← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

الدِّينِ، لَقَبَ أَبِيهِ، وَكَانَ لَقَبُهُ قُطْبَ الدِّينِ، وَأَمَرَ فَحُمِلَ أَبُوهُ وَدُفِنَ بِخُوَارِزْمَ (فِي تُرْبَةٍ عَمَلِهَا فِي مَدْرَسَةٍ بَنَاهَا كَبِيرَةٍ عَظِيمَةٍ) ، وَكَانَ عَادِلًا حَسَنَ السِّيرَةِ، لَهُ مَعْرِفَةٌ حَسَنَةٌ وَعِلْمٌ، يَعْرِفُ الْفِقْهَ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَعْرِفُ الْأُصُولَ. وَكَانَ وَلَدُهُ عَلِيٌّ شَاه بِأَصْفَهَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَخُوهُ خُوَارِزْمُ شَاهْ مُحَمَّدٌ يَسْتَدْعِيهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَنَهَبَ أَهْلُ أَصْفَهَانَ خِزَانَتَهُ وَرَحْلَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى أَخِيهِ وَوَلَّاهُ حَرْبَ أَهْلِ خُرَاسَانَ، وَالتَّقَدُّمَ عَلَى جُنْدِهَا، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ نَيْسَابُورَ وَكَانَ هِنْدُوخَانُ [بْنُ] مَلِكْشَاهْ بْنِ خُوَارِزْمَ شَاهْ تُكُشَ يَخَافُ عَمَّهُ مُحَمَّدًا، فَهَرَبَ مِنْهُ، وَنَهَبَ كَثِيرًا مِنْ خَزَائِنِ جَدِّهِ تُكُشَ لَمَّا مَاتَ، وَكَانَ مَعَهُ، وَسَارَ إِلَى مُرْوَ. وَلَمَّا سَمِعَ غِيَاثُ الدِّينِ مَلِكُ غَزْنَةَ بِوَفَاةِ خُوَارِزْمَ شَاهْ أَمَرَ أَنْ لَا تُضْرَبَ نَوْبَتُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَجَلَسَ لِلْعَزَاءِ عَلَى مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْمُحَارَبَةِ، فَعَلَ ذَلِكَ عَقْلًا مِنْهُ وَمُرُوءَةً، ثُمَّ إِنْ هِنْدُوخَانَ جَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا بِخُرَاسَانَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ عَمُّهُ خُوَارِزْمُ شَاهْ مُحَمَّدٌ جَيْشًا مُقَدَّمُهُمْ جُقَرُ التُّرْكِيُّ، فَلَمَّا سَمِعَ هِنْدُوخَانَ بِمَسِيرِهِ هَرَبَ عَنْ خُرَاسَانَ وَسَارَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يَسْتَنْجِدُهُ عَلَى عَمِّهِ، فَأَكْرَمَ لِقَاءَهُ وَإِنْزَالَهُ، وَأَقْطَعَهُ، وَوَعَدَهُ النُّصْرَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ، وَدَخَلَ جُقَرُ مَدِينَةَ مُرْوَ، وَبِهَا وَالِدَةُ هِنْدُوخَانَ وَأَوْلَادُهُ، فَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهِمْ، وَأَعْلَمَ صَاحِبَهُ، فَأَمَرَهُ بِإِرْسَالِهِمْ إِلَى خُوَارِزْمَ مُكَرَّمِينَ، فَلَمَّا سَمِعَ غِيَاثُ الدِّينِ ذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَرْبَكَ، صَاحِبِ الطَّالْقَانِ، يَأْمُرُهُ أَنْ يُرْسِلَ [إِلَى] جُقَرَ يَتَهَدَّدُهُ، فَفَعَلَ [ذَلِكَ] وَسَارَ مِنَ الطَّالْقَانِ، فَأَخَذَ مَرْوَ الرُّوذِ، وَالْخَمْسَ قُرَى وَتُسَمَّى بِالْفَارِسِيَّةِ بَنَجْ دَهْ، وَأَرْسَلَ إِلَى جُقَرَ يَأْمُرُهُ بِإِقَامَةِ الْخُطْبَةِ بِمَرْوَ لِغِيَاثِ الدِّينِ، أَوْ يُفَارِقُ الْبَلَدَ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ يَتَهَدَّدُ ابْنَ جَرْبَكَ وَيَتَوَعَّدُهُ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ أَمَانًا مِنْ غِيَاثِ الدِّينِ لِيَحْضُرَ خِدْمَتَهُ، فَكَتَبَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ بِذَلِكَ، فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ، وَعَلِمَ أَنَّ خُوَارِزْمَ شَاهْ لَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ، فَلِهَذَا طَلَبَ جُقَرُ الِانْحِيَازَ إِلَيْهِ، فَقَوِيَ طَمَعُهُ فِي الْبِلَادِ، وَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ شِهَابِ الدِّينِ يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ إِلَى خُرَاسَانَ لِيَتَّفِقَا عَلَى أَخْذِ بِلَادِ خُوَارِزْمَ شَاهْ مُحَمَّدٍ.

стр. 5882

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَثَبَ الْمَلَاحِدَةُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ عَلَى نِظَامِ الْمُلْكِ مَسْعُودِ بْنِ عَلِيٍّ، وَزِيرِ خُوَارِزْمَ شَاهْ تُكُشَ، فَقَتَلُوهُ، وَكَانَ صَالِحًا كَثِيرَ الْخَيْرِ، حَسَنَ السِّيرَةِ، شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ، بَنَى لِلشَّافِعِيَّةِ بِمَرْوَ جَامِعًا مُشْرِفًا عَلَى جَامِعِ الْحَنَفِيَّةِ، فَتَعَصَّبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ [بِمَرْوَ] وَهُوَ مُقَدَّمُ الْحَنَابِلَةِ بِهَا، قَدِيمُ الرِّيَاسَةِ، وَجَمَعَ الْأَوْبَاشِ، فَأَحْرَقَهُ. فَأَنْفَذَ خُوَارِزْمُ شَاهْ فَأَحْضَرَ شَيْخَ الْإِسْلَامِ وَجَمَاعَةً مِمَّنْ سَعَى فِي ذَلِكَ، فَأَغْرَمَهُمْ مَالًا كَثِيرًا. وَبَنَى الْوَزِيرُ أَيْضًا مَدْرَسَةً عَظِيمَةً بِخَوَارِزْمَ وَجَامِعًا وَجَعَلَ فِيهَا خِزَانَةَ كُتُبٍ، وَلَهُ آثَارٌ حَسَنَةٌ بِخُرَاسَانَ بَاقِيَةٌ، وَلَمَّا مَاتَ خَلَّفُ وَلَدًا صَغِيرًا، فَاسْتَوْزَرَهُ خُوَارِزْمُ شَاهْ رِعَايَةً لِحَقِّ أَبِيهِ، فَأُشِيرَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْفِيَ، فَأَرْسَلَ يَقَوْلُ: إِنَّنِي صَبِيٌّ لَا أَصْلُحُ لِهَذَا الْمَنْصِبِ الْجَلِيلِ، فَيُوَلِّي السُّلْطَانُ فِيهِ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ إِلَى أَنْ أَكْبُرَ، فَإِنْ كُنْتُ أَصْلُحُ فَأَنَا الْمَمْلُوكُ، فَقَالَ خُوَارِزْمُ شَاهْ: لَسْتُ أُعْفِيكَ، وَأَنَا وَزِيرُكَ، فَكُنْ مُرَاجِعِي فِي الْأُمُورِ، فَإِنَّهُ لَا يَقِفُ مِنْهَا شَيْءٌ. فَاسْتَحْسَنَ النَّاسُ هَذَا، ثُمَّ إِنَّ الصَّبِيَّ لَمْ تَطُلْ أَيَّامُهُ، فَتُوُفِّيَ قَبْلَ خُوَارِزْمَ شَاهْ بِيَسِيرٍ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تُوُفِّيَ شَيْخُنَا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ كُلَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ الْمُقِيمُ بِبَغْدَادَ وَلَهُ سِتٌّ وَتِسْعُونَ سَنَةً وَشَهْرَانِ، وَكَانَ عَالِيَ الْإِسْنَادِ فِي الْحَدِيثِ، وَكَانَ ثِقَةً صَحِيحَ السَّمَاعِ. وَفِي رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي الْفَاضِلُ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْبَيْسَانِيُّ الْكَاتِبُ الْمَشْهُورُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ أَحَدٌ أَحْسَنَ كِتَابَةً مِنْهُ، وَدُفِنَ بِظَاهِرِ مِصْرَ بِالْقَرَافَةِ، وَكَانَ دَيِّنًا كَثِيرَ الصَّدَقَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَلَهُ وُقُوفٌ كَثِيرَةٌ عَلَى الصَّدَقَةِ وَفَكِّ الْأُسَارَى، وَكَانَ يُكْثِرُ الْحَجَّ وَالْمُجَاوَرَةَ مَعَ اشْتِغَالِهِ بِخِدْمَةِ السُّلْطَانِ، وَكَانَ السُّلْطَانُ صَلَاحُ الدِّينِ يُعَظِّمُهُ وَيَحْتَرِمُهُ وَيُكْرِمُهُ، وَيَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ، - رَحِمَهُمَا اللَّهُ.

стр. 5883

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَة] ٥٩٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ صَاحِبِ حَلَبَ مَنْبِجَ وَغَيْرَهَا مِنَ الشَّامِ وَحَصْرِهِ هُوَ وَأَخُوهُ الْأَفْضَلُ مَدِينَةَ دِمَشْقَ وَعَوْدِهِمَا عَنْهَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ مُلْكَ الْعَادِلِ دِيَارَ مِصْرَ، وَقَطْعَهُ خُطْبَةَ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ وَلَدِ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ عُثْمَانَ بْنِ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ، وَأَنَّهُ لَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَرْضَهُ الْأُمَرَاءُ الْمِصْرِيُّونَ، وَخَبُثَتْ نِيَّاتُهُمْ فِي طَاعَتِهِ، فَرَاسَلُوا أَخَوَيْهِ: الظَّاهِرَ بِحَلَبَ، وَالْأَفْضَلَ بِصَرْخَدَ، وَتَكَرَّرَتِ الْمُكَاتَبَاتُ وَالْمُرَاسَلَاتُ بَيْنَهُمْ، يَدْعُونَهُمَا إِلَى قَصْدِ دِمَشْقَ وَحَصْرِهَا لِيَخْرُجَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا خَرَجَ إِلَيْهِمْ [مِنْ] مِصْرَ أَسْلَمُوهُ، وَصَارُوا مَعَهُمَا، فَيَمْلِكَانِ الْبِلَادَ. وَكَثُرَ ذَلِكَ، حَتَّى فَشَا الْخَبَرُ وَاتَّصَلَ بِالْمَلِكِ الْعَادِلِ، وَانْضَافَ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ النِّيلَ لَمْ يَزِدْ بِمِصْرَ الزِّيَادَةَ الَّتِي تَرْكَبُ الْأَرْضَ لِيَزْرَعَ النَّاسُ، فَكَثُرَ الْغَلَاءُ فَضَعُفَتْ قُوَّةُ الْجُنْدِ، وَكَانَ فَخْرُ الدِّينِ جَرْكَسُ قَدْ فَارَقَ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمَمَالِيكِ النَّاصِرِيَّةِ لِحِصَارِ بَانِيَاسَ لِيَأْخُذَهَا لِنَفْسِهِ بِأَمْرِ الْعَادِلِ، وَكَانَتْ لِأَمِيرٍ كَبِيرٍ تُرْكِيٍّ اسْمُهُ بِشَارَةُ، قَدِ اتَّهَمَهُ الْعَادِلُ، فَأَمَرَ جَرْكَسَ بِذَلِكَ. وَكَانَ أَمِيرٌ مِنْ أُمَرَاءِ الْعَادِلِ يُعْرَفُ بِأُسَامَةَ قَدْ حَجَّ هَذِهِ السَّنَةَ، فَلَمَّا عَادَ مِنَ الْحَجِّ، وَقَارَبَ صَرْخَدَ، نَزَلَ الْمَلِكُ الْأَفْضَلُ، فَلَقِيَهُ وَأَكْرَمَهُ، وَدَعَاهُ إِلَى نَفْسِهِ. فَأَجَابَهُ وَحَلَفَ لَهُ، وَعَرَّفَهُ الْأَفْضَلُ جَلِيَّةَ الْحَالِ، وَكَانَ أُسَامَةُ مِنْ بِطَانَةِ الْعَادِلِ، وَإِنَّمَا حَلَفَ لِيَنْكَشِفَ لَهُ الْأَمْرُ، فَلَمَّا فَارَقَ الْأَفْضَلُ أَرْسَلَ إِلَى الْعَادِلِ وَهُوَ بِمِصْرَ، يُعَرِّفُهُ الْخَبَرَ

стр. 5884

جَمِيعَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى وَلَدِهِ الَّذِي بِدِمَشْقَ يَأْمُرُهُ بِحَصْرِ الْأَفْضَلِ بَصَرْخَدَ، وَكَتَبَ إِلَى إِيَاسٍ جَرْكَسَ وَمَيْمُونٍ الْقَصْرِيِّ، صَاحِبِ بِلْبِيسَ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ النَّاصِرِيَّةِ يَأْمُرُهُمْ بِالِاجْتِمَاعِ مَعَ وَلَدِهِ عَلَى حَصْرِ الْأَفْضَلِ. وَسَمِعَ الْأَفْضَلُ الْخَبَرَ، فَسَارَ إِلَى أَخِيهِ الظَّاهِرِ بِحَلَبَ فِي مُسْتَهَلِّ جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ، وَوَصَلَ إِلَى حَلَبَ عَاشِرَ الشَّهْرِ، وَكَانَ الظَّاهِرُ قَدْ أَرْسَلَ أَمِيرًا كَبِيرًا مِنْ أُمَرَائِهِ إِلَى عَمِّهِ الْعَادِلِ، فَمَنَعَهُ الْعَادِلُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ يُكْتَبَ رِسَالَتَهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَعَادَ لِوَقْتِهِ، فَتَحَرَّكَ الظَّاهِرُ لِذَلِكَ وَجَمَعَ عَسْكَرَهُ وَقَصَدَ مَنْبِجَ فَمَلَكَهَا لِلسَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ، وَسَارَ إِلَى قَلْعَةِ نَجْمٍ وَحَصَرَهَا، فَتَسَلَّمَهَا سَلْخَ رَجَبٍ. وَأَمَّا ابْنُ الْعَادِلِ الْمُقِيمُ بِدِمَشْقَ فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى بُصْرَى، وَأَرْسَلَ إِلَى جَرْكَسَ وَمَنْ مَعَهُ - وَهُمْ عَلَى بَانِيَاسَ يَحْصُرُونَهَا - يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ إِلَى ذَلِكَ بَلْ غَالَطُوهُ، فَلَمَّا طَالَ مُقَامُهُ عَلَى بُصْرَى عَادَ إِلَى دِمَشْقَ، وَأَرْسَلَ الْأَمِيرُ أُسَامَةُ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى مُسَاعَدَتِهِ، فَاتُّفِقَ أَنَّهُ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَلْبَكْي الْفَارِسِ، وَبَعْضِ الْمَمَالِيكِ الْكِبَارِ النَّاصِرِيَّةِ مُنَافَرَةٌ فَأَغْلَظَ لَهُ أَلْبَكْي الْقَوْلَ، وَتَعَدَّى إِلَى الْفِعْلِ بِالْيَدِ وَثَارَ الْعَسْكَرُ جَمِيعُهُ إِلَى أُسَامَةَ، فَاسْتَذَمَّ بِمَيْمُونَ، فَأَمَّنَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى دِمَشْقَ، وَاجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ عِنْدَ الْمَلِكِ الظَّافِرِ خَضِرِ بْنِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَأَنْزَلُوهُ مِنْ صَرْخَدَ، وَأَرْسَلُوا إِلَى الْمَلِكِ الظَّاهِرِ وَالْأَفْضَلِ يَحُثُّونَهُمَا عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِمْ، وَالْمَلِكُ الظَّاهِرُ يَتَرَبَّصُ وَيَتَعَوَّقُ، فَوَصَلَ مِنْ مَنْبِجَ إِلَى حَمَاةَ فِي عِشْرِينَ يَوْمًا، وَأَقَامَ عَلَى حَمَاةَ يَحْصُرُهَا وَبِهَا صَاحِبُهَا نَاصِرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ تَقِيِّ الدِّينِ إِلَى تَاسِعَ عَشَرَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَاصْطَلَحَا وَحَمَلَ لَهُ ابْنُ تَقِيِّ الدِّينِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ صُورِيَّةٍ، وَسَارُوا مِنْهَا إِلَى حِمْصَ، ثُمَّ سَارُوا مِنْهَا إِلَى دِمَشْقَ عَلَى طَرِيقِ بَعْلَبَكَّ، فَنَزَلُوا عَلَيْهَا عِنْدَ مَسْجِدِ الْقَدَمِ، فَلَمَّا نَزَلُوا عَلَى دِمَشْقَ أَتَاهُمُ الْمَمَالِيكُ النَّاصِرِيَّةُ مَعَ الْمَلِكِ الظَّافِرِ خَضِرِ بْنِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَكَانَتِ الْقَاعِدَةُ اسْتَقَرَّتْ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَأَخِيهِ الْأَفْضَلِ أَنَّهُمْ إِذَا مَلَكُوا دِمَشْقَ تَكُونُ بِيَدِ الْأَفْضَلِ، وَيَسِيرُونَ إِلَى مِصْرَ، فَإِذَا مَلَكُوهَا تَسَلَّمَ الظَّاهِرُ دِمَشْقَ، فَيَبْقَى الشَّامُ جَمِيعُهُ لَهُ، وَتَبْقَى مِصْرُ لِلْأَفْضَلِ، وَسَلَّمَ الْأَفْضَلُ صَرْخَدَ إِلَى زَيْنِ الدِّينِ قَرَاجَةَ مَمْلُوكِ وَالِدِهِ لِيَحَضُرَ فِي خِدْمَتِهِ، وَأَنْزَلَ وَالِدَتَهُ وَأَهْلَهُ

стр. 5885

مِنْهَا وَسَيَّرَهُمْ إِلَى حِمْصَ، فَأَقَامُوا عِنْدَ أَسَدِ الدِّينِ شِيرْكُوه صَاحِبِهَا. وَكَانَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ قَدْ سَارَ مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ، فَنَزَلَ [عَلَى] مَدِينَةِ نَابُلُسَ وَسَيَّرَ جَمْعًا مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى دِمَشْقَ لِيَحْفَظَهَا، فَوَصَلُوا قَبْلَ وُصُولِ الظَّاهِرِ وَالْأَفْضَلِ، وَحَضَرَ فَخْرُ الدِّينِ جَرْكَسُ وَغَيْرُهُ مِنَ النَّاصِرِيَّةِ عِنْدَ الظَّاهِرِ، وَزَحَفُوا إِلَى دِمَشْقَ وَقَاتَلُوهَا رَابِعَ عَشَرَ ذِي الْقَعْدَةِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ عَلَيْهَا، فَالْتَصَقَ الرِّجَالُ بِالسُّورِ، فَأَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ، فَعَادُوا وَقَدْ قَوِيَ الطَّمَعُ فِي أَخْذِهَا، ثُمَّ زَحَفُوا إِلَيْهَا مَرَّةً ثَانِيَةً وَثَالِثَةً، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مُلْكُهَا، لِأَنَّ الْعَسْكَرَ صَعِدَ إِلَى سَطْحِ خَانِ ابْنِ الْمُقَدَّمِ، وَهُوَ مُلَاصِقٌ لِلسُّورِ، فَلَوْ لَمْ يُدْرِكْهُمُ اللَّيْلُ لَمَلَكُوا الْبَلَدَ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ، وَهُمْ عَازِمُونَ عَلَى الزَّحْفِ بُكْرَةً، وَلَيْسَ لَهُمْ عَنِ الْبَلَدِ مَانِعٌ، حَسَدَ الظَّاهِرُ أَخَاهُ الْأَفْضَلَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَقُولُ لَهُ تَكُونُ دِمَشْقُ لَهُ وَبِيَدِهِ وَيُسَيِّرُ الْعَسَاكِرَ مَعَهُ إِلَى مِصْرَ. فَقَالَ لَهُ الْأَفْضَلُ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدَتِي وَأَهْلِي - وَهُمْ أَهْلُكَ أَيْضًا - عَلَى الْأَرْضِ، لَيْسَ لَهُمْ مَوْضِعٌ يَأْوُونَ إِلَيْهِ، فَاحْسِبْ أَنَّ هَذَا الْبَلَدَ لَكَ تُعِيرُنَاهُ لِيَسْكُنَهُ أَهْلِي هَذِهِ الْمُدَّةَ إِلَى أَنْ يُمْلَكَ مِصْرُ. فَلَمْ يُجِبْهُ الظَّاهِرُ إِلَى ذَلِكَ، وَلَجَّ، فَلَمَّا رَأَى الْأَفْضَلُ ذَلِكَ الْحَالَ قَالَ لِلنَّاصِرِيَّةِ وَكُلِّ مَنْ جَاءَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْجُنْدِ: إِنْ كُنْتُمْ جِئْتُمْ إِلَيَّ فَقَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الْعَوْدِ إِلَى الْعَادِلِ، وَإِنْ كُنْتُمْ جِئْتُمْ إِلَى أَخِي الظَّاهِرِ فَأَنْتُمْ وَهُوَ أَخْبَرُ، وَكَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ يُرِيدُونَ الْأَفْضَلَ، فَقَالُوا: مَا نُرِيدُ سِوَاكَ، وَالْعَادِلُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَخِيكَ، فَأَذِنَ لَهُمْ فِي الْعَوْدِ، فَهَرَبَ فَخْرُ الدِّينِ جَرْكَسُ وَزَيْنُ الدِّينِ قَرَاجَةُ الَّذِي أَعْطَاهُ الْأَفْضَلُ صَرْخَدَ، فَمِنْهُمْ مَنْ دَخَلَ دِمَشْقَ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَادَ إِلَى إِقْطَاعِهِ، فَلَمَّا انْفَسَخَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ عَادُوا إِلَى تَجْدِيدِ الصُّلْحِ مَعَ الْعَادِلِ، فَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ، وَاسْتَقَرَّ الصُّلْحُ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلظَّاهِرِ مَنْبِجُ، وَأَفَامِيَةُ وَكَفَرْطَابَ، وَقُرًى مُعَيَّنَةٌ مِنَ الْمَعَرَّةِ، وَيَكُونُ لِلْأَفْضَلِ سُمَيْسَاطُ، وَسَرُوجُ، وَرَأْسُ عَيْنٍ، وَحَمَلِينَ، وَرَحَلُوا عَنْ دِمَشْقَ أَوَّلَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، فَقَصَدَ الْأَفْضَلُ حِمْصَ فَأَقَامَ بِهَا وَسَارَ الظَّاهِرُ إِلَى حَلَبَ، وَوَصَلَ الْعَادِلُ إِلَى دِمَشْقَ تَاسِعَ الْمُحَرَّمِ، وَسَارَ الْأَفْضَلُ إِلَيْهِ مِنْ حِمْصَ، فَاجْتَمَعَ بِهِ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ، وَعَادَ مِنْ عِنْدِهِ

стр. 5886

إِلَى حِمْصَ، وَسَارَ مِنْهَا لِيَتَسَلَّمَ سُمَيْسَاطَ، فَتَسَلَّمَهَا، وَتَسَلَّمَ بَاقِيَ مَا اسْتَقَرَّ لَهُ: رَأَسَ عَيْنٍ وَسَرُوجَ وَغَيْرَهُمَا. ذِكْرُ مُلْكِ غِيَاثِ الدِّينِ وَأَخِيهِ مَا كَانَ لِخُوَارِزْمَ شَاهْ بِخُرَاسَانَ قَدْ ذَكَرْنَا مَسِيرَ مُحَمَّدِ بْنِ خَرْمِيلَ مِنَ الطَّالْقَانِ. وَاسْتِيلَاءَهُ عَلَى مَرْوَ الرُّوذِ وَسُؤَالَ جُقَرَ التُّرْكِيِّ نَائِبِ عَلَاءِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ خُوَارِزْمَ شَاهْ بِمَرْوَ أَنْ يَكُونَ فِي جُمْلَةِ عَسْكَرِ غِيَاثِ الدِّينِ، وَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ ابْنِ خَرْمِيلَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ فِي مَعْنَى جُقَرَ، عَلِمَ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا دَعَاهُ إِلَى الِانْتِمَاءِ إِلَيْهِمْ ضَعْفُ صَاحِبِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ شِهَابِ الدِّينِ يَسْتَدْعِيهِ إِلَى خُرَاسَانَ، فَسَارَ مِنْ غَزْنَةَ فِي عَسَاكِرِهِ وَجُنُودِهِ وَعُدَّتِهِ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ. وَكَانَ بِهَرَاةَ الْأَمِيرُ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْغَنِيُّ نَائِبًا عَنْ غِيَاثِ الدِّينِ، وَكَانَ يَكْرَهُ خُرُوجَ غِيَاثِ الدِّينِ إِلَى خُرَاسَانَ، فَأَحْضَرَهُ غِيَاثُ الدِّينِ وَاسْتَشَارَهُ، فَأَشَارَ بِالْكَفِّ عَنْ قَصْدِهَا، وَتَرْكِ الْمَسِيرِ إِلَيْهَا، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَأَرَادَ إِبْعَادَهُ عَنْهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ، وَوَصَلَ شِهَابُ الدِّينِ فِي عَسَاكِرِهِ وَعَسَاكِرِ سِجِسْتَانَ وَغَيْرِهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى مَيْمَنَةَ، وَهِيَ قَرْيَةٌ بَيْنَ الطَّالْقَانِ وَكُرْزُبَانَ، وَصَلَ إِلَى شِهَابِ الدِّينِ كِتَابُ جُقَرَ مُسْتَحْفِظِ مَرْوَ، يَطْلُبُهُ لِيُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ أَخَاهُ غِيَاثَ الدِّينِ فَأَذِنَ لَهُ، فَسَارَ إِلَيْهَا، فَخَرَجَ أَهْلُهَا مَعَ الْعَسْكَرِ الْخُوَارِزْمِيِّ وَقَاتَلُوهُ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْحَمْلَةِ عَلَيْهِمْ وَالْجِدِّ فِي قِتَالِهِمْ، فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ، فَأَدْخَلُوهُمُ الْبَلَدَ، وَزَحَفُوا بِالْفِيَلَةِ إِلَى أَنْ قَارَبُوا السُّورَ، فَطَلَبَ أَهْلُ الْبَلَدِ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ وَكَفَّ النَّاسِ عَنِ التَّعَرُّضِ إِلَيْهِمْ، وَخَرَجَ

стр. 5887

جُقَرُ إِلَى شِهَابِ الدِّينِ فَوَعَدَهُ الْجَمِيلَ. ثُمَّ حَضَرَ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَى مَرْوَ بَعْدَ فَتْحِهَا، فَأَخَذَ جُقَرَ وَسَيَّرَهُ إِلَى هَرَاةَ مُكَرَّمًا، وَسَلَّمَ مَرْوَ إِلَى هِنْدُوخَانَ بْنِ مَلِكْشَاهْ بْنِ خُوَارِزْمَ شَاهْ تُكُشَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَرَبَهُ مِنْ عَمِّهِ خُوَارِزْمَ شَاهْ مُحَمَّدِ بْنِ تُكُشَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ، وَوَصَّاهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَى أَهْلِهَا. ثُمَّ سَارَ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَى مَدِينَةِ سَرَخْسَ، فَأَخَذَهَا صُلْحًا، وَسَلَّمَهَا إِلَى الْأَمِيرِ زِنْكِي بْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ مِنْ أَوْلَادِ عَمِّهِ وَأَقْطَعَهُ مَعَهَا نَسَا وَأَبِيوَرْدَ، ثُمَّ سَارَ بِالْعَسَاكِرِ إِلَى طُوسَ، فَأَرَادَ الْأَمِيرُ الَّذِي بِهَا أَنْ يَمْتَنِعَ فِيهَا وَلَا يُسَلِّمَهَا، فَأَغْلَقَ بَابَ الْبِلَادِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَبَلَغَ الْخُبْزُ ثَلَاثَةُ أَمْنَاءٍ بِدِينَارٍ رُكْنِيٍّ، فَضَجَّ أَهْلُ الْبَلَدِ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ وَسَيَّرَهُ إِلَى هَرَاةَ، وَلَمَّا مَلَكَهَا أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ شَاهْ بْنِ خُوَارِزْمَ شَاهْ تُكُشَ، وَهُوَ نَائِبُ أَخِيهِ عَلَاءِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ بِنَيْسَابُورَ، يَأْمُرُهُ بِمُفَارَقَةِ الْبَلَدِ، وَيُحَذِّرُهُ إِنْ أَقَامَ سَطْوَةَ أَخِيهِ شِهَابِ الدِّينِ. وَكَانَ مَعَ عَلِيٍّ شَاهْ عَسْكَرٌ مِنْ خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَاتَّفَقُوا عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ تَسْلِيمِ الْبَلَدِ، وَحَصَّنُوهُ، وَخَرَّبُوا مَا بِظَاهِرِهِ مِنَ الْعِمَارَةِ، وَقَطَعُوا الْأَشْجَارَ. وَسَارَ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا أَوَائِلَ رَجَبٍ، وَتَقَدَّمَ عَسْكَرُ أَخِيهِ شِهَابِ الدِّينِ إِلَى الْقِتَالِ، فَلَمَّا رَأَى غِيَاثُ الدِّينِ ذَلِكَ قَالَ لِوَلَدِهِ مَحْمُودٍ: قَدْ سَبَقَنَا عَسْكَرُ غَزْنَةَ بِفَتْحِ مَرْوَ، وَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَفْتَحُوا نَيْسَابُورَ، فَيَحْصُلُونَ بِالِاسْمِ، فَاحْمِلْ إِلَى الْبَلَدِ. وَلَا تَرْجِعْ حَتَّى تَصِلَ إِلَى السُّورِ. فَحَمَلَ، وَحَمَلَ مَعَهُ وُجُوهُ الْغُورِيَّةِ، فَلَمْ يَرُدَّهُمْ أَحَدٌ مِنَ السُّورِ، حَتَّى أَصْعَدُوا عَلَمَ غِيَاثِ الدِّينِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى شِهَابُ الدِّينِ عَلَمَ أَخِيهِ عَلَى السُّورِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: اقْصُدُوا بِنَا هَذِهِ النَّاحِيَةَ وَاصْعَدُوا السُّورَ مِنْ هَاهُنَا، وَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ فِيهِ، فَسَقَطَ السُّورُ مُنْهَدِمًا، فَضَجَّ النَّاسُ بِالتَّكْبِيرِ وَذُهِلَ الْخُوَارِزْمِيُّونَ وَأَهْلُ الْبَلَدِ، وَدَخَلَ الْغُورِيَّةُ الْبَلَدَ، وَمَلَكُوهُ عَنْوَةً وَنَهَبُوهُ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ فَأَمَرَ بِالنِّدَاءِ: مَنْ نَهَبَ مَالًا أَوْ آذَى أَحَدًا فَدَمُهُ حَلَالٌ، فَأَعَادَ النَّاسُ مَا نَهَبُوهُ عَنْ آخِرِهِ. وَلَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْدِقَائِنَا مِنَ التُّجَّارِ - وَكَانَ بِنَيْسَابُورَ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ -: نُهِبَ مِنْ مَتَاعِي شَيْءٌ مِنْ جُمْلَتِهِ سُكَّرٌ، فَلَمَّا سَمِعَ الْعَسْكَرُ النِّدَاءَ رَدُّوا جَمِيعَ مَا أَخَذُوا مِنِّي، وَبَقِيَ لِي بِسَاطٌ وَشَيْءٌ مِنَ السُّكَّرِ، فَرَأَيْتُ السُّكَّرَ مَعَ جَمَاعَةٍ، فَطَلَبْتُهُ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: أَمَّا

стр. 5888

السُّكَّرُ فَأَكَلْنَاهُ فَنَسْأَلُكَ أَلَّا يَسْمَعَ أَحَدٌ، وَإِنْ أَرَدْتَ ثَمَنَهُ أَعْطَيْنَاكَ، فَقُلْتُ: أَنْتُمْ فِي حِلٍّ مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنِ الْبِسَاطُ مَعَ أُولَئِكَ، (قَالَ: فَمَشَيْتُ إِلَى بَابِ الْبَلَدِ مَعَ النَّظَّارَةِ، فَرَأَيْتُ الْبِسَاطَ) الَّذِي لِي قَدْ أُلْقِيَ عِنْدَ بَابِ الْبَلَدِ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: هَذَا لِي فَطَلَبُوا مِنِّي مَنْ يَشْهَدُ بِهِ، فَأَحْضَرْتُ مَنْ شَهِدَ لِي وَأَخَذْتُهُ. ثُمَّ إِنَّ الْخُوَارِزْمِيِّينَ تَحَصَّنُوا بِالْجَامِعِ، فَأَخْرَجَهُمْ أَهْلُ الْبَلَدِ، فَأَخَذَهُمُ الْغُورِيَّةُ وَنَهَبُوا مَالَهُمْ، وَأُخِذَ عَلِيٌّ شَاهْ بْنُ خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَأُحْضِرُ عِنْدَ غِيَاثِ الدِّينِ رَاجِلًا، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ أَحْضَرَهُ، وَعَظُمَ الْأَمْرُ فِيهِ، وَحَضَرَتْ دَايَةٌ كَانَتْ لَعَلِيٍّ شَاهْ، وَقَالَتْ لِغِيَاثِ الدِّينِ: أَهَكَذَا يُفْعَلُ بِأَوْلَادِ الْمُلُوكِ؟ فَقَالَ: لَا! بَلْ هَكَذَا، وَأَخَذَ بِيَدِهِ، وَأَقْعَدَهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، وَطَيَّبَ نَفْسَهُ، وَسَيَّرَ جَمَاعَةَ الْأُمَرَاءِ الْخُوَارِزْمِيَّةَ إِلَى هَرَاةَ تَحْتَ الِاسْتِظْهَارِ، وَأَحْضَرَ غِيَاثُ الدِّينِ ابْنَ عَمِّهِ، وَصِهْرَهُ عَلَى ابْنَتِهِ، ضِيَاءَ الدِّينِ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي عَلِيٍّ الْغُورِيَّ، وَوَلَّاهُ حَرْبَ خُرَاسَانَ وَخَرَاجَهَا، وَلَقَّبَهُ عَلَاءَ الدِّينِ، وَجَعَلَ مَعَهُ وَجُوهَ الْغُورِيَّةِ، وَرَحَلَ إِلَى هَرَاةَ، وَسَلَّمَ عَلِيًّا شَاهْ إِلَى أَخِيهِ شِهَابِ الدِّينِ، وَأَحْسَنَ إِلَى أَهْلِ نَيْسَابُورَ، وَفَرَّقَ فِيهِمْ مَالًا كَثِيرًا. ثُمَّ رَحَلَ بَعْدَهُ شِهَابُ الدِّينِ إِلَى نَاحِيَةِ قُهِسْتَانَ، فَوَصَلَ إِلَى قَرْيَةٍ، فَذُكِرَ لَهُ أَنَّ أَهْلَهَا إِسْمَاعِيلِيَّةٌ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْمُقَاتِلَةِ، وَنَهْبِ الْأَمْوَالِ، وَسَبِّيِ الذَّرَارِيِّ، وَخَرَّبَ الْقَرْيَةَ فَجَعَلَهَا خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى كَنَابَادَ وَهِيَ مِنَ الْمُدُنِ الَّتِي جَمِيعُ أَهْلِهَا إِسْمَاعِيلِيَّةٌ، فَنَزَلَ عَلَيْهَا وَحَصَرَهَا، فَأَرْسَلَ صَاحِبُ قُهِسْتَانَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يَشْكُو أَخَاهُ شِهَابَ الدِّينِ، وَيَقُولُ: بَيْنَنَا عَهْدٌ، فَمَا الَّذِي بَدَا مِنَّا حَتَّى تُحَاصِرَ بَلَدِي؟ وَاشْتَدَّ خَوْفُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ الَّذِينَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ شِهَابِ الدِّينِ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ لِيَخْرُجُوا مِنْهَا، فَأَمَّنَهُمْ، وَأَخْرَجَهُمْ وَمَلَكَ الْمَدِينَةَ وَسَلَّمَهَا إِلَى بَعْضِ الْغُورِيَّةِ، فَأَقَامَ بِهَا الصَّلَاةَ، وَشِعَارَ الْإِسْلَامِ، وَرَحَلَ شِهَابُ الدِّينِ فَنَزَلَ عَلَى حِصْنٍ آخَرَ لِلْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ أَخِيهِ غِيَاثِ الدِّينِ، فَقَالَ الرَّسُولُ: مَعِي تَقَدُّمٌ مِنَ السُّلْطَانِ، فَلَا يَجْرِي حَرَدٌ إِنْ فَعَلْتُهُ؟ فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ لَكَ مَا لَكَ وَلِرَعِيَّتِي، ارْحَلْ، قَالَ: لَا أَرْحَلُ، قَالَ: إِذَنْ أَفْعَلُ مَا أَمَرَنِي قَالَ: افْعَلْ، فَسَلَّ سَيْفَهُ وَقَطَعَ أَطْنَابَ سُرَادِقِ

стр. 5889

شِهَابِ الدِّينِ، وَقَالَ: ارْحَلْ بِتَقَدُّمِ السُّلْطَانِ، فَرَحَلَ شِهَابُ الدِّينِ وَالْعَسْكَرُ وَهُوَ كَارِهٌ، وَسَارَ إِلَى بَلَدِ الْهِنْدِ، وَلَمْ يُقِمْ بِغَزْنَةَ غَضَبًا لِمَا فَعَلَهُ أَخُوهُ مَعَهُ ذِكْرُ قَصْدِ نُورِ الدِّينِ بِلَادَ الْعَادِلِ وَالصُّلْحِ بَيْنَهُمَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا تَجَهَّزَ نُورُ الدِّينِ أَرْسِلَانُ شَاهْ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، وَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ إِلَى بِلَادِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ بِالْجَزِيرَةِ: حَرَّانَ وَالرُّهَا ; وَكَانَ سَبَبُ حَرَكَتِهِ أَنَّ الْمَلِكَ الْعَادِلَ لَمَّا مَلَكَ مِصْرَ - عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ -، اتَّفَقَ نُورُ الدِّينِ وَالْمَلِكُ الظَّاهِرُ، صَاحِبُ حَلَبَ وَصَاحِبُ مَارْدِينَ وَغَيْرِهِمَا، عَلَى أَنْ يَكُونُوا يَدًا وَاحِدَةً، مُتَّفِقِينَ عَلَى مَنْعِ الْعَادِلِ عَنْ قَصْدِ أَحَدِهِمْ، فَلَمَّا تَجَدَّدَتْ حَرَكَةُ الْأَفْضَلِ وَالظَّاهِرِ، أَرْسَلَا إِلَى نُورِ الدِّينِ لِيَقْصِدَ الْبِلَادَ الْجَزَرِيَّةَ، فَسَارَ عَنِ الْمَوْصِلِ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَسَارَ مَعَهُ ابْنُ عَمِّهِ قُطْبُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمَادِ الدِّينِ زِنْكِي، صَاحِبُ سِنْجَارَ وَنَصِيبِينَ، وَصَاحِبُ مَارْدِينَ، وَوَصَلَ إِلَى رَأْسِ عَيْنٍ، وَكَانَ الزَّمَانُ قَيْظًا، فَكَثُرَثِ الْأَمْرَاضُ فِي عَسْكَرِهِ. وَكَانَ بِحَرَّانَ وَلَدُ الْعَادِلِ يُلَقَّبُ بِالْمَلِكِ الْفَائِزِ وَمَعَهُ عَسْكَرٌ يَحْفَظُ الْبِلَادَ، فَلَمَّا وَصَلَ نُورُ الدِّينِ إِلَى رَأْسِ عَيْنٍ جَاءَتْهُ رُسُلُ الْفَائِزِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ يَطْلُبُونَ الصُّلْحَ وَيَرْغَبُونَ فِيهِ، وَكَانَ نُورُ الدِّينِ قَدْ سَمِعَ بِأَنَّ الصُّلْحَ بَدَأَ يَتِمُّ بَيْنَ الْمَلِكِ الْعَادِلِ وَالْمَلِكِ الظَّاهِرِ وَالْأَفْضَلِ، وَانْضَافَ إِلَى ذَلِكَ كَثْرَةُ الْأَمْرَاضِ فِي عَسْكَرِهِ، فَأَجَابَ إِلَيْهِ، وَحَلَفَ الْمَلِكُ الْفَائِزُ وَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ عَلَى الْقَاعِدَةِ الَّتِي اسْتَقَرَّتْ، وَحَلَفُوا لَهُ أَنَّهُمْ يُحَلِّفُونَ الْمَلِكَ الْعَادِلَ لَهُ، فَإِنِ امْتَنَعَ كَانُوا مَعَهُ عَلَيْهِ، وَحَلَفَ هُوَ لِلْمَلِكِ الْعَادِلِ. وَسَارَتِ الرُّسُلُ مِنْ عِنْدِهِ وَمِنْ عِنْدِ وَلَدِهِ فِي طَلَبِ الْيَمِينِ مِنَ الْعَادِلِ، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ، وَحَلَفَ لَهُ، وَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ، وَأَمِنَتِ الْبِلَادُ، وَعَادَ نُورُ الدِّينِ إِلَى الْمَوْصِلِ فِي

стр. 5890

ذِي الْقَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ. ذِكْرُ مُلْكِ شِهَابِ الدِّينِ نَهْرَوَالَهْ لَمَّا سَارَ شِهَابُ الدِّينِ مِنْ خُرَاسَانَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، لَمْ يُقِمْ بِغَزْنَةَ، وَقَصَدَ بِلَادَ الْهِنْدِ، وَأَرْسَلَ مَمْلُوكَهُ قُطْبَ الدِّينِ أَيْبَكَ إِلَى نَهْرَوَالَهْ، فَوَصَلَهَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، فَلَقِيَهُ عَسْكَرُ الْهُنُودِ، فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَهَزَمَهُمْ أَيْبَكُ، وَاسْتَبَاحَ مُعَسْكَرَهُمْ، وَمَا لَهُمْ فِيهِ مِنَ الدَّوَابِّ وَغَيْرِهَا، وَتَقَدَّمَ إِلَى نَهْرَوَالَهْ فَمَلَكَهَا عَنْوَةً، وَهَرَبَ مَلِكُهَا، فَجَمَعَ وَحَشَدَ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ. وَعَلِمَ شِهَابُ الدِّينِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى حِفْظِهَا إِلَّا بِأَنْ يُقِيمَ هُوَ فِيهَا وَيُخَلِّيَهَا مِنْ أَهْلِهَا، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْبَلَدَ عَظِيمٌ، هُوَ أَعْظَمُ بِلَادِ الْهِنْدِ، وَأَكْثَرُهُمْ أَهْلًا، فَصَالَحَ صَاحِبَهَا عَلَى مَالٍ يُؤَدِّيهِ لَهُ عَاجِلًا وَآجِلًا، وَأَعَادَ عَسَاكِرَهُ عَنْهَا وَسَلَّمَهَا إِلَى صَاحِبِهَا. ذِكْرُ مُلْكِ رُكْنِ الدِّينِ مَلَطْيَةَ مِنْ أَخِيهِ وَأَرْزَنَ الرُّومِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، مَلَكَ رُكْنَ الدِّينِ سُلَيْمَانُ بْنُ قِلْج أَرْسِلَانَ مَدِينَةَ مَلَطْيَةَ، وَكَانَتْ لِأَخِيهِ مُعِزِّ الدِّينِ قَيْصَرَ شَاهْ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَحَصَرَهُ أَيَّامًا وَمَلَكَهَا، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى أَرْزَنِ الرُّومِ، وَكَانَتْ لِوَلَدِ الْمَلِكِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صُلْتُقَ، وَهُمْ بَيْتٌ قَدِيمٌ قَدْ مَلَكُوا أَرْزَنَ الرُّومِ هَذِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَلَمَّا سَارَ إِلَيْهَا وَقَارَبَهَا خَرَجَ صَاحِبُهَا إِلَيْهِ ثِقَةً بِهِ لِيُقَرِّرَ مَعَهُ الصُّلْحَ عَلَى قَاعِدَةٍ يُؤْثِرُهَا رُكْنُ الدِّينِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَاعْتَقَلَهُ عِنْدَهُ وَأَخَذَ الْبَلَدَ، وَكَانَ هَذَا آخِرَ أَهْلِ بَيْتِهِ الَّذِينَ [مَلَكُوا] ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الَّذِي لَا يَزُولُ مُلْكُهُ أَبَدًا سَرْمَدًا. ذِكْرُ وَفَاةِ سُقْمَانَ صَاحِبِ آمِدَ وَمُلْكِ أَخِيهِ مَحْمُودٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ قُطْبُ الدِّينِ سُقْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّا أَرْسِلَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ سُقْمَانَ، صَاحِبُ آمِدَ وَحِصْنِ كِيفَا، سَقَطَ مِنْ سَطْحِ جَوْسَقٍ كَانَ لَهُ بِظَاهِرِ حِصْنِ كِيفَا فَمَاتَ، وَكَانَ شَدِيدَ الْكَرَاهَةِ لِأَخِيهِ هَذَا، وَالنُّفُورِ عَنْهُ، قَدْ أَبْعَدَهُ وَأَنْزَلَهُ حِصْنَ مَنْصُورٍ فِي آخِرِ بِلَادِهِمْ، وَاتَّخَذَ مَمْلُوكًا اسْمُهُ إِيَاسٌ، فَزَوَّجَهُ أُخْتَهُ، وَأَحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا، وَجَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ تَمَلَّكَ بَعْدَهُ عِدَّةَ أَيَّامٍ، وَتَهَدَّدَ وَزِيرًا كَانَ لِقُطْبِ الدِّينِ، وَغَيْرِهِ مِنْ أُمَرَاءِ الدَّوْلَةِ، فَأَرْسَلُوا إِلَى أَخِيهِ مَحْمُودٍ يَسْتَدْعُونَهُ، فَسَارَ مُجِدًّا، فَوَصَلَ إِلَى آمِدَ

стр. 5891

وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهَا إِيَاسٌ مَمْلُوكُ أَخِيهِ، فَلَمْ يُقْدِمْ عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَتَسَلَّمَ مَحْمُودٌ الْبِلَادَ جَمِيعَهَا وَمَلَكَهَا، وَحَبَسَ الْمَمْلُوكَ فَبَقِيَ مُدَّةً مَحْبُوسًا، ثُمَّ شَفَعَ لَهُ صَاحِبُ بِلَادِ الرُّومِ، فَأُطْلِقَ مِنَ الْحَبْسِ، وَسَارَ إِلَى الرُّومِ، فَصَارَ أَمِيرًا مِنْ أُمَرَاءِ الدَّوْلَةِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اشْتَدَّ الْغَلَاءُ بِالْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ لِعَدَمِ زِيَادَةِ النِّيلِ، وَتَعَذَّرَتِ الْأَقْوَاتُ حَتَّى أَكَلَ النَّاسُ الْمَيْتَةَ، وَأَكَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ثُمَّ لَحِقَهُمْ عَلَيْهِ وَبَاءٌ وَمَوْتٌ كَثِيرٌ أَفْنَى النَّاسَ. وَفِي شَعْبَانَ مِنْهَا تَزَلْزَلَتِ الْأَرْضُ بِالْمَوْصِلِ، وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ كُلِّهَا، وَالشَّامِ، وَمِصْرَ وَغَيْرِهَا، فَأَثَّرَتْ فِي الشَّامِ أَثَارًا قَبِيحَةً، وَخَرَّبَتْ كَثِيرًا مِنَ الدُّورِ بِدِمَشْقَ، وَحِمْصَ، وَحَمَاةَ، وَانْخَسَفَتْ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى بُصْرَى، وَأَثَّرَتْ فِي السَّاحِلِ الشَّامِيِّ أَثَرًا كَثِيرًا، فَاسْتَوْلَى الْخَرَابُ عَلَى طَرَابُلُسَ، وَصُورَ، وَعَكَّا، وَنَابُلُسَ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْقِلَاعِ، وَوَصَلَتِ الزَّلْزَلَةُ إِلَى بَلَدِ الرُّومِ، وَكَانَتْ بِالْعِرَاقِ يَسِيرَةً لَمْ تَهْدِمْ دُورًا. وَفِيهَا وُلِدَ بِبَغْدَادَ طِفْلٌ لَهُ رَأْسَانِ، وَذَلِكَ أَنَّ جَبْهَتَهُ مَفْرُوقَةٌ بِمِقْدَارِ مَا يَدْخُلُ فِيهَا مِيلٌ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، تُوُفِّيَ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلِيُّ بْنُ

стр. 5892

الْجَوْزِيِّ الْحَنْبَلِيُّ الْوَاعِظُ بِبَغْدَادَ، وَتَصَانِيفُهُ مَشْهُورَةٌ، وَكَانَ كَثِيرَ الْوَقِيعَةِ فِي النَّاسِ لَا سِيَّمَا فِي الْعُلَمَاءِ الْمُخَالِفِينَ لِمَذْهَبِهِ وَالْمُوَافِقِينَ لَهُ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ عَشْرٍ وَخَمْسِمِائَةٍ. وَفِيهَا أَيْضًا تُوُفِّيَ عِيسَى بْنُ نُصَيْرٍ النُّمَيْرِيُّ الشَّاعِرُ، وَكَانَ حَسَنَ الشِّعْرِ، وَلَهُ أَدَبٌ وَفَضْلٌ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِبَغْدَادَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْعِمَادُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَامِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَلَّةَ، أَوَّلُهُ بِاللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ، وَهُوَ الْعِمَادُ الْكَاتِبُ الْأَصْفَهَانِيُّ، كَتَبَ لِنُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زِنْكِي وَلِصَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ، ﵄ وَكَانَ كَاتِبًا مُفْلِقًا، قَادِرًا عَلَى الْقَوْلِ. وَفِيهَا جَمَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمْزَةَ الْعَلَوِيُّ الْمُتَغَلِّبُ عَلَى جِبَالِ الْيَمَنِ جُمُوعًا كَثِيرَةً فِيهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَمِنَ الرَّجَّالَةِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً، وَكَانَ قَدِ انْضَافَ إِلَيْهِ مِنْ جُنْدِ الْمُعِزِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَيْفِ الْإِسْلَامِ طُغْدِكِينُ بْنُ أَيُّوبَ، صَاحِبُ الْيَمَنِ، خَوْفًا مِنْهُ، وَأَيْقَنُوا بِمُلْكِ الْبِلَادِ، وَاقْتَسَمُوهَا، وَخَافَهُمُ ابْنُ سَيْفِ الْإِسْلَامِ خَوْفًا عَظِيمًا، فَاجْتَمَعَ قُوَّادُ عَسْكَرِ ابْنِ حَمْزَةَ لَيْلًا لِيَتَّفِقُوا عَلَى رَأْيٍ يَكُونُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ قَائِدًا فَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ صَاعِقَةٌ أَهْلَكَتْهُمْ جَمِيعَهُمْ، فَأَتَى الْخَبَرُ ابْنَ سَيْفِ الْإِسْلَامِ فِي بَاقِي اللَّيْلَةِ بِذَلِكَ، فَصَارَ إِلَيْهِمْ مُجِدًّا فَأَوْقَعَ بِالْعَسْكَرِ الْمُجْتَمِعِ، فَلَمْ يَثْبُتُوا لَهُ، وَانْهَزَمُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَوَضَعَ السَّيْفَ فِيهِمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ سِتَّةَ آلَافِ قَتِيلٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَثَبَتَ مُلْكُهُ وَاسْتَقَرَّ بِتِلْكَ الْأَرْضِ. وَفِيهَا وَقَعَ فِي بَنِي عَنَزَةَ بِأَرْضِ الشَّرَاةِ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ، وَبَاءٌ عَظِيمٌ، وَكَانُوا يَسْكُنُونَ فِي عِشْرِينَ قَرْيَةً، فَوَقَعَ الْوَبَاءُ فِي ثَمَانِيَ عَشْرَةَ قَرْيَةً، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَكَانَ الْإِنْسَانُ إِذَا قَرُبَ مِنْ تِلْكَ الْقُرَى يَمُوتُ سَاعَةَ مَا يُقَارِبُهَا، فَتَحَامَاهَا النَّاسُ، وَبَقِيَتْ إِبِلُهُمْ وَأَغْنَامُهُمْ لَا مَانِعَ لَهَا، وَأَمَّا الْقَرْيَتَانِ الْأُخْرَيَانِ فَلَمْ يَمُتْ فِيهِمَا أَحَدٌ، وَلَا أَحَسُّوا بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ فِيهِ أُولَئِكَ.

стр. 5893

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَة] ٥٩٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ خُوَارِزْمَ شَاهْ مَا كَانَ أَخَذَهَ الْغُورِيَّةُ مِنْ بِلَادِهِ قَدْ ذَكَرْنَا فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] مُلْكَ غِيَاثِ الدِّينِ وَأَخِيهِ شِهَابِ الدِّينِ مَا كَانَ لِخُوَارِزْمَ شَاهْ مُحَمَّدِ بْنِ تُكُشَ بِخُرَاسَانَ، وَمَرْوَ، وَنَيْسَابُورَ، وَغَيْرِهَا، وَعَوْدَهُمَا عَنْهَا بَعْدَ أَنْ أَقْطَعَا الْبِلَادَ، وَمَسِيرَ شِهَابِ الدِّينِ إِلَى الْهِنْدِ، فَلَمَّا اتَّصَلَ بِخُوَارِزْمَ شَاهْ عَلَاءُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ تُكُشَ عَوَّدَ الْعَسَاكِرَ الْغُورِيَّةَ عَنْ خُرَاسَانَ، وَدُخُولَ شِهَابِ الدِّينِ الْهِنْدَ، أَرْسَلَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يُعَاتِبُهُ، وَيَقُولُ: كُنْتُ أَعْتَقِدُ أَنْ تَخْلُفَ عَلَيَّ بَعْدَ أَبِي، وَأَنْ تَنْصُرَنِي عَلَى الْخَطَا، وَتَرُدَّهُمْ عَنْ بِلَادِي، فَحَيْثُ لَمْ تَفْعَلْ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ لَا تُؤْذِيَنِي وَتَأْخُذَ بِلَادِي، وَالَّذِي أُرِيدُهُ أَنْ تُعِيدَ مَا أَخَذْتَهُ مِنِّي إِلَيَّ، وَإِلَّا اسْتَنْصَرْتُ عَلَيْكَ بِالْخَطَا وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَتْرَاكِ، إِنْ عَجَزْتُ عَنْ أَخْذِ بِلَادِي، فَإِنَّنِي إِنَّمَا شَغَلَنِي عَنْ مَنْعِكُمْ عَنْهَا الِاشْتِغَالُ بِعَزَاءِ وَالِدِي وَتَقْرِيرُ أَمْرِ بِلَادِي، وَإِلَّا فَمَا أَنَا عَاجِزٌ عَنْكُمْ وَعَنْ أَخْذِ بِلَادِكُمْ بِخُرَاسَانَ وَغَيْرِهَا، فَغَالَطَهُ غِيَاثُ الدِّينِ فِي الْجَوَابِ لِتَمْتَدَّ الْأَيَّامُ بِالْمُرَاسَلَاتِ، وَيَخْرُجَ أَخُوهُ شِهَابُ الدِّينِ مِنَ الْهِنْدِ بِالْعَسَاكِرِ، فَإِنَّ غِيَاثَ الدِّينِ كَانَ عَاجِزًا بِاسْتِيلَاءِ النِّقْرِسِ عَلَيْهِ. فَلَمَّا وَقَفَ خُوَارِزْمُ شَاهْ عَلَى رِسَالَةِ غِيَاثِ الدِّينِ أَرْسَلَ إِلَى عَلَاءِ الدِّينِ الْغُورِي نَائِبِ غِيَاثِ الدِّينِ بِخُرَاسَانَ، يَأْمُرُهُ بِالرَّحِيلِ عَنْ نَيْسَابُورَ، وَيَتَهَدَّدُهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَكَتَبَ عَلَاءُ الدِّينِ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ بِذَلِكَ، وَيُعَرِّفُهُ مَيْلَ أَهْلِ الْبَلَدِ إِلَى الْخُوَارِزْمِيِّينَ فَأَعَادَ غِيَاثُ الدِّينِ جَوَابَهُ يُقَوِّي قَلْبَهُ، وَيَعِدُهُ النُّصْرَةَ وَالْمَنْعَ عَنْهُ.

стр. 5894

وَجَمَعَ خُوَارِزْمُ شَاهْ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ عَنْ خُوَارِزْمَ نِصْفَ ذِي الْحَجِّهِ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَلَمَّا قَارَبَ نَسَا وَأَبِيوَرْدَ هَرَبَ هِنْدُوخَانُ ابْنُ أَخِي مَلِكْشَاهْ مِنْ مَرْوَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ بِفَيْرُوزَكُوه، وَمَلَكَ خُوَارِزْمُ شَاهْ مَدِينَةَ مَرْوَ، وَسَارَ إِلَى نَيْسَابُورَ وَبِهَا عَلَاءُ الدِّينِ، فَحَصَرَهُ، وَقَاتَلَهُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَطَالَ مُقَامُهُ عَلَيْهَا، وَرَاسَلَهُ غَيْرَ مَرَّةٍ فِي تَسْلِيمِ الْبَلَدِ إِلَيْهِ، وَهُوَ لَا يُجِيبُ إِلَى ذَلِكَ انْتِظَارًا لِلْمَدَدِ مِنْ غِيَاثِ الدِّينِ، فَبَقِيَ نَحْوَ شَهْرَيْنِ، فَلَمَّا أَبْطَأَ عَنْهُ النَّجْدَةُ أَرْسَلَ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ يَطْلُبُ الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْغُورِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ إِلَيْهِمْ بِحَبْسٍ وَلَا غَيْرِهِ مِنَ الْأَذَى، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَحَلَفَ لَهُمْ، وَخَرَجُوا مِنَ الْبَلَدِ وَأَحْسَنَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَيْهِمْ، وَوَصَلَهُمْ بِمَالٍ جَلِيلٍ وَهَدَايَا كَثِيرَةٍ، وَطَلَبَ مِنْ عَلَاءِ الدِّينِ أَنْ يَسْعَى فِي الصُّلْحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غِيَاثِ الدِّينِ وَأَخِيهِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ. وَسَارَ إِلَى هَرَاةَ، وَمِنْهَا إِلَى إِقْطَاعِهِ، وَلَمْ يَمْضِ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ تَجَنِّيًا عَلَيْهِ لِتَأَخُّرِ أَمْدَادِهِ، وَلَمَّا خَرَجَ الْغُورِيَّةُ مِنْ نَيْسَابُورَ أَحْسَنَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ خَرْمِيلَ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ أُمَرَائِهِمْ، زِيَادَةً عَلَى غَيْرِهِ، وَبَالَغَ فِي إِكْرَامِهِ، فَقِيلَ إِنَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ اسْتَحْلَفَهُ لِنَفْسِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعَهُ بَعْدَ غِيَاثِ الدِّينِ وَأَخِيهِ شِهَابِ الدِّينِ. ثُمَّ سَارَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى سَرَخْسَ، وَبِهَا الْأَمِيرُ زِنْكِي، فَحَصَرَهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَجَرَى بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ، فَضَاقَتِ الْمِيرَةُ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، لَا سِيَّمَا الْحَطَبُ، فَأَرْسَلَ زِنْكِي إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ بَابِ الْبَلَدِ حَتَّى يَخْرُجَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَيَتْرُكَ الْبَلَدَ لَهُ، فَرَاسَلَهُ خُوَارِزْمُ شَاهْ فِي الِاجْتِمَاعِ بِهِ لِيُحْسِنَ إِلَيْهِ وَإِلَى مَنْ مَعَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ وَاحْتَجَّ بِقُرْبِ نَسَبِهِ مِنْ غِيَاثِ الدِّينِ، فَأَبْعَدَ خُوَارِزْمُ شَاهْ عَنْ بَابِ الْبَلَدِ بِعَسَاكِرِهِ، فَخَرَجَ زِنْكِي فَأَخَذَ مِنَ الْغَلَّاتِ وَغَيْرِهَا الَّتِي فِي الْمُعَسْكَرِ مَا أَرَادَ لَا سِيَّمَا مِنَ الْحَطَبِ، وَعَادَ إِلَى الْبَلَدِ وَأَخْرَجَ مِنْهُ مَنْ كَانَ قَدْ ضَاقَ بِهِ الْأَمْرُ، وَكَتَبَ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ: الْعُودُ أَحْمَدُ، فَنَدِمَ حَيْثُ لَمْ يَنْفَعْهُ النَّدَمُ، وَرَحَلَ عَنِ الْبَلَدِ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ يَحْصُرُونَهُ. فَلَمَّا أَبْعَدَ خُوَارِزْمُ شَاهْ سَارَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرْبَكَ مِنَ الطَّالْقَانِ، وَهُوَ مِنْ أُمَرَاءَ الْغُورِيَّةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى زِنْكِي أَمِيرِ سَرَخْسَ يُعَرِّفُهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَكْبِسَ الْخُوَارِزْمِيِّينَ لِئَلَّا يَنْزَعِجَ إِذَا سَمِعَ الْغَلَبَةَ، وَسَمِعَ الْخُوَارِزْمِيُّونَ الْخَبَرَ، فَفَارَقُوا سَرَخْسَ، وَخَرَجَ زِنْكِي وَلَقِيَ مُحَمَّدَ بْنَ جَرْبَكَ وَعَسْكَرًا فِي مَرْوِ الرُّوذِ، وَأَخَذَ خَرَاجَهَا وَمَا يُجَاوِرُهَا، فَسَيَّرَ

стр. 5895

إِلَيْهِمْ خُوَارِزْمُ شَاهْ عَسْكَرًا مَعَ خَالِهِ، فَلَقِيَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ جَرْبَكَ وَقَاتَلَهُمْ، وَحَمَلَ بَلُتَّ فِي يَدِهِ عَلَى صَاحِبِ عَلَمِ الْخُوَارِزْمِيَّةِ فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، وَأَلْقَى عَلَمَهُمْ، وَكَسَرَ كَوْسَاتِهِمْ، فَانْقَطَعَ صَوْتُهَا عَنِ الْعَسْكَرِ، وَلَمْ يَرَوْا أَعْلَامَهُمْ، فَانْهَزَمُوا، وَرَكِبَهُمُ الْغُورِيَّةُ قَتْلًا وَأَسْرًا نَحْوَ فَرْسَخَيْنِ، فَكَانُوا ثَلَاثَةَ آلَافِ فَارِسٍ وَابْنُ جَرْبَكَ فِي تِسْعِ مِائَةِ فَارِسٍ، وَغَنِمَ جَمِيعُ مُعَسْكَرِهِمْ، فَلَمَّا سَمِعَ خُوَارِزْمُ شَاهْ ذَلِكَ عَادَ إِلَى خُوَارِزْمَ، وَأَرْسَلَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ فِي الصُّلْحِ، فَأَجَابَهُ عَنْ رِسَالَتِهِ مَعَ أَمِيرٍ كَبِيرٍ مِنَ الْغُورِيَّةِ يُقَالُ لَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْغَنِيُّ، وَمَرْغَنُ مِنْ قُرَى الْغَوْرِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ خُوَارِزْمُ شَاهْ. ذِكْرُ حَصْرِ خُوَارِزْمَ شَاهْ هَرَاةَ وَعَوْدِهِ عَنْهَا لَمَّا أَرْسَلَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ فِي الصُّلْحِ، وَأَجَابَهُ عَنْ رِسَالَتِهِ مَعَ الْحُسَيْنِ الْمَرْغَنِيِّ مُغَالِطًا، قَبَضَ خُوَارِزْمُ شَاهْ عَلَى الْحُسَيْنِ، وَسَارَ إِلَى هَرَاةَ لِيُحَاصِرَهَا، فَكَتَبَ الْحُسَيْنُ إِلَى أَخِيهِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْغَنِيِّ أَمِيرِ هَرَاةَ، يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ فَاسْتَعَدَّ لِلْحِصَارِ. وَكَانَ سَبَبُ قَصْدِ خُوَارِزْمَ شَاهْ حِصَارَ هَرَاةَ أَنَّ رَجُلَيْنِ أَخَوَيْنِ، مِمَّنْ كَانَ يَخْدِمُ مُحَمَّدًا سُلْطَانَ شَاهْ، اتَّصَلَا بِغِيَاثِ الدِّينِ، بَعْدَ وَفَاةِ سُلْطَانَ شَاهْ، فَأَكْرَمَهُمَا غِيَاثِ الدِّينِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمَا، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا الْأَمِيرُ الْحَاجِّيُّ، فَكَاتَبَا خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَأَطْمَعَاهُ فِي الْبَلَدِ، وَضَمِنَا لَهُ تَسْلِيمَهُ إِلَيْهِ فَسَارَ لِذَلِكَ، وَنَازَلَ الْمَدِينَةَ وَحَصَرَهَا، فَسَلَّمَ الْأَمِيرُ عُمَرُ الْمَرْغَنِيُّ أَمِيرُ الْبَلَدِ، مَفَاتِيحَ الْأَبْوَابِ إِلَيْهِمَا، وَجَعَلَهُمَا عَلَى الْقِتَالِ ثِقَةً مِنْهُ بِهِمَا، وَظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُمَا عَدُوَّا خُوَارِزْمَ شَاهْ تُكُشَ وَابْنِهِ مُحَمَّدٍ بَعْدَهُ، فَاتُّفِقَ أَنَّ بَعْضَ الْخُوَارِزْمِيَّةِ أَخْبَرَ الْحُسَيْنَ الْمَرْغَنِيَّ الْمَأْسُورَ عِنْدَ خُوَارِزْمَ شَاهْ بِحَالِ الرَّجُلَيْنِ، وَأَنَّهُمَا هُمَا اللَّذَانِ يُدَبِّرَانِ خُوَارِزْمَ شَاهْ وَيَأْمُرَانِهِ بِمَا يَفْعَلُ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ، وَأَتَاهُ بِخَطِّ الْأَمِيرِ الْحَاجِّيِّ، فَأَخَذَهُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى أَخِيهِ عُمَرَ أَمِيرِ هَرَاةَ، فَأَخَذَهُمَا وَاعْتَقَلَهُمَا وَأَخَذَ أَصْحَابَهُمَا.

стр. 5896

ثُمَّ إِنَّ أَلْب غَازِي - وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ غِيَاثِ الدِّينِ - جَاءَ فِي عَسْكَرٍ مِنَ الْغُورِيَّةِ، فَنَزَلَ عَلَى خَمْسَةِ فَرَاسِخَ مِنْ هَرَاةَ فَكَانَ يَمْنَعُ الْمِيرَةَ عَنْ عَسْكَرِ خُوَارِزْمَ شَاهْ، ثُمَّ إِنَّ خُوَارِزْمَ شَاهْ سَيَّرَ عَسْكَرًا إِلَى أَعْمَالِ الطَّالْقَانِ لِلْغَارَةِ عَلَيْهَا، فَلَقِيَهُمُ الْحُسَيْنُ بْنُ خَرْمِيلَ فَقَاتَلَهُمْ، فَظَفِرَ بِهِمْ فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَسَارَ غِيَاثُ الدِّينِ عَنْ فَيْرُوزَكُوه إِلَى هَرَاةَ فِي عَسْكَرِهِ، فَنَزَلَ بِرِبَاطٍ رَزِينٍ وَبِالْقُرْبِ مِنْ هَرَاةَ، وَلَمْ يُقْدِمْ عَلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ لِقِلَّةِ عَسْكَرِهِ لِأَنَّ أَكْثَرَ عَسَاكِرِهِ كَانَتْ مَعَ أَخِيهِ بِالْهِنْدِ وَغَزْنَةَ، فَأَقَامَ خُوَارِزْمُ شَاهْ عَلَى هَرَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَعَزَمَ عَلَى الرَّحِيلِ لِأَنَّهُ بَلَغَهُ انْهِزَامُ أَصْحَابِهِ بِالطَّالْقَانِ وَقُرْبُ غِيَاثِ الدِّينِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا قُرْبُ أَلْب غَازِي، وَسَمِعَ أَيْضًا أَنَّ شِهَابَ الدِّينِ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْهِنْدِ إِلَى غَزْنَةَ، وَكَانَ وُصُولُهُ إِلَيْهَا فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَخَافَ أَنْ يَصِلَ بِعَسَاكِرِهِ فَلَا يُمْكِنُهُ الْمُقَامُ عَلَى الْبَلَدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَمِيرِ هَرَاةَ عُمَرَ الْمَرْغَنِيِّ فِي الصُّلْحِ فَصَالَحَهُ عَلَى مَالٍ حَمَلَهُ إِلَيْهِ وَارْتَحَلَ عَنِ الْبَلَدِ. وَأَمَّا شِهَابُ الدِّينِ، فَإِنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى غَزْنَةَ بَلَغَهُ الْخَبَرُ بِمَا فَعَلَهُ خُوَارِزْمُ شَاهْ بِخُرَاسَانَ، وَمُلْكُهُ لَهَا، فَسَارَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَوَصَلَ إِلَى بَلْخَ وَمِنْهَا إِلَى بَامِيَانَ ثُمَّ إِلَى مَرْوَ، عَازِمًا عَلَى حَرْبِ خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَكَانَ نَازِلًا هُنَاكَ، فَالْتَقَتْ أَوَائِلُ عَسْكَرَيْهِمَا، وَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ إِنَّ خُوَارِزْمَ شَاهِ ارْتَحَلَ عَنْ مَكَانِهِ شِبْهَ الْمُنْهَزِمِ، وَقَطَعَ الْقَنَاطِرَ، وَقَتَلَ الْأَمِيرَ سَنْجَرَ صَاحِبَ نَيْسَابُورَ ; لِأَنَّهُ اتَّهَمَهُ بِالْمُخَامَرَةِ عَلَيْهِ، وَتَوَجَّهَ شِهَابُ الدِّينِ إِلَى طُوسَ فَأَقَامَ بِهَا تِلْكَ الشَّتْوَةِ عَلَى عَزْمِ الْمَسِيرِ إِلَى خُوَارِزْمَ لِيَحْصُرَهَا، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِوَفَاةِ أَخِيهِ غِيَاثِ الدِّينِ، فَقَصَدَ هَرَاةَ وَتَرَكَ ذَلِكَ الْعَزْمَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ دَرَّسَ مُجْدُ الدِّينِ أَبُو عَلِيٍّ يَحْيَى بْنُ الرَّبِيعِ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، بِالنِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.

стр. 5897

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ بَنْفَشَةُ جَارِيَةُ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَضِيءِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمَيْلِ إِلَيْهَا، وَالْمَحَبَّةِ لَهَا، وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ وَالصَّدَقَةِ. وَفِيهَا أَيْضًا تُوُفِّيَ الْخَطِيبُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ زَيْدٍ الدَّوْلَعِيُّ خَطِيبُ دِمَشْقَ، وَكَانَ فَقِيهًا شَافِعِيًّا، هُوَ مِنَ الدَّوْلَعِيَّةِ قَرْيَةٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ.

стр. 5898

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَة] ٥٩٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ حَصْرِ عَسْكَرِ الْعَادِلِ مَارْدِينَ وَصُلْحِهِ مَعَ صَاحِبِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، سَيَّرَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيُّوبَ صَاحِبُ دِمَشْقَ وَمِصْرَ، عَسْكَرًا مَعَ وَلَدِهِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ مُوسَى إِلَى مَارْدِينَ، فَحَصَرُوهَا، وَشَحَنُوا عَلَى أَعْمَالِهَا، وَانْضَافَ إِلَيْهِ عَسْكَرُ الْمَوْصِلِ وَسِنْجَارَ وَغَيْرِهِمَا، وَنَزَلُوا بِخَرْزَمَ تَحْتَ مَارْدِينَ، وَنَزَلَ عَسْكَرٌ مِنْ قَلْعَةِ الْبَارِعِيِّةِ - وَهِيَ لِصَاحِبِ مَارْدِينَ - يَقْطَعُونَ الْمِيرَةَ عَنِ الْعَسْكَرِ الْعَادِلِيِّ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَسْكَرِ الْعَادِلِيِّ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْبَارِعِيَّةِ. وَثَارَ التُّرْكُمَانُ وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَأَكْثَرُوا الْفَسَادَ، فَتَعَذَّرَ سُلُوكُ الطَّرِيقِ إِلَّا لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَرْبَابِ السِّلَاحِ، فَسَارَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَسْكَرِ الْعَادِلِيِّ إِلَى رَأْسِ عَيْنٍ لِإِصْلَاحِ الطُّرُقِ، وَكَفِّ عَادِيَةِ الْفَسَادِ، وَأَقَامَ وَلَدُ الْعَادِلِ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ غَرَضٌ، فَدَخَلَ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ غَازِي بْنُ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ - صَاحِبُ حَلَبَ - فِي الصُّلْحِ بَيْنَهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى عَمِّهِ الْعَادِلِ فِي ذَلِكَ، فَأَجَابَ إِلَيْهِ عَلَى قَاعِدَةِ أَنْ يَحْمِلَ لَهُ صَاحِبُ مَارْدِينَ مِائَةً وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَجَاءَ صَرْفُ الدِّينِارِ أَحَدَ عَشَرَ قِيرَاطًا مِنْ أَمِيرِيٍّ، وَيَخْطُبَ لَهُ بِبِلَادِهِ، وَيُضْرَبَ اسْمُهُ عَلَى السِّكَّةِ، وَيَكُونَ عَسْكَرُهُ فِي خِدْمَتِهِ أَيَّ وَقْتٍ طَلَبَهُ، وَأَخَذَ الظَّاهِرُ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ مِنَ النَّقْدِ الْمَذْكُورِ، وَقَرْيَةَ الْقَرَادِيِّ مِنْ أَعْمَالِ شَبَخْتَانَ

стр. 5899

فَرَحَلَ وَلَدُ الْعَادِلِ عَنْ مَارْدِينَ. ذِكْرُ وَفَاةِ غِيَاثِ الدِّينِ مَلَكِ الْغَوْرِ وَشَيْءٍ مِنْ سِيرَتِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي جُمَادَى الْأُولَى، تُوُفِّيَ غِيَاثُ الدِّينِ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ سَامَ الْغُورِيُّ، صَاحِبُ غَزْنَةَ وَبَعْضِ خُرَاسَانَ وَغَيْرِهَا، وَأُخْفِيَتْ وَفَاتُهُ، وَكَانَ أَخُوهُ شِهَابُ الدِّينِ بِطُوسَ، عَازِمًا عَلَى قَصْدِ خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِوَفَاةِ أَخِيهِ، فَسَارَ إِلَى هَرَاةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا جَلَسَ لِلْعَزَاءِ بِأَخِيهِ فِي رَجَبٍ، وَأُظْهِرَتْ وَفَاتُهُ حِينَئِذٍ. وَخَلَّفَ غِيَاثُ الدِّينِ مِنَ الْوَلَدِ ابْنًا اسْمُهُ مَحْمُودٌ، لُقِّبَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ غِيَاثَ الدِّينِ. وَسَنُورِدُ مِنْ أَخْبَارِهِ كَثِيرًا. وَلَمَّا سَارَ شِهَابُ الدِّينِ مِنْ طُوسَ اسْتَخْلَفَ بِمَرْوَ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ جَرْبَكَ، فَسَارَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْخُوَارِزْمِيَّةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ لَيْلًا، وَبَيَّتَهُمْ، فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَأَنْفَذَ الْأَسْرَى وَالرُّءُوسَ إِلَى هَرَاةَ، فَأَمَرَ شِهَابُ الدِّينِ بِالِاسْتِعْدَادِ لِقَصْدِ خُوَارِزْمَ عَلَى طَرِيقِ الرَّمْلِ، وَجَهَّزَ خُوَارِزْمُ شَاهْ جَيْشًا وَسَيَّرَهُمْ مَعَ بَرْفُورَ التُّرْكِيِّ إِلَى قِتَالِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرْبَكَ، فَسَمِعَ بِهِمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، وَلَقِيَهُمْ عَلَى عَشَرَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَرْوَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، قُتِلَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَانْهَزَمَ الْغُورِيَّةُ، وَدَخَلَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرْبَكَ مَرْوَ فِي عَشْرَةِ فِرْسَانٍ، وَجَاءَ الْخُوَارِزْمِيُّونَ فَحَصَرُوهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَضَعُفَ عَنِ الْحِفْظِ، فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِ الْأَمَانِ، فَحَلَفُوا لَهُ إِنْ خَرَجَ إِلَيْهِمْ عَلَى حُكْمِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَقْتُلُونَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا كُلَّ مَا مَعَهُ. وَسَمِعَ شِهَابُ الدِّينِ الْخَبَرَ فَعَظُمَ عَلَيْهِ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ الصُّلْحُ، وَأَرَادَ الْعَوْدَ إِلَى غَزْنَةَ فَاسْتَعْمَلَ عَلَى هَرَاةَ ابْنَ أَخِيهِ أَلْب غَازِي، وَفَلَكَ الْمُلْكِ عَلَاءَ الدِّينِ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي عَلِيٍّ الْغُورِيَّ (عَلَى مَدِينَةِ فَيْرُوزَكُوه) ، وَجَعَلَ إِلَيْهِ حَرْبَ خُرَاسَانَ وَأَمْرَ كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَمْلَكَةِ، وَأَتَاهُ مَحْمُودٌ ابْنُ أَخِيهِ غِيَاثِ

стр. 5900

الدِّينِ، فَوَلَّاهُ مَدِينَةَ بُسْتَ، وَأَسْفِزَارَ، وَتِلْكَ النَّاحِيَةَ، وَجَعَلَهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ الْمُلْكِ جَمِيعِهِ، وَلَمْ يُحْسِنِ الْخِلَافَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَبِيهِ، وَلَا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِهِ، فَمِنْ جُمْلَةِ فِعْلِهِ أَنَّ غِيَاثَ الدِّينِ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ كَانَتْ مُغَنِّيَةً، فَهَوِيَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا مَاتَ غِيَاثُ الدِّينِ قَبَضَ عَلَيْهَا وَضَرَبَهَا ضَرْبًا مُبَرِّحًا، وَضَرَبَ وَلَدَهَا غِيَاثَ الدِّينِ، وَزَوْجَ أُخْتِهَا، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَأَمْلَاكَهُمْ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى بَلَدِ الْهِنْدِ، فَكَانُوا فِي أَقْبَحِ صُورَةٍ، وَكَانَتْ قَدْ بَنَتْ مَدْرَسَةً، وَدَفَنَتْ فِيهَا أَبَاهَا وَأُمَّهَا وَأَخَاهَا، فَهَدَمَهَا وَنَبَشَ قُبُورَ الْمَوْتَى، وَرَمَى بِعِظَامِهِمْ مِنْهَا. وَأَمَّا سِيرَةُ غِيَاثِ الدِّينِ وَأَخْلَاقُهُ ; فَإِنَّهُ كَانَ مُظَفَّرًا مَنْصُورًا فِي حُرُوبِهِ، لَمْ تَنْهَزِمْ لَهُ رَايَةٌ قَطُّ، وَكَانَ قَلِيلَ الْمُبَاشَرَةِ لِلْحُرُوبِ. وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ دَهَاءٌ وَمَكْرٌ، وَكَانَ جَوَادًا، حَسَنَ الِاعْتِقَادِ، كَثِيرَ الصَّدَقَاتِ وَالْوُقُوفِ بِخُرَاسَانَ. بَنَى الْمَسَاجِدَ وَالْمَدَارِسَ بِخُرَاسَانَ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَبَنَى الْخَانَكَاهَاتِ فِي الطُّرُقِ. وَأَسَقَطُ الْمُكُوسَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ إِلَى مَالِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَمَنْ مَاتَ [وَلَا وَارِثَ لَهُ تَصَدَّقَ بِمَا يُخَلِّفُهُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ بَلَدٍ مَعْرُوفٍ وَمَاتَ] بِبَلَدِهِ يُسَلِّمُ مَالَهُ إِلَى أَهْلِ بَلَدِهِ مِنَ التُّجَّارِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا يُسَلِّمُهُ إِلَى الْقَاضِي، وَيَخْتِمُ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يَصِلَ مَنْ يَأْخُذُهُ بِمُقْتَضَى الشَّرْعِ. وَكَانَ إِذَا وَصَلَ إِلَى بَلَدٍ عَمَّ إِحْسَانُهُ أَهْلَهُ وَالْفُقَهَاءَ وَأَهْلَ الْفَضْلِ، يَخْلَعُ عَلَيْهِمْ، وَيَفْرِضُ لَهُمُ الْأُعْطَيَاتِ كُلَّ سَنَةٍ مِنْ خِزَانَتِهِ، وَيُفَرِّقُ الْأَمْوَالَ فِي الْفُقَرَاءِ، وَكَانَ يُرَاعِي كُلَّ مَنْ وَصَلَ إِلَى حَضْرَتِهِ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ وَالشُّعَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ فِيهِ فَضْلٌ غَزِيرٌ، وَأَدَبٌ مَعَ حُسْنِ خَطٍّ وَبَلَاغَةٍ، وَكَانَ ﵀ يَنْسَخُ الْمَصَاحِفَ بِخَطِّهِ وَيَقِفُهَا فِي الْمَدَارِسِ الَّتِي بَنَاهَا، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ تَعَصُّبٌ عَلَى مَذْهَبٍ، وَيَقُولُ: التَّعَصُّبُ فِي الْمَذَاهِبِ مِنَ الْمَلِكِ قَبِيحٌ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ، فَهُوَ يَمِيلُ إِلَى الشَّافِعِيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطْمِعَهُمْ فِي غَيْرِهِمْ، وَلَا أَعْطَاهُمْ مَا لَيْسَ لَهُمْ.

стр. 5901

ذِكْرُ أَخْذِ الظَّاهِرِ قَلْعَةَ نَجْمٍ مِنْ أَخِيهِ الْأَفْضَلِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَخَذَ الظَّاهِرُ غَازِي قَلْعَةَ نَجْمٍ مِنْ أَخِيهِ الْأَفْضَلِ، وَكَانَتْ فِي جُمْلَةِ مَا أَخَذَ مِنَ الْعَادِلِ لَمَّا صَالَحَهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السِّنَةَ أَخَذَ الْعَادِلُ مِنَ الْأَفْضَلِ سَرُوجَ وَحَمَلِينَ وَرَأْسَ عَيْنٍ، وَبَقِيَ بِيَدِهِ سُمَيْسَاطُ وَقَلْعَةُ نَجْمٍ، فَأَرْسَلَ الظَّاهِرُ إِلَيْهِ يَطْلُبُ مِنْهُ قَلْعَةَ نَجْمٍ، وَضَمِنَ لَهُ أَنْ يَشْفَعَ إِلَى عَمِّهِ الْعَادِلِ فِي إِعَادَةِ مَا أَخَذَ مِنْهُ، فَلَمْ يُعْطِهِ، فَتَهَدَّدَهُ بِأَنْ يَكُونَ إِلْبًا عَلَيْهِ، وَلَمْ تَزَلِ الرُّسُلُ تَتَرَدَّدُ حَتَّى سَلَّمَهَا إِلَيْهِ فِي شَعْبَانَ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُعَوِّضَهُ قُرًى أَوْ مَالًا، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَكَانَ هَذَا مِنْ أَقْبَحِ مَا سُمِعَ عَنْ مَلِكٍ يُزَاحِمُ أَخَاهُ فِي مِثْلِ قَلْعَةِ نَجْمٍ مَعَ خِسَّتِهَا وَحَقَارَتِهَا، وَكَثْرَةِ بِلَادِهِ وَعَدَمِهَا لِأَخِيهِ. وَأَمَّا الْعَادِلُ، فَإِنَّهُ لَمَّا أَخَذَ سَرُوجَ وَرَأْسَ عَيْنٍ مِنَ الْأَفْضَلِ أَرْسَلَ وَالِدَتَهُ إِلَيْهِ لِتَسْأَلَ فِي رَدِّهِمَا، فَلَمْ يُشَفِّعْهَا وَرَدَّهَا خَائِبَةً، وَلَقَدْ عُوقِبَ الْبَيْتُ الصَّلَاحِيُّ بِمَا فَعَلَهُ أَبُوهُمْ مَعَ الْبَيْتِ الْأَتَابَكِّيِّ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَصَدَ حِصَارَ الْمَوْصِلِ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ أَرْسَلَ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ وَالِدَتَهُ وَابْنَةَ عَمِّهِ نُورِ الدِّينِ إِلَيْهِ يَسْأَلَانِهِ أَنَّ يَعُودَ، فَلَمْ يُشَفِّعْهُمَا، فَجَرَى لِأَوْلَادِهِ هَذَا، وَرُدَّتْ زَوْجَتُهُ خَائِبَةً، كَمَا فَعَلَ. وَلَمَّا رَأَى الْأَفْضَلُ عَمَّهُ وَأَخَاهُ قَدْ أَخَذَا مَا كَانَ بِيَدِهِ أَرْسَلَ إِلَى رُكْنِ الدِّينِ سُلَيْمَانَ بْنِ قِلْج أَرْسِلَانَ - صَاحِبِ مَلَطْيَةَ وَقُونِيَةَ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْبِلَادِ - يَبْذُلُ لَهُ الطَّاعَةَ، وَأَنْ يَكُونَ فِي خِدْمَتِهِ، وَيَخْطُبَ لَهُ بِبَلَدِهِ، وَيَضْرِبَ السِّكَّةَ بِاسْمِهِ، فَأَجَابَهُ رُكْنُ الدِّينِ إِلَى ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ لَهُ خِلْعَةً فَلَبِسَهَا الْأَفْضَلُ، وَخَطَبَ لَهُ بِسُمَيْسَاطَ فِي سَنَةِ سِتِّمِائَةٍ وَصَارَ فِي جُمْلَتِهِ. ذِكْرُ مُلْكِ الْكُرْجِ مَدِينَةَ دُوِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْلَى الْكُرْجُ عَلَى مَدِينَةِ دُوِينَ، مِنْ أَذْرَبِيجَانَ، وَنَهَبُوهَا، وَاسْتَبَاحُوهَا، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِي أَهْلِهَا، وَكَانَتْ هِيَ وَجَمِيعُ بِلَادِ أَذْرَبِيجَانَ لِلْأَمِيرِ أَبِي

стр. 5902

بَكْرِ بْنِ الْبَهْلَوَانِ، وَكَانَ عَلَى عَادَتِهِ مَشْغُولًا بِالشُّرْبِ لَيْلًا وَنَهَارًا، لَا يُفِيقُ، وَلَا يَصْحُو وَلَا يَنْظُرُ فِي أَمْرِ مَمْلَكَتِهِ وَرَعِيَّتِهِ وَجُنْدِهِ، قَدْ أَلْقَى الْجَمِيعَ عَنْ قَلْبِهِ، وَسَلَكَ طَرِيقَ مَنْ لَيْسَ لَهُ عَلَاقَةٌ، وَكَانَ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ قَدْ أَكْثَرَتِ الِاسْتِغَاثَةَ بِهِ، وَإِعْلَامَهُ بِقَصْدِ الْكُرْجِ بِلَادَهُمْ بِالْغَارَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَكَأَنَّهُمْ يُنَادُونَ صَخْرَةً صَمَّاءَ، فَلَمَّا حَصَرَ الْكُرْجُ هَذِهِ السَّنَةَ مَدِينَةَ دُوِينَ، سَارَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ يَسْتَغِيثُونَ، فَلَمْ يُغِثْهُمْ وَخَوَّفَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أُمَرَائِهِ عَاقِبَةَ إِهْمَالِهِ وَتَوَانِيهِ وَإِصْرَارِهِ عَلَى مَا هُوَ فِيهِ فَلَمْ يُصْغِ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا طَالَ الْأَمْرُ عَلَى أَهْلِهَا ضَعُفُوا، وَعَجَزُوا، وَأَخَذَهُمُ الْكُرْجُ عَنْوَةً بِالسَّيْفِ وَفَعَلُوا مَا ذَكَرْنَا. ثُمَّ إِنَّ الْكُرْجَ بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ أَمْرُهُمْ بِهَا أَحْسَنُوا إِلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِهَا، فَاللَّهُ - تَعَالَى - يَنْظُرُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيُسَهِّلُ لِثُغُورِهِمْ مَنْ يَحْفَظُهَا وَيَحْمِيهَا، فَإِنَّهَا مُسْتَبَاحَةٌ، لَا سِيَّمَا هَذِهِ النَّاحِيَةِ - فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - فَلَقَدْ بَلَغَنَا مِنْ فِعْلِ الْكُرْجِ بِأَهْلِ دُوِينَ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَالْأَمْرِ مِمَّا تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْجُلُودُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَحْضَرَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ مُحَمَّدًا وَلَدَ الْعَزِيزِ صَاحِبَ مِصْرَ إِلَى الرُّهَا، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَطَعَ خُطْبَتَهُ مِنْ مِصْرَ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ]- كَمَا ذَكَرْنَاهُ - خَافَ شِيعَةَ أَبِيهِ أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ، وَيَصِيرَ لَهُ مَعَهُمْ فِتْنَةٌ، فَأَخْرَجَهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ إِلَى دِمَشْقَ، ثُمَّ نَقَلَهُ هَذِهِ السَّنَةَ إِلَى الرُّهَا، فَأَقَامَ بِهَا وَمَعَهُ جَمِيعُ إِخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ وَوَالِدَتُهُ وَمَنْ يَخُصُّهُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا، فِي رَجَبٍ، تُوُفِّيَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودٍ الْمَرْوَرُوذِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ. وَهَذَا الَّذِي كَانَ السَّبَبَ فِي أَنْ صَارَ وَحِيدُ الدِّينِ شَافِعِيًّا. وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْفُتُوحِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْمُعَمَّرِ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْمُسْتَمْلِي بِبَغْدَادَ. وَلَهُ خَطٌّ حَسَنٌ. وَفِي رَبِيعٍ الْآخِرِ تُوُفِّيَتْ زُمُرُّدُ خَاتُونْ أُمُّ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ، وَأُخْرِجَتْ جِنَازَتُهَا ظَاهِرَةً، وَصَلَّى الْخَلْقُ الْكَثِيرُ عَلَيْهَا، وَدُفِنَتْ فِي التُّرْبَةِ الَّتِي بَنَتْهَا لِنَفْسِهَا، وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الْمَعْرُوفِ.

стр. 5903

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّمِائَة] ٦٠٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّمِائَةٍ ذِكْرُ حِصَارِ خُوَارِزْمَ شَاهْ هَرَاةَ ثَانِيَةً فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَوَّلَ رَجَبٍ، وَصَلَ خُوَارِزْمُ شَاهْ مُحَمَّدٌ إِلَى مَدِينَةِ هَرَاةَ، فَحَصَرَهَا، وَبِهَا أَلْب غَازِي ابْنُ أُخْتِ شِهَابِ الدِّينِ الْغُورِيِّ مَلِكِ غَزْنَةَ، بَعْدَ مُرَاسَلَاتٍ جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شِهَابِ الدِّينِ فِي الصُّلْحِ، فَلَمْ يَتِمَّ. وَكَانَ شِهَابُ الدِّينِ قَدْ سَارَ عَنْ غَزْنَةَ إِلَى لَهَاوُورَ عَازِمًا عَلَى غَزْوِ الْهِنْدِ، فَأَقَامَ خُوَارِزْمُ شَاهْ عَلَى حِصَارِ هَرَاةَ إِلَى سَلْخِ شَعْبَانَ. وَكَانَ الْقِتَالُ دَائِمًا، وَالْقَتْلُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ كَثِيرًا، وَمِمَّنْ قُتِلَ رَئِيسُ خُرَاسَانَ، وَكَانَ كَبِيرَ الْقَدْرِ يُقِيمُ بِمَشْهَدِ طُوسَ، وَكَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ خَرْمِيلَ بِكُرْزُبَانَ - وَهِيَ إِقْطَاعُهُ -، فَأَرْسَلَ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ يَقُولُ لَهُ: أَرْسِلْ إِلَيَّ عَسْكَرًا لِنُسَلِّمَ إِلَيْهِمُ الْفِيَلَةَ وَخِزَانَةَ شِهَابِ الدِّينِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ أَعْيَانِ عَسْكَرِهِ إِلَى كُرْزُبَانَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْغَنِيُّ، فَقَتَلُوهُمْ إِلَّا الْقَلِيلَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَسُقِطَ فِي يَدِهِ وَنَدِمَ عَلَى إِنْفَاذِ الْعَسْكَرِ. وَأَرْسَلَ إِلَى أَلْب غَازِي يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِ مِنَ الْبَلَدِ وَيَخْدِمَهُ خِدْمَةً سُلْطَانِيَّةً لِيَرْحَلَ عَنْهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَاتُّفِقَ أَنَّ أَلْب غَازِي مَرِضَ وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، فَخَافَ أَنْ يَشْتَغِلَ بِمَرَضِهِ فَيَمْلِكُ خُوَارِزْمُ شَاه الْبَلَدَ، فَأَجَابَ إِلَى مَا طَلَبَ مِنْهُ، وَاسْتَحْلَفَهُ عَلَى الصُّلْحِ، وَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً جَلِيلَةً، وَخَرَجَ مِنَ الْبَلَدِ لِيَخْدِمَهُ، فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ مَيِّتًا، وَلَمْ يَشْعُرْ أَحَدٌ بِذَلِكَ، وَارْتَحَلَ خُوَارِزْمُ شَاهْ عَنِ الْبَلَدِ وَأَحْرَقَ الْمَجَانِيقَ وَسَارَ إِلَى سَرَخْسَ فَأَقَامَ بِهَا.

стр. 5904

ذِكْرُ عَوْدِ شِهَابِ الدِّينِ مِنَ الْهِنْدِ وَحَصْرِهِ خُوَارِزْمَ وَانْهِزَامِهِ مِنَ الْخَطَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَمَضَانَ، عَادَ شِهَابُ الدِّينِ الْغُورِيُّ إِلَى خُرَاسَانَ مِنْ قَصْدِ الْهِنْدِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَهُ حَصْرُ خُوَارِزْمَ شَاهْ هَرَاةَ، وَمَوْتُ أَلْب غَازِي نَائِبَهُ بِهَا، فَعَادَ حَنِقًا عَلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَلَمَّا بَلَغَ مَيْمَنْدَ عَدَلَ عَلَى طَرِيقٍ أُخْرَى قَاصِدًا إِلَى خُوَارِزْمَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ خُوَارِزْمُ شَاهْ يَقُولُ لَهُ: ارْجِعْ إِلَيَّ لِأُحَارِبَكَ، وَإِلَّا سِرْتُ إِلَى هَرَاةَ، وَمِنْهَا إِلَى غَزْنَةَ. وَكَانَ خُوَارِزْمُ شَاهْ قَدْ سَارَ مِنْ سَرَخْسَ إِلَى مَرْوَ، فَأَقَامَ بِظَاهِرِهَا، فَأَعَادَ إِلَيْهِ شِهَابُ الدِّينِ جَوَابَهُ: لَعَلَّكَ تَنْهَزِمُ كَمَا فَعَلْتَ تِلْكَ الدَّفْعَةَ، لَكِنَّ خُوَارِزْمَ تَجْمَعُنَا، فَفَرَّقَ خُوَارِزْمُ شَاهْ عَسَاكِرَهُ، وَأَحْرَقَ مَا جَمَعَهُ مِنَ الْعَلَفِ، وَرَحَلَ يُسَابِقُ شِهَابَ الدِّينِ إِلَى خُوَارِزْمَ، فَسَبَقَهُ إِلَيْهَا، فَقَطَعَ الطَّرِيقَ وَأَجْرَى الْمِيَاهَ فِيهَا، فَتَعَذَّرَ عَلَى شِهَابِ الدِّينِ سُلُوكُهَا، وَأَقَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُصْلِحُهَا حَتَّى أَمْكَنَهُ الْوُصُولُ إِلَى خُوَارِزْمَ، وَالتَقَى الْعَسْكَرَانِ بِسُوقَرَا، وَمَعْنَاهُ الْمَاءُ الْأَسْوَدُ، فَجَرَى بَيْنَهُمْ قِتَالٌ شَدِيدٌ كَثُرَ الْقَتْلَى فِيهِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَمِمَّنْ قُتِلَ مِنَ الْغُورِيَّةِ الْحُسَيْنُ الْمَرْغَنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأُسِرُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْخُوَارِزْمِيَّةِ. فَأَمَرَ شِهَابُ الدِّينِ بِقَتْلِهِمْ فَقُتِلُوا. وَأَرْسَلَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى الْأَتْرَاكِ الْخَطَا يَسْتَنْجِدُهُمْ، وَهُمْ حِينَئِذٍ أَصْحَابُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَاسْتَعَدُّوا، وَسَارُوا إِلَى بِلَادِ الْغُورِيَّةِ، فَلَمَّا بَلَغَ شِهَابَ الدِّينِ ذَلِكَ عَادَ عَنْ خُوَارِزْمَ، فَلَقِيَ أَوَائِلَهُمْ فِي صَحْرَاءِ أَنْدَخُوِي أَوَّلَ صَفَرٍ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّمِائَةٍ، فَقَتَلَ فِيهِمْ وَأَسَرَ كَثِيرًا، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي دَهَمَهُ مِنَ الْخَطَا مَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِمْ، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ هَزِيمَةً قَبِيحَةً، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ انْهَزَمَ الْحُسَيْنُ بْنُ خَرْمِيلَ صَاحِبُ طَالْقَانَ، وَتَبِعَهُ النَّاسُ، وَبَقِيَ شِهَابُ الدِّينِ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، وَقَتَلَ بِيَدِهِ أَرْبَعَةَ أَفْيَالٍ لِأَنَّهَا أَعْيَتْ، وَأَخَذَ الْكُفَّارُ فِيلَيْنِ، وَدَخَلَ شِهَابُ الدِّينِ أَنْدَخُوِي فِيمَنَ مَعَهُ، وَحَصَرَهُ الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُمْ فِيلًا آخَرَ، فَفَعَلَ وَخَلُصَ. وَوَقَعَ الْخَبَرُ فِي جَمِيعِ بِلَادِهِ بِأَنَّهُ قَدْ عُدِمَ، وَكَثُرَتِ الْأَرَاجِيفُ بِذَلِكَ، ثُمَّ وَصَلَ إِلَى الطَّالْقَانِ فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ، وَقَدْ قُتِلَ أَكْثَرُ عَسْكَرِهِ، وَنُهِبَتْ خَزَائِنُهُ جَمِيعُهَا، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ، فَأَخْرَجَ لَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ خَرْمِيلَ صَاحِبُ الطَّالْقَانِ خِيَامًا وَجَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ

стр. 5905

إِلَيْهِ، وَسَارَ إِلَى غَزْنَةَ، وَأَخَذَ مَعَهُ الْحُسَيْنَ بْنَ خَرْمِيلَ ; لِأَنَّهُ قِيلَ لَهُ عَنْهُ إِنَّهُ شَدِيدُ الْخَوْفِ لِانْهِزَامِهِ، وَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا سَارَ السُّلْطَانُ هَرَبْتُ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَأَخَذَهُ مَعَهُ، وَجَعَلَهُ أَمِيرَ حَاجِبَ. وَلَمَّا وَقَعَ الْخَبَرُ بِقَتْلِهِ جَمَعَ تَاجُ الدِّينِ أَلْدِزُ، وَهُوَ مَمْلُوكٌ اشْتَرَاهُ شِهَابُ الدِّينِ، أَصْحَابَهُ وَقَصَدَ قَلْعَةَ غَزْنَةَ لِيَصْعَدَ إِلَيْهَا، فَمَنَعَهُ مُسْتَحْفِظُهَا، فَعَادَ إِلَى دَارِهِ، فَأَقَامَ بِهَا، وَأَفْسَدَ الْخُلْجُ وَسَائِرُ الْمُفْسِدِينَ فِي الْبِلَادِ، وَقَطَعُوا الطُّرُقَ، وَقَتَلُوا كَثِيرًا، فَلَمَّا عَادَ شِهَابُ الدِّينِ إِلَى غَزْنَةَ بَلَغَهُ مَا فَعَلَهُ أَلْدِزُ، فَأَرَادَ قَتْلَهُ، فَشَفَعَ فِيهِ سَائِرُ الْمَمَالِيكِ، فَأَطْلَقُهُ، ثُمَّ اعْتَذَرَ، وَسَارَ شِهَابُ الدِّينِ فِي الْبِلَادِ، فَقَتَلَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ مِنْ تِلْكَ الْأُمَمِ نَفَرًا كَثِيرًا. وَكَانَ لَهُ أَيْضًا مَمْلُوكٌ آخَرُ اسْمُهُ أَيْبَكُ بَالْ تَرْ، فَسَلِمَ مِنَ الْمَعْرَكَةِ وَلَحِقَ بِالْهِنْدِ، وَدَخَلَ الْمُولِتَانَ، وَقَتَلَ نَائِبَ السُّلْطَانِ بِهَا وَمَلَكَ الْبَلَدَ، وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ السُّلْطَانِيَّةَ، وَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِي الرَّعِيَّةِ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، وَقَالَ: قُتِلَ السُّلْطَانُ، وَأَنَا السُّلْطَانُ، وَكَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ وَيُحَسِّنُهُ لَهُ إِنْسَانٌ اسْمُهُ عُمَرُ بْنُ يَزَانَ، وَكَانَ زِنْدِيقًا، فَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ، وَجَمَعَ الْمُفْسِدِينَ، وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ، فَأَخَافَ الطَّرِيقَ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ إِلَى شِهَابِ الدِّينِ فَسَارَ إِلَى الْهِنْدِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَسْكَرًا، فَأَخَذُوهُ وَمَعَهُ عُمَرُ بْنُ [يَزَانَ] فَقَتَلَهُمَا أَقْبَحَ قِتْلَةٍ، وَقَتَلَ مَنْ وَافَقَهُمَا، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّمِائَةٍ، وَلَمَّا رَآهُمْ قَتْلَى قَرَأَ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ، وَأَمَرَ شِهَابُ الدِّينِ فَنُودِيَ فِي جَمِيعِ بِلَادِهِ بِالتَّجَهُّزِ لِقِتَالِ الْخَطَا وَغَزْوِهِمْ وَالْأَخْذِ بِثَأْرِهِمْ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ انْهِزَامِهِ أَنَّهُ لَمَّا عَادَ إِلَى الْخَطَا مِنْ خُوَارِزْمَ فَرَّقَ عَسْكَرَهُ فِي الْمَفَازَةِ الَّتِي فِي طَرِيقِهِ لِقِلَّةِ الْمَاءِ، وَكَانَ الْخَطَا قَدْ نَزَلُوا عَلَى طَرِيقِ الْمَفَازَةِ، فَكُلَّمَا خَرَجَ مِنْ أَصْحَابِهِ طَائِفَةٌ فَتَكُوا فِيهِمْ بِالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، وَمَنْ سَلِمَ مِنْ عَسْكَرِهِ انْهَزَمَ نَحْوَ الْبِلَادِ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ أَحَدٌ يُعْلِمُ الْحَالَ، وَجَاءَ شِهَابُ الدِّينِ فِي سَاقَةِ الْعَسْكَرِ فِي عِشْرِينَ أَلْفَ فَارِسٍ وَلَمْ يَعْلَمِ الْحَالَ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْبَرِّيَّةِ لَقِيَهُ الْخَطَا مُسْتَرِيحِينَ، وَهُوَ

стр. 5906

وَمَنْ مَعَهُ قَدْ تَعِبُوا وَأُعْيُوا، وَكَانَ الْخَطَا أَضْعَافَ أَصْحَابِهِ، فَقَاتَلَهُمْ عَامَّةَ نَهَارِهِ، وَحَمَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ، وَحَصَرُوهُ فِي أَنْدَخُوِي، فَجَرَى بَيْنَهُمْ فِي عِدَّةِ أَيَّامٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَصَافًّا مِنْهَا مَصَافٌّ وَاحِدٌ كَانَ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى الْغَدِ بُكْرَةً، ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ سَيَّرَ طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِهِ لَيْلًا سِرًّا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِ بُكْرَةً كَأَنَّهُمْ قَدْ أَتَوْهُ مَدَدًا مِنْ بِلَادِهِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ خَافَهُ الْخَطَا، وَقَالَ لَهُمْ صَاحِبُ سَمَرْقَنْدَ وَكَانَ مُسْلِمًا، وَهُوَ فِي طَاعَةِ الْخَطَا، وَقَدْ خَافَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ إِنْ هُمْ ظَفِرُوا بِشِهَابِ الدِّينِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَا تَجِدُونَهُ قَطُّ أَضْعَفَ مِنْهُ لَمَّا خَرَجَ مِنَ الْمَفَازَةِ، وَمَعَ ضَعْفِهِ وَتَعَبِهِ وَقِلَّةِ مَنْ مَعَهُ لَمْ نَظْفَرْ بِهِ، وَالْأَمْدَادُ أَتَتْهُ وَكَأَنَّكُمْ بِعَسَاكِرِهِ، وَقَدْ أَقْبَلَتْ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ، وَحِينَئِذٍ نَطْلُبُ الْخَلَاصَ مِنْهُ فَلَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَالرَّأْيُ لَنَا الصُّلْحُ مَعَهُ، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ فِي الصُّلْحِ. وَكَانَ صَاحِبُ سَمَرْقَنْدَ قَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ وَعَرَّفَهُ الْحَالَ سِرًّا، وَأَمَرَهُ بِإِظْهَارِ الِامْتِنَاعِ مِنَ الصُّلْحِ أَوَّلًا وَالْإِجَابَةِ إِلَيْهِ أَخِيرًا، فَلَمَّا أَتَتْهُ الرُّسُلُ امْتَنَعَ، وَأَظْهَرَ الْقُوَّةَ بِانْتِظَارِ الْأَمْدَادِ، وَطَالَ الْكَلَامُ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ الْخَطَا لَا يَعْبُرُونَ النَّهْرَ إِلَى بِلَادِهِ، وَلَا هُوَ يَعْبُرُهُ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَرَجَعُوا عَنْهُ وَخَلُصَ هُوَ وَعَادَ إِلَى بِلَادِهِ، وَالْبَاقِي نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ. ذِكْرُ قَتْلِ طَائِفَةٍ مِنَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ بِخُرَاسَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَ رَسُولٌ إِلَى شِهَابِ الدِّينِ الْغُورِيِّ مِنْ عِنْدِ مُقَدَّمِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ بِخُرَاسَانَ بِرِسَالَةٍ أَنْكَرَهَا، فَأَمَرَ عَلَاءَ الدِّينِ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي عَلِيٍّ مُتَوَلِّيَ بِلَادِ الْغَوْرِ بِالْمَسِيرِ فِي عَسَاكِرَ إِلَيْهِمْ وَمُحَاصَرَةِ بِلَادِهِمْ، فَسَارَ فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ إِلَى قُهِسْتَانَ، وَسَمِعَ بِهِ صَاحِبُ زَوْزَنَ، فَقَصَدَهُ وَصَارَ مَعَهُ وَفَارَقَ خِدْمَةَ خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَنَزَلَ عَلَاءُ الدِّينِ عَلَى مَدِينَةٍ قَايِنَ، وَهِيَ لِلْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، وَحَصَرَهَا وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا، وَوَصَلَ خَبَرُ قَتْلِ شِهَابِ الدِّينِ - عَلَى مَا نَذْكُرُهُ - فَصَالَحَ أَهْلَهَا عَلَى سِتِّينَ أَلْفَ دِينَارٍ رُكْنِيَّةٍ، وَرَحَلَ عَنْهُمْ، وَقَصَدَ حِصْنَ كَاخَكَ فَأَخَذَهُ وَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ، وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ، وَرَحَلَ إِلَى هَرَاةَ وَمِنْهَا [إِلَى] فَيْرُوزَكُوه.

стр. 5907

ذِكْرُ مُلْكِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ مِنَ الرُّومِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَعْبَانَ، مَلَكَ الْفِرِنْجُ مَدِينَةَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ مِنَ الرُّومِ وَأَزَالُوا مُلْكَ الرُّومِ عَنْهَا، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مِلْكَ الرُّومِ بِهَا تَزَوَّجَ أُخْتَ مَلِكِ إِفْرِنْسِيسَ، وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ مُلُوكِ الْفِرِنْجِ فَرُزِقَ مِنْهَا وَلَدًا ذَكَرًا، ثُمَّ وَثَبَ عَلَى الْمُلْكِ أَخٌ لَهُ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ. وَمَلَكَ الْبَلَدَ مِنْهُ، وَسَمَلَ عَيْنَيْهِ وَسَجَنَهُ، فَهَرَبَ وَلَدُهُ وَمَضَى إِلَى خَالِهِ مُسْتَنْصِرًا بِهِ عَلَى عَمِّهِ. فَاتَّفَقَ ذَلِكَ وَقَدِ اجْتَمَعَ كَثِيرٌ مِنَ الْفِرِنْجِ لِيَخْرُجُوا إِلَى بِلَادِ الشَّامِ لِاسْتِنْقَاذِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَخَذُوا وَلَدَ الْمَلِكَ مَعَهُمْ، وَجَعَلُوا طَرِيقَهُمْ عَلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ قَصْدًا لِإِصْلَاحِ الْحَالِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمِّهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَمَعٌ فِي سِوَى ذَلِكَ، فَلَمَّا وَصَلُوا خَرَجَ عَمُّهُ فِي عَسَاكِرِ الرُّومِ مُحَارِبًا لَهُمْ، فَوَقَعَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ، وَدَخَلُوا الْبَلَدَ فَدَخَلَهُ الْفِرِنْجُ مَعَهُمْ، فَهَرَبَ مِلْكُ الرُّومِ إِلَى أَطْرَافِ الْبِلَادِ، وَقِيلَ إِنَّ مِلْكَ الرُّومِ لَمْ يُقَاتِلِ الْفِرِنْجَ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ وَإِنَّمَا حَصَرُوهُ فِيهَا. وَكَانَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ مِنَ الرُّومِ مَنْ يُرِيدُ الصَّبِيَّ، فَأَلْقَوُا النَّارَ فِي الْبَلَدِ، فَاشْتَغَلَ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَفَتَحُوا بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْمَدِينَةِ فَدَخَلَهَا الْفِرِنْجُ، وَخَرَجَ مَلِكُهَا هَارِبًا، وَجَعَلَ الْفِرِنْجُ الْمُلْكَ فِي ذَلِكَ الصَّبِيِّ، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْحُكْمِ شَيْءٌ - وَأَخْرَجُوا أَبَاهُ مِنَ السِّجْنِ - إِنَّمَا الْفِرِنْجُ هُمُ الْحُكَّامُ فِي الْبَلَدِ، فَثَقَّلُوا الْوَطْأَةَ عَلَى أَهْلِهِ، وَطَلَبُوا مِنْهُمْ أَمْوَالًا عَجَزُوا عَنْهَا، وَأَخَذُوا أَمْوَالَ الْبَيْعِ وَمَا فِيهَا مِنْ ذَهَبٍ وَنُقْرَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى مَا عَلَى الصُّلْبَانِ وَمَا هُوَ عَلَى صُورَةِ الْمَسِيحِ ﵇ وَالْحَوَارِيِّينَ، وَمَا عَلَى الْأَنَاجِيلِ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الرُّومِ وَحَمَلُوا مِنْهُ خَطْبًا عَظِيمًا، فَعَمَدُوا إِلَى ذَلِكَ الصَّبِيِّ الْمَلِكِ فَقَتَلُوهُ، وَأَخْرَجُوا الْفِرِنْجَ مِنَ الْبَلَدِ، وَأَغْلَقُوا الْأَبْوَابَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سِتِّمِائَةٍ، فَأَقَامَ الْفِرِنْجُ بِظَاهِرِهِ مُحَاصِرِينَ لِلرُّومِ، وَقَاتَلُوهُمْ وَلَازَمُوا قِتَالَهُمْ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَكَانَ الرُّومُ قَدْ ضَعُفُوا ضَعْفًا كَثِيرًا، فَأَرْسَلُوا إِلَى السُّلْطَانِ رُكْنِ الدِّينِ سُلَيْمَانَ بْنِ قِلْج أَرْسِلَانَ، صَاحِبِ قُونِيَةَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، يَسْتَنْجِدُونَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا. وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ كَثِيرٌ مِنَ الْفِرِنْجِ، مُقِيمِينَ، يُقَارِبُونَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَلِعِظَمِ الْبَلَدِ لَا يَظْهَرُ أَمْرُهُمْ، فَتَوَاضَعُوا هُمْ وَالْفِرِنْجُ الَّذِينَ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَوَثَبُوا فِيهِ وَأَلْقَوُا النَّارَ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَاحْتَرَقَ نَحْوُ رُبُعِ الْبَلَدِ، وَفَتَحُوا الْأَبْوَابَ فَدَخَلُوهَا وَوَضَعُوا السَّيْفَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ،

стр. 5908

وَفَتَكُوا بِالرُّومِ قَتْلًا وَنَهْبًا، فَأَصْبَحَ الرُّومُ كُلُّهُمْ مَا بَيْنَ قَتِيلٍ أَوْ فَقِيرٍ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، وَدَخَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الرُّومِ الْكَنِيسَةَ الْعُظْمَى الَّتِي تُدْعَى صُوفِيَا، فَجَاءَ الْفِرِنْجُ إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقِسِّيسِينَ وَالْأَسَاقِفَةِ وَالرُّهْبَانِ، بِأَيْدِيهِمُ الْإِنْجِيلُ وَالصَّلِيبُ يَتَوَسَّلُونَ بِهِمَا إِلَى الْفِرِنْجِ لِيُبْقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِمْ، وَقَتَلُوهُمْ أَجْمَعِينَ وَنَهَبُوا الْكَنِيسَةَ. وَكَانُوا ثَلَاثَةَ مُلُوكٍ: دُوقَسُ الْبَنَادِقَةِ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمَرَاكِبِ الْبَحْرِيَّةِ، وَفِي مَرَاكِبِهِ رَكِبُوا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَهُوَ شَيْخٌ أَعْمَى، إِذَا رَكِبَ تُقَادُ فَرَسُهُ، وَالْآخِرُ يُقَالُ لَهُ الْمَرْكِيسُ، وَهُوَ مُقَدَّمُ الْإِفْرِنْسِيسْ، وَالْآخِرُ يُقَالُ لَهُ كُنْد أُفْلَنْدُ، وَهُوَ أَكْثَرُهُمْ عَدَدًا، فَلَمَّا اسْتَوْلَوْا عَلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ اقْتَرَعُوا عَلَى الْمُلْكِ، فَخَرَجَتِ الْقَرْعَةُ عَلَى كُنْد أُفْلَنْدَ، فَأَعَادُوا الْقُرْعَةَ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً فَخَرَجَتْ عَلَيْهِ، فَمَلَّكُوهُ - وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ، وَيَنْزِعُهُ مِمَّنْ يَشَاءُ -، فَلَمَّا خَرَجَتِ الْقَرْعَةُ عَلَيْهِ مَلَّكُوهُ عَلَيْهَا وَعَلَى مَا يُجَاوِرُهَا، وَتَكُونُ لِدُوقَسَ الْبَنَادِقَةِ الْجَزَائِرُ الْبَحْرِيَّةُ مِثْلَ جَزِيرَةِ أَقْرِيطَشَ وَجَزِيرَةِ رُودِسَ وَغَيْرِهِمَا، وَيَكُونُ لِمَرْكِيسَ الْإِفْرِنْسِيسِ الْبِلَادُ الَّتِي هِيَ شَرْقِيُّ الْخَلِيجِ مِثْلَ أَزْنِيقَ وَلَاذِيقَ، فَلَمْ يَحْصُلْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ غَيْرُ الَّذِي أَخَذَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَأَمَّا الْبَاقِي فَلَمْ يَسْلَمْ مَنْ بِهِ مِنَ الرُّومِ. وَأَمَّا الْبِلَادُ الَّتِي كَانَتْ لِمَلِكِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ شَرْقِيَّ الْخَلِيجِ الْمُجَاوِرَةُ لِبِلَادِ رُكْنِ الدِّينِ سُلَيْمَانَ قِلْج أَرْسِلَانَ وَمِنْ جُمْلَتِهَا أَزْنِيقُ وَلَاذِيقُ، فَإِنَّهَا تَغَلَّبَ عَلَيْهَا بِطْرِيقٌ كَبِيرٌ مِنْ بَطَارِقَةِ الرُّومِ اسْمُهُ لَشَكْرِي، وَهِيَ بِيَدِهِ إِلَى الْآنِ. ذِكْرُ انْهِزَامِ نُورِ الدِّينِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ مِنَ الْعَسَاكِرِ الْعَادِلِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ، انْهَزَمَ نُورُ الدِّينِ أَرْسِلَانُ شَاهْ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ مِنَ الْعَسَاكِرِ الْعَادِلِيَّةِ ; وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ نُورَ الدِّينِ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمِّهِ قُطْبِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ زِنْكِي صَاحِبِ سِنْجَارَ وَحْشَةٌ مُسْتَحْكِمَةٌ أَوَّلًا ثُمَّ اتَّفَقَا، وَسَارَ مَعَهُ

стр. 5909

إِلَى مَيَّافَارِقِينَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ]- وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ - فَلَمَّا كَانَ الْآنُ أَرْسَلَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيُّوبَ صَاحِبُ مِصْرَ وَدِمَشْقَ وَبِلَادِ الْجَزِيرَةِ إِلَى قُطْبِ الدِّينِ وَاسْتَمَالَهُ، فَمَالَ إِلَيْهِ وَخَطَبَ لَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ نُورُ الدِّينِ ذَلِكَ سَارَ إِلَى مَدِينَةِ نَصِيبِينَ سَلْخَ شَعْبَانَ - وَهِيَ لِقُطْبِ الدِّينِ - فَحَصَرَهَا وَمَلَكَ الْمَدِينَةَ، وَبَقِيَتِ الْقَلْعَةُ فَحَصَرَهَا عِدَّةَ أَيَّامٍ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَاصِرُهَا وَقَدْ أَشْرَفَ عَلَى أَنْ يَتَسَلَّمَهَا أَتَاهُ الْخَبَرُ أَنَّ مُظَفَّرَ الدِّينِ دُوكْبِرِي بْنَ زَيْنِ الدِّينِ عَلِيٍّ صَاحِبِ إِرْبِلَ قَدْ قَصَدَ أَعْمَالَ الْمَوْصِلِ فَنَهَبَ نِينَوَى، وَأَحْرَقَ غَلَّاتِهَا، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ مِنْ نَائِبِهِ الْمُرَتَّبِ بِالْمَوْصِلِ يَحْفَظُهَا، وَسَارَ عَنْ نَصِيبِينَ إِلَى الْمَوْصِلِ عَلَى عَزْمِ الْعُبُورِ إِلَى بَلَدِ إِرْبِلَ وَنَهْبِهِ جَزَاءً بِمَا فَعَلَ صَاحِبُهَا بِبَلَدِهِ، فَوَصَلَ إِلَى مَدِينَةِ بَلَدَ، وَعَادَ مُظَفَّرُ الدِّينِ إِلَى بَلَدِهِ، وَتَحَقَّقَ نُورُ الدِّينِ أَنَّ الَّذِي قِيلَ لَهُ وَقَعَ فِيهِ زِيَادَةٌ، فَسَارَ إِلَى تَلِّ أَعْفَرَ مِنْ بَلَدَ وَحَصَرَهَا، وَأَخَذَهَا وَرَتَّبَ أُمُورُهَا وَأَقَامَ عَلَيْهَا سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَكَانَ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ مُوسَى بْنُ الْمَلِكِ الْعَادِلِ بْنِ أَيُّوبَ قَدْ سَارَ مِنْ مَدِينَةِ حَرَّانَ إِلَى رَأْسِ عَيْنٍ نَجْدَةً لِقُطْبِ الدِّينِ، صَاحِبِ سِنْجَارَ وَنَصِيبِينَ، وَقَدِ اتَّفَقَ هُوَ وَمُظَفَّرُ الدِّينِ، صَاحِبُ إِرْبِلَ، وَصَاحِبُ الْحِصْنِ وَآمِدَ، وَصَاحِبُ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَغَيْرِهِمْ، عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى مَنْعِ نُورِ الدِّينِ مِنْ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ بِلَادِهِ، وَكُلُّهُمْ خَائِفُونَ مِنْهُ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ الِاجْتِمَاعُ وَهُوَ عَلَى نَصِيبِينَ، فَلَمَّا فَارَقَهَا نُورُ الدِّينِ سَارَ الْأَشْرَفُ إِلَيْهَا، وَأَتَاهُ صَاحِبُ الْحِصْنِ، وَصَاحِبُ الْجَزِيرَةِ وَصَاحِبُ دَارَا، وَسَارُوا عَنْ نَصِيبِينَ نَحْوَ بَلَدِ الْبَقْعَا قَرِيبًا مِنْ بُوشَرَى، وَسَارَ نُورُ الدِّينِ مِنْ تَلِّ أَعْفَرَ إِلَى كَفَرْ زَمَّارْ، وَعَزَمَ عَلَى الْمُطَاوَلَةِ لِيَتَفَرَّقُوا، فَأَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ بَعْضِ مَمَالِيكِهِ، يُسَمَّى جِرْدِيكَ، وَقَدْ أَرْسَلَهُ يَتَجَسَّسُ أَخْبَارَهُمْ، فَيُقَلِّلُهُمْ فِي عَيْنِهِ، وَيُطْمِعُهُ فِيهِمْ، وَيَقُولُ: إِنْ أَذِنْتَ لِي لَقِيتُهُمْ بِمُفْرَدِي، فَسَارَ حِينَئِذٍ نُورِ الدِّينِ إِلَى بُوشَرَى فَوَصَلَ إِلَيْهَا مِنَ الْغَدِ الظُّهْرَ وَقَدْ تَعِبَتْ دَوَابُّهُ وَأَصْحَابُهُ، وَلَقُوا شِدَّةً مِنَ الْحَرِّ، فَنَزَلَ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ أَقَلَّ مِنْ سَاعَةٍ. وَأَتَاهُ الْخَبَرُ أَنَّ عَسَاكِرَ الْخَصْمِ قَدْ رَكِبُوا، فَرَكِبَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَسَارُوا نَحْوَهُمْ فَلَمْ يَرَوْا لَهُمْ أَثَرًا، فَعَادَ إِلَى خِيَامِهِ، وَنَزَلَ هُوَ وَعَسَاكِرُهُ، وَتَفَرَّقَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي الْقُرَى

стр. 5910

لِتَحْصِيلِ الْعُلُوفَاتِ وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، فَجَاءَهُ مَنْ أَخْبَرَهُ بِحَرَكَةِ الْخَصْمِ وَقَصْدِهِ، فَرَكِبَ نُورُ الدِّينِ وَعَسْكَرُهُ، وَتَقَدَّمُوا إِلَيْهِمْ، وَبَيْنَهُمْ نَحْوَ فَرْسَخَيْنِ، فَنَزَلُوا وَقَدِ ازْدَادَ تَعَبُهُمْ، وَالْخَصْمُ مُسْتَرِيحٌ، فَالْتَقَوْا، وَاقْتَتَلُوا فَلَمْ تَطُلِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ حَتَّى انْهَزَمَ عَسْكَرُ نُورِ الدِّينِ، وَانْهَزَمَ هُوَ أَيْضًا، وَطَلَبَ الْمَوْصِلَ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا فِي أَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ، وَتَلَاحَقَ النَّاسُ، وَأَتَى الْأَشْرَفُ وَمَنْ مَعَهُ، فَنَزَلُوا فِي كَفَرْ زَمَّارْ، وَنَهَبُوا الْبِلَادَ نَهْبًا عَظِيمًا، وَأَهْلَكُوا مَا لَمْ يَصْلُحْ لَهُمْ وَلَا سِيَّمَا مَدِينَةَ بَلَدَ فَإِنَّهُمْ أَفْحَشُوا فِي نَهْبِهَا. وَمِنْ أَعْجَبِ مَا سَمِعْنَا أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَطْبُخُ، فَرَأَتْ [النَّهْبَ] ، فَأَلْقَتْ سُوَارَيْنِ كَانَا فِي يَدَيْهَا فِي النَّارِ وَهَرَبَتْ، فَجَاءَ بَعْضُ الْجُنْدِ وَنَهَبَ مَا فِي الْبَيْتِ، فَرَأَى فِيهِ بَيْضًا، فَأَخَذَهُ وَجَعَلَهُ فِي النَّارِ لِيَأْكُلَهُ، فَحَكَّهَا، فَرَأَى السُّوَارَيْنِ فِيهَا فَأَخَذَهُمَا. وَطَالَ مُقَامُهُمْ وَالرُّسُلُ تَتَرَدَّدُ فِي الصُّلْحِ، فَوَقَفَ الْأَمْرُ عَلَى إِعَادَةِ تَلِّ أَعْفَرَ، وَيَكُونُ الصُّلْحُ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْأَوْلَى، وَتَوَقَّفَ نُورُ الدِّينِ فِي إِعَادَةِ تَلِّ أَعْفَرَ، فَلَمَّا طَالَ الْأَمْرُ سَلَّمَهَا إِلَيْهِمْ، وَاصْطَلَحُوا أَوَائِلَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّمِائَةٍ، وَتَفَرَّقَتِ الْعَسَاكِرُ مِنَ الْبِلَادِ. ذِكْرُ خُرُوجِ الْفِرِنْجِ بِالشَّامِ إِلَى بَلَدِ الْإِسْلَامِ وَالصُّلْحِ مَعَهُمْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ كَثِيرٌ مِنَ الْفِرِنْجِ فِي الْبَحْرِ إِلَى الشَّامِ، وَسَهُلَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ لِمُلْكِهِمْ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَأَرْسَوْا بِعَكَّا، وَعَزَمُوا عَلَى قَصْدِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ - حَرَسَهُ اللَّهُ - وَاسْتِنْقَاذِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا اسْتَرَاحُوا بِعَكَّا سَارُوا فَنَهَبُوا كَثِيرًا مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ بِنَوَاحِي الْأُرْدُنِّ، وَسَبَوْا، وَفَتَكُوا فِي الْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ بِدِمَشْقَ، فَأَرْسَلَ فِي جَمْعِ الْعَسَاكِرِ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ وَمِصْرَ، وَسَارَ وَنَزَلَ عِنْدَ الطُّورِ بِالْقُرْبِ مِنْ عَكَّا ; لِمَنْعِ الْفِرِنْجِ مِنْ قَصْدِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَنَزَلَ الْفِرِنْجُ بِمَرَجِ عَكَّا، وَأَغَارُوا عَلَى كَفَرْ كَنَّا، فَأَخَذُوا كُلَّ مَنْ بِهَا وَأَمْوَالَهُمْ، وَالْأُمَرَاءُ يُحِثُّونَ الْعَادِلَ عَلَى قَصْدِ بِلَادِهِمْ وَنَهْبِهَا، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَبَقُوا كَذَلِكَ إِلَى أَنِ انْقَضَتِ

стр. 5911

السَّنَةُ، وَذَلِكَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّمِائَةٍ، فَاصْطَلَحَ هُوَ وَالْفِرِنْجُ عَلَى دِمَشْقَ وَأَعْمَالِهَا، وَمَا بِيَدِ الْعَادِلِ مِنَ الشَّامِ، وَنَزَلَ لَهُمْ عَنْ جَمِيعِ الْمُنَاصَفَاتِ فِي الصَّيْدَا وَالرَّمْلَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَأَعْطَاهُمْ نَاصِرَةَ وَغَيْرَهَا، وَسَارَ نَحْوَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ. فَقَصَدَ الْفِرِنْجُ مَدِينَةَ حَمَاةَ، فَلَقِيَهُمْ صَاحِبُهَا نَاصِرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ تَقِيِّ الدِّينِ عُمَرَ بْنِ شَاهِنْشَاهْ بْنِ أَيُّوبَ، فَقَاتَلَهُمْ، وَكَانَ فِي قِلَّةٍ، فَهَزَمُوهُ وَتَبِعُوهُ إِلَى الْبَلَدِ، فَخَرَجَ الْعَامَّةُ إِلَى قِتَالِهِمْ، فَقَتَلَ الْفِرِنْجَةُ مِنْهُمْ جَمَاعَةً وَعَادَ الْفِرِنْجُ. ذِكْرُ قَتْلِ كُوكْجَةَ بِبِلَادِ الْجَبَلِ قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ تَغَلُّبَ كُوكْجَةَ مَمْلُوكِ الْبَهْلَوَانِ عَلَى الرَّيِّ وَهَمَذَانَ، وَبَلَدِ الْجَبَلِ، وَبَقِيَ إِلَى الْآنِ، وَكَانَ قَدِ اصْطَنَعَ مَمْلُوكًا آخَرَ كَانَ لِلْبَهْلَوَانِ، اسْمُهُ إِيدْغِمْشُ، وَقَدَّمَهُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَوَثِقَ بِهِ، فَجَمَعَ إِيدْغِمْشُ الْجُمُوعَ مِنَ الْمَمَالِيكِ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ قَصَدَ كُوكْجَةَ، فَتَصَافَّا، وَاقْتَتَلَ الْفَرِيقَانِ، فَقُتِلَ كُوكْجَةُ فِي الْحَرْبِ، وَاسْتَوْلَى إِيدْغِمْشُ عَلَى الْبِلَادِ، وَأَخَذَ مَعَهُ أُوزْبَكُ بْنُ الْبَهْلَوَانِ، اسْمَ الْمَلِكِ، وَإِيدْغِمْشُ هُوَ الْمُدَبِّرُ لَهُ وَالْقَيِّمُ بِأَمْرِ الْمَمْلَكَةِ، وَكَانَ شَهْمًا، شُجَاعًا، ظَالِمًا، وَكَانَ كُوكْجَةُ عَادِلًا حَسَنَ السِّيرَةِ ﵀. ذِكْرُ وَفَاةِ رُكْنِ الدِّينِ بْنِ قِلْج أَرْسِلَانَ وَمُلْكِ ابْنِهِ بَعْدَهُ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، سَادِسَ ذِي الْقَعْدَةِ، تُوُفِّيَ رُكْنُ الدِّينِ سُلَيْمَانُ بْنُ قِلْج أَرْسِلَانَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ قِلْج أَرْسِلَانْ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ قُتُلْمِشَ بْنِ سَلْجُوقَ، صَاحِبُ دِيَارِ الرُّومِ مَا بَيْنَ مَلَطْيَةَ وَقُونِيَةَ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِمَرَضِ الْقُولَنْجِ فِي سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَكَانَ قَبْلَ مَرَضِهِ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ قَدْ غَدَرَ بِأَخِيهِ صَاحِبِ أَنْكُورِيَةَ، وَتُسَمَّى أَيْضًا أَنْقِرَةَ - وَهِيَ مَدِينَةٌ مَنِيعَةٌ -، وَكَانَ مُشَاقًّا لِرُكْنِ الدِّينِ، فَحَصَرَهُ عِدَّةَ سِنِينَ حَتَّى ضَعُفَ وَقَلَّتِ الْأَقْوَاتُ عِنْدَهُ، فَأَذْعَنَ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى عِوَضٍ يَأْخُذُهُ، فَعَوَّضَهُ قَلْعَةً فِي أَطْرَافِ بَلَدِهِ وَحَلَفَ لَهُ عَلَيْهَا، فَنَزَلَ أَخُوهُ عَنْ مَدِينَةِ أَنْقِرَةَ. وَسَلَّمَهَا وَمَعَهُ وَلَدَانِ لَهُ. فَوَضَعَ رُكْنُ الدِّينِ عَلَيْهِ

стр. 5912

مَنْ أَخَذَهُ، وَأَخَذَ أَوْلَادَهُ مَعَهُ، فَقَتَلَهُ فَلَمْ يَمْضِ غَيْرُ خَمْسَةِ أَيَّامٍ حَتَّى أَصَابَهُ الْقُولَنْجُ فَمَاتَ. وَاجْتَمَعَ النَّاسُ بَعْدَهُ عَلَى وَلَدِهِ قِلْج أَرْسِلَانَ وَكَانَ صَغِيرًا، فَبَقِيَ فِي الْمُلْكِ إِلَى بَعْضِ سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّمِائَةٍ، وَأُخِذَ مِنْهُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ هُنَاكَ. وَكَانَ رُكْنُ الدِّينِ شَدِيدًا عَلَى الْأَعْدَاءِ، قَيِّمًا بِأَمْرِ الْمُلْكِ، إِلَّا أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَنْسُبُونَهُ إِلَى فَسَادِ الِاعْتِقَادِ، كَانَ يُقَالُ إِنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ مَذْهَبَهُ مَذْهَبُ الْفَلَاسِفَةِ، وَكَانَ كُلُّ مَنْ يُرْمَى بِهَذَا الْمَذْهَبِ يَأْوِي إِلَيْهِ، وَلِهَذِهِ الطَّائِفَةِ مِنْهُ إِحْسَانٌ كَثِيرٌ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَاقِلًا يُحِبُّ سَتْرَ هَذَا الْمَذْهَبِ لِئَلَّا يَنْفِرَ النَّاسُ عَنْهُ. حُكِيَ لِي عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ إِنْسَانٌ، وَكَانَ يُرْمَى بِالزَّنْدَقَةِ وَمَذْهَبِ الْفَلَاسِفَةِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْهُ، فَحَضَرَ يَوْمًا عِنْدَهُ فَقِيهٌ، فَتَنَاظَرَا، فَأَظْهَرَ شَيْئًا مِنَ اعْتِقَادِ الْفَلَاسِفَةِ، فَقَامَ الْفَقِيهُ إِلَيْهِ وَلَطَمَهُ وَشَتَمَهُ بِحَضْرَةِ رُكْنِ الدِّينِ، وَرُكْنُ الدِّينِ سَاكِتٌ، وَخَرَجَ الْفَقِيهُ فَقَالَ لِرُكْنِ الدِّينِ: يَجْرِي عَلَيَّ مِثْلُ هَذَا فِي حَضْرَتِكَ وَلَا تُنْكِرُهُ؟ فَقَالَ: لَوْ تَكَلَّمْتُ لَقُتِلْنَا جَمِيعًا، وَلَا يُمْكِنُ إِظْهَارُ مَا تُرِيدُهُ أَنْتَ فَفَارِقْهُ. ذِكْرُ قَتْلِ الْبَاطِنِيَّةِ بِوَاسِطَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ الْبَاطِنِيَّةُ بِوَاسِطَ ; وَسَبَبُ كَوْنِهِمْ بِهَا [وَقَتْلِهِمْ] أَنَّهُ وَرَدَ إِلَيْهَا رَجُلٌ يُعْرَفُ بِالزَّكَمِ مُحَمَّدِ بْنِ طَالِبِ بْنِ عُصَيَّةَ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْقَارُوبِ مِنْ قُرَى وَاسِطَ، وَكَانَ بَاطِنِيًّا مُلْحِدًا وَنَزَلَ مُجَاوِرًا لِدَوْرِ بَنِي الْهَرَوِيِّ، وَغَشِيَهُ النَّاسُ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ. وَكَانَ مِمَّنْ يَغْشَاهُ رَجُلٌ يُعْرَفُ بِحَسَنِ الصَّابُونِيِّ، فَاتُّفِقَ أَنَّهُ اجْتَازَ بِالسُّوَيْقَةِ، فَكَلَّمَهُ رِجْلٌ نَجَّارٌ فِي مَذْهَبِهِمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الصَّابُونِيُّ رَدًّا غَلِيظًا، فَقَامَ إِلَيْهِ النَّجَّارُ وَقَتَلَهُ، وَتَسَامَعَ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَوَثَبُوا وَقَتَلُوا مَنْ وَجَدُوا مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ. وَقَصَدُوا دَارَ ابْنِ عُصَيَّةَ وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَغْلَقُوا الْبَابَ وَصَعِدُوا إِلَى سَطْحِهَا وَمَنَعُوا النَّاسَ عَنْهُمْ، فَصَعِدُوا إِلَيْهِمْ مِنْ بَعْضِ الدُّورِ مِنْ عَلَى السَّطْحِ، وَتَحَصَّنَ مَنْ بَقِيَ فِي الدَّارِ بِإِغْلَاقِ الْأَبْوَابِ وَالْمَمَارِقِ فَكَسَرُوهَا، وَنَزَلُوا فَقَتَلُوا مَنْ وَجَدُوا فِي الدَّارِ وَأَحْرَقُوا، وَقُتِلَ ابْنُ عُصَيَّةَ، وَفُتِحَ الْبَابُ وَهَرَبَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ فَقُتِلُوا،

стр. 5913

وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى بَغْدَادَ، وَانْحَدَرَ فَخْرُ الدِّينِ أَبُو الْبَدْرِ بْنُ أَمْسِينَا الْوَاسِطِيِّ لِإِصْلَاحِ الْحَالِ وَتَسْكِينِ الْفِتْنَةِ. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ مَحْمُودٍ عَلَى مِرْبَاطَ وَغَيْرِهَا مِنْ حَضْرَمَوْتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْلَى إِنْسَانٌ اسْمُهُ مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِمْيَرِيُّ عَلَى مَدِينَةِ مِرْبَاطَ وَظَفَارَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَضْرَمَوْتَ، وَإِنَّ ابْتِدَاءَ أَمْرِهِ أَنَّهُ لَهُ مَرْكَبٌ يَكْرِيهِ فِي الْبَحْرِ لِلتُّجَّارِ، ثُمَّ وَزَرَ لِصَاحِبِ مِرْبَاطَ، وَفِيهِ كَرَمٌ وَشَجَاعَةٌ وَحُسْنُ سِيرَةٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ صَاحِبُ مِرْبَاطَ مَلَكَ الْمَدِينَةَ بَعْدَهُ، وَأَطَاعَهُ النَّاسُ مَحَبَّةً لَهُ لِكَرْمِهِ وَسِيرَتِهِ، وَدَامَتْ أَيَّامُهُ بِهَا، فَلَمَّا كَانَ سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ خَرَّبَ مِرْبَاطُ وَظَفَارُ، وَبَنَى مَدِينَةً جَدِيدَةً عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ بِالْقُرْبِ مِنْ مِرْبَاطَ، وَعِنْدَهَا عَيْنٌ عَذْبَةٌ كَبِيرَةٌ أَجْرَاهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَعَمِلَ عَلَيْهَا سُورًا وَخَنْدَقًا، وَحَصَّنَهَا وَسَمَّاهَا الْأَحْمَدِيَّةَ، وَكَانَ يُحِبُّ الشِّعْرَ، وَيُكْثِرُ الْجَائِزَةَ عَلَيْهِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ أُسْطُولٌ مِنَ الْفِرِنْجِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَنَهَبُوا مَدِينَةَ فُوَّةَ، وَأَقَامُوا خَمْسَةَ أَيَّامٍ يَسْبُونَ وَيَنْهَبُونَ، وَعَسَاكِرُ مِصْرَ مُقَابِلَهُمْ، بَيْنَهُمُ النَّيْلُ، لَيْسَ لَهُمْ وَصُولٌ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ سُفُنٌ. وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةً عَظِيمَةً عَمَّتْ أَكْثَرَ الْبِلَادِ مِصْرَ، وَالشَّامَ، وَالْجَزِيرَةَ، وَبِلَادَ الرُّومِ، وَصِقِلِّيَةَ، وَقُبْرُسَ، وَوَصَلَتْ إِلَى الْمَوْصِلِ وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمَا، وَخَرَّبَ مِنْ مَدِينَةِ صُورَ سُورَهَا وَأَثَّرَتْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الشَّامِ. وَفِيهَا، فِي رَجَبٍ، اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ بِرِبَاطِ شَيْخِ الشُّيُوخِ بِبَغْدَادَ وَفِيهِمْ صُوفِيٌّ اسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّارِيُّ مِنْ أَصْحَابِ شَيْخِ الشُّيُوخِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ﵏ وَمَعَهُمْ مُغَنٍّ يُغَنِّي وَيَقُولُ الشِّعْرَ: عُوَيْذِلَتِي أَقْصَرِي ... كَفَى بِمَشِيبِي عَذَلْ شَبَابٌ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ ... وَشَيْبٌ كَأَنْ لَمْ يَزَلْ

стр. 5914

وَحَقِّ لَيَالِي الْوِصَالِ أَوَاخِرِهَا وَالْأُوَلْ ... وَصُفْرَةِ لَوْنِ الْمُحِبِّ عِنْدَ اسْتِمَاعِ الْعَذَلْ ... لَئِنْ عَادَ عَيْشِي بِكُمْ حَلَا الْعَيْشُ لِي وَاتَّصَلْ فَتَحَرَّكَ الْجَمَاعَةُ، كَعَادَةِ الصُّوفِيَّةِ فِي السَّمَاعِ، وَطَرِبَ الشَّيْخُ الْمَذْكُورُ، وَتَوَاجَدَ، ثُمَّ سَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَحَرَّكُوهُ فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ، فَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوَفِّيَ أَبُو الْفُتُوحِ أَسْعَدُ بْنُ مَحْمُودٍ الْعِجْلِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، بِأَصْفَهَانَ فِي صِفْرٍ، وَكَانَ إِمَامًا فَاضِلًا. وَفِي رَمَضَانَ مِنْهَا تُوُفِّيَ قَاضِي هَرَاةَ عُمْدَةُ الدِّينِ الْفَضْلُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ صَاعِدٍ السَّاوِيُّ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ صَاعِدٌ.

стр. 5915

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّمِائَة] ٦٠١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّمِائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ كَيْخَسْرُو بْنِ قِلْج أَرْسِلَانْ بِلَادَ الرُّومِ مِنِ ابْنِ أَخِيهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَجَبٍ، مَلَكَ غِيَاثُ الدِّينِ كَيْخَسْرُو بْنُ قِلْج أَرْسِلَانَ بِلَادَ الرُّومِ الَّتِي كَانَتْ بِيَدِ أَخِيهِ رُكْنِ الدِّينِ سُلَيْمَانَ وَانْتَقَلَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَى ابْنِهِ قِلْج أَرْسِلَانْ بْنِ رُكْنِ الدِّينِ. وَكَانَ سَبَبُ مُلْكِ غِيَاثِ الدِّينِ لَهَا أَنَّ رُكْنَ الدِّينِ كَانَ قَدْ أَخَذَ مَا كَانَ لِأَخِيهِ غِيَاثِ الدِّينِ وَهُوَ مَدِينَةُ قُونِيَةَ، فَهَرَبَ غِيَاثُ الدِّينِ مِنْهُ وَقَصَدَ الشَّامَ إِلَى الْمَلِكِ الظَّاهِرِ غَازِي بْنِ صَلَاحِ الدِّينِ صَاحِبِ حَلَبَ، فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ قَبُولًا، وَقَصَّرَ بِهِ، فَسَارَ مِنْ عِنْدِهِ، وَتَقَلَّبَ فِي الْبِلَادِ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ مِلْكُ الرُّومِ وَأَقْطَعَهُ وَأَكْرَمَهُ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ، وَتَزَوَّجَ بِابْنَةِ بَعْضِ الْبَطَارِقَةِ الْكِبَارِ. وَكَانَ لِهَذَا الْبِطْرِيقِ قَلْعَةٌ مِنْ عَمَلِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَلَمَّا مَلَكَ الْفِرِنْجُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، هَرَبَ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَى حَمِيِّهِ، وَهُوَ بِقَلْعَتِهِ، فَأَنْزَلَهُ عِنْدَهُ وَقَالَ لَهُ: نَشْتَرِكُ فِي هَذِهِ الْقَلْعَةِ، وَنَقْنَعُ بِدَخْلِهَا. فَأَقَامَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا مَاتَ أَخُوهُ سَنَةَ سِتِّمِائَةٍ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - اجْتَمَعَ الْأُمَرَاءُ عَلَى وَلَدِهِ، وَخَالَفَهُمُ الْأَتْرَاكُ الْأَوْجُ، وَهُمْ كَثِيرٌ بِتِلْكَ الْبِلَادِ، وَأَنِفَ مِنَ اتِّبَاعِهِمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ لِيُمَلِّكَهُ الْبِلَادَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَوَصَلَ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَاجْتَمَعَ بِهِ وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَقَصَدَ مَدِينَةَ قُونِيَةَ لِيَحْصُرَهَا، وَكَانَ وَلَدُ رُكْنِ الدِّينِ وَالْعَسَاكُرُ بِهَا، فَأَخْرَجُوا إِلَيْهِ طَائِفَةً مِنَ الْعَسْكَرِ، فَلَقَوْهُ فَهَزَمُوهُ، فَبَقِيَ حَيْرَانَ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ، فَقَصَدَ بَلْدَةً صَغِيرَةً يُقَالُ لَهَا أُوكَرْمَ بِالْقُرْبِ مِنْ قُونِيَةَ.

стр. 5916

فَقَدَّرَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّ أَهْلَ مَدِينَةِ أَقْصَرَا وَثَبُوا عَلَى الْوَالِي فَأَخْرَجُوهُ مِنْهَا وَنَادَوْا بِشِعَارِ غِيَاثِ الدِّينِ، فَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ قُونِيَةَ بِمَا فَعَلَهُ أَهْلُ أَقْصَرَا قَالُوا: نَحْنُ أَوْلَى مَنْ فَعَلَ هَذَا، لِأَنَّهُ كَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ فِيهِمْ لَمَّا كَانَ مَالِكَهُمْ، فَنَادَوْا بِاسْمِهِ أَيْضًا، وَأَخْرَجُوا مَنْ عِنْدِهِمْ، وَاسْتَدْعَوْهُ فَحَضَرَ عِنْدَهُمْ، وَمَلَكَ الْمَدِينَةَ وَقَبَضَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ وَمَنْ مَعَهُ، وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، وَجَمَعَ لَهُ الْبِلَادَ جَمِيعَهَا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَسُبْحَانَ مَنْ إِذَا أَرَادَ أَمْرًا هَيَّأَ أَسْبَابَهُ! . وَكَانَ أَخُوهُ قَيْصَرُ شَاهِ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ مَلَطْيَةَ، لَمَّا أَخَذَهَا رُكْنُ الدِّينِ مِنْهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، خَرَجَ مِنْهَا، وَقَصَدَ الْمَلِكَ الْعَادِلَ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَيُّوبَ ; لِأَنَّهُ كَانَ تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ مُسْتَنْصِرًا بِهِ، فَأَمَرَهُ بِالْمُقَامِ بِمَدِينَةِ الرُّهَا، فَأَقَامَ بِهَا فَلَمَّا سَمِعَ بِمُلْكِ أَخِيهِ غِيَاثِ الدِّينِ سَارَ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ قَبُولًا، إِنَّمَا أَعْطَاهُ شَيْئًا وَأَمَرَهُ بِمُفَارَقَةِ الْبِلَادِ، فَعَادَ إِلَى الرُّهَا وَأَقَامَ بِهَا، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ مُلْكُ [غِيَاثِ الدِّينِ سَارَ إِلَيْهِ الْأَفْضَلُ صَاحِبُ] سُمَيْسَاطَ، (فَلَقِيَهُ بِمَدِينَةِ قَيْسَارِيَةَ) وَقَصَدَهُ أَيْضًا نِظَامُ الدِّينِ صَاحِبُ خَرْتَ بِرْتَ، وَصَارَ مَعَهُ، فَعَظُمَ شَأْنُهُ وَقَوِيَ أَمْرُهُ. ذِكْرُ حَصْرِ صَاحِبِ آمِدَ خَرْتَ بِرْتَ وَرُجُوعِهِ عَنْهَا كَانَتْ خَرْتَ بِرْتَ لِعِمَادِ الدِّينِ بْنِ قُرَّا أَرْسِلَانَ، فَمَاتَ، وَمَلَكَهَا بَعْدَهُ ابْنُهُ نِظَامُ الدِّينِ أَبُو بَكْرٍ، وَالْتَجَأَ إِلَى رُكْنِ الدِّينِ بْنِ قِلْج أَرْسِلَانَ، وَبَعْدَهُ إِلَى أَخِيهِ غِيَاثِ الدِّينِ لِيَمْتَنِعَ بِهِ مِنِ ابْنِ عَمِّهِ نَاصِرِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّا أَرْسِلَانَ، فَامْتَنَعَ بِهِ. وَكَانَ صَاحِبُ آمِدَ مُلْتَجِئًا إِلَى الْمَلِكِ الْعَادِلِ، وَفِي طَاعَتِهِ، وَحَضَرَ مَعَ ابْنِهِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ قِتَالَ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ عَلَى شَرْطِ أَنَّهُ يَسِيرُ مَعَهُ فِي عَسَاكِرِهِ، وَيَأْخُذُ لَهُ خَرْتَ بِرْتَ، وَإِنَّمَا طَمِعَ فِيهَا بِمَوْتِ رُكْنِ الدِّينِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ هَذِهِ السَّنَةُ طَلَبَ مَا كَانَ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، فَسَارَ مَعَهُ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ وَعَسَاكِرُ دِيَارِ الْجَزِيرَةِ مِنْ سِنْجَارَ، وَجَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْمَوْصِلِ، وَغَيْرِهَا، وَكَانَ نُزُولُهُمْ عَلَيْهَا فِي شَعْبَانَ، وَفِي رَمَضَانَ تَسَلَّمُوا

стр. 5917

رَبَضَهَا، وَكَانَ صَاحِبُهَا قَدِ اجْتَمَعَ بِغِيَاثِ الدِّينِ، بَعْدَ أَنْ مَلَكَ الْبِلَادَ الرُّومِيَّةَ، وَصَارَ مَعَهُ فِي طَاعَتِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ صَاحِبُ آمِدَ عَلَى خَرْتَ بِرْتَ خَاطَبَ صَاحِبُهَا غِيَاثَ الدِّينِ يُنْجِدُهُ بِعَسْكَرٍ يُرَحِّلُهُمْ عَنْهُ، فَجَهَّزَ عَسْكَرًا كَثِيرًا عُدْتُهُمْ سِتَّةُ آلَافِ فَارِسٍ، وَسَيَّرَهُمْ [مَعَ] الْمَلِكِ الْأَفْضَلِ عَلِيِّ بْنِ صَلَاحِ الدِّينِ وَهُوَ صَاحِبُ سُمَيْسَاطَ، فَلَمَّا وَصَلَ الْعَسْكَرُ إِلَى مَلَطْيَةَ فَارَقَ صَاحِبُ آمِدَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ خَرْتَ بِرْتَ، وَنَزَلُوا إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَحَصَرُوا الْبُحَيْرَةَ الْمَعْرُوفَةَ بِبُحَيْرَةِ سِمْنِينَ وَبِهَا حِصْنَانِ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِ خَرْتَ بِرْتَ، فَحَصَرَهُ وَزَاحَفَهُ، فَفَتَحَهُ ثَانِيَ ذِي الْحِجَّةِ. وَوَصَلَ صَاحِبُ خَرْتَ بِرْتَ مَعَ الْعَسْكَرِ الرُّومِيِّ إِلَى خَرْتَ بِرْتَ، فَرَحَلَ صَاحِبُ آمِدَ عَنِ الْبُحَيْرَةِ وَقَوَّى الْحِصْنَ الَّذِي فَتَحَهُ فِيهَا، فَأَزَاحَ عِلَّتَهُ، وَرَحَلَ إِلَى خَلْفِ مَرْحَلَةٍ وَنَزَلَ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ، وَالْعَسْكَرُ الرُّومِيُّ يَطْلُبُ الْبُحَيْرَةَ، وَصَاحِبُ آمِدَ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا طَالَ الْأَمْرُ بَقِيَ الْحِصْنُ بِيَدِ صَاحِبِ آمِدَ، وَانْفَصَلَ الْعَسْكَرَانِ، وَعَادَ كُلُّ فَرِيقٍ إِلَى بِلَادِهِ. ذِكْرُ الْفِتَنِ بِبَغْدَادَ فِي سَابِعَ عَشَرَ رَمَضَانَ جَرَتْ فِتْنَةٌ بِبَغْدَادَ بَيْنَ أَهْلِ بَابِ الْأَزَجِ وَأَهْلِ الْمَأْمُونِيَّةِ، وَسَبَبُهَا أَنَّ أَهْلَ بَابِ الْأَزَجِ قَتَلُوا سَبْعًا وَأَرَادُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِ، فَمَنَعَهُمْ أَهْلُ الْمَأْمُونِيَّةِ، فَوَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الْبُسْتَانِ الْكَبِيرِ، فَجُرِحَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ، وَرَكِبَ صَاحِبُ الْبَابِ لِتَسْكِينِ الْفِتْنَةِ، فَجُرِحَ فَرَسُهُ فَعَادَ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ سَارَ أَهْلُ الْمَأْمُونِيَّةِ إِلَى أَهْلِ بَابِ الْأَزَجِ، فَوَقَعَتْ بَيْنَهُمْ فِتْنَةٌ شَدِيدَةٌ وَقِتَالٌ بِالسُّيُوفِ وَالنُّشَّابِ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ، فَنُهِبَتِ الدُّورُ الْقَرِيبَةُ مِنْهُمْ، وَسَعَى الرُّكْنُ بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ وَيُوسُفُ الْعَقَّابُ فِي تَسْكِينِ النَّاسِ، وَرَكِبَ الْأَتْرَاكُ، فَصَارُوا يَبِيتُونَ تَحْتَ الْمَنْظَرَةِ، فَامْتَنَعَ أَهْلُ الْفِتْنَةِ مِنَ الِاجْتِمَاعِ، فَسَكَنُوا. وَفِي الْعِشْرِينَ مِنْهُ جَرَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ أَهْلِ قَطُفْتَا وَالْقَرْيَةِ، مِنْ مَحَالِّ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، بِسَبَبِ قَتْلِ سَبُعٍ أَيْضًا، أَرَادَ أَهْلُ قَطُفْتَا أَنْ يَجْتَمِعُوا وَيَطُوفُوا بِهِ، فَمَنَعَهُمْ أَهْلُ الْقَرْيَةِ أَنْ يَجُوزُوا بِهِ عِنْدَهُمْ، فَاقْتَتَلُوا، وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ عِدَّةُ قَتْلَى، فَأُرْسِلَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرٌ مِنَ الدِّيوَانِ لِتَلَافِي الْأَمْرِ وَمَنْعِ النَّاسِ عَنِ الْفِتْنَةِ، فَامْتَنَعُوا.

стр. 5918

وَفِي تَاسِعِ رَمَضَانَ كَانَتْ فِتْنَةً بَيْنَ أَهْلِ سُوقِ السُّلْطَانِ وَالْجَعْفَرِيَّةِ، مَنْشَأُهَا أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمَحَلَّتَيْنِ اخْتَصَمَا وَتَوَعَّدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْمَحَلَّتَيْنِ وَاقْتَتَلُوا فِي مَقْبَرَةِ الْجَعْفَرِيَّةِ، فَسُيِّرَ إِلَيْهِمْ مِنَ الدِّيوَانِ مَنْ تَلَافَى الْأَمْرَ وَسَكَّنَهُ، فَلَمَّا كَثُرَتِ الْفِتَنُ رُتِّبَ أَمِيرٌ كَبِيرٌ مِنْ مَمَالِيكَ الْخَلِيفَةِ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، فَطَافَ فِي الْبَلَدِ، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِمَّنْ فِيهِ شُبْهَةٌ، فَسَكَنَ النَّاسُ. ذِكْرُ غَارَةِ الْكُرْجِ عَلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَغَارَتِ الْكُرْجُ عَلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ مِنْ نَاحِيَةِ أَذْرَبِيجَانَ، فَأَكْثَرُوا الْعَيْثَ وَالْفَسَادَ وَالنَّهْبَ وَالسَّبْيَ، ثُمَّ أَغَارُوا عَلَى نَاحِيَةِ خِلَاطَ مِنْ أَرْمِينِيَّةَ، فَأَوْغَلُوا فِي الْبِلَادِ حَتَّى بَلَغُوا مَلَازَكُرْدَ، وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَمْنَعُهُمْ، فَجَاسُوا خِلَالَ الْبِلَادِ يَنْهَبُونَ وَيَأْسِرُونَ وَيَسْبُونَ، وَكُلَّمَا [تَقَدَّمُوا] تَأَخَّرَتْ عَسَاكِرُ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ. ثُمَّ إِنَّهُمْ رَجَعُوا، فَاللَّهُ - تَعَالَى - يَنْظُرُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَيُيَسِّرُ لَهُمْ مَنْ يَحْمِي بِلَادَهُمْ، وَيَحْفَظُ ثُغُورَهُمْ، وَيَغْزُو أَعْدَاءَهُمْ. وَفِيهَا أَغَارَتِ الْكُرْجُ [عَلَى] بِلَادِ خِلَاطَ، فَأَتَوْا إِلَى أَرْجِيشَ وَنَوَاحِيهَا، فَنَهَبُوا، وَسَبَوْا، وَخَرَّبُوا الْبِلَادَ، وَسَارُوا إِلَى حِصْنِ التِّينِ، مِنْ أَعْمَالِ خِلَاطَ، وَهُوَ مُجَاوِرُ أَرْزَنَ الرُّومِ، فَجَمَعَ صَاحِبُ خِلَاطَ عَسْكَرَهُ وَسَارَ إِلَى وَلَدِ قِلْج أَرْسِلَانَ، صَاحِبِ أَرْزَنَ الرُّومِ، فَاسْتَنْجَدَهُ عَلَى الْكُرْجِ، فَسَيَّرَ عَسْكَرَهُ جَمِيعَهُ مَعَهُ، فَتَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكُرْجِ، فَلَقَوْهُمْ، وَتَصَافُّوا، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتِ الْكُرْجُ، وَقُتِلَ زَكْرِي الصَّغِيرُ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرَ مُقَدَّمِيهِمْ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ مُقَدَّمُ هَذَا الْعَسْكَرِ مِنَ الْكُرْجِ وَالْمُقَاتِلُ بِهِمْ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مَا مَعَهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالسِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَسَرُوا كَذَلِكَ، وَعَادَ إِلَى بِلَادِهِ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ أَمِيرِ مَكَّةَ وَأَمِيرِ الْمَدِينَةِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا كَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْأَمِيرِ قَتَادَةَ الْحَسَنِيِّ، أَمِيرِ مَكَّةَ، وَبَيْنَ

стр. 5919

الْأَمِيرِ سَالِمِ بْنِ قَاسِمٍ الْحُسَيْنِيِّ، أَمِيرِ الْمَدِينَةِ، وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَمْعٌ كَثِيرٌ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَتِ الْحَرْبُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ قَتَادَةُ قَدْ قَصَدَ الْمَدِينَةَ لِيَحْصُرَهَا وَيَأْخُذَهَا، فَلَقِيَهُ سَالِمٌ بَعْدَ أَنْ قَصَدَ الْحُجْرَةَ - عَلَى سَاكِنِهَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَصَلَّى عِنْدَهَا وَدَعَا وَسَارَ فَلَقِيَهُ، فَانْهَزَمَ قَتَادَةُ، وَتَبِعَهُ سَالِمٌ إِلَى مَكَّةَ فَحَصَرَهُ بِهَا، فَأَرْسَلَ قَتَادَةُ إِلَى مَنْ مَعَ سَالِمٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَأَفْسَدَهُمْ عَلَيْهِ، فَمَالُوا إِلَيْهِ وَحَالَفُوهُ، فَلَمَّا رَأَى سَالِمٌ ذَلِكَ رَحَلَ عَنْهُ عَائِدًا إِلَى الْمَدِينَةِ وَعَادَ أَمْرُ قَتَادَةَ قَوِيًّا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ رَابِعَ عَشْرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، قُطِعَتْ خُطْبَةُ وَلِيِّ الْعَهْدِ، وَأُظْهِرَ خَطٌّ قُرِئَ بِدَارِ الْوَزِيرِ نَصِيرِ الدِّينِ نَاصِرِ بْنِ مَهْدِيٍّ الرَّازِيِّ وَإِذَا هُوَ خَطُّ وَلِيِّ الْعَهْدِ الْأَمِيرِ أَبِي نَصْرِ ابْنِ الْخَلِيفَةِ إِلَى أَبِيهِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، يَتَضَمَّنُ الْعَجْزَ عَنِ الْقِيَامِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَيَطْلُبُ الْإِقَالَةَ، وَشَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّهُ خَطُّهُ، وَأَنَّ الْخَلِيفَةَ أَقَالَهُ، وَعُمِلَ بِذَلِكَ مَحْضَرٌ شَهِدَ فِيهِ الْقُضَاةُ وَالْعُدُولُ وَالْفُقَهَاءُ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَدَتِ امْرَأَةٌ بِبَغْدَادَ وَلَدًا لَهُ رَأْسَانِ وَأَرْبَعُ أَرْجُلٍ وَيَدَانِ، وَمَاتَ فِي يَوْمِهِ. وَفِيهَا أَيْضًا وَقَعَ الْحَرِيقُ فِي خِزَانَةِ السِّلَاحِ الَّتِي لِلْخَلِيفَةِ، فَاحْتَرَقَ فِيهَا مِنْهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَبَقِيَتِ النَّارُ يَوْمَيْنِ، وَسَارَ ذِكْرُ هَذَا الْحَرِيقِ فِي الْبُلْدَانِ، فَحَمَلَ الْمُلُوكُ مِنَ السِّلَاحِ إِلَى بَغْدَادَ شَيْئًا كَثِيرًا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ الثَّلْجُ بِمَدِينَةِ هَرَاةَ أُسْبُوعًا كَامِلًا، فَلَمَّا سَكَنَ جَاءَ بَعْدَهُ سَيْلٌ مِنَ الْجَبَلِ مِنْ بَابِ سَرَا، خَرَّبَ كَثِيرًا مِنَ الْبَلَدِ، وَرَمَى مِنْ حِصْنِهِ قِطْعَةً عَظِيمَةً، وَجَاءَ بَعْدَهُ بَرَدٌ شَدِيدٌ أَهْلَكَ الثِّمَارَ، فَلَمْ يَكُنْ بِهَا تِلْكَ السَّنَةَ شَيْءٌ إِلَّا الْيَسِيرَ.

стр. 5920

وَفِيهَا، فِي شَعْبَانَ، خَرَجَ عَسْكَرٌ مِنَ الْغُورِيَّةِ مُقَدَّمُهُمُ الْأَمِيرُ زِنْكِي بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى مَدِينَةِ مَرْوَ، فَلَقِيَهُمْ نَائِبُ خُوَارِزْمَ شَاهْ بِمَدِينَةِ سَرَخْسَ، وَهُوَ الْأَمِيرُ جُقَرُ، وَكَمَّنَ لَهُمْ كَمِينًا، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ هَزَمَهُمْ، وَأَخَذَ وُجُوهَ الْغُورِيَّةِ أَسْرَى، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَأَخَذَ أَمِيرَهُمْ زِنْكِي أَسِيرًا، فَقُتِلَ صَبْرًا، وَعُلِّقَتْ رُءُسُهُمْ بِمَرْوَ أَيَّامًا. وَفِيهَا، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، سَارَ الْأَمِيرُ عِمَادُ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْغُورِيُّ، صَاحِبُ بَلْخَ، إِلَى مَدِينَةِ تِرْمِذَ، وَهِيَ لِلْأَتْرَاكِ الْخَطَا، فَافْتَتَحَهَا عَنْوَةً، وَجَعَلَ بِهَا وَلَدَهُ الْأَكْبَرَ، وَقَتَلَ مَنْ بِهَا مِنَ الْخَطَا، وَنَقَلَ الْعَلَوِيِّينَ مِنْهَا إِلَى [بَلْخَ] ، وَصَارَتْ تِرْمِذُ دَارَ إِسْلَامٍ، وَهِيَ مِنْ أَمْنَعِ الْحُصُونِ وَأَقْوَاهَا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ صَدْرُ الدِّينِ السِّجْزِيُّ شَيْخُ خَانْكَاه السُّلْطَانِ بِهَرَاةَ. وَفِيهَا، فِي صَفَرٍ، تُوُفِّيَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ الشَّاعِرُ الْوَاسِطِيُّ، وَهُوَ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْمُجِيدِينَ، وَاجْتَمَعْتُ بِهِ بِالْمَوْصِلِ، وَرَدَهَا مَادِحًا لِصَاحِبِهَا نُورِ الدِّينِ أَرْسِلَانَ شَاهْ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُقَدَّمِينَ، وَكَانَ نِعْمَ الرَّجُلِ، حَسَنَ الصُّحْبَةِ وَالْعِشْرَةِ. وَفِيهَا اجْتَمَعَ بِبَغْدَادَ رَجُلَانِ أَعْمَيَانِ عَلَى رَجُلٍ أَعْمَى أَيْضًا، وَقَتَلَاهُ بِمَسْجِدٍ طَمَعًا فِي أَنْ يَأْخُذَا مِنْهُ شَيْئًا، فَلَمْ يَجِدَا مَعَهُ مَا يَأْخُذَانِهِ، وَأَدْرَكَهُمَا الصَّبَاحُ، فَهَرَبَا مِنَ الْخَوْفِ يُرِيدَانِ الْمَوْصِلَ، وَرُؤِيَ الرَّجُلُ مَقْتُولًا، وَلَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ، فَاتُّفِقَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ الشِّحْنَةِ اجْتَازَ مِنَ الْحَرِيمِ فِي خُصُومَةٍ جَرَتْ، فَرَأَى الرَّجُلَيْنِ الضَّرِيرَيْنِ، فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَتَلُوا الْأَعْمَى يَقُولُهُ مَزْحًا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: هَذَا وَاللَّهِ قَتَلَهُ، فَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ أَنْتَ قَتَلْتَهُ، فَأُخِذَا إِلَى صَاحِبِ الْبَابِ، فَأَقَرَّا فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا، وَصُلِبَ الْآخَرُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ الَّذِي قَتَلَا فِيهِ الرَّجُلَ.
следующие страницы →