Полный текст (6 163 стр.). Показаны 6126–6163 · переход к 6131.
стр. 6126
وَقَتَلَ وَسَبَى، وَخَرَّبَ الْبِلَادَ وَأَحْرَقَهَا، وَغَنِمَ عَسَاكِرُهُ مَا فِيهَا، وَعَادَ مِنْهَا إِلَى تِفْلِيسَ.
ذِكْرُ حَصْرِ جَلَالِ الدِّينِ خِلَاطَ.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ جَلَالَ الدِّينِ عَادَ مِنْ مَدِينَةِ آنِي إِلَى تِفْلِيسَ وَدَخَلَ بِلَادَ أَبْخَازَ، وَكَانَ رَحِيلُهُ مَكِيدَةً ; لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّائِبَ عَنِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ، وَهُوَ الْحَاجِبُ حُسَامُ الدِّينِ عَلِيٌّ بِمَدِينَةِ خِلَاطَ قَدِ احْتَاطَ، وَاهْتَمَّ بِالْأَمْرِ وَحَفِظَ الْبَلَدَ لِقُرْبِهِ مِنْهُ، فَعَادَ إِلَى تِفْلِيسَ لِيَطْمَئِنَّ أَهْلُ خِلَاطَ وَيَتْرُكُوا الِاحْتِيَاطَ وَالِاسْتِظْهَارَ ثُمَّ يَقْصِدُهُمْ بَغْتَةً، فَكَانَتْ غَيْبَتُهُ بِبِلَادِ أَبْخَازَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، وَعَادَ وَسَارَ مُجِدًّا يَطْوِي الْمَرَاحِلَ عَلَى عَادَتِهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَنْ يُرَاسِلُ نُوَّابَ الْأَشْرَفِ بِالْأَخْبَارِ لَفَجَأَهُمْ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ عِنْدَهُ بَعْضُ ثِقَاتِهِ يُعَرِّفُهُمْ أَخْبَارَهُ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ فَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَيْهِمْ قَبْلَ وُصُولِهِ بِيَوْمَيْنِ.
وَوَصَلَ جَلَالُ الدِّينِ فَنَازَلَ مَدِينَةَ ملَازكردَ يَوْمَ السَّبْتِ ثَالِثَ عَشَرَ ذِي الْقَعْدَةِ، ثُمَّ رَحَلَ عَنْهَا، فَنَازَلَ مَدِينَةَ خِلَاطَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ خَامِسَ عَشَرَ ذِي الْقَعْدَةِ، فَلَمْ يَنْزِلْ حَتَّى زَحَفَ إِلَيْهَا، وَقَاتَلَ أَهْلَهَا قِتَالًا شَدِيدًا، فَوَصَلَ عَسْكَرُهُ سُورَ الْبَلَدِ، وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى كَثِيرَةٌ، ثُمَّ زَحَفَ إِلَيْهَا مَرَّةً ثَانِيَةً، وَقَاتَلَ أَهْلُ الْبَلَدِ قِتَالًا عَظِيمًا، فَعَظُمَتْ نِكَايَةُ الْعَسْكَرِ فِي أَهْلِ خِلَاطَ، وَوَصَلُوا إِلَى سُورِ الْبَلَدِ، وَدَخَلُوا الرَّبَضَ الَّذِي لَهُ، وَمَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي النَّهْبِ وَسَبْيِ الْحَرِيمِ.
فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ خِلَاطَ ذَلِكَ تَذَامَرُوا، وَحَرَّضَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَعَادُوا إِلَى الْعَسْكَرِ فَقَاتَلُوهُمْ فَأَخْرَجُوهُمْ مِنَ الْبَلَدِ، وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأَسَرَ الْعَسْكَرُ الْخُوَارَزْمِيُّ مِنْ أُمَرَاءِ خِلَاطَ جَمَاعَةً، وَقُتِلَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، وَتَرَجَّلَ الْحَاجِبُ عَلَيٌّ، وَوَقَفَ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، وَأَبْلَى بَلَاءً عَظِيمًا.
ثُمَّ إِنَّ جَلَالَ الدِّينِ اسْتَرَاحَ عِدَّةَ أَيَّامٍ، وَعَاوَدَ الزَّحْفَ مِثْلَ أَوَّلِ يَوْمٍ، فَقَاتَلُوهُ حَتَّى أَبْعَدُوا عَسْكَرَهُ عَنِ الْبَلَدِ. وَكَانَ أَهْلُ خِلَاطَ مُجِدِّينَ فِي الْقِتَالِ، حَرِيصِينَ عَلَى الْمَنْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ لِمَا رَأَوْا مِنْ سُوءِ سِيرَةِ الْخُوَارَزْمِيِّينَ وَنَهْبِهِمُ الْبِلَادَ، وَمَا فِيهِمْ مِنَ الْفَسَادِ، فَهُمْ يُقَاتِلُونَ قِتَالَ مَنْ يَمْنَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَحَرِيمِهِ وَمَالِهِ، ثُمَّ أَقَامَ عَلَيْهَا إِلَى أَنِ اشْتَدَّ الْبَرْدُ
стр. 6127
وَنَزَلَ شَيْءٌ مِنَ الثَّلْجِ، فَرَحَلَ عَنْهَا يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ، وَكَانَ سَبَبُ رَحِيلِهِ مَعَ خَوْفِ الثَّلْجِ مَا بَلَغَهُ عَنِ التُّرْكُمَانِ الْإِيوَانِيَّةِ مِنَ الْفَسَادِ بِبِلَادِهِ.
ذِكْرُ إِيقَاعِ جَلَالِ الدِّينِ بِالتُّرْكُمَانِ الْإِيوَانِيَّةِ.
كَانَ التُّرْكُمَانُ الْإِيوَانِيَّةُ قَدْ تَغَلَّبُوا عَلَى مَدِينَةِ أَسْنَةَ وَأَرْمِيَةَ، مِنْ نَوَاحِي أَذْرَبِيجَانَ، وَأَخَذُوا الْخَرَاجَ مِنْ أَهْلِ خُوَيٍّ لِيَكُفُّوا عَنْهُمْ، وَاغْتَرُّوا بِاشْتِغَالِ جَلَالِ الدِّينِ بِالْكُرْجِ، وَبُعْدِهِمْ بِخِلَاطَ، وَازْدَادَ طَمَعُهُمْ، وَانْبَسَطُوا بِأَذْرَبِيجَانَ يَنْهَبُونَ وَيَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ، وَالْأَخْبَارُ تَأْتِي إِلَى خُوَارَزْمَ شَاهْ جَلَالِ الدِّينِ بْنِ خُوَارَزْمَ شَاهْ، وَهُوَ يَتَغَافَلُ عَنْهُمْ لِاشْتِغَالِهِ بِمَا هُوَ الْمُهِمُّ ضِدَّهُ، وَبَلَغَ مِنْ طَمَعِهِمْ أَنَّهُمْ قَطَعُوا الطَّرِيقَ بِالْقُرْبِ مِنْ تِبْرِيزَ، وَأَخَذُوا مِنْ تُجَّارِ أَهْلِهَا شَيْئًا كَثِيرًا، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنَّهُمُ اشْتَرَوْا غَنَمًا مِنْ أَرْزَنَ الرُّومِ وَقَصَدُوا بِهَا تِبْرِيزَ، فَلَقِيَهُمُ الْإِيوَانِيَّةُ قَبْلَ وُصُولِهِمْ إِلَى تِبْرِيزَ، فَأَخَذُوا جَمِيعَ مَا مَعَهُمْ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ عِشْرُونَ أَلْفَ رَأْسِ غَنَمٍ.
فَلَمَّا اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ وَعَظُمَ الشَّرُّ، أَرْسَلَتْ زَوْجَةُ جَلَالِ الدِّينِ ابْنَةَ السُّلْطَانِ طُغْرُلَ وَنُوَّابَهُ فِي الْبِلَادِ إِلَيْهِ يَسْتَغِيثُونَ، وَيُعَرِّفُونَهُ أَنَّ الْبِلَادَ قَدْ خَرَّبَهَا الْإِيوَانِيَّةُ، وَلَئِنْ لَمْ يَلْحَقْهَا، وَإِلَّا هَلَكَتْ بِالْمَرَّةِ.
فَاتَّفَقَ هَذَا إِلَى خَوْفِ الثَّلْجِ، فَرَحَلَ عَنْ خِلَاطَ، وَجَدَّ السَّيْرَ إِلَى الْإِيوَانِيَّةِ، وَهُمْ آمِنُونَ مُطْمَئِنُّونَ، لِعِلْمِهِمْ أَنَّ خُوَارَزْمَ شَاهْ عَلَى خِلَاطَ، وَظَنُّوا أَنَّهُ لَا يُفَارِقُهَا، فَلَوْلَا هَذَا الِاعْتِقَادُ لَصَعِدُوا إِلَى جِبَالٍ لَهُمْ مَنِيعَةٍ شَاهِقَةٍ لَا يُرْتَقَى إِلَيْهَا إِلَّا بِمَشَقَّةٍ وَعَنَاءٍ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا خَافُوا، صَعِدُوا إِلَيْهَا وَامْتَنَعُوا بِهَا، فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا وَالْعَسَاكِرُ الْجَلَالِيَّةُ قَدْ أَحَاطَتْ بِهِمْ، وَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَالنَّهْبَ وَالسَّبْيَ، وَاسْتَرَقُّوا الْحَرِيمَ وَالْأَوْلَادَ، وَأَخَذُوا مِنْ عِنْدِهِمْ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ، فَرَأَوْا كَثِيرًا مِنَ الْأَمْتِعَةِ الَّتِي أَخَذُوهَا مِنَ التُّجَّارِ بِحَالِهَا فِي الشَّذَوَاتِ، هَذَا سِوَى مَا كَانُوا قَدْ حَلُّوهُ وَفَصَلُوهُ، فَلَمَّا فَرَغَ عَادَ إِلَى تِبْرِيزَ.
ذِكْرُ الصُّلْحِ بَيْنَ الْمُعَظَّمِ وَالْأَشْرَفِ.
نَبْتَدِئُ بِذِكْرِ سَبَبِ الِاخْتِلَافِ، فَنَقُولُ: لَمَّا تُوُفِّيَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ
стр. 6128
أَيُّوبَ، اتَّفَقَ أَوْلَادُهُ الْمُلُوكُ بَعْدَهُ اتِّفَاقًا حَسَنًا، وَهُمُ: الْمَلِكُ الْكَامِلُ مُحَمَّدٌ صَاحِبُ مِصْرَ، وَالْمَلِكُ الْمُعَظَّمُ عِيسَى صَاحِبُ دِمَشْقَ، وَالْمَلِكُ الْأَشْرَفُ مُوسَى وَهُوَ صَاحِبُ دِيَارِ الْجَزِيرَةِ وَخِلَاطَ، وَاجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهُمْ عَلَى دَفْعِ الْفِرِنْجِ عَنِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ.
وَلَمَّا رَحَلَ الْكَامِلُ عَنْ دِمْيَاطَ لَمَّا كَانَ الْفِرِنْجُ يَحْصُرُونَهَا، صَادَفَهُ أَخُوهُ الْمُعَظَّمُ مِنَ الْغَدِ، وَقَوِيَتْ نَفْسُهُ، وَثَبَتَ قَدَمُهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ الْأَمْرُ عَظِيمًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ مُفَصَّلًا، ثُمَّ إِنَّهُ عَادَ مِنْ مِصْرَ وَسَارَ إِلَى أَخِيهِ الْأَشْرَفِ بِبِلَادِ الْجَزِيرَةِ مَرَّتَيْنِ يَسْتَنْجِدُهُ عَلَى الْفِرِنْجِ، وَيَحُثُّهُ عَلَى مُسَاعَدَةِ أَخِيهِمَا الْكَامِلِ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَخَذَهُ وَسَارَ إِلَى مِصْرَ، وَأَزَالُوا الْفِرِنْجَ عَنِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، فَكَانَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الْفِرِنْجِ سَبَبًا لِحِفْظِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَسُرَّ النَّاسُ أَجْمَعُونَ بِذَلِكَ.
فَلَمَّا فَارَقَ الْفِرِنْجُ مِصْرَ وَعَادَ كُلٌّ مِنَ الْمُلُوكِ أَوْلَادُ الْعَادِلِ إِلَى بَلَدِهِ، بَقُوا كَذَلِكَ يَسِيرًا، ثُمَّ سَارَ الْأَشْرَفُ إِلَى أَخِيهِ الْكَامِلِ بِمِصْرَ، فَاجْتَازَ بِأَخِيهِ الْمُعَظَّمِ بِدِمَشْقَ، فَلَمْ يَسْتَصْحِبْهُ مَعَهُ، وَأَطَالَ الْمُقَامَ بِمِصْرَ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُعَظَّمَ سَاءَهُ ذَلِكَ.
ثُمَّ إِنَّ الْمُعَظَّمَ سَارَ إِلَى مَدِينَةِ حَمَاةَ وَحَصَرَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَخَوَاهُ مِنْ مِصْرَ وَرَحَّلَاهُ عَنْهَا كَارِهًا، فَازْدَادَ نُفُورًا، وَقِيلَ: إِنَّهُ نُقِلَ إِلَيْهِ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ.
ثُمَّ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ النَّاصِرَ لِدِينِ اللَّهِ ﵁ كَانَ قَدِ اسْتَوْحَشَ مِنَ الْكَامِلِ لِمَا فَعَلَهُ وَلَدُهُ صَاحِبُ الْيَمَنِ مِنَ الِاسْتِهَانَةِ بِأَمِيرِ الْحَاجِّ الْعِرَاقِيِّ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَعَنْ أَخِيهِ الْأَشْرَفِ لِاتِّفَاقِهِمَا، وَقَاطَعَهُمَا وَرَاسَلَ مُظَفَّرُ الدِّينِ كُوكُبرِي بْنُ زَيْنِ الدِّينِ عَلَيٍّ صَاحِبَ إِرْبِلَ، يُعْلِمُهُ بِانْحِرَافِهِ عَنِ الْأَشْرَفِ، وَاسْتَمَالَهُ وَاتَّفَقَا عَلَى مُرَاسَلَةِ الْمُعَظَّمِ، وَتَعْظِيمِ الْأَمْرِ عَلَيْهِ، فَمَالَ إِلَيْهِمَا، وَانْحَرَفَ عَنْ إِخْوَتِهِ.
ثُمَّ اتَّفَقَ ظُهُورُ جَلَالِ الدِّينِ وَكَثْرَةُ مُلْكِهِ، فَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى الْأَشْرَفِ بِمُجَاوَرَةِ جَلَالِ الدِّينِ خُوَارَزْمَ شَاهْ وِلَايَةَ خِلَاطَ، وَلِأَنَّ الْمُعَظَّمَ بِدِمَشْقَ يَمْنَعُ عَنْهُ عَسَاكِرَ مِصْرَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ عَسَاكِرُ حَلَبَ وَغَيْرُهَا مِنَ الشَّامِ، فَرَأَى الْأَشْرَفُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى أَخِيهِ الْمُعَظَّمِ بِدِمَشْقَ، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي شَوَّالٍ وَاسْتَمَالَهُ وَأَصْلَحَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ الْكَامِلُ بِذَلِكَ، عَظُمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُمَا رَاسَلَاهُ، وَأَعْلَمَاهُ بِنُزُولِ جَلَالِ الدِّينِ عَلَى خِلَاطَ، وَعَظَّمَا الْأَمْرَ عَلَيْهِ، وَأَعْلَمَاهُ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَ تَقْضِي الِاتِّفَاقَ لِعِمَارَةِ الْبَيْتِ الْعَادِلِيِّ، وَانْقَضَتِ السَّنَةُ وَالْأَشْرَفُ بِدِمَشْقَ، وَالنَّاسُ عَلَى مَوَاضِعِهِمْ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَ الشِّتَاءِ مَا يَكُونُ مِنَ الْخُوَارَزْمِيِّينَ
стр. 6129
وَسَنَذْكُرُ مَا يَكُونُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْفِرِنْجِ وَالْأَرْمَنِ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَمَعَ الْبِرِنْسُ الْفِرِنْجِيُّ صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ جُمُوعًا كَثِيرَةً، وَقَصَدَ الْأَرْمَنَ الَّذِينَ فِي الدُّرُوبِ بِلَادِ ابْنِ لِيُونَ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ لِيُونَ الْأَرْمَنِيَّ صَاحِبَ الدُّرُوبِ، تُوُفِّيَ قَبْلُ، وَلَمْ يُخَلِّفْ وَلَدًا ذَكَرًا، إِنَّمَا خَلَّفَ بِنْتًا، فَمَلَّكَهَا الْأَرْمَنُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ عَلِمُوا أَنَّ الْمُلْكَ لَا يَقُومُ بِامْرَأَةٍ، فَزَوَّجُوهَا مِنْ وَلَدِ الْبِرِنْسِ، فَتَزَوَّجَهَا وَانْتَقَلَ إِلَى بَلَدِهِمْ، وَاسْتَقَرَّ فِي الْمُلْكِ نَحْوَ سَنَةٍ، ثُمَّ نَدِمُوا عَلَى ذَلِكَ، وَخَافُوا أَنْ يَسْتَوْلِيَ الْفِرِنْجُ عَلَى بِلَادِهِمْ، فَثَارُوا بِابْنِ الْبِرِنْسِ، فَقَبَضُوا عَلَيْهِ وَسَجَنُوهُ، فَأَرْسَلَ أَبُوهُ يَطْلُبُ أَنْ يُطْلَقَ وَيُعَادَ فِي الْمُلْكِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَأَرْسَلَ إِلَى بَابَا مَلِكِ الْفِرِنْجِ بِرُومِيَّةَ الْكُبْرَى يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَصْدِ بِلَادِهِمْ، وَمَلِكُ رُومِيَّةَ هَذَا أَمْرُهُ عِنْدَ الْفِرِنْجِ لَا يُخَالَفُ، فَمَنَعَهُ عَنْهُمْ، وَقَالَ: إِنَّهُمْ أَهْلُ مِلَّتِنَا، وَلَا يَجُوزُ قَصْدُ بِلَادِهِمْ، فَخَالَفَهُ وَأَرْسَلَ [إِلَى] عَلَاءِ الدِّينِ كَيْقُبَاذَ مَلِكِ قُونِيَّةَ وَمَلَطْيَةَ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَصَالَحَهُ، وَوَافَقَهُ عَلَى قَصْدِ بِلَادِ ابْنِ لِيُونَ، وَالِاتِّفَاقِ عَلَى قَصْدِهَا، فَاتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ، وَجَمَعَ الْبِرْنِسُ عَسَاكِرَهُ لِيَسِيرَ إِلَى بِلَادِ الْأَرْمَنِ، فَخَالَفَ عَلَيْهِ الدَّاوِيَّةَ وَالِاسْبِتَارِيَّةَ، وَهُمَا جَمْرَةُ الْفِرِنْجِ، فَقَالُوا: إِنْ مَلَكَ رُومِيَّةَ نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ أَطَاعَهُ غَيْرُهُمْ، فَدَخَلَ أَطْرَافَ بِلَادِ الْأَرْمَنِ، وَهِيَ مَضَايِقُ وَجِبَالٌ وَعِرَةٌ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ فِعْلِ مَا يُرِيدُ.
وَأَمَّا كِيكَاوُسُ، فَإِنَّهُ قَصَدَ بِلَادَ الْأَرْمَنِ مِنْ جِهَتِهِ، وَهِيَ أَسْهَلُ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ، فَدَخَلَهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَنَهَبَهَا وَأَحْرَقَهَا، وَحَصَرَ عِدَّةَ حُصُونٍ، فَفَتَحَ أَرْبَعَةَ حُصُونٍ، وَأَدْرَكَهُ الشِّتَاءُ فَعَادَ عَنْهَا.
فَلَمَّا سَمِعَ بَابَا مَلِكُ الْفِرِنْجِ بِرُومِيَّةَ، أَرْسَلَ إِلَى الْفِرِنْجِ بِالشَّامِ يُعْلِمُهُمْ أَنَّهُ قَدْ حَرَمَ الْبِرْنِسَ، فَكَانَ الدَّاوِيَّةُ وَالِاسْبِتَارِيَّةُ وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُرْسَانِ لَا يَحْضُرُونَ مَعَهُ، وَلَا يَسْمَعُونَ قَوْلَهُ، وَكَانَ أَهْلُ بِلَادِهِ وَهِيَ إِنْطَاكِيَةُ وَطَرَابُلُسُ، إِذَا جَاءَهُمْ عِيدٌ يَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِمْ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ عِيدِهِمْ دَخَلَ الْبَلَدَ.
ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى مِلْكِ رُومِيَّةَ يَشْكُو مِنَ الْأَرْمَنِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يُطْلِقُوا وَلَدَهُ،
стр. 6130
وَيَسْتَأْذِنُهُ فِي أَنْ يَدْخُلَ بِلَادَهُمْ وَيُحَارِبَهُمْ إِنْ لَمْ يُطْلِقُوا ابْنَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْأَرْمَنِ يَأْمُرُهُمْ بِإِطْلَاقِ ابْنِهِ وَإِعَادَتِهِ إِلَى الْمُلْكِ، فَإِنْ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدَ أَذِنَ لَهُ فِي قَصْدِ بِلَادِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَتْهُمُ الرِّسَالَةُ لَمْ يُطْلِقُوا وَلَدَهُ، فَجَمَعَ الْبِرْنِسُ وَقَصَدَ بِلَادَ الْأَرْمَنِ، فَأَرْسَلَ الْأَرْمَنُ إِلَى الْأَتَابِكَ شِهَابِ الدِّينِ بِحَلَبَ يَسْتَنْجِدُونَهُ، وَيُخَوِّفُونَهُ مِنَ الْبِرْنِسِ إِنِ اسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِهِمْ ; لِأَنَّهَا تُجَاوِرُ أَعْمَالَ حَلَبَ، فَأَمَدَّهُمْ بِجُنْدٍ وَسِلَاحٍ.
فَلَمَّا سَمِعَ الْبِرْنِسُ ذَلِكَ صَمَّمَ الْعَزْمَ عَلَى قَصْدِ بِلَادِهِمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَحَارَبَهُمْ، فَلَمْ يَحْصُلْ عَلَى غَرَضٍ، فَعَادَ عَنْهُمْ.
حَدَّثَنِي بِهَذَا رَجُلٌ مِنْ عُقَلَاءِ النَّصَارَى مِمَّنْ دَخَلَ تِلْكَ الْبِلَادَ وَعَرَفَ حَالَهَا، وَسَأَلْتُ غَيْرَهُ، فَعَرَفَ الْبَعْضَ وَأَنْكَرَ الْبَعْضَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْخَسَفَ الْقَمَرُ مَرَّتَيْنِ: أُولَاهُمَا لَيْلَةَ رَابِعَ عَشْرَ صَفَرٍ، وَفِيهَا كَانَتْ أُعْجُوبَةٌ بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَوْصِلِ حَامَّةٌ تُعْرَفُ بِعَيْنِ الْقَيَّارَةِ، شَدِيدَةِ الْحَرَارَةِ، تُسَمِّيهَا النَّاسُ عَيْنَ مَيْمُونٍ، وَيَخْرُجُ مَعَ الْمَاءِ قَلِيلٌ مِنَ الْقَارِ. فَكَانَ النَّاسُ يَسْبَحُونَ فِيهَا دَائِمًا فِي الرَّبِيعِ وَالْخَرِيفِ; لِأَنَّهَا تَنْفَعُ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْبَارِدَةِ كَالْفَالِجِ وَغَيْرِهِ نَفْعًا عَظِيمًا، فَكَانَ مَنْ يَسْبَحُ فِيهَا يَجِدُ الْكَرْبَ الشَّدِيدَ مِنْ حَرَارَةِ الْمَاءِ، فَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَرَدَ الْمَاءُ فِيهَا، حَتَّى كَانَ السَّابِحُ فِيهَا يَجِدُ الْبَرْدَ، فَتَرَكُوهَا وَانْتَقَلُوا إِلَى غَيْرِهَا.
وَفِيهَا كَثُرَتِ الذِّئَابُ وَالْخَنَازِيرُ وَالْحَيَّاتُ، فَقُتِلَ كَثِيرٌ، فَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ ذِئْبًا دَخَلَ الْمَوْصِلَ فَقُتِلَ فِيهَا، وَحَدَّثَنِي صَدِيقٌ لَنَا، لَهُ بُسْتَانٌ بِظَاهِرِ الْمَوْصِلِ، أَنَّهُ قَتَلَ فِيهِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، جَمِيعَ الصَّيْفِ حَيَّتَيْنِ، وَقَتَلَ هَذِهِ السَّنَةَ إِلَى أَوَّلِ حُزَيْرَانَ سَبْعَ حَيَّاتٍ لِكَثْرَتِهَا.
стр. 6131
وَفِيهَا انْقَطَعَ الْمَطَرُ بِالْمَوْصِلِ وَأَكْثَرِ الْبِلَادِ الْجَزْرِيَّةِ مِنْ خَامِسِ شُبَاطَ إِلَى ثَانِيَ عَشَرَ نِيسَانَ، وَلَمْ يَجْرِ شَيْءٌ يُعْتَدُّ بِهِ، لَكِنَّهُ سَقَطَ الْيَسِيرُ مِنْهُ فِي بَعْضِ الْقُرَى، فَجَاءَتِ الْغَلَّاتُ قَلِيلَةً، ثُمَّ خَرَجَ الْجَرَادُ الْكَثِيرُ، فَازْدَادَ النَّاسُ أَذًى، وَكَانَتِ الْأَسْعَارُ قَدْ صَلَحُتْ شَيْئًا، فَعَادَتْ لِكَثْرَةِ الْجَرَادِ فَغَلَتْ، وَنَزَلَ أَيْضًا فِي أَكْثَرِ الْقُرَى بَرْدٌ كَبِيرٌ، أَهْلَكَ زُرُوعَ أَهْلِهَا وَأَفْسَدَهَا، وَاخْتَلَفَتْ أَقَاوِيلُ النَّاسِ فِي أَكْبَرِهِ، كَانَ وَزْنُ بَرَدَةٍ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَقِيلَ رِطْلٌ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ أَهْلَكَ كَثِيرًا مِنَ الْحَيَوَانِ، وَانْقَضَتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَالْغَلَاءُ بَاقٍ وَأَشَدُّهُ بِالْمَوْصِلِ.
وَفِيهَا اصْطَادَ صَدِيقٌ لَنَا أَرْنَبًا، فَرَآهُ وَلَهُ أُنْثَيَانِ وَذَكَرٌ وَفَرْجُ أُنْثَى، فَلَمَّا شَقُّوا بَطْنَهَا رَأَوْا فِيهَا حَرِيفَيْنِ، سَمِعْتُ هَذَا مِنْهُ وَمِنْ جَمَاعَةٍ كَانُوا مَعَهُ، وَقَالُوا: مَا زِلْنَا نَسْمَعُ أَنَّ الْأَرْنَبَ يَكُونُ سَنَةً ذَكَرًا وَسَنَةً أُنْثَى، وَلَا نُصَدِّقُ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَيْنَا هَذَا، عَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ حَمَلَ وَهُوَ أُنْثَى، وَانْقَضَتِ السَّنَةُ فَصَارَ ذَكَرًا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَيَكُونُ فِي الْأَرَانِبِ كَالْخُنْثَى فِي بَنِي آدَمَ، يَكُونُ لِأَحَدِهِمْ فَرْجُ الرَّجُلِ وَفَرْجُ الْأُنْثَى، كَمَا أَنَّ الْأَرْنَبَ تَحِيضُ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، فَإِنِّي كُنْتُ بِالْجَزِيرَةِ، وَلَنَا جَارٌ لَهُ بِنْتٌ اسْمُهَا صَفِيَّةُ، فَبَقِيَتْ كَذَلِكَ نَحْوَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَإِذَا قَدْ طَلَعَ لَهَا ذَكَرُ رَجُلٍ، وَنَبَتَتْ لِحْيَتُهُ، فَكَانَ لَهُ فَرْجُ امْرَأَةٍ وَذَكَرُ رَجُلٍ.
وَفِيهَا ذَبَحَ إِنْسَانٌ عِنْدَنَا رَأْسَ غَنَمٍ، فَوَجَدَ لَحْمَهُ مُرًّا شَدِيدَ الْمَرَارَةِ، حَتَّى رَأْسَهُ وَأَكَارِعَهُ وَمِعْلَاقَهُ وَجَمِيعَ أَجْزَائِهِ، وَهَذَا مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ.
стр. 6132
وَفِيهَا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ الْخَامِسَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ ضَحْوَةَ النَّهَارِ، زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ بِالْمَوْصِلِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْعَجَمِيَّةِ، وَكَانَ أَكْثَرُهَا بِشَهْرَزُورَ، فَإِنَّهَا خُرِّبَ أَكْثَرُهَا، وَلَا سِيَّمَا الْقَلْعَةُ، فَإِنَّهَا أَجْحَفَتْ بِهَا، وَخُرِّبَ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ سِتُّ قِلَاعٍ، وَبَقِيَتِ الزَّلْزَلَةُ تَتَرَدَّدُ فِيهَا نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ كَشَفَهَا اللَّهُ عَنْهُمْ، وَأَمَّا الْقُرَى بِتِلْكَ النَّاحِيَةِ فَخُرِّبَ أَكْثَرَهَا.
[الْوَفَيَاتُ] .
وَفِيهَا فِي رَجَبٍ، تُوُفِّيَ الْقَاضِي حُجَّةُ الدِّينِ أَبُو مَنْصُورٍ الْمُظَفَّرُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْقَاسِمِ الشَّهْرُزُورِيُّ، قَاضي الْمَوْصِلِ بِهَا، وَكَانَ قَدْ أَضَرَّ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِنَحْوِ سَنَتَيْنِ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْقَضَاءِ، عَفِيفًا، نَزِهًا، ذَا رِئَاسَةٍ كَبِيرَةٍ، وَلَهُ صِلَاتٌ دَارَّةٌ لِلْمُقِيمِ وَالْوَارِدِ ﵀، فَلَقَدْ كَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الدُّنْيَا، وَلَمْ يُخَلِّفْ غَيْرَ بِنْتٍ تُوُفِّيَتْ بَعْدَهُ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ.
стр. 6133
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ]
٦٢٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ
ذِكْرُ دُخُولِ الْكُرْجِ مَدِينَةَ تِفْلِيسَ وَإِحْرَاقِهَا.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَصَلَ الْكُرْجُ مَدِينَةَ تِفْلِيسَ، وَلَمْ يَكُنْ بِهَا مِنَ الْعَسْكَرِ الْإِسْلَامِيِّ مَنْ يَقُومُ بِحِمَايَتِهَا، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ جَلَالَ الدِّينِ لَمَّا عَادَ مِنْ خِلَاطَ، كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ، وَأَوْقَعَ بِالْإِيوَانِيَّةِ، فَرَّقَ عَسَاكِرَهُ إِلَى الْمَوَاضِعِ الْحَارَّةِ الْكَثِيرَةِ الْمَرْعَى، لِيُشَتُّوا بِهَا، وَكَانَ عَسْكَرُهُ قَدْ أَسَاءُوا السِّيرَةَ فِي رَعِيَّةِ تِفْلِيسَ، وَهُمْ مُسْلِمُونَ، وَعَسَفُوهُمْ، فَكَاتَبُوا الْكُرْجَ يَسْتَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِمْ لِيُمَلِّكُوهُمُ الْبَلَدَ، فَاغْتَنَمَ الْكُرْجُ ذَلِكَ لِمَيْلِ أَهْلِ الْبَلَدِ إِلَيْهِمْ، وَخُلُوِّهِ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَاجْتَمَعُوا، وَكَانُوا بِمَدِينَتَيْ قرسَ وَآنِي وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْحُصُونِ، وَسَارُوا إِلَى تِفْلِيسَ، وَكَانَتْ خَالِيَةً كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِأَنَّ جَلَالَ الدِّينِ اسْتَضْعَفَ الْكُرْجَ لِكَثْرَةِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَظُنَّ فِيهِمْ حَرَكَةً، فَمَلَكُوا الْبَلَدَ، وَوَضَعُوا السَّيْفَ فِيمَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِهِ، وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى حِفْظِ الْبَلَدِ مِنْ جَلَالِ الدِّينِ، فَأَحْرَقُوهُ جَمِيعَهُ.
وَأَمَّا جَلَالُ الدِّينِ فَإِنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ، سَارَ فِيمَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ لِيُدْرِكَهُمْ، فَلَمْ يَرَ مِنْهُمْ أَحَدًا، كَانُوا قَدْ فَارَقُوا تِفْلِيسَ لَمَّا أَحْرَقُوهَا.
ذِكْرُ نَهْبِ جَلَالِ الدِّينِ بَلَدَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ أَمِيرًا كَبِيرًا مِنْ أُمَرَاءِ جَلَالِ الدِّينِ، وَكَانَ قَدْ أَقْطَعَهُ جَلَالُ الدِّينِ مَدِينَةَ كَنْجَةَ وَأَعْمَالَهَا، وَكَانَ نِعْمَ الْأَمِيرُ، كَثِيرَ الْخَيْرِ، حَسَنَ السِّيرَةِ،
стр. 6134
يُنْكِرُ عَلَى جَلَالِ الدِّينِ مَا يَفْعَلُهُ عَسْكَرُهُ مِنَ النَّهْبِ وَغَيْرِهِ مِنَ الشَّرِّ.
فَلَمَّا قُتِلَ ذَلِكَ الْأَمِيرُ، عَظُمَ قَتْلُهُ عَلَى جَلَالِ الدِّينِ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَسَارَ فِي عَسَاكِرِهِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، مِنْ حُدُودِ أَلَمُوتَ إِلَى كَرْدَكُوهْ بِخُرَاسَانَ، فَخَرَّبَ الْجَمِيعَ، وَقَتَلَ أَهْلَهَا، وَنَهَبَ الْأَمْوَالَ، وَسَبَى الْحَرِيمَ، وَاسْتَرَقَّ الْأَوْلَادَ، وَقَتَلَ الرِّجَالَ، وَعَمِلَ بِهِمُ الْأَعْمَالَ الْعَظِيمَةَ، وَانْتَقَمَ مِنْهُمْ، وَكَانُوا قَدْ عَظُمَ شَرُّهُمْ وَازْدَادَ ضُرُّهُمْ، وَطَمِعُوا مُذْ خَرَجَ التَّتَرُ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ إِلَى الْآنِ، فَكَفَّ عَادِيَّتَهُمْ وَقَمَعَهُمْ، وَلَقَّاهُمُ اللَّهُ مَا عَمِلُوا بِالْمُسْلِمِينَ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ جَلَالِ الدِّينِ والتَّتَرِ.
لَمَّا فَرَغَ جَلَالُ الدِّينِ مِنَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، بَلَغَهُ الْخَبَرُ أَنَّ طَائِفَةً مِنَ التَّتَرِ عَظِيمَةً قَدْ بَلَغُوا إِلَى دَامِغَانَ بِالْقُرْبِ مِنَ الرَّيِّ، عَازِمِينَ عَلَى قَصْدِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَحَارَبَهُمْ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، فَانْهَزَمُوا مِنْهُ، فَأَوْسَعَهُمْ قَتْلًا، وَتَبِعَ الْمُنْهَزِمِينَ عِدَّةَ أَيَّامٍ يَقْتُلُ وَيَأْسِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ قَدْ أَقَامَ بِنَوَاحِي الرَّيِّ خَوْفًا مِنْ جَمْعٍ آخَرَ لِلتَّتَرِ، إِذْ أَتَاهُ الْخَبَرُ بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ وَاصِلُونَ إِلَيْهِ، فَأَقَامَ يَنْتَظِرُهُمْ، وَسَنَذْكُرُ خَبَرَهُمْ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ.
ذِكْرُ دُخُولِ الْعَسَاكِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ إِلَى أَذْرَيِيجَانَ وَمُلْكِ بَعْضِهَا.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ، سَارَ الْحَاجِبُ عَلِيٌّ حُسَامُ الدِّينِ، وَهُوَ النَّائِبُ عَنِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ بِخِلَاطَ، وَالْمُقَدَّمِ عَلَى عَسَاكِرِهَا، إِلَى بِلَادِ أَذْرَبِيجَانَ فَيمَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ سِيرَةَ جَلَالِ الدِّينِ كَانَتْ جَائِرَةً، وَعَسَاكِرُهُ طَامِعَةٌ فِي الرَّعَايَا، وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ ابْنَةُ السُّلْطَانِ طُغْرُلَ السَّلْجُوقِيِّ، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ زَوْجَةَ أُوزْبَكَ بْنِ الْبَهْلَوَانِ صَاحِبِ أَذْرَبِيجَانَ، فَتَزَوَّجَهَا جَلَالُ الدِّينِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، وَكَانَتْ مَعَ أُوزْبَكَ تَحْكُمُ فِي الْبِلَادِ جَمِيعِهَا، لَيْسَ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ مَعَهَا حُكْمٌ.
فَلَمَّا تَزَوَّجَهَا جَلَالُ الدِّينِ، أَهْمَلَهَا وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَخَافَتْهُ مَعَ مَا حُرِمَتْهُ مِنَ الْحُكْمِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَأَرْسَلَتْ هِيَ وَأَهْلُ خُوَيٍّ إِلَى حُسَامِ الدِّينِ الْحَاجِبِ يَسْتَدْعُونَهُ
стр. 6135
لِيُسَلِّمُوا الْبِلَادَ، فَسَارَ وَدَخَلَ الْبِلَادَ بِلَادَ أَذْرَبِيجَانَ، فَمَلَكَ مَدِينَةَ خُوَيٍّ وَمَا يُجَاوِرُهَا مِنَ الْحُصُونِ الَّتِي بِيَدِ امْرَأَةِ جَلَالِ الدِّينِ، وَمَلِكِ مَرَنْدَ، وَكَاتَبَهُ أَهْلُ مَدِينَةِ نقجوَانَ، فَمَضَى إِلَيْهِمْ، فَسَلَّمُوهَا إِلَيْهِ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ بِتِلْكَ الْبِلَادِ، وَلَوْ دَامُوا لَمَلَكُوهَا جَمِيعَهَا، وَإِنَّمَا عَادُوا إِلَى خِلَاطَ، وَاسْتَصْحَبُوا مَعَهُمْ زَوْجَةَ جَلَالِ الدِّينِ ابْنَةَ السُّلْطَانِ طُغْرُلَ إِلَى خِلَاطَ، وَسَنَذْكُرُ بَاقِي خَبَرِهِمْ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ [وَسِتِّمِائَةٍ] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُعَظَّمِ صَاحِبِ دِمَشْقَ وَمُلْكِ وَلَدِهِ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمَلِكُ الْمُعَظَّمُ عِيسَى ابْنُ الْمَلِكِ الْعَادِلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَلْخَ ذِي الْقَعْدَةِ، وَكَانَ مَرَضُهُ دُوسِنْطَارْيَا، وَكَانَ مُلْكُهُ لِمَدِينَةِ دِمَشْقَ، مِنْ حِينِ وَفَاةِ وَالِدِهِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ، عَشْرَ سِنِينَ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا. وَكَانَ عَالِمًا بِعِدَّةِ عُلُومٍ، فَاضِلًا فِيهَا، مِنْهَا الْفِقْهُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدِ اشْتَغَلَ بِهِ كَثِيرًا، وَصَارَ مِنَ الْمُتَمَيِّزِينَ فِيهِ، وَمِنْهَا عِلْمُ النَّحْوِ، فَإِنَّهُ اشْتَغَلَ بِهِ أَيْضًا اشْتِغَالًا زَائِدًا، وَصَارَ فِيهِ فَاضِلًا، وَكَذَلِكَ اللُّغَةُ وَغَيْرُهَا، وَكَانَ قَدْ أَمَرَ أَنْ يُجْمَعَ لَهُ كِتَابٌ فِي اللُّغَةِ جَامِعٌ كَبِيرٌ، فِيهِ كِتَابُ " الصِّحَاحِ " لِلْجَوْهَرِيِّ، وَيُضَافُ إِلَيْهِ مَا فَاتَ " الصِّحَاحَ " مِنَ " التَّهْذِيبِ " لِلْأُرْمَوِيِّ، وَ " الْجَمْهَرَةِ " لِابْنِ دُرَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا، وَكَذَلِكَ أَيْضًا أَمَرَ بِأَنْ يُرَتَّبَ " مُسْنَدَ " أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَلَى الْأَبْوَابِ، وَيُرَدَّ كُلُّ حَدِيثٍ إِلَى الْبَابِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَعْنَاهُ، مِثَالُهُ: أَنْ يَجْمَعَ أَحَادِيثَ الطَّهَارَةِ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الرَّقَائِقِ، وَالتَّفْسِيرِ، وَالْغَزَوَاتِ، فَيَكُونُ كِتَابًا جَامِعًا.
وَكَانَ قَدْ سَمِعَ " الْمُسْنَدَ " مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِ ابْنِ الْحُصَيْنِ، وَنَفَقَ الْعِلْمُ فِي سُوقِهِ، وَقَصَدَهُ الْعُلَمَاءُ مِنَ الْآفَاقِ، فَأَكْرَمَهُمْ، وَأَجْرَى عَلَيْهِمُ الْجِرَايَاتِ الْوَافِرَةَ، وَقَرَّبَهُمْ، [وَكَانَ] يُجَالِسُهُمْ، وَيَسْتَفِيدُ مِنْهُمْ وَيُفِيدُهُمْ، وَكَانَ يَرْجِعُ إِلَى عِلْمٍ وَصَبْرٍ عَلَى سَمَاعِ مَا يَكْرَهُ، لَمْ يَسْمَعْ أَحَدٌ مِمَّنْ يَصْحَبُهُ مِنْهُ كَلِمَةً تَسُوءُهُ.
وَكَانَ حَسَنَ الِاعْتِقَادِ يَقُولُ كَثِيرًا: إِنَّ اعْتِقَادِي فِي الْأُصُولِ مَا سَطَّرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ
стр. 6136
الطَّحَاوِيُّ، وَوَصَّى عِنْدَ مَوْتِهِ بِأَنْ يُكَفَّنَ فِي الْبَيَاضِ، وَلَا يُجْعَلَ فِي أَكْفَانِهِ ثَوْبٌ فِيهِ ذَهَبٌ، وَأَنْ يُدْفَنَ فِي لَحْدٍ، وَلَا يُبْنَى عَلَيْهِ بِنَاءً بَلْ يَكُونُ قَبْرُهُ فِي الصَّحْرَاءِ تَحْتَ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ فِي مَرَضِهِ: لِي عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي أَمْرِ دِمْيَاطَ مَا أَرْجُو أَنْ يَرْحَمَنِي بِهِ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ، وَلِي بَعْدَهُ ابْنُهُ دَاوُدُ وَيُلَقَّبُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ، وَكَانَ عُمْرُهُ قَدْ قَارَبَ عِشْرِينَ سَنَةً.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ دَامَ الْغَلَاءُ فِي دِيَارِ الْجَزِيرَةِ، وَدَامَتِ الْأَسْعَارُ تَزِيدُ قَلِيلًا وَتَنْقُصُ قَلِيلًا، وَانْقَطَعَ الْمَطَرُ جَمِيعَ شُبَاطَ وَعَشْرَةَ أَيَّامٍ مِنْ آذَارَ، فَازْدَادَ الْغَلَاءُ، فَبَلَغَتِ الْحِنْطَةُ كُلَّ مَكُّوكَيْنِ بِدِينَارٍ وَقِيرَاطَيْنِ بِالْمَوْصِلِ، وَالشَّعِيرُ كُلَّ ثَلَاثَةِ مَكَاكِيكَ بِالْمَوْصِلِيِّ بِدِينَارٍ وَقِرَاطَيْنِ أَيْضًا، وَكُلَّ شَيْءٍ بِهَذِهِ السَّنَةِ فِي الْغَلَاءِ. وَفِيهَا فِي الرَّبِيعِ، قَلَّ لَحْمُ الْغَنَمِ بِالْمَوْصِلِ، وَغَلَا سِعْرُهُ، حَتَّى بِيعَ كُلُّ رِطْلِ لَحْمٍ بِالْبَغْدَادِيِّ بِحَبَّتَيْنِ بِالصَّنْجَةِ، وَرُبَّمَا زَادَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ عَلَى هَذَا الثَّمَنِ.
وَحَكَى لِي مَنْ يَتَوَلَّى بَيْعَ الْغَنَمِ بِالْمَوْصِلِ أَنَّهُمْ بَاعُوا يَوْمًا خَرُوفًا وَاحِدًا لَا غَيْرَ، وَفِي بَعْضِهَا خَمْسَةَ أَرْؤُسٍ، وَفِي بَعْضِهَا سِتَّةً، وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ، وَهَذَا مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَلَا رَأَيْنَاهُ فِي جَمِيعِ أَعْمَارِنَا، وَلَا حُكِيَ لَنَا مِثْلُهُ ; لِأَنَّ الرَّبِيعَ مَظِنَّةُ رُخْصِ اللَّحْمِ بِهَا ; لِأَنَّ التُّرْكُمَانَ وَالْأَكْرَادَ وَالْكيلكَانَ يَنْتَقِلُونَ مِنَ الْأَمْكِنَةِ الَّتِي شَتُوا بِهَا إِلَى الزَّوْزَانِ فَيَبِيعُونَ الْغَنَمَ رَخِيصًا.
وَكَانَ اللَّحْمُ كُلَّ سَنَةٍ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلُّ سِتَّةِ أَرْطَالٍ وَسَبْعَةٍ بِقِيرَاطٍ، صَارَ هَذِهِ السَّنَةَ الرِّطْلُ بِحَبَّتَيْنِ.
وَفِيهَا عَاشِرَ آذَارَ، وَهُوَ الْعِشْرُونَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، سَقَطَ الثَّلْجُ بِالْمَوْصِلِ مَرَّتَيْنِ، وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، فَأَهْلَكَ الْأَزْهَارَ الَّتِي خَرَجَتْ كَزَهْرِ اللَّوْزِ، وَالْمِشْمِشِ، وَالْإِجَّاصِ، وَالسَّفَرْجَلِ وَغَيْرِهَا، وَوَصَلَتِ الْأَخْبَارُ مِنَ الْعِرَاقِ جَمِيعِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، فَهَلَكَتْ بِهِ أَزْهَارُهَا وَالثِّمَارُ، وَهَذَا أَعْجَبُ مِنْ حَالِ دِيَارِ الْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ، فَإِنَّهُ أَشَدُّ حَرًّا مِنْ جَمِيعِهَا.
стр. 6137
وَفِيهَا ظَفَرَ جَمْعٌ مِنَ التُّرْكُمَانِ، كَانُوا بِأَطْرَافِ أَعْمَالِ حَلَبَ، بِفَارِسٍ مَشْهُورٍ مِنَ الْفِرِنْجِ الدَّاوِيَّةِ بِأَنْطَاكِيَةَ فَقَتَلُوهُ، فَعَلِمَ الدَّاوِيَّةُ بِذَلِكَ فَسَارُوا وَكَبَسُوا التُّرْكُمَانَ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ وَأَسَرُوا، وَغَنِمُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَبَلَغَ إِلَى أَتَابِكَ شِهَابِ الدِّينِ الْمُتَوَلِّي لِأُمُورِ حَلَبَ، فَرَاسَلَ الْفِرِنْجَ، وَتَهَدَّدَهُمْ بِقَصْدِ بِلَادِهِمْ، وَاتَّفَقَ أَنَّ عَسْكَرَ حَلَبَ قَتَلُوا فَارِسَيْنِ كَبِيرَيْنِ مِنَ الدَّاوِيَّةِ أَيْضًا، فَأَذْعَنُوا بِالصُّلْحِ، وَرَدُّوا إِلَى التُّرْكُمَانِ كَثِيرًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَحَرِيمِهِمْ وَأَسْرَاهُمْ.
وَفِيهَا فِي رَجَبٍ، اجْتَمَعَ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ، وَأَرَادُوا الْإِغَارَةَ عَلَى جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَكَانَ صَاحِبُ الْجَزِيرَةِ قَدْ قُتِلَ، فَلَمَّا قَصَدُوا بَلَدَ الْجَزِيرَةِ، اجْتَمَعَ أَهْلُ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ بَلَدِ الْجَزِيرَةِ اسْمُهَا سلكونُ، وَلَقُوهُمْ مِنْ ضَحْوَةِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ، وَطَالَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ حَمَلَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ عَلَى الْأَكْرَادِ فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوا فِيهمْ، وَخَرَجُوا وَنَهَبُوا مَا مَعَهُمْ وَعَادُوا سَالِمِينَ.
стр. 6138
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ]
ذِكْرُ الْخُلْفِ بَيْنَ جَلَالِ الدِّينِ وَأَخِيهِ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَافَ غِيَاثُ الدِّينِ بْنُ خُوَارَزْمَ شَاهْ، وَهُوَ أَخُو جَلَالِ الدِّينِ (مِنْ أَبِيهِ) [أَخَاهُ] ، وَخَافَهُ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَاسْتَشْعَرُوا مِنْهُ، وَأَرَادُوا الْخَلَاصَ مِنْهُ، فَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ خَرَجَتِ التَّتَرُ، وَاشْتَغَلَ بِهِمْ جَلَالُ الدِّينِ، فَهَرَبَ غِيَاثُ الدِّينِ وَمَنْ مَعَهُ، وَقَصَدُوا خُوزِسْتَانَ، وَهِيَ مِنْ بِلَادِ الْخَلِيفَةِ، وَأَرَادُوا الدُّخُولَ فِي طَاعَةِ الْخَلِيفَةِ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُمُ النَّائِبُ بِهَا مِنَ الدُّخُولِ إِلَى الْبَلَدِ، مَخَافَةَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ مَكِيدَةً، فَبَقِيَ هُنَاكَ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، فَارَقَ خُوزِسْتَانَ وَقَصَدَ بِلَادَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، فَوَصَلَ إِلَيْهِمْ، وَاحْتَمَى بِهِمْ وَاسْتَجَارَ بِهِمْ.
وَكَانَ جَلَالُ الدِّينِ قَدْ فَرَغَ مِنْ أَمْرِ التَّتَرِ وَعَادَ إِلَى تِبْرِيزَ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ وَهُوَ بِالْمَيْدَانِ يَلْعَبُ بِالْكُرَةِ أَنَّ أَخَاهُ قَدْ قَصَدَ أَصْفَهَانَ، فَأَلْقَى الْجُوكَانَ مِنْ يَدِهِ، وَسَارَ مُجِدًّا، فَسَمِعَ أَنَّ أَخَاهُ قَدْ قَصَدَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةَ مُلْتَجِئًا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَقْصِدْ أَصْفَهَانَ، فَعَادَ إِلَى بِلَادِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ لِيَنْهَبَ بِلَادَهُمْ إِنْ لَمْ يُسَلِّمُوا إِلَيْهِ أَخَاهُ، وَأَرْسَلَ يَطْلُبُهُ مِنْ مُقَدَّمِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ يَقُولُ: إِنَّ أَخَاكَ قَدْ قَصَدَنَا، وَهُوَ سُلْطَانٌ ابْنُ سُلْطَانٍ، وَلَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُسَلِّمَهُ، لَكِنْ نَحْنُ نَتْرُكُهُ عِنْدَنَا، وَلَا نُمَكِّنُهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ بِلَادِكَ، وَنَسْأَلُكَ أَنْ تُشَفِّعَنِي فِيهِ، وَالضَّمَانُ عَلَيْنَا بِمَا قُلْنَا، وَمَتَى كَانَ مِنْهُ مَا تَكْرَهُ فِي بِلَادِكَ، فَبِلَادُنَا حِينَئِذٍ بَيْنَ يَدَيْكَ تَفْعَلُ فِيهَا مَا تَخْتَارُ. فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَاسْتَحْلَفَهُمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِذَلِكَ، وَعَادَ عَنْهُمْ وَقَصَدَ خِلَاطَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 6139
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ جَلَالِ الدِّينِ والتَّتَرِ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَاوَدَ التَّتَرُ الْخُرُوجَ إِلَى الرَّيِّ، وَجَرَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ جَلَالِ الدِّينِ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ، اخْتَلَفَ النَّاسُ عَلَيْنَا فِي عَدَدِهَا، كَانَ أَكْثَرُهَا عَلَيْهِ، وَفِي الْأَخِيرِ كَانَ الظَّفَرُ لَهُ.
وَكَانَتْ أَوَّلُ حَرْبٍ بَيْنِهِمْ عَجَائِبَ غَرِيبَةً، وَكَانَ هَؤُلَاءِ التَّتَرُ قَدْ سَخِطَ مَلِكُهُمْ جَنْكِزْخَانُ عَلَى مُقَدَّمِهِمْ، وَأَبْعَدَهُ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ بِلَادِهِ، فَقَصَدَ خُرَاسَانَ، فَرَآهَا خَرَابًا، فَقَصَدَ الرَّيَّ لِيَتَغَلَّبَ عَلَى تِلْكَ النَّوَاحِي وَالْبِلَادِ، فَلَقِيَهُ بِهَا جَلَالُ الدِّينِ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، ثُمَّ انْهَزَمَ جَلَالُ الدِّينِ وَعَادَ ثُمَّ انْهَزَمَ، وَقَصَدَ أَصْفَهَانَ، وَأَقَامَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرَّيِّ، وَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَمَنْ فِي طَاعَتِهِ، فَكَانَ فِيمَنْ أَتَاهُ صَاحِبُ بِلَادِ فَارِسَ، وَهُوَ ابْنُ أَتَابِكَ سَعْدٍ مَلَكَ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَعَادَ جَلَالُ الدِّينِ إِلَى التَّتَرِ فَلَقِيَهُمْ.
فَبَيْنَمَا هُمْ مُصْطَفُّونَ كُلُّ طَائِفَةٍ مُقَابِلُ الْأُخْرَى، انْعَزَلَ غِيَاثُ الدِّينِ أَخُو جَلَالِ الدِّينِ فِيمَنْ وَافَقَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ عَلَى مُفَارَقَةِ جَلَالِ الدِّينِ، وَاعْتَزَلُوا وَقَصَدُوا جِهَةً سَارُوا إِلَيْهَا، فَلَمَّا رَآهُمُ التَّتَرُ قَدْ فَارَقُوا الْعَسْكَرَ، ظَنُّوهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْتُوهُمْ مِنْ وَرَاءِ ظُهُورِهِمْ وَيُقَاتِلُوهُمْ مِنْ جِهَتَيْنِ، فَانْهَزَمَ التَّتَرُ لِهَذَا الظَّنِّ، وَتَبِعَهُمْ صَاحِبُ بِلَادِ فَارِسَ. وَأَمَّا جَلَالُ الدِّينِ فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى مُفَارَقَةَ أَخِيهِ إِيَّاهُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ، ظَنَّ أَنَّ التَّتَرَ قَدْ رَجَعُوا خَدِيعَةً لِيَسْتَدْرِجُوهُ، فَعَادَ مُنْهَزِمًا، وَلَمْ يَجْسُرْ [أَنْ] يَدْخُلَ أَصْفَهَانَ لِئَلَّا يَحْصُرَهُ التَّتَرُ، فَمَضَى إِلَى سُمَيْرَمَ.
وَأَمَّا صَاحِبُ فَارِسَ فَلَمَّا أَبْعَدَ فِي أَثَرِ التَّتَرِ، وَلَمْ يَرَ جَلَالَ الدِّينِ وَلَا عَسْكَرَهُ مَعَهُ، خَافَ التَّتَرَ فَعَادَ عَنْهُمْ.
وَأَمَّا التَّتَرُ فَلَمَّا لَمْ يَرَوْا فِي آثَارِهِمْ أَحَدًا يَطْلُبُهُمْ، وَقَفُوا، ثُمَّ عَادُوا إِلَى أَصْفَهَانَ، فَلَمْ يَجِدُوا فِي طَرِيقِهِمْ مَنْ يَمْنَعُهُمْ، فَوَصَلُوا إِلَى أَصْفَهَانَ فَحَصَرُوهَا، وَأَهْلُهَا يَظُنُّونَ أَنَّ جَلَالَ الدِّينِ قَدْ عُدِمَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ والتَّتَرُ يَحْصُرُونَهُمْ إِذْ وَصَلَ قَاصِدٌ مِنْ جَلَالِ الدِّينِ إِلَيْهِمْ يُعَرِّفُهُمْ سَلَامَتَهُ، وَيَقُولُ: إِنِّي أَدُورُ حَتَّى يَجْتَمِعَ إِلَيَّ مَنْ سَلِمَ مِنَ الْعَسْكَرِ وَأَقْصِدُكُمْ، وَنَتَّفِقُ أَنَا وَأَنْتُمْ عَلَى إِزْعَاجِ التَّتَرِ وَتَرْحِيلِهِمْ عَنْكُمْ. فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَسْتَدْعُونَهُ إِلَيْهِمْ، وَيَعِدُونَهُ النُّصْرَةَ وَالْخُرُوجَ مَعَهُ إِلَى عَدُوِّهِ، وَفِيهِمْ شَجَاعَةٌ عَظِيمَةٌ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، وَاجْتَمَعَ بِهِمْ، وَخَرَجَ أَهْلُ أَصْفَهَانَ مَعَهُ، فَقَاتَلُوا التَّتَرَ، فَانْهَزَمَ التَّتَرُ أَقْبَحَ هَزِيمَةٍ، وَتَبِعَهُمْ جَلَالُ الدِّينِ إِلَى الرَّيِّ يَقْتُلُ وَيَأْسِرُ، فَلَمَّا أُبْعِدُوا عَنِ
стр. 6140
الرَّيِّ أَقَامَ بِهَا، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ جَنْكِزْخَانَ يَقُولُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ أَصْحَابِنَا، إِنَّمَا نَحْنُ أَبْعَدْنَاهُمْ عَنَّا، فَلَمَّا أَمِنَ جَانِبَ جَنْكِزْخَانَ، أَمِنَ وَعَادَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ.
ذِكْرُ خُرُوجِ الْفِرِنْجِ إِلَى الشَّامِ وَعِمَارَةِ صَيْدَا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ كَثِيرٌ مِنَ الْفِرِنْجِ مِنْ بِلَادِهِمْ، الَّتِي هِيَ فِي الْغَرْبِ مِنْ صِقَلِّيَةَ وَمَا وَرَاءَهَا مِنَ الْبِلَادِ، إِلَى بِلَادِهِمُ الَّتِي بِالشَّامِ: عَكَّا، وَصُورَ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ سَاحِلِ الشَّامِ، فَكَثُرَ جَمْعُهُمْ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ قَبْلَ هَؤُلَاءِ جَمْعٌ آخَرُ أَيْضًا إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ تُمْكِنْهُمُ الْحَرَكَةُ وَالشُّرُوعُ فِي أَمْرِ الْحَرْبِ لِأَجْلِ أَنَّ مَلِكَهُمُ الَّذِي هُوَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ هُوَ مِلْكُ الْأَلْمَانِ، وَلَقَبُهُ أَنْبرورُ، قِيلَ: مَعْنَاهُ مَلِكُ الْأُمَرَاءِ، وَلِأَنَّ الْمُعَظَّمَ كَانَ حَيًّا، وَكَانَ شَهْمًا شُجَاعًا مِقْدَامًا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْمُعَظَّمُ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ وَمَلَكَ دِمَشْقَ، طَمِعَ الْفِرِنْجُ، وَظَهَرُوا مِنْ عَكَّا وَصُورَ وَبَيْرُوتَ إِلَى مَدِينَةِ صَيْدَا، وَكَانَتْ مُنَاصَفَةً بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَسُورُهَا خَرَابٌ، فَعَمَرُوهَا، وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا.
وَإِنَّمَا تَمَّ لَهُمْ ذَلِكَ بِسَبَبِ تَخْرِيبِ الْحُصُونِ الْقَرِيبَةِ مِنْهَا، تِبْنِينَ، وَهُونِينَ، وَغَيْرِهِمَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ قَبْلُ مُسْتَقْصًى، فَعَظُمَتْ شَوْكَةُ الْفِرِنْجِ، وَقَوِيَ طَمَعُهُمْ، وَاسْتَوْلَى فِي طَرِيقِهِ عَلَى جَزِيرَةِ قُبْرُسَ، وَمَلَكَهَا، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى عَكَّا، فَارْتَاعَ الْمُسْلِمُونَ لِذَلِكَ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَخْذُلُهُ وَيَنْصُرُ الْمُسْلِمِينَ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ، ثُمَّ إِنَّ مَلِكَهُمْ أَنْبرورُ وَصَلَ إِلَى الشَّامِ.
ذِكْرُ مُلْكِ كَيْقُبَاذَ أَرْزَنْكَانَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ عَلَاءُ الدِّينِ كَيْقُبَاذُ بْنُ كَيْخَسْرُو بْنِ قَلِجْ أَرْسِلَانَ، وَهُوَ صَاحِبُ قُونِيَّةَ، وَأَقْصَرَا، وَمَلَطْيَةَ، وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، أَرْزَنْكَانَ. وَسَبَبُ مُلْكِهِ إِيَّاهَا أَنَّ صَاحِبَهَا بَهْرَامَ شَاهْ كَانَ قَدْ طَالَ مُلْكُهُ لَهَا، وَجَاوَزَ سِتِّينَ سَنَةً، تُوُفِّيَ وَلَمْ يَزَلْ فِي طَاعَةِ قَلِجْ أَرْسِلَانَ وَأَوْلَادِهِ بَعْدَهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ مَلَكَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ
стр. 6141
عَلَاءُ الدِّينِ دَاوُدُ شَاهْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ كَيْقُبَاذُ يَطْلُبُ مِنْهُ عَسْكَرًا لِيَسِيرَ مَعَهُ إِلَى مَدِينَةِ أَرْزَنَ الرُّومِ لِيَحْصُرَهَا، وَيَكُونَ هُوَ مَعَ الْعَسْكَرِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَسَارَ فِي عَسْكَرِهِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَصَلَ قَبَضَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ مَدِينَةَ أَرْزَنْكَانَ مِنْهُ، وَلَهُ حِصْنٌ مِنْ أَمْنَعِ الْحُصُونِ اسْمُهُ كماخُ، وَفِيهِ مُسْتَحْفَظٌ لِدَاوُدَ شَاهْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَلِكُ الرُّومِ يَحْصُرُهُ، فَلَمْ يَقْدِرِ الْعَسْكَرُ عَلَى الْقُرْبِ مِنْهُ لِعُلُوِّهِ وَارْتِفَاعِهِ وَامْتِنَاعِهِ، فَتَهَدَّدَ دَاوُدَ شَاهْ إِنْ لَمْ يُسَلِّمْ كَمَاخَ، فَأَرْسَلَ إِلَى نَائِبِهِ فِي التَّسْلِيمِ، فَسَلَّمَ الْقَلْعَةَ إِلَى كَيْقُبَاذَ.
وَأَرَادَ كَيْقُبَاذُ الْمَسِيرَ إِلَى أَرْزَنَ الرُّومِ لِيَأْخُذَهَا وَبِهَا صَاحِبُهَا ابْنُ عَمِّهِ طُغْرُلَ شَاهْ بْنُ قَلِجْ أَرْسِلَانَ، فَلَمَّا سَمِعَ صَاحِبُهَا بِذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى الْأَمِيرِ حُسَامِ الدِّينِ عَلَيٍّ، النَّائِبِ عَنِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ بِخِلَاطَ يَسْتَنْجِدُهُ، وَأَظْهَرَ طَاعَةَ الْأَشْرَفِ، فَسَارَ حُسَامُ الدِّينِ فِيمَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَكَانَ قَدْ جَمَعَهَا مِنَ الشَّامِ وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ خَوْفًا مِنْ مَلِكِ الرُّومِ، خَافُوا أَنَّهُ إِذَا مَلَكَ أَرْزَنَ الرُّومِ يَتَعَدَّى وَيَقْصِدُ خِلَاطَ، فَسَارَ الْحَاجِبُ حُسَامُ الدِّينِ إِلَى الرُّومِ وَمَنَعَ عَنْهَا. وَلَمَّا سَمِعَ كَيْقُبَاذُ بِوُصُولِ الْعَسَاكِرِ إِلَيْهَا لَمْ يُقْدِمْ عَلَى قَصْدِهَا، فَسَارَ مِنْ أَرْزَنْكَانَ إِلَى بِلَادِهِ، وَكَانَ قَدْ أَتَاهُ الْخَبَرُ أَنَّ الرُّومَ الْكُفَّارَ الْمُجَاوِرِينَ لِبِلَادِهِ قَدْ مَلَكُوا مِنْهُ حِصْنًا يُسَمَّى صنوبَ، وَهُوَ مِنْ أَحْصَنِ الْقِلَاعِ، مُطِلٌّ عَلَى الْبَحْرِ السِّيَاهْ بَحْرِ الْخَزَرِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بِلَادِهِ، سَيَّرَ الْعَسْكَرَ إِلَيْهِ وَحَصَرَهُ بَرًّا وَبَحْرًا، فَاسْتَعَادَهُ مِنَ الرُّومِ، وَسَارَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ لِيُشَتِّيَ بِهَا عَلَى عَادَتِهِ.
ذِكْرُ خُرُوجِ الْمَلِكُ الْكَامِلِ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَوَّالٍ، سَارَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ مُحَمَّدُ ابْنُ الْمَلِكُ الْعَادِلِ صَاحِبُ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ، فَوَصَلَ إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، حَرَسَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَجَعَلَهُ دَارَ الْإِسْلَامِ أَبَدًا، ثُمَّ سَارَ عَنْهُ، وَتَوَلَّى بِمَدِينَةِ نَابُلُسَ، وَشَحَّنَ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ جَمِيعِهَا، وَكَانَتْ مِنْ أَعْمَالِ دِمَشْقَ، فَلَمَّا سَمِعَ صَاحِبُهَا، وَهُوَ ابْنُ الْمَلِكِ الْمُعَظَّمِ، خَافَ أَنْ يَقْصِدَهُ وَيَأْخُذَ دِمَشْقَ مِنْهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَمِّهِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ يَسْتَنْجِدُهُ، وَيَطْلُبُهُ لِيَحْضُرَ عِنْدَهُ بِدِمَشْقَ، فَسَارَ إِلَيْهِ جَرِيدَةً، فَدَخَلَ دِمَشْقَ.
فَلَمَّا سَمِعَ الْكَامِلُ بِذَلِكَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِعِلْمِهِ أَنَّ الْبَلَدَ مَنِيعٌ، وَقَدْ صَارَ بِهِ مَنْ يَمْنَعُهُ
стр. 6142
وَيَحْمِيهِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ يَسْتَعْطِفُهُ، وَيُعَرِّفُهُ أَنَّهُ مَا جَاءَ إِلَى دِمَشْقَ إِلَّا طَاعَةً لَهُ، وَمُوَافَقَةً لِأَغْرَاضِهِ، وَالِاتِّفَاقَ مَعَهُ عَلَى مَنْعِ الْفِرِنْجِ عَنِ الْبِلَادِ، فَأَعَادَ الْكَامِلُ الْجَوَابَ يَقُولُ: إِنَّنِي مَا جِئْتُ إِلَى هَذِهِ الْبِلَادِ إِلَّا بِسَبَبِ الْفِرِنْجِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبِلَادِ مَنْ يَمْنَعُهُمْ عَمَّا يُرِيدُونَهُ، وَقَدْ عَمَرُوا صَيْدَا، وَبَعْضَ قَيْسَارِيَّةَ، وَلَمْ يُمْنَعُوا، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ عَمَّنَا السُّلْطَانَ صَلَاحَ الدِّينِ فَتَحَ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ، فَصَارَ لَنَا بِذَلِكَ الذِّكْرُ الْجَمِيلُ عَلَى تَقَضِّي الْأَعْصَارِ وَمَمَرِّ الْأَيَّامِ، فَإِنْ أَخَذَهُ الْفِرِنْجُ، حَصَلَ لَنَا مِنْ سُوءِ الذِّكْرِ وَقُبْحِ الْأُحْدُوثَةِ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ الذِّكْرَ الْجَمِيلَ الَّذِي ادَّخَرَهُ عَمُّنَا، وَأَيُّ وَجْهٍ يَبْقَى لَنَا عِنْدَ النَّاسِ وَعِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؟ .
ثُمَّ إِنَّهُمْ مَا يَقْنَعُونَ حِينَئِذٍ بِمَا أَخَذُوهُ، وَيَتَعَدَّوْنَ إِلَى غَيْرِهِ، وَحَيْثُ قَدْ حَضَرْتَ أَنْتَ فَأَنَا أَعُودُ إِلَى مِصْرَ، وَاحْفَظْ أَنْتَ الْبِلَادَ، وَلَسْتُ بِالَّذِي يُقَالُ عَنِّي إِنِّي قَاتَلْتُ أَخِي، وَحَصَرْتُهُ، حَاشَا لِلَّهِ تَعَالَى.
وَتَأَخَّرَ عَنْ نَابُلُسَ نَحْوَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَنَزَلَ تَلَّ الْعُجُولِ، فَخَافَ الْأَشْرَفُ وَالنَّاسُ قَاطِبَةً بِالشَّامِ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنْ عَادَ، اسْتَوْلَى الْفِرِنْجُ عَلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُجَاوِرُهُ، لَا مَانِعَ دُونَهُ، فَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ، وَسَارَ الْأَشْرَفُ بِنَفْسِهِ إِلَى الْكَامِلِ أَخِيهِ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ، وَكَانَ وُصُولُهُ لَيْلَةَ عِيدِ الْأَضْحَى، وَمَنَعَهُ مِنَ الْعَوْدِ إِلَى مِصْرَ، فَأَقَامَا بِمَكَانِهِمَا.
ذِكْرُ نَهْبِ جَلَالِ الدِّينِ بِلَادَ أَرْمِينِيَّةَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَ جَلَالُ الدِّينِ خُوَارَزْمَ شَاهْ إِلَى بِلَادِ خِلَاطَ، وَتَعَدَّى خِلَاطَ إِلَى صَحْرَاءِ مُوشَ وَجَبَلِ جُورٍ، وَنَهَبَ الْجَمِيعَ، وَسَبَى الْحَرِيمَ، وَاسْتَرَقَّ الْأَوْلَادَ، وَقَتَلَ الرِّجَالَ، وَخَرَّبَ الْقُرَى، وَعَادَ إِلَى بِلَادِهِ.
وَلَمَّا وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى الْبِلَادِ الْجَزْرِيَّةِ: حَرَّانَ، وَسَرُوجَ، وَغَيْرِهِمَا، أَنَّهُ قَدْ جَازَ خِلَاطَ إِلَى جُورٍ، وَأَنَّهُ قَدْ قَرُبَ مِنْهُمْ، خَافَ أَهْلُ الْبِلَادِ أَنْ يَجِيءَ إِلَيْهِمْ ; لِأَنَّ الزَّمَانَ كَانَ شِتَاءً، وَظَنُّوا أَنَّهُ يَقْصِدُ الْجَزِيرَةَ لِيُشَتِّيَ بِهَا، لِأَنَّ الْبَرْدَ بِهَا لَيْسَ بِالشَّدِيدِ، وَعَزَمُوا عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ بِلَادِهِمْ إِلَى الشَّامِ، وَوَصَلَ بَعْضُ أَهْلِ سَرُوجَ إِلَى مَنْبِجَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ أَنَّهُ قَدْ نَهَبَ الْبِلَادَ وَعَادَ، فَأَقَامُوا، وَكَانَ سَبَبُ عَوْدِهِ أَنَّ الثَّلْجَ سَقَطَ
стр. 6143
بِبِلَادِ خِلَاطَ كَثِيرًا، لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ، فَأَسْرَعَ الْعَوْدَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ رَخُصَتِ الْأَسْعَارُ بِدِيَارِ الْجَزِيرَةِ جَمِيعِهَا، وَجَاءَتِ الْغَلَّاتُ الَّتِي لَهُمْ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ جَيِّدًا، إِلَّا أَنَّ الرُّخْصَ لَمْ يبْلُغِ الْأَوَّلَ الَّذِي كَانَ قَبْلَ الْغَلَاءِ، إِنَّمَا صَارَتِ الْحِنْطَةُ كُلَّ خَمْسَةِ مَكَاكِيكَ بِدِينَارٍ، وَالشَّعِيرُ كُلَّ سَبْعَةَ عَشَرَ مَكُّوكًا بِالْمَوْصِلِيِّ بِدِينَارٍ.
стр. 6144
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ]
٦٢٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ
ذِكْرُ تَسْلِيمِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ إِلَى الْفِرِنْجِ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَوَّلَ رَبِيعٍ الْآخِرِ، تَسَلَّمَ الْفِرِنْجُ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ صُلْحًا، أَعَادَهُ اللَّهُ إِلَى الْإِسْلَامِ سَرِيعًا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ مِنْ خُرُوجِ الْأَنْبرورِ، مَلِكِ الْفِرِنْجِ فِي الْبَحْرِ مِنْ دَاخِلِ بِلَادِ الْفِرِنْجِ إِلَى سَاحِلِ الشَّامِ، وَكَانَتْ عَسَاكِرُهُ قَدْ سَبَقَتْهُ، وَنَزَلُوا بِالسَّاحِلِ، وَأَفْسَدُوا فِيمَا يُجَاوِرُهُمْ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَضَى إِلَيْهِمْ، وَهُمْ بِمَدِينَةِ صُورٍ، طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَسْكُنُونَ الْجِبَالَ الْمُجَاوِرَةَ لِمَدِينَةِ صُورٍ وَأَطَاعُوهُمْ، وَصَارُوا مَعَهُمْ، وَقَوِيَ طَمَعُ الْفِرِنْجِ بِمَوْتِ الْمَلِكِ الْمُعَظَّمِ عِيسَى ابْنِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ، صَاحِبِ دِمَشْقَ.
وَلَمَّا وَصَلَ الْأَنْبرورِ إِلَى السَّاحِلِ، نَزَلَ بِمَدِينَةَ عَكَّا، وَكَانَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ابْنُ الْمَلِكِ الْعَادِلِ صَاحِبُ مِصْرَ، قَدْ خَرَجَ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ يُرِيدُ الشَّامَ بَعْدَ وَفَاةِ أَخِيهِ الْمُعَظَّمِ، وَهُوَ نَازِلٌ بِتَلِّ الْعُجُولِ، يُرِيدُ أَنْ يَمْلِكَ دِمَشْقَ مِنَ النَّاصِرِ دَاوُدَ ابْنِ أَخِيهِ الْمُعَظَّمِ، وَهُوَ صَاحِبُهَا يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ دَاوُدُ لَمَّا سَمِعَ بِقَصْدِ عَمِّهِ الْمَلِكِ الْكَامِلِ لَهُ، قَدْ أَرْسَلَ إِلَى عَمِّهِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ صَاحِبِ الْبِلَادِ الْجَزْرِيَّةِ، يَسْتَنْجِدُهُ، وَيَطْلُبُ مِنْهُ الْمُسَاعَدَةَ عَلَى دَفْعِ عَمِّهِ عَنْهُ، فَسَارَ إِلَى دِمَشْقَ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ الْمَلِكِ الْكَامِلِ فِي الصُّلْحِ، فَاصْطَلَحَا وَاتَّفَقَا، وَسَارَ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ إِلَى الْمَلِكِ الْكَامِلِ وَاجْتَمَعَ بِهِ.
فَلَمَّا اجْتَمَعَا، تَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَنْبرورِ مَلِكِ الْفِرِنْجِ دَفَعَاتٍ كَثِيرَةً، فَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ عَلَى أَنْ يُسَلِّمُوا إِلَيْهِ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ وَمَعَهُ مَوَاضِعُ يَسِيرَةٌ مِنْ بِلَادِهِ، وَيَكُونُ بَاقِي الْبِلَادِ مِثْلُ الْخَلِيلِ، وَنَابُلُسُ، وَالْغَوْرُ، وَمَلَطْيَةَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ بِيَدِ الْمُسْلِمِينَ
стр. 6145
وَلَا يُسَلَّمُ إِلَى الْفِرِنْجِ إِلَّا الْبَيْتُ الْمُقَدَّسُ وَالْمَوَاضِعُ الَّتِي اسْتَقَرَّتْ مَعَهُ.
وَكَانَ سُورُ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ خَرَابًا [قَدْ] خَرَّبَهُ الْمَلِكُ الْمُعَظَّمُ، وَقَدْ [ذَكَرْنَا] ذَلِكَ، وَتَسَلَّمَ الْفِرِنْجُ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ، وَاسْتَعْظَمَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ وَأَكْبَرُوهُ، وَوَجَدُوا لَهُ مِنَ الْوَهْنِ وَالتَّأَلُّمِ مَا لَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ، يَسَّرَّ اللَّهُ فَتْحَهُ وَعَوْدَهُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ، آمِينَ.
ذِكْرُ مُلْكِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ مَدِينَةَ دِمَشْقَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثَانِيَ شَعْبَانَ، مَلَكَ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ ابْنُ الْمَلِكِ الْعَادِلِ مَدِينَةَ دِمَشْقَ مِنَ ابْنِ أَخِيهِ صَلَاحِ الدِّينِ دَاوُدَ بْنِ الْمُعَظَّمِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ صَاحِبَ دِمَشْقَ لَمَّا خَافَ مِنْ عَمِّهِ الْمَلِكِ الْكَامِلِ، أَرْسَلَ إِلَى عَمِّهِ الْأَشْرَفِ يَسْتَنْجِدُهُ، وَيَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى دَفْعِ الْكَامِلِ عَنْهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْبِلَادِ الْجَزْرِيَّةِ، وَدَخَلَ دِمَشْقَ، وَفَرِحَ بِهِ صَاحِبُهَا وَأَهْلُ الْبَلَدِ. وَكَانُوا قَدِ احْتَاطُوا، وَهُمْ يَتَجَهَّزُونَ لِلْحِصَارِ، فَأَمَرَ بِإِزَالَةِ ذَلِكَ، وَتَرْكِ مَا عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاحْتِيَاطِ، وَحَلَفَ لِصَاحِبِهَا عَلَى الْمُسَاعَدَةِ وَالْحِفْظِ لَهُ وَلِبِلَادِهِ عَلَيْهِ، وَرَاسَلَ الْمَلِكَ الْكَامِلَ وَاصْطَلَحَا، وَظَنَّ صَاحِبُ دِمَشْقَ أَنَّهُ مَعَهُمَا فِي الصُّلْحِ.
وَسَارَ الْأَشْرَفُ إِلَى أَخِيهِ الْكَامِلِ، وَاجْتَمَعَا فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، يَوْمَ الْعِيدِ، وَسَارَ صَاحِبُ دِمَشْقَ إِلَى بَيْسَانَ وَأَقَامَ بِهَا، وَعَادَ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ مِنْ عِنْدِ أَخِيهِ، وَاجْتَمَعَ هُوَ وَصَاحِبُ دِمَشْقَ، وَلَمْ يَكُنِ الْأَشْرَفُ فِي كَثْرَةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ فِي خَيْمَةٍ لَهُمَا، إِذْ قَدْ دَخَلَ عِزُّ الدِّينِ أَيْبَك، مَمْلُوكُ الْمُعَظَّمِ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ دِمَشْقَ، وَهُوَ أَكْبَرُ أَمِيرٍ مَعَ وَلَدِهِ، فَقَالَ لِصَاحِبِهِ دَاوُدَ: قُمِ اخْرُجْ وَإِلَّا
стр. 6146
قُبِضْتَ السَّاعَةَ، فَأَخْرَجَهُ، وَلَمْ يُمْكِنِ الْأَشْرَفُ مَنْعَهُ ; لِأَنَّ أَيْبَكَ كَانَ قَدْ أَرْكَبَ الْعَسْكَرَ الَّذِي لَهُمْ جَمِيعَهُ، وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنَ الَّذِينَ مَعَ الْأَشْرَفِ، فَخَرَجَ دَاوُدُ وَسَارَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ إِلَى دِمَشْقَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَيْبَكَ قِيلَ لَهُ: إِنَّ الْأَشْرَفَ يُرِيدُ الْقَبْضَ عَلَى صَاحِبِهِ وَأَخْذِ دِمَشْقَ مِنْهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا عَادُوا، وَصَلَتِ الْعَسَاكِرُ مِنَ الْكَامِلِ إِلَى الْأَشْرَفِ، وَسَارَ فَنَازَلَ دِمَشْقَ وَحَصَرَهَا، وَأَقَامَ مُحَاصِرًا لَهَا إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ الْكَامِلُ، فَحِينَئِذٍ اشْتَدَّ الْحِصَارُ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ.
وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ الْأُمُورِ عَلَى صَاحِبِهَا أَنَّ الْمَالَ عِنْدَهُ قَلِيلٌ ; لِأَنَّ أَمْوَالَهُ بِالْكَرَكِ، وَلِوُثُوقِهِ بِعَمِّهِ الْأَشْرَفِ لَمْ يُحْضِرْ مِنْهَا شَيْئًا، فَاحْتَاجَ إِلَى أَنْ بَاعَ حُلِيَّ نِسَائِهِ وَمَلْبُوسَهُنَّ، وَضَاقَتِ الْأُمُورُ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ إِلَى عَمِّهِ الْكَامِلِ وَبَذَلَ لَهُ تَسْلِيمَ دِمَشْقَ وَقَلْعَةَ الشَّوْبَكِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ الْكَرَكُ، وَالْغَوْرُ، وَبَيْسَانُ، وَنَابُلُسُ، وَأَنْ يُبْقِيَ عَلَىَ أَيْبَكَ قَلْعَةَ صَرْخَدَ وَأَعْمَالَهَا.
وَتَسَلَّمَ الْكَامِلُ دِمَشْقَ، وَجَعَلَ نَائِبَهُ بِالْقَلْعَةِ إِلَى أَنْ سَلَّمَ إِلَيْهِ أَخُوهُ الْأَشْرَفُ حَرَّانَ وَالرُّهَا، وَالرَّقَّةَ وَسَرُوجَ، وَرَأْسَ عَيْنٍ مِنَ الْجَزِيرَةِ، فَلَمَّا تَسَلَّمَ ذَلِكَ، سَلَّمَ قَلْعَةَ دِمَشْقَ إِلَى أَخِيهِ الْأَشْرَفِ، فَدَخَلَهَا وَأَقَامَ بِهَا، وَسَارَ الْكَامِلُ إِلَى الدِّيَارِ الْجَزْرِيَّةِ، فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنِ اسْتَدْعَى أَخَاهُ الْأَشْرَفَ بِسَبَبِ حَصْرِ جَلَالِ الدِّينِ بْنِ خُوَارَزْمَ شَاهْ مَدِينَةَ خِلَاطَ، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ بِالرَّقَّةِ، عَادَ الْكَامِلُ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ، وَأَمَّا الْأَشْرَفُ فَكَانَ مِنْهُ مَا نَذْكُرُهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى الْحَاجِبِ عَلَيٍّ وَقَتْلِهِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَرْسَلَ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ مَمْلُوكَهُ عِزَّ الدِّينِ أَيْبَكَ، وَهُوَ أَمِيرٌ كَبِيرٌ فِي دَوْلَتِهِ إِلَى مَدِينَةِ خِلَاطَ، وَأَمَرَهُ بِالْقَبْضِ عَلَى الْحَاجِبِ حُسَامِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ حَمَّادٍ،
стр. 6147
وَهُوَ الْمُتَوَلِّي لِبِلَادِ خِلَاطَ وَالْحَاكِمُ فِيهَا مِنْ قِبَلِ الْأَشْرَفِ.
وَلَمْ نَعْلَمْ شَيْئًا يُوجِبُ الْقَبْضَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ مُشْفِقًا عَلَيْهِ، نَاصِحًا لَهُ، حَافِظًا لِبِلَادِهِ، وَحَسَنَ السِّيرَةِ مَعَ الرَّعِيَّةِ، وَلَقَدْ وَقَفَ هَذِهِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ فِي وَجْهِ خُوَارَزْمَ شَاهْ جَلَالُ الدِّينِ، وَحَفِظَ خِلَاطَ حِفْظًا يَعْجَزُ غَيْرُهُ عَنْهُ، وَكَانَ مُهْتَمًّا بِحِفْظِ بِلَادِهِ، وَذَابًّا عَنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ قَصْدِهِ بِلَادَ جَلَالِ الدِّينِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى بَعْضِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى هِمَّةٍ عَالِيَةٍ، وَشَجَاعَةٍ تَامَّةٍ، وَصَارَ لِصَاحِبِهِ بِهِ مَنْزِلَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: بَعْضُ غِلْمَانِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ يُقَاوِمُ خُوَارَزْمَ شَاهْ.
وَكَانَ ﵀ كَثِيرَ الْخَيْرِ وَالْإِحْسَانِ، لَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنْ ظُلْمٍ، وَعَمِلَ كَثِيرًا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ، مِنَ الْخَانَاتِ فِي الطُّرُقِ، وَالْمَسَاجِدِ فِي الْبِلَادِ، وَبَنَى بِخِلَاطَ بِيمَارِسْتَانًا وَجَامِعًا، وَعَمِلَ كَثِيرًا مِنَ الطُّرُقِ، وَأَصْلَحَهَا كَانَ يَشُقُّ سُلُوكَهَا.
فَلَمَّا وَصَلَ أَيْبَكُ إِلَى خِلَاطَ، قَبَضَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَتَلَهُ غِيلَةً ; لِأَنَّهُ كَانَ عَدُوَّهُ، وَلَمَّا قُتِلَ ظَهَرَ أَثَرُ كِفَايَتِهِ، فَإِنَّ جَلَالَ الدِّينِ حَصَرَ خِلَاطَ بَعْدَ قَبْضِهِ وَمَلَكَهَا، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَمْ يُمْهِلِ اللَّهُ أَيْبَكَ، بَلِ انْتَقَمَ مِنْهُ سَرِيعًا، فَإِنَّ جَلَالَ الدِّينِ أَخَذَ أَيْبَكَ أَسِيرًا لَمَّا مَلَكَ خِلَاطَ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَلَمَّا اصْطَلَحَ الْأَشْرَفُ وَجَلَالُ الدِّينِ أَطْلَقَ الْجَمِيعَ، وَذَكَرَ أَنَّ أَيْبَكَ قُتِلَ.
وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ مَمْلُوكًا لِلْحَاجِبِ عَلَيٍّ كَانَ قَدْ هَرَبَ إِلَى جَلَالِ الدِّينِ، فَلَمَّا أُسِرَ أَيْبَكُ، طَلَبَهُ ذَلِكَ الْمَمْلُوكُ مِنْ جَلَالِ الدِّينِ لِيَقْتُلَهُ بِصَاحِبِهِ الْحَاجِبِ عَلِيٍّ، فَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وَبَلَغَنِي أَنَّ الْمَلِكَ الْأَشْرَفَ رَأَى فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ الْحَاجِبَ عَلِيًّا قَدْ دَخَلَ إِلَى مَجْلِسٍ فِيهِ أَيْبَكَ، فَأَخَذَ مِنْدِيلًا وَجَعَلَهُ فِي رَقَبَةِ أَيْبَكَ وَأَخَذَهُ وَخَرَجَ، فَأَصْبَحَ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ وَقَالَ: قَدْ مَاتَ أَيْبَكُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَذَا وَكَذَا.
ذِكْرُ مُلْكِ الْكَامِلِ مَدِينَةَ حَمَاةَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَوَاخِرَ شَهْرِ رَمَضَانَ، مَلَكَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ مَدِينَةَ حَمَاةَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَلِكَ الْمَنْصُورَ مُحَمَّدَ بْنَ تَقِيِّ الدِّينِ عُمَرَ، وَهُوَ صَاحِبُ حَمَاةَ، تُوُفِّيَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، حَلَفَ الْجُنْدُ وَأَكَابِرُ الْبَلَدِ لِوَلَدِهِ الْأَكْبَرِ، وَيُلَقَّبُ بِالْمَلِكِ الْمُظَفَّرِ، وَكَانَ قَدْ سَيَّرَهُ أَبُوهُ إِلَى الْمَلِكِ الْكَامِلِ صَاحِبِ مِصْرَ ; لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَ
стр. 6148
بِابْنَتِهِ، وَكَانَ لِمُحَمَّدٍ وَلَدٌ آخَرُ اسْمُهُ قَلِجْ أَرْسِلَانَ، وَلَقَبُهُ صَلَاحُ الدِّينِ، وَهُوَ بِدِمَشْقَ، فَحَضَرَ إِلَى مَدِينَةِ حَمَاةَ فَسُلِّمَتْ إِلَيْهِ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْمَدِينَةِ وَعَلَى قَلْعَتِهَا، فَأَرْسَلَ الْمَلِكُ [الْكَامِلُ] يَأْمُرُهُ أَنْ يُسَلِّمَ الْبَلَدَ إِلَى أَخِيهِ الْأَكْبَرِ، فَإِنَّ أَبَاهُ أَوْصَى لَهُ بِهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْمَلِكِ الْمُعَظَّمِ صَاحِبِ دِمَشْقَ، فَلَمْ تَقَعِ الْإِجَابَةُ.
فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْمُعَظَّمُ، وَخَرَجَ الْكَامِلُ إِلَى الشَّامِ وَمَلَكَ دِمَشْقَ، سَيَّرَ جَيْشًا إِلَى حَمَاةَ فَحَصَرَهَا ثَالِثَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانَ الْمُقَدَّمَ عَلَى هَذَا الْجَيْشِ أَسَدُ الدِّينِ شِيرْكُوهْ صَاحِبُ حِمْصَ، وَأَمِيرٌ كَبِيرٌ مِنْ عَسْكَرِهِ يُقَالُ لَهُ فَخْرُ الدِّينِ عُثْمَانُ، وَمَعَهُمَا وَلَدُ مُحَمَّدِ بْنِ تَقِيِّ الدِّينِ مُحَمَّدٍ الَّذِي كَانَ عِنْدَ الْكَامِلِ، فَبَقِيَ الْحِصَارُ عَلَى الْبَلَدِ عِدَّةَ أَيَّامٍ.
وَكَانَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ قَدْ سَارَ عَنْ دِمَشْقَ وَنَزَلَ عَلَى سَلَمِيَّةَ يُرِيدُ الْعُبُورَ إِلَى الْبِلَادِ الْجَزْرِيَّةِ، حَرَّانَ وَغَيْرَهَا، فَلَمَّا نَازَلَهَا قَصَدَهُ صَاحِبُ حَمَاةَ صَلَاحُ الدِّينِ، وَنَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ قَلْعَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ سَبَبٌ إِلَّا أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ صَلَاحَ الدِّينِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أُرِيدُ النُّزُولَ إِلَى الْمَلِكِ الْكَامِلِ، فَقَالُوا لَهُ: لَيْسَ بِالشَّامِ أَحْصَنُ مِنْ قَلْعَتِكَ، وَقَدْ جَمَعْتَ مِنَ الذَّخَائِرِ مَا لَا حَدَّ لَهُ، فَلِأَيِّ شَيْءٍ تَنْزِلُ إِلَيْهِ؟ لَيْسَ هَذَا بِرَأْيٍ، فَأَصَرَّ عَلَى النُّزُولِ، وَأَصَرُّوا عَلَى مَنْعِهِ، فَقَالَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ:
اتْرُكُونِي أَنْزِلُ، وَإِلَّا أَلْقَيْتُ نَفْسِي مِنَ الْقَلْعَةِ، فَحِينَئِذٍ سَكَتُوا عَنْهُ، فَنَزَلَ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، وَوَصَلَ إِلَى الْكَامِلِ، فَاعْتَقَلَهُ إِلَى أَنْ سَلَّمَ مَدِينَةَ حَمَاةَ وَقَلْعَتَهَا إِلَى أَخِيهِ الْأَكْبَرِ الْمَلِكِ الْمُظَفَّرِ، وَبَقِيَ بِيَدِهِ قَلْعَةُ بَارِينَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ لَهُ، وَكَانَ هُوَ كَالْبَاحِثِ عَنْ حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ.
ذِكْرُ حَصْرِ جَلَالِ الدِّينِ خِلَاطَ وَمُلْكِهَا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَوَائِلَ شَوَّالٍ، حَصَرَ جَلَالُ الدِّينِ خُوَارَزْمُ شَاهْ مَدِينَةَ خِلَاطَ، وَهِيَ لِلْمَلِكِ الْأَشْرَفِ، وَبِهَا عَسْكَرُهُ، فَامْتَنَعُوا بِهَا، وَأَعَانَهُمْ أَهْلُ الْبَلَدِ خَوْفًا مِنْ جَلَالِ الدِّينِ لِسُوءِ سِيرَتِهِ، وَأَسْرَفُوا فِي الشَّتْمِ وَالسَّفَهِ، فَأَخَذَهُ اللَّجَاجُ مَعَهُمْ، وَأَقَامَ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ الشِّتَاءِ مُحَاصِرًا، وَفَرَّقَ كَثِيرًا مِنْ عَسَاكِرِهِ فِي الْقُرَى وَالْبِلَادِ الْقَرِيبَةِ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ وَكَثْرَةِ الثَّلْجِ، فَإِنَّ خِلَاطَ مِنْ أَشَدِّ الْبِلَادِ بَرْدًا وَأَكْثَرِهَا ثَلْجًا.
وَأَبَانَ جَلَالُ الدِّينِ عَنْ عَزْمٍ قَوِيٍّ، وَصَبْرٍ تَحَارُ الْعُقُولُ مِنْهُ، وَنَصَبَ عَلَيْهَا عِدَّةَ مَجَانِيقَ، وَلَمْ يَزَلْ يَرْمِيهَا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى خُرِّبَتْ بَعْضُ سُورِهَا، فَأَعَادَ أَهْلُ الْبَلَدِ
стр. 6149
عِمَارَتَهُ، وَلَمْ يَزَلْ مُصَابِرَهُمْ وَمُلَازِمَهُمْ إِلَى أَوَاخِرِ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ [وَسِتِّمِائَةٍ] ، فَزَحَفَ إِلَيْهَا زَحْفًا مُتَتَابِعًا وَمَلَكَهَا عَنْوَةً وَقَهْرًا يَوْمَ الْأَحَدِ الثَّامِنَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، سَلَّمَهَا إِلَيْهِ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ غَدْرًا.
فَلَمَّا مَلَكَ الْبَلَدَ، صَعِدَ مَنْ فِيهِ مِنَ الْأُمَرَاءِ إِلَى الْقَلْعَةِ الَّتِي لَهَا وَامْتَنَعُوا بِهَا، وَهُوَ مُنَازِلُهُمْ، وَوَضَعَ السَّيْفَ فِي أَهْلِ [الْبَلَدِ] ، وَقَتَلَ مَنْ وَجَدَ بِهِ مِنْهُمْ، وَكَانُوا قَدْ قَلُّوا، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ فَارَقُوهُ خَوْفًا، وَبَعْضَهُمْ خَرَجَ مِنْهُ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ، وَبَعْضَهُمْ مَاتَ مِنَ الْقِلَّةِ وَعَدَمِ الْقُوتِ، فَإِنَّ النَّاسَ فِي خِلَاطَ أَكَلُوا الْغَنَمَ، ثُمَّ الْبَقَرَ، ثُمَّ الْجَوَامِيسَ، ثُمَّ الْخَيْلَ، ثُمَّ الْحُمُرَ، ثُمَّ الْبِغَالَ وَالْكِلَابَ وَالسَّنَانِيرَ، وَسَمِعْنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَصْطَادُونَ الْفَأْرَ وَيَأْكُلُونَهُ، وَصَبَرُوا صَبْرًا لَمْ يَلْحَقْهُمْ فِيهِ أَحَدٌ.
وَلَمْ يَمْلِكْ مِنْ بِلَادِ خِلَاطَ غَيْرَهَا، وَمَا سِوَاهَا مِنَ الْبِلَادِ لَمْ يَكُونُوا مَلَكُوهُ، وَخَرَّبُوا خِلَاطَ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِيهَا، وَمَنْ سَلِمَ هَرَبَ فِي الْبِلَادِ، وَسَبُوا الْحَرِيمَ، وَاسْتَرَقُّوا الْأَوْلَادَ، وَبَاعُوا الْجَمِيعَ، فَتَمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ، وَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ، وَنَهَبُوا الْأَمْوَالَ، وَجَرَى عَلَى أَهْلِهَا مَا لَمْ يَسْمَعْ بِمِثْلِهِ أَحَدٌ، لَا جَرَمَ لَمْ يُمْهِلْهُ اللَّهُ - تَعَالَى، وَجَرَى عَلَيْهِ مِنَ الْهَزِيمَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ والتَّتَرِ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
فِي أَوَاخِرِ هَذِهِ السَّنَةِ قَصَدَ الْفِرِنْجُ حِصْنَ بَارِينَ بِالشَّامِ، وَنَهَبُوا بِلَادَهُ وَأَعْمَالَهُ، وَأَسَرُوا وَسَبُوا، وَمِنْ جُمْلَةِ مَنْ ظَفِرُوا بِهِ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ التُّرْكُمَانِ، فَأَخَذُوا الْجَمِيعَ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ إِلَّا النَّادِرُ الشَّاذُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 6150
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ]
٦٢٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ
ذِكْرُ انْهِزَامِ جَلَالِ الدِّينِ مَنْ كَيْقُبَاذَ وَالْأَشْرَفِ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ يَوْمَ السَّبْتِ الثَّامِنَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، انْهَزَمَ جَلَالُ الدِّينِ بْنُ خُوَارَزْمَ شَاهْ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَيْقُبَاذَ بْنِ كَيْخَسْرُو بْنِ قَلِجْ أَرْسِلَانَ صَاحِبِ بِلَادِ الرُّومِ، قُونِيَّةَ، وَأَقْصَرَا، وَسِيوَاسَ، وَمَلَطْيَةَ، وَغَيْرِهَا، وَمِنَ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ، صَاحِبِ دِمَشْقَ وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ وَخِلَاطَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ جَلَالَ الدِّينِ كَانَ قَدْ أَطَاعَهُ صَاحِبُ أَرْزَنَ الرُّومِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ عَلَاءِ الدِّينِ، مَلِكِ الرُّومِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَلِكِ الرُّومِ عَدَاوَةٌ مُسْتَحْكَمَةٌ، وَحَضَرَ صَاحِبُ أَرْزَنَ الرُّومِ عِنْدَ جَلَالِ الدِّينِ عَلَى خِلَاطَ، وَأَعَانَهُ عَلَى حَصْرِهَا، فَخَافَهُمَا عَلَاءُ الدِّينِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ الْكَامِلِ، وَهُوَ حِينَئِذٍ بِحَرَّانَ، يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُحْضِرَ أَخَاهُ الْأَشْرَفَ مِنْ دِمَشْقَ، فَإِنَّهُ كَانَ مُقِيمًا بِهَا بَعْدَ أَنْ مَلَكَهَا، وَتَابَعَ عَلَاءُ الدِّينِ الرُّسُلَ بِذَلِكَ خَوْفًا مِنْ جَلَالِ الدِّينِ، فَأَحْضَرَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ أَخَاهُ الْأَشْرَفَ مِنْ دِمَشْقَ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ، وَرُسُلُ عَلَاءِ الدِّينِ إِلَيْهِمَا مُتَتَابِعَةٌ، يَحُثُّ الْأَشْرَفَ عَلَى الْمَجِيءِ إِلَيْهِ وَالِاجْتِمَاعِ بِهِ، حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَصَلَ إِلَى الْكَامِلِ وَالْأَشْرَفِ مِنْ عَلَاءِ الدِّينِ خَمْسَةُ رُسُلٍ، وَيَطْلُبُ مَعَ الْجَمِيعِ وَصُولَ الْأَشْرَفِ إِلَيْهِ وَلَوْ وَحْدَهُ، فَجَمَعَ عَسَاكِرَ الْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ وَسَارَ إِلَى عَلَاءِ الدِّينِ، فَاجْتَمَعَا بِسِيوَاسَ، وَسَارَا نَحْوَ خِلَاطَ، فَسَمِعَ جَلَالُ الدِّينِ بِهِمَا، فَسَارَ إِلَيْهِمَا مُجِدًّا فِي السَّيْرِ، فَوَصَلَ إِلَيْهِمَا بِمَكَانٍ يُعْرَفُ بِبَاسِي حِمَارٍ، وَهُوَ مِنْ أَعْمَالِ أَرْزَنْجَانَ، فَالْتَقَوْا هُنَاكَ.
стр. 6151
وَكَانَ مَعَ عَلَاءِ الدِّينِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، قِيلَ: كَانُوا عِشْرِينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَكَانَ مَعَ الْأَشْرَفِ نَحْوُ خَمْسَةِ آلَافِ فَارِسٍ، إِلَّا أَنَّهُمْ مِنَ الْعَسَاكِرِ الْجَيِّدَةِ الشُّجْعَانِ، لَهُمُ السِّلَاحُ الْكَثِيرُ، وَالدَّوَابُّ الْفَارِهَةُ مِنَ الْعَرَبِيَّاتِ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ قَدْ جَرَّبَ الْحَرْبَ. وَكَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ أَمِيرٌ مِنْ أُمَرَاءِ عَسَاكِرَ حَلَبَ يُقَالُ لَهُ عِزُّ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، وَهُوَ مِنَ الْأَكْرَادِ الْهَكَّارِيَّةِ، وَمِنَ الشَّجَاعَةِ فِي الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا، وَلَهُ الْأَوْصَافُ الْجَمِيلَةُ وَالْأَخْلَاقُ الْكَرِيمَةُ.
فَلَمَّا الْتَقَوْا، بُهِتَ جَلَالُ الدِّينِ لَمَّا رَأَى مِنْ كَثْرَةِ الْعَسَاكِرِ، وَلَا سِيَّمَا لَمَّا رَأَى عَسْكَرَ الشَّامِ، فَإِنَّهُ شَاهَدَ مِنْ تَجَمُّلِهِمْ، وَسِلَاحِهِمْ، وَدَوَابِّهِمْ مَا مَلَأَ صَدْرَهُ رُعْبًا، فَأَنْشَبَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَلِيٍّ الْقِتَالَ، وَمَعَهُ عَسْكَرُ حَلَبَ، فَلَمْ يَقُمْ لَهُمْ جَلَالُ الدِّينِ وَلَا صَبَرَ، وَمَضَى مُنْهَزِمًا هُوَ وَعَسْكَرُهُ، وَتَمَزَّقُوا لَا يَلْوِي الْأَخُ عَلَى أَخِيهِ، وَعَادُوا إِلَى خِلَاطَ فَاسْتَصْحَبُوا مَعَهُمْ مَنْ فِيهَا مِنْ أَصْحَابِهِمْ، وَعَادُوا إِلَى أَذْرَبِيجَانَ فَنَزَلُوا عِنْدَ مَدِينَةِ خُوَيٍّ، وَلَمْ يَكُونُوا قَدِ اسْتَوْلَوْا عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ خِلَاطَ سِوَى خِلَاطَ، وَوَصَلَ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ إِلَى خِلَاطَ وَقَدِ اسْتَصْحَبُوا مَعَهُمْ مَنْ فِيهَا فَبَقِيَتْ خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا، خَالِيَةً مِنَ الْأَهْلِ وَالسُّكَّانِ، قَدْ جَرَى عَلَيْهِمْ مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ.
ذِكْرُ مُلْكِ عَلَاءِ الدِّينِ أَرْزَنَ الرُّومِ.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ صَاحِبَ أَرْزَنَ الرُّومِ كَانَ مَعَ جَلَالِ الدِّينِ عَلَى خِلَاطَ، وَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ، وَشَهِدَ مَعَهُ الْمَصَافَّ الْمَذْكُورَ، فَلَمَّا انْهَزَمَ جَلَالُ الدِّينِ، أَخَذَ صَاحِبَ أَرْزَنَ الرُّومِ أَسِيرًا، فَأُحْضِرَ عِنْدَ عَلَاءِ الدِّينِ كَيْقُبَاذَ ابْنُ عَمِّهِ، فَأَخَذَهُ وَقَصَدَ أَرْزَنَ الرُّومِ، فَسَلَّمَهَا صَاحِبُهَا إِلَيْهِ هِيَ وَمَا يَتْبَعُهَا مِنَ الْقِلَاعِ وَالْخَزَائِنِ وَغَيْرِهَا، فَكَانَ كَمَا قِيلَ: خَرَجَتِ النَّعَامَةُ تَطْلُبُ قَرْنَيْنِ، فَعَادَتْ بِلَا أُذُنَيْنِ.
وَهَكَذَا هَذَا الْمِسْكِينُ جَاءَ إِلَى جَلَالِ الدِّينِ يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ، فَوَعَدَهُ بِشَيْءٍ مِنْ بِلَادِ عَلَاءِ الدِّينِ، فَأَخَذَ مِنْ مَالِهِ وَمَا بِيَدَيْهِ مِنَ الْبِلَادِ وَبَقِيَ أَسِيرًا، فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَزُولُ مُلْكُهُ.
стр. 6152
ذِكْرُ الصُّلْحِ بَيْنَ الْأَشْرَفِ وَعَلَاءِ الدِّينِ وَبَيْنَ جَلَالِ الدِّينِ.
لَمَّا عَادَ الْأَشْرَفُ إِلَى خِلَاطَ، وَمَضَى جَلَالُ الدِّينِ مُنْهَزِمًا إِلَى خُوَيٍّ، تَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا، فَاصْطَلَحُوا كُلٌّ مِنْهُمْ عَلَى مَا بِيَدِهِ، وَاسْتَقَرَّتِ الْقَوَاعِدُ عَلَى ذَلِكَ، وَتَحَالَفُوا، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الصُّلْحُ وَجَرَتِ الْأَيْمَانُ، عَادَ الْأَشْرَفُ إِلَى سِنْجَارَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى دِمَشْقَ، فَأَقَامَ جَلَالُ الدِّينِ بِبِلَادِهِ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى أَنْ خَرَجَ عَلَيْهَا التَّتَرُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ مُلْكِ شِهَابِ الدِّينِ غَازِي مَدِينَةَ أَرْزَنَ.
كَانَ حُسَامُ الدِّينِ صَاحِبُ مَدِينَةِ أَرْزَنَ مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ لَمْ يَزَلْ مُصَاحِبًا لِلْمَلِكِ الْأَشْرَفِ، مُشَاهِدًا جَمِيعَ حُرُوبِهِ وَحَوَادِثِهِ، وَيُنْفِقُ أَمْوَالَهُ مِنْ طَاعَتِهِ، وَيَبْذُلُ نَفْسَهُ وَعَسَاكِرَهُ فِي مُسَاعَدَتِهِ، فَهُوَ يُعَادِي أَعْدَاءَهُ، وَيُوَالِي أَوْلِيَاءَهُ.
وَمِنْ جُمْلَةِ مُوَافَقَتِهِ أَنَّهُ كَانَ فِي خِلَاطَ لَمَّا حَصَرَهَا جَلَالُ الدِّينِ، فَأَسَرَهُ جَلَالُ الدِّينِ، وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَدِينَةَ أَرْزَنَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَذَا مِنْ بَيْتٍ قَدِيمٍ عَرِيقٍ فِي الْمُلْكِ، وَإِنَّهُ وَرِثَ أَرْزَنَ هَذِهِ مِنْ أَسْلَافِهِ، وَكَانَ لَهُمْ سِوَاهَا مِنَ الْبِلَادِ، فَخَرَجَ الْجَمِيعُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ وَرَقَّ لَهُ، وَأَبْقَى عَلَيْهِ مَدِينَتَهُ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ أَنَّهُ لَا يُقَاتِلُهُ.
فَلَمَّا جَاءَ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ وَعَلَاءُ الدِّينِ مُحَارِبِينَ لِجَلَالِ الدِّينِ، لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُمْ فِي الْحَرْبِ، فَلَمَّا انْهَزَمَ جَلَالُ الدِّينِ، سَارَ شِهَابُ الدِّينِ غَازِي ابْنُ الْمَلِكِ الْعَادِلِ، وَهُوَ أَخُو الْأَشْرَفِ، وَلَهُ مَدِينَةُ مَيَّافَارِقِينَ، وَمَدِينَةُ حَانِي، وَهُوَ بِمَدِينَةِ أَرْزَنَ، فَحَصَرَهُ بِهَا، ثُمَّ مَلَكَهَا صُلْحًا، وَعَوَّضَهُ عَنْهَا بِمَدِينَةِ حَانِي مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ.
وَحُسَامُ الدِّينِ هَذَا نِعْمَ الرَّجُلُ، حَسَنُ السِّيرَةِ، كَرِيمٌ، جَوَادٌ، لَا يَخْلُو بَابُهُ مِنْ جَمَاعَةٍ يَرِدُونَ إِلَيْهِ يَسْتَمْنِحُونَهُ، وَسِيرَتُهُ جَمِيلَةٌ فِي وِلَايَتِهِ وَرَعِيَّتِهِ، وَهُوَ مِنْ بَيْتٍ قَدِيمٍ يُقَالُ لَهُ بَيْتُ طُغَانَ أَرْسِلَانَ، كَانَ لَهُ مَعَ أَرْزَنَ بَدْلِيسُ وَوَسْطَانُ وَغَيْرُهُمَا، وَيُقَالُ لَهُمْ بَيْتُ الْأَحْدَبِ، وَهَذِهِ الْبِلَادُ مَعَهُمْ مِنْ أَيَّامِ مَلِكْشَاهْ بْنِ أَلْبِ أَرْسِلَانَ السَّلْجُوقِيِّ، فَأَخَذَ
стр. 6153
بُكْتُمُرُ صَاحِبُ خِلَاطَ مِنْهُمْ بَدُلِيسَ، أَخَذَهَا مِنْ عَمِّ حُسَامِ الدِّينِ هَذَا ; لِأَنَّهُ كَانَ مُوَافِقًا لِصَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ، فَقَصَدَهُ بُكْتُمُرُ لِذَلِكَ، وَبَقِيَتْ أَرْزَنُ بِيَدِ هَذَا إِلَى الْآنِ، فَأُخِذَتْ مِنْهُ، وَلِكُلِّ أَوَّلٍ آخِرٌ، فَسُبْحَانَ مَنْ لَا أَوَّلَ لَهُ وَلَا آخِرَ لِبَقَائِهِ.
ذِكْرُ مُلْكِ سُونَجَ قَشْيَالُوا قَلْعَةَ رَوَيْنَدْزَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ أَمِيرٌ مِنْ أُمَرَاءِ التُّرْكُمَانِ اسْمُهُ سُونْجُ، وَلَقَبُهُ شَمْسُ الدِّينِ، وَاسْمُ قَبِيلَتِهِ قشيَالُوا، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَقَطَعَ الطَّرِيقَ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَكَانَ بَيْنَ إِرْبِلَ وَهَمَذَانَ، وَهُوَ وَمَنْ مَعَهُ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ، وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَدَّى إِلَى قَلْعَةٍ مَنِيعَةٍ اسْمُهَا سَارُو، وَهِيَ لِمُظَفَّرِ الدِّينِ، مِنْ أَعْمَالِ إِرْبِلَ، فَأَخَذَهَا وَقَتَلَ عِنْدَهَا أَمِيرًا كَبِيرًا مِنْ أُمَرَاءَ مُظَفَّرِ الدِّينِ، فَجَمَعَ مُظَفَّرُ الدِّينِ، وَأَرَادَ اسْتِعَادَتَهَا مِنْهُ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ لِحَصَانَتِهَا، وَلِكَثْرَةِ الْجُمُوعِ مَعَ هَذَا الرَّجُلِ، فَاصْطَلَحَا عَلَى تَرْكِ الْقَلْعَةِ بِيَدِهِ.
وَكَانَ عَسْكَرٌ لِجَلَالِ الدِّينِ بْنِ خُوَارَزْمَ شَاهْ يَحْصُرُونَ قَلْعَةَ رويندزَ، وَهِيَ مِنْ قِلَاعِ أَذْرَبِيجَانَ، مِنْ أَحْصَنِ الْقِلَاعِ وَأَمْنَعِهَا، لَا يُوجَدُ مِثْلُهَا، وَقَدْ طَالَ الْحِصَارُ عَلَى مَنْ بِهَا فَأَذْعَنُوا بِالتَّسْلِيمِ، فَأَرْسَلَ جَلَالُ الدِّينِ بَعْضَ خَوَاصِّ أَصْحَابِهِ وَثِقَاتِهِ لِيَتَسَلَّمَهَا، وَأَرْسَلَ مَعَهُ الْخِلَعَ وَالْمَالَ لِمَنْ بِهَا، فَلَمَّا صَعِدَ ذَلِكَ الْقَاصِدُ إِلَى الْقَلْعَةِ وَتَسَلَّمَهَا، أَعْطَى بَعْضَ مَنْ بِالْقَلْعَةِ، وَلَمْ يُعْطِ الْبَعْضَ، وَاسْتَذَلَّهُمْ وَطَمِعَ فِيهِمْ حَيْثُ اسْتَوْلَى عَلَى الْحِصْنِ، فَلَمَّا رَأَى مَنْ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا مِنَ الْخِلَعِ وَالْمَالِ مَا فَعَلَ بِهِمْ، أَرْسَلُوا إِلَى سُونْجَ يَطْلُبُونَهُ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ الْقَلْعَةَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فِي أَصْحَابِهِ فَسَلَّمُوهَا إِلَيْهِ، فَسُبْحَانَ مَنْ إِذَا أَرَادَ أَمْرًا سَهَّلَهُ.
قَلْعَةُ رُويندزَ هَذِهِ لَمْ تَزَلْ تَتَقَاصَرُ عَنْهَا قُدْرَةُ أَكَابِرِ الْمُلُوكِ وَعُظَمَائِهِمْ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ وَحَدِيثِهِ، وَتُضْرَبُ الْأَمْثَالُ بِحَصَانَتِهَا، لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَمْلِكَهَا هَذَا الرَّجُلُ الضَّعِيفُ، سَهَّلَ لَهُ الْأُمُورَ، فَمَلَكَهَا بِغَيْرِ قِتَالٍ وَلَا تَعَبٍ، وَأَزَالَ عَنْهَا أَصْحَابَ مِثْلِ جَلَالِ الدِّينِ الَّذِي كُلُّ مُلُوكِ الْأَرْضِ تَهَابُهُ وَتَخَافُهُ، وَكَانَ أَصْحَابُ جَلَالِ الدِّينِ، كَمَا قِيلَ: رُبَّ سَاعٍ لِقَاعِدٍ.
فَلَمَّا مَلَكَهَا سُونْجُ، طَمِعَ فِي غَيْرِهَا، وَلَا سِيَّمَا مَعَ اشْتِغَالِ جَلَالِ الدِّينِ بِمَا أَصَابَهُ
стр. 6154
مِنَ الْهَزِيمَةِ وَمَجِيءِ التَّتَرِ، فَنَزَلَ مِنَ الْقَلْعَةِ إِلَى مَرَاغَةَ، وَهِيَ قَرِيبٌ مِنْهَا، فَحَصَرَهَا، فَأَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ مَلِكُ [قَلْعَةِ] رويندزَ أَخُوهُ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْأَخَ الثَّانِيَ نَزَلَ مِنَ الْقَلْعَةِ، وَقَصَدَ أَعْمَالَ تِبْرِيزَ وَنَهَبَهَا، وَعَادَ إِلَى الْقَلْعَةِ لِيَجْعَلَ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ النَّهْبِ وَالْغَنِيمَةِ ذَخِيرَةً خَوْفًا مِنَ التَّتَرِ، وَكَانُوا قَدْ خَرَجُوا، فَصَادَفَهُ طَائِفَةٌ مِنَ التَّتَرِ، فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا مَا مَعَهُ مِنَ النَّهْبِ، وَلَمَّا قُتِلَ مَلَكَ الْقَلْعَةَ ابْنُ أُخْتٍ لَهُ، وَكَانَ هَذَا جَمِيعُهُ فِي مُدَّةِ سَنَتَيْنِ، فَأُفٍّ لِدُنْيَا لَا تَزَالُ تُتْبِعُ فَرْحَةً بِتَرِحَةٍ، وَكُلَّ حَسَنَةٍ بِسَيِّئَةٍ.
стр. 6155
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ]
٦٢٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ
ذِكْرُ خُرُوجِ التَّتَرِ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَ التَّتَرُ مِنْ بِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ كَيْفَ مَلَكُوا مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَمَا صَنَعُوهُ بِخُرَاسَانَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ مِنَ النَّهْبِ، وَالتَّخْرِيبِ، وَالْقَتْلِ، وَاسْتَقَرَّ مُلْكُهُمْ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَعَادَتْ بِلَادُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ فَانْعَمَرَتْ، وَعَمَرُوا مَدِينَةً تُقَارِبُ مَدِينَةَ خُوَارَزْمَ عَظِيمَةً، وَبَقِيَتْ مُدُنُ خُرَاسَانَ خَرَابًا لَا يَجْسُرُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [أَنْ] يَسْكُنَهَا.
وَأَمَّا التَّتَرُ فَكَانُوا تُغِيرُ كُلَّ قَلِيلٍ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَنْهَبُونَ مَا يَرَوْنَهُ بِهَا، فَالْبِلَادُ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ إِلَى أَنْ ظَهَرَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ [وَسِتِّمِائَةٍ] ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ جَلَالِ الدِّينِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَبَقُوا كَذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ الْآنُ، وَانْهَزَمَ جَلَالُ الدِّينِ مِنْ عَلَاءِ الدِّينِ كَيْقُبَاذَ وَمِنَ الْأَشْرَفِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ [وَسِتِّمِائَةٍ] ، أَرْسَلَ مُقَدَّمُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ الْمَلَاحِدَةِ إِلَى التَّتَرِ يُعَرِّفُهُمْ ضَعْفَ جَلَالِ الدِّينِ بِالْهَزِيمَةِ الْكَائِنَةِ عَلَيْهِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى قَصْدِهِ عُقَيْبَ الضَّعْفِ، وَيَضْمَنُ لَهُمُ الظَّفَرَ بِهِ لِلْوَهْنِ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ.
وَكَانَ جَلَالُ الدِّينِ سَيِّئَ السِّيرَةِ، قَبِيحَ التَّدَبُّرِ لِمُلْكِهِ، لَمْ يَتْرُكْ أَحَدًا مِنَ الْمُلُوكِ الْمُجَاوِرِينَ لَهُ إِلَّا عَادَاهُ، وَنَازَعَهُ الْمُلْكَ، وَأَسَاءَ مُجَاوَرَتَهُ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَا ظَهَرَ فِي أَصْفَهَانَ وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ قَصَدَ خُوزِسْتَانَ، فَحَصَرَ مَدِينَةَ شُشْتَرَ، وَهِيَ لِلْخَلِيفَةِ، وَسَارَ إِلَى دَقُوقَا فَنَهَبَهَا، وَقَتَلَ فِيهَا فَأَكْثَرَ، وَهِيَ لِلْخَلِيفَةِ أَيْضًا.
ثُمَّ مَلَكَ أَذْرَبِيجَانَ، وَهِيَ لِأُوزْبَكَ، وَقَصَدَ الْكُرْجَ وَهَزَمَهُمْ وَعَادَاهُمْ، ثُمَّ عَادَى الْمَلِكَ الْأَشْرَفَ صَاحِبَ خِلَاطَ، ثُمَّ عَادَى عَلَاءَ الدِّينِ صَاحِبَ بِلَادِ الرُّومِ، وَعَادَى الْإِسْمَاعِيلِيَّةَ، وَنَهَبَ بِلَادَهُمْ، وَقَتَلَ فِيهِمْ فَأَكْثَرَ، وَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ وَظِيفَةً مِنَ الْمَالِ كُلَّ سَنَةٍ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ، فَكُلٌّ مِنَ الْمُلُوكِ تَخَلَّى عَنْهُ، وَلَمْ يَأْخُذْ بِيَدِهِ.
стр. 6156
فَلَمَّا وَصَلَتْ كُتُبُ مُقَدَّمِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ إِلَى التَّتَرِ يَسْتَدْعِيهِمْ إِلَى قَصْدِ جَلَالِ الدِّينِ، بَادَرَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَدَخَلُوا بِلَادَهُمْ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى الرَّيِّ وَهَمَذَانَ وَمِمَّا بَيْنَهُمَا مِنَ الْبِلَادِ، ثُمَّ قَصَدُوا أَذْرَبِيجَانَ فَخَرَّبُوا وَنَهَبُوا وَقَتَلُوا مَنْ ظَفِرُوا بِهِ مِنْ أَهْلِهَا، وَجَلَالُ الدِّينِ لَا يُقْدِمُ عَلَى أَنْ يَلْقَاهُمْ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَمْنَعَهُمْ عَنِ الْبِلَادِ، قَدْ مُلِئَ رُعْبًا وَخَوْفًا، وَانْضَافَ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ عَسْكَرَهُ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، وَخَرَجَ وَزِيرُهُ عَنْ طَاعَتِهِ فِي طَائِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ.
وَكَانَ السَّبَبُ غَرِيبًا أَظْهَرَ مِنْ قِلَّةِ عَقْلِ جَلَالِ الدِّينِ مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ خَادِمٌ خَصِيٌّ، وَكَانَ جَلَالُ الدِّينِ يَهْوَاهُ، وَاسْمُهُ قَلِجُ، فَاتَّفَقَ أَنَّ الْخَادِمَ مَاتَ، فَأَظْهَرَ مِنَ الْهَلَعِ وَالْجَزَعِ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَلَا لِمَجْنُونِ لَيْلَى، وَأَمَرَ الْجُنْدَ وَالْأُمَرَاءَ أَنْ يَمْشُوا فِي جِنَازَتِهِ رَجَّالَةً، وَكَانَ مَوْتُهُ بِمَوْضِعٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تِبْرِيزَ عِدَّةُ فَرَاسِخَ، فَمَشَى النَّاسُ رَجَّالَةً، وَمَشَى بَعْضَ الطَّرِيقِ رَاجِلًا، فَأَلْزَمَهُ أُمَرَاؤُهُ وَوَزِيرُهُ بِالرُّكُوبِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى تِبْرِيزَ أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، فَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ عَنِ الْبَلَدِ لِتَلَقِّي تَابُوتِ الْخَادِمِ، فَفَعَلُوا، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ حَيْثُ لَمْ يُبْعِدُوا، وَلَمْ يُظْهِرُوا مِنَ الْحُزْنِ وَالْبُكَاءِ أَكْثَرَ مِمَّا فَعَلُوا، وَأَرَادَ مُعَاقَبَتَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَشَفَعَ فِيهِمْ أُمَرَاؤُهُ فَتَرَكَهُمْ.
ثُمَّ لَمْ يُدْفَنْ ذَلِكَ الْخَصِيُّ، وَإِنَّمَا يَسْتَصْحِبُهُ مَعَهُ حَيْثُ سَارَ، وَهُوَ يَلْطُمُ وَيَبْكِي، فَامْتَنَعَ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَكَانَ إِذَا قُدِّمَ لَهُ طَعَامٌ، يَقُولُ: احْمِلُوا مِنْ هَذَا إِلَى فُلَانٍ، يَعْنِي الْخَادِمَ، وَلَا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ [أَنْ] يَقُولَ إِنَّهُ مَاتَ، فَإِنَّهُ قِيلَ لَهُ مَرَّةً إِنَّهُ مَاتَ، فَقَتَلَ الْقَائِلَ لَهُ ذَلِكَ، إِنَّمَا كَانُوا يَحْمِلُونَ إِلَيْهِ الطَّعَامَ، وَيَعُودُونَ فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ يُقَبِّلُ الْأَرْضَ وَيَقُولُ: إِنَّنِي الْآنَ أَصْلَحُ مِمَّا كُنْتُ، فَلَحِقَ أُمَرَاءَهُ مِنَ الْغَيْظِ وَالْأَنَفَةِ مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ مَا حَمَلَهُمْ عَلَى مُفَارَقَةِ طَاعَتِهِ وَالِانْحِيَازِ عَنْهُ مَعَ وَزِيرِهِ، فَبَقِيَ حَيْرَانَ لَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ، وَلَا سِيَّمَا لَمَّا خَرَجَ التَّتَرُ، فَحِينَئِذٍ دَفَنَ الْغُلَامَ الْخَصِيَّ، وَرَاسَلَ الْوَزِيرَ وَاسْتَمَالَهُ وَخَدَعَهُ إِلَى أَنْ حَضَرَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ، بَقِيَ أَيَّامًا وَقَتَلَهُ جَلَالُ الدِّينِ، وَهَذِهِ نَادِرَةٌ غَرِيبَةٌ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا.
ذِكْرُ مُلْكِ التَّتَرِ مَرَاغَةَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ حَصَرَ التَّتَرُ مَرَاغَةَ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ، فَامْتَنَعَ أَهْلُهَا، ثُمَّ أَذْعَنَ أَهْلُهَا بِالتَّسْلِيمِ عَلَى أَمَانٍ طَلَبُوهُ، فَبَذَلُوا لَهُمُ الْأَمَانَ، وَتَسَلَّمُوا الْبَلَدَ وَقَتَلُوا فِيهِ إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ
стр. 6157
يُكْثِرُوا الْقَتْلَ وَجَعَلُوا فِي الْبَلَدِ شِحْنَةً، وَعَظُمَ حِينَئِذٍ شَأْنُ التَّتَرِ، وَاشْتَدَّ خَوْفُ النَّاسِ مِنْهُمْ بِأَذْرَبِيجَانَ، فَاللَّهُ - تَعَالَى - يَنْصُرُ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ نَصْرًا مِنْ عِنْدِهِ، فَمَا نَرَى فِي مُلُوكِ الْإِسْلَامِ مَنْ لَهُ رَغْبَةٌ فِي الْجِهَادِ، وَلَا فِي نُصْرَةِ الدِّينِ، بَلْ كُلٌّ مِنْهُمْ مُقْبِلٌ عَلَى لَهْوِهِ وَلَعِبِهِ وَظُلْمِ رَعِيَّتِهِ، وَهَذَا أَخْوَفُ عِنْدِي مِنَ الْعَدُوِّ، وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] .
ذِكْرُ وُصُولِ جَلَالِ الدِّينِ إِلَى آمِدَ، وَانْهِزَامِهِ عِنْدَهَا، وَمَا كَانَ مِنْهُ.
لَمَّا رَأَى جَلَالُ الدِّينِ مَا يَفْعَلُهُ التَّتَرُ فِي بِلَادِ أَذْرَبِيجَانَ، وَأَنَّهُمْ مُقِيمُونَ بِهَا يَقْتُلُونَ وَيَنْهَبُونَ، وَيَأْسِرُونَ وَيُخَرِّبُونَ الْبِلَادَ، وَيَجْبُونَ الْأَمْوَالَ، وَهُمْ عَازِمُونَ عَلَى قَصْدِهِ، وَرَأَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْوَهْنِ وَالضَّعْفِ، فَارَقَ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى بِلَادِ خِلَاطَ، وَأَرْسَلَ إِلَى النَّائِبِ بِهَا عَنِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ يَقُولُ لَهُ: مَا جِئْنَا لِلْحَرْبِ وَلَا لِلْأَذَى، إِنَّمَا خَوْفُ هَذَا الْعَدُوِّ حَمَلَنَا عَلَى قَصْدِ بِلَادِكُمْ.
وَكَانَ عَازِمًا عَلَى أَنْ يَقْصِدَ دِيَارَ بَكْرٍ وَالْجَزِيرَةَ، وَيَقْصِدَ بَابَ الْخَلِيفَةِ يَسْتَنْجِدُهُ وَجَمِيعَ الْمُلُوكِ عَلَى التَّتَرِ، وَيَطْلُبَ مِنْهُمُ الْمُسَاعَدَةَ عَلَى دَفْعِهِمْ، وَيُحَذِّرَهُمْ عَاقِبَةَ إِهْمَالِهِمْ، فَوَصَلَ إِلَى خِلَاطَ، فَبَلَغَهُ أَنَّ التَّتَرَ يَطْلُبُونَهُ، وَهُمْ مُجِدُّونَ فِي أَثَرِهِ، فَسَارَ إِلَى آمِدَ، وَجَعَلَ لَهُ الْيَزَكَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ خَوْفًا مِنَ الْبَيَاتِ، فَجَاءَتْ طَائِفَةٌ مِنَ التَّتَرِ يَقُصُّونَ أَثَرَهُ، فَوَصَلُوا إِلَيْهِ وَهُمْ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي فِيهِ الْيَزَكُ، فَأَوْقَعُوا بِهِ لَيْلًا وَهُوَ بِظَاهِرِ مَدِينَةِ آمِدَ، فَمَضَى مُنْهَزِمًا عَلَى وَجْهِهِ، وَتَفَرَّقَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَسْكَرِ وَتَمَزَّقُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَقَصَدَ طَائِفَةٌ مِنْ عَسْكَرِهِ حَرَّانَ، فَأَوْقَعَ بِهِمُ الْأَمِيرُ صَوَابٌ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ عَسْكَرِ الْكَامِلِ بِحَرَّانَ، فَأَخَذُوا مَا مَعَهُمْ مِنْ مَالٍ، وَسِلَاحٍ وَدَوَابَّ، وَقَصَدَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ نَصِيبِينَ وَالْمَوْصِلَ، وَسِنْجَارَ وإِرْبِلَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْبِلَادِ، فَتَخَطَّفَهُمُ الْمُلُوكُ وَالرَّعَايَا، وَطَمِعَ فِيهِمْ كُلُّ أَحَدٍ، حَتَّى الْفَلَّاحُ وَالْكُرْدِيُّ، وَالْبَدَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَانْتَقَمَ مِنْهُمْ وَجَازَاهُمْ عَلَى سُوءِ صَنِيعِهِمْ، وَقَبِيحِ فِعْلِهِمْ فِي خِلَاطَ وَغَيْرِهَا، وَبِمَا سَعَوْا فِي الْأَرْضِ مِنَ الْفَسَادِ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ، فَازْدَادَ جَلَالُ الدِّينِ ضَعْفًا إِلَى ضَعْفِهِ، وَوَهْنًا إِلَى وَهْنِهِ بِمَنْ تَفَرَّقَ مِنْ عَسْكَرِهِ، وَبِمَا جَرَى عَلَيْهِمْ.
فَلَمَّا فَعَلَ التَّتَرُ بِهِمْ ذَلِكَ، وَمَضَى مُنْهَزِمًا مِنْهُمْ، دَخَلُوا دِيَارَ بَكْرٍ فِي طَلَبِهِ ; لِأَنَّهُمْ
стр. 6158
لَمْ يَعْلَمُوا أَيْنَ قَصَدَ، وَلَا أَيَّ طَرِيقٍ سَلَكَ، فَسُبْحَانَ مَنْ بَدَّلَ أَمْنَهُمْ خَوْفًا، وَعِزَّهُمْ ذُلًّا، وَكَثْرَتَهُمْ قِلَّةً، فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، الْفَعَّالُ لَمَّا يَشَاءُ.
ذِكْرُ دُخُولِ التَّتَرِ دِيَارَ بَكْرٍ وَالْجَزِيرَةَ، وَمَا فَعَلُوهُ فِي الْبِلَادِ مِنَ الْفَسَادِ.
لَمَّا انْهَزَمَ جَلَالُ الدِّينِ مِنَ التَّتَرِ عَلَى آمِدَ، نَهَبَ التَّتَرُ سَوَادَ آمِدَ وَأَرْزَنَ ومَيَّافَارِقِينَ، وَقَصَدُوا مَدِينَةَ أَسْعَرْدَ، فَقَاتَلَهُمْ أَهْلُهَا، فَبَذَلَ لَهُمُ التَّتَرُ الْأَمَانَ، فَوَثِقُوا مِنْهُمْ وَاسْتَسْلَمُوا، فَلَمَّا تَمَكَّنَ التَّتَرُ مِنْهُمْ، وَضَعُوا فِيهِمُ السَّيْفَ وَقَتَلُوهُمْ حَتَّى كَادُوا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ إِلَّا مَنِ اخْتَفَى، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ.
حَكَى لِي بَعْضُ التُّجَّارِ، وَكَانَ قَدْ وَصَلَ آمِدَ، أَنَّهُمْ حَزَرُوا الْقَتْلَى مَا يَزِيدُ عَلَى خَمْسَةَ عَشْرَ أَلْفِ قَتِيلٍ، وَكَانَ مَعَ هَذَا التَّاجِرِ جَارِيَةٌ مِنْ أَسْعَرْدَ، فَذَكَرَتْ أَنَّ سَيِّدَهَا خَرَجَ لِيُقَاتِلَ، وَكَانَ لَهُ أُمٌّ، فَمَنَعَتْهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ سِوَاهُ، فَلَمْ يُصْغِ إِلَى قَوْلِهَا، فَمَشَتْ مَعَهُ، فَقُتِلَا جَمِيعًا، وَوَرِثَهَا ابْنُ أَخٍ لِلْأُمِّ، فَبَاعَهَا مِنْ هَذَا التَّاجِرِ، وَذَكَرَتْ مِنْ كَثْرَةِ الْقَتْلَى أَمْرًا عَظِيمًا، وَأَنَّ مُدَّةَ الْحِصَارِ كَانَتْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ.
ثُمَّ سَارُوا مِنْهَا إِلَى مَدِينَةِ طَنْزَةَ فَفَعَلُوا فِيهَا كَذَلِكَ، وَسَارُوا مِنْ طَنْزَةَ إِلَى وَادٍ بِالْقُرْبِ مِنْ طَنْزَةَ يُقَالُ لَهُ وَادِي الْقُرَيْشِيَّةِ، فِيهِ مِيَاهٌ جَارِيَةٌ، وَبَسَاتِينُ كَثِيرَةٌ، وَالطَّرِيقُ إِلَيْهِ ضَيِّقٌ، فَقَاتَلَهُمْ أَهْلُ الْقُرَيْشِيَّةِ فَمَنَعُوهُمْ عَنْهُ، وَامْتَنَعُوا عَلَيْهِمْ، وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ كَثِيرٌ، فَعَادَ التَّتَرُ وَلَمْ يَبْلُغُوا مِنْهُمْ غَرَضًا، وَسَارُوا فِي الْبِلَادِ لَا مَانِعَ يَمْنَعُهُمْ، وَلَا أَحَدَ يَقِفُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَوَصَلُوا إِلَى مَارِدِينَ فَنَهَبُوا مَا وَجَدُوا مِنْ بَلَدِهَا، وَاحْتَمَى صَاحِبُ مَارِدِينَ وَأَهْلُ دُنَيْسِرَ بِقَلْعَةِ مَارِدِينَ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ جَاوَرَ الْقَلْعَةَ احْتَمَى بِهَا أَيْضًا.
ثُمَّ وَصَلُوا إِلَى نَصِيبِينَ الْجَزِيرَةَ، فَأَقَامُوا عَلَيْهَا بَعْضَ نَهَارٍ، وَنَهَبُوا سَوَادَهَا وَقَتَلُوا
стр. 6159
مَنْ ظَفِرُوا بِهِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُهَا، فَعَادُوا عَنْهَا، وَمَضَوْا إِلَى بَلَدِ سِنْجَارَ، وَوَصَلُوا إِلَى الْجِبَالِ مِنْ أَعْمَالِ سِنْجَارَ، فَنَهَبُوهَا وَدَخَلُوا إِلَى الْخَابُورِ، فَوَصَلُوا إِلَى عَرَابَانَ، فَنَهَبُوا، وَقَتَلُوا، وَعَادُوا.
وَمَضَى طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْمَوْصِلِ، فَوَصَلَ الْقَوْمُ إِلَى قَرْيَةٍ تُسَمَّى الْمُؤْنِسَةَ، وَهِيَ عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنْ نَصِيبِينَ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَوْصِلِ، فَنَهَبُوهَا وَاحْتَمَى أَهْلُهَا وَغَيْرُهُمْ بِخَانٍ فِيهَا، فَقَتَلُوا كُلَّ مَنْ فِيهِ.
وَحُكِيَ لِي عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ: اخْتَفَيْتُ مِنْهُمْ بِبَيْتٍ فِيهِ تِبْنٌ، فَلَمْ يَظْفَرُوا بِي، وَكُنْتُ أَرَاهُمْ مِنْ نَافِذَةٍ فِي الْبَيْتِ، فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا قَتْلَ إِنْسَانٍ، فَيَقُولُ: لَا بِاللَّهِ، فَيَقْتُلُونَهُ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الْقَرْيَةِ، وَنَهَبُوا مَا فِيهَا، وَسَبُوا الْحَرِيمَ، رَأَيْتُهُمْ وَهُمْ يَلْعَبُونَ عَلَى الْخَيْلِ، وَيَضْحَكُونَ، وَيُغَنُّونَ بِلُغَتِهِمْ بِقَوْلِ: لَا بِاللَّهِ.
وَمَضَى طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى نَصِيبِينَ الرُّومِ، وَهِيَ عَلَى الْفُرَاتِ، وَهُمَا مِنْ أَعْمَالِ آمِدَ، فَنَهَبُوهَا، وَقَتَلُوا فِيهَا، ثُمَّ عَادُوا إِلَى آمِدَ، ثُمَّ إِلَى بَلَدِ بَدْلِيسَ، فَتَحَصَّنَ أَهْلُهَا بِالْقَلْعَةِ وَبِالْجِبَالِ، فَقَتَلُوا فِيهَا يَسِيرًا، وَأَحْرَقُوا الْمَدِينَةَ.
وَحَكَى إِنْسَانٌ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ: لَوْ كَانَ عِنْدَنَا خَمْسُ مِائَةِ فَارِسٍ، لَمْ يَسْلَمْ مِنَ التَّتَرِ أَحَدٌ ; لَأَنَّ الطَّرِيقَ ضَيِّقٌ بَيْنَ الْجِبَالِ، وَالْقَلِيلُ يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِ الْكَثِيرِ.
ثُمَّ سَارُوا مِنْ بَدْلِيسَ إِلَى خِلَاطَ، فَحَصَرُوا مَدِينَةً مِنْ أَعْمَالِ خِلَاطَ يُقَالُ لَهَا: بَاكْرَى، وَهِيَ مِنْ أَحْصَنِ الْبِلَادِ، فَمَلَكُوهَا عَنْوَةً، وَقَتَلُوا كُلَّ مَنْ بِهَا، وَقَصَدُوا مَدِينَةَ أَرْجِيشَ مِنْ أَعْمَالِ خِلَاطَ، وَهِيَ مَدِينَةٌ كَبِيرَةٌ عَظِيمَةٌ، فَفَعَلُوا كَذَلِكَ، وَكَانَ هَذَا فِي ذِي الْحِجَّةِ.
وَلَقَدْ حُكِيَ لِي عَنْهُمْ حِكَايَاتٌ يَكَادُ سَامِعُهَا يُكَذِّبُ بِهَا مِنَ الْخَوْفِ الَّذِي أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ مِنْهُمْ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ الْقَرْيَةَ أَوِ الدَّرْبَ وَبِهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَلَا يَزَالُ يَقْتُلُهُمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، لَا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ [أَنْ] يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى ذَلِكَ الْفَارِسِ.
وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ إِنْسَانًا مِنْهُمْ أَخَذَ رَجُلًا، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ التَّتَرِيِّ مَا يَقْتُلُهُ بِهِ، فَقَالَ لَهُ: ضَعْ رَأْسَكَ عَلَى الْأَرْضِ وَلَا تَبْرَحْ، فَوَضَعَ رَأَسَهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَمَضَى التَّتَرِيُّ فَأَحْضَرَ سَيْفًا وَقَتَلَهُ بِهِ.
وَحَكَى لِي رَجُلٌ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَمَعِي سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فِي طَرِيقٍ، فَجَاءَنَا فَارِسٌ
стр. 6160
مِنَ التَّتَرِ، وَقَالَ لَنَا حَتَّى يُكَتِّفَ بَعْضُنَا بَعْضًا، فَشَرَعَ أَصْحَابِي يَفْعَلُونَ مَا أَمَرَهُمْ، فَقُلْتُ لَهُمْ: هَذَا وَاحِدٌ فَلِمَ لَا نَقْتُلُهُ وَنَهْرُبُ؟ فَقَالُوا: نَخَافُ. فَقُلْتُ: هَذَا يُرِيدُ قَتْلَكُمُ السَّاعَةَ، فَنَحْنُ نَقْتُلُهُ، فَلَعَلَّ اللَّهَ يُخَلِّصُنَا، فَوَاللَّهِ مَا جَسَرَ أَحَدٌ [أَنْ] يَفْعَلَ، فَأَخَذْتُ سِكِّينًا وَقَتَلْتُهُ وَهَرَبْنَا فَنَجَوْنَا، وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ.
ذِكْرُ وَصُولِ طَائِفَةٍ مِنَ التَّتَرِ إِلَى إِرْبِلَ وَدَقُوقَا.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَصَلَ طَائِفَةٌ مِنَ التَّتَرِ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى أَعْمَالِ إِرْبِلَ، فَقَتَلُوا مَنْ عَلَى طَرِيقِهِمْ مِنَ التُّرْكُمَانِ الْإِيوَانِيَّةِ وَالْأَكْرَادِ الْجُوزْقَانِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنْ دَخَلُوا بَلَدَ إِرْبِلَ، فَنَهَبُوا الْقُرَى، وَقَتَلُوا مَنْ ظَفِرُوا بِهِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْأَعْمَالِ، وَعَمِلُوا الْأَعْمَالَ الشَّنِيعَةَ الَّتِي لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَبَرَزَ مُظَفَّرُ الدِّينِ صَاحِبُ إِرْبِلَ فِي عَسَاكِرِهِ، وَاسْتَمَدَّ عَسَاكِرَ الْمَوْصِلِ فَسَارُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ عَوْدُ التَّتَرِ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، أَقَامَ فِي بِلَادِهِ [وَلَمْ يَتْبَعْهُمْ] ، فَوَصَلُوا إِلَى بَلَدِ الْكَرْخِينِيِّ، وَبَلَدِ دَقُوقَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَعَادُوا سَالِمِينَ لَمْ يَذْعَرْهُمْ أَحَدٌ، وَلَا وَقَفَ فِي وُجُوهِهِمْ فَارِسٌ.
وَهَذِهِ مَصَائِبُ وَحَوَادِثُ لَمْ يَرَ النَّاسُ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ وَحَدِيثِهِ مَا يُقَارِبُهَا، فَاللَّهُ يَلْطُفُ بِالْمُسْلِمِينَ وَيَرْحَمُهُمْ، وَيَرُدُّ هَذَا الْعَدُوَّ عَنْهُمْ، وَخَرَجَتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَلَمْ نَتَحَقَّقْ لِجَلَالِ الدِّينِ خَبَرًا، وَلَا نَعْلَمُ هَلْ قُتِلَ أَوِ اخْتَفَى، لَمْ يُظْهِرْ نَفْسَهُ خَوْفًا مِنَ التَّتَرِ، أَوْ فَارَقَ الْبِلَادَ إِلَى غَيْرِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ طَاعَةِ أَهْلِ أَذْرَبِيجَانَ لِلتَّتَرِ.
فِي أَوَاخِرِ هَذِهِ السَّنَةِ أَطَاعَ أَهْلُ بِلَادِ أَذْرَبِيجَانَ جَمِيعِهَا لِلتَّتَرِ، وَحَمَلُوا إِلَيْهِمُ الْأَمْوَالَ وَالثِّيَابَ الْخِطَائِيَّ، وَالْخُوَيِّيَّ، وَالْعِتَابِيَّ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَسَبَبُ طَاعَتِهِمْ أَنَّ جَلَالَ الدِّينِ لَمَّا انْهَزَمَ عَلَى آمِدَ مِنَ التَّتَرِ، وَتَفَرَّقَتْ عَسَاكِرُهُ، وَتَمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ، وَتَخَطَّفَهُمُ النَّاسُ، وَفَعَلَ التَّتَرُ بِدِيَارِ بَكْرٍ وَالْجَزِيرَةِ، وإِرْبِلَ وَخِلَاطَ مَا فَعَلُوا، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ
стр. 6161
أَحَدٌ، وَلَا وَقَفَ فِي وُجُوهِهِمْ وَاقِفٌ، وَمُلُوكُ الْإِسْلَامِ مُنْجَحِرُونَ فِي الْأَثْقَابِ، وَانْضَافَ إِلَى هَذَا انْقِطَاعُ أَخْبَارِ جَلَالِ الدِّينِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ خَبَرٌ، وَلَا عَلِمُوا لَهُ حَالَةً، سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَذْعَنُوا لِلتَّتَرِ بِالطَّاعَةِ، وَحَمَلُوا إِلَيْهِمْ مَا طَلَبُوا مِنْهُمْ مَنِ الْأَمْوَالِ وَالثِّيَابِ.
مِنْ ذَلِكَ مَدِينَةُ تِبْرِيزَ الَّتِي هِيَ أَصْلُ بِلَادِ أَذْرَبِيجَانَ، وَمَرْجِعُ الْجَمِيعِ إِلَيْهَا وَإِلَى مَنْ بِهَا، فَإِنَّ مَلِكَ التَّتَرِ نَزَلَ فِي عَسَاكِرِهِ بِالْقُرْبِ مِنْهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى أَهْلِهَا يَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ، وَيَتَهَدَّدُهُمْ إِنِ امْتَنَعُوا عَلَيْهِ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ الْمَالَ الْكَثِيرَ، وَالتُّحَفَ مِنْ أَنْوَاعِ الثِّيَابِ الْإِبَرَيْسَمِ وَغَيْرِهَا، وَكُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخَمْرَ، وَبَذَلُوا لَهُ الطَّاعَةَ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ يَشْكُرُهُمْ، وَيَطْلُبُ مِنْهُمْ أَنْ يَحْضُرَ مُقَدَّمُوهُمْ عِنْدَهُ، فَقَصَدَهُ قَاضِي الْبَلَدِ وَرَئِيسُهُ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ أَهْلِهِ، وَتَخَلَّفَ عَنْهُمْ شَمْسُ الدِّينِ الطُّغْرَائِيُّ، وَهُوَ الَّذِي يَرْجِعُ الْجَمِيعُ إِلَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُظْهِرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
فَلَمَّا حَضَرُوا عِنْدَهُ، سَأَلَهُمْ عَنِ امْتِنَاعِ الطُّغْرَائِيِّ مِنَ الْحُضُورِ، فَقَالُوا: إِنَّهُ رَجُلٌ مُنْقَطِعٌ، مَا لَهُ بِالْمُلُوكِ تَعَلُّقٌ، وَنَحْنُ الْأَصْلُ، فَسَكَتَ ثُمَّ طَلَبَ أَنْ يُحْضِرُوا عِنْدَهُ مِنْ صُنَّاعِ الثِّيَابِ الْخِطَائِيِّ وَغَيْرِهَا، لِيُسْتَعْمَلَ لِمَلِكِهِمُ الْأَعْظَمِ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ مِنْ أَتْبَاعِ ذَلِكَ الْمَلِكِ، فَأَحْضَرُوا الصُّنَّاعَ، فَاسْتَعْمَلَهُمْ فِي الَّذِي أَرَادُوا، وَوَزَنَ أَهْلَ تِبْرِيزَ الثَّمَنَ، وَطَلَبَ مِنْهُمْ خَرْكَاةً لِمُلْكِهِ أَيْضًا، فَعَمِلُوا لَهُ خَرْكَاةً لَمْ يُعْمَلْ مِثْلُهَا، وَعَمِلُوا غِشَاءَهَا مِنَ الْأَطْلَسِ الْجَيِّدِ الْمُزَرْكَشِ، وَعَمِلُوا مِنْ دَاخِلِهَا السَّمُّورَ وَالْقُنْدُزَ، فَجَاءَتْ عَلَيْهِمْ بِجُمْلَةٍ كَثِيرَةٍ، وَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ كُلَّ سَنَةٍ، وَتَرَدَّدَتْ رُسُلُهُمْ إِلَى دِيوَانِ الْخِلَافَةِ وَإِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُلُوكِ يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَنْصُرُونَ خُوَارَزْمَ شَاهْ.
وَلَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى كِتَابٍ وَصَلَ مِنْ تَاجِرٍ مِنْ أَهْلِ الرَّيِّ فِي الْعَامِ الْمَاضِي، قَبْلَ خُرُوجِ التَّتَرِ، فَلَمَّا وَصَلَ التَّتَرُ إِلَى الرَّيِّ وَأَطَاعَهُمْ أَهْلُهَا، وَسَارُوا إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، سَارَ هُوَ مَعَهُمْ إِلَى تِبْرِيزَ، فَكَتَبَ إِلَى أَصْحَابِهِ بِالْمَوْصِلِ يَقُولُ: إِنَّ الْكَافِرَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - مَا نَقْدِرُ [أَنْ] نَصِفَهُ، وَلَا نَذْكُرَ جُمُوعَهُ حَتَّى لَا تَنْقَطِعَ قُلُوبُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْأَمْرَ عَظِيمٌ، وَلَا تَظُنُّوا أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ الَّتِي وَصَلَتْ إِلَى نَصِيبِينَ وَالْخَابُورِ، وَالطَّائِفَةَ الْأُخْرَى الَّتِي وَصَلَتْ إِلَى إِرْبِلَ وَدَقُوقَا، كَانَ قَصْدُهُمُ النَّهْبَ، إِنَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَعْلَمُوا هَلْ فِي الْبِلَادِ مَنْ
стр. 6162
يَرُدُّهُمْ أَمْ لَا، فَلَمَّا عَادُوا، أَخْبَرُوا مَلِكَهُمْ بِخُلُوِّ الْبِلَادِ مِنْ مَانِعٍ وَمُدَافِعٍ، وَأَنَّ الْبِلَادَ خَالِيَةٌ مِنْ مَلِكٍ وَعَسَاكِرَ، فَقَوِيَ طَمَعُهُمْ، وَهُمْ فِي الرَّبِيعِ يَقْصِدُونَكُمْ، وَمَا يَبْقَى عِنْدَكُمْ مُقَامٌ، إِلَّا إِنْ كَانَ فِي بَلَدِ الْغَرْبِ، فَإِنَّ عَزْمَهُمْ عَلَى قَصْدِ الْبِلَادِ جَمِيعِهَا، فَانْظُرُوا لِأَنْفُسِكُمْ. هَذَا مَضْمُونُ الْكِتَابِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَأَمَّا جَلَالُ الدِّينِ فَإِلَى آخِرِ سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ [وَسِتِّمِائَةٍ] لَمْ يَظْهَرْ لَهُ خَبَرٌ، وَكَذَلِكَ إِلَى سَلْخِ صَفَرٍ سَنَةَ تِسْعٍ لَمْ نَقِفْ لَهُ عَلَى حَالٍ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَلَّتِ الْأَمْطَارُ بِدِيَارِ الْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ، وَلَا سِيَّمَا حَلَبَ وَأَعْمَالَهَا فَإِنَّهَا كَانَتْ قَلِيلَةً بِالْمَرَّةِ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ بِالْبِلَادِ، وَكَانَ أَشَدَّهَا غَلَاءً حَلَبُ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالشَّدِيدِ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ، فَأَخْرَجَ أَتَابِكُ شِهَابُ الدِّينِ، وَهُوَ وَالِي الْأَمْرِ بِحَلَبَ، وَالْمَرْجِعُ إِلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَهُوَ الْمُدَبِّرُ لِدَوْلَةِ سُلْطَانِهَا الْمَلِكِ الْعَزِيزِ ابْنِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ، وَالْمُرَبِّي لَهُ، مِنَ الْمَالِ وَالْغَلَّاتِ كَثِيرًا، وَتَصَدَّقَ صَدَقَاتٍ دَارَّةً، وَسَاسَ الْبِلَادَ سِيَاسَةً حَسَنَةً بِحَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ لِلْغَلَاءِ أَثَرٌ، فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا.
وَفِيهَا بَنَى أَسَدُ الدِّينِ شِيرْكُوهْ، صَاحِبُ حِمْصَ وَالرَّحَبَةِ، قَلْعَةً عِنْدَ سَلَمِيَّةَ، وَسَمَّاهَا سُمَيْمِسَ، وَكَانَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ لَمَّا خَرَجَ مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ، قَدْ خَدَمَهُ أَسَدُ الدِّينِ، وَنَصَحَ لَهُ، وَلَهُ أَثَرٌ عَظِيمٌ فِي طَاعَتِهِ وَالْمُقَاتَلَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَقْطَعَهُ مَدِينَةَ سَلَمِيَّةَ، فَبَنَى هَذِهِ الْقَلْعَةَ بِالْقُرْبِ مِنْ سَلَمِيَّةِ، وَهِيَ عَلَى تَلٍّ عَالٍ.
وَفِيهَا قَصَدَ الْفِرِنْجُ الَّذِينَ بِالشَّامِ مَدِينَةَ جَبَلَةَ، وَهِيَ بَيْنَ جُمْلَةِ الْمُدُنِ الْمُضَافَةِ إِلَى حَلَبَ، وَدَخَلُوا إِلَيْهَا، وَأَخَذُوا مِنْهَا غَنِيمَةً وَأَسْرَى، فَسَيَّرَ أَتَابِكْ شِهَابُ الدِّينِ إِلَيْهِمُ الْعَسَاكِرَ مَعَ أَمِيرٍ كَانَ أُقْطِعَهَا، فَقَاتَلَ الْفِرِنْجَ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ كَثِيرًا، وَاسْتَرَدَّ الْأَسْرَى وَالْغَنِيمَةَ.
[الْوَفَيَاتُ] .
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي ابْنُ غَنَائِمِ بْنِ الْعَدِيمِ الْحَلَبِيُّ، الشَّيْخُ الصَّالِحُ، وَكَانَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْعِبَادَةِ وَالرِّيَاضَةِ وَالْعَامِلِينَ بِعِلْمِهِ، فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ
стр. 6163
أَعْبَدُ مِنْهُ، لَكَانَ صَادِقًا، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ شُيُوخِنَا، سَمِعْنَا عَلَيْهِ الْحَدِيثَ، وَانْتَفَعْنَا بِرُؤْيَتِهِ وَكَلَامِهِ.
وَفِيهَا أَيْضًا فِي الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ تُوُفِّيَ صَدِيقُنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ الْعَجَمِيِّ الْحَلَبِيُّ، وَهُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ مُقَدَّمُو السُّنَّةِ بِحَلَبَ، وَكَانَ رَجُلًا ذَا مُرُوءَةٍ غَزِيرَةٍ، وَخُلُقٍ حَسَنٍ، وَحِلْمٍ وَافِرٍ، وَرِئَاسَةٍ كَثِيرَةٍ، يُحِبُّ إِطْعَامَ الطَّعَامِ، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْهِ مَنْ يَأْكُلُ طَعَامَهُ، وَيَقْبَلُ بِرَّهُ، وَكَانَ يَلْقَى أَضْيَافَهُ بِوَجْهٍ مُنْبَسِطٍ وَلَا يَقْعُدُ عَنْ إِيصَالِ رَاحَةٍ، وَقَضَاءِ حَاجَةٍ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً.