Полный текст (6 163 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.
стр. 6021
بِهَا، وَسَلَّمُوهَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ تَاسِعَ رَجَبٍ الْمَذْكُورِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لِمَا تَسَلَّمُوهَا وَصَلَتْ لِلْفِرِنْجِ نَجْدَةٌ فِي الْبَحْرِ، فَلَوْ سَبَقُوا الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهَا لَامْتَنَعُوا مِنْ تَسْلِيمِهَا، وَلَكِنْ سَبْقَهُمُ الْمُسْلِمُونَ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا، وَلَمْ يَبْقَ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا إِلَّا آحَادٌ، وَتَفَرَّقُوا أَيْدِي سَبَا، بَعْضُهُمْ سَارَ عَنْهَا بِاخْتِيَارِهِ، وَبَعْضُهُمْ مَاتَ، وَبَعْضُهُمْ أَخَذَهُ الْفِرِنْجُ.
وَلَمَّا دَخَلَهَا الْمُسْلِمُونَ رَأَوْهَا وَقَدْ حَصَّنَهَا الْفِرِنْجُ تَحْصِينًا عَظِيمًا بِحَيْثُ بَقِيَتْ لَا تُرَامُ، وَلَا يُوصَلُ إِلَيْهَا، وَأَعَادَ اللَّهُ، ، الْحَقَّ إِلَى نِصَابِهِ، وَرَدَّهُ إِلَى أَرْبَابِهِ، وَأَعْطَى الْمُسْلِمِينَ ظَفَرًا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانَتْ غَايَةُ أَمَانِيهِمْ أَنْ يُسَلِّمُوا الْبِلَادَ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهُمْ بِالشَّامِ لِيُعِيدُوا دِمْيَاطَ، فَرَزَقَهُمُ اللَّهُ إِعَادَةَ دِمْيَاطَ، وَبَقِيَتِ الْبِلَادُ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى حَالِهَا، فَاللَّهُ الْمَحْمُودُ الْمَشْكُورُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ كَفِّ عَادِيَةِ هَذَا الْعَدُوِّ، وَكَفَاهُمْ شَرُّ التَّتَرِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عَدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، كَانَتْ بِبَغْدَادَ فِتْنَةٌ بَيْنَ أَهْلِ الْمَأْمُونِيَّةِ وَبَيْنَ أَهْلِ بَابِ الْأَزَجِ بِسَبَبِ قَتْلِ سَبُعٍ، وَزَادَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ، وَاقْتَتَلُوا، فَجُرِحَ بَيْنَهُمْ كَثِيرٌ، فَحَضَرَ نَائِبُ الْبَابِ وَكَفَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ، وَأَسْمَعُوهُ مَا يَكْرَهُ، فَأُرْسِلَ مِنَ الدِّيوَانِ أَمِيرٌ مِنْ مَمَالِيكِ الْخَلِيفَةِ، فَرَدَّ أَهْلَ كُلِّ مَحَلَّةٍ إِلَى مَحَلَّتِهِمْ، وَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ.
وَفِيهَا كَثُرَ الْفَأْرُ بِبَلْدَةِ دُجَيْلٍ مِنْ أَعْمَالِ بَغْدَادَ، فَكَانَ الْإِنْسَانُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَجْلِسَ
стр. 6022
إِلَّا وَمَعَهُ عَصًا يَرُدُّ الْفَأْرَ عَنْهُ، وَكَانَ يَرَى الْكَثِيرَ مِنْهُ ظَاهِرًا يَتْبَعُ بَعْضَهُ بَعْضًا.
وَفِيهَا زَادَتْ دِجْلَةُ زِيَادَةً عَظِيمَةً لَمْ يُشَاهَدْ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ مِثْلُهَا، وَأَشْرَفَتْ بَغْدَادُ عَلَى الْغَرَقِ، فَرَكِب الْوَزِيرُ وَالْأُمَرَاءُ وَالْأَعْيَانُ كَافَّةً، وَجَمَعُوا الْخَلْقَ الْعَظِيمَ مِنَ الْعَامَّةِ وَغَيْرِهِمْ لِعَمَلِ الْقُورَجِ حَوْلَ الْبَلَدِ، وَقَلِقَ النَّاسُ لِذَلِكَ، وَانْزَعَجُوا، وَعَايَنُوا الْهَلَاكَ، وَأَعَدُّوا السُّفُنَ لِيَنْجُوا فِيهَا، وَظَهَرَ الْخَلِيفَةُ لِلنَّاسِ وَحَثَّهُمْ عَلَى الْعَمَلِ، وَكَانَ مِمَّا قَالَ لَهُمْ: لَوْ كَانَ يُفْدَى مَا أَرَى بِمَالٍ أَوْ غَيْرِهِ لَفَعَلْتُ، وَلَوْ دُفِعَ بِحَرْبٍ لَفَعَلْتُ، وَلَكِنَّ أَمْرَ اللَّهِ لَا يُرَدُّ.
وَنَبَعَ الْمَاءُ مِنَ الْبَلَالِيعِ وَالْآبَارِ مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَغَرِقَ كَثِيرٌ مِنْهُ، وَغَرِقَ مَشْهَدُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبَعْضُ الرُّصَافَةِ، وَجَامِعُ الْمَهْدِيِّ، وَقَرْيَةُ الْمَلَكِيَّةِ، وَالْكَشَكُ، وَانْقَطَعَتِ الصَّلَاةُ بِجَامِعِ السُّلْطَانِ. وَأَمَّا الْجَانِبُ الْغَرْبِيُّ، فَتَهَدَّمَ أَكْثَرُ الْقَرْيَةِ، وَنَهْرُ عِيسَى، وَالشَّطِيَّاتُ، وَخُرِّبَتِ الْبَسَاتِينُ، وَمَشْهَدُ بَابِ التِّينِ، وَمَقْبَرَةُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَالْحَرِيمُ الطَّاهِرِيِّ، وَبَعْضُ بَابِ الْبَصْرَةِ وَالدُّورِ الَّتِي عَلَى نَهْرِ عِيسَى وَأَكْثَرُ مَحَلَّةِ قَطُفْتَا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْفَضَائِلِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ أَبِي الْبَرَكَاتِ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ فَضْلِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْخَيْرِ الْمِيهَنِيُّ، الصُّوفِيُّ، أَبُو الْفَضْلِ شَيْخُ رِبَاطِ الْخَلِيفَةِ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ صَالِحًا مِنْ بَيْتِ التَّصَوُّفِ وَالصَّلَاحِ.
стр. 6023
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَة]
٦١٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمَلِكِ الْقَاهِرِ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ نُورِ الدِّينِ وَمَا كَانَ مِنِ الْفِتَنِ بِسَبَبِ مَوْتِهِ إِلَى أَنِ اسْتَقَرَّتِ الْأُمُورُ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمَلِكُ الْقَاهِرُ عِزُّ الدِّينِ مَسْعُودُ بْنُ أَرْسَلَان شَاهْ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِي بْنِ آقْسُنْقُرَ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَبْعَ سِنِينَ وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ.
وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّهُ أَخَذَتْهُ حُمَّى، ثُمَّ فَارَقَتْهُ الْغَدَ، وَبَقِيَ يَوْمَيْنِ مَوْعُوكًا، ثُمَّ عَاوَدَتْهُ الْحُمَّى مَعَ قَيْءٍ كَثِيرٍ، وَكَرْبٍ شَدِيدٍ، وَقَلَقٍ مُتَتَابِعٍ ثُمَّ بَرَدَ بَدَنُهُ، وَعَرِقَ، وَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى وَسَطِ اللَّيْلِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ.
وَكَانَ كَرِيمًا، حَلِيمًا، قَلِيلَ الطَّمَعِ فِي أَمْوَالِ الرَّعِيَّةِ، كَافًّا عَنْ أَذًى يُوصِلُهُ إِلَيْهِمْ، مُقْبِلًا عَلَى لَذَّاتِهِ كَأَنَّمَا يَنْهَبُهَا وَيُبَادِرُ بِهَا الْمَوْتَ ; وَكَانَ عِنْدَهُ رِقَّةٌ شَدِيدَةٌ، وَيُكْثِرُ ذِكْرَ الْمَوْتِ.
حَكَى لِي بَعْضُ مَنْ كَانَ يُلَازِمُهُ قَالَ: كُنَّا لَيْلَةً، قَبْلَ وَفَاتِهِ بِنِصْفِ شَهْرٍ، عِنْدَهُ، فَقَالَ لِي: قَدْ وَجَدْتُ ضَجَرًا مِنَ الْقُعُودِ، فَقُمْ بِنَا نَتَمَشَّى إِلَى الْبَابِ الْعِمَادِيِّ ; قَالَ: فَقُمْنَا، فَخَرَجَ مِنْ دَارِهِ نَحْوَ الْبَابِ الْعِمَادِيِّ، فَوَصَلَ التُّرْبَةَ الَّتِي عَمِلَهَا لِنَفْسِهِ عِنْدَ دَارِهِ، فَوَقَفَ عِنْدَهَا مُفَكِّرًا لَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ قَالَ لِي: وَاللَّهِ مَا نَحْنُ فِي شَيْءٍ! أَلَيْسَ
стр. 6024
مَصِيرُنَا إِلَى هَاهُنَا، وَنُدْفَنُ تَحْتَ الْأَرْضِ، وَأَطَالَ الْحَدِيثَ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الدَّارِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا نَمْشِيَ إِلَى الْبَابِ الْعِمَادِيِّ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ عِنْدِي نَشَاطٌ إِلَى هَذَا وَلَا إِلَى غَيْرِهِ، وَدَخَلَ دَارَهُ وَتُوُفِّيَ بَعْدَ أَيَّامٍ.
وَأُصِيبَ أَهْلُ بِلَادِهِ بِمَوْتِهِ، وَعَظُمَ عَلَيْهِمْ فَقْدُهُ، وَكَانَ مَحْبُوبًا إِلَيْهِمْ، قَرِيبًا مِنْ قُلُوبِهِمْ، فَفِي كُلِّ دَارٍ لِأَجْلِهِ رَنَّةٌ وَعَوِيلٌ، وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى بِالْمُلْكِ لِوَلَدِهِ الْأَكْبَرِ نُورِ الدِّينِ أَرَسْلَان شَاهْ، وَعُمُرُهُ حِينَئِذٍ نَحْوَ عَشْرِ سِنِينَ، وَجَعَلَ الْوَصِيَّ عَلَيْهِ وَالْمُدَبِّرَ لِدَوْلَتِهِ بِدَرَ الدِّينِ لُؤْلُؤًا، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَتَوَلَّى دَوْلَةَ الْقَاهِرِ وَدَوْلَةَ أَبِيهِ نُورِ الدِّينِ قَبْلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ أَخْبَارِهِ مَا يُعْرَفُ بِهِ مَحَلُّهُ، وَسَيَرِدُ مِنْهَا أَيْضًا مَا يَزِيدُ النَّاظِرَ بَصِيرَةً فِيهِ.
فَلَمَّا قَضَى نَحْبَهُ قَامَ بَدْرُ الدِّينِ بِأَمْرِ نُورِ الدِّينِ، وَأَجْلَسَهُ فِي مَمْلَكَةِ أَبِيهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَطْلُبُ لَهُ التَّقْلِيدَ وَالتَّشْرِيفَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمُلُوكِ، وَأَصْحَابِ الْأَطْرَافِ الْمُجَاوِرِينَ لَهُمْ، يَطْلُبُ مِنْهُمْ تَجْدِيدَ الْعَهْدِ لِنُورِ الدِّينِ عَلَى الْقَاعِدَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِيهِ، فَلَمْ يُصْبِحْ إِلَّا وَقَدْ فَرَغَ مِنْ كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَجَلَسَ لِلْعَزَاءِ، وَحَلَّفَ الْجُنْدَ وَالرَّعَايَا، وَضَبَطَ الْمَمْلَكَةَ مِنَ التَّزَلْزُلِ وَالتَّغَيُّرِ مَعَ صِغَرِ السُّلْطَانِ وَكَثْرَةِ الطَّامِعِينَ فِي الْمُلْكِ، فَإِنَّهُ كَانَ مَعَهُ فِي الْبَلَدِ أَعْمَامُ أَبِيهِ، وَكَانَ عَمُّهُ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي بْنُ أَرْسَلَان شَاهْ بِوِلَايَتِهِ، وَهِيَ قَلْعَةُ عَقْرِ الْحُمَيْدِيَّةِ، يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالْمُلْكِ، لَا يَشُكُّ فِي أَنَّ الْمُلْكَ يَصِيرُ إِلَيْهِ بَعْدَ أَخِيهِ، فَرَقَعَ بَدَرُ الدِّينِ ذَلِكَ الْخَرْقَ، وَرَتَقَ ذَلِكَ الْفَتْقَ، وَتَابَعَ الْإِحْسَانَ وَالْخِلَعَ عَلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَغَيَّرَ ثِيَابَ الْحِدَادِ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَخُصَّ بِذَلِكَ شَرِيفًا دُونَ مَشْرُوفٍ، وَلَا كَبِيرًا دُونَ صَغِيرٍ، وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ، وَجَلَسَ لِكَشْفِ ظُلَامَاتِ النَّاسِ، وَإِنْصَافِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ.
وَبَعْدَ أَيَّامٍ وَصَلَ التَّقْلِيدُ مِنَ الْخَلِيفَةِ لِنُورِ الدِّينِ بِالْوِلَايَةِ، وَلِبَدْرِ الدِّينِ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ دَوْلَتِهِ، وَالتَّشْرِيفَاتِ لَهُمَا أَيْضًا، وَأَتَتْهُمَا رُسُلُ الْمُلُوكِ بِالتَّعْزِيَةِ، وَبَذْلِ مَا طُلِبَ مِنْهُمْ مَنِ الْعُهُودِ، وَاسْتَقَرَّتِ الْقَوَاعِدُ لَهُمَا.
ذِكْرُ مُلْكِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي قِلَاعَ الْهَكَّارِيَّةِ وَالزَّوْزَانِ
قَدْ ذَكَرْنَا عِنْدَ وَفَاةِ نُورِ الدِّينِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّمِائَةٍ أَنَّهُ أَعْطَى وَلَدَهُ الْأَصْغَرَ زَنْكِي
стр. 6025
قَلْعَتَيِ الْعَقْرَ وَشُوشَ، وَهَمَّا بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَوْصِلِ فَكَانَ تَارَةً يَكُونُ بِالْمَوْصِلِ، وَتَارَةً بِوِلَايَتِهِ، مُتَجَنِّيًا لِكَثْرَةِ تَلَوُّنِهِ، وَكَانَ بِقَلْعَةِ الْعِمَادِيَّةِ مُسْتَحْفِظٌ مِنْ مَمَالِيكِ جَدِّهِ عِزِّ الدِّينِ مَسْعُودِ بْنِ مَوْدُودٍ، قِيلَ إِنَّهُ جَرَى لَهُ مَعَ زَنْكِي مُرَاسَلَاتٌ فِي مَعْنَى تَسْلِيمِ الْعِمَادِيَّةِ إِلَيْهِ، فَنَمَى الْخَبَرُ بِذَلِكَ إِلَى بَدْرِ الدِّينِ، فَبَادَرَهُ بِالْعَزْلِ مَعَ أَمِيرٍ كَبِيرٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْجُنْدِ لَمْ يُمْكِنْهُ الِامْتِنَاعُ، وَسَلَّمَ الْقَلْعَةَ إِلَى نَائِبِ بَدْرِ الدِّينِ كَذَلِكَ، وَجَعَلَ بَدْرُ الدِّينِ فِي غَيْرِ الْعِمَادِيَّةِ مِنَ الْقِلَاعِ نُوَّابًا لَهُ.
وَكَانَ نُورُ الدِّينِ بْنُ الْقَاهِرِ لَا يَزَالُ مَرِيضًا مِنْ جُرُوحٍ كَانَتْ بِهِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَمْرَاضِ، وَكَانَ يَبْقَى الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ لَا يَرْكَبُ، وَلَا يَظْهَرُ لِلنَّاسِ فَأَرْسَلَ زَنْكِي إِلَى مَنْ بِالْعِمَادِيَّةِ مِنَ الْجُنْدِ يَقُولُ: إِنَّ ابْنَ أَخِي تُوُفِّيَ، وَيُرِيدُ بَدْرُ الدِّينِ أَنْ يَمْلِكَ الْبِلَادَ، وَأَنَا أَحَقُّ بِمُلْكِ آبَائِي وَأَجْدَادِي، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى اسْتَدْعَاهُ الْجُنْدُ مِنْهَا، وَسَلَّمُوا إِلَيْهِ، ثَامِنَ عَشَرَ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَقَبَضُوا عَلَى النَّائِبِ الْبَدْرِيِّ وَعَلَى مَنْ مَعَهُ.
فَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى بَدْرِ الدِّينِ لَيْلًا فَجَدَّ فِي الْأَمْرِ، وَنَادَى فِي الْعَسْكَرِ لِوَقْتِهِ بِالرَّحِيلِ، فَسَارُوا مُجِدِّينَ إِلَى الْعِمَادِيَّةِ وَبِهَا زَنْكِي لِيَحْصُرُوهُ فِيهَا، فَلَمْ يَطْلُعِ الصُّبْحُ إِلَّا وَقَدْ فَرَغَ مِنْ تَسْيِيرِ الْعَسَاكِرِ، فَسَارُوا إِلَى الْعِمَادِيَّةِ وَحَصَرُوهَا، وَكَانَ الزَّمَانُ شِتَاءً، وَالْبَرْدُ شَدِيدٌ، وَالثَّلْجُ هُنَاكَ كَثِيرٌ، فَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ قِتَالِ مَنْ بِهَا، لَكِنَّهُمْ أَقَامُوا يَحْصُرُونَهَا، وَقَامَ مُظَفَّرُ الدِّينِ كُوكُبْرِي بْنُ زَيْنِ الدِّينِ، صَاحِبُ إِرْبِلَ، فِي نَصْرِ عِمَادِ الدِّينِ، وَتَجَرَّدَ لِمُسَاعَدَتِهِ، فَرَاسَلَهُ بَدْرُ الدِّينِ يُذَكِّرُهُ الْأَيْمَانَ وَالْعُهُودَ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا أَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ، وَمِنْهَا قِلَاعُ الْهَكَّارِيَّةِ وَالزَّوْزَانِ بِأَسْمَائِهَا، وَمَتَى تَعَرَّضَ إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، مَنْ كَانَ، مَنَعَهُ بِنَفْسِهِ وَعَسَاكِرِهِ، وَأَعَانَ نُورَ الدِّينِ وَبَدْرَ الدِّينِ عَلَى مَنْعِهِ، وَيُطَالِبُهُ بِالْوَفَاءِ بِهَا.
ثُمَّ نَزَلَ عَنْ هَذَا، وَرَضِيَ مِنْهُ بِالسُّكُوتِ لَا لَهُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَأَظْهَرَ مُعَاضَدَةَ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي، فَحِينَئِذٍ لَمْ يُمْكِنْ مُكَاثَرَةُ زَنْكِي بِالرِّجَالِ وَالْعَسَاكِرِ لِقُرْبِ
стр. 6026
هَذَا الْخَصْمَ مِنَ الْمَوْصِلِ وَأَعْمَالِهَا، إِلَّا أَنَّ الْعَسْكَرَ الْبَدْرِيَّ مُحَاصِرٌ لِلْعِمَادِيَّةِ وَبِهَا زَنْكِي.
ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ مِنْ عَسْكَرِ الْمَوْصِلِ، مِمَّنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ، وَكَانَ شُجَاعًا وَهُوَ جَدِيدُ الْإِمَارَةِ أَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ شَجَاعَتَهُ لِيَزْدَادَ بِهَا تَقَدُّمًا، أَشَارَ عَلَى مَنْ هُنَاكَ مِنَ الْعَسْكَرِ بِالتَّقَدُّمِ إِلَيْهَا، وَمُبَاشَرَتِهَا بِالْقِتَالِ، وَكَانُوا قَدْ تَأَخَّرُوا عَنْهَا شَيْئًا يَسِيرًا لِشِدَّةِ الْبَرْدِ وَالثَّلْجِ، فَلَمْ يُوَافِقُوهُ، وَقَبَّحُوا رَأْيَهُ، فَتَرَكَهُمْ وَرَحَلَ مُتَقَدِّمًا إِلَيْهِمْ لَيْلًا، فَاضْطَرُّوا إِلَى اتِّبَاعِهِ خَوْفًا عَلَيْهِ مِنْ أَذًى يُصِيبُهُ وَمَنْ مَعَهُ، فَسَارُوا إِلَيْهِ عَلَى غَيْرِ تَعْبِئَةٍ لِضِيقِ الْمَسْلَكِ، وَلِأَنَّهُ أَعْجَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَحُكْمِ الثَّلْجِ عَلَيْهِمْ أَيْضًا.
فَسَمِعَ زَنْكِي وَمِنْ مَعَهُ، فَنَزَلُوا، وَلَقُوا أَوَائِلَ النَّاسِ، وَأَهْلُ مَكَّةَ أَخْبَرُ بِشِعَابِهَا، فَلَمْ يَثْبُتُوا لَهُمْ، وَانْهَزَمُوا وَعَادُوا إِلَى مَنْزِلَتِهِمْ، وَلَمْ يَقِفِ الْعَسْكَرُ عَلَيْهِمْ، فَاضْطَرُّوا إِلَى الْعَوْدِ فَلَمَّا عَادُوا رَاسَلَ زَنْكِي بَاقِي قِلَاعِ الْهَكَّارِيَّةِ وَالزَّوْزَانِ، وَاسْتَدْعَاهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ، فَأَجَابُوهُ، وَسَلَّمُوا إِلَيْهِ، فَجَعْلَ فِيهَا الْوُلَاةَ، وَتَسَلَّمَهَا وَحَكَمَ فِيهَا.
ذِكْرُ اتِّفَاقِ بَدْرِ الدِّينِ مَعَ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ
لِمَا رَأَى بَدْرُ الدِّينِ خُرُوجَ الْقِلَاعِ عَنْ يَدِهِ، وَاتِّفَاقَ مُظَفَّرِ الدِّينِ وَعِمَادِ الدِّينِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْفَعْ مَعَهُمَا اللِّينُ وَلَا الشِّدَّةُ، وَأَنَّهُمَا لَا يَزَالَانِ يَسْعَيَانِ فِي أَخْذِ بِلَادِهِ، وَيَتَعَرَّضَانِ إِلَى أَطْرَافِهَا بِالنَّهْبِ وَالْأَذَى، أَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ مُوسَى ابْنِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ، وَهُوَ صَاحِبُ دِيَارِ الْجَزِيرَةِ كُلِّهَا، إِلَّا الْقَلِيلَ، وَصَاحِبُ خِلَاطَ وَبِلَادِهَا، يَطْلُبُ مِنْهُ الْمُوَافَقَةَ وَالْمُعَاضَدَةَ، وَانْتَمَى إِلَيْهِ، وَصَارَ فِي طَاعَتِهِ مُنْخَرِطًا فِي سِلْكِ مُوَافَقَتِهِ، فَأَجَابَهُ الْأَشْرَفُ بِالْقَبُولِ لِذَلِكَ، وَالْفَرَحِ بِهِ وَالِاسْتِبْشَارِ، وَبَذَلَ لَهُ الْمُسَاعَدَةَ وَالْمُعَاضَدَةَ، وَالْمُحَارَبَةَ دُونَهُ، وَاسْتِعَادَةَ مَا أُخِذَ مِنَ الْقِلَاعِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ.
وَكَانَ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ حِينَئِذٍ بِحَلَبَ، نَازِلًا بِظَاهِرِهَا، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَعَرُّضِ كِيكَاوُسَ، مَلِكِ بِلَادِ الرُّومِ الَّتِي بِيَدِ الْمُسْلِمِينَ، قُونِيَةَ وَغَيْرِهَا، إِلَى أَعْمَالِهَا، وَمُلْكِهِ بَعْضَ قِلَاعِهَا، فَأَرْسَلَ إِلَى مُظَفَّرِ الدِّينِ يُقَبِّحُ هَذِهِ الْحَالَةَ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ تَقَرَّرَتْ بَيْنَ جَمِيعِنَا بِحُضُورِ رُسُلِكِ، وَإِنَّنَا نَكُونُ عَلَى النَّاكِثِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ الْحَقُّ، وَلَا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ مَا أُخِذَ مِنْ بَلَدِ الْمَوْصِلِ لِنَدُومَ عَلَى الْيَمِينِ الَّتِي اسْتَقَرَّتْ بَيْنَنَا، فَإِنِ
стр. 6027
امْتَنَعْتَ، وَأَصْرَرْتَ عَلَى مُعَاضَدَةِ زَنْكِي وَنُصْرَتِهِ، فَأَنَا أَجِيءُ بِنَفْسِي وَعَسَاكِرِي، وَأَقْصِدُ بِلَادَكَ وَغَيْرَهَا، وَأَسْتَرِدُّ مَا أَخَذْتُمُوهُ، وَأُعِيدُهُ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَالْمَصْلَحَةُ أَنَّكَ تُوَافِقُ، وَتَعُودُ إِلَى الْحَقِّ ; لِنَجْعَلَ شُغْلَنَا جَمْعَ الْعَسَاكِرِ، وَقَصْدَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَإِجْلَاءِ الْفِرِنْجِ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يَعْظُمَ خَطْبُهُمْ وَيَسْتَطِيرَ شَرُّهُمْ.
فَلَمْ تَحْصُلِ الْإِجَابَةُ مِنْهُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ نَاصِرُ الدِّينِ مَحْمُودٌ، صَاحِبُ الْحِصْنِ وَآمِدَ، قَدِ امْتَنَعَ عَنْ مُوَافَقَةِ الْأَشْرَفِ، وَقَصَدَ بَعْضَ بِلَادِهِ وَنَهَبَهَا، وَكَذَلِكَ صَاحَبُ مَارِدِينَ، وَاتَّفَقَا مَعَ مُظَفَّرِ الدِّينِ، فَلَمَّا رَأَى الْأَشْرَفُ ذَلِكَ جَهَّزَ عَسْكَرًا وَسَيَّرَهُ إِلَى نَصِيبِينَ نَجْدَةً لِبَدْرِ الدِّينِ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِمْ.
ذِكْرُ انْهِزَامِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي مِنَ الْعَسْكَرِ الْبَدْرِيِّ
لَمَّا عَادَ الْعَسْكَرُ الْبَدْرِيُّ مِنْ حِصَارِ الْعِمَادِيَّةِ وَبِهَا زَنْكِي، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، قَوِيَتْ نَفْسُهُ، وَفَارَقَهَا، وَعَادَ إِلَى قَلْعَةِ الْعَقْرِ الَّتِي لَهُ لِيَتَسَلَّطَ عَلَى أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ بِالصَّحْرَاءِ، فَإِنَّ بَلَدَ الْجَبَلِ كَانَ قَدْ فَرَغَ مِنْهُ، وَأَمَدَّهُ مُظَفَّرُ الدِّينِ بِطَائِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ.
فَلَمَّا اتَّصَلَ الْخَبَرُ بِبَدْرِ الدِّينِ سَيَّرَ طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِهِ إِلَى أَطْرَافِ بَلَدِ الْمَوْصِلِ يَحْمُونَهَا، فَأَقَامُوا عَلَى أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ مِنَ الْمَوْصِلِ، ثُمَّ إِنَّهُمُ اتَّفَقُوا بَيْنَهُمْ عَلَى الْمَسِير إِلَى زَنْكِي، وَهُوَ عِنْدَ الْعَقْرِ فِي عَسْكَرِهِ، وَمُحَارَبَتِهِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْخُذُوا أَمْرَ بَدْرِ الدِّينِ بَلْ أَعْلَمُوهُ بِمَسِيرِهِمْ جَرِيدَةً لَيْسَ مَعَهُمْ إِلَّا سِلَاحُهُمْ، وَدَوَابٌّ يُقَاتِلُونَ عَلَيْهَا، فَسَارُوا لَيْلَتَهُمْ، وَصَبَّحُوا زَنْكِي بُكْرَةَ الْأَحَدِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا تَحْتَ الْعَقْرِ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ بَيْنَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلَى الْعَسْكَرِ الْبَدْرِيِّ، فَانْهَزَمَ عِمَادُ الدِّينِ وَعَسْكَرُهُ، وَسَارَ إِلَى إِرْبِلَ مُنْهَزِمًا، وَعَادَ الْعَسْكَرُ الْبَدْرِيُّ إِلَى مَنْزِلَتِهِ الَّتِي كَانَ بِهَا، وَحَضَرَتِ الرُّسُلُ مِنَ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ وَمِنَ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ فِي تَجْدِيدِ الصُّلْحِ، فَاصْطَلَحُوا، وَتَحَالَفُوا بِحُضُورِ الرُّسُلِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ نُورِ الدِّينِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ وَمُلْكِ أَخِيهِ
وَلَمَّا تَقَرَّرَ الصُّلْحُ تُوُفِّيَ نُورُ الدِّينِ أَرَسْلَان شَاهْ ابْنُ الْمَلِكِ الْقَاهِرِ صَاحِبُ
стр. 6028
الْمَوْصِلِ، وَكَانَ لَا يَزَالُ مَرِيضًا بِعِدَّةِ أَمْرَاضٍ، فَرَتَّبَ بَدْرُ الدِّينِ فِي الْمُلْكِ بَعْدَهُ أَخَاهُ نَاصِرَ الدِّينِ مَحْمُودًا، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ نَحْوَ ثَلَاثِ سِنِينَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَاهِرِ وَلَدٌ غَيْرَهُ، وَحَلَّفَ لَهُ الْجُنْدَ وَرَكَّبَهُ، فَطَابَتْ نُفُوسُ النَّاسِ ; لِأَنَّ نُورَ الدِّينِ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوبِ لِمَرَضِهِ، فَلَمَّا رَكَّبُوا هَذَا عَلِمُوا أَنَّ لَهُمْ سُلْطَانًا مِنَ الْبَيْتِ الْأَتَابَكِيِّ، فَاسْتَقَرُّوا وَاطْمَأَنُّوا، وَسَكَنَ كَثِيرٌ مِنَ الشَّغَبِ بِسَبَبِهِ.
ذِكْرُ انْهِزَامِ بَدْرِ الدِّينِ مِنْ مُظَفَّرِ الدِّينِ
لَمَّا تُوُفِّيَ نُورُ الدِّينِ، وَمَلَكَ أَخُوهُ نَاصِرُ الدِّينِ، تَجَدَّدَ لِمُظَفَّرِ الدِّينَ وَلِعِمَادِ الدِّينِ طَمَعٌ لِصِغَرِ سِنِ نَاصِرِ الدِّينِ، فَجَمَعَا الرِّجَالَ وَتَجَهَّزَا لِلْحَرَكَةِ، فَظَهَرَ ذَلِكَ، وَقَصَدَ بَعْضُ أَصْحَابِهِمْ طَرَفَ وِلَايَةِ الْمَوْصِلِ بِالنَّهْبِ وَالْفَسَادِ.
وَكَانَ بَدْرُ الدِّينِ قَدْ سَيَّرَ وَلَدَهُ الْأَكْبَرَ فِي جَمْعٍ صَالِحٍ مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ بِحَلَبَ، نَجْدَةً لَهُ بِسَبَبِ اجْتِمَاعِ الْفِرِنْجِ بِمِصْرَ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ بِلَادَ الْفِرِنْجِ الَّتِي بِسَاحِلِ الشَّامِ يَنْهَبُهَا، وَيُخَرِّبُهَا، لِيَعُودَ بَعْضُ مَنْ بِدِمْيَاطَ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَيَخِفَّ الْأَمْرُ عَلَى الْمَلِكِ الْكَامِلِ، صَاحِبِ مِصْرَ، فَلَمَّا رَأَى بَدْرُ الدِّينِ تَحَرُّكَ مُظَفَّرِ الدِّينِ وَعِمَادِ الدِّينِ، وَأَنَّ بَعْضَ عَسْكَرِهِ بِالشَّامِ، أَرْسَلَ إِلَى عَسْكَرِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ الَّذِي بِنَصِيبِينَ يَسْتَدْعِيهِمْ لِيَعْتَضِدَ بِهِمْ، وَكَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ مَمْلُوكَ الْأَشْرَفِ، اسْمُهُ أَيْبَكُ، فَسَارُوا إِلَى الْمَوْصِلِ رَابِعَ رَجَبٍ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ.
فَلَمَّا رَآهُمْ بَدْرُ الدِّينِ اسْتَقَلَّهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَقَلَّ مِنَ الْعَسْكَرِ الَّذِي لَهُ بِالشَّامِ، أَوْ مِثْلَهُمْ فَأَلَحَّ أَيْبَكُ عَلَى عُبُورِ دِجْلَةَ وَقَصْدِ بِلَادِ إِرْبِلَ، فَمَنَعَهُ بَدْرُ الدِّينِ مِنْ مَثَلِ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ بِالِاسْتِرَاحَةِ، فَنَزَلَ بِظَاهِرِ الْمَوْصِلِ أَيَّامًا، وَأَصَرَّ عَلَى عُبُورِ دِجْلَةَ، فَعَبَرَهَا بَدْرُ الدِّينِ مُوَافَقَةً لَهُ، وَنَزَلُوا عَلَى فَرْسَخٍ مِنَ الْمَوْصِلِ شَرْقِيَّ دِجْلَةَ، فَلَمَّا سَمِعَ مُظَفَّرُ الدِّينَ ذَلِكَ جَمَعَ عَسْكَرَهُ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ وَمَعَهُ زَنْكِي، فَعَبَرَ الزَّابَ وَسَبَقَ خَبَرُهُ، فَسَمِعَ بِهِ بَدْرُ الدِّينِ فَعَبَّأَ أَصْحَابَهُ، وَجَعَلَ أَيْبَكَ فِي الْجَالِشِيَّةِ وَمَعَهُ شُجْعَانَ أَصْحَابِهِ، وَأَكْثَرَ مَعَهُ مِنْهُمْ، بِحَيْثُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا الْيَسِيرُ، وَجَعَلَ فِي مَيْسَرَتِهِ أَمِيرًا كَبِيرًا وَطَلَبَ الِانْتِقَالَ عَنْهَا إِلَى الْمَيْمَنَةِ فَنَقَلَهُ.
فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْعَشَاءِ الْآخِرَةِ أَعَادَ ذَلِكَ الْأَمِيرُ الطَّلَبَ بِالِانْتِقَالِ مِنَ الْمَيْمَنَةِ
стр. 6029
إِلَى الْمَيْسَرَةِ، وَالْخَصْمُ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ، فَمَنَعَهُ بَدْرُ الدِّينِ، وَقَالَ مَتَى انْتَقَلْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ فِي هَذَا اللَّيْلِ، رُبَّمَا ظَنَّهُ النَّاسُ هَزِيمَةً فَلَا يَقِفُ أَحَدٌ، فَأَقَامَ بِمَكَانِهِ، وَهُوَ بِجَمْعٍ كَبِيرٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَلَمَّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ سَارَ أَيْبَكُ، فَأَمَرَهُ بَدْرُ الدِّينِ بِالْمُقَامِ إِلَى الصُّبْحِ لِقُرْبِ الْعَدُوِّ مِنْهُمْ، فَلَمْ يَقْبَلْ لِجَهْلِهِ بِالْحَرْبِ، فَاضْطَرَّ النَّاسُ لِاتِّبَاعِهِ، فَتَقَطَّعُوا فِي اللَّيْلِ وَالظُّلْمَةِ وَالْتَقَوْا هُمْ وَالْخَصْمُ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ مِنَ الْمَوْصِلِ، فَأَمَّا عِزُّ الدِّينِ فَإِنَّهُ تَيَامَنَ وَالْتَحَقَ بِالْمَيْمَنَةِ وَحَمَلَ فِي اطِّلَابِهِ هُوَ وَالْمَيْمَنَةُ عَلَى مَيْسَرَةِ مُظَفَّرِ الدِّينِ فَهَزَمَهَا وَبِهَا زَنْكِي.
وَكَانَ الْأَمِيرُ الَّذِي انْتَقَلَ إِلَى الْمَيْمَنَةِ قَدْ أَبْعَدَ عَنْهَا، فَلَمْ يُقَاتِلْ، فَلَمَّا رَأَى أَيْبَكَ قَدْ هَزَمَ الْمَيْسَرَةَ تَبِعَهُ وَالْتَحَقَ بِهِ، وَانْهَزَمَتْ مَيْسَرَةُ بَدْرِ الدِّينِ، فَبَقِيَ هُوَ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ مَعَهُ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ مُظَفَّرُ الدِّينِ فِيمَنْ مَعَهُ فِي الْقَلْبِ لَمْ يَتَفَرَّقُوا فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْوُقُوفُ فَعَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَعَبَرَ دِجْلَةَ إِلَى الْقَلْعَةِ، وَنَزَلَ مِنْهَا إِلَى الْبَلَدِ، فَلَمَّا رَآهُ النَّاسُ فَرِحُوا بِهِ، وَسَارُوا مَعَهُ، وَقَصَدَ بَابَ الْجِسْرِ، وَالْعَدُوُّ بِإِزَائِهِ، بَيْنَهُمَا دِجْلَةُ، فَنَزَلَ مُظَفَّرُ الدِّينِ فِيمَنْ سَلِمَ مَعَهُ مِنْ عَسْكَرِهِ وَرَاءَ تَلِّ حِصْنِ نِينَوَى، فَأَقَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
فَلَمَّا رَأَى اجْتِمَاعَ الْعَسْكَرِ الْبَدْرِيِّ بِالْمَوْصِلِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يُفْقَدْ مِنْهُمْ إِلَّا الْيَسِيرُ، وَبَلَغَهُ الْخَبَرُ أَنَّ بَدْرَ الدِّينِ يُرِيدُ الْعُبُورَ إِلَيْهِ لَيْلًا بِالْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ، عَلَى الْجُسُورِ وَفِي السُّفُنِ، وَيَكْبِسُهُ، رَحَلَ لَيْلًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضْرِبَ كُوسًا أَوْ بُوقًا، وَعَادُوا نَحْوَ إِرْبِلَ، فَلَمَّا عَبَرُوا الزَّابَ نَزَلُوا، ثُمَّ جَاءَتِ الرُّسُلُ وَسَعَوْا فِي الصُّلْحِ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ بِيَدِهِ شَيْءٌ هُوَ لَهُ وَتَقَرَّرَتِ الْعُهُودُ وَالْأَيْمَانُ عَلَى ذَلِكَ.
ذِكْرُ مُلْكِ عِمَادِ الدِّينِ قَلْعَةَ كَوَاشَى وَمُلْكِ بَدْرِ الدِّينِ تَلَّ يَعْفَرَ وَمُلْكِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ سِنْجَارَ
كَوَاشَى هَذِهِ مِنْ أَحْصَنِ قِلَاعِ الْمَوْصِلِ وَأَعْلَاهَا وَأَمْنَعِهَا، وَكَانَ الْجُنْدُ الَّذِينَ بِهَا، لَمَّا رَأَوْا مَا فَعَلَ أَهْلُ الْعِمَادِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنَ التَّسْلِيمِ إِلَى زَنْكِي وَأَنَّهُمْ قَدْ تَحَكَّمُوا فِي الْقِلَاعِ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ، أَحَبُّوا أَنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، فَأَخْرَجُوا نُوَّابَ بَدْرِ الدِّينِ عَنْهُمْ، وَامْتَنَعُوا بِهَا، وَكَانَتْ رَهَائِنُهُمْ بِالْمَوْصِلِ، وَهُمْ يُظْهِرُونَ طَاعَةَ بَدْرِ الدِّينِ، وَيُبَطِنُونَ الْمُخَالَفَةَ، فَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ فِي عَوْدِهِمْ إِلَى الطَّاعَةِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَرَاسَلُوا زَنْكِي
стр. 6030
فِي الْمَجِيءِ إِلَيْهِمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَتَسَلَّمَ الْقَلْعَةَ، وَأَقَامَ عِنْدَهُمْ، فَرُوسِلَ مُظَفَّرُ الدِّينِ يُذَكَّرُ بِالْأَيْمَانِ الْقَرِيبَةِ الْعَهْدِ وَيُطْلَبُ مِنْهُ إِعَادَةَ كَوَاشَى، فَلَمْ تَقَعِ الْإِجَابَةُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ حِينَئِذٍ بَدْرُ الدِّينِ إِلَى الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ، وَهُوَ بِحَلَبَ، يَسْتَنْجِدُهُ، فَسَارَ وَعَبَرَ الْفُرَاتَ إِلَى حَرَّانَ، وَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ الْأُمُورُ مِنْ عِدَّةِ جِهَاتٍ مَنَعَتْهُ مِنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ.
وَسَبَبُ هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّ مُظَفَّرَ الدِّينِ كَانَ يُرَاسِلُ الْمُلُوكَ أَصْحَابَ الْأَطْرَافِ لِيَسْتَمِيلَهُمْ، وَيُحَسِّنَ لَهُمُ الْخُرُوجَ عَلَى الْأَشْرَفِ، وَيُخَوِّفَهُمْ مِنْهُ، إِنْ خَلَا وَجْهُهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ عِزُّ الدِّينِ كِيكَاوُسُ بْنُ كَيْخِسْرُو بْنِ قَلْجِ أَرَسْلَان، صَاحِبُ بِلَادِ الرُّومِ، وَصَاحِبُ آمِدَ، وَحِصْنِ كِيفَا، وَصَاحِبُ مَارِدِينِ، وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى طَاعَةِ كِيكَاوُسَ، وَخَطَبُوا لَهُ فِي بِلَادِهِمْ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَشْرَفِ عِنْدِ مَنْبِجَ لَمَّا قَصَدَ بِلَادَ حَلَبَ، فَهُوَ مُوغَرُ الصَّدْرِ عَلَيْهِ.
فَاتَّفَقَ أَنَّ كِيكَاوُسَ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَكُفِيَ الْأَشْرَفُ وَبَدْرُ الدِّينِ شَرَّهُ، وَلَا جَدَّ إِلَّا مَا أَقْعَصَ عَنْكَ الرِّجَالَ، وَكَانَ مُظَفَّرُ الدِّينِ قَدْ رَاسَلَ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَ الْأَشْرَفِ، وَاسْتَمَالَهُمْ، فَأَجَابُوهُ، مِنْهُمْ: أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمَشْطُوبِ، الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ فَعَلَ عَلَى دِمْيَاطَ مَا فَعَلَ، وَهُوَ أَكْبَرُ أَمِيرٍ مَعَهُ، وَوَافَقَهُ غَيْرُهُ، مِنْهُمْ: عِزُّ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ بَدْرٍ الْحُمَيْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَفَارَقُوا الْأَشْرَفَ، وَنَزَلُوا بِدُنَيْسِرَ، تَحْتَ مَارِدِينَ، لِيَجْتَمِعُوا مَعَ صَاحِبِ آمِدَ، وَيَمْنَعُوا الْأَشْرَفَ مِنَ الْعُبُورِ إِلَى الْمَوْصِلِ لِمُسَاعَدَةِ بَدْرِ الدِّينِ.
فَلَمَّا اجْتَمَعُوا هُنَاكَ عَادَ صَاحِبُ آمِدَ إِلَى مُوَافَقَةِ الْأَشْرَفِ، وَفَارَقَهُمْ، وَاسْتَقَرَّ الصُّلْحُ بَيْنَهُمَا، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْأَشْرَفُ مَدِينَةَ حَانِي، وَجَبَلَ جُورَ، وَضَمِنَ لَهُ أَخْذَ دَارَا وَتَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا فَارَقَهُمْ صَاحِبُ آمِدَ انْحَلَّ أَمْرُهُمْ، فَاضْطَرَّ بَعْضُ أُولَئِكَ الْأُمَرَاءِ إِلَى الْعَوْدِ إِلَى طَاعَةِ الْأَشْرَفِ، وَبَقِيَ ابْنُ الْمَشْطُوبِ وَحْدَهُ، فَسَارَ إِلَى نَصِيبِينَ لِيَسِيرَ إِلَى إِرْبِلَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ شِحْنَةُ نَصِيبِينِ فِيمَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْجُنْدِ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ ابْنُ الْمَشْطُوبِ، وَتَفَرَّقَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْجَمْعِ، وَمَضَى مُنْهَزِمًا، فَاجْتَازَ بِطَرَفِ بَلَدِ سِنْجَارَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ صَاحِبُهَا فَرُّوخ شَاهْ بْنُ زَنْكِي بْنِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِي عَسْكَرًا، فَهَزَمُوهُ وَأَخَذُوهُ أَسِيرًا، وَحَمَلُوهُ إِلَى سِنْجَارَ، وَكَانَ صَاحِبُهَا مُوَافِقًا لِلْأَشْرَفِ وَبَدْرِ الدِّينِ.
стр. 6031
فَلَمَّا صَارَ عِنْدَهُ ابْنُ الْمَشْطُوبِ حَسَّنَ عِنْدَهُ مُخَالَفَةَ الْأَشْرَفِ، فَأَجَابِهُ إِلَى ذَلِكَ وَأَطْلَقَهُ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ يُرِيدُ الْفَسَادَ، فَقَصَدُوا الْبَقْعَا مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ، وَنَهَبُوا فِيهَا عِدَّةَ قُرًى، وَعَادُوا إِلَى سِنْجَارَ، ثُمَّ سَارُوا وَهُوَ مَعَهُمْ إِلَى تَلِّ يَعْفَرَ، وَهِيَ لِصَاحِبِ سِنْجَارَ ; لِيَقْصِدُوا بَلَدَ الْمَوْصِلِ وَيَنْهَبُوا فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ بَدْرُ الدِّينِ بِذَلِكَ سَيَّرَ إِلَيْهِ عَسْكَرًا، فَقَاتَلُوهُمْ، فَمَضَى مُنْهَزِمًا وَصَعِدَ إِلَى تَلِّ يَعْفَرَ. وَاحْتَمَى بِهَا مِنْهُمْ، وَنَازَلُوهُ وَحَصَرُوهُ فِيهَا، فَسَارَ بَدْرُ الدِّينِ مِنَ الْمَوْصِلِ إِلَيْهِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِتِسْعٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَجَدَّ فِي حَصْرِهِ، وَزَحَفَ إِلَيْهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَمَلَكَهَا سَابِعَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخَرَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَأَخَذَ ابْنُ الْمَشْطُوبِ مَعَهُ إِلَى الْمَوْصِلِ فَسَجَنَهُ بِهَا، ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْهُ الْأَشْرَفُ فَسَجَنَهُ بَحَرَّانَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَلَقَّاهُ اللَّهُ عُقُوبَةَ مَا صَنَعَ بِالْمُسْلِمِينَ بِدِمْيَاطَ.
وَأَمَّا الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ فَإِنَّهُ لَمَّا أَطَاعَهُ صَاحِبُ الْحِصْنِ وَآمِدَ. وَتَفَرَّقَ الْأُمَرَاءُ عَنْهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، رَحَلَ مِنَ حَرَّانَ إِلَى دُنَيْسِرَ، فَنَزَلَ عَلَيْهَا وَاسْتَوْلَى عَلَى بَلَدِ مَارِدِينَ، وَشَحَّنَ عَلَيْهِ، وَأَقْطَعَهُ. وَمَنَعَ الْمِيرَةَ عَنْ مَارِدِينَ، وَحَضَرَ مَعَهُ صَاحِبُ آمِدَ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ مَارِدِينَ فِي الصُّلْحِ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الْأَشْرَفُ رَأْسَ عَيْنٍ، وَكَانَ هُوَ قَدْ أَقْطَعَهَا لِصَاحِبِ مَارِدِينَ، وَيَأْخُذَ مِنْهُ أَيْضًا أَلْفَ دِينَارٍ، وَيَأْخُذَ مِنْهُ صَاحِبُ آمِدَ الْمُوَزَّرَ، مِنْ بَلَدِ شَبَخْتَانَ.
فَلَمَّا تَمَّ الصُّلْحُ سَارَ الْأَشْرَفُ مِنْ دُنَيْسِرَ إِلَى نَصِيبِينَ يُرِيدُ الْمَوْصِلَ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي الطَّرِيقِ لَقِيَهُ رُسُلُ صَاحِبِ سِنْجَارَ يَبْذُلُ تَسْلِيمَهَا إِلَيْهِ، وَيَطْلُبُ الْعِوَضَ عَنْهَا مَدِينَةَ الرَّقَّةِ.
وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَخْذَ تَلِّ يَعْفَرَ مِنْهُ، فَانْخَلَعَ قَلْبُهُ، وَانْضَافَ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ ثِقَاتِهِ وَنُصَحَاءَهُ خَانُوهُ وَزَادُوهُ رُعْبًا وَخَوْفًا، لِأَنَّهُ تَهَدَّدَهُمْ، فَتَغَدَّوْا بِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَعَشَّى بِهِمْ، وَلِأَنَّهُ قَطَعَ رَحِمَهُ، وَقَتَلَ أَخَاهُ الَّذِي مَلَكَ سِنْجَارَ بَعْدَ أَبِيهِ ; قَتَلَهُ كَمَا نَذْكُرُهُ إِنْ
стр. 6032
شَاءَ اللَّهُ، وَمَلَكَهَا، فَلَقَّاهُ اللَّهُ سُوءَ فِعْلِهِ، وَلَمْ يُمَتِّعْهُ بِهَا، فَلَمَّا تَيَقَّنَ رَحِيلَ الْأَشْرَفِ تَحَيَّرَ فِي أَمْرِهِ، فَأَرْسَلَ فِي التَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، فَأَجَابَهُ الْأَشْرَفُ إِلَى الْعِوَضِ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ الرَّقَّةَ وَتَسَلَّمَ سِنْجَارَ مُسْتَهَلَّ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَفَارَقَهَا صَاحِبُهَا وَإِخْوَتُهُ بِأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَكَانَ هَذَا آخِرَ مُلُوكِ الْبَيْتِ الْأَتَابِكِيِّ بِسِنْجَارَ، فَسُبْحَانَ الْحَيِّ الدَّائِمِ الَّذِي لَيْسَ لِمُلْكِهِ آخِرٌ. وَكَانَ مُدَّةُ مُلْكِهِمْ لَهَا أَرْبَعًا وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَهَذَا دَأْبُ الدُّنْيَا بِأَبْنَائِهَا، فَتَعْسًا لَهَا مِنْ دَارٍ مَا أَغْدَرَهَا بِأَهْلِهَا!
ذِكْرُ وَصُولِ الْأَشْرَفِ إِلَى الْمَوْصِلِ وَالصُّلْحِ مَعَ مُظَفَّرِ الدِّينِ
لَمَّا مَلَكَ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ سِنْجَارَ سَارَ يُرِيدُ الْمَوْصِلَ لِيَجْتَازَ مِنْهَا، فَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَسَاكِرَهُ، فَكَانَ يَصِلُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْهُمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ وَصَلَ هُوَ فِي آخِرِهِمْ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ تَاسِعَ عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَكَانَ يَوْمُ وُصُولِهِ مَشْهُودًا، وَأَتَاهُ رُسُلُ الْخَلِيفَةِ وَمُظَفَّرُ الدِّينِ فِي الصُّلْحِ، وَبَذَلَ تَسْلِيمَ الْقِلَاعِ الْمَأْخُوذَةِ جَمِيعِهَا إِلَى بَدْرِ الدِّينِ، مَا عَدَا قَلْعَةَ الْعِمَادِيَّةِ فَإِنَّهَا تَبْقَى بِيَدِ زَنْكِي، وَإِنَّ الْمَصْلَحَةَ قَبُولَ هَذَا لِتَزُولَ الْفِتَنُ، وَيَقَعَ الِاشْتِغَالُ بِجِهَادِ الْفِرِنْجِ.
وَطَالَ الْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ نَحْوَ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ رَحَلَ الْأَشْرَفُ يُرِيدُ مُظَفَّرَ الدِّينِ صَاحِبَ إِرْبِلَ، فَوَصَلَ إِلَى قَرْيَةِ السَّلَامِيَّةِ، بِالْقُرْبِ مِنْ نَهْرِ الزَّابِ، وَكَانَ مُظَفَّرُ الدِّينِ نَازِلًا عَلَيْهِ مِنْ جَانِبِ إِرْبِلَ، فَأَعَادَ الرُّسُلَ، وَكَانَ الْعَسْكَرُ قَدْ طَالَ بَيْكَارُهُ، وَالنَّاسُ قَدْ ضَجِرُوا، وَنَاصِرُ الدِّينِ صَاحِبُ آمِدَ يَمِيلُ إِلَى مُظَفَّرِ الدِّينِ، فَأَشَارَ بِالْإِجَابَةِ إِلَى مَا بَذَلَ، وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَوَقَعَتِ الْإِجَابَةُ إِلَيْهِ، وَاصْطَلَحُوا عَلَى ذَلِكَ، وَجَعَلَ لِتَسْلِيمِهَا أَجَلٌ، وَحُمِلَ زَنْكِي إِلَى الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ يَكُونُ عِنْدَهُ رَهِينَةً إِلَى حِينِ تَسْلِيمِ الْقِلَاعِ.
وَسُلِّمَتْ قَلْعَةُ الْعَقْرِ، وَقَلْعَةُ شُوشَ أَيْضًا، وَهُمَا لِزَنْكِي، إِلَى نُوَّابِ الْأَشْرَفِ رَهْنًا عَلَى تَسْلِيمِ مَا اسْتَقَرَّ مِنَ الْقِلَاعِ، فَإِذَا سُلِّمَتْ أُطْلِقَ زَنْكِي، وَأُعِيدَ عَلَيْهِ قَلْعَةُ الْعَقْرِ، وَقَلْعَةُ شُوشَ، وَحَلَفُوا عَلَى هَذَا، وَسَلَّمَ الْأَشْرَفُ زَنْكِي الْقَلْعَتَيْنِ وَعَادَ إِلَى سِنْجَارَ، وَكَانَ رَحِيلُهُ عَنِ الْمَوْصِلِ ثَانِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَأَرْسَلُوا إِلَى الْقِلَاعِ لِتُسَلَّمَ إِلَى نُوَّابِ بَدْرِ الدِّينِ، فَلَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ غَيْرُ قَلْعَةِ جَلَّ صُوَرَا،
стр. 6033
مِنْ أَعْمَالِ الْهَكَّارِيَّةِ، وَأَمَّا بَاقِي الْقِلَاعِ فَإِنَّ جُنْدَهَا أَظْهَرُوا الِامْتِنَاعَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَضَى الْأَجَلُ وَلَمْ يُسَلَّمْ غَيْرُ جُلَّ صُوَرَا.
وَلَزِمَ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي لِشِهَابِ الدِّينِ غَازِي ابْنِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ، وَخَدَمَهُ، وَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ، فَاسْتَعْطَفَ لَهُ أَخَاهُ الْمَلِكَ الْأَشْرَفَ، فَمَالَ إِلَيْهِ وَأَطْلَقَهُ، وَأَزَالَ نُوَّابَهُ مِنْ قَلْعَةِ الْعَقْرِ وَقَلْعَةِ شُوشَ، وَسَلَّمَهُمَا إِلَيْهِ.
وَبَلَغَ بَدْرَ الدِّينِ عَنِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ مَيْلٌ إِلَى قَلْعَةِ تَلِّ يَعْفَرَ، وَإِنَّهَا كَانَتْ لِسِنْجَارَ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ وَحَدِيثِهِ، وَطَالَ الْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ بَدْرُ الدِّينِ.
ذِكْرُ عَوْدِ قِلَاعِ الْهَكَّارِيَّةِ وَالزَّوْزَانِ إِلَى بَدْرِ الدِّينِ
لَمَّا مَلَكَ زَنْكِي قِلَاعَ الْهَكَّارِيَّةِ وَالزَّوْزَانِ لَمْ يَفْعَلْ مَعَ أَهْلِهَا مَا ظَنُّوهُ مِنَ الْإِحْسَانِ وَالْإِنْعَامِ، بَلْ فَعَلَ ضِدَّهُ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ يَبْلُغُهُمْ أَفْعَالُ بَدْرِ الدِّينِ مَعَ جُنْدِهِ وَرَعَايَاهُ وَإِحْسَانُهُ إِلَيْهِمْ، وَبَذْلُهُ الْأَمْوَالَ لَهُمْ، وَكَانُوا يُرِيدُونَ الْعَوْدَ إِلَيْهِ، وَيَمْنَعُهُمُ الْخَوْفُ مِنْهُ لِمَا أَسْلَفُوهُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ الْآنَ أَعْلَنُوا بِمَا فَعَلَ مَعَهُمْ فَأَرْسَلُوا إِلَى بَدْرِ الدِّينِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ فِي التَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، وَطَلَبُوا مِنْهُ الْيُمْنَ، وَالْعَفْوَ عَنْهُمْ، وَذَكَرُوا شَيْئًا مِنْ إِقْطَاعٍ يَكُونُ لَهُمْ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي ذَلِكَ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ.
وَعَادَ زَنْكِي مِنْ عِنْدِ الْأَشْرَفِ، فَجَمَعَ جُمُوعًا، وَحَصَرَ قَلْعَةَ الْعِمَادِيَّةِ، فَلَمْ يَبْلُغْ مِنْهُمْ غَرَضًا، وَأَعَادُوا مُرَاسَلَةَ بَدْرِ الدِّينِ فِي التَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَى الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ فِي الْمَعْنَى، وَبَذَلَ لَهُ قَلْعَةَ جُدَيْدَةَ نَصِيبِينَ، وَوِلَايَةً بَيْنَ النَّهْرَيْنِ لِيَأْذَنَ لَهُ فِي أَخْذِهَا، فَأَذِنَ لَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا كُلَّهَا النُّوَّابَ وَتَسَلَّمُوهَا وَأَحْسَنَ إِلَى أَهْلِهَا، وَرَحَلَ زَنْكِي عَنْهَا، وَوَفَّى لَهُ بَدْرُ الدِّينِ بِمَا بَذَلَهُ لَهُمْ.
فَلَمَّا سَمِعَ جُنْدُ بَاقِي الْقِلَاعِ بِمَا فَعَلُوا وَمَا وَصَلَهُمْ مِنَ الْإِحْسَانِ وَالزِّيَادَةِ، رَغِبُوا كُلُّهُمْ فِي التَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمُ النُّوَّابَ، وَاتَّفَقَتْ كَلِمَةُ أَهْلِهَا عَلَى طَاعَتِهِ وَالِانْقِيَادِ إِلَيْهِ، وَالْعَجَبُ أَنَّ الْعَسَاكِرَ اجْتَمَعَتْ مِنَ الشَّامِ، وَالْجَزِيرَةِ، وَدِيَارِ بَكْرٍ، وَخِلَاطَ،
стр. 6034
وَغَيْرِهَا، فِي اسْتِعَادَةِ هَذِهِ الْقِلَاعِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا تَفَرَّقُوا حَضَرَ أَهْلُهَا وَسَأَلُوا أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمْ، فَعَادَتْ صَفْوًا عَفْوًا بِغَيْرِ مِنَّةٍ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ:
لَا سَهْلَ إِلَّا مَا جَعَلَتْ سَهْلًا ... وَإِنْ تَشَأْ تَجْعَلْ بِحَزْنٍ وَحْلًا
فَتَبَارَكَ اللَّهُ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ذِكْرُ قَصْدِ كِيكَاوُسَ وِلَايَةَ حَلَبَ، وَطَاعَةِ صَاحِبِهَا لِلْأَشْرَفِ، وَانْهِزَامِ كِيكَاوُسَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ عِزُّ الدِّينِ كِيكَاوُسُ بْنُ كَيْخِسْرُو مَلِكُ الرُّومِ إِلَى وِلَايَةِ حَلَبَ، قَصْدًا لِلتَّغَلُّبِ عَلَيْهَا، وَمَعَهُ الْأَفْضَلُ بْنُ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِحَلَبَ رَجُلَانِ فِيهِمَا شَرٌّ كَثِيرٌ وَسِعَايَةٌ بِالنَّاسِ، فَكَانَا يَنْقُلَانِ إِلَى صَاحِبِهَا الْمَلِكِ الظَّاهِرِ بْنِ صَلَاحِ الدِّينِ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَأَوْغَرَا صَدْرَهُ، فَلَقِيَ النَّاسُ مِنْهُمَا شِدَّةً، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الظَّاهِرُ وَوَلِيَ الْأَمْرَ شِهَابُ الدِّينِ طُغْرُلْ أَبْعَدَهُمَا وَغَيْرَهُمَا مِمَّنْ يَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِمَا، وَسَدَّ هَذَا الْبَابَ عَلَى فَاعِلِهِ، وَلَمْ يُطَرِّقْ إِلَيْهِ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلَانِ كَسَادَ سُوقِهِمَا لَزِمَا بُيُوتَهُمَا، وَثَارَ بِهِمَا النَّاسُ، وَآذُوهُمَا، وَتَهَدَّدُوهُمَا لِمَا كَانَا أَسْلَفَاهُ مِنَ الشَّرِّ فَخَافَا، فَفَارَقَا حَلَبَ، وَقَصْدَا كِيكَاوُسَ فَأَطْمَعَاهُ فِيهَا، وَقَرَّرَا فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ مَتَى قَصَدَهَا لَا تَثْبُتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ يَمْلِكُهَا، وَيَهُونُ عَلَيْهِ مُلْكُ مَا بَعْدَهَا.
فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ أَشَارَ عَلَيْهِ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَالُوا لَهُ: لَا يَتِمُّ لَكَ هَذَا إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ مَعَكَ أَحَدٌ مِنْ بَيْتِ أَيُّوبَ لِيَسْهُلَ عَلَى أَهْلِ الْبِلَادِ وَجُنْدِهَا الِانْقِيَادُ إِلَيْهِ ; وَهَذَا الْأَفْضَلُ بْنُ صَلَاحِ الدِّينِ هُوَ فِي طَاعَتِكَ، وَالْمَصْلَحَةُ أَنَّكَ تَسْتَصْحِبُهُ مَعَكَ، وَتُقَرِّرُ بَيْنَكُمَا قَاعِدَةً فِيمَا تَفْتَحَانِهِ مِنَ الْبِلَادِ، فَمَتَى كَانَ مَعَكَ أَطَاعَكَ النَّاسُ وَسَهُلَ عَلَيْكَ مَا تُرِيدُ.
فَأَحْضَرَ الْأَفْضَلَ مِنْ سُمَيْسَاطَ إِلَيْهِ، وَأَكْرَمَهُ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْخَيْلِ وَالْخِيَامِ وَالسِّلَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَاسْتَتَرَتِ الْقَوَاعِدُ بَيْنَهُمَا أَنْ يَكُونَ مَا يَفْتَحُهُ مِنْ حَلَبَ
стр. 6035
وَأَعْمَالِهَا لِلْأَفْضَلِ، وَهُوَ فِي طَاعَةِ كِيكَاوُسَ، وَالْخُطْبَةُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَجْمَعَ، ثُمَّ يَقْصِدُونَ دِيَارَ الْجَزِيرَةِ، فَمَا يَفْتَحُونَهُ مِمَّا بِيَدِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ مِثْلَ: حَرَّانَ وَالرُّهَا مِنَ الْبِلَادِ الْجَزَرِيَّةِ، تَكُونُ لِكِيكَاوُسَ. وَجَرَتِ الْأَيْمَانُ عَلَى ذَلِكَ، وَجَمَعُوا الْعَسَاكِرَ وَسَارُوا، فَمَلَكُوا قَلْعَةَ رَعْبَانَ، فَتَسَلَّمَهَا الْأَفْضَلُ، فَمَالَ النَّاسُ حِينَئِذٍ إِلَيْهِمَا.
ثُمَّ سَارَا إِلَى قَلْعَةِ تَلِّ بَاشِرَ، وَفِيهَا صَاحِبُهَا وَلَدُ بَدْرِ الدِّينِ دَلْدَرْم الْيَارُوقِيُّ. فَحَصَرُوهُ وَضَيَّقُوا عَلَيْهِ وَمَلَكُوهُ مِنْهُ، فَأَخَذَهَا كِيكَاوُسَ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُسَلِّمْهَا إِلَى الْأَفْضَلِ، فَاسْتَشْعَرَ الْأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ، وَخَافَ أَنَّهُ إِنْ مَلَكَ حَلَبَ يَفْعَلُ بِهِ هَكَذَا، فَلَا يَحْصُلُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ قَلَعَ بَيْتَهُ لِغَيْرِهِ فَفَتَرَتْ نِيَّتُهُ، وَأَعْرَضَ عَمَّا كَانَ يَفْعَلُهُ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا أَهْلُ الْبِلَادِ، فَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ الْأَفْضَلَ يَمْلِكُهَا فَيَسْهُلَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ، فَلَمَّا رَأَوْا ضِدَّ ذَلِكَ وَقَفُوا.
وَأَمَّا شِهَابُ الدِّينِ أَتَابِكْ وَلَدُ الظَّاهِرِ صَاحِبُ حَلَبَ، فَإِنَّهُ مُلَازِمٌ قَلْعَةَ حَلَبَ لَا يَنْزِلُ مِنْهَا، وَلَا يُفَارِقُهَا الْبَتَّةَ، وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَتَهُ مُذْ مَاتَ الظَّاهِرُ، خَوْفًا مِنْ ثَائِرٍ يَثُورُ بِهِ، فَلَمَّا حَدَثَ هَذَا الْأَمْرُ خَافَ أَنْ يَحْصُرُوهُ، وَرُبَّمَا سَلَّمَ أَهْلُ الْبَلَدِ وَالْجُنْدُ الْمَدِينَةَ إِلَى الْأَفْضَلِ لِمَيْلِهِمْ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ ابْنِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ، صَاحِبِ الدِّيَارِ الْجَزَرِيَّةِ وَخِلَاطَ وَغَيْرِهَا، يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ لِتَكُونَ طَاعَتُهُمْ لَهُ، وَيَخْطُبُونَ لَهُ، وَيَجْعَلُ السِّكَّةَ بِاسْمِهِ، وَيَأْخُذُ مِنْ أَعْمَالِ حَلَبَ مَا اخْتَارَ، وَلِأَنَّ وَلَدَ الظَّاهِرِ هُوَ ابْنُ أُخْتِهِ، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ فِي عَسَاكِرِهِ الَّتِي عِنْدَهُ. وَأَرْسَلَ إِلَى الْبَاقِينَ يَطْلُبُهُمْ إِلَيْهِ، وَسَرَّهُ ذَلِكَ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ لِجَمِيعِهِمْ، وَأَحْضَرَ إِلَيْهِ الْعَرَبَ مِنْ طَيْءٍ وَغَيْرَهُمْ، وَنَزَلَ بِظَاهِرِ حَلَبَ.
وَلَمَّا أَخَذَ كِيكَاوُسَ تَلَّ بَاشِرَ كَانَ الْأَفْضَلُ يُشِيرُ بِمُعَاجَلَةِ حَلَبَ قَبْلَ اجْتِمَاعِ الْعَسَاكِرِ بِهَا، وَقَبْلَ أَنْ يَحْتَاطُوا وَيَتَجَهَّزُوا، فَعَادَ عَنْ ذَلِكَ، وَصَارَ يَقُولُ: الرَّأْيُ أَنَّنَا نَقْصِدُ مَنْبِجَ وَغَيْرَهَا لِئَلَّا يَبْقَى لَهُمْ وَرَاءَ ظُهُورِنَا شَيْءٌ، قَصْدًا لِلتَّمَادِي وَمُرُورِ الزَّمَانِ فِي لَا شَيْءَ ; فَتَوَجَّهُوا مِنْ تَلِّ بَاشِرَ إِلَى جِهَةِ مَنْبِجَ، وَتَقَدَّمَ الْأَشْرَفُ نَحْوَهُمْ، وَسَارَتِ الْعَرَبُ فِي مُقَدِّمَتِهِ ; وَكَانَ طَائِفَةٌ مِنْ عَسْكَرِ كِيكَاوُسَ، نَحْوَ أَلْفِ فَارِسٍ، قَدْ سَبَقَتْ مُقَدِّمَتَهُ لَهُ فَالْتَقَوْا هُمْ وَالْعَرَبُ وَمِنْ مَعَهُمْ مِنَ الْعَسْكَرِ الْأَشْرَفِيّ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ كِيكَاوُسَ، وَعَادُوا إِلَيْهِ مُنْهَزِمِينَ، وَأَكْثَرَ الْعَرَبُ الْأَسْرَ مِنْهُمْ وَالنَّهْبَ لِجَوْدَةِ خَيْلِهِمْ وَدَبَرِ خَيْلِ الرُّومِ.
стр. 6036
فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ مُنْهَزِمِينَ لَمْ يَثْبُتْ، بَلْ وَلَّى عَلَى أَعْقَابِهِ يَطْوِي الْمَرَاحِلَ إِلَى بِلَادِهِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى أَطْرَافِهَا أَقَامَ.
وَإِنَّمَا فَعَلَ هَذَا لِأَنَّهُ صَبِيٌّ غِرٌّ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِالْحَرْبِ، وَإِلَّا فَالْعَسَاكِرُ مَا بَرِحَتْ تَقَعُ مُقَدِّمَاتُهَا بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَسَارَ حِينَئِذٍ الْأَشْرَفُ، فَمَلَكَ رَعْبَانَ، وَحَصَرَ تَلَّ بَاشِرَ، وَبِهَا جَمْعٌ مِنْ عَسْكَرِ كِيكَاوُسَ، فَقَاتَلُوهُ حَتَّى غُلِبُوا، فَأُخِذَتِ الْقَلْعَةُ مِنْهُمْ، وَأَطْلَقَهُمُ الْأَشْرَفُ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى كِيكَاوُسَ جَعَلَهُمْ فِي دَارٍ وَأَحْرَقَهَا عَلَيْهِمْ، فَهَلَكُوا فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَاسْتَقْبَحُوهُ، وَاسْتَضْعَفُوهُ، لَا جَرَمَ لَمْ يُمْهِلْهُ اللَّهُ تَعَالَى لِعَدَمِ الرَّحْمَةِ فِي قَلْبِهِ، وَمَاتَ عَقِيبَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ.
وَسَلَّمَ الْأَشْرَفُ تَلَّ بَاشِرَ وَغَيْرَهَا مِنْ بَلَدِ حَلَبَ إِلَى شِهَابِ الدِّينِ أَتَابِكْ، صَاحِبِ حَلَبَ، وَكَانَ عَازِمًا عَلَى اتِّبَاعِ كِيكَاوُسَ، وَدُخُولِ بِلَادِهِ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِوَفَاةِ أَبِيهِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ، فَاقْتَضَتِ الْمُصْلِحَةُ الْعَوْدَ إِلَى حَلَبَ، لِأَنَّ الْفِرِنْجَ بِدِيَارِ مِصْرَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ السُّلْطَانُ الْعَظِيمُ إِذَا تُوُفِّيَ رُبَّمَا جَرَى خَلَلٌ فِي الْبِلَادِ لَا تُعْرَفُ الْعَاقِبَةُ فِيهِ، فَعَادَ إِلَيْهَا، وَكُفِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَذَى صَاحِبِهِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ وَمُلْكِ أَوْلَادِهِ بَعْدَهُ
تُوُفِّيَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيُّوبَ سَابِعَ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ابْتِدَاءَ دَوْلَتِهِمْ عِنْدَ مُلْكِ عَمِّهِ أَسُدِ الدَّيْنَ شِيرِكُوهْ دِيَارَ مِصْرَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَلَمَّا مَلَكَ أَخُوهُ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ دِيَارَ مِصْرَ، بَعْدَ عَمِّهِ، وَسَارَ إِلَى الشَّامِ اسْتَخْلَفَهُ بِمِصْرَ ثِقَةً بِهِ، وَاعْتِمَادًا عَلَيْهِ، وَعِلْمًا بِمَا هُوَ عَلَيْهِ مَنْ تَوَفُّرِ الْعَقْلِ وَحُسْنِ السِّيرَةِ.
فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَخُوهُ صَلَاحُ الدِّينِ مَلَكَ دِمَشْقَ وَدِيَارَ مِصْرَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَبَقِيَ مَالِكًا لِلْبِلَادِ إِلَى الْآنِ، فَلَمَّا ظَهَرَ الْفِرِنْجُ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، قَصَدَ هُوَ مَرْجَ
стр. 6037
الصُّفَّرِ، فَلَمَّا سَارَ الْفِرِنْجُ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ انْتَقَلَ هُوَ إِلَى عَالِقِينَ، فَأَقَامَ بِهِ وَمَرِضَ، وَتُوُفِّيَ وَحُمِلَ إِلَى دِمَشْقَ. فَدُفِنَ بِالتُّرْبَةِ الَّتِي لَهُ بِهَا.
وَكَانَ عَاقِلًا، ذَا رَأْيٍ سَدِيدٍ، وَمَكْرٍ شَدِيدٍ، وَخَدِيعَةٍ، صَبُورًا حَلِيمًا، ذَا أَنَاةٍ، يَسْمَعُ مَا يَكْرَهُ وَيُغْضِي عَلَيْهِ حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ، كَثِيرَ الْحَرَجِ وَقْتَ الْحَاجَةِ لَا يَقِفُ فِي شَيْءٍ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ فَلَا.
وَكَانَ عُمُرُهُ خَمْسًا وَسَبْعِينَ سَنَةً وَشُهُورًا لِأَنَّ مَوْلِدَهُ كَانَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةِ أَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَمَلَكَ دِمَشْقَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْأَفْضَلِ ابْنِ أَخِيهِ، وَمَلَكَ مِصْرَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ وَتِسْعِينَ أَوْ مِنْهُ أَيْضًا.
وَمِنْ أَعْجَبِ مَا رَأَيْتُ مِنْ مُنَافَاةِ الطَّوَالِعِ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكِ الْأَفْضَلُ مَمْلَكَةً قَطُّ إِلَّا وَأَخَذَهَا مِنْهُ عَمُّهُ الْعَادِلُ، فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ أَقْطَعَ ابْنَهُ الْأَفْضَلَ حَرَّانَ، وَالرُّهَا، وَمَيَّافَارِقِينَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، بَعْدَ وَفَاةِ تَقِيِّ الدِّينِ، فَسَارَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى حَلَبَ أَرْسَلَ أَبُوهُ الْمَلِكَ الْعَادِلَ بَعْدَهُ، فَرَدَّهُ مِنْ حَلَبَ، وَأَخَذَ هَذِهِ الْبِلَادَ مِنْهُ.
ثُمَّ مَلَكَ الْأَفْضَلُ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ مَدِينَةَ دِمَشْقَ، فَأَخَذَهَا مِنْهُ، ثُمَّ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ وَفَاةِ أَخِيهِ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ، فَأَخَذَهَا أَيْضًا مِنْهُ، ثُمَّ مَلَكَ صَرْخَدَ فَأَخَذَهَا مِنْهُ.
وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا أَنَّنِي رَأَيْتُ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ سَارِيَةً مِنَ الرُّخَامِ مُلْقَاةً فِي بَيْعَةِ صِهْيُونَ، لَيْسَ مِثْلُهَا، فَقَالَ الْقَسُّ الَّذِي بِالْبَيْعَةِ: هَذِهِ كَانَ قَدْ أَخَذَهَا الْمَلِكُ الْأَفْضَلُ لِيَنْقُلَهَا إِلَى دِمَشْقَ، ثُمَّ إِنَّ الْعَادِلَ أَخَذَهَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْأَفْضَلِ، طَلَبَهَا مِنْهُ فَأَخَذَهَا. وَهَذَا غَايَةٌ، وَهُوَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يُحْكَى.
وَكَانَ الْعَادِلُ قَدْ قَسَّمَ الْبِلَادَ فِي حَيَاتِهِ بَيْنَ أَوْلَادِهِ. فَجَعَلَ بِمِصْرَ الْمَلِكَ الْكَامِلَ مُحَمَّدًا، وَبِدِمَشْقَ، وَالْقُدْسِ، وَطَبَرِيَّةِ، وَالْأُرْدُنِّ وَالْكَرَكِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْحُصُونِ الْمُجَاوِرَةِ لَهَا، ابْنَهُ الْمُعَظَّمَ عِيسَى، وَجَعَلَ بَعْضَ دِيَارِ الْجَزِيرَةِ وَمَيَّافَارِقِينَ وَخِلَاطَ وَأَعْمَالِهَا لِابْنِهِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ مُوسَى، وَأَعْطَى الرُّهَا لِوَلَدِهِ شِهَابِ الدِّينِ غَازِي، وَأَعْطَى قَلْعَةَ جَعْبَرَ لِوَلَدِهِ الْحَافِظِ أَرْسَلَان شَاهْ ; فَلَمَّا تُوُفِّيَ ثَبَتَ كُلٌّ مِنْهُمْ فِي الْمَمْلَكَةِ الَّتِي أَعْطَاهُ أَبُوهُ،
стр. 6038
وَاتَّفَقُوا اتِّفَاقًا حَسَنًا لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمْ مِنَ الِاخْتِلَافِ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَ أَوْلَادِ الْمُلُوكِ بَعْدَ آبَاءِهِمْ، بَلْ كَانُوا كَالنَّفْسِ الْوَاحِدَةِ، كُلٌّ مِنْهُمْ يَثِقُ بِالْآخَرِ بِحَيْثُ يَحْضُرُ عِنْدَهُ مُنْفَرِدًا مِنْ عَسْكَرِهِ وَلَا يَخَافُهُ، فَلَا جَرَمَ زَادَ مُلْكُهُمْ، وَرَأَوْا مِنْ نَفَاذِ الْأَمْرِ وَالْحُكْمِ مَا لَمْ يَرَهُ أَبُوهُمْ.
وَلَعَمْرِي إِنَّهُمْ نِعْمَ الْمُلُوكُ، فِيهِمُ الْحِلْمُ، وَالْجِهَادُ، وَالذَّبُّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَفِي نَوْبَةِ دِمْيَاطَ كِفَايَةٌ، وَأَمَّا الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ فَلَيْسَ لِلْمَالِ عِنْدَهُ مَحَلٌّ، بَلْ يُمْطِرُهُ مَطَرًا كَثِيرًا لِعِفَّتِهِ عَنْ أَمْوَالِ الرَّعِيَّةِ، دَائِمُ الْإِحْسَانِ، لَا يَسْمَعُ سِعَايَةَ سَاعٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، رَحَلَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ بْنُ الْعَادِلِ عَنْ أَرْضِ دِمْيَاطَ، لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ قَدْ اجْتَمَعُوا عَلَى تَمْلِيكِ أَخِيهِ الْفَائِزِ عِوَضَهُ، فَخَافَهُمْ، فَفَارَقَ مَنْزِلَتَهُ، فَانْتَقَلَ الْفِرِنْجُ إِلَيْهَا، وَحَصَرُوا حِينَئِذٍ دِمْيَاطَ بَرًّا وَبَحْرًا، وَتَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَقْصًى سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا فِي الْمُحَرَّمِ، تُوُفِّيَ شَرَفُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عُلْوَانَ بْنِ مُهَاجِرٍ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَكَانَ مُدَرِّسًا فِي عِدَّةِ مَدَارِسَ بِالْمَوْصِلِ، وَكَانَ صَالِحًا كَثِيرَ الْخَيْرِ وَالدِّينِ سَلِيمَ الْقَلْبِ، ﵀.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عِزُّ الدِّينِ نَجَاحٌ الشَّرَابِيُّ خَاصُّ الْخَلِيفَةِ، وَأَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَكَانَ الْحَاكِمَ فِي دَوْلَتِهِ، كَثِيرَ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْعَصَبِيَّةِ لِلنَّاسِ، وَأَمَّا عَقْلُهُ وَتَدْبِيرُهُ فَإِلَيْهِ كَانَتِ النِّهَايَةُ وَبِهِ يُضْرَبُ الْمَثَلُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ هَارُونَ أَبُو الْحَسَنِ الْحِلِّيُّ، النَّحْوِيُّ، الْمُلَقَّبُ بِالْحُجَّةِ، قَرَأَ عَلَى ابْنِ الْخَشَّابِ وَغَيْرِهِ.
стр. 6039
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَة]
٦١٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ
ذِكْرُ وَفَاةِ كِيكَاوُسَ وَمُلْكِ كَيْقُبَاذَ أَخِيهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمَلِكُ الْغَالِبُ عِزُّ الدِّينِ كِيكَاوُسُ بْنُ كَيْخِسْرُو بْنِ قَلْجِ أَرْسِلَانْ، صَاحِبُ قُونِيَةَ، وَأَقْصَرَا وَمَلَطْيَةَ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ بَلَدِ الرُّومِ، وَكَانَ قَدْ جَمَعَ عَسَاكِرَهُ، وَحَشَدَ، وَسَارَ إِلَى مَلَطْيَةَ عَلَى قَصْدِ بِلَادِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ لِقَاعِدَةٍ اسْتَقَرَّتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَاصِرِ الدِّينِ، صَاحِبِ آمِدَ، وَمُظَفَّرِ الدِّينِ، صَاحِبِ إِرْبَلَ، وَكَانُوا قَدْ خَطَبُوا لَهُ، وَضَرَبُوا اسْمَهُ عَلَى السِّكَّةِ فِي بِلَادِهِمْ، وَاتَّفَقُوا عَلَى الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ وَبَدْرِ الدِّينِ بِالْمَوْصِلِ.
فَسَارَ كِيكَاوُسُ إِلَى مَلَطْيَةَ لِيَمْنَعَ الْمَلِكَ الْأَشْرَفَ بِهَا عَنِ الْمَسِيرِ إِلَى الْمَوْصِلِ نَجْدَةً لِصَاحِبِهَا بَدْرِ الدِّينِ، لَعَلَّ مُظَفَّرَ الدِّينِ يَبْلُغُ مِنَ الْمَوْصِلِ غَرَضًا، وَكَانَ قَدْ عَلِقَ بِهِ السُّلُّ، فَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ عَادَ عَنْهَا، فَتُوُفِّيَ وَمَلَكَ بَعْدَهُ أَخُوهُ كَيْقُبَاذُ، وَكَانَ مَحْبُوسًا، قَدْ حَبَسَهُ أَخُوهُ كِيكَاوُسُ لَمَّا أَخَذَ الْبِلَادَ مِنْهُ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِقَتْلِهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ لَمْ يَخْلُفْ وَلَدًا يَصْلُحُ لِلْمُلْكِ لِصِغَرِهِمْ، فَأَخْرَجَ الْجُنْدُ كَيْقُبَاذَ وَمَلَّكُوهُ. وَمَنْ (بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ) .
وَقِيلَ بَلْ أَرْسَلَ كِيكَاوُسُ لَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ، فَأَحْضَرَهُ عِنْدَهُ مِنَ السِّجْنِ، وَوَصَّى لَهُ بِالْمُلْكِ، وَحَلَّفَ النَّاسَ لَهُ، فَلَمَّا مَلَكَ خَالَفَهُ عَمُّهُ صَاحِبُ أَرْزَنِ الرُّومِ، وَخَافَ أَيْضًا مِنَ الرُّومِ الْمُجَاوِرِينَ لِبِلَادِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ وَصَالَحَهُ، وَتَعَاهَدَا عَلَى الْمُصَافَاةِ وَالتَّعَاضُدِ، وَتَصَاهَرَا، وَكُفِيَ الْأَشْرَفُ شَرَّ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَتَفَرَّغَ بَالُهُ لِإِصْلَاحِ مَا بَيْنَ
стр. 6040
يَدَيْهِ، وَلَقَدْ صَدَقَ الْقَائِلُ: لَا جَدَّ إِلَّا مَا أَقْعَصَ عَنْكَ الرِّجَالُ، وَكَأَنَّهُ بِقَوْلِهِ أَرَادَ: وَجَدُّكَ طَعَّانٌ بِغَيْرِ سِنَانٍ.
وَهَذَا ثَمَرَةُ حُسْنِ النِّيَّةِ، فَإِنَّهُ حَسَنُ النِّيَّةِ لِرَعِيَّتِهِ وَأَصْحَابِهِ، كَافٌّ عَنْ أَذًى يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِمْ مِنْهُ، غَيْرُ قَاصِدٍ إِلَى الْبِلَادِ الْمُجَاوِرَةِ لِبِلَادِهِ بِأَذًى وَمُلْكٍ مَعَ ضَعْفِ أَصْحَابِهَا وَقُوَّتِهِ، لَا جَرَمَ تَأْتِيهِ الْبِلَادُ صَفْوًا عَفْوًا.
ذِكْرُ مَوْتِ صَاحِبِ سِنْجَارَ وَمُلْكِ ابْنِهِ ثُمَّ قَتْلِ ابْنِهِ وَمُلْكِ أَخِيهِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثَامِنَ صَفَرٍ، تُوُفِّيَ قُطْبُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ زَنْكِي بْنِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِي، صَاحِبُ سِنْجَارَ، وَكَانَ كَرِيمًا، حَسَنَ السِّيرَةِ فِي رَعِيَّتِهِ، حَسَنَ الْمُعَامَلَةِ مَعَ التُّجَّارِ، كَثِيرَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَأَمَّا أَصْحَابُهُ فَكَانُوا مَعَهُ فِي أَرْغَدِ عَيْشٍ يَعُمُّهُمْ بِإِحْسَانِهِ، وَلَا يَخَافُونَ أَذَاهُ، وَكَانَ عَاجِزًا عَنْ حِفْظِ بَلَدِهِ، مُسَلَّمًا الْأُمُورَ إِلَى نُوَّابِهِ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ عِمَادُ الدِّينِ شَاهِنْشَاهْ، وَرَكِبَ النَّاسُ مَعَهُ، وَبَقِيَ مَالِكًا لِسِنْجَارَ عِدَّةَ شُهُورٍ، وَسَارَ إِلَى تَلِّ أَعْفَرَ وَهِيَ لَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَخُوهُ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَنْكِي، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَقَتَلُوهُ، وَمَلَكَ أَخُوهُ عُمَرُ بَعْدَهُ فَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّ سَلَّمَ سِنْجَارَ إِلَى الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَمْ يُمَتَّعْ بِمُلْكِهِ الَّذِي قَطَعَ رَحِمَهُ، وَأَرَاقَ الدَّمَ الْحَرَامَ لِأَجْلِهِ.
وَلَمَّا سَلَّمَ سِنْجَارَ أَخَذَ عِوَضَهَا الرَّقَّةَ، ثُمَّ أُخِذَتْ مِنْهُ عَنْ قَرِيبٍ، وَتُوُفِّيَ بَعْدَ أَخْذِهَا مِنْهُ بِقَلِيلٍ. وَعَدِمَ رَوْحَهُ وَشَبَابَهُ. وَهَذِهِ عَاقِبَةُ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ. فَإِنَّ صِلَتَهَا تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ وَقَطِيعَتَهَا تَهْدِمُ الْعُمُرَ.
ذِكْرُ إِجْلَاءِ بَنِي مَعْرُوفٍ عَنِ الْبَطَائِحِ وَقَتْلِهِمْ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، أَمَرَ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ الشَّرِيفُ مَعَدًّا مُتَوَلِّيَ بِلَادِ وَاسِطَ، أَنْ يَسِيرَ إِلَى قِتَالِ بَنِي مَعْرُوفٍ، فَتَجَهَّزَ، وَجَمَعَ مَعَهُ مِنَ الرَّجَّالَةِ مِنْ تَكْرِيتَ، وَهِيتَ، وَالْحَدِيثَةِ، وَالْأَنْبَارِ، وَالْحِلَّةِ، وَالْكُوفَةِ، وَوَاسِطَ: وَالْبَصْرَةِ، وَغَيْرِهَا،
стр. 6041
خَلْقًا كَثِيرًا، وَسَارَ إِلَيْهِمْ، وَمُقَدَّمُهُمْ حِينَئِذٍ مُعَلَّى بْنُ مَعْرُوفٍ، وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ رَبِيعَةَ.
وَكَانَتْ بُيُوتُهُمْ غَرْبِيَّ الْفُرَاتِ تَحْتَ سُورَاءَ، وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ مِنَ الْبَطَائِحِ، وَكَثُرَ فَسَادُهُمْ وَأَذَاهُمْ لِمَا يُقَارِبُهُمْ مِنَ الْقُرَى، وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، وَأَفْسَدُوا فِي النَّوَاحِي الْمُقَارِبَةِ لِبَطِيحَةِ الْعِرَاقِ، فَشَكَا أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ إِلَى الدِّيوَانِ مِنْهُمْ، فَأَمَرَ مَعَدًّا أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهِمْ فِي الْجُمُوعِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَاسْتَعَدَّ بَنُو مَعْرُوفٍ لِقِتَالِهِ، فَاقْتَتَلُوا بِمَوْضِعٍ يُعْرَفُ بِالْمَقْبُرِ، وَهُوَ تَلٌّ كَبِيرٌ بِالْبَطِيحَةِ بِقُرْبِ الْعِرَاقِ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ انْهَزَمَ بَنُو مَعْرُوفٍ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ وَالْأَسْرُ وَالْغَرَقُ وَأُخِذَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَحُمِلَتْ رُءُوسٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْقَتْلَى إِلَى بَغْدَادَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، انْهَزَمَ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي مِنْ عَسْكَرِ بَدْرِ الدِّينِ.
وَفِيهَا، فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ، انْهَزَمَ بَدْرُ الدِّينِ مِنْ مُظَفَّرِ الدِّينِ، صَاحِبِ إِرْبِلَ، وَعَادَ مُظَفَّرُ الدِّينِ إِلَى بَلَدِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ.
وَفِيهَا، ثَامِنَ صَفَرٍ، تُوُفِّيَ قُطْبُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ زَنْكِي بْنِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِي، صَاحِبُ سِنْجَارَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ شَاهِنْشَاهْ.
وَفِيهَا، فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ، مَلَكَ الْفِرِنْجُ مَدِينَةَ دِمْيَاطَ، وَقَدْ ذُكِرَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ مَشْرُوحًا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ افْتِخَارُ الدِّينِ عَبْدُ الْمُطَّلَبِ بْنُ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيُّ الْعَبَّاسِيُّ، الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ، رَئِيسُ الْحَنَفِيَّةِ بِحَلَبَ، رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ عُمَرَ الْبِسْطَامِيِّ نَزِيلِ بَلْخَ، وَعَنْ أَبِي
стр. 6042
سَعْدٍ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْبَقَاءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُكْبَرِيُّ، الضَّرِيرُ، النَّحْوِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ الْقَاسِمِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ، الْحَافِظُ ابْنُ الْحَافِظِ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عَسَاكِرَ، وَكَانَ قَدْ قَصَدَ خُرَاسَانَ وَسَمِعَ بِهَا الْحَدِيثَ فَأَكْثَرَ، وَعَادَ إِلَى بَغْدَادَ، فَوَقَعَ عَلَى الْقَفَلِ حَرَامِيَّةٌ، فَجُرِحَ، وَبَقِيَ بِبَغْدَادَ، وَتُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى، ﵀.
стр. 6043
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَة]
٦١٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ
ذِكْرُ خُرُوجِ التَّتَرِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ
لَقَدْ بَقِيتُ عِدَّةَ سِنِينَ مُعْرِضًا عَنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْحَادِثَةِ اسْتِعْظَامًا لَهَا، كَارِهًا لِذِكْرِهَا، فَأَنَا أُقَدِّمُ إِلَيْهِ رِجْلًا وَأُؤَخِّرُ أُخْرَى، فَمَنِ الَّذِي يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَ نَعْيَ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ؟ وَمَنِ الَّذِي يَهُونُ عَلَيْهِ
ذِكْرُ ذَلِكَ؟ فَيَا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي، وَيَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ حُدُوثِهَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا، إِلَّا أَنَّنِي حَثَّنِي جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَصْدِقَاءِ عَلَى تَسْطِيرِهَا وَأَنَا مُتَوَقِّفٌ، ثُمَّ رَأَيْتُ أَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ لَا يُجْدِي نَفْعًا، فَنَقُولُ: هَذَا الْفِعْلُ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ الْحَادِثَةِ الْعُظْمَى، وَالْمُصِيبَةِ الْكُبْرَى الَّتِي عَقَّتِ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي عَنْ مِثْلِهَا، عَمَّتِ الْخَلَائِقَ، وَخَصَّتِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ الْعَالَمَ مُذْ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ، إِلَى الْآنِ، لَمْ يُبْتَلَوْا بِمِثْلِهَا، لَكَانَ صَادِقًا، فَإِنَّ التَّوَارِيخَ لَمْ تَتَضَمَّنْ مَا يُقَارِبُهَا وَلَا مَا يُدَانِيهَا.
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يَذْكُرُونَ مِنَ الْحَوَادِثِ مَا فَعَلَهُ بُخْتُ نَصَّرَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْقَتْلِ، وَتَخْرِيبِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَمَا الْبَيْتُ الْمُقَدَّسُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا خَرَّبَ هَؤُلَاءِ الْمَلَاعِنُ مِنَ الْبِلَادِ، الَّتِي كَلُّ مَدِينَةٍ مِنْهَا أَضْعَافُ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَمَا بَنُو إِسْرَائِيلَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ قَتَلُوا، فَإِنَّ أَهْلَ مَدِينَةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّنْ قُتِلُوا أَكْثَرُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَعَلَّ الْخَلْقَ لَا يَرَوْنَ مِثْلَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ إِلَى أَنْ يَنْقَرِضَ الْعَالَمُ، وَتَفْنَى الدُّنْيَا، إِلَّا يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ.
وَأَمَّا الدَّجَّالُ فَإِنَّهُ يُبْقِي عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ، وَيُهْلِكُ مَنْ خَالَفَهُ، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يُبْقُوا عَلَى أَحَدٍ، بَلْ قَتَلُوا النِّسَاءَ وَالرِّجَالَ وَالْأَطْفَالَ، وَشَقُّوا بُطُونَ الْحَوَامِلِ، وَقَتَلُوا الْأَجِنَّةَ، فَإِنَّا
стр. 6044
لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
لِهَذِهِ الْحَادِثَةِ الَّتِي اسْتَطَارَ شَرَرُهَا، وَعَمَّ ضَرَرُهَا، وَسَارَتْ فِي الْبِلَادِ كَالسَّحَابِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَإِنَّ قَوْمًا خَرَجُوا مِنْ أَطْرَافِ الصِّينِ، فَقَصَدُوا بِلَادَ تُرْكِسْتَانَ مِثْلَ كَاشْغَرَ وَبِلَاسَاغُونَ، ثُمَّ مِنْهَا إِلَى بِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهَرِ، مِثْلَ سَمَرْقَنْدَ وَبُخَارَى وَغَيْرِهِمَا، فَيَمْلِكُونَهَا، وَيَفْعَلُونَ بِأَهْلِهَا مَا نَذْكُرُهُ، ثُمَّ تَعْبُرُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى خُرَاسَانَ، فَيَفْرَغُونَ مِنْهَا مُلْكًا، وَتَخْرِيبًا، وَقَتْلًا وَنَهْبًا، ثُمَّ يَتَجَاوَزُونَهَا إِلَى الرَّيِّ، وَهَمَذَانَ، وَبَلَدِ الْجَبَلِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْبِلَادِ إِلَى حَدِّ الْعِرَاقِ، ثُمَّ يَقْصِدُونَ بِلَادَ أَذْرَبِيجَانَ وَأَرَّانِيَّةَ، وَيُخَرِّبُونَهَا، وَيَقْتُلُونَ أَكْثَرَ أَهْلِهَا، وَلَمْ يَنْجُ إِلَّا الشَّرِيدُ النَّادِرُ فِي أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ، هَذَا مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ.
ثُمَّ لَمَّا فَرَغُوا مِنْ أَذْرَبِيجَانَ وَأَرَّانِيَّةَ سَارُوا إِلَى دَرْبَنْدَ شِرْوَانَ فَمَلَكُوا مُدُنَهُ، وَلَمْ يَسْلَمْ غَيْرُ الْقَلْعَةِ الَّتِي بِهَا مَلِكُهُمْ، وَعَبَرُوا عِنْدَهَا إِلَى بَلَدِ اللَّانِ، وَاللِّكْزِ، وَمَنْ فِي ذَلِكَ الصُّقْعِ مِنَ الْأُمَمِ الْمُخْتَلِفَةِ، فَأَوْسَعُوهُمْ قَتْلًا، وَنَهْبًا، وَتَخْرِيبًا، ثُمَّ قَصَدُوا بِلَادَ قُفْجَاقَ، وَهُمْ مِنْ أَكْثَرِ التُّرْكِ عَدَدًا، فَقَتَلُوا كُلَّ مَنْ وَقَفَ لَهُمْ، فَهَرَبَ الْبَاقُونَ إِلَى الْغِيَاضِ وَرُءُوسِ الْجِبَالِ، وَفَارَقُوا بِلَادَهُمْ، وَاسْتَوْلَى هَؤُلَاءِ التَّتَرُ عَلَيْهَا، فَعَلُوا هَذَا فِي أَسْرَعِ زَمَانٍ، لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا بِمِقْدَارِ مَسِيرِهِمْ لَا غَيْرَ.
وَمَضَى طَائِفَةٌ أُخْرَى غَيْرُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ إِلَى غَزْنَةَ وَأَعْمَالِهَا، وَمَا يُجَاوِرُهَا مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ وَسِجِسْتَانَ وَكَرْمَانَ، فَفَعَلُوا فِيهِ مِثْلَ فِعْلِ هَؤُلَاءِ وَأَشَدَّ.
هَذَا مَا لَمْ يُطْرِق الْأَسْمَاعَ مِثْلُهُ، فَإِنَّ الْإِسْكَنْدَرَ الَّذِي اتَّفَقَ الْمُؤَرِّخُونَ عَلَى أَنَّهُ مَلَكَ الدُّنْيَا لَمْ يَمْلِكْهَا فِي هَذِهِ السُّرْعَةِ، إِنَّمَا مَلَكَهَا فِي نَحْوِ عَشْرِ سِنِينَ، وَلَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا، إِنَّمَا رَضِيَ مِنَ النَّاسِ بِالطَّاعَةِ، وَهَؤُلَاءِ قَدْ مَلَكُوا أَكْثَرَ الْمَعْمُورِ مِنَ الْأَرْضِ وَأَحْسَنَهُ، وَأَكْثَرَهُ عِمَارَةً وَأَهْلًا، وَأَعْدَلَ أَهْلِ الْأَرْضِ أَخْلَاقًا وَسِيرَةً، فِي نَحْوِ سَنَةٍ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ فِي الْبِلَادِ الَّتِي لَمْ يَطْرُقُوهَا إِلَّا وَهُوَ خَائِفٌ يَتَوَقَّعُهُمْ، وَيَتَرَقَّبُ وُصُولَهُمْ إِلَيْهِ.
ثُمَّ إِنَّهُمْ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى مِيرَةٍ وَمَدَدٍ يَأْتِيهِمْ، فَإِنَّهُمْ مَعَهُمُ الْأَغْنَامُ، وَالْبَقَرُ، وَالْخَيْلُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الدَّوَابِّ، يَأْكُلُونَ لُحُومَهَا لَا غَيْرَ، وَأَمَّا دَوَابُّهُمُ الَّتِي يَرْكَبُونَهَا
стр. 6045
فَإِنَّهَا تَحْفِرُ الْأَرْضَ بِحَوَافِرِهَا، وَتَأْكُلُ عُرُوقَ النَّبَاتِ لَا تَعْرِفُ الشَّعِيرَ، فَهُمْ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ خَارِجٍ.
وَأَمَّا دِيَانَتُهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِهَا، وَلَا يُحَرِّمُونَ شَيْئًا، فَإِنَّهُمْ يَأْكُلُونَ جَمِيعَ الدَّوَابِّ، حَتَّى الْكِلَابَ، وَالْخَنَازِيرَ، وَغَيْرَهَا، وَلَا يَعْرِفُونَ نِكَاحًا بَلِ الْمَرْأَةُ يَأْتِيهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الرِّجَالِ، فَإِذَا جَاءَ الْوَلَدُ لَا يَعْرِفُ أَبَاهُ.
وَلَقَدْ بُلِيَ الْإِسْلَامُ وَالْمُسْلِمُونَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ بِمَصَائِبَ لَمْ يُبْتَلَ بِهَا أَحَدٌ مِنَ الْأُمَمِ، مِنْهَا هَؤُلَاءِ التَّتَرُ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ، أَقْبَلُوا مِنَ الْمَشْرِقِ، فَفَعَلُوا الْأَفْعَالَ الَّتِي يَسْتَعْظِمُهَا كُلُّ مَنْ سَمِعَ بِهَا، وَسَتَرَاهَا مَشْرُوحَةً مُتَّصِلَةً، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِنْهَا خُرُوجُ الْفِرِنْجِ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ، مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الشَّامِ، وَقَصْدُهُمْ دِيَارَ مِصْرَ، وَمُلْكُهُمْ ثَغْرَ دِمْيَاطَ مِنْهَا، وَأَشْرَفَتْ دِيَارُ مِصْرَ وَالشَّامِ وَغَيْرِهَا عَلَى أَنْ يَمْلِكُوهَا لَوْلَا لُطْفُ اللَّهِ تَعَالَى وَنَصْرُهُ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ.
وَمِنْهَا أَنَّ الَّذِي سَلِمَ مِنْ هَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ فَالسَّيْفُ بَيْنَهُمْ مَسْلُولٌ، وَالْفِتْنَةُ قَائِمَةٌ عَلَى سَاقٍ: وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمَيْنِ نَصْرًا مِنْ عِنْدِهِ، فَإِنَّ النَّاصِرَ، وَالْمُعِينَ، وَالذَّابَّ، عَنِ الْإِسْلَامِ مَعْدُومٌ، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١] ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ التَّتَرَ إِنَّمَا اسْتَقَامَ لَهُمْ هَذَا الْأَمْرُ لِعَدَمِ الْمَانِعِ.
وَسَبَبُ عَدَمِهِ أَنَّ خُوَارَزْمَ شَاهْ مُحَمَّدًا كَانَ قَدْ اسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ، وَقَتَلَ مُلُوكَهَا، وَأَفْنَاهُمْ، وَبَقِيَ هُوَ وَحْدَهُ سُلْطَانَ الْبِلَادِ جَمِيعِهَا، فَلَمَّا انْهَزَمَ مِنْهُمْ لَمْ يَبْقَ فِي الْبِلَادِ مَنْ يَمْنَعُهُمْ، وَلَا مَنْ يَحْمِيهَا ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمَرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢] ، وَهَذَا حِينَ نَذْكُرُ ابْتِدَاءَ خُرُوجِهِمْ إِلَى الْبِلَادِ.
ذِكْرُ خُرُوجِ التَّتَرِ إِلَى تُرْكِسْتَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَمَا فَعَلُوهُ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ التَّتَرُ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَهُمْ نَوْعٌ كَثِيرٌ مِنَ التُّرْكِ، وَمَسَاكِنُهُمْ جِبَالُ طَمْغَاجَ مِنْ نَحْوِ الصِّينِ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ بِلَادِ الْإِسْلَامِ مَا يَزِيدُ عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ.
وَكَانَ السَّبَبُ فِي ظُهُورِهِمْ أَنَّ مَلِكَهُمْ، وَيُسَمَّى بِجِنْكِزْخَانْ، الْمَعْرُوفِ
стр. 6046
بِتَمُرْجِينَ، كَانَ قَدْ فَارَقَ بِلَادَهُ وَسَارَ إِلَى نَوَاحِي تُرْكِسْتَانَ، وَسَيَّرَ جَمَاعَةً مِنَ التُّجَّارِ وَالْأَتْرَاكِ، وَمَعَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ النُّقْرَةِ وَالْقُنْدُزِ وَغَيْرِهِمَا، إِلَى بِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ سَمَرْقَنْدَ وَبُخَارَى لِيَشْتَرُوا لَهُ ثِيَابًا لِلْكُسْوَةِ، فَوَصَلُوا إِلَى مَدِينَةٍ مِنْ بِلَادِ التُّرْكِ تُسَمَّى أَوَتُرَارَ، وَهِيَ آخِرُ وِلَايَةِ خُوَارَزْم شَاهْ، وَكَانَ لَهُ نَائِبٌ هُنَاكَ، فَلَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ هَذِهِ الطَّائِفَةُ مِنَ التَّتَرِ أَرْسَلَ إِلَى خُوَارَزْم شَاهُ يُعْلِمُهُ بِوُصُولِهِمْ وَيَذْكُرُ لَهُ مَا مَعَهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ خُوَارَزْم شَاهْ يَأْمُرُهُ بِقَتْلِهِمْ وَأَخْذِ مَا مَعَهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَإِنْفَاذِهِ إِلَيْهِ، فَقَتْلَهُمْ، وَسَيَّرَ مَا مَعَهُمْ، وَكَانَ شَيْئًا كَثِيرًا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى خُوَارَزْم شَاهْ فَرَّقَهُ عَلَى تُجَّارِ بُخَارَى، وَسَمَرْقَنْدَ، وَأَخَذَ ثَمَنَهُ مِنْهُمْ.
وَكَانَ بَعْدَ أَنْ مَلَكَ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ مِنَ الْخَطَا قَدْ سَدَّ الطُّرُقَ عَنْ بِلَادِ تُرْكِسْتَانَ وَمَا بَعْدَهَا مِنِ الْبِلَادِ، وَإِنَّ طَائِفَةً مِنَ التَّتَرِ أَيْضًا كَانُوا قَدْ خَرَجُوا قَدِيمًا وَالْبِلَادُ لَلْخَطَا، فَلَمَّا مَلَكَ خُوَارَزْم شَاهْ الْبِلَادَ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ مِنَ الْخَطَا، وَقَتَلَهُمْ، وَاسْتَوْلَى هَؤُلَاءِ التَّتَرُ عَلَى تُرْكِسْتَانَ: كَاشْغَارَ، وَبَلَاسَاغُونَ وَغَيْرِهِمَا، وَصَارُوا يُحَارِبُونَ عَسَاكِرَ خُوَارَزْم شَاهْ، فَلِذَلِكَ مَنَعَ الْمِيرَةَ عَنْهُمْ مِنِ الْكِسْوَاتِ وَغَيْرِهَا.
وَقِيلَ فِي سَبَبِ خُرُوجِهِمْ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُذْكَرُ فِي بُطُونِ الدَّفَاتِرَ:
فَكَانَ مَا كَانَ مِمَّا لَسْتُ أَذْكُرُهُ ... فَظُنَّ خَيْرًا وَلَا تَسْأَلَ عَنِ الْخَبَرِ
فَلَمَّا قَتَلَ نَائِبُ خُوَارَزْم شَاهْ أَصْحَابَ جِنْكِزْخَانْ أَرْسَلَ جَوَاسِيسَ إِلَى جِنْكِزْخَانْ لِيَنْظُرَ مَا هُوَ، وَكَمْ مِقْدَارُ مَا مَعَهُ مِنَ التُّرْكِ، وَمَا يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ، فَمَضَى الْجَوَاسِيسُ، وَسَلَكُوا الْمَفَازَةَ وَالْجِبَالَ الَّتِي عَلَى طَرِيقِهِمْ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَيْهِ، فَعَادُوا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَأَخْبَرُوهُ بِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ عَنِ الْإِحْصَاءِ، وَأَنَّهُمْ مَنْ أَصْبِرِ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى الْقِتَالِ لَا يَعْرِفُونَ هَزِيمَةً، وَأَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنَ السِّلَاحِ بِأَيْدِيهِمْ، فَنَدِمَ خُوَارَزْم شَاهْ عَلَى قَتْلِ أَصْحَابِهِمْ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ، وَحَصَلَ عِنْدَهُ فِكْرٌ زَائِدٌ، فَأَحْضَرَ الشِّهَابَ الْخُيُوفِيَّ، وَهُوَ فَقِيهٌ فَاضِلٌ، كَبِيرُ الْمَحَلِّ عِنْدَهُ، لَا يُخَالِفُ مَا يُشِيرُ بِهِ، فَحَضَرَ
стр. 6047
عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا بُدَّ مِنَ الْفِكْرِ فِيهِ وَأَخْذِ رَأْيِكَ فِي الَّذِي نَفْعَلُهُ، وَذَاكَ أَنَّهُ قَدْ تَحَرَّكَ إِلَيْنَا خَصْمٌ مِنْ نَاحِيَةِ التُّرْكِ فِي كَثْرَةٍ لَا تُحْصَى.
فَقَالَ لَهُ: فِي عَسَاكِرِكَ كَثْرَةٌ وَنُكَاتِبُ الْأَطْرَافَ، وَنَجْمَعُ الْعَسَاكِرَ، وَيَكُونُ النَّفِيرُ عَامًّا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَافَّةً مُسَاعَدَتُكَ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ، ثُمَّ نَذْهَبُ بِجَمِيعِ الْعَسَاكِرِ إِلَى جَانِبِ سَيْحُونَ، وَهُوَ نَهْرٌ كَبِيرٌ يَفْصِلُ بَيْنَ بِلَادِ التُّرْكِ وَبِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَنَكُونُ هُنَاكَ، فَإِذَا جَاءَ الْعَدُوُّ، وَقَدْ سَارَ مَسَافَةً بَعِيدَةً، لَقِينَاهُ وَنَحْنُ مُسْتَرِيحُونَ، وَهُوَ وَعَسَاكِرُهُ قَدْ مَسَّهُمُ النَّصَبُ وَالتَّعَبُ.
فَجَمَعَ خُوَارَزْم شَاهْ أُمَرَاءَهُ وَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَرْبَابِ الْمَشُورَةِ، فَاسْتَشَارَهُمْ، فَلَمْ يُوَافِقُوهُ عَلَى رَأْيِهِ، بَلْ قَالُوا: الرَّأْيُ أَنْ نَتْرُكَهُمْ يَعْبُرُونَ سَيْحُونَ إِلَيْنَا، وَيَسْلُكُونَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَالْمَضَايِقَ، فَإِنَّهُمْ جَاهِلُونَ بِطُرُقِهِمْ، وَنَحْنُ عَارِفُونَ بِهَا، فَنَقْوَى حِينَئِذٍ عَلَيْهِمْ، وَنُهْلِكُهُمْ فَلَا يَنْجُو مِنْهُمْ أَحَدٌ.
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ وَرَدَ رَسُولٌ مِنْ هَذَا اللَّعِينِ جِنْكِزْخَانْ مَعَهُ جَمَاعَةٌ يَتَهَدَّدُ خُوَارَزْم شَاهْ، وَيَقُولُ: تَقْتُلُونَ أَصْحَابِي وَتُجَّارِي وَتَأْخُذُونَ مَالِي مِنْهُمْ! اسْتَعِدُّوا لِلْحَرْبِ فَإِنِّي وَاصِلٌ إِلَيْكُمْ بِجَمْعٍ لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ.
وَكَانَ جِنْكِزْخَانْ قَدْ سَارَ إِلَى تُرْكِسْتَانَ، فَمَلَكَ كَاشْغَارَ، وَبِلَاسَاغُونَ، وَجَمِيعَ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَأَزَالَ عَنْهَا التَّتَرَ الْأُولَى، فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ خَبَرٌ، وَلَا بَقِيَ لَهُمْ، بَلْ بَادُوا كَمَا أَصَابَ الْخَطَا، وَأَرْسَلَ الرِّسَالَةَ الْمَذْكُورَةَ إِلَى خُوَارَزْم شَاهْ، فَلَمَّا سَمِعَهَا خُوَارَزْم شَاهْ أَمَرَ بِقَتْلِ رَسُولِهِ، فَقُتِلَ، وَأَمَرَ بِحَلْقِ لِحَى الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ، وَأَعَادَهُمْ إِلَى صَاحِبِهِمْ جِنْكِزْخَانْ يُخْبِرُونَهُ بِمَا فَعَلَ بِالرَّسُولِ. وَيَقُولُونَ لَهُ: إِنَّ خُوَارَزْم شَاهْ يَقُولُ لَكَ: أَنَا سَائِرٌ إِلَيْكَ وَلَوْ أَنَّكَ فِي آخِرِ الدُّنْيَا، حَتَّى أَنْتَقِمَ، وَأَفْعَلَ بِكَ كَمَا فَعَلْتُ بِأَصْحَابِكَ.
وَتَجَهَّزَ خُوَارَزْم شَاهْ، وَسَارَ بَعْدَ الرَّسُولِ مُبَادِرًا لِيَسْبِقَ خَبَرَهُ وَيَكْبِسَهُمْ، فَأَدْمَنَ السَّيْرَ، فَمَضَى، وَقَطَعَ مَسِيرَةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَوَصَلَ إِلَى بُيُوتِهِمْ، فَلَمْ يَرَ فِيهَا إِلَّا النِّسَاءَ
стр. 6048
وَالصِّبْيَانَ وَالْأَثْقَالَ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ وَغَنِمَ الْجَمِيعَ، وَسَبَى النِّسَاءَ وَالذُّرِّيَّةَ.
وَكَانَ سَبَبُ غَيْبَةِ الْكُفَّارِ عَنْ بُيُوتِهِمْ أَنَّهُمْ سَارُوا إِلَى مُحَارَبَةِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ التُّرْكِ يُقَالُ لَهُ كِشْلُوخَانْ، فَقَاتَلُوهُ، وَهَزَمُوهُ وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُ وَعَادُوا، فَلَقِيَهُمْ فِي الطَّرِيقِ الْخَبَرُ بِمَا فَعَلَ خُوَارَزْم شَاهْ بِمُخَلَّفِيهِمْ، فَجَدُّوا السَّيْرَ، فَأَدْرَكُوهُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ بُيُوتِهِمْ، وَتَصَافُّوا لِلْحَرْبِ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، فَبَقُوا فِي الْحَرْبِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا، فَقُتِلَ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ مَا لَا يُعَدُّ، وَلَمْ يَنْهَزِمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
أَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَإِنَّهُمْ صَبَرُوا حَمِيَّةً لِلدِّينِ وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ إِنِ انْهَزَمُوا لَمْ يَبْقَ لِلْمُسْلِمِينَ بَاقِيَةٌ، وَأَنَّهُمْ يُؤْخَذُونَ لِبُعْدِهِمْ عَنْ بِلَادِهِمْ.
وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَصَبَرُوا لِاسْتِنْقَاذِ أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَاشْتَدَّ بِهِمُ الْأَمْرُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ يَنْزِلُ عَنْ فَرَسِهِ وَيُقَاتِلُ قِرْنَهُ رَاجِلًا، وَيَتَضَارَبُونَ بِالسَّكَاكِينِ، وَجَرَى الدَّمُ عَلَى الْأَرْضِ، حَتَّى صَارَتِ الْخَيْلُ تَزْلَقُ مِنْ كَثْرَتِهِ، وَاسْتَنْفَدَ الطَّائِفَتَانِ وُسْعَهُمْ فِي الصَّبْرِ وَالْقِتَالِ. هَذَا الْقِتَالُ جَمِيعُهُ مَعَ ابْنِ جِنْكِزْخَانْ وَلَمْ يَحْضُرْ أَبُوهُ الْوَقْعَةَ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِهَا، فَأُحْصِيَ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ فَكَانُوا عِشْرِينَ أَلْفًا، وَأَمَّا مِنَ الْكُفَّارِ فَلَا يُحْصَى مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ.
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ افْتَرَقُوا فَنَزَلَ بَعْضُهُمْ مُقَابِلَ بَعْضٍ، فَلَمَّا أَظْلَمَ اللَّيْلُ أَوْقَدَ الْكُفَّارُ نِيرَانَهُمْ وَتَرَكُوهَا بِحَالِهَا وَسَارُوا وَكَذَلِكَ فَعَلَ الْمُسْلِمُونَ أَيْضًا، كُلٌّ مِنْهُمْ سَئِمَ الْقِتَالَ ; فَأَمَّا الْكُفَّارُ فَعَادُوا إِلَى مَلِكِهِمْ جِنْكِزْخَانْ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَرَجَعُوا إِلَى بُخَارَى فَاسْتَعَدَّ لِلْحِصَارِ لِعِلْمِهِ بِعَجْزِهِ. لِأَنَّ طَائِفَةَ عَسْكَرِهِ لَمْ يَقْدِرْ خُوَارَزْم شَاهْ عَلَى أَنْ يَظْفَرَ بِهِمْ، فَكَيْفَ إِذَا جَاءُوا جَمِيعُهُمْ مَعَ مَلِكِهِمْ؟ فَأَمَرَ أَهْلَ بُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ بِالِاسْتِعْدَادِ لِلْحِصَارِ، وَجَمَعَ الذَّخَائِرَ لِلِامْتِنَاعِ، وَجَعَلَ فِي بُخَارَى عِشْرِينَ أَلْفَ فَارِسٍ مِنَ الْعَسْكَرِ يَحْمُونَهَا، وَفِي سَمَرْقَنْدَ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَقَالَ لَهُمْ: احْفَظُوا الْبَلَدَ حَتَّى أَعُودَ إِلَى خُوَارَزْمَ وَخُرَاسَانَ وَأَجْمَعَ الْعَسَاكِرَ وَأَسْتَنْجِدَ بِالْمُسْلِمِينَ وَأَعُودَ إِلَيْكُمْ.
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ رَحَلَ عَائِدًا إِلَى خُرَاسَانَ فَعَبَرَ جَيْحُونَ، وَنَزَلَ بِالْقُرْبِ مِنْ بَلْخَ فَعَسْكَرَ هُنَاكَ.
стр. 6049
وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَإِنَّهُمْ رَحَلُوا بَعْدَ أَنِ اسْتَعَدُّوا يَطْلُبُونَ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَوَصَلُوا إِلَى بُخَارَى بَعْدَ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ مِنْ وُصُولِ خُوَارَزْم شَاهْ، وَحَصَرُوهَا، وَقَاتَلُوهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قِتَالًا شَدِيدًا مُتَتَابِعًا فَلَمْ يَكُنْ لِلْعَسْكَرِ الْخُوَارَزْمِيِّ بِهِمْ قُوَّةٌ فَفَارَقُوا الْبَلَدَ عَائِدِينَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَهْلُ الْبَلَدِ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعَسْكَرِ أَحَدٌ ضَعُفَتْ نُفُوسُهُمْ، فَأَرْسَلُوا الْقَاضِيَ، وَهُوَ بَدْرُ الدِّينِ قَاضِي خَانْ لِيَطْلُبَ الْأَمَانَ لِلنَّاسِ، فَأَعْطَوْهُمُ الْأَمَانَ.
وَكَانَ قَدْ بَقِيَ مِنَ الْعَسْكَرِ طَائِفَةٌ لَمْ يُمْكِنْهُمُ الْهَرَبُ مَعَ أَصْحَابِهِمْ. فَاعْتَصَمُوا بِالْقَلْعَةِ، فَلَمَّا أَجَابَهُمْ جِنْكِزْخَانْ إِلَى الْأَمَانِ فُتِحْتَ أَبْوَابُ الْمَدِينَةِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ رَابِعَ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَدَخَلَ الْكُفَّارُ بُخَارَى وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِأَحَدٍ، بَلْ قَالُوا لَهُمْ: كُلُّ مَا هُوَ لِلسُّلْطَانِ عِنْدَكُمْ مِنْ ذَخِيرَةٍ وَغَيْرِهِ أَخْرِجُوهُ إِلَيْنَا، وَسَاعِدُونَا عَلَى قِتَالِ مَنْ بِالْقَلْعَةِ، وَأَظْهَرُوا عِنْدَهُمُ الْعَدْلَ وَحُسْنَ السِّيرَةِ، وَدَخَلَ جِنْكِزْخَانْ بِنَفْسِهِ وَأَحَاطَ بِالْقَلْعَةِ، وَنَادَى فِي الْبَلَدِ بِأَنْ لَا يَتَخَلَّفَ أَحَدٌ وَمَنْ تَخَلَّفَ قُتِلَ، فَحَضَرُوا جَمِيعُهُمْ، فَأَمَرَهُمْ بِطَمِّ الْخَنْدَقِ، فَطَمُّوهُ بِالْأَخْشَابِ وَالتُّرَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، حَتَّى إِنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَأْخُذُونَ الْمَنَابِرَ وَرَبَعَاتِ الْقُرْآنِ فَيُلْقُونَهَا فِي الْخَنْدَقِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَبِحَقٍّ سَمَّى اللَّهُ نَفْسَهُ صَبُورًا حَلِيمًا، وَإِلَّا كَانَ خَسَفَ بِهِمُ الْأَرْضَ عِنْدَ فِعْلِ مِثْلِ هَذَا.
ثُمَّ تَابَعُوا الزَّحْفَ إِلَى الْقَلْعَةِ وَبِهَا نَحْوُ أَرْبَعِ مِائَةِ فَارِسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَبَذَلُوا جُهْدَهُمْ، وَمَنَعُوا الْقَلْعَةَ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا يُقَاتِلُونَ جَمْعَ الْكُفَّارِ وَأَهْلَ الْبَلَدِ، فَقُتِلَ بَعْضُهُمْ، وَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى زَحَفُوا إِلَيْهِمْ، وَوَصَلَ النَّقَّابُونَ إِلَى سُورِ الْقَلْعَةِ فَنَقَبُوهُ، وَاشْتَدَّ حِينَئِذٍ الْقِتَالُ، وَمَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَرْمُونَ مَا يَجِدُونَ مِنْ حِجَارَةٍ وَنَارٍ وَسِهَامٍ، فَغَضِبَ اللَّعِينُ، وَرَدَّ أَصْحَابَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَبَاكَرَهُمْ مِنَ الْغَدِ، فَجَدُّوا فِي الْقِتَالِ، وَقَدْ تَعِبَ مَنْ بِالْقَلْعَةِ وَنَصَبُوا، وَجَاءَهُمْ مَا لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ، فَقَهَرَهُمُ الْكُفَّارُ وَدَخَلُوا الْقَلْعَةَ، وَقَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ فِيهَا حَتَّى قُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْقَلْعَةِ نَادَى أَنْ يُكْتَبَ لَهُ وُجُوهُ النَّاسِ وَرُؤَسَاؤُهُمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمَّا عُرِضُوا عَلَيْهِ أَمَرَ بِإِحْضَارِهِمْ
стр. 6050
فَحَضَرُوا، فَقَالَ: أُرِيدُ مِنْكُمُ النُّقْرَةَ الَّتِي بَاعَكُمْ خُوَارَزْم شَاهْ، فَإِنَّهَا لِي، وَمِنْ أَصْحَابِي أُخِذَتْ، وَهِيَ عِنْدَكُمْ.
فَأَحْضَرَ كُلُّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْبَلَدِ، فَخَرَجُوا مِنَ الْبَلَدِ مُجَرَّدِينَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، لَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ غَيْرُ ثِيَابِهِ الَّتِي عَلَيْهِ، وَدَخَلَ الْكُفَّارُ الْبَلَدَ فَنَهَبُوهُ وَقَتَلُوا مَنْ وَجَدُوا فِيهِ، وَأَحَاطَ بِالْمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَقْتَسِمُوهُمْ، فَاقْتَسَمُوهُمْ.
وَكَانَ يَوْمًا عَظِيمًا مِنْ كَثْرَةِ الْبُكَاءِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، وَتَفَرَّقُوا أَيْدِي سَبَا، وَتَمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ، وَاقْتَسَمُوا النِّسَاءَ أَيْضًا، وَأَصْبَحَتْ بُخَارَى خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ، وَارْتَكَبُوا مِنَ النِّسَاءِ الْعَظِيمَ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ وَيَبْكُونَ، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَدْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ شَيْئًا مِمَّا نَزَلَ بِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ، وَاخْتَارَ الْمَوْتَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَمِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَاخْتَارَ أَنْ يُقْتَلَ وَلَا يَرَى مَا نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ، الْفَقِيهُ الْإِمَامُ رُكْنُ الدِّينِ إِمَامُ زَادَهْ وَوَلَدُهُ، فَإِنَّهُمَا لَمَّا رَأَيَا مَا يُفْعَلُ بِالْحُرَمِ قَاتَلَا حَتَّى قُتِلَا.
وَكَذَلِكَ فَعَلَ الْقَاضِي صَدْرُ الدِّينِ خَانْ، وَمَنِ اسْتَسْلَمَ أُخِذَ أَسِيرًا، وَأَلْقَوُا النَّارَ فِي الْبَلَدِ، وَالْمَدَارِسِ، وَالْمَسَاجِدِ، وَعَذَّبُوا النَّاسَ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ فِي طَلَبِ الْمَالِ، ثُمَّ رَحَلُوا نَحْوَ سَمَرْقَنْدَ وَقَدْ تَحَقَّقُوا عَجْزَ خُوَارَزْم شَاهْ عَنْهُمْ، وَهُمْ بِمَكَانِهِ بَيْنَ تِرْمِذَ وَبَلْخَ، وَاسْتَصْحَبُوا مَعَهُمْ مَنْ سَلِمَ مِنْ أَهْلِ بُخَارَى أَسَارَى، فَسَارُوا بِهِمْ مُشَاةً عَلَى أَقْبَحِ صُورَةٍ، فَكُلُّ مَنْ أَعْيَا وَعَجَزَ عَنِ الْمَشْيِ قَتَلُوهُ، فَلَمَّا قَارَبُوا سَمَرْقَنْدَ قَدَّمُوا الْخَيَّالَةَ، وَتَرَكُوا الرَّجَّالَةَ وَالْأَسَارَى وَالْأَثْقَالَ وَرَاءَهُمْ، حَتَّى تَقَدَّمُوا شَيْئًا فَشَيْئًا لِيَكُونَ أَرْعَبَ لِقُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ الْبَلَدِ سَوَادَهُمُ اسْتَعْظَمُوهُ.
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي وَصَلَ الْأَسَارَى وَالرَّجَّالَةُ وَالْأَثْقَالُ، وَمَعَ كُلِّ عَشَرَةٍ مِنَ الْأَسَارَى عَلَمٌ، فَظَنَّ أَهْلُ الْبَلَدِ أَنَّ الْجَمِيعَ عَسَاكِرُ مُقَاتِلَةٌ، وَأَحَاطُوا بِالْبَلَدِ وَفِيهِ خَمْسُونَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ مِنَ الْخُوَارَزْمِيَّةِ، وَأَمَّا عَامَّةُ الْبَلَدِ فَلَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ شُجْعَانُ أَهْلِهِ، وَأَهْلُ الْجَلَدِ وَالْقُوَّةِ رَجَّالَةً، وَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمْ مِنَ الْعَسْكَرِ الْخُوَارَزْمِيُّ أَحَدٌ لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ خَوْفِ هَؤُلَاءِ الْمَلَاعِينِ، فَقَاتَلَهُمُ الرَّجَّالَةُ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ فَلَمْ يَزَلِ التَّتَرُ
стр. 6051
يَتَأَخَّرُونَ، وَأَهْلُ الْبَلَدِ يَتْبَعُونَهُمْ، وَيَطْمَعُونَ فِيهِمْ، وَكَانَ الْكُفَّارُ قَدْ كَمَّنُوا لَهُمْ كَمِينًا، فَلَمَّا جَاوَزُوا الْكَمِينَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَلَدِ، وَرَجَعَ الْبَاقُونَ الَّذِينَ أَنْشَبُوا الْقِتَالَ أَوَّلًا، فَبَقُوا فِي الْوَسَطِ، وَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، قُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ شُهَدَاءَ، ﵃، وَكَانُوا سَبْعِينَ أَلْفًا عَلَى مَا قِيلَ.
فَلَمَّا رَأَى الْبَاقُونَ مِنَ الْجُنْدِ وَالْعَامَّةِ ذَلِكَ ضَعُفَتْ نُفُوسُهُمْ وَأَيْقَنُوا بِالْهَلَاكِ، فَقَالَ الْجُنْدُ، وَكَانُوا أَتْرَاكًا: نَحْنُ مِنْ جِنْسِ هَؤُلَاءِ وَلَا يَقْتُلُونَنَا، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأَجَابُوهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَفَتَحُوا أَبْوَابَ الْبَلَدِ، وَلَمْ يَقْدِرِ الْعَامَّةُ عَلَى مَنْعِهِمْ، وَخَرَجُوا إِلَى الْكُفَّارِ بِأَهْلِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَقَالَ لَهُمُ الْكُفَّارُ: ادْفَعُوا إِلَيْنَا سِلَاحَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَدَوَابَّكُمْ وَنَحْنُ نُسَيِّرُكُمْ إِلَى مَأْمَنِكُمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمَّا أَخَذُوا أَسْلِحَتَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ وَضَعُوا السَّيْفَ فِيهِمْ وَقَتَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ وَنِسَاءَهُمْ.
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ نَادَوْا فِي الْبَلَدِ أَنْ يَخْرُجَ أَهْلُهُ جَمِيعُهُمْ، وَمَنْ تَأَخَّرَ قَتَلُوهُ، فَخَرَجَ جَمِيعُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فَفَعَلُوا مَعَ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ مَعَ أَهْلِ بُخَارَى مِنَ النَّهْبِ، وَالْقَتْلِ، وَالسَّبْيِ، وَالْفَسَادِ، وَدَخَلُوا الْبَلَدَ فَنَهَبُوا مَا فِيهِ، وَأَحْرَقُوا الْجَامِعَ وَتَرَكُوا بَاقِيَ الْبَلَدِ عَلَى حَالِهِ، وَافْتَضُّوا الْأَبْكَارَ، وَعَذَّبُوا النَّاسَ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ فِي طَلَبِ الْمَالِ، وَقَتَلُوا مَنْ لَمْ يَصْلُحْ لِلسَّبْيِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ.
وَكَانَ خُوَارَزْم شَاهْ بِمَنْزِلَتِهِ كُلَّمَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ عَسْكَرٌ سَيَّرَهُ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، فَيَرْجِعُونَ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهَا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخِذْلَانِ ; سَيَّرَ عَشَرَةَ آلَافِ فَارِسٍ فَعَادُوا كَالْمُنْهَزِمِينَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَسَيَّرَ عِشْرِينَ أَلْفًا فَعَادُوا أَيْضًا.
ذِكْرُ مَسِيرِ التَّتَرِ الْكُفَّارِ إِلَى خُوَارَزْم شَاهْ وَانْهِزَامِهِ وَمَوْتِهِ
لَمَّا مَلَكَ الْكُفَّارُ سَمَرْقَنْدَ عَمَدَ جِنْكِزْخَانْ، لَعَنَهُ اللَّهُ، وَسَيَّرَ عِشْرِينَ أَلْفَ فَارِسٍ. وَقَالَ لَهُمُ: اطْلُبُوا خُوَارَزْم شَاهْ أَيْنَ كَانَ، وَلَوْ تَعَلَّقَ بِالسَّمَاءِ، حَتَّى تُدْرِكُوهُ وَتَأْخُذُوهُ.
وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ تُسَمِّيهَا التَّتَرُ الْمُغَرِّبَةَ لِأَنَّهَا سَارَتْ نَحْوَ غَرْبِ خُرَاسَانَ لِيَقَعَ الْفَرْقُ
стр. 6052
بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِنْهُمْ. لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ أَوْغَلُوا فِي الْبِلَادِ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ جِنْكِزْخَانْ بِالْمَسِيرِ سَارُوا وَقَصَدُوا مَوْضِعًا يُسَمَّى بَنْجَ آبَ، وَمَعْنَاهُ خَمْسَةُ مِيَاهٍ، فَوَصَلُوا إِلَيْهِ، فَلَمْ يَجِدُوا هُنَاكَ سَفِينَةً، فَعَمِلُوا مِنَ الْخَشَبِ مِثْلَ الْأَحْوَاضِ الْكِبَارِ وَأَلْبَسُوهَا جُلُودَ الْبَقَرِ لِئَلَّا يَدْخُلَهَا الْمَاءُ وَوَضَعُوا فِيهَا سِلَاحَهُمْ وَأَمْتِعَتَهُمْ وَأَلْقَوُا الْخَيْلَ فِي الْمَاءِ. وَأَمْسَكُوا أَذْنَابَهَا، وَتِلْكَ الْحِيَاضُ الَّتِي مِنَ الْخَشَبِ مَشْدُودَةٌ إِلَيْهِمْ. فَكَانَ الْفَرَسُ يَجْذِبُ الرَّجُلَ وَالرَّجُلَ يَجْذِبُ الْحَوْضَ الْمَمْلُوءَ مِنَ السِّلَاحِ وَغَيْرِهِ. فَعَبَرُوا كُلُّهُمْ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَلَمْ يَشْعُرْ خُوَارَزْم شَاهْ إِلَّا وَقَدْ صَارُوا مَعَهُ عَلَى أَرْضٍ وَاحِدَةٍ.
وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ مُلِئُوا مِنْهُمْ رُعْبًا وَخَوْفًا، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَمَاسَكُونَ بِسَبَبِ أَنَّ نَهْرَ جَيْحُونَ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا عَبَرُوهُ إِلَيْهِمْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الثَّبَاتِ، وَلَا عَلَى الْمَسِيرِ مُجْتَمِعِينَ، بَلْ تَفَرَّقُوا أَيْدِي سَبَا، وَطَلَبَ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ جِهَةً، وَرَحَلَ خُوَارَزْم شَاهْ لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ فِي نَفَرٍ مِنْ خَاصَّتِهِ، وَقَصَدُوا نَيْسَابُورَ، فَلَمَّا دَخَلَهَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْعَسْكَرِ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ حَتَّى وَصَلَ أُولَئِكَ التَّتَرُ إِلَيْهَا.
وَكَانُوا لَا يَتَعَرَّضُونَ فِي مَسِيرِهِمْ لِشَيْءٍ لَا بِنَهْبٍ وَلَا قَتْلٍ بَلْ يَجِدُّونَ السَّيْرَ فِي طَلَبِهِ لَا يُمْهِلُونَهُ حَتَّى يَجْمَعَ لَهُمْ، فَلَمَّا سَمِعَ بِقُرْبِهِمْ مِنْهُ رَحَلَ إِلَى مَازَنْدُرَانَ، وَهِيَ لَهُ أَيْضًا، فَرَحَلَ التَّتَرُ الْمُغَرِّبُونَ فِي أَثَرِهِ، وَلَمْ يُعَرِّجُوا عَلَى نَيْسَابُورَ بَلْ تَبِعُوهُ، فَكَانَ كُلَّمَا رَحَلَ عَنْ مَنْزِلَةٍ نَزَلُوهَا، فَوَصَلَ إِلَى مَرْسَى مِنْ بَحْرِ طَبَرِسْتَانَ يُعْرَفُ بِبَابِ سَكُونَ، وَلَهُ هُنَاكَ قَلْعَةٌ فِي الْبَحْرِ، فَلَمَّا نَزَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي السُّفُنِ وَصَلَتِ التَّتَرُ، فَلَمَّا رَأَوْا خُوَارَزْم شَاهْ وَقَدْ دَخَلَ الْبَحْرَ وَقَفُوا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَلَمَّا أَيِسُو مِنْ لَحَاقِ خُوَارَزْم شَاهْ رَجَعُوا فَهُمُ الَّذِينَ قَصَدُوا الرَّيَّ وَمَا بَعْدَهَا عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
هَكَذَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِمَّنْ كَانَ بِبُخَارَى وَأَسَرُوهُ مَعَهُمْ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، ثُمَّ نَجَا مِنْهُمْ وَوَصَلَ إِلَيْنَا. وَذَكَرَ غَيْرُهُ مِنَ التُّجَّارِ أَنَّ خُوَارَزْم شَاهْ سَارَ مِنَ مَازَنْدُرَانَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الرَّيِّ ثُمَّ مِنْهَا إِلَى هَمَذَانَ، وَالتَّتَرُ فِي أَثَرِهِ فَفَارَقَ هَمَذَانَ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ،
стр. 6053
جَرِيدَةً، لِيَسْتُرَ نَفْسَهُ وَيَكْتُمَ خَبَرَهُ، وَعَادَ إِلَى مَازَنْدُرَانَ وَرَكِبَ فِي الْبَحْرِ إِلَى هَذِهِ الْقَلْعَةِ.
وَكَانَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ الْفَقِيهَ كَانَ حِينَئِذٍ مَأْسُورًا، وَهَؤُلَاءِ التُّجَّارُ أَخْبَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا بِهَمَذَانَ، وَوَصَلَ خُوَارَزْم شَاهْ، ثُمَّ وَصَلَ بَعْدَهُ. مَنْ أَخْبَرَهُ بِوُصُولِ التَّتَرِ، فَفَارَقَ هَمَذَانَ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا هَؤُلَاءِ التُّجَّارُ فَارَقُوهَا، وَوَصَلَ التَّتَرُ إِلَيْهَا بَعْدَهُمْ بِبَعْضِ نَهَارٍ، فَهُمْ يُخْبِرُونَ عَنْ مُشَاهَدَةٍ ; وَلَمَّا وَصَلَ خُوَارَزْم شَاهْ إِلَى هَذِهِ الْقَلْعَةِ الْمَذْكُورَةِ تُوُفِّيَ فِيهَا.
ذِكْرُ صِفَةِ خُوَارَزْم شَاهْ وَشَيْءٍ مِنْ سِيرَتِهِ
هُوَ عَلَاءُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلَاءِ الدِّينِ تُكَشَ، وَكَانَ مُدَّةُ مُلْكِهِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً وَشُهُورًا تَقْرِيبًا، وَاتَّسَعَ مُلْكُهُ، وَعَظُمَ مَحَلُّهُ، وَأَطَاعَهُ الْعَالَمُ بِأَسْرِهِ، وَلَمْ يَمْلِكْ بَعْدَ السَّلْجُوقِيَّةِ أَحَدٌ مِثْلَ مُلْكِهِ، فَإِنَّهُ مَلَكَ مِنْ حَدِّ الْعِرَاقِ إِلَى تُرْكِسْتَانَ، وَمَلَكَ بِلَادَ غَزْنَةَ، وَبَعْضَ الْهِنْدِ، وَمَلَكَ سِجِسْتَانَ، وَكَرْمَانَ، وَطَبَرِسْتَانَ، وَجُرْجَانَ، وَبِلَادَ الْجِبَالِ، وَخُرَاسَانَ، وَبَعْضَ فَارِسَ، وَفَعَلَ بِالْخَطَا الْأَفَاعِيلَ الْعَظِيمَةَ، وَمَلَكَ بِلَادَهُمْ.
وَكَانَ فَاضِلًا، عَالِمًا بِالْفِقْهِ وَالْأُصُولِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ مُكْرِمًا لِلْعُلَمَاءِ مُحِبًّا لَهُمْ مُحْسِنًا إِلَيْهِمْ، يُكْثِرُ مُجَالَسَتَهُمْ وَمُنَاظَرَاتِهِمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَ صَبُورًا عَلَى التَّعَبِ وَإِدْمَانِ السَّيْرِ، غَيْرَ مُتَنَعِّمٍ، وَلَا مُقْبِلٍ عَلَى اللَّذَّاتِ، إِنَّمَا هَمُّهُ فِي الْمُلْكِ وَتَدْبِيرِهِ، وَحِفْظِهِ وَحِفْظِ رَعَايَاهُ، وَكَانَ مُعَظِّمًا لِأَهْلِ الدِّينِ، مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ، مُتَبَرِّكًا بِهِمْ.
حَكَى لِي بَعْضُ خَدَمِ حُجْرَةِ النَّبِيِّ، ﷺ ، وَقَدْ عَادَ مِنْ خُرَاسَانَ، قَالَ: وَصَلْتُ إِلَى خُوَارَزْمَ، فَنَزَلْتُ وَدَخَلْتُ الْحَمَّامَ، ثُمَّ قَصَدْتُ بَابَ السُّلْطَانِ عَلَاءِ الدِّينِ، فَحِينَ حَضَرْتُ لَقِيَنِي إِنْسَانٌ، فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: أَنَا مِنْ خَدَمِ حُجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَمَرَنِي بِالْجُلُوسِ، وَانْصَرَفَ عَنِّي قَلِيلًا، ثُمَّ عَادَ إِلَيَّ وَأَخَذَنِي وَأَدْخَلَنِي إِلَى دَارِ السُّلْطَانِ، فَتَسَلَّمَنِي مِنْهُ حَاجِبٌ مِنْ حُجَّابِ السُّلْطَانِ،
стр. 6054
وَقَالَ لِي: قَدْ أَعْلَمْتُ السُّلْطَانَ خَبَرَكَ فَأَمَرَ بِإِحْضَارِكَ عِنْدَهُ، فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي صَدْرِ إِيوَانٍ كَبِيرٍ، فَحِينَ تَوَسَّطْتُ صَحْنَ الدَّارِ قَامَ قَائِمًا، وَمَشَى إِلَى بَيْنِ يَدَيَّ، فَأَسْرَعْتُ السَّيْرَ فَلَقِيتُهُ فِي وَسَطِ الْإِيوَانِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُقَبِّلَ يَدَهُ، فَمَنَعَنِي، وَاعْتَنَقَنِي، وَجَلَسَ وَأَجْلَسَنِي إِلَى جَانِبِهِ، وَقَالَ لِي: أَنْتَ تَخْدِمُ حُجْرَةَ النَّبِيِّ، ﷺ ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَأَخَذَ يَدِي، وَأَمَرَّهَا عَلَى وَجْهِهِ، وَسَأَلَنِي عَنْ حَالِنَا وَعَيْشِنَا، وَصِفَةِ الْمَدِينَةِ، وَمِقْدَارِهَا، وَأَطَالَ الْحَدِيثَ مَعِي، فَلَمَّا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: لَوْلَا أَنَّنَا عَلَى عَزْمِ السَّفَرِ هَذِهِ السَّاعَةِ لَمَا وَدَّعْتُكَ، إِنَّمَا نُرِيدُ أَنْ نَعْبُرَ جَيْحُونَ إِلَى الْخَطَا، وَهَذَا طَرِيقٌ مُبَارَكٌ حَيْثُ رَأَيْنَا مَنْ يَخْدِمُ حُجْرَةَ النَّبِيِّ، ﷺ ، ثُمَّ وَدَّعَنِي وَأَرْسَلَ إِلَيَّ جُمْلَةً كَثِيرَةً مِنَ النَّفَقَةِ، وَمَضَى، وَكَانَ مِنْهُ وَمِنَ الْخَطَا مَا ذَكَرْنَاهُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَاجْتَمَعَ فِيهِ مَا تَفَرَّقَ فِي غَيْرِهِ مِنْ مُلُوكِ الْعَالَمِ، ﵀، وَلَوْ أَرَدْنَا ذِكْرَ مَنَاقِبِهِ لَطَالَ ذَلِكَ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ التَّتَرِ الْمُغَرِّبَةِ عَلَى مَازَنْدُرَانَ
لَمَّا أَيِسَ التَّتَرُ الْمُغَرِّبَةُ مِنْ إِدْرَاكِ خُوَارَزْم شَاهْ، عَادُوا فَقَصَدُوا بِلَادَ مَازَنْدُرَانَ فَمَلَكُوهَا فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ، مَعَ حَصَانَتِهَا وَصُعُوبَةِ الدُّخُولِ إِلَيْهَا، وَامْتِنَاعِ قِلَاعِهَا، فَإِنَّهَا لَمْ تَزَلْ مُمْتَنِعَةً قَدِيمَ الزَّمَانِ وَحَدِيثِهِ، حَتَّى إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا مَلَكُوا بِلَادَ الْأَكَاسِرَةِ جَمِيعَهَا، مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى أَقَاصِي خُرَاسَانَ، بَقِيَتْ أَعْمَالُ مَازَنْدُرَانَ يُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْخَرَاجُ، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى دُخُولِ الْبِلَادِ، إِلَى أَنْ مُلِكَتْ أَيَّامَ سُلَيْمَانِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ سَنَةَ تِسْعِينَ، وَهَؤُلَاءِ الْمَلَاعِينُ مَلَكُوهَا صَفْوًا عَفْوًا لِأَمَرٍ يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَمَّا مَلَكُوا بَلَدَ مَازَنْدُرَانَ قَتَلُوا، وَسَبَوْا، وَنَهَبُوا، وَأَحْرَقُوا الْبِلَادَ، وَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ مَازَنْدُرَانَ سَلَكُوا نَحْوَ الرَّيِّ، فَرَأَوْا قِيَّ الطَّرِيقِ وَالِدَةَ خُوَارَزْم شَاهْ وَنِسَاءَهُ، وَأَمْوَالَهُمْ، وَذَخَائِرَهُمُ الَّتِي لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا مِنَ الْأَعْلَاقِ النَّفِيسَةِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ وَالِدَةَ خُوَارَزْم شَاهْ لَمَّا سَمِعَتْ بِمَا جَرَى عَلَى وَلَدِهَا خَافَتْ، فَفَارَقَتْ خُوَارَزْمَ وَقَصَدَتْ نَحْوَ الرَّيِّ لِتَصِلَ إِلَى أَصْفَهَانَ وَهَمَذَانَ وَبَلَدِ الْجَبَلِ تَمْتَنِعُ فِيهَا، فَصَادَفُوهَا فِي الطَّرِيقِ،
стр. 6055
فَأَخَذُوهَا وَمَا مَعَهَا قَبْلَ وُصُولِهِمْ إِلَى الرَّيِّ، فَكَانَ فِيهِ مَا مَلَأَ عُيُونَهُمْ وَقُلُوبَهُمْ، وَمَا لَمْ يُشَاهِدِ النَّاسُ مِثْلَهُ مِنْ كُلِّ غَرِيبٍ مِنَ الْمَتَاعِ وَنَفِيسٍ مِنَ الْجَوَاهِرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَسَيَّرُوا الْجَمِيعَ إِلَى جِنْكِزْخَانْ بِسَمَرْقَنْدَ.
ذِكْرُ وَصُولِ التَّتَرِ إِلَى الرَّيِّ وَهَمَذَانَ
سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ وَصْلَ التَّتَرُ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ، إِلَى الرَّيِّ فِي طَلَبِ خُوَارَزْم شَاهْ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّهُمْ بَلَغَهُمْ أَنَّهُ مَضَى مُنْهَزِمًا مِنْهُمْ نَحْوَ الرَّيِّ، فَجَدُّوا السَّيْرَ فِي أَثَرِهِ، وَقَدِ انْضَافَ إِلَيْهِمْ كَثِيرٌ مِنْ عَسَاكِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا مِنَ الْمُفْسِدِينَ مَنْ يُرِيدُ النَّهْبَ وَالشَّرَّ، فَوَصَلُوا إِلَى الرَّيِّ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا، فَلَمْ يَشْعُرُوا بِهِمْ إِلَّا وَقَدْ وَصَلُوا إِلَيْهَا، وَمَلَكُوهَا، وَنَهَبُوهَا، وَسَبَوُا الْحَرِيمَ، وَاسْتَرَقُّوا الْأَطْفَالَ، وَفَعَلُوا الْأَفْعَالَ الَّتِي لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا، وَلَمْ يُقِيمُوا، وَمَضَوْا مُسْرِعِينَ فِي طَلَبِ خُوَارَزْم شَاهْ، فَنَهَبُوا فِي طَرِيقِهِمْ كُلَّ مَدِينَةٍ وَقَرْيَةٍ مَرُّوا عَلَيْهَا، وَفَعَلُوا فِي الْجَمِيعِ أَضْعَافَ مَا فَعَلُوا فِي الرَّيِّ، وَأَحْرَقُوا، وَخَرَّبُوا وَوَضَعُوا السَّيْفَ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ، فَلَمْ يُبْقُوا عَلَى شَيْءٍ.
وَتَمُّوا عَلَى حَالِهِمْ إِلَى هَمَذَانَ، وَكَانَ خُوَارَزْم شَاهْ قَدْ وَصَلَ إِلَيْهَا فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَفَارَقَهَا وَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ، فَلَا يُدْرَى مَا كَانَ مِنْهُ فِيمَا حَكَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْهُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
فَلَمَّا قَارَبُوا هَمَذَانَ خَرَجَ رَئِيسُهَا وَمَعَهُ الْحِمَلُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، يَطْلُبُ الْأَمَانَ لِأَهْلِ الْبَلَدِ، فَأَمَّنُوهُمْ، ثُمَّ فَارَقُوهَا وَسَارُوا إِلَى زَنْجَانَ فَفَعَلُوا أَضْعَافَ ذَلِكَ، وَسَارُوا وَوَصَلُوا إِلَى قَزْوِينَ، فَاعْتَصَمَ أَهْلُهَا مِنْهُمْ بِمَدِينَتِهِمْ، فَقَاتَلُوهُ، وَجَدُّوا فِي قِتَالِهِمْ، وَدَخَلُوهَا عَنْوَةً بِالسَّيْفِ، فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَأَهْلُ الْبَلَدِ فِي بَاطِنِهِ، حَتَّى صَارُوا يَقْتَتِلُونَ بِالسَّكَاكِينِ، فَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مَا لَا يُحْصَى، ثُمَّ فَارَقُوا قَزْوِينَ، فَعُدَّ الْقَتْلَى مِنْ أَهْلِ قَزْوِينَ، فَزَادُوا عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفِ قَتِيلٍ.
ذِكْرُ وَصُولِ التَّتَرِ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ
لَمَّا هَجَمَ الشِّتَاءُ عَلَى التَّتَرِ فِي هَمَذَانَ، وَبَلَدِ الْجَبَلِ، رَأَوْا بَرْدًا شَدِيدًا، وَثَلْجًا
стр. 6056
مُتَرَاكِمًا، فَسَارُوا إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَفَعَلُوا فِي طَرِيقِهِمْ بِالْقُرَى وَالْمُدُنِ الصِّغَارِ مِنَ الْقَتْلِ وَالنَّهْبِ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ مِنْهُمْ، وَخَرَّبُوا وَأَحْرَقُوا، وَوَصَلُوا إِلَى تِبْرِيزَ وَبِهَا صَاحِبُ أَذْرَبِيجَانَ أَوْزَبْكُ بْنُ الْبَهْلَوَانِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، وَلَا حَدَّثَ نَفْسَهُ بِقِتَالِهِمْ لِاشْتِغَالِهِ بِمَا هُوَ بِصَدَدِهِ مِنْ إِدْمَانِ الشُّرْبِ لَيْلًا وَنَهَارًا لَا يُفِيقُ، وَإِنَّمَا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَصَالَحَهُمْ عَلَى مَالٍ، وَثِيَابٍ، وَدَوَابَّ، وَحَمَلَ الْجَمِيعَ إِلَيْهِمْ، فَسَارُوا مِنْ عِنْدِهِ يُرِيدُونَ سَاحِلَ الْبَحْرِ، لِأَنَّهُ يَكُونُ قَلِيلَ الْبَرْدِ، لِيَشْتَوْا عَلَيْهِ وَالْمَرَاعِي بِهِ كَثِيرَةٌ لِأَجْلِ دَوَابِّهِمْ، فَوَصَلُوا إِلَى مُوقَانَ، وَتَطَرَّقُوا فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى بِلَادِ الْكَرَجِ، فَجَاءَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْكَرَجِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعَسْكَرِ، نَحْوَ عَشَرَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَتِ الْكَرَجُ، وَقُتِلَ أَكْثَرُهُمْ.
وَأَرْسَلَ الْكَرَجُ إِلَى أَوْزَبْكَ، صَاحِبِ أَذْرَبِيجَانَ، يَطْلُبُونَ مِنْهُ الصُّلْحَ وَالِاتِّفَاقَ مَعَهُمْ عَلَى دَفْعِ التَّتَرِ، فَاصْطَلَحُوا لِيَجْتَمِعُوا إِذَا انْحَسَرَ الشِّتَاءُ، وَكَذَلِكَ أَرْسَلُوا إِلَى الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ ابْنِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ، صَاحِبِ خِلَاطَ وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ، يَطْلُبُونَ مِنْهُ الْمُوَافَقَةَ عَلَيْهِمْ، وَظَنُّوا جَمِيعُهُمْ أَنَّ التَّتَرَ يَصْبِرُونَ فِي الشِّتَاءِ إِلَى الرَّبِيعِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا كَذَلِكَ، بَلْ تَحَرَّكُوا وَسَارُوا نَحْوَ بِلَادِ الْكَرَجِ، وَانْضَافَ إِلَيْهِمْ مَمْلُوكٌ تُرْكِيٌّ مِنْ مَمَالِيكِ أَوْزَبْكَ، اسْمُهُ أَقْوَشُ، وَجَمَعَ أَهْلَ تِلْكَ الْجِبَالِ وَالصَّحْرَاءِ مِنَ التُّرْكُمَانِ وَالْأَكْرَادِ وَغَيْرِهِمْ، فَاجْتَمَعَ، مَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَرَاسَلَ التَّتَرَ فِي الِانْضِمَامِ إِلَيْهِمْ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَمَالُوا إِلَيْهِ لِلْجِنْسِيَّةِ، فَاجْتَمَعُوا وَسَارُوا فِي مُقَدِّمَةِ التَّتَرِ إِلَى الْكَرَجِ، فَمَلَكُوا حِصْنًا مِنْ حُصُونِهِمْ وَخَرَّبُوهُ وَنَهَبُوا الْبِلَادَ وَخَرَّبُوهَا، وَقَتَلُوا أَهْلَهَا، وَنَهَبُوا أَمْوَالَهُمْ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى قُرْبِ تِفْلِيسَ.
فَاجْتَمَعَتِ الْكَرَجُ وَخَرَجَتْ بِحَدِّهَا وَحَدِيدِهَا إِلَيْهِمْ، فَلَقِيَهُمْ أَقْوَشُ أَوَّلًا فِيمَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا صَبَرُوا فِيهِ كُلُّهُمْ، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ أَقْوَشَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأَدْرَكَهُمُ التَّتَرُ وَقَدْ تَعِبَ الْكَرَجُ مِنَ الْقِتَالِ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ أَيْضًا كَثِيرٌ، فَلَمْ يَثْبُتُوا لِلتَّتَرِ، وَانْهَزَمُوا أَقْبَحَ هَزِيمَةٍ، وَرَكِبَهُمُ السَّيْفُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً، وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَنَهَبُوا مِنَ الْبِلَادِ مَا كَانَ سَلِمَ مِنْهُمْ.
وَلَقَدْ جَرَى لِهَؤُلَاءِ التَّتَرِ مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ وَحَدِيثِهِ: طَائِفَةٌ تَخْرُجُ
стр. 6057
مِنْ حُدُودِ الصِّينِ لَا تَنْقَضِي عَلَيْهِمْ سَنَةٌ حَتَّى يَصِلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بِلَادِ أَرْمِينِيَّةَ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ، وَيُجَاوِزُوا الْعِرَاقَ مِنْ نَاحِيَةِ هَمَذَانَ، وَتَاللَّهِ لَا شَكَّ أَنَّ مَنْ يَجِيءُ بَعْدَنَا، إِذَا بَعُدَ الْعَهْدُ، وَيَرَى هَذِهِ الْحَادِثَةَ مَسْطُورَةً يُنْكِرُهَا، وَيَسْتَبْعِدُهَا، وَالْحَقُّ بِيَدِهِ، فَمَتَى اسْتَبْعَدَ ذَلِكَ فَلْيَنْظُرْ أَنَّنَا سَطَّرْنَا نَحْنُ، وَكُلُّ مَنْ جَمَعَ التَّارِيخَ فِي أَزَمَانِنَا هَذِهِ فِي وَقْتٍ كُلُّ مَنْ فِيهِ يَعْلَمُ هَذِهِ الْحَادِثَةَ، اسْتَوَى فِي مَعْرِفَتِهَا الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ لِشُهْرَتِهَا، يَسَّرَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْإِسْلَامِ مَنْ يَحْفَظُهُمْ وَيَحُوطُهُمْ، فَلَقَدْ دُفِعُوا مِنَ الْعَدُوِّ إِلَى عَظِيمٍ، وَمِنَ الْمُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَنْ لَا تَتَعَدَّى هِمَّتُهُ بَطْنَهُ وَفَرْجَهُ، وَلَمْ يَنَلِ الْمُسْلِمِينَ أَذًى وَشِدَّةٌ مُذْ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ ، إِلَى هَذَا الْوَقْتِ مِثْلَ مَا دُفِعُوا إِلَيْهِ الْآنَ.
هَذَا الْعَدُوُّ الْكَافِرُ التَّتَرُ قَدْ وَطِئُوا بِلَادَ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَمَلَكُوهَا وَخَرَّبُوهَا، وَنَاهِيكَ بِهِ سَعَةَ بِلَادٍ، وَتَعَدَّتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ مِنْهُمُ النَّهْرَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَمَلَكُوهَا وَفَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِلَى الرَّيِّ وَبَلَدِ الْجَبَلِ وَأَذْرَبِيجَانَ، وَقَدِ اتَّصَلُوا بِالْكَرَجِ فَغَلَبُوهُمْ عَلَى بِلَادِهِمْ.
وَالْعَدُوُّ الْآخَرُ الْفِرِنْجُ قَدْ ظَهَرُوا مِنْ بِلَادِهِمْ فِي أَقْصَى بِلَادِ الرُّومِ، بَيْنَ الْغَرْبِ وَالشَّمَالِ، وَوَصَلُوا إِلَى مِصْرَ، فَمَلَكُوا مِثْلَ دِمْيَاطَ، وَأَقَامُوا فِيهَا، وَلَمْ يَقْدِرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى إِزْعَاجِهِمْ عَنْهَا، وَلَا إِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا، وَبَاقِي دِيَارِ مِصْرَ عَلَى خَطَرٍ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنَّ سُلْطَانَهُمْ خُوَارَزْم شَاهْ مُحَمَّدًا قَدْ عُدِمَ لَا يُعْرَفُ حَقِيقَةُ خَبَرِهِ، فَتَارَةً يُقَالُ مَاتَ عِنْدَ هَمَذَانَ وَأُخْفِي مَوْتُهُ، وَتَارَةً دَخَلَ أَطْرَافَ بِلَادِ فَارِسَ وَمَاتَ هُنَاكَ وَأُخْفِي مَوْتُهُ لِئَلَّا يَقْصِدَهَا التَّتَرُ فِي أَثَرِهِ، وَتَارَةً يُقَالُ عَادَ إِلَى طَبَرِسْتَانَ وَرَكِبَ الْبَحْرَ، فَتُوُفِّيَ فِي جَزِيرَةٍ هُنَاكَ، وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدَ عُدِمَ، ثُمَّ صَحَّ مَوْتُهُ بِبَحْرِ طَبَرِسْتَانَ، وَهَذَا عَظِيمٌ، إِنَّ مِثْلَ خُرَاسَانَ وَعِرَاقِ الْعَجَمِ أَصْبَحَ سَائِبًا لَا مَانِعَ لَهُ، وَلَا سُلْطَانَ يَدْفَعُ عَنْهُ، وَالْعَدُوُّ يَجُوسُ الْبِلَادَ، يَأْخُذُ مَا أَرَادَ وَيَتْرُكُ مَا أَرَادَ، عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُبْقُوا عَلَى مَدِينَةٍ إِلَّا خَرَّبُوا كُلَّ مَا مَرُّوا عَلَيْهِ، وَأَحْرَقُوهُ، وَنَهَبُوهُ، وَمَا لَا يَصْلُحُ لَهُمْ أَحْرَقُوهُ، فَكَانُوا يَجْمَعُونَ الْإِبْرَيْسَمَ تِلَالًا وَيُلْقُونَ فِيهِ النَّارَ. وَكَذَلِكَ غَيَرُهُ مِنَ الْأَمْتِعَةِ.
ذِكْرُ مُلْكِ التَّتَرِ مَرَاغَةَ
فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ مَلَكَ التَّتَرُ مَدِينَةَ مَرَاغَةَ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ.
стр. 6058
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّنَا ذَكَرْنَا سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ مَا فَعَلَهُ التَّتَرُ بِالْكَرَجِ، وَانْقَضَتْ تِلْكَ السَّنَةُ وَهُمْ فِي بِلَادِ الْكَرَجِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ سَارُوا مِنْ نَاحِيَةِ الْكَرَجِ، لِأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَوْكَةً قَوِيَّةً، وَمَضَايِقَ تَحْتَاجُ إِلَى قِتَالٍ وَصِرَاعٍ، فَعَدَلُوا عَنْهُمْ، وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَتُهُمْ، إِذَا قَصَدُوا مَدِينَةً وَرَأَوْا عِنْدَهَا امْتِنَاعًا عَدَلُوا عَنْهَا، فَوَصَلُوا إِلَى تِبْرِيزَ، وَصَانَعَهُمْ صَاحِبُهَا بِمَالٍ وَثِيَابٍ وَدَوَابَّ، فَسَارُوا عَنْهُ إِلَى مَدِينَةِ مَرَاغَةَ، فَحَصَرُوهَا وَلَيْسَ بِهَا صَاحِبٌ يَمْنَعُهَا، لِأَنَّ صَاحِبَهَا كَانْتَ امْرَأَةً، وَهِيَ مُقِيمَةٌ بِقَلْعَةِ رُوَينْدِزَ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» ".
فَلَمَّا حَصَرُوهَا قَاتَلَهُمْ أَهْلُهَا، فَنَصَبُوا عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، وَزَحَفُوا إِلَيْهَا، وَكَانَتْ عَادَتُهُمْ إِذَا قَاتَلُوا مَدِينَةً قَدَّمُوا مَنْ مَعَهُمْ مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يَزْحَفُونَ وَيُقَاتِلُونَ، فَإِنْ عَادُوا قَتَلُوهُمْ، فَكَانُوا يُقَاتِلُونَ كَرْهًا، وَهُمُ الْمَسَاكِينُ، كَمَا قِيلَ: كَالْأَشْقَرِ إِنْ تَقَدَّمَ يُنْحَرْ وَإِنْ تَأَخَّرَ يُعْقَرْ، وَكَانُوا هُمْ يُقَاتِلُونَ وَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ الْقَتْلُ فِي الْمُسْلِمِينَ الْأُسَارَى، وَهُمْ بِنَجْوَةٍ مِنْهُ.
فَأَقَامُوا عَلَيْهَا عِدَّةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ مَلَكُوا الْمَدِينَةَ عَنْوَةً وَقَهْرًا رَابِعَ صَفَرٍ، وَوَضَعُوا السَّيْفَ فِي أَهْلِهَا، فَقُتِلَ مِنْهُمْ مَا يَخْرُجُ عَنِ الْحَدِّ وَالْإِحْصَاءِ، وَنَهَبُوا كُلَّ مَا يَصْلُحُ لَهُمْ، وَمَا لَا يَصْلُحُ لَهُمْ أَحْرَقُوهُ، وَاخْتَفَى بَعْضُ النَّاسِ مِنْهُمْ، فَكَانُوا يَأْخُذُونَ الْأَسَارَى وَيَقُولُونَ لَهُمْ: نَادُوا فِي الدُّرُوبِ أَنَّ التَّتَرَ قَدْ رَحَلُوا، فَإِذَا نَادَى أُولَئِكَ خَرَجَ مَنِ اخْتَفَى فَيُؤْخَذُ وَيُقْتَلُ.
وَبَلَغَنِي أَنَّ امْرَأَةً مِنَ التَّتَرِ دَخَلَتْ دَارًا وَقَتَلَتْ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِهَا وَهُمْ يَظُنُّونَهَا رُجُلًا، فَوَضَعَتِ السِّلَاحَ وَإِذَا هِيَ امْرَأَةٌ، فَقَتَلَهَا رَجُلٌ أَخَذَتْهُ أَسِيرًا، وَسَمِعْتُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِهَا أَنَّ رَجُلًا مِنَ التَّتَرِ دَخَلَ دَرْبًا فِيهِ مَائَةُ رَجُلٍ، فَمَا زَالَ يَقْتُلُهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى أَفْنَاهُمْ، وَلَمْ يَمُدَّ أَحَدٌ يَدَهُ إِلَيْهِ بِسُوءٍ، وَوُضِعَتِ الذِّلَّةُ عَلَى النَّاسِ فَلَا يَدْفَعُونَ عَنْ نُفُوسِهِمْ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنِ الْخِذْلَانِ.
ثُمَّ رَحَلُوا عَنْهَا نَحْوَ مَدِينَةِ إِرْبِلَ، وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَيْنَا بِذَلِكَ بِالْمَوْصِلِ، فَخِفْنَا، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ هَمَّ بِالْجَلَاءِ خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ، وَجَاءَتْ كُتُبُ مُظَفَّرِ الدِّينِ، صَاحِبِ
стр. 6059
إِرْبِلَ، إِلَى بَدْرِ الدِّينِ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، يَطْلُبُ مِنْهُ نَجْدَةً مِنَ الْعَسَاكِرِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ جَمْعًا صَالِحًا مِنْ عَسْكَرِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى طَرَفِ بِلَادِهِ مِنْ جِهَةِ التَّتَرِ، وَيَحْفَظُ الْمَضَايِقَ لِئَلَّا يَجُوزَهَا أَحَدٌ، فَإِنَّهَا جَمِيعَهَا جِبَالٌ وَعِرَةٌ وَمَضَايِقُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَجُوزَهَا إِلَّا الْفَارِسُ بَعْدَ الْفَارِسِ، وَيَمْنَعُهُمْ مِنَ الْجَوَازِ إِلَيْهِ.
وَوَصَلَتْ كُتُبُ الْخَلِيفَةِ وَرُسُلُهُ إِلَى الْمَوْصِلِ وَإِلَى مُظَفَّرِ الدِّينِ يَأْمُرُ الْجَمِيعَ بِالِاجْتِمَاعِ مَعَ عَسَاكِرِهِ بِمَدِينَةِ دَقُوقَا لِيَمْنَعُوا التَّتَرَ، فَإِنَّهُمْ رُبَّمَا عَدَلُوا عَنْ جِبَالِ إِرْبِلَ، لِصُعُوبَتِهَا، إِلَى هَذِهِ النَّاحِيَةِ، وَيَطْرُقُونَ الْعِرَاقَ، فَسَارَ مُظَفَّرُ الدِّينِ مِنْ إِرْبِلَ فِي صَفَرٍ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ جَمْعٌ مِنْ عَسْكَرِ الْمَوْصِلِ، وَتَبِعَهُمْ مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ كَثِيرٌ.
وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ أَيْضًا إِلَى الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ يَأْمُرُهُ بِالْحُضُورِ بِنَفْسِهِ فِي عَسَاكِرِهِ لِيَجْتَمِعَ الْجَمِيعُ عَلَى قَصْدِ التَّتَرِ وَقِتَالِهِمْ، فَاتَّفَقَ أَنَّ الْمَلِكَ الْمُعَظَّمَ ابْنَ الْمَلِكِ الْعَادِلِ وَصَلَ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى أَخِيهِ الْأَشْرَفِ وَهُوَ بِحَرَّانَ يَسْتَنْجِدُهُ عَلَى الْفِرِنْجِ الَّذِينَ بِمِصْرَ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَحْضُرَ بِنَفْسِهِ لِيَسِيرُوا كُلُّهُمْ إِلَى مِصْرَ لِيَسْتَنْقِذُوا دِمْيَاطَ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَاعْتَذَرَ إِلَى الْخَلِيفَةِ بِأَخِيهِ، وَقُوَّةِ الْفِرِنْجِ، وَإِنْ لَمْ يَتَدَارَكْهَا، وَإِلَّا خَرَجَتْ هِيَ وَغَيْرُهَا، وَشَرَعَ يَتَجَهَّزُ لِلْمَسِيرِ إِلَى الشَّامِ لِيَدْخُلَ مِصْرَ. وَكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ اسْتِنْقَاذِ دِمْيَاطَ.
فَلَمَّا اجْتَمَعَ مُظَفَّرُ الدِّينِ وَالْعَسَاكِرُ بِدَقُوقَا سَيَّرَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِمْ مَمْلُوكَهُ قُشْتُمُرَ، وَهُوَ أَكْبَرُ أَمِيرٍ بِالْعِرَاقِ، وَمَعَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فِي نَحْوِ ثَمَانِي مِائَةِ فَارِسٍ، فَاجْتَمَعُوا هُنَاكَ لِيَتَّصِلَ بِهِمْ بَاقِي عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَى الْجَمِيعِ مُظَفَّرَ الدِّينِ، فَلَمَّا رَأَى قِلَّةَ الْعَسْكَرِ لَمْ يُقْدِمْ عَلَى قَصْدِ التَّتَرِ.
وَحَكَى مُظَفَّرُ الدِّينِ قَالَ: لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ الْخَلِيفَةُ فِي مَعْنَى قَصْدِ التَّتَرِ قُلْتُ لَهُ: إِنَّ الْعَدُوَّ قَوِيٌّ، وَلَيْسَ لِي مِنَ الْعَسْكَرِ مَا أَلْقَاهُ بِهِ، فَإِنِ اجْتَمَعَ مَعِي عَشَرَةُ آلَافِ فَارِسٍ اسْتَنْقَذْتُ مَا أُخِذَ مِنَ الْبِلَادِ فَأَمَرَنِي بِالْمَسِيرِ، وَوَعَدَنِي بِوُصُولِ الْعَسْكَرِ، فَلَمَّا سِرْتُ لَمْ يَحْضُرْ عِنْدِي غَيْرُ عَدَدٍ لَمْ يَبْلُغُوا ثَمَانِيَ مِائَةِ طَوَاشِيٍّ، فَأَقَمْتُ، وَمَا رَأَيْتُ الْمُخَاطَرَةَ بِنَفْسِي وَبِالْمُسْلِمِينَ.
وَلَمَّا سَمِعَ التَّتَرُ بِاجْتِمَاعِ الْعَسَاكِرِ لَهُمْ رَجَعُوا الْقَهْقَرَى ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ الْعَسْكَرَ
стр. 6060
يَتْبَعُهُمْ، فَلَمَّا لَمْ يَرَوْا أَحَدًا يَطْلُبُهُمْ أَقَامُوا، وَأَقَامَ الْعَسْكَرُ الْإِسْلَامِيُّ عِنْدَ دَقُوقَا، فَلَمَّا لَمْ يَرَوُا الْعَدُوَّ يَقْصِدُهُمْ، وَلَا الْمَدَدَ يَأْتِيهِمْ، تَفَرَّقُوا، وَعَادُوا إِلَى بِلَادِهِمْ.
ذِكْرُ مُلْكِ التَّتَرِ هَمَذَانَ وَقَتْلِ أَهْلِهَا
لَمَّا تَفَرَّقَ الْعَسْكَرُ الْإِسْلَامِيُّ عَادَ التَّتَرُ إِلَى هَمَذَانَ فَنَزَلُوا بِالْقُرْبِ مِنْهَا، وَكَانَ لَهُمْ بِهَا شِحْنَةٌ يَحْكُمُ فِيهَا، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ لِيَطْلُبَ مِنْ أَهْلِهَا مَالًا وَثِيَابًا، وَكَانُوا قَدْ اسْتَنْفَذُوا أَمْوَالَهُمْ فِي طُولِ الْمُدَّةِ، وَكَانَ رَئِيسُ هَمَذَانَ شَرِيفًا عَلَوِيًّا، وَهُوَ مِنْ بَيْتِ رِئَاسَةٍ قَدِيمَةٍ لِهَذِهِ الْمَدِينَةِ، هُوَ الَّذِي يَسْعَى فِي أُمُورِ أَهْلِ الْبَلَدِ مَعَ التَّتَرِ، وَيُوصِلُ إِلَيْهِمْ مَا يَجْمَعُهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَلَمَّا طَلَبُوا الْآنَ مِنْهُمُ الْمَالَ لَمْ يَجِدْ أَهْلُ هَمَذَانَ مَا يَحْمِلُونَهُ إِلَيْهِمْ، فَحَضَرُوا عِنْدَ الرَّئِيسِ وَمَعَهُ إِنْسَانٌ فَقِيهٌ قَدْ قَامَ فِي اجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ عَلَى الْكُفَّارِ قِيَامًا مُرْضِيًا، فَقَالُوا لَهُمَا: هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ قَدْ أَفْنَوْا أَمْوَالَنَا، وَلَمْ يَبْقَ لَنَا مَا نُعْطِيهِمْ، وَقَدْ هَلَكْنَا مِنْ أَخْذِهِمْ أَمْوَالَنَا، وَمَا يَفْعَلُهُ النَّائِبُ عَنْهُمْ بِنَا مِنَ الْهَوَانِ.
وَكَانُوا قَدْ جَعَلُوا بِهَمَذَانَ شِحْنَةً لَهُمْ يَحْكُمُ فِي أَهْلِهَا بِمَا يَخْتَارُهُ، فَقَالَ الشَّرِيفُ: إِذَا كُنَّا نَعْجِزُ عَنْهُمْ فَكَيْفَ الْحِيلَةُ؟ فَلَيْسَ لَنَا إِلَّا مُصَانَعَتُهُمْ بِالْأَمْوَالِ، فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ أَشَدُّ عَلَيْنَا مِنَ الْكُفَّارِ وَأَغْلَظُوا لَهُ فِي الْقَوْلِ، فَقَالَ: أَنَا وَاحِدٌ مِنْكُمْ، فَاصْنَعُوا مَا شِئْتُمْ. فَأَشَارَ الْفَقِيهُ بِإِخْرَاجِ شِحْنَةِ التَّتَرِ مِنَ الْبَلَدِ وَالِامْتِنَاعِ فِيهِ، وَمُقَاتَلَةِ التَّتَرِ ; فَوَثَبَ الْعَامَّةُ عَلَى الشِّحْنَةِ فَقَتَلُوهُ وَامْتَنَعُوا فِي الْبَلَدِ، فَتَقَدَّمَ التَّتَرُ إِلَيْهِمْ وَحَصَرُوهُمْ، وَكَانَتِ الْأَقْوَاتُ مُتَعَذِّرَةً فِي تِلْكَ الْبِلَادِ جَمِيعِهَا، لِخَرَابِهَا، وَقَتْلِ أَهْلِهَا، وَجَلَاءِ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ، فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى الطَّعَامِ إِلَّا قَلِيلًا، وَأَمَّا التَّتَرُ فَلَا يُبَالُونَ بِعَدَمِ الْأَقْوَاتِ لِأَنَّهُمْ لَا يَأْكُلُونَ إِلَّا اللَّحْمَ، وَلَا تَأْكُلُ دَوَابُّهُمْ إِلَّا نَبَاتَ الْأَرْضِ، حَتَّى إِنَّهَا تَحْفِرُ بِحَوَافِرِهَا الْأَرْضَ عَنْ عُرُوقِ النَّبَاتِ فَتَأْكُلُهَا.
فَلَمَّا حَصَرُوا هَمَذَانَ قَاتَلَهُمْ أَهْلُهَا وَالرَّئِيسُ وَالْفَقِيهُ فِي أَوَائِلِهِمْ، فَقُتِلَ مِنَ التَّتَرِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَجُرِحَ الْفَقِيهُ عِدَّةَ جِرَاحَاتٍ، وَافْتَرَقُوا، ثُمَّ خَرَجُوا مِنَ الْغَدِ فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ مِنَ الْقِتَالِ الْأَوَّلِ، وَقُتِلَ أَيْضًا مِنَ التَّتَرِ أَكْثَرُ مِنَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَجُرِحَ الْفَقِيهُ أَيْضًا عِدَّةَ جِرَاحَاتٍ وَهُوَ صَابِرٌ، وَأَرَادُوا أَيْضًا الْخُرُوجَ، الْيَوْمَ الثَّالِثَ، فَلَمْ يُطِقِ الْفَقِيهُ الرُّكُوبَ، وَطَلَبَ النَّاسُ الرَّئِيسَ الْعَلَوِيَّ فَلَمْ يَجِدُوهُ، كَانَ قَدْ هَرَبَ فِي سِرْبٍ صَنَعَهُ إِلَى
следующие страницы →