقَالُوا لَهُمْ: هَذَا الْمَسِيحُ يَضْرِبُهُ مُحَمَّدٌ نَبِيُّ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ جَرَحَهُ وَقَتَلَهُ.
فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْفِرِنْجِ فَحَشَرُوا وَحَشَدُوا حَتَّى النِّسَاءَ، فَإِنَّهُمْ كَانَ مَعَهُمْ عَلَى عَكَّا عِدَّةٌ مِنَ النِّسَاءِ يُبَارِزْنَ الْأَقْرَانَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْخُرُوجَ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَخْرُجُ عِوَضَهُ أَوْ يُعْطِيهِمْ مَالًا عَلَى قَدْرِ حَالِهِمْ. فَاجْتَمَعَ لَهُمْ مِنَ الرِّجَالِ وَالْأَمْوَالِ مَا لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الْإِحْصَاءُ.
وَلَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ الْمُقِيمِينَ بِحِصْنِ الْأَكْرَادِ، وَهُوَ مِنْ أَجْنَادِ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ سَلَّمُوهُ إِلَى الْفِرِنْجِ قَدِيمًا، وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ قَدْ نَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ [مِنْ] مُوَافَقَةِ الْفِرِنْجِ فِي الْغَارَةِ عَلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَالْقِتَالِ مَعَهُمْ، وَالسَّعْيِ مَعَهُمْ، وَكَانَ سَبَبُ اجْتِمَاعِي بِهِ مَا أَذْكُرُهُ سَنَةَ تِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ لِي هَذَا الرَّجُلُ إِنَّهُ دَخَلَ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفِرِنْجِ مِنْ حِصْنِ الْأَكْرَادِ إِلَى الْبِلَادِ الْبَحْرِيَّةِ الَّتِي لِلْفِرِنْجِ وَالرُّومِ فِي أَرْبَعِ شَوَانٍ، يَسْتَنْجِدُونَ قَالَ: فَانْتَهَى بِنَا التَّطْوَافُ إِلَى رُومِيَّةَ الْكُبْرَى، فَخَرَجْنَا مِنْهَا وَقَدْ مَلَأْنَا الشَّوَانِيَ نُقْرَةً.
وَحَدَّثَنِي بَعْضُ الْأَسْرَى مِنْهُمْ أَنَّهُ لَهُ وَالِدَةٌ لَيْسَ لَهَا وَلَدٌ سِوَاهُ، وَلَا يَمْلِكُونَ مِنَ
стр. 5780
الدُّنْيَا غَيْرَ بَيْتٍ بَاعَتْهُ وَجَهَّزَتْهُ بِثَمَنِهِ، وَسَيَّرَتْهُ لِاسْتِنْقَاذِ بَيْتٍ وَاحِدٍ فَأُخِذَ أَسِيرًا.
وَكَانَ عِنْدَ الْفِرِنْجِ مِنَ الْبَاعِثِ الدِّينِيِّ وَالنَّفْسَانِيِّ مَا هَذَا حَدُّهُ، فَخَرَجُوا عَلَى الصَّعْبِ وَالذَّلُولِ، بَرًّا وَبَحْرًا، مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، وَلَوْلَا [أَنَّ] اللَّهَ تَعَالَى لَطَفَ بِالْمُسْلِمِينَ، وَأَهْلَكَ مَلِكَ الْأَلْمَانِ لَمَّا خَرَجَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ إِلَى الشَّامِ، وَإِلَّا كَانَ يُقَالُ: إِنَّ الشَّامَ وَمِصْرَ كَانَتَا لِلْمُسْلِمِينَ.
فَهَذَا كَانَ سَبَبَ خُرُوجِهِمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا بِصُورَ تَمَوَّجَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، وَمَعَهُمُ الْأَمْوَالُ الْعَظِيمَةُ، وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُمْ بِالْأَقْوَاتِ وَالذَّخَائِرِ، وَالْعُدَدِ وَالرِّجَالِ مِنْ بِلَادِهِمْ. فَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ صُورُ بَاطِنُهَا وَظَاهِرُهَا فَأَرَادُوا قَصْدَ صَيْدَا وَكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ.
فَعَادُوا وَاتَّفَقُوا عَلَى قَصْدِ عَكَّا وَمُحَاصَرَتِهَا وَمُصَابَرَتِهَا، فَسَارُوا إِلَيْهَا بِفَارِسِهِمْ وَرَاجِلِهِمْ، وَقَضِّهِمْ وَقَضِيضِهِمْ، وَلَزِمُوا الْبَحْرَ فِي مَسِيرِهِمْ لَا يُفَارِقُونَهُ فِي السَّهْلِ وَالْوَعْرِ، وَالضِّيقِ وَالسَّعَةِ، وَمَرَاكِبُهُمْ تَسِيرُ مُقَابِلَهُمْ فِي الْبَحْرِ فِيهَا سِلَاحُهُمْ وَذَخَائِرُهُمْ، وَلِتَكُونَ عُدَّةً لَهُمْ، إِنْ جَاءَهُمْ مَا لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ رَكِبُوا فِيهَا وَعَادُوا.
وَكَانَ رَحِيلُهُمْ ثَامِنَ رَجَبٍ، وَنُزُولُهُمْ عَلَى عَكَّا فِي مُنْتَصَفِهِ، وَلَمَّا كَانُوا سَائِرِينَ كَانَ يَزَكُ الْمُسْلِمِينَ يَتَخَطَّفُونَهُمْ، وَيَأْخُذُونَ الْمُنْفَرِدَ مِنْهُمْ.
وَلَمَّا رَحَلُوا جَاءَ الْخَبَرُ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ بِرَحِيلِهِمْ، فَسَارَ حَتَّى قَارَبَهُمْ، ثُمَّ جَمَعَ أُمَرَاءَهُ وَاسْتَشَارَهُمْ: هَلْ يَكُونُ الْمَسِيرُ مُحَاذَاةَ الْفِرِنْجِ وَمُقَاتَلَتُهُمْ وَهُمْ سَائِرُونَ أَوْ يَكُونُ فِي غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي سَلَكُوهَا؟ فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى احْتِمَالِ الْمَشَقَّةِ فِي مُسَايَرَتِهِمْ، فَإِنَّ الطَّرِيقَ وَعِرٌ وَضَيِّقٌ وَلَا يَتَهَيَّأُ لَنَا مَا نُرِيدُهُ مِنْهُمْ، وَالرَّأْيُ أَنَّنَا نَسِيرُ فِي الطَّرِيقِ الْمَهْيَعِ، وَنَجْتَمِعُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ عَكَّا، فَنُفَرِّقُهُمْ وَنُمَزِّقُهُمْ.
فَعَلِمَ مَيْلَهُمْ إِلَى الرَّاحَةِ الْمُعَجَّلَةِ، فَوَافَقَهُمْ، وَكَانَ رَأْيُهُ مُسَايَرَتَهُمْ وَمُقَاتَلَتَهُمْ وَهُمْ سَائِرُونَ، وَقَالَ: إِنَّ الْفِرِنْجَ إِذَا نَزَلُوا لَصَقُوا بِالْأَرْضِ، فَلَا يَتَهَيَّأُ لَنَا إِزْعَاجُهُمْ، وَلَا نَيْلُ الْغَرَضِ مِنْهُمْ، وَالرَّأْيُ قِتَالُهُمْ قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَى عَكَّا، فَخَالَفُوهُ فَتَبِعَهُمْ، وَسَارُوا عَلَى طَرِيقِ كَفْرِ كُنَا فَسَبَقَهُمُ الْفِرِنْجُ.
وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ قَدْ جَعَلَ فِي مُقَابِلِ الْفِرِنْجِ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ يُسَايِرُونَهُمْ، وَيُنَاوِشُونَهُمُ الْقِتَالَ، وَيَتَخَطَّفُونَهُمْ، وَلَمْ يَقْدَمِ الْفِرِنْجُ عَلَيْهِمْ مَعَ قِلَّتِهِمْ، فَلَوْ أَنَّ الْعَسَاكِرَ اتَّبَعَتْ رَأْيَ صَلَاحِ الدِّينِ فِي مُسَايَرَتِهِمْ وَمُقَاتَلَتِهِمْ قَبْلَ نُزُولِهِمْ عَلَى عَكَّا لَكَانَ بَلَغَ غَرَضَهُ وَصَدَّهُمْ عَنْهَا، وَلَكِنْ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا هَيَّأَ أَسْبَابَهُ.
وَلَمَّا وَصَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى عَكَّا رَأَى الْفِرِنْجَ قَدْ نَزَلُوا عَلَيْهَا مِنَ الْبَحْرِ إِلَى
следующие страницы →