Полный текст (2 628 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ دَخَلَ دَارَ أبي سفيان فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ» .
وَأَيْضًا، «فَإِنَّ أم هانئ أَجَارَتْ رَجُلًا، فَأَرَادَ علي بن أبي طَالِبٍ قَتْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أم هانئ» ) وَفِي لَفْظٍ عَنْهَا: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، أَجَرْتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَحْمَائِي، فَأَدْخَلْتُهُمَا بَيْتًا، وَأَغْلَقْتُ عَلَيْهِمَا بَابًا، فَجَاءَ ابْنُ أُمِّي علي فَتَفَلَّتَ عَلَيْهِمَا بِالسَّيْفِ، فَذَكَرْتُ حَدِيثَ الْأَمَانِ، وَقَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أم هانئ» ) وَذَلِكَ ضُحًى بِجَوْفِ مَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ. فَإِجَارَتُهَا لَهُ، وَإِرَادَةُ علي ﵁ قَتْلَهُ، وَإِمْضَاءُ النَّبِيِّ ﷺ إِجَارَتَهَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ مقيس بن صبابة، وابن خطل، وَجَارِيَتَيْنِ، وَلَوْ كَانَتْ فُتِحَتْ صُلْحًا، لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَكَانَ ذِكْرُ هَؤُلَاءِ مُسْتَثْنًى مِنْ عَقْدِ الصُّلْحِ، وَأَيْضًا فَفِي " السُّنَنِ " بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، قَالَ: أَمِّنُوا النَّاسَ إِلَّا امْرَأَتَيْنِ، وَأَرْبَعَةَ نَفَرٍ. اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ» ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1017
[فصل في الْإِقَامَةُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ]
فَصْلٌ
وَمَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِقَامَةِ الْمُسْلِمِ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَقَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلِمَ؟ قَالَ: لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» .
وَقَالَ: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ» . وَقَالَ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» ، وَقَالَ: «سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ، فَخِيَارُ أَهْلِ
стр. 1018
الْأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ، وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا، تَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ، تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ، وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ» .
[فصل فِي هَدْيِهِ فِي الْأَمَانِ وَالصُّلْحِ وَمُعَامَلَةِ رُسُلِ الْكُفَّارِ وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ فِي الْأَمَانِ، وَالصُّلْحِ، وَمُعَامَلَةِ رُسُلِ الْكُفَّارِ، وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ، وَمُعَامَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالْمُنَافِقِينَ، وَإِجَارَةِ مَنْ جَاءَهُ مِنَ الْكُفَّارِ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، وَرَدِّهِ إِلَى مَأْمَنِهِ، وَوَفَائِهِ بِالْعَهْدِ، وَبَرَاءَتِهِ مِنَ الْغَدْرِ
ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» ) .
وَقَالَ: ( «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا
стр. 1019
فَعَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» ) .
وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلَّنَّ عُقْدَةً وَلَا يَشُدَّهَا حَتَّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ، أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ» ) .
وَقَالَ: ( «مَنْ أَمَّنَ رَجُلًا عَلَى نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ، فَأَنَا بَرِيءٌ مِنَ الْقَاتِلِ» ) . وَفِي لَفْظٍ: « (أُعْطِيَ لِوَاءَ غَدْرَةٍ» ) وَقَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ» ) .
стр. 1020
وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «مَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إِلَّا أُدِيلَ عَلَيْهِمُ الْعَدُوُّ» ) .
[فصل في تَقْرِيرُ مَصِيرِ الْكُفَّارِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ]
فَصْلٌ
وَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، صَارَ الْكُفَّارُ مَعَهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ صَالَحَهُمْ وَوَادَعَهُمْ عَلَى أَلَّا يُحَارِبُوهُ، وَلَا يُظَاهِرُوا عَلَيْهِ، وَلَا يُوَالُوا عَلَيْهِ عَدُوَّهُ، وَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ آمِنُونَ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
وَقِسْمٌ: حَارَبُوهُ وَنَصَبُوا لَهُ الْعَدَاوَةَ.
وَقِسْمٌ: تَارَكُوهُ، فَلَمْ يُصَالِحُوهُ، وَلَمْ يُحَارِبُوهُ، بَلِ انْتَظَرُوا مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُ، وَأَمْرُ أَعْدَائِهِ، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ كَانَ يُحِبُّ ظُهُورَهُ، وَانْتِصَارَهُ فِي الْبَاطِنِ، وَمِنْهُمْ: مَنْ كَانَ يُحِبُّ ظُهُورَ عَدُوِّهِ عَلَيْهِ وَانْتِصَارَهُمْ، وَمِنْهُمْ: مَنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي الظَّاهِرِ، وَهُوَ مَعَ عَدُوِّهِ فِي الْبَاطِنِ، لِيَأْمَنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُنَافِقُونَ، فَعَامَلَ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ ﵎.
فَصَالَحَ يَهُودَ الْمَدِينَةِ، وَكَتَبَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ كِتَابَ أَمْنٍ، وَكَانُوا ثَلَاثَ طَوَائِفَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ: بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَبَنِي النَّضِيرِ، وَبَنِي قُرَيْظَةَ، فَحَارَبَتْهُ بَنُو قَيْنُقَاعَ بَعْدَ
стр. 1021
ذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ، وَشَرَقُوا بِوَقْعَةِ بَدْرٍ، وَأَظْهَرُوا الْبَغْيَ وَالْحَسَدَ فَسَارَتْ إِلَيْهِمْ جُنُودُ اللَّهِ، يَقْدُمُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ عَلَى رَأْسِ عِشْرِينَ شَهْرًا مِنْ مُهَاجَرِهِ، وَكَانَ حُلَفَاءُ عبد الله بن أبي بن سلول رَئِيسِ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانُوا أَشْجَعَ يَهُودِ الْمَدِينَةِ، وَحَامِلُ لِوَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أبا لبابة بن عبد المنذر، وَحَاصَرَهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ لَيْلَةً إِلَى هِلَالِ ذِي الْقَعْدَةِ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ حَارَبَ مِنَ الْيَهُودِ، وَتَحَصَّنُوا فِي حُصُونِهِمْ، فَحَاصَرَهُمْ أَشَدَّ الْحِصَارِ، وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ الَّذِي إِذَا أَرَادَ خِذْلَانَ قَوْمٍ وَهَزِيمَتَهُمْ أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ، وَقَذَفَهُ فِي قُلُوبِهِمْ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رِقَابِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَنِسَائِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَكُتِّفُوا، وَكَلَّمَ عبد الله بن أبي فِيهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِ، فَوَهَبَهُمْ لَهُ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَلَا يُجَاوِرُوهُ بِهَا، فَخَرَجُوا إِلَى أَذْرُعَاتٍ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فَقَلَّ أَنْ لَبِثُوا فِيهَا حَتَّى هَلَكَ أَكْثَرُهُمْ، وَكَانُوا صَاغَةً وَتُجَّارًا، وَكَانُوا نَحْوَ السِّتِّمِائَةِ مُقَاتِلٍ، وَكَانَتْ دَارُهُمْ فِي طَرَفِ الْمَدِينَةِ، وَقَبَضَ مِنْهُمْ أَمْوَالَهُمْ، فَأَخَذَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ قِسِيٍّ وَدِرْعَيْنِ، وَثَلَاثَةَ أَسْيَافٍ، وَثَلَاثَةَ رِمَاحٍ، وَخَمَّسَ غَنَائِمَهُمْ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى جَمْعَ الْغَنَائِمِ محمد بن مسلمة.
[فصل في نَقْضُ بَنِي النَّضِيرِ الْعَهْدَ]
فَصْلٌ
ثُمَّ نَقَضَ الْعَهْدَ بَنُو النَّضِيرِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، قَالَهُ عروة وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ إِلَيْهِمْ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَكَلَّمَهُمْ أَنْ يُعِينُوهُ فِي دِيَةِ الْكِلَابِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، فَقَالُوا: نَفْعَلُ يَا أَبَا
стр. 1022
الْقَاسِمِ، اجْلِسْ هَاهُنَا حَتَّى نَقْضِيَ حَاجَتَكَ، وَخَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَسَوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ الشَّقَاءَ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِمْ، فَتَآمَرُوا بِقَتْلِهِ ﷺ ، وَقَالُوا: أَيُّكُمْ يَأْخُذُ هَذِهِ الرَّحَا وَيَصْعَدُ، فَيُلْقِيهَا عَلَى رَأْسِهِ يَشْدَخُهُ بِهَا؟ فَقَالَ: أَشْقَاهُمْ عمرو بن جحاش: أَنَا، فَقَالَ: لَهُمْ سلام بن مشكم: لَا تَفْعَلُوا فَوَاللَّهِ لَيُخْبَرَنَّ بِمَا هَمَمْتُمْ بِهِ، وَإِنَّهُ لَنَقْضُ الْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، وَجَاءَ الْوَحْيُ عَلَى الْفَوْرِ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ﵎ بِمَا هَمُّوا بِهِ، فَنَهَضَ مُسْرِعًا، وَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَحِقَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَالُوا: نَهَضْتَ وَلَمْ نَشْعُرْ بِكَ، فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا هَمَّتْ يَهُودُ بِهِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِ اخْرُجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَلَا تُسَاكِنُونِي بِهَا، وَقَدْ أَجَّلْتُكُمْ عَشْرًا، فَمَنْ وَجَدْتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِهَا، ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَأَقَامُوا أَيَّامًا يَتَجَهَّزُونَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الْمُنَافِقُ عبد الله بن أبي: أَنْ لَا تَخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ، فَإِنَّ مَعِيَ أَلْفَيْنِ يَدْخُلُونَ مَعَكُمْ حِصْنَكُمْ، فَيَمُوتُونَ دُونَكُمْ، وَتَنْصُرُكُمْ قُرَيْظَةُ وَحُلَفَاؤُكُمْ مِنْ غَطَفَانَ، وَطَمِعَ رَئِيسُهُمْ حيي بن أخطب فِيمَا قَالَ لَهُ، وَبَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّا لَا نَخْرُجُ مِنْ دِيَارِنَا، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَنَهَضُوا إِلَيْهِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَحْمِلُ اللِّوَاءَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمْ، قَامُوا عَلَى حُصُونِهِمْ يَرْمُونَ بِالنَّبْلِ وَالْحِجَارَةِ، وَاعْتَزَلَتْهُمْ قُرَيْظَةُ، وَخَانَهُمُ ابن أبي وَحُلَفَاؤُهُمْ مِنْ غَطَفَانَ، وَلِهَذَا شَبَّهَ قِصَّتَهُمْ، وَجَعَلَ مَثَلَهُمْ ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر: ١٦] [الْحَشْرِ: ١٦] ، فَإِنَّ سُورَةَ الْحَشْرِ هِيَ سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ، وَفِيهَا مَبْدَأُ قِصَّتِهِمْ وَنِهَايَتُهَا، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَطَعَ نَخْلَهُمْ وَحُرِّقَ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ: نَحْنُ نَخْرُجُ عَنِ الْمَدِينَةِ، فَأَنْزَلَهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا عَنْهَا بِنُفُوسِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، وَأَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتِ الْإِبِلُ إِلَّا السِّلَاحَ، وَقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَمْوَالَ
стр. 1023
وَالْحَلْقَةَ، وَهِيَ السِّلَاحُ، وَكَانَتْ بَنُو النَّضِيرِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِنَوَائِبِهِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُخَمِّسْهَا لِأَنَّ اللَّهَ أَفَاءَهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ. وَخَمَّسَ قُرَيْظَةَ.
قَالَ مالك: خَمَّسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْظَةَ، وَلَمْ يُخَمِّسْ بَنِي النَّضِيرِ، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُوجِفُوا بِخَيْلِهِمْ وَلَا رِكَابِهِمْ عَلَى بَنِي النَّضِيرِ، كَمَا أَوْجَفُوا عَلَى قُرَيْظَةَ وَأَجْلَاهُمْ إِلَى خَيْبَرَ، وَفِيهِمْ حيي بن أخطب كَبِيرُهُمْ، وَقَبَضَ السِّلَاحَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى أَرْضِهِمْ وَدِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَوَجَدَ مِنَ السِّلَاحِ خَمْسِينَ دِرْعًا، وَخَمْسِينَ بَيْضَةً، وَثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَيْفًا، وَقَالَ: ( «هَؤُلَاءِ فِي قَوْمِهِمْ بِمَنْزِلَةِ بَنِي الْمُغِيرَةِ فِي قُرَيْشٍ» ) وَكَانَتْ قِصَّتُهُمْ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ.
[فصل في نَقْضُ قُرَيْظَةَ الْعَهْدَ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا قُرَيْظَةُ، فَكَانَتْ أَشَدَّ الْيَهُودِ عَدَاوَةً لِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَغْلَظَهُمْ كُفْرًا، وَلِذَلِكَ جَرَى عَلَيْهِمْ مَا لَمْ يَجْرِ عَلَى إِخْوَانِهِمْ.
وَكَانَ سَبَبُ غَزْوِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خَرَجَ إِلَى غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَالْقَوْمُ مَعَهُ صُلْحٌ، جَاءَ حيي بن أخطب إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فِي دِيَارِهِمْ، فَقَالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ بِعِزِّ الدَّهْرِ، جِئْتُكُمْ بِقُرَيْشٍ عَلَى سَادَتِهَا، وَغَطَفَانَ عَلَى قَادَتِهَا، وَأَنْتُمْ أَهْلُ الشَّوْكَةِ وَالسِّلَاحِ، فَهَلُمَّ حَتَّى نُنَاجِزَ مُحَمَّدًا وَنَفْرُغَ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ رَئِيسُهُمْ: بَلْ جِئْتَنِي وَاللَّهِ بِذُلِّ الدَّهْرِ، جِئْتَنِي بِسَحَابٍ قَدْ أَرَاقَ مَاءَهُ، فَهُوَ يَرْعُدُ وَيَبْرُقُ، فَلَمْ يَزَلْ حيي
стр. 1024
يُخَادِعُهُ وَيَعِدُهُ وَيُمَنِّيهِ حَتَّى أَجَابَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ فِي حِصْنِهِ، يُصِيبُهُ مَا أَصَابَهُمْ، فَفَعَلَ وَنَقَضُوا عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَظْهَرُوا سَبَّهُ فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْخَبَرُ، فَأَرْسَلَ يَسْتَعْلِمُ الْأَمْرَ، فَوَجَدَهُمْ قَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ، فَكَبَّرَ وَقَالَ: ( «أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ» ) .
«فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، لَمْ يَكُنْ إِلَّا أَنْ وَضَعَ سِلَاحَهُ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: (أَوَضَعْتَ السِّلَاحَ، وَاللَّهِ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تَضَعْ أَسْلِحَتَهَا؟! فَانْهَضْ بِمَنْ مَعَكَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَإِنِّي سَائِرٌ أَمَامَكَ أُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهُمْ، وَأَقْذِفُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَسَارَ جِبْرِيلُ فِي مَوْكِبِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَثَرِهِ فِي مَوْكِبِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ،) وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَئِذٍ: (لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» ) ، فَبَادَرُوا إِلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَنَهَضُوا مِنْ فَوْرِهِمْ، فَأَدْرَكَتْهُمُ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّيهَا إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ كَمَا أُمِرْنَا، فَصَلَّوْهَا بَعْدَ عِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ سُرْعَةَ الْخُرُوجِ، فَصَلَّوْهَا فِي الطَّرِيقِ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدَةً مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيُّهُمَا كَانَ أَصْوَبَ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الَّذِينَ أَخَّرُوهَا هُمُ الْمُصِيبُونَ، وَلَوْ كُنَّا مَعَهُمْ لَأَخَّرْنَاهَا كَمَا أَخَّرُوهَا، وَلَمَا صَلَّيْنَاهَا إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ
стр. 1025
امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ، وَتَرْكًا لِلتَّأْوِيلِ الْمُخَالِفِ لِلظَّاهِرِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: بَلِ الَّذِينَ صَلَّوْهَا فِي الطَّرِيقِ فِي وَقْتِهَا حَازُوا قَصَبَ السَّبْقِ، وَكَانُوا أَسْعَدَ بِالْفَضِيلَتَيْنِ، فَإِنَّهُمْ بَادَرُوا إِلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ فِي الْخُرُوجِ، وَبَادَرُوا إِلَى مَرْضَاتِهِ فِي الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ بَادَرُوا إِلَى اللِّحَاقِ بِالْقَوْمِ، فَحَازُوا فَضِيلَةَ الْجِهَادِ، وَفَضِيلَةَ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، وَفَهِمُوا مَا يُرَادُ مِنْهُمْ، وَكَانُوا أَفْقَهَ مِنَ الْآخَرِينَ، وَلَا سِيَّمَا تِلْكَ الصَّلَاةَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَهِيَ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى بِنَصِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ الَّذِي لَا مَدْفَعَ لَهُ وَلَا مَطْعَنَ فِيهِ، وَمَجِيءُ السُّنَّةِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا، وَالتَّبْكِيرِ بِهَا، وَأَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ فَقَدْ وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، أَوْ قَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، فَالَّذِي جَاءَ فِيهَا أَمْرٌ لَمْ يَجِئْ مِثْلُهُ فِي غَيْرِهَا، وَأَمَّا الْمُؤَخِّرُونَ لَهَا، فَغَايَتُهُمْ أَنَّهُمْ مَعْذُورُونَ، بَلْ مَأْجُورُونَ أَجْرًا وَاحِدًا لِتَمَسُّكِهِمْ بِظَاهِرِ النَّصِّ، وَقَصْدِهِمُ امْتِثَالَ الْأَمْرِ، وَأَمَّا أَنْ يَكُونُوا هُمُ الْمُصِيبِينَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَمَنْ بَادَرَ إِلَى الصَّلَاةِ وَإِلَى الْجِهَادِ مُخْطِئًا، فَحَاشَا وَكَلَّا، وَالَّذِينَ صَلَّوْا فِي الطَّرِيقِ، جَمَعُوا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَحَصَّلُوا الْفَضِيلَتَيْنِ، فَلَهُمْ أَجْرَانِ، وَالْآخَرُونَ مَأْجُورُونَ أَيْضًا ﵃.
فَإِنْ قِيلَ: كَانَ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِلْجِهَادِ حِينَئِذٍ جَائِزًا مَشْرُوعًا، وَلِهَذَا كَانَ عَقِبَ تَأْخِيرِ النَّبِيِّ ﷺ الْعَصْرَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ إِلَى اللَّيْلِ، فَتَأْخِيرُهُمْ صَلَاةَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ، كَتَأْخِيرِهِ ﷺ لَهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ إِلَى اللَّيْلِ سَوَاءٌ، وَلَا سِيَّمَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ شُرُوعِ صَلَاةِ الْخَوْفِ.
قِيلَ: هَذَا سُؤَالٌ قَوِيٌّ، وَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا كَانَ جَائِزًا بَعْدَ بَيَانِ الْمَوَاقِيتِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا قِصَّةُ الْخَنْدَقِ، فَإِنَّهَا هِيَ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا مَنْ قَالَ
стр. 1026
ذَلِكَ، وَلَا حُجَّةَ فِيهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا بَيَانُ أَنَّ التَّأْخِيرَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ عَنْ عَمْدٍ، بَلْ لَعَلَّهُ كَانَ نِسْيَانًا، وَفِي الْقِصَّةِ مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ، فَإِنَّ عمر لَمَّا قَالَ لَهُ: ( «يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا) ثُمَّ قَامَ فَصَلَّاهَا» .
وَهَذَا مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ نَاسِيًا بِمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الشُّغُلِ، وَالِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الْعَدُوِّ الْمُحِيطِ بِهِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَدْ أَخَّرَهَا بِعُذْرِ النِّسْيَانِ، كَمَا أَخَّرَهَا بِعُذْرِ النَّوْمِ فِي سَفَرِهِ، وَصَلَّاهَا بَعْدَ اسْتِيقَاظِهِ، وَبَعْدَ ذِكْرِهِ لِتَتَأَسَّى أُمَّتُهُ بِهِ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ إِنَّمَا هُوَ فِي حَالِ الْخَوْفِ وَالْمُسَايَفَةِ عِنْدَ الدَّهْشِ عَنْ تَعَقُّلِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، وَالْإِتْيَانِ بِهَا، وَالصَّحَابَةُ فِي مَسِيرِهِمْ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، بَلْ كَانَ حُكْمُهُمْ حُكْمَ أَسْفَارِهِمْ إِلَى الْعَدُوِّ قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قُرَيْظَةُ مِمَّنْ يُخَافُ فَوْتُهُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُقِيمِينَ بِدَارِهِمْ، فَهَذَا مُنْتَهَى أَقْدَامِ الْفَرِيقَيْنِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
[فصل في حصار بني قريظة وتخييرهم بين ثلاث خصال]
فَصْلٌ.
وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّايَةَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، ( «وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ» ) وَنَازَلَ حُصُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَحَصَرَهُمْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ، عَرَضَ عَلَيْهِمْ رَئِيسُهُمْ كعب بن أسد ثَلَاثَ خِصَالٍ: إِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا وَيَدْخُلُوا مَعَ مُحَمَّدٍ فِي دِينِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلُوا ذَرَارِيَّهُمْ، وَيَخْرُجُوا إِلَيْهِ بِالسُّيُوفِ مُصْلَتَةً يُنَاجِزُونَهُ حَتَّى يَظْفَرُوا بِهِ، أَوْ يُقَتَّلُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يَهْجُمُوا
стр. 1027
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَيَكْبِسُوهُمْ يَوْمَ السَّبْتِ، لِأَنَّهُمْ قَدْ أَمِنُوا أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ فِيهِ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبُوهُ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فَبَعَثُوا إِلَيْهِ أَنْ أَرْسِلْ إِلَيْنَا أبا لبابة بن عبد المنذر نَسْتَشِيرُهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ، قَامُوا فِي وَجْهِهِ يَبْكُونَ، وَقَالُوا: يَا أبا لبابة! كَيْفَ تَرَى لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمَّدٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ يَقُولُ: إِنَّهُ الذَّبْحُ، ثُمَّ عَلِمَ مِنْ فَوْرِهِ أَنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَمَضَى عَلَى وَجْهِهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، فَرَبَطَ نَفْسَهُ بِسَارِيَةِ الْمَسْجِدِ، وَحَلَفَ أَلَّا يَحِلَّهُ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ أَرْضَ بَنِي قُرَيْظَةَ أَبَدًا.
فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ، قَالَ: ( «دَعُوهُ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» ) ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَحَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَتْ إِلَيْهِ الْأَوْسُ، فَقَالُوا: ( «يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ فَعَلْتَ فِي بَنِي قَيْنُقَاعَ مَا قَدْ عَلِمْتَ وَهُمْ حُلَفَاءُ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ، وَهَؤُلَاءِ مَوَالِينَا، فَأَحْسِنْ فِيهِمْ فَقَالَ: أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَذَاكَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. قَالُوا: قَدْ رَضِينَا، فَأَرْسَلَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمْ لِجُرْحٍ كَانَ بِهِ، فَأُرْكِبَ حِمَارًا وَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ لَهُ وَهُمْ كَنَفَتَاهُ: يَا سعد أَجْمِلْ إِلَى مَوَالِيكَ، فَأَحْسِنْ فِيهِمْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ حَكَّمَكَ فِيهِمْ لِتُحْسِنَ فِيهِمْ، وَهُوَ سَاكِتٌ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ، قَالَ: لَقَدْ آنَ لسعد أَلَّا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ، رَجَعَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَنَعَى إِلَيْهِمُ الْقَوْمَ، فَلَمَّا انْتَهَى سعد إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ لِلصَّحَابَةِ: قُومُوا إِلَى سَيَّدِكُمْ فَلَمَّا أَنْزَلُوهُ قَالُوا: يَا سعد! إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ قَدْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ، قَالَ: وَحُكْمِي نَافِذٌ عَلَيْهِمْ؟ . قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: عَلَى مَنْ هَاهُنَا وَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ، وَأَشَارَ إِلَى نَاحِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِجْلَالًا لَهُ وَتَعْظِيمًا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَعَلَيَّ. قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ يُقْتَلَ الرِّجَالُ، وَتُسْبَى الذُّرِّيَّةُ، وَتُقْسَمَ الْأَمْوَالُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ
стр. 1028
فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ» ) . وَأَسْلَمَ مِنْهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ نَفَرٌ قَبْلَ النُّزُولِ، وَهَرَبَ عَمْرُو بْنُ سَعْدٍ، فَانْطَلَقَ فَلَمْ يُعْلَمْ أَيْنَ ذَهَبَ، وَكَانَ قَدْ أَبَى الدُّخُولَ مَعَهُمْ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ، فَلَمَّا حُكِمَ فِيهِمْ بِذَلِكَ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ كُلِّ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ، أُلْحِقَ بِالذُّرِّيَّةِ، فَحُفِرَ لَهُمْ خَنَادِقُ فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ، وَضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ، وَكَانُوا مَا بَيْنَ السِّتِّمِائَةِ إِلَى السَّبْعِمِائَةِ، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنَ النِّسَاءِ أَحَدٌ سِوَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ كَانَتْ طَرَحَتْ عَلَى رَأْسِ سويد بن الصامت رَحًى، فَقَتَلَتْهُ، وَجُعِلَ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى الْخَنَادِقِ أَرْسَالًا أَرْسَالًا، فَقَالُوا لِرَئِيسِهِمْ كعب بن أسد: يَا كعب! مَا تَرَاهُ يَصْنَعُ بِنَا؟ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ مَوْطِنٍ لَا تَعْقِلُونَ؟ أَمَا تَرَوْنَ الدَّاعِيَ لَا يَنْزِعُ، وَالذَّاهِبَ مِنْكُمْ لَا يَرْجِعُ، هُوَ وَاللَّهِ الْقَتْلُ.
قَالَ مالك فِي رِوَايَةِ ابن القاسم: قَالَ عبد الله بن أبي لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي أَمْرِهِمْ: إِنَّهُمْ أَحَدُ جَنَاحَيَّ، وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةِ دَارِعٍ، وَسِتُّمِائَةِ حَاسِرٍ، فَقَالَ: قَدْ آنَ لسعد أَلَّا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَلَمَّا جِيءَ بحيي بن أخطب إِلَى بَيْنَ يَدَيْهِ، وَوَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْهِ، قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا لُمْتُ نَفْسِي فِي مُعَادَاتِكَ، وَلَكِنْ مَنْ يُغَالِبِ اللَّهَ يُغْلَبْ ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا بَأْسَ قَدَرُ اللَّهِ وَمَلْحَمَةٌ كُتِبَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ حُبِسَ، فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وَاسْتَوْهَبَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ الزبير بن باطا وَأَهْلَهُ وَمَالَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، فَوَهَبَهُمْ لَهُ، فَقَالَ لَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ: قَدْ وَهَبَكَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوَهَبَ لِي مَالَكَ وَأَهْلَكَ، فَهُمْ لَكَ. فَقَالَ: سَأَلْتُكَ بِيَدَيَّ عِنْدَكَ يَا ثابت إِلَّا أَلْحَقْتَنِي بِالْأَحِبَّةِ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَأَلْحَقَهُ
стр. 1029
بِالْأَحِبَّةِ مِنَ الْيَهُودِ، فَهَذَا كُلُّهُ فِي يَهُودِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ غَزْوَةُ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ عَقِبَ كُلِّ غَزْوَةٍ مِنَ الْغَزَوَاتِ الْكِبَارِ.
فَغَزْوَةُ بَنِي قَيْنُقَاعَ عَقِبَ بَدْرٍ، وَغَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَغَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ عَقِبَ الْخَنْدَقِ.
وَأَمَّا يَهُودُ خَيْبَرَ، فَسَيَأْتِي ذِكْرُ قِصَّتِهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فصل في حُكْمُ مَنْ نَقَضَ الْعَهْدَ وَأَقَرَّ بِهِ الْبَاقُونَ]
فَصْلٌ
وَكَانَ هَدْيُهُ ﷺ أَنَّهُ إِذَا صَالَحَ قَوْمًا فَنَقَضَ بَعْضُهُمْ عَهْدَهُ، وَصُلْحَهُ، وَأَقَرَّهُمُ الْبَاقُونَ، وَرَضُوا بِهِ، غَزَا الْجَمِيعَ، وَجَعَلَهُمْ كُلَّهُمْ نَاقِضِينَ، كَمَا فَعَلَ بِقُرَيْظَةَ، وَالنَّضِيرِ، وَبَنِي قَيْنُقَاعَ، وَكَمَا فَعَلَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ، فَهَذِهِ سُنَّتُهُ فِي أَهْلِ الْعَهْدِ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ الْحُكْمُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِ أحمد وَغَيْرِهِمْ، وَخَالَفَهُمْ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فَخَصُّوا نَقْضَ الْعَهْدِ بِمَنْ نَقَضَهُ خَاصَّةً دُونَ مَنْ رَضِيَ بِهِ وَأَقَرَّ عَلَيْهِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ أَقْوَى وَآكَدُ، وَلِهَذَا كَانَ مَوْضُوعًا عَلَى التَّأْبِيدِ، بِخِلَافِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ وَالصُّلْحِ.
وَالْأَوَّلُونَ يَقُولُونَ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَعَقْدُ الذِّمَّةِ لَمْ يُوضَعْ لِلتَّأْبِيدِ، بَلْ بِشَرْطِ اسْتِمْرَارِهِمْ وَدَوَامِهِمْ عَلَى الْتِزَامِ مَا فِيهِ، فَهُوَ كَعَقْدِ الصُّلْحِ الَّذِي وُضِعَ لِلْهُدْنَةِ بِشَرْطِ الْتِزَامِهِمْ أَحْكَامَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، قَالُوا: وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُوَقِّتْ عَقْدَ الصُّلْحِ وَالْهُدْنَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَهُودِ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، بَلْ أَطْلَقَهُ مَا دَامُوا كَافِّينَ عَنْهُ، غَيْرَ مُحَارِبِينَ لَهُ، فَكَانَتْ تِلْكَ ذِمَّتُهُمْ، غَيْرَ أَنَّ الْجِزْيَةَ لَمْ يَكُنْ نَزَلَ فَرْضُهَا بَعْدُ، فَلَمَّا نَزَلَ فَرْضُهَا، ازْدَادَ ذَلِكَ إِلَى الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْعَقْدِ، وَلَمْ يُغَيَّرْ حُكْمُهُ وَصَارَ
стр. 1030
مُقْتَضَاهَا التَّأْبِيدُ، فَإِذَا نَقَضَ بَعْضُهُمُ الْعَهْدَ، وَأَقَرَّهُمُ الْبَاقُونَ، وَرَضُوا بِذَلِكَ، وَلَمْ يُعْلِمُوا بِهِ الْمُسْلِمِينَ، صَارُوا فِي ذَلِكَ كَنَقْضِ أَهْلِ الصُّلْحِ، وَأَهْلُ الْعَهْدِ وَالصُّلْحِ سَوَاءٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِيهِ، وَإِنِ افْتَرَقَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ الْمُقِرَّ الرَّاضِيَ السَّاكِتَ إِنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى عَهْدِهِ وَصُلْحِهِ، لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُ وَلَا قَتْلُهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَإِنْ كَانَ بِذَلِكَ خَارِجًا عَنْ عَهْدِهِ وَصُلْحِهِ رَاجِعًا إِلَى حَالِهِ الْأُولَى قَبْلَ الْعَهْدِ وَالصُّلْحِ، لَمْ يَفْتَرِقِ الْحَالُ بَيْنَ عَقْدِ الْهُدْنَةِ وَعَقْدِ الذِّمَّةِ فِي ذَلِكَ، فَكَيْفَ يَكُونُ عَائِدًا إِلَى حَالِهِ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ، هَذَا أَمْرٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ. تَوْضِيحُهُ: أَنَّ تَجَدُّدَ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُ، لَا يُوجِبُ لَهُ أَنْ يَكُونَ مُوفِيًا بِعَهْدِهِ مَعَ رِضَاهُ، وَمُمَالَأَتِهِ وَمُوَاطَأَتِهِ لِمَنْ نَقَضَ، وَعَدَمُ الْجِزْيَةِ يُوجِبُ لَهُ أَنْ يَكُونَ نَاقِضًا غَادِرًا غَيْرَ مُوفٍ بِعَهْدِهِ، هَذَا بَيِّنُ الِامْتِنَاعِ.
فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ: النَّقْضُ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْكُفَّارِ، وَعَدَمُ النَّقْضِ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَهُوَ أَبْعَدُ الْأَقْوَالِ عَنِ السُّنَّةِ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، وَالْأُولَى أَصْوَبُهَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَبِهَذَا الْقَوْلِ أَفْتَيْنَا وَلِيَّ الْأَمْرِ لَمَّا أَحْرَقَتِ النَّصَارَى أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالشَّامِ وَدُورَهُمْ، وَرَامُوا إِحْرَاقَ جَامِعِهِمُ الْأَعْظَمِ حَتَّى أَحْرَقُوا مَنَارَتَهُ، وَكَادَ - لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ - أَنْ يَحْتَرِقَ كُلَّهُ، وَعَلِمَ بِذَلِكَ مَنْ عَلِمَ مِنَ النَّصَارَى، وَوَاطَئُوا عَلَيْهِ وَأَقَرُّوهُ وَرَضُوا بِهِ، وَلَمْ يُعْلِمُوا وَلِيَّ الْأَمْرِ، فَاسْتَفْتَى فِيهِمْ وَلِيُّ الْأَمْرِ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ، فَأَفْتَيْنَاهُ بِانْتِقَاضِ عَهْدِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَأَعَانَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، أَوْ رَضِيَ بِهِ، وَأَقَرَّ عَلَيْهِ، وَأَنَّ حَدَّهُ الْقَتْلُ حَتْمًا، لَا تَخْيِيرَ لِلْإِمَامِ فِيهِ كَالْأَسِيرِ بَلْ صَارَ الْقَتْلُ لَهُ حَدًّا، وَالْإِسْلَامُ لَا يُسْقِطُ الْقَتْلَ إِذَا كَانَ حَدًّا مِمَّنْ هُوَ تَحْتَ الذِّمَّةِ، مُلْتَزِمًا لِأَحْكَامِ اللَّهِ بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ إِذَا أَسْلَمَ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَعْصِمُ دَمَهُ وَمَالَهُ، وَلَا يُقْتَلُ بِمَا فَعَلَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَهَذَا لَهُ حُكْمٌ، وَالذِّمِّيُّ النَّاقِضُ لِلْعَهْدِ إِذَا أَسْلَمَ لَهُ حُكْمٌ آخَرُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ نُصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأُصُولُهُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابن تيمية قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ، وَأَفْتَى بِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
стр. 1031
[فصل مَنْ دَخَلَ فِي عَقْدِ الْمُصَالَحِينَ ثُمَّ حَارَبَ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ نَقَضَ الْعَهْدَ]
فَصْلٌ
وَكَانَ هَدْيُهُ وَسُنَّتُهُ إِذَا صَالَحَ قَوْمًا وَعَاهَدَهُمْ، فَانْضَافَ إِلَيْهِمْ عَدُوٌّ لَهُ سِوَاهُمْ، فَدَخَلُوا مَعَهُمْ فِي عَقْدِهِمْ، وَانْضَافَ إِلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ، فَدَخَلُوا مَعَهُ فِي عَقْدِهِ، صَارَ حُكْمُ مَنْ حَارَبَ مَنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي عَقْدِهِ مِنَ الْكُفَّارِ حُكْمَ مَنْ حَارَبَهُ، وَبِهَذَا السَّبَبِ غَزَا أَهْلَ مَكَّةَ، فَإِنَّهُ لَمَّا صَالَحَهُمْ عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ عَشْرَ سِنِينَ، تَوَاثَبَتْ بَنُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَدَخَلَتْ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَعَقْدِهَا، وَتَوَاثَبَتْ خُزَاعَةُ فَدَخَلَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَقْدِهِ، ثُمَّ عَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ فَبَيَّتَتْهُمْ، وَقَتَلَتْ مِنْهُمْ، وَأَعَانَتْهُمْ قُرَيْشٌ فِي الْبَاطِنِ بِالسِّلَاحِ، فَعَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ بِذَلِكَ، وَاسْتَجَازَ غَزْوَ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ لِتَعَدِّيهِمْ عَلَى حُلَفَائِهِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ الْقِصَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَبِهَذَا أَفْتَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِغَزْوِ نَصَارَى الْمَشْرِقِ لَمَّا أَعَانُوا عَدُوَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى قِتَالِهِمْ، فَأَمَدُّوهُمْ بِالْمَالِ وَالسِّلَاحِ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَغْزُونَا وَلَمْ يُحَارِبُونَا، وَرَآهُمْ بِذَلِكَ نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ، كَمَا نَقَضَتْ قُرَيْشٌ عَهْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِإِعَانَتِهِمْ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ عَلَى حَرْبِ حُلَفَائِهِ، فَكَيْفَ إِذَا أَعَانَ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فصل في أن رُسُلُ الْأَعْدَاءِ لَا يُتَعَرَّضُ لَهَا]
فَصْلٌ
وَكَانَتْ تَقْدَمُ عَلَيْهِ رُسُلُ أَعْدَائِهِ، وَهُمْ عَلَى عَدَاوَتِهِ، فَلَا يُهِيجُهُمْ، وَلَا يَقْتُلُهُمْ، وَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ رَسُولَا مسيلمة الكذاب: وَهُمَا عبد الله بن النواحة وابن أثال، قَالَ لَهُمَا: ( «فَمَا تَقُولَانِ أَنْتُمَا؟ قَالَا: نَقُولُ كَمَا قَالَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا» ) فَجَرَتْ سُنَّتُهُ أَلَّا يُقْتَلَ رَسُولٌ.
стр. 1032
وَكَانَ هَدْيُهُ أَيْضًا أَلَّا يَحْبِسَ الرَّسُولَ عِنْدَهُ إِذَا اخْتَارَ دِينَهُ فَلَا يَمْنَعْهُ مِنَ اللِّحَاقِ بِقَوْمِهِ بَلْ يَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ كَمَا قَالَ: أبو رافع بَعَثَتْنِي قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا أَتَيْتُهُ، وَقَعَ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَا أَرْجِعُ إِلَيْهِمْ. فَقَالَ: ( «إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ، وَلَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ، ارْجِعْ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِي قَلْبِكَ الَّذِي فِيهِ الْآنَ، فَارْجِعْ» ) .
قَالَ أبو داود: وَكَانَ هَذَا فِي الْمُدَّةِ الَّتِي شَرَطَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَأَمَّا الْيَوْمَ، فَلَا يَصْلُحُ هَذَا. انْتَهَى.
وَفِي قَوْلِهِ: ( «لَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ» ) إِشْعَارٌ بِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالرُّسُلِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا رَدُّهُ لِمَنْ جَاءَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا، فَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ الشَّرْطِ، كَمَا قَالَ أبو داود، وَأَمَّا الرُّسُلُ، فَلَهُمْ حُكْمٌ آخَرُ، أَلَا تَرَاهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِرَسُولَيْ مسيلمة وَقَدْ قَالَا لَهُ فِي وَجْهِهِ: نَشْهَدُ أَنَّ مسيلمة رَسُولُ اللَّهِ.
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ، أَنَّ أَعْدَاءَهُ إِذَا عَاهَدُوا وَاحِدًا مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى عَهْدٍ لَا يَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، أَمْضَاهُ لَهُمْ، كَمَا عَاهَدُوا حذيفة وَأَبَاهُ الحسيل أَنْ لَا يُقَاتِلَاهُمْ مَعَهُ ﷺ ، فَأَمْضَى لَهُمْ ذَلِكَ وَقَالَ لَهُمَا: ( «انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ» ) .
[فصل في صُلْحُهُ ﷺ مَعَ قُرَيْشٍ]
فَصْلٌ
وَصَالَحَ قُرَيْشًا عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ، عَلَى أَنَّ مَنْ جَاءَهُ
стр. 1033
مِنْهُمْ مُسْلِمًا رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ جَاءَهُمْ مِنْ عِنْدِهِ لَا يَرُدُّونَهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ اللَّفْظُ عَامًّا فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَأَبْقَاهُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ، وَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَالْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَمْتَحِنُوا مَنْ جَاءَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ، فَإِنْ عَلِمُوهَا مُؤْمِنَةً لَمْ يَرُدُّوهَا إِلَى الْكُفَّارِ، وَأَمَرَهُمْ بِرَدِّ مَهْرِهَا إِلَيْهِمْ لِمَا فَاتَ عَلَى زَوْجِهَا مِنْ مَنْفَعَةِ بُضْعِهَا، وَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَى مَنِ ارْتَدَّتِ امْرَأَتُهُ إِلَيْهِمْ مَهْرَهَا إِذَا عَاقَبُوا، بِأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِمْ رَدُّ مَهْرِ الْمُهَاجِرَةِ، فَيَرُدُّونَهُ إِلَى مَنِ ارْتَدَّتِ امْرَأَتُهُ، وَلَا يَرُدُّونَهَا إِلَى زَوْجِهَا الْمُشْرِكِ، فَهَذَا هُوَ الْعِقَابُ، وَلَيْسَ مِنَ الْعَذَابِ فِي شَيْءٍ، وَكَانَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ مُتَقَوَّمٌ، وَأَنَّهُ مُتَقَوَّمٌ بِالْمُسَمَّى الَّذِي هُوَ مَا أَنْفَقَ الزَّوْجُ لَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَأَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ لَهَا حُكْمُ الصِّحَّةِ، لَا يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِالْبُطْلَانِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ رَدُّ الْمُسْلِمَةِ الْمُهَاجِرَةِ إِلَى الْكُفَّارِ وَلَوْ شُرِطَ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْمُسْلِمَةَ لَا يَحِلُّ لَهَا نِكَاحُ الْكَافِرِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ الْمُهَاجِرَةَ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَآتَاهَا مَهْرَهَا، وَفِي هَذَا أَبْيَنُ دَلَالَةٍ عَلَى خُرُوجِ بُضْعِهَا مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ، وَانْفِسَاخِ نِكَاحِهَا مِنْهُ بِالْهِجْرَةِ وَالْإِسْلَامِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُشْرِكَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ، كَمَا حُرِّمَ نِكَاحُ الْمُسْلِمَةِ عَلَى الْكَافِرِ.
وَهَذِهِ أَحْكَامٌ اسْتُفِيدَتْ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ، وَبَعْضُهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَلَيْسَ مَعَ مَنِ ادَّعَى نَسْخَهَا حُجَّةٌ الْبَتَّةَ فَإِنَّ الشَّرْطَ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ فِي رَدِّ مَنْ جَاءَهُ مُسْلِمًا إِلَيْهِمْ، إِنْ كَانَ مُخْتَصًّا بِالرِّجَالِ، لَمْ تَدْخُلِ النِّسَاءُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ عَامًّا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَاللَّهُ خَصَّصَ مِنْهُ
стр. 1034
رَدَّ النِّسَاءِ وَنَهَاهُمْ عَنْ رَدِّهِنَّ، وَأَمَرَهُمْ بِرَدِّ مُهُورِهِنَّ، وَأَنْ يَرُدُّوا مِنْهَا عَلَى مَنِ ارْتَدَّتِ امْرَأَتُهُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْمَهْرَ الَّذِي أَعْطَاهَا، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمَهُ الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَأَنَّهُ صَادِرٌ عَنْ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ مَا يُنَافِي هَذَا الْحُكْمَ، وَيَكُونُ بَعْدَهُ حَتَّى يَكُونَ نَاسِخًا.
وَلَمَّا صَالَحَهُمْ عَلَى رَدِّ الرِّجَالِ، كَانَ يُمَكِّنُهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مَنْ أَتَى إِلَيْهِ مِنْهُمْ، وَلَا يُكْرِهُهُ عَلَى الْعَوْدِ، وَلَا يَأْمُرُهُ بِهِ، وَكَانَ إِذَا قَتَلَ مِنْهُمْ، أَوْ أَخَذَ مَالًا، وَقَدْ فَصَلَ عَنْ يَدِهِ، وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ، لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَضْمَنْهُ لَهُمْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ تَحْتَ قَهْرِهِ، وَلَا فِي قَبْضَتِهِ، وَلَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَقْتَضِ عَقْدُ الصُّلْحِ الْأَمَانَ عَلَى النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ إِلَّا عَمَّنْ هُوَ تَحْتَ قَهْرِهِ، وَفِي قَبْضَتِهِ، كَمَا ( «ضَمِنَ لِبَنِي جَذِيمَةَ مَا أَتْلَفَهُ عَلَيْهِمْ خَالِدٌ مِنْ نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ» ) وَأَنْكَرَهُ، وَتَبَرَّأَ مِنْهُ.
وَلَمَّا كَانَ إِصَابَتُهُ لَهُمْ عَنْ نَوْعِ شُبْهَةٍ، إِذْ لَمْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، وَإِنَّمَا قَالُوا: صَبَأْنَا، فَلَمْ يَكُنْ إِسْلَامًا صَرِيحًا، ضَمِنَهُمْ بِنِصْفِ دِيَاتِهِمْ لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ وَالشُّبْهَةِ، وَأَجْرَاهُمْ فِي ذَلِكَ مُجْرَى
стр. 1035
أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ قَدْ عَصَمُوا نُفُوسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَقْتَضِ عَهْدُ الصُّلْحِ أَنْ يَنْصُرَهُمْ عَلَى مَنْ حَارَبَهُمْ مِمَّنْ لَيْسَ فِي قَبْضَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَحْتَ قَهْرِهِ، فَكَانَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُعَاهَدِينَ إِذَا غَزَاهُمْ قَوْمٌ لَيْسُوا تَحْتَ قَهْرِ الْإِمَامِ وَفِي يَدِهِ، وَإِنْ كَانُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ رَدُّهُمْ عَنْهُمْ، وَلَا مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا ضَمَانُ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَيْهِمْ.
وَأَخْذُ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْحَرْبِ، وَمَصَالِحِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ وَأَمْرِهِ وَأُمُورِ السِّيَاسَاتِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ سِيَرِهِ وَمَغَازِيهِ أَوْلَى مِنْ أَخْذِهَا مِنْ آرَاءِ الرِّجَالِ، فَهَذَا لَوْنٌ، وَتِلْكَ لَوْنٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فصل في الصُّلْحُ مَعَ أَهْلِ خَيْبَرَ]
فَصْلٌ
وَكَذَلِكَ صَالَحَ أَهْلَ خَيْبَرَ لَمَّا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ عَلَى أَنْ يُجْلِيَهُمْ مِنْهَا، وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ، وَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ، وَالْحَلْقَةُ، وَهِيَ السِّلَاحُ.
وَاشْتَرَطَ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ أَلَّا يَكْتُمُوا وَلَا يُغَيِّبُوا شَيْئًا، فَإِنْ فَعَلُوا، فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ، وَلَا عَهْدَ، فَغَيَّبُوا مَسْكًا فِيهِ مَالٌ وَحُلِيٌّ لحيي بن أخطب كَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ إِلَى خَيْبَرَ حِينَ أُجْلِيَتِ النَّضِيرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمِّ حيي بن أخطب، وَاسْمُهُ سعية: ( «مَا فَعَلَ مَسْكُ حيي الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنَ النَّضِيرِ؟ فَقَالَ: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ، فَقَالَ: الْعَهْدُ قَرِيبٌ، وَالْمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ» ) وَقَدْ كَانَ حيي قُتِلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ لَمَّا دَخَلَ مَعَهُمْ، فَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمَّهُ إِلَى الزبير لِيَسْتَقِرَّهُ، فَمَسَّهُ بِعَذَابٍ، فَقَالَ: قَدْ
стр. 1036
رَأَيْتُ حييا يَطُوفُ فِي خَرِبَةٍ هَاهُنَا، فَذَهَبُوا فَطَافُوا، فَوَجَدُوا الْمَسْكَ فِي الْخَرِبَةِ، فَقَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَيْ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَأَحَدُهُمَا زَوْجُ صفية بنت حيي بن أخطب، وَسَبَى نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ، وَقَسَمَ أَمْوَالَهُمْ بِالنَّكْثِ الَّذِي نَكَثُوا، وَأَرَادَ أَنْ يُجْلِيَهُمْ مِنْ خَيْبَرَ، فَقَالُوا: دَعْنَا نَكُونُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ نُصْلِحُهَا وَنَقُومُ عَلَيْهَا، فَنَحْنُ أَعْلَمُ بِهَا مِنْكُمْ، وَلَمْ يَكُنْ لِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا لِأَصْحَابِهِ غِلْمَانٌ يَكْفُونَهُمْ مُؤْنَتَهَا، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِمْ عَلَى أَنَّ لِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الشَّطْرَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، وَلَهُمُ الشَّطْرُ، وَعَلَى أَنْ يُقِرَّهُمْ فِيهَا مَا شَاءَ.
وَلَمْ يَعُمَّهُمْ بِالْقَتْلِ كَمَا عَمَّ قُرَيْظَةَ لِاشْتِرَاكِ أُولَئِكَ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَالَّذِينَ عَلِمُوا بِالْمَسْكِ وَغَيَّبُوهُ وَشَرَطُوا لَهُ إِنْ ظَهَرَ، فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ وَلَا عَهْدَ، فَإِنَّهُ قَتَلَهُمْ بِشَرْطِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَلَمْ يَتَعَدَّ ذَلِكَ إِلَى سَائِرِ أَهْلِ خَيْبَرَ، فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ جَمِيعَهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا بِمَسْكِ حُيَيٍّ، وَأَنَّهُ مَدْفُونٌ فِي خَرِبَةٍ، فَهَذَا نَظِيرُ الذِّمِّيِّ وَالْمُعَاهَدِ إِذَا نَقَضَ الْعَهْدَ، وَلَمْ يُمَالِئْهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَإِنَّ حُكْمَ النَّقْضِ مُخْتَصٌّ بِهِ.
ثُمَّ فِي دَفْعِهِ إِلَيْهِمُ الْأَرْضَ عَلَى النِّصْفِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ، وَكَوْنِ الشَّجَرِ نَخْلًا لَا أَثَرَ لَهُ الْبَتَّةَ، فَحُكْمُ الشَّيْءِ حُكْمُ نَظِيرِهِ، فَبَلَدٌ شَجَرُهُمُ الْأَعْنَابُ وَالتِّينُ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الثِّمَارِ، فِي الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ، حُكْمُهُ حُكْمُ بَلَدٍ شَجَرُهُمُ النَّخْلُ سَوَاءٌ وَلَا فَرْقَ.
стр. 1037
شَجَرُهُمُ الْأَعْنَابُ وَالتِّينُ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الثِّمَارِ فِي الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ، حُكْمُهُ حُكْمُ بَلَدٍ شَجَرُهُمُ النَّخْلُ سَوَاءٌ وَلَا فَرْقَ. وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَالَحَهُمْ عَنِ الشَّطْرِ، وَلَمْ يُعْطِهِمْ بَذْرًا الْبَتَّةَ، وَلَا كَانَ يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ بِبَذْرٍ، وَهَذَا مَقْطُوعٌ بِهِ مِنْ سِيرَتِهِ؛ حَتَّى قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّهُ لَوْ قِيلَ بِاشْتِرَاطِ كَوْنِهِ مِنَ الْعَامِلِ لَكَانَ أَقْوَى مِنَ الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِ كَوْنِهِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ لِمُوَافَقَتِهِ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَهْلِ خَيْبَرَ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَامِلِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ أَحَدُهُمَا، وَالَّذِينَ شَرَطُوهُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ لَيْسَ مَعَهُمْ حُجَّةٌ أَصْلًا أَكْثَرَ مِنْ قِيَاسِهِمُ الْمُزَارَعَةَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ، قَالُوا: كَمَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُضَارَبَةِ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ مِنَ الْمَالِكِ، وَالْعَمَلُ مِنَ الْمُضَارِبِ، فَهَكَذَا فِي الْمُزَارَعَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الْمُسَاقَاةِ يَكُونُ الشَّجَرُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَالْعَمَلُ عَلَيْهَا مِنَ الْآخَرِ، وَهَذَا الْقِيَاسُ إِلَى أَنْ يَكُونَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ أَقْرَبُ مِنْ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً لَهُمْ، فَإِنَّ فِي الْمُضَارَبَةِ يَعُودُ رَأْسُ الْمَالِ إِلَى الْمَالِكِ، وَيَقْتَسِمَانِ الْبَاقِيَ، وَلَوْ شُرِطَ ذَلِكَ فِي الْمُزَارَعَةِ فَسَدَتْ عِنْدَهُمْ فَلَمْ يُجْرُوا الْبَذْرَ مَجْرَى رَأْسِ الْمَالِ بَلْ أَجْرَوْهُ مَجْرَى سَائِرِ الْبَقْلِ فَبَطَلَ إِلْحَاقُ الْمُزَارَعَةِ بِالْمُضَارَبَةِ عَلَى أَصْلِهِمْ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْبَذْرَ جَارٍ مَجْرَى الْمَاءِ وَمَجْرَى الْمَنَافِعِ، فَإِنَّ الزَّرْعَ لَا يَتَكَوَّنُ وَيَنْمُو بِهِ وَحْدَهُ بَلْ لَا بُدَّ مِنَ السَّقْيِ وَالْعَمَلِ، وَالْبَذْرُ يَمُوتُ فِي الْأَرْضِ، وَيُنْشِئُ اللَّهُ الزَّرْعَ مِنْ أَجْزَاءٍ أُخَرَ تَكُونُ مَعَهُ مِنَ الْمَاءِ وَالرِّيحِ وَالشَّمْسِ وَالتُّرَابِ وَالْعَمَلِ، فَحُكْمُ الْبَذْرِ حُكْمُ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَرْضَ نَظِيرُ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْقِرَاضِ، وَقَدْ دَفَعَهَا مَالِكُهَا إِلَى الْمُزَارِعِ، وَبَذْرُهَا وَحَرْثُهَا وَسَقْيُهَا نَظِيرُ عَمَلِ الْمُضَارِبِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُزَارِعُ أَوْلَى بِالْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالْمُضَارِبِ، فَالَّذِي جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ هُوَ الصَّوَابُ الْمُوَافِقُ لِقِيَاسِ الشَّرْعِ وَأُصُولِهِ.
стр. 1038
وَفِي الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ، بَلْ مَا شَاءَ الْإِمَامُ، وَلَمْ يَجِئْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَنْسَخُ هَذَا الْحُكْمَ الْبَتَّةَ، فَالصَّوَابُ جَوَازُهُ وَصِحَّتُهُ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ المزني، وَنَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَلَكِنْ لَا يَنْهَضُ إِلَيْهِمْ وَيُحَارِبُهُمْ حَتَّى يُعْلِمَهُمْ عَلَى سَوَاءٍ لِيَسْتَوُوا هُمْ وَهُوَ فِي الْعِلْمِ بِنَقْضِ الْعَهْدِ.
وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَعْزِيرِ الْمُتَّهَمِ بِالْعُقُوبَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنَ السِّيَاسَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَدُلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَوْضِعِ الْكَنْزِ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَسُنَّ لِلْأُمَّةِ عُقُوبَةَ الْمُتَّهَمِينَ، وَيُوَسِّعَ لَهُمْ طُرُقَ الْأَحْكَامِ رَحْمَةً بِهِمْ، وَتَيْسِيرًا لَهُمْ.
وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى الْأَخْذِ بِالْقَرَائِنِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِحَّةِ الدَّعْوَى وَفَسَادِهَا، لِقَوْلِهِ ﷺ لِسَعْيَةَ لَمَّا ادَّعَى نَفَادَ الْمَالِ: ( «الْعَهْدُ قَرِيبٌ، وَالْمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ» ) .
وَكَذَلِكَ فَعَلَ نَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ فِي اسْتِدْلَالِهِ بِالْقَرِينَةِ عَلَى تَعْيِينِ أُمِّ الطِّفْلِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ الذِّئْبُ، وَادَّعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَرْأَتَيْنِ أَنَّهُ ابْنُهَا، وَاخْتَصَمَتَا فِي الْآخَرِ، فَقَضَى بِهِ دَاوُدُ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا إِلَى سُلَيْمَانَ، فَقَالَ: (بِمَ قَضَى بَيْنَكُمَا نَبِيُّ اللَّهِ، فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ رَحِمَكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى) . فَاسْتَدَلَّ بِقَرِينَةِ الرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ الَّتِي فِي قَلْبِهَا، وَعَدَمِ سَمَاحَتِهَا بِقَتْلِهِ، وَسَمَاحَةِ الْأُخْرَى بِذَلِكَ لِتَصِيرَ أُسْوَتَهَا فِي فَقْدِ الْوَلَدِ عَلَى أَنَّهُ ابْنُ الصُّغْرَى.
فَلَوِ اتَّفَقَتْ مِثْلُ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فِي شَرِيعَتِنَا، لَقَالَ أَصْحَابُ أحمد وَالشَّافِعِيِّ
стр. 1039
ومالك ﵏: عُمِلَ فِيهَا بِالْقَافَةِ، وَجَعَلُوا الْقَافَةَ سَبَبًا لِتَرْجِيحِ الْمُدِّعِي لِلنَّسَبِ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَكَذَلِكَ لَوْ وَلَدَتْ مُسْلِمَةٌ وَكَافِرَةٌ وَلَدَيْنِ، وَادَّعَتِ الْكَافِرَةُ وَلَدَ الْمُسْلِمَةِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْهَا أحمد، فَتَوَقَّفَ فِيهَا. فَقِيلَ لَهُ: تَرَى الْقَافَةَ؟ فَقَالَ: مَا أَحْسَنَهَا، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ، وَحَكَمَ بَيْنَهُمَا حَاكِمٌ بِمِثْلِ حُكْمِ سُلَيْمَانَ، لَكَانَ صَوَابًا، وَكَانَ أَوْلَى مِنَ الْقُرْعَةِ، فَإِنَّ الْقُرْعَةَ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهَا إِذَا تَسَاوَى الْمُدَّعِيَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَلَوْ تَرَجَّحَ بِيَدٍ أَوْ شَاهِدٍ وَاحِدٍ أَوْ قَرِينَةٍ ظَاهِرَةٍ مِنْ لَوْثٍ أَوْ نُكُولِ خَصْمِهِ عَنِ الْيَمِينِ، أَوْ مُوَافَقَةِ شَاهِدِ الْحَالِ لِصِدْقِهِ، كَدَعْوَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ قُمَاشِ الْبَيْتِ وَالْآنِيَةِ، وَدَعْوَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّانِعِينَ آلَاتِ صَنْعَتِهِ، وَدَعْوَى حَاسِرِ الرَّأْسِ عَنِ الْعِمَامَةِ عِمَامَةَ مَنْ بِيَدِهِ عِمَامَةٌ، وَهُوَ يَشْتَدُّ عَدْوًا، وَعَلَى رَأْسِهِ أُخْرَى، وَنَظَائِرَ ذَلِكَ، قُدِّمَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى الْقُرْعَةِ.
وَمِنْ تَرَاجِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ عَلَى قِصَّةِ سُلَيْمَانَ (هَذَا بَابُ: الْحُكْمُ يُوهِمُ خِلَافَ الْحَقِّ، لِيُسْتَعْلَمَ بِهِ الْحَقُّ) ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَقُصَّ عَلَيْنَا هَذِهِ الْقِصَّةَ لِنَتَّخِذَهَا سَمَرًا، بَلْ لِنَعْتَبِرَ بِهَا فِي الْأَحْكَامِ، بَلِ الْحُكْمُ بِالْقَسَامَةِ وَتَقْدِيمِ أَيْمَانِ مُدَّعِي الْقَتْلِ هُوَ مِنْ هَذَا اسْتِنَادًا إِلَى الْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ، بَلْ وَمِنْ هَذَا رَجْمُ الْمُلَاعَنَةِ إِذَا الْتَعَنَ الزَّوْجُ، وَنَكَلَتْ عَنِ الِالْتِعَانِ. فالشافعي ومالك رَحِمَهُمَا اللَّهُ، يَقْتُلَانِهَا بِمُجَرَّدِ الْتِعَانِ الزَّوْجِ وَنُكُولِهَا اسْتِنَادًا إِلَى اللَّوْثِ الظَّاهِرِ الَّذِي حَصَلَ بِالْتِعَانِهِ وَنُكُولِهَا.
وَمِنْ هَذَا مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لَنَا مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ، وَأَنَّ وَلِيَّيِ الْمَيِّتِ إِذَا اطَّلَعَا عَلَى خِيَانَةٍ
стр. 1040
مِنَ الْوَصِيَّيْنِ جَازَ لَهُمَا أَنْ يَحْلِفَا وَيَسْتَحِقَّا مَا حَلَفَا عَلَيْهِ، وَهَذَا لَوْثٌ فِي
стр. 1041
الْأَمْوَالِ، وَهَذَا نَظِيرُ اللَّوْثِ فِي الدِّمَاءِ، وَأَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا إِذَا اطَّلَعَ الرَّجُلُ الْمَسْرُوقُ مَالُهُ عَلَى بَعْضِهِ فِي يَدِ خَائِنٍ مَعْرُوفٍ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ غَيْرِهِ، جَازَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ بَقِيَّةَ مَالِهِ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُ صَاحِبُ السَّرِقَةِ اسْتِنَادًا إِلَى اللَّوْثِ الظَّاهِرِ، وَالْقَرَائِنِ الَّتِي تَكْشِفُ الْأَمْرَ وَتُوَضِّحُهُ، وَهُوَ نَظِيرُ حَلِفِ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فِي الْقَسَامَةِ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ: سَوَاءٌ، بَلْ أَمْرُ الْأَمْوَالِ أَسْهَلُ وَأَخَفُّ، وَلِذَلِكَ ثَبَتَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَدَعْوَى وَنُكُولٍ، بِخِلَافِ الدِّمَاءِ. فَإِذَا جَازَ إِثْبَاتُهَا بِاللَّوْثِ، فَإِثْبَاتُ الْأَمْوَالِ بِهِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى.
وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ يَدُلَّانِ عَلَى هَذَا وَهَذَا، وَلَيْسَ مَعَ مَنِ ادَّعَى نَسْخَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ مِنْ ذَلِكَ حُجَّةٌ أَصَلًا، فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ فِي (سُورَةِ الْمَائِدَةِ) ، وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَدْ حَكَمَ بِمُوجَبِهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَهُ كَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأَقَرَّهُ الصَّحَابَةُ.
وَمِنْ هَذَا أَيْضًا مَا حَكَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ مِنِ اسْتِدْلَالِ الشَّاهِدِ بِقَرِينَةِ قَدِّ الْقَمِيصِ مِنْ دُبُرٍ عَلَى صِدْقِهِ، وَكَذِبِ الْمَرْأَةِ، وَأَنَّهُ كَانَ هَارِبًا مُوَلِّيًا، فَأَدْرَكَتْهُ الْمَرْأَةُ مِنْ وَرَائِهِ فَجَبَذَتْهُ فَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ، فَعَلِمَ بَعْلُهَا وَالْحَاضِرُونَ صِدْقَهُ وَقَبِلُوا هَذَا الْحُكْمَ وَجَعَلُوا الذَّنْبَ ذَنْبَهَا، وَأَمَرُوهَا بِالتَّوْبَةِ وَحَكَاهُ اللَّهُ حِكَايَةَ مُقَرِّرٍ لَهُ غَيْرِ مُنْكِرٍ، وَالتَّأَسِّي بِذَلِكَ وَأَمْثَالِهِ فِي إِقْرَارِ اللَّهِ لَهُ، وَعَدَمِ إِنْكَارِهِ، لَا فِي مُجَرَّدِ حِكَايَتِهِ فَإِنَّهُ إِذَا أَخْبَرَ بِهِ مُقِرًّا عَلَيْهِ، وَمُثْنِيًا عَلَى فَاعِلِهِ وَمَادِحًا لَهُ، دَلَّ عَلَى رِضَاهُ بِهِ وَأَنَّهُ
стр. 1042
مُوَافِقٌ لِحُكْمِهِ وَمَرْضَاتِهِ، فَلْيُتَدَبَّرْ هَذَا الْمَوْضِعُ، فَإِنَّهُ نَافِعٌ جِدًّا، وَلَوْ تَتَبَّعْنَا مَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَعَمَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مِنْ ذَلِكَ لَطَالَ، وَعَسَى أَنْ نُفْرِدَ فِيهِ مُصَنَّفًا شَافِيًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْمَقْصُودُ: التَّنْبِيهُ عَلَى هَدْيِهِ وَاقْتِبَاسُ الْأَحْكَامِ مِنْ سِيرَتِهِ، وَمَغَازِيهِ، وَوَقَائِعِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ.
وَلَمَّا أَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ فِي الْأَرْضِ ( «كَانَ يَبْعَثُ كُلَّ عَامٍ مَنْ يَخْرُصُ عَلَيْهِمُ الثِّمَارَ، فَيَنْظُرُ: كَمْ يُجْنَى مِنْهَا، فَيُضَمِّنُهُمْ نَصِيبَ الْمُسْلِمِينَ وَيَتَصَرَّفُونَ فِيهَا» ) .
стр. 1043
وَكَانَ يَكْتَفِي بِخَارِصٍ وَاحِدٍ. فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ خَرْصِ الثِّمَارِ الْبَادِي صَلَاحُهَا كَثَمَرِ النَّخْلِ، وَعَلَى جَوَازِ قِسْمَةِ الثِّمَارِ خَرْصًا عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ، وَيَصِيرُ نَصِيبُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مَعْلُومًا وَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزْ بَعْدُ لِمَصْلَحَةِ النَّمَاءِ، وَعَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ إِفْرَازٌ لَا بَيْعٌ، وَعَلَى جَوَازِ الِاكْتِفَاءِ بِخَارِصٍ وَاحِدٍ وَقَاسِمٍ وَاحِدٍ، وَعَلَى أَنَّ لِمَنِ الثِّمَارُ فِي يَدِهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا بَعْدَ الْخَرْصِ، وَيَضْمَنَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ الَّذِي خَرَصَ عَلَيْهِ.
فَلَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ عمر، ذَهَبَ عبد الله ابْنُهُ إِلَى مَالِهِ بِخَيْبَرَ، فَعَدَوْا عَلَيْهِ، فَأَلْقَوْهُ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ، فَفَكُّوا يَدَهُ فَأَجْلَاهُمْ عمر مِنْهَا إِلَى الشَّامِ، وَقَسَمَهَا بَيْنَ مَنْ كَانَ شَهِدَ خَيْبَرَ مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ.
[فصل في عَقْدُ الذِّمَّةِ وَأَخْذُ الْجِزْيَةِ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا هَدْيُهُ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْكُفَّارِ جِزْيَةً إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ (سُورَةِ بَرَاءَةٌ) فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْجِزْيَةِ، أَخَذَهَا مِنَ الْمَجُوسِ، وَأَخَذَهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَخَذَهَا مِنَ النَّصَارَى، وَبَعَثَ معاذا ﵁ إِلَى الْيَمَنِ، فَعَقَدَ لِمَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْ يَهُودِهَا الذِّمَّةَ، وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ وَلَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ، فَظَنَّ بَعْضُ الْغَالِطِينَ الْمُخْطِئِينَ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ مُخْتَصٌّ بِأَهْلِ خَيْبَرَ، وَأَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ جِزْيَةٌ وَإِنْ أُخِذَتْ مِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهَذَا مِنْ عَدَمِ فِقْهِهِ فِي السِّيَرِ وَالْمَغَازِي، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاتَلَهُمْ وَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يُقِرَّهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا شَاءَ وَلَمْ تَكُنِ الْجِزْيَةُ نَزَلَتْ بَعْدُ، فَسَبَقَ عَقْدُ صُلْحِهِمْ وَإِقْرَارُهُمْ فِي أَرْضِ خَيْبَرَ نُزُولَ الْجِزْيَةِ، ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُقَاتِلَ أَهْلَ الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي
стр. 1044
هَذَا يَهُودُ خَيْبَرَ إِذْ ذَاكَ، لِأَنَّ الْعَقْدَ كَانَ قَدِيمًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَلَى إِقْرَارِهِمْ، وَأَنْ يَكُونُوا عُمَّالًا فِي الْأَرْضِ بِالشَّطْرِ، فَلَمْ يُطَالِبْهُمْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ وَطَالَبَ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَقْدٌ كَعَقْدِهِمْ بِالْجِزْيَةِ، كَنَصَارَى نَجْرَانَ، وَيَهُودِ الْيَمَنِ، وَغَيْرِهِمْ. فَلَمَّا أَجْلَاهُمْ عمر إِلَى الشَّامِ، تَغَيَّرَ ذَلِكَ الْعَقْدُ الَّذِي تَضَمَّنَ إِقْرَارَهُمْ فِي أَرْضِ خَيْبَرَ، وَصَارَ لَهُمْ حُكْمُ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الدُّوَلِ الَّتِي خَفِيَتْ فِيهَا السُّنَّةُ وَأَعْلَامُهَا، أَظْهَرَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ كِتَابًا قَدْ عَتَّقُوهُ وَزَوَّرُوهُ، وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَسْقَطَ عَنْ يَهُودِ خَيْبَرَ الْجِزْيَةَ، وَفِيهِ شَهَادَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃، فَرَاجَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ جَهِلَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَغَازِيَهُ وَسِيَرَهُ، وَتَوَهَّمُوا، بَلْ ظَنُّوا صِحَّتَهُ، فَجَرَوْا عَلَى حُكْمِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُزَوَّرِ حَتَّى أُلْقِيَ إِلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابن تيمية - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - وَطُلِبَ مِنْهُ أَنْ يُعِينَ عَلَى تَنْفِيذِهِ، وَالْعَمَلِ عَلَيْهِ، فَبَصَقَ عَلَيْهِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِ بِعَشَرَةِ أَوْجُهٍ:
مِنْهَا: أَنَّ فِيهِ شَهَادَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وسعد تُوُفِّيَ قَبْلَ خَيْبَرَ قَطْعًا.
وَمِنْهَا: أَنَّ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ أَسْقَطَ عَنْهُمُ الْجِزْيَةَ وَالْجِزْيَةُ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ بَعْدُ، وَلَا يَعْرِفُهَا الصَّحَابَةُ حِينَئِذٍ، فَإِنَّ نُزُولَهَا كَانَ عَامَ تَبُوكَ بَعْدَ خَيْبَرَ بِثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَسْقَطَ عَنْهُمُ الْكُلَفَ وَالسُّخَرَ، وَهَذَا مُحَالٌ، فَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ كُلَفٌ وَلَا سُخَرٌ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَقَدْ أَعَاذَهُ اللَّهُ، وَأَعَاذَ أَصْحَابَهُ مِنْ أَخْذِ الْكُلَفِ وَالسُّخَرِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ وَضْعِ الْمُلُوكِ الظَّلَمَةِ وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَيْهَا.
وَمِنْهَا: أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهِمْ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْإِفْتَاءِ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَلَا أَظْهَرُوهُ فِي زَمَانِ السَّلَفِ، لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ إِنْ زَوَّرُوا مِثْلَ ذَلِكَ، عَرَفُوا كَذِبَهُ وَبُطْلَانَهُ، فَلَمَّا اسْتَخَفُّوا بَعْضَ الدُّوَلِ فِي وَقْتِ فِتْنَةٍ وَخَفَاءِ بَعْضِ السُّنَّةِ، زَوَّرُوا ذَلِكَ، وَعَتَّقُوهُ وَأَظْهَرُوهُ وَسَاعَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ طَمَعُ بَعْضِ الْخَائِنِينَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلَمْ يَسْتَمِرَّ لَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى
стр. 1045
كَشَفَ اللَّهُ أَمْرَهُ وَبَيَّنَ خُلَفَاءُ الرُّسُلِ بُطْلَانَهُ وَكَذِبَهُ.
[فصل في أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ غَيْرِ الْمَجُوسِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى]
فَصْلٌ
فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْجِزْيَةِ، أَخَذَهَا ﷺ مِنْ ثَلَاثِ طَوَائِفَ: مِنَ الْمَجُوسِ، وَالْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، وَلَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ. فَقِيلَ: لَا يَجُوزُ أَخْذُهَا مِنْ كَافِرٍ غَيْرِ هَؤُلَاءِ، وَمَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ، اقْتِدَاءً بِأَخْذِهِ وَتَرْكِهِ. وَقِيلَ بَلْ تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ كَعَبَدَةِ الْأَصْنَامِ مِنَ الْعَجَمِ دُونَ الْعَرَبِ، وَالْأَوَّلُ: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ وأحمد فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْهِ. وَالثَّانِي: قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وأحمد رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى.
وَأَصْحَابُ الْقَوْلِ الثَّانِي: يَقُولُونَ إِنَّمَا لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا نَزَلَ فَرْضُهَا بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَتْ دَارَةُ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا مُشْرِكٌ، فَإِنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَدُخُولِ الْعَرَبِ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَلَمْ يَبْقَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُشْرِكٌ، وَلِهَذَا غَزَا بَعْدَ الْفَتْحِ تَبُوكَ، وَكَانُوا نَصَارَى، وَلَوْ كَانَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُشْرِكُونَ، لَكَانُوا يَلُونَهُ، وَكَانُوا أَوْلَى بِالْغَزْوِ مِنَ الْأَبْعَدِينَ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ السِّيَرَ، وَأَيَّامَ الْإِسْلَامِ، عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ، فَلَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ لِعَدَمِ مَنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ، لَا لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا، قَالُوا: وَقَدْ أَخَذَهَا مِنَ الْمَجُوسِ، وَلَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ وَلَا يَصِحُّ أَنَّهُ (كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ وَرُفِعَ) وَهُوَ حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ، وَلَا يَصِحُّ سَنَدُهُ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عُبَّادِ النَّارِ، وَعُبَّادِ الْأَصْنَامِ بَلْ أَهْلُ الْأَوْثَانِ أَقْرَبُ حَالًا مِنْ عُبَّادِ النَّارِ، وَكَانَ فِيهِمْ مِنَ التَّمَسُّكِ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي عُبَّادِ النَّارِ، بَلْ عُبَّادُ النَّارِ أَعْدَاءُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، فَإِذَا أُخِذَتْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ فَأَخْذُهَا مِنْ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ أَوْلَى، وَعَلَى ذَلِكَ تَدُلُّ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي " صَحِيحِ مسلم " أَنَّهُ
стр. 1046
قَالَ: ( «إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى إِحْدَى خِلَالٍ ثَلَاثٍ، فَأَيَّتُهُنَّ أَجَابُوكَ إِلَيْهَا، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ ". ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، أَوِ الْجِزْيَةِ أَوْ يُقَاتِلَهُمْ» ) .
وَقَالَ المغيرة لِعَامِلِ كِسْرَى: ( «أَمَرَنَا نَبِيُّنَا أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ، أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ» ) .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِقُرَيْشٍ: ( «هَلْ لَكُمْ فِي كَلِمَةٍ تَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَرَبُ، وَتُؤَدِّي الْعَجَمُ إِلَيْكُمْ بِهَا الْجِزْيَةَ. قَالُوا: مَا هِيَ؟ قَالَ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ) .
[فصل في صُلْحُهُ ﷺ مَعَ أَهْلِ نَجْرَانَ]
فَصْلٌ
وَلَمَّا كَانَ فِي مَرْجِعِهِ مِنْ تَبُوكَ، أَخَذَتْ خَيْلُهُ أكيدر دومة، فَصَالَحَهُ
стр. 1047
عَلَى الْجِزْيَةِ وَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ ".
( «وَصَالَحَ أَهْلَ نَجْرَانَ مِنَ النَّصَارَى عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ. النِّصْفُ فِي صَفَرٍ، وَالْبَقِيَّةُ فِي رَجَبٍ يُؤَدُّونَهَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَعَارِيَّةٍ ثَلَاثِينَ دِرْعًا، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا، وَثَلَاثِينَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ السِّلَاحِ، يَغْزُونَ بِهَا، وَالْمُسْلِمُونَ ضَامِنُونَ لَهَا حَتَّى يَرُدُّوهَا عَلَيْهِمْ إِنْ كَانَ بِالْيَمَنِ كَيْدٌ أَوْ غَدْرَةٌ، عَلَى أَلَّا تُهْدَمَ لَهُمْ بِيعَةٌ، وَلَا يُخْرَجَ لَهُمْ قَسٌّ، وَلَا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ مَا لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثًا أَوْ يَأْكُلُوا الرِّبَا» ) .
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى انْتِقَاضِ عَهْدِ الذِّمَّةِ بِإِحْدَاثِ الْحَدَثِ، وَأَكْلِ الرِّبَا إِذَا كَانَ مَشْرُوطًا عَلَيْهِمْ.
«وَلَمَّا وَجَّهَ معاذا إِلَى الْيَمَنِ، (أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ مُحْتَلِمٍ دِينَارًا أَوْ قِيمَتَهُ مِنَ الْمَعَافِرِيِّ، وَهِيَ ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ» ) .
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ غَيْرُ مُقَدَّرَةِ الْجِنْسِ، وَلَا الْقَدْرِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ثِيَابًا وَذَهَبًا وَحُلَلًا،، وَتَزِيدُ وَتَنْقُصُ بِحَسَبِ حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَاحْتِمَالِ مَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ، وَحَالِهِ فِي الْمَيْسَرَةِ، وَمَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ.
стр. 1048
وَلَمْ يُفَرِّقْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا خُلَفَاؤُهُ فِي الْجِزْيَةِ بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، بَلْ أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ، وَأَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرٍ، وَكَانُوا عَرَبًا، فَإِنَّ الْعَرَبَ أُمَّةٌ لَيْسَ لَهَا فِي الْأَصْلِ كِتَابٌ، وَكَانَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَدِينُ بِدِينِ مَنْ جَاوَرَهَا مِنَ الْأُمَمِ، فَكَانَتْ عَرَبُ الْبَحْرَيْنِ مَجُوسًا لِمُجَاوَرَتِهَا فَارِسَ، وَتَنُوخَ، وَبُهْرَةَ، وَبَنُو تَغْلِبَ نَصَارَى لِمُجَاوَرَتِهِمْ لِلرُّومِ، وَكَانَتْ قَبَائِلُ مِنَ الْيَمَنِ يَهُودَ لِمُجَاوَرَتِهِمْ لِيَهُودِ الْيَمَنِ، فَأَجْرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْكَامَ الْجِزْيَةِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ آبَاءَهُمْ، وَلَا مَتَى دَخَلُوا فِي دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ: هَلْ كَانَ دُخُولُهُمْ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، أَوْ بَعْدَهُ، وَمِنْ أَيْنَ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ وَكَيْفَ يَنْضَبِطُ وَمَا الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ؟ وَقَدْ ثَبَتَ فِي السِّيَرِ وَالْمَغَازِي، أَنَّ مِنَ الْأَنْصَارِ مَنْ تَهَوَّدَ أَبْنَاؤُهُمْ بَعْدَ النَّسْخِ بِشَرِيعَةِ عِيسَى، وَأَرَادَ آبَاؤُهُمْ إِكْرَاهَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] [الْبَقَرَةِ: ٢٥٦] وَفِي قَوْلِهِ لمعاذ: ( «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ صَبِيٍّ وَلَا امْرَأَةٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عبد الرزاق فِي " مُصَنَّفِهِ " وأبو عبيد فِي " الْأَمْوَالِ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «أَمَرَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ: أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْيَمَنِ الْجِزْيَةَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ أَوْ حَالِمَةٍ» ) زَادَ أبو عبيد: عَبْدًا أَوْ أَمَةً، دِينَارًا أَوْ قِيمَتَهُ مِنَ الْمَعَافِرِيِّ " فَهَذَا فِيهِ أَخْذُهَا مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَالْحُرِّ وَالرَّقِيقِ؟ قِيلَ:
стр. 1049
هَذَا لَا يَصِحُّ وَصْلُهُ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، لَمْ يَذْكُرْهَا سَائِرُ الرُّوَاةِ، وَلَعَلَّهَا مِنْ تَفْسِيرِ بَعْضِ الرُّوَاةِ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أحمد، وأبو داود وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ، فَاقْتَصَرُوا عَلَى قَوْلِهِ أَمَرَهُ " أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَالِمٍ دِينَارًا "، وَلَمْ يَذْكُرُوا هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَأَكْثَرُ مَنْ أَخَذَ مِنْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ الْجِزْيَةَ الْعَرَبُ مِنَ النَّصَارَى، وَالْيَهُودِ، وَالْمَجُوسِ، وَلَمْ يَكْشِفْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَتَى دَخَلَ فِي دِينِهِ، وَكَانَ يَعْتَبِرُهُمْ بِأَدْيَانِهِمْ لَا بِآبَائِهِمْ.
[فَصْلٌ فِي تَرْتِيبِ سِيَاقِ هَدْيِهِ مَعَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنْ حِينِ بُعِثَ إِلَى حِينِ لَقِيَ اللَّهَ ]
[أَوَّلُ مَا أَوْحَى إِلَيْهِ رَبُّهُ ﵎ أَنْ يَقْرَأَ بِاسْمِ رَبِّهِ الَّذِي خَلَقَ]
فَصْلٌ فِي تَرْتِيبِ سِيَاقِ هَدْيِهِ مَعَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنْ حِينِ بُعِثَ إِلَى حِينِ لَقِيَ اللَّهَ
أَوَّلُ مَا أَوْحَى إِلَيْهِ رَبُّهُ ﵎: أَنْ يَقْرَأَ بِاسْمِ رَبِّهِ الَّذِي خَلَقَ، وَذَلِكَ أَوَّلَ نُبُوَّتِهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ إِذْ ذَاكَ بِتَبْلِيغٍ، ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٢] [الْمُدَّثِّرِ: ١، ٢] فَنَبَّأَهُ بِقَوْلِهِ (اقْرَأْ) وَأَرْسَلَهُ بِـ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يُنْذِرَ عَشِيرَتَهُ الْأَقْرَبِينَ، ثُمَّ أَنْذَرَ قَوْمَهُ، ثُمَّ أَنْذَرَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ، ثُمَّ أَنْذَرَ الْعَرَبَ قَاطِبَةً، ثُمَّ أَنْذَرَ الْعَالَمِينَ فَأَقَامَ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً بَعْدَ نُبُوَّتِهِ يُنْذِرُ بِالدَّعْوَةِ بِغَيْرِ قِتَالٍ وَلَا جِزْيَةٍ، وَيُؤْمَرُ بِالْكَفِّ وَالصَّبْرِ وَالصَّفْحِ. ثُمَّ أُذِنَ لَهُ فِي الْهِجْرَةِ، وَأُذِنَ لَهُ فِي الْقِتَالِ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يُقَاتِلَ مَنْ قَاتَلَهُ، وَيَكُفَّ عَمَّنِ اعْتَزَلَهُ وَلَمْ يُقَاتِلْهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، ثُمَّ كَانَ الْكُفَّارُ مَعَهُ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَهْلَ صُلْحٍ وَهُدْنَةٍ، وَأَهْلَ حَرْبٍ، وَأَهْلَ ذِمَّةٍ، فَأُمِرَ بِأَنْ يُتِمَّ لِأَهْلِ الْعَهْدِ وَالصُّلْحِ عَهْدَهُمْ وَأَنْ يُوَفِّيَ لَهُمْ بِهِ مَا اسْتَقَامُوا عَلَى الْعَهْدِ، فَإِنْ خَافَ مِنْهُمْ خِيَانَةً نَبَذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ وَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ حَتَّى يُعْلِمَهُمْ بِنَقْضِ الْعَهْدِ، وَأُمِرَ أَنْ يُقَاتِلَ مَنْ نَقَضَ عَهْدَهُ. وَلَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ (بَرَاءَةٌ) نَزَلَتْ بِبَيَانِ حُكْمِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ كُلِّهَا، فَأَمَرَهُ فِيهَا أَنْ " يُقَاتِلَ عَدُوَّهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ أَوْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَأَمَرَهُ فِيهَا بِجِهَادِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ
стр. 1050
وَالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ فَجَاهَدَ الْكُفَّارَ بِالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ، وَالْمُنَافِقِينَ بِالْحُجَّةِ وَاللِّسَانِ.
وَأَمَرَهُ فِيهَا بِالْبَرَاءَةِ مِنْ عُهُودِ الْكُفَّارِ، وَنَبْذِ عُهُودِهِمْ إِلَيْهِمْ، وَجَعَلَ أَهْلَ الْعَهْدِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمًا أَمَرَهُ بِقِتَالِهِمْ، وَهُمُ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَهُ وَلَمْ يَسْتَقِيمُوا لَهُ، فَحَارَبَهُمْ وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ. وَقِسْمًا لَهُمْ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ لَمْ يَنْقُضُوهُ وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُتِمَّ لَهُمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ. وَقِسْمًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَهْدٌ وَلَمْ يُحَارِبُوهُ، أَوْ كَانَ لَهُمْ عَهْدٌ مُطْلَقٌ، فَأُمِرَ أَنْ يُؤَجِّلَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِذَا انْسَلَخَتْ قَاتَلَهُمْ وَهِيَ الْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] [التَّوْبَةِ: ٢] وَهِيَ الْحُرُمُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] [التَّوْبَةِ: ٥] فَالْحُرُمُ هَاهُنَا: هِيَ أَشْهُرُ التَّسْيِيرِ، أَوَّلُهَا يَوْمُ الْأَذَانِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّأْذِينُ بِذَلِكَ، وَآخِرُهَا الْعَاشِرُ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَلَيْسَتْ هِيَ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] [التَّوْبَةِ: ٣٦] فَإِنَّ تِلْكَ وَاحِدٌ فَرْدٌ، وَثَلَاثَةٌ سَرْدٌ: رَجَبٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ. وَلَمْ يُسَيِّرِ الْمُشْرِكِينَ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَوَالِيَةٍ، وَهُوَ إِنَّمَا أَجَّلَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ
стр. 1051
أَمَرَهُ بَعْدَ انْسِلَاخِهَا أَنْ يُقَاتِلَهُمْ فَقَتَلَ النَّاقِضَ لِعَهْدِهِ، وَأَجَّلَ مَنْ لَا عَهْدَ لَهُ، أَوْ لَهُ عَهْدٌ مُطْلَقٌ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُتِمَّ لِلْمُوفِي بِعَهْدِهِ عَهْدَهُ إِلَى مُدَّتِهِ، فَأَسْلَمَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ، وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَى كُفْرِهِمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ، وَضَرَبَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ الْجِزْيَةَ.
فَاسْتَقَرَّ أَمْرُ الْكُفَّارِ مَعَهُ بَعْدَ نُزُولِ (بَرَاءَةٌ) عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مُحَارِبِينَ لَهُ، وَأَهْلِ عَهْدٍ، وَأَهْلِ ذِمَّةٍ، ثُمَّ آلَتْ حَالُ أَهْلِ الْعَهْدِ وَالصُّلْحِ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَصَارُوا مَعَهُ قِسْمَيْنِ: مُحَارِبِينَ، وَأَهْلَ ذِمَّةٍ، وَالْمُحَارِبُونَ لَهُ خَائِفُونَ مِنْهُ، فَصَارَ أَهْلُ الْأَرْضِ مَعَهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: مُسْلِمٌ مُؤْمِنٌ بِهِ، وَمُسَالِمٌ لَهُ آمِنٌ، وَخَائِفٌ مُحَارِبٌ.
وَأَمَّا سِيرَتُهُ فِي الْمُنَافِقِينَ، فَإِنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ عَلَانِيَتَهُمْ وَيَكِلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَأَنْ يُجَاهِدَهُمْ بِالْعِلْمِ وَالْحُجَّةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ، وَيُغْلِظَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يَبْلُغَ بِالْقَوْلِ الْبَلِيغِ إِلَى نُفُوسِهِمْ، وَنَهَاهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يَقُومَ عَلَى قُبُورِهِمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ إِنِ اسْتَغْفَرَ لَهُمْ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، فَهَذِهِ سِيرَتُهُ فِي أَعْدَائِهِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ.
[فصل في سِيرَتُهُ ﷺ فِي أَوْلِيَائِهِ وَحِزْبِهِ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا سِيرَتُهُ فِي أَوْلِيَائِهِ وَحِزْبِهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَصْبِرَ نَفْسَهُ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وَأَلَّا تَعْدُوَ عَيْنَاهُ عَنْهُمْ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، وَيُشَاوِرَهُمْ فِي الْأَمْرِ، وَأَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَرَهُ بِهَجْرِ مَنْ عَصَاهُ وَتَخَلَّفَ عَنْهُ حَتَّى يَتُوبَ، وَيُرَاجِعَ طَاعَتَهُ، كَمَا هَجَرَ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا.
وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ الْحُدُودَ عَلَى مَنْ أَتَى مُوجِبَاتِهَا مِنْهُمْ، وَأَنْ يَكُونُوا عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءً شَرِيفُهُمْ وَدَنِيئُهُمْ.
وَأَمَرَهُ فِي دَفْعِ عَدُوِّهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ، بِأَنْ يَدْفَعَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَيُقَابِلَ إِسَاءَةَ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ بِالْإِحْسَانِ، وَجَهْلَهُ بِالْحِلْمِ، وَظُلْمَهُ بِالْعَفْوِ، وَقَطِيعَتَهُ بِالصِّلَةِ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَادَ عَدُوُّهُ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.
وَأَمَرَهُ فِي دَفْعِهِ عَدُوَّهُ مِنْ شَيَاطِينِ الْجِنِّ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ مِنْهُمْ، وَجَمَعَ لَهُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ: فِي (سُورَةِ الْأَعْرَافِ) وَ (الْمُؤْمِنُونَ)
стр. 1052
وَ (سُورَةِ حم فُصِّلَتْ) فَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ - وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠] [الْأَعْرَافِ: ١٩٩ - ٢٠٠] فَأَمَرَهُ بِاتِّقَاءِ شَرِّ الْجَاهِلِينَ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ، وَبِاتِّقَاءِ شَرِّ الشَّيْطَانِ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ، وَجَمَعَ لَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَالشِّيَمَ كُلَّهَا، فَإِنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ لَهُ مَعَ الرَّعِيَّةِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَقٍّ عَلَيْهِمْ يَلْزَمُهُمُ الْقِيَامُ بِهِ، وَأَمْرٍ يَأْمُرُهُمْ بِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَفْرِيطٍ وَعُدْوَانٍ يَقَعُ مِنْهُمْ فِي حَقِّهِ، فَأُمِرَ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِمْ مَا طَوَّعَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ، وَسَمَحَتْ بِهِ، وَسَهُلَ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَشُقَّ، وَهُوَ الْعَفْوُ الَّذِي لَا يَلْحَقُهُمْ بِبَذْلِهِ ضَرَرٌ وَلَا مَشَقَّةٌ، وَأُمِرَ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالْعُرْفِ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ الَّذِي تَعْرِفُهُ الْعُقُولُ السَّلِيمَةُ، وَالْفِطَرُ الْمُسْتَقِيمَةُ، وَتُقِرُّ بِحُسْنِهِ وَنَفْعِهِ، وَإِذَا أَمَرَ بِهِ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ أَيْضًا لَا بِالْعُنْفِ وَالْغِلْظَةِ. وَأَمَرَهُ أَنْ يُقَابِلَ جَهْلَ الْجَاهِلِينَ مِنْهُمْ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ دُونَ أَنْ يُقَابِلَهُ بِمِثْلِهِ، فَبِذَلِكَ يَكْتَفِي شَرَّهُمْ.
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ - رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ - وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ - ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ - وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ - وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٣ - ٩٨] [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٣ - ٩٨] .
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ حم فُصِّلَتْ: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ - وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ - وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦] [فُصِّلَتْ: ٣٤ - ٣٦] فَهَذِهِ سِيرَتُهُ مَعَ أَهْلِ الْأَرْضِ إِنْسِهِمْ، وَجِنِّهِمْ، مُؤْمِنِهِمْ، وَكَافِرِهِمْ.
[فَصْلٌ فِي سِيَاقِ مَغَازِيهِ وَبُعُوثِهِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ]
[سَرِيَّةُ حَمْزَةَ إِلَى سَيْفِ الْبَحْرِ]
فَصْلٌ فِي سِيَاقِ مَغَازِيهِ وَبُعُوثِهِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ
وَكَانَ أَوَّلُ لِوَاءٍ عَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، عَلَى رَأْسِ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مُهَاجَرِهِ، وَكَانَ لِوَاءً أَبْيَضَ، وَكَانَ حَامِلَهُ أبو
стр. 1053
مرثد كناز بن الحصين الغنوي حَلِيفُ حمزة، وَبَعَثَهُ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ خَاصَّةً، يَعْتَرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ جَاءَتْ مِنَ الشَّامِ، وَفِيهَا أبو جهل بن هشام فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ. فَبَلَغُوا سَيْفَ الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِيصِ، فَالْتَقَوْا وَاصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، فَمَشَى مجدي بن عمرو الجهني، وَكَانَ حَلِيفًا لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، حَتَّى حَجَزَ بَيْنَهُمْ وَلَمْ يَقْتَتِلُوا.
[فصل في سَرِيَّةُ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ]
فَصْلٌ
ثُمَّ بَعَثَ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى بَطْنِ رَابِغٍ فِي شَوَّالٍ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً أَبْيَضَ، وَحَمَلَهُ مسطح بن أثاثة بن عبد المطلب بن عبد مناف، وَكَانُوا فِي سِتِّينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَيْسَ فِيهِمْ أَنْصَارِيٌّ، فَلَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَهُوَ فِي مِائَتَيْنِ عَلَى بَطْنِ رَابِغٍ، عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَكَانَ بَيْنَهُمُ الرَّمْيُ، وَلَمْ يَسُلُّوا السُّيُوفَ، وَلَمْ يَصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ مُنَاوَشَةً: (وَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِيهِمْ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ثُمَّ انْصَرَفَ الْفَرِيقَانِ عَلَى حَامِيَتِهِمْ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ عَلَى الْقَوْمِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَقَدَّمَ سَرِيَّةَ عبيدة عَلَى سَرِيَّةِ حمزة.
[فصل في سَرِيَّةُ سَعْدٍ إِلَى بَطْنِ رَابِغٍ]
فَصْلٌ
ثُمَّ بَعَثَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَى الْخَرَّارِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ عَلَى رَأْسِ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً أَبْيَضَ، وَحَمَلَهُ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَانُوا عِشْرِينَ رَاكِبًا يَعْتَرِضُونَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَعَهِدَ أَنْ لَا يُجَاوِزَ الْخَرَّارَ، فَخَرَجُوا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، فَكَانُوا يَكْمُنُونَ بِالنَّهَارِ، وَيَسِيرُونَ بِاللَّيْلِ، حَتَّى صَبَّحُوا الْمَكَانَ صَبِيحَةَ خَمْسٍ، فَوَجَدُوا الْعِيرَ قَدْ مَرَّتْ بِالْأَمْسِ.
стр. 1054
[فصل في غَزْوَةُ الْأَبْوَاءِ]
فَصْلٌ
ثُمَّ غَزَا بِنَفْسِهِ غَزْوَةَ الْأَبْوَاءِ، وَيُقَالُ لَهَا: وَدَّانُ، وَهِيَ أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا بِنَفْسِهِ، وَكَانَتْ فِي صَفَرٍ عَلَى رَأْسِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مُهَاجَرِهِ، وَحَمَلَ لِوَاءَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ أَبْيَضَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، وَخَرَجَ فِي الْمُهَاجِرِينَ خَاصَّةً يَعْتَرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، فَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَادَعَ مخشي بن عمرو الضمري وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي ضَمْرَةَ فِي زَمَانِهِ عَلَى أَلَّا يَغْزُو بَنِي ضَمْرَةَ، وَلَا يَغْزُوهُ، وَلَا أَنْ يُكَثِّرُوا عَلَيْهِ جَمْعًا، وَلَا يُعِينُوا عَلَيْهِ عَدُوًّا، وَكَتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَابًا، وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.
[فصل في غَزْوَةُ بُوَاطٍ]
فَصْلٌ
ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُوَاطَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، عَلَى رَأْسِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مُهَاجَرِهِ، وَحَمَلَ لِوَاءَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَكَانَ أَبْيَضَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَخَرَجَ فِي مِائَتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَعْتَرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، فِيهَا أمية بن خلف الجمحي، وَمِائَةُ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَلْفَانِ وَخَمْسِمِائَةِ بَعِيرٍ، فَبَلَغَ بُوَاطًا، وَهُمَا جَبَلَانِ فَرْعَانِ، أَصْلُهُمَا وَاحِدٌ مِنْ جِبَالِ جُهَيْنَةَ، مِمَّا يَلِي طَرِيقَ
стр. 1055
الشَّامِ، وَبَيْنَ بُوَاطٍ وَالْمَدِينَةِ نَحْوُ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، فَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا فَرَجَعَ.
[فصل في خُرُوجُهُ ﷺ فِي طَلَبِ كُرْزٍ الْفِهْرِيِّ]
فَصْلٌ
ثُمَّ خَرَجَ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مُهَاجَرِهِ يَطْلُبُ كرز بن جابر الفهري، وَحَمَلَ لِوَاءَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَكَانَ أَبْيَضَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَكَانَ كرز قَدْ أَغَارَ عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ، فَاسْتَاقَهُ وَكَانَ يَرْعَى بِالْحِمَى، فَطَلَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَلَغَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ: سَفَوَانُ مِنْ نَاحِيَةِ بَدْرٍ، وَفَاتَهُ كرز وَلَمْ يَلْحَقْهُ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
[فصل في غَزْوَةُ الْعُشَيْرَةِ]
فَصْلٌ
ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ عَلَى رَأْسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَحَمَلَ لِوَاءَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ أَبْيَضَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيَّ، وَخَرَجَ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَيُقَالُ: فِي مِائَتَيْنِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَلَمْ يُكْرِهْ أَحَدًا عَلَى الْخُرُوجِ، وَخَرَجُوا عَلَى ثَلَاثِينَ بَعِيرًا يَعْتَقِبُونَهَا يَعْتَرِضُونَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ ذَاهِبَةً إِلَى الشَّامِ، وَقَدْ كَانَ جَاءَهُ الْخَبَرُ بِفُصُولِهَا مِنْ مَكَّةَ فِيهَا أَمْوَالٌ لِقُرَيْشٍ، فَبَلَغَ ذَا الْعُشَيْرَةِ، وَقِيلَ: الْعُشَيْرَاءِ بِالْمَدِّ. وَقِيلَ: الْعُسَيْرَةِ بِالْمُهْمَلَةِ، وَهِيَ بِنَاحِيَةِ يَنْبُعَ، وَبَيْنَ يَنْبُعَ وَالْمَدِينَةِ تِسْعَةُ بُرُدٍ، فَوَجَدَ الْعِيرَ قَدْ فَاتَتْهُ بِأَيَّامٍ، وَهَذِهِ هِيَ الْعِيرُ الَّتِي خَرَجَ فِي طَلَبِهَا حِينَ رَجَعَتْ مِنَ الشَّامِ، وَهِيَ الَّتِي وَعَدَهُ اللَّهُ إِيَّاهَا، أَوِ الْمُقَاتَلَةَ، وَذَاتَ الشَّوْكَةِ، وَوَفَّى لَهُ بِوَعْدِهِ.
وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ، وَادَعَ بَنِي مُدْلِجٍ وَحُلَفَاءَهُمْ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ.
قَالَ عبد المؤمن بن خلف الْحَافِظُ: وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ كَنَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عليا أَبَا
следующие страницы →