← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

حَادِثَةٌ غَرِيبَةٌ لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهَا كَانَ أَهْلُ الْمَمْلَكَةِ فِي الْكَرَجِ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ غَيْرُ امْرَأَةٍ، وَقَدِ انْتَهَى الْمُلْكُ إِلَيْهَا فَوَلِيَتْهُ، وَقَامَتْ بِالْأَمْرِ فِيهِمْ، وَحَكَمَتْ، فَطَلَبُوا لَهَا رَجُلًا يَتَزَوَّجُهَا وَيَقُومُ بِالْمُلْكِ نِيَابَةً عَنْهَا، وَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ مَمْلَكَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لِهَذَا الْأَمْرِ. وَكَانَ صَاحِبُ أَرْزَنَ الرُّومِ، هَذَا الْوَقْتَ، هُوَ مُغِيثُ الدِّينِ طُغْرُل شَاهْ بْنُ قَلْجِ أَرْسَلَان بْنِ مَسْعُودِ قَلْجِ أَرَسْلَان، وَبَيْتُهُ مَشْهُورٌ مِنْ أَكَابِرِ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ، وَهُمْ مِنَ الْمُلُوكِ السَّلْجُوقِيَّةِ، وَلَهُ وَلَدٌ كَبِيرٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْكَرَجِ يَطْلُبُ الْمَلِكَةَ لِوَلَدِهِ لِيَتَزَوَّجَهَا، فَامْتَنَعُوا مِنْ إِجَابَتِهِ وَقَالُوا: لَا نَفْعَلُ هَذَا، لِأَنَّنَا لَا يُمْكِنُنَا أَنْ يَمْلِكَ أَمْرَنَا مُسْلِمٌ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنِ ابْنِي يَتَنَصَّرُ وَيَتَزَوَّجُهَا فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَمَرَ ابْنَهُ فَتَنَصَّرَ وَدَانَ بِالنَّصْرَانِيَّةِ، وَتَزَوَّجَ الْمَلِكَةَ، وَانْتَقَلَ إِلَيْهَا، وَأَقَامَ عِنْدَ الْكَرَجِ حَاكِمًا فِي بِلَادِهِمْ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخِذْلَانِ، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يَجْعَلَ خَيْرَ أَعْمَالِنَا آخِرَهَا، وَخَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاهُ. ثُمَّ كَانَتْ هَذِهِ الْمَلِكَةُ الْكَرَجِيَّةُ تَهْوَى مَمْلُوكًا لَهَا، فَكَانَ زَوْجُهَا يَسْمَعُ عَنْهَا الْقَبَائِحَ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْكَلَامَ لِعَجْزِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَوْمًا دَخَلَ عَلَيْهَا فَرَآهَا نَائِمَةً مَعَ مَمْلُوكِهَا فِي فِرَاشٍ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَوَاجَهَهَا بِالْمَنْعِ مِنْهُ، فَقَالَتْ: إِنْ رَضِيَتْ بِهَذَا، وَإِلَّا أَنْتَ أَخْبَرُ. فَقَالَ: إِنَّنِي لَا أَرْضَى بِهَذَا فَنَقَلَتْهُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، وَوَكَّلَتْ بِهِ مَنْ يَمْنَعُهُ مِنَ الْحَرَكَةِ، وَحَجَرَتْ عَلَيْهِ، وَأَرْسَلَتْ إِلَى بَلَدِ اللَّانِ، وَأَحْضَرَتْ رَجُلَيْنِ كَانَا قَدْ وُصِفَا بِحُسْنِ الصُّورَةِ، فَتَزَوَّجَتْ أَحَدَهُمَا، فَبَقِيَ مَعَهَا يَسِيرًا، ثُمَّ إِنَّهَا فَارَقَتْهُ، وَأَحْضَرَتْ إِنْسَانًا آخَرَ مِنْ كَنْجَةَ، وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَطَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يَتَنَصَّرَ لِيَتَزَوَّجَهَا، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَأَرَادَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَقَامَ عَلَيْهَا جَمَاعَةُ الْأُمَرَاءِ، وَمَعَهُمْ إِيوَانِي، وَهُوَ مُقَدَّمُ الْعَسَاكِرِ الْكَرَجِيَّةِ، فَقَالُوا لَهَا قَدْ افْتَضَحْنَا بَيْنَ الْمُلُوكِ بِمَا تَفْعَلِينَ، ثُمَّ تُرِيدِينَ أَنْ يَتَزَوَّجَكِ مُسْلِمٌ، وَهَذَا لَا نُمَكِّنُ مِنْهُ أَبَدًا ; وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمْ مُتَرَدِّدٌ وَالرِّجْلُ الْكَنْجِيُّ عِنْدَهُمْ لَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى الدُّخُولِ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، وَهِيَ تَهْوَاهُ.

стр. 6092

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ الْجَرَادُ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ، وَأَهْلَكَ كَثِيرًا مِنَ الْغَلَّاتِ وَالْخُضَرِ بِالْعِرَاقِ وَالْجَزِيرَةِ وَدِيَارِ بَكْرٍ وَكَثِيرٍ مِنَ الشَّامِ وَغَيْرِهَا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا فِي رَمَضَانَ تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَسَاكِرَ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، بِهَا، وَكَانَ غَزِيرَ الْعِلْمِ، عَالِمًا بِالْمَذْهَبِ، كَثِيرَ الصَّلَاحِ وَالزُّهْدِ وَالْخَيْرِ، ﵀. وَفِيهَا خَرَجَ الْعَرَبُ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ عَلَى حُجَّاجِ الشَّامِ، وَأَرَادُوا قَطْعَ الطَّرِيقِ عَلَيْهِمْ وَأَخْذَهُمْ، وَكَانَ الْأَمِيرُ عَلَى الْحُجَّاجِ شَرَفَ الدِّينِ يَعْقُوبَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ، أَقَامَ بِالشَّامِ وَتَقَدَّمَ فِيهِ، فَمَنَعَهُمْ بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، ثُمَّ صَانَعَهُمْ بِمَالٍ وَثِيَابٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَأَعْطَى الْجَمِيعَ مِنْ مَالِهِ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنَ الْحُجَّاجِ الدِّرْهَمَ الْفَرْدَ، وَفَعَلَ فِعْلًا جَمِيلًا. وَكَانَ عِنْدَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلُومِ، وَيَرْجِعُ إِلَى دِينٍ مَتِينٍ.

стр. 6093

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَة] ٦٢١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ ذِكْرُ عَوْدِ طَائِفَةٍ مِنَ التَّتَرِ إِلَى الرَّيِّ وَهَمَذَانَ وَغَيْرِهِمَا أَوَّلَ هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَ طَائِفَةٌ مِنَ التَّتَرِ مِنْ عِنْدِ مَلِكِهِمْ جِنْكِزْخَانْ، وَهَؤُلَاءِ غَيْرُ الطَّائِفَةِ الْغَرْبِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَخْبَارَهَا قَبْلَ وُصُولِ هَؤُلَاءِ الرَّيَّ ; وَكَانَ مَنْ سَلِمَ مِنْ أَهْلِهَا قَدْ عَادُوا إِلَيْهَا وَعَمَّرُوهَا، فَلَمْ يَشْعُرُوا بِالتَّتَرِ إِلَّا وَقَدْ وَصَلُوا إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَمْتَنِعُوا عَنْهُمْ، فَوَضَعُوا فِي أَهْلِهَا السَّيْفَ وَقَتَلُوهُمْ كَيْفَ شَاءُوا، وَنَهَبُوا الْبَلَدَ وَخَرَّبُوهُ، وَسَارُوا إِلَى سَاوَةَ، فَفَعَلُوا بِهَا كَذَلِكَ ثُمَّ إِلَى قُمَّ وَقَاشَانَ، وَكَانَتَا قَدْ سَلِمَتَا مِنَ التَّتَرِ أَوَّلًا، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقْرَبُوهُمَا، وَلَا أَصَابَ أَهْلَهُمَا أَذًى، فَأَتَاهُمَا هَؤُلَاءِ وَمَلَكُوهُمَا، وَقَتَلُوا أَهْلَهُمَا، وَخَرَّبُوهُمَا، وَأَلْحَقُوهُمَا بِغَيْرِهِمَا مِنِ الْبِلَادِ الْخَرَابِ. ثُمَّ سَارُوا فِي الْبِلَادِ يُخَرِّبُونَ وَيَقْتُلُونَ وَيَنْهَبُونَ، ثُمَّ قَصَدُوا هَمَذَانَ، وَكَانَ قَدِ اجْتَمَعَ بِهَا كَثِيرٌ مِمَّنْ سَلِمَ مِنْ أَهْلِهَا، فَأَبَادُوهُمْ قَتْلًا وَأَسْرًا وَنَهْبًا، وَخَرَّبُوا الْبَلَدَ. وَكَانُوا لَمَّا وَصَلُوا إِلَى الرَّيِّ رَأَوْا بِهَا عَسْكَرًا كَثِيرًا مِنَ الْخُوَارَزْمِيَّةِ، فَكَبَسُوهُمْ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَنَزَلُوا بِأَطْرَافِهَا، فَلَمْ يَشْعُرُوا إِلَّا وَالتَّتَرُ أَيْضًا قَدْ كَبَسُوهُمْ وَوَضَعُوا السَّيْفَ فِيهِمْ، فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ، فَوَصَلَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى تِبْرِيزَ وَأَرْسَلُوا إِلَى صَاحِبِهَا أَوْزَبْكَ بْنِ الْبَهْلَوَانِ يَقُولُونَ: إِنْ كُنْتَ مُوَافِقَنَا فَسَلِّمَ إِلَيْنَا مَنْ عِنْدِكَ مِنَ الْخُوَارَزْمِيَّةِ، وَإِلَّا فَعَرَفْنَا أَنَّكَ غَيْرُ مُوَافِقٍ لَنَا، وَلَا فِي طَاعَتِنَا فَعَمَدَ إِلَى مَنْ عِنْدِهِ مِنَ الْخُوَارَزْمِيَّةِ، فَقَتَلَ بَعْضَهُمْ وَأَسَرَ بَعْضَهُمْ، وَحَمَلَ الْأَسْرَى وَالرُّءُوسَ إِلَى التَّتَرِ، وَأَنْفَذَ مَعَهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ شَيْئًا كَثِيرًا، فَعَادُوا عَنْ بِلَادِهِ نَحْوَ

стр. 6094

خُرَاسَانَ، فَعَلُوا هَذَا وَلَيْسُوا فِي كَثْرَةٍ، كَانُوا نَحْوَ سِتَّةِ آلَافِ فَارِسٍ، وَكَانَ الْخُوَارَزْمِيَّةُ الَّذِينَ انْهَزَمُوا مِنْهُمْ نَحْوَ سِتَّةِ آلَافِ رَاجِلِ، وَعَسْكَرُ أَوْزَبْكَ أَكْثَرُ مِنَ الْجَمِيعِ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ وَلَا الْخُوَارَزْمِيَّةُ بِالِامْتِنَاعِ مِنْهُمْ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُومُ بِنُصْرَتِهِمْ، فَقَدْ دُفِعُوا إِلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ مِنْ قَتْلِ النُّفُوسِ، وَنَهْبِ الْأَمْوَالِ، وَاسْتِرْقَاقِ الْأَوْلَادِ، وَسَبْيِ الْحَرِيمِ وَقَتْلِهِنَّ، وَتَخْرِيبِ الْبِلَادِ. ذِكْرُ مُلْكِ غِيَاثِ الدِّينِ بِلَادَ فَارِسَ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ غِيَاثَ الدِّينِ بْنَ خُوَارَزْم شَاهْ مُحَمَّدٍ كَانَ بِالرَّيِّ، وَلَهُ مَعَهَا أَصْفَهَان وَهَمَذَانُ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْبِلَادِ، وَلَهُ أَيْضًا بِلَادُ كَرْمَانَ، فَلَمَّا هَلَكَ أَبُوهُ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَصَلَ التَّتَرُ إِلَى بِلَادِهِ، وَامْتَنَعَ بِأَصْفَهَانَ، وَحَصَرَهُ التَّتَرُ فِيهَا، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا، فَلَمَّا فَارَقَ التَّتَرُ بِلَادَهُ، وَسَارُوا إِلَى بِلَادِ قُفْجَاقَ، عَادَ مَلِكُ الْبِلَادِ وَعَمَّرَ مَا أَمْكَنَهُ مِنْهَا، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَوَاخِرِ سَنَةِ عِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَجَرَى لَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ. فَفِي آخِرِ سَنَةِ عِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ سَارَ إِلَى بِلَادِ فَارِسَ فَلَمْ يَشْعُرْ صَاحِبُهَا، وَهُوَ أَتَابِكْ سَعْدُ بْنُ دَكْلَا، إِلَّا وَقَدْ وَصَلَ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَى أَطْرَافِ بِلَادِهِ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الِامْتِنَاعِ، فَقَصَدَ قَلْعَةَ إِصْطَخْرَ فَاحْتَمَى بِهَا، وَسَارَ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَى مَدِينَةِ شِيرَازَ، وَهِيَ كُرْسِيُّ مَمْلَكَةِ فَارِسَ وَأَكْبَرُهَا وَأَعْظَمُهَا، فَمَلَكَهَا بِغَيْرِ تَعَبٍ أَوَّلَ سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَبَقِيَ غِيَاثُ الدِّينِ بِهَا، وَاسْتَوْلَى عَلَى أَكْثَرِ الْبِلَادِ، وَلَمْ يَبْقَ بِيَدِ سَعْدٍ إِلَّا الْحُصُونُ الْمَنِيعَةُ. فَلَمَّا طَالَ الْأَمْرُ عَلَى سَعْدٍ صَالَحَ غِيَاثَ الدِّينِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِسَعْدٍ مِنَ الْبِلَادِ قِسْمٌ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَلِغِيَاثٍ الْبَاقِي، وَأَقَامَ غِيَاثُ الدِّينِ بِشِيرَازَ، وَازْدَادَ إِقَامَةً وَعَزْمًا عَلَى ذَلِكَ لَمَّا سَمِعَ أَنَّ التَّتَرَ قَدْ عَادُوا إِلَى الرَّيِّ وَالْبِلَادِ الَّتِي لَهُ وَخَرَّبُوهَا.

стр. 6095

ذِكْرُ عِصْيَانِ شِهَابِ الدِّينِ غَازِي عَلَى أَخِيهِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ، وَأَخْذِ خِلَاطَ مِنْهُ. كَانَ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ مُوسَى بْنُ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ قَدْ أَقْطَعَ أَخَاهُ شِهَابَ الدِّينِ غَازِي مَدِينَةَ خِلَاطَ وَجَمِيعَ أَعْمَالِ أَرْمِينِيَّةَ، وَأَضَافَ إِلَيْهَا مَيَّافَارِقِينَ وَحَانِي وَجَبَلَ جُورٍ، وَلَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ حَتَّى جَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ فِي الْبِلَادِ الَّتِي لَهُ جَمِيعِهَا، وَحَلَّفَ لَهُ جَمِيعَ النُّوَّابِ وَالْعَسَاكِرِ فِي الْبِلَادِ. فَلَمَّا سَلَّمَ إِلَيْهِ أَرْمِينِيَّةَ، سَارَ إِلَيْهَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى آخِرِ سَنَةِ عِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَأَظْهَرَ مُغَاضَبَةَ أَخِيهِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ، وَالتَّجَنِّيَ عَلَيْهِ وَالْعِصْيَانَ، وَالْخُرُوجَ عَنْ طَاعَتِهِ، فَرَاسَلَهُ الْأَشْرَفُ يَسْتَمِيلُهُ وَيُعَاتِبُهُ عَلَى مَا فَعَلَ، فَلَمْ يَرْعَوِ، وَلَا تَرَكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، بَلْ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ، وَاتَّفَقَ هُوَ وَأَخُوهُ الْمُعَظَّمُ عِيسَى صَاحِبُ دِمَشْقَ، وَمُظَفَّرُ الدِّينِ بْنُ زَيْنِ الدِّينِ صَاحِبُ إِرْبِلَ، عَلَى الْخِلَافِ لِلْأَشْرَفِ، وَالِاجْتِمَاعِ عَلَى مُحَارَبَتِهِ، وَأَظْهَرُوا ذَلِكَ. وَعَلِمَ الْأَشْرَفُ فَأَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ الْكَامِلِ بِمِصْرَ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، وَكَانَا مُتَّفِقَيْنِ، وَطَلَبَ مِنْهُ نَجْدَةً، فَجَهَّزَ الْعَسَاكِرَ وَأَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ صَاحِبِ دِمَشْقَ، يَقُولُ لَهُ: إِنْ تَحَرَّكْتَ مِنْ بَلَدِكَ، سِرْتُ إِلَيْهِ وَأَخَذْتُهُ، وَكَانَ قَدْ سَارَ نَحْوَ دِيَارِ الْجَزِيرَةِ لِلْمِيعَادِ الَّذِي بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَيْهِ رِسَالَةُ أَخِيهِ، وَسَمِعَ بِتَجْهِيزِ الْعَسَاكِرِ، عَادَ إِلَى دِمَشْقَ. وَأَمَّا صَاحِبُ إِرْبِلَ فَإِنَّهُ جَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَكَانَ مِنْهُ مَا نَذْكُرُهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَأَمَّا الْأَشْرَفُ فَإِنَّهُ لَمَّا تَيَقَّنَ عِصْيَانَ أَخِيهِ، جَمَعَ الْعَسَاكِرَ مِنَ الشَّامِ، وَالْجَزِيرَةِ، وَالْمَوْصِلِ، وَسَارَ إِلَى خِلَاطَ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهَا، خَافَهُ أَخُوهُ غَازِي، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى أَنْ يَلْقَاهُ مُحَارِبًا، فَفَرَّقَ عَسْكَرَهُ فِي الْبِلَادِ لِيُحَصِّنَهَا، وَانْتَظَرَ أَخُوهُ صَاحِبُ دِمَشْقَ أَنْ يَسِيرَ صَاحِبُ إِرْبِلَ إِلَى مَا يُجَاوِرُهُ مِنَ الْمَوْصِلِ وَسِنْجَارَ، وَأَنْ يَسِيرَ أَخُوهُ إِلَى بِلَادِ الْأَشْرَفِ عِنْدَ الْفُرَاتِ: الرَّقَّةِ، وَحَرَّانَ، وَغَيْرِهِمَا، فَيُضْطَرُّ الْأَشْرَفُ حِينَئِذٍ إِلَى الْعَوْدِ عَنْ خِلَاطَ. فَسَارَ الْأَشْرَفُ إِلَيْهِ، وَقَصَدَ خِلَاطَ، وَكَانَ أَهْلُهَا يُرِيدُونَهُ، وَيَخْتَارُونَ دَوْلَتَهُ لِحُسْنِ

стр. 6096

سِيرَتِهِ، كَانَتْ فِيهِمْ، وَسُوءِ سِيرَةِ غَازِي، فَلَمَّا حَصَرَهَا، سَلَّمَهَا أَهْلُهَا إِلَيْهِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثَانِيَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَبَقِيَ غَازِي فِي الْقَلْعَةِ مُمْتَنِعًا، فَلَمَّا جَنَّهُ اللَّيْلُ، نَزَلَ إِلَى أَخِيهِ مُعْتَذِرًا وَمُتَنَصِّلًا، فَعَاتَبَهُ الْأَشْرَفُ وَأَبْقَى عَلَيْهِ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ عَلَى فِعْلِهِ، لَكِنْ أَخَذَ الْبِلَادَ مِنْهُ وَأَبْقَى عَلَيْهِ مَيَّافَارِقِينَ. ذِكْرُ حِصَارِ صَاحِبِ إِرْبِلَ الْمَوْصِلَ. قَدْ ذَكَرْنَا اتِّفَاقَ مُظَفَّرِ الدِّينِ كُوكُبرِيِّ بْنِ زَيْنِ الدِّينِ عَلَى صَاحِبِ إِرْبِلَ، وَشِهَابِ الدِّينِ غَازِي صَاحِبِ خِلَاطَ، وَالْمُعَظَّمِ عِيسَى صَاحِبِ دِمَشْقَ، عَلَى قَصْدِ بِلَادِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ، فَأَمَّا صَاحِبُ دِمَشْقَ فَإِنَّهُ سَارَ عَنْهَا مَرَاحِلَ يَسِيرَةً وَعَادَ إِلَيْهَا ; لِأَنَّ أَخَاهُ صَاحِبَ مِصْرَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَتَهَدَّدُهُ إِنْ سَارَ عَنْ دِمَشْقَ أَنَّهُ يَقْصِدُهَا وَيَحْصُرُهَا، فَعَادَ. وَأَمَّا غَازِي فَإِنَّهُ اسْتُحْصِرَ فِي خِلَاطَ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ. وَأَمَّا صَاحِبُ إِرْبِلَ فَإِنَّهُ جَمَعَ عَسْكَرَهُ، وَسَارَ إِلَى بَلَدِ الْمَوْصِلِ وَحَصَرَهَا، وَنَازَلَهَا يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ثَالِثَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الْمَلِكَ الْأَشْرَفَ إِذَا سَمِعَ بِنُزُولِهِ عَلَيْهَا، رَحَلَ عَنْ خِلَاطَ، وَيَخْرُجُ غَازِي فِي طَلَبِهِ، فَتَتَخَبَّطُ أَحْوَالُهُ، وَتَقْوَى نَفْسُ صَاحِبِ دِمَشْقَ عَلَى الْمَجِيءِ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا نَازَلَ الْمَوْصِلَ، كَانَ صَاحِبُهَا بَدْرُ الدِّينِ لُؤْلُؤٌ قَدْ أَحْكَمَ أُمُورَهَا مِنِ اسْتِخْدَامِ الْجُنْدِ عَلَى الْأَسْوَارِ، وَإِظْهَارِ آلَةِ الْحِصَارِ، وَإِخْرَاجِ الذَّخَائِرِ. وَإِنَّمَا قَوِيَ طَمَعُ صَاحِبُ إِرْبِلَ عَلَى حَصْرِ الْمَوْصِلِ ; لِأَنَّ أَكْثَرَ عَسْكَرِهَا كَانَ قَدْ سَارَ إِلَى الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ إِلَى خِلَاطَ، وَقَدْ قَلَّ الْعَسْكَرُ فِيهَا، وَكَانَ الْغَلَاءُ شَدِيدًا فِي الْبِلَادِ جَمِيعِهَا، وَالسِّعْرُ فِي الْمَوْصِلِ كُلُّ ثَلَاثَةِ مَكَاكِيكَ بِدِينَارٍ، فَلِهَذَا السَّبَبِ أَقْدَمَ عَلَى حَصْرِهَا، فَلَمَّا نَزَلَ عَلَيْهَا أَقَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ رَحَلَ عَنْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِتِسْعٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ. وَكَانَ سَبَبُ رَحِيلِهِ أَنَّهُ رَأَى امْتِنَاعَ الْبَلَدِ عَلَيْهِ، وَكَثْرَةَ مَنْ فِيهِ، وَعِنْدَهُمْ مِنَ الذَّخَائِرِ مَا يَكْفِيهِمُ الزَّمَانَ الْكَثِيرَ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ خَبَرُ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ أَنَّهُ مَلَكَ خِلَاطَ، فَانْفَسَخَ عَلَيْهِ كُلُّ مَا كَانَ يُؤَمِّلُهُ مِنْ صَاحِبِهَا وَمِنْ دِمَشْقَ، وَبَقِيَ وَحْدَهُ مُتَلَبِّسًا بِالْأَمْرِ، فَلَمَّا وَصَلَتِ الْأَخْبَارُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، سُقِطَ فِي يَدِهِ، وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ الصَّوَابَ، فَرَحَلَ

стр. 6097

عَائِدًا إِلَى بَلَدِهِ، وَأَقَامَ عَلَى [الزَّابِ] ، وَمُدَّةُ مُقَامِهِ عَلَى الْمَوْصِلِ لَمْ يُقَاتِلْهَا، إِنَّمَا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ يَجِيءُ بَعْضُ الْيَزَكِ الَّذِينَ لَهُ يُقَاتِلُونَ الْبَلَدَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ بَعْضُ الْفُرْسَانِ، وَبَعْضُ الرَّجَّالَةِ، فَيَجْرِي بَيْنَهُمْ قِتَالٌ لَيْسَ بِالْكَثِيرِ ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ، وَتَرْجِعُ كُلُّ طَائِفَةٍ إِلَى صَاحِبِهَا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَوَّلَ آبَ، جَاءَ بِبَغْدَادَ مَطَرٌ بِرَعْدٍ وَبَرْقٍ، وَجَرَتِ الْمِيَاهُ بِبَابِ الْبَصْرَةِ وَالْحَرْبِيَّةِ، وَكَذَلِكَ بِالْمُحَوَّلِ، بِحَيْثُ إِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَخُوضُونَ فِي الْمَاءِ وَالْوَحْلِ بِالْمُحَوَّلِ. وَفِيهَا سَارَ صَاحِبُ الْمَخْزَنِ إِلَى بَعْقُوبَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَعَسَفَ أَهْلَهَا، فَنُقِلَ إِلَيْهِ عَنْ إِنْسَانٍ مِنْهَا أَنَّهُ يَسُبُّهُ، فَأَحْضَرَهُ وَأَمَرَ بِمُعَاقَبَتِهِ، وَقَالَ لَهُ: لِمَ تَسُبُّنِي؟ فَقَالَ لَهُ: أَنْتُمْ تَسُبُّونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لِأَجْلِ أَخْذِهِمَا فَدَكَ، وَهِيَ عَشْرُ نَخَلَاتٍ لِفَاطِمَةَ ﵍ وَأَنْتُمْ تَأْخُذُونَ مِنِّي أَلْفَ نَخْلَةٍ وَلَا أَتَكَلَّمُ؟ فَعَفَا عَنْهُ. وَفِيهَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بِوَاسِطَ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ عَلَى جَارِي عَادَتِهِمْ. وَفِيهَا قَلَّتِ الْأَمْطَارُ فِي الْبِلَادِ، فَلَمْ يَجِئْ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَى شُبَاطَ، ثُمَّ إِنَّهَا كَانَتْ تَجِيءُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُتَفَرِّقَةِ مَجِيئًا قَرِيبًا لَا يَحْصُلُ مِنْهُ الرِّيُّ لِلزَّرْعِ، فَجَاءَتِ الْغَلَّاتُ قَلِيلَةً، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهَا الْجَرَادُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ النَّبَاتِ مَا يَشْتَغِلُ بِهِ عَنْهَا، فَأَكَلَهَا إِلَّا الْقَلِيلَ، وَكَانَ كَثِيرًا خَارِجًا عَنِ الْحَدِّ، فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ فِي الْعِرَاقِ وَالْمَوْصِلِ، وَسَائِرِ دِيَارِ الْجَزِيرَةِ، وَدِيَارِ بَكْرٍ وَغَيْرِهَا، وَقَلَّتِ الْأَقْوَاتُ، إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَ الْغَلَاءِ كَانَ بِالْمَوْصِلِ وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ.

стр. 6098

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ] ٦٢٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ ذِكْرُ حَصْرِ الْكُرْجِ مَدِينَةَ كَنْجَةَ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَتِ الْكُرْجُ فِي جُمُوعِهَا إِلَى مَدِينَةِ كَنْجَةَ مِنْ بِلَادِ أَرَّانَ قَصْدًا لِحَصْرِهَا، وَاعْتَدُّوا لَهَا بِمَا أَمْكَنَهُمْ مِنَ الْقُوَّةِ ; لِأَنَّ أَهْلَ كَنْجَةَ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ، قَوِيَّةٌ شَوْكَتُهُمْ، وَعِنْدَهُمْ شَجَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ طُولِ مُمَارَسَتِهِمْ لِلْحَرْبِ مَعَ الْكُرْجِ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا وَنَازَلُوهَا، قَاتَلُوا أَهْلَهَا عِدَّةَ أَيَّامٍ مِنْ وَرَاءِ السُّورِ، لَمْ يَظْهَرْ مِنْ أَهْلِهَا أَحَدٌ، ثُمَّ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ خَرَجَ أَهْلُ كَنْجَةَ وَمَنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعَسْكَرِ مِنَ الْبَلَدِ، وَقَاتَلُوا الْكُرْجَ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ أَشَدَّ قِتَالٍ وَأَعْظَمَهُ، فَلَمَّا رَأَى الْكُرْجُ ذَلِكَ، عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِالْبَلَدِ، فَرَحَلُوا بَعْدَ أَنْ أَثْخَنَ أَهْلُ كَنْجَةَ فِيهِمْ ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] . ذِكْرُ وُصُولِ جَلَالِ الدِّينِ بْنِ خُوَارَزْمَ شَاهْ إِلَى خُوزِسْتَانَ وَالْعِرَاقِ. فِي أَوَّلِ هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَ جَلَالُ الدِّينِ بْنُ خُوَارَزْمَ شَاهْ مُحَمَّدُ بْنُ تُكَشَ إِلَى بِلَادِ خُوزِسْتَانَ وَالْعِرَاقِ، وَكَانَ مَجِيئُهُ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ ; لِأَنَّهُ كَانَ وَصَلَ إِلَيْهَا لَمَّا قَصَدَ التَّتَرُ غَزْنَةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ جَمِيعَهُ، فَلَمَّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْمَقَامُ بِبِلَادِ الْهِنْدِ، سَارَ عَنْهَا عَلَى كِرْمَانَ، وَوَصَلَ إِلَى أَصْفَهَانَ وَهِيَ بِيَدِ أَخِيهِ غِيَاثِ الدِّينِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَخْبَارُهُ، فَمَلَكَهَا وَسَارَ عَنْهَا إِلَى بِلَادِ فَارِسَ، وَكَانَ أَخُوهُ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى بَعْضِهَا، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَأَعَادَ مَا كَانَ أَخُوهُ أَخَذَهُ مِنْهَا إِلَى أَتَابِكَ سَعْدٍ صَاحِبِهَا، وَصَالَحَهُ وَسَارَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى خُوزِسْتَانَ، فَحَصَرَ مَدِينَةَ تُسْتَرَ فِي الْمُحَرَّمِ، وَبِهَا الْأَمِيرُ مُظَفَّرُ الدِّينِ الْمَعْرُوفُ بِوَجْهِ

стр. 6099

السَّبُعِ، مَمْلُوكُ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ، حَافِظًا لَهَا، وَأَمِيرًا عَلَيْهَا، فَحَصَرَهُ جَلَالُ الدِّينِ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، فَحَفِظَهَا وَجْهُ السَّبُعِ، وَبَالَغَ فِي الْحِفْظِ وَالِاحْتِيَاطِ، وَتَفَرَّقَ الْخُوَارَزْمِيَّةُ يَنْهَبُونَ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى بَادرَايَا وَبَاكسَايَا وَغَيْرِهِمَا، وَانْحَدَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى نَاحِيَةِ الْبَصْرَةِ، فَنَهَبُوا هُنَالِكَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ شِحْنَةُ الْبَصْرَةِ، وَهُوَ الْأَمِيرُ مُلْتَكِينُ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فَأَوْقَعَ بِهِمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، فَدَامَ الْحِصَارُ نَحْوَ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ رَحَلَ عَنْهَا بَغْتَةً. وَكَانَتْ عَسَاكِرُ الْخَلِيفَةِ، مَعَ مَمْلُوكِهِ جَمَالِ الدِّينِ قُشْتُمُر، بِالْقُرْبِ مِنْهُ، فَلَمَّا رَحَلَ جَلَالُ الدِّينِ لَمْ يَقْدِرِ الْعَسْكَرُ عَلَى مَنْعِهِ، فَسَارَ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى بَعْقُوبَا، وَهِيَ قَرْيَةٌ مَشْهُورَةٌ بِطَرِيقِ خُرَاسَانَ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَغْدَادَ نَحْوُ سَبْعَةِ فَرَاسِخَ، فَلَمَّا وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى بَغْدَادَ تَجَهَّزُوا لِلْحِصَارِ، وَأَصْلَحُوا السِّلَاحَ مِنَ الْجُرُوخِ، وَالْقِسِيِّ وَالنُّشَّابِ، وَالنِّفْطِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَعَادِ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ إِلَى بَغْدَادَ. وَأَمَّا عَسْكَرُ جَلَالِ الدِّينِ فَنَهَبَ الْبِلَادَ وَأَهْلَكَهَا، وَكَانَ قَدْ وَصَلَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ إِلَى خُوزِسْتَانَ فِي ضُرٍّ شَدِيدٍ وَجُهْدٍ جَهِيدٍ، وَقِلَّةٍ مِنَ الدَّوَابِّ، وَالَّذِي مَعَهُمْ فَهُوَ مِنَ الضَّعْفِ إِلَى حَدٍّ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، فَغَنِمُوا مِنَ الْبِلَادِ جَمِيعَهَا وَاسْتَغْنَوْا، وَأَكْثَرُوا مِنْ أَخْذِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي غَايَةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا. وَسَارَ مِنْ بَعْقُوبَا إِلَى دَقُوقَا فَحَصَرَهَا، فَصَعِدَ أَهْلُهَا إِلَى السُّورِ وَقَاتَلُوهُ، وَسَبُّوهُ، وَأَكْثَرُوا مِنَ التَّكْبِيرِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَشَقَّ عَلَيْهِ، وَجَدَّ فِي قِتَالِهِمْ، فَفَتَحَهَا عَنْوَةً وَقَهْرًا، وَنَهَبَتْهَا عَسَاكِرُهُ، وَقَتَلُوا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِهَا، فَهَرَبَ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ. وَلَمَّا كَانَ الْخُوَارَزْمِيُّونَ عَلَى دَقُوقَا، سَارَتْ سَرِيَّةٌ مِنْهُمْ إِلَى الْبَتِّ وَالرَّاذَانِ، فَهَرَبَ أَهْلُهَا إِلَى تَكْرِيتَ، فَتَبِعَهُمُ الْخُوَارِزْمِيَّةُ، فَجَرَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَسْكَرِ تَكْرِيتَ وَقْعَةٌ شَدِيدَةٌ، فَعَادُوا إِلَى الْعَسْكَرِ. وَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أَعْيَانِ أَهْلِ دَقُوقَا وَهُمْ بَنُو يَعْلَى، وَهُمْ أَغْنِيَاءُ، فَنُهِبُوا، وَسَلِمَ

стр. 6100

أَحَدُهُمْ، وَمَعَهُ وَلَدَانِ لَهُ، وَشَيْءٌ يَسِيرٌ مِنَ الْمَالِ، فَسَيَّرَ مَا سَلِمَ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ مَعَ الْوَلَدَيْنِ لِيَتَّجِرَ بِمَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَيُنْفِقُونَهُ عَلَى نُفُوسِهِمْ، فَمَاتَ أَحَدُ الْوَلَدَيْنِ بِدِمَشْقَ، وَاحْتَاطَ الْحَاكِمُ عَلَى مَا مَعَهُمْ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَاهُمْ عَلَى حَالَةٍ شَدِيدَةٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ، يَقُولُ: أُخِذَتِ الْأَمْوَالُ وَالْأَمْلَاكُ، وَقُتِلَ بَعْضُ الْأَهْلِ، وَفَارَقَ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمُ الْوَطَنَ بِهَذَا الْقَدْرِ الْحَقِيرِ، أَرَدْنَا [أَنْ] نَكُفَّ بِهِ وُجُوهَنَا مِنَ السُّؤَالِ، وَنَصُونَ أَنْفُسَنَا، فَقَدْ ذَهَبَ الْوَلَدُ وَالْمَالُ. ثُمَّ سَارَ إِلَى دِمَشْقَ لِيَأْخُذَ مَا سَلِمَ مَعَ ابْنِهِ الْآخَرِ، فَأَخَذَهُ وَعَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ شَهْرٍ حَتَّى تُوُفِّيَ، إِنَّ الشَّقِيَّ بِكُلِّ حَبْلٍ يُخْنَقُ. وَأَمَّا جَلَالُ الدِّينِ فَإِنَّهُ لَمَّا فَعَلَ بِأَهْلِ دَقُوقَا مَا فَعَلَ، خَافَهُ أَهْلُ الْبَوَازِيجِ، وَهِيَ لِصَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَطْلُبُونَ مِنْهُ إِرْسَالَ شِحْنَةٍ إِلَيْهِمْ يَحْمِيهِمْ، وَبَذَلُوا لَهُ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ مَنْ يَحْمِيهِمْ، قِيلَ: كَانَ بَعْضُ أَوْلَادِ جَنْكِزْخَانَ مَلِكِ التَّتَرِ، أَسَرَهُ جَلَالُ الدِّينِ فِي بَعْضِ حُرُوبِهِ مَعَ التَّتَرِ، فَأَكْرَمَهُ، فَحَمَاهُمْ، وَأَقَامَ بِمَكَانِهِ إِلَى أَوَاخِرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَالرُّسُلُ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُظَفَّرِ الدِّينِ صَاحِبِ إِرْبِلَ، فَاصْطَلَحُوا، فَسَارَ جَلَالُ الدِّينِ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَفِي مُدَّةِ مُقَامِ جَلَالِ الدِّينِ بِخُوزِسْتَانَ وَالْعِرَاقِ ثَارَتِ الْعَرَبُ بِالْبِلَادِ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ، وَيَنْهَبُونَ الْقُرَى، وَيُخِيفُونَ السَّبِيلَ، فَنَالَ الْخَلْقَ مِنْهُمْ أَذًى شَدِيدٌ، وَأَخَذُوا فِي طَرِيقِ الْعِرَاقِ قَفَلَيْنِ عَظِيمَيْنِ كَانَا سَائِرَيْنِ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمَا شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ. ذِكْرُ وَفَاةِ الْمَلِكِ الْأَفْضَلِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُلُوكِ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي صَفَرٍ، تُوُفِّيَ الْمَلِكُ الْأَفْضَلُ عَلِيُّ بْنُ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ فَجْأَةً بِقَلْعَةِ سُمَيْسَاطَ، وَكَانَ عُمْرُهُ نَحْوَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ عِنْدَ وَفَاةِ وَالِدِهِ ﵀ مُلْكَهُ مَدِينَةَ دِمَشْقَ وَالْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ، وَغَيْرَهُمَا مِنَ الشَّامِ، وَذَكَرْنَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ أَخْذَ الْجَمِيعِ مِنْهُ، ثُمَّ ذَكَرْنَا سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ مُلْكَهُ دِيَارَ مِصْرَ، وَذَكَرْنَا سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ أَخْذَهَا مِنْهُ، وَانْتَقَلَ إِلَى سُمَيْسَاطَ وَأَقَامَ بِهَا، وَلَمْ يَزَلْ بِهَا إِلَى الْآنَ، فَتُوُفِّيَ بِهَا. وَكَانَ ﵀ مِنْ مَحَاسِنِ الزَّمَانِ، لَمْ يَكُنْ فِي الْمُلُوكِ مِثْلُهُ، كَانَ خَيِّرًا

стр. 6101

عَادِلًا، فَاضِلًا، حَلِيمًا، كَرِيمًا، قَلَّ أَنْ عَاقَبَ عَلَى ذَنْبٍ، وَلَمْ يَمْنَعْ طَالِبًا، كَانَ يَكْتُبُ خَطًّا حَسَنًا، وَكِتَابَةً جَيِّدَةً، وَبِالْجُمْلَةِ، فَاجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْمَنَاقِبِ مَا تَفَرَّقَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُلُوكِ، لَا جَرَمَ حُرِمَ الْمُلْكَ وَالدُّنْيَا، وَعَادَاهُ الدَّهْرُ، وَمَاتَ بِمَوْتِهِ كُلُّ فِعْلٍ جَلِيلٍ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ. وَرَأَيْتُ مِنْ كِتَابَتِهِ أَشْيَاءَ حَسَنَةً، فَمِمَّا بَقِيَ عَلَى خَاطِرِي مِنْهَا أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ لَمَّا أُخِذَتْ دِمَشْقُ مِنْهُ كِتَابًا، مِنْ فُصُولِهِ: وَأَمَّا أَصْحَابُنَا بِدِمَشْقَ فَلَا عِلْمَ لِي بِأَحَدٍ مِنْهُمْ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنِّي: أَيُّ صَدِيقٍ سَأَلْتُ عَنْهُ ... فَفِي الْذُّلِّ وَتَحْتَ الْخُمُولِ فِي الْوَطَنِ وَأَيُّ ضِدٍّ سَأَلْتُ حَالَتَهُ ... سَمِعْتُ مَا لَا تُحِبُّهُ أُذُنِي. فَتَرَكْتُ السُّؤَالَ عَنْهُمْ، وَهَذَا غَايَةُ الْجَوْدَةِ فِي الِاعْتِذَارِ عَنْ تَرْكِ السُّؤَالِ وَالصَّاحِبِ. وَلَمَّا مَلَكَ، اخْتَلَفَ أَوْلَادُهُ، وَعَمُّهُمْ قُطْبُ الدِّينِ مُوسَى، وَلَمْ يَقْوَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى الْبَاقِينَ لِيَسْتَبِدَّ بِالْأَمْرِ. [الْوَفَيَاتُ] . وَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ صَاحِبُ أَرْزَنَ الرُّومِ، وَهُوَ مُغِيثُ الدِّينِ طُغْرُلُ بْنُ قَلِجْ أَرْسَلَانَ، وَهُوَ الَّذِي سَيَّرَ وَلَدَهُ إِلَى الْكُرْجِ، وَتَنَصَّرَ وَتَزَوَّجَ مَلِكَةَ الْكُرْجِ، وَلَمَّا مَاتَ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ. وَمَاتَ فِيهَا مَلِكُ أَرْزَنْكَانَ. وَتُوُفِّيَ فِيهَا عِزُّ الدِّينِ الْخَضِرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ قُرَا أَرْسِلَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ سُقْمَانَ صَاحِبُ خَرْتَ بِرْتَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ نُورُ الدِّينِ أَرْتَقْ شَاهْ، وَكَانَ

стр. 6102

الْمُدَبِّرُ لِدَوْلَتِهِ وَدَوْلَةِ وَالِدِهِ مُعِينَ الدِّينِ بَدْرَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَغْدَادِيَّ الْأَصْلِ، الْمَوْصِلِيَّ الْمَنْشَأِ. ذِكْرُ خَلْعِ شِرْوَانَ شَاهْ، وَظَفَرِ الْمُسْلِمِينَ بِالْكُرْجِ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَارَ عَلَى شِرْوَانَ شَاهْ وَلَدُهُ، فَنَزَعَهُ مِنَ الْمُلْكِ، وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْبِلَادِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ شِرَوَانَ شَاهْ كَانَ سَيِّئَ السِّيرَةِ، كَثِيرَ الْفَسَادِ وَالظُّلْمِ، يَتَعَرَّضُ لِأَمْوَالِ الرَّعَايَا وَأَمْلَاكِهِمْ، وَقِيلَ أَيْضًا: إِنَّهُ كَانَ يَتَعَرَّضُ لِلنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، فَاشْتَدَّتْ وَطْأَتُهُ عَلَى النَّاسِ، فَاتَّفَقَ بَعْضُ الْعَسْكَرِ مَعَ وَلَدِهِ، وَأَخْرَجُوا أَبَاهُ مِنَ الْبِلَادِ، وَمَلَكَ الِابْنُ، وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ، فَأَحَبَّهُ الْعَسَاكِرُ وَالرَّعِيَّةُ، وَأَرْسَلَ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ يَقُولُ لَهُ: إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَتْرُكَكَ فِي بَعْضِ الْقِلَاعِ وَأُجْرِيَ لَكَ الْجِرَايَاتِ الْكَثِيرَةَ، وَلِكُلِّ مَنْ تُحِبُّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ، وَالَّذِي حَمَلَنِي عَلَى مَا فَعَلْتُ مَعَكَ سُوءُ سِيرَتِكَ وَظُلْمُكَ لِأَهْلِ الْبِلَادِ، وَكَرَاهِيَتُهُمْ لَكَ وَلِدَوْلَتِكَ. فَلَمَّا رَأَى الْأَبُ ذَلِكَ، سَارَ إِلَى الْكُرْجِ وَاسْتَنْصَرَ بِهِمْ، وَقَرَّرَ مَعَهُمْ أَنْ يُرْسِلُوا مَعَهُ عَسْكَرًا يُعِيدُونَهُ إِلَى مُلْكِهِ، وَيُعْطِيهِمْ نِصْفَ الْبِلَادِ، فَسَيَّرُوا مَعَهُ عَسْكَرًا كَثِيرًا، فَسَارَ حَتَّى قَارَبَ مَدِينَةَ شِرْوَانَ، فَجَمَعَ وَلَدُهُ الْعَسْكَرَ، وَأَعْلَمَهُمُ الْحَالَ، وَقَالَ: إِنَّ الْكُرْجَ مَتَى حَصَرُونَا، رُبَّمَا ظَفِرُوا بِنَا، وَحِينَئِذٍ لَا يُبْقِي أَبِي عَلَى أَحَدٍ مِنَّا، وَيَأْخُذُ الْكُرْجُ نِصْفَ الْبِلَادِ، وَرُبَّمَا أَخَذُوا الْجَمِيعَ، وَهَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَالرَّأْيُ أَنَّنَا نَسِيرُ إِلَيْهِمْ جَرِيدَةً وَنَلْقَاهُمْ، فَإِنْ ظَفِرْنَا بِهِمْ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِنْ ظَفِرُوا بِنَا فَالْحَصْرُ بَيْنَ أَيْدِينَا، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ. فَخَرَجَ فِي عَسْكَرِهِ، وَهُمْ قَلِيلٌ نَحْوُ أَلْفِ فَارِسٍ، وَلَقُوا الْكُرْجَ وَهُمْ فِي ثَلَاثَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، وَصَبَرَ أَهْلُ شِرْوَانَ، فَانْهَزَمَ الْكُرْجُ، فَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَأُسِرَ كَثِيرٌ، وَمَنْ سَلِمَ عَادَ بِأَسْوَأِ حَالٍ، وَشِرْوَانَ شَاهْ الْمَخْلُوعُ مَعَهُمْ، فَقَالَ لَهُ مُقَدَّمُو الْكُرْجِ: إِنَّنَا لَمْ نَلْقَ بِسَبَبِكَ خَيْرًا، وَلَا نُؤَاخِذُكَ بِمَا كَانَ مِنْكَ، فَلَا تُقِمْ بِبِلَادِنَا، فَفَارَقَهُمْ وَبَقِيَ مُتَرَدِّدًا لَا يَأْوِي إِلَى أَحَدٍ، وَاسْتَقَرَّ وَلَدُهُ فِي الْمُلْكِ، وَأَحْسَنَ إِلَى الْجُنْدِ وَالرَّعِيَّةِ

стр. 6103

وَأَعَادَ إِلَى النَّاسِ أَمْلَاكَهُمْ وَمُصَادَرَاتِهِمْ، فَاغْتَبَطُوا بِوِلَايَتِهِ. ذِكْرُ ظَفَرِ الْمُسْلِمِينَ بِالْكُرْجِ أَيْضًا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا سَارَ جَمْعٌ مِنَ الْكُرْجِ مِنْ تَفْلِيسَ يَقْصِدُونَ أَذْرَبِيجَانَ وَالْبِلَادَ الَّتِي بِيَدِ أُوزْبَكَ، فَنَزَلُوا وَرَاءَ مَضِيقٍ فِي الْجِبَالِ لَا يُسْلَكُ إِلَّا لِلْفَارِسِ بَعْدَ الْفَارِسِ، فَنَزَلُوا آمِنِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ اسْتِضْعَافًا لَهُمْ وَاغْتِرَارًا بِحَصَانَةِ مَوْضِعِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إِلَيْهِمْ. وَرَكِبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَسَاكِرِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَقَصَدُوا الْكُرْجَ، فَوَصَلُوا إِلَى ذَلِكَ الْمَضِيقِ، فَجَازُوهُ مُخَاطِرِينَ، فَلَمْ يَشْعُرِ الْكُرْجُ إِلَّا وَقَدْ غَشِيَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَوَضَعُوا فِيهِمُ السَّيْفَ، فَقَتَلُوهُمْ كَيْفَ شَاءُوا، وَوَلَّى الْبَاقُونَ مُنْهَزِمِينَ لَا يَلْوِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا أَخٌ عَلَى أَخِيهِ، وَأُسِرَ مِنْهُمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ صَالِحٌ، فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ، وَعَزَمُوا عَلَى الْأَخْذِ بِثَأْرِهِمْ، وَالْجِدِّ فِي قَصْدِ أَذْرَبِيجَانَ وَاسْتِئْصَالِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ، وَأَخَذُوا يَتَجَهَّزُونَ عَلَى قَدْرِ عَزْمِهِمْ. فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ إِذْ وَصَلَ إِلَيْهِمُ الْخَبَرُ بِوُصُولِ جَلَالِ الدِّينِ بْنِ خُوَارَزْمَ شَاهْ إِلَى مَرَاغَةَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَتَرَكُوا ذَلِكَ وَأَرْسَلُوا إِلَى أُوزْبَكَ صَاحِبِ أَذْرَبِيجَانَ، يَدْعُونَهُ إِلَى الْمُوَافَقَةِ عَلَى رَدِّ جَلَالِ الدِّينِ، وَقَالُوا: إِنْ لَمْ نَتَّفِقْ نَحْنُ وَأَنْتَ، وَإِلَّا أَخَذَكَ ثُمَّ أَخَذَنَا، فَعَاجَلَهُمْ جَلَالُ الدِّينِ قَبْلَ اتِّفَاقِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ، فَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، تَعَالَى. ذِكْرُ مُلْكِ جَلَالِ الدِّينِ أَذْرَبِيجَانَ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْلَى جَلَالُ الدِّينِ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا سَارَ مِنْ دَقُوقَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ، قَصَدَ كُلَّ مَرَاغَةَ فَمَلَكَهَا وَأَقَامَ بِهَا، وَشَرَعَ فِي عِمَارَةِ الْبَلَدِ، فَاسْتَحْسَنَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا، أَتَاهُ الْخَبَرُ أَنَّ الْأَمِيرَ إِيغَانَ طَائِيسِي، وَهُوَ خَالُ أَخِيهِ غِيَاثِ الدِّينِ، قَدْ قَصَدَ هَمَذَانَ قَبْلَ وُصُولِ جَلَالِ الدِّينِ بِيَوْمَيْنِ. وَكَانَ إِيغَانُ طَائِيسِي هَذَا قَدْ جَمَعَ عَسْكَرًا كَثِيرًا يَبْلُغُونَ خَمْسَةَ آلَافِ فَارِسٍ. وَنَهَبَ كَثِيرًا مِنْ أَذْرَبِيجَانَ، وَسَارَ إِلَى الْبَحْرِ مِنْ بَلَدِ أَرَّانَ، فَشَتَّى هُنَالِكَ لِقِلَّةِ الْبَرْدِ،

стр. 6104

وَلَمَّا عَادَ إِلَى هَمَذَانَ، نَهَبَ أَذْرَبِيجَانَ أَيْضًا مَرَّةً ثَانِيَةً. وَكَانَ سَبَبُ مَسِيرِهِ إِلَى هَمَذَانَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ النَّاصِرَ لِدِينِ اللَّهِ رَاسَلَهُ وَأَمَرَهُ بِقَصْدِ هَمَذَانَ، وَأَقْطَعَهُ إِيَّاهَا وَغَيْرَهَا، فَسَارَ لِيَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا كَمَا أُمِرَ، فَلَمَّا سَمِعَ جَلَالُ الدِّينِ بِذَلِكَ، سَارَ جَرِيدَةً إِلَيْهِ، فَوَصَلَ إِلَى إِيغَانَ طَائِيسِي لَيْلًا، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ جَعَلَ حَوْلَ عَسْكَرِهِ جَمِيعَ مَا غَنِمُوا مِنْ أَذْرَبِيجَانَ وَأَرَّانَ مِنْ خَيْلٍ وَبِغَالٍ، وَحَمِيرٍ وَبَقَرٍ، وَغَنَمٍ. فَلَمَّا وَصَلَ جَلَالُ الدِّينِ، أَحَاطَ بِالْجَمِيعِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ عَسْكَرُ إِيغَانَ طَائِيسِي وَرَأَى الْعَسْكَرَ وَالْجَتْرَ الَّذِي يَكُونُ عَلَى رَأْسِ السُّلْطَانِ، عَلِمُوا أَنَّهُ جَلَالُ الدِّينِ، فَسُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَظُنُّونَهُ عِنْدَ دَقُوقَا، فَأَرْسَلَ إِيغَانُ طَائِيسِي زَوْجَتَهُ، وَهِيَ أُخْتُ جَلَالِ الدِّينِ، تَطْلُبُ لَهُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُ وَأَحْضَرَهُ عِنْدَهُ، وَانْضَافَ عَسْكَرُهُ إِلَى عَسْكَرِ جَلَالِ الدِّينِ، وَبَقِيَ إِيغَانُ طَائِيسِي وَحْدَهُ إِلَى أَنْ أَضَافَ إِلَيْهِ جَلَالُ الدِّينِ عَسْكَرًا غَيْرَ عَسْكَرِهِ، وَعَادَ إِلَى مَرَاغَةَ، وَأَعْجَبَهُ الْمُقَامُ بِهَا. وَكَانَ أُوزْبَكُ بْنُ الْبَهْلَوَانِ صَاحِبُ أَذْرَبِيجَانَ وَأَرَّانَ، قَدْ سَارَ مِنْ تِبْرِيزَ إِلَى كَنْجَةَ خَوْفًا مِنْ جَلَالِ الدِّينِ، وَأَرْسَلَ جَلَالُ الدِّينِ إِلَى مَنْ فِي تِبْرِيزَ مِنْ وَالٍ وَأَمِيرٍ وَرَئِيسٍ يَطْلُبُ مِنْهُمْ أَنْ يَتَرَدَّدَ عَسْكَرُهُ إِلَيْهِمْ يَمْتَارُونَ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَأَطَاعُوهُ، فَتَرَدَّدَ الْعَسْكَرُ إِلَيْهَا، وَبَاعُوا وَاشْتَرَوُا الْأَقْوَاتَ وَالْكِسْوَاتِ وَغَيْرَهَا، وَمَدُّوا أَيْدِيَهُمْ إِلَى أَمْوَالِ النَّاسِ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَأْخُذُ الشَّيْءَ وَيُعْطِي الثَّمَنَ مَا يُرِيدُ، فَشَكَا بَعْضُ أَهْلِ تِبْرِيزَ إِلَى جَلَالِ الدِّينِ مِنْهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ شِحْنَةً يَكُونُ عِنْدَهُمْ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ بِتِبْرِيزَ، وَيَكُفَّ أَيْدِيَ الْجُنْدِ عَنْ أَهْلِهَا، وَمَنْ تَعَدَّى عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ صَلَبَهُ. فَأَقَامَ الشِّحْنَةَ، وَمُنِعَ الْجُنْدُ مِنَ التَّعَدِّي عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَكَانَتْ زَوْجَةُ أُوزْبَكَ، وَهِيَ ابْنَةُ السُّلْطَانِ طُغْرُلَ بْنِ أَرْسِلَانَ بْنِ طُغْرُلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ، مُقِيمَةً بِتِبْرِيزَ، وَهِيَ كَانَتِ الْحَاكِمَةَ فِي بِلَادِ زَوْجِهَا، وَهُوَ مَشْغُولٌ بِلَذَّاتِهِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَلَعِبٍ. ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ تِبْرِيزَ شَكَوْا مِنَ الشِّحْنَةِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ يُكَلِّفُنَا أَكْثَرَ مِنْ طَاقَتِنَا، فَأَمَرَ جَلَالُ الدِّينِ أَنَّهُ لَا يُعْطَى إِلَّا مَا يُقِيمُ بِهِ لَا غَيْرَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَسَارَ جَلَالُ الدِّينِ إِلَى تِبْرِيزَ وَحَصَرَهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَقَاتَلَ أَهْلُهَا قِتَالًا شَدِيدًا، وَزَحَفَ إِلَيْهَا فَوَصَلَ الْعَسْكَرُ إِلَى

стр. 6105

السُّورِ، فَأَذْعَنَ أَهْلُهَا بِالطَّاعَةِ، وَأَرْسَلُوا يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَذُمُّهُمْ، وَيَقُولُ: قَتَلُوا أَصْحَابَنَا الْمُسْلِمِينَ، وَأَرْسَلُوا رُؤُوسَهُمْ إِلَى التَّتَرِ الْكُفَّارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْحَادِثَةُ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَخَافُوا مِنْهُ لِذَلِكَ، فَلَمَّا طَلَبُوا الْأَمَانَ ذَكَرَ لَهُمْ فِعْلَهُمْ بِأَصْحَابِ أَبِيهِ وَقَتْلَهُمْ، فَاعْتَذَرُوا بِأَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ صَاحِبُهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنَ الْقُدْرَةِ مَا يَمْنَعُونَهُ، فَعَذَرَهُمْ، وَأَمَّنَهُمْ، وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُؤَمِّنَ زَوْجَةَ أُوزْبَكَ، وَلَا يُعَارِضَهَا فِي الَّذِي لَهَا بِأَذْرَبِيجَانَ، وَهُوَ مَدِينَةُ خُوَيٍّ وَغَيْرُهَا مِنْ مُلْكٍ وَمَالٍ وَغَيْرِهِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ. وَمَلَكَ الْبَلَدَ سَابِعَ عَشَرَ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَسَيَّرَ زَوْجَةَ أُوزْبَكَ إِلَى خُوَيٍّ، وَمَعَهَا طَائِفَةٌ مِنَ الْعَسْكَرِ، مَعَ رَجُلٍ كَبِيرِ الْقَدْرِ، عَظِيمِ الْمَنْزِلَةِ، وَأَمَرَهُمْ بِخِدْمَتِهَا، فَإِذَا وَصَلَتْ إِلَى خُوَيٍّ عَادُوا عَنْهَا. وَلَمَّا رَحَلَ جَلَالُ الدِّينِ إِلَى تِبْرِيزَ، أَمَرَ أَنْ لَا يَمْنَعُوا عَنْهُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهَا، فَأَتَاهُ النَّاسُ مُسَلِّمِينَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُحْجَبُوا عَنْهُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَبَثَّ فِيهِمُ الْعَدْلَ، وَوَعَدَهُمُ الْإِحْسَانَ وَالزِّيَادَةَ مِنْهُ، وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ رَأَيْتُمْ مَا فَعَلْتُ بِمَرَاغَةَ مِنَ الْإِحْسَانِ وَالْعِمَارَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ خَرَابًا، وَسَتَرَوْنَ كَيْفَ أَصْنَعُ مَعَكُمْ مِنَ الْعَدْلِ فِيكُمْ، وَعِمَارَةِ بِلَادِكُمْ. وَأَقَامَ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَحَضَرَ الْجَامِعَ، فَلَمَّا خَطَبَ الْخَطِيبُ وَدَعَا لِلْخَلِيفَةِ، قَامَ قَائِمًا، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الدُّعَاءِ وَجَلَسَ. وَدَخَلَ إِلَى كُشْكٍ كَانَ أُوزْبَكُ قَدْ عَمَرَهُ، وَأَخْرَجَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَمْوَالِ كَثِيرًا، فَهُوَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، مُشْرِفٌ عَلَى الْبَسَاتِينِ، فَلَمَّا طَافَ فِيهِ، خَرَجَ مِنْهُ وَقَالَ: هَذَا مَسْكَنُ الْكُسَالَى لَا يَصْلُحُ لَنَا. وَأَقَامَ أَيَّامًا اسْتَوْلَى فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَسَيَّرَ الْجُيُوشَ إِلَى بِلَادِ الْكُرْجِ. ذِكْرُ انْهِزَامِ الْكُرْجِ مِنْ جَلَالِ الدِّينِ. قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَ السِّنِينَ مَا كَانَ الْكُرْجُ يَفْعَلُونَهُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ: خِلَاطَ، وَأَذْرَبِيجَانَ، وَأَرَّانَ، وَأَرْزَنَ الرُّومِ، وَدَرْبَنَدْ شِرْوَانَ، وَهَذِهِ وِلَايَاتٌ تُجَاوِرُ بِلَادَهُمْ، وَمَا كَانُوا يَسْفِكُونَ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَنْهَبُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَمْلِكُونَ مِنْ بِلَادِهِمْ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُمْ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ تَحْتَ الذُّلِّ وَالْخِزْيِ، كُلَّ يَوْمٍ قَدْ أَغَارُوا عَلَيْهِمْ وَقَتَلُوا

стр. 6106

فِيهِمْ، وَقَاطَعُوهُمْ عَلَى مَا شَاءُوا مِنَ الْأَمْوَالِ، فَكُنَّا كُلَّمَا سَمِعْنَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، سَأَلْنَا اللَّهَ - تَعَالَى - نَحْنُ وَالْمُسْلِمُونَ، فِي أَنْ يُيَسِّرَ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ مَنْ يَحْمِيهِمْ وَيَنْصُرُهُمْ، وَيَأْخُذُ بِثَأْرِهِمْ، فَإِنَّ أُوزْبَكَ صَاحِبَ أَذْرَبِيجَانَ مُنْعَكِفٌ عَلَى شَهْوَةِ بَطْنِهِ وَفَرْجِهِ، لَا يُفِيقُ مِنْ سُكْرِهِ، وَإِنْ أَفَاقَ، فَهُوَ مَشْغُولٌ بِالْقِمَارِ بِالْبَيْضِ. وَهَذَا مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُلُوكِ فَعَلَهُ، لَا يَهْتَدِي لِمَصْلَحَةٍ، وَلَا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ بِحَيْثُ إِنَّ بِلَادَهُ مَأْخُوذَةٌ، وَعَسَاكِرَهُ طَمَّاعَةٌ، وَرَعِيَّتَهُ قَدْ قَهَرَهَا، وَقَدْ كَانَ كُلُّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ جَمْعًا وَيَتَغَلَّبَ عَلَى بَعْضِ الْبِلَادِ فَعَلَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَالِ بُغْدِي، وَأَيْبَكَ الشَّامِيِّ، وإِيغَانَ طَائِيسِي، فَنَظَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - إِلَى أَهْلِ هَذِهِ الْبِلَادِ الْمَسَاكِينِ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ، فَرَحِمَهُمْ وَيَسَّرَ لَهُمْ جَلَالُ الدِّينِ هَذَا، فَفَعَلَ بِالْكُرْجِ مَا تَرَاهُ، وَانْتَقَمَ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ، فَنَقُولُ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ الْمَصَافُّ بَيْنَ جَلَالِ الدِّينِ بْنِ خُوَارَزْمَ شَاهْ [وَبَيْنَ الْكُرْجِ، فِي شَهْرِ شَعْبَانَ، فَإِنَّ جَلَالَ الدِّينِ] مِنْ حِينِ وَصَلَ إِلَى هَذِهِ النَّوَاحِي لَا يَزَالُ يَقُولُ: إِنَّنِي أُرِيدُ [أَنْ] أَقْصِدَ بِلَادَ الْكُرْجِ وَأُقَاتِلَهُمْ وَأَمْلِكَ بِلَادَهُمْ، فَلَمَّا مَلَكَ أَذْرَبِيجَانَ، أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يُؤْذِنُهُمْ بِالْحَرْبِ، فَأَجَابُوهُ بِأَنَّنَا قَدْ قَصَدْنَا التَّتَرَ الَّذِينَ فَعَلُوا بِأَبِيكَ، وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْكَ مُلْكًا، وَأَكْثَرُ عَسْكَرًا، وَأَقْوَى نَفْسًا، مَا تَعْلَمُهُ، وَأَخَذُوا بِلَادَكُمْ، فَلَمْ نُبَالِ بِهِمْ، وَكَانَ قُصَارَاهُمُ السَّلَامَةَ مِنَّا. وَشَرَعُوا يَجْمَعُونَ الْعَسَاكِرَ، فَجَمَعُوا مَا يَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَمَلَكَ مَدِينَةَ دَوِينَ، وَهِيَ لِلْكُرْجِ، كَانُوا قَدْ أَخَذُوهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَيْهِمْ، فَلَقُوهُ وَقَاتَلُوهُ أَشَدَّ قِتَالٍ وَأَعْظَمَهُ، وَصَبَرَ كُلٌّ مِنْهُمْ لِصَاحِبِهِ، فَانْهَزَمَ الْكُرْجُ، وَأَمَرَ أَنْ يُقْتَلُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ، وَلَا يُبْقُوا عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَالَّذِي تَحَقَّقْنَاهُ أَنَّهُ قُتِلَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَقِيلَ: أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ: الْكُرْجُ جَمِيعُهُمْ قُتِلُوا، وَافْتَرَقُوا، وَأُسِرَ كَثِيرٌ مِنْ أَعْيَانِهِمْ، مِنْ جُمْلَتِهِمْ شِلْوَةُ، فَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى إِيَوَانِي مُنْهَزِمًا، وَهُوَ الْمُقَدَّمُ عَلَى الْكُرْجِ جَمِيعِهِمْ، وَمَرْجِعُهُمْ إِلَيْهِ، وَمُعَوَّلُهُمْ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ مَلِكٌ، إِنَّمَا الْمَلِكُ امْرَأَةٌ، وَلَقَدْ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ يَقُولُ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» .

стр. 6107

فَلَمَّا انْهَزَمَ إِيوَانِي، أَدْرَكَهُ الطَّلَبُ، فَصَعِدَ قَلْعَةً لَهُمْ عَلَى طَرِيقِهِمْ، فَاحْتَمَى فِيهَا، وَجَعَلَ جَلَالُ الدِّينِ عَلَيْهَا مَنْ يَحْصُرُهَا وَيَمْنَعُهُ مِنَ النُّزُولِ، وَفَرَّقَ عَسَاكِرَهُ فِي بِلَادِ الْكُرْجِ، يَنْهَبُونَ وَيَقْتُلُونَ، وَيَسْبُونَ وَيُخَرِّبُونَ الْبِلَادَ، فَلَوْلَا مَا أَتَاهُ مِنْ تِبْرِيزَ مَا أَوْجَبَ عَوْدَهُ، لَمَلَكَ الْبِلَادَ بِغَيْرِ تَعَبٍ وَلَا مَشَقَّةٍ ; لِأَنَّ أَهْلَهَا كَانُوا قَدْ هَلَكُوا، فَهُمْ بَيْنَ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ وَطَرِيدٍ. ذِكْرُ عَوْدِ جَلَالِ الدِّينِ إِلَى تِبْرِيزَ، وَمُلْكِهِ مَدِينَةَ كَنْجَةَ، وَنِكَاحِهِ زَوْجَةَ أُوزْبَكَ. لَمَّا فَرَغَ جَلَالُ الدِّينِ مِنْ هَزِيمَةِ الْكُرْجِ، وَدَخَلَ الْبِلَادَ وَبَثَّ الْعَسَاكِرَ فِيهَا، أَمَرَهُمْ بِالْمُقَامِ بِهَا مَعَ أَخِيهِ غِيَاثِ الدِّينِ، وَعَادَ إِلَى تِبْرِيزَ. وَسَبَبُ عَوْدِهِ أَنَّهُ كَانَ قَدْ خَلَّفَ وَزِيرَهُ شَرَفَ الْمُلْكِ فِي تِبْرِيزَ لِيَحْفَظَ الْبَلَدَ، وَيَنْظُرَ فِي مَصَالِحِ الرَّعِيَّةِ، فَبَلَغَهُ عَنْ رَئِيسِ تِبْرِيزَ وَشَمْسِ الدِّينِ الطُّغْرَائِيِّ، وَهُوَ الْمُقَدَّمُ عَلَى كُلِّ مَنْ فِي الْبَلَدِ، وَعَنْ غَيْرِهِمَا مِنَ الْمُقَدَّمِينَ، أَنَّهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا، وَتَحَالَفُوا عَلَى الِامْتِنَاعِ عَلَى جَلَالِ الدِّينِ، وَإِعَادَةِ الْبَلَدِ إِلَى أُوزْبَكَ، وَقَالُوا: إِنَّ جَلَالَ الدِّينِ قَدْ قَصَدَ بِلَادَ الْكُرْجِ، فَإِذَا عَصَيْنَا عَلَيْهِ وَأَحْضَرْنَا أُوزْبَكَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ، يُضْطَرُّ جَلَالُ الدِّينِ إِلَى الْعَوْدِ، فَإِذَا عَادَ تَبِعَهُ الْكُرْجُ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْمُقَامِ، وَيَجْتَمِعُ أُوزْبَكُ وَالْكُرْجُ وَيَقْصِدُونَهُ، فَيَنْحَلُّ نِظَامُ أَمْرِهِ، وَتَتِمُّ عَلَيْهِ الْهَزِيمَةُ. فَبَنَوْا أَمْرَهُمْ عَلَى أَنَّ جَلَالَ الدِّينِ يَسِيرُ الْهُوَيْنَا إِلَى بِلَادِ الْكُرْجِ، وَيَتَرَيَّثُ فِي الطَّرِيقِ احْتِيَاطًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ، أَتَى الْخَبَرُ إِلَى الْوَزِيرِ، فَأَرْسَلَ إِلَى جَلَالِ الدِّينِ يُعَرِّفُهُ الْحَالَ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ وَقَدْ قَارَبَ بِلَادَ الْكُرْجِ، فَلَمْ يُظْهِرْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَسَارَ نَحْوَ الْكُرْجِ مُجِدًّا، فَلَقِيَهُمْ وَهَزَمَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُمْ، قَالَ لِأُمَرَاءِ عَسْكَرِهِ: إِنَّنِي قَدْ بَلَغَنِي مِنَ الْخَبَرِ كَذَا وَكَذَا، فَتُقِيمُونَ أَنْتُمْ فِي الْبِلَادِ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ قَتْلِ مَنْ ظَفِرْتُمْ بِهِ، وَتَخْرِيبِ مَا أَمْكَنَكُمْ مِنْ بِلَادِهِمْ، فَإِنَّنِي خِفْتُ أَنْ أُعَرِّفَكُمْ قَبْلَ هَزِيمَةِ الْكُرْجِ ; لِئَلَّا يَلْحَقَكُمْ وَهَنٌ وَخَوْفٌ.

стр. 6108

فَأَقَامُوا عَلَى حَالِهِمْ، وَعَادَ هُوَ إِلَى تِبْرِيزَ، وَقَبَضَ عَلَى الرَّئِيسِ وَالطُّغْرَائِيِّ وَغَيْرِهِمَا، فَأَمَّا الرَّئِيسُ فَأَمَرَ أَنْ يُطَافَ بِهِ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، وَكُلُّ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ مَظْلَمَةٌ فَلْيَأْخُذْهَا مِنْهُ، وَكَانَ ظَالِمًا، فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ، ثُمَّ قَتَلَهُ، وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَحُبِسُوا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُمْ وَاسْتَقَامَ لَهُ أَمْرُ الْبَلَدِ، تَزَوَّجَ زَوْجَةَ أُوزْبَكَ ابْنَةَ السُّلْطَانِ طُغْرُلَ، وَإِنَّمَا صَحَّ لَهُ نِكَاحُهَا ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ أُوزْبَكَ أَنَّهُ حَلَفَ بِطَلَاقِهَا أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ مَمْلُوكًا لَهُ اسْمُهُ (. . . . .) ثُمَّ قَتَلَهُ، فَلَمَّا وَقَعَ الطَّلَاقُ بِهَذِهِ الْيَمِينِ، نَكَحَهَا جَلَالُ الدِّينِ، وَأَقَامَ بِتِبْرِيزَ مُدَّةً، وَسَيَّرَ مِنْهَا جَيْشًا إِلَى مَدِينَةِ كَنْجَةَ فَمَلَكُوهَا، وَفَارَقَهَا أُوزْبَكُ إِلَى قَلْعَةِ كَنْجَةَ فَتَحَصَّنَ فِيهَا. فَبَلَغَنِي أَنَّ عَسَاكِرَ جَلَالِ الدِّينِ تَعَرَّضُوا لِأَعْمَالِ هَذِهِ الْقَلْعَةِ بِالنَّهْبِ وَالْأَخْذِ، فَأَرْسَلَ أُوزْبَكُ إِلَى جَلَالِ الدِّينِ يَشْكُو، وَيَقُولُ: كُنْتُ لَا أَرْضَى بِهَذِهِ الْحَالِ لِبَعْضِ أَصْحَابِي، فَأَنَا أَسْأَلُ أَنْ تَكُفَّ الْأَيْدِيَ الْمُتَطَرِّقَةَ إِلَى هَذِهِ الْأَعْمَالِ عَنْهَا. فَأَرْسَلَ جَلَالُ الدِّينِ إِلَيْهَا مَنْ يَحْمِيهَا مِنَ التَّعَرُّضِ لَهَا مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ. ذِكْرُ وَفَاةِ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ آخِرَ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، تُوُفِّيَ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُسْتَضِيءِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ الْمُسْتَنْجِدِ بِاللَّهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُظَفَّرِ يُوسُفَ بْنِ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الذَّخِيرَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَادِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْفَضْلِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُوَفَّقِ أَبِي أَحْمَدَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُوَفَّقُ خَلِيفَةً، وَإِنَّمَا كَانَ وَلِيَّ عَهْدِ أَخِيهِ الْمُعْتَمِدِ عَلَى اللَّهِ، فَمَاتَ قَبْلَ الْمُعْتَمِدِ، فَصَارَ وَلَدُهُ الْمُعْتَضِدُ بِاللَّهِ وَلِيَّ عَهْدِ الْمُعْتَمِدِ عَلَى اللَّهِ.

стр. 6109

وَكَانَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَصِمِ بِاللَّهِ أَبِي إِسْحَاقَ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَهْدِيِّ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ الْمَنْصُورِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ﵃. نَسَبٌ كَأَنَّ عَلَيْهِ مِنْ شَمْسِ الضُّحَى ... نُورًا وَمِنْ فَلَقِ الصَّبَاحِ عَمُودًا. فَكَانَ فِي آبَائِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ خَلِيفَةً، وَهُمْ كُلُّ مَنْ لَهُ لَقَبٌ، وَالْبَاقُونَ غَيْرُ خُلَفَاءَ، وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ وَلِيَ الْعَهْدَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَائِمِ، وَالْمُوَفَّقُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ، وَأَمَّا بَاقِي الْخُلَفَاءِ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ فَلَمْ يَكُونُوا مِنْ آبَائِهِ، فَكَانَ السَّفَّاحُ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ أَخَا الْمَنْصُورِ وَلِيَ قَبْلَهُ، وَكَانَ مُوسَى الْهَادِي أَخَا الرَّشِيدِ وَلِيَ قَبْلَهُ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ وَعَبْدُ اللَّهِ الْمَأْمُونُ ابْنَا الرَّشِيدِ أَخَوَيِ الْمُعْتَصِمِ وَلِيَا قَبْلَهُ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ الْمُنْتَصِرُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ وَلِيَ بَعْدَهُ. ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَ الْمُنْتَصِرِ بِاللَّهِ الْمُسْتَعِينُ بِاللَّهِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُعْتَصِمِ، وَوَلِيَ بَعْدَ الْمُسْتَعِينِ الْمُعْتَزُّ بِاللَّهِ مُحَمَّدٌ، وَقِيلَ طَلْحَةُ، وَهُوَ ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ، وَوَلِيَ بَعْدَ الْمُعْتَزِّ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَاثِقِ، ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ الْمُعْتَمِدُ عَلَى اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ، فَالْمُنْتَصِرُ وَالْمُعْتَزُّ وَالْمُعْتَمِدُ إِخْوَةُ الْمُوَفَّقِ، وَالْمُهْتَدِي ابْنُ عَمِّهِ، وَالْمُوَفَّقُ مِنْ أَجْدَادِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ. ثُمَّ وَلِيَ الْمُعْتَضِدُ بَعْدَ الْمُعْتَمِدِ، وَوَلِيَ بَعْدَ الْمُعْتَضِدِ ابْنُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيٌّ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ، وَهُوَ أَخُو الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ، وَوَلِيَ بَعْدَ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ أَخُوهُ الْقَاهِرُ بِاللَّهِ أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُعْتَضِدِ، وَوَلِيَ بَعْدَ الْقَاهِرِ الرَّاضِي بِاللَّهِ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُقْتَدِرِ. ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ الْمُتَّقِي لِلَّهِ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُقَتَدِرِ، ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ [بْنُ] الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ عَلِيِّ بْنِ الْمُعْتَضِدِ، ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ الْمُطِيعُ لِلَّهِ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْكَرِيمِ، فَالْقَاهِرُ وَالرَّاضِي وَالْمُتَّقِي وَالْمُطِيعُ بَنُوهُ، وَالْمُسْتَكْفِي ابْنُ أَخِيهِ الْمُكْتَفِي. [ثُمَّ وَلِيَ] الطَّائِعُ لِلَّهِ بْنُ الْمُقْتَدِرِ، ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَ الطَّائِعِ الْقَادِرُ بِاللَّهِ، [وَهُوَ] مِنْ أَجْدَادِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ، ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ، [ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ أَبُو مَنْصُورٍ، وَوَلِيَ بَعْدَ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ] ابْنُهُ الرَّاشِدُ أَبُو جَعْفَرٍ، فَالْمُسْتَرْشِدُ أَخُو

стр. 6110

الْمُتَّقِي، وَالرَّاشِدُ بِاللَّهِ ابْنُ أَخِيهِ، فَجَمْعُ مَنْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ مِمَّنْ لَيْسَ فِي سِيَاقِ نَسَبِ النَّاصِرِ تِسْعَةَ عَشَرَ خَلِيفَةً. وَكَانَتْ أُمُّ النَّاصِرِ أُمَّ وَلَدٍ، تُرْكِيَّةً، اسْمُهَا زُمُرُّدُ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَعَشْرَةَ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَكَانَ عُمْرُهُ نَحْوَ سَبْعِينَ سَنَةً تَقْرِيبًا، فَلَمْ يَلِ الْخِلَافَةَ أَطْوَلَ مُدَّةً مِنْهُ إِلَّا مَا قِيلَ عَنِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ الْعَلَوِيِّ صَاحِبِ مِصْرَ، فَإِنَّهُ وَلِي سِتِّينَ سَنَةً، وَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، فَإِنَّهُ وَلِيَ وَلَهُ سَبْعُ سِنِينَ، فَلَا تَصِحُّ وِلَايَتُهُ. وَبَقِيَ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ ثَلَاثَ سِنِينَ عَاطِلًا عَنِ الْحَرَكَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَدْ ذَهَبَتْ إِحْدَى عَيْنَيْهِ وَالْأُخْرَى يُبْصِرُ بِهَا إِبْصَارًا ضَعِيفًا، وَفِي آخِرِ الْأَمْرِ أَصَابَهُ دُوسِنْطَارْيَا عِشْرِينَ يَوْمًا وَمَاتَ. وَوَزَرَ لَهُ عِدَّةُ وُزَرَاءَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، وَلَمْ يُطْلِقْ فِي طُولِ مَرَضِهِ شَيْئًا كَانَ أَحْدَثَهُ مِنَ الرُّسُومِ الْجَائِرَةِ، وَكَانَ قَبِيحَ السِّيرَةِ، فِي رَعِيَّتِهِ ظَالِمًا، فَخَرَّبَ فِي أَيَّامِهِ الْعِرَاقَ، وَتَفَرَّقَ أَهْلُهُ فِي الْبِلَادِ، وَأَخَذَ أَمْلَاكَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَكَانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَضِدَّهُ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ عَمِلَ دُورَ الضِّيَافَةِ بِبَغْدَادَ ; لِيُفْطِرَ النَّاسُ عَلَيْهَا فِي رَمَضَانَ، فَبَقِيَتْ مُدَّةً، ثُمَّ قَطَعَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَمِلَ دُورَ الضِّيَافَةِ لِلْحُجَّاجِ، فَبَقِيَتْ مُدَّةً، ثُمَّ بَطَّلَهَا، وَأَطْلَقَ بَعْضَ الْمُكُوسِ الَّتِي جَدَّدَهَا بِبَغْدَادَ خَاصَّةً، ثُمَّ أَعَادَهَا. وَجَعَلَ جُلَّ هَمِّهِ فِي رَمْيِ الْبُنْدُقِ، وَالطُّيُورِ الْمَنَاسِيبِ، وَسَرَاوِيلَاتِ الْفُتُوَّةِ، فَبَطَّلَ الْفُتُوَّةَ فِي الْبِلَادِ جَمِيعِهَا، إِلَّا مَنْ يَلْبَسُ مِنْهُ سَرَاوِيلَ يُدْعَى إِلَيْهِ، وَلَبِسَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُلُوكِ مِنْهُ سَرَاوِيلَاتِ الْفُتُوَّةِ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَنَعَ الطُّيُورَ الْمَنَاسِيبَ لِغَيْرِهِ إِلَّا مَا يُؤْخَذُ مِنْ طُيُورِهِ، وَمَنَعَ الرَّمْيَ بِالْبُنْدُقِ إِلَّا مَنْ يَنْتَمِي إِلَيْهِ، فَأَجَابَهُ النَّاسُ بِالْعِرَاقِ وَغَيْرِهِ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا إِنْسَانًا وَاحِدًا يُقَالُ لَهُ ابْنُ السَّفِتِ مِنْ بَغْدَادَ، فَإِنَّهُ هَرَبَ مِنَ الْعِرَاقِ وَلَحِقَ بِالشَّامِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يُرَغِّبُهُ فِي الْمَالِ الْجَزِيلِ لِيَرْمِيَ عَنْهُ، وَيُنْسَبَ فِي الرَّمْيِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَبَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ أَصْدِقَائِهِ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الِامْتِنَاعَ مِنْ أَخْذِ الْمَالِ، فَقَالَ: يَكْفِينِي فَخْرًا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أَحَدٌ إِلَّا يَرْمِي لِلْخَلِيفَةِ، إِلَّا أَنَا. فَكَانَ غَرَامُ الْخَلِيفَةِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ، وَكَانَ سَبَبُ مَا يَنْسُبُهُ الْعَجَمُ إِلَيْهِ صَحِيحًا مِنْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَطْمَعَ التَّتَرَ فِي الْبِلَادِ، وَرَاسَلَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَهُوَ الطَّامَّةُ

стр. 6111

الْكُبْرَى الَّتِي يَصْغُرُ عِنْدَهَا كُلُّ ذَنْبٍ عَظِيمٍ. ذِكْرُ خِلَافَةِ الظَّاهِرِ بِأَمْرِ اللَّهِ. قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ الْخُطْبَةَ لِلْأَمِيرِ أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ ابْنِ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ فِي الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْبِلَادِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ خَلَعَهُ الْخَلِيفَةُ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْبِلَادِ فِي قَطْعِ الْخُطْبَةِ لَهُ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَمِيلُ إِلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ عَلِيٍّ، فَاتَّفَقَ أَنَّ الْوَلَدَ الصَّغِيرَ تُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْخَلِيفَةِ وَلَدٌ غَيْرُ وَلِيِّ الْعَهْدِ، فَاضْطُرَّ إِلَى إِعَادَتِهِ، إِلَّا أَنَّهُ تَحْتَ الِاحْتِيَاطِ وَالْحَجْرِ لَا يَتَصَرَّفُ فِي شَيْءٍ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُوهُ، وَلِيَ الْخِلَافَةَ وَأَحْضَرَ النَّاسَ لِأَخْذِ الْبَيْعَةِ، وَتَلَقَّبَ بِالظَّاهِرِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَعَنَى أَنَّ أَبَاهُ وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ أَرَادُوا صَرْفَ الْأَمْرِ عَنْهُ، فَظَهَرَ وَوَلِيَ الْخِلَافَةَ بِأَمْرِ اللَّهِ لَا بِسَعْيٍ مِنْ أَحَدٍ. وَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ، أَظْهَرَ مِنَ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ مَا أَعَادَ بِهِ سُنَّةَ الْعُمَرَيْنِ، فَلَوْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَلِ الْخِلَافَةَ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلَهُ لَكَانَ الْقَائِلُ صَادِقًا، فَإِنَّهُ أَعَادَ مِنَ الْأَمْوَالِ الْمَغْصُوبَةِ فِي أَيَّامِ أَبِيهِ وَقَبْلَهُ شَيْئًا كَثِيرًا، وَأَطْلَقَ الْمُكُوسَ فِي الْبِلَادِ جَمِيعِهَا، وَأَمَرَ بِإِعَادَةِ الْخَرَاجِ الْقَدِيمِ فِي جَمِيعِ الْعِرَاقِ، وَأَنْ يَسْقُطَ جَمِيعُ مَا جَدَّدَهُ أَبُوهُ، وَكَانَ كَثِيرًا لَا يُحْصَى، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ قَرْيَةَ بَعْقُوبَا كَانَ يُحَصَّلُ مِنْهَا قَدِيمًا نَحْوَ عَشْرَةِ آلَافِ دِينَارٍ، فَلَمَّا تَوَلَّى النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ، كَانَ يُؤْخَذُ مِنْهَا كُلَّ سَنَةٍ ثَمَانُونَ أَلْفِ دِينَارٍ، فَحَضَرَ أَهْلُهَا وَاسْتَغَاثُوا، وَذَكَرُوا أَنَّ أَمْلَاكَهُمْ أُخِذَتْ حَتَّى صَارَ يُحَصَّلُ مِنْهَا هَذَا الْمَبْلَغُ، فَأَمَرَ أَنْ يُؤْخَذَ الْخَرَاجُ الْقَدِيمُ وَهُوَ عَشْرَةُ آلَافِ دِينَارٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَذَا الْمَبْلَغَ يَصِلُ إِلَى الْمَخْزَنِ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الْعِوَضُ؟ فَأَقَامَ لَهُمُ الْعِوَضَ مِنْ جِهَاتٍ أُخْرَى، فَإِذَا كَانَ الْمُطْلَقُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، فَمَا الظَّنُّ بِبَاقِي الْبِلَادِ؟ وَمِنْ أَفْعَالِهِ الْجَمِيلَةِ أَنَّهُ أَمَرَ بِأَخْذِ الْخَرَاجِ الْأَوَّلِ مِنْ بَاقِي الْبِلَادِ جَمِيعِهَا، فَحَضَرَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَذَكَرُوا أَنَّ الْأَمْلَاكَ الَّتِي كَانَ يُؤْخَذُ مِنْهَا الْخَرَاجُ قَدِيمًا قَدْ يَبِسَ أَكْثَرُ أَشْجَارِهَا وَخُرِّبَتْ، وَمَتَى طُولِبُوا بِالْخَرَاجِ الْأَوَّلِ لَا يَفِي دَخْلُ الْبَاقِي بِالْخَرَاجِ، فَأَمَرَ أَنْ لَا يُؤْخَذَ الْخَرَاجُ إِلَّا مِنْ كُلِّ شَجَرَةٍ سَلِيمَةٍ، وَأَمَّا الذَّاهِبُ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا.

стр. 6112

وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الْمَخْزَنَ كَانَ لَهُ صَنْجَةُ الذَّهَبِ تَزِيدُ عَلَى صَنْجَةِ الْبَلَدِ نِصْفَ قِيرَاطٍ، يَقْبِضُونَ بِهَا الْمَالَ، وَيُعْطُونَ بِالصَّنْجَةِ الَّتِي لِلْبَلَدِ يَتَعَامَلُ بِهَا النَّاسُ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ فَخَرَجَ خَطُّهُ إِلَى الْوَزِيرِ، وَأَوَّلَهُ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ١] . قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ الْأَمْرَ كَذَا وَكَذَا، فَتُعَادُ صَنْجَةُ الْمَخْزَنِ إِلَى الصَّنْجَةِ الَّتِي يَتَعَامَلُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ، وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. فَكَتَبَ بَعْضُ النُّوَّابِ إِلَيْهِ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا مَبْلَغٌ كَثِيرٌ، وَقَدْ حَسَبْنَاهُ فَكَانَ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ يُنْكِرُ عَلَى الْقَائِلِ، وَيَقُولُ: لَوْ أَنَّهُ ثَلَاثُ مِائَةِ أَلْفٍ وَخَمْسُونَ أَلْفَ دِينَارٍ يُطْلَقُ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا فَعَلَ فِي إِطْلَاقِ زِيَادَةِ الصَّنْجَةِ الَّتِي لِلدِّيوَانِ، وَهِيَ فِي كُلِّ دِينَارٍ حَبَّةٌ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الْقَاضِي أَنَّ كُلَّ مَنْ عَرَضَ عَلَيْهِ كِتَابًا صَحِيحًا بِمِلْكٍ يُعِيدُهُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ، وَأَقَامَ رَجُلًا صَالِحًا فِي وِلَايَةِ الْحَشْرِيِّ وَبَيْتِ الْمَالِ، وَكَانَ الرَّجُلُ حَنْبَلِيًّا، فَقَالَ: إِنَّنِي مِنْ مَذْهَبِي أَنْ أُوَرِّثَ ذَوِي الْأَرْحَامِ، فَإِنْ أَذِنَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ، وَلِيتُ وَإِلَّا فَلَا. فَقَالَ لَهُ: أَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَاتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَتَّقِ سِوَاهُ. وَمِنْهَا أَنَّ الْعَادَةَ كَانَتْ بِبَغْدَادَ أَنَّ الْحَارِسَ بِكُلِّ دَرْبٍ يُبَكِّرُ، وَيَكْتُبُ مُطَالَعَةً إِلَى الْخَلِيفَةِ بِمَا تَجَدَّدَ فِي دَرْبِهِ مِنَ اجْتِمَاعِ بَعْضِ الْأَصْدِقَاءِ بِبَعْضٍ عَلَى نُزْهَةٍ، أَوْ سَمَاعٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَيُكْتَبُ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، فَكَانَ النَّاسُ مِنْ هَذَا فِي حَجْرٍ عَظِيمٍ، فَلَمَّا وَلِيَ هَذَا الْخَلِيفَةُ - جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا - أَتَتْهُ الْمُطَالَعَاتُ عَلَى الْعَادَةِ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهَا، وَقَالَ: أَيُّ غَرَضٍ لَنَا فِي مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي بُيُوتِهِمْ؟ فَلَا يَكْتُبُ أَحَدٌ إِلَيْنَا إِلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِ دَوْلَتِنَا، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الْعَامَّةَ تَفْسُدُ بِذَلِكَ، وَيَعْظُمُ شَرُّهَا، فَقَالَ: نَحْنُ نَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَهُمْ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ، وَصَلَ صَاحِبُ الدِّيوَانِ مِنْ وَاسِطَ، وَكَانَ قَدْ سَارَ إِلَيْهَا أَيَّامَ النَّاصِرِ لِتَحْصِيلِ الْأَمْوَالِ، فَأُصْعِدَ، وَمَعَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَتَبَ مُطَالَعَةً تَتَضَمَّنُ ذِكْرَ مَا مَعَهُ، وَيَسْتَخْرِجُ الْأَمْرَ فِي حَمْلِهِ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ بِأَنْ يُعَادَ إِلَى أَرْبَابِهِ، فَلَا حَاجَةَ لَنَا إِلَيْهِ، فَأُعِيدُ عَلَيْهِمْ.

стр. 6113

وَمِنْهَا أَنَّهُ أَخْرَجَ كُلَّ مَنْ كَانَ فِي السُّجُونِ، وَأَمَرَ بِإِعَادَةِ مَا أُخِذَ مِنْهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْقَاضِي عَشْرَةَ آلَافِ دِينَارٍ لِيُعْطِيَهَا عَنْ كُلِّ مَنْ هُوَ مَحْبُوسٌ فِي حَبْسِ الشَّرْعِ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ. وَمِنْ حُسْنِ نِيَّتِهِ لِلنَّاسِ أَنَّ الْأَسْعَارَ فِي الْمَوْصِلِ وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ كَانَتْ غَالِيَةً، فَرَخُصَتِ الْأَسْعَارُ، وَأَطْلَقَ حَمْلَ الْأَطْعِمَةِ إِلَيْهَا، وَأَنْ يَبِيعَ كُلُّ مَنْ أَرَادَ الْبَيْعَ لِلْغَلَّةِ، فَحُمِلَ مِنْهَا الْكَثِيرُ الَّذِي لَا يُحْصَى، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ السِّعْرَ قَدْ غَلَا شَيْئًا، وَالْمَصْلَحَةُ الْمَنْعُ مِنْهُ، فَقَالَ: أُولَئِكَ مُسْلِمُونَ، وَهَؤُلَاءِ مُسْلِمُونَ، وَكَمَا يَجِبُ عَلَيْنَا النَّظَرُ فِي أَمْرِ هَؤُلَاءِ، كَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْنَا النَّظَرُ لِأُولَئِكَ. وَأَمَرَ أَنْ يُبَاعَ مِنَ الْأَهْرَاءِ الَّتِي لَهُ طَعَامٌ أَرْخَصُ مِمَّا يَبِيعُ غَيْرُهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَرَخُصَتِ الْأَسْعَارُ عِنْدَهُمْ أَيْضًا أَكْثَرُ مِمَّا كَانَتْ أَوَّلًا، وَكَانَ السِّعْرُ فِي الْمَوْصِلِ لَمَّا وَلِيَ، كُلُّ مَكُّوكٍ بِدِينَارٍ وَثَلَاثَةِ قَرَارِيطَ، فَصَارَ كُلُّ أَرْبَعَةِ مَكَاكِيكَ بِدِينَارٍ فِي أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، وَكَذَلِكَ بَاقِي الْأَشْيَاءِ مِنَ التَّمْرِ وَالدِّبْسِ، وَالْأَرُزِّ وَالسِّمْسِمِ وَغَيْرِهَا، فَاللَّهُ - تَعَالَى - يُؤَيِّدُهُ وَيَنْصُرُهُ وَيُبْقِيهِ، فَإِنَّهُ غَرِيبٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ الْفَاسِدِ. وَلَقَدْ سَمِعْتُ عَنْهُ كَلِمَةً أَعْجَبَتْنِي جِدًّا، وَهِيَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ فِي الَّذِي يُخْرِجُهُ وَيُطْلِقُهُ مِنَ الْأَمْوَالِ الَّتِي لَا تَسْمَحُ نَفْسٌ بِبَعْضِهَا، فَقَالَ لَهُمْ: أَنَا فَتَحْتُ الدُّكَّانَ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَاتْرُكُونِي أَفْعَلُ الْخَيْرَ، فَكَمْ أَعِيشُ؟ وَتَصَدَّقَ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَفَرَّقَ فِي الْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ الدِّينِ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ. ذِكْرُ مُلْكِ بَدْرِ الدِّينِ قَلْعَتَيِ الْعِمَادِيَّةِ وَهَرُوزَ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ بَدْرُ الدِّينِ قَلْعَةَ الْعِمَادِيَّةِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ عِصْيَانِ أَهْلِهَا عَلَيْهِ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَتَسْلِيمِهَا إِلَى عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي، ثُمَّ عَوْدِهِمْ إِلَى طَاعَةِ بَدْرِ الدِّينِ، وَخِلَافِهِمْ عَلَى عِمَادِ الدِّينِ، فَلَمَّا عَادُوا إِلَى بَدْرِ الدِّينِ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَأَعْطَاهُمُ الْإِقْطَاعَ الْكَثِيرَ، وَمَلَّكَهُمُ الْقُرَى، وَوَصَلَهُمْ بِالْأَمْوَالِ الْجَزِيلَةِ وَالْخِلَعِ السَّنِيَّةِ، فَبَقَوْا كَذَلِكَ مُدَّةً يَسِيرَةً. ثُمَّ شَرَعُوا يُرَاسِلُونَ عِمَادَ الدِّينِ زِنْكِي، وَمُظَفَّرَ الدِّينِ صَاحِبَ إِرْبِلَ، وَشِهَابَ الدِّينِ غَازِي بْنِ الْعَادِلِ لَمَّا كَانَ بِخِلَاطَ، وَيَعِدُونَ كُلًّا مِنْهُمْ بِالِانْحِيَازِ إِلَيْهِ وَالطَّاعَةِ لَهُ، وَأَظْهَرُوا مِنَ الْمُخَالَفَةِ لِبَدْرِ الدِّينِ مَا كَانُوا يُبْطِنُونَهُ، فَكَانُوا لَا يُمَكِّنُونَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ بَدْرِ الدِّينِ إِلَّا مَنْ يُرِيدُونَهُ، وَيَمْنَعُونَ مَنْ كَرِهُوهُ، فَطَالَ الْأَمْرُ، وَهُوَ

стр. 6114

يَحْتَمِلُ فِعْلَهُمْ وَيُدَارِيهِمْ، وَهُمْ لَا يَزْدَادُونَ إِلَّا طَمَعًا وَخُرُوجًا عَنِ الطَّاعَةِ. وَكَانُوا جَمَاعَةً فَاخْتَلَفُوا، فَقَوِيَ بَعْضُهُمْ، وَهُمْ أَوْلَادُ خَوَاجَهْ إِبْرَاهِيمَ وَأَخُوهُ وَمَنْ مَعَهُمْ عَلَى الْبَاقِينَ، فَأَخْرَجُوهُمْ عَنِ الْقَلْعَةِ، وَغَلَبُوا عَلَيْهَا، وَأَصَرُّوا عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ النِّفَاقِ. فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةُ، سَارَ بَدْرُ الدِّينِ إِلَيْهِمْ فِي عَسَاكِرِهِ، فَأَتَاهُمْ بَغْتَةً، فَحَصَرَهُمْ وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، وَقَطَعَ الْمِيرَةَ عَنْهُمْ، وَأَقَامَ بِنَفْسِهِ عَلَيْهِمْ، وَجَعَلَ قِطْعَةً مِنَ الْجَيْشِ عَلَى قَلْعَةِ هَرُوزَ يَحْصُرُونَهَا، وَهِيَ مِنْ أَمْنَعِ الْحُصُونِ وَأَحْصَنِهَا، لَا يُوجَدُ مِثْلُهَا. وَكَانَ أَهْلُهَا أَيْضًا قَدْ سَلَكُوا طَرِيقَ أَهْلِ الْعِمَادِيَّةِ مِنْ عِصْيَانٍ، وَطَاعَةٍ وَمُخَادِعَةٍ، فَأَتَاهُمُ الْعَسْكَرُ وَحَصَرُوهُمْ وَهُمْ فِي قِلَّةٍ مِنَ الذَّخِيرَةِ، فَحَصَرُوهَا أَيَّامًا، فَفَنِيَ مَا فِي الْقَلْعَةِ، فَاضْطُرَّ أَهْلُهَا إِلَى التَّسْلِيمِ، فَسَلَّمُوهَا وَنَزَلُوا مِنْهَا. وَعَادَ الْعَسْكَرُ إِلَى الْعِمَادِيَّةِ، فَأَقَامُوا عَلَيْهَا مَعَ بَدْرِ الدِّينِ، فَبَقِيَ بَدْرُ الدِّينِ بَعْدَ أَخْذِ هَرُوزَ يَسِيرًا، وَعَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَتَرَكَ الْعَسْكَرَ بِحَالِهِ مَعَ ابْنِهِ أَمِينِ الدِّينِ لُؤْلُؤٍ، فَبَقِيَ الْحِصَارُ إِلَى أَوَّلِ ذِي الْقَعْدَةِ، فَأَرْسَلُوا يُذْعِنُونَ بِالطَّاعَةِ، وَيَطْلُبُونَ الْعِوَضَ عَنْهَا لِيُسَلِّمُوهَا، فَاسْتَقَرَّتِ الْقَوَاعِدُ عَلَى الْعِوَضِ مِنْ قَلْعَةٍ يَحْتَمُونَ فِيهَا، وَأَقْطَاعٍ وَمَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَأَجَابَهُمْ بَدْرُ الدِّينِ إِلَى مَا طَلَبُوا، وَحَضَرَ نُوَّابُهُمْ لِيُحَلِّفُوا بَدْرَ الدِّينِ. فَبَيْنَمَا هُوَ يُرِيدُ أَنْ يَحْلِفَ لَهُمْ وَقَدْ أَحْضَرَ مَنْ يَشْهَدُ الْيَمِينُ، إِذْ قَدْ وَصَلَ طَائِرٌ مِنَ الْعِمَادِيَّةِ وَعَلَى جَنَاحِهِ رُقْعَةٌ مِنْ أَمِينِ الدِّينِ لُؤْلُؤٍ، يُخْبِرُ أَنَّهُ قَدْ مَلَكَ الْعِمَادِيَّةَ قَهْرًا وَعَنْوَةً، وَأَسَرَ بَنِي خَوَاجَهْ الَّذِينَ كَانُوا تَغَلَّبُوا عَلَيْهِ، فَامْتَنَعَ بَدْرُ الدِّينِ مِنَ الْيَمِينِ. وَأَمَّا سَبَبُ غَلَبَةِ أَمِينِ الدِّينِ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ وَلَّاهُ بَدْرُ الدِّينِ عَلَيْهَا لَمَّا عَادَ أَهْلُهَا إِلَى طَاعَتِهِ، فَبَقِيَ فِيهَا مُدَّةً، وَأَحْسَنَ فِيهِمْ، وَاسْتَمَالَ جَمَاعَةً مِنْهُمْ لِيَتَقَوَّى بِهِمْ عَلَى الْحَرْبِ لِلَّذِينِ عَصَوْا أَوَّلًا، فَنَمَى الْخَبَرُ إِلَيْهِمْ، فَأَسَاءُوا مُجَاوَرَتَهُ، وَاسْتَقَالُوا مِنْ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَفَارَقَهُمْ إِلَى الْمَوْصِلِ. وَكَانَ أُولَئِكَ الَّذِينَ اسْتَمَالَهُمْ يُكَاتِبُونَهُ وَيُرَاسِلُونَهُ، فَلَمَّا حَصَرَهُمْ كَانُوا أَيْضًا يُكَاتِبُونَهُ فِي النُّشَّابِ يُخْبِرُونَهُ بِكُلِّ مَا يَفْعَلُهُ أَوْلَادُ خَوَاجَهْ مِنْ إِنْفَاذِ رَسُولٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَبِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الذَّخَائِرِ وَغَيْرِهَا، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ الْكَثْرَةِ إِلَى حَدِّ أَنَّهُمْ يَقْهَرُونَ أُولَئِكَ. فَلَمَّا كَانَ الْآنُ وَاسْتَقَرَّتِ الْقَوَاعِدُ مِنَ التَّسْلِيمِ لَمْ يَذْكُرْ أَوْلَادُ خَوَاجَهْ أَحَدًا مِنْ جُنْدِ

стр. 6115

الْقَلْعَةِ فِي نُسْخَةِ الْيَمِينِ بِمَالٍ، وَلَا غَيْرِهِ مِنْ أَمَانٍ وَإِقْطَاعٍ، فَسَخِطُوا هَذِهِ الْحَالَ، وَقَالُوا لَهُمْ: قَدْ حَلَفْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ بِالْحُصُونِ وَالْقُرَى وَالْمَالِ، وَنَحْنُ قَدْ خُرِّبَتْ بُيُوتُنَا لِأَجْلِكُمْ، فَلَمْ تَذْكُرُونَا، فَأَهَانُوهُمْ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِمْ، فَحَضَرَ عِنْدَ أَمِينِ الدِّينِ رَجُلَانِ مِنْهُمْ لَيْلًا، وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ جَمْعًا يُصْعِدُونَهُمْ إِلَى الْقَلْعَةِ، وَيَثِبُونَ بِأُولَئِكَ وَيَأْخُذُونَهُمْ، فَامْتَنَعَ وَقَالَ: أَخَافَ أَنْ لَا يَتِمَّ هَذَا الْأَمْرُ، وَيَفْسُدَ عَلَيْنَا كُلُّ مَا فَعَلْنَاهُ. فَقَالُوا: نَحْنُ نَقْبِضُ عَلَيْهِمْ غَدًا بُكْرَةً، وَتَكُونُ أَنْتَ وَالْعَسْكَرُ عَلَى ظَهْرٍ، فَإِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ بَاسِمِ بَدْرِ الدِّينِ وَشِعَارِهِ، تَصْعَدُونَ إِلَيْنَا، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ. وَرَكِبَ بِنَفْسِهِ بُكْرَةً هُوَ وَالْعَسْكَرُ عَلَى الْعَادَةِ، وَأَمَّا أُولَئِكَ فَإِنَّهُمُ اجْتَمَعُوا، وَقَبَضُوا عَلَى أَوْلَادِ خَوَاجَهْ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَنَادَوْا بِشِعَارِ بَدْرِ الدِّينِ، فَبَيْنَمَا الْعَسْكَرُ قِيَامٌ إِذَا الصَّوْتُ مِنَ الْقَلْعَةِ بَاسِمِ بَدْرِ الدِّينِ، فَصَعِدُوا إِلَيْهَا وَمَلَكُوهَا، وَتَسَلَّمَ أَمِينُ الدِّينِ أَوْلَادَ خَوَاجَهْ فَحَبَسَهُمْ، وَكَتَبَ الرُّقْعَةَ عَلَى جَنَاحِ الطَّائِرِ بِالْحَالِ، وَمَلَكُوا الْقَلْعَةَ صَفْوًا عَفْوًا بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَكَانَ يُرِيدُ [أَنْ] يَغْرَمَ مَالًا جَلِيلًا، وَأَقْطَاعًا كَثِيرَةً، وَحِصْنًا مَنِيعًا، فَتَوَفَّرَ الْجَمِيعُ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ كُلَّ مَا احْتَقَبُوهُ وَادَّخَرُوهُ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ لَيْلَةَ الْأَحَدِ الْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ، زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ بِالْمَوْصِلِ، وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ وَالْعِرَاقِ، وَغَيْرِهَا زَلْزَلَةً مُتَوَسِّطَةً. وَفِيهَا اشْتَدَّ الْغَلَاءُ بِالْمَوْصِلِ، وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ جَمِيعِهَا، فَأَكَلَ النَّاسُ الْمَيْتَةَ، وَالْكِلَابَ وَالسَّنَانِيرَ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ كَثِيرَةً. وَلَقَدْ دَخَلْتُ يَوْمًا إِلَى دَارِي، فَرَأَيْتُ الْجَوَارِيَ يَقْطَعْنَ اللَّحْمَ لِيَطْبُخْنَهُ، فَرَأَيْتُ سَنَانِيرَ اسْتَكْثَرْتُهَا فَعَدَدْتُهَا، فَكَانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ سِنَّوْرًا، وَرَأَيْتُ اللَّحْمَ فِي هَذَا الْغَلَاءِ فِي الدَّارِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَنْ يَحْفَظُهُ مِنَ السَّنَانِيرِ لِعَدَمِهَا، وَلَيْسَ بَيْنَ الْمَرَّتَيْنِ كَثِيرٌ. وَغَلَا مَعَ الطَّعَامِ كُلُّ شَيْءٍ فَبِيعَ رِطْلُ الشَّيْرِجِ بِقِيرَاطَيْنِ بَعْدَ أَنْ كَانَ بِنِصْفِ قِيرَاطٍ قَبْلَ الْغَلَاءِ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَكَانَ كُلُّ سِتِّينَ رِطْلًا بِدِينَارٍ.

стр. 6116

وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ السِّلْقَ وَالْجَزَرَ وَالشَّلْجَمَ بِيعَ كُلَّ خَمْسِ أَرْطَالٍ بِدِرْهَمٍ، وَبِيعَ الْبَنَفْسَجُ كُلُّ سِتَّةِ أَرْطَالٍ بِدِرْهَمٍ، وَبِيعَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ كُلُّ سَبْعَةِ أَرْطَالٍ بِدِرْهَمٍ، وَهَذَا مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ. فَإِنَّ الدُّنْيَا مَا زَالَتْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، إِذَا غَلَتِ الْأَسْعَارُ، مَتَى جَاءَ الْمَطَرُ رَخُصَتْ، إِلَّا هَذِهِ السَّنَةَ، فَإِنَّ الْأَمْطَارَ مَا زَالَتْ مُتَتَابِعَةً مِنْ أَوَّلِ الشِّتَاءِ إِلَى آخِرِ الرَّبِيعِ، وَكُلَّمَا جَاءَ الْمَطَرُ غَلَتِ الْأَسْعَارُ، وَهَذَا مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، فَبَلَغَتِ الْحِنْطَةُ مَكُّوكًا وَثُلُثًا بِدِينَارٍ وَقِيرَاطٍ، يَكُونُ وَزْنُهُ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ رِطْلًا دَقِيقًا بِالْبَغْدَادِيِّ، وَكَانَ الْمِلْحُ مَكُّوكٌ بِدِرْهَمٍ، فَصَارَ الْمَكُّوكُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَكَانَ الْأَرُزُّ مَكُّوكٌ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَصَارَ الْمَكُّوكُ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا، وَكَانَ التَّمْرُ كُلُّ أَرْبَعَةِ أَرْطَالٍ وَخَمْسَةُ أَرْطَالٍ بِقِيرَاطٍ، فَصَارَ كُلُّ رِطْلَيْنِ بِقِيرَاطٍ. وَمِنْ عَجِيبِ مَا يُحْكَى أَنَّ السُّكَّرَ النَّادِرَ الْأَسْمَرَ كَانَ كُلُّ رِطْلٍ بِدِرْهَمٍ وَرُبُعٍ، وَكَانَ السُّكَّرُ الْأُبْلُوجُ الْمِصْرِيُّ النَّقِيُّ كُلُّ رِطْلٍ بِدِرْهَمَيْنِ، فَصَارَ السُّكَّرُ الْأَسْمَرُ كُلُّ رِطْلٍ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَنِصْفٍ، وَالسُّكَّرُ الْأُبْلُوجُ كُلُّ رِطْلٍ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَرُبُعٍ، وَسَبَبُهُ أَنَّ الْأَمْرَاضَ لَمَّا كَثُرَتْ وَاشْتَدَّ الْوَبَاءُ، قَالَتِ النِّسَاءُ: هَذِهِ الْأَمْرَاضُ بَارِدَةٌ، وَالسُّكَّرُ الْأَسْمَرُ حَارٌّ فَيَنْفَعُ مِنْهَا، وَالْأُبْلُوجُ بَارِدٌ يُقَوِّيهَا، وَتَبِعَهُنَّ الْأَطِبَّاءُ اسْتِمَالَةً لِقُلُوبِهِنَّ وَلِجَهْلِهِمْ، فَغَلَا الْأَسْمَرُ بِهَذَا السَّبَبِ، وَهَذَا مِنَ الْجَهْلِ الْمُفْرِطِ. وَمَا زَالَتِ الْأَشْيَاءُ هَكَذَا إِلَى أَوَّلِ الصَّيْفِ، وَاشْتَدَّ الْوَبَاءُ، وَكَثُرَ الْمَوْتُ وَالْمَرَضُ فِي النَّاسِ، فَكَانَ يُحْمَلُ عَلَى النَّعْشِ الْوَاحِدِ عِدَّةٌ مِنَ الْمَوْتَى، فَمِمَّنْ مَاتَ فِيهِ شَيْخُنَا عَبْدُ الْمُحْسِنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَطِيبُ الطُّوسِيُّ، خَطِيبُ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ مِنْ صَالِحِي الْمُسْلِمِينَ، وَعُمْرُهُ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَشُهُورًا. وَفِيهَا انْخَسَفَ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ خَامِسَ عَشَرَ صَفَرٍ. وَفِيهَا هَرَبَ أَمِيرُ حَاجِّ الْعِرَاقِ، وَهُوَ حُسَامُ الدِّينِ أَبُو فِرَاسٍ الْحِلِّيُّ الْكُرْدِيُّ الْوَرَّامِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي الشَّيْخِ وَرَّامٍ، كَانَ عَمُّهُ مِنْ صَالِحِي الْمُسْلِمِينَ وَخِيَارِهِمْ مِنْ

стр. 6117

أَهْلِ الْحِلَّةِ السَّيْفِيَّةِ، فَارَقَ الْحَاجَّ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَسَارَ إِلَى مِصْرَ. حَكَى لِي بَعْضُ أَصْدِقَائِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى الْهَرَبِ كَثْرَةُ الْخَرْجِ فِي الطَّرِيقِ، وَقِلَّةُ الْمَعُونَةِ مِنَ الْخَلِيفَةِ، وَلَمَّا فَارَقَ الْحَاجَّ، خَافُوا خَوْفًا شَدِيدًا مِنَ الْعَرَبِ، فَأَمَّنَ اللَّهُ خَوْفَهُمْ، وَلَمْ يَذْعَرْهُمْ ذَاعِرٌ فِي جَمِيعِ الطَّرِيقِ، وَوَصَلُوا آمِنِينَ، إِلَّا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْجِمَالِ هَلَكَ، أَصَابَهَا غُدَّةٌ عَظِيمَةٌ فَلَمْ يَسْلَمْ إِلَّا الْقَلِيلُ. وَفِيهَا فِي آبَ، جَاءَ مَطَرٌ شَدِيدٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ، وَدَامَ حَتَّى جَرَتِ الْأَوْدِيَةُ، وَامْتَلَأَتِ الطُّرُقْ بِالْوَحْلِ، ثُمَّ جَاءَ الْخَبَرُ مِنَ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ، وَالْجَزِيرَةِ وَدِيَارِ بَكْرٍ، أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ مِثْلُهُ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْنَا بِالْمَوْصِلِ أَحَدٌ إِلَّا وَأَخْبَرَ أَنَّ الْمَطَرَ كَانَ عِنْدَهُمْ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ التَّارِيخِ. وَفِيهَا كَانَ فِي الشِّتَاءِ ثَلْجٌ كَثِيرٌ، وَنَزَلْتُ بِالْعِرَاقِ، فَسَمِعْتُ أَنَّهُ نَزَلَ فِي جَمِيعِ الْعِرَاقِ حَتَّى فِي الْبَصْرَةِ، أَمَّا إِلَى وَاسِطَ فَلَا شَكَّ فِيهِ، وَأَمَّا الْبَصْرَةُ فَإِنَّ الْخَبَرَ لَمْ يَكْثُرْ عِنْدَنَا بِنُزُولِهِ فِيهَا. وَفِيهَا خُرِّبَتْ قَلْعَةُ الزَّعْفَرَانِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ، وَهِيَ حِصْنٌ مَشْهُورٌ يُعْرَفُ قَدِيمًا بِدَيْرِ الزَّعْفَرَانِ، وَهُوَ عَلَى جَبَلٍ عَالٍ قَرِيبٍ مِنْ فرشَابُورَ. وَفِيهَا أَيْضًا خُرِّبَتْ قَلْعَةُ الْجَدِيدَةِ مِنْ بَلَدِ الْهَكَّارِيَّةِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ أَيْضًا، وَأُضِيفَ عَمَلُهَا وَقُرَاهَا إِلَى الْعِمَادِيَّةِ. وَفِيهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ، سَارَ جَلَالُ الدِّينِ بْنُ خُوَارَزْمَ شَاهْ مِنْ تِبْرِيزَ إِلَى بَلَدِ الْكُرْجِ قَاصِدًا لِأَخْذِ بِلَادِهِمْ وَاسْتِئْصَالِهِمْ، وَخَرَجَتِ السَّنَةُ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ فَعَلَ بِهِمْ شَيْئًا، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا فَعَلَهُ بِهِمْ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَفِيهَا ثَالِثَ شُبَاطَ، سَقَطَ بِبَغْدَادَ ثَلْجٌ، وَبَرَدَ الْمَاءُ بَرْدًا شَدِيدًا، وَقَوِيَ الْبَرْدُ حَتَّى مَاتَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَرَاءِ. وَفِيهَا فِي رَبِيعِ الْأَوَّلِ، زَادَتْ دِجلَةُ زِيَادَةً عَظِيمَةً، وَاشْتَغَلَ النَّاسُ بِإِصْلَاحِ سَكْرِ الْقُورَجِ، وَخَافُوا، فَبَلَغَتِ الزِّيَادَةُ قَرِيبًا مِنَ الزِّيَادَةِ الْأُولَى، ثُمَّ نَقَصَ الْمَاءُ وَاسْتَبْشَرَ النَّاسُ.

стр. 6118

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ] ٦٢٣ - ذِكْرُ مُلْكِ جَلَالِ الدِّينِ تِفْلِيسَ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَامِنَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَتَحَ جَلَالُ الدِّينِ بْنُ خُوَارَزْمَ شَاهْ مَدِينَةَ تِفْلِيسَ مِنَ الْكُرْجِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ الْحَرْبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَانْهِزَامَهُمْ مِنْهُ، وَعَوْدَهُ إِلَى تِبْرِيزَ بِسَبَبِ الْخُلْفِ الْوَاقِعِ فِيهَا، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ فِي أَذْرَبِيجَانَ، عَادَ إِلَى بَلَدِ الْكُرْجِ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ، وَخَرَجَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَدَخَلَتْ هَذِهِ السَّنَةُ، فَقَصَدَ بِلَادَهُمْ، وَقَدْ عَادُوا فَحَشَدُوا وَجَمَعُوا مِنَ الْأُمَمِ الْمُجَاوِرَةِ لَهُمُ اللَّانَ وَاللَّكْزَ وَقَفْجَاقَ وَغَيْرَهُمْ، فَاجْتَمَعُوا فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ لَا يُحْصَى، فَطَمِعُوا بِذَلِكَ، وَمَنَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمُ الْأَبَاطِيلَ، وَوَعَدَهُمُ الشَّيْطَانُ الظَّفَرَ، ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠] ، فَلَقِيَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمُ الْكَمِينَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، وَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَوَلَّىُ الْكُرْجُ مُنْهَزِمِينَ لَا يَلْوِي الْأَخُ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا الْوَالِدُ عَلَى وَلَدِهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ قَدْ أَهَمَّتُهُ نَفْسُهُ، وَأَخَذَتْهُمْ سُيُوفُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الْيَسِيرُ الشَّاذُّ الَّذِي لَا يُعْبَأُ بِهِ، وَأَمَرَ جَلَالُ الدِّينِ عَسْكَرَهُ أَنْ لَا يُبْقُوا عَلَى أَحَدٍ، وَأَنْ يَقْتُلُوا مَنْ وَجَدُوا، فَتَبِعُوا الْمُنْهَزِمِينَ يَقْتُلُونَهُمْ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ بِقَصْدِ تِفْلِيسَ دَارِ مُلْكِهِمْ، فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَنْ نَقْتُلَ رِجَالَنَا تَحْتَ الْأَسْوَارِ، إِنَّمَا إِذَا أَفْنَيْتُ الْكُرْجَ، أَخَذْتُ الْبِلَادَ صَفْوًا عَفْوًا. وَلَمْ تَزَلِ الْعَسَاكِرُ تَتْبَعُهُمْ وَتَسْتَقْصِي فِي طَلَبِهِمْ إِلَى أَنْ كَادُوا يُفْنُونَهُمْ، فَحِينَئِذٍ قَصَدَ تِفْلِيسَ وَنَزَلَ بِالْقُرْبِ مِنْهَا، وَسَارَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَقَصَدَهَا لِيَنْظُرَ إِلَيْهَا، وَيُبْصِرَ مَوَاضِعَ النُّزُولِ عَلَيْهَا، وَكَيْفَ يُقَاتِلُهَا، فَلَمَّا قَارَبَهَا، كَمَنَ أَكْثَرُ الْعَسْكَرِ الَّذِي مَعَهُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَيْهَا فِي نَحْوِ ثَلَاثَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَلَمَّا رَآهُ

стр. 6119

مَنْ بِهَا مِنَ الْكُرْجِ، طَمِعُوا فِيهِ لِقِلَّةِ مَنْ مَعَهُ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَعَهُمْ، فَظَهَرُوا إِلَيْهِ فَقَاتَلُوهُ، فَتَأَخَّرَ عَنْهُمْ، فَقَوِيَ طَمَعُهُمْ فِيهِ لِقِلَّةِ مَنْ مَعَهُ، فَظَنُّوهُ مُنْهَزِمًا فَتَبِعُوهُ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوا الْعَسَاكِرَ، خَرَجُوا عَلَيْهِمْ وَوَضَعُوا السَّيْفَ فِيهِمْ، فَقُتِلَ أَكْثَرُهُمْ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَدَخَلُوهَا، وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا نَادَى الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِهَا بِشِعَارِ الْإِسْلَامِ، وَبَاسِمِ جَلَالِ الدِّينِ، فَأَلْقَى الْكُرْجُ بِأَيْدِيهِمْ وَاسْتَسْلَمُوا ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ قُتِلَ رِجَالُهُمْ فِي الْوَقَعَاتِ الْمَذْكُورَةِ، فَقَلَّ عَدَدُهُمْ، وَمُلِئَتْ قُلُوبُهُمْ خَوْفًا وَرُعْبًا، فَمَلَكَ الْمُسْلِمُونَ الْبَلَدَ عَنْوَةً وَقَهْرًا بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَقُتِلَ كُلُّ مَنْ فِيهِ مِنَ الْكُرْجِ، وَلَمْ يُبْقِ عَلَى كَبِيرٍ وَلَا صَغِيرٍ إِلَّا مَنْ أَذْعَنَ بِالْإِسْلَامِ، وَأَقَرَّ بِكَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ أَبْقَى عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُمْ فَتَخَتَّنُوا وَتَرَكَهُمْ. وَنَهَبَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْوَالَ، وَسَبُوا النِّسَاءَ وَاسْتَرَقُّوا الْأَوْلَادَ، وَوَصَلَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِهَا بَعْضُ الْأَذَى مِنْ قَتْلٍ وَنَهْبٍ وَغَيْرِهِ. وَتِفْلِيسُ هَذِهِ مِنْ أَحْصَنِ الْبِلَادِ وَأَمْنَعِهَا، وَهِيَ عَلَى جَانِبَيْ نَهْرِ الْكُرِّ، وَهُوَ نَهْرٌ كَبِيرٌ، وَلَقَدْ جَلَّ هَذَا الْفَتْحُ وَعَظُمَ مَوْقِعُهُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْكُرْجَ كَانُوا قَدِ اسْتَطَالُوا عَلَيْهِمْ، وَفَعَلُوا بِهِمْ مَا أَرَادُوا، فَكَانُوا يَقْصِدُونَ أَيَّ بِلَادِ أَذْرَبِيجَانَ أَرَادُوا، فَلَا يَمْنَعُهُمْ عَنْهَا مَانِعٌ، وَلَا يَدْفَعُهُمْ عَنْهَا دَافِعٌ، وَهَكَذَا أَرْزَنُ الرُّومِ، حَتَّى إِنَّ صَاحِبَهَا لَبِسَ خِلْعَةَ مَلِكِ الْكُرْجِ، وَرَفَعَ عَلَى رَأْسِهِ عَلَمًا فِي أَعْلَاهُ صَلِيبٌ، وَتَنَصَّرَ وَلَدُهُ رَغْبَةً فِي نِكَاحِ مَلِكَةِ الْكُرْجِ، وَخَوْفًا مِنْهُمْ لِيَدْفَعَ الشَّرَّ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْقِصَّةُ، وَهَكَذَا دَرْبَنَدْ شِرْوَانَ. وَعَظُمَ أَمْرُهُمْ إِلَى حَدِّ أَنَّ رُكْنَ الدِّينِ بْنَ قَلِجْ أَرْسِلَانَ، صَاحِبَ قُونِيَّةَ وَأَقْصَرَا وَمَلَطْيَةَ وَسَائِرِ بِلَادِ الرُّومِ الَّتِي لِلْمُسْلِمِينَ، جَمَعَ عَسَاكِرَهُ، وَحَشَدَ مَعَهَا غَيْرَهَا فَاسْتَكْثَرَ، وَقَصَدَ أَرْزَنَ الرُّومِ، وَهِيَ لِأَخِيهِ طُغْرُلَ شَاهْ بْنِ قَلِجْ أَرْسِلَانَ، فَأَتَاهُ الْكُرْجُ وَهَزَمُوهُ، وَفَعَلُوا بِهِ وَبِعَسْكَرِهِ كُلَّ عَظِيمٍ، وَكَانَ أَهْلُ دَرْبَنْدَ شِرْوَانَ مَعَهُمْ فِي الضَّنْكِ وَالضِّيقَةِ. وَأَمَّا أَرْمِينِيَّةُ، فَإِنَّ الْكُرْجَ دَخَلُوا مَدِينَةَ أَرْجِيشَ، وَمَلَكُوا قَرْسَ وَغَيْرَهَا، وَحَصَرُوا خِلَاطَ، فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - مَنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِأَسْرِ إِيوَانِي مُقَدَّمِ عَسَاكِرِ الْكُرْجِ

стр. 6120

لَمَلَكُوهَا، فَاضْطُرَّ أَهْلُهَا إِلَى أَنْ بَنَوْا لَهُمْ بَيْعَةً فِي الْقَلْعَةِ يُضْرَبُ فِيهَا النَّاقُوسُ، فَرَحَلُوا عَنْهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ هَذِهِ الْحَمْلَةِ. وَلَمْ يَزَلْ هَذَا الثَّغْرُ مِنْ أَعْظَمِ الثُّغُورِ ضَرَرًا عَلَى الْمُجَاوِرِينَ لَهُ مِنَ الْفُرْسِ، قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُمْ، مِنْ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِلَى الْآنَ، وَلَمْ يُقْدِمْ أَحَدٌ عَلَيْهِمْ هَذَا الْإِقْدَامَ، وَلَا فَعَلَ بِهِمْ هَذِهِ الْأَفَاعِيلَ، فَإِنَّ الْكُرْجَ مَلَكُوا تِفْلِيسَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَالسُّلْطَانُ حِينَئِذٍ مَحْمُودُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ مَلِكْشَاهْ السَّلْجُوقِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ السَّلَاطِينِ مَنْزِلَةً، وَأَوْسَعِهِمْ مَمْلَكَةً، وَأَكْثَرِهِمْ عَسَاكِرَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهِمْ عَنْهَا، هَذَا مَعَ سِعَةِ بِلَادِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ الرَّيُّ وَأَعْمَالُهَا، وَبَلَدُ الْجَبَلِ وَأَصْفَهَانُ، وَفَارِسُ وخُوزِسْتَانُ، وَالْعِرَاقُ وَأَذْرَبِيجَانُ، وَأَرَّانُ وَأَرْمِينِيَّةُ، وَدِيَارُ بَكْرٍ وَالْجَزِيرَةُ، وَالْمَوْصِلُ وَالشَّامُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَعَمُهُ السُّلْطَانُ سَنْجَرٌ لَهُ خُرَاسَانُ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَكَانَ أَكْثَرُ بِلَادِ الْإِسْلَامِ بِأَيْدِيهِمْ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ جَمَعَ عَسَاكِرَهُ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ مَلَكُوهَا، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ أَخُوهُ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ، وَمَلَكَ إِلْدكزُ بَلَدَ الْجَبَلِ وَالرَّيَّ، وَأَصْفَهَانَ وَأَذْرَبِيجَانَ وَأَرَّانَ، وَأَطَاعَهُ صَاحِبُ خِلَاطَ، وَصَاحِبُ فَارِسَ، وَصَاحِبُ خُوزِسْتَانَ، وَجَمَعَ وَحَشَدَ لَهُمْ، وَكَانَ قُصَارَاهُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهُمْ، ثُمَّ ابْنُهُ الْبَهْلَوَانُ بَعْدَهُ، وَكَانَتِ الْبِلَادُ فِي أَيَّامِ أُولَئِكَ عَامِرَةً كَثِيرَةَ الْأَمْوَالِ وَالرِّجَالِ، فَلَمْ يُحَدِّثُوا أَنْفُسَهُمْ بِالظَّفَرِ بِهَؤُلَاءِ، حَتَّى جَاءَ هَذَا السُّلْطَانُ وَالْبِلَادُ خَرَابٌ قَدْ أَضْعَفَهَا الْكُرْجُ أَوَّلًا، ثُمَّ اسْتَأْصَلَهَا التَّتَرُ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَفَعَلَ بِهِمْ هَذِهِ الْأَفَاعِيلَ، فَسُبْحَانَ مَنْ إِذَا أَرَادَ أَمْرًا، قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. ذِكْرُ مَسِيرِ مُظَفَّرِ الدِّينِ صَاحِبِ إِرْبِلَ إِلَى الْمَوْصِلِ وَعَوْدِهِ عَنْهَا. فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، سَارَ مُظَفَّرُ الدِّينِ بْنُ زَيْنِ الدِّينِ صَاحِبُ إِرْبِلَ، إِلَى أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ قَاصِدًا إِلَيْهَا. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَلَالِ الدِّينِ بْنِ خُوَارَزْمَ شَاهْ، وَبَيْنَ الْمَلِكِ الْمُعَظَّمِ صَاحِبِ دِمَشْقَ، وَبَيْنَ صَاحِبِ آمِدَ، وَبَيْنَ نَاصِرِ الدِّينِ صَاحِبِ مَارِدِينَ، لِيَقْصِدُوا الْبِلَادَ الَّتِي بِيَدِ الْأَشْرَفِ،

стр. 6121

وَيَتَغَلَّبُوا عَلَيْهَا، وَيَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ نَصِيبٌ ذَكَرَهُ، وَاسْتَقَرَّتِ الْقَوَاعِدُ بَيْنَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَبَادَرَ مُظَفَّرُ الدِّينِ إِلَى الْمَوْصِلِ. وَأَمَّا جَلَالُ الدِّينِ فَإِنَّهُ سَارَ مِنْ تِفْلِيسَ يُرِيدُ خِلَاطَ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ أَنَّ نَائِبَهُ بِبِلَادِ كِرْمَانَ، وَاسْمُهُ " بَلَاقْ حَاجِبَ "، قَدْ عَصَى عَلَيْهِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُ الْخَبَرُ بِذَلِكَ، تَرَكَ خِلَاطَ وَلَمْ يَقْصِدْهَا، إِلَّا أَنَّ عَسْكَرَهُ نَهَبَ بَعْضَ بَلَدِهَا وَخَرَّبَ كَثِيرًا مِنْهُ، وَسَارَ مُجِدًّا إِلَى كِرْمَانَ، فَانْفَسَخَ جَمِيعُ مَا كَانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ مُظَفَّرَ الدِّينِ سَارَ مِنْ إِرْبِلَ وَنَزَلَ عَلَى جَانِبِ الزَّابِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْعُبُورُ إِلَى بَلَدِ الْمَوْصِلِ. وَكَانَ بَدْرُ الدِّينِ قَدْ أَرْسَلَ مِنَ الْمَوْصِلِ إِلَى الْأَشْرَفِ وَهُوَ بِالرَّقَّةِ يَسْتَنْجِدُهُ، وَيَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَحْضُرَ بِنَفْسِهِ الْمَوْصِلَ لِيَدْفَعَ مُظَفَّرَ الدِّينِ، فَسَارَ مِنْهَا إِلَى حَرَّانَ، وَمِنْ حَرَّانَ إِلَى دُنَيْسِرَ، فَخَرَّبَ بَلَدَ مَارِدِينَ وَأَهْلَهُ تَخْرِيبًا وَنَهْبًا. وَأَمَّا الْمُعَظَّمُ صَاحِبُ دِمَشْقَ، فَإِنَّهُ قَصَدَ بَلَدَ حِمْصَ وَحَمَاةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ الْأَشْرَفِ يَقُولُ: إِنْ رَحَلْتَ عَنْ مَارِدِينَ وَحَلَبَ، وَأَنَا عَنْ حِمْصَ وَحَمَاةَ، وَأَرْسَلْتُ إِلَى مُظَفَّرِ الدِّينِ لِيَرْجِعَ عَنْ بَلَدِ الْمَوْصِلِ، فَرَحَلَ الْأَشْرَفُ عَنْ مَارِدِينَ، وَعَادَ كُلٌّ مِنْهُمْ إِلَى بَلَدِهِ، وَخُرِّبَتْ أَعْمَالُ الْمَوْصِلِ، وَأَعْمَالُ مَارِدِينَ بِهَذِهِ الْحَرَكَةِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ قَدْ أَجْحَفَ بِهَا تَتَابُعُ الْغَلَاءِ وَطُولُ مُدَّتِهِ، وَجَلَاءُ أَكْثَرِ أَهْلِهَا، فَأَتَتْهَا هَذِهِ الْحَادِثَةُ فَازْدَادَتْ خَرَابًا عَلَى خَرَابٍ. ذِكْرُ عِصْيَانِ كِرْمَانَ عَلَى جَلَالِ الدِّينِ وَمَسِيرِهِ إِلَيْهَا. فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى جَلَالِ الدِّينِ أَنَّ نَائِبَهُ بِكِرْمَانَ، وَهُوَ أَمِيرٌ كَبِيرٌ اسْمُهُ بَلَاقْ حَاجِبَ، قَدْ عَصَى عَلَيْهِ، وَطَمِعَ فِي الْبِلَادِ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا وَيَسْتَبِدَّ بِهَا لِبُعْدِ جَلَالِ الدِّينِ عَنْهَا، وَاشْتِغَالِهِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْكُرْجِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى التَّتَرِ يُعْرِّفُهُمْ قُوَّةَ جَلَالِ الدِّينِ وَمُلْكَهُ كَثِيرًا مِنَ الْبِلَادِ، وَإِنْ أَخَذَ الْبَاقِي عَظُمَتْ مَمْلَكَتُهُ، وَكَثُرَتْ عَسَاكِرُهُ، وَأَخَذَ مَا بِأَيْدِيكُمْ مِنَ الْبِلَادِ. فَلَمَّا سَمِعَ جَلَالُ الدِّينِ ذَلِكَ كَانَ قَدْ سَارَ يُرِيدُ خِلَاطَ، فَتَرَكَهَا وَسَارَ إِلَى كِرْمَانَ [يَطْوِي الْمَرَاحِلَ، وَأَرْسَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَسُولًا إِلَى صَاحِبِ كِرْمَانِ] ، وَمَعَهُ الْخِلَعُ لِيَطْمَئِنَّ

стр. 6122

وَيَأْتِيهِ وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاطٍ وَلَا مُسْتَعِدٍّ لِلِامْتِنَاعِ مِنْهُ، فَلَمَّا وَصَلَ الرَّسُولُ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مَكِيدَةٌ عَلَيْهِ لِمَا يَعْرِفُهُ مِنْ عَادَتِهِ، فَأَخَذَ مَا يَعِزُّ عَلَيْهِ وَصَعِدَ إِلَى قَلْعَةٍ مَنِيعَةٍ فَتَحَصَّنَ بِهَا، وَجَعَلَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي الْحُصُونِ يَمْتَنِعُونَ بِهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى جَلَالِ الدِّينِ يَقُولُ: إِنَّنِي أَنَا الْعَبْدُ وَالْمَمْلُوكُ، وَلَمَّا سَمِعْتُ بِمَسِيرِكَ إِلَى هَذِهِ الْبِلَادِ، أَخْلَيْتُهَا لَكَ لِأَنَّهَا بِلَادُكَ، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تُبْقِي عَلَيَّ، لَحَضَرْتُ بَابَكَ، وَلَكِنِّي أَخَافُ هَذَا جَمِيعَهُ، وَالرَّسُولُ يَحْلِفُ (لَهُ) أَنَّ جَلَالَ الدِّينِ بِتِفْلِيسَ، وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى قَوْلِهِ، فَعَادَ الرَّسُولُ، فَعَلِمَ جَلَالُ الدِّينِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَخْذُ مَا بِيَدِهِ مِنَ الْحُصُونِ ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ [أَنْ] يَحْصُرَهَا مُدَّةً طَوِيلَةً، فَوَقَفَ بِالْقُرْبِ مِنْ أَصْفَهَانَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْخِلَعَ، وَأَقَرَّهُ عَلَى وِلَايَتِهِ. فَبَيْنَمَا الرُّسُلُ تَتَرَدَّدُ إِذْ وَصَلَ رَسُولٌ مِنْ وَزِيرِ جَلَالِ الدِّينِ إِلَيْهِ مِنْ تِفْلِيسَ، يُعَرِّفُهُ أَنَّ عَسْكَرَ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ الَّذِي بِخِلَاطَ قَدْ هَزَمُوا بَعْضَ عَسْكَرِهِ وَأَوْقَعُوا بِهِمْ، وَيَحُثُّهُ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى تِفْلِيسَ، فَعَادَ إِلَيْهَا مُسْرِعًا. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَسْكَرِ الْأَشْرَفِ وَعَسْكَرِ جَلَالِ الدِّينِ. لَمَّا سَارَ جَلَالُ الدِّينِ إِلَى كِرْمَانَ، تَرَكَ بِمَدِينَةِ تِفْلِيسَ عَسْكَرًا مَعَ وَزِيرِهِ شَرَفِ الْمُلْكِ، فَقُلْتُ عَلَيْهِمُ الْمِيرَةُ، فَسَارُوا إِلَى أَعْمَالِ أَرْزَنَ الرُّومِ، فَوَصَلُوا إِلَيْهَا وَنَهَبُوهَا، وَسَبُوا النِّسَاءَ، وَأَخَذُوا مِنَ الْغَنَائِمِ شَيْئًا كَثِيرًا لَا يُحْصَى، وَعَادُوا فَكَانَ طَرِيقُهُمْ عَلَى أَطْرَافِ وِلَايَةِ خِلَاطَ، فَسَمِعَ النَّائِبُ عَنِ الْأَشْرَفِ فِي خِلَاطَ. وَهُوَ الْحَاجِبُ حُسَامُ الدِّينِ عَلَى الْمَوْصِلِ، فَجَمَعَ الْعَسْكَرَ وَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ وَاسْتَنْقَذَ مَا مَعَهُمْ مِنَ الْغَنَائِمِ، وَغَنِمَ كَثِيرًا مِمَّا مَعَهُمْ، وَعَادَ هُوَ وَعَسَاكِرُهُ سَالِمِينَ. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ، خَافَ وَزِيرُ جَلَالِ الدِّينِ مِنْهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِهِ بِكِرْمَانَ يُعَرِّفُهُ الْحَالَ، وَيَحُثُّهُ عَلَى الْعَوْدِ إِلَيْهِ، وَيُخَوِّفُهُ عَاقِبَةَ التَّوَانِي وَالْإِهْمَالِ، فَرَجَعَ فَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، تَعَالَى.

стр. 6123

ذِكْرُ وَفَاةِ الْخَلِيفَةِ الظَّاهِرِ بِأَمْرِ اللَّهِ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَجَبٍ، تُوُفِّيَ الْإِمَامُ الظَّاهِرُ بِأَمْرِ اللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُسْتَضِيءِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَسَبُهُ عِنْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ ﵄، فَكَانَتْ خِلَافَتُهُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَكَانَ نِعْمَ الْخَلِيفَةِ، جَمَعَ الْخُشُوعَ مَعَ الْخُضُوعِ لِرَبِّهِ، وَالْعَدْلَ وَالْإِحْسَانَ إِلَى رَعِيَّتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ ذِكْرِ وِلَايَتِهِ الْخِلَافَةَ مِنْ أَفْعَالِهِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَلَمْ يَزَلْ كُلَّ يَوْمٍ يَزْدَادُ مِنَ الْخَيْرِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الرَّعِيَّةِ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، وَأَحْسَنَ مُنْقَلَبَهُ وَمَثْوَاهُ، فَلَقَدْ جَدَّدَ مِنَ الْعَدْلِ مَا كَانَ دَارِسًا، وَأَذْكَرَ مِنَ الْإِحْسَانِ مَا كَانَ مَنْسِيًّا. وَكَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ أَخْرَجَ تَوْقِيعًا إِلَى الْوَزِيرِ بِخَطِّهِ لِيَقْرَأَهُ عَلَى أَرْبَابِ الدَّوْلَةِ، وَقَالَ الرَّسُولُ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ: لَيْسَ غَرَضُنَا أَنْ يُقَالَ بَرَزَ مَرْسُومٌ، أَوْ نُفِّذَ مُنَاكَ، ثُمَّ لَا يَبِينُ لَهُ أَثَرٌ، بَلْ أَنْتُمْ إِلَى إِمَامٍ فَعَّالٍ أَحْوَجُ مِنْكُمْ إِلَى إِمَامٍ قَوَّالٍ، فَقَرَءُوهُ، فَإِذَا فِي أَوَّلِهِ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ: " اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ إِمْهَالُنَا إِهْمَالًا، وَلَا إِغْضَاؤُنَا إِغْفَالًا، وَلَكِنْ لِنَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وَقَدْ عَفَوْنَا لَكُمْ مَا سَلَفَ مِنْ إِخْرَابِ الْبِلَادِ، وَتَشْرِيدِ الرَّعَايَا، وَتَقْبِيحِ السُّمْعَةِ، وَإِظْهَارِ الْبَاطِلِ الْجَلِيِّ فِي صُورَةِ الْحَقِّ الْخَفِيِّ حِيلَةً وَمَكِيدَةً، وَتَسْمِيَةِ الِاسْتِئْصَالِ وَالِاجْتِيَاحِ اسْتِيفَاءً وَاسْتِدْرَاكًا لِأَغْرَاضٍ انْتَهَزْتُمْ فُرْصَتَهَا مُخْتَلَسَةً مِنْ بَرَاثِنِ لَيْثٍ بَاسِلٍ، وَأَنْيَابِ أَسَدٍ مَهِيبٍ، تَتَّفِقُونَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَنْتُمْ أُمَنَاؤُهُ وَثِقَاتُهُ، فَتُمِيلُونَ رَأْيَهُ إِلَى هَوَاكُمْ، وَتَمْرُجُونَ بَاطِلَكُمْ بِحَقِّهِ، فَيُطِيعُكُمْ وَأَنْتُمْ لَهُ عَاصُونَ، وَيُوَافِقُكُمْ وَأَنْتُمْ لَهُ مُخَالِفُونَ، وَالْآنَ قَدْ بَدَّلَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - بِخَوْفِكُمْ أَمْنًا، وَبِفَقْرِكُمْ غِنًى، وَبِبَاطِلِكُمْ حَقًّا، وَرَزَقَكُمْ سُلْطَانًا يُقِيلُ الْعَثْرَةَ وَيَقْبَلُ الْمَعْذِرَةَ، وَلَا يُؤَاخِذُ إِلَّا مَنْ أَصَرَّ، وَلَا يَنْتَقِمُ إِلَّا مِمَّنِ اسْتَمَرَّ، يَأْمُرُكُمْ بِالْعَدْلِ وَهُوَ يُرِيدُهُ مِنْكُمْ، وَيَنْهَاكُمْ عَنِ الْجَوْرِ وَهُوَ يَكْرَهُهُ لَكُمْ، يَخَافُ اللَّهَ - تَعَالَى، فَيُخَوِّفُكُمْ مَكْرَهُ، وَيَرْجُو اللَّهَ

стр. 6124

تَعَالَى، وَيُرَغِّبُكُمْ فِي طَاعَتِهِ، فَإِنْ سَلَكْتُمْ مَسَالِكَ خُلَفَاءِ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَأُمَنَائِهِ عَلَى خَلْقِهِ وَإِلَّا هَلَكْتُمْ، وَالسَّلَامُ ". وَلَمَّا تُوُفِّيَ وَجَدُوا فِي بَيْتٍ، فِي دَارِهِ أُلُوفَ رِقَاعٍ كُلُّهَا مَخْتُومَةٌ لَمْ يَفْتَحْهَا، فَقِيلَ لَهُ لِيَفْتَحَهَا، فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا، كُلُّهَا سِعَايَاتٌ. وَلَمْ أَزَلْ - عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ - مُذْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ، أَخَافُ عَلَيْهِ قِصَرَ الْمُدَّةِ لِخُبْثِ الزَّمَانِ وَفَسَادِ أَهْلِهِ، وَأَقُولُ لِكَثِيرٍ مِنْ أَصْدِقَائِنَا: وَمَا أَخْوَفَنِي أَنْ تَقْصُرَ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ ; لِأَنَّ زَمَانَنَا وَأَهْلَهُ لَا يَسْتَحِقُّونَ خِلَافَتَهُ، فَكَانَ كَذَلِكَ. ذِكْرُ خِلَافَةِ ابْنِهِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ. لَمَّا تُوُفِّيَ الظَّاهِرُ بِأَمْرِ اللَّهِ، بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ ابْنُهُ الْأَكْبَرُ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ، وَلُقِّبَ الْمُسْتَنْصِرَ بِاللَّهِ، وَسَلَكَ فِي الْخَيْرِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ سِيرَةَ أَبِيهِ، ﵁. وَأَمَرَ فَنُودِيَ بِبَغْدَادَ بِإِفَاضَةِ الْعَدْلِ، وَإِنَّ مَنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ، أَوْ مَظْلَمَةٌ يُطَالِعُ بِهَا، تُقْضَى حَاجَتُهُ، وَتُكْشَفُ مَظْلَمَتُهُ. فَلَمَّا كَانَ أَوَّلُ جُمُعَةٍ أَتَتْ عَلَى خِلَافَتِهِ، أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَةِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي فِيهَا الْخُلَفَاءُ، فَقِيلَ لَهُ إِنَّ الْمُطْبَقَ الَّذِي يَسْلُكُ فِيهِ إِلَيْهَا خَرَابٌ لَا يُمْكِنُ سُلُوكُهُ، فَرَكِبَ فَرَسًا وَسَارَ إِلَى الْجَامِعِ جَامِعِ الْقَصْرِ، ظَاهِرًا يَرَاهُ النَّاسُ بِقَمِيصٍ أَبْيَضَ وَعِمَامَةٍ بَيْضَاءَ، بِسَكَاكِينَ حَرِيرٍ، وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدًا يَمْشِي مَعَهُ بَلْ أَمَرَ كُلَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالصَّلَاةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ، وَسَارَ هُوَ وَمَعَهُ خَادِمَانِ وَرِكَابْدَارُ لَا غَيْرَ، وَكَذَلِكَ الْجُمُعَةُ الثَّانِيَةُ حَتَّى أُصْلِحَ لَهُ الْمُطْبَقُ. وَكَانَ السِّعْرُ قَدْ تَحَرَّكَ بَعْدَ وَفَاةِ الظَّاهِرِ بِأَمْرِ اللَّهِ ﵁ فَبَلَغَتِ الْكَارَةُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا، فَأَمَرَ أَنْ تُبَاعَ الْغَلَّاتُ الَّتِي لَهُ كُلُّ كَارَةٍ بِثَلَاثَ عَشَرَ قِيرَاطًا، فَرَخُصَتِ الْأَسْعَارُ وَاسْتَقَامَتِ الْأُمُورُ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ كَيْقُبَاذَ وَصَاحِبِ آمِدَ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ، سَارَ عَلَاءُ الدِّينِ كَيْقُبَاذُ بْنُ كَيْخَسْرُو [بْنِ] قَلِجْ

стр. 6125

أَرْسِلَانَ، مَلِكُ بِلَادِ الرُّومِ، إِلَى بِلَادِ الْمَلِكِ الْمَسْعُودِ صَاحِبِ آمِدَ، وَمَلَكَ عِدَّةً مِنْ حُصُونِهِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنِ اتِّفَاقِ صَاحِبِ آمِدَ مَعَ جَلَالِ الدِّينِ بْنِ خُوَارَزْمَ شَاهْ، وَالْمَلِكِ الْمُعَظَّمِ صَاحِبِ دِمَشْقَ، وَغَيْرِهِمَا عَلَى خِلَافِ الْأَشْرَفِ، فَلَمَّا رَأَى الْأَشْرَفُ ذَلِكَ، أَرْسَلَ إِلَى كَيْقُبَاذَ مِلْكِ الرُّومِ، وَكَانَا مُتَّفِقَيْنِ، يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَقْصِدَ بَلَدَ صَاحِبِ آمِدَ وَيُحَارِبَهُ، وَكَانَ الْأَشْرَفُ حِينَئِذٍ عَلَى مَارِدِينَ، فَسَارَ مِلْكُ الرُّومِ إِلَى مَلَطْيَةَ، وَهِيَ لَهُ، فَنَزَلَ عِنْدَهَا، وَسَيَّرَ الْعَسَاكِرَ إِلَى وِلَايَةِ صَاحِبِ آمِدَ، [فَفَتَحُوا حِصْنَ مَنْصُورٍ وَحِصْنَ سمكَارَادَ وَغَيْرَهُمَا، فَلَمَّا رَأَى صَاحِبُ آمِدَ] ذَلِكَ، رَاسَلَ الْأَشْرَفَ، وَعَادَ إِلَى مُوَافَقَتِهِ، فَأَرْسَلَ الْأَشْرَفُ إِلَى كَيْقُبَاذَ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، وَيَقُولُ لَهُ لِيُعِيدَ إِلَى صَاحِبِ آمِدَ مَا أَخَذَ مِنْهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَالَ: لَمْ أَكُنْ نَائِبًا لِلْأَشْرَفِ يَأْمُرُنِي وَيَنْهَانِي. فَاتَّفَقَ أَنَّ الْأَشْرَفَ سَارَ إِلَى دِمَشْقَ لِيُصْلِحَ أَخَاهُ الْمَلِكَ الْمُعَظَّمَ، وَأَمَرَ الْعَسَاكِرَ الَّتِي لَهُ بِدِيَارِ الْجَزِيرَةِ بِمُسَاعَدَةِ صَاحِبِ آمِدَ، إِنْ أَصَرَّ مَلِكُ الرُّومِ عَلَى قَصْدِهِ، فَسَارَتْ عَسَاكِرُ الْأَشْرَفِ إِلَى صَاحِبِ آمِدَ وَقَدْ جَمَعَ عَسْكَرَهُ وَمَنْ بِبِلَادِهِ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْحَرْبِ، وَسَارَ إِلَى عَسْكَرِ مَلِكِ الرُّومِ وَهُمْ يُحَاصِرُونَ قَلْعَةَ الْكختَا بَعْدَ الْهَزِيمَةِ، وَهِيَ مِنْ أَمْنَعِ الْحُصُونِ وَالْمَعَاقِلِ، فَلَمَّا مَلَكُوهَا عَادُوا إِلَى صَاحِبِهِمْ. ذِكْرُ حَصْرِ جَلَالِ الدِّينِ مَدِينَتَيِ آنِي وَقرسَ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَمَضَانَ، عَادَ جَلَالُ الدِّينِ مِنْ كِرْمَانَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ إِلَى تِفْلِيسَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى مَدِينَةِ آنِي، وَهِيَ لِلْكُرْجِ، وَبِهَا إِيوَانِي مُقَدَّمُ عَسَاكِرِ الْكُرْجِ فِيمَنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنْ أَعْيَانِ الْكُرْجِ، [فَحَصَرَهُ وَسَيَّرَ طَائِفَةً مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى مَدِينَةِ قرسَ، وَهِيَ لِلْكُرْجِ] أَيْضًا، وَكِلَاهُمَا مِنْ أَحْصَنِ الْبِلَادِ وَأَمْنَعِهَا، فَنَازَلَهُمَا وَحَصَرَهُمَا، وَقَاتَلَ مَنْ بِهِمَا، وَنَصَبَ عَلَيْهِمَا الْمَجَانِيقَ، وَجَدَّ فِي الْقِتَالِ عَلَيْهِمَا، وَحَفِظَهُمَا الْكُرْجُ، وَبَالَغُوا فِي الْحِفْظِ وَالِاحْتِيَاطِ لِخَوْفِهِمْ مِنْهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِمْ مَا فَعَلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ بِمَدِينَةِ تِفْلِيسَ، وَأَقَامَ عَلَيْهِمَا إِلَى أَنْ مَضَى بَعْضُ شَوَّالٍ، ثُمَّ تَرَكَ الْعَسْكَرَ عَلَيْهِمَا يَحْصُرُونَهُمَا وَعَادَ إِلَى تِفْلِيسَ. وَسَارَ مِنْ تِفْلِيسَ مُجِدًّا إِلَى بِلَادٍ أَبْخَازَ وَبَقَايَا الْكُرْجِ، فَأَوْقَعَ بِمَنْ فِيهَا، فَنَهَبَ

стр. 6126

وَقَتَلَ وَسَبَى، وَخَرَّبَ الْبِلَادَ وَأَحْرَقَهَا، وَغَنِمَ عَسَاكِرُهُ مَا فِيهَا، وَعَادَ مِنْهَا إِلَى تِفْلِيسَ. ذِكْرُ حَصْرِ جَلَالِ الدِّينِ خِلَاطَ. قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ جَلَالَ الدِّينِ عَادَ مِنْ مَدِينَةِ آنِي إِلَى تِفْلِيسَ وَدَخَلَ بِلَادَ أَبْخَازَ، وَكَانَ رَحِيلُهُ مَكِيدَةً ; لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّائِبَ عَنِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ، وَهُوَ الْحَاجِبُ حُسَامُ الدِّينِ عَلِيٌّ بِمَدِينَةِ خِلَاطَ قَدِ احْتَاطَ، وَاهْتَمَّ بِالْأَمْرِ وَحَفِظَ الْبَلَدَ لِقُرْبِهِ مِنْهُ، فَعَادَ إِلَى تِفْلِيسَ لِيَطْمَئِنَّ أَهْلُ خِلَاطَ وَيَتْرُكُوا الِاحْتِيَاطَ وَالِاسْتِظْهَارَ ثُمَّ يَقْصِدُهُمْ بَغْتَةً، فَكَانَتْ غَيْبَتُهُ بِبِلَادِ أَبْخَازَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، وَعَادَ وَسَارَ مُجِدًّا يَطْوِي الْمَرَاحِلَ عَلَى عَادَتِهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَنْ يُرَاسِلُ نُوَّابَ الْأَشْرَفِ بِالْأَخْبَارِ لَفَجَأَهُمْ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ عِنْدَهُ بَعْضُ ثِقَاتِهِ يُعَرِّفُهُمْ أَخْبَارَهُ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ فَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَيْهِمْ قَبْلَ وُصُولِهِ بِيَوْمَيْنِ. وَوَصَلَ جَلَالُ الدِّينِ فَنَازَلَ مَدِينَةَ ملَازكردَ يَوْمَ السَّبْتِ ثَالِثَ عَشَرَ ذِي الْقَعْدَةِ، ثُمَّ رَحَلَ عَنْهَا، فَنَازَلَ مَدِينَةَ خِلَاطَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ خَامِسَ عَشَرَ ذِي الْقَعْدَةِ، فَلَمْ يَنْزِلْ حَتَّى زَحَفَ إِلَيْهَا، وَقَاتَلَ أَهْلَهَا قِتَالًا شَدِيدًا، فَوَصَلَ عَسْكَرُهُ سُورَ الْبَلَدِ، وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى كَثِيرَةٌ، ثُمَّ زَحَفَ إِلَيْهَا مَرَّةً ثَانِيَةً، وَقَاتَلَ أَهْلُ الْبَلَدِ قِتَالًا عَظِيمًا، فَعَظُمَتْ نِكَايَةُ الْعَسْكَرِ فِي أَهْلِ خِلَاطَ، وَوَصَلُوا إِلَى سُورِ الْبَلَدِ، وَدَخَلُوا الرَّبَضَ الَّذِي لَهُ، وَمَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي النَّهْبِ وَسَبْيِ الْحَرِيمِ. فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ خِلَاطَ ذَلِكَ تَذَامَرُوا، وَحَرَّضَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَعَادُوا إِلَى الْعَسْكَرِ فَقَاتَلُوهُمْ فَأَخْرَجُوهُمْ مِنَ الْبَلَدِ، وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأَسَرَ الْعَسْكَرُ الْخُوَارَزْمِيُّ مِنْ أُمَرَاءِ خِلَاطَ جَمَاعَةً، وَقُتِلَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، وَتَرَجَّلَ الْحَاجِبُ عَلَيٌّ، وَوَقَفَ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، وَأَبْلَى بَلَاءً عَظِيمًا. ثُمَّ إِنَّ جَلَالَ الدِّينِ اسْتَرَاحَ عِدَّةَ أَيَّامٍ، وَعَاوَدَ الزَّحْفَ مِثْلَ أَوَّلِ يَوْمٍ، فَقَاتَلُوهُ حَتَّى أَبْعَدُوا عَسْكَرَهُ عَنِ الْبَلَدِ. وَكَانَ أَهْلُ خِلَاطَ مُجِدِّينَ فِي الْقِتَالِ، حَرِيصِينَ عَلَى الْمَنْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ لِمَا رَأَوْا مِنْ سُوءِ سِيرَةِ الْخُوَارَزْمِيِّينَ وَنَهْبِهِمُ الْبِلَادَ، وَمَا فِيهِمْ مِنَ الْفَسَادِ، فَهُمْ يُقَاتِلُونَ قِتَالَ مَنْ يَمْنَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَحَرِيمِهِ وَمَالِهِ، ثُمَّ أَقَامَ عَلَيْهَا إِلَى أَنِ اشْتَدَّ الْبَرْدُ

стр. 6127

وَنَزَلَ شَيْءٌ مِنَ الثَّلْجِ، فَرَحَلَ عَنْهَا يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ، وَكَانَ سَبَبُ رَحِيلِهِ مَعَ خَوْفِ الثَّلْجِ مَا بَلَغَهُ عَنِ التُّرْكُمَانِ الْإِيوَانِيَّةِ مِنَ الْفَسَادِ بِبِلَادِهِ. ذِكْرُ إِيقَاعِ جَلَالِ الدِّينِ بِالتُّرْكُمَانِ الْإِيوَانِيَّةِ. كَانَ التُّرْكُمَانُ الْإِيوَانِيَّةُ قَدْ تَغَلَّبُوا عَلَى مَدِينَةِ أَسْنَةَ وَأَرْمِيَةَ، مِنْ نَوَاحِي أَذْرَبِيجَانَ، وَأَخَذُوا الْخَرَاجَ مِنْ أَهْلِ خُوَيٍّ لِيَكُفُّوا عَنْهُمْ، وَاغْتَرُّوا بِاشْتِغَالِ جَلَالِ الدِّينِ بِالْكُرْجِ، وَبُعْدِهِمْ بِخِلَاطَ، وَازْدَادَ طَمَعُهُمْ، وَانْبَسَطُوا بِأَذْرَبِيجَانَ يَنْهَبُونَ وَيَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ، وَالْأَخْبَارُ تَأْتِي إِلَى خُوَارَزْمَ شَاهْ جَلَالِ الدِّينِ بْنِ خُوَارَزْمَ شَاهْ، وَهُوَ يَتَغَافَلُ عَنْهُمْ لِاشْتِغَالِهِ بِمَا هُوَ الْمُهِمُّ ضِدَّهُ، وَبَلَغَ مِنْ طَمَعِهِمْ أَنَّهُمْ قَطَعُوا الطَّرِيقَ بِالْقُرْبِ مِنْ تِبْرِيزَ، وَأَخَذُوا مِنْ تُجَّارِ أَهْلِهَا شَيْئًا كَثِيرًا، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنَّهُمُ اشْتَرَوْا غَنَمًا مِنْ أَرْزَنَ الرُّومِ وَقَصَدُوا بِهَا تِبْرِيزَ، فَلَقِيَهُمُ الْإِيوَانِيَّةُ قَبْلَ وُصُولِهِمْ إِلَى تِبْرِيزَ، فَأَخَذُوا جَمِيعَ مَا مَعَهُمْ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ عِشْرُونَ أَلْفَ رَأْسِ غَنَمٍ. فَلَمَّا اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ وَعَظُمَ الشَّرُّ، أَرْسَلَتْ زَوْجَةُ جَلَالِ الدِّينِ ابْنَةَ السُّلْطَانِ طُغْرُلَ وَنُوَّابَهُ فِي الْبِلَادِ إِلَيْهِ يَسْتَغِيثُونَ، وَيُعَرِّفُونَهُ أَنَّ الْبِلَادَ قَدْ خَرَّبَهَا الْإِيوَانِيَّةُ، وَلَئِنْ لَمْ يَلْحَقْهَا، وَإِلَّا هَلَكَتْ بِالْمَرَّةِ. فَاتَّفَقَ هَذَا إِلَى خَوْفِ الثَّلْجِ، فَرَحَلَ عَنْ خِلَاطَ، وَجَدَّ السَّيْرَ إِلَى الْإِيوَانِيَّةِ، وَهُمْ آمِنُونَ مُطْمَئِنُّونَ، لِعِلْمِهِمْ أَنَّ خُوَارَزْمَ شَاهْ عَلَى خِلَاطَ، وَظَنُّوا أَنَّهُ لَا يُفَارِقُهَا، فَلَوْلَا هَذَا الِاعْتِقَادُ لَصَعِدُوا إِلَى جِبَالٍ لَهُمْ مَنِيعَةٍ شَاهِقَةٍ لَا يُرْتَقَى إِلَيْهَا إِلَّا بِمَشَقَّةٍ وَعَنَاءٍ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا خَافُوا، صَعِدُوا إِلَيْهَا وَامْتَنَعُوا بِهَا، فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا وَالْعَسَاكِرُ الْجَلَالِيَّةُ قَدْ أَحَاطَتْ بِهِمْ، وَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَالنَّهْبَ وَالسَّبْيَ، وَاسْتَرَقُّوا الْحَرِيمَ وَالْأَوْلَادَ، وَأَخَذُوا مِنْ عِنْدِهِمْ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ، فَرَأَوْا كَثِيرًا مِنَ الْأَمْتِعَةِ الَّتِي أَخَذُوهَا مِنَ التُّجَّارِ بِحَالِهَا فِي الشَّذَوَاتِ، هَذَا سِوَى مَا كَانُوا قَدْ حَلُّوهُ وَفَصَلُوهُ، فَلَمَّا فَرَغَ عَادَ إِلَى تِبْرِيزَ. ذِكْرُ الصُّلْحِ بَيْنَ الْمُعَظَّمِ وَالْأَشْرَفِ. نَبْتَدِئُ بِذِكْرِ سَبَبِ الِاخْتِلَافِ، فَنَقُولُ: لَمَّا تُوُفِّيَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ

стр. 6128

أَيُّوبَ، اتَّفَقَ أَوْلَادُهُ الْمُلُوكُ بَعْدَهُ اتِّفَاقًا حَسَنًا، وَهُمُ: الْمَلِكُ الْكَامِلُ مُحَمَّدٌ صَاحِبُ مِصْرَ، وَالْمَلِكُ الْمُعَظَّمُ عِيسَى صَاحِبُ دِمَشْقَ، وَالْمَلِكُ الْأَشْرَفُ مُوسَى وَهُوَ صَاحِبُ دِيَارِ الْجَزِيرَةِ وَخِلَاطَ، وَاجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهُمْ عَلَى دَفْعِ الْفِرِنْجِ عَنِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ. وَلَمَّا رَحَلَ الْكَامِلُ عَنْ دِمْيَاطَ لَمَّا كَانَ الْفِرِنْجُ يَحْصُرُونَهَا، صَادَفَهُ أَخُوهُ الْمُعَظَّمُ مِنَ الْغَدِ، وَقَوِيَتْ نَفْسُهُ، وَثَبَتَ قَدَمُهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ الْأَمْرُ عَظِيمًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ مُفَصَّلًا، ثُمَّ إِنَّهُ عَادَ مِنْ مِصْرَ وَسَارَ إِلَى أَخِيهِ الْأَشْرَفِ بِبِلَادِ الْجَزِيرَةِ مَرَّتَيْنِ يَسْتَنْجِدُهُ عَلَى الْفِرِنْجِ، وَيَحُثُّهُ عَلَى مُسَاعَدَةِ أَخِيهِمَا الْكَامِلِ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَخَذَهُ وَسَارَ إِلَى مِصْرَ، وَأَزَالُوا الْفِرِنْجَ عَنِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، فَكَانَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الْفِرِنْجِ سَبَبًا لِحِفْظِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَسُرَّ النَّاسُ أَجْمَعُونَ بِذَلِكَ. فَلَمَّا فَارَقَ الْفِرِنْجُ مِصْرَ وَعَادَ كُلٌّ مِنَ الْمُلُوكِ أَوْلَادُ الْعَادِلِ إِلَى بَلَدِهِ، بَقُوا كَذَلِكَ يَسِيرًا، ثُمَّ سَارَ الْأَشْرَفُ إِلَى أَخِيهِ الْكَامِلِ بِمِصْرَ، فَاجْتَازَ بِأَخِيهِ الْمُعَظَّمِ بِدِمَشْقَ، فَلَمْ يَسْتَصْحِبْهُ مَعَهُ، وَأَطَالَ الْمُقَامَ بِمِصْرَ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُعَظَّمَ سَاءَهُ ذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ الْمُعَظَّمَ سَارَ إِلَى مَدِينَةِ حَمَاةَ وَحَصَرَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَخَوَاهُ مِنْ مِصْرَ وَرَحَّلَاهُ عَنْهَا كَارِهًا، فَازْدَادَ نُفُورًا، وَقِيلَ: إِنَّهُ نُقِلَ إِلَيْهِ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ. ثُمَّ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ النَّاصِرَ لِدِينِ اللَّهِ ﵁ كَانَ قَدِ اسْتَوْحَشَ مِنَ الْكَامِلِ لِمَا فَعَلَهُ وَلَدُهُ صَاحِبُ الْيَمَنِ مِنَ الِاسْتِهَانَةِ بِأَمِيرِ الْحَاجِّ الْعِرَاقِيِّ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَعَنْ أَخِيهِ الْأَشْرَفِ لِاتِّفَاقِهِمَا، وَقَاطَعَهُمَا وَرَاسَلَ مُظَفَّرُ الدِّينِ كُوكُبرِي بْنُ زَيْنِ الدِّينِ عَلَيٍّ صَاحِبَ إِرْبِلَ، يُعْلِمُهُ بِانْحِرَافِهِ عَنِ الْأَشْرَفِ، وَاسْتَمَالَهُ وَاتَّفَقَا عَلَى مُرَاسَلَةِ الْمُعَظَّمِ، وَتَعْظِيمِ الْأَمْرِ عَلَيْهِ، فَمَالَ إِلَيْهِمَا، وَانْحَرَفَ عَنْ إِخْوَتِهِ. ثُمَّ اتَّفَقَ ظُهُورُ جَلَالِ الدِّينِ وَكَثْرَةُ مُلْكِهِ، فَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى الْأَشْرَفِ بِمُجَاوَرَةِ جَلَالِ الدِّينِ خُوَارَزْمَ شَاهْ وِلَايَةَ خِلَاطَ، وَلِأَنَّ الْمُعَظَّمَ بِدِمَشْقَ يَمْنَعُ عَنْهُ عَسَاكِرَ مِصْرَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ عَسَاكِرُ حَلَبَ وَغَيْرُهَا مِنَ الشَّامِ، فَرَأَى الْأَشْرَفُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى أَخِيهِ الْمُعَظَّمِ بِدِمَشْقَ، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي شَوَّالٍ وَاسْتَمَالَهُ وَأَصْلَحَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ الْكَامِلُ بِذَلِكَ، عَظُمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُمَا رَاسَلَاهُ، وَأَعْلَمَاهُ بِنُزُولِ جَلَالِ الدِّينِ عَلَى خِلَاطَ، وَعَظَّمَا الْأَمْرَ عَلَيْهِ، وَأَعْلَمَاهُ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَ تَقْضِي الِاتِّفَاقَ لِعِمَارَةِ الْبَيْتِ الْعَادِلِيِّ، وَانْقَضَتِ السَّنَةُ وَالْأَشْرَفُ بِدِمَشْقَ، وَالنَّاسُ عَلَى مَوَاضِعِهِمْ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَ الشِّتَاءِ مَا يَكُونُ مِنَ الْخُوَارَزْمِيِّينَ

стр. 6129

وَسَنَذْكُرُ مَا يَكُونُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْفِرِنْجِ وَالْأَرْمَنِ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَمَعَ الْبِرِنْسُ الْفِرِنْجِيُّ صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ جُمُوعًا كَثِيرَةً، وَقَصَدَ الْأَرْمَنَ الَّذِينَ فِي الدُّرُوبِ بِلَادِ ابْنِ لِيُونَ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ لِيُونَ الْأَرْمَنِيَّ صَاحِبَ الدُّرُوبِ، تُوُفِّيَ قَبْلُ، وَلَمْ يُخَلِّفْ وَلَدًا ذَكَرًا، إِنَّمَا خَلَّفَ بِنْتًا، فَمَلَّكَهَا الْأَرْمَنُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ عَلِمُوا أَنَّ الْمُلْكَ لَا يَقُومُ بِامْرَأَةٍ، فَزَوَّجُوهَا مِنْ وَلَدِ الْبِرِنْسِ، فَتَزَوَّجَهَا وَانْتَقَلَ إِلَى بَلَدِهِمْ، وَاسْتَقَرَّ فِي الْمُلْكِ نَحْوَ سَنَةٍ، ثُمَّ نَدِمُوا عَلَى ذَلِكَ، وَخَافُوا أَنْ يَسْتَوْلِيَ الْفِرِنْجُ عَلَى بِلَادِهِمْ، فَثَارُوا بِابْنِ الْبِرِنْسِ، فَقَبَضُوا عَلَيْهِ وَسَجَنُوهُ، فَأَرْسَلَ أَبُوهُ يَطْلُبُ أَنْ يُطْلَقَ وَيُعَادَ فِي الْمُلْكِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَأَرْسَلَ إِلَى بَابَا مَلِكِ الْفِرِنْجِ بِرُومِيَّةَ الْكُبْرَى يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَصْدِ بِلَادِهِمْ، وَمَلِكُ رُومِيَّةَ هَذَا أَمْرُهُ عِنْدَ الْفِرِنْجِ لَا يُخَالَفُ، فَمَنَعَهُ عَنْهُمْ، وَقَالَ: إِنَّهُمْ أَهْلُ مِلَّتِنَا، وَلَا يَجُوزُ قَصْدُ بِلَادِهِمْ، فَخَالَفَهُ وَأَرْسَلَ [إِلَى] عَلَاءِ الدِّينِ كَيْقُبَاذَ مَلِكِ قُونِيَّةَ وَمَلَطْيَةَ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَصَالَحَهُ، وَوَافَقَهُ عَلَى قَصْدِ بِلَادِ ابْنِ لِيُونَ، وَالِاتِّفَاقِ عَلَى قَصْدِهَا، فَاتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ، وَجَمَعَ الْبِرْنِسُ عَسَاكِرَهُ لِيَسِيرَ إِلَى بِلَادِ الْأَرْمَنِ، فَخَالَفَ عَلَيْهِ الدَّاوِيَّةَ وَالِاسْبِتَارِيَّةَ، وَهُمَا جَمْرَةُ الْفِرِنْجِ، فَقَالُوا: إِنْ مَلَكَ رُومِيَّةَ نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ أَطَاعَهُ غَيْرُهُمْ، فَدَخَلَ أَطْرَافَ بِلَادِ الْأَرْمَنِ، وَهِيَ مَضَايِقُ وَجِبَالٌ وَعِرَةٌ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ فِعْلِ مَا يُرِيدُ. وَأَمَّا كِيكَاوُسُ، فَإِنَّهُ قَصَدَ بِلَادَ الْأَرْمَنِ مِنْ جِهَتِهِ، وَهِيَ أَسْهَلُ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ، فَدَخَلَهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَنَهَبَهَا وَأَحْرَقَهَا، وَحَصَرَ عِدَّةَ حُصُونٍ، فَفَتَحَ أَرْبَعَةَ حُصُونٍ، وَأَدْرَكَهُ الشِّتَاءُ فَعَادَ عَنْهَا. فَلَمَّا سَمِعَ بَابَا مَلِكُ الْفِرِنْجِ بِرُومِيَّةَ، أَرْسَلَ إِلَى الْفِرِنْجِ بِالشَّامِ يُعْلِمُهُمْ أَنَّهُ قَدْ حَرَمَ الْبِرْنِسَ، فَكَانَ الدَّاوِيَّةُ وَالِاسْبِتَارِيَّةُ وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُرْسَانِ لَا يَحْضُرُونَ مَعَهُ، وَلَا يَسْمَعُونَ قَوْلَهُ، وَكَانَ أَهْلُ بِلَادِهِ وَهِيَ إِنْطَاكِيَةُ وَطَرَابُلُسُ، إِذَا جَاءَهُمْ عِيدٌ يَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِمْ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ عِيدِهِمْ دَخَلَ الْبَلَدَ. ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى مِلْكِ رُومِيَّةَ يَشْكُو مِنَ الْأَرْمَنِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يُطْلِقُوا وَلَدَهُ،

стр. 6130

وَيَسْتَأْذِنُهُ فِي أَنْ يَدْخُلَ بِلَادَهُمْ وَيُحَارِبَهُمْ إِنْ لَمْ يُطْلِقُوا ابْنَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْأَرْمَنِ يَأْمُرُهُمْ بِإِطْلَاقِ ابْنِهِ وَإِعَادَتِهِ إِلَى الْمُلْكِ، فَإِنْ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدَ أَذِنَ لَهُ فِي قَصْدِ بِلَادِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَتْهُمُ الرِّسَالَةُ لَمْ يُطْلِقُوا وَلَدَهُ، فَجَمَعَ الْبِرْنِسُ وَقَصَدَ بِلَادَ الْأَرْمَنِ، فَأَرْسَلَ الْأَرْمَنُ إِلَى الْأَتَابِكَ شِهَابِ الدِّينِ بِحَلَبَ يَسْتَنْجِدُونَهُ، وَيُخَوِّفُونَهُ مِنَ الْبِرْنِسِ إِنِ اسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِهِمْ ; لِأَنَّهَا تُجَاوِرُ أَعْمَالَ حَلَبَ، فَأَمَدَّهُمْ بِجُنْدٍ وَسِلَاحٍ. فَلَمَّا سَمِعَ الْبِرْنِسُ ذَلِكَ صَمَّمَ الْعَزْمَ عَلَى قَصْدِ بِلَادِهِمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَحَارَبَهُمْ، فَلَمْ يَحْصُلْ عَلَى غَرَضٍ، فَعَادَ عَنْهُمْ. حَدَّثَنِي بِهَذَا رَجُلٌ مِنْ عُقَلَاءِ النَّصَارَى مِمَّنْ دَخَلَ تِلْكَ الْبِلَادَ وَعَرَفَ حَالَهَا، وَسَأَلْتُ غَيْرَهُ، فَعَرَفَ الْبَعْضَ وَأَنْكَرَ الْبَعْضَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْخَسَفَ الْقَمَرُ مَرَّتَيْنِ: أُولَاهُمَا لَيْلَةَ رَابِعَ عَشْرَ صَفَرٍ، وَفِيهَا كَانَتْ أُعْجُوبَةٌ بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَوْصِلِ حَامَّةٌ تُعْرَفُ بِعَيْنِ الْقَيَّارَةِ، شَدِيدَةِ الْحَرَارَةِ، تُسَمِّيهَا النَّاسُ عَيْنَ مَيْمُونٍ، وَيَخْرُجُ مَعَ الْمَاءِ قَلِيلٌ مِنَ الْقَارِ. فَكَانَ النَّاسُ يَسْبَحُونَ فِيهَا دَائِمًا فِي الرَّبِيعِ وَالْخَرِيفِ; لِأَنَّهَا تَنْفَعُ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْبَارِدَةِ كَالْفَالِجِ وَغَيْرِهِ نَفْعًا عَظِيمًا، فَكَانَ مَنْ يَسْبَحُ فِيهَا يَجِدُ الْكَرْبَ الشَّدِيدَ مِنْ حَرَارَةِ الْمَاءِ، فَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَرَدَ الْمَاءُ فِيهَا، حَتَّى كَانَ السَّابِحُ فِيهَا يَجِدُ الْبَرْدَ، فَتَرَكُوهَا وَانْتَقَلُوا إِلَى غَيْرِهَا. وَفِيهَا كَثُرَتِ الذِّئَابُ وَالْخَنَازِيرُ وَالْحَيَّاتُ، فَقُتِلَ كَثِيرٌ، فَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ ذِئْبًا دَخَلَ الْمَوْصِلَ فَقُتِلَ فِيهَا، وَحَدَّثَنِي صَدِيقٌ لَنَا، لَهُ بُسْتَانٌ بِظَاهِرِ الْمَوْصِلِ، أَنَّهُ قَتَلَ فِيهِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، جَمِيعَ الصَّيْفِ حَيَّتَيْنِ، وَقَتَلَ هَذِهِ السَّنَةَ إِلَى أَوَّلِ حُزَيْرَانَ سَبْعَ حَيَّاتٍ لِكَثْرَتِهَا.
следующие страницы →