← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وَأَرْسَلَ سَرِيَّةً إِلَى كَنِيسَةٍ بِالْغُوطَةِ، فَقَتَلُوا الرِّجَالَ وَسَبَوُا النِّسَاءَ وَسَاقُوا الْعِيَالَ إِلَى خَالِدٍ. ثُمَّ سَارَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى بُصْرَى، فَقَاتَلَ مَنْ بِهَا فَظَفِرَ بِهِمْ وَصَالَحَهُمْ، فَكَانَتْ بُصْرَى أَوَّلَ مَدِينَةٍ فُتِحَتْ بِالشَّامِ عَلَى يَدِ خَالِدٍ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ. وَبَعَثَ بِالْأَخْمَاسِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ. ثُمَّ سَارَ فَطَلَعَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي رَبِيعِ الْآخَرِ، وَطَلَعَ بَاهَانُ عَلَى الرُّومِ وَمَعَهُ الشَّمَامِسَةُ وَالْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ يُحَرِّضُونَ الرُّومَ عَلَى الْقِتَالِ، وَخَرَجَ بَاهَانُ كَالْمُعْتَذِرِ، فَوَلِيَ خَالِدٌ قِتَالَهُ، وَقَاتَلَ الْأُمَرَاءُ مَنْ بِإِزَائِهِمْ، وَرَجَعَ بَاهَانُ وَالرُّومُ إِلَى خَنْدَقِهِمْ وَقَدْ نَالَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ. (عَمِيرَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ) . [ذِكْرُ وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ] فَلَمَّا تَكَامَلَ جَمْعُ الْمُسْلِمِينَ بِالْيَرْمُوكِ، وَكَانُوا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا، قَدِمَ خَالِدٌ فِي تِسْعَةِ آلَافٍ، فَصَارُوا سِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا سِوَى عِكْرِمَةَ، فَإِنَّهُ كَانَ رِدْءًا لَهُمْ، وَقِيلَ: بَلْ كَانُوا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا وَثَلَاثَةَ آلَافٍ مِنْ فُلَّالِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَعَشَرَةَ آلَافٍ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَصَارُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا سِوَى سِتَّةِ آلَافٍ مَعَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَقِيلَ فِي عَدَدِهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ فِيهِمْ أَلْفُ صَحَابِيٍّ، مِنْهُمْ نَحْوُ مِائَةٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا. وَكَانَ الرُّومُ فِي مِائَتَيْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، مِنْهُمْ ثَمَانُونَ أَلْفَ مُقَيَّدٍ، وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ مُسَلْسَلٍ لِلْمَوْتِ، وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا مُرَبَّطُونَ بِالْعَمَائِمِ لِئَلَّا يَفِرُّوا، وَثَمَانُونَ أَلْفَ رَاجِلٍ، وَقِيلَ: كَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ، وَكَانَ قِتَالُ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ عَلَى تَسَانُدٍ، كُلُّ أَمِيرٍ عَلَى أَصْحَابِهِ لَا يَجْمَعُهُمْ أَحَدٌ، حَتَّى قَدِمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنَ الْعِرَاقِ، وَكَانَ الْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ يُحَرِّضُونَ الرُّومَ شَهْرًا، ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى الْقِتَالِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ قِتَالٌ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ. فَلَمَّا أَحَسَّ الْمُسْلِمُونَ بِخُرُوجِهِمْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ مُتَسَانِدِينَ، فَسَارَ فِيهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ لَا يَنْبَغِي فِيهِ الْفَخْرُ وَلَا

стр. 947

الْبَغْيُ، أَخْلِصُوا جِهَادَكُمْ وَأَرِيدُوا اللَّهَ بِعَمَلِكُمْ، فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ، وَلَا تُقَاتِلُوا قَوْمًا عَلَى نِظَامٍ وَتَعْبِيَةٍ وَأَنْتُمْ مُتَسَانِدُونَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ وَلَا يَنْبَغِي، وَإِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ لَوْ يَعْلَمُ عِلْمَكُمْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ هَذَا، فَاعْمَلُوا فِيمَا لَمْ تُؤْمَرُوا بِهِ بِالَّذِي تَرَوْنَ أَنَّهُ رَأْيٌ مِنْ وَالِيكُمْ وَمَحَبَّتِهِ. قَالُوا: هَاتِ، فَمَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَبْعَثْنَا إِلَّا وَهُوَ يَرَى أَنَّا سَنَتَيَاسَرُ، وَلَوْ عَلِمَ بِالَّذِي كَانَ وَيَكُونُ، لَقَدْ جَمَعَكُمْ، إِنَّ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ أَشَدُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِمَّا قَدْ غَشِيَهُمْ، وَأَنْفَعُ لِلْمُشْرِكِينَ مِنْ أَمْدَادِهِمْ، وَلَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الدُّنْيَا فَرَّقَتْ بَيْنَكُمْ، فَاللَّهَ اللَّهَ! فَقَدْ أُفْرِدَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِبَلَدٍ لَا يَنْتَقِصُهُ مِنْهُ إِنْ دَانَ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَلَا يَزِيدُهُ عَلَيْهِ إِنْ دَانُوا لَهُ. إِنَّ تَأْمِيرَ بَعْضِكُمْ لَا يَنْتَقِصُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا عِنْدَ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَلُمُّوا، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ تَهَيَّئُوا، وَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ، إِنْ رَدَدْنَاهُمْ إِلَى خَنْدَقِهِمُ الْيَوْمَ لَمْ نَزَلْ نَرُدُّهُمْ، وَإِنْ هَزَمُونَا لَمْ نُفْلِحْ بَعْدَهَا. فَهَلُمُّوا فَلْنَتَعَاوَرِ الْإِمَارَةَ، فَلْيَكُنْ بَعْضُنَا الْيَوْمَ، وَالْآخَرُ بَعْدَ غَدٍ، حَتَّى تَتَأَمَّرُوا كُلُّكُمْ، وَدَعُونِي أَتَأَمَّرُ الْيَوْمَ. فَأَمَّرُوهُ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهَا كَخَرَجَاتِهِمْ، وَأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَطُولُ. فَخَرَجَتِ الرُّومُ فِي تَعْبِيَةٍ لَمْ يَرَ الرَّاءُونَ مِثْلَهَا قَطُّ، وَخَرَجَ خَالِدٌ فِي تَعْبِيَةٍ لَمْ تُعِبَّهَا الْعَرَبُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ كُرْدُوسًا إِلَى الْأَرْبَعِينَ، وَقَالَ: إِنَّ عَدُوَّكُمْ كَثِيرٌ، وَلَيْسَ تَعْبِيَةً أَكْثَرَ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ مِنَ الْكَرَادِيسِ. فَجَعَلَ الْقَلْبَ كَرَادِيسَ، وَأَقَامَ فِيهِ أَبَا عُبَيْدَةَ، وَجَعَلَ الْمَيْمَنَةَ كَرَادِيسَ وَعَلَيْهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، وَجَعَلَ الْمَيْسَرَةَ كَرَادِيسَ وَعَلَيْهَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ عَلَى كُرْدُوسٍ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ كُرْدُوسٍ رَجُلًا مِنَ الشُّجْعَانِ، وَكَانَ الْقَاضِي أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَكَانَ الْقَاصُّ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلَى الطَّلَائِعِ قَبَاثُ بْنُ أَشْيَمَ، وَعَلَى الْأَقْبَاضِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. وَقَالَ رَجُلٌ لِخَالِدٍ: مَا أَكْثَرَ الرُّومَ وَأَقَلَّ الْمُسْلِمِينَ! فَقَالَ خَالِدٌ: مَا أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ وَأَقَلَّ الرُّومِ، إِنَّمَا تَكْثُرُ الْجُنُودُ بِالنَّصْرِ وَتَقِلُّ بِالْخِذْلَانِ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ الْأَشْقَرَ - يَعْنِي

стр. 948

فَرَسَهُ - بَرَاءٌ مِنْ تَوَجِّيهِ، وَأَنَّهُمْ أُضْعِفُوا فِي الْعَدَدِ. وَكَانَ قَدْ حَفِيَ فِي مَسِيرِهِ. فَأَمَرَ خَالِدٌ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ وَالْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو فَأَنْشَبَا الْقِتَالَ، وَالْتَحَمَ النَّاسُ وَتَطَارَدَ الْفُرْسَانُ وَتَقَاتَلُوا، فَإِنَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَدِمُ الْبَرِيدُ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَاسْمُهُ مَحْمِيَةُ بْنُ زُنَيْمٍ، فَسَأَلُوهُ الْخَبَرَ، فَأَخْبَرَهُمْ بِسَلَامَةٍ وَأَمْدَادٍ، وَإِنَّمَا جَاءَ بِمَوْتِ أَبِي بَكْرٍ وَتَأْمِيرِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَبَلَّغُوهُ خَالِدًا، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ أَبِي بَكْرٍ سِرًّا. وَخَرَجَ جَرَجَةُ إِلَى بَيْنِ الصَّفَّيْنِ وَطَلَبَ خَالِدًا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَآمَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ جَرَجَةُ: يَا خَالِدُ اصْدُقْنِي وَلَا تَكْذِبْنِي، فَإِنَّ الْحُرَّ لَا يَكْذِبُ، وَلَا تُخَادِعْنِي، فَإِنَّ الْكَرِيمَ لَا يُخَادِعُ الْمُسْتَرْسِلَ، هَلْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكُمْ سَيْفًا مِنَ السَّمَاءِ فَأَعْطَاكَهُ، فَلَا تَسُلَّهُ عَلَى قَوْمٍ إِلَّا هَزَمْتَهُمْ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَفِيمَ سُمِّيتَ سَيْفَ اللَّهِ؟ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ فِينَا نَبِيَّهُ ﷺ فَكُنْتُ فِيمَنْ كَذَّبَهُ وَقَاتَلَهُ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ هَدَانِي فَتَابَعْتُهُ، فَقَالَ: أَنْتَ سَيْفُ اللَّهِ، سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَدَعَا لِي بِالنَّصْرِ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي إِلَى مَا تَدْعُونِي. قَالَ خَالِدٌ: إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ أَوِ الْحَرْبِ. قَالَ: فَمَا مَنْزِلَةُ مَنِ الَّذِي يُجِيبُكُمْ وَيَدْخُلُ فِيكُمْ؟ قَالَ: مَنْزِلَتُنَا وَاحِدَةٌ. قَالَ: فَهَلْ لَهُ مِثْلُكُمْ مِنَ الْأَجْرِ وَالذُّخْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَأَفْضَلُ؛ لِأَنَّنَا اتَّبَعْنَا نَبِيَّنَا وَهُوَ حَيٌّ، يُخْبِرُنَا بِالْغَيْبِ وَنَرَى مِنْهُ الْعَجَائِبَ وَالْآيَاتِ، وَحُقَّ لِمَنْ رَأَى مَا رَأَيْنَا وَسَمِعَ مَا سَمِعْنَا أَنْ يُسْلِمَ، وَأَنْتُمْ لَمْ تَرَوْا مِثْلَنَا وَلَمْ تَسْمَعُوا مِثْلَنَا، فَمَنْ دَخَلَ بِنِيَّةٍ وَصِدْقٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنَّا. فَقَلَبَ جَرَجَةُ تُرْسَهُ وَمَالَ مَعَ خَالِدٍ وَأَسْلَمَ، وَعَلَّمَهُ الْإِسْلَامَ وَاغْتَسَلَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ مَعَ خَالِدٍ فَقَاتَلَ الرُّومَ. وَحَمَلَتِ الرُّومُ حَمْلَةً أَزَالُوا الْمُسْلِمِينَ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ إِلَّا الْمُحَامِيَةَ، عَلَيْهِمْ عِكْرِمَةُ وَعَمُّهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ يَوْمَئِذٍ: قَاتَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ، ثُمَّ أَفِرُّ الْيَوْمَ؟ ! ثُمَّ نَادَى: مَنْ يُبَايِعُ عَلَى الْمَوْتِ؟ فَبَايَعَهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ وَضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ وَفُرْسَانِهِمْ، فَقَاتَلُوا قُدَّامَ فُسْطَاطِ خَالِدٍ حَتَّى أُثْبِتُوا جَمِيعًا جِرَاحًا، فَمِنْهُمْ مَنْ بَرَأَ وَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ. وَقَاتَلَ خَالِدٌ وَجَرَجَةُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ جَرَجَةُ عِنْدَ آخِرِ النَّهَارِ، وَصَلَّى النَّاسُ الْأُولَى وَالْعَصْرَ إِيمَاءً، وَتَضَعْضَعَ الرُّومُ، وَنَهَدَ خَالِدٌ بِالْقَلْبِ حَتَّى كَانَ بَيْنَ خَيْلِهِ وَرَجْلِهِمْ، فَانْهَزَمَ الْفُرْسَانُ وَتَرَكُوا الرَّجَّالَةَ. وَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ خَيْلَ الرُّومِ قَدْ تَوَجَّهَتْ لِلْمَهْرَبِ أَفْرَجُوا لَهَا، فَتَفَرَّقَتْ وَقُتِلَ

стр. 949

الرَّجَّالَةُ، وَاقْتَحَمُوا فِي خَنْدَقِهِمْ، فَاقْتَحَمَهُ عَلَيْهِمْ، فَعَمَدُوا إِلَى الْوَاقُوصَةِ حَتَّى هَوَى فِيهَا الْمُقْتَرِنُونَ وَغَيْرُهُمْ، ثَمَانُونَ أَلْفًا مِنَ الْمُقْتَرِنِينَ، وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ مُطْلَقٍ، سِوَى مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَتَجَلَّلَ الْفَيْقَارُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَشْرَافِ الرُّومِ بَرَانِسَهُمْ وَجَلَسُوا، فَقُتِلُوا مُتَزَمِّلِينَ. وَدَخَلَ خَالِدٌ الْخَنْدَقَ وَنَزَلَ فِي رِوَاقِ تَذَارِقَ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا أُتِيَ خَالِدٌ بِعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ جَرِيحًا، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِهِ، وَبِعَمْرِو بْنِ عِكْرِمَةَ فَجَعَلَ رَأَسَهُ عَلَى سَاقِهِ، وَمَسَحَ وُجُوهَهُمَا وَقَطَّرَ فِي حُلُوقِهِمَا الْمَاءَ، وَقَالَ: زَعَمَ ابْنُ حَنْتَمَةَ - يَعْنِي عُمَرَ - أَنَّا لَا نُسْتَشْهَدُ! وَقَاتَلَ النِّسَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَأَبْلَيْنَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بِالْيَرْمُوكِ وَأَنَا صَبِيٌّ لَا أُقَاتِلُ، فَلَمَّا اقْتَتَلَ النَّاسُ نَظَرْتُ إِلَى نَاسٍ عَلَى تَلٍّ لَا يُقَاتِلُونَ، فَرَكِبْتُ وَذَهَبْتُ إِلَيْهِمْ وَإِذْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَمَشْيَخَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجَرَةِ الْفَتْحِ، فَرَأَوْنِي حَدَثًا فَلَمْ يَتَّقُونِي، قَالَ: فَجَعَلُوا وَاللَّهِ إِذَا مَالَ الْمُسْلِمُونَ وَرَكِبَتْهُمُ الرُّومُ يَقُولُونَ: إِيهِ بَنِي الْأَصْفَرِ! فَإِذَا مَالَتِ الرُّومُ وَرَكِبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ قَالَ: وَيْحَ بَنِي الْأَصْفَرِ! فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الرُّومَ أَخْبَرْتُ أَبِي فَضْحِكَ فَقَالَ: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ! أَبَوْا إِلَّا ضِغْنًا، لَنَحْنُ خَيْرٌ لَهُمْ مِنَ الرُّومِ! وَفِي الْيَرْمُوكِ أُصِيبَتْ عَيْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ. وَلَمَّا انْهَزَمَتِ الرُّومُ كَانَ هِرَقْلَ بِحِمْصَ، فَنَادَى بِالرَّحِيلِ عَنْهَا قَرِيبًا، وَجَعَلَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّرَ عَلَيْهَا أَمِيرًا كَمَا أَمَّرَ عَلَى دِمَشْقَ. وَكَانَ مَنْ أُصِيبُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، مِنْهُمْ عِكْرِمَةُ وَابْنُهُ عَمْرٌو، وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ، وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ، وَجُنْدُبُ بْنُ عَمْرٍو، وَالطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَطُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ، وَعِيَاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. (عِيَاشٌ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ) . وَفِيهَا قُتِلَ سَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ، وَهُوَ مِنْ مُهَاجَرَةِ الْحَبَشَةِ.

стр. 950

وَفِيهَا قُتِلَ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّحَّامُ الْعَدَوِيُّ عَدِيُّ قُرَيْشٍ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ قَبْلَ عُمَرَ. وَفِيهَا قُتِلَ النُّضَيْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ، وَهُوَ قَدِيمُ الْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ، وَهُوَ أَخُو النَّضْرِ الَّذِي قُتِلَ بِبَدْرٍ كَافِرًا. وَقُتِلَ فِيهَا أَبُو الرُّومِ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمٍ الْعَبْدَرِيُّ أَخُو مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَهُوَ مِنْ مُهَاجَرَةِ الْحَبَشَةِ، شَهِدَ أُحُدًا. وَقِيلَ: قُتِلُوا يَوْمَ أَجْنَادِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [ذِكْرُ حَالِ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ بِالْعِرَاقِ] وَأَمَّا الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ فَإِنَّهُ لَمَّا وَدَّعَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَارَ خَالِدٌ إِلَى الشَّامِ فِيمَنْ مَعَهُ بِالْجُنْدِ، أَقَامَ بِالْحِيرَةِ وَوَضَعَ الْمَسْلَحَةَ وَأَذْكَى الْعُيُونَ، وَاسْتَقَامَ أَمْرُ فَارِسٍ بَعْدَ مَسِيرِ خَالِدٍ مِنَ الْحِيرَةِ بِقَلِيلٍ، وَذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، عَلَى شَهْرِيرَانَ بْنِ أَرْدَشِيرَ بْنِ شَهْرَيَارَ سَابُورَ، فَوَجَّهَ إِلَى الْمُثَنَّى جُنْدًا عَظِيمًا عَلَيْهِمْ هُرْمُزُ جَاذَوَيْهِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، فَخَرَجَ الْمُثَنَّى مِنَ الْحِيرَةِ نَحْوَهُ وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ الْمُعَنَّى وَمَسْعُودٌ أَخَوَاهُ، فَأَقَامَ بِبَابِلَ، وَأَقْبَلَ هُرْمُزُ نَحْوَهُ، وَكَتَبَ كِسْرَى شَهْرِيرَانَ إِلَى الْمُثَنَّى كِتَابًا: إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ جُنْدًا مِنْ وَخْشِ أَهْلِ فَارِسَ، إِنَّمَا هُمْ رِعَاءُ الدَّجَاجِ وَالْخَنَازِيرِ، وَلَسْتُ أُقَاتِلُكَ إِلَّا بِهِمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُثَنَّى: إِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ: إِمَّا بَاغٍ، فَذَلِكَ شَرٌّ لَكَ وَخَيْرٌ لَنَا، وَإِمَّا كَاذِبٌ، فَأَعْظَمُ الْكَاذِبِينَ فَضِيحَةً عِنْدَ اللَّهِ وَفِي النَّاسِ الْمُلُوكُ، وَأَمَّا الَّذِي يَدُلُّنَا عَلَيْهِ الرَّأْيُ فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا أَضْرَرْتُمْ إِلَيْهِمْ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَكُمْ إِلَى رُعَاةِ الدَّجَاجِ وَالْخَنَازِيرِ. فَجَزِعَ الْفُرْسُ مِنْ كِتَابِهِ، فَالْتَقَى الْمُثَنَّى وَهُرْمُزُ بِبَابِلَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَ فِيلُهُمْ يُفَرِّقُ الْمُسْلِمِينَ، فَانْتَدَبَ لَهُ الْمُثَنَّى وَمَعَهُ نَاسٌ فَقَتَلُوهُ، وَانْهَزَمَ الْفُرْسُ وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْمَدَائِنِ يَقْتُلُونَهُمْ. وَمَاتَ شَهْرِيرَانُ لَمَّا انْهَزَمَ هُرْمُزُ جَاذَوَيْهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ فَارِسَ، وَبَقِيَ مَا دُونَ دِجْلَةَ بِيَدِ الْمُثَنَّى. ثُمَّ اجْتَمَعَتِ الْفُرْسُ عَلَى دُخْتَ زَنَانَ ابْنَةِ كِسْرَى، فَلَمْ يَنْفُذْ لَهَا أَمْرٌ وَخُلِعَتْ، وَمَلَكَ سَابُورُ بْنُ شَهْرِيرَانَ. فَلَمَّا مَلَكَ قَامَ بِأَمْرِهِ الْفَرُّخْزَادُ بْنُ الْبِنْذَوَانِ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ

стр. 951

آزَرْمِيدُخْتَ بِنْتَ كِسْرَى، فَأَجَابَهُ. فَغَضِبَتْ آزَرْمِيدُخْتَ فَأَرْسَلَتْ إِلَى سَيَاوَخَشْ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ الْعُرْسِ أَقْبَلَ الْفَرُّخْزَادُ حَتَّى دَخَلَ، فَثَارَ بِهِ سَيَاوَخَشْ فَقَتَلَهُ، وَقَصَدَتْ آزَرْمِيدُخْتَ وَمَعَهَا سَيَاوَخَشْ سَابُورَ فَحَصَرُوهُ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، وَمَلَكَتْ آزَرْمِيدُخْتَ ثُمَّ تَشَاغَلُوا بِذَلِكَ. وَأَبْطَأَ خَبَرُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى الْمُثَنَّى، فَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَشِيرَ بْنَ الْخَصَاصِيَّةِ وَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ لِيُخْبِرَهُ خَبَرَ الْمُشْرِكِينَ، وَيَسْتَأْذِنَهُ فِي الِاسْتِعَانَةِ بِمَنْ حَسُنَتْ تَوْبَتُهُ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ، فَإِنَّهُمْ أَنْشَطُ إِلَى الْقِتَالِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ وَأَبُو بَكْرٍ مَرِيضٌ قَدْ أَشَفَى، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَاسْتَدْعَى عُمَرَ وَقَالَ لَهُ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَمُوتَ يَوْمِي هَذَا، فَإِذَا مُتُّ فَلَا تُمْسِيَنَّ حَتَّى تَنْدُبَ النَّاسَ مَعَ الْمُثَنَّى، وَلَا تَشْغَلَنَّكُمْ مُصِيبَةٌ عَنْ أَمْرِ دِينِكُمْ وَوَصِيَّةِ رَبِّكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُنِي مُتَوَفَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا صَنَعْتُ وَمَا أُصِيبَ الْخَلْقُ بِمِثْلِهِ، وَإِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ فَارْدُدْ أَهْلَ الْعِرَاقِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُهُ وَوُلَاةُ أَمْرِهِ وَأَهْلُ الْجُرْأَةِ عَلَيْهِمْ. وَمَاتَ أَبُو بَكْرٍ لَيْلًا فَدَفَنَهُ عُمَرُ وَنَدَبَ النَّاسَ مَعَ الْمُثَنَّى، وَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ يَسُوءُنِي أَنْ أُؤَمِّرَ خَالِدًا، فَلِهَذَا أَمَرَنِي أَنْ أَرُدَّ أَصْحَابَ خَالِدٍ، وَتَرَكَ ذِكْرَهُ مَعَهُمْ. وَإِلَى آزَرْمِيدُخْتَ انْتَهَى شَأْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَهَذَا حَدِيثُ الْعِرَاقِ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ ﵁. [ذِكْرُ وَقْعَةِ أَجْنَادَيْنِ] قَدْ ذَكَرَهَا أَبُو جَعْفَرٍ عُقَيْبَ وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ، وَرَوَى خَبَرَهَا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ مِنِ اجْتِمَاعِ الْأُمَرَاءِ وَمَسِيرِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ: فَسَارَ خَالِدٌ مِنْ مَرْجِ رَاهِطٍ إِلَى بُصْرَى وَعَلَيْهَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَصَالَحَهُمْ أَهْلُهَا عَلَى الْجِزْيَةِ، فَكَانَتْ أَوَّلَ مَدِينَةٍ فُتِحَتْ بِالشَّامِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ. ثُمَّ سَارُوا جَمِيعًا إِلَى فِلَسْطِينَ مَدَدًا لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ مُقِيمٌ بِالْعَرَبَاتِ، وَاجْتَمَعَتِ الرُّومُ بِأَجْنَادَيْنِ وَعَلَيْهِمْ تَذَارِقُ أَخُو هِرَقْلَ لِأَبَوَيْهِ، وَقِيلَ كَانَ عَلَى الرُّومِ الْقُبُقْلَارُ، وَأَجْنَادَيْنِ بَيْنَ الرَّمْلَةِ وَبَيْتِ جِبْرِينَ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ، وَسَارَ عَمْرُو بْنُ

стр. 952

الْعَاصِ حِينَ سَمِعَ بِالْمُسْلِمِينَ فَلَقِيَهُمْ، وَنَزَلُوا بِأَجْنَادَيْنِ وَعَسْكَرُوا عَلَيْهِمْ، فَبَعَثَ الْقُبُقْلَارُ عَرَبِيًّا إِلَى الْمُسْلِمِينَ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِمْ، فَدَخَلَ فِيهِمْ وَأَقَامَ يَوْمًا وَلَيْلَةً ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا وَرَاءَكَ؟ فَقَالَ: بِاللَّيْلِ رُهْبَانٌ وَبِالنَّهَارِ فُرْسَانٌ، وَلَوْ سَرَقَ ابْنُ مَلِكِهِمْ قَطَعُوهُ، وَلَوْ زَنَى رُجِمَ لِإِقَامَةِ الْحَقِّ فِيهِمْ. فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَنِي لَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ لِقَاءِ هَؤُلَاءِ عَلَى ظَهْرِهَا. وَالْتَقَوْا يَوْمَ السَّبْتِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، فَظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ وَهُزِمَ الْمُشْرِكُونَ، وَقُتِلَ الْقُبُقْلَارُ وَتَذَارِقُ، وَاسْتُشْهِدَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، مِنْهُمْ: سَلَمَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَهَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَنُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّحَامُ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ بِالْيَرْمُوكِ، وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ قَالَ: ثُمَّ جَمَعَ هِرَقْلُ لِلْمُسْلِمِينَ فَالْتَقَوْا بِالْيَرْمُوكِ، وَجَاءَهُمْ خَبَرُ وَفَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَهُمْ مُصَافُّونَ، وَوِلَايَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ فِي رَجَبٍ. هَذِهِ سِيَاقَةُ الْخَبَرِ وَكَانَ فِيمَنْ قُتِلَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ الْفِهْرِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ، وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَهُوَ مِنْ مُهَاجَرَةِ الْحَبَشَةِ، وَقُتِلَ بِالْيَرْمُوكِ، وَمِمَّنْ قُتِلَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَقِيلَ: قُتِلَ بِمَرْجِ الصُّفَّرِ، وَقِيلَ: مَاتَ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسٍ. وَفِيهَا قُتِلَ طُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ الْقُرَشِيُّ، وَقُتِلَ بِالْيَرْمُوكِ، شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ. وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَهْمٍ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ يَوْمَ الْفَتْحِ. وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ جَمْعًا مِنَ الرُّومِ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوَ ثَلَاثِينَ سَنَةً. وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الطُّفَيْلِ الدَّوْسِيُّ، وَهُوَ الْمُلَقَّبُ بِذِي النُّورِ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ، قَدِيمَ الْإِسْلَامِ، هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ.

стр. 953

(أَجْنَادَيْنِ بَعْدَ الْجِيمِ نُونٌ، وَدَالٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْسِرُهَا، ثُمَّ يَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتِهَا سَاكِنَةٌ، وَآخِرُهُ نُونٌ) . وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ وَقْعَةَ أَجْنَادَيْنِ كَانَتْ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَسَيَرِدُ ذِكْرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. [ذِكْرُ وَفَاةِ أَبِي بَكْرٍ] كَانَتْ وَفَاةُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ لِثَمَانِي لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَانَ قَدْ سَمَّهُ الْيَهُودُ فِي أَرُزٍّ، وَقِيلَ فِي حَرِيرَةٍ، وَهِيَ الْحَسْوُ، فَأَكَلَ هُوَ وَالْحَارِثُ بْنُ كَلَدَةَ، فَكَفَّ الْحَارِثُ وَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَكَلْنَا طَعَامًا مَسْمُومًا سُمَّ سَنَةً. فَمَاتَا بَعْدَ سَنَةٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ اغْتَسَلَ وَكَانَ يَوْمًا بَارِدًا، فَحُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا يَخْرُجُ إِلَى صَلَاةٍ، فَأَمَرَ عُمَرَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. وَلَمَّا مَرِضَ قَالَ لَهُ النَّاسُ: أَلَا نَدْعُوَ الطَّبِيبَ؟ قَالَ: قَدْ أَتَانِي وَقَالَ لِي: أَنَا فَاعِلٌ مَا أُرِيدُ. فَعَلِمُوا مُرَادَهُ وَسَكَتُوا عَنْهُ، ثُمَّ مَاتَ. وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَتَيْنِ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرَ لَيَالٍ، وَقِيلَ: كَانَتْ سَنَتَيْنِ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إِلَّا أَرْبَعَ لَيَالٍ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بَعْدَ الْفِيلِ بِثَلَاثِ سِنِينَ. وَأَوْصَى أَنْ تُغَسِّلَهُ زَوْجَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبَيْهِ وَيُشْتَرَى مَعَهُمَا ثَوْبٌ ثَالِثٌ، وَقَالَ: الْحَيُّ أَحْوَجُ إِلَى الْجَدِيدِ مِنَ الْمَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ وَالصَّدِيدِ. وَدُفِنَ لَيْلًا وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، وَحُمِلَ عَلَى السَّرِيرِ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدَخَلَ قَبْرَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ، وَجُعِلَ رَأْسُهُ عِنْدَ كَتِفَيِّ النَّبِيِّ ﷺ وَأَلْصَقُوا لَحْدَهُ بِلَحْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَجُعِلَ قَبْرُهُ مِثْلَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ مُسَطَّحًا. وَأَقَامَتْ عَائِشَةُ عَلَيْهِ النَّوْحَ، فَنَهَاهُنَّ عَنِ الْبُكَاءِ عُمَرُ، فَأَبَيْنَ، فَقَالَ لِهِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ: ادْخُلْ فَأَخْرِجْ إِلَيَّ ابْنَةَ أَبِي قُحَافَةَ،

стр. 954

فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ أُمَّ فَرْوَةَ ابْنَةَ أَبِي قُحَافَةَ، فَعَلَاهَا بِالدِّرَّةِ ضَرَبَاتٍ، فَتَفَرَّقَ النَّوْحُ حِينَ سَمِعْنَ ذَلِكَ. وَكَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ. وَكَانَ أَبْيَضَ خَفِيفَ الْعَارِضَتَيْنِ، أَحْنَى، لَا يَسْتَمْسِكُ إِزَارَهُ، مَعْرُوقَ الْوَجْهِ، نَحِيفًا، أَقْنَى، غَائِرَ الْعَيْنَيْنِ، يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَكَانَ أَبُوهُ حَيًّا بِمَكَّةَ لَمَّا تُوُفِّيَ. وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ، وَقِيلَ: عَتِيقُ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ، يَجْتَمِعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ الْخَيْرِ سَلْمَى بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ. وَقِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: أَنْتَ عَتِيقٌ مِنَ النَّارِ، فَلَزِمَهُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا قِيلَ لَهُ عَتِيقٌ لِرِقَّةِ حُسْنِهِ وَجَمَالِهِ. وَأَسْلَمَتْ أُمُّهُ قَدِيمًا بَعْدَ إِسْلَامِ أَبِي بَكْرٍ، وَتَزَوَّجَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قُتَيْلَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ وَأَسْمَاءَ، وَتَزَوَّجَ أَيْضًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أُمَّ رُومَانَ، وَاسْمُهَا دَعْدُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنَانِيَّةُ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَعَائِشَةَ، وَتَزَوَّجَ فِي الْإِسْلَامِ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَتَزَوَّجَ أَيْضًا فِي الْإِسْلَامِ حَبِيبَةَ بِنْتَ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ أُمَّ كُلْثُومٍ. [أَسْمَاءُ قُضَاتِهِ وَعُمَّالِهِ وَكُتَّابِهِ] لَمَّا وَلِيَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنَا أَكْفِيكَ الْمَالَ. وَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنَا أَكْفِيكَ الْقَضَاءَ. فَمَكَثَ عُمَرُ سَنَةً لَا يَأْتِيهِ رَجُلَانِ. وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَكْتُبُ لَهُ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَكَانَ يَكْتُبُ لَهُ مَنْ حَضَرَ.

стр. 955

وَكَانَ عَامِلُهُ عَلَى مَكَّةَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ، وَمَاتَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ، وَقِيلَ: مَاتَ بَعْدَهُ، وَكَانَ عَلَى الطَّائِفِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَعَلَى صَنْعَاءَ الْمُهَاجِرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَعَلَى حَضْرَمَوْتَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَعَلَى خَوْلَانَ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ، وَعَلَى زَبِيدٍ وَرِمَعَ أَبُو مُوسَى، وَعَلَى الْجَنَدِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَعَلَى الْبَحْرَيْنِ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ. وَبَعَثَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى نَجْرَانَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَوْرٍ إِلَى جُرَشَ، وَعِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ إِلَى دُومَةِ الْجَنْدَلِ. وَكَانَ بِالشَّامِ أَبُو عُبَيْدَةَ وَشُرَحْبِيلُ وَيَزِيدُ وَعَمْرٌو، وَكُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى جُنْدٍ وَعَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ. وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: نِعْمَ الْقَادِرُ اللَّهُ. وَعَاشَ أَبُوهُ بَعْدَهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا، وَمَاتَ وَلَهُ سَبْعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً. [ذِكْرُ بَعْضِ أَخْبَارِهِ وَمَنَاقِبِهِ] كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَوَّلَ النَّاسِ إِسْلَامًا فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا كَانَتْ لَهُ عَنْهُ كَبْوَةٌ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ» . وَالَّذِي وَرَدَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْمَنَاقِبِ كَثِيرٌ، كَشَهَادَتِهِ لَهُ الْجَنَّةَ، وَعِتْقَهُ مِنَ النَّارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْإِخْبَارِ بِخِلَافَتِهِ تَعْرِيضًا، كَقَوْلِهِ ﷺ لِلْمَرْأَةِ: «إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ» ، وَكَقَوْلِهِ: «اقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ» . وَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْمَشَاهِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَعْتَقَ سَبْعَةَ نَفَرٍ كُلُّهُمْ يُعَذَّبُ فِي اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْهُمْ: بِلَالٌ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وُزِنِّيرَةُ، وَالنَّهْدِيَّةُ وَابْنُهَا، وَجَارِيَةُ بَنِي مُؤَمَّلٍ، وَأُمُّ عُبَيْسٍ وَأَسْلَمُ. وَلَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفًا أَنْفَقَهَا فِي اللَّهِ مَعَ مَا كَسَبَ فِي التِّجَارَةِ. وَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ وَارْتَدَّتِ الْعَرَبُ خَرَجَ شَاهِرًا سَيْفَهُ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ، فَجَاءَهُ عَلِيٌّ وَأَخَذَ بِزِمَامِ رَاحِلَتِهِ وَقَالَ لَهُ: أَيْنَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ! أَقُولُ لَكَ مَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: شِمْ سَيْفَكَ، لَا تُفْجِعْنَا بِنَفْسِكَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ أُصِبْنَا بِكَ لَا يَكُونُ لِلْإِسْلَامِ نِظَامٌ. فَرَجَعَ وَأَمْضَى الْجَيْشَ. وَكَانَ لَهُ بَيْتُ مَالٍ بِالسُّنْحِ، وَكَانَ يَسْكُنُهُ إِلَى أَنِ انْتَقَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقِيلَ لَهُ:

стр. 956

أَلَا نَجْعَلُ عَلَيْهِ مَنْ يَحْرُسُهُ؟ قَالَ: لَا. فَكَانَ يُنْفِقُ جَمِيعَ مَا فِيهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَبْقَى فِيهِ شَيْءٌ، فَلَمَّا انْتَقَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ جَعَلَ بَيْتَ الْمَالِ مَعَهُ فِي دَارِهِ. وَفِي خِلَافَتِهِ افْتَتَحَ مَعْدِنَ بَنِي سُلَيْمٍ، وَكَانَ يُسَوِّي فِي قِسْمَتِهِ بَيْنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْإِسْلَامِ، وَبَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، فَقِيلَ لَهُ: لِتُقَدِّمْ أَهْلَ السَّبْقِ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِهِمْ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَسْلَمُوا لِلَّهِ، وَوَجَبَ أَجْرُهُمْ عَلَيْهِ يُوَفِّيهِمْ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الدُّنْيَا بَلَاغٌ. وَكَانَ يَشْتَرِي الْأَكْسِيَةَ وَيُفَرِّقُهَا فِي الْأَرَامِلِ فِي الشِّتَاءِ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ جَمَعَ عُمَرُ الْأُمَنَاءِ وَفَتَحَ بَيْتَ الْمَالِ، فَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ شَيْئًا غَيْرَ دِينَارٍ سَقَطَ مِنْ غِرَارَةٍ، فَتَرَحَّمُوا عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ الْغِفَارِيُّ: كَانَ عُمَرُ يَتَعَهَّدُ امْرَأَةً عَمْيَاءَ فِي الْمَدِينَةِ بِاللَّيْلِ، فَيَقُومُ بِأَمْرِهَا، فَكَانَ إِذَا جَاءَهَا وَجَدَ غَيْرَهُ قَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهَا، فَفَعَلَ مَا أَرَادَتْ. فَرَصَدَهُ عُمَرُ فَإِذَا هُوَ أَبُو بَكْرٍ، كَانَ يَأْتِيهَا وَيَقْضِي أَشْغَالَهَا سِرًّا وَهُوَ خَلِيفَةٌ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ هُوَ لَعَمْرِي! قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا بَكْرٍ الْوَفَاةُ حَضَرَتْهُ عَائِشَةُ وَهُوَ يُعَالِجُ الْمَوْتَ فَتَمَثَّلَتْ: لَعُمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ فَنَظَرَ إِلَيْهَا كَالْغَضْبَانِ ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ نَحَلْتُكِ حَائِطَ كَذَا وَفِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ، فَرُدِّيهِ عَلَى الْمِيرَاثِ، فَرَدَّتْهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ. قَالَتْ: مَنِ الثَّانِيَةُ؟ إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ. قَالَ: ذَاتُ بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ، يَعْنِي زَوْجَتَهُ، وَكَانَتْ حَامِلًا فَوَلَدَتْ أُمَّ كُلْثُومٍ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَقَالَ لَهَا: أَمَا إِنَّا مُنْذُ وَلِينَا أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ نَأْكُلْ لَهُمْ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَلَكِنَّا قَدْ أَكَلْنَا مِنْ جَرِيشِ طَعَامِهِمْ، وَلَبِسْنَا مَنْ خَشِنِ ثِيَابِهِمْ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا هَذَا الْعَبْدُ وَهَذَا الْبَعِيرُ وَهَذِهِ الْقَطِيفَةُ، فَإِذَا مُتُّ فَابْعَثِي بِالْجَمِيعِ إِلَى عُمَرَ. فَلَمَّا مَاتَ بَعَثَتْهُ إِلَى عُمَرَ، فَلَمَّا رَآهُ بَكَى حَتَّى سَالَتْ دُمُوعُهُ إِلَى الْأَرْضِ وَجَعَلَ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ! لَقَدْ أَتْعَبَ مَنْ بَعْدَهُ. وَيُكَرِّرُ ذَلِكَ. وَأَمَرَ بِرَفْعِهِ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَسْلُبُ عِيَالَ أَبِي بَكْرٍ عَبْدًا وَنَاضِحًا وَسَحَقَ قَطِيفَةٍ ثَمَنُهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَلَوْ أَمَرْتَ بِرَدِّهَا عَلَيْهِمْ. فَقَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ لَا يَكُونُ هَذَا فِي وِلَايَتِي، وَلَا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مِنْهُ وَأَتَقَلَّدُهُ أَنَا. وَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُرَدَّ جَمِيعُ مَا أَخَذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِنَفَقَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ زَوْجَتَهُ اشْتَهَتْ حُلْوًا فَقَالَ: لَيْسَ لَنَا مَا نَشْتَرِي بِهِ، فَقَالَتْ: أَنَا أَسْتَفْضِلُ فِي عِدَّةِ أَيَّامٍ مَا نَشْتَرِي بِهِ. قَالَ: افْعَلِي، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ لَهَا فِي أَيَّامٍ

стр. 957

كَثِيرَةٍ شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَلَمَّا عَرَّفَتْهُ لِيَشْتَرِيَ بِهِ حُلْوًا أَخَذَهُ، فَرَدَّهُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَقَالَ: هَذَا يَفْضُلُ عَنْ قُوتِنَا، وَأَسْقَطَ مِنْ نَفَقَتِهِ بِمِقْدَارِ مَا نَقَصَتْ كُلَّ يَوْمٍ، وَغَرَمَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ مِنْ مِلْكٍ كَانَ لَهُ. هَذَا وَاللَّهِ هُوَ التَّقْوَى الَّذِي لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ وَبِحَقٍّ قَدَّمَهُ النَّاسُ ﵁ وَأَرْضَاهُ. وَكَانَ مَنْزِلُ أَبِي بَكْرٍ بِالسُّنْحِ عِنْدَ زَوْجَتِهِ حَبِيبَةَ بِنْتِ خَارِجَةَ، فَأَقَامَ هُنَالِكَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ بَعْدَمَا بُويِعَ لَهُ، وَكَانَ يَغْدُو عَلَى رِجْلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَرُبَّمَا رَكِبَ فَرَسَهُ، فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَإِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ رَجَعَ إِلَى السُّنْحِ، وَكَانَ إِذَا غَابَ صَلَّى بِالنَّاسِ عُمَرُ. وَكَانَ يَغْدُو كُلَّ يَوْمٍ إِلَى السُّوقِ فَيَبِيعُ وَيَبْتَاعُ، وَكَانَتْ لَهُ قِطْعَةُ غَنَمٍ تَرُوحُ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا خَرَجَ هُوَ بِنَفْسِهِ فِيهَا، وَرُبَّمَا رُعِيَتْ لَهُ، وَكَانَ يَحْلِبُ لِلْحَيِّ أَغْنَامَهُمْ، فَلَمَّا بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ قَالَتْ جَارِيَةٌ مِنْهُمْ: الْآنَ لَا يَحْلِبُ لَنَا مَنَائِحَ دَارِنَا، فَسَمِعَهَا فَقَالَ: بَلَى لَعَمْرِي لَأَحْلِبَنَّهَا لَكُمْ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يُغَيِّرَ بِي مَا دَخَلْتُ فِيهِ. فَكَانَ يَحْلِبُ لَهُمْ. ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ خِلَافَتِهِ وَقَالَ: مَا تَصْلُحُ أُمُورُ النَّاسِ مَعَ التِّجَارَةِ، وَمَا يَصْلُحُ إِلَّا التَّفَرُّغُ لَهُمْ وَالنَّظَرُ فِي شَأْنِهِمْ. فَتَرَكَ التِّجَارَةَ، وَأَنْفَقَ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَا يُصْلِحُهُ وَعِيَالَهُ يَوْمًا بِيَوْمٍ، وَيَحُجُّ وَيَعْتَمِرُ، فَكَانَ الَّذِي فَرَضُوا لَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ سِتَّةَ آلَافِ دِرْهَمٍ. وَقِيلَ: فَرَضُوا لَهُ مَا يَكْفِيهِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى أَنْ تُبَاعَ أَرْضٌ لَهُ وَيُصْرَفَ ثَمَنُهَا عِوَضَ مَا أَخَذَهُ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ أَوَّلَ وَالٍ فَرَضَ لَهُ رَعِيَّتُهُ نَفَقَتَهُ، وَأَوَّلَ خَلِيفَةٍ وَلِيَ وَأَبُوهُ حَيٌّ، وَأَوَّلَ مَنْ سَمَّى مُصْحَفَ الْقُرْآنِ مُصْحَفًا، وَأَوَّلَ مَنْ سُمِّيَ خَلِيفَةً. (زِنِّيرَةُ بِكَسْرِ الزَّايِ، وَالنُّونُ مُشَدَّدَةٌ. وَعُبَيْسٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ، ثُمَّ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ. وَمُنْيَةُ بِالنُّونِ السَّاكِنَةِ، وَالْيَاءُ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ) . [ذِكْرُ اسْتِخْلَافِهِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ] لَمَّا نَزَلَ بِأَبِي بَكْرٍ ﵁ الْمَوْتُ دَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ. فَقَالَ: إِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ رَأْيِكَ إِلَّا أَنَّهُ فِيهِ غِلْظَةٌ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَرَانِي رَقِيقًا، وَلَوْ أَفْضَى الْأَمْرُ إِلَيْهِ لَتَرَكَ كَثِيرًا مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ، وَقَدْ رَمَقْتُهُ فَكُنْتُ إِذَا غَضِبْتُ عَلَى رَجُلٍ أَرَانِي الرِّضَاءَ عَنْهُ، وَإِذَا لِنْتُ لَهُ أَرَانِي الشِّدَّةَ عَلَيْهِ. وَدَعَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَقَالَ

стр. 958

لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ. فَقَالَ: سَرِيرَتُهُ خَيْرٌ مِنْ عَلَانِيَتِهِ، وَلَيْسَ فِينَا مِثْلُهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَهُمَا: لَا تَذْكُرَا مِمَّا قُلْتُ لَكُمَا شَيْئًا، وَلَوْ تَرَكْتُهُ مَا عَدَوْتُ عُثْمَانَ، وَالْخِيرَةُ لَهُ أَنْ لَا يَلِيَ مِنْ أُمُورِكُمْ شَيْئًا، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مِنْ أُمُورِكُمْ خِلْوًا، وَكُنْتُ فِيمَنْ مَضَى مِنْ سَلَفِكُمْ. وَدَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: اسْتَخْلَفْتَ عَلَى النَّاسِ عُمَرَ وَقَدْ رَأَيْتَ مَا يَلْقَى النَّاسُ مِنْهُ وَأَنْتَ مَعَهُ، وَكَيْفَ بِهِ إِذَا خَلَا بِهِمْ وَأَنْتَ لَاقٍ رَبَّكَ فَسَائِلُكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَجْلِسُونِي، فَأَجْلَسُوهُ، فَقَالَ: أَبِاللَّهِ تُخَوِّفُنِي! إِذَا لَقِيتُ رَبِّي فَسَأَلَنِي قُلْتُ: اسْتَخْلَفْتُ عَلَى أَهْلِكَ خَيْرَ أَهْلِكَ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَحْضَرَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ خَالِيًا لِيَكْتُبَ عَهْدَ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا عَهِدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، أَمَّا بَعْدُ ٠٠٠ - ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ - فَكَتَبَ عُثْمَانُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَلَمْ آلُكُمْ خَيْرًا. ثُمَّ أَفَاقَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: اقْرَأْ عَلَيَّ. فَقَرَأَ عَلَيْهِ، فَكَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: أَرَاكَ خِفْتَ أَنْ يَخْتَلِفَ النَّاسُ إِنْ مُتُّ فِي غَشْيَتِي. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا عَنِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ. فَلَمَّا كُتِبَ الْعَهْدُ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى النَّاسِ، فَجَمَعَهُمْ وَأَرْسَلَ الْكِتَابَ مَعَ مَوْلًى لَهُ وَمَعَهُ عُمَرُ، فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّاسِ: أَنْصِتُوا وَاسْمَعُوا لِخَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْلُكُمْ نُصْحًا. فَسَكَنَ النَّاسُ، فَلَمَّا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابُ سَمِعُوا وَأَطَاعُوا، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَشْرَفَ عَلَى النَّاسِ وَقَالَ: أَتَرْضُونَ بِمَنِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ؟ فَإِنِّي مَا اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ ذَا قَرَابَةٍ، وَإِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَلَوْتُ مِنْ جُهْدِ الرَّأْيِ. فَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. ثُمَّ أَحْضَرَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ، إِنَّ لِلَّهِ حَقًّا بِاللَّيْلِ لَا يَقْبَلُهُ فِي النَّهَارِ، وَحَقًّا فِي النَّهَارِ لَا يَقْبَلُهُ بِاللَّيْلِ، وَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ نَافِلَةً حَتَّى تُؤَدَّى الْفَرِيضَةُ، أَلَمْ تَرَ يَا عُمَرُ أَنَّمَا ثَقُلَتْ مَوَازِينُ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْحَقَّ وَثِقْلِهِ عَلَيْهِمْ، وَحُقَّ لِمِيزَانٍ لَا يُوضَعُ فِيهِ غَدًا إِلَّا حَقٌّ أَنْ يَكُونَ

стр. 959

ثَقِيلًا. أَلَمْ تَرَ يَا عُمَرُ أَنَّمَا خَفَّتْ مَوَازِينُ مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْبَاطِلَ وَخِفَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وَحُقَّ لِمِيزَانٍ لَا يُوضَعُ فِيهِ غَدًا إِلَّا بَاطِلٌ أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا. أَلَمْ تَرَ يَا عُمَرُ أَنَّمَا نَزَلَتْ آيَةُ الرَّخَاءِ مَعَ آيَةِ الشِّدَّةِ، وَآيَةُ الشِّدَّةِ مَعَ آيَةِ الرَّخَاءِ؛ لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُ رَاغِبًا رَاهِبًا، لَا يَرْغَبُ رَغْبَةً يَتَمَنَّى فِيهَا عَلَى اللَّهِ مَا لَيْسَ لَهُ، وَلَا يَرْهَبُ رَهْبَةً يَلْقَى فِيهَا بِيَدَيْهِ. أَوَلَمْ تَرَ يَا عُمَرُ أَنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ أَهْلَ النَّارِ بِأَسْوَأِ أَعْمَالِهِمْ، فَإِذَا ذَكَرْتُهُمْ قُلْتُ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا أَكُونَ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ؛ لِأَنَّهُ يُجَاوِزُ لَهُمْ مَا كَانَ مِنْ سَيِّئٍ، فَإِذَا ذَكَرْتُهُمْ قُلْتُ أَيْنَ عَمَلِي مِنْ أَعْمَالِهِمْ؟ فَإِنْ حَفِظْتَ وَصِيَّتِي فَلَا يَكُونَنَّ غَائِبٌ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ حَاضِرٍ مِنَ الْمَوْتِ، وَلَسْتَ بِمُعْجِزِهِ. وَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا دُفِنَ صَعِدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَخَطَبَ النَّاسَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا مَثَلُ الْعَرَبِ مَثَلُ جَمَلٍ أَنِفٍ اتَّبَعَ قَائِدَهُ، فَلْيَنْظُرْ قَائِدُهُ حَيْثُ يَقُودُهُ، وَأَمَّا أَنَا فَوَرَبِّ الْكَعْبَةِ لَأَحْمِلَنَّكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ! وَكَانَ أَوَّلَ كِتَابٍ كَتَبَهُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ بِتَوْلِيَةِ جُنْدِ خَالِدٍ، وَبِعَزْلِ خَالِدٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ سَاخِطًا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ كُلِّهَا؛ لِوَقْعَتِهِ بِابْنِ نُوَيْرَةَ، وَمَا كَانَ يَعْمَلُ فِي حَرْبِهِ، وَأَوَّلُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ عَزْلُ خَالِدٍ وَقَالَ: لَا يَلِي لِي عَمَلًا أَبَدًا، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ: إِنْ أَكْذَبَ خَالِدٌ نَفْسَهُ فَهُوَ الْأَمِيرُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكْذِبْ نَفْسَهُ فَأَنْتَ الْأَمِيرُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَانْزِعْ عِمَامَتَهُ عَنْ رَأْسِهِ، وَقَاسِمْهُ مَالَهُ. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِخَالِدٍ، فَاسْتَشَارَ أُخْتَهُ فَاطِمَةَ، وَكَانَتْ عِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَقَالَتْ لَهُ: وَاللَّهِ لَا يُحِبُّكَ عُمَرُ أَبَدًا، وَمَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ تُكَذِّبَ نَفْسَكَ ثُمَّ يَنْزِعُكَ. فَقَبَّلَ رَأْسَهَا وَقَالَ: صَدَقْتِ، فَأَبَى أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ فَنَزَعَ عِمَامَةَ خَالِدٍ وَقَاسَمَهُ مَالَهُ، ثُمَّ قَدِمَ خَالِدٌ عَلَى عُمَرَ بِالْمَدِينَةِ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ أَقَامَ بِالشَّامِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ. وَهُوَ أَصَحُّ. [ذِكْرُ فَتْحِ دِمَشْقَ] قِيلَ: وَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ أَهْلَ الْيَرْمُوكِ اسْتَخْلَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْيَرْمُوكِ بَشِيرَ بْنَ كَعْبٍ الْحِمْيَرِيَّ، وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بِالصُّفَّرِ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ أَنَّ الْمُنْهَزِمِينَ اجْتَمَعُوا بِفِحْلٍ، وَأَتَاهُ الْخَبَرُ أَيْضًا بِأَنَّ الْمَدَدَ قَدْ أَتَى أَهْلَ دِمَشْقَ مِنْ حِمْصَ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ فِي ذَلِكَ، فَأَجَابَهُ عُمَرُ

стр. 960

يَأْمُرُهُ بِأَنْ يَبْدَأَ بِدِمَشْقَ، فَإِنَّهَا حِصْنُ الشَّامِ وَبَيْتُ مَلِكِهِمْ، وَأَنْ يَشْغَلَ أَهْلُ فِحْلٍ بِخَيْلٍ تَكُونُ بِإِزَائِهِمْ، وَإِذَا فَتَحَ دِمَشْقَ سَارَ إِلَى فِحْلٍ، فَإِذَا فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ سَارَ هُوَ وَخَالِدٌ إِلَى حِمْصَ، وَتَرَكَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ وَعَمْرًا بِالْأُرْدُنِّ وَفِلَسْطِينَ. فَأَرْسَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى فِحْلٍ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنْهَا، وَبَثَقَ الرُّومُ الْمَاءَ حَوْلَ فِحْلٍ فَوَحِلَتِ الْأَرْضُ، فَنَزَلَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَحْصُورٍ بِالشَّامِ أَهْلُ فِحْلٍ، ثُمَّ أَهْلُ دِمَشْقَ. وَبَعَثَ أَبُو عُبَيْدَةَ جُنْدًا فَنَزَلُوا بَيْنَ حِمْصَ وَدِمَشْقَ، وَأَرْسَلَ جُنْدًا آخَرَ، فَكَانُوا بَيْنَ دِمَشْقَ وَفِلَسْطِينَ، وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَخَالِدٌ فَقَدِمُوا عَلَى دِمَشْقَ وَعَلَيْهَا نِسْطَاسُ، فَنَزَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى نَاحِيَةٍ، وَخَالِدٌ عَلَى نَاحِيَةٍ، وَعَمْرٌو عَلَى نَاحِيَةٍ، وَكَانَ هِرَقْلُ قَرِيبَ حِمْصَ، فَحَصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ سَبْعِينَ لَيْلَةً حِصَارًا شَدِيدًا، وَقَاتَلُوهُمْ بِالزَّحْفِ وَالْمَجَانِيقِ، وَجَاءَتْ خُيُولُ هِرَقْلَ مُغِيثَةً دِمَشْقَ، فَمَنَعَتْهَا خُيُولُ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي عِنْدَ حِمْصَ، فَخُذِلَ أَهْلُ دِمَشْقَ، وَطَمِعَ فِيهِمُ الْمُسْلِمُونَ. وَوُلِدَ لِلْبِطْرِيقِ الَّذِي عَلَى أَهْلِهَا مَوْلُودٌ، فَصَنَعَ طَعَامًا، فَأَكَلَ الْقَوْمُ وَشَرِبُوا، وَتَرَكُوا مَوَاقِفَهُمْ، وَلَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ خَالِدٍ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَنَامُ وَلَا يُنِيمُ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِهِمْ شَيْءٌ، وَكَانَ قَدِ اتَّخَذَ حِبَالًا كَهَيْئَةِ السَّلَالِيمِ وَأَوْهَاقًا، فَلَمَّا أَمْسَى ذَلِكَ الْيَوْمَ نَهَدَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ جُنْدِهِ الَّذِينَ قُدِّمَ عَلَيْهِمْ، وَتَقَدَّمَهُمْ هُوَ وَالْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو وَمَذْعُورُ بْنُ عَدِيٍّ وَأَمْثَالُهُ، وَقَالُوا: إِذَا سَمِعْتُمْ تَكْبِيرًا عَلَى السُّورِ فَارْقَوْا إِلَيْنَا، وَاقْصُدُوا الْبَابَ. فَلَمَّا وَصَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى السُّورِ أَلْقَوُا الْحِبَالَ، فَعَلِقَ بِالشُّرَفِ مِنْهَا حَبْلَانِ، فَصَعِدَ فِيهِمَا الْقَعْقَاعُ وَمَذْعُورٌ وَأَثْبَتَا الْحِبَالَ بِالشُّرَفِ، وَكَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ أَحْصَنَ مَوْضِعٍ بِدِمَشْقَ، وَأَكْثَرَهُ مَاءً، فَصَعِدَ الْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ انْحَدَرَ خَالِدٌ وَأَصْحَابُهُ وَتُرِكَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ مَنْ يَحْمِيهِ وَأَمَرَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ، فَكَبَّرُوا، فَأَتَاهُمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْبَابِ وَإِلَى الْحِبَالِ، وَانْتَهَى خَالِدٌ إِلَى مَنْ يَلِيهِ فَقَتَلَهُمْ، وَقَصَدَ الْبَابَ فَقَتَلَ الْبَوَّابِينَ، وَثَارَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَا يَدْرُونَ مَا الْحَالُ، وَتَشَاغَلَ أَهْلُ كُلِّ نَاحِيَةٍ بِمَا يَلِيهِمْ، وَفَتَحَ خَالِدٌ الْبَابَ وَقَتَلَ كُلَّ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الرُّومِ. فَلَمَّا رَأَى الرُّومُ ذَلِكَ قَصَدُوا أَبَا عُبَيْدَةَ وَبَذَلُوا لَهُ الصُّلْحَ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ وَفَتَحُوا لَهُ الْبَابَ

стр. 961

وَقَالُوا لَهُ: ادْخُلْ وَامْنَعْنَا مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْجَانِبِ، وَدَخَلَ أَهْلُ كُلِّ بَابٍ بِصُلْحٍ مِمَّا يَلِيهِمْ. وَدَخَلَ خَالِدٌ عَنْوَةً، فَالْتَقَى خَالِدٌ وَالْقُوَّادُ فِي وَسَطِهَا، هَذَا قَتْلًا وَنَهْبًا، وَهَذَا صَفْحًا وَتَسْكِينًا، فَأَجْرَوْا نَاحِيَةَ خَالِدٍ مَجْرَى الصُّلْحِ، وَكَانَ صُلْحُهُمْ عَلَى الْمُقَاسَمَةِ، وَقَسَمُوا مَعَهُمْ لِلْجُنُودِ الَّتِي عِنْدَ فِحْلٍ وَعِنْدَ حِمْصَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ هُوَ رِدْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَأَرْسَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ، فَوَصَلَ كِتَابُ عُمَرَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ يَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِ جُنْدِ الْعِرَاقِ نَحْوَ الْعِرَاقِ إِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَأَرْسَلَهُمْ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ الْمِرْقَالَ، وَكَانُوا قَدْ قُتِلَ مِنْهُمْ، فَأَرْسَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ عِوَضَ مَنْ قُتِلَ، وَكَانَ مِمَّنْ أَرْسَلَ الْأَشْتَرُ وَغَيْرُهُ، وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى فِحْلٍ. [ذِكْرُ غَزْوَةِ فِحْلٍ] فَلَمَّا فُتِحَتْ دِمَشْقُ سَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى فِحْلٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى دِمَشْقَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَبَعَثَ خَالِدًا عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، وَعَلَى النَّاسِ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، وَكَانَ عَلَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ أَبُو عُبَيْدَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَعَلَى الْخَيْلِ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ، وَعَلَى الرِّجَالِ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ، وَكَانَ أَهْلُ فِحْلٍ قَدْ قَصَدُوا بَيْسَانَ، فَهَمَّ بِهَا، فَنَزَلَ شُرَحْبِيلُ بِالنَّاسِ فِحْلًا، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرُّومِ تِلْكَ الْمِيَاهُ وَالْأَوْحَالُ، وَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي تِلْكَ الْغَزَاةَ ذَاتَ الرَّدَغَةِ وَبَيْسَانَ وَفِحْلٍ. وَأَقَامَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَ كِتَابَ عُمَرَ، فَاعْتَرَّهُمُ الرُّومُ، فَخَرَجُوا وَعَلَيْهِمْ سَقَلَّارُ بْنُ مِخْرَاقٍ، فَأَتَوْهُمْ وَالْمُسْلِمُونَ حَذِرُونَ، وَكَانَ شُرَحْبِيلُ لَا يَبِيتُ وَلَا يُصْبِحُ إِلَّا عَلَى تَعْبِيَةٍ، فَلَمَّا هَجَمُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُنَاظِرُوهُمْ فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ كَانَ لَهُمْ لَيْلَتَهُمْ وَيَوْمَهُمْ إِلَى اللَّيْلِ، وَأَظْلَمَ اللَّيْلُ عَلَيْهِمْ وَقَدْ حَارُوا، فَانْهَزَمَ الرُّومُ وَهُمْ حَيَارَى، وَقَدْ أُصِيبَ رَئِيسُهُمْ سَقَلَّارُ وَالَّذِي يَلِيهِ فِيهِمْ نِسْطُورَسُ، وَظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ وَرَكِبُوهُمْ، وَلَمْ تَعْرِفِ الرُّومُ مَأْخَذَهُمْ، فَانْتَهَتْ بِهِمُ الْهَزِيمَةُ إِلَى الْوَحْلِ فَرَكِبُوهُ، وَلَحِقَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَأَخَذُوهُمْ، وَلَا يَمْنَعُونَ يَدَ لَامِسٍ، فَوَخَزُوهُمْ بِالرِّمَاحِ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ بِفِحْلٍ وَالْقَتْلُ بِالرِّدَاغِ، فَأُصِيبَ الرُّومُ وَهُمْ ثَمَانُونَ أَلْفًا، لَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَقَدْ كَانَ اللَّهُ

стр. 962

يَصْنَعُ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُمْ كَارِهُونَ، كَرِهُوا الْبُثُوقَ وَالْوَحْلَ، فَكَانَتْ عَوْنًا لَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ فَاقْتَسَمُوهَا. وَانْصَرَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِخَالِدٍ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى حِمْصَ. وَمِمَّنْ قُتِلَ فِي هَذِهِ الْحَرْبِ السَّائِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ، لَهُ صُحْبَةٌ. (فِحْلٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ لَامٌ) . [ذِكْرُ فَتْحِ بِلَادِ سَاحِلِ دِمَشْقَ] لَمَّا اسْتَخْلَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى دِمَشْقَ، وَسَارَ إِلَى فِحْلٍ - سَارَ يَزِيدُ إِلَى مَدِينَةِ صَيْدَا وَعِرْقَةَ وَجُبَيْلٍ وَبَيْرُوتَ، وَهِيَ سَوَاحِلُ دِمَشْقَ، عَلَى مُقَدِّمَتِهِ أَخُوهُ مُعَاوِيَةَ، فَفَتَحَهَا فَتْحًا يَسِيرًا، وَجَلَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا، وَتَوَلَّى فَتْحَ عِرْقَةَ مُعَاوِيَةُ بِنَفْسِهِ فِي وِلَايَةِ يَزِيدَ. ثُمَّ إِنَّ الرُّومَ غَلَبُوا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ السَّوَاحِلِ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ وَأَوَّلِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، فَقَصَدَهُمْ مُعَاوِيَةُ فَفَتَحَهَا، ثُمَّ رَمَّهَا وَشَحَنَهَا بِالْمُقَاتِلَةِ وَأَعْطَاهُمُ الْقَطَائِعَ. وَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ الْخِلَافَةَ وَجَمَعَ لِمُعَاوِيَةَ الشَّامَ وَجَّهَ مُعَاوِيَةُ سُفْيَانَ بْنَ مُجِيبٍ الْأَزْدِيَّ إِلَى طَرَابُلُسَ، وَهِيَ ثَلَاثُ مُدُنٍ مُجْتَمِعَةٌ، ثُمَّ بَنَى فِي مَرْجٍ عَلَى أَمْيَالٍ مِنْهَا حِصْنًا سُمِّيَ حِصْنَ سُفْيَانَ، وَقَطَعَ الْمَادَّةَ عَنْ أَهْلِهَا مِنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَحَاصَرَهُمْ، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ اجْتَمَعُوا فِي أَحَدِ الْحُصُونِ الثَّلَاثَةِ وَكَتَبُوا إِلَى مَلِكِ الرُّومِ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يُمِدَّهُمْ أَوْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ بِمَرَاكِبَ يَهْرُبُونَ فِيهَا إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ بِمَرَاكِبَ كَثِيرَةٍ رَكِبُوا فِيهَا لَيْلًا وَهَرَبُوا. فَلَمَّا أَصْبَحَ سُفْيَانُ، وَكَانَ يَبِيتُ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ فِي حِصْنِهِ ثُمَّ يَغْدُو عَلَى الْعَدُوِّ، وَجَدَ الْحِصْنَ خَالِيًا فَدَخَلَهُ، وَكَتَبَ بِالْفَتْحِ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَسْكَنَهُ مُعَاوِيَةُ جَمَاعَةً كَثِيرَةً

стр. 963

مِنَ الْيَهُودِ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْمِينَا الْيَوْمَ، ثُمَّ بَنَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَحَصَّنَهُ، ثُمَّ نَقَضَ أَهْلُهُ أَيَّامَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَفَتَحَهُ ابْنُهُ الْوَلِيدُ فِي زَمَانِهِ. [ذِكْرُ فَتْحِ بَيْسَانَ وَطَبَرِيَّةَ] لَمَّا قَصَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ حِمْصَ مِنْ فِحْلٍ أَرْسَلَ شُرَحْبِيلَ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى بَيْسَانَ، فَقَاتَلُوا أَهْلَهَا، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ صَالَحَهُمْ مَنْ بَقِيَ عَلَى صُلْحِ دِمَشْقَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ. وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ قَدْ بَعَثَ بِالْأَعْوَرِ إِلَى طَبَرِيَّةَ يُحَاصِرُهَا، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى صُلْحِ دِمَشْقَ أَيْضًا، وَأَنْ يُشَاطِرُوا الْمُسْلِمِينَ الْمَنَازِلَ، فَنَزَلَهَا الْقُوَّادُ وَخُيُولُهَا، وَكَتَبُوا بِالْفَتْحِ إِلَى عُمَرَ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَيِّ هَذِهِ الْغَزَوَاتِ كَانَ قَبْلَ الْأُخْرَى، فَقِيلَ مَا ذَكَرْنَا، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا فَرَغُوا مِنْ أَجْنَادَيْنِ اجْتَمَعَ الْمُنْهَزِمُونَ بِفِحْلٍ، فَقَصَدَهَا الْمُسْلِمُونَ فَظَفِرُوا بِهَا. ثُمَّ لَحِقَ الْمُنْهَزِمُونَ مِنْ فِحْلٍ بِدِمَشْقَ، فَقَصَدَهَا الْمُسْلِمُونَ فَحَاصَرُوهَا وَفَتَحُوهَا، وَقَدِمَ كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِعَزْلِ خَالِدٍ وَوِلَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَهُمْ مُحَاصِرُونَ دِمَشْقَ، فَلَمْ يُعَرِّفْهُ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَلِكَ حَتَّى فَرَغُوا مِنْ صُلْحِ دِمَشْقَ، وَكَتَبَ الْكِتَابَ بَاسِمِ خَالِدٍ، وَأَظْهَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَزْلَهُ، وَكَانَتْ فِحْلٌ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَفَتْحُ دِمَشْقَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. وَقِيلَ: إِنَّ وَقْعَةَ الْيَرْمُوكِ كَانَتْ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَلَمْ تَكُنْ لِلرُّومِ بَعْدَهَا وَقْعَةٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا لِقُرْبِ بَعْضِ ذَلِكَ مِنْ بَعْضٍ.

стр. 964

[ذِكْرُ خَبَرِ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ وَأَبِي عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ] قَدْ ذَكَرْنَا قُدُومَ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيِّ مِنَ الْعِرَاقِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَوَصِيَّةَ أَبِي بَكْرٍ عُمَرَ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى إِرْسَالِ الْجُيُوشِ مَعَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ عُمَرُ مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ أَوَّلُ مَا عَمِلَ أَنْ نَدَبَ النَّاسَ مَعَ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيِّ إِلَى أَهْلِ فَارِسَ، ثُمَّ بَايَعَ النَّاسَ، ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ وَهُوَ يُبَايِعُهُمْ، ثَلَاثًا، وَلَا يَنْتَدِبُ أَحَدٌ إِلَى فَارِسَ، وَكَانُوا أَثْقَلَ الْوُجُوهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَكْرَهَهُمْ إِلَيْهِمْ لِشِدَّةِ سُلْطَانِهِمْ وَشَوْكَتِهِمْ وَقَهْرِهِمُ الْأُمَمَ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ نَدَبَ النَّاسَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَكَانَ أَوَّلَ مُنْتَدِبٍ أَبُو عُبَيْدِ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَهُوَ وَالِدُ الْمُخْتَارِ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَسَلِيطُ بْنُ قَيْسٍ، وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، وَتَتَابَعَ النَّاسُ. وَتَكَلَّمَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَعْظُمَنَّ عَلَيْكُمْ هَذَا الْوَجْهُ، فَإِنَّا قَدْ فَتَحْنَا رِيفَ فَارِسَ، وَغَلَبْنَاهُمْ عَلَى خَيْرِ شِقَيِّ السَّوَادِ، وَنِلْنَا مِنْهُمْ، وَاجْتَرَأْنَا عَلَيْهِمْ، وَلَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا بَعْدَهَا. فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَقِيلَ لِعُمَرَ: أَمِّرْ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنَ السَّابِقِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَوِ الْأَنْصَارِ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ، إِنَّمَا رَفَعَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - بِسَبْقِهِمْ وَمُسَارَعَتِهِمْ إِلَى الْعَدُوِّ، فَإِذَا فَعَلَ فِعْلَهُمْ قَوْمٌ وَتَثَاقَلُوا كَانَ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ خِفَافًا وَثِقَالًا وَيَسْبِقُونَ إِلَى الرَّفْعِ أَوْلَى بِالرِّئَاسَةِ مِنْهُمْ، وَاللَّهِ لَا أُؤَمِّرُ عَلَيْهِمْ إِلَّا أَوَّلَهُمُ انْتِدَابًا، ثُمَّ دَعَا أَبَا عُبَيْدٍ، وَسَعْدًا وَسَلِيطًا، وَقَالَ لَهُمَا: لَوْ سَبَقْتُمَاهُ لَوَلَيَّتُكُمَا، وَلَأَدْرَكْتُمَا بِهَا إِلَى مَا لَكُمَا مِنَ السَّابِقَةِ. فَأَمَّرَ أَبَا عُبَيْدٍ وَقَالَ لَهُ: اسْمَعْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَشْرِكْهُمْ فِي الْأَمْرِ، وَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُؤَمِّرَ سَلِيطًا إِلَّا سُرْعَتُهُ إِلَى الْحَرْبِ، وَفِي التَّسَرُّعِ إِلَى الْحَرْبِ ضَيَاعُ الْأَعْرَابِ، فَإِنَّهُ لَا يُصْلِحُهَا إِلَّا الرَّجُلُ الْمَكِيثُ. وَأَوْصَاهُ بِجُنْدِهِ. فَكَانَ بَعْثُ أَبِي عُبَيْدٍ أَوَّلَ جَيْشٍ سَيَّرَهُ عُمَرُ، ثُمَّ بَعْدَهُ سَيَّرَ يَعْلَى بْنَ مُنْيَةَ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَهُ بِإِجْلَاءِ أَهْلِ نَجْرَانَ بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنْ لَا يَجْتَمِعَ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ.

стр. 965

[ذِكْرُ خَبَرِ النَّمَارِقِ] فَسَارَ أَبُو عُبَيْدٍ الثَّقَفِيُّ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ وَسَلِيطُ بْنُ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيَّانِ، وَالْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ أَحَدُ بَنِي هِنْدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَأَمَرَ عُمَرُ الْمُثَنَّى بِالتَّقَدُّمِ إِلَى أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، وَأَمَرَهُمْ بِاسْتِنْفَارِ مَنْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَسَارَ الْمُثَنَّى فَقَدِمَ الْحِيرَةَ، وَكَانَتِ الْفُرْسُ تَشَاغَلَتْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتِ شَهْرِيرَانَ حَتَّى اصْطَلَحُوا عَلَى سَابُورَ بْنِ شَهْرَيَارَ بْنِ أَرْدَشِيرَ، فَثَارَتْ بِهِ آزَرْمِيدُخْتَ، فَقَتَلَتْهُ وَقَتَلَتِ الْفَرُّخْزَادَ، وَمَلَكَتْ بُورَانَ، وَكَانَتْ عَدْلًا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رُسْتُمَ بْنِ الْفَرُّخْزَادَ بِالْخَبَرِ وَتَحُثُّهُ عَلَى السَّيْرِ، وَكَانَ عَلَى فَرْجِ خُرَاسَانَ، فَأَقْبَلَ لَا يَلْقَى جَيْشًا لِآزَرْمِيدُخْتَ إِلَّا هَزَمَهُ، حَتَّى دَخَلَ الْمَدَائِنَ، فَاقْتَتَلُوا، وَهَزَمَ سَيَاوَخْشَ وَحَصَرَهُ وَآزَرْمِيدُخْتُ بِالْمَدَائِنِ. ثُمَّ افْتَتَحَهَا رُسْتُمُ وَقَتَلَ سَيَاوَخْشَ وَفَقَأَ عَيْنَ آزَرْمِيدُخْتَ، وَنَصَّبَ بُورَانَ عَلَى أَنْ تُمَلِّكَهُ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ يَكُونُ الْمُلْكُ فِي آلِ كِسْرَى إِنْ وَجَدُوا مِنْ غِلْمَانِهِمْ أَحَدًا، وَإِلَّا فَفِي نِسَائِهِمْ، وَدَعَتْ مَرَازِبَةَ فَارِسَ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا، وَتَوَّجَتْهُ، فَدَانَتْ لَهُ فَارِسُ قَبْلَ قُدُومِ أَبِي عُبَيْدٍ. وَكَانَ مُنَجِّمًا حَسَنَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ وَبِالْحَوَادِثِ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ وَأَنْتَ تَرَى مَا تَرَى؟ قَالَ: حُبُّ الشَّرَفِ وَالطَّمَعُ. ثُمَّ قَدِمَ الْمُثَنَّى إِلَى الْحِيرَةِ فِي عَشْرٍ، وَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدٍ بَعْدَهُ بِشَهْرٍ. فَكَتَبَ رُسْتُمُ إِلَى الدَّهَاقِينِ أَنْ يَثُورُوا بِالْمُسْلِمِينَ، وَبَعَثَ فِي كُلِّ رُسْتَاقٍ رَجُلًا يَثُورُ بِأَهْلِهِ، فَبَعَثَ جَابَانَ إِلَى فُرَاتِ بَادَقْلَى، وَبَعَثَ نَرْسِي إِلَى كَسْكَرَ وَوَعَدَهُمْ يَوْمًا، وَبَعَثَ جُنْدًا لِمُصَادَمَةِ الْمُثَنَّى، وَبَلَغَ الْمُثَنَّى الْخَبَرُ فَحَذِرَ، وَعَجَّلَ جَابَانُ وَنَزَلَ النَّمَارِقَ، وَثَارُوا وَتَوَالَوْا عَلَى الْخُرُوجِ، وَخَرَجَ أَهْلُ الرَّسَاتِيقِ مِنْ أَعْلَى الْفُرَاتِ إِلَى أَسْفَلِهِ، وَخَرَجَ الْمُثَنَّى مِنَ الْحِيرَةِ، فَنَزَلَ خَفَّانَ لِئَلَّا يُؤْتَى مِنْ خَلْفِهِ بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ، وَأَقَامَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ. فَلَمَّا قَدِمَ لَبِثَ أَيَّامًا يَسْتَرِيحُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَاجْتَمَعَ إِلَى جَابَانَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، فَنَزَلَ النَّمَارِقَ، وَسَارَ إِلَيْهِ

стр. 966

أَبُو عُبَيْدٍ فَجَعَلَ الْمُثَنَّى عَلَى الْخَيْلِ، وَكَانَ عَلَى مُجَنِّبَتِي جَابَانَ جِشْنَسَ مَاهْ وَمَرْدَانْشَاهْ، فَاقْتَتَلُوا بِالنَّمَارِقِ قِتَالًا شَدِيدًا، فَهَزَمَ اللَّهُ أَهْلَ فَارِسَ وَأُسِرَ جَابَانُ، أَسَرَهُ مَطَرُ بْنُ فِضَّةَ التَّيْمِيُّ، وَأُسِرَ مَرْدَانْشَاهْ، أَسَرَهُ أَكْتَلُ بْنُ شَمَّاخٍ الْعُكْلِيُّ فَقَتَلَهُ. وَأَمَّا جَابَانُ فَإِنَّهُ خَدَعَ مَطَرًا وَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ أَنْ تُؤَمِّنَنِي وَأُعْطِيكَ غُلَامَيْنِ أَمْرَدَيْنِ خَفِيفَيْنِ فِي عَمَلِكَ، وَكَذَا وَكَذَا؟ فَفَعَلَ، فَخَلَّى عَنْهُ، فَأَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ وَأَتَوْا بِهِ أَبَا عُبَيْدٍ وَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ جَابَانُ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ. فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ أَنْ أَقْتُلَهُ وَقَدْ آمَنُهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، وَالْمُسْلِمُونَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ، مَا لَزِمَ بَعْضَهُمْ فَقَدْ لَزِمَ كُلَّهُمْ، وَتَرَكُوهُ. وَأَرْسَلَ فِي طَلَبِ الْمُنْهَزِمِينَ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ عَسْكَرَ نَرْسِي، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ. (أَكْتَلُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَسُكُونِ الْكَافِ، وَفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ فَوْقِهَا، وَفِي آخِرِهِ لَامٌ) . [ذِكْرُ وَقْعَةِ السَّقَاطِيَّةِ بِكَسْكَرَ] وَلَحِقَ الْمُنْهَزِمُونَ نَحْوَ كَسْكَرَ وَبِهَا نَرْسِي، وَهُوَ ابْنُ خَالَةِ الْمَلِكِ، وَكَانَ لَهُ النِّرْسَيَانُ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ يَحْمِيهِ، لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا مَلِكُ الْفُرْسِ أَوْ مَنْ أَكْرَمُوهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا يَغْرِسُهُ غَيْرُهُمْ، وَاجْتَمَعَ إِلَى النَّرْسِي الْفَالَّةُ، وَهُوَ فِي عَسْكَرِهِ، فَسَارَ أَبُو عُبَيْدٍ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّمَارِقِ، وَكَانَ عَلَى مُجَنِّبَتَيْ نَرْسِي بِنَدْوَيْهِ وَتِيرَوَيْهِ ابْنَا بِسْطَامَ خَالِ الْمَلِكِ، وَمَعَهُ أَهْلُ بَارُوسْمَا وَالزَّوَابِي. وَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ بُورَانَ وَرُسْتُمَ بِهَزِيمَةِ جَابَانَ بَعَثَا الْجَالِينُوسَ إِلَى نَرْسِي، فَلَحِقَهُ قَبْلَ الْحَرْبِ، فَعَاجَلَهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ، فَالْتَقَوْا أَسْفَلَ مِنْ كَسْكَرَ، بِمَكَانٍ يُدْعَى السَّقَاطِيَّةَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ثُمَّ انْهَزَمَتْ فَارِسُ وَهَرَبَ نَرْسِي، وَغَلَبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَسْكَرِهِ وَأَرْضِهِ وَجَمَعُوا الْغَنَائِمَ، فَرَأَى أَبُو عُبَيْدٍ مِنَ الْأَطْعِمَةِ شَيْئًا كَثِيرًا، فَنَفَّلَهُ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْعَرَبِ، وَأَخَذُوا النِّرْسِيَانَ فَأَطْعَمُوهُ الْفَلَّاحِينَ، وَبَعَثُوا بِخُمُسِهِ إِلَى عُمَرَ وَكَتَبُوا إِلَيْهِ: إِنَّ اللَّهَ أَطْعَمَنَا مَطَاعِمَ كَانَتِ الْأَكَاسِرَةُ تَحْمِيهَا، وَأَحْبَبْنَا أَنْ تَرَوْهَا؛ لِتَشْكُرُوا إِنْعَامَ اللَّهِ وَإِفْضَالَهُ. وَأَقَامَ أَبُو عُبَيْدٍ.

стр. 967

وَبَعَثَ أَبُو عُبَيْدٍ الْمَثَنَّى إِلَى بَارُوسْمَا، وَبَعَثَ وَالِقًا إِلَى الزَّوَابِي، وَعَاصِمًا إِلَى نَهْرِ جَوْبَرَ، فَهَزَمُوا مَنْ كَانَ تَجَمَّعَ، وَأَخْرَجُوا وَسَبَوْا أَهْلَ زَنْدَوَرْدَ وَغَيْرِهَا، وَبَذَلَ لَهُمْ فَرُّوخُ وَفَرَاوَنْدَادُ عَنْ أَهْلِ بَارُوسْمَا وَالزَّوَابِي وَكَسْكَرَ - الْجَزَاءَ مُعَجَّلًا، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ وَصَارُوا صُلْحًا، وَجَاءَ فَرُّوخُ وَفَرَاوَنْدَادُ إِلَى أَبِي عُبَيْدٍ بِأَنْوَاعِ الطَّعَامِ وَالْأَخْصِبَةِ وَغَيْرِهَا، فَقَالَ: هَلْ أَكْرَمْتُمُ الْجُنْدَ بِمِثْلِهَا؟ فَقَالُوا: لَمْ يَتَسَيَّرْ وَنَحْنُ فَاعِلُونَ. وَكَانُوا يَتَرَبَّصُونَ قُدُومَ الْجَالِينُوسِ. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ، بِئْسَ الْمَرْءُ أَبُو عُبَيْدٍ إِنْ صَحِبَ قَوْمًا مِنْ بِلَادِهِمُ اسْتَأْثَرَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا اللَّهِ لَا آكُلُ مَا أَتَيْتُمْ بِهِ وَلَا مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ إِلَّا مِثْلَ مَا يَأْكُلُ أَوْسَاطُهُمْ. فَلَمَّا هُزِمَ الْجَالِينُوسُ أَتَوْهُ بِالْأَطْعِمَةِ أَيْضًا، فَقَالَ: مَا آكُلُ هَذَا دُونَ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالُوا لَهُ: لَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ أَتَى بِمِثْلِ هَذَا، فَأَكَلَ حِينَئِذٍ. [ذِكْرُ وَقْعَةِ الْجَالِينُوسِ] وَلَمَّا بَعَثَ رُسْتُمُ الْجَالِينُوسَ أَمَرَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِنَرْسِي، ثُمَّ يُقَاتِلَ أَبَا عُبَيْدٍ، فَبَادَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ إِلَى نَرْسِي فَهَزَمَهُ، وَجَاءَ الْجَالِينُوسُ فَنَزَلَ بِبَاقُسْيَاثَا مِنْ بَارُوسْمَا، فَسَارَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ وَهُوَ عَلَى تَعْبِيَتِهِ، فَالْتَقَوْا بِهَا، فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَهَرَبَ الْجَالِينُوسُ، وَغَلَبَ أَبُو عُبَيْدٍ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ حَتَّى قَدِمَ الْحِيرَةَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى أَرْضِ الْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ وَالْخِيَانَةِ وَالْجَبْرِيَّةِ، تُقْدِمُ عَلَى قَوْمٍ تَجَرَّءُوا عَلَى الشَّرِّ فَعَلِمُوهُ، وَتَنَاسَوُا الْخَيْرَ فَجَهِلُوهُ، فَانْظُرْ كَيْفَ تَكُونُ، وَاحْرِزْ لِسَانَكَ، وَلَا تُفْشِيَنَّ سِرَّكَ، فَإِنَّ صَاحِبَ السِّرِّ مَا يَضْبُطُهُ مُتَحَصِّنٌ لَا يُؤْتَى مِنْ وَجْهٍ يَكْرَهُهُ، وَإِذَا ضَيَّعَهُ كَانَ بِمَضْيَعَةٍ. [ذِكْرُ وَقْعَةِ قُسِّ النَّاطِفِ وَيُقَالُ لَهَا الْجِسْرُ وَيُقَالُ الْمَرْوَحَةُ وَقَتْلِ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ] وَلَمَّا رَجَعَ الْجَالِينُوسُ إِلَى رُسْتُمَ مُنْهَزِمًا وَمَنْ مَعَهُ مِنْ جُنْدِهِ قَالَ رُسْتُمُ: أَيُّ الْعَجَمِ

стр. 968

أَشَدُّ عَلَى الْعَرَبِ؟ قَالَ: بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ الْمَعْرُوفُ بِذِي الْحَاجِبِ - وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذُو الْحَاجِبِ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْصِبُ حَاجِبَيْهِ بِعِصَابَةٍ لِيَرْفَعَهُمَا كِبْرًا. فَوَجَّهَهُ وَمَعَهُ فِيَلَةٌ، وَرَدَّ الْجَالِينُوسَ مَعَهُ وَقَالَ لِبَهْمَنَ: إِنِ انْهَزَمَ الْجَالِينُوسُ ثَانِيَةً فَاضْرِبْ عُنُقَهُ. فَأَقْبَلَ بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ وَمَعَهُ دِرَفْشَ كَابِيَانَ رَايَةُ كِسْرَى، وَكَانَتْ مِنْ جُلُودِ النَّمِرِ، عَرْضَ ثَمَانِيَةِ أَذْرُعٍ، وَطُولَ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا، فَنَزَلَ بِقُسِّ النَّاطِفِ. وَأَقْبَلَ أَبُو عُبَيْدٍ فَنَزَلَ بِالْمَرْوَحَةِ، فَرَأَتْ دَوْمَةُ - امْرَأَتُهُ أُمُّ الْمُخْتَارِ ابْنِهِ - أَنَّ رَجُلًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ، فَشَرِبَ أَبُو عُبَيْدٍ وَمَعَهُ نَفَرٌ، فَأَخْبَرَتْ بِهَا أَبَا عُبَيْدٍ فَقَالَ: لِهَذِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ شَهَادَةٌ! وَعَهِدَ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: إِنْ قُتِلْتُ فَعَلَى النَّاسِ فُلَانٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَلَيْهِمْ فُلَانٌ، حَتَّى أَمَّرَ الَّذِينَ شَرِبُوا مِنَ الْإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُتِلَ فَعَلَى النَّاسِ الْمُثَنَّى. وَبَعَثَ إِلَيْهِ بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ: إِمَّا أَنْ تَعْبُرَ إِلَيْنَا وَنَدَعَكُمْ وَالْعُبُورَ، وَإِمَّا أَنْ تَدَعُونَا نَعْبُرُ إِلَيْكُمْ. فَنَهَاهُ النَّاسُ عَنِ الْعُبُورِ، وَنَهَاهُ سَلِيطٌ أَيْضًا، فَلَجَّ وَتَرَكَ الرَّأْيَ وَقَالَ: لَا يَكُونُوا أَجْرَأَ عَلَى الْمَوْتِ مِنَّا. فَعَبَرَ إِلَيْهِمْ عَلَى جِسْرٍ عَقَدَهُ ابْنُ صَلُوبَا لِلْفَرِيقَيْنِ، وَضَاقَتِ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا وَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا نَظَرَتِ الْخُيُولُ إِلَى الْفِيَلَةِ، وَالْخَيْلُ عَلَيْهَا التَّجَافِيفُ، رَأَتْ شَيْئًا مُنْكَرًا لَمْ تَكُنْ رَأَتْ مِثْلَهُ، فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا حَمَلُوا عَلَيْهِمْ لَمْ تُقْدِمْ عَلَيْهِمْ خُيُولُهُمْ، وَإِذَا حَمَلَتِ الْفُرْسُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالْفِيَلَةِ وَالْجَلَاجِلِ فَرَقَّتْ خُيُولَهُمْ وَكَرَادِيسَهُمْ وَرَمَوْهُمْ بِالنِّشَابِ. وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ بِالْمُسْلِمِينَ، فَتَرَجَّلَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالنَّاسُ، ثُمَّ مَشَوْا إِلَيْهِمْ ثُمَّ صَافَحُوهُمْ بِالسُّيُوفِ، فَجَعَلَتِ الْفِيَلَةُ لَا تَحْمِلُ عَلَى جَمَاعَةٍ إِلَّا دَفَعَتْهُمْ، فَنَادَى أَبُو عُبَيْدٍ: احْتَوِشُوا الْفِيَلَةَ وَاقْطَعُوا بِطَانَهَا وَاقْلِبُوا عَنْهَا أَهْلَهَا، وَوَثَبَ هُوَ عَلَى الْفِيلِ الْأَبْيَضِ فَقَطَعَ بِطَانَهُ وَوَقَعَ الَّذِينَ عَلَيْهِ، وَفَعَلَ الْقَوْمُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَمَا تَرَكُوا فِيلًا إِلَّا حَطُّوا رَحْلَهُ وَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ. وَأَهْوَى الْفِيلُ لِأَبِي عُبَيْدٍ، فَضَرَبَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِالسَّيْفِ، وَخَبَطَهُ الْفِيلُ بِيَدِهِ فَوَقَعَ، فَوَطِئَهُ الْفِيلُ وَقَامَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا بَصُرَ بِهِ النَّاسُ تَحْتَ الْفِيلِ خَشَعَتْ أَنْفُسُ بَعْضِهِمْ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ الَّذِي كَانَ أَمَّرَهُ بَعْدَهُ، فَقَاتَلَ حَتَّى تَنَحَّى عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، فَأَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ فَأَحْرَزُوهُ، ثُمَّ قَتَلَ الْفِيلُ الْأَمِيرَ الَّذِي بَعْدَ أَبِي عُبَيْدٍ، وَتَتَابَعَ سَبْعَةُ أَنْفُسٍ مِنْ ثَقِيفٍ، كُلُّهُمْ يَأْخُذُ اللِّوَاءَ وَيُقَاتِلُ حَتَّى يَمُوتَ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ الْمُثَنَّى، فَهَرَبَ عَنْهُ النَّاسُ.

стр. 969

فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَرْثَدٍ الثَّقَفِيُّ مَا لَقِيَ أَبُو عُبَيْدٍ وَخُلَفَاؤُهُ، وَمَا يَصْنَعُ النَّاسُ بَادَرَهُمْ إِلَى الْجِسْرِ فَقَطَعَهُ وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ أُمَرَاؤُكُمْ أَوْ تَظْفَرُوا! وَحَازَ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْجِسْرِ، فَتَوَاثَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْفُرَاتِ فَغَرِقَ مَنْ لَمْ يَصْبِرْ، وَأَسْرَعُوا فِيمَنْ صَبَرَ. وَحَمَى الْمُثَنَّى وَفُرْسَانٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ النَّاسَ وَقَالَ: إِنَّا دُونَكُمْ فَاعْبُرُوا عَلَى هَيْنَتِكُمْ، وَلَا تَدْهَشُوا، وَلَا تُغَرِّقُوا نُفُوسَكُمْ. وَقَاتَلَ عُرْوَةُ بْنُ زَيْدِ الْخَيْلِ قِتَالًا شَدِيدًا وَأَبُو مِحْجَنٍ الثَّقَفِيُّ، وَقَاتَلَ أَبُو زُبَيْدٍ الطَّائِيُّ حَمِيَّةً لِلْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا قَدِمَ الْحِيرَةَ لِبَعْضِ أَمْرِهِ، وَنَادَى الْمُثَنَّى: مَنْ عَبَرَ نَجَا. فَجَاءَ الْعُلُوجُ فَعَقَدُوا الْجِسْرَ وَعَبَرَ النَّاسُ. وَكَانَ آخِرَ مَنْ قُتِلَ عِنْدَ الْجِسْرِ سَلِيطُ بْنُ قَيْسٍ، وَعَبَرَ الْمُثَنَّى وَحَمَى جَانِبَهُ، فَلَمَّا عَبَرَ ارْفَضَّ عَنْهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَبَقِيَ الْمُثَنَّى فِي قِلَّةٍ، وَكَانَ قَدْ جُرِحَ وَأُثْبِتَ فِيهِ حَلَقٌ مِنْ دِرْعِهِ. وَأُخْبِرَ عُمَرُ عَمَّنْ سَارَ فِي الْبِلَادِ مِنَ الْهَزِيمَةِ اسْتِحْيَاءً، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ فِي حِلٍّ مِنِّي، أَنَا فِئَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ، يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عُبَيْدٍ! لَوْ كَانَ انْحَازَ إِلَيَّ لَكُنْتُ لَهُ فِئَةً. وَهَلَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ بَيْنَ قَتِيلٍ وَغَرِيقٍ، وَهَرَبَ أَلْفَانِ، وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَقُتِلَ مِنَ الْفُرْسِ سِتَّةُ آلَافٍ. وَأَرَادَ بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ الْعُبُورَ خَلْفَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِاخْتِلَافِ الْفُرْسِ، وَأَنَّهُمْ قَدْ ثَارُوا بِرُسْتُمَ، وَنَقَضُوا الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَصَارُوا فَرِيقَيْنِ: الْفَهْلُوجُ عَلَى رُسْتُمَ، وَأَهْلُ فَارِسَ عَلَى الْفَيْرُزَانِ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَدَائِنِ. وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ فِي شَعْبَانَ.

стр. 970

وَكَانَ فِيمَنْ قُتِلَ بِالْجِسْرِ عُقْبَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا قَيْظَى بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَا شَهِدَا أُحُدًا، وَقُتِلَ مَعَهُمَا أَخُوهُمَا عَبَّادٌ، وَلَمْ يَشْهَدْ مَعَهُمَا أُحُدًا، وَقُتِلَ أَيْضًا قَيْسُ بْنُ السَّكَنِ بْنِ قَيْسٍ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ لَا عَقِبَ لَهُ، وَقُتِلَ يَزِيدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الْحُطَيْمِ الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ أُحُدًا، وَفِيهَا قُتِلَ أَبُو أُمَيَّةَ الْفَزَارِيُّ، لَهُ صُحْبَةٌ، وَالْحَكَمُ بْنُ مَسْعُودٍ أَخُو أَبِي عُبَيْدٍ، وَابْنُهُ جَبْرُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ مَسْعُودٍ. ذِكْرُ خَبَرِ أُلَّيْسَ الصُّغْرَى لَمَّا عَادَ ذُو الْحَاجِبِ لَمْ يَشْعُرْ جَابَانُ وَمَرْدَانْشَاهْ بِمَا جَاءَهُ مِنَ الْخَبَرِ، فَخَرَجَا حَتَّى أَخَذَا بِالطَّرِيقِ، وَبَلَغَ الْمُثَنَّى فِعْلُهُمَا، فَاسْتَخْلَفَ عَلَى النَّاسِ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو، وَخَرَجَ فِي جَرِيدَةِ خَيْلٍ يُرِيدُهُمَا، فَظَنَّا أَنَّهُ هَارِبٌ فَاعْتَرَضَاهُ، فَأَخَذَهُمَا أَسِيرَيْنِ، وَخَرَجَ أَهْلُ أُلَّيْسَ عَلَى أَصْحَابِهِمَا فَأَتَوْهُ بِهِمْ أَسْرَى، وَعَقَدَ لَهُمْ بِهَا ذِمَّةً، وَقَتَلَهُمَا وَقَتَلَ الْأَسْرَى. وَهَرَبَ أَبُو مِحْجَنٍ مِنْ أُلَّيْسَ، وَلَمْ يَرْجِعْ مَعَ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ. [ذِكْرُ وَقْعَةِ الْبُوَيْبِ] لَمَّا بَلَغَ عُمَرَ خَبَرُ وَقْعَةِ أَبِي عُبَيْدٍ بِالْجِسْرِ نَدَبَ النَّاسَ إِلَى الْمُثَنَّى، وَكَانَ فِيمَنْ نَدَبَ بَجِيلَةُ، وَأَمْرُهُمْ إِلَى جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ جَمَعَهُمْ مِنَ الْقَبَائِلِ وَكَانُوا مُتَفَرِّقِينَ فِيهَا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَجْمَعَهُمْ فَوَعَدَهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ طَلَبَ مِنْهُ ذَلِكَ فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ: إِنَّهُ مَنْ كَانَ يُنْسَبُ إِلَى بَجِيلَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَثَبَتَ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، فَأَخْرِجُوهُ إِلَى جَرِيرٍ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَمَرَهُمْ عُمَرُ الْعِرَاقَ، وَأَبَوْا إِلَّا الشَّامَ، فَعَزَمَ عُمَرُ عَلَى الْعِرَاقِ، وَيُنَفِّلُهُمْ رُبْعَ الْخُمْسِ، فَأَجَابُوا، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ، وَبَعَثَ عِصْمَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيَّ فِيمَنْ تَبِعَهُ إِلَى الْمُثَنَّى، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ فَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ إِلَّا رَمَى بِهِ الْمُثَنَّى، وَبَعَثَ الْمُثَنَّى الرُّسُلَ فِيمَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ، فَتَوَافَوْا إِلَيْهِ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ. وَكَانَ فِيمَنْ جَاءَهُ أَنَسُ بْنُ هِلَالٍ النَّمِرِيُّ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنَ النَّمِرِ نَصَارَى، وَقَالُوا: نُقَاتِلُ مَعَ قَوْمِنَا.

стр. 971

وَبَلَغَ الْخَبَرُ رُسْتُمَ وَالْفَيْرُزَانَ، فَبَعَثَا مِهْرَانَ الْهَمْذَانِيَّ إِلَى الْحِيرَةِ، فَسَمِعَ الْمُثَنَّى ذَلِكَ وَهُوَ بَيْنَ الْقَادِسِيَّةِ وَخُفَّانَ، فَاسْتَبْطَنَ فُرَاتَ بَادَقْلَى، وَكَتَبَ إِلَى جَرِيرٍ وَعِصْمَةَ وَكُلِّ مَنْ أَتَاهُ مُمِدًّا لَهُ يُعْلِمُهُمُ الْخَبَرَ، وَيَأْمُرُهُمْ بِقَصْدِ الْبُوَيْبِ، فَهُوَ الْمَوْعِدُ، فَانْتَهَوْا إِلَى الْمُثَنَّى وَهُوَ بِالْبُوَيْبِ وَمِهْرَانُ بِإِزَائِهِ مِنْ وَرَاءِ الْفُرَاتِ، فَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْبُوَيْبِ مِمَّا يَلِي الْكُوفَةَ الْيَوْمَ، وَأَرْسَلَ مِهْرَانُ إِلَى الْمُثَنَّى يَقُولُ: إِمَّا أَنْ تَعْبُرَ إِلَيْنَا، وَإِمَّا أَنْ نَعْبُرَ إِلَيْكَ. فَقَالَ الْمُثَنَّى: اعْبُرُوا. فَعَبْرَ مِهْرَانُ، فَنَزَلَ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، وَعَبَّى الْمُثَنَّى أَصْحَابَهُ، وَكَانَ فِي رَمَضَانَ، فَأَمَرَهُمْ بِالْإِفْطَارِ لِيَقْوَوْا عَلَى عَدُوِّهِمْ، فَأَفْطَرُوا. وَكَانَ عَلَى مُجَنِّبَتَيِ الْمُثَنَّى بَشِيرُ بْنُ الْخَصَاصِيَّةِ، وَبُسْرُ بْنُ أَبِي رُهْمٍ، وَعَلَى مُجَرَّدَتِهِ الْمُعَنَّى أَخُوهُ، وَعَلَى الرَّجُلِ مَسْعُودٌ أَخُوهُ، وَعَلَى الرِّدْءِ مَذْعُورٌ، وَكَانَ عَلَى مُجَنِّبَتَيْ مِهْرَانَ بْنِ الْأَزَاذَبَهْ مَرْزُبَانُ الْحِيرَةِ وَمَرْدَانْشَاهْ. وَأَقْبَلَ الْفُرْسُ فِي ثَلَاثَةِ صُفُوفٍ، مَعَ كُلِّ صَفٍّ فِيلٌ، وَرَجْلُهُمْ أَمَامَ فِيلِهِمْ وَلَهُمْ زُجَّلٌ، فَقَالَ الْمُثَنَّى لِلْمُسْلِمِينَ: إِنَّ الَّذِي تَسْمَعُونَ فَشَلٌ، فَالْزَمُوا الصَّمْتَ. وَدَنَوْا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَطَافَ الْمُثَنَّى فِي صُفُوفِهِ يَعْهَدُ إِلَيْهِمْ وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ الشَّمُوسِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِلِينِهِ، وَكَانَ لَا يَرْكَبُهُ إِلَّا إِذَا قَاتَلَ، فَوَقَفَ عَلَى الرَّايَاتِ يُحَرِّضُهُمْ وَيَهُزُّهُمْ، وَلِكُلِّهِمْ يَقُولُ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يُؤْتَى النَّاسُ مِنْ قِبَلِكُمُ الْيَوْمَ، وَاللَّهِ مَا يَسُرُّنِي الْيَوْمَ لِنَفْسِي شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ يَسُرُّنِي لِعَامَّتِكُمْ، فَيُجِيبُونَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَأَنْصَفَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَخَلَطَ النَّاسَ فِي الْمَحْبُوبِ وَالْمَكْرُوهِ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَعِيبَ لَهُ قَوْلًا وَلَا فِعْلًا، وَقَالَ: إِنِّي مُكَبِّرٌ ثَلَاثًا، فَتَهَيَّئُوا، ثُمَّ احْمِلُوا فِي الرَّابِعَةِ. فَلَمَّا كَبَّرَ أَوَّلَ تَكْبِيرَةٍ أَعْجَلَتْهُمْ فَارِسُ وَخَالَطُوهُمْ، وَرَكَدَتْ خَيْلُهُمْ وَحَرْبُهُمْ مَلِيًّا، فَرَأَى الْمُثَنَّى خَلَلًا فِي بَنِي عِجْلٍ، فَجَعَلَ يَمُدُّ لِحْيَتَهُ لِمَا يَرَى مِنْهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَقُولُ: الْأَمِيرُ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ وَيَقُولُ: لَا تَفْضَحُوا الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ. فَقَالُوا: نَعَمْ، وَاعْتَدَلُوا. فَضَحِكَ فَرَحًا. فَلَمَّا طَالَ الْقِتَالُ وَاشْتَدَّ قَالَ الْمُثَنَّى لِأَنَسِ بْنِ هِلَالٍ النَّمِرِيِّ: إِنَّكَ امْرُؤٌ عَرَبِيٌّ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى دِينِنَا، فَإِذَا حَمَلْتُ عَلَى مِهْرَانَ فَاحْمِلْ مَعِي، فَأَجَابَهُ، فَحَمَلَ الْمُثَنَّى عَلَى مِهْرَانَ فَأَزَالَهُ حَتَّى دَخَلَ فِي مَيْمَنَتِهِ، ثُمَّ خَالَطُوهُمْ وَاجْتَمَعَ الْقَلْبَانِ، وَارْتَفَعَ الْغُبَارُ وَالْمُجَنَّبَاتُ تُقْتَلُ، لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَفْرَغُوا لِنَصْرِ أَمِيرِهِمْ، لَا الْمُسْلِمُونَ وَلَا الْمُشْرِكُونَ، وَارْتَثَّ مَسْعُودٌ أَخُو الْمُثَنَّى يَوْمَئِذٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا أُصِيبَ مَسْعُودٌ تَضَعْضَعَ مَنْ

стр. 972

مَعَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ بَكْرٍ، ارْفَعُوا رَايَتَكُمْ رَفَعَكُمُ اللَّهُ، وَلَا يَهُولَنَّكُمْ مَصْرَعِي. وَكَانَ الْمُثَنَّى قَالَ لَهُمْ: إِذَا رَأَيْتُمُونَا أَصَبْنَا فَلَا تَدَعُوا مَا أَنْتُمْ فِيهِ، الْزَمُوا مَصَافَّكُمْ وَأَغْنُوا غَنَاءَ مَنْ يَلِيكُمْ. وَأَوْجَعَ قَلْبُ الْمُسْلِمِينَ فِي قَلْبِ الْمُشْرِكِينَ، وَقَتَلَ غُلَامٌ نَصْرَانِيٌّ مِنْ تَغْلِبَ مِهْرَانَ وَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ، فَجَعَلَ الْمُثَنَّى سَلَبَهُ لِصَاحِبِ خَيْلِهِ، وَكَانَ التَّغْلِبِيُّ قَدْ جَلَبَ خَيْلًا هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ تَغْلِبَ، فَلَمَّا رَأَوُا الْقِتَالَ قَاتَلُوا مَعَ الْعَرَبِ، قَالَ: وَأَفْنَى الْمُثَنَّى قَلْبَ الْمُشْرِكِينَ، وَالْمُجَنَّبَاتُ بَعْضُهَا يُقَاتِلُ بَعْضًا. فَلَمَّا رَأَوْهُ قَدْ أَزَالَ الْقَلْبَ وَأَفْنَى أَهْلَهُ وَثَبَ مُجَنَّبَاتُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مُجَنَّبَاتِ الْمُشْرِكِينَ، وَجَعَلُوا يَرُدُّونَ الْأَعَاجِمَ عَلَى أَدْبَارِهِمْ، وَجَعَلَ الْمُثَنَّى وَالْمُسْلِمُونَ فِي الْقَلْبِ يَدْعُونَ لَهُمْ بِالنَّصْرِ، وَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ مَنْ يَذْمُرُهُمْ وَيَقُولُ لَهُمْ: عَادَاتُكُمْ فِي أَمْثَالِكُمْ، انْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ، حَتَّى هَزَمُوا الْفُرْسَ، وَسَبَقَهُمُ الْمُثَنَّى إِلَى الْجِسْرِ وَأَخَذَ طَرِيقَ الْأَعَاجِمِ، فَافْتَرَقُوا مُصَعِّدِينَ وَمُنْحَدِرِينَ، وَأَخَذَتْهُمْ خُيُولُ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى قَتَلُوهُمْ وَجَعَلُوهُمْ جُثًّا. فَمَا كَانَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْفُرْسِ وَقْعَةٌ أَبْقَى رِمَّةً مِنْهَا، بَقِيَتْ عِظَامُ الْقَتْلَى دَهْرًا طَوِيلًا، وَكَانُوا يَحْزِرُونَ الْقَتْلَى مِائَةَ أَلْفٍ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْأَعْشَارَ، أُحْصِيَ مِائَةُ رَجُلٍ قَتَلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَشْرَةً. وَكَانَ عُرْوَةُ بْنُ زَيْدِ الْخَيْلِ مِنْ أَصْحَابِ التِّسْعَةِ، وَغَالِبٌ الْكِنَانِيُّ وَعَرْفَجَةُ الْأَزْدِيُّ مِنْ أَصْحَابِ التِّسْعَةِ. وَقُتِلَ الْمُشْرِكُونَ فِيمَا بَيْنَ السَّكُونِ الْمُثَنَّى عَلَى أَخْذِهِ بِالْجِسْرِ وَقَالَ: عَجَزْتُ عَجْزَةً وَقَى اللَّهُ شَرَّهَا بِمُسَابَقَتِي إِيَّاهُمْ إِلَى الْجِسْرِ حَتَّى أَحْرَجْتُهُمْ، فَلَا تَعُودُوا أَيُّهَا النَّاسُ إِلَى مِثْلِهَا، فَإِنَّهَا كَانَتْ زَلَّةً، فَلَا يَنْبَغِي إِحْرَاجُ مَنْ لَا يَقْوَى عَلَى امْتِنَاعٍ. وَمَاتَ أُنَاسٌ مِنَ الْجَرْحَى، مِنْهُمْ: مَسْعُودٌ أَخُو الْمُثَنَّى، وَخَالِدُ بْنُ هِلَالٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِمُ الْمُثَنَّى وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيُهَوِّنُ وَجْدِي أَنْ صَبَرُوا وَشَهِدُوا الْبُوَيْبَ، وَلَمْ يَنْكِلُوا. وَكَانَ قَدْ أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ غَنَمًا وَدَقِيقًا وَبَقَرًا، فَبَعَثُوا بِهِ إِلَى عِيَالِ مَنْ قَدِمَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَهُمْ بِالْقَوَادِسِ. وَأَرْسَلَ الْمُثَنَّى الْخَيْلَ فِي طَلَبِ الْعَجَمِ، فَبَلَغُوا السِّيبَ وَغَنِمُوا مِنَ الْبَقْرِ وَالسَّبْيِ وَسَائِرِ الْغَنَائِمِ شَيْئًا كَثِيرًا، فَقَسَّمَهُ فِيهِمْ، وَنَفَّلَ أَهْلَ الْبِلَادِ، وَأَعْطَى بَجِيلَةَ رُبْعَ الْخُمْسِ، وَأَرْسَلَ الَّذِينَ تَبِعُوا الْمُنْهَزِمِينَ إِلَى الْمُثَنَّى يُعَرِّفُونَهُ سَلَامَتَهُمْ، وَأَنَّهُ لَا مَانِعَ

стр. 973

دُونَ الْقَوْمِ، وَيَسْتَأْذِنُونَهُ فِي الْإِقْدَامِ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَغَارُوا حَتَّى بَلَغُوا سَابَاطَ، وَتَحَصَّنَ أَهْلُهُ مِنْهُمْ وَاسْتَبَاحُوا الْقُرَى، ثُمَّ مَخَرُوا السَّوَادَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ دِجْلَةَ، لَا يَخَافُونَ كَيْدًا وَلَا يَلْقَوْنَ مَانِعًا، وَرَجَعَتْ مَسَالِحُ الْعَجَمِ إِلَيْهِمْ، وَسَرَّهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا مَا وَرَاءَ دِجْلَةَ. (بُسْرُ بْنُ أَبِي رُهْمٍ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ) . [ذِكْرُ خَبَرِ الْخَنَافِسِ وَسُوقِ بَغْدَادَ] ثُمَّ خَلَّفَ الْمُثَنَّى بِالْحِيرَةِ بَشِيرَ بْنَ الْخَصَاصِيَّةِ، وَسَارَ يَمْخُرُ السَّوَادَ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَيْسَانَ وَدَسْتُمَيْسَانَ، وَأَذْكَى الْمَسَالِحَ، وَنَزَلَ أُلَّيْسَ، قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْأَنْبَارِ، وَهَذِهِ الْغَزْوَةُ تُدْعَى غَزْوَةَ الْأَنْبَارِ الْآخِرَةِ، وَغَزْوَةَ أُلَّيْسَ الْآخِرَةِ. وَجَاءَ الْمُثَنَّى رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْبَارِيٌّ فَدَلَّهُ عَلَى سُوقِ الْخَنَافِسِ، وَالثَّانِي حِيرِيٌّ دَلَّهُ عَلَى بَغْدَادَ، فَقَالَ الْمُثَنَّى: أَيَّتُهُمَا قَبْلَ صَاحِبَتِهَا؟ فَقَالَا: بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ أَيَّامٍ. قَالَ: أَيُّهُمَا أَعْجَلُ؟ قَالَا: سُوقُ الْخَنَافِسِ يَجْتَمِعُ بِهَا تُجَّارُ مَدَائِنِ كِسْرَى، وَالسَّوَادُ وَرَبِيعَةُ وَقُضَاعَةُ يَخْفِرُونَهُمْ. فَرَكِبَ الْمُثَنَّى وَأَغَارَ عَلَى الْخَنَافِسِ يَوْمَ سُوقِهَا، وَبِهَا خَيْلَانِ مِنْ رَبِيعَةَ وَقُضَاعَةَ، وَعَلَى قُضَاعَةَ رُومَانِسُ بْنُ وَبَرَةَ، وَعَلَى رَبِيعَةَ السَّلِيلُ بْنُ قَيْسٍ وَهُمُ الْخُفَرَاءُ، فَانْتَسَفَ السُّوقَ وَمَا فِيهَا، وَسَلَبَ الْخُفَرَاءَ. ثُمَّ رَجَعَ فَأَتَى الْأَنْبَارَ فَتَحَصَّنَ أَهْلُهَا مِنْهُ، فَلَمَّا عَرَفُوهُ نَزَلُوا إِلَيْهِ وَأَتَوْهُ بِالْأَعْلَافِ وَالزَّادِ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ الْأَدِلَّاءَ عَلَى سُوقِ بَغْدَادَ، وَأَظْهَرَ لِدِهْقَانِ الْأَنْبَارِ أَنَّهُ يُرِيدُ الْمَدَائِنَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى بَغْدَادَ لَيْلًا، وَعَبَرَ إِلَيْهِمْ وَصَبَّحَهُمْ فِي أَسْوَاقِهِمْ، فَوَضَعَ السَّيْفَ فِيهِمْ وَأَخَذَ مَا شَاءَ. وَقَالَ الْمُثَنَّى: لَا تَأْخُذُوا إِلَّا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَالْحُرَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. ثُمَّ عَادَ رَاجِعًا حَتَّى نَزَلَ بِنَهْرِ السَّالِحِينَ بِالْأَنْبَارِ، فَسَمِعَ أَصْحَابَهُ

стр. 974

يَقُولُونَ: مَا أَسْرَعَ الْقَوْمَ فِي طَلَبِنَا، فَخَطَبَهُمْ وَقَالَ: احْمَدُوا اللَّهَ وَسَلُوهُ الْعَافِيَةَ، وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَانْظُرُوا فِي الْأُمُورِ وَقَدِّرُوهَا ثُمَّ تَكَلَّمُوا، إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغِ النَّذِيرُ مَدِينَتَهُمْ بَعْدُ، وَلَوْ بَلَغَهُمْ لَحَالَ الرُّعْبُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ طَلَبِكُمْ، إِنَّ لِلْغَارَاتِ رَوْعَاتٍ تُضْعِفُ الْقُلُوبَ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ، وَلَوْ طَلَبَكُمُ الْمُحَامُونَ مِنْ رَأْيِ الْعَيْنِ مَا أَدْرَكُوكُمْ وَأَنْتُمْ عَلَى الْعِرَابِ حَتَّى تَنْتَهُوا إِلَى عَسْكَرِكُمْ، وَلَوْ أَدْرَكُوكُمْ لَقَاتَلْتُهُمُ الْتِمَاسَ الْأَجْرِ وَرَجَاءَ النَّصْرِ، فَثِقُوا بِاللَّهِ وَأَحْسِنُوا بِهِ الظَّنَّ، فَقَدْ نَصَرَكُمْ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ. ثُمَّ سَارَ بِهِمْ إِلَى الْأَنْبَارِ، وَكَانَ مَنْ خَلْفَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَمْخَرُونَ السَّوَادَ وَيَشُنُّونَ الْغَارَاتِ مَا بَيْنَ أَسْفَلَ كَسْكَرَ وَأَسْفَلَ الْفُرَاتِ، وَجَسُّوا مِثْقَبًا إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ وَفِي أَرْضِ الْفَلَالِيجِ، وَالْمُثَنَّى بِالْأَنْبَارِ. وَلَمَّا رَجَعَ الْمُثَنَّى مِنْ بَغْدَادَ إِلَى الْأَنْبَارِ بَعَثَ الْمُضَارِبَ الْعِجْلِيَّ فِي جَمْعٍ إِلَى الْكَبَاثِ وَعَلَيْهِ فَارِسُ الْعُنَابِ التَّغْلِبِيُّ، ثُمَّ لَحِقَهُمُ الْمُثَنَّى فَسَارَ مَعَهُمْ، فَوَجَدُوا الْكَبَاثَ قَدْ سَارَ مَنْ كَانَ بِهِ، وَمَعَهُمْ فَارِسُ الْعُنَابِ، فَسَارَ الْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُ فَلَحِقُوهُ وَقَدْ رَحَلَ مِنَ الْكَبَاثِ، فَقَتَلُوا فِي أُخْرَيَاتِ أَصْحَابِهِ وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ. فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى الْأَنْبَارِ سَرَّحَ فُرَاتَ بْنَ حَيَّانَ التَّغْلِبِيَّ وَعُتَيْبَةَ بْنَ النَّهَّاسِ وَأَمَرَهُمَا بِالْغَارَةِ عَلَى أَحْيَاءَ مِنْ تَغْلِبَ بِصِفِّينَ، ثُمَّ اتَّبَعَهُمَا الْمُثَنَّى وَاسْتَخْلَفَ عَلَى النَّاسِ عَمْرَو بْنَ أَبِي سُلْمَى الْهُجَيْمِيَّ. فَلَمَّا دَنَوْا مِنْ صِفِّينَ فَرَّ مَنْ بِهَا وَعَبَرُوا الْفُرَاتَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَفَنِيَ الزَّادُ الَّذِي مَعَ الْمُثَنَّى وَأَصْحَابِهِ، فَأَكَلُوا رَوَاحِلَهُمْ إِلَّا مَا لَابُدَّ مِنْهُ حَتَّى جُلُودِهَا، ثُمَّ أَدْرَكُوا عِيرًا مِنْ أَهْلِ دَبَا وَحَوْرَانَ، فَقَتَلُوا مَنْ بِهَا، وَأَخَذُوا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِنْ تَغْلِبَ كَانُوا خُفَرَاءَ، وَأَخَذُوا الْعِيرَ، فَقَالَ لَهُمْ: دُلُّونِي. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: آمِنُونِي عَلَى أَهْلِي وَمَالِي، وَأَدُلُّكُمْ عَلَى حَيٍّ مِنْ تَغْلِبَ. فَآمَنَهُ الْمُثَنَّى وَسَارَ مَعَهُمْ يَوْمَهُ، فَهَجَمَ الْعَشِيُّ عَلَى الْقَوْمِ، وَالنَّعَمُ صَادِرَةٌ عَنِ الْمَاءِ، وَأَصْحَابُهَا جُلُوسٌ بِأَفْنِيَةِ الْبُيُوتِ، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ، وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ، وَاسْتَاقَ الْأَمْوَالَ، وَكَانَ التَّغْلِبِيُّونَ بَنِي ذِي الرُّوَيْحِلَةِ، فَاشْتَرَى مَنْ كَانَ مَعَ الْمُثَنَّى مِنْ رَبِيعَةَ السَّبَايَا بِنَصِيبِهِ مِنَ الْفَيْءِ وَأَعْتَقُوهُمْ، وَكَانَتْ رَبِيعَةُ لَا تُسَابِي، إِذِ الْعَرَبُ يَتَسَابَوْنَ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ.

стр. 975

وَأُخْبِرَ الْمُثَنَّى أَنَّ جُمْهُورَ مَنْ سَلَكَ الْبِلَادَ قَدِ انْتَجَعَ شَاطِئَ دِجْلَةَ، فَخَرَجَ الْمُثَنَّى وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ النُّعْمَانُ بْنُ عَوْفٍ وَمَطَرُ الشَّيْبَانِيَّانِ، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ حُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْغَلْفَانِيُّ، فَسَارُوا فِي طَلَبِهِمْ فَأَدْرَكُوهُمْ بِتَكْرِيتَ، فَأَصَابُوا مَا شَاءُوا مِنَ النَّعَمِ، وَعَادَ إِلَى الْأَنْبَارِ. وَمَضَى عُتَيْبَةُ وَفُرَاتُ وَمَنْ مَعَهُمَا حَتَّى أَغَارُوا عَلَى صِفِّينَ وَبِهَا النَّمِرُ وَتَغْلِبُ مُتَسَانِدِينَ، فَأَغَارُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى رَمَوْا طَائِفَةً مِنْهُمْ فِي الْمَاءِ، فَجَعَلُوا يُنَادُونَهُمْ: الْغَرَقَ الْغَرَقَ! وَجَعَلَ عُتَيْبَةُ وَفُرَاتُ يَذْمُرَانِ النَّاسَ وَيُنَادِيَانِهِمْ: تَغْرِيقٌ بِتَحْرِيقٍ! يُذَكِّرَانِهِمْ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ أَحْرَقُوا فِيهِ قَوْمًا مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ فِي غَيْضَةٍ مِنَ الْغِيَاضِ. ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْمُثَنَّى وَقَدْ غَرَّقُوهُمْ، وَقَدْ بَلَغَ الْخَبَرُ عُمَرَ فَبَعَثَ إِلَى عُتَيْبَةَ وَفُرَاتَ فَاسْتَدْعَاهُمَا، فَسَأَلَهُمَا عَنْ قَوْلِهِمَا، فَأَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا لَمْ يَفْعَلَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ طَلَبِ ذَحْلٍ، إِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ فَاسْتَحْلَفَهُمَا وَرَدَّهُمَا إِلَى الْمُثَنَّى. (عُتَيْبَةُ بْنُ النَّهَّاسِ، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقِهَا، وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) . [ذِكْرُ الْخَبَرِ عَنِ الَّذِي هَيَّجَ أَمْرَ الْقَادِسِيَّةِ وَمَلِكَ يَزْدَجِرْدَ] لَمَّا رَأَى أَهْلُ فَارِسَ مَا يَفْعَلُ الْمُسْلِمُونَ بِالسَّوَادِ قَالُوا لِرُسْتُمَ وَالْفَيْرُزَانَ، وَهُمَا عَلَى أَهْلِ فَارِسَ: لَمْ يَبْرَحْ بِكُمَا الِاخْتِلَافُ حَتَّى وَهَّنْتُمَا أَهْلَ فَارِسَ، وَأَطْمَعْتُمَا فِيهِمْ عَدُوَّهُمْ، وَلَمْ يَبْلُغْ مِنْ أَمْرِكُمَا أَنَّ نُقِرَّكُمَا عَلَى هَذَا الرَّأْيِ، وَأَنْ تُعَرِّضَاهَا لِلْهَلَكَةِ، مَا بَعْدَ بَغْدَادَ وَسَابَاطَ وَتَكْرِيتَ إِلَّا الْمَدَائِنَ، وَاللَّهِ لَتَجْتَمِعَانِ أَوْ لَنَبْدَأَنَّ بِكُمَا، ثُمَّ نَهْلِكُ وَقَدِ اشْتَفَيْنَا مِنْكُمَا. فَقَالَ الْفَيْرُزَانُ وَرُسْتُمُ لِبُورَانَ ابْنَةِ كِسْرَى: اكْتُبِي لَنَا نِسَاءَ كِسْرَى وَسَرَارِيَّهُ وَنِسَاءَ آلِ كِسْرَى وَسَرَارِيَّهُمْ، فَفَعَلَتْ، فَأَحْضَرُوهُنَّ جَمِيعَهُنَّ، وَأَخَذُوهُنَّ بِالْعَذَابِ يَسْتَدِلُّونَهُنَّ عَلَى ذَكَرٍ مِنْ أَبْنَاءِ كِسْرَى، فَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَحَدٌ، وَقَالَ بِعَضُهُنَّ: لَمْ يَبْقَ إِلَّا غُلَامٌ يُدْعَى يَزْدَجِرْدَ مِنْ وَلَدِ شَهْرَيَارَ بْنِ كِسْرَى، وَأُمُّهُ مِنْ أَهْلِ بَادُورَيَا. فَأَرْسَلُوا إِلَيْهَا وَطَلَبُوهُ مِنْهَا، وَكَانَتْ قَدْ أَنْزَلَتْهُ أَيَّامَ شِيرَى حِينَ جَمَعَهُنَّ فَقَتَلَ الذُّكُورَ، وَأَرْسَلَتْهُ إِلَى أَخْوَالِهِ، فَلَمَّا سَأَلُوهَا عَنْهُ دَلَّتْهُمْ عَلَيْهِ، فَجَاءُوا بِهِ فَمَلَّكُوهُ وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، فَاطْمَأَنَّتْ فَارِسُ وَاسْتَوْثَقُوا، وَتَبَارَى الْمَرَازِبَةُ فِي طَاعَتِهِ وَمَعُونَتِهِ، فَسَمَّى الْجُنُودَ لِكُلِّ مَسْلَحَةٍ وَثَغْرٍ، فَسَمَّى جُنْدَ الْحِيرَةِ وَالْأُبُلَّةِ وَالْأَنْبَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَبَلَغَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمُ الْمُثَنَّى وَالْمُسْلِمِينَ، فَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِمَا يَنْتَظِرُونَ

стр. 976

مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ، فَلَمْ يَصِلِ الْكِتَابُ إِلَى عُمَرَ حَتَّى كَفَرَ أَهْلُ السَّوَادِ مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، فَخَرَجَ الْمُثَنَّى حَتَّى نَزَلَ بِذِي قَارٍ، وَنَزَلَ النَّاسُ بِالطَّفِّ فِي عَسْكَرٍ وَاحِدٍ. وَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ الْمُثَنَّى إِلَى عُمَرَ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ مُلُوكَ الْعَجَمِ بِمُلُوكِ الْعَرَبِ! فَلَمْ يَدَعْ رَئِيسًا وَلَا ذَا رَأْيٍ وَذَا شَرَفٍ وَبَسْطَةٍ وَلَا خَطِيبًا وَلَا شَاعِرًا إِلَّا رَمَاهُمْ بِهِ، فَرَمَاهُمْ بِوُجُوهِ النَّاسِ وَغُرَرِهِمْ. وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْمُثَنَّى وَمَنْ مَعَهُ يَأْمُرُهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ بَيْنِ الْعَجَمِ وَالتَّفَرُّقِ فِي الْمِيَاهِ الَّتِي تَلِي الْعَجَمِ، وَأَنْ لَا يَدَعُوا فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ وَحُلَفَائِهِمْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ النَّجْدَاتِ وَلَا فَارِسًا إِلَّا أَحْضَرُوهُ إِمَّا طَوْعًا أَوْ كُرْهًا. وَنَزَلَ النَّاسُ بِالْجُلِّ وَشَرَافَ إِلَى غُضَيٍّ، وَهُوَ جَبَلُ الْبَصْرَةِ، وَبِسَلْمَانَ، بَعْضُهُمْ يَنْظُرُ إِلَى بَعْضٍ، وَيُغِيثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَذَلِكَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. وَأَرْسَلَ عُمَرُ فِي ذِي الْحَجَّةِ مِنَ السَّنَةِ مُخْرَجَهُ إِلَى الْحَجِّ إِلَى عُمَّالِهِ عَلَى الْعَرَبِ أَنْ لَا يَدَعُوا مَنْ لَهُ نَجْدَةٌ أَوْ فَرَسٌ أَوْ سِلَاحٌ أَوْ رَأْيٌ إِلَّا وَجَّهُوهُ إِلَيْهِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى النِّصْفِ مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ فَجَاءَ إِلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ لَمَّا عَادَ مِنَ الْحَجِّ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْعِرَاقِ فَانْضَمَّ إِلَى الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ، وَجَاءَتْ أَمْدَادُ الْعَرَبِ إِلَى عُمَرَ. وَحَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِالنَّاسِ، وَحَجَّ سِنِيهِ كُلَّهَا. وَكَانَ عَامِلُ عُمَرَ عَلَى مَكَّةَ هَذِهِ السَّنَةَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ فِيمَا قَالَ بَعْضُهُمْ، وَعَلَى الطَّائِفِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَعَلَى الْيَمَنِ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ، وَعَلَى عُمَانَ وَالْيَمَامَةِ حُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وَعَلَى الْبَحْرَيْنِ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، وَعَلَى الشَّامِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَعَلَى فَرْجِ الْكُوفَةِ وَمَا فُتِحَ مِنْ أَرْضِهَا الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ.

стр. 977

وَكَانَ عَلَى الْقَضَاءِ فِيمَا ذُكِرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ أَبُو كَبْشَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَفِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ مَاتَ سَهْلُ بْنُ عَمْرٍو أَخُو سُهَيْلٍ، وَهُوَ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ. وَفِي خِلَافَتِهِ مَاتَ الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيُّ. وَفِي أَوَّلِ خِلَافَتِهِ مَاتَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ قَدْ جُرِحَ فِي حِصَارِ الطَّائِفِ، ثُمَّ انْتَقَضَ عَلَيْهِ جُرْحُهُ فَمَاتَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْأَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ يَوْمَ مَاتَ أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِيًا بِدَارِهِ بِمَكَّةَ أَوَّلَ مَا أُرْسِلَ.

стр. 978

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ] [ ذِكْرُ ابْتِدَاءِ أَمْرِ الْقَادِسِيَّةِ] ١٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. ذِكْرُ ابْتِدَاءِ أَمْرِ الْقَادِسِيَّةِ لَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَى عُمَرَ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى نَزَلَ عَلَى مَاءٍ يُدْعَى صِرَارًا، فَعَسْكَرَ بِهِ، وَلَا يَدْرِي النَّاسُ مَا يُرِيدُ أَيَسِيرُ أَمْ يُقِيمُ، وَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ رَمَوْهُ بِعُثْمَانَ أَوْ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ هَذَانِ عَلَى عَمَلِ شَيْءٍ مِمَّا يُرِيدُ ثَلَّثُوا بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَسَأَلَهُ عُثْمَانُ عَنْ سَبَبِ حَرَكَتِهِ، فَأَحْضَرَ النَّاسَ فَأَعْلَمَهُمُ الْخَبَرَ وَاسْتَشَارَهُمْ فِي الْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَقَالَ الْعَامَّةُ: سِرْ وَسِرْ بِنَا مَعَكَ. فَدَخَلَ مَعَهُمْ فِي رَأْيِهِمْ وَقَالَ: اغْدُوا وَاسْتَعِدُّوا، فَإِنِّي سَائِرٌ إِلَّا أَنْ يَجِيءَ رَأْيٌ هُوَ أَمْثَلُ مِنْ هَذَا. ثُمَّ جَمَعَ وُجُوهَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ، وَكَانَ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَأَتَاهُ، وَإِلَى طَلْحَةَ، وَكَانَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، وَإِلَى الزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَا عَلَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ، فَحَضَرَا، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ فَاجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَبْعَثَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَرْمِيهِ بِالْجُنُودِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَشْتَهِي فَهُوَ الْفَتْحُ، وَإِلَّا أَعَادَ رَجُلًا وَبَعَثَ آخَرَ، فَفِي ذَلِكَ غَيْظُ الْعَدُوِّ فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ وَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي كُنْتُ عَزَمْتُ عَلَى الْمَسِيرِ حَتَّى صَرَفَنِي ذَوُو الرَّأْيِ مِنْكُمْ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أُقِيمَ وَأَبْعَثَ رَجُلًا، فَأَشِيرُوا عَلَيَّ بِرَجُلٍ.

стр. 979

وَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَى صَدَقَاتِ هَوَازِنَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بِانْتِخَابِ ذَوِي الرَّأْيِ وَالنَّجْدَةِ وَالسِّلَاحِ، فَجَاءَهُ كِتَابُ سَعْدٍ، وَعُمَرُ يَسْتَشِيرُ فِيمَنْ يَبْعَثُهُ، يَقُولُ: قَدِ انْتَخَبْتُ لَكَ أَلْفَ فَارِسٍ كُلُّهُمْ لَهُ نَجْدَةٌ وَرَأْيٌ وَصَاحِبُ حَيْطَةٍ يَحُوطُ حَرِيمَ قَوْمِهِ، إِلَيْهِمُ انْتَهَتْ أَحْسَابُهُمْ وَرَأْيُهُمْ. فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُهُ قَالُوا لِعُمَرَ: قَدْ وَجَدْتَهُ قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالُوا: الْأَسَدُ عَادِيًا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، فَانْتَهَى إِلَى قَوْلِهِمْ وَأَحْضَرَهُ، وَأَمَّرَهُ عَلَى حَرْبِ الْعِرَاقِ وَوَصَّاهُ وَقَالَ: لَا يَغُرَّنَّكَ مِنَ اللَّهِ أَنْ قِيلَ: خَالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ، وَلَكِنَّهُ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ، وَلَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ نَسَبٌ إِلَّا طَاعَتُهُ، فَالنَّاسُ فِي ذَاتِ اللَّهِ سَوَاءٌ، اللَّهُ رَبُّهُمْ وَهُمْ عِبَادُهُ يَتَفَاضَلُونَ بِالْعَافِيَةِ، وَيُدْرِكُونَ مَا عِنْدَهُ بِالطَّاعَةِ، فَانْظُرِ الْأَمْرَ الَّذِي رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْزَمُهُ فَالْزَمْهُ. وَوَصَّاهُ بِالصَّبْرِ وَسَرَّحَهُ فِيمَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْ نَفَرِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، فِيهِمْ حُمَيْضَةُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ حُمَيْضَةَ عَلَى بَارِقٍ، وَعَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ، وَأَبُو سَبْرَةَ بْنُ ذُؤَيْبٍ عَلَى مَذْحِجٍ، وَيَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ الصُّدَائِيُّ عَلَى صُدَاءَ، وَحَبِيبُ وَمُسْلِيَةُ وَبِشْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهِلَالِيُّ فِي قَيْسِ عَيْلَانَ وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عُمَرُ، فَمَرَّ بِفِتْيَةٍ مِنَ السَّكُونِ مَعَ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ دُلَمٍ سِبَاطٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُمْ، فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ وَهَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: مَا مَرَّ بِي قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ أَكْرَهُ إِلَيَّ مِنْهُمْ. ثُمَّ أَمْضَاهُمْ فَكَانَ بَعْدُ يُذَكِّرُهُمْ بِالْكَرَاهَةِ، فَكَانَ مِنْهُمْ سُودَانُ بْنُ حُمْرَانَ قَتَلَ عُثْمَانَ، وَابْنُ مُلْجِمٍ قَتَلَ عَلِيًّا، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ جَرَّدَ السَّيْفَ فِي الْمُسْلِمِينَ، يُظْهِرُ الْأَخْذَ بِثَأْرِ عُثْمَانَ، وَحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ فِي قِتَالِ عَلِيٍّ. ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ أَخَذَ بِوَصِيَّتِهِمْ وَبِعِظَتِهِمْ ثُمَّ سَيَّرَهُمْ، وَأَمَدَّ عُمَرُ سَعْدًا بَعْدَ خُرُوجِهِ بِأَلْفَيْ يَمَانِيٍّ نَجْدِيٍّ، وَكَانَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ فِي ثَمَانِيَةِ آلَافٍ، وَسَارَ سَعْدٌ وَالْمُثَنَّى يَنْتَظِرُ قُدُومَهُ، فَمَاتَ الْمُثَنَّى قَبْلَ قُدُومِ سَعْدٍ مِنْ جِرَاحَةٍ انْتَفَضَتْ عَلَيْهِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى النَّاسِ بَشِيرَ بْنَ الْخَصَاصِيَّةِ وَسَعْدٌ يَوْمَئِذٍ بِزَرُودَ، وَقَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، وَأَمَرَ عُمَرُ بَنِي أَسَدٍ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حَدِّ أَرْضِهِمْ بَيْنَ الْحَزْنِ وَالْبَسِيطَةِ، فَنَزَلُوا فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَسَارَ سَعْدٌ إِلَى

стр. 980

شَرَافَ فَنَزَلَهَا، وَلَحِقَهُ بِهَا الْأَشْعَبُ بْنُ قَيْسٍ فِي أَلْفٍ وَسَبْعِمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَكَانَ جَمِيعُ مَنْ شَهِدَ الْقَادِسِيَّةَ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَجَمِيعُ مَنْ قُسِمَ عَلَيْهِ فَيْئُهَا نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَجْرَأَ عَلَى أَهْلِ فَارِسَ مِنْ رَبِيعَةَ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُسَمُّونَهُمْ رَبِيعَةَ الْأَسَدِ إِلَى رَبِيعَةِ الْفَرَسِ، وَلَمْ يَدَعْ عُمَرُ ذَا رَأْيٍ وَلَا شَرَفٍ وَلَا خَطِيبًا وَلَا شَاعِرًا وَلَا وَجِيهًا مِنْ وُجُوهِ النَّاسِ إِلَّا سَيَّرَهُ إِلَى سَعْدٍ. وَجَمَعَ سَعْدٌ مَنْ كَانَ بِالْعِرَاقِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَسْكَرِ الْمُثَنَّى، فَاجْتَمَعَ بِشَرَافَ، فَعَبَّأَهُمْ وَأَمَّرَ الْأُمَرَاءَ، وَعَرَّفَ عَلَى كُلِّ عَشَرَةٍ عَرِيفًا، وَجَعَلَ عَلَى الرَّايَاتِ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ السَّابِقَةِ، وَوَلَّى الْحُرُوبَ رِجَالًا عَلَى سَاقَتِهَا وَمُقَدِّمَتِهَا وَرَجْلِهَا وَطَلَائِعِهَا وَمُجَنِّبَاتِهَا، وَلَمْ يَفْصِلْ إِلَّا بِكِتَابِ عُمَرَ، فَجَعَلَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ زُهْرَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ الْحَوِيَّةِ، فَانْتَهَى إِلَى الْعُذَيْبِ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعَلَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُعْتَمِّ، وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَيْضًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَيْسَرَةِ شُرَحْبِيلَ بْنَ السِّمْطِ الْكِنْدِيَّ، وَجَعَلَ خَلِيفَتَهُ خَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ حَلِيفَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَجَعَلَ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو التَّمِيمِيَّ عَلَى السَّاقَةِ، وَسَوَادَ بْنَ مَالِكٍ التَّمِيمِيَّ عَلَى الطَّلَائِعِ، وَسَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيَّ عَلَى الْمُجَرَّدَةِ، وَعَلَى الرَّجَّالَةِ حَمَّالَ بْنَ مَالِكٍ الْأَسَدِيَّ، وَعَلَى الرُّكْبَانِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ذِي السَّهْمَيْنِ الْخَثْعَمِيَّ، وَجَعَلَ عُمَرُ عَلَى الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيَّ، وَعَلَى قِسْمَةِ الْفَيْءِ أَيْضًا، وَجَعَلَ رَائِدَهُمْ وَدَاعِيَتَهُمْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ، وَالْكَاتِبَ زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ. وَقَدِمَ الْمُعَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ وَسَلْمَى بِنْتُ خَصَفَةَ زَوْجُ الْمُثَنَّى بِشَرَافَ، وَكَانَ الْمُعَنَّى بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ قَدْ سَارَ إِلَى قَابُوسَ بْنِ قَابُوسَ بْنِ الْمُنْذِرِ بِالْقَادِسِيَّةِ، وَكَانَ قَدْ بَعَثَهُ إِلَيْهَا الْفُرْسُ يَسْتَنْفِرُ الْعَرَبَ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْمُعَنَّى فَقَفَلَهُ فَأَنَامَهُ وَمَنْ مَعَهُ، وَرَجَعَ إِلَى ذِي قَارٍ، وَسَارَ إِلَى سَعْدٍ يُعْلِمُهُ بِرَأْيِ الْمُثَنَّى لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ، يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا الْفُرْسَ عَلَى حُدُودِ أَرْضِهِمْ عَلَى أَدْنَى حَجَرٍ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ، وَلَا يُقَاتِلُوهُمْ بِعُقْرِ دَارِهِمْ، فَإِنْ يُظْهِرِ اللَّهُ

стр. 981

الْمُسْلِمِينَ فَلَهُمْ مَا وَرَاءَهُمْ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى رَجَعُوا إِلَى فِئَةٍ ثُمَّ يَكُونُوا أَعْلَمَ بِسَبِيلِهِمْ، وَأَجْرَأَ عَلَى أَرْضِهِمْ، إِلَى أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ. فَتَرَحَّمَ سَعْدٌ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْمُثَنَّى، وَجَعَلَ الْمُعَنَّى عَلَى عَمَلِهِ وَأَوْصَى بِأَهْلِ بَيْتِهِ خَيْرًا، ثُمَّ تَزَوَّجَ سَعْدٌ سَلْمَى زَوْجَ الْمُثَنَّى، وَكَانَ مَعَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ بَدْرِيًّا، وَثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ مِمَّنْ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ فِيمَا بَيْنَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ إِلَى مَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَثَلَاثُمِائَةٍ مِمَّنْ شَهِدَ الْفَتْحَ، وَسَبْعُمِائَةٍ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ. وَقَدِمَ عَلَى سَعْدٍ كِتَابُ عُمَرَ بِمِثْلِ رَأْيِ الْمُثَنَّى، وَكَتَبَ عُمَرُ أَيْضًا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ لِيَصْرِفَ أَهْلَ الْعِرَاقِ وَمَنِ اخْتَارَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ إِلَى الْعِرَاقِ. وَكَانَ لِلْفُرْسِ رَابِطَةٌ بِقَصْرِ ابْنِ مُقَاتِلٍ، عَلَيْهَا النُّعْمَانُ بْنُ قَبِيصَةَ الطَّائِيُّ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ قَبِيصَةَ بْنِ إِيَاسٍ صَاحِبِ الْحِيرَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِمَجِيءِ سَعْدٍ سَأَلَ عَنْهُ وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنَانِ بْنِ خُزَيْمٍ الْأَسَدِيُّ، فَقِيلَ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأُحَادَّنَّهُ الْقِتَالَ، فَإِنَّ قُرَيْشًا عَبِيدُ مَنْ غَلَبَ، وَاللَّهِ لَا يَخْرُجُونَ مِنْ بِلَادِهِمْ إِلَّا بِخُفَّيْنِ! فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنَانٍ مِنْ قَوْلِهِ وَأَمْهَلَهُ حَتَّى دَخَلَ قُبَّتَهُ فَقَتَلَهُ، وَلَحِقَ بِسَعْدٍ وَأَسْلَمَ. وَسَارَ سَعْدٌ مِنْ شَرَافَ فَنَزَلَ الْعُذَيْبَ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ الْقَادِسِيَّةَ بَيْنَ الْعَتِيقِ وَالْخَنْدَقِ بِحِيَالِ الْقَنْطَرَةِ، وَقُدَيْسٍ أَسْفَلَ مِنْهَا بِمِيلٍ. وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ: إِنِّي أُلْقِيَ فِي رُوعِي أَنَّكُمْ إِذَا لَقِيتُمُ الْعَدُوَّ هَزَمْتُمُوهُمْ، فَمَتَى لَاعَبَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنَ الْعَجَمِ بِأَمَانٍ أَوْ بِإِشَارَةٍ أَوْ بِلِسَانٍ كَانَ عِنْدَهُمْ أَمَانًا - فَأَجْرُوا لَهُ ذَلِكَ مَجْرَى الْأَمَانِ وَالْوَفَاءِ؛ فَإِنَّ الْخَطَأَ بِالْوَفَاءِ بَقِيَّةٌ، وَإِنَّ الْخَطَأَ بِالْغَدْرِ هَلَكَةٌ، وَفِيهَا وَهْنُكُمْ وَقُوَّةُ عَدُوِّكُمْ، فَلَمَّا نَزَلَ زُهْرَةُ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَأَمْسَى بَعَثَ سَرِيَّةً فِي ثَلَاثِينَ مَعْرُوفِينَ بِالنَّجْدَةِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْغَارَةِ عَلَى الْحِيرَةِ، فَلَمَّا جَازُوا السَّيْلَحِينَ سَمِعُوا جَلَبَةً، فَمَكَثُوا حَتَّى حَاذُوهُمْ، وَإِذَا أُخْتُ آزَادُمَرْدَ بْنِ آزَاذَبَهْ مَرْزُبَانِ الْحِيرَةِ تُزَفُّ إِلَى صَاحِبِ الصِّنَّيْنِ، وَهُوَ مِنْ أَشْرَافِ الْعَجَمِ، فَحَمَلَ بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيُّ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ عَلَى شِيرَزَادَ بْنِ آزَاذَبَهْ فَدَقَّ صُلْبَهُ، وَطَارَتِ الْخَيْلُ عَلَى وُجُوهِهَا، وَأَخَذُوا الْأَثْقَالَ وَابْنَةَ آزَاذَبَهْ فِي ثَلَاثِينَ امْرَأً مِنْ

стр. 982

الدَّهَاقِينِ وَمِائَةٍ مِنَ التَّوَابِعِ، وَمَعَهُمْ مَا لَا يُدْرَى قِيمَتُهُ، فَاسْتَاقَ ذَلِكَ وَرَجَعَ فَصَبَّحَ سَعْدًا بِعُذَيْبِ الْهِجَانَاتِ، فَقَسَّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَتَرَكَ الْحَرِيمَ بِالْعُذَيْبِ وَمَعَهَا خَيْلٌ تَحُوطُهَا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ غَالِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيَّ. وَنَزَلَ سَعْدٌ الْقَادِسِيَّةَ وَأَقَامَ بِهَا شَهْرًا لَمْ يَأْتِهِ مِنَ الْفُرْسِ أَحَدٌ، فَأَرْسَلَ سَعْدٌ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو إِلَى مَيْسَانَ، فَطَلَبَ غَنَمًا أَوْ بَقَرًا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، وَتَحَصَّنَ مِنْهُ مَنْ هُنَاكَ، فَأَصَابَ عَاصِمٌ رَجُلًا بِجَانِبِ أَجَمَةٍ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ. فَصَاحَ ثَوْرٌ مِنَ الْأَجَمَةِ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، هَا نَحْنُ! فَدَخَلَ فَاسْتَاقَ الْبَقَرَ فَأَتَى بِهَا الْعَسْكَرَ، فَقَسَّمَهُ سَعْدٌ عَلَى النَّاسِ، فَأَخْصَبُوا أَيَّامًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَجَّاجَ فِي زَمَانِهِ فَأَرْسَلَ إِلَى جَمَاعَةٍ فَسَأَلَهُمْ، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا ذَلِكَ وَشَاهَدُوهُ، فَقَالَ: كَذَبْتُمْ. قَالُوا: ذَلِكَ إِنْ كُنْتَ شَهِدْتَهَا وَغِبْنَا عَنْهَا. قَالَ: صَدَقْتُمْ، فَمَا كَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ فِي ذَلِكَ؟ قَالُوا: وَإِنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى رِضَى اللَّهِ وَفَتْحِ عَدُوِّنَا، فَقَالَ: مَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا وَالْجَمْعُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ. قَالُوا: مَا نَدْرِي مَا أَجَنَّتْ قُلُوبُهُمْ، فَأَمَّا مَا رَأَيْنَا فَمَا رَأَيْنَا قَطُّ أَزْهَدَ فِي دُنْيَا مِنْهُمْ، وَلَا أَشَدَّ بُغْضًا لَهَا، لَيْسَ فِيهِمْ جَبَانٌ وَلَا غَارٌّ وَلَا غَدَّارٌ. وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَبَاقِرِ. وَبَثَّ سَعْدٌ الْغَارَاتِ وَالنَّهْبَ بَيْنَ كَسْكَرَ وَالْأَنْبَارِ، فَحَوَوْا مِنَ الْأَطْعِمَةِ مَا اسْتَكْفَوْا بِهِ زَمَانًا، وَكَانَ بَيْنَ نُزُولِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْعِرَاقَ وَبَيْنَ نُزُولِ سَعْدٍ الْقَادِسِيَّةَ وَالْفَرَاغِ مِنْهَا سَنَتَانِ وَشَيْءٌ، وَكَانَ مُقَامُ سَعْدٍ بِالْقَادِسِيَّةِ شَهْرَيْنِ وَشَيْئًا حَتَّى ظَفِرَ. فَاسْتَغَاثَ أَهْلُ السَّوَادِ إِلَى يَزْدَجِرْدَ، وَأَعْلَمُوهُ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ نَزَلُوا الْقَادِسِيَّةَ وَلَا يَبْقَى عَلَى فِعْلِهِمْ شَيْءٌ، وَقَدْ أَخْرَبُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْفُرَاتِ، وَنَهَبُوا الدَّوَابَّ وَالْأَطْعِمَةَ، وَإِنْ أَبْطَأَ الْغِيَاثُ أَعْطَيْنَاهُمْ بِأَيْدِينَا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ الَّذِينَ لَهُمُ الضِّيَاعُ بِالطَّفِّ، وَهَيَّجُوهُ عَلَى إِرْسَالِ الْجُنُودِ، فَأَرْسَلَ يَزْدَجِرْدُ إِلَى رُسْتُمَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنَّ أُوَجِّهَكَ فِي هَذَا الْوَجْهِ، فَأَنْتَ رَجُلُ فَارِسَ الْيَوْمَ، وَقَدْ تَرَى مَا حَلَّ بِالْفُرْسِ مِمَّا لَمْ يَأْتِهِمْ مِثْلُهُ. فَأَظْهَرَ لَهُ الْإِجَابَةَ ثُمَّ قَالَ لَهُ: دَعْنِي، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تَزَالُ تَهَابُ الْعَجَمَ مَا لَمْ تَضْرِبْهُمْ بِي، وَلَعَلَّ الدَّوْلَةَ أَنْ تَثْبُتَ بِي إِذَا لَمْ أَحْضُرِ الْحَرْبَ، فَيَكُونُ اللَّهُ قَدْ كَفَى، وَنَكُونُ قَدْ أَصَبْنَا الْمَكِيدَةَ، وَالرَّأْيُ فِي الْحَرْبِ أَنْفَعُ مِنْ بَعْضِ الظَّفَرِ، وَالْأَنَاةُ خَيْرٌ مِنَ الْعَجَلَةِ، وَقِتَالُ جَيْشٍ بَعْدَ جَيْشٍ أَمْثَلُ مِنْ هَزِيمَةٍ بِمَرَّةٍ وَأَشَدُّ عَلَى عَدُوِّنَا. فَأَبَى عَلَيْهِ، وَأَعَادَ رُسْتُمُ كَلَامَهُ وَقَالَ: قَدِ اضْطَرَّنِي تَضْيِيعُ الرَّأْيِ إِلَى إِعْظَامِ نَفْسِي وَتَزْكِيَتِهَا، وَلَوْ أَجِدُ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا لَمْ أَتَكَلَّمْ بِهِ، فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ

стр. 983

فِي نَفْسِكَ وَمُلْكِكَ دَعْنِي أَقِمْ بِعَسْكَرِي وَأُسَرِّحِ الْجَالِينُوسَ، فَإِنْ تَكُنْ لَنَا فَذَلِكَ، وَإِلَّا بَعَثْنَا غَيْرَهُ، حَتَّى إِذَا لَمْ نَجِدْ بُدًّا صَبَرْنَا لَهُمْ وَقَدْ وَهَّنَّاهُمْ وَنَحْنُ جَامُّونَ، فَإِنِّي لَا أَزَالُ مَرْجُوًّا فِي أَهْلِ فَارِسَ مَا لَمْ أُهْزَمْ. فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَسِيرَ، فَخَرَجَ حَتَّى ضَرَبَ عَسْكَرَهُ بِسَابَاطَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ لِيُعْفِيَهُ فَأَبَى. وَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ إِلَى سَعْدٍ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: لَا يَكْرُبَنَّكَ مَا يَأْتِيكَ عَنْهُمْ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ، وَابْعَثْ إِلَيْهِ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْمُنَاظَرَةِ وَالرَّأْيِ وَالْجَلَدِ يَدْعُونَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ دُعَاءَهُمْ تَوْهِينًا لَهُمْ. فَأَرْسَلَ سَعْدٌ نَفَرًا، مِنْهُمْ: النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَبُسْرُ بْنُ أَبِي رُهْمٍ، وَحَمَلَةُ بْنُ حَوِيَّةَ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَفُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ، وَعَدِيُّ بْنُ سُهَيْلٍ، وَعُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ النَّبَّاشِ الْأَسَدِيُّ، وَالْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ حَسَّانَ، وَعَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَالْمُعَنَّى بْنُ حَارِثَةَ - إِلَى يَزْدَجِرْدَ دُعَاةً، فَخَرَجُوا مِنَ الْعَسْكَرِ فَقَدِمُوا عَلَى يَزْدَجِرْدَ، وَطَوَوْا رُسْتُمَ وَاسْتَأْذَنُوا عَلَى يَزْدَجِرْدَ فَحُبِسُوا، وَأَحْضَرَ وُزَرَاءَهُ وَرُسْتُمَ مَعَهُمْ، وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَا يَصْنَعُ وَيَقُولُهُ لَهُمْ. وَاجْتَمَعَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ وَتَحْتَهُمْ خُيُولٌ كُلُّهَا صُهَّالٌ، وَعَلَيْهِمُ الْبُرُودُ وَبِأَيْدِيهِمُ السِّيَاطُ، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَأَحْضَرَ التُّرْجُمَانَ وَقَالَ لَهُ: سَلْهُمْ مَا جَاءَ بِكُمْ وَمَا دَعَاكُمْ إِلَى غَزْوِنَا وَالْوَلُوعِ بِبِلَادِنَا؟ أَمِنْ أَجْلِ أَنَّنَا تَشَاغَلْنَا عَنْكُمُ اجْتَرَأْتُمْ عَلَيْنَا؟ فَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ لِأَصْحَابِهِ: إِنْ شِئْتُمْ تَكَلَّمْتُ عَنْكُمْ، وَمَنْ شَاءَ آثَرْتُهُ. فَقَالُوا: بَلْ تَكَلَّمْ. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ رَحِمَنَا فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولًا يَأْمُرُنَا بِالْخَيْرِ وَيَنْهَانَا عَنِ الشَّرِّ، وَوَعَدَنَا عَلَى إِجَابَتِهِ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَمْ يَدْعُ قَبِيلَةً إِلَّا وَقَارَبَهُ مِنْهَا فِرْقَةٌ وَتَبَاعَدَ عَنْهُ بِهَا فِرْقَةٌ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يَنْبِذَ إِلَى مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْعَرَبِ، فَبَدَأَ بِهِمْ، فَدَخَلُوا مَعَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: مُكْرَهٌ عَلَيْهِ فَاغْتَبَطَ، وَطَائِعٌ أَتَاهُ فَازْدَادَ، فَعَرَفْنَا جَمِيعًا فَضْلَ مَا جَاءَ بِهِ عَلَى الَّذِي كُنَّا عَلَيْهِ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالضِّيقِ، ثُمَّ أَمَرَنَا أَنْ نَبْدَأَ بِمَنْ يَلِينَا مِنَ الْأُمَمِ فَنَدْعُوَهُمْ إِلَى الْإِنْصَافِ، فَنَحْنُ نَدْعُوكُمْ إِلَى دِينِنَا، وَهُوَ دِينٌ حَسَّنَ الْحَسَنَ وَقَبَّحَ الْقَبِيحَ كُلَّهُ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَأَمْرٌ مِنَ الشَّرِّ هُوَ أَهْوَنُ مِنْ آخَرَ شَرٌّ مِنْهُ: الْجِزْيَةُ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَالْمُنَاجَزَةُ، فَإِنْ أَجَبْتُمْ إِلَى دِينِنَا خَلَّفْنَا فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ، وَأَقَمْنَا عَلَى أَنْ

стр. 984

تَحْكُمُوا بِأَحْكَامِهِ، وَنَرْجِعُ عَنْكُمْ وَشَأْنُكُمْ وَبِلَادَكُمْ، وَإِنْ بَذَلْتُمُ الْجَزَاءَ قَبِلْنَا وَمَنَعْنَاكُمْ، وَإِلَّا قَاتَلْنَاكُمْ. فَتَكَلَّمَ يَزْدَجِرْدُ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أُمَّةً أَشْقَى وَلَا أَقَلَّ عَدَدًا وَلَا أَسْوَأَ ذَاتَ بَيْنٍ مِنْكُمْ، قَدْ كُنَّا نُوكِلُ بِكُمْ قُرَى الضَّوَاحِي فَيَكْفُونَنَا أَمْرَكُمْ، وَلَا تَطْمَعُوا أَنْ تَقُومُوا لِفَارِسٍ، فَإِنْ كَانَ غَرَرٌ لَحِقَكُمْ فَلَا يَغُرَنَّكُمْ مِنَّا، وَإِنْ كَانَ الْجُهْدُ فَرَضْنَا لَكُمْ قُوتًا إِلَى خِصْبِكُمْ، وَأَكْرَمْنَا وُجُوهَكُمْ وَكَسَوْنَاكُمْ، وَمَلَّكْنَا عَلَيْكُمْ مَلِكًا يَرْفُقُ بِكُمْ. فَأَسْكَتَ الْقَوْمَ، فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ زُرَارَةَ فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّ هَؤُلَاءِ رُءُوسُ الْعَرَبِ وَوُجُوهُهُمْ، وَهُمْ أَشْرَافٌ يَسْتَحْيُونَ مِنَ الْأَشْرَافِ، وَإِنَّمَا يُكْرِمُ الْأَشْرَافَ وَيُعَظِّمُ حَقَّهُمُ الْأَشْرَافُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا أُرْسِلُوا بِهِ قَالُوهُ، وَلَا كُلُّ مَا تَكَلَّمْتَ بِهِ أَجَابُوكَ عَلَيْهِ، فَجَاوِبْنِي لِأَكُونَ الَّذِي أُبْلِغُكَ وَهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى ذَلِكَ لِي، فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ سُوءِ الْحَالِ فَهِيَ عَلَى مَا وَصَفْتَ وَأَشَدُّ. ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ سُوءِ عَيْشِ الْعَرَبِ وَإِرْسَالِ اللَّهِ النَّبِيَّ ﷺ إِلَيْهِمْ نَحْوَ قَوْلِ النُّعْمَانِ، وَقِتَالِ مَنْ خَالَفَهُمْ أَوِ الْجِزْيَةِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اخْتَرْ إِنْ شِئْتَ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَأَنْتَ صَاغِرٌ، وَإِنْ شِئْتَ فَالسَّيْفُ، أَوْ تُسْلِمُ فَتُنْجِي نَفْسَكَ. فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمْ! لَا شَيْءَ لَكُمْ عِنْدِي. ثُمَّ اسْتَدْعَى بِوِقْرٍ مِنْ تُرَابٍ فَقَالَ: احْمِلُوهُ عَلَى أَشْرَافِ هَؤُلَاءِ، ثُمَّ سُوقُوهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الْمَدَائِنِ، ارْجِعُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ فَأَعْلِمُوهُ أَنِّي مُرْسِلٌ إِلَيْهِ رُسْتُمَ حَتَّى يَدْفِنَهُ وَيَدْفِنَكُمْ مَعَهُ فِي خَنْدَقِ الْقَادِسِيَّةِ، ثُمَّ أُورِدُهُ بِلَادَكُمْ حَتَّى أُشْغِلَكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ بِأَشَدَّ مِمَّا نَالَكُمْ مِنْ سَابُورَ. فَقَامَ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو لِيَأْخُذَ التُّرَابَ وَقَالَ: أَنَا أَشْرَفُهُمْ، أَنَا سَيِّدُ هَؤُلَاءِ. فَحَمَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ وَخَرَجَ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا، وَأَخَذَ التُّرَابَ وَقَالَ لِسَعْدٍ: أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَانَا اللَّهُ أَقَالِيدَ مُلْكِهِمْ. وَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى جُلَسَاءِ الْمَلِكِ، وَقَالَ الْمَلِكُ لِرُسْتُمَ، وَقَدْ حَضَرَ عِنْدَهُ مِنْ سَابَاطَ: مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ فِي الْعَرَبِ مِثْلَ هَؤُلَاءِ، مَا أَنْتُمْ بِأَحْسَنَ جَوَابًا مِنْهُمْ، وَلَقَدْ صَدَقَنِي الْقَوْمُ، لَقَدْ وُعِدُوا أَمْرًا لَيُدْرِكُنَّهُ أَوْ لَيَمُوتُنَّ عَلَيْهِ، عَلَى أَنِّي وَجَدْتُ أَفْضَلَهُمْ أَحْمَقَهُمْ حَيْثُ حَمَلَ

стр. 985

التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ. فَقَالَ رُسْتُمُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُ أَعْقَلُهُمْ. وَتَطَيَّرَ إِلَى ذَلِكَ وَأَبْصَرَهَا دُونَ أَصْحَابِهِ، وَخَرَجَ رُسْتُمُ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ غَضْبَانَ كَئِيبًا، وَبَعَثَ فِي أَثَرِ الْوَفْدِ وَقَالَ لِثِقَتِهِ: إِنْ أَدْرَكَهُمُ الرَّسُولُ تَلَافَيْنَا أَرْضَنَا، وَإِنْ أَعْجَزَهُ سَلَبَكُمُ اللَّهُ أَرْضَكُمْ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ مِنَ الْحِيرَةِ بِفَوَاتِهِمْ، فَقَالَ: ذَهَبَ الْقَوْمُ بِأَرْضِكُمْ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ. وَكَانَ مُنَجِّمًا كَاهِنًا. وَأَغَارَ سَوَادُ بْنُ مَالِكٍ التَّمِيمِيُّ بَعْدَ مَسِيرِ الْوَفْدِ إِلَى يَزْدَجِرْدَ عَلَى النِّجَافِ وَالْفِرَاضِ، فَاسْتَاقَ دَابَّةً مِنْ بَيْنِ بَغْلٍ وَحِمَارٍ وَثَوْرٍ وَأَوْقَرَهَا سُمْكًا، وَصَبَّحَ الْعَسْكَرَ، فَقَسَمَهُ سَعْدٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَهَذَا يَوْمُ الْحِيتَانِ، وَكَانَتِ السَّرَايَا تَسْرِي لِطَلَبِ اللُّحُومِ، فَإِنَّ الطَّعَامَ كَانَ كَثِيرًا عِنْدَهُمْ، فَكَانُوا يُسَمُّونَ الْأَيَّامَ بِهَا: يَوْمُ الْأَبَاقِرِ وَيَوْمُ الْحِيتَانِ. وَبَعَثَ سَعْدٌ سَرِيَّةً أُخْرَى فَأَغَارُوا فَأَصَابُوا إِبِلًا لِبَنِي تَغْلِبَ وَالنَّمِرِ وَاسْتَاقُوهَا وَمَنْ فِيهَا، فَنَحَرَ سَعْدٌ الْإِبِلَ وَقَسَمَهَا فِي النَّاسِ فَأَخْصَبُوا، وَأَغَارَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَلَى النَّهْرَيْنِ فَاسْتَاقَ مَوَاشِيَ كَثِيرَةً وَعَادَ. وَسَارَ رُسْتُمُ مِنْ سَابَاطَ، وَجَمَعَ آلَةَ الْحَرْبِ وَبَعَثَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ الْجَالِينُوسَ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَخَرَجَ هُوَ فِي سِتِّينَ أَلْفًا، وَفِي سَاقَتِهِ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَجَعَلَ فِي مَيْمَنَتِهِ الْهُرْمُزَانَ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ مِهْرَانَ بْنَ بَهْرَامَ الرَّازِيَّ، وَقَالَ رُسْتُمُ لِلْمَلِكِ يُشَجِّعُهُ بِذَلِكَ: إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا الْقَوْمَ فَتَوَجَّهْنَا إِلَى مِلْكِهِمْ فِي دَارِهِمْ حَتَّى نُشْغِلَهُمْ فِي أَصْلِهِمْ وَبِلَادِهِمْ إِلَى أَنْ يَقْبَلُوا الْمُسَالَمَةَ. وَكَانَ خُرُوجُ رُسْتُمَ مِنَ الْمَدَائِنِ فِي سِتِّينَ أَلْفَ مَتْبُوعٍ، وَمَسِيرُهُ عَنْ سَابَاطَ فِي مِائَةِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ مَتْبُوعٍ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَلَمَّا فَصَلَ رُسْتُمُ عَنْ سَابَاطَ كَتَبَ إِلَى أَخِيهِ الْبِنْذَوَانِ: أَمَّا بَعْدُ فَرُمُّوا حُصُونَكُمْ وَأَعِدُّوا وَاسْتَعِدُّوا، فَكَأَنَّكُمْ بِالْعَرَبِ قَدْ قَارَعُوكُمْ عَنْ أَرْضِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ، وَقَدْ كَانَ مِنْ رَأْيِي مُدَافَعَتُهُمْ وَمُطَاوَلَتُهُمْ حَتَّى تَعُودَ سُعُودُهُمْ نُحُوسًا، فَإِنَّ السَّمَكَةَ قَدْ كَدَّرَتِ الْمَاءَ، وَإِنَّ النَّعَائِمَ قَدْ حَسُنَتْ، وَالزُّهْرَةُ قَدْ حَسُنَتْ، وَاعْتَدَلَ الْمِيزَانُ، وَذَهَبَ بَهْرَامُ، وَلَا أَرَى هَؤُلَاءِ
следующие страницы →