Полный текст (6 163 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.
стр. 5986
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّمِائَة]
٦٠٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّمِائَةٍ
ذِكْرُ عِصْيَانِ سَنْجَرَ مَمْلُوكِ الْخَلِيفَةِ بِخُوزِسْتَانَ وَمَسِيرِ الْعَسَاكِرِ إِلَيْهِ
كَانَ قُطْبُ الدِّينِ سَنْجَرُ، مَمْلُوكُ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ، قَدْ وَلَّاهُ الْخَلِيفَةُ خُوزِسْتَانَ بَعْدَ طَاشْتَكِينَ أَمِيرِ الْحَاجِّ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمَّا كَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّمِائَةٍ بَدَا مِنْهُ تَغَيُّرٌ عَنِ الطَّاعَةِ فَرُوسِلَ فِي الْقُدُومِ إِلَى بَغْدَادَ، فَغَالَطَ وَلَمْ يَحْضُرْ، وَكَانَ يُظْهِرُ الطَّاعَةَ وَيُبْطِنُ التَّغَلُّبَ عَلَى الْبِلَادِ، فَبَقِيَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إِلَى رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَتَقَدَّمَ الْخَلِيفَةُ إِلَى مُؤَيِّدِ الدِّينِ، نَائِبِ الْوِزَارَةِ، وَإِلَى عِزِّ الدِّينِ بْنِ نَجَاحٍ الشَّرَابِيِّ، خَاصِّ الْخَلِيفَةِ، بِالْمَسِيرِ بِالْعَسَاكِرِ إِلَيْهِ بِخُوزِسْتَانَ وَإِخْرَاجِهِ عَنْهَا، فَسَارَا فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ إِلَى خُوزِسْتَانَ، فَلَمَّا تَحَقَّقَ سَنْجَرُ قَصْدَهُمْ إِلَيْهِ، فَارَقَ الْبِلَادَ، وَلَحِقَ بِصَاحِبِ شِيرَازَ، وَهُوَ أَتَابِكْ عِزُّ الدِّينِ سَعْدُ بْنُ دَكْلَا مُلْتَجِئًا إِلَيْهِ، فَأَكْرَمَهُ وَقَامَ دُونَهُ.
وَوَصَلَ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ إِلَى خُوزِسْتَانِ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ بِغَيْرِ مُمَانِعَةٍ، فَلَمَّا اسْتَقَرُّوا فِي الْبِلَادِ رَاسَلُوا سَنْجَرَ يَدْعُونَهُ إِلَى الطَّاعَةِ، فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، فَسَارُوا إِلَى أَرَّجَانَ عَازِمِينَ عَلَى قَصْدِ صَاحِبِ شِيرَازَ، فَأَدْرَكَهُمُ الشِّتَاءُ، فَأَقَامُوا شُهُورًا وَالرُّسُلُ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ صَاحِبِ شِيرَازَ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى تَسْلِيمِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ شَوَّالٌ رَحَلُوا يُرِيدُونَ شِيرَازَ، فَحِينَئِذٍ أَرْسَلَ صَاحِبُهَا إِلَى الْوَزِيرِ وَالشَّرَابِيِّ يَشْفَعُ فِيهِ، وَيَطْلُبُ الْعَهْدَ لَهُ عَلَى أَنْ لَا يُؤْذَى، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَسَلَّمَهُ إِلَيْهِمْ هُوَ وَمَالَهُ وَأَهْلَهُ، فَعَادُوا إِلَى بَغْدَادَ وَسَنْجَرَ مَعَهُمْ تَحْتَ الِاسْتِظْهَارِ، وَوَلَّى الْخَلِيفَةُ بِلَادَ خُوزِسْتَانِ مَمْلُوكَهُ يَاقُوتًا أَمِيرَ الْحَاجِّ.
стр. 5987
وَوَصَلَ الْوَزِيرُ إِلَى بَغْدَادَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّمِائَةٍ هُوَ وَالشَّرَابِيُّ وَالْعَسَاكِرُ، وَخَرَجَ أَهْلُ بَغْدَادَ إِلَى تَلَقِّيهِمْ، فَدَخَلُوهَا وَسَنْجَرُ مَعَهُمْ رَاكِبًا عَلَى بَغْلٍ بِإِكَافٍ، وَفِي رِجْلِهِ سِلْسِلَتَانِ، فِي يَدِ كُلِّ جُنْدِيٍّ سِلْسِلَةٌ، وَبَقِيَ مَحْبُوسًا إِلَى أَنْ دَخَلَ صَفَرٌ، فَجُمِعَ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْأَعْيَانِ إِلَى دَارِ مُؤَيِّدِ الدِّينِ نَائِبِ الْوِزَارَةِ، فَأُحْضِرَ سَنْجَرُ وَقُرِّرَ بِأُمُورٍ نُسِبَتْ إِلَيْهِ مُنْكَرَةٍ، فَأَقَرَّ بِهَا، فَقَالَ مُؤَيِّدُ الدِّينِ لِلنَّاسِ: قَدْ عَرَفْتُمْ مَا تَقْتَضِيهِ السِّيَاسَةُ مِنْ عُقُوبَةِ هَذَا الرَّجُلِ، وَقَدْ عَفَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْهُ، وَأَمَرَ بِالْخِلَعِ عَلَيْهِ، فَلَبِسَهَا وَعَادَ إِلَى دَارِهِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ.
وَقِيلَ إِنَّ أَتَابِكْ سَعْدًا نَهَبَ مَالَ سَنْجَرَ وَخِزَانَتَهُ وَدَوَابَّهُ، وَكُلَّ مَا لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ، وَسَيَّرَهُمْ، فَلَمَّا وَصَلَ سَنْجَرُ إِلَى الْوَزِيرِ الشَّرَابِيِّ طَلَبُوا الْمَالَ، فَأَرْسَلَ شَيْئًا يَسِيرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ وَفَاةِ نُورِ الدِّينِ أَرَسْلَان شَاهْ وَشَيْءٍ مِنْ سِيرَتِهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَوَاخِرَ رَجَبٍ، تُوُفِّيَ نُورُ الدِّينِ أَرَسْلَان شَاهْ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِي بْنِ آقْسُنْقُرَ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ مَرَضُهُ قَدْ طَالَ، وَمِزَاجُهُ قَدْ فَسَدَ، وَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ شَهْمًا شُجَاعًا، ذَا سِيَاسَةٍ لِلرَّعَايَا، شَدِيدًا عَلَى أَصْحَابِهِ، فَكَانُوا يَخَافُونَهُ خَوْفًا شَدِيدًا، وَكَانَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ تَعَدِّي بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَكَانَ لَهُ هِمَّةً عَالِيَةً، أَعَادَ نَامُوسَ الْبَيْتِ الْأَتَابِكِيِّ وَجَاهَهُ، وَحُرْمَتَهُ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ قَدْ ذَهَبَتْ وَخَافَهُ الْمُلُوكُ ; وَكَانَ سَرِيعَ الْحَرَكَةِ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَبْرٌ فَلِهَذَا لَمْ يَتَّسِعْ مُلْكُهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْفَضِيلَةِ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا رَحَلَ الْكَامِلُ بْنُ الْعَادِلِ عَنْ مَارِدِينِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، عَفَّ عَنْهَا، وَأَبْقَاهَا عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَوْ قَصَدَهَا وَحَصَرَهَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا قُوَّةُ الِامْتِنَاعِ، لِأَنَّ مَنْ كَانُوا بِهَا كَانُوا قَدْ هَلَكُوا وَضَجِرُوا، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ رَمَقٌ، فَأَبْقَاهَا عَلَى صَاحِبِهَا.
стр. 5988
وَلَمَّا مَلَكَ اسْتَغَاثَ بِهِ إِنْسَانٌ مِنَ التُّجَّارِ، فَسَأَلَ عَنْ حَالِهِ، فَقِيلَ إِنَّهُ قَدْ أَدْخَلَ قُمَاشَهُ إِلَى الْبَلَدِ لِيَبِيعَهُ، فَلَمْ يَتِمَّ لَهُ الْبَيْعُ، وَيُرِيدُ إِخْرَاجَهُ، وَقَدْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَنْ مَنَعَهُ فَقِيلَ: ضَامِنٌ الْبَزِّ يُرِيدُ مِنْهُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنَ الْمَكْسِ، وَكَانَ الْقَيِّمُ بِتَدْبِيرِ مَمْلَكَتِهِ مُجَاهِدَ الدِّينِ قَايَمَازَ، وَهُوَ إِلَى جَانِبِهِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْعَادَةِ كَيْفَ هِيَ فَقَالَ: إِنِ اشْتَرَطَ صَاحِبُهُ إِخْرَاجَ مَتَاعَهُ مُكِّنَ مِنْ إِخْرَاجِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ لَمْ يُخْرَجْ حَتَّى يُؤْخَذَ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَخْذِهِ. فَقَالَ: وَاللَّهُ إِنَّ هَذِهِ الْعَادَةَ مُدَبَّرَةٌ، إِنْسَانٌ لَا يَبِيعُ مَتَاعَهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ مَالُهُ؟ فَقَالَ مُجَاهِدُ الدِّينِ: لَا شَكَّ فِي فَسَادِ هَذِهِ الْعَادَةِ. فَقَالَ: إِذَا قُلْنَا أَنَا وَأَنْتَ إِنَّهَا عَادَةٌ فَاسِدَةٌ، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ تَرْكِهَا. وَتَقَدَّمَ بِإِخْرَاجِ مَالِ الرَّجُلِ، وَأَنْ لَا يُؤْخَذَ إِلَّا مِمَّنْ بَاعَ.
وَسَمِعْتُ أَخِي مَجْدَ الدِّينِ أَبَا السِّعَادَاتِ ﵀ وَكَانَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ اخْتِصَاصًا بِهِ يَقُولُ: مَا قُلْتُ لَهُ يَوْمًا فِي فِعْلِ خَيْرٍ فَامْتَنَعَ مِنْهُ بَلْ بَادَرَ إِلَيْهِ بِفَرَحٍ وَاسْتِبْشَارٍ، وَاسْتَدْعَى فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ أَخِي الْمَذْكُورَ، فَرَكِبَ إِلَى دَارِهِ، فَلَمَّا كَانَ بِبَابِ الدَّارِ لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ وَبِيَدِهَا رُقْعَةٌ، وَهِيَ تَشْكُو، وَتَطْلُبُ عَرْضَهَا عَلَى نُورِ الدِّينِ، فَأَخَذَهَا، فَلَمَّا دَخَلَ إِلَيْهِ جَارَاهُ فِي مُهِمٍّ لَهُ، فَقَالَ: قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ تَقِفُ عَلَى هَذِهِ الرُّقْعَةِ، وَتَقْضِي شَغْلَ صَاحِبَتِهَا. فَقَالَ: لَا حَاجَةَ إِلَى الْوُقُوفِ عَلَيْهَا، عَرِّفْنَا إِيشْ فِيهَا. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّنِي رَأَيْتُ امْرَأَةً بِبَابِ الدَّارِ وَهِيَ مُتَظَلِّمَةٌ، شَاكِيَةٌ.
فَقَالَ: نَعَمْ عَرَفْتُ حَالَهَا ثُمَّ انْزَعَجَ فَظَهَرَ مِنْهُ الْغَيْظُ وَالْغَضَبُ، وَعِنْدَهُ رَجُلَانِ هُمَا الْقَيِّمَانِ بِأُمُورِ دَوْلَتِهِ، فَقَالَ لِأَخِيهِ: أَبْصِرْ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ قَدْ دَفَعَتْ مَعَ هَذَيْنِ. هَذِهِ الْمَرْأَةُ كَانَ لَهَا ابْنٌ، وَقَدْ مَاتَ مِنْ مُدَّةٍ فِي الْمَوْصِلِ، وَهُوَ غَرِيبٌ، وَخَلَّفَ قُمَاشًا وَمَمْلُوكَيْنِ، فَاحْتَاطَ نُوَّابُ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الْقُمَاشِ، وَأَحْضَرُوا الْمَمْلُوكَيْنِ إِلَيْنَا، فَبَقِيَا عِنْدَنَا نَنْتَظِرُ حُضُورَ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّرِكَةَ لِيَأْخُذَهَا، فَحَضَرَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ وَمَعَهَا كِتَابٌ، حُكْمِي بِأَنَّ الْمَالَ الَّذِي مَعَ وَلَدِهَا لَهَا، فَتَقَدَّمْنَا بِتَسْلِيمِ مَالِهَا إِلَيْهَا، وَقُلْتُ لِهَذَيْنِ:
стр. 5989
اشْتَرِيَا الْمَمْلُوكَيْنِ مِنْهَا، وَأَنْصِفَاهَا فِي الثَّمَنِ، فَعَادَا وَقَالَا: لَمْ يَتِمَّ بَيْنِنَا بَيْعٌ، لِأَنَّهَا طَلَبَتْ ثَمَنًا كَثِيرًا، فَأَمَرْتُهُمَا بِإِعَادَةِ الْمَمْلُوكَيْنِ إِلَيْهَا مِنْ مُدَّةِ شَهْرَيْنِ وَأَكْثَرَ، وَإِلَى الْآنِ مَا عُدْتُ سَمِعْتُ لَهَا حَدِيثًا، وَظَنَنْتُ أَنَّهَا أَخَذَتْ مَالَهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمَا لَمْ يُسَلِّمَا الْمَمْلُوكَيْنِ إِلَيْهَا، وَقَدِ اسْتَغَاثَتْ بِهِمَا فَلَمْ يُنْصِفَاهَا، فَجَاءَتْ إِلَيْكَ، وَكُلُّ مَنْ رَأَى هَذِهِ الْمَرْأَةَ تَشْكُو وَتَسْتَغِيثُ يَظُنُّ أَنِّي أَنَا مَنَعَتُهَا عَنْ مَالِهَا، فَيَذُمُّنِي، وَيَنْسِبُنِي إِلَى الظُّلْمِ، وَلَيْسَ لِي عِلْمٌ، وَكُلُّ هَذَا فِعْلُ هَذَيْنِ، أَشْتَهِي أَنْ تَتَسَلَّمَ أَنْتَ الْمَمْلُوكَيْنِ، وَتُسَلِّمَهُمَا إِلَيْهَا فَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ مَالَهَا وَعَادَتْ شَاكِرَةً دَاعِيَةً، وَلَهُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ كَثِيرٌ لَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِهِ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ ابْنِهِ الْمَلِكِ الْقَاهِرِ
لَمَّا حَضَرَ نُورَ الدِّينِ الْمَوْتُ أَمَرَ أَنْ يُرَتَّبَ فِي الْمُلْكِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ الْمَلِكُ الْقَاهِرُ عِزُّ الدِّينِ مَسْعُودٌ، وَحَلَّفَ لَهُ الْجُنْدَ وَأَعْيَانَ النَّاسِ، وَكَانَ قَدْ عَهِدَ إِلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِمُدَّةٍ، فَجَدَّدَ الْعَهْدَ لَهُ عِنْدَ وَفَاتِهِ، وَأَعْطَى وَلَدَهُ الْأَصْغَرَ عِمَادَ الدِّينِ زَنْكِي قَلْعَةَ عَقْرِ الْحُمَيْدِيَّةِ، وَقَلْعَةَ شُوشَ، وَوِلَايَتَهُمَا، وَسَيَّرَهُ إِلَى الْعَقْرِ. وَأَمَرَ أَنْ يَتَوَلَّى تَدْبِيرَ مَمْلَكَتِهِمَا وَيَقُومَ بِحِفْظِهِمَا، وَالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِهِمَا، فَأَتَاهُ الْأَمِيرُ بَدْرُ الدِّينِ لُؤْلُؤٌ لَمَّا رَأَى مِنْ عَقْلِهِ وَسِدَادِهِ، وَحُسْنِ سِيَاسَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَكَمَالِ خِلَالِ السِّيَادَةِ فِيهِ، وَكَانَ عُمُرُ الْقَاهِرِ حِينَئِذٍ عَشْرَ سِنِينَ.
وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ وَأَيِسَ مِنْ نَفْسِهِ أَمَرَهُ الْأَطِبَّاءُ بِالِانْحِدَارِ إِلَى الْحَامَّةِ الْمَعْرُوفَةِ بِعَيْنِ الْقَيَّارَةِ، وَهِيَ بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَوْصِلِ، فَانْحَدَرَ إِلَيْهَا فَلَمْ يَجِدْ بِهَا رَاحَةً، وَازْدَادَ ضَعْفًا، فَأَخَذَهُ بَدْرُ الدِّينِ وَأَصْعَدَهُ فِي الشَّبَّارَةِ إِلَى الْمَوْصِلِ فَتُوُفِّيَ فِي الطَّرِيقِ لَيْلًا وَمَعَهُ الْمَلَّاحُونَ وَالْأَطِبَّاءُ، بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ سِتْرٌ.
وَكَانَ مَعَ بَدْرِ الدِّينِ، عِنْدَ نُورِ الدِّينِ، مَمْلُوكَانِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ نُورُ الدِّينِ قَالَ لَهُمَا: لَا يَسْمَعُ أَحَدٌ بِمَوْتِهِ، وَقَالَ لِلْأَطِبَّاءِ وَالْمَلَّاحِينَ: لَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ، فَقَدْ نَامَ السُّلْطَانُ. فَسَكَتُوا، وَوَصَلُوا إِلَى الْمَوْصِلِ فِي اللَّيْلِ، فَأَمَرَ الْأَطِبَّاءَ وَالْمَلَّاحِينَ بِمُفَارَقَةِ الشَّبَّارَةِ ; لِئَلَّا يَرَوْهُ مَيِّتًا، وَأُبْعِدُوا، فَحَمَلَهُ هُوَ وَالْمَمْلُوكَانِ، وَأَدْخَلَهُ الدَّارَ، وَتَرَكَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي
стр. 5990
كَانَ فِيهِ وَمَعَهُ الْمَمْلُوكَانِ، وَنَزَّلَ عَلَى بَابِهِ مَنْ يَثِقُ بِهِ لَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنَ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، وَقَعَدَ مَعَ النَّاسِ يُمْضِي أُمُورًا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى إِتْمَامِهَا.
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ مَا يُرِيدُهُ أَظْهَرَ مَوْتَهُ وَقْتَ الْعَصْرِ، وَدُفِنَ لَيْلًا بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا مُقَابِلَ دَارِهِ، وَضَبَطَ الْبَلَدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ ضَبْطًا جَيِّدًا بِحَيْثُ إِنَّ النَّاسَ فِي اللَّيْلِ لَمْ يَزَالُوا مُتَرَدِّدِينَ لَمْ يَعْدَمْ مِنْ أَحَدٍ مَا مِقْدَارُهُ الْحَبَّةُ الْفَرْدُ، وَاسْتَقَرَّ الْمُلْكُ لِوَلَدِهِ، وَقَامَ بَدْرُ الدِّينِ بِتَدْبِيرِ الدَّوْلَةِ وَالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِهَا.
ذِكْرُ عَدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ، دَرَّسَ الْقَاضِي أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْمُفَرِّجِ، قَاضِي تَكْرِيتَ، بِالْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ اسْتُدْعِيَ مِنْ تَكْرِيتَ إِلَيْهَا.
وَفِيهَا نَقَصَتْ دِجْلَةُ بِالْعِرَاقِ نَقْصًا كَثِيرًا، حَتَّى كَانَ الْمَاءُ يَجْرِي بِبَغْدَادَ فِي نَحْوِ خَمْسَةِ أَذْرُعٍ، وَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ أَنْ يُكْرَى دِجْلَةُ، فَجَمَعَ الْخَلْقَ الْكَثِيرَ، وَكَانُوا كُلَّمَا حَفَرُوا شَيْئًا عَادَ الرَّمْلُ فَغَطَّاهُ، وَكَانَ النَّاسُ يَخُوضُونَ دِجْلَةَ فَوْقَ بَغْدَادَ، وَهَذَا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عَلَاءُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ وَلَدُ الْأَمِيرِ مُجَاهِدِ الدِّينِ يَاقُوتَ أَمِيرِ الْحَاجِّ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ وَلَّاهُ الْخَلِيفَةُ خُوزِسْتَانَ، وَجَعَلَهُ هُوَ أَمِيرَ الْحَاجِّ، وَجَعَلَ مَعَهُ مَنْ يُدَبِّرُ الْحَاجَّ، لِأَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا، فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ، تُوُفِّيَ ضِيَاءُ الدِّينِ أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَمِيرُ الْبَغْدَادِيُّ بِبَغْدَادَ، وَهُوَ سَبْطُ صَدْرِ الدِّينِ إِسْمَاعِيلَ شَيْخِ الشُّيُوخِ، وَعُمُرُهُ سَبْعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَشُهُورٌ، وَكَانَ صُوفِيًّا، فَقِيهًا، مُحَدِّثًا، سَمِعْنَا مِنْهُ الْكَثِيرَ ﵀ وَكَانَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ وَالصَّلَاحِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ شَيْخُنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُعَمَّرِ بْنِ طَبَرْزَدَ الْبَغْدَادِيُّ، وَكَانَ عَالِيَ الْإِسْنَادِ.
стр. 5991
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّمِائَة]
٦٠٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّمِائَةٍ
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ مَنْكِلِي عَلَى بِلَادِ الْجَبَلِ وَأَصْفَهَانَ وَغَيْرِهَا وَهَرَبِ إِيدَغْمَشَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَعْبَانَ، قَدِمَ إِيدَغْمَشُ، صَاحِبُ هَمَذَانَ وَأَصْفَهَانَ وَالرَّيِّ وَمَا بَيْنَهَا مِنِ الْبِلَادِ، إِلَى بَغْدَادَ، هَارِبًا مِنْ مَنْكِلِي.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنْ إِيدَغْمَشَ كَانَ قَدْ تَمَكَّنَ فِي الْبِلَادِ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ، وَانْتَشَرَ صِيتُهُ. وَكَثُرَ عَسْكَرُهُ، حَتَّى أَنَّهُ حَصَرَ صَاحِبَهُ أَبَا بَكْرِ بْنَ الْبَهْلَوَانِ، صَاحِبَ هَذِهِ الْبِلَادِ: أَذْرَبِيجَانَ وَأَرَّانَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
فَلَمَّا كَانَ الْآنَ خَرَجَ عَلَيْهِ مَمْلُوكٌ اسْمُهُ مَنْكِلِي، وَنَازَعَهُ فِي الْبِلَادِ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ. وَأَطَاعَهُ الْمَمَالِيكُ الْبَهْلَوَانِيَّةُ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَهَرَبَ مِنْهُ شَمْسُ الدِّينِ إِيدَغْمَشُ إِلَى بَغْدَادَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا أَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِالِاحْتِفَالِ لَهُ فِي اللِّقَاءِ فَخَرَجَ النَّاسُ كَافَّةً، وَكَانَ يَوْمُ وُصُولِهِ مَشْهُودًا، ثُمَّ قَدِمَتْ زَوْجَتُهُ فِي رَمَضَانَ فِي مَحْمَلٍ، فَأُكْرِمَتْ وَأُنْزِلَتْ عِنْدَ زَوْجِهَا، وَأَقَامَ بِبَغْدَاذَ إِلَى سَنَةِ عَشْرٍ وَسِتِّمِائَةٍ، فَسَارَ عَنْهَا فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا نَذْكُرُهُ.
ذِكْرُ نَهْبِ الْحَاجِّ بِمِنًى
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ نُهِبَ الْحَاجُّ بِمِنًى، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بَاطِنِيًّا وَثَبَ عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الْأَمِيرِ قَتَادَةَ، صَاحِبِ مَكَّةَ، فَقَتَلَهُ بِمِنًى ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ قَتَادَةَ، فَلَمَّا سَمِعَ قَتَادَةُ ذَلِكَ جَمَعَ الْأَشْرَافَ وَالْعَرَبَ وَالْعَبِيدَ وَأَهْلَ مَكَّةَ، وَقَصَدُوا الْحَاجَّ، وَنَزَلُوا عَلَيْهِمْ مِنَ الْجَبَلِ،
стр. 5992
وَرَمَوْهُمْ بِالْحِجَارَةِ وَالنَّبْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ أَمِيرُ الْحَاجِّ وَلَدَ الْأَمِيرِ يَاقُوتَ الْمُقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَهُوَ صَبِيٌّ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَفْعَلُ، فَخَافَ وَتَحَيَّرَ وَتَمَكَّنَ أَمِيرُ مَكَّةَ مَنْ نَهْبِ الْحَاجِّ، فَنَهَبُوا مِنْهُمْ مَنْ كَانَ فِي الْأَطْرَافِ، وَأَقَامُوا عَلَى حَالِهِمْ إِلَى اللَّيْلِ.
فَاضْطَرَبَ الْحَاجُّ، وَبَاتُوا بِأَسْوَأِ حَالٍ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ مِنَ الْقَتْلِ وَالنَّهْبِ.
فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لِأَمِيرِ الْحَاجِّ لِيَنْتَقِلَ بِالْحُجَّاجِ إِلَى مَنْزِلَةِ حُجَّاجِ الشَّامِ، فَأَمَرَ بِالرَّحِيلِ، فَرَفَعُوا أَثْقَالَهُمْ عَلَى الْجِمَالِ وَاشْتَغَلَ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَطَمِعَ الْعَدُوُّ فِيهِمْ. وَتَمَكَّنَ مِنَ النَّهْبِ كَيْفَ أَرَادَ، فَكَانَتِ الْجِمَالُ تُؤْخَذُ بِأَحْمَالِهَا، وَالْتَحَقَ مَنْ سَلِمَ بِحُجَّاجِ الشَّامِ فَاجْتَمَعُوا بِهِمْ، ثُمَّ رَحَلُوا إِلَى الزَّاهِرِ، وَمُنِعُوا مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَدَخَلُوهَا وَتَمَّمُوا حَجَّهُمْ وَعَادُوا.
ثُمَّ أَرْسَلَ قَتَادَةُ وَلَدَهُ وَجَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى بَغْدَادَ، فَدَخَلُوهَا وَمَعَهُمُ السُّيُوفُ مَسْلُولَةٌ وَالْأَكْفَانُ، فَقَبَّلُوا الْعَتَبَةَ، وَاعْتَذَرُوا مِمَّا جَرَى عَلَى الْحُجَّاجِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَظْهَرَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ، وَمُقَدَّمُهُمُ الْجَلَالُ بْنُ الصَّبَاحِ، الِانْتِقَالَ عَنْ فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَاسْتِحْلَالِهَا، وَأَمَرَ بِإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ بِبِلَادِهِمْ مِنْ خُرَاسَانَ وَالشَّامِ، وَأَرْسَلَ مُقَدَّمُهُمْ رُسُلًا إِلَى الْخَلِيفَةِ، وَغَيْرِهِ مِنْ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ، يُخْبِرُهُمْ بِذَلِكَ، وَأَرْسَلَ وَالِدَتَهُ إِلَى الْحَجِّ، فَأُكْرِمَتْ بِبَغْدَادَ إِكْرَامًا عَظِيمًا، وَكَذَلِكَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا، سَلْخَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، تُوُفِّيَ أَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مَنَعَةَ،
стр. 5993
الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، بِمَدِينَةِ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ إِمَامًا فَاضِلًا، إِلَيْهِ انْتَهَتْ رِيَاسَةُ الشَّافِعِيَّةِ، لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ مِثْلُهُ، وَكَانَ حَسَنَ الْأَخْلَاقِ، كَثِيرَ التَّجَاوُزِ عَنِ الْفُقَهَاءِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، ﵀.
وَفَى شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضَائِلِ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْآمِدِيِّ الْوَاسِطِيُّ، قَاضِيهَا، وَكَانَ نَعْمَ الرَّجُلُ.
وَفِي شَعْبَانَ تُوُفِّيَ الْمُعِينُ أَبُو الْفُتُوحِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَمِينُ، شَيْخُ الشُّيُوخِ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِجَزِيرَةِ كَاسٍ، مَضَى إِلَيْهَا رَسُولًا مِنَ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَ مِنْ أَصْدِقَائِنَا، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ مُتَأَكَّدَةٌ، وَصُحْبَةٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ - وَلَهُ كِتَابَةٌ حَسَنَةٌ، وَشِعْرٌ جَيِّدٌ وَكَانَ عَالِمًا بِالْفِقْهِ وَغَيْرِهِ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ رَتَّبَ أَخُوهُ زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ أَبِي أَحْمَدَ، وَكَانَ نَاظِرًا عَلَى الْمَارَسْتَانِ الْعَضُدِيِّ، فَتَرَكَهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى الرِّبَاطِ.
وَفِي ذِي الْحِجَّةِ تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ الْكَاتِبُ الْحَسَنُ الْخَطِّ، وَكَانَ يُؤَدِّي طَرِيقَةَ ابْنِ الْبَوَّابِ وَكَانَ فَقِيهًا، حَاسِبًا، مُتَكَلِّمًا.
وَتُوُفِّيَ عُمَرُ بْنُ مَسْعُودٍ أَبِي الْعِزِّ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَزَّازُ الْبَغْدَادِيُّ بِهَا، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ، يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ الْفُقَرَاءُ كَثِيرًا، وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمْ.
وَتُوُفِّيَ أَيْضًا أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ حَمْدُونَ الثَّعْلَبِيُّ الْعَدَوِيُّ، وَهُوَ وَلَدُ مُصَنِّفِ التَّذْكِرَةِ، وَكَانَ عَالِمًا.
стр. 5994
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسِتِّمِائَة]
٦٠٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسِتِّمِائَةٍ
ذِكْرُ قُدُومِ ابْنِ مَنْكِلِي بَغْدَادَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ قَدِمَ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْكِلِي، الْمُسْتَوْلِي عَلَى بِلَادِ الْجَبَلِ إِلَى بَغْدَادَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ مَنْكِلِي لَمَّا اسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِ الْجَبَلِ، وَهَرَبَ إِيدَغْمَشُ صَاحِبُهَا مِنْهَا إِلَى بَغْدَادَ خَافَ أَنْ يُسَاعِدَهُ الْخَلِيفَةُ، وَيُرْسِلَ مَعَهُ الْعَسَاكِرَ فَيَعْظُمَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ تَمَكَّنَ فِي الْبِلَادِ، فَأَرْسَلَ وَلَدَهُ مُحَمَّدًا وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَسْكَرِ فَخَرَجَ النَّاسُ بِبَغْدَادَ عَلَى طَبَقَاتِهِمْ يَلْتَقُونَهُ، وَأُنْزِلَ وَأُكْرِمَ، وَبَقِيَ بِبَغْدَادَ إِلَى أَنَّ قُتِلَ إِيدَغْمَشُ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ مَعَهُ، وَأُكْرِمُوا، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى أَبِيهِ.
ذِكْرُ عِدَّةَ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيُّوبَ صَاحِبُ مِصْرَ وَالشَّامِ، عَلَى أَمِيرٍ اسْمُهُ أُسَامَةُ، كَانَ لَهُ إِقْطَاعٌ كَثِيرٌ مِنْ جُمْلَتِهِ حِصْنُ كَوْكَبَ مِنْ أَعْمَالِ الْأُرْدُنِّ بِالشَّامِ، وَأَخَذَ مِنْهُ حِصْنَ كَوْكَبَ وَخَرَّبَهُ، وَعَفَّى أَثَرَهُ، وَمِنْ بَعْدِهِ بَنَى حِصْنًا بِالْقُرْبِ مِنْ عَكَّا عَلَى جَبَلٍ يُسَمَّى الطُّورَ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ هُنَاكَ، وَشَحْنَهُ بِالرِّجَالِ وَالذَّخَائِرِ وَالسِّلَاحِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْفَقِيهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي الصَّيْفِ الْيَمَنِيُّ، فَقِيهُ الْحَرَمِ الشَّرِيفِ بِمَكَّةَ.
стр. 5995
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَسِتِّمِائَة]
٦١٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَسِتِّمِائَةٍ
ذِكْرُ قَتْلِ إِيدَغْمَشَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، قُتِلَ إِيدْغَمْشُ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ هَمَذَانَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ ثَمَانٍ أَنَّهُ قَدِمَ إِلَى بَغْدَادَ وَأَقَامَ بِهَا، فَأَنْعَمَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ، وَشَرَّفَهُ بِالْخِلَعِ، وَأَعْطَاهُ الْكُوسَاتِ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَسَيَّرَهُ إِلَى هَمَذَانَ، فَسَارَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ عَنْ بَغْدَادَ قَاصِدًا إِلَى هَمَذَانَ، فَوَصَلَ إِلَى بِلَادِ ابْنِ تَرْجَمَ وَاجْتَمَعَا، وَأَقَامَ يَنْتَظِرُ وُصُولَ عَسَاكِرِ بَغْدَادَ إِلَيْهِ لِيَسِيرَ مَعَهُ عَلَى قَاعِدَةٍ اسْتَقَرَّتْ بَيْنَهُمَا.
وَكَانَ الْخَلِيفَةُ قَدْ عَزَلَ سُلَيْمَانَ بْنَ تَرْجَمَ عَنِ الْإِمَارَةِ عَلَى عَشِيرَتِهِ مِنَ التُّرْكُمَانِ الْإِيوَانِيَّةِ، وَوَلَّى أَخَاهُ الْأَصْغَرَ، فَأَرْسَلَ سُلَيْمَانُ إِلَى مَنْكِلِي يُعَرِّفُهُ بِحَالِ إِيدَغْمَشَ، وَمَضَى هُوَ عَلَى وَجْهِهِ، فَأَخَذُوهُ فَقَتَلُوهُ، وَحَمَلُوا رَأْسَهُ إِلَى مَنْكِلِي، وَتَفَرَّقَ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي الْبِلَادِ لَا يَلْوِي أَخٌ عَلَى أَخِيهِ.
وَوَصَلَ الْخَبَرُ بِقَتْلِهِ إِلَى بَغْدَادَ، فَعَظُمَ عَلَى الْخَلِيفَةِ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَنْكِلِي يُنْكِرُ عَلَيْهِ مَا فَعَلَ فَأَجَابَ جَوَابًا شَدِيدًا، وَتَمَكَّنَ مِنَ الْبِلَادِ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ وَكَثُرَتْ جُمُوعُ عَسَاكِرِهِ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَبُو فِرَاسِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ فِرَاسٍ الْحِلِّيُّ، نِيَابَةً
стр. 5996
عَنْ أَمِيرِ الْحَاجِّ يَاقُوتَ، وَمُنِعَ ابْنُ يَاقُوتَ عَنِ الْحَجِّ ; لِمَا جَرَى لِلْحَاجِّ فِي وِلَايَتِهِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا، فِي الْمُحَرَّمِ، تُوُفِّيَ الْحَكِيمُ الْمُهَذَّبُ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هُبَلَ، الطَّبِيبُ الْمَشْهُورُ، كَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالطِّبِّ، رَوَى الْحَدِيثَ، وَكَانَ مُقِيمًا بِالْمَوْصِلِ، وَبِهَا مَاتَ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ، حَسَنَ الْأَخْلَاقِ، وَلَهُ تَصْنِيفٌ حَسَنٌ فِي الطِّبِّ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الضِّيَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ، الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ، صَاحِبُ ابْنِ الْمَنِّيِّ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَيْضًا أَحْمَدُ بْنُ مَسْعُودٍ التُّرْكِسْتَانِيُّ، الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ بِبَغْدَادَ، وَهُوَ مُدَرِّسُ مَشْهِدِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْأُولَى، تُوُفِّيَ مُعِزُّ الدِّينِ أَبُو الْمَعَالِي سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ حَدِيدٍ، الَّذِي كَانَ وَزِيرَ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ، وَكَانَ قَدْ أُلْزِمَ بَيْتَهُ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ حُمِلَ تَابُوتُهُ إِلَى مَشْهَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، ﵇، بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ فِي وِزَارَتِهِ، كَثِيرَ الْخَيْرِ وَالنَّفْعِ لِلنَّاسِ.
стр. 5997
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَة]
ذِكْرُ مُلْكِ خُوَارَزْم شَاهْ عَلَاءِ الدِّينِ كَرْمَانَ وَمَكْرَانَ وَالسِّنْدَ
هَذِهِ الْحَادِثَةُ لَا أَعْلَمُ الْحَقِيقَةَ أَيَّ سَنَةٍ كَانَتْ، إِنَّمَا هِيَ إِمَّا هَذِهِ السَّنَةَ، أَوْ قَبْلَهَا بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهَا بِقَلِيلٍ، لِأَنَّ الَّذِي أَخْبَرَ بِهَا كَانَ مِنْ أَجْنَادِ الْمَوْصِلِ، وَسَافَرَ إِلَى تِلْكَ الْبِلَادِ وَأَقَامَ بِهَا عِدَّةَ سِنِينَ، وَسَارَ مَعَ الْأَمِيرِ أَبِي بَكْرٍ، الَّذِي فَتَحَ كَرْمَانَ، ثُمَّ عَادَ فَأَخْبَرَنِي بِهَا عَلَى شَكٍّ مِنْ وَقْتِهَا، وَقَدْ حَضَرَهَا فَقَالَ: خُوَارَزْم شَاهْ مُحَمَّدُ بْنُ تُكَشَ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ أُمَرَاءِ أَبِيهِ أَمِيرٌ اسْمُهُ أَبُو بَكْرٍ، وَلَقَبُهُ تَاجُ الدِّينِ.
وَكَانَ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ جَمَّالًا يَكْرِي الْجِمَالَ فِي الْأَسْفَارِ، ثُمَّ جَاءَتْهُ السَّعَادَةُ، فَاتَّصَلَ بِخُوَارَزْم شَاهْ، وَصَارَ سِيرَوَانَ جِمَالِهِ، فَرَأَى مِنْهُ جَلَدًا وَأَمَانَةً، فَقَدَّمَهُ إِلَى أَنْ صَارَ مِنْ أَعْيَانِ أُمَرَاءِ عَسْكَرِهِ، فَوَلَّاهُ مَدِينَةَ زَوْزَنَ، وَكَانَ عَاقِلًا ذَا رَأْيٍ، وَحَزْمٍ، وَشَجَاعَةٍ، فَتَقَدَّمَ عِنْدَ خُوَارَزْم شَاهْ تَقَدُّمًا كَثِيرًا، فَوَثِقَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ أُمَرَاءِ دَوْلَتِهِ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِخُوَارَزْم شَاهْ: إِنْ بِلَادَ كَرْمَانَ مُجَاوِرَةٌ لِبَلَدِي، فَلَوْ أَضَافَ السُّلْطَانُ إِلَيَّ عَسْكَرًا لِمَلَكْتُهَا فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ. فَسَيَّرَ مَعَهُ عَسْكَرًا كَثِيرًا فَمَضَى إِلَى كَرْمَانَ، وَصَاحِبُهَا اسْمُهُ حَرْبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَضْلِ الَّذِي كَانَ صَاحِبُ سِجِسْتَانَ أَيَّامَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، فَقَاتَلَهُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ قُوَّةٌ، وَضَعُفَ، فَمَلَكَ أَبُو بَكْرٍ بِلَادَهُ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى نُوَاحِي مَكْرَانَ فَمَلَكَهَا كُلَّهَا إِلَى السِّنْدِ، مِنْ حُدُودِ كَابُلَ، وَسَارَ إِلَى هُرْمُزَ، مَدِينَةً عَلَى سَاحِلِ بَحْرِ مَكْرَانَ، فَأَطَاعَهُ صَاحِبُهَا، وَاسْمُهُ مِلْنَكَ، وَخَطَبَ بِهَا لِخُوَارَزْم شَاهْ، وَحَمَلَ عَنْهَا مَالًا، وَخَطَبَ لَهُ بِقَلْهَاتٍ، وَبَعْضِ عُمَانَ، لِأَنَّ أَصْحَابَهَا كَانُوا يُطِيعُونَ صَاحِبَ هُرْمُزَ.
стр. 5998
وَسَبَبُ طَاعَتِهِمْ لَهُ، مَعَ بُعْدِ الشُّقَّةِ، وَالْبَحْرُ يَقْطَعُ بَيْنَهُمْ، أَنَّهُمْ يَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ لِيَأْمَنَ أَصْحَابُ الْمَرَاكِبِ الَّتِي تَسِيرُ إِلَيْهِمْ عِنْدَهُ، فَإِنَّ هُرْمُزَ مَرْسًى عَظِيمٌ، وَمَجْمَعٌ لِلتُّجَّارِ مِنْ أَقَاصِي الْهِنْدِ وَالصِّينِ وَالْيَمَنِ، وَغَيْرِهَا مِنِ الْبِلَادِ، وَكَانَ بَيْنَ صَاحِبِ هُرْمُزَ وَبَيْنَ صَاحِبِ كِيشَ حُرُوبٌ وَمُغَاوَرَاتٌ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَنْهَى أَصْحَابَ الْمَرَاكِبِ أَنْ تُرْسِيَ بِبَلَدِ خَصْمِهِ، وَهُمْ كَذَلِكَ إِلَى الْآنِ.
وَكَانَ خُوَارَزْم شَاهْ يَصِيفُ بِنَوَاحِي سَمَرْقَنْدَ ; لِأَجَلِ التَّتَرِ أَصْحَابِ كَشْلِي خَانْ، لِئَلَّا يَقْصِدَ بِلَادَهُ، وَكَانَ سَرِيعَ السَّيْرِ، إِذَا قَصَدَ جِهَةً سَبَقَ خَبَرَهُ إِلَيْهَا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ مُؤَيَّدُ الْمُلْكِ الشَّحْرِيُّ، وَكَانَ قَدْ وَزَرَ لِشِهَابِ الدِّينِ الْغُورِيِّ، وَلِتَاجِ الدِّينِ أَلْدُزَ بَعْدَهُ وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، جَمِيلَ الِاعْتِقَادِ، مُحْسِنًا إِلَى الْعُلَمَاءِ، وَأَهْلِ الْخَيْرِ وَغَيْرِهِمْ، يَزُورُهُمْ وَيَبَرُّهُمْ، وَيَحْضُرُ الْجُمُعَةَ مَاشِيًا وَحْدَهُ.
وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ بَعْضَ عَسْكَرِ أَلْدُزَ كَرِهُوهُ، وَكَانَ كُلَّ سَنَةٍ يَتَقَدَّمُ إِلَى الْبِلَادِ الْحَارَّةِ بَيْنَ يَدِي أَلْدُزِ. أَوَّلَ الشِّتَاءِ، فَسَارَ هَذِهِ السَّنَةَ كَعَادَتِهِ، فَجَاءَ أَرْبَعُونَ نَفَرًا أَتْرَاكًا وَقَالُوا لَهُ: السُّلْطَانُ يَقُولُ لَكَ تَحْضُرُ جَرِيدَةً فِي عَشَرَةِ نَفَرٍ لِمُهِمٍّ تَجَدَّدَ ; فَسَارَ مَعَهُمْ جَرِيدَةً فِي عَشَرَةِ مَمَالِيكَ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى نَهَوَنْدَ بِالْقُرْبِ مِنْ مَاءِ السِّنْدِ قَتَلُوهُ وَهَرَبُوا، ثُمَّ إِنَّهُمْ ظَفِرَ بِهِمْ خُوَارَزْم شَاهْ مُحَمَّدٌ فَقَتَلَهُمْ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا فِي رَجَبٍ تُوُفِّيَ الرُّكْنُ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلِيُّ الْبَغْدَادِيُّ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ قَدْ وَلِيَ عِدَّةَ وِلَايَاتٍ، وَكَانَ يُتَّهَمُ بِمَذْهَبِ
стр. 5999
الْفَلَاسِفَةِ حَتَّى إِنَّهُ رَأَى أَبُوهُ يَوْمًا عَلَيْهِ قَمِيصًا بُخَارِيًّا، فَقَالَ: مَا هَذَا الْقَمِيصُ؟ فَقَالَ: بُخَارِيٌّ. فَقَالَ أَبُوهُ: هَذَا عَجَبٌ! مَا زِلْنَا نَسْمَعُ: مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ، وَأَمَّا كَافِرٌ وَالْبُخَارِيُّ فَمَا سَمِعْنَا.
وَأُخِذَتْ كُتُبُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعِدَّةِ سِنِينَ وَأُظْهِرَتْ فِي مَلَإٍ مِنَ النَّاسِ، وَرُئِيَ فِيهَا مِنْ تَبْخِيرِ النُّجُومِ وَمُخَاطَبَةِ زُحَلِ بِالْآلِهِيَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْكُفْرِيَّاتِ، ثُمَّ أُحْرِقَتْ بِبَابِ الْعَامَّةِ وَحُبِسَ، ثُمَّ أُفْرِجَ عَنْهُ بِشَفَاعَةِ أَبِيهِ وَاسْتُعْمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَفِيهَا أَيْضًا تُوُفِّيَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الزَّاهِدِ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ عَالِمًا بِالنِّجُومِ وَاللُّغَةِ.
وَفِي شَعْبَانَ مِنْهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْمُظَفَّرِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْبَلِّ الدُّورِيُّ الْوَاعِظُ، وَدُفِنَ بِرِبَاطٍ عَلَى نَهْرِ عِيسَى، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ عَشْرٍ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَفِي شَوَّالٍ مِنْهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ الْأَخْضَرِ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الْمُحَدِّثِينَ، وَلَهُ سَبْعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً.
стр. 6000
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَة]
٦١٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ
ذِكْرُ قَتْلِ مَنْكِلِي وَوِلَايَةِ إِيدَغْمَشَ مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنَ الْمَمَالِكِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، انْهَزَمَ مَنْكِلِي، صَاحِبُ هَمَذَانَ وَأَصْفَهَانَ وَالرَّيِّ وَمَا بَيْنَهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَمَضَى هَارِبًا، فَقُتِلَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ مَلَكَ الْبِلَادَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَتَلَ إِيدَغْمَشَ، فَأُرْسِلَ إِلَيْهِ مِنَ الدِّيوَانِ الْخَلِيفِيِّ رَسُولٌ يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَكَانَ قَدْ أَوْحَشَ الْأَمِيرَ أَوْزَبْكَ بْنَ الْبَهْلَوَانِ، صَاحِبَ أَذْرَبِيجَانَ، وَهُوَ صَاحِبُهُ وَمَخْدُومُهُ، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِ يُحَرِّضُهُ عَلَى مَنْكِلِي وَيَعِدُهُ النُّصْرَةَ، وَأَرْسَلَ أَيْضًا إِلَى جَلَالِ الدِّينِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، صَاحِبِ قِلَاعِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ بِبِلَادِ الْعَجَمِ، أَلَمَوْتَ وَغَيْرِهَا، يَأْمُرُهُ بِمُسَاعَدَةِ أَوْزَبْكَ عَلَى قِتَالِ مَنْكِلِي، وَاسْتَقَرَّتِ الْقَوَاعِدُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْخَلِيفَةِ بَعْضُ الْبِلَادِ، وَلِأَوْزَبْكَ بَعْضُهَا، وَيُعْطَى جَلَالُ الدِّينِ بَعْضَهَا، فَلَمَّا اسْتَقَرَّتِ الْقَوَاعِدُ عَلَى ذَلِكَ جَهَّزَ الْخَلِيفَةُ عَسْكَرًا كَثِيرًا، وَجَعَلَ مُقَدَّمَهُمْ مَمْلُوكَهُ مُظَفَّرَ الدِّينِ سُنْقُرَ، الْمُلَقَّبُ بِوَجْهِ السَّبُعِ، وَأَرْسَلَ إِلَى مُظَفَّرِ الدِّينِ كُوكُبْرِي بْنِ زَيْنِ الدِّينِ عَلِيٍّ كُوجَكَ، وَهُوَ إِذْ ذَاكَ صَاحِبُ إِرْبِلَ وَشَهْرَزُورَ وَأَعْمَالِهَا، يَأْمُرُهُ أَنْ يَحْضُرَ بِعَسَاكِرِهِ، وَيَكُونُ مُقَدَّمَ الْعَسَاكِرِ جَمِيعِهَا، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ فِي الْحَرْبِ.
فَحَضَرَ، وَحَضَرَ مَعَهُ عَسْكَرُ الْمَوْصِلِ وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ، وَعَسْكَرُ حَلَبَ، فَاجْتَمَعَتْ عَسَاكِرُ كَثِيرَةٌ، وَسَارُوا إِلَى هَمَذَانَ، فَاجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ كُلُّهَا فَانْزَاحَ مَنْكِلِي مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَتَعَلَّقَ بِالْجِبَالِ، وَتَبِعُوهُ، فَنَزَلُوا بِسَفْحِ جَبَلٍ هُوَ فِي أَعْلَاهُ بِالْقُرْبِ مِنْ مَدِينَةِ كَرَجَ، وَضَاقَتِ الْمِيرَةُ وَالْأَقْوَاتُ عَلَى الْعَسْكَرِ الْخَلِيفِيِّ جَمِيعِهِ وَمَنْ مَعَهُمْ، فَلَوْ أَقَامَ مَنْكِلِي بِمَوْضِعِهِ لَمْ يُمْكِنْهُمُ الْمَقَامُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، لَكِنَّهُ طَمِعَ فَنَزَلَ بِبَعْضِ
стр. 6001
عَسْكَرِهِ مِنَ الْجَبَلِ مُقَابِلَ الْأَمِيرِ أَوْزَبْكَ، فَحَمَلُوا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ أَوْزَبْكُ، وَمَضَى مُنْهَزِمًا، فَعَادَ أَصْحَابُ مَنْكِلِي وَصَعِدُوا الْجَبَلَ، وَعَادَ أَوْزَبْكُ إِلَى خِيَامِهِ، فَطَمِعَ مَنْكِلِي حِينَئِذٍ، وَنَزَلَ مِنَ الْغَدِ فِي جَمِيعِ عَسْكَرِهِ، وَاصْطَفَّتِ الْعَسَاكِرُ لِلْحَرْبِ وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ يَكُونُ فَانْهَزَمَ مَنْكِلِي وَصَعِدَ الْجَبَلَ، فَلَوْ أَقَامَ بِمَكَانِهِ لَمْ يُشِرْ أَحَدٌ عَلَى الصُّعُودِ إِلَيْهِ وَكَانَ قُصَارُهُمُ الْعَوْدَ عَنْهُ، لَكِنَّهُ اتَّخَذَ اللَّيْلَ جَمَلًا، وَفَارَقَ مَوْضِعَهُ وَمَضَى مُنْهَزِمًا، فَتَبِعَهُ نَفَرٌ يَسِيرُ مِنْ عَسْكَرِهِ، وَفَارَقَهُ الْبَاقُونَ وَتَفَرَّقُوا أَيْدِي سَبَا.
وَاسْتَوْلَى عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ وَأَوْزَبْكُ عَلَى الْبِلَادِ، فَأَعْطَى جَلَالُ الدِّينِ، مَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، مِنَ الْبِلَادِ مَا كَانَ اسْتَقِرَّ لَهُ، وَأَخَذَ الْبَاقِي أَوْزَبْكُ فَسَلَّمَهُ إِلَى أَغْلَمْشَ مَمْلُوكِ أَخِيهِ، وَكَانَ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى خُوَارَزْم شَاهْ عَلَاءُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ وَبَقِيَ عِنْدَهُ، ثُمَّ عَادَ عَنْهُ، وَشَهِدَ الْحَرْبَ وَأَبْلَى فِيهَا، فَوَلَّاهُ أَوْزَبْكُ الْبِلَادَ، وَعَادَ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى بِلَادِهِمْ.
وَأَمَّا مَنْكِلِي فَإِنَّهُ مَضَى مُنْهَزِمًا إِلَى مَدِينَةِ سَاوَةَ، وَبِهَا شِحْنَةٌ هُوَ صَدِيقٌ لَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الدُّخُولِ إِلَى الْبَلَدِ، فَأَذِنَ لَهُ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ فَلَقِيَهُ وَقَبَّلَ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَدْخَلَهُ الْبَلَدَ، وَأَنْزَلَهُ فِي دَارِهِ، ثُمَّ أَخَذَ سِلَاحَهُ، وَأَرَادَ أَنْ يُقَيِّدَهُ وَيُرْسِلَهُ إِلَى أَغْلَمْشَ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ هُوَ وَلَا يُرْسِلَهُ، فَقَتَلَهُ، وَأَرْسَلَ رَأْسَهُ إِلَى أَوْزَبْكَ، وَأَرْسَلَهُ أَوْزَبْكُ إِلَى بَغْدَادَ، وَكَانَ يَوْمُ دُخُولِهَا يَوْمًا مَشْهُودًا إِلَّا أَنَّهُ لَمْ تَتِمَّ الْمَسَرَّةُ لِلْخَلِيفَةِ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ وَصَلَ وَمَاتَ وَلَدُهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ، فَأُعِيدَ وَدُفِنَ.
ذِكْرُ وَفَاةِ ابْنِ الْخَلِيفَةِ
قِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، تُوُفِّيَ وَلَدُ الْخَلِيفَةِ وَهُوَ الْأَصْغَرُ، وَكَانَ يُلَقَّبُ الْمَلِكَ الْمُعَظَّمَ وَاسْمُهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ، وَكَانَ أَحَبَّ وَلَدَيِ الْخَلِيفَةِ إِلَيْهِ، وَقَدْ رَشَّحَهُ لِوِلَايَةِ الْعَهْدِ بَعْدَهُ، وَعَزَلَ وَلَدَهَ الْأَكْبَرَ عَنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ وَاطَّرَحَهُ لِأَجْلِ هَذَا الْوَلَدِ.
стр. 6002
وَكَانَ ﵀، كَرِيمًا، كَثِيرَ الصَّدَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ حَسَنَ السِّيرَةِ، مَحْبُوبًا إِلَى الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ ; أَنَّهُ أَصَابَهُ إِسْهَالٌ فَتُوُفِّيَ، وَحَزِنَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ حُزْنًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ حَتَّى إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِ الْأَطْرَافِ يَنْهَاهُمْ عَنْ إِنْفَاذِ رَسُولٍ إِلَيْهِ يُعَزِّيهِ بِوَلَدِهِ، وَلَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا، وَلَا سَمِعَ رِسَالَةً، وَانْقَطَعَ، وَخَلَا بِهُمُومِهِ وَأَحْزَانِهِ، وَرُؤِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْحُزْنِ وَالْجَزَعِ مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ أُخْرِجَ نَهَارًا، وَمَشَى جَمِيعُ النَّاسِ بَيْنَ يَدَيْ تَابُوتِهِ إِلَى تُرْبَةِ جَدَّتِهِ عِنْدَ قَبْرِ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ، فَدُفِنَ عِنْدَهَا، وَلَمَّا أُدْخِلَ التَّابُوتُ أُغْلِقَتِ الْأَبْوَابُ، وَسُمِعَ الصُّرَاخُ الْعَظِيمُ مِنْ دَاخِلِ التُّرْبَةِ فَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ صَوْتُ الْخَلِيفَةِ.
وَأَمَّا الْعَامَّةُ بِبَغْدَادَ فَإِنَّهُمْ وَجَدُوا عَلَيْهِ وَجْدًا شَدِيدًا، وَدَامَتِ الْمَنَاحَاتُ عَلَيْهِ فِي أَقْطَارِ بَغْدَادَ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَمْ يَبْقَ بِبَغْدَادَ مَحَلَّةٌ إِلَّا وَفِيهَا النَّوْحُ، وَلَمْ تَبْقَ امْرَأَةٌ إِلَّا وَأَظْهَرَتِ الْحُزْنَ، وَمَا سُمِعَ بِبَغْدَادَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ وَحَدِيثِهِ.
وَكَانَ مَوْتُهُ وَقْتَ وُصُولِ رَأْسِ مَنْكِلِي إِلَى بَغْدَادَ، فَإِنَّ الْمَوْكِبَ أُمِرَ بِالْخُرُوجِ إِلَى لِقَاءِ الرَّأْسِ، فَخَرَجَ النَّاسُ كَافَّةً، فَلَمَّا دَخَلُوا بِالرَّأْسِ إِلَى رَأْسِ دَرْبِ حَبِيبٍ وَقَعَ الصَّوْتُ بِمَوْتِ ابْنِ الْخَلِيفَةِ، فَأُعِيدَ الرَّأْسُ وَهَذَا دَأْبُ الدُّنْيَا، لَا يَصْفُو أَبَدًا فَرَحُهَا مِنْ تَرَحٍ، وَقَدْ تَخْلُصُ مَصَائِبُهَا مِنْ شَائِبَةِ الْفَرَحِ.
ذِكْرُ مُلْكِ خُوَارَزْم شَاهْ غَزْنَةَ وَأَعْمَالَهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ، مَلَكَ خُوَارَزْم شَاهْ مُحَمَّدُ بْنُ تُكَشَ مَدِينَةَ غَزْنَةَ وَأَعْمَالَهَا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ خُوَارَزْم شَاهْ لَمَّا اسْتَوْلَى عَلَى عَامَّةِ خُرَاسَانَ، وَمَلَكَ بَامِيَانَ وَغَيْرَهَا، أَرْسَلَ إِلَى تَاجِ الدِّينِ، صَاحِبِ غَزْنَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَخْبَارُهُ حَتَّى مَلَكَهَا، يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَخْطُبَ لَهُ، وَيَضْرِبَ السِّكَّةَ بِاسْمِهِ، وَيُرْسِلَ إِلَيْهِ فِيلًا وَاحِدًا لِيُصَالِحَهُ، وَيُقِرَّ بِيَدِهِ غَزْنَةَ، وَلَا يُعَارِضَهُ فِيهَا، فَأَحْضَرَ الْأُمَرَاءَ وَأَعْيَانَ دَوْلَتِهِ وَاسْتَشَارَهُمْ.
وَكَانَ فِيهِمْ أَكْبَرُ أَمِيرٍ اسْمُهُ قَتْلَغُ تَكِينَ، وَهُوَ مِنْ مَمَالِيكِ شِهَابِ الدِّينِ الْغُورِيِّ
стр. 6003
أَيْضًا، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ فِي دَوْلَةِ أَلْدُزَ، وَهُوَ النَّائِبُ عَنْهُ بِغَزْنَةَ، فَقَالَ: أَرَى أَنْ تَخْطُبَ لَهُ، وَتُعْطِيَهِ مَا طَلَبَ، وَتَسْتَرِيحَ مِنَ الْحَرْبِ وَالْقِتَالِ، وَلَيْسَ لَنَا بِهَذَا السُّلْطَانِ قُوَّةٌ.
فَقَالَ الْجَمَاعَةُ مِثْلَ قَوْلِهِ، فَأَجَابَ إِلَى مَا طُلِبَ مِنْهُ وَخَطَبَ لِخُوَارَزْم شَاهْ، وَضَرَبَ السِّكَّةَ بِاسْمِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فِيلًا، وَأَعَادَ رَسُولَهُ إِلَيْهِ، وَمَضَى إِلَى الصَّيْدِ.
فَأَرْسَلَ قِتَلْغُ تَكِينَ وَالِيَ غَزْنَةَ، إِلَى خُوَارَزْم شَاهْ يَطْلُبُهُ لِيُسَلِّمَ إِلَيْهِ غَزْنَةَ، فَسَارَ مُجِدًّا، وَسَبَقَ خَبَرَهُ، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ قِتَلْغُ تَكِينَ غَزْنَةَ وَقَلْعَتَهَا، فَلَمَّا دَخَلَ إِلَيْهَا قَتَلَ مَنْ بِهَا مِنْ عَسْكَرِ الْغُورِيَّةِ لَا سِيَّمَا الْأَتْرَاكُ، فَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى أَلْدُزَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ قِتَلْغُ تَكِينَ، وَكَيْفَ مَلَكَ الْقَلْعَةَ مَعَ وُجُودِهِ فِيهَا؟ فَقِيلَ: هُوَ الَّذِي أَحْضَرَهُ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ، فَمَضَى هَارِبًا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى لَهَاوُورَ، وَأَقَامَ خُوَارَزْم شَاهْ بِغَزْنَةَ، فَلَمَّا تَمَكَّنَ مِنْهَا أَحْضَرَ قِتَلْغُ تَكِينَ فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ حَالُكَ مَعَ أَلْدُزَ؟ وَكَانَ عَالِمًا بِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ تَكُونَ لَهُ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: كِلَانَا مَمَالِيكُ شِهَابِ الدِّينِ، وَلَمْ يَكُنْ أَلْدُزَ يُقِيمُ بِغَزْنَةَ إِلَّا أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ الصَّيْفِ، وَأَنَا الْحَاكِمُ فِيهَا، وَالْمَرْجِعُ إِلَيَّ فِي كُلِّ الْأُمُورِ.
فَقَالَ لَهُ خُوَارَزْم شَاهْ: إِذَا كُنْتَ لَا تَرْعَى لِرَفِيقِكَ وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ صُحْبَتَهُ وَإِحْسَانَهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالِي أَنَا مَعَكَ، وَمَا الَّذِي تَصْنَعُ مَعَ وَلَدِي إِذَا تَرَكْتُهُ عِنْدَكَ؟ فَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ مِنْهُ أَمْوَالًا جَمَّةً ; حَمَلَهَا ثَلَاثُونَ دَابَّةً مِنْ أَصْنَافِ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْتِعَةِ، وَأَحْضَرَ أَرْبَعَمِائَةِ مَمْلُوكٍ، فَلَمَّا أَخَذَ مَالَهُ قَتَلَهُ وَتَرَكَ وَلَدَهُ جَلَالَ الدِّينِ بِغَزْنَةَ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ عَسْكَرِهِ وَأُمَرَائِهِ.
وَقِيلَ إِنَّ مُلْكَ خُوَارَزْم شَاهْ غَزْنَةَ كَانَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ أَلْدُزَ عَلَى لَهَاوُورَ وَقَتْلِهِ
لَمَّا هَرَبَ أَلْدُزُ مِنْ غَزْنَةَ إِلَى لَهَاوُورَ لَقِيَهُ صَاحِبُهَا نَاصِرُ الدِّينِ قَبَاجَةُ، وَهُوَ مِنْ مَمَالِيكِ شِهَابِ الدِّينِ الْغُورِيِّ أَيْضًا، وَلَهُ مِنَ الْبِلَادِ لَهَاوُورُ، وَمُلْتَانُ وَأُوجَةُ،
стр. 6004
وَدَيْبُلُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، وَمَعَهُ نَحْوُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَكَانَ قَدْ بَقِيَ مَعَ أَلْدُزَ نَحْوُ أَلْفٍ وَخَمْسُمِائَةِ فَارِسٍ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا مَصَافٌّ، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتْ مَيْمَنَةُ أَلْدُزَ وَمَيْسَرَتُهُ، وَأُخِذَتِ الْفِيَلَةُ الَّتِي مَعَهُ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ غَيْرُ فِيلَيْنِ مَعَهُ فِي الْقَلْبِ.
فَقَالَ الْفَيَّالُ: إِذًا أُخَاطِرُ بِسَعَادَتِكَ، وَأَمَرَ أَحَدَ الْفِيلَيْنِ أَنْ يَحْمِلَ عَلَى الْعَلَمِ الَّذِي لِقَبَاجَةَ يَأْخُذُهُ، وَأَمَرَ الْفِيلَ الْآخَرَ، الَّذِي لَهُ أَيْضًا أَنْ يَأْخُذَ الْجَتَرَ الَّذِي لَهُ، فَأَخَذَهُ أَيْضًا، وَالْفِيَلَةُ الْمُعَلَّمَةُ تَفْهَمُ مَا يُقَالُ لَهَا، هَذَا رَأَيْنَاهُ، فَحَمَلَ الْفِيلَانِ، وَحَمَلَ مَعَهُمَا أَلْدُزُ فِيمَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَكَشَفَ رَأَسَهُ، وَقَالَ بِالْعَجَمِيَّةِ مَا مَعْنَاهُ: إِمَّا مُلْكٌ، وَإِمَّا هُلْكٌ! وَاخْتَلَطَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَفَعَلَ الْفِيلَانِ مَا أَمَرَهُمَا الْفَيَّالُ مِنْ أَخْذِ الْعَلَمِ وَالْجَتَرِ، فَانْهَزَمَ قَبَاجَةُ وَعَسْكَرُهُ، وَمَلَكَ أَلْدُزُ مَدِينَةَ لَهَاوُورَ.
ثُمَّ سَارَ إِلَى بِلَادِ الْهِنْدِ لِيَمْلِكَ مَدِينَةَ دَهْلَةَ وَغَيْرَهَا مِمَّا بِيَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ صَاحِبُ دَهْلَةَ أَمِيرًا اسْمُهُ التِّرْمِشُ، وَلَقَبُهُ شَمْسُ الدِّينِ، وَهُوَ مِنْ مَمَالِيكِ قُطْبِ الدِّينِ أَيْبَكَ، مَمْلُوكِ شِهَابِ الدِّينِ أَيْضًا، كَانَ قَدْ مَلَكَ الْهِنْدَ بَعْدَ سَيِّدِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِ التِّرْمِشُ سَارَ إِلَيْهِ فِي عَسَاكِرِهِ كُلِّهَا، فَلَقِيَهُ عِنْدَ مَدِينَةِ سَمَاتَا فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ أَلْدُزُ وَعَسْكَرُهُ، وَأُخِذَ وَقُتِلَ.
وَكَانَ أَلْدُزُ مَحْمُودَ السِّيرَةِ فِي وِلَايَتِهِ، كَثِيرَ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الرَّعِيَّةِ لَاسِيَّمَا التُّجَّارُ وَالْغُرَبَاءُ، وَمِنْ مَحَاسِنِ أَعْمَالِهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ، وَلَهُمْ مُعَلِّمٌ يُعَلِّمُهُمْ، فَضَرَبَ الْمُعَلِّمُ أَحَدَهُمْ فَمَاتَ، فَأَحْضَرَهُ أَلْدُزُ وَقَالَ لَهُ: يَا مِسْكِينُ! مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا تَأْدِيبَهُ، فَاتَّفَقَ أَنْ مَاتَ. فَقَالَ: صَدَقْتَ. وَأَعْطَاهُ نَفَقَةً، وَقَالَ لَهُ: تَغِيبُ فَإِنَّ أُمَّهُ لَا تَقْدِرُ عَلَى الصَّبْرِ فَرُبَّمَا أَهْلَكَتْكَ وَلَا أَقْدِرُ أَمْنَعُ عَنْكَ. فَلَمَّا سَمِعَتْ أُمُّ الصَّبِيِّ بِمَوْتِهِ طَلَبَتِ الْأُسْتَاذَ لِتَقْتُلَهُ فَلَمْ تَجِدْهُ، فَسَلِمَ وَكَانَ هَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا يُحْكَى عَنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ.
стр. 6005
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
[الْوَفَيَاتُ]
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْوَجِيهُ الْمُبَارَكُ بْنُ أَبِي الْأَزْهَرِ سَعِيدُ بْنُ الدِّهَانِ الْوَاسِطِيُّ النَّحْوِيُّ الضَّرِيرُ، كَانَ نِحْرِيرًا فَاضِلًا، قَرَأَ عَلَى الْكَمَالِ بْنِ الْأَنْبَارِيِّ وَعَلَى غَيْرِهِ، وَكَانَ حَنْبَلِيًّا فَصَارَ حَنَفِيًّا ثُمَّ صَارَ شَافِعِيًّا، فَقَالَ فِيهِ أَبُو الْبَرَكَاتِ بْنُ زَيْدٍ التِّكْرِيتِيُّ:
أَلَا مُبْلِغًا عَنِّي الْوَجِيهَ رِسَالَةً ... وَإِنْ كَانَ لَا تُجْدِي لَدَيْهِ الرَّسَائِلُ
تَمَذْهَبْتَ لِلنُّعْمَانِ مِنْ بَعْدِ حَنْبَلٍ ... وَفَارَقْتَهُ إِذْ غَوَّرَتْكَ الْمَآكِلُ
وَمَا اخْتَرْتَ رَأْيَ الشَّافِعِيِّ تَدَيُّنًا ... وَلَكِنَّمَا تَهْوَى الَّذِي هُوَ حَاصِلُ
وَعَمَّا قَلِيلٍ أَنْتَ لَا شَكَّ صَائِرٌ ... إِلَى مَالِكٍ، فَافْطَنْ لِمَا أَنَا قَائِلُ
стр. 6006
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَة]
٦١٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ صَاحِبِ حَلَبَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، تُوُفِّيَ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ غَازِي بْنُ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ، وَهُوَ صَاحِبُ مَدِينَةِ حَلَبَ وَمَنْبِجَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ بِلَادِ الشَّامِ، وَكَانَ مَرَضُهُ إِسْهَالًا، وَكَانَ شَدِيدَ السِّيرَةِ، ضَابِطًا لِأُمُورِهِ كُلِّهَا، كَثِيرَ الْجَمْعِ لِلْأَمْوَالِ مِنْ غَيْرِ جِهَاتِهَا الْمُعْتَادَةِ، عَظِيمَ الْعُقُوبَةِ عَلَى الذَّنْبِ لَا يَرَى الصَّفْحَ، وَلَهُ مَقَصَدٌ يَقْصِدُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ مِنْ أَطْرَافِ الْبِلَادِ، وَالشُّعَرَاءِ وَأَهْلِ الدِّينِ وَغَيْرِهِمْ، فَيُكْرِمُهُمْ، وَيُجْرِي عَلَيْهِمُ الْجَارِي الْحَسَنَ.
وَلَمَّا اشْتَدَّتْ عِلَّتُهُ عَهِدَ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ لِوَلَدٍ لَهُ صَغِيرٍ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، وَلَقَبُهُ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ غِيَاثُ الدِّينِ، عُمُرُهُ ثَلَاثُ سِنِينَ، وَعَدَلَ عَنْ وَلَدٍ كَبِيرٍ ; لِأَنَّ الصَّغِيرَ كَانَتْ أُمُّهُ ابْنَةَ عَمِّهِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ، صَاحِبِ مِصْرَ وَدِمَشْقَ وَغَيْرِهِمَا مِنِ الْبِلَادِ، فَعَهِدَ بِالْمُلْكِ لَهُ لِيُبْقِيَ عَمُّهُ الْبِلَادَ عَلَيْهِ، وَلَا يُنَازِعَهُ فِيهَا.
وَمِنْ أَعْجَبِ مَا يُحْكَى أَنَّ الْمَلِكَ الظَّاهِرَ، قَبْلَ مَرَضِهِ، أَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى عَمِّهِ الْعَادِلِ بِمِصْرَ، يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَحْلِفَ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ، فَقَالَ الْعَادِلُ: سُبْحَانَ اللَّهُ! أَيُّ حَاجَةٍ إِلَى هَذِهِ الْيَمِينِ؟ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ مِثْلَ بَعْضِ أَوْلَادِي. فَقَالَ الرَّسُولُ: قَدْ طَلَبَ هَذَا وَاخْتَارَهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ إِجَابَتِهِ إِلَيْهِ. فَقَالَ الْعَادِلُ: كَمْ مِنْ كَبْشٍ فِي الْمَرْعَى وَخَرُوفٌ عِنْدَ الْقَصَّابِ، وَحَلِفَ.
стр. 6007
فَاتَّفَقَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ أَنْ تُوُفِّيَ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ وَالرَّسُولُ فِي الطَّرِيقِ، وَلَمَّا عَهِدَ الظَّاهِرُ إِلَى وَلَدِهِ بِالْمُلْكِ جَعَلَ أَتَابِكَهُ وَمُرَبِّيَهُ خَادِمًا رُومِيًّا، اسْمُهُ طُغْرُلْ، وَلَقَبُهُ شِهَابُ الدِّينِ، وَهُوَ مِنْ خِيَارِ عِبَادِ اللَّهِ، كَثِيرُ الصَّدَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ الظَّاهِرُ، أَحْسَنَ شِهَابُ الدِّينِ هَذَا السِّيرَةَ فِي النَّاسِ، وَعَدَلَ فِيهِمْ، وَأَزَالَ كَثِيرًا مِنَ السُّنَنِ الْجَارِيَةِ، وَأَعَادَ أَمْلَاكًا كَانَتْ قَدْ أُخِذَتْ مِنْ أَرْبَابِهَا، وَقَامَ بِتَرْبِيَةِ الطِّفْلِ أَحْسَنَ قِيَامٍ، وَحَفَظَ بِلَادَهَ، وَاسْتَقَامَتِ الْأُمُورُ بِحُسْنِ سِيرَتِهِ وَعَدْلِهِ، وَمَلَكَ مَا كَانَ يَتَعَذَّرُ عَلَى الظَّاهِرِ مُلْكَهُ، فَمِنْ ذَلِكَ تَلُّ بَاشَرَ، كَانَ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَعَرَّضَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ مَلِكُهَا كِيكَاوِشُ، مَلِكُ الرُّومِ - كَمَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - انْتَقَلَتْ إِلَى شِهَابِ الدِّينِ، وَمَا أَقْبَحَ بِالْمُلُوكِ وَأَبْنَاءِ الْمُلُوكِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الرَّجُلُ الْغَرِيبُ الْمُنْفَرِدُ أَحْسَنَ سِيرَةً، وَأَعَفَّ عَنْ أَمْوَالِ الرَّعِيَّةِ، وَأَقْرَبَ إِلَى الْخَيْرِ مِنْهُمْ، وَلَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ فِي وُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَحْسَنَ سِيرَةً مِنْهُ، فَاللَّهُ يُبْقِيهِ، وَيَدْفَعُ عَنْهُ، فَلَقَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ كُلُّ حَسَنٍ وَجَمِيلٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، وَقَعَ بِالْبَصْرَةِ بَرَدٌ كَثِيرٌ، وَهُوَ مَعَ كَثْرَتِهِ عَظِيمُ الْقَدْرِ قِيلَ: كَانَ أَصْغَرُهُ مِثْلَ النَّارَنْجَةِ الْكَبِيرَةِ، وَقِيلَ فِي أَكْبَرِهِ مَا يَسْتَحِي الْإِنْسَانُ أَنْ يَذْكُرَهُ، فَكَسَرَ كَثِيرًا مِنْ رُءُوسِ النَّخِيلِ.
وَفِي الْمُحَرَّمِ أَيْضًا سَيَّرَ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ وَلَدَيِ ابْنِهِ الْمُعَظَّمِ عَلِيٍّ إِلَى تُسْتَرَ، وَهُمَا الْمُؤَيِّدُ وَالْمُوَفَّقُ، وَسَارَ مَعَهُمَا مُؤَيِّدُ الدِّينِ النَّائِبُ عَنِ الْوِزَارَةِ، وَعِزُّ الدِّينِ الشَّرَابِيُّ، فَأَقَامَا بِهَا يَسِيرًا، ثُمَّ عَادَ الْمُوَفَّقُ مَعَ الْوَزِيرِ وَالشَّرَابِيِّ إِلَى بَغْدَادَ أَوَاخِرَ رَبِيعٍ الْآخَرِ.
وَفِيهَا، فِي صَفَرٍ، هَبَّتْ بِبَغْدَادَ رِيحٌ سَوْدَاءُ شَدِيدَةٌ، كَثِيرَةُ الْغُبَارِ وَالْقَتَامِ، وَأَلْقَتْ
стр. 6008
رَمْلًا كَثِيرًا، وَقَلَعَتْ كَثِيرًا مِنَ الشَّجَرِ، فَخَافَ النَّاسُ وَتَضَرَّعُوا، وَدَامَتْ مِنِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَانْكَشَفَتْ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ التَّاجُ زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ الْكِنْدِيُّ أَبُو الْيُمْنِ، الْبَغْدَادِيُّ الْمَوْلِدِ وَالْمَنْشَأِ، انْتَقَلَ إِلَى الشَّامِ، فَأَقَامَ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ إِمَامًا فِي النَّحْوِ وَاللُّغَةِ، وَلَهُ الْإِسْنَادُ الْعَالِي فِي الْحَدِيثِ، وَكَانَ ذَا فُنُونٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ، ﵀.
стр. 6009
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَة]
٦١٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ
ذِكْرُ مُلْكِ خُوَارَزْم شَاهْ بَلَدَ الْجَبَلِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ خُوَارَزْم شَاهْ عَلَاءُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ تُكَشَ إِلَى بِلَادِ الْجَبَلِ فَمَلَكَهَا.
وَكَانَ سَبَبُ حَرَكَتِهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، أَشْيَاءَ ; أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَظَفِرَ بِالْخَطَا، وَعَظُمَ أَمْرُهُ، وَعَلَا شَأْنُهُ، وَأَطَاعَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ وَمِنْهَا: أَنَّهُ كَانَ يَهْوَى أَنْ يُخْطَبَ لَهُ بِبَغْدَادَ، وَيُلَقَّبَ بِالسُّلْطَانِ، وَكَانَ الْأَمْرُ بِالضِّدِّ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَجِدُ مِنْ دِيوَانِ الْخِلَافَةِ قَبُولًا ; وَكَانَ سَبِيلُهُ إِذَا وَرَدَ إِلَى بَغْدَادَ أَنْ يُقَدَّمَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ فِي عَسْكَرِهِ مِائَةٌ مِثْلَ الَّذِي يُقَدَّمُ سَبِيلُهُ عَلَيْهِ، فَكَانَ إِذَا سَمِعَ ذَلِكَ يُغْضِبُهُ، وَمِنْهَا: أَنْ أَغْلَمْشَ لَمَّا مَلَكَ بِلَادَ الْجَبَلِ خَطَبَ لَهُ فِيهَا جَمِيعِهَا، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمَّا قَتَلَهُ الْبَاطِنِيَّةُ غَضِبَ لَهُ وَخَرَجَ لِئَلَّا تَخْرُجَ الْبِلَادُ عَنْ طَاعَتِهِ، فَسَارَ مُجِدًّا فِي عَسَاكِرَ تُطَبِّقُ الْأَرْضَ، فَوَصَلَ إِلَى الرَّيِّ فَمَلَكَهَا.
وَكَانَ أَتَابِكْ سَعْدُ بْنُ دَكْلَا، صَاحِبُ بِلَادِ فَارِسَ، لَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ أَغْلَمْشَ جَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ نَحْوَ بِلَادِ الْجَبَلِ طَمَعًا فِي تَمَلُّكِهَا لِخُلُوِّهَا عَنْ حَامٍ وَمُمَانِعٍ، فَوَصَلَ إِلَى أَصْفَهَانَ فَأَطَاعَهُ أَهْلُهَا، وَسَارَ مِنْهَا يُرِيدُ الرَّيَّ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِقُدُومِ خُوَارَزْم شَاهْ، فَلَقِيَهُ مُقَدِّمَةُ خُوَارَزْم شَاهْ، فَظَنَّهَا عَسَاكِرُ تِلْكَ الدِّيَارِ قَدِ اجْتَمَعَتْ لِقِتَالِهِ، وَمَنْعِهِ عَنِ الْبِلَادِ، فَقَاتَلَهُمْ، وَجَدَّ فِي مُحَارَبَتِهِمْ حَتَّى كَادَ يَهْزِمُهُمْ.
فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ قَدْ ظَهَرَ لَهُ جَتَرُ خُوَارَزْم شَاهْ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَأُخْبِرَ بِهِ
стр. 6010
فَاسْتَسْلَمَ، وَانْهَزَمَتْ عَسَاكِرُهُ، وَأُخِذَ أَسِيرًا، وَحُمِلَ إِلَى بَيْنِ يَدَيْ خُوَارَزْم شَاهْ، فَأَكْرَمَهُ وَوَعَدَهُ الْإِحْسَانَ وَالْجَمِيلَ، وَأَمَّنَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَاسْتَحْلَفَهُ عَلَى طَاعَتِهِ، وَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ بَعْضَ الْبِلَادِ إِلَيْهِ، وَيُبْقِيَ بَعْضَهَا، وَأَطْلَقَهُ وَسَيَّرَ مَعَهُ جَيْشًا إِلَى بِلَادِ فَارِسَ ; لِيُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ مَا اسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ عَلَيْهِ ; فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى وَلَدِهِ الْأَكْبَرِ رَآهُ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى بِلَادِ فَارِسَ، فَامْتَنَعَ مِنَ التَّسْلِيمِ إِلَى أَبِيهِ.
ثُمَّ إِنَّهُ مَلَكَ الْبِلَادَ، كَمَا نَذْكُرُهُ، وَخَطَبَ فِيهَا لِخُوَارَزْم شَاهْ، وَسَارَ خُوَارَزْم شَاهْ إِلَى سَاوَةَ فَمَلَكَهَا، وَأَقْطَعَهَا لِعِمَادِ الْمُلْكِ عَارِضِ جَيْشِهِ، وَهُوَ مَنْ أَهْلِهَا ثُمَّ سَارَ إِلَى قَزْوِينَ وَزَنْجَانَ وَأَبْهَرَ، فَمَلَكَهَا كُلَّهَا بِغَيْرِ مُمَانِعٍ وَلَا مُدَافِعٍ ثُمَّ سَارَ إِلَى هَمَذَانَ فَمَلَكَهَا، وَأَقْطَعَ الْبِلَادَ لِأَصْحَابِهِ، وَمَلَكَ أَصْفَهَانَ، وَكَذَلِكَ قُمَّ وَقَاشَانَ، وَاسْتَوْعَبَ مُلْكَ جَمِيعِ الْبِلَادِ، وَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَوْزَبْكَ بْنِ الْبَهْلَوَانِ، صَاحِبِ أَذْرَبِيجَانَ وَأَرَّانَ، بِأَنْ يَخْطُبَ لَهُ أَوْزَبْكُ فِي بِلَادِهِ وَيَدْخُلَ فِي طَاعَتِهِ.
ثُمَّ إِنَّهُ عَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى بَغْدَادَ، فَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَمِيرًا كَبِيرًا فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَأَقْطَعَهُ حُلْوَانَ، فَسَارَ حَتَّى وَصَلَ إِلَيْهَا، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِأَمِيرٍ آخَرَ، فَلَمَّا سَارَ عَنْ هَمَذَانَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةَ سَقَطَ عَلَيْهِمْ مِنَ الثَّلْجِ مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، فَهَلَكَتْ دَوَابُّهُمْ، وَمَاتَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَطَمِعَ فِيمَنْ بَقِيَ بَنُو تَرْجَمَ الْأَتْرَاكُ، وَبَنُو هَكَّارَ الْأَكْرَادُ، فَتَخَطَّفُوهُمْ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْهُمْ إِلَى خُوَارَزْم شَاهْ إِلَّا الْيَسِيرُ، فَتَطَيَّرَ خُوَارَزْم شَاهْ مِنْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ، وَعَزَمَ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى خُرَاسَانَ خَوْفًا مِنَ التَّتَرِ، لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ يَقْضِي حَاجَتَهُ، وَيَفْرَغُ مِنْ إِرَادَتِهِ فِي الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ، فَخَابَ ظَنُّهُ، وَرَأَى الْبِيكَارَ بَيْنَ يَدَيْهِ طَوِيلًا، فَعَزَمَ عَلَى الْعَوْدِ، فَوَلَّى هَمَذَانَ أَمِيرًا مِنْ أَقَارِبِهِ مِنْ جِهَةِ وَالِدَتِهِ، يُقَالُ لَهُ طَائِيسِي، وَجَعَلَ فِي الْبِلَادِ جَمِيعِهَا ابْنَهُ رُكْنَ الدِّينِ، وَجَعَلَ مَعَهُ مُتَوَلِّيًا لِأَمْرِ دَوْلَتِهِ عِمَادَ الْمُلْكِ السَّاوِيَّ، وَكَانَ عَظِيمَ الْقَدْرِ عِنْدَهُ، وَكَانَ يَحْرِصُ عَلَى قَصْدِ الْعِرَاقِ.
وَعَادَ خُوَارَزْم شَاهْ إِلَى خُرَاسَانَ، فَوَصَلَ إِلَى مَرْوَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَارَ مَنْ وَجَّهَهُ إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ ; وَلَمَّا قَدِمَ إِلَى نَيْسَابُورَ جَلَسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَأَمَرَ الْخَطِيبَ بِتَرْكِ الْخُطْبَةِ لِلْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ؛
стр. 6011
وَكَانَ ذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَلَمَّا قَدِمَ مَرْوَ قَطَعَ الْخُطْبَةَ بِهَا، وَكَذَلِكَ بِبَلْخَ وَبُخَارَى وَسَرْخَسَ، وَبَقِيَ خُوَارَزْمُ وَسَمَرْقَنْدُ وَهَرَاةُ لَمْ تُقْطَعِ الْخُطْبَةُ فِيهَا إِلَّا عَنْ قَصْدٍ لِتَرْكِهَا، لِأَنَّ الْبِلَادَ كَانَتْ لَا تُعَارَضُ مِنْ أَشْبَاهِ هَذَا، إِنْ أَحَبُّوا خَطَبُوا، وَإِنْ أَرَادُوا قَطَعُوا، فَبَقِيَتْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ كَانَ مِنْهُ مَا كَانَ.
وَهَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ سِعَادَاتِ هَذَا الْبَيْتِ الشَّرِيفِ الْعَبَّاسِيِّ لَمْ يَقْصِدْهُ أَحَدٌ بِأَذًى إِلَّا لَقِيَهُ فِعْلُهُ، وَخُبْثُ نِيَّتِهِ، لَا جَرَمَ لَمْ يُمْهِلْ خُوَارَزْم شَاهْ هَذَا حَتَّى جَرَى لَهُ مَا نَذْكُرُهُ مِمَّا لَمْ يُسْمَعْ، بِمِثْلِهِ فِي الدُّنْيَا قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا.
ذِكْرُ مَا جَرَى لِأَتَابِكْ سَعْدٍ مَعَ أَوْلَادِهِ
لَمَّا قُتِلَ أَغْلَمْشُ، صَاحِبُ بِلَادِ الْجَبَلِ ; هَمَذَانَ وَأَصْفَهَانَ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنِ الْبِلَادِ، جَمَعَ أَتَابِكْ سَعْدُ بْنُ دَكْلَا، صَاحِبُ فَارِسَ، عَسَاكِرَهُ وَسَارَ عَنْ بِلَادِهِ إِلَى أَصْفَهَانَ، فَمَلَكَهَا وَأَطَاعَهُ أَهْلُهَا، فَطَمِعَ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ جَمِيعِهَا، فَسَارَ عَنْ أَصْفَهَانَ إِلَى الرَّيِّ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا لَقِيَ عَسَاكِرَ خُوَارَزْم شَاهْ قَدْ وَصَلَتْ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَعَزَمَ عَلَى مُحَارَبَةِ مُقَدِّمَةِ الْعَسْكَرِ، فَقَاتَلَهَا حَتَّى كَادَ يَهْزِمُهَا، فَظَهَرَتْ عَسَاكِرُ خُوَارَزْم شَاهْ، وَرَأَى الْجَتَرَ، فَسُقِطَ فِي يَدِهِ، وَأَلْقَى نَفْسَهُ، وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ وَقُوَّةُ عَسْكَرِهِ، فَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ، وَأُخِذَ أَتَابِكْ سَعْدٌ أَسِيرًا، وَأُحْضِرَ بَيْنَ يَدَيْ خُوَارَزْم شَاهْ، فَأَكْرَمَهُ، وَطَيَّبَ نَفْسَهُ، وَوَعَدَهُ الْإِحْسَانَ، وَاسْتَصْحَبَهُ مَعَهُ، إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى أَصْفَهَانَ، فَسَيَّرَهُ مِنْهَا إِلَى بِلَادِهِ، وَهِيَ تُجَاوِرُهَا، وَسَيَّرَ مَعَهُ عَسْكَرًا مَعَ أَمِيرٍ كَبِيرٍ لِيَتَسَلَّمَ مِنْهُ مَا كَانَ اسْتَقَرَّ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِخُوَارَزْم شَاهْ بَعْضُ الْبِلَادِ، وَلِأَتَابِكْ سَعْدٍ بَعْضُهَا، وَتَكُونُ الْخُطْبَةُ لِخُوَارَزْم شَاهْ فِي الْبِلَادِ جَمِيعِهَا.
وَكَانَ أَتَابِكْ سَعِدٌ قَدِ اسْتَخْلَفَ ابْنًا لَهُ عَلَى الْبِلَادِ، فَلَمَّا سَمِعَ الِابْنُ بِأَسْرِ أَبِيهِ خَطَبَ لِنَفْسِهِ بِالْمَمْلَكَةِ، وَقَطَعَ خُطْبَةَ أَبِيهِ، فَلَمَّا وَصَلَ أَبُوهُ وَمَعَهُ عَسْكَرُ خُوَارَزْم
стр. 6012
شَاهْ امْتَنَعَ الِابْنُ مِنْ تَسْلِيمِ الْبِلَادِ إِلَى أَبِيهِ، وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ، وَخَرَجَ يُقَاتِلُهُ، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ انْحَازَتْ عَسَاكِرُ فَارِسَ إِلَى صَاحِبِهِمْ أَتَابِكْ سَعِدٍ، وَتَرَكُوا ابْنَهُ فِي خَاصَّتِهِ، فَحَمَلَ عَلَى أَبِيهِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُوهُ ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا فُلَانٌ! فَقَالَ: إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَحِينَئِذٍ امْتَنَعَ مِنْهُ وَوَلَّى الِابْنُ مُنْهَزِمًا.
وَوَصَلَ أَتَابِكْ سَعِدٌ إِلَى الْبِلَادِ فَدَخَلَهَا مَالِكًا لَهَا وَأُخِذَ ابْنُهُ أَسِيرًا، فَسَجْنَهُ إِلَى الْآنِ، إِلَّا أَنَّنِي سَمِعْتُ الْآنَ، وَهُوَ سَنَةُ عِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، أَنَّهُ قَدْ خَفَّفَ حَبْسَهُ، وَوَسَّعَ عَلَيْهِ.
وَلَمَّا عَادَ خُوَارَزْم شَاهْ إِلَى خُرَاسَانَ غَدَرَ سَعْدٌ بِالْأَمِيرِ الَّذِي عِنْدَهُ فَقَتَلَهُ، وَرَجَعَ عَنْ طَاعَةِ خُوَارَزْم شَاهْ، وَاشْتَغَلَ خُوَارَزْم شَاهْ بِالْحَادِثَةِ الْعُظْمَى الَّتِي شَغَلَتْهُ عَنْ هَذَا وَغَيْرِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ انْتَقَمَ لَهُ بِابْنِهِ غِيَاثِ الدِّينِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ عِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، لِأَنَّ سَعْدًا كَفَرَ إِحْسَانَ خُوَارَزْم شَاهْ، وَكُفْرُ الْإِحْسَانِ عَظِيمُ الْعُقُوبَةِ.
ذِكْرُ مَدِينَةِ دِمْيَاطَ وَعَوْدِهَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ
كَانَ مِنْ أَوَّلِ هَذِهِ الْحَادِثَةِ إِلَى آخِرِهَا أَرْبَعُ سِنِينَ غَيْرَ شَهْرٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا هَاهُنَا؛ لِأَنَّ ظُهُورَهُمْ كَانَ فِيهَا وَسُقْنَاهَا سِيَاقَةً مُتَتَابِعَةً لِيَتْلُوَ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَنَقُولُ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَتْ أَمْدَادُ الْفِرِنْجِ فِي الْبَحْرِ مِنْ رُومِيَّةَ الْكُبْرَى وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْفِرِنْجِ فِي الْغَرْبِ وَالشَّمَالِ، إِلَّا أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لَهَا كَانَ صَاحِبَ رُومِيَّةَ، لِأَنَّهُ يَتَنَزَّلُ عِنْدَ الْفِرِنْجِ بِمَنْزِلَةٍ عَظِيمَةٍ، لَا يَرَوْنَ مُخَالَفَةَ أَمْرِهِ وَلَا الْعُدُولَ عَنْ حُكْمِهِ فِيمَا سَرَّهُمْ وَسَاءَهُمْ، فَجَهَّزَ الْعَسَاكِرَ مِنْ عِنْدِهِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ مُقَدَّمِي الْفِرِنْجِ، وَأَمَرَ غَيْرَهُ مِنْ مُلُوكِ الْفِرِنْجِ إِمَّا أَنْ يَسِيرَ بِنَفْسِهِ، أَوْ يُرْسِلَ جَيْشًا، فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ فَاجْتَمَعُوا بِعَكَّا مِنْ سَاحِلِ الشَّامِ.
وَكَانَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيُّوبَ بِمِصْرَ، فَسَارَ مِنْهَا إِلَى الشَّامِ، فَوَصَلَ إِلَى الرَّمْلَةِ، وَمِنْهَا إِلَى لُدٍّ، وَبَرَزَ الْفِرِنْجُ مَنْ عَكَّا لِيَقْصِدُوهُ، فَسَارَ الْعَادِلُ نَحْوَهُمْ، فَوَصَلَ إِلَى نَابُلُسَ عَازِمًا عَلَى أَنْ يَسْبِقَهُمْ إِلَى أَطْرَافِ الْبِلَادِ مِمَّا يَلِي عَكَّا لِيَحْمِيَهَا مِنْهُمْ،
стр. 6013
فَسَارُوا هُمْ فَسَبَقُوهُ، فَنَزَلَ عَلَى بَيْسَانَ مِنَ الْأُرْدُنِّ، فَتَقَدَّمَ الْفِرِنْجُ إِلَيْهِ فِي شَعْبَانَ عَازِمِينَ عَلَى مُحَارَبَتِهِ لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُ فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، لِأَنَّ الْعَسَاكِرَ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فِي الْبِلَادِ.
فَلَمَّا رَأَى الْعَادِلُ قُرْبَهُمْ مِنْهُ لَمْ يَرَ أَنْ يَلْقَاهُمْ فِي الطَّائِفَةِ الَّتِي مَعَهُ، خَوْفًا مِنْ هَزِيمَةٍ تَكُونُ عَلَيْهِ، وَكَانَ حَازِمًا، كَثِيرَ الْحَذَرِ، فَفَارَقَ بَيْسَانَ نَحْوَ دِمَشْقَ لِيُقِيمَ بِالْقُرْبِ مِنْهَا، وَيُرْسِلَ إِلَى الْبِلَادِ وَيَجْمَعَ الْعَسَاكِرَ، فَوَصَلَ إِلَى مَرْجِ الصُّفَّرِ فَنَزَلَ فِيهِ.
وَكَانَ أَهْلُ بَيْسَانَ، وَتِلْكَ الْأَعْمَالِ، لَمَّا رَأَوُا الْمَلِكَ الْعَادِلَ عِنْدَهُمُ اطْمَأَنُّوا، فَلَمْ يُفَارِقُوا بِلَادَهُمْ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ الْفِرِنْجَ لَا يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَقْدَمُوا سَارَ عَلَى غَفْلَةٍ مِنَ النَّاسِ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى النَّجَاةِ إِلَّا الْقَلِيلُ، فَأَخَذَ الْفِرِنْجُ كُلَّ مَا فِي بَيْسَانَ مِنْ ذَخَائِرَ قَدْ جُمِعَتْ، وَكَانَتْ كَثِيرَةً، وَغَنِمُوا شَيْئًا كَثِيرًا، وَنَهَبُوا الْبِلَادَ مِنْ بَيْسَانَ إِلَى بَانِيَاسَ، وَبَثُّوا السَّرَايَا فِي الْقُرَى فَوَصَلَتْ إِلَى خِسْفِينَ وَنَوَى وَأَطْرَافِ الْبِلَادِ، وَنَازَلُوا بَانِيَاسَ، وَأَقَامُوا عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ عَادُوا عَنْهَا إِلَى مَرْجِ عَكَّا وَمَعَهُمْ مِنَ الْغَنَائِمِ وَالسَّبْيِ وَالْأَسْرَى مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً، سِوَى مَا قَتَلُوا، وَأَحْرَقُوا، وَأَهْلَكُوا، فَأَقَامُوا أَيَّامًا اسْتَرَاحُوا خِلَالَهَا.
ثُمَّ جَاءُوا إِلَى صُورَ، وَقَصَدُوا بَلَدَ الشَّقِيفِ، وَنَزَلُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَانِيَاسَ مِقْدَارَ فَرْسَخَيْنِ، فَنَهَبُوا الْبِلَادَ: صَيْدَا وَالشَّقِيفَ، وَعَادُوا إِلَى عَكَّا، وَكَانَ هَذَا مِنْ نِصْفِ رَمَضَانَ إِلَى الْعِيدِ، وَالَّذِي سَلِمَ مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ كَانَ مُخِفًّا حَتَّى قَدَرَ عَلَى النَّجَاةِ.
وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الْعَادِلَ لِمَا سَارَ إِلَى مَرْجِ الصُّفَّرِ رَأَى فِي طَرِيقِهِ رَجُلًا يَحْمِلُ شَيْئًا، وَهُوَ يَمْشِي تَارَةً، وَتَارَةً يَقْعُدُ لِيَسْتَرِيحَ، فَعَدَلَ الْعَادِلُ إِلَيْهِ وَحْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا شَيْخُ لَا تَعْجَلْ، وَارْفُقْ بِنَفْسِكَ فَعَرَفَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ: يَا سُلْطَانُ الْمُسْلِمِينَ! أَنْتَ لَا تَعْجَلْ، فَإِنَّا إِذَا رَأَيْنَاكَ قَدْ سِرْتَ إِلَى بِلَادِكِ وَتَرَكْتَنَا مَعَ الْأَعْدَاءِ كَيْفَ لَا نَعْجَلُ!
وَبِالْجُمْلَةِ الَّذِي فَعَلَهُ الْعَادِلُ هُوَ الْحَزْمُ وَالْمُصْلِحَةُ لِئَلَّا يُخَاطِرَ بِاللِّقَاءِ عَلَى حَالِ تَفَرُّقٍ مِنَ الْعَسَاكِرِ.
стр. 6014
وَلَمَّا نَزَلَ الْعَادِلُ عَلَى مَرْجِ الصُّفَّرِ سَيَّرَ وَلَدَهُ الْمَلِكَ الْمُعَظَّمَ عِيسَى، وَهُوَ صَاحِبُ دِمَشْقَ، فِي قِطْعَةٍ صَالِحَةٍ مِنَ الْجَيْشِ إِلَى نَابُلُسَ لِيَمْنَعَ الْفِرِنْجَ عَنِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ.
ذِكْرِ حَصْرِ الْفِرِنْجِ قَلْعَةَ الطُّورِ وَتَخْرِيبِهَا
لَمَّا نَزَلَ الْفِرِنْجُ بِمَرْجِ عَكَّا تَجَهَّزُوا، وَأَخَذُوا مَعَهُمْ آلَةَ الْحِصَارِ مِنْ مَجَانِيقَ وَغَيْرِهَا، وَقَصَدُوا قَلْعَةَ الطُّورِ، وَهِيَ قَلْعَةٌ مَنِيعَةٌ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ بِالْقُرْبِ مِنْ عَكَّا كَانَ الْعَادِلُ قَدْ بَنَاهَا عَنْ قَرِيبٍ، فَتَقَدَّمُوا إِلَيْهَا وَحَصَرُوهَا وَزَحَفُوا إِلَيْهَا، وَصَعِدُوا فِي جَبَلِهَا حَتَّى وَصَلُوا إِلَى سُورِهَا وَكَادُوا يَمْلِكُونَهُ.
فَاتَّفَقَ أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ فِيهَا قَتَلَ بَعْضَ مُلُوكِهِمْ، فَعَادُوا عَنِ الْقَلْعَةِ فَتَرَكُوهَا، وَقَصَدُوا عَكَّا، وَكَانَتْ مُدَّةُ مُقَامِهِمْ عَلَى الطُّورِ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَلَمَّا فَارَقُوا الطُّورَ أَقَامُوا قَرِيبًا، ثُمَّ سَارُوا فِي الْبَحْرِ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَتَوَجَّهَ الْمَلِكُ الْمُعَظَّمُ إِلَى قَلْعَةِ الطُّورِ، فَخَرَّبَهَا إِلَى أَنْ أَلْحَقَهَا بِالْأَرْضِ ; لِأَنَّهَا بِالْقُرْبِ مِنْ عَكَّا وَيَتَعَذَّرُ حِفْظُهَا.
ذِكْرُ حَصْرِ الْفِرِنْجِ دِمْيَاطَ إِلَى أَنْ مَلَكُوهَا
لَمَّا عَادَ الْفِرِنْجُ مِنْ حِصَارِ الطُّورِ أَقَامُوا بَعَكَّا إِلَى أَنْ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَسَارُوا فِي الْبَحْرِ إِلَى دِمْيَاطَ، فَوَصَلُوا فِي صَفَرٍ، فَأَرْسَوْا عَلَى بَرِّ الْجِيزَةِ، بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ دِمْيَاطَ النِّيلُ، فَإِنَّ بَعْضَ النِّيلِ يَصُبُّ فِي الْبَحْرِ الْمَالِحِ عِنْدَ دِمْيَاطَ، وَقَدْ بُنِيَ فِي النَّيْلِ بُرْجٌ كَبِيرٌ مَنِيعٌ، وَجَعَلُوا فِيهِ سَلَاسِلَ مِنْ حَدِيدٍ غِلَاظٍ، وَمَدُّوهَا فِي النَّيْلِ إِلَى سُورِ دِمْيَاطَ لِتَمْنَعَ الْمَرَاكِبَ الْوَاصِلَةَ فِي الْبَحْرِ الْمَالِحِ أَنَّ تَصْعَدَ فِي النِّيلِ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ، وَلَوْلَا هَذَا الْبُرْجُ وَهَذِهِ السَّلَاسِلُ لَكَانَتْ مَرَاكِبُ الْعَدُوِّ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى
стр. 6015
مَنْعِهَا عَنْ أَقَاصِي دِيَارِ مِصْرَ وَأَدَانِيهَا.
فَلَمَّا نَزَلَ الْفِرِنْجُ عَلَى بَرِّ الْجِيزَةِ، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ دِمْيَاطَ النَّيْلُ، بَنَوْا عَلَيْهِ سُورًا، وَجَعَلُوا خَنْدَقًا يَمْنَعُهُمْ مِمَّنْ يُرِيدُهُمْ، وَشَرَعُوا فِي قِتَالِ مَنْ بِدِمْيَاطَ، وَعَمِلُوا آلَاتٍ، وَمَرَمَّاتٍ، وَأَبْرَاجًا يَزْحَفُونَ بِهَا فِي الْمَرَاكِبِ إِلَى هَذَا الْبُرْجِ لِيُقَاتِلُوهُ وَيَمْلِكُوهُ.
وَكَانَ الْبُرْجُ مَشْحُونًا بِالرِّجَالِ، وَقَدْ نَزَلَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ ابْنُ الْمَلِكِ الْعَادِلِ، وَهُوَ صَاحِبُ دِيَارِ مِصْرَ، بِمَنْزِلَةٍ تُعْرَفُ بِالْعَادِلِيَّةِ، بِالْقُرْبِ مِنْ دِمْيَاطَ، وَالْعَسَاكِرُ مُتَّصِلَةٌ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى دِمْيَاطَ، لِيَمْنَعَ الْعَدُوَّ مِنَ الْعُبُورِ إِلَى أَرْضِهَا.
وَأَدَامَ الْفِرِنْجُ قِتَالَ الْبُرْجِ وَتَابَعُوهُ، فَلَمْ يَظْفَرُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ، وَكُسِّرَتْ مَرَمَّاتُهُمْ وَآلَاتُهُمْ، وَمَعَ هَذَا فَهُمْ مُلَازِمُونَ لِقِتَالِهِ، فَبَقُوا كَذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَخْذِهِ ; فَلَمَّا مَلَكُوهُ قَطَعُوا السَّلَاسِلَ لِتَدَخُّلَ مَرَاكِبُهُمْ مِنَ الْبَحْرِ الْمَالِحِ فِي النَّيْلِ وَيَتَحَكَّمُوا فِي الْبَرِّ، فَنَصَبَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ عِوَضَ السَّلَاسِلِ جِسْرًا عَظِيمًا امْتَنَعُوا بِهِ مِنْ سُلُوكِ النِّيلِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَاتَلُوا عَلَيْهِ أَيْضًا قِتَالًا شَدِيدًا، كَثِيرًا مُتَتَابِعًا حَتَّى قَطَعُوهُ، فَلَمَّا قُطِعَ أَخَذَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ عِدَّةَ مَرَاكِبَ كِبَارٍ وَمَلَأَهَا وَخَرَقَهَا وَغَرَّقَهَا فِي النَّيْلِ، فَمَنَعَتِ الْمَرَاكِبَ مِنْ سُلُوكِهِ.
فَلَمَّا رَأَى الْفِرِنْجُ ذَلِكَ قَصَدُوا خَلِيجًا هُنَاكَ يُعْرَفُ بَالْأَرْزَقِ، كَانَ النِّيلُ يَجْرِي فِيهِ قَدِيمًا، فَحَفَرُوا ذَلِكَ الْخَلِيجَ وَعَمَّقُوهُ فَوْقَ الْمَرَاكِبِ الَّتِي جُعِلَتْ فِي النِّيلِ، وَأَجْرَوُا الْمَاءَ فِيهِ إِلَى الْبَحْرِ الْمَالِحِ، وَأَصْعَدُوا مَرَاكِبَهُمْ فِيهِ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ بُورَةُ، عَلَى أَرْضِ الْجِيزَةِ أَيْضًا، مُقَابِلَ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَلِكُ الْكَامِلُ لِيُقَاتِلُوهُ مِنْ هُنَاكَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِلَيْهِ طَرِيقٌ يُقَاتِلُونَهُ فِيهَا، كَانَتْ دِمْيَاطُ تَحْجِزُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَلَمَّا صَارُوا فِي بُورَةَ حَاذُوهُ فَقَاتَلُوهُ فِي الْمَاءِ، وَزَحَفُوا غَيْرَ مَرَّةً، فَلَمْ يَظْفَرُوا بِطَائِلٍ.
وَلَمْ يَتَغَيَّرْ عَلَى أَهْلِ دِمْيَاطَ شَيْءٌ ; لِأَنَّ الْمِيرَةَ وَالْأَمْدَادَ مُتَّصِلَةٌ بِهِمْ، وَالنِّيلَ يَحْجِزُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْفِرِنْجِ، فَهُمْ مُمْتَنِعُونَ لَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ أَذًى، وَأَبْوَابُهَا مُفَتَّحَةٌ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا مِنَ الْحَصْرِ ضِيقٌ وَلَا ضَرَرٌ.
فَاتَّفَقَ، كَمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنَّ الْمَلِكَ الْعَادِلَ تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ - عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - فَضَعُفَتْ نُفُوسُ النَّاسِ لِأَنَّهُ
стр. 6016
السُّلْطَانُ حَقِيقَةً، وَأَوْلَادُهُ، وَإِنْ كَانُوا مُلُوكًا إِلَّا أَنَّهُمْ بِحُكْمِهِ، وَالْأَمْرُ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَلَّكَهُمُ الْبِلَادَ، فَاتَّفَقَ مَوْتُهُ وَالْحَالُ هَكَذَا مِنْ مُقَاتَلَةِ الْعَدُوِّ.
وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْأُمَرَاءِ بِمِصْرَ أَمِيرٌ يُقَالُ لَهُ عِمَادُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْمَشْطُوبِ، وَهُوَ مِنَ الْأَكْرَادِ الْهَكَّارِيَّةِ، وَهُوَ أَكْبَرُ أَمِيرٍ بِمِصْرَ، وَلَهُ لَفِيفٌ كَثِيرٌ، وَجَمِيعُ الْأُمَرَاءِ يَنْقَادُونَ إِلَيْهِ وَيُطِيعُونَهُ لَا سِيَّمَا الْأَكْرَادُ، فَاتَّفَقَ هَذَا الْأَمْرُ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَأَرَادُوا أَنْ يَخْلَعُوا الْمَلِكَ الْكَامِلَ مِنَ الْمُلْكِ، وَيُمَلِّكُوا أَخَاهُ الْمَلِكَ الْفَائِزَ بْنَ الْعَادِلِ لِيَصِيرَ الْحُكْمُ إِلَيْهِمْ عَلَيْهِ وَعَلَى الْبِلَادِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْكَامِلِ، فَفَارَقَ الْمَنْزِلَةَ لَيْلًا جَرِيدَةً، وَسَارَ إِلَى قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا أَشْمُومُ طَنَّاحَ، فَنَزَلَ عِنْدَهَا، وَأَصْبَحَ الْعَسْكَرُ وَقَدْ فَقَدُوا سُلْطَانَهُمْ، فَرَكِبَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ هَوَاهُ، وَلَمْ يَقِفِ الْأَخُ عَلَى أَخِيهِ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ خِيَامِهِمْ وَذَخَائِرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَسْلِحَتِهِمْ إِلَّا الْيَسِيرَ الَّذِي يَخِفُّ حِمْلُهُ، وَتَرَكُوا الْبَاقِيَ بِحَالِهِ مِنْ مِيرَةٍ، وَسِلَاحٍ، وَدَوَابَّ، وَخِيَامٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَحِقُوا بِالْكَامِلِ.
وَأَمَّا الْفِرِنْجُ فَإِنَّهُمْ أَصْبَحُوا مِنَ الْغَدِ، فَلَمْ يَرَوْا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدًا عَلَى شَاطِئِ النِّيلِ كَجَارِي عَادَتِهِمْ، فَبَقُوا لَا يَدْرُونَ مَا الْخَبَرُ، وَإِذْ قَدْ أَتَاهُمْ مَنْ أَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَعَبَرُوا حِينَئِذٍ النِّيلَ إِلَى بَرِّ دِمْيَاطَ آمِنِينَ بِغَيْرِ مُنَازِعٍ وَلَا مُمَانِعٍ، وَكَانَ عُبُورُهُمْ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَغَنِمُوا مَا فِي مُعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ عَظِيمًا يُعِجِزُ الْعَادِّينَ.
وَكَانَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ يُفَارِقُ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ لِأَنَّهُ لَمْ يَثِقْ بِأَحَدٍ مِنْ عَسْكَرِهِ، وَكَانَ الْفِرِنْجُ مَلَكُوا الْجَمِيعَ بِغَيْرِ تَعَبٍ وَلَا مَشَقَّةٍ، فَاتَّفَقَ مَنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْمَلِكَ الْمُعَظَّمَ عِيسَى ابْنَ الْمَلِكِ الْعَادِلِ وَصَلَ إِلَى أَخِيهِ الْكَامِلِ بَعْدَ هَذِهِ الْحَرَكَةِ بِيَوْمَيْنِ، وَالنَّاسُ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ، فَقَوِيَ بِهِ قَلْبُهُ وَاشْتَدَّ ظَهْرُهُ، وَثَبَتَ جَنَانُهُ، وَأَقَامَ بِمَنْزِلَتِهِ، وَأَخْرَجُوا ابْنَ الْمَشْطُوبَ إِلَى الشَّامِ، فَاتَّصَلَ بِالْمَلِكِ الْأَشْرَفِ وَصَارَ مِنْ جُنْدِهِ.
فَلَمَّا عَبَرَ الْفِرِنْجُ إِلَى أَرْضِ دِمْيَاطَ اجْتَمَعَتِ الْعَرَبُ عَلَى اخْتِلَافِ قَبَائِلِهَا، وَنَهَبُوا الْبِلَادَ الْمُجَاوِرَةَ لِدِمْيَاطَ، وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، وَأَفْسَدُوا، وَبَالَغُوا فِي الْإِفْسَادِ، فَكَانُوا أَشَدَّ
стр. 6017
عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَكَانَ أَضَرُّ شَيْءٍ عَلَى أَهْلِ دِمْيَاطَ أَنَّهَا لَمْ يَكُنْ بِهَا مِنَ الْعَسْكَرِ أَحَدٌ ; لِأَنَّ السُّلْطَانَ وَمِنْ مَعَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ كَانُوا عِنْدَهَا يَمْنَعُونَ الْعَدُوَّ عَنْهَا، فَأَتَتْهُمْ هَذِهِ الْحَرَكَةُ بَغْتَةً، فَلَمْ يَدْخُلْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ ابْنِ الْمَشْطُوبِ، لَا جَرَمَ لَمْ يُمْهِلْهُ اللَّهُ، وَأَخَذَهُ أَخْذَةً رَابِيَةً، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَأَحَاطَ الْفِرِنْجُ بِدِمْيَاطَ، وَقَاتَلُوهَا بَرًّا وَبَحْرًا، وَعَمِلُوا عَلَيْهِمْ خَنْدَقًا يَمْنَعُهُمْ مِمَّنْ يُرِيدُهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَتُهُمْ، وَأَدَامُوا الْقِتَالَ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى أَهْلِهَا، وَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِمُ الْأَقْوَاتُ وَغَيْرُهَا، وَسَئِمُوا الْقِتَالَ وَمُلَازَمَتَهُ، لِأَنَّ الْفِرِنْجَ كَانُوا يَتَنَاوَبُونَ الْقِتَالَ عَلَيْهِمْ لِكَثْرَتِهِمْ، وَلَيْسَ بِدِمْيَاطَ مِنَ الْكَثْرَةِ مَا يَجْعَلُونَ الْقِتَالَ بَيْنَهُمْ مُنَاوَبَةً، وَمَعَ هَذَا فَقَدَ صَبَرُوا صَبْرًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ وَالْجِرَاحُ وَالْمَوْتُ وَالْأَمْرَاضُ، وَدَامَ الْحِصَارُ عَلَيْهِمْ إِلَى السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَعَجَزَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِهَا عَنِ الْحِفْظِ لِقِلَّتِهِمْ، وَتَعَذُّرِ الْقُوتِ عِنْدَهُمْ، فَسَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَى الْفِرِنْجِ، فِي هَذَا التَّارِيخِ، بِالْأَمَانِ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ قَوْمٌ وَأَقَامَ آخَرُونَ لِعَجْزِهِمْ عَنِ الْحَرَكَةِ، فَتَفَرَّقُوا أَيْدِي سَبَا.
ذِكْرُ مُلْكِ الْمُسْلِمِينَ دِمْيَاطَ مِنَ الْفِرِنْجِ
لَمَّا مَلَكَ الْفِرِنْجُ دِمْيَاطَ أَقَامُوا بِهَا، وَبَثُّوا سَرَايَاهُمْ فِي كُلِّ مَا جَاوَرَهُمْ مِنِ الْبِلَادِ، يَنْهَبُونَ وَيَقْتُلُونَ، فَجَلَا أَهْلُهَا عَنْهَا، وَشَرَعُوا فِي عِمَارَتِهَا وَتَحْصِينِهَا، وَبَالَغُوا فِي ذَلِكَ حَتَّى إِنَّهَا بَقِيَتْ لَا تُرَامُ.
وَأَمَّا الْمَلِكُ الْكَامِلُ فَإِنَّهُ أَقَامَ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ فِي أَطْرَافِ بِلَادِهِ يَحْمِيهَا مِنْهُمْ.
وَلَمَّا سَمِعَ الْفِرِنْجُ فِي بِلَادِهِمْ بِفَتْحِ دِمْيَاطَ عَلَى أَصْحَابِهِمْ أَقْبَلُوا إِلَيْهِمْ يُهْرَعُونَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، وَأَصْبَحَتْ دَارَ هِجْرَتِهِمْ، وَعَادَ الْمَلِكُ الْمُعَظَّمُ صَاحِبُ دِمَشْقَ إِلَى الشَّامِ فَخَرَّبَ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ كَافَّةً خَافُوا الْفِرِنْجَ، وَأَشْرَفَ الْإِسْلَامُ وَجَمِيعُ أَهْلِهِ وَبِلَادِهِ عَلَى خُطَّةِ خَسَفٍ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا: أَقْبَلَ التَّتَرُ مِنَ
стр. 6018
الْمَشْرِقِ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى نَوَاحِي الْعِرَاقِ وَأَذْرَبِيجَانَ وَأَرَّانَ وَغَيْرِهَا، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ; وَأَقْبَلَ الْفِرِنْجُ مِنَ الْمَغْرِبِ فَمَلَكُوا مِثْلَ دِمْيَاطَ فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، مَعَ عَدَمِ الْحُصُونِ الْمَانِعَةِ بِهَا مِنَ الْأَعْدَاءِ، وَأَشْرَفَ سَائِرُ الْبِلَادِ بِمِصْرَ وَالشَّامِ عَلَى أَنْ تُمْلَكَ، وَخَافَهُمُ النَّاسُ كَافَّةً، وَصَارُوا يَتَوَقَّعُونَ الْبَلَاءَ صَبَاحًا وَمَسَاءً.
وَأَرَادَ أَهْلُ مِصْرَ الْجَلَاءَ عَنْ بِلَادِهِمْ خَوْفًا مِنَ الْعَدُوِّ، ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣] ، وَالْعَدُوُّ قَدْ أَحَاطَ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَلَوْ مَكَّنَهُمُ الْكَامِلُ مِنْ ذَلِكَ لَتَرَكُوا الْبِلَادَ خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا، وَإِنَّمَا مُنِعُوا مِنْهُ فَثَبَتُوا.
وَتَابَعَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ كُتُبَهُ إِلَى أَخَوَيْهِ الْمُعَظِّمِ صَاحِبِ دِمَشْقَ، وَالْمَلِكِ الْأَشْرَفِ مُوسَى بْنِ الْعَادِلِ، صَاحِبِ دِيَارِ الْجَزِيرَةِ وَأَرْمِينِيَّةَ وَغَيْرِهِمَا، يَسْتَنْجِدُهُمَا، وَيَحُثُّهُمَا عَلَى الْحُضُورِ بِأَنْفُسِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَيُرْسِلَانِ الْعَسَاكِرَ إِلَيْهِ، فَسَارَ صَاحِبُ دِمَشْقَ إِلَى الْأَشْرَفِ بِنَفْسِهِ بِحَرَّانَ، فَرَآهُ مَشْغُولًا عَنْ إِنْجَادِهِمْ بِمَا دَهَمَهُ مِنِ اخْتِلَافِ الْكَلِمَةِ عَلَيْهِ، وَزَوَالِ الطَّاعَةِ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ كَانَ يُطِيعُهُ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ ذَلِكَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عِنْدَ وَفَاةِ الْمَلِكِ الْقَاهِرِ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَلْيُطْلَبْ مِنْ هُنَاكَ ; فَعَذَرَهُ، وَعَادَ عَنْهُ، وَبَقِيَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ مَعَ الْفِرِنْجِ.
فَأَمَّا الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ فَزَالَ الْخُلْفُ مِنْ بِلَادِهِ، وَرَجَعَ الْمُلُوكُ الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَتِهِ إِلَيْهِ، وَاسْتَقَامَتْ لَهُ الْأُمُورُ إِلَى سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَالْمَلِكُ الْكَامِلُ مُقَابِلُ الْفِرِنْجِ.
فَلَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ عَلِمَ بِزَوَالِ مَانِعِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ عَنْ إِنْجَادِهِ، فَأَرْسَلَ يَسْتَنْجِدُهُ وَأَخَاهُ، صَاحِبَ دِمَشْقَ، فَسَارَ صَاحِبُ دِمَشْقَ الْمُعَظَّمُ إِلَى الْأَشْرَفِ يَحُثُّهُ عَلَى الْمَسِيرِ، فَفَعَلَ، وَسَارَ إِلَى دِمَشْقَ فَيَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَأَمَرَ الْبَاقِينَ بِاللَّحَاقِ بِهِ إِلَى دِمَشْقَ، وَأَقَامَ بِهَا يَنْتَظِرُهُمْ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُ أُمَرَائِهِ وَخَوَاصِّهِ بِإِنْفَاذِ الْعَسَاكِرِ وَالْعَوْدِ إِلَى بِلَادِهِ خَوْفًا مِنِ اخْتِلَافٍ يَحْدُثُ بَعْدَهُ، فَلَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُمْ، وَقَالَ قَدْ خَرَجْتُ لِلْجِهَادِ، وَلَا بُدَّ مِنْ إِتْمَامِ ذَلِكَ الْعَزْمِ، فَسَارَ إِلَى مِصْرَ.
وَكَانَ الْفِرِنْجُ قَدْ سَارُوا عَنْ دِمْيَاطَ فِي الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ، وَقَصَدُوا الْمَلِكَ الْكَامِلَ،
стр. 6019
وَنَزَلُوا مُقَابِلَهُ، بَيْنَهُمَا خَلِيجٌ مِنَ النِّيلِ يُسَمَّى بَحْرَ أَشْمُومَ، وَهُمْ يَرْمُونَ بِالْمَنْجَنِيقِ وَالْجَرْخِ إِلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ تَيَقَّنُوا هُمْ وَكُلُّ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ
وَأَمَّا الْأَشْرَفُ فَإِنَّهُ سَارَ حَتَّى وَصَلَ مِصْرَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَخُوهُ الْكَامِلُ بِقُرْبِهِ مِنْهُمْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ، فَلَقِيَهُ، وَاسْتَبْشَرَ هُوَ وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ بِاجْتِمَاعِهِمَا، لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بِذَلِكَ نَصْرًا وَظَفَرًا.
وَأَمَّا الْمَلِكُ الْمُعَظَّمُ، صَاحِبُ دِمَشْقَ، فَإِنَّهُ سَارَ أَيْضًا إِلَى دِيَارِ مِصْرَ، وَقَصَدَ دِمْيَاطَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ أَخَوَيْهِ وَعَسْكَرَيْهِمَا قَدْ نَازَلُوهَا، وَقِيلَ بَلْ أُخْبِرَ فِي الطَّرِيقِ أَنِ الْفِرِنْجَ قَدْ تَوَجَّهُوا إِلَى دِمْيَاطَ، فَسَابَقَهُمْ إِلَيْهَا لِيَلْقَاهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، وَأَخَوَاهُ مِنْ خَلْفِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمَّا اجْتَمَعَ الْأَشْرَفُ بِالْكَامِلِ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا عَلَى التَّقَدُّمِ إِلَى خَلِيجٍ مِنَ النِّيلِ يُعْرَفُ بِبَحْرِ الْمَحَلَّةِ، فَتَقَدَّمُوا إِلَيْهِ، فَقَاتَلُوا الْفِرِنْجَ، وَازْدَادُوا قُرْبًا، وَتَقَدَّمَتْ شَوَانِي الْمُسْلِمِينَ مِنَ النِّيلِ، وَقَاتَلُوا شَوَانِي الْفِرِنْجَ، فَأَخَذُوا مِنْهَا ثَلَاثَ قِطَعٍ بِمَنْ فِيهَا مِنَ الرِّجَالِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالسِّلَاحِ، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، وَاسْتَبْشَرُوا، وَتَفَاءَلُوا، وَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وَاسْتَطَالُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ.
هَذَا يَجْرِي وَالرُّسُلُ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَهُمْ قِي تَقْرِيرِ قَاعِدَةِ الصُّلْحِ، وَبَذَلَ الْمُسْلِمُونَ لَهُمْ تَسْلِيمَ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَعَسْقَلَانَ، وَطَبَرِيَّةَ، وَصَيْدَا، وَجَبَلَةَ، وَاللَّاذِقِيَّةَ، وَجَمِيعَ مَا فَتَحَهُ صَلَاحُ الدِّينِ مِنَ الْفِرِنْجِ بِالسَّاحِلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَا عَدَا الْكَرَكَ، لِيُسَلِّمُوا دِمْيَاطَ، فَلَمْ يَرْضَوْا وَطَلَبُوا ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ عِوَضًا عَنْ تَخْرِيبِ الْقُدْسِ لِيَعْمُرُوهُ بِهَا، فَلَمْ يَتِمَّ بَيْنَهُمْ أَمْرٌ وَقَالُوا: لَا بُدَّ مِنَ الْكَرَكِ.
فَبَيْنَمَا الْأَمْرُ فِي هَذَا، وَهُمْ يَمْتَنِعُونَ، اضْطَرَّ الْمُسْلِمُونَ إِلَى قِتَالِهِمْ، وَكَانَ الْفِرِنْجُ لِاعْتِدَادِهِمْ بِنُفُوسِهِمْ لَمْ يَسْتَصْحِبُوا مَعَهُمْ مَا يَقُوتُهُمْ عِدَّةَ أَيَّامٍ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ الْعَسَاكِرَ الْإِسْلَامِيَّةَ لَا تَقُومُ لَهُمْ، وَأَنَّ الْقُرَى وَالسَّوَادَ جَمِيعُهُ يَبْقَى بِأَيْدِيهِمْ، يَأْخُذُونَ مِنْهُ مَا أَرَادُوا مِنِ الْمِيرَةِ، لِأَمْرٍ يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ، فَعَبَرَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي عَلَيْهَا الْفِرِنْجُ، فَفَجَّرُوا النِّيلَ، فَرَكِبَ الْمَاءُ أَكْثَرَ تِلْكَ الْأَرْضِ، وَلَمْ يَبْقَ لِلْفِرِنْجِ جِهَةً
стр. 6020
يَسْلُكُونَ مِنْهَا غَيْرَ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فِيهَا ضِيقٌ، فَنَصَبَ الْكَامِلُ حِينَئِذٍ الْجُسُورَ عَلَى النِّيلِ، عِنْدَ أَشْمُومَ، وَعَبَرَتِ الْعَسَاكِرُ عَلَيْهَا، فَمَلَكَ الطَّرِيقَ الَّذِي يَسْلُكُهُ الْفِرِنْجُ إِنْ أَرَادُوا الْعَوْدَ إِلَى دِمْيَاطَ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ خَلَاصٌ.
وَاتَّفَقَ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهِمْ مَرْكَبٌ كَبِيرٌ لِلْفِرِنْجِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَرَاكِبِ يُسَمَّى مَرَمَّةَ، وَحَوْلَهُ عِدَّةُ حَرَّاقَاتٍ تَحْمِيهِ، وَالْجَمِيعُ مَمْلُوءٌ مِنِ الْمِيرَةِ وَالسِّلَاحِ، وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا شَوَانِي الْمُسْلِمِينَ، وَقَاتَلُوهُمْ، فَظَفِرُوا بِالْمَرَمَّةِ وَبِمَا مَعَهَا مِنَ الْحَرَّاقَاتِ، أَخَذُوهَا، فَلَمَّا رَأَى الْفِرِنْجُ ذَلِكَ سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا الصَّوَابَ بِمُفَارَقَةِ دِمْيَاطَ فِي أَرْضٍ يَجْهَلُونَهَا.
هَذَا وَعَسَاكِرُ الْمُسْلِمِينَ مُحِيطَةٌ بِهِمْ يَرْمُونَهُمْ بِالنُّشَّابِ، وَيَحْمِلُونَ عَلَى أَطْرَافِهِمْ، فَلَمَّا اشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى الْفِرِنْجِ أَحْرَقُوا خِيَامَهُمْ، وَمَجَانِيقَهُمْ، وَأَثْقَالَهُمْ، وَأَرَادُوا الزَّحْفَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَمُقَاتَلَتَهُمْ، لَعَلَّهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى دِمْيَاطَ، فَرَأَوْا مَا أَمَّلُوهُ بَعِيدًا، وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ، لِكَثْرَةِ الْوَحْلِ وَالْمِيَاهِ حَوْلَهُمْ، وَالْوَجْهُ الَّذِي يَقْدِرُونَ عَلَى سُلُوكِهِ قَدْ مَلَكَهُ الْمُسْلِمُونَ.
فَلَمَّا تَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ قَدْ أُحِيطَ بِهِمْ مِنْ سَائِرِ جِهَاتِهِمْ، وَأَنْ مِيرَتَهُمْ قَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ وُصُولُهَا، وَأَنَّ الْمَنَايَا قَدْ كَشَّرَتْ لَهُمْ عَنْ أَنْيَابِهَا، ذَلَّتْ نُفُوسُهُمْ، وَتَكَسَّرَتْ صُلْبَانُهُمْ، وَضَلَّ عَنْهُمْ شَيْطَانُهُمْ، فَرَاسَلُوا الْمَلِكَ الْكَامِلَ وَالْأَشْرَفَ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ لِيُسَلِّمُوا دِمْيَاطَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَبَيْنَمَا الْمُرَاسَلَاتُ مُتَرَدِّدَةٌ إِذْ أَقْبَلَ جَمْعٌ كَبِيرٌ، لَهُمْ رَهْجٌ شَدِيدٌ، وَجَلَبَةٌ عَظِيمَةٌ، مِنْ جِهَةِ دِمْيَاطَ، فَظَنَّهُ الْمُسْلِمُونَ نَجْدَةً أَتَتْ لِلْفِرِنْجِ، فَاسْتَشْعَرُوا، وَإِذَا هُوَ الْمَلِكُ الْمُعَظَّمُ، صَاحِبُ دِمَشْقَ، قَدْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ قَدْ جَعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى دِمْيَاطَ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَاشْتَدَّتْ ظُهُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَازْدَادَ الْفِرِنْجُ خِذْلَانًا وَوَهْنًا، وَتَمَّمُوا الصُّلْحَ عَلَى تَسْلِيمِ دِمْيَاطَ، وَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ وَالْأَيْمَانُ سَابِعَ رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَانْتَقَلَ مُلُوكُ الْفِرِنْجِ، وَكُنُودُهُمْ، وَقَمَامِصَتُهُمْ إِلَى الْمَلِكِ الْكَامِلِ وَالْأَشْرَفِ رَهَائِنَ عَلَى تَسْلِيمِ دِمْيَاطَ: مَلِكُ عَكَّا، وَنَائِبُ بَابَا صَاحِبِ رُومِيَّةَ، وَكُنْدُ رِيشَ، وَغَيْرُهُمْ، وَعِدَّتُهُمْ عِشْرُونَ مَلِكًا، وَرَاسَلُوا قُسُوسَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ إِلَى دِمْيَاطَ فِي التَّسْلِيمِ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ مَنْ
стр. 6021
بِهَا، وَسَلَّمُوهَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ تَاسِعَ رَجَبٍ الْمَذْكُورِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لِمَا تَسَلَّمُوهَا وَصَلَتْ لِلْفِرِنْجِ نَجْدَةٌ فِي الْبَحْرِ، فَلَوْ سَبَقُوا الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهَا لَامْتَنَعُوا مِنْ تَسْلِيمِهَا، وَلَكِنْ سَبْقَهُمُ الْمُسْلِمُونَ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا، وَلَمْ يَبْقَ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا إِلَّا آحَادٌ، وَتَفَرَّقُوا أَيْدِي سَبَا، بَعْضُهُمْ سَارَ عَنْهَا بِاخْتِيَارِهِ، وَبَعْضُهُمْ مَاتَ، وَبَعْضُهُمْ أَخَذَهُ الْفِرِنْجُ.
وَلَمَّا دَخَلَهَا الْمُسْلِمُونَ رَأَوْهَا وَقَدْ حَصَّنَهَا الْفِرِنْجُ تَحْصِينًا عَظِيمًا بِحَيْثُ بَقِيَتْ لَا تُرَامُ، وَلَا يُوصَلُ إِلَيْهَا، وَأَعَادَ اللَّهُ، ، الْحَقَّ إِلَى نِصَابِهِ، وَرَدَّهُ إِلَى أَرْبَابِهِ، وَأَعْطَى الْمُسْلِمِينَ ظَفَرًا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانَتْ غَايَةُ أَمَانِيهِمْ أَنْ يُسَلِّمُوا الْبِلَادَ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهُمْ بِالشَّامِ لِيُعِيدُوا دِمْيَاطَ، فَرَزَقَهُمُ اللَّهُ إِعَادَةَ دِمْيَاطَ، وَبَقِيَتِ الْبِلَادُ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى حَالِهَا، فَاللَّهُ الْمَحْمُودُ الْمَشْكُورُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ كَفِّ عَادِيَةِ هَذَا الْعَدُوِّ، وَكَفَاهُمْ شَرُّ التَّتَرِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عَدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، كَانَتْ بِبَغْدَادَ فِتْنَةٌ بَيْنَ أَهْلِ الْمَأْمُونِيَّةِ وَبَيْنَ أَهْلِ بَابِ الْأَزَجِ بِسَبَبِ قَتْلِ سَبُعٍ، وَزَادَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ، وَاقْتَتَلُوا، فَجُرِحَ بَيْنَهُمْ كَثِيرٌ، فَحَضَرَ نَائِبُ الْبَابِ وَكَفَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ، وَأَسْمَعُوهُ مَا يَكْرَهُ، فَأُرْسِلَ مِنَ الدِّيوَانِ أَمِيرٌ مِنْ مَمَالِيكِ الْخَلِيفَةِ، فَرَدَّ أَهْلَ كُلِّ مَحَلَّةٍ إِلَى مَحَلَّتِهِمْ، وَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ.
وَفِيهَا كَثُرَ الْفَأْرُ بِبَلْدَةِ دُجَيْلٍ مِنْ أَعْمَالِ بَغْدَادَ، فَكَانَ الْإِنْسَانُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَجْلِسَ
стр. 6022
إِلَّا وَمَعَهُ عَصًا يَرُدُّ الْفَأْرَ عَنْهُ، وَكَانَ يَرَى الْكَثِيرَ مِنْهُ ظَاهِرًا يَتْبَعُ بَعْضَهُ بَعْضًا.
وَفِيهَا زَادَتْ دِجْلَةُ زِيَادَةً عَظِيمَةً لَمْ يُشَاهَدْ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ مِثْلُهَا، وَأَشْرَفَتْ بَغْدَادُ عَلَى الْغَرَقِ، فَرَكِب الْوَزِيرُ وَالْأُمَرَاءُ وَالْأَعْيَانُ كَافَّةً، وَجَمَعُوا الْخَلْقَ الْعَظِيمَ مِنَ الْعَامَّةِ وَغَيْرِهِمْ لِعَمَلِ الْقُورَجِ حَوْلَ الْبَلَدِ، وَقَلِقَ النَّاسُ لِذَلِكَ، وَانْزَعَجُوا، وَعَايَنُوا الْهَلَاكَ، وَأَعَدُّوا السُّفُنَ لِيَنْجُوا فِيهَا، وَظَهَرَ الْخَلِيفَةُ لِلنَّاسِ وَحَثَّهُمْ عَلَى الْعَمَلِ، وَكَانَ مِمَّا قَالَ لَهُمْ: لَوْ كَانَ يُفْدَى مَا أَرَى بِمَالٍ أَوْ غَيْرِهِ لَفَعَلْتُ، وَلَوْ دُفِعَ بِحَرْبٍ لَفَعَلْتُ، وَلَكِنَّ أَمْرَ اللَّهِ لَا يُرَدُّ.
وَنَبَعَ الْمَاءُ مِنَ الْبَلَالِيعِ وَالْآبَارِ مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَغَرِقَ كَثِيرٌ مِنْهُ، وَغَرِقَ مَشْهَدُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبَعْضُ الرُّصَافَةِ، وَجَامِعُ الْمَهْدِيِّ، وَقَرْيَةُ الْمَلَكِيَّةِ، وَالْكَشَكُ، وَانْقَطَعَتِ الصَّلَاةُ بِجَامِعِ السُّلْطَانِ. وَأَمَّا الْجَانِبُ الْغَرْبِيُّ، فَتَهَدَّمَ أَكْثَرُ الْقَرْيَةِ، وَنَهْرُ عِيسَى، وَالشَّطِيَّاتُ، وَخُرِّبَتِ الْبَسَاتِينُ، وَمَشْهَدُ بَابِ التِّينِ، وَمَقْبَرَةُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَالْحَرِيمُ الطَّاهِرِيِّ، وَبَعْضُ بَابِ الْبَصْرَةِ وَالدُّورِ الَّتِي عَلَى نَهْرِ عِيسَى وَأَكْثَرُ مَحَلَّةِ قَطُفْتَا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْفَضَائِلِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ أَبِي الْبَرَكَاتِ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ فَضْلِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْخَيْرِ الْمِيهَنِيُّ، الصُّوفِيُّ، أَبُو الْفَضْلِ شَيْخُ رِبَاطِ الْخَلِيفَةِ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ صَالِحًا مِنْ بَيْتِ التَّصَوُّفِ وَالصَّلَاحِ.
стр. 6023
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَة]
٦١٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمَلِكِ الْقَاهِرِ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ نُورِ الدِّينِ وَمَا كَانَ مِنِ الْفِتَنِ بِسَبَبِ مَوْتِهِ إِلَى أَنِ اسْتَقَرَّتِ الْأُمُورُ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمَلِكُ الْقَاهِرُ عِزُّ الدِّينِ مَسْعُودُ بْنُ أَرْسَلَان شَاهْ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِي بْنِ آقْسُنْقُرَ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَبْعَ سِنِينَ وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ.
وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّهُ أَخَذَتْهُ حُمَّى، ثُمَّ فَارَقَتْهُ الْغَدَ، وَبَقِيَ يَوْمَيْنِ مَوْعُوكًا، ثُمَّ عَاوَدَتْهُ الْحُمَّى مَعَ قَيْءٍ كَثِيرٍ، وَكَرْبٍ شَدِيدٍ، وَقَلَقٍ مُتَتَابِعٍ ثُمَّ بَرَدَ بَدَنُهُ، وَعَرِقَ، وَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى وَسَطِ اللَّيْلِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ.
وَكَانَ كَرِيمًا، حَلِيمًا، قَلِيلَ الطَّمَعِ فِي أَمْوَالِ الرَّعِيَّةِ، كَافًّا عَنْ أَذًى يُوصِلُهُ إِلَيْهِمْ، مُقْبِلًا عَلَى لَذَّاتِهِ كَأَنَّمَا يَنْهَبُهَا وَيُبَادِرُ بِهَا الْمَوْتَ ; وَكَانَ عِنْدَهُ رِقَّةٌ شَدِيدَةٌ، وَيُكْثِرُ ذِكْرَ الْمَوْتِ.
حَكَى لِي بَعْضُ مَنْ كَانَ يُلَازِمُهُ قَالَ: كُنَّا لَيْلَةً، قَبْلَ وَفَاتِهِ بِنِصْفِ شَهْرٍ، عِنْدَهُ، فَقَالَ لِي: قَدْ وَجَدْتُ ضَجَرًا مِنَ الْقُعُودِ، فَقُمْ بِنَا نَتَمَشَّى إِلَى الْبَابِ الْعِمَادِيِّ ; قَالَ: فَقُمْنَا، فَخَرَجَ مِنْ دَارِهِ نَحْوَ الْبَابِ الْعِمَادِيِّ، فَوَصَلَ التُّرْبَةَ الَّتِي عَمِلَهَا لِنَفْسِهِ عِنْدَ دَارِهِ، فَوَقَفَ عِنْدَهَا مُفَكِّرًا لَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ قَالَ لِي: وَاللَّهِ مَا نَحْنُ فِي شَيْءٍ! أَلَيْسَ
стр. 6024
مَصِيرُنَا إِلَى هَاهُنَا، وَنُدْفَنُ تَحْتَ الْأَرْضِ، وَأَطَالَ الْحَدِيثَ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الدَّارِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا نَمْشِيَ إِلَى الْبَابِ الْعِمَادِيِّ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ عِنْدِي نَشَاطٌ إِلَى هَذَا وَلَا إِلَى غَيْرِهِ، وَدَخَلَ دَارَهُ وَتُوُفِّيَ بَعْدَ أَيَّامٍ.
وَأُصِيبَ أَهْلُ بِلَادِهِ بِمَوْتِهِ، وَعَظُمَ عَلَيْهِمْ فَقْدُهُ، وَكَانَ مَحْبُوبًا إِلَيْهِمْ، قَرِيبًا مِنْ قُلُوبِهِمْ، فَفِي كُلِّ دَارٍ لِأَجْلِهِ رَنَّةٌ وَعَوِيلٌ، وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى بِالْمُلْكِ لِوَلَدِهِ الْأَكْبَرِ نُورِ الدِّينِ أَرَسْلَان شَاهْ، وَعُمُرُهُ حِينَئِذٍ نَحْوَ عَشْرِ سِنِينَ، وَجَعَلَ الْوَصِيَّ عَلَيْهِ وَالْمُدَبِّرَ لِدَوْلَتِهِ بِدَرَ الدِّينِ لُؤْلُؤًا، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَتَوَلَّى دَوْلَةَ الْقَاهِرِ وَدَوْلَةَ أَبِيهِ نُورِ الدِّينِ قَبْلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ أَخْبَارِهِ مَا يُعْرَفُ بِهِ مَحَلُّهُ، وَسَيَرِدُ مِنْهَا أَيْضًا مَا يَزِيدُ النَّاظِرَ بَصِيرَةً فِيهِ.
فَلَمَّا قَضَى نَحْبَهُ قَامَ بَدْرُ الدِّينِ بِأَمْرِ نُورِ الدِّينِ، وَأَجْلَسَهُ فِي مَمْلَكَةِ أَبِيهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَطْلُبُ لَهُ التَّقْلِيدَ وَالتَّشْرِيفَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمُلُوكِ، وَأَصْحَابِ الْأَطْرَافِ الْمُجَاوِرِينَ لَهُمْ، يَطْلُبُ مِنْهُمْ تَجْدِيدَ الْعَهْدِ لِنُورِ الدِّينِ عَلَى الْقَاعِدَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِيهِ، فَلَمْ يُصْبِحْ إِلَّا وَقَدْ فَرَغَ مِنْ كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَجَلَسَ لِلْعَزَاءِ، وَحَلَّفَ الْجُنْدَ وَالرَّعَايَا، وَضَبَطَ الْمَمْلَكَةَ مِنَ التَّزَلْزُلِ وَالتَّغَيُّرِ مَعَ صِغَرِ السُّلْطَانِ وَكَثْرَةِ الطَّامِعِينَ فِي الْمُلْكِ، فَإِنَّهُ كَانَ مَعَهُ فِي الْبَلَدِ أَعْمَامُ أَبِيهِ، وَكَانَ عَمُّهُ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي بْنُ أَرْسَلَان شَاهْ بِوِلَايَتِهِ، وَهِيَ قَلْعَةُ عَقْرِ الْحُمَيْدِيَّةِ، يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالْمُلْكِ، لَا يَشُكُّ فِي أَنَّ الْمُلْكَ يَصِيرُ إِلَيْهِ بَعْدَ أَخِيهِ، فَرَقَعَ بَدَرُ الدِّينِ ذَلِكَ الْخَرْقَ، وَرَتَقَ ذَلِكَ الْفَتْقَ، وَتَابَعَ الْإِحْسَانَ وَالْخِلَعَ عَلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَغَيَّرَ ثِيَابَ الْحِدَادِ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَخُصَّ بِذَلِكَ شَرِيفًا دُونَ مَشْرُوفٍ، وَلَا كَبِيرًا دُونَ صَغِيرٍ، وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ، وَجَلَسَ لِكَشْفِ ظُلَامَاتِ النَّاسِ، وَإِنْصَافِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ.
وَبَعْدَ أَيَّامٍ وَصَلَ التَّقْلِيدُ مِنَ الْخَلِيفَةِ لِنُورِ الدِّينِ بِالْوِلَايَةِ، وَلِبَدْرِ الدِّينِ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ دَوْلَتِهِ، وَالتَّشْرِيفَاتِ لَهُمَا أَيْضًا، وَأَتَتْهُمَا رُسُلُ الْمُلُوكِ بِالتَّعْزِيَةِ، وَبَذْلِ مَا طُلِبَ مِنْهُمْ مَنِ الْعُهُودِ، وَاسْتَقَرَّتِ الْقَوَاعِدُ لَهُمَا.
ذِكْرُ مُلْكِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي قِلَاعَ الْهَكَّارِيَّةِ وَالزَّوْزَانِ
قَدْ ذَكَرْنَا عِنْدَ وَفَاةِ نُورِ الدِّينِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّمِائَةٍ أَنَّهُ أَعْطَى وَلَدَهُ الْأَصْغَرَ زَنْكِي
стр. 6025
قَلْعَتَيِ الْعَقْرَ وَشُوشَ، وَهَمَّا بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَوْصِلِ فَكَانَ تَارَةً يَكُونُ بِالْمَوْصِلِ، وَتَارَةً بِوِلَايَتِهِ، مُتَجَنِّيًا لِكَثْرَةِ تَلَوُّنِهِ، وَكَانَ بِقَلْعَةِ الْعِمَادِيَّةِ مُسْتَحْفِظٌ مِنْ مَمَالِيكِ جَدِّهِ عِزِّ الدِّينِ مَسْعُودِ بْنِ مَوْدُودٍ، قِيلَ إِنَّهُ جَرَى لَهُ مَعَ زَنْكِي مُرَاسَلَاتٌ فِي مَعْنَى تَسْلِيمِ الْعِمَادِيَّةِ إِلَيْهِ، فَنَمَى الْخَبَرُ بِذَلِكَ إِلَى بَدْرِ الدِّينِ، فَبَادَرَهُ بِالْعَزْلِ مَعَ أَمِيرٍ كَبِيرٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْجُنْدِ لَمْ يُمْكِنْهُ الِامْتِنَاعُ، وَسَلَّمَ الْقَلْعَةَ إِلَى نَائِبِ بَدْرِ الدِّينِ كَذَلِكَ، وَجَعَلَ بَدْرُ الدِّينِ فِي غَيْرِ الْعِمَادِيَّةِ مِنَ الْقِلَاعِ نُوَّابًا لَهُ.
وَكَانَ نُورُ الدِّينِ بْنُ الْقَاهِرِ لَا يَزَالُ مَرِيضًا مِنْ جُرُوحٍ كَانَتْ بِهِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَمْرَاضِ، وَكَانَ يَبْقَى الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ لَا يَرْكَبُ، وَلَا يَظْهَرُ لِلنَّاسِ فَأَرْسَلَ زَنْكِي إِلَى مَنْ بِالْعِمَادِيَّةِ مِنَ الْجُنْدِ يَقُولُ: إِنَّ ابْنَ أَخِي تُوُفِّيَ، وَيُرِيدُ بَدْرُ الدِّينِ أَنْ يَمْلِكَ الْبِلَادَ، وَأَنَا أَحَقُّ بِمُلْكِ آبَائِي وَأَجْدَادِي، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى اسْتَدْعَاهُ الْجُنْدُ مِنْهَا، وَسَلَّمُوا إِلَيْهِ، ثَامِنَ عَشَرَ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَقَبَضُوا عَلَى النَّائِبِ الْبَدْرِيِّ وَعَلَى مَنْ مَعَهُ.
فَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى بَدْرِ الدِّينِ لَيْلًا فَجَدَّ فِي الْأَمْرِ، وَنَادَى فِي الْعَسْكَرِ لِوَقْتِهِ بِالرَّحِيلِ، فَسَارُوا مُجِدِّينَ إِلَى الْعِمَادِيَّةِ وَبِهَا زَنْكِي لِيَحْصُرُوهُ فِيهَا، فَلَمْ يَطْلُعِ الصُّبْحُ إِلَّا وَقَدْ فَرَغَ مِنْ تَسْيِيرِ الْعَسَاكِرِ، فَسَارُوا إِلَى الْعِمَادِيَّةِ وَحَصَرُوهَا، وَكَانَ الزَّمَانُ شِتَاءً، وَالْبَرْدُ شَدِيدٌ، وَالثَّلْجُ هُنَاكَ كَثِيرٌ، فَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ قِتَالِ مَنْ بِهَا، لَكِنَّهُمْ أَقَامُوا يَحْصُرُونَهَا، وَقَامَ مُظَفَّرُ الدِّينِ كُوكُبْرِي بْنُ زَيْنِ الدِّينِ، صَاحِبُ إِرْبِلَ، فِي نَصْرِ عِمَادِ الدِّينِ، وَتَجَرَّدَ لِمُسَاعَدَتِهِ، فَرَاسَلَهُ بَدْرُ الدِّينِ يُذَكِّرُهُ الْأَيْمَانَ وَالْعُهُودَ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا أَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ، وَمِنْهَا قِلَاعُ الْهَكَّارِيَّةِ وَالزَّوْزَانِ بِأَسْمَائِهَا، وَمَتَى تَعَرَّضَ إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، مَنْ كَانَ، مَنَعَهُ بِنَفْسِهِ وَعَسَاكِرِهِ، وَأَعَانَ نُورَ الدِّينِ وَبَدْرَ الدِّينِ عَلَى مَنْعِهِ، وَيُطَالِبُهُ بِالْوَفَاءِ بِهَا.
ثُمَّ نَزَلَ عَنْ هَذَا، وَرَضِيَ مِنْهُ بِالسُّكُوتِ لَا لَهُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَأَظْهَرَ مُعَاضَدَةَ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي، فَحِينَئِذٍ لَمْ يُمْكِنْ مُكَاثَرَةُ زَنْكِي بِالرِّجَالِ وَالْعَسَاكِرِ لِقُرْبِ
следующие страницы →