← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

ذِكْرُ فِعْلَةِ الْمُلَثَّمِ بِإِفْرِيقِيَّةَ لَمَّا عَبَرَ أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ صَاحِبُ الْمَغْرِبِ إِلَى الْأَنْدَلُسِ - كَمَا ذَكَرْنَا - وَأَقَامَ مُجَاهِدًا ثَلَاثَ سِنِينَ. انْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ، فَقَوِيَ طَمَعُ عَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ الْمُلَثَّمِ الْمَيُورْقِيِّ، وَكَانَ بِالْبَرِّيَّةِ مَعَ الْعَرَبِ، فَعَاوَدَ قَصْدَ إِفْرِيقِيَّةَ، فَانْبَثَّ جُنُودُهُ فِي الْبِلَادِ فَخَرَّبُوهَا، وَأَكْثَرُوا الْفَسَادَ فِيهَا، فَمُحِيَتْ آثَارُ تِلْكَ الْبِلَادِ وَتَغَيَّرَتْ، وَصَارَتْ خَالِيَةً مِنَ الْأَنِيسِ خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا. وَأَرَادَ الْمَسِيرَ إِلَى بِجَايَةَ وَمُحَاصَرَتَهَا لِاشْتِغَالِ يَعْقُوبَ بِالْجِهَادِ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى بِجَايَةَ سَارَ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى يَعْقُوبَ بِذَلِكَ، فَصَالَحَ الْفِرِنْجَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَعَادَ إِلَى مُرَّاكِشَ عَازِمًا عَلَى قَصْدِهِ، وَإِخْرَاجِهِ مِنَ الْبِلَادِ، كَمَا فَعَلَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ. ذِكْرُ مُلْكِ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ أَصْفَهَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَهَّزَ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ جَيْشًا وَسَيَّرَهُ إِلَى أَصْفَهَانَ، وَمُقَدَّمُهُمْ سَيْفُ الدِّينِ طُغْرُلْ، مُقْطَعُ بَلَدِ اللِّحْفِ مِنَ الْعِرَاقِ، وَكَانَ بِأَصْفَهَانَ عَسْكَرٌ لِخُوَارِزْمَ شَاهْ مَعَ وَلَدِهِ. وَكَانَ أَهْلُ أَصْفَهَانَ يَكْرَهُونَهُمْ، فَكَاتَبَ صَدْرُ الدِّينِ الْخُجَنْدِيُّ رَئِيسُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَصْفَهَانَ الدِّيوَانَ بِبَغْدَادَ يَبْذُلُ مِنْ نَفْسِهِ تَسْلِيمَ الْبَلَدِ إِلَى مَنْ يَصِلُ الدِّيوَانَ مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَكَانَ هُوَ الْحَاكِمُ بِأَصْفَهَانَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِهَا، فَسُيِّرَتِ الْعَسَاكِرُ، فَوَصَلُوا إِلَى أَصْفَهَانَ، وَنَزَلُوا بِظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَفَارَقَهُ عَسْكَرُ خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَعَادُوا إِلَى خُرَاسَانَ، وَتَبِعَهُمْ بَعْضُ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ، فَتَخَطَّفُوا مِنْهُمْ، وَأَخَذُوا مِنْ سَاقَةِ الْعَسْكَرِ مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ، وَدَخَلَ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ إِلَى أَصْفَهَانَ وَمَلَكُوهَا. ذِكْرُ ابْتِدَاءِ حَالِ كُوكْجَه وَمُلْكِهِ بَلَدَ الرَّيِّ وَهَمَذَانَ وَغَيْرَهُمَا لَمَّا عَادَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى خُرَاسَانَ، كَمَا ذَكَرْنَا وَاتَّفَقَ الْمَمَالِيكُ الَّذِينَ لِلْبَهْلَوَانِ وَالْأُمَرَاءُ، وَقَدَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ كُوكْجَه، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ الْمَمَالِيكِ الْبَهْلَوَانِيَّةِ،

стр. 5847

وَاسْتَوْلَى عَلَى الرَّيِّ وَمَا جَاوَرَهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَسَارُوا إِلَى أَصْفَهَانَ لِإِخْرَاجِ الْخُوَارِزْمِيَّةِ مِنْهَا، فَلَمَّا قَارَبُوهَا سَمِعُوا بِعَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ عِنْدَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَى مَمْلُوكِ الْخَلِيفَةِ سَيْفِ الدِّينِ طُغْرُلْ، يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى خِدْمَةِ الدِّيوَانِ، وَيُظْهِرُ الْعُبُودِيَّةَ، وَإِنَّهُ لَمَّا قَصَدَ أَصْفَهَانَ فِي طَلَبِ الْعَسَاكِرِ الْخُوَارِزْمِيَّةِ، وَحَيْثُ رَآهُمْ فَارَقُوا أَصْفَهَانَ سَارَ فِي طَلَبِهِمْ، فَلَمْ يُدْرِكْهُمْ، وَسَارَ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ مِنْ أَصْفَهَانَ إِلَى هَمَذَانَ. وَأَمَّا كُوكْجَه فَإِنَّهُ تَبِعَ الْخُوَارِزْمِيَّةَ إِلَى طَبَسَ - وَهِيَ مِنْ بِلَادِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ - وَعَادَ فَقَصَدَ أَصْفَهَانَ وَمَلَكَهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى بَغْدَادَ يَطْلُبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ الرَّيُّ وَخُوَارُ الرَّيِّ، وَسَاوَةُ، وَقُمُّ، وَقَاجَانُ، وَمَا يَنْضَمُّ إِلَيْهَا إِلَى حَدِّ مَزْدَغَانَ، وَتَكُونُ أَصْفَهَانُ، وَهَمَذَانُ، وَزَنْجَانُ، وَقَزْوِينُ، لِدِيوَانِ الْخَلِيفَةِ. فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَكُتِبَ لَهُ مَنْشُورٌ بِمَا طَلَبَ، وَأُرْسِلَتْ لَهُ الْخِلَعُ، فَعَظُمَ شَأْنُهُ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَكَثُرَتْ عَسَاكِرُهُ، وَتَعَظَّمَ عَلَى أَصْحَابِهِ. ذِكْرُ حَصْرِ الْعَزِيزِ دِمَشْقَ ثَانِيَةً وَانْهِزَامِهِ عَنْهَا وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا رَجَعَ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ عُثْمَانُ بْنُ صَلَاحِ الدِّينِ مِنْ مِصْرَ فِي عَسَاكِرِهِ إِلَى دِمَشْقَ يُرِيدُ حَصْرَهَا، فَعَادَ عَنْهَا مُنْهَزِمًا. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ مَمَالِيكَ أَبِيهِ - وَهُمُ الْمَعْرُوفُونَ بِالصَّلَاحِيَّةِ -: فَخْرُ الدِّينِ جَرْكَسُ، وَسَرَا سُنْقُرُ، وَقَرَاجَا، وَغَيْرُهُمْ، كَانُوا مُنْحَرِفِينَ عَنِ الْأَفْضَلِ عَلِيِّ بْنِ صَلَاحِ الدِّينِ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَخْرَجَ مَنْ عِنْدَهُ مِنْهُمْ مِثْلَ: مَيْمُونٍ الْقَصْرِيِّ، وَسُنْقُرَ الْكَبِيرِ، وَأَيْبَكْ، وَغَيْرِهِمْ، فَكَانُوا لَا يَزَالُونَ يُخَوِّفُونَ الْعَزِيزَ مِنْ أَخِيهِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْأَكْرَادَ وَالْمَمَالِيكَ الْأَسَدِيَّةَ مِنْ عَسْكَرِ مِصْرَ يُرِيدُونَ أَخَاكَ، وَنَخَافُ أَنْ يَمِيلُوا إِلَيْهِ وَيُخْرِجُوكَ مِنَ الْبِلَادِ، وَالْمَصْلَحَةُ أَنْ نَأْخُذَ دِمَشْقَ، فَخَرَجَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي وَعَادَ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - فَتَجَهَّزَ هَذِهِ السَّنَةَ لِيَخْرُجَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْأَفْضَلِ، فَسَارَ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى عَمِّهِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ، فَاجْتَمَعَ بِهِ بِقَلْعَةِ جَعْبَرَ وَدَعَاهُ إِلَى نُصْرَتِهِ، وَسَارَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى حَلَبَ، إِلَى أَخِيهِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ غَازِي، فَاسْتَنْجَدَ بِهِ، وَسَارَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ مِنْ قَلْعَةِ جَعْبَرَ إِلَى دِمَشْقَ، فَسَبَقَ الْأَفْضَلَ إِلَيْهَا، وَدَخَلَهَا، وَكَانَ الْأَفْضَلُ لِثِقَتِهِ بِهِ قَدْ أَمَرَ نُوَّابَهُ بِإِدْخَالِهِ إِلَى الْقَلْعَةِ، ثُمَّ عَادَ الْأَفْضَلُ مِنْ حَلَبَ إِلَى دِمَشْقَ وَوَصَلَ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ إِلَى قُرْبِ دِمَشْقَ،

стр. 5848

فَأَرْسَلَ مُقَدَّمُ الْأَسَدِيَّةِ وَهُوَ سَيْفُ الدِّينِ أَيَازَكُوشُ وَغَيْرُهُ مِنْهُمْ، وَمِنَ الْأَكْرَادِ أَبُو الْهَيْجَاءِ السَّمِينُ وَغَيْرُهُ، إِلَى الْأَفْضَلِ وَالْعَادِلِ، بِالِانْحِيَازِ إِلَيْهِمَا وَالْكَوْنِ مَعَهُمَا وَيَأْمُرُهُمَا بِالِاتِّفَاقِ عَلَى الْعَزِيزِ وَالْخُرُوجِ مِنْ دِمَشْقَ لِيُسَلِّمُوهُ إِلَيْهِمَا. وَكَانَ سَبَبُ الِانْحِرَافِ عَنِ الْعَزِيزِ وَمَيْلِهِمْ إِلَى الْأَفْضَلِ أَنَّ الْعَزِيزَ لَمَّا مَلَكَ مِصْرَ مَالَ إِلَى الْمَمَالِيكِ النَّاصِرِيَّةِ وَقَدَّمَهُمْ، وَوَثِقَ بِهِمْ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءِ، فَامْتَعَضُوا مِنْ ذَلِكَ، وَمَالُوا إِلَى أَخِيهِ وَأَرْسَلُوا إِلَى الْأَفْضَلِ وَالْعَادِلِ فَاتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ، وَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ بِحُضُورِ رُسُلِ الْأُمَرَاءِ أَنَّ الْأَفْضَلَ يَمْلِكُ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ، وَيُسَلِّمُ دِمَشْقَ إِلَى عَمِّهِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ، وَخَرَجَا مِنْ دِمَشْقَ فَانْحَازَ إِلَيْهِمَا مَنْ ذَكَرْنَا، فَلَمْ يُمْكِنِ الْعَزِيزَ الْمُقَامُ، بَلْ عَادَ مُنْهَزِمًا يَطْوِي الْمَرَاحِلَ خَوْفَ الطَّلَبِ وَلَا يُصَدِّقُ بِالنَّجَاةِ، وَتَسَاقَطَ أَصْحَابُهُ عَنْهُ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى مِصْرَ. وَأَمَّا الْعَادِلُ وَالْأَفْضَلُ، فَإِنَّهُمَا أَرْسَلَا إِلَى الْقُدْسِ، وَفِيهِ نَائِبُ الْعَزِيزِ، فَسَلَّمَهُ إِلَيْهِمَا، وَسَارَا فِيمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْأَسَدِيَّةِ وَالْأَكْرَادِ إِلَى مِصْرَ، فَرَأَى الْعَادِلُ انْضِمَامَ الْعَسَاكِرِ إِلَى الْأَفْضَلِ، وَاجْتِمَاعَهُمْ عَلَيْهِ، فَخَافَ أَنَّهُ يَأْخُذُ مِصْرَ، وَلَا يُسَلِّمُ إِلَيْهِ دِمَشْقَ، فَأَرْسَلَ حِينَئِذٍ سِرًّا إِلَى الْعَزِيزِ يَأْمُرُهُ بِالثَّبَاتِ وَأَنْ يَجْعَلَ بِمَدِينَةِ بِلْبِيسَ مَنْ يَحْفَظُهَا، وَتَكَفَّلَ بِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْأَفْضَلَ وَغَيْرَهُ مِنْ مُقَاتَلَةِ مَنْ بِهَا، فَجَعَلَ الْعَزِيزُ النَّاصِرِيَّةَ وَمُقَدَّمَهُمْ فَخْرَ الدِّينِ جَرْكَسَ بِهَا وَمَعَهُمْ غَيْرُهُمْ، وَوَصَلَ الْعَادِلُ وَالْأَفْضَلُ إِلَى بِلْبِيسَ، فَنَازَلُوا مَنْ بِهَا مِنَ النَّاصِرِيَّةِ، وَأَرَادَ الْأَفْضَلُ مُنَاجَزَتَهُمْ، أَوْ تَرْكَهُمْ بِهَا وَالرَّحِيلَ إِلَى مِصْرَ، فَمَنَعَهُ الْعَادِلُ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، وَقَالَ: هَذِهِ عَسَاكِرُ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا اقْتَتَلُوا فِي الْحَرْبِ فَمَنْ يَرُدُّ الْعَدُوَّ الْكَافِرَ، وَمَا بِهَا حَاجَةٌ إِلَى هَذَا، فَإِنَّ الْبِلَادَ لَكَ وَبِحُكْمِكَ وَمَتَى قَصَدْتَ مِصْرَ وَالْقَاهِرَةَ وَأَخَذْتَهُمَا قَهْرًا زَالَتْ هَيْبَةُ الْبِلَادِ، وَطَمِعَ فِيهَا الْأَعْدَاءُ، وَلَيْسَ فِيهَا مَنْ يَمْنَعُكَ عَنْهَا. وَسَلَكَ مَعَهُ أَمْثَالَ هَذَا، فَطَالَتِ الْأَيَّامُ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْعَزِيزِ سِرًّا يَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِ الْقَاضِي الْفَاضِلِ، وَكَانَ مُطَاعًا عِنْدَ الْبَيْتِ الصَّلَاحِيِّ لِعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ وَكَانَتْ عِنْدَ صَلَاحِ الدِّينِ، فَحَضَرَ عِنْدَهُمَا، وَأَجْرَى ذِكْرَ الصُّلْحِ، وَزَادَ الْقَوْلَ وَنَقَصَ، وَانْفَسَخَتِ الْعَزَائِمُ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْأَفْضَلِ الْقُدْسُ وَجَمِيعُ الْبِلَادِ بِفِلَسْطِينَ وَطَبَرِيَّةَ وَالْأُرْدُنِّ

стр. 5849

وَجَمِيعُ مَا بِيَدِهِ، وَيَكُونُ لِلْعَادِلِ إِقْطَاعُهُ الَّذِي كَانَ قَدِيمًا، وَيَكُونُ مُقِيمًا بِمِصْرَ عِنْدَ الْعَزِيزِ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَسَدِيَّةَ وَالْأَكْرَادَ لَا يُرِيدُونَ الْعَزِيزَ، فَهُمْ يَجْتَمِعُونَ مَعَهُ، فَلَا يَقْدِرُ الْعَزِيزُ مَنْعَهُ عَمَّا يُرِيدُ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، وَتَعَاهَدُوا عَادَ الْأَفْضَلُ إِلَى دِمَشْقَ وَبَقِيَ الْعَادِلُ بِمِصْرَ عِنْدَ الْعَزِيزِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْهُ، وَقَعَ حَرِيقٌ عَظِيمٌ بِبَغْدَادَ بِعَقْدِ الْمُصْطَنَعِ، فَاحْتَرَقَتِ الْمِرْبَعَةُ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَدُكَّانُ ابْنِ الْبَخِيلِ الْهَرَّاسِ، وَقِيلَ كَانَ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ دَارِ ابْنِ الْبَخِيلِ.

стр. 5850

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَة] ٥٩٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ شِهَابِ الدِّينِ بَهَنْكَرَ وَغَيْرَهَا مِنْ بَلَدِ الْهِنْدِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ شِهَابُ الدِّينِ الْغُورِيُّ - صَاحِبُ غَزْنَةَ - إِلَى بَلَدِ الْهِنْدِ، وَحَصَرَ قَلْعَةَ بَهَنْكَرَ، وَهِيَ قَلْعَةٌ عَظِيمَةٌ مَنِيعَةٌ، فَحَصَرَهَا، فَطَلَبَ أَهْلُهَا مِنْهُ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يُسَلِّمُوا إِلَيْهِ، فَأَمَّنَهُمْ وَتَسَلَّمَهَا، وَأَقَامَ عِنْدَهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَرَتَّبَ جُنْدَهَا وَأَحْوَالَهَا وَسَارَ عَنْهَا إِلَى قَلْعَةِ كُوَالِيرَ، وَبَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَفِي الطَّرِيقِ نَهْرٌ كَبِيرٌ فَجَازَهُ وَوَصَلَ إِلَى كُوَالِيرَ، وَهِيَ قَلْعَةٌ مَنِيعَةٌ حَصِينَةٌ عَلَى جَبَلٍ عَالٍ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا حَجَرُ مَنْجَنِيقٍ، وَلَا نُشَّابٌ، وَهِيَ كَبِيرَةٌ، فَأَقَامَ عَلَيْهَا صَفَرًا جَمِيعَهُ يُحَاصِرُهَا، فَلَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا غَرَضًا، فَرَاسَلَهُ مَنْ بِهَا فِي الصُّلْحِ فَأَجَابَهُمْ إِلَيْهِ عَلَى أَنْ يُقِرَّ الْقَلْعَةَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى مَالٍ يَحْمِلُونَهُ إِلَيْهِ، فَحَمَلُوا إِلَيْهِ فِيلًا حِمْلُهُ ذَهَبٌ، فَرَحَلَ عَنْهَا إِلَى بِلَادِ آيِ وَسُورٍ، فَأَغَارَ عَلَيْهَا وَنَهَبَهَا، وَسَبَى وَأَسَرَ مَا يَعْجِزُ الْعَادُّ عَنْ حَصْرِهِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى غَزْنَةَ سَالِمًا. ذِكْرُ مُلْكِ الْعَادِلِ مَدِينَةَ دِمَشْقَ مِنَ الْأَفْضَلِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ، مَلَكَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيُّوبَ مَدِينَةَ دِمَشْقَ مِنِ ابْنِ أَخِيهِ الْأَفْضَلِ عَلِيِّ بْنِ صَلَاحِ الدِّينِ. وَكَانَ أَبْلَغُ الْأَسْبَابِ فِي ذَلِكَ وُثُوقَ الْأَفْضَلِ بِالْعَادِلِ، وَأَنَّهُ بَلَغَ مِنْ وُثُوقِهِ بِهِ أَنَّهُ أَدْخَلَهُ بَلَدَهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ، وَلَقَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ أَخُوهُ الظَّاهِرُ غَازِي - صَاحِبُ حَلَبَ - يَقُولُ لَهُ: أَخْرِجْ عَمَّنَا مِنْ بَيْنِنَا فَإِنَّهُ لَا يَجِيءُ عَلَيْنَا مِنْهُ خَيْرٌ، وَنَحْنُ نَدْخُلُ لَكَ تَحْتَ كُلِّ مَا تُرِيدُ، وَأَنَا أَعْرَفُ بِهِ مِنْكَ، وَأَقْرَبُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ عَمِّي مِثْلُ مَا هُوَ عَمُّكَ، وَأَنَا زَوْجُ ابْنَتِهِ،

стр. 5851

وَلَوْ عَلِمْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ لَنَا خَيْرًا لَكُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْكَ. فَقَالَ لَهُ الْأَفْضَلُ: أَنْتَ سَيِّيءُ الظَّنِّ فِي كُلِّ أَحَدٍ، أَيُّ مَصْلَحَةٍ لِعَمِّنَا فِي أَنْ يُؤْذِيَنَا؟ وَنَحْنُ إِذَا اجْتَمَعَتْ كَلِمَتُنَا، وَسَيَّرْنَا مَعَهُ الْعَسَاكِرَ مِنْ عِنْدِنَا كُلِّنَا، مَلَكَ مِنَ الْبِلَادِ أَكْثَرَ مِنْ بِلَادِنَا، وَنَرْبَحُ سُوءَ الذِّكْرِ. وَهَذَا كَانَ أَبْلَغَ الْأَسْبَابِ، وَلَا يَعْلَمُهَا كُلُّ وَاحِدٍ، وَأَمَّا غَيْرُ هَذَا فَقَدَ ذَكَرْنَا مَسِيرَ الْعَادِلِ وَالْأَفْضَلِ إِلَى مِصْرَ وَحِصَارَهُمْ بِلْبِيسَ، وَصُلْحَهُمْ مَعَ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ بْنِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَمُقَامَ الْعَادِلِ مَعَهُ بِمِصْرَ، فَلَمَّا أَقَامَ عِنْدَهُ اسْتَمَالَهُ، وَقَرَّرَ مَعَهُ أَنَّهُ يَخْرُجُ مَعَهُ إِلَى دِمَشْقَ وَيَأْخُذُهَا مِنْ أَخِيهِ وَيُسَلِّمُهَا إِلَيْهِ، فَسَارَ مَعَهُ مِنْ مِصْرَ إِلَى دِمَشْقَ، وَحَصَرُوهَا، وَاسْتَمَالُوا أَمِيرًا مِنْ أُمَرَاءِ الْأَفْضَلِ يُقَالُ لَهُ الْعِزُّ [بْنُ] أَبِي غَالِبٍ الْحِمْصِيُّ، وَكَانَ الْأَفْضَلُ كَثِيرَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، وَالْوُثُوقِ بِهِ، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ دِمَشْقَ يُعْرَفُ بِالْبَابِ الشَّرْقِيِّ لِيَحْفَظَهُ، فَمَالَ إِلَى الْعَزِيزِ وَالْعَادِلِ، وَوَعَدَهُمَا أَنَّهُ يَفْتَحُ لَهُمَا الْبَابَ، وَيَدْخُلُ الْعَسْكَرُ مِنْهُ الْبَلَدَ غِيلَةً، فَفَتَحَهُ الْيَوْمَ السَّابِعَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ، وَقْتَ الْعَصْرِ، وَأَدْخَلَ الْمَلِكَ الْعَادِلَ مِنْهُ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمْ يَشْعُرِ الْأَفْضَلُ إِلَّا وَعَمُّهُ مَعَهُ فِي دِمَشْقَ، وَرَكِبَ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ، وَوَقَفَ بِالْمَيْدَانِ الْأَخْضَرِ غَرْبِيَّ دِمَشْقَ. فَلَمَّا رَأَى الْأَفْضَلُ أَنَّ الْبَلَدَ قَدْ مُلِكَ، خَرَجَ إِلَى أَخِيهِ، وَقْتَ الْمَغْرِبِ، وَاجْتَمَعَ بِهِ، وَدَخْلَا كِلَاهُمَا الْبَلَدَ، وَاجْتَمَعَا بِالْعَادِلِ وَقَدْ نَزَلَ فِي دَارِ أَسَدِ الدِّينِ شِيرْكُوه، وَتَحَادَثُوا، فَاتَّفَقَ الْعَادِلُ وَالْعَزِيزُ عَلَى أَنْ أَوْهَمَا الْأَفْضَلَ أَنَّهُمَا يُبْقِيَانِ عَلَيْهِ الْبَلَدَ خَوْفًا أَنَّهُ رُبَّمَا جَمَعَ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسْكَرِ وَسَارَ بِهِمَا، وَمَعَهُ الْعَامَّةُ، فَأَخْرَجَهُمْ مِنَ الْبَلَدِ، لِأَنَّ الْعَادِلَ لَمْ يَكُنْ فِي كَثْرَةٍ، وَعَادَ الْأَفْضَلُ إِلَى الْقَلْعَةِ وَبَاتَ الْعَادِلُ فِي دَارِ شِيرْكُوهْ، وَخَرَجَ الْعَزِيزُ إِلَى الْخِيَمِ فَبَاتَ فِيهَا، وَخَرَجَ الْعَادِلُ مِنَ الْغَدِ إِلَى جَوْسَقِهِ فَأَقَامَ بِهِ، وَعَسَاكِرُهُ فِي الْبَلَدِ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَخْرُجُ الْأَفْضَلُ إِلَيْهِمَا، وَيَجْتَمِعُ بِهِمَا، فَبَقَوْا كَذَلِكَ أَيَّامًا، ثُمَّ أَرْسَلَا إِلَيْهِ وَأَمَرَاهُ بِمُفَارَقَةِ الْقَلْعَةِ وَتَسْلِيمِ الْبَلَدِ عَلَى قَاعِدَةٍ، أَنْ تُعْطَى قَلْعَةُ صَرْخَدَ لَهُ، وَيُسَلِّمَ جَمِيعَ أَعْمَالِ دِمَشْقَ، فَخَرَجَ الْأَفْضَلُ، وَنَزَلَ فِي جَوْسَقٍ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ، غَرْبِيَّ دِمَشْقَ، وَتَسَلَّمَ الْعَزِيزُ الْقَلْعَةَ، وَدَخَلَهَا، وَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، فَجَلَسَ يَوْمًا فِي مَجْلِسِ شَرَابِهِ، فَلَمَّا أَخَذَتْ مِنْهُ الْخَمْرُ وَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ أَنَّهُ يُعِيدُ الْبَلَدَ إِلَى الْأَفْضَلِ، فَنُقِلَ ذَلِكَ إِلَى الْعَادِلِ فِي وَقْتِهِ، فَحَضَرَ الْمَجْلِسَ فِي سَاعَتِهِ، وَالْعَزِيزُ سَكْرَانُ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى سَلَّمَ الْبَلَدَ إِلَيْهِ، وَخَرَجَ

стр. 5852

مِنْهُ، وَعَادَ إِلَى مِصْرَ، وَسَارَ الْأَفْضَلُ إِلَى صَرْخَدَ. وَكَانَ الْعَادِلُ يَذْكُرُ أَنَّ الْأَفْضَلَ سَعَى فِي قَتْلِهِ ; فَلِهَذَا أَخَذَ الْبَلَدَ مِنْهُ، وَكَانَ الْأَفْضَلُ يُنْكِرُ ذَلِكَ وَيَتَبَرَّأُ مِنْهُ ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ بِالْعِرَاقِ، وَاسْوَدَّتْ لَهَا الدُّنْيَا، وَوَقَعَ رَمْلٌ أَحْمَرٌ، وَاسْتَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ وَكَبَّرُوا، وَاشْتَعَلَتِ الْأَضْوَاءُ بِالنَّهَارِ. وَفِيهَا قُتِلَ صَدْرُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّطِيفِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْخُجَنْدِيُّ، رَئِيسُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَصْفَهَانَ، قَتَلَهُ فَلَكُ الدِّينِ سُنْقُرُ الطَّوِيلُ، شِحْنَةُ أَصْفَهَانَ بِهَا، وَكَانَ قَدِمَ بَغْدَادَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ وَاسْتَوْطَنَهَا، وَوَلِيَ النَّظَرَ فِي الْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ، وَلَمَّا سَارَ مُؤَيِّدُ الدِّينِ بْنُ الْقَصَّابِ إِلَى خُوزِسْتَانَ سَارَ فِي صُحْبَتِهِ، فَلَمَّا مَلَكَ الْوَزِيرُ أَصْفَهَانَ أَقَامَ ابْنُ الْخُجَنْدِيِّ بِهَا فِي بَيْتِهِ وَمُلْكِهِ وَمَنْصِبِهِ، فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُنْقُرَ الطَّوِيلِ شِحْنَةِ أَصْفَهَانَ لِلْخَلِيفَةِ مُنَافَرَةٌ فَقَتَلَهُ سُنْقُرُ. وَفِي رَمَضَانَ دَرَّسَ مُجِيرُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ مَحْمُودُ بْنُ الْمُبَارَكِ الْبَغْدَادِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، بِالْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ. وَفِي شَوَّالٍ مِنْهَا اسْتُنِيبَ نَصِيرُ الدِّينِ نَاصِرُ بْنُ مَهْدِيِّ الْعَلَوِيُّ الرَّازِيُّ فِي الْوَزَارَةِ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى بَغْدَادَ لَمَّا مَلَكَ ابْنُ الْقَصَّابِ الرَّيَّ. وَفِيهَا وَلِيَ أَبُو طَالِبٍ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ زِيَادَةَ دِيوَانَ الْإِنْشَاءِ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ كَاتِبًا

стр. 5853

مُفْلِقًا وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي صَفَرٍ مِنْهَا تُوُفِّيَ الْفَخْرُ مَحْمُودُ بْنُ عَلِيٍّ الْقُوفَانِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ بِالْكُوفَةِ عَائِدًا مِنَ الْحَجِّ وَكَانَ مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى. وَفِي رَجَبٍ مِنْهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُعَلِّمِ الشَّاعِرُ الْهُرْثِيُّ، وَالْهُرْثُ: بِضَمِّ الْهَاءِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ; قَرْيَةٌ مِنْ أَعْمَالِ وَاسِطَ، عَنْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ سَنَةً. وَفِي رَابِعِ شَعْبَانَ مِنْهَا تُوَفِّيَ الْوَزِيرُ مُؤَيِّدُ الدِّينِ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَصَّابُ بِهَمَذَانَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ كِفَايَتِهِ وَنَهْضَتِهِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ.

стр. 5854

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَة] ٥٩٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ إِرْسَالِ الْأَمِيرِ أَبِي الْهَيْجَاءِ إِلَى هَمَذَانَ وَمَا فَعَلَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ، وَصَلَ إِلَى بَغْدَادَ أَمِيرٌ كَبِيرٌ مِنْ أُمَرَاءِ مِصْرَ وَاسْمُهُ أَبُو الْهَيْجَاءِ - وَيُعْرَفُ بِالسَّمِينِ - لِأَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ السِّمَنِ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ أُمَرَاءِ مِصْرَ، وَكَانَ فِي إِقْطَاعِهِ أَخِيرًا الْبَيْتُ الْمُقَدَّسُ وَغَيْرُهُ مِمَّا يُجَاوِرُهُ، فَلَمَّا مَلَكَ الْعَزِيزُ وَالْعَادِلُ مَدِينَةَ دِمَشْقَ مِنَ الْأَفْضَلِ أُخِذَ الْقُدْسُ مِنْهُ، فَفَارَقَ الشَّامَ، وَعَبَرَ الْفُرَاتَ إِلَى الْمَوْصِلِ، ثُمَّ انْحَدَرَ إِلَى بَغْدَادَ، لِأَنَّهُ طُلِبَ مِنْ دِيوَانِ الْخِلَافَةِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا أُكْرِمَ إِكْرَامًا كَثِيرًا، ثُمَّ أُمِرَ بِالتَّجْهِيزِ وَالْمَسِيرِ إِلَى هَمَذَانَ مُقَدَّمًا عَلَى الْعَسَاكِرِ الْبَغْدَادِيَّةِ، فَسَارَ إِلَيْهَا وَالْتَقَى عِنْدَهَا بِالْمَلِكِ أُوزْبَكْ بْنِ الْبَهْلَوَانِ وَأَمِيرِ عَلَمَ وَابْنِهِ، وَابْنِ سَطْمَسَ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُمْ قَدْ كَاتَبُوا الْخَلِيفَةَ بِالطَّاعَةِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ بِهِمْ وَثِقُوا بِهِ وَلَمْ يَحْذَرُوهُ، فَقَبَضَ عَلَى أُوزْبَكْ وَابْنِ سَطْمَسَ وَابْنِ قَرَّا بِمُوَافَقَةٍ مِنْ أَمِيرِ عَلَمَ، فَلَمَّا وَصَلَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ إِلَى بَغْدَادَ، أُنْكِرَتْ هَذِهِ الْحَالُ عَلَى أَبِي الْهَيْجَاءِ، وَأُمِرَ بِالْإِفْرَاجِ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَسُيِّرَتْ لَهُمُ الْخِلَعُ مِنْ بَغْدَادَ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ، فَلَمْ يَسْكُنُوا بَعْدَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَلَا أَمِنُوا، فَفَارَقُوا أَبَا الْهَيْجَاءِ السَّمِينَ، فَخَافَ الدِّيوَانَ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَيْضًا الْمُقَامُ، فَعَادَ يُرِيدُ إِرْبِلَ لِأَنَّهُ مِنْ بَلَدِهَا هُوَ، فَتُوُفِّيَ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَيْهَا وَهُوَ مِنَ الْأَكْرَادِ الْحَكَمِيَّةِ مِنْ بَلَدِ إِرْبِلَ. ذِكْرُ مُلْكِ الْعَادِلِ يَافَا مِنَ الْفِرِنْجِ وَمُلْكِ الْفِرِنْجِ بَيْرُوتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَحَصْرِ الْفِرِنْجِ تِبْنِينَ وَرَحِيلِهِمْ عَنْهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، مَلَكَ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيُّوبَ مَدِينَةَ يَافَا مِنَ السَّاحِلِ

стр. 5855

الشَّامِيِّ، وَهِيَ بَيْدِ الْفِرِنْجِ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ -. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْفِرِنْجَ كَانَ قَدْ مَلَكَهُمُ الْكُنْد هِرِي، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، وَكَانَ الصُّلْحُ قَدِ اسْتَقَرَّ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْفِرِنْجِ أَيَّامَ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَمَلَكَ أَوْلَادُهُ بَعْدَهُ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - جَدَّدَ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ الْهُدْنَةَ مَعَ الْكُنْد هِرِي [مَلِكِ الْفِرِنْجِ] وَزَادَ فِي مُدَّةِ الْهُدْنَةِ، وَبَقِيَ ذَلِكَ إِلَى الْآنِ. وَكَانَ بِمَدِينَةِ بَيْرُوتَ أَمِيرٌ يُعْرَفُ بِأُسَامَةَ، وَهُوَ مُقْطَعُهَا، فَكَانَ يُرْسِلُ الشَّوَانِيَ تَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى الْفِرِنْجِ، فَاشْتَكَى الْفِرِنْجُ مِنْ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ إِلَى الْمَلِكِ الْعَادِلِ بِدِمَشْقَ، وَإِلَى الْمَلِكِ الْعَزِيزِ بِمِصْرَ، فَلَمْ يَمْنَعَا أُسَامَةَ مِنْ ذَلِكَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى مُلُوكِهِمُ الَّذِينَ دَاخَلَ الْبَحْرِ يَشْتَكُونَ إِلَيْهِمْ مَا يَفْعَلُ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ، وَيَقُولُونَ: إِنْ لَمْ تَنْجِدُونَا، وَإِلَّا أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ الْبِلَادَ، فَأَمَدَّهُمُ الْفِرِنْجُ بِالْعَسَاكِرِ الْكَثِيرَةِ، وَكَانَ أَكْثَرُهُمْ مِنْ مَلِكِ الْأَلْمَانِ، وَكَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ قِسِّيسٌ يُعْرَفُ بِالْخُنْصِلِيرِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْعَادِلُ بِذَلِكَ، أَرْسَلَ إِلَى الْعَزِيزِ بِمِصْرَ يَطْلُبُ الْعَسَاكِرَ، وَأَرْسَلَ إِلَى دِيَارِ الْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ يَطْلُبُ الْعَسَاكِرَ، فَجَاءَتْهُ الْأَمْدَادُ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى عَيْنِ الْجَالُوتِ، فَأَقَامُوا شَهْرَ رَمَضَانَ وَبَعْضَ شَوَّالٍ، وَرَحَلُوا إِلَى يَافَا، وَمَلَكُوا الْمَدِينَةَ، وَامْتَنَعَ مَنْ بِهَا بِالْقَلْعَةِ الَّتِي لَهَا، فَخَرَّبَ الْمُسْلِمُونَ الْمَدِينَةَ، وَحَصَرُوا الْقَلْعَةَ، فَمَلَكُوهَا عَنْوَةً وَقَهْرًا بِالسَّيْفِ فِي يَوْمِهَا، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَأُخِذَ كُلُّ مَا بِهَا غَنِيمَةً وَأَسْرًا وَسَبْيًا، وَوَصَلَ الْفِرِنْجُ مِنْ عَكَّا إِلَى قَيْسَارِيَةَ، لِيَمْنَعُوا الْمُسْلِمِينَ عَنْ يَافَا، فَوَصَلَهُمُ الْخَبَرُ بِهَا بِمِلْكِهَا فَعَادُوا. وَكَانَ سَبَبُ تَأَخُّرِهِمْ أَنَّ مَلِكَهُمُ الْكُنْد هِرِي سَقَطَ مِنْ مَوْضِعٍ عَالٍ بِعَكَّا فَمَاتَ، فَاخْتَلَّتْ أَحْوَالُهُمْ فَتَأَخَّرُوا لِذَلِكَ.

стр. 5856

وَعَادَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَيْنِ الْجَالُوتِ، فَوَصَلَهُمُ الْخَبَرُ بِأَنَّ الْفِرِنْجَ عَلَى عَزْمِ قَصْدِ بَيْرُوتَ، فَرَحَلَ الْعَادِلُ وَالْعَسْكَرُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إِلَى مَرْجِ الْعُيُونِ، وَعَزَمَ عَلَى تَخْرِيبِ بَيْرُوتَ، فَسَارَ إِلَيْهَا جَمْعٌ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَهَدَمُوا سُورَ الْمَدِينَةِ سَابِعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَشَرَعُوا تَخْرِيبَ دُورِهَا وَتَخْرِيبَ الْقَلْعَةِ، فَمَنَعَهُمْ أُسَامَةُ مِنْ ذَلِكَ، وَتَكَفَّلَ بِحِفْظِهَا وَرَحَلَ الْفِرِنْجُ مِنْ عَكَّا إِلَى صَيْدَا، وَعَادَ عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَيْرُوتَ، فَالْتَقُوا الْفِرِنْجَ بِنَوَاحِي صَيْدَا، وَجَرَى بَيْنَهُمْ مُنَاوَشَةٌ، فَقُتِلَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمَاعَةٌ، وَحَجَزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، وَسَارَ الْفِرِنْجُ تَاسِعَ ذِي الْحِجَّةِ، فَوَصَلُوا إِلَى بَيْرُوتَ، فَلَمَّا قَارَبُوهَا، وَهَرَبَ مِنْهَا أُسَامَةُ وَجَمِيعُ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَمَلَكُوهَا صَفْوًا عَفْوًا بِغَيْرِ حَرْبٍ وَلَا قِتَالٍ، فَكَانَتْ غَنِيمَةً بَارِدَةً، فَأَرْسَلَ الْعَادِلُ إِلَى صَيْدَا مَنْ خَرَّبَ مَا كَانَ بَقِيَ مِنْهَا، فَإِنَّ صَلَاحَ الدِّينِ كَانَ قَدْ خَرَّبَ أَكْثَرَهَا، وَسَارَتِ الْعَسَاكِرُ الْإِسْلَامِيَّةُ إِلَى صُورٍ، فَقَطَعُوا أَشْجَارَهَا، وَخَرَّبُوا مَا لَهَا مِنْ قُرًى وَأَبْرَاجٍ، فَلَقَدْ سَمِعَ الْفِرِنْجُ بِذَلِكَ رَحَلُوا مِنْ بَيْرُوتَ إِلَى صُورٍ، وَأَقَامُوا عَلَيْهَا. وَنَزَلَ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ قَلْعَةِ هُونِينَ وَأَذِنَ لِلْعَسَاكِرِ الشَّرْقِيَّةِ بِالْعَوْدِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ

стр. 5857

الْفِرِنْجَ يُقِيمُونَ بِبِلَادِهِمْ، وَأَرَادَ أَنْ يُعْطِيَ الْعَسَاكِرَ الْمِصْرِيَّةَ دُسْتُورًا بِالْعَوْدِ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ مُنْتَصَفَ الْمُحَرَّمِ، أَنَّ الْفِرِنْجَ قَدْ نَازَلُوا حِصْنَ تِبْنِينَ، فَسَيَّرَ الْعَادِلُ إِلَيْهِ عَسْكَرَا يَحْمُونَهُ وَيَمْنَعُونَ عَنْهُ، وَرَحَلَ الْفِرِنْجُ مِنْ صُورٍ، وَنَازَلُوا تِبْنِينَ أَوَّلَ صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، وَقَاتَلُوا مَنْ بِهِ، وَجَدُّوا فِي الْقِتَالِ، وَنَقَبُوهُ مِنْ جِهَاتِهِمْ، فَلَمَّا عَلِمَ الْعَادِلُ بِذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى الْعَزِيزِ بِمِصْرَ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَحْضُرَ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنْ حَضَرْتَ، وَإِلَّا فَلَا يُمْكِنُ حِفْظُ هَذَا الثَّغْرِ، فَسَارَ الْعَزِيزُ مُجِدًّا فِيمَنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ. وَأَقَامَ مَنْ بِحِصْنِ تِبْنِينَ فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوُا النُّقُوبَ قَدْ خَرَّبَتْ تَلَّ الْقَلْعَةِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَمْلِكُوهَا بِالسَّيْفِ، وَنَزَلَ بَعْضُ مِنْ فِيهَا إِلَى الْفِرِنْجِ يَطْلُبُ الْأَمَانَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ لِيُسَلِّمُوا الْقَلْعَةَ، وَكَانَ الْمَرْجِعُ إِلَى الْقِسِّيسِ الْخُنْصِلِيرِ مِنْ أَصْحَابِ مَلِكِ الْأَلْمَانِ، فَقَالَ لِهَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضُ الْفِرِنْجِ الَّذِينَ مِنْ سَاحِلِ الشَّامِ: إِنْ سَلَّمْتُمُ الْحِصْنَ أَسْتَأْسَرَكُمْ هَذَا وَقَتَلَكُمْ، فَاحْفَظُوا نُفُوسَكُمْ، فَعَادُوا كَأَنَّهُمْ يُرَاجِعُونَ مَنْ فِي الْقَلْعَةِ لِيُسَلِّمُوا، فَلَمَّا صَعِدُوا إِلَيْهَا أَصَرُّوا عَلَى الِامْتِنَاعِ، وَقَاتَلُوا قِتَالَ مَنْ يَحْمِي نَفْسَهُ، فَحَمَوْهَا إِلَى أَنْ وَصَلَ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ إِلَى عَسْقَلَانَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْفِرِنْجُ بِوُصُولِهِ وَاجْتِمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ الْفِرِنْجَ لَيْسَ لَهُمْ مَلِكٌ يَجْمَعُهُمْ، وَأَنَّ أَمْرَهُمْ إِلَى امْرَأَةٍ - وَهِيَ الْمَلِكَةُ - اتَّفَقُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى مَلِكِ قُبْرُسَ وَاسْمُهُ هِيمْرِي، فَأَحْضَرُوهُ، وَهُوَ أَخُو الْمَلِكِ الَّذِي أُسِرَ بِحِطِّينَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَزَوَّجُوهُ بِالْمَلِكَةِ زَوْجَةِ الْكُنْد هِرِي، وَكَانَ رَجُلًا عَاقِلًا يُحِبُّ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ، فَلَمَّا مَلَكَهُمْ، لَمْ يَعُدْ إِلَى الزَّحْفِ عَلَى الْحِصْنِ، وَلَا قَاتَلَهُ. وَاتَّفَقَ وُصُولُ الْعَزِيزِ أَوَّلَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَرَحَلَ هُوَ وَالْعَسَاكِرُ إِلَى جَبَلِ الْخَلِيلِ الَّذِي يُعْرَفُ بِجَبَلِ عَامِلَةَ، فَأَقَامُوا أَيَّامًا، وَالْأَمْطَارُ مُتَدَارِكَةٌ، فَبَقِيَ إِلَى ثَالِثَ عَشْرَ الشَّهْرِ، ثُمَّ سَارَ وَقَارَبَ الْفِرِنْجَ، وَأَرْسَلَ رُمَاةَ النُّشَّابِ، فَرَمَوْهُمْ سَاعَةً وَعَادُوا، وَرَتَّبَ الْعَسَاكِرَ لِيَزْحَفَ إِلَى الْفِرِنْجِ وَيَجِدَّ فِي قِتَالِهِمْ، فَرَحَلُوا إِلَى صُورٍ خَامِسَ عَشْرَ الشَّهْرِ الْمَذْكُورِ لَيْلًا، ثُمَّ رَحَلُوا إِلَى عَكَّا، فَسَارَ الْمُسْلِمُونَ فَنَزَلُوا اللُّجُونَ، وَتَرَاسَلُوا فِي الصُّلْحِ، وَتَطَاوَلَ الْأَمْرُ، فَعَادَ الْعَزِيزُ إِلَى مِصْرَ قَبْلَ انْفِصَالِ الْحَالِ.

стр. 5858

وَسَبَبُ رَحِيلِهِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَهُمْ مَيْمُونٌ الْقَصْرِيُّ، وَأُسَامَةُ، وَسَرَا سُنْقُرُ، وَالْحَجَّافُ، وَابْنُ الْمَشْطُوبِ، وَغَيْرُهُمْ، قَدْ عَزَمُوا عَلَى الْفَتْكِ بِهِ وَبِفَخْرِ الدِّينِ جَرْكَسَ مُدَبِّرِ دَوْلَتِهِ، وَضَعَهُمُ الْعَادِلُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ سَارَ إِلَى مِصْرَ وَبَقِيَ الْعَادِلُ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِرِنْجِ فِي الصُّلْحِ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ تَبْقَى بَيْرُوتُ بِيَدِ الْفِرِنْجِ، وَكَانَ الصُّلْحُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] فَلَمَّا انْتَظَمَ الصُّلْحُ وَعَادَ الْعَادِلُ إِلَى دِمَشْقَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى مَارْدِينَ مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ، فَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. ذِكْرُ وَفَاةِ سَيْفِ الْإِسْلَامِ وَمُلْكِ وَلَدِهِ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ سَيْفُ الْإِسْلَامِ طُغْتِكِينُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخُو صَلَاحِ الدِّينِ وَهُوَ صَاحِبُ الْيَمَنِ، بِزَبِيدَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَيْفَ مَلَكَ. وَكَانَ شَدِيدَ السِّيرَةِ، مُضَيِّقًا عَلَى رَعِيَّتِهِ، يَشْتَرِي أَمْوَالَ التُّجَّارِ لِنَفْسِهِ وَيَبِيعُهَا كَيْفَ شَاءَ. وَأَرَادَ مُلْكَ مَكَّةَ - حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى - فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ إِلَى أَخِيهِ صَلَاحِ الدِّينِ فِي الْمَعْنَى، فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَجَمَعَ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحْصَى، حَتَّى أَنَّهُ مِنْ كَثْرَتِهِ كَانَ يَسْبِكُ الذَّهَبَ وَيَجْعَلُهُ كَالطَّاحُونِ وَيَدَّخِرُهُ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ إِسْمَاعِيلَ، وَكَانَ أَهْوَجَ، كَثِيرَ التَّخْلِيطِ بِحَيْثُ إِنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ قُرَشِيٌّ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَخَطَبَ لِنَفْسِهِ بِالْخِلَافَةِ، وَتَلَقَّبَ بِالْهَادِي، فَلَمَّا سَمِعَ عَمُّهُ الْمَلِكُ الْعَادِلُ ذَلِكَ، سَاءَهُ وَأَهَمَّهُ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَلُومُهُ وَيُوَبِّخُهُ، وَيَأْمُرُهُ بِالْعَوْدِ إِلَى نَسَبِهِ الصَّحِيحِ، وَبِتَرْكِ مَا ارْتَكَبَهُ مِمَّا يُضْحِكُ النَّاسَ مِنْهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ وَلَمْ يَرْجِعْ وَبَقِيَ كَذَلِكَ، وَانْضَافَ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَسَاءَ السِّيرَةَ مَعَ أَجْنَادِهِ وَأُمَرَائِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بَعْدَهُ أَمِيرًا مِنْ مَمَالِيكِ أَبِيهِ.

стр. 5859

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ [الْوَفَيَاتُ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عِمْرَانَ الْبَاقِلَّانِيُّ الْمُقْرِيُّ الْوَاسِطِيُّ بِهَا عَنْ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً وَثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَأَيَّامٍ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ الْقَلَانِسِيِّ. وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ تُوُفِّيَ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو طَالِبٍ عَلِيُّ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْبُخَارِيِّ بِبَغْدَادَ وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ فِي مَشْهَدِ بَابِ التِّينِ. وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، تُوُفِّيَ مَلِكْشَاهْ بْنُ خُوَارِزْمَ شَاهْ تُكُشُ بِنَيْسَابُورَ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ جَعَلَهُ فِيهَا، وَأَضَافَ إِلَيْهِ عَسَاكِرَ جَمِيعِ بِلَادِهِ الَّتِي بِخُرَاسَانَ وَجَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ فِي الْمُلْكِ، وَخَلَّفَ وَلَدًا اسْمُهُ هِنْدُوخَانْ، فَلَمَّا مَاتَ، جَعَلَ فِيهَا (أَبُوهُ خُوَارِزْمُ شَاهْ) بَعْدَهُ وَلَدَهُ الْآخَرَ قُطْبَ الدِّينِ مُحَمَّدًا، وَهُوَ الَّذِي مَلَكَ بَعْدَ أَبِيهِ، وَكَانَ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ عَدَاوَةٌ مُسْتَحْكِمَةً أَفْضَتْ إِلَى أَنَّ مُحَمَّدًا لَمَّا مَلَكَ بَعْدَ أَبِيهِ هَرَبَ هِنْدُوخَانْ بْنُ مَلِكْشَاهْ مِنْهُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. [وَفِيهَا تُوُفِّيَ شَيْخُنَا أَبُو الْقَاسِمِ يَعِيشُ بْنُ صَدَقَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْفُرَاتِيُّ الضَّرِيرُ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ وَكَانَ إِمَامًا فِي الْفِقْهِ، مُدَرِّسًا صَالِحًا كَثِيرَ الصَّلَاحِ، سَمِعْتُ عَلَيْهِ كَثِيرًا وَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَقَدْ شَاهَدْتُ مِنْهُ عَجَبًا يَدُلُّ عَلَى دِينِهِ وَإِرَادَتِهِ بِعَمَلِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ أَنِّي كُنْتُ أُسْمِعُ عَلَيْهِ بِبَغْدَادَ " سُنَنَ " عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ، وَهُوَ كِتَابٌ كَبِيرٌ، وَالْوَقْتُ ضَيِّقٌ لِأَنِّي كُنْتُ مَعَ الْحُجَّاجِ قَدْ عُدْنَا مِنْ مَكَّةَ، حَرَسَهَا اللَّهُ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ نُسْمِعُ عَلَيْهِ مِنْ أَخِي الْأَكْبَرِ مَجْدِ الدِّينِ أَبِي السَّعَادَاتِ، إِذْ قَدْ أَتَاهُ إِنْسَانٌ مِنْ أَعْيَانِ بَغْدَادَ، وَقَالَ لَهُ: قَدْ بَرَزَ الْأَمْرُ لِتَحْضُرَ لِأَمْرِ كَذَا فَقَالَ: أَنَا مَشْغُولٌ بِسَمَاعِ هَؤُلَاءِ السَّادَةِ، وَوَقْتُهُمْ يَفُوتُ، وَالَّذِي يُرَادُ مِنِّي لَا يَفُوتُ، فَقَالَ: أَنَا لَا أُحْسِنُ أَذْكُرُ هَذَا فِي مُقَابِلِ أَمْرِ الْخَلِيفَةِ. فَقَالَ: لَا عَلَيْكَ! قُلْ: قَالَ: أَبُو الْقَاسِمِ لَا أَحْضُرُ حَتَّى يَفْرُغَ السَّمَاعُ، فَسَأَلْنَاهُ لِيَمْشِيَ مَعَهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَقَالَ: اقْرَأُوا، فَقَرَأْنَا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ حَضَرَ غُلَامٌ لَنَا، وَذَكَرَ أَنَّ أَمِيرَ الْحَاجِّ الْمَوْصِلِيَّ قَدْ رَحَلَ، فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَيْنَا فَقَالَ: وَلِمَ يَعْظُمُ عَلَيْكُمُ الْعَوْدُ إِلَى

стр. 5860

أَهْلِكُمْ وَبَلَدِكُمْ؟ فَقُلْنَا: لِأَجْلِ فَرَاغِ هَذَا الْكِتَابِ. فَقَالَ: إِذَا رَحَلْتُمْ أَسْتَعِيرُ دَابَّةً وَأَرْكَبُهَا، فَأَسِيرُ مَعَكُمْ وَأَنْتُمْ تَقْرَأُونَ، فَإِذَا فَرَغْتُمْ عُدْتُ. فَمَضَى الْغُلَامُ لِيَتَزَوَّدَ، وَنَحْنُ نَقْرَأُ، فَعَادَ وَذَكَرَ أَنَّ الْحُجَّاجَ لَمْ يَرْحَلُوا، فَفَرَغْنَا مِنَ الْكِتَابِ، فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الدِّينِ الْمَتِينِ يَرُدُّ أَمْرَ الْخَلِيفَةِ وَهُوَ يَخَافُهُ وَيَرْجُوهُ، وَيُرِيدُ [أَنْ] يَسِيرَ مَعَنَا وَنَحْنُ غُرَبَاءُ لَا يَخَافُنَا وَلَا يَرْجُونَا.

стр. 5861

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَة] ٥٩٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ وَفَاةِ عِمَادِ الدِّينِ وَمُلْكِ وَلَدِهِ قُطْبِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، تُوُفِّيَ عِمَادُ الدِّينِ زِنْكِي بْنُ مَوْدُودِ بْنِ زِنْكِي بْنِ آقَسُنْقُرْ - صَاحِبُ سِنْجَارَ وَنَصِيبِينَ وَالْخَابُورِ وَالرِّقَّةِ - وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ كَيْفَ مَلَكَهَا سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ قُطْبُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ، وَتَوَلَّى تَدْبِيرَ دَوْلَتِهِ مُجَاهِدُ الدِّينِ يَرَنْقَشْ مَمْلُوكُ أَبِيهِ، وَكَانَ دَيِّنًا خَيِّرًا عَادِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ فِي رَعِيَّتِهِ، عَفِيفًا عَنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَمْلَاكِهِمْ، مُتَوَاضِعًا يُحِبُّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَيَحْتَرِمُهُمْ وَيَجْلِسُ مَعَهُمْ وَيَرْجِعُ إِلَى أَقْوَالِهِمْ، وَكَانَ ﵀ شَدِيدَ التَّعَصُّبِ عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، كَثِيرَ الذَّمِّ لِلشَّافِعِيَّةِ، فَمِنْ تَعَصُّبِهِ أَنَّهُ بَنَى مَدْرَسَةً لِلْحَنَفِيَّةِ بِسِنْجَارَ، وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ لِلْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَوْلَادِهِ دُونَ الشَّافِعِيَّةِ، وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْبَوَّابُ وَالْفَرَّاشُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَشَرَطَ لِلْفُقَهَاءِ طَبِيخًا طُبِخَ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ، وَهَذَا نَظَرٌ حَسَنٌ ﵀. ذِكْرُ مُلْكِ نُورِ الدِّينِ نَصِيبِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، سَارَ نُورُ الدِّينِ أَرْسِلَانُ شَاهْ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مَوْدُودٍ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ إِلَى مَدِينَةِ نَصِيبِينَ، فَمَلَكَهَا وَأَخَذَهَا مِنِ ابْنِ عَمِّهِ قُطْبِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَمَّهُ عِمَادَ الدِّينِ كَانَ لَهُ نَصِيبِينُ، فَتَطَاوَلَ نُوَّابُهُ بِهَا، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى عِدَّةِ قُرًى مِنْ أَعْمَالٍ بَيْنَ النَّهْرَيْنِ مِنْ وِلَايَةِ الْمَوْصِلِ، وَهِيَ تُجَاوِرُ نَصِيبِينَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ مُجَاهِدَ الدِّينِ قَايْمَازَ الْقَائِمَ بِتَدْبِيرِ مَمْلَكَةِ نُورِ الدِّينِ بِالْمَوْصِلِ وَأَعْمَالِهَا وَالْمَرْجُوعَ إِلَيْهِ فِيهَا، فَلَمْ يُعْلِمْ مَخْدُومَهُ نُورَ الدِّينِ بِذَلِكَ، لِمَا عَلِمَ مِنْ قِلَّةِ صَبْرِهِ عَلَى احْتِمَالِ مِثْلِ

стр. 5862

هَذَا، وَخَافَ أَنْ يَجْرِيَ خُلْفٌ بَيْنَهُمْ، فَأَرْسَلَ مِنْ عِنْدِهِ رَسُولًا إِلَى عِمَادِ الدِّينِ فِي الْمَعْنَى، وَقَبَّحَ هَذَا الْفِعْلَ الَّذِي فَعَلَهُ النُّوَّابُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَقَالَ: إِنَّنِي مَا أَعْلَمْتُ نُورَ الدِّينِ بِالْحَالِ لِئَلَّا يَخْرُجَ عَنْ يَدِكَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كَوَالِدِهِ، وَأَخَافُ [أَنْ] يَبْدُوَ مِنْهُ مَا يُخْرِجُ الْأَمْرَ فِيهِ عَنْ يَدِي، فَأَعَادَ الْجَوَابَ: إِنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا إِلَّا مَا أَمَرْتُهُمْ بِهِ، وَهَذِهِ الْقُرَى مِنْ أَعْمَالِ نَصِيبِينَ. فَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا، فَلَمْ يَرْجِعْ عِمَادُ الدِّينِ عَنْ أَخْذِهَا، فَحِينَئِذٍ أَعْلَمَ مُجَاهِدُ الدِّينِ نُورَ الدِّينِ بِالْحَالِ، فَأَرْسَلَ نُورُ الدِّينِ رَسُولًا مِنْ مَشَايِخِ دَوْلَتِهِ مِمَّنْ خَدَمَ جَدَّهُمُ الشَّهِيدَ زِنْكِي وَمَنْ بَعْدَهُ، وَحَمَّلَهُ رِسَالَةً فِيهَا بَعْضُ الْخُشُونَةِ، فَمَضَى الرَّسُولُ فَلَحِقَ عِمَادَ الدِّينِ وَقَدْ مَرِضَ، فَلَمَّا سَمِعَ الرِّسَالَةَ لَمْ يَلْتَفِتْ، وَقَالَ: لَا أُعِيدُ مُلْكِي، فَأَشَارَ الرَّسُولُ مَنْ عِنْدَهُ، حَيْثُ هُوَ مِنْ مَشَايِخِ دَوْلَتِهِمْ، بِتَرْكِ اللَّجَاجِ، وَتَسْلِيمِ مَا أَخَذَهُ، وَحَذَّرَهُ عَاقِبَةَ ذَلِكَ، فَأَغْلَظَ عَلَيْهِ عِمَادُ الدِّينِ الْقَوْلَ، وَعَرَّضَ بِذَمِّ نُورِ الدِّينِ وَاحْتِقَارِهِ، فَعَادَ الرَّسُولُ وَحَكَى لِنُورِ الدِّينِ جَلِيَّةِ الْحَالِ، فَغَضِبَ لِذَلِكَ، وَعَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى نَصِيبِينَ وَأَخْذِهَا مِنْ عَمِّهِ. فَاتُّفِقَ أَنَّ عَمَّهُ مَاتَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ، فَقَوِيَ طَمَعُهُ، فَمَنَعَهُ مُجَاهِدُ الدِّينِ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ، وَتَجَهَّزَ وَسَارَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا سَمِعَ قُطْبُ الدِّينِ صَاحِبُهَا سَارَ إِلَيْهَا مِنْ سِنْجَارَ فِي عَسْكَرِهِ، وَنَزَلَ عَلَيْهَا لِيَمْنَعَ نُورَ الدِّينِ عَنْهَا، فَوَصَلَ نُورُ الدِّينِ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الْبَلَدِ وَكَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ، فَجَازَهُ بَعْضُ أُمَرَائِهِ، وَقَاتَلَ مَنْ بِإِزَائِهِ، فَلَمْ يَثْبُتُوا لَهُ، فَعَبَرَ جَمِيعُ الْعَسْكَرِ النُّورِيِّ، وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى قُطْبِ الدِّينِ، فَصَعِدَ هُوَ وَنَائِبُهُ مُجَاهِدُ الدِّينِ يَرَنْقَشْ إِلَى قَلْعَةِ نَصِيبِينَ. وَأَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ، فَخَرَجُوا مِنْهَا هَارِبِينَ إِلَى حَرَّانَ، وَرَاسَلُوا الْمَلِكَ الْعَادِلَ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَيُّوبَ صَاحِبَ حَرَّانَ وَغَيْرِهَا وَهُوَ بِدِمَشْقَ، وَبَذَلُوا لَهُ الْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَ لِيُنْجِدَهُمْ وَيُعِيدَ نَصِيبِينَ إِلَيْهِمْ. وَأَقَامَ نُورُ الدِّينِ بِنَصِيبِينَ مَالِكًا لَهَا، فَتَضَعْضَعَ عَسْكَرُهُ بِكَثْرَةِ الْأَمْرَاضِ، وَعَوَّدَهُمْ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَمَاتَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَوَصَلَ الْعَادِلُ إِلَى الدِّيَارِ الْجَزَرِيَّةِ، فَحِينَئِذٍ فَارَقَ نُورُ الدِّينِ نَصِيبِينَ وَعَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَلَمَّا فَارَقَهَا تَسَلَّمَهَا قُطْبُ الدِّينِ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ مِنْ أُمَرَاءِ الْمَوْصِلِ: عِزُّ الدِّينِ جُورْدِيكْ، وَشَمْسُ الدِّينِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَفَخْرُ الدِّينِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى الْمُهْرَانِيَّانِ، وَمُجَاهِدُ الدِّينِ قَايْمَازُ، وَظَهِيرُ الدِّينِ يُولَقُ ابْنُ بِلِنْكِرِي، وَجَمَالُ الدِّينِ مُحَاسِنُ، وَغَيْرُهُمْ. وَلَمَّا عَادَ نُورُ الدِّينِ إِلَى

стр. 5863

الْمَوْصِلِ قَصَدَ الْعَادِلُ قَلْعَةَ مَارْدِينَ فَحَصَرَهَا، وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا - عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ مُلْكِ الْغُورِيَّةِ مَدِينَةَ بَلْخَ مِنَ الْخَطَا الْكَفَرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ بَهَاءُ الدِّينِ سَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ غِيَاثِ الدِّينِ [وَشِهَابِ الدِّينِ] صَاحِبَيْ غَزْنَةَ وَغَيْرِهَا وَلَهُ بَامِيَانُ، مَدِينَةُ بَلْخَ، وَكَانَ صَاحِبُهَا تُرْكِيًّا اسْمُهُ أَزْيَهْ، وَكَانَ يَحْمِلُ الْخَرَاجَ كُلَّ سَنَةٍ إِلَى الْخَطَا، بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَتُوُفِّيَ هَذِهِ السَّنَّةَ، فَسَارَ بَهَاءُ الدِّينِ سَامُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَلَكَهَا، وَتَمَكَّنَ فِيهَا، وَقَطَعَ الْحَمْلَ إِلَى الْخَطَا، وَخَطَبَ لِغِيَاثِ الدِّينِ، وَصَارَتْ مِنْ جُمْلَةِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ فِي طَاعَةِ الْكَافِرِ. ذِكْرُ انْهِزَامِ الْخَطَا مَنِ الْغُورِيَّةِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبَرَ الْخَطَا نَهْرَ جَيْحُونَ إِلَى نَاحِيَةِ خُرَاسَانَ، فَعَاثُوا فِي الْبِلَادِ وَأَفْسَدُوا، فَلَقِيَهُمْ عَسْكَرُ غِيَاثِ الدِّينِ الْغَوْرِيِّ وَقَاتَلَهُمْ فَانْهَزَمَ الْخَطَا. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ خُوَارِزْمَ شَاهْ تُكُشَ كَانَ قَدْ سَارَ إِلَى بَلَدِ الرَّيِّ وَهَمَذَانَ وَأَصْفَهَانَ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْبِلَادِ وَمَلَكَهَا، وَتَعَرَّضَ إِلَى عَسَاكِرِ الْخَلِيفَةِ، وَأَظْهَرَ طَلَبَ السَّلْطَنَةِ وَالْخُطْبَةِ بِبَغْدَادَ، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ مَلِكِ الْغَوْرِ وَغَزْنَةَ [يَأْمُرُهُ] بِقَصْدِ بِلَادِ خُوَارِزْمَ شَاهْ [لِيَعُودَ عَنْ قَصْدِ الْعِرَاقِ، وَكَانَ خُوَارِزْمُ شَاهْ] قَدْ عَادَ إِلَى خُوَارِزْمَ، فَرَاسَلَهُ غِيَاثُ الدِّينِ يُقَبِّحُ لَهُ فِعْلَهُ، وَيَتَهَدَّدُهُ بِقَصْدِ بِلَادِهِ وَأَخْذِهَا، فَأَرْسَلَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى الْخَطَا يَشْكُو إِلَيْهِمْ مِنْ غِيَاثِ الدِّينِ، وَيَقُولُ: إِنْ لَمْ تُدْرِكُوهُ بِإِنْفَاذِ الْعَسَاكِرِ، وَإِلَّا أَخَذَ غِيَاثُ الدِّينِ بِلَادَهُ. كَمَا أَخَذَ مَدِينَةَ بَلْخَ، وَقَصَدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِلَادَهُمْ، وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ مَنْعُهُ، وَيَعْجِزُونَ عَنْهُ، وَيَضْعُفُونَ عَنْ رَدِّهِ عَمَّا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَجَهَّزَ مَلِكُ الْخَطَا جَيْشًا كَثِيفًا، وَجَعَلَ مُقَدَّمَهُمُ الْمَعْرُوفَ بِطَايِنْكُوَا، وَهُوَ كَالْوَزِيرِ لَهُ، فَسَارُوا وَعَبَرُوا جَيْحُونَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ الزَّمَانُ شِتَاءً، وَكَانَ شِهَابُ الدِّينِ الْغُورِيُّ أَخُو غِيَاثِ الدِّينِ بِبِلَادِ الْهِنْدِ، وَالْعَسَاكِرُ مَعَهُ، وَغِيَاثُ الدِّينِ بِهِ مِنَ النِّقْرِسِ مَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْحَرَكَةِ، إِنَّمَا يُحْمَلُ فِي مِحَفَّةٍ، وَالَّذِي يَقُودُ الْجَيْشَ وَيُبَاشِرُ الْحُرُوبَ أَخُوهُ شِهَابُ

стр. 5864

الدِّينِ، فَلَمَّا وَصَلَ الْخَطَا إِلَى جَيْحُونَ، وَسَارَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى طُوسَ، عَازِمًا عَلَى قَصْدِ هَرَاةَ وَمُحَاصَرَتِهَا، وَعَبَرَ الْخَطَا النَّهْرَ، وَوَصَلُوا إِلَى بِلَادِ الْغَوْرِ مِثْلَ: كُرُزْبَانَ وَسُرْقَانَ وَغَيْرِهِمَا، وَقَتَلُوا وَأَسَرُوا وَنَهَبُوا وَسَبَوْا كَثِيرًا لَا يُحْصَى، فَاسْتَغَاثَ النَّاسُ بِغِيَاثِ الدِّينِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ مَا يَلْقَاهُمْ بِهَا، فَرَاسَلَ الْخَطَا بَهَاءَ الدِّينِ سَامَ مَلِكَ بَامِيَانَ يَأْمُرُونَهُ بِالْإِفْرَاجِ عَنْ بَلْخَ، أَوْ أَنَّهُ يَحْمِلُ مَا كَانَ مَنْ قَبْلَهُ يَحْمِلُهُ مِنَ الْمَالِ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ. وَعَظُمَتِ الْمُصِيبَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِمَا فَعَلَهُ الْخَطَا، فَانْتُدِبَ الْأَمِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرْبَكَ الْغُورِيُّ، وَهُوَ مُقْطَعُ الطَّالْقَانِ مِنْ قِبَلِ غِيَاثِ الدِّينِ، وَكَانَ شُجَاعًا، وَكَاتِبُ الْحُسَيْنِ بْنِ خَرْمِيلَ، وَكَانَ بِقَلْعَةِ كُرْزُبَانَ. وَاجْتَمَعَ مَعَهُمَا الْأَمِيرُ حَرُّوشٌ الْغُورِيُّ، وَسَارُوا بِعَسَاكِرِهِمْ إِلَى الْخَطَا، فَبَيَّتُوهُمْ، وَكَبَسُوهُمْ لَيْلًا، وَمِنْ عَادَةِ الْخَطَا أَنَّهُمْ لَا يُخْرِجُونَ مِنْ خِيَامِهِمْ لَيْلًا، وَلَا يُفَارِقُونَهَا، فَأَتَاهُمْ هَؤُلَاءِ الْغُورِيَّةُ وَقَاتَلُوهُمْ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِي الْخَطَا، وَانْهَزَمَ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ مَنِ الْقَتْلِ، وَأَيْنَ يَنْهَزِمُونَ وَالْعَسْكَرُ الْغُورِيُّ خَلْفَهُمْ، وَجَيْحُونُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ! وَظَنَّ الْخَطَا أَنَّ غِيَاثَ الدِّينِ قَدْ قَصَدَهُمْ فِي عَسَاكِرِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا وَعَرَفُوا مَنْ قَاتَلَهُمْ وَعَلِمُوا أَنَّ غِيَاثَ الدِّينِ بِمَكَانِهِ، قَوِيَتْ قُلُوبُهُمْ، وَثَبَتُوا [وَاقْتَتَلُوا] عَامَّةَ نَهَارِهِمْ، فَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ عَظِيمٌ، وَلَحِقَتِ الْمُتَطَوِّعَةُ بِالْغُورِيِّينَ، وَأَتَاهُمْ مَدَدٌ مِنْ غِيَاثِ الدِّينِ وَهُمْ فِي الْحَرْبِ، فَثَبَتَ الْمُسْلِمُونَ، وَعَظُمَتْ نِكَايَتُهُمْ فِي الْكُفَّارِ. وَحَمَلَ الْأَمِيرُ حَرُّوشٌ عَلَى قَلْبِ الْخَطَا، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَأَصَابَهُ جِرَاحَةٌ تُوُفِّيَ مِنْهَا، ثُمَّ إِنَّ مَحْمُودَ بْنَ جَرْبَكَ وَابْنَ خَرْمِيلَ حَمَلَا فِي أَصْحَابِهِمَا، وَتَنَادَوْا: لَا يَرْمِ أَحَدٌ بِقَوْسٍ، وَلَا يَطْعَنُ بِرُمْحٍ، وَأَخَذُوا اللُّتُوتَ، وَحَمَلُوا عَلَى الْخَطَا فَهَزَمُوهُمْ وَأَلْحَقُوهُمْ بِجَيْحُونَ، فَمَنْ صَبَرَ قُتِلَ، وَمَنْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ غَرِقَ. وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى مَلِكِ الْخَطَا، فَعَظُمَ عَلَيْهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ يَقُولُ لَهُ: أَنْتَ قَتَلْتَ رِجَالِي، وَأُرِيدُ عَنْ كُلِّ قَتِيلٍ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَكَانَ الْقَتْلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا،

стр. 5865

وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ مَنْ رَدَّهُ إِلَى خُوَارِزْمَ، وَأَلْزَمُوهُ بِالْحُضُورِ عِنْدَهُ، فَأَرْسَلَ حِينَئِذٍ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يُعَرِّفُهُ حَالَهُ مَعَ الْخَطَا، وَيَشْكُو إِلَيْهِ وَيَسْتَعْطِفُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ يَأْمُرُهُ بِطَاعَةِ الْخَلِيفَةِ، وَإِعَادَةِ مَا أَخَذَهُ الْخَطَا مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَنْفَصِلْ بَيْنَهُمَا حَالٌ. ذِكْرُ مُلْكِ خُوَارِزْمَ شَاهْ مَدِينَةَ بُخَارَى لَمَّا وَرَدَ رَسُولُ مَلِكِ الْخَطَا عَلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، أَعَادَ الْجَوَابَ: إِنَّ عَسْكَرَكَ إِنَّمَا قَصَدَ انْتِزَاعَ بَلْخَ، وَلَمْ يَأْتُوا إِلَى نُصْرَتِي، وَلَا اجْتَمَعْتُ بِهِمْ، وَلَا أَمَرْتُهُمْ بِالْعُبُورِ، وَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَنَا مُقِيمٌ بِالْمَالِ الْمَطْلُوبِ مِنِّي، وَلَكِنْ حَيْثُ عَجَزْتُمْ أَنْتُمْ عَنِ الْغُورِيَّةِ عُدْتُمْ عَلَيَّ بِهَذَا الْقَوْلِ وَهَذَا الْمَطْلَبِ، وَأَمَّا أَنَا فَقَدَ أَصْلَحَتُ الْغُورِيَّةَ، وَدَخَلْتُ فِي طَاعَتِهِمْ، وَلَا طَاعَةَ لَكُمْ عِنْدِي. فَعَادَ الرَّسُولُ بِالْجَوَابِ، فَجَهَّزَ مَلِكُ الْخَطَا جَيْشًا عَظِيمًا وَسَيَّرَهُ إِلَى خُوَارِزْمَ فَحَصَرُوهَا، فَكَانَ خُوَارِزْمُ شَاهْ يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ كُلَّ لَيْلَةٍ، وَيَقْتُلُ مِنْهُمْ خَلْقًا، وَأَتَاهُ مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَلَمْ يَزَلْ هَذَا فِعْلَهُ بِهِمْ حَتَّى أَتَى عَلَى أَكْثَرِهِمْ، فَدَخَلَ الْبَاقُونَ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَرَحَلَ خُوَارِزْمُ شَاهْ فِي آثَارِهِمْ، وَقَصَدَ بُخَارَى فَنَازَلَهَا وَحَصَرَهَا، وَامْتَنَعَ أَهْلُهَا مِنْهُ، وَقَاتَلُوهُ مَعَ الْخَطَا، حَتَّى أَنَّهُمْ أَخَذُوا كَلْبًا أَعَوَرًا وَأَلْبَسُوهُ قَبَاءً وَقَلَنْسُوَةً، وَقَالُوا: هَذَا خُوَارِزْمُ شَاهْ، لِأَنَّهُ كَانَ أَعْوَرَ، وَطَافُوا بِهِ عَلَى السُّورِ، ثُمَّ أَلْقَوْهُ فِي مَنْجَنِيقٍ [إِلَى] الْعَسْكَرِ، وَقَالُوا: هَذَا سُلْطَانُكُمْ. وَكَانَ الْخُوَارِزْمِيُّونَ يَسُبُّونَهُمْ وَيَقُولُونَ: يَا أَجْنَادَ الْكُفَّارِ، أَنْتُمْ قَدِ ارْتَدَدْتُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَزَلْ هَذَا دَأْبُهُمْ حَتَّى مَلَكَ خُوَارِزْمُ شَاهْ الْبَلَدَ، بَعْدَ أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ، عَنْوَةً وَعَفَا عَنْ أَهْلِهِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَفَرَّقَ فِيهِمْ مَالًا كَثِيرًا، وَأَقَامَ بِهِ مُدَّةً وَعَادَ إِلَى خُوَارِزْمَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْحِجَّةِ، تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ زِيَادَةَ، كَاتِبُ

стр. 5866

الْإِنْشَاءِ بِدِيوَانِ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَ عَالِمًا فَاضِلًا، لَهُ كِتَابَةٌ حَسَنَةٌ، وَكَانَ رَجُلًا عَاقِلًا خَيِّرًا، كَثِيرَ النَّفْعِ لِلنَّاسِ، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ. وَفِيهَا حَصَرَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيُّوبَ قَلْعَةَ مَارْدِينَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَقَاتَلَ مَنْ بِهَا، وَكَانَ صَاحِبُهَا حُسَامَ الدِّينِ (يَوْلَقَ) أَرْسِلَانَ بْنَ إِيلِغَازِي بْنِ أَلْبِي بْنِ تِمِرْتَاشْ بْنِ إِيلِغَازِي بْنِ أُرْتُقْ، كُلُّ هَؤُلَاءِ مُلُوكُ مَارْدِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ مَا يُعْلَمُ بِهِ مَحَلُّهُمْ، وَكَانَ صَبِيًّا، وَالْحَاكِمُ فِي بَلَدِهِ وَدَوْلَتِهِ مَمْلُوكُ أَبِيهِ الْعَادِلِ النِّظَامِ يَرَنْقَشَ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ مَعَهُ حُكْمٌ الْبَتَّةَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُمُورِ، وَلَمَّا حَصَرَ الْعَادِلُ مَارْدِينَ وَدَامَ عَلَيْهَا سَلَّمَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِهَا الرَّبَضَ بِمُخَامَرَةٍ بَيْنَهُمْ، فَنَهَبَ الْعَسْكَرُ أَهْلَهُ نَهْبًا قَبِيحًا، وَفَعَلُوا بِهِمْ أَفْعَالًا عَظِيمَةً لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا، فَلَمَّا تَسَلَّمَ الرَّبَضَ تَمَكَّنَ مِنْ حَصْرِ الْقَلْعَةِ، وَقَطَعَ الْمِيرَةَ عَنْهَا، وَبَقِيَ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ رَحَلَ عَنْهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] عَلَى مَا نَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ -. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْقَادِسِيُّ الزَّاهِدُ، الْمُقِيمُ بِبَغْدَادَ، وَالْقَادِسِيَّةُ الَّتِي يُنْسَبُ إِلَيْهَا قَرْيَةٌ بِنَهْرِ عِيسَى مِنْ أَعْمَالِ بَغْدَادَ، وَكَانَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ الْعَامِلِينَ، وَدُفِنَ بِقَرْيَتِهِ. وَأَبُو الْمَجْدِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ النَّاصِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ مُدَرِّسُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ مِنْ أَوْلَادِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁.

стр. 5867

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَة] ٥٩٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ وَفَاةِ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ وَمُلْكِ أَخِيهِ الْأَفْضَلِ دِيَارَ مِصْرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، تُوُفِّيَ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ عُثْمَانُ بْنُ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنَ أَيُّوبَ، صَاحِبُ دِيَارِ مِصْرَ، وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الصَّيْدِ، فَوَصَلَ إِلَى الْفَيُّومِ مُتَصَيِّدًا. فَرَأَى ذِئْبًا، فَرَكَضَ فَرَسُهُ فِي طَلَبِهِ، فَعَثَرَ الْفَرَسُ فَسَقَطَ عَنْهُ فِي الْأَرْضِ وَلَحِقَتْهُ حُمَّى، فَعَادَ إِلَى الْقَاهِرَةِ مَرِيضًا، فَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، فَلَمَّا مَاتَ كَانَ الْغَالِبُ عَلَى أَمْرِهِ مَمْلُوكُ وَالِدِهِ فَخْرُ الدِّينِ جَهَارْكَسُ، وَهُوَ الْحَاكِمُ فِي بَلَدِهِ، فَأَحْضَرَ إِنْسَانًا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ، وَأَرَاهُ الْعَزِيزَ مَيِّتًا. وَسَيَّرَهُ إِلَى الْعَادِلِ وَهُوَ يُحَاصِرُ مَارْدِينَ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - وَيَسْتَدْعِيهِ لِيُمَلِّكَهُ الْبِلَادَ، فَسَارَ الْقَاصِدُ مُجِدًّا، فَلَمَّا كَانَ بِالشَّامِ رَأَى بَعْضَ أَصْحَابِ الْأَفْضَلِ عَلِيِّ بْنِ صَلَاحِ الدِّينِ، فَقَالَ لَهُ: قُلْ لِصَاحِبِكَ إِنَّ أَخَاهُ الْعَزِيزَ تُوُفِّيَ، وَلَيْسَ فِي الْبِلَادِ مَنْ يَمْنَعُهَا، فَلْيَسِرْ إِلَيْهَا فَلَيْسَ دُونَهَا مَانِعٌ. وَكَانَ الْأَفْضَلُ مَحْبُوبًا إِلَى النَّاسِ يُرِيدُونَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتِ الْأَفْضَلُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَإِذَا قَدْ وَصَلَهُ رُسُلُ الْأُمَرَاءِ مِنْ مِصْرَ يَدْعُونَهُ إِلَيْهِمْ لِيُمَلِّكُوهُ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَمِيرَ سَيْفَ الدِّينِ يَازْكَجَ - مُقَدَّمَ الْأَسَدِيَّةِ، وَالْفِرْقَةَ الْأَسَدِيَّةَ وَالْأُمَرَاءَ الْأَكْرَادَ يُرِيدُونَهُ وَيَمِيلُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ الْمَمَالِيكُ النَّاصِرِيَّةُ الَّذِينَ هُمْ مِلْكُ أَبِيهِ يَكْرَهُونَهُ، فَاجْتَمَعَ

стр. 5868

سَيْفُ الدِّينِ، - مُقَدَّمُ الْأَسَدِيَّةِ -، وَفَخْرُ الدِّينِ جَهَارْكَسُ - مُقَدَّمُ النَّاصِرِيَّةِ - لِيَتَّفِقُوا عَلَى مَنْ يُوَلُّونَهُ الْمُلْكَ، فَقَالَ فَخْرُ الدِّينِ: نُوَلِّي ابْنَ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ سَيْفُ الدِّينِ: إِنَّهُ طِفْلٌ، وَهَذِهِ الْبِلَادُ ثَغْرُ الْإِسْلَامِ، وَلَا بُدَّ مِنْ قَيِّمٍ بِالْمُلْكِ يَجْمَعُ الْعَسَاكِرَ، وَيُقَاتِلُ بِهَا، وَالرَّأْيُ أَنَّنَا نَجْعَلُ الْمُلْكَ فِي هَذَا الطِّفْلِ الصَّغِيرِ، وَنَجْعَلُ مَعَهُ بَعْضَ أَوْلَادِ صَلَاحِ الدِّينِ يُدَبِّرُهُ إِلَى أَنْ يَكْبُرَ، فَإِنَّ الْعَسَاكِرَ لَا تُطِيعُ غَيْرَهُمْ، وَلَا تَنْقَادُ لِأَمِيرٍ، فَاتَّفَقَا عَلَى هَذَا، فَقَالَ جَهَارْكَسُ: فَمَنْ يَتَوَلَّى هَذَا؟ فَأَشَارَ يَازْكَجُ بِغَيْرِ الْأَفْضَلِ مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَهَارْكَسَ مُنَازَعَةٌ لِئَلَّا يُتَّهَمَ وَيَنْفَرَ جَهَارْكَسُ عَنْهُ، فَامْتَنَعَ مِنْ وِلَايَتِهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَذْكُرُ مِنْ أَوْلَادِ صَلَاحِ الدِّينِ وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ إِلَى أَنْ ذَكَرَ آخِرَهُمُ الْأَفْضَلُ، فَقَالَ جَهَارْكَسُ: هُوَ بَعِيدٌ عَنَّا، وَكَانَ بِصَرْخَدَ مُقِيمًا فِيهَا مِنْ حِينِ أُخِذَتْ مِنْهُ دِمَشْقُ، فَقَالَ يَازْكَجُ: نُرْسِلُ إِلَيْهِ مَنْ يَطْلُبُهُ مُجِدًّا، فَأَخَذَ جَهَارْكَسُ يُغَالِطُهُ، فَقَالَ يَازْكَجُ: نَمْضِي إِلَى الْقَاضِي الْفَاضِلَ وَنَأْخُذُ رَأْيَهُ، فَاتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ، (وَأَرْسَلَ يَازْكَجُ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، وَيُشِيرُ بِتَمْلِيكِ الْأَفْضَلِ) ، فَلَمَّا اجْتَمَعَا عِنْدَهُ، وَعَرَّفَاهُ صُورَةَ الْحَالِ، أَشَارَ بِالْأَفْضَلِ، فَأَرْسَلَ يَازْكَجُ فِي الْحَالِ الْقُصَّادَ وَرَاءَهُ، فَسَارَ عَنْ صَرْخَدَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ صَفَرٍ، مُتَنَكِّرًا فِي تِسْعَةَ عَشَرَ نَفْسًا، لِأَنَّ الْبِلَادَ كَانَتْ لِلْعَادِلِ، وَيَضْبُطُ نُوَّابُهُ الطُّرُقَ، لِئَلَّا يَجُوزَ إِلَى مِصْرَ لِيَجِيءَ الْعَادِلُ وَيَمْلِكَهَا. فَلَمَّا قَارَبَ الْأَفْضَلُ الْقُدْسَ، وَقَدْ عَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ، لَقِيَهُ فَارِسَانِ قَدْ أُرْسِلَا إِلَيْهِ مِنَ الْقُدْسِ، فَأَخْبَرَاهُ أَنَّ مَنْ بِالْقُدْسِ قَدْ صَارَ فِي طَاعَتِهِ، وَجَدَّ فِي السَّيْرِ، فَوَصَلَ إِلَى بِلْبِيسَ خَامِسَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَلَقِيَهُ إِخْوَتُهُ، وَجَمَاعَةُ الْأُمَرَاءِ الْمِصْرِيَّةُ، وَجَمِيعُ الْأَعْيَانِ، فَاتُّفِقَ أَنَّ أَخَاهُ الْمَلِكَ الْمُؤَيَّدَ مَسْعُودًا صَنَعَ لَهُ طَعَامًا، وَصَنَعَ لَهُ فَخْرُ الدِّينِ مَمْلُوكُ أَبِيهِ طَعَامًا، فَابْتَدَأَ بِطَعَامِ أَخِيهِ لِيَمِينٍ حَلَفَهَا أَخُوهُ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِهِ، فَظَنَّ جَهَارْكَسُ أَنَّهُ فَعَلَ هَذَا انْحِرَافًا عَنْهُ وَسُوءَ اعْتِقَادٍ فِيهِ، فَتَغَيَّرَتْ نِيَّتُهُ، وَعَزَمَ عَلَى الْهَرَبِ، فَحَضَرَ عِنْدَ الْأَفْضَلِ وَقَالَ: إِنَّ طَائِفَةً مِنَ الْعَرَبِ قَدِ اقْتَتَلُوا، وَلَئِنْ لَمْ تَمْضِ إِلَيْهِمْ تُصْلِحْ بَيْنَهُمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى فَسَادٍ، فَأَذِنَ لَهُ الْأَفْضَلُ فِي الْمُضِيِّ إِلَيْهِمْ، فَفَارَقَهُ، وَسَارَ مُجِدًّا حَتَّى وَصَلَ

стр. 5869

إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَدَخَلَهُ، وَتَغَلَّبَ عَلَيْهِ، وَلَحِقَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاصِرِيَّةِ مِنْهُمْ قَرَاجَةُ الزِّرَهْ كَشُ، وَسَرَا سُنْقُرُ، وَأَحْضَرُوا عِنْدَهُمْ مَيْمُونًا الْقَصْرِيَّ صَاحِبَ نَابُلُسَ، وَهُوَ أَيْضًا مِنَ الْمَمَالِيكِ النَّاصِرِيَّةِ، فَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ بِهِ، وَاجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهُمْ عَلَى خِلَافِ الْأَفْضَلِ، وَأَرْسَلُوا إِلَى الْمَلِكِ الْعَادِلِ وَهُوَ عَلَى مَارْدِينَ يَطْلُبُونَهُ إِلَيْهِمْ لِيَدْخُلُوا مَعَهُ إِلَى مِصْرَ لِيَمْلِكُوهَا، فَلَمْ يَسِرْ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُ كَانَتْ أَطْمَاعُهُ قَدْ قَوِيَتْ فِي أَخْذِ مَارْدِينَ، وَقَدْ عَجَزَ مَنْ بِهَا عَنْ حِفْظِهَا،، فَظَنَّ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا، وَالَّذِي يُرِيدُونَهُ مِنْهُ لَا يَفُوتُهُ. وَأَمَّا الْأَفْضَلُ فَإِنَّهُ دَخَلَ إِلَى الْقَاهِرَةِ سَابِعَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَسَمِعَ بِهَرَبِ جَهَارْكَسَ، فَأَهَمَّهُ ذَلِكَ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ لِيَعُودُوا إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا بُعْدًا، وَلَحِقَ بِهِمْ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاصِرِيَّةِ أَيْضًا، فَاسْتَوْحَشَ الْأَفْضَلُ مِنَ الْبَاقِينَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ شُقَيْرَةُ وَأَيْبَكُ فُطَيْسُ، وَأَلْبَكْي الْفَارِسُ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ بَطَلٌ مَشْهُورٌ وَمُقَدَّمٌ مَذْكُورٌ، سِوَى مَنْ لَيْسَ مِثْلَهُمْ فِي التَّقَدُّمِ وَعُلُوِّ الْقَدْرِ، وَأَقَامَ الْأَفْضَلُ بِالْقَاهِرَةِ وَأَصْلَحَ الْأُمُورَ، وَقَرَّرَ الْقَوَاعِدَ، وَالْمَرْجِعُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ إِلَى سَيْفِ الدِّينِ يَازْكَجَ. ذِكْرُ حَصْرِ الْأَفْضَلِ لِمَدِينَةِ دِمَشْقَ وَعَوْدِهِ عَنْهَا لَمَّا مَلَكَ الْأَفْضَلُ مِصْرَ، وَاسْتَقَرَّ بِهَا، وَمَعَهُ ابْنُ أَخِيهِ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ، اسْتُعْظِمَ اسْمُ الْمَلِكِ لَهُ لِصِغَرِهِ، وَاجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْأَفْضَلِ بِهَا، وَصَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ أَخِيهِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ غَازِي، صَاحِبِ حَلَبَ، وَرُسُلُ ابْنِ عَمِّهِ أَسَدِ الدَّيْنِ شِيرْكُوه بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرْكُوه، صَاحِبِ حِمْصَ، يَحُثَّانِهِ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى دِمَشْقَ، وَاغْتِنَامِ الْفُرْصَةِ بِغَيْبَةِ الْعَادِلِ عَنْهَا، وَبَذَلَا لَهُ الْمُسَاعَدَةَ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ وَالرِّجَالِ، فَبَرَزَ مِنْ مِصْرَ، مُنْتَصَفَ جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ، عَلَى عَزْمِ الْمَسِيرِ إِلَى دِمَشْقَ، وَأَقَامَ بِظَاهِرِ الْقَاهِرَةِ إِلَى ثَالِثِ رَجَبٍ، وَرَحَلَ فِيهِ وَتَعَوَّقَ فِي مَسِيرِهِ، وَلَوْ بَادَرَ وَعَجَّلَ الْمَسِيرَ لِمَلَكَ دِمَشْقَ، لَكِنَّهُ تَأَخَّرَ، فَوَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ ثَالِثَ عَشَرَ شَعْبَانَ، فَنَزَلَ عِنْدَ جِسْرِ الْخَشَبِ عَلَى فَرْسَخٍ وَنِصْفٍ مِنْ دِمَشْقَ، وَكَانَ الْعَادِلُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ نُوَّابَهُ بِدِمَشْقَ يُعَرِّفُونَهُ قَصْدَ الْأَفْضَلِ لَهُمْ، فَفَارَقَ مَارْدِينَ وَخَلَّفَ وَلَدَهُ الْمَلِكَ الْكَامِلَ مُحَمَّدًا فِي جَمِيعِ الْعَسَاكِرِ عَلَى حِصَارِهَا، وَسَارَ جَرِيدَةً فَجَدَّ فِي السَّيْرِ، فَسَبَقَ الْأَفْضَلَ، فَدَخَلَ دِمَشْقَ قَبْلَ الْأَفْضَلِ بِيَوْمَيْنِ.

стр. 5870

وَأَمَّا الْأَفْضَلُ فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ إِلَى دِمَشْقَ مِنَ الْغَدِ، وَهُوَ رَابِعَ عَشْرَ شَعْبَانَ، وَدَخَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِعَيْنِهِ طَائِفَةٌ يَسِيرَةٌ مِنْ عَسْكَرِهِ إِلَى عَسْقَلَانَ إِلَى دِمَشْقَ مِنْ بَابِ السَّلَامَةِ، وَسَبَبُ دُخُولِهِمْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَجْنَادِهِ مِمَّنْ بُيُوتُهُمْ مُجَاوِرَةٌ لِلْبَابِ، اجْتَمَعُوا بِالْأَمِيرِ مَجْدِ الدِّينِ أَخِي الْفَقِيهِ عِيسَى الْهَكَّارِيِّ، وَتَحَدَّثُوا مَعَهُ فِي أَنْ يَقْصِدَ هُوَ وَالْعَسْكَرُ بَابَ السَّلَامَةِ لِيَفْتَحُوهُ لَهُمْ، فَأَرَادَ مَجْدُ الدِّينِ أَنْ يَخْتَصَّ، بِفَتْحِ الْبَابِ وَحْدَهُ، فَلَمْ يُعْلِمِ الْأَفْضَلَ، وَلَا أَخْذَ مَعَهُ أَحَدًا مِنَ الْأُمَرَاءِ، بَلْ سَارَ وَحْدَهُ بِمُفْرَدِهِ، وَمَعَهُ نَحْوُ خَمْسِينَ فَارِسًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَفُتِحَ لَهُ الْبَابُ، فَدَخَلَهُ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، فَلَمَّا رَآهُمْ عَامَّةُ الْبَلَدِ، وَنَادَوْا بِشِعَارِ الْأَفْضَلِ، وَاسْتَسْلَمَ مَنْ بِهِ مِنَ الْجُنْدِ، وَنَزَلُوا عَنِ الْأَسْوَارِ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمَلِكِ الْعَادِلِ، فَكَادَ يَسْتَسْلِمُ، وَتَمَاسَكَ. وَأَمَّا الَّذِينَ دَخَلُوا الْبَلَدَ فَإِنَّهُمْ وَصَلُّوا إِلَى بَابِ الْبَرِيدِ، فَلَقَدْ رَأَى عَسْكَرُ الْعَادِلِ بِدِمَشْقَ قِلَّةَ عَدَدِهِمْ، وَانْقِطَاعَ مَدَدِهِمْ، وَثَبُوا بِهِمْ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْهُ، وَكَانَ الْأَفْضَلُ قَدْ نَصَبَ خَيْمَهً بِالْمَيْدَانِ الْأَخْضَرِ، وَقَارَبَ عَسْكَرُهُ الْبَابَ الْحَدِيدَ - وَهُوَ مِنْ أَبْوَابِ الْقَلْعَةِ - فَقَدَّرَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنْ أُشِيرَ عَلَى الْأَفْضَلِ بِالِانْتِقَالِ إِلَى مَيْدَانِ الْحَصَى، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَقَوِيَتْ نُفُوسُ مَنْ فِيهِ، وَضَعُفَتْ نُفُوسُ الْعَسْكَرِ الْمِصْرِيِّ، ثُمَّ إِنَّ الْأُمَرَاءَ الْأَكْرَادَ مِنْهُمْ تَحَالَفُوا، فَصَارُوا يَدًا وَاحِدَةً يَغْضَبُونَ لِغَضَبِ أَحَدِهِمْ، وَيَرْضَوْنَ لِرِضَى أَحَدِهِمْ، فَظَنَّ الْأَفْضَلُ وَبَاقِي الْأَسَدِيَّةُ أَنَّهُمْ فَعَلُوا بِقَاعِدَةٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الدِّمَشْقِيِّينَ، فَرَحَلُوا مِنْ مَوْضِعِهِمْ، وَتَأَخَّرُوا فِي الْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ، وَوَصَلَ أَسَدُ الدِّينِ شِيرْكُوه صَاحِبُ حِمْصَ إِلَى الْأَفْضَلِ فِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ وَوَصَلَ بَعْدَهُ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ صَاحِبُ حَلَبَ، ثَانِيَ عَشْرَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأَرَادُوا الزَّحْفَ إِلَى دِمَشْقَ، فَمَنَعَهُمُ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ مَكْرًا بِأَخِيهِ وَحَسَدًا لَهُ، وَلَمْ يَشْعُرْ أَخُوهُ الْأَفْضَلُ بِذَلِكَ. وَأَمَّا الْمَلِكُ الْعَادِلُ فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى كَثْرَةَ الْعَسَاكِرِ وَتَتَابُعَ الْأَمْدَادَ إِلَى الْأَفْضَلِ عَظُمَ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْمَمَالِيكِ النَّاصِرِيَّةِ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ يَسْتَدْعِيهِمْ إِلَيْهِ، فَسَارُوا سَلْخَ شَعْبَانَ، فَوَصَلَ خَبَرُهُمْ إِلَى الْأَفْضَلِ، فَسَيَّرَ أَسَدَ الدِّينِ - صَاحِبَ حِمْصَ - وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ إِلَى طَرِيقِهِمْ لِيَمْنَعُوهُمْ، فَسَلَكُوا غَيْرَ طَرِيقِهِمْ، فَجَاءَ أُولَئِكَ وَدَخَلُوا دِمَشْقَ خَامِسَ رَمَضَانَ، فَقَوِيَ الْعَادِلُ بِهِمْ قُوَّةً عَظِيمَةً، وَأَيِسَ الْأَفْضَلُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ دِمَشْقَ،

стр. 5871

وَخَرَجَ عَسْكَرُ دِمَشْقَ فِي شَوَّالٍ، فَكَبَسُوا الْعَسْكَرَ الْمِصْرِيَّ، فَوَجَدُوهُمْ قَدْ حَذَّرُوهُمْ، فَعَادُوا عَنْهُمْ خَاسِرِينَ. وَأَقَامَ الْعَسْكَرُ عَلَى دِمَشْقَ مَا بَيْنَ قُوَّةٍ وَضَعْفٍ، وَانْتِصَارٍ وَتَخَاذُلٍ، حَتَّى أَرْسَلَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ خَلَفَ وَلَدِهِ الْمَلِكِ الْكَامِلِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ قَدْ رَحَلَ عَنْ مَارْدِينَ - عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ بِحَرَّانَ، فَاسْتَدْعَاهُ إِلَيْهِ بِعَسْكَرِهِ، فَسَارَ عَلَى طَرِيقِ الْبَرِّ، فَدَخَلَ إِلَى دِمَشْقَ ثَانِيَ عَشَرَ صَفَرٍ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ رَحَلَ الْعَسْكَرُ عَنْ دِمَشْقَ إِلَى ذَيْلِ جَبَلِ الْكُسْوَةِ سَابِعَ عَشَرَ صَفَرٍ، وَاسْتَقَرَّ أَنْ يُقِيمُوا بِحَوْرَانَ حَتَّى يَخْرُجَ الشِّتَاءُ، فَرَحَلُوا إِلَى رَأْسِ الْمَاءِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ شَدِيدٌ الْبَرْدِ، فَتَغَيَّرَ الْعَزْمُ عَنِ الْمُقَامِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَعُودَ كُلٌّ مِنْهُمْ إِلَى بَلَدِهِ، فَعَادَ الظَّاهِرُ صَاحِبُ حَلَبَ، وَأَسَدُ الدِّينِ صَاحِبُ حِمْصَ، إِلَى بِلَادِهِمَا، وَعَادَ الْأَفْضَلُ إِلَى مِصْرَ، فَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ وَفَاةِ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ فِي هَذِهِ [السَّنَةَ] ، ثَامِنَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَقِيلَ جُمَادَى الْأُولَى تُوُفِّيَ أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، صَاحِبُ الْمَغْرِبِ وَالْأَنْدَلُسِ بِمَدِينَةٍ سَلَا، وَكَانَ قَدْ سَارَ إِلَيْهَا مِنْ مُرَّاكِشَ، وَكَانَ قَدْ بَنَى مَدِينَةً مُحَاذِيَةً لِسَلَا وَسَمَّاهَا الْمَهْدِيَّةَ، مِنْ أَحْسَنِ الْبِلَادِ وَأَنْزَهِهَا، فَسَارَ إِلَيْهَا يُشَاهِدُهَا، فَتُوُفِّيَ بِهَا، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ ذَا جِهَادٍ لِلْعَدُوِّ، وَدِينٍ، وَحُسْنِ سِيرَةٍ، وَكَانَ يَتَظَاهَرُ بِمَذْهَبِ الظَّاهِرِيَّةِ، وَأَعْرَضَ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، فَعَظُمَ أَمْرُ الظَّاهِرِيَّةِ فِي أَيَّامِهِ، وَكَانَ

стр. 5872

بِالْمَغْرِبِ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ يُقَالُ لَهُمُ الْجَرْمِيَّةُ، وَمَنْسُوبُونَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَرْمٍ، رَئِيسِ الظَّاهِرِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ مَغْمُورُونَ بِالْمَالِكِيَّةِ. فَفِي أَيَّامِهِ ظَهَرُوا وَانْتَشَرُوا، ثُمَّ فِي آخِرِ أَيَّامِهِ اسْتَقْضَى الشَّافِعِيَّةُ عَلَى بَعْضِ الْبِلَادِ وَمَالَ إِلَيْهِمْ. وَلَمَّا مَاتَ قَامَ ابْنُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ وَلَّاهُ عَهْدَهُ فِي حَيَاتِهِ، فَاسْتَقَامَ الْمُلْكُ وَأَطَاعَهُ النَّاسُ، وَجَهَّزَ جَمْعًا مِنَ الْعَرَبِ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الْأَنْدَلُسِ احْتِيَاطًا مِنَ الْفِرِنْجِ. ذِكْرُ عِصْيَانِ أَهْلِ الْمَهْدِيَّةِ عَلَى يَعْقُوبَ وَطَاعَتِهَا لِوَلَدِهِ مُحَمَّدٍ كَانَ أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ، صَاحِبُ الْمَغْرِبِ، لَمَّا عَادَ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَاسْتَعْمَلَ أَبَا سَعِيدٍ عُثْمَانَ، وَأَبَا عَلِيٍّ يُونُسَ بْنَ عُمَرَ ايِنْتِي، وَهَمَا وَأَبُوهُمَا مِنْ أَعْيَانِ الدَّوْلَةِ، فَوَلَّى عُثْمَانَ مَدِينَةَ تُونِسَ، وَوَلَّى أَخَاهُ الْمَهْدِيَّةَ، وَجَعَلَ قَائِدَ الْجَيْشِ بِالْمَهْدِيَّةِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْكَرِيمِ، وَهُوَ شُجَاعٌ مَشْهُورٌ، فَعَظُمَتْ نِكَايَتُهُ فِي الْعَرَبِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ يَخَافُهُ. فَاتُّفِقَ أَنَّهُ أَتَاهُ الْخَبَرُ بِأَنَّ طَائِفَةً مِنْ عَوْفٍ نَازِلُونَ بِمَكَانٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، وَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى جَازَهُمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَائِدًا يَطْلُبُهُمْ، وَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِخُرُوجِهِ إِلَيْهِمْ، فَهَرَبُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَلَقَوْهُ أَمَامَهُمْ، فَهَرَبُوا وَتَرَكُوا الْمَالَ وَالْعِيَالَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، فَأَخَذَ الْجَمِيعَ وَرَجَعَ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ وَسَلَّمَ الْعِيَالَ إِلَى الْوَالِي، وَأَخَذَ مِنَ الْأَسْلَابِ وَالْغَنِيمَةِ مَا شَاءَ، وَسَلَّمَ الْبَاقِيَ إِلَى الْوَالِي وَإِلَى الْجُنْدِ. ثُمَّ إِنَّ الْعَرَبَ مِنْ بَنِي عَوْفٍ قَصَدُوا أَبَا سَعِيدِ بْنَ عُمَرَ ايِنْتِي، فَوُحِّدُوا، وَصَارُوا مِنْ حِزْبِ الْمُوَحِّدِينَ، وَاسْتَجَارُوا بِهِ فِي رَدِّ عِيَالِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَأَحْضَرَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْكَرِيمِ، وَأَمَرَهُ بِإِعَادَةِ مَا أَخَذَ لَهُمْ مِنَ النِّعَمِ، فَقَالَ: أَخَذَهُ الْجُنْدُ وَلَا أَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ، فَأَغْلَظَ لَهُ فِي الْقَوْلِ، وَأَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَاسْتَمْهَلَهُ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ وَيَسْتَرِدَّ مِنَ الْجُنْدِ مَا يَجِدُهُ عِنْدَهُمْ، وَمَا عُدِمَ مِنْهُ غَرِمَ الْعِوَضَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ، فَأَمْهَلَهُ، فَعَادَ إِلَى

стр. 5873

الْمَهْدِيَّةِ وَهُوَ خَائِفٌ، فَلَمَّا وَصَلَهَا جَمَعَ أَصْحَابَهُ وَأَعْلَمَهُمْ مَا كَانَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَحَالَفَهُمْ عَلَى مُوَافَقَتِهِ، فَحَلَفُوا لَهُ، فَقَبْضَ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ يُونُسَ، وَتَغَلَّبَ عَلَى الْمَهْدِيَّةِ وَمَلَكَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ فِي مَعْنَى إِطْلَاقِ أَخِيهِ يُونُسَ، فَأَطْلَقَهُ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمَّا أَرْسَلَهَا إِلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ فَرَّقَهَا فِي الْجُنْدِ وَأَطْلَقَ يُونُسَ. وَجَمَعَ أَبُو سَعِيدٍ الْعَسَاكِرَ، وَأَرَادَ قَصْدَهُ وَمُحَاصَرَتَهُ، فَأَرْسَلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ الْمُلَثَّمِ، فَحَالَفَهُ وَاعْتَضَدَ بِهِ، فَامْتَنَعَ أَبُو سَعِيدٍ مِنْ قَصْدِهِ. وَمَاتَ يَعْقُوبُ، وَوَلِيَ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ، فَسَيَّرَ عَسْكَرًا مَعَ عَمِّهِ فِي الْبَحْرِ، وَعَسْكَرًا آخَرَ فِي الْبَرِّ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي حَفْصِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَلَمَّا وَصَلَ عَسْكَرُ الْبَحْرِ إِلَى بِجَايَةَ، وَعَسْكَرُ الْبَرِّ إِلَى قُسَنْطِينَةَ الْهَوَى، وَهَرَبَ الْمُلَثَّمُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَوَصْلَ الْأُسْطُولُ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، فَشَكَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَالَ: أَنَا عَلَى طَاعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُحَمَّدٍ، وَلَا أُسَلِّمُهَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ، وَإِنَّمَا أُسَلِّمُهَا إِلَى مَنْ يَصِلُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَرْسَلَ مُحَمَّدٌ مَنْ يَتَسَلَّمُهَا مِنْهُ وَعَادَ إِلَى الطَّاعَةِ. ذِكْرُ رَحِيلِ عَسْكَرِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ عَنْ مَارْدِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ زَالَ الْحِصَارُ عَنْ مَارْدِينَ، وَرَحَلَ عَسْكَرُ الْمَلِكِ الْعَادِلِ عَنْهَا مَعَ وَلَدِهِ الْمَلِكِ الْكَامِلِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَلِكَ الْعَادِلَ لَمَّا حَصَرَ مَارْدِينَ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَى نُورِ الدِّينِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَغَيْرِهِ مِنْ مُلُوكِ دِيَارِ بَكْرٍ وَالْجَزِيرَةِ، وَخَافُوا إِنْ مَلَكَهَا أَنْ لَا يُبْقِيَ عَلَيْهِمْ، إِلَّا أَنَّ الْعَجْزَ عَنْ مَنْعِهِ [حَمَلَهُمْ] عَلَى طَاعَتِهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْعَزِيزُ، صَاحِبُ مِصْرَ، وَمَلَكَ الْأَفْضَلُ مِصْرَ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَادِلِ اخْتِلَافٌ، وَأَرْسَلَ أَحَدَ عَسْكَرِ مِصْرَ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى نُورِ الدِّينِ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُلُوكِ يَدْعُوهُمْ إِلَى مُوَافَقَتِهِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا رَحَلَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ عَنْ مَارْدِينَ إِلَى دِمَشْقَ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - بَرَزَ نُورُ الدِّينِ أَرَسِلَانُ شَاه بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مَوْدُودٍ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، عَنْهَا ثَانِيَ شَعْبَانَ، وَسَارَ إِلَى دُنَيْسَرَ فَنَزَلَ عَلَيْهَا، وَوَافَقَهُ ابْنُ عَمِّهِ قُطْبُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ زِنْكِي بْنِ مَوْدُودٍ صَاحِبُ سِنْجَارَ، وَابْنُ عَمِّهِ الْآخَرِ مُعِزُّ الدِّينِ سَنْجَرُ شَاهْ بْنُ

стр. 5874

غَازِي بْنِ مَوْدُودٍ صَاحِبُ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، فَاجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ بِدُنَيْسَرَ إِلَى أَنْ عَيَّدُوا عِيدَ الْفِطْرِ، ثُمَّ سَارُوا عَنْهَا سَادِسَ شَوَّالٍ وَنَزَلُوا بِحَرْزَمَ، وَتَقَدَّمَ الْعَسْكَرُ إِلَى تَحْتِ الْجَبَلِ لِيَرْتَادُوا مَوْضِعًا لِلنُّزُولِ. وَكَانَ أَهْلُ مَارْدِينَ قَدْ عُدِمَتِ الْأَقْوَاتُ عِنْدَهُمْ، وَكَثُرَتِ الْأَمْرَاضُ فِيهِمْ، حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ كَانَ لَا يُطِيقُ الْقِيَامَ، فَلَمَّا رَأَى النِّظَامُ، وَهُوَ الْحَاكِمُ فِي دَوْلَةِ صَاحِبِهَا، ذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الْعَادِلِ فِي تَسْلِيمِ الْقَلْعَةِ إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ذَكَرَهُ عَلَى شَرْطِ أَنْ يَتْرُكَهُمْ يَدْخُلُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمِيرَةِ مَا يُقَوِّتُهُمْ، حَسْبُ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَتَحَالَفُوا عَلَيْهِ وَرَفَعُوا أَعْلَامَهُمْ إِلَى رَأْسِ الْقَلْعَةِ، وَجَعَلَ وَلَدُ الْعَادِلِ بِبَابِ الْقَلْعَةِ أَمِيرًا لَا يَتْرُكُ شَيْئًا يَدْخُلُهَا مِنَ الْأَطْعِمَةِ إِلَّا مَا يَكْفِيهِمْ يَوْمًا بِيَوْمٍ، فَأَعْطَى مَنْ بِالْقَلْعَةِ ذَلِكَ الْأَمِيرَ شَيْئًا، فَمَكَّنَهُمْ مِنْ إِدْخَالِ الذَّخَائِرِ الْكَثِيرَةِ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَتَاهُمْ خَبَرُ وُصُولِ نُورِ الدِّينِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وَعَزَمُوا عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَلَمَّا تَقَدَّمَ عَسْكَرُهُ إِلَى ذَيْلِ جَبَلِ مَارْدِينَ، قَدَّرَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّ الْمَلِكَ الْكَامِلَ بْنَ الْعَادِلِ نَزَلَ بِعَسْكَرٍ مِنْ رَبَضِ مَارْدِينَ إِلَى لِقَاءِ نُورِ الدِّينِ وَقِتَالِهِ، وَلَوْ أَقَامُوا بِالرَّبَضِ لَمْ يُمْكِنْ نُورَ الدِّينِ وَلَا غَيْرَهُ الصُّعُودُ إِلَيْهِمْ، وَلَا إِزَالَتَهُمْ، لَكِنْ نَزَلُوا لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا، فَلَمَّا أَصْحَرُوا مِنَ الْجَبَلِ اقْتَتَلُوا، وَكَانَ مِنْ عَجِيبِ الِاتِّفَاقِ أَنَّ قُطْبَ الدِّينِ - صَاحِبَ سِنْجَارَ - قَدْ وَاعَدَ الْعَسْكَرَ الْعَادِلِيَّ أَنْ يَنْهَزِمَ إِذَا الْتَقَوْا، وَلَمْ يُعْلِمْ بِذَلِكَ أَحَدًا مِنَ الْعَسْكَرِ، فَقَدَّرَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ الْعَسْكَرُ الْعَادِلِيُّ وَاصْطَفَّتِ الْعَسَاكِرُ لِلْقِتَالِ أَلْجَأَتْ قُطْبَ الدِّينِ الضَّرُورَةُ بِالزَّحْمَةِ إِلَى أَنْ وَقَفَ فِي سَفْحِ شِعْبِ جَبَلِ مَارْدِينَ لَيْسَ إِلَيْهِ طَرِيقٌ لِلْعَسْكَرِ الْعَادِلِيِّ، وَلَا يَرَى الْحَرْبَ الْوَاقِعَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نُورِ الدِّينِ، فَفَاتَهُ مَا أَرَادَهُ مِنَ الِانْهِزَامِ، فَلَمَّا الْتَقَى الْعَسْكَرَانِ وَاقْتَتَلُوا، وَحَمَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ نُورُ الدِّينِ بِنَفْسِهِ، وَاصْطَلَى الْحَرْبُ، [فَأَلْقَى] النَّاسُ أَنْفُسَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَانْهَزَمَ الْعَسْكَرُ الْعَادِلِيُّ وَصَعِدُوا فِي الْجَبَلِ إِلَى الرَّبَضِ، وَأُسِرَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، فَحَمَلُوا إِلَى بَيْنِ يَدَيْ نُورِ الدِّينِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَوَعَدَهُمُ الْإِطْلَاقَ إِذَا انْفَصَلُوا، وَلَمْ يَظُنَّ أَنَّ الْمَلِكَ الْكَامِلَ وَمَنْ مَعَهُ يَرْحَلُونَ عَنْ مَارْدِينَ سَرِيعًا، فَجَاءَهُمْ أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ فِي الْحِسَابِ، فَإِنَّ الْمَلِكَ الْكَامِلَ لَمَّا صَعِدَ إِلَى الرَّبَضِ رَأَى أَهْلَ الْقَلْعَةِ قَدْ نَزَلُوا إِلَى الَّذِينَ جَعَلَهُمْ بِالرَّبَضِ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَقَاتَلُوهُمْ وَنَالُوا مِنْهُمْ وَنَهَبُوهُمْ، فَأَلْقَى اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ

стр. 5875

الْجَمِيعِ، فَأَعْمَلُوا رَأْيَهُمْ عَلَى مُفَارَقَةِ الرَّبَضِ لَيْلًا، فَرَحَلُوا لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ سَابِعَ شَوَّالٍ، وَتَرَكُوا كَثِيرًا مِنْ أَثْقَالِهِمْ وَرِحَالِهِمْ وَمَا أَعَدُّوهُ، فَأَخَذَهُ أَهْلُ الْقَلْعَةِ، وَلَوْ ثَبَتَ الْعَسْكَرُ الْعَادِلِيُّ بِمَكَانِهِ لَمْ يُمَكِّنْ أَحَدًا أَنْ يَقْرَبَ مِنْهُمْ. وَلَمَّا رَحَلُوا نَزَلَ صَاحِبُ مَارْدِينَ حُسَامُ الدِّينِ يَوْلَقُ بْنُ إِيلِغَازِي إِلَى نُورِ الدِّينِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى حِصْنِهِ، وَعَادَ أَتَابِكُ إِلَى دُنَيْسَرَ، وَرَحَلَ عَنْهَا إِلَى رَأْسِ عَيْنٍ عَلَى عَزْمِ قَصْدِ حَرَّانَ وَحَصَرِهَا. فَأَتَاهُ الرَّسُولُ مِنَ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ يَطْلُبُ الْخُطْبَةَ وَالسِّكَّةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَتَغَيَّرَتْ نِيَّةُ نُورِ الدِّينِ، وَفَتَرَ عَزْمُهُ عَنْ نُصْرَتِهِمْ، فَعَزَمَ عَلَى الْعُودِ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَهُوَ يُقَدِّمُ إِلَى الْعَرْضِ رِجْلًا وَيُؤَخِّرُ أُخْرَى إِذْ أَصَابَهُ مَرَضٌ، فَتَحَقَّقَ عَزْمُ الْعُودِ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَعَادَ إِلَيْهَا، وَأَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى الْمَلِكِ الْأَفْضَلِ وَالْمَلِكِ الظَّاهِرِ يَعْتَذِرُ عَنْ عَوْدِهِ بِمَرَضِهِ، فَوَصَلَ الرَّسُولُ ثَانِيَ ذِي الْحِجَّةِ إِلَيْهِمْ وَهُمْ عَلَى دِمَشْقَ. وَكَانَ عَوْدُ نُورِ الدِّينِ مِنْ سَعَادَةِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ، فَإِنَّهُ كَانَ هُوَ وَكُلُّ مَنْ عِنْدَهُ يَنْتَظِرُونَ مَا يَجِيءُ مِنْ أَخْبَارِهِ. فَإِنَّ مَنْ بِحَرَّانَ اسْتَسْلَمُوا فَقَدَّرَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّهُ عَادَ، فَلَمَّا عَادَ جَاءَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ إِلَى حَرَّانَ، وَكَانَ قَدْ سَارَ عَنْ مَارْدِينَ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ، فَلَمَّا رَجَعَ نُورُ الدِّينِ سَارَ الْكَامِلُ إِلَى حَرَّانَ، وَسَارَ إِلَى أَبِيهِ بِدِمَشْقَ - عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ -، فَازْدَادَ بِهِ قُوَّةً، وَالْأَفْضَلُ وَمَنْ مَعَهُ ضَعْفًا. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِفَيْرُوزَكُوه مِنْ خُرَاسَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ فِتْنَةً عَظِيمَةً بِعَسْكَرِ غِيَاثِ الدِّينِ - مَلِكِ الْغَوْرِ وَغَزْنَةَ - وَهُوَ بِفَيْرُوزَكُوه، عَمَّتِ الرَّعِيَّةَ وَالْمُلُوكَ وَالْأُمَرَاءَ، وَسَبَبُهَا أَنَّ الْفَخْرَ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْحُسَيْنِ الرَّازِيَّ، الْإِمَامَ الْمَشْهُورَ، الْفَقِيهَ الشَّافِعِيَّ، كَانَ قَدِمَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ مُفَارِقًا لِبَهَاءِ الدِّينِ سَامَ، صَاحِبِ بَامِيَانَ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ غِيَاثِ الدِّينِ، فَأَكْرَمَهُ غِيَاثُ الدِّينِ، وَاحْتَرَمَهُ، وَبَالَغَ فِي إِكْرَامِهِ، وَبَنَى لَهُ مَدْرَسَةً بِهَرَاةَ بِالْقُرْبِ مِنَ الْجَامِعِ، فَقَصَدَهُ الْفُقَهَاءُ مِنَ الْبِلَادِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْكَرَّامِيَّةِ، وَهُمْ كَثِيرُونَ بِهَرَاةَ، وَأَمَّا الْغُورِيَّةُ فَكُلُّهُمْ

стр. 5876

كَرَّامِيَّةٌ، وَكَرِهُوهُ، وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ عَلَيْهِ الْمَلِكُ ضِيَاءُ الدِّينِ، وَهُوَ عَمُّ غِيَاثِ الدِّينِ، وَزَوْجُ ابْنَتِهِ، فَاتُّفِقَ أَنْ حَضَرَ الْفُقَهَاءُ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عِنْدَ غِيَاثِ الدِّينِ بِفَيْرُوزَكُوه لِلْمُنَاظَرَةِ، وَحَضَرَ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ وَالْقَاضِي مَجْدُ الدِّينِ عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عُمَرَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْقُدْوَةِ، وَهُوَ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ الْهَيْصَمِيَّةِ، وَلَهُ عِنْدُهُمْ مَحَلٌّ كَبِيرٌ لِزُهْدِهِ وَعِلْمِهِ وَبَيْتِهِ، فَتَكَلَّمَ الرَّازِيُّ. فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ ابْنُ الْقُدْوَةِ، وَطَالَ الْكَلَامُ، فَقَامَ غِيَاثُ الدِّينِ، فَاسْتَطَالَ عَلَيْهِ الْفَخْرُ وَسَبَّهُ وَشَتَمَهُ وَبَالَغَ فِي أَذَاهُ، وَابْنُ الْقُدْوَةِ لَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ لَا يَفْعَلُ مَوْلَانَا إِلَّا وَأَخَذَكَ اللَّهُ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، فَانْفَصَلُوا عَلَى هَذَا. وَقَامَ ضِيَاءُ الدِّينِ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَشَكَا إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ، وَذَمَّ الْفَخْرَ، وَنَسَبَهُ إِلَى الزَّنْدَقَةِ وَمَذْهَبِ الْفَلَاسِفَةِ، فَلَمْ يُصْغِ غِيَاثٌ إِلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ وَعْظَ ابْنُ عَمِّ الْمَجْدِ بْنِ الْقُدْوَةِ بِالْجَامِعِ، فَلَقَدْ صَعِدَ الْمِنْبَرَ قَالَ: بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] ، أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا لَا نَقُولُ إِلَّا مَا صَحَّ عِنْدَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَّا عِلْمُ أَرِسْطَاطَالِيسَ وَكُفْرِيَّاتُ ابْنِ سِينَا، وَفَلْسَفَةُ الْفَارَابِيِّ، فَلَا نَعْلَمُهَا، فَلِأَيِّ حَالٍ يُشْتَمُ بِالْأَمْسِ شَيْخٌ مِنْ شُيُوخِ الْإِسْلَامِ يَذُبُّ عَنْ دِينِ اللَّهِ، وَعَنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ! وَبَكَى وَضَجَّ النَّاسُ، وَبَكَى الْكَرَّامِيَّةُ وَاسْتَغَاثُوا، وَأَعَانَهُمْ مَنْ يُؤْثِرُ بُعْدَ الْفَخْرِ الرَّازِيِّ عَنِ السُّلْطَانِ وَثَارَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَامْتَلَأَ الْبَلَدُ فِتْنَةً، وَكَادُوا يَقْتَتِلُونَ، وَيَجْرِي مَا يَهْلَكُ فِيهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ السُّلْطَانَ، فَأَرْسَلَ جَمَاعَةً مِنْ عِنْدِهِ إِلَى النَّاسِ وَسَكَّنَهُمْ، وَوَعَدَهُمْ بِإِخْرَاجِ الْفَخْرِ مِنْ عِنْدِهِمْ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ بِالْعَوْدِ إِلَى هَرَاةَ، فَعَادَ إِلَيْهَا. ذِكْرُ مَسِيرِ خُوَارِزْمَ شَاهْ إِلَى الرَّيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، سَارَ خُوَارِزْمُ شَاهْ عَلَاءُ الدِّينِ تُكُشُ إِلَى الرَّيِّ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْجَبَلِ، لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ نَائِبَهُ بِهَا مَيَاجِقَ قَدْ تَغَيَّرَ عَنْ طَاعَتِهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ،

стр. 5877

فَخَافَهُ مَيَاجِقُ، فَجَعَلَ يَفِرُّ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَخُوَارِزْمُ شَاهْ فِي طَلَبِهِ يَدْعُوهُ إِلَى الْحُضُورِ عِنْدَهُ، وَهُوَ يَمْتَنِعُ، فَاسْتَأْمَنَ أَكْثَرَ أَصْحَابِهِ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَهَرَبَ هُوَ، فَحَصَلَ بِقَلْعَةٍ مِنْ أَعْمَالٍ مَازَنْدَرَانَ فَامْتَنَعَ بِهَا، فَسَارَتِ الْعَسَاكِرُ فِي طَلَبِهِ، فَأُخِذَ مِنْهَا وَأُحْضِرَ بَيْنَ يَدَيْ خُوَارِزْمَ شَاهْ فَأَمَرَ بِحَبْسِهِ بِشَفَاعَةِ أَخِيهِ أَقْجَةَ. (وَسُيِّرَتِ الْخِلَعُ مِنَ الْخَلِيفَةِ لِخُوَارِزْمَ شَاهْ وَلِوَلَدِهِ قُطْبِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ) ، وَتَقْلِيدِ بِمَا بِيَدِهِ مِنَ الْبِلَادِ، فَلَبِسَ الْخِلْعَةَ، وَاشْتَغَلَ بِقِتَالِ الْمَلَاحِدَةِ، فَافْتَتَحَ قَلْعَةً عَلَى بَابِ قَزْوِينَ تُسَمَّى أَرْسِلَانَ كَشَاه، وَانْتَقَلَ إِلَى حِصَارِ أَلَمُوتَ، فَقُتِلَ عَلَيْهَا صَدْرُ الدِّينُ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزَّانِ رَئِيسُ الشَّافِعِيَّةِ بِالرَّيِّ، وَكَانَ قَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَهُ تَقَدُّمًا عَظِيمًا، قَتَلَهُ الْمَلَاحِدَةُ، وَعَادَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى خُوَارِزْمَ، فَوَثَبَ الْمَلَاحِدَةُ عَلَى وَزِيرِهِ نِظَامِ الْمُلْكِ مَسْعُودِ بْنِ عَلِيٍّ فَقَتَلُوهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، فَأَمَرَ تُكُشُ وَلَدَهُ قُطْبَ الدِّينِ بِقَصْدِ الْمَلَاحِدَةِ، فَقَصَدَ قَلْعَةَ تُرْشِيشَ وَهِيَ مِنْ قِلَاعِهِمْ، فَحَصَرَهَا فَأَذْعَنُوا لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَصَالَحُوهُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَفَارَقَهَا، وَإِنَّمَا صَالَحَهُمْ لِأَنَّهُ بَلَغَهُ خَبَرُ مَرَضِ أَبِيهِ، وَكَانُوا يُرَاسِلُونَهُ بِالصُّلْحِ فَلَا يَفْعَلُ، فَلَمَّا سَمِعَ بِمَرَضِ أَبِيهِ لَمْ يَرْحَلْ حَتَّى صَالَحَهُمْ عَلَى الْمَالِ الْمَذْكُورِ وَالطَّاعَةِ وَرَحَلَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تُوُفِّيَ مُجَاهِدُ الدِّينِ قَايْمَازُ ﵀ بِقَلْعَةِ الْمَوْصِلِ، وَهُوَ الْحَاكِمُ فِي دَوْلَةِ نُورِ الدِّينِ، وَالْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ فِيهَا، وَكَانَ ابْتِدَاءُ وِلَايَتِهِ قَلْعَةَ الْمَوْصِلِ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةً، وَوَلِيَ إِرْبَلَ سَنَةَ تِسْعٍ [وَخَمْسِينَ] وَخَمْسِمِائَةٍ، فَلَمَّا مَاتَ زَيْنُ الدِّينِ عَلَاءُ كُوجَكُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] بَقِيَ هُوَ الْحَاكِمُ فِيهَا، وَمَعَهُ مَنْ يَخْتَارُهُ مِنْ أَوْلَادِ زَيْنِ الدِّينِ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ مَعَهُ حُكْمٌ.

стр. 5878

وَكَانَ عَاقِلًا، دَيِّنًا، خَيِّرًا، فَاضِلًا، يَعْرِفُ الْفِقْهَ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَحْفَظُ مِنَ التَّارِيخِ وَالْأَشْعَارِ وَالْحِكَايَاتِ شَيْئًا كَثِيرًا. وَكَانَ كَثِيرَ الصَّوْمِ، يَصُومُ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ نَحْوَ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ، وَلَهُ أَوْرَادٌ كَثِيرَةٌ حَسَنَةٌ كُلَّ لَيْلَةٍ، وَيُكْثِرُ الصَّدَقَةَ، وَكَانَ لَهُ فِرَاسَةٌ حَسَنَةٌ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ، وَيَعْرِفُ الْفُقَرَاءَ الْمُسْتَحِقِّينَ وَيَبَرُّهُمْ، وَبَنَى عِدَّةَ جَوَامِعٍ مِنْهَا الْجَامِعُ الَّذِي بِظَاهِرِ الْمَوْصِلِ بِبَابِ الْجِسْرِ، وَبَنَى الرُّبُطَ وَالْمَدَارِسَ وَالْخَانَاتِ فِي الطُّرُقِ، وَلَهُ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْءٌ كَثِيرٌ ﵀ فَلَقَدْ كَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الدُّنْيَا. وَفِيهَا فَارَقَ غِيَاثُ الدِّينِ - صَاحِبُ غَزْنَةَ وَبَعْضِ خُرَاسَانَ - مَذْهَبَ الْكَرَّامِيَّةِ، وَصَارَ شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ إِنْسَانٌ يُعْرَفُ بِالْفَخْرِ مُبَارَكِ شَاه يَقُولُ الشِّعْرَ بِالْفَارِسِيَّةِ، مُتَفَنِّنًا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْعُلُومِ، فَأَوْصَلَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ الشَّيْخَ وَحِيدَ الدِّينِ أَبَا الْفَتْحِ مُحَمَّدَ بْنَ مَحْمُودٍ الْمَرْوَرُوذِيَّ الْفَقِيهَ الشَّافِعِيَّ، فَأَوْضَحَ لَهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ، وَبَيَّنَ لَهُ فَسَادَ مَذْهَبِ الْكَرَّامِيَّةِ، فَصَارَ شَافِعِيًّا، وَبَنَى الْمَدَارِسَ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَبَنَى بِغَزْنَةَ مَسْجِدًا لَهُمْ أَيْضًا، وَأَكْثَرَ مُرَاعَاتَهُمْ، فَسَعَى الْكَرَّامِيَّةُ فِي أَذَى وَحِيدِ الدِّينِ، فَلَمْ يُقَدِّرْهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ إِنَّ غِيَاثَ الدِّينِ وَأَخَاهُ شِهَابَ الدِّينِ لَمَّا مَلَكَا فِي خُرَاسَانَ قِيلَ لَهُمَا: إِنَّ النَّاسَ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ يُزْرُونَ عَلَى الْكَرَّامِيَّةِ وَيَحْتَقِرُونَهُمْ، وَالرَّأْيُ أَنْ تُفَارِقُوا مَذَاهِبَهُمْ فَصَارَا شَافِعِيَّيْنِ وَقِيلَ: إِنَّ شِهَابَ الدِّينِ كَانَ حَنَفِيًّا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ فَضْلَانَ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَكَانَ إِمَامًا فَاضِلًا، وَدَرَسَ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِ [مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى] نُجَىٍّ النَّيْسَابُورِيِّ.

стр. 5879

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَة] ٥٩٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ الْعَادِلِ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، حَصْرَ الْأَفْضَلِ وَالظَّاهِرِ وَلَدَيْ صَلَاحِ الدِّينِ دِمَشْقَ، وَرَحِيلَهُمَا إِلَى رَأْسِ الْمَاءِ، عَلَى عَزْمِ الْمُقَامِ بِحَوْرَانَ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ الشِّتَاءُ، فَلَمَّا أَقَامُوا بِرَأْسِ الْمَاءِ وَجَدَ الْعَسْكَرُ بَرْدًا شَدِيدًا، لِأَنَّ الْبَرْدَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فِي الصَّيْفِ مَوْجُودٌ، فَكَيْفَ فِي الشِّتَاءِ، فَتَغَيَّرَ الْعَزْمُ عَنِ الْمُقَامِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَعُودَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ إِلَى بَلَدِهِ، وَيَعُودُوا إِلَى الِاجْتِمَاعِ، فَتَفَرَّقُوا تَاسِعَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَعَادَ الظَّاهِرُ وَصَاحِبُ حِمْصَ إِلَى بِلَادِهِمَا، وَسَارَ الْأَفْضَلُ إِلَى مِصْرَ فَوَصَلَ بِلْبِيسَ، فَأَقَامَ بِهَا، وَوَصَلَتْهُ الْأَخْبَارُ بِأَنَّ عَمَّهُ الْمَلِكَ الْعَادِلَ قَدْ سَارَ مِنْ دِمَشْقَ قَاصِدًا مِصْرَ وَمَعَهُ الْمَمَالِيكُ النَّاصِرِيَّةُ، وَقَدْ حَلَّفُوهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ وَلَدُ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ هُوَ صَاحِبُ الْبِلَادِ، وَهُوَ الْمُدَبِّرُ لِلْمُلْكِ، إِلَى أَنْ يَكْبُرَ، فَسَارُوا عَلَى هَذَا. وَكَانَ عَسْكَرُهُ بِمِصْرَ قَدْ تَفَرَّقَ عَنِ الْأَفْضَلِ مِنَ الْخَشَبِيِّ، فَسَارَ كُلٌّ مِنْهُمْ إِلَى إِقْطَاعِهِ لِيُرْبِعُوا دَوَابَّهُمْ، فَرَامَ الْأَفْضَلُ جَمْعَهُمْ مِنْ أَطْرَافِ الْبِلَادِ، فَأَعْجَلُهُ الْأَمْرُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُمْ إِلَّا طَائِفَةٌ يَسِيرَةٌ مِمَّنْ قَرُبَ إِقْطَاعِهِ، وَوَصَلَ الْعَادِلُ، فَأَشَارَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى الْأَفْضَلِ أَنْ يُخَرِّبَ سُورَ بِلْبِيسَ وَيُقِيمَ بِالْقَاهِرَةِ، وَأَشَارَ غَيْرُهُمْ بِالتَّقَدُّمِ إِلَى أَطْرَافِ الْبِلَادِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَسَارَ عَنْ بِلْبِيسَ، وَنَزَلَ مَوْضِعًا يُقَالُ لَهُ السَّائِحُ إِلَى طَرَفِ الْبِلَادِ، وَكَانَ لِقَاءُ الْعَادِلِ قَبْلَ دُخُولِ الْبِلَادِ سَابِعَ رَبِيعٍ الْآخِرِ، فَانْهَزَمَ الْأَفْضَلُ، وَدَخَلَ الْقَاهِرَةَ لَيْلًا. وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ تُوُفِّيَ الْقَاضِي الْفَاضِلُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَلِيٍّ الْبَيْسَانِيُّ كَاتِبُ الْإِنْشَاءِ لِصَلَاحِ الدِّينِ وَوَزِيرُهُ، فَحَضَرَ الْأَفْضَلُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، وَسَارَ الْعَادِلُ فَنَزَلَ عَلَى الْقَاهِرَةِ وَحَصَرَهَا، فَجَمَعَ الْأَفْضَلُ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَاسْتَشَارَهُمْ، فَرَأَى مِنْهُمْ تَخَاذُلًا،

стр. 5880

فَأَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى عَمِّهِ فِي الصُّلْحِ وَتَسْلِيمِ الْبِلَادِ إِلَيْهِ، وَأَخْذِ الْعِوَضِ عَنْهَا، وَطَلَبِ دِمَشْقَ، فَلَمْ يُجِبْهُ الْعَادِلُ، فَنَزَلَ عَنْهَا [إِلَى] حَرَّانَ وَالرُّهَا فَلَمْ يُجِبْهُ، فَنَزَلَ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ وَحَانِي وَجَبَلِ جُورٍ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَتَحَالَفُوا عَلَيْهِ، وَخَرَجَ الْأَفْضَلُ مِنْ مِصْرَ لَيْلَةَ السَّبْتِ ثَامِنَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَاجْتَمَعَ بِالْعَادِلِ، وَسَارَ إِلَى صَرْخَدَ، وَدَخَلَ الْعَادِلُ إِلَى الْقَاهِرَةِ يَوْمَ السَّبْتِ ثَامِنَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ. وَلَمَّا وَصَلَ الْأَفْضَلُ إِلَى صَرْخَدَ أَرْسَلَ مَنْ تَسَلَّمَ مَيَّافَارِقِينَ وَحَانِيَ وَجَبَلَ جُورٍ، فَامْتَنَعَ نَجْمُ الدِّينِ أَيُّوبُ ابْنُ الْمَلِكِ الْعَادِلِ مِنْ تَسْلِيمِ مَيَّافَارِقِينَ وَسَلَّمَ مَا عَدَاهَا، فَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَ الْأَفْضَلِ وَالْعَادِلِ فِي ذَلِكَ، وَالْعَادِلُ يَزْعُمُ أَنَّ ابْنَهُ عَصَاهُ، فَأَمْسَكَ عَنِ الْمُرَاسَلَةِ فِي ذَلِكَ لِعِلْمِهِ أَنَّ هَذَا فُعِلَ بِأَمْرِ الْعَادِلِ. وَلَمَّا ثَبَتَتْ قَدَمُ الْعَادِلِ بِمِصْرَ قَطَعَ خُطْبَةَ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ ابْنِ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ فِي شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ، وَخَطَبَ لِنَفْسِهِ، وَحَاقَقَ الْجُنْدَ فِي إِقْطَاعَاتِهِمْ، وَاعْتَرَضَهُمْ فِي أَصْحَابِهِمْ وَمَنْ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَسْكَرِ الْمُقَرَّرِ، فَتَغَيَّرَتْ لِذَلِكَ نِيَّاتُهُمْ، فَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ]- إِنْ شَاءَ اللَّهُ -. ذِكْرُ وَفَاةِ خُوَارِزْمَ شَاهْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، تُوُفِّيَ خُوَارِزْمُ شَاهْ تُكُشُ بْنُ أَلْب أَرْسِلَانَ، صَاحِبُ خُوَارِزْمَ وَبَعْضِ خُرَاسَانَ وَالرَّيِّ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ الْجِبَالِيَّةِ، بِشَهْرِسْتَانَةَ بَيْنَ نَيْسَابُورَ وَخُوَارِزْمَ. وَكَانَ قَدْ سَارَ مِنْ خُوَارِزْمَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَكَانَ بِهِ خَوَانِيقُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ الْأَطِبَّاءُ بِتَرْكِ الْحَرَكَةِ، فَامْتَنَعَ، وَسَارَ، فَلَمَّا قَارَبَ شَهْرِسْتَانَةَ اشْتَدَّ مَرَضُهُ وَمَاتَ، وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ أَرْسَلُوا إِلَى ابْنِهِ قُطْبِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ يَسْتَدْعُونَهُ، وَيُعَرِّفُونَهُ شِدَّةَ مَرَضِ أَبِيهِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ مَاتَ أَبُوهُ، فَوَلِيَ الْمُلْكَ بَعْدَهُ، وَلُقِّبَ عَلَاءَ

стр. 5881

الدِّينِ، لَقَبَ أَبِيهِ، وَكَانَ لَقَبُهُ قُطْبَ الدِّينِ، وَأَمَرَ فَحُمِلَ أَبُوهُ وَدُفِنَ بِخُوَارِزْمَ (فِي تُرْبَةٍ عَمَلِهَا فِي مَدْرَسَةٍ بَنَاهَا كَبِيرَةٍ عَظِيمَةٍ) ، وَكَانَ عَادِلًا حَسَنَ السِّيرَةِ، لَهُ مَعْرِفَةٌ حَسَنَةٌ وَعِلْمٌ، يَعْرِفُ الْفِقْهَ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَعْرِفُ الْأُصُولَ. وَكَانَ وَلَدُهُ عَلِيٌّ شَاه بِأَصْفَهَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَخُوهُ خُوَارِزْمُ شَاهْ مُحَمَّدٌ يَسْتَدْعِيهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَنَهَبَ أَهْلُ أَصْفَهَانَ خِزَانَتَهُ وَرَحْلَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى أَخِيهِ وَوَلَّاهُ حَرْبَ أَهْلِ خُرَاسَانَ، وَالتَّقَدُّمَ عَلَى جُنْدِهَا، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ نَيْسَابُورَ وَكَانَ هِنْدُوخَانُ [بْنُ] مَلِكْشَاهْ بْنِ خُوَارِزْمَ شَاهْ تُكُشَ يَخَافُ عَمَّهُ مُحَمَّدًا، فَهَرَبَ مِنْهُ، وَنَهَبَ كَثِيرًا مِنْ خَزَائِنِ جَدِّهِ تُكُشَ لَمَّا مَاتَ، وَكَانَ مَعَهُ، وَسَارَ إِلَى مُرْوَ. وَلَمَّا سَمِعَ غِيَاثُ الدِّينِ مَلِكُ غَزْنَةَ بِوَفَاةِ خُوَارِزْمَ شَاهْ أَمَرَ أَنْ لَا تُضْرَبَ نَوْبَتُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَجَلَسَ لِلْعَزَاءِ عَلَى مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْمُحَارَبَةِ، فَعَلَ ذَلِكَ عَقْلًا مِنْهُ وَمُرُوءَةً، ثُمَّ إِنْ هِنْدُوخَانَ جَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا بِخُرَاسَانَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ عَمُّهُ خُوَارِزْمُ شَاهْ مُحَمَّدٌ جَيْشًا مُقَدَّمُهُمْ جُقَرُ التُّرْكِيُّ، فَلَمَّا سَمِعَ هِنْدُوخَانَ بِمَسِيرِهِ هَرَبَ عَنْ خُرَاسَانَ وَسَارَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يَسْتَنْجِدُهُ عَلَى عَمِّهِ، فَأَكْرَمَ لِقَاءَهُ وَإِنْزَالَهُ، وَأَقْطَعَهُ، وَوَعَدَهُ النُّصْرَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ، وَدَخَلَ جُقَرُ مَدِينَةَ مُرْوَ، وَبِهَا وَالِدَةُ هِنْدُوخَانَ وَأَوْلَادُهُ، فَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهِمْ، وَأَعْلَمَ صَاحِبَهُ، فَأَمَرَهُ بِإِرْسَالِهِمْ إِلَى خُوَارِزْمَ مُكَرَّمِينَ، فَلَمَّا سَمِعَ غِيَاثُ الدِّينِ ذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَرْبَكَ، صَاحِبِ الطَّالْقَانِ، يَأْمُرُهُ أَنْ يُرْسِلَ [إِلَى] جُقَرَ يَتَهَدَّدُهُ، فَفَعَلَ [ذَلِكَ] وَسَارَ مِنَ الطَّالْقَانِ، فَأَخَذَ مَرْوَ الرُّوذِ، وَالْخَمْسَ قُرَى وَتُسَمَّى بِالْفَارِسِيَّةِ بَنَجْ دَهْ، وَأَرْسَلَ إِلَى جُقَرَ يَأْمُرُهُ بِإِقَامَةِ الْخُطْبَةِ بِمَرْوَ لِغِيَاثِ الدِّينِ، أَوْ يُفَارِقُ الْبَلَدَ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ يَتَهَدَّدُ ابْنَ جَرْبَكَ وَيَتَوَعَّدُهُ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ أَمَانًا مِنْ غِيَاثِ الدِّينِ لِيَحْضُرَ خِدْمَتَهُ، فَكَتَبَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ بِذَلِكَ، فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ، وَعَلِمَ أَنَّ خُوَارِزْمَ شَاهْ لَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ، فَلِهَذَا طَلَبَ جُقَرُ الِانْحِيَازَ إِلَيْهِ، فَقَوِيَ طَمَعُهُ فِي الْبِلَادِ، وَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ شِهَابِ الدِّينِ يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ إِلَى خُرَاسَانَ لِيَتَّفِقَا عَلَى أَخْذِ بِلَادِ خُوَارِزْمَ شَاهْ مُحَمَّدٍ.

стр. 5882

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَثَبَ الْمَلَاحِدَةُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ عَلَى نِظَامِ الْمُلْكِ مَسْعُودِ بْنِ عَلِيٍّ، وَزِيرِ خُوَارِزْمَ شَاهْ تُكُشَ، فَقَتَلُوهُ، وَكَانَ صَالِحًا كَثِيرَ الْخَيْرِ، حَسَنَ السِّيرَةِ، شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ، بَنَى لِلشَّافِعِيَّةِ بِمَرْوَ جَامِعًا مُشْرِفًا عَلَى جَامِعِ الْحَنَفِيَّةِ، فَتَعَصَّبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ [بِمَرْوَ] وَهُوَ مُقَدَّمُ الْحَنَابِلَةِ بِهَا، قَدِيمُ الرِّيَاسَةِ، وَجَمَعَ الْأَوْبَاشِ، فَأَحْرَقَهُ. فَأَنْفَذَ خُوَارِزْمُ شَاهْ فَأَحْضَرَ شَيْخَ الْإِسْلَامِ وَجَمَاعَةً مِمَّنْ سَعَى فِي ذَلِكَ، فَأَغْرَمَهُمْ مَالًا كَثِيرًا. وَبَنَى الْوَزِيرُ أَيْضًا مَدْرَسَةً عَظِيمَةً بِخَوَارِزْمَ وَجَامِعًا وَجَعَلَ فِيهَا خِزَانَةَ كُتُبٍ، وَلَهُ آثَارٌ حَسَنَةٌ بِخُرَاسَانَ بَاقِيَةٌ، وَلَمَّا مَاتَ خَلَّفُ وَلَدًا صَغِيرًا، فَاسْتَوْزَرَهُ خُوَارِزْمُ شَاهْ رِعَايَةً لِحَقِّ أَبِيهِ، فَأُشِيرَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْفِيَ، فَأَرْسَلَ يَقَوْلُ: إِنَّنِي صَبِيٌّ لَا أَصْلُحُ لِهَذَا الْمَنْصِبِ الْجَلِيلِ، فَيُوَلِّي السُّلْطَانُ فِيهِ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ إِلَى أَنْ أَكْبُرَ، فَإِنْ كُنْتُ أَصْلُحُ فَأَنَا الْمَمْلُوكُ، فَقَالَ خُوَارِزْمُ شَاهْ: لَسْتُ أُعْفِيكَ، وَأَنَا وَزِيرُكَ، فَكُنْ مُرَاجِعِي فِي الْأُمُورِ، فَإِنَّهُ لَا يَقِفُ مِنْهَا شَيْءٌ. فَاسْتَحْسَنَ النَّاسُ هَذَا، ثُمَّ إِنَّ الصَّبِيَّ لَمْ تَطُلْ أَيَّامُهُ، فَتُوُفِّيَ قَبْلَ خُوَارِزْمَ شَاهْ بِيَسِيرٍ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تُوُفِّيَ شَيْخُنَا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ كُلَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ الْمُقِيمُ بِبَغْدَادَ وَلَهُ سِتٌّ وَتِسْعُونَ سَنَةً وَشَهْرَانِ، وَكَانَ عَالِيَ الْإِسْنَادِ فِي الْحَدِيثِ، وَكَانَ ثِقَةً صَحِيحَ السَّمَاعِ. وَفِي رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي الْفَاضِلُ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْبَيْسَانِيُّ الْكَاتِبُ الْمَشْهُورُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ أَحَدٌ أَحْسَنَ كِتَابَةً مِنْهُ، وَدُفِنَ بِظَاهِرِ مِصْرَ بِالْقَرَافَةِ، وَكَانَ دَيِّنًا كَثِيرَ الصَّدَقَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَلَهُ وُقُوفٌ كَثِيرَةٌ عَلَى الصَّدَقَةِ وَفَكِّ الْأُسَارَى، وَكَانَ يُكْثِرُ الْحَجَّ وَالْمُجَاوَرَةَ مَعَ اشْتِغَالِهِ بِخِدْمَةِ السُّلْطَانِ، وَكَانَ السُّلْطَانُ صَلَاحُ الدِّينِ يُعَظِّمُهُ وَيَحْتَرِمُهُ وَيُكْرِمُهُ، وَيَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ، - رَحِمَهُمَا اللَّهُ.

стр. 5883

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَة] ٥٩٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ صَاحِبِ حَلَبَ مَنْبِجَ وَغَيْرَهَا مِنَ الشَّامِ وَحَصْرِهِ هُوَ وَأَخُوهُ الْأَفْضَلُ مَدِينَةَ دِمَشْقَ وَعَوْدِهِمَا عَنْهَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ مُلْكَ الْعَادِلِ دِيَارَ مِصْرَ، وَقَطْعَهُ خُطْبَةَ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ وَلَدِ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ عُثْمَانَ بْنِ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ، وَأَنَّهُ لَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَرْضَهُ الْأُمَرَاءُ الْمِصْرِيُّونَ، وَخَبُثَتْ نِيَّاتُهُمْ فِي طَاعَتِهِ، فَرَاسَلُوا أَخَوَيْهِ: الظَّاهِرَ بِحَلَبَ، وَالْأَفْضَلَ بِصَرْخَدَ، وَتَكَرَّرَتِ الْمُكَاتَبَاتُ وَالْمُرَاسَلَاتُ بَيْنَهُمْ، يَدْعُونَهُمَا إِلَى قَصْدِ دِمَشْقَ وَحَصْرِهَا لِيَخْرُجَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا خَرَجَ إِلَيْهِمْ [مِنْ] مِصْرَ أَسْلَمُوهُ، وَصَارُوا مَعَهُمَا، فَيَمْلِكَانِ الْبِلَادَ. وَكَثُرَ ذَلِكَ، حَتَّى فَشَا الْخَبَرُ وَاتَّصَلَ بِالْمَلِكِ الْعَادِلِ، وَانْضَافَ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ النِّيلَ لَمْ يَزِدْ بِمِصْرَ الزِّيَادَةَ الَّتِي تَرْكَبُ الْأَرْضَ لِيَزْرَعَ النَّاسُ، فَكَثُرَ الْغَلَاءُ فَضَعُفَتْ قُوَّةُ الْجُنْدِ، وَكَانَ فَخْرُ الدِّينِ جَرْكَسُ قَدْ فَارَقَ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمَمَالِيكِ النَّاصِرِيَّةِ لِحِصَارِ بَانِيَاسَ لِيَأْخُذَهَا لِنَفْسِهِ بِأَمْرِ الْعَادِلِ، وَكَانَتْ لِأَمِيرٍ كَبِيرٍ تُرْكِيٍّ اسْمُهُ بِشَارَةُ، قَدِ اتَّهَمَهُ الْعَادِلُ، فَأَمَرَ جَرْكَسَ بِذَلِكَ. وَكَانَ أَمِيرٌ مِنْ أُمَرَاءِ الْعَادِلِ يُعْرَفُ بِأُسَامَةَ قَدْ حَجَّ هَذِهِ السَّنَةَ، فَلَمَّا عَادَ مِنَ الْحَجِّ، وَقَارَبَ صَرْخَدَ، نَزَلَ الْمَلِكُ الْأَفْضَلُ، فَلَقِيَهُ وَأَكْرَمَهُ، وَدَعَاهُ إِلَى نَفْسِهِ. فَأَجَابَهُ وَحَلَفَ لَهُ، وَعَرَّفَهُ الْأَفْضَلُ جَلِيَّةَ الْحَالِ، وَكَانَ أُسَامَةُ مِنْ بِطَانَةِ الْعَادِلِ، وَإِنَّمَا حَلَفَ لِيَنْكَشِفَ لَهُ الْأَمْرُ، فَلَمَّا فَارَقَ الْأَفْضَلُ أَرْسَلَ إِلَى الْعَادِلِ وَهُوَ بِمِصْرَ، يُعَرِّفُهُ الْخَبَرَ

стр. 5884

جَمِيعَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى وَلَدِهِ الَّذِي بِدِمَشْقَ يَأْمُرُهُ بِحَصْرِ الْأَفْضَلِ بَصَرْخَدَ، وَكَتَبَ إِلَى إِيَاسٍ جَرْكَسَ وَمَيْمُونٍ الْقَصْرِيِّ، صَاحِبِ بِلْبِيسَ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ النَّاصِرِيَّةِ يَأْمُرُهُمْ بِالِاجْتِمَاعِ مَعَ وَلَدِهِ عَلَى حَصْرِ الْأَفْضَلِ. وَسَمِعَ الْأَفْضَلُ الْخَبَرَ، فَسَارَ إِلَى أَخِيهِ الظَّاهِرِ بِحَلَبَ فِي مُسْتَهَلِّ جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ، وَوَصَلَ إِلَى حَلَبَ عَاشِرَ الشَّهْرِ، وَكَانَ الظَّاهِرُ قَدْ أَرْسَلَ أَمِيرًا كَبِيرًا مِنْ أُمَرَائِهِ إِلَى عَمِّهِ الْعَادِلِ، فَمَنَعَهُ الْعَادِلُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ يُكْتَبَ رِسَالَتَهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَعَادَ لِوَقْتِهِ، فَتَحَرَّكَ الظَّاهِرُ لِذَلِكَ وَجَمَعَ عَسْكَرَهُ وَقَصَدَ مَنْبِجَ فَمَلَكَهَا لِلسَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ، وَسَارَ إِلَى قَلْعَةِ نَجْمٍ وَحَصَرَهَا، فَتَسَلَّمَهَا سَلْخَ رَجَبٍ. وَأَمَّا ابْنُ الْعَادِلِ الْمُقِيمُ بِدِمَشْقَ فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى بُصْرَى، وَأَرْسَلَ إِلَى جَرْكَسَ وَمَنْ مَعَهُ - وَهُمْ عَلَى بَانِيَاسَ يَحْصُرُونَهَا - يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ إِلَى ذَلِكَ بَلْ غَالَطُوهُ، فَلَمَّا طَالَ مُقَامُهُ عَلَى بُصْرَى عَادَ إِلَى دِمَشْقَ، وَأَرْسَلَ الْأَمِيرُ أُسَامَةُ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى مُسَاعَدَتِهِ، فَاتُّفِقَ أَنَّهُ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَلْبَكْي الْفَارِسِ، وَبَعْضِ الْمَمَالِيكِ الْكِبَارِ النَّاصِرِيَّةِ مُنَافَرَةٌ فَأَغْلَظَ لَهُ أَلْبَكْي الْقَوْلَ، وَتَعَدَّى إِلَى الْفِعْلِ بِالْيَدِ وَثَارَ الْعَسْكَرُ جَمِيعُهُ إِلَى أُسَامَةَ، فَاسْتَذَمَّ بِمَيْمُونَ، فَأَمَّنَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى دِمَشْقَ، وَاجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ عِنْدَ الْمَلِكِ الظَّافِرِ خَضِرِ بْنِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَأَنْزَلُوهُ مِنْ صَرْخَدَ، وَأَرْسَلُوا إِلَى الْمَلِكِ الظَّاهِرِ وَالْأَفْضَلِ يَحُثُّونَهُمَا عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِمْ، وَالْمَلِكُ الظَّاهِرُ يَتَرَبَّصُ وَيَتَعَوَّقُ، فَوَصَلَ مِنْ مَنْبِجَ إِلَى حَمَاةَ فِي عِشْرِينَ يَوْمًا، وَأَقَامَ عَلَى حَمَاةَ يَحْصُرُهَا وَبِهَا صَاحِبُهَا نَاصِرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ تَقِيِّ الدِّينِ إِلَى تَاسِعَ عَشَرَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَاصْطَلَحَا وَحَمَلَ لَهُ ابْنُ تَقِيِّ الدِّينِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ صُورِيَّةٍ، وَسَارُوا مِنْهَا إِلَى حِمْصَ، ثُمَّ سَارُوا مِنْهَا إِلَى دِمَشْقَ عَلَى طَرِيقِ بَعْلَبَكَّ، فَنَزَلُوا عَلَيْهَا عِنْدَ مَسْجِدِ الْقَدَمِ، فَلَمَّا نَزَلُوا عَلَى دِمَشْقَ أَتَاهُمُ الْمَمَالِيكُ النَّاصِرِيَّةُ مَعَ الْمَلِكِ الظَّافِرِ خَضِرِ بْنِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَكَانَتِ الْقَاعِدَةُ اسْتَقَرَّتْ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَأَخِيهِ الْأَفْضَلِ أَنَّهُمْ إِذَا مَلَكُوا دِمَشْقَ تَكُونُ بِيَدِ الْأَفْضَلِ، وَيَسِيرُونَ إِلَى مِصْرَ، فَإِذَا مَلَكُوهَا تَسَلَّمَ الظَّاهِرُ دِمَشْقَ، فَيَبْقَى الشَّامُ جَمِيعُهُ لَهُ، وَتَبْقَى مِصْرُ لِلْأَفْضَلِ، وَسَلَّمَ الْأَفْضَلُ صَرْخَدَ إِلَى زَيْنِ الدِّينِ قَرَاجَةَ مَمْلُوكِ وَالِدِهِ لِيَحَضُرَ فِي خِدْمَتِهِ، وَأَنْزَلَ وَالِدَتَهُ وَأَهْلَهُ

стр. 5885

مِنْهَا وَسَيَّرَهُمْ إِلَى حِمْصَ، فَأَقَامُوا عِنْدَ أَسَدِ الدِّينِ شِيرْكُوه صَاحِبِهَا. وَكَانَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ قَدْ سَارَ مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ، فَنَزَلَ [عَلَى] مَدِينَةِ نَابُلُسَ وَسَيَّرَ جَمْعًا مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى دِمَشْقَ لِيَحْفَظَهَا، فَوَصَلُوا قَبْلَ وُصُولِ الظَّاهِرِ وَالْأَفْضَلِ، وَحَضَرَ فَخْرُ الدِّينِ جَرْكَسُ وَغَيْرُهُ مِنَ النَّاصِرِيَّةِ عِنْدَ الظَّاهِرِ، وَزَحَفُوا إِلَى دِمَشْقَ وَقَاتَلُوهَا رَابِعَ عَشَرَ ذِي الْقَعْدَةِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ عَلَيْهَا، فَالْتَصَقَ الرِّجَالُ بِالسُّورِ، فَأَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ، فَعَادُوا وَقَدْ قَوِيَ الطَّمَعُ فِي أَخْذِهَا، ثُمَّ زَحَفُوا إِلَيْهَا مَرَّةً ثَانِيَةً وَثَالِثَةً، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مُلْكُهَا، لِأَنَّ الْعَسْكَرَ صَعِدَ إِلَى سَطْحِ خَانِ ابْنِ الْمُقَدَّمِ، وَهُوَ مُلَاصِقٌ لِلسُّورِ، فَلَوْ لَمْ يُدْرِكْهُمُ اللَّيْلُ لَمَلَكُوا الْبَلَدَ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ، وَهُمْ عَازِمُونَ عَلَى الزَّحْفِ بُكْرَةً، وَلَيْسَ لَهُمْ عَنِ الْبَلَدِ مَانِعٌ، حَسَدَ الظَّاهِرُ أَخَاهُ الْأَفْضَلَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَقُولُ لَهُ تَكُونُ دِمَشْقُ لَهُ وَبِيَدِهِ وَيُسَيِّرُ الْعَسَاكِرَ مَعَهُ إِلَى مِصْرَ. فَقَالَ لَهُ الْأَفْضَلُ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدَتِي وَأَهْلِي - وَهُمْ أَهْلُكَ أَيْضًا - عَلَى الْأَرْضِ، لَيْسَ لَهُمْ مَوْضِعٌ يَأْوُونَ إِلَيْهِ، فَاحْسِبْ أَنَّ هَذَا الْبَلَدَ لَكَ تُعِيرُنَاهُ لِيَسْكُنَهُ أَهْلِي هَذِهِ الْمُدَّةَ إِلَى أَنْ يُمْلَكَ مِصْرُ. فَلَمْ يُجِبْهُ الظَّاهِرُ إِلَى ذَلِكَ، وَلَجَّ، فَلَمَّا رَأَى الْأَفْضَلُ ذَلِكَ الْحَالَ قَالَ لِلنَّاصِرِيَّةِ وَكُلِّ مَنْ جَاءَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْجُنْدِ: إِنْ كُنْتُمْ جِئْتُمْ إِلَيَّ فَقَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الْعَوْدِ إِلَى الْعَادِلِ، وَإِنْ كُنْتُمْ جِئْتُمْ إِلَى أَخِي الظَّاهِرِ فَأَنْتُمْ وَهُوَ أَخْبَرُ، وَكَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ يُرِيدُونَ الْأَفْضَلَ، فَقَالُوا: مَا نُرِيدُ سِوَاكَ، وَالْعَادِلُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَخِيكَ، فَأَذِنَ لَهُمْ فِي الْعَوْدِ، فَهَرَبَ فَخْرُ الدِّينِ جَرْكَسُ وَزَيْنُ الدِّينِ قَرَاجَةُ الَّذِي أَعْطَاهُ الْأَفْضَلُ صَرْخَدَ، فَمِنْهُمْ مَنْ دَخَلَ دِمَشْقَ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَادَ إِلَى إِقْطَاعِهِ، فَلَمَّا انْفَسَخَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ عَادُوا إِلَى تَجْدِيدِ الصُّلْحِ مَعَ الْعَادِلِ، فَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ، وَاسْتَقَرَّ الصُّلْحُ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلظَّاهِرِ مَنْبِجُ، وَأَفَامِيَةُ وَكَفَرْطَابَ، وَقُرًى مُعَيَّنَةٌ مِنَ الْمَعَرَّةِ، وَيَكُونُ لِلْأَفْضَلِ سُمَيْسَاطُ، وَسَرُوجُ، وَرَأْسُ عَيْنٍ، وَحَمَلِينَ، وَرَحَلُوا عَنْ دِمَشْقَ أَوَّلَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، فَقَصَدَ الْأَفْضَلُ حِمْصَ فَأَقَامَ بِهَا وَسَارَ الظَّاهِرُ إِلَى حَلَبَ، وَوَصَلَ الْعَادِلُ إِلَى دِمَشْقَ تَاسِعَ الْمُحَرَّمِ، وَسَارَ الْأَفْضَلُ إِلَيْهِ مِنْ حِمْصَ، فَاجْتَمَعَ بِهِ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ، وَعَادَ مِنْ عِنْدِهِ
следующие страницы →