← Сира

Сира · id 21713

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Полный текст (2 628 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وَذُكِرَ عَنْهُ أَيْضًا: ( «حَرَسُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ يُقَامُ لَيْلُهَا، وَيُصَامُ نَهَارُهَا» ) . وَقَالَ: ( «حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ دَمَعَتْ أَوْ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَحُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ) . وَذَكَرَ أحمد عَنْهُ: ( «مَنْ حَرَسَ مِنْ وَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُتَطَوِّعًا لَا يَأْخُذُهُ سُلْطَانٌ، لَمْ يَرَ النَّارَ بِعَيْنَيْهِ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] » ) . وَقَالَ لِرَجُلٍ حَرَسَ الْمُسْلِمِينَ لَيْلَةً فِي سَفَرِهِمْ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى الصَّبَاحِ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ لَمْ يَنْزِلْ إِلَّا لِصَلَاةٍ أَوْ قَضَاءِ حَاجَةٍ: ( «قَدْ أَوْجَبْتَ فَلَا عَلَيْكَ أَلَّا تَعْمَلَ بَعْدَهَا» ) . وَقَالَ: ( «مَنْ بَلَغَ بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَهُ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ» ) . وَقَالَ: ( «مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ عِدْلُ مُحَرَّرٍ، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي

стр. 982

سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ تَفْسِيرُ الدَّرَجَةِ بِمِائَةِ عَامٍ. وَقَالَ: ( «إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، وَالْمُمِدَّ بِهِ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، وَكُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ فَبَاطِلٌ إِلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، أَوْ تَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ، وَمَنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ الرَّمْيَ فَتَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ، فَنِعْمَةٌ كَفَرَهَا» ) رَوَاهُ أحمد وَأَهْلُ السُّنَنِ وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ( «مَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ، فَقَدْ

стр. 983

عَصَانِي» ) . وَذَكَرَ أحمد عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: أَوْصِنِي فَقَالَ: ( «أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ شَيْءٍ، وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ، فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْإِسْلَامِ، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ رُوحُكَ فِي السَّمَاءِ، وَذِكْرٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ» ) . وَقَالَ: ( «ذِرْوَةُ سَنَامِ الْإِسْلَامِ الْجِهَادُ» ) . وَقَالَ: ( «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ» ) .

стр. 984

وَقَالَ: ( «مَنْ مَاتَ، وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ» ) . وَذَكَرَ أبو داود عَنْهُ: ( «مَنْ لَمْ يَغْزُ، أَوْ يُجَهِّزْ غَازِيًا، أَوْ يَخْلُفْ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ، أَصَابَهُ اللَّهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ) . وَقَالَ: ( «إِذَا ضَنَّ النَّاسُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، وَتَبَايَعُوا بِالْعِينَةِ، وَاتَّبَعُوا أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَتَرَكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ بَلَاءً، فَلَمْ يَرْفَعْهُ عَنْهُمْ حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينَهُمْ» )

стр. 985

وَذَكَرَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ: ( «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ ، وَلَيْسَ لَهُ أَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لَقِيَ اللَّهَ وَفِيهِ ثُلْمَةٌ» ) . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] [الْبَقَرَةِ: ١٩٥] ، وَفَسَّرَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ الْإِلْقَاءَ بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَةِ بِتَرْكِ الْجِهَادِ، وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ : ( «إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ» ) .

стр. 986

وَصَحَّ عَنْهُ: ( «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ) . وَصَحَّ عَنْهُ: ( «إِنَّ النَّارَ أَوَّلُ مَا تُسَعَّرُ بِالْعَالِمِ وَالْمُنْفِقِ وَالْمَقْتُولِ فِي الْجِهَادِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُقَالَ» ) . وَصَحَّ عَنْهُ: ( «أَنَّ مَنْ جَاهَدَ يَبْتَغِي عَرَضَ الدُّنْيَا، فَلَا أَجْرَ لَهُ» ) . وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: ( «إِنْ قَاتَلْتَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، بَعَثَكَ اللَّهُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، وَإِنْ قَاتَلْتَ مُرَائِيًا مُكَاثِرًا، بَعَثَكَ اللَّهُ مُرَائِيًا مُكَاثِرًا، يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَلَى أَيِّ وَجْهٍ قَاتَلْتَ أَوْ قُتِلْتَ، بَعَثَكَ اللَّهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ» ) .

стр. 987

[فصل في استحباب الْقِتَالَ أَوَّلَ النَّهَارِ] فَصْلٌ ( «وَكَانَ يَسْتَحِبُّ الْقِتَالَ أَوَّلَ النَّهَارِ» ) كَمَا يَسْتَحِبُّ الْخُرُوجَ لِلسَّفَرِ أَوَّلَهُ، فَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ، أَخَّرَ الْقِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ وَيَنْزِلَ النَّصْرُ. [فصل في فضل الشهيد] فَصْلٌ قَالَ: ( «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ - إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» ) . وَفِي الترمذي عَنْهُ ( «لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ أَوْ أَثَرَيْنِ، قَطْرَةِ دَمْعَةٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَقَطْرَةِ دَمٍ تُهْرَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْأَثَرَانِ، فَأَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ» ) . وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَا يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِلَّا الشَّهِيدُ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى» ) وَفِي لَفْظٍ: ( «فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا

стр. 988

يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ» ) . ( «وَقَالَ لأم حارثة بنت النعمان، وَقَدْ قُتِلَ ابْنُهَا مَعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَسَأَلَتْهُ أَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: إِنَّهُ فِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى» ) . وَقَالَ: ( «إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً، فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ فَقَالُوا: أَيُّ شَيْءٍ نَشْتَهِي، وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا؟ فَفَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يَسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا» ) . وَقَالَ: ( «إِنَّ لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ خِصَالًا أَنْ يُغْفَرَ لَهُ مِنْ أَوَّلِ دَفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ، وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُحَلَّى حِلْيَةَ الْإِيمَانِ، وَيُزَوَّجَ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُجَارَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنَ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. وَيُزَوَّجَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعَ فِي سَبْعِينَ إِنْسَانًا مِنْ أَقَارِبِهِ» ) ذَكَرَهُ أحمد وَصَحَّحَهُ الترمذي. وَقَالَ لجابر: ( «أَلَا أُخْبِرُكَ مَا قَالَ اللَّهُ لِأَبِيكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ،

стр. 989

قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً، قَالَ: إِنَّهُ سَبَقَ مِنِّي (أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ) قَالَ: يَا رَبِّ فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] » ) [آلِ عِمْرَانَ: ١٦٩] . وَقَالَ: ( «لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ، جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَحُسْنَ مَقِيلِهِمْ، قَالُوا: يَا لَيْتَ إِخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ اللَّهُ لَنَا لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ، وَلَا يَنْكُلُوا عَنِ الْحَرْبِ، فَقَالَ اللَّهُ: أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ هَذِهِ الْآيَاتِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] » ) . وَفِي " الْمُسْنَدِ " مَرْفُوعًا: ( «الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهْرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ، فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً» ) . وَقَالَ: ( «لَا تَجِفُّ الْأَرْضُ مِنْ دَمِ الشَّهِيدِ حَتَى يَبْتَدِرَهُ زَوْجَتَاهُ، كَأَنَّهُمَا طَيْرَانِ أَضَلَّتَا فَصِيلَيْهِمَا بِبَرَاحٍ مِنَ الْأَرْضِ بِيَدِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حُلَّةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ) . وَفِي " الْمُسْتَدْرَكِ " وَالنَّسَائِيِّ مَرْفُوعًا: ( «لَأَنْ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي أَهْلُ الْمَدَرِ وَالْوَبَرِ» ) .

стр. 990

وَفِيهِمَا: ( «مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنَ الْقَتْلِ إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ الْقَرْصَةِ» ) . وَفِي " السُّنَنِ ": ( «يَشْفَعُ الشَّهِيدُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ» ) . وَفِي " الْمُسْنَدِ ": ( «أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ إِنْ يَلْقَوْا فِي الصَّفِّ لَا يَلْفِتُونَ وُجُوهَهُمْ حَتَّى يُقْتَلُوا، أُولَئِكَ يَتَلَبَّطُونَ فِي الْغُرَفِ الْعُلَى مِنَ الْجَنَّةِ، وَيَضْحَكُ إِلَيْهِمْ رَبُّكَ، وَإِذَا ضَحِكَ رَبُّكَ إِلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا، فَلَا حِسَابَ عَلَيْهِ» ) . وَفِيهِ: ( «الشُّهَدَاءُ أَرْبَعَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الْإِيمَانِ لَقِيَ الْعَدُوَّ، فَصَدَقَ اللَّهَ حَتَّى قُتِلَ، فَذَلِكَ الَّذِي يَرْفَعُ إِلَيْهِ النَّاسُ أَعْنَاقَهُمْ، وَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ حَتَّى وَقَعَتْ قَلَنْسُوَتُهُ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الْإِيمَانِ، لَقِيَ الْعَدُوَّ فَكَأَنَّمَا يُضْرَبُ جِلْدُهُ بِشَوْكِ الطَّلْحِ أَتَاهُ سَهْمُ غَرْبٍ فَقَتَلَهُ، هُوَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الْإِيمَانِ، خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَقَ اللَّهَ حَتَّى قُتِلَ، فَذَاكَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ إِسْرَافًا كَثِيرًا لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَقَ اللَّهَ حَتَّى قُتِلَ، فَذَلِكَ فِي الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ» ) .

стр. 991

وَفِي " الْمُسْنَدِ " وَ " صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ ": ( «الْقَتْلَى ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَاهَدَ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ، فَذَاكَ الشَّهِيدُ الْمُمْتَحَنُ فِي خَيْمَةِ اللَّهِ تَحْتَ عَرْشِهِ، لَا يَفْضُلُهُ النَّبِيُّونَ إِلَّا بِدَرَجَةِ النُّبُوَّةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ فَرِقَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ، قَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ، فَتِلْكَ مُمَصْمِصَةٌ مَحَتْ ذُنُوبَهُ وَخَطَايَاهُ، إِنَّ السَّيْفَ مَحَّاءُ الْخَطَايَا، وَأُدْخِلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ، فَإِنَّ لَهَا ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ، وَلِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، وَبَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَرَجُلٌ مُنَافِقٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ، قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يُقْتَلَ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِي النَّارِ، إِنَّ السَّيْفَ لَا يَمْحُو النِّفَاقَ» ) . وَصَحَّ عَنْهُ: ( «أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ أَبَدًا» ) . وَسُئِلَ أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: ( «مَنْ جَاهَدَ الْمُشْرِكِينَ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ قِيلَ: فَأَيُّ الْقَتْلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ أُهْرِيقَ دَمُهُ، وَعُقِرَ جَوَادُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ) .

стр. 992

وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ": ( «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عَنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» ) وَهُوَ لأحمد وَالنَّسَائِيِّ مُرْسَلًا. وَصَحَّ عَنْهُ: ( «أَنَّهُ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِهِ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» ) وَفِي لَفْظٍ: ( «حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ» ) . [فصل في مُبَايَعَتُهُ ﷺ أَصْحَابَهُ] فَصْلٌ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبَايِعُ أَصْحَابَهُ فِي الْحَرْبِ عَلَى أَلَّا يَفِرُّوا، وَرُبَّمَا بَايَعَهُمْ عَلَى الْمَوْتِ، وَبَايَعَهُمْ عَلَى الْجِهَادِ كَمَا بَايَعَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَبَايَعَهُمْ عَلَى الْهِجْرَةِ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَبَايَعَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَالْتِزَامِ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَبَايَعَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَلَّا يَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا.

стр. 993

(وَكَانَ السَّوْطُ يَسْقُطُ مِنْ يَدِ أَحَدِهِمْ، فَيَنْزِلُ عَنْ دَابَّتِهِ، فَيَأْخُذُهُ، وَلَا يَقُولُ لِأَحَدٍ: نَاوِلْنِي إِيَّاهُ) . وَكَانَ يُشَاوِرُ أَصْحَابَهُ فِي أَمْرِ الْجِهَادِ، وَأَمْرِ الْعَدُوِّ، وَتَخَيُّرِ الْمَنَازِلِ، وَفِي " الْمُسْتَدْرَكِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ( «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ) . ( «وَكَانَ يَتَخَلَّفُ فِي سَاقَتِهِمْ فِي الْمَسِيرِ، فَيُزْجِي الضَّعِيفَ، وَيُرْدِفُ الْمُنْقَطِعَ، وَكَانَ أَرْفَقَ النَّاسِ بِهِمْ فِي الْمَسِيرِ» ) . ( «وَكَانَ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا» ) ، فَيَقُولُ مَثَلًا إِذَا أَرَادَ غَزْوَةَ حُنَيْنٍ: كَيْفَ طَرِيقُ نَجْدٍ وَمِيَاهُهَا وَمَنْ بِهَا مِنَ الْعَدُوِّ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَكَانَ يَقُولُ: ( «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» ) . ( «وَكَانَ يَبْعَثُ الْعُيُونَ يَأْتُونَهُ بِخَبَرِ عَدُوِّهِ، وَيُطْلِعُ الطَّلَائِعَ، وَيُبَيِّتُ

стр. 994

الْحَرَسَ» ) . ( «وَكَانَ إِذَا لَقِيَ عَدُوَّهُ، وَقَفَ وَدَعَا، وَاسْتَنْصَرَ اللَّهَ، وَأَكْثَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَخَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ» ) . وَكَانَ يُرَتِّبُ الْجَيْشَ وَالْمُقَاتِلَةَ، وَيَجْعَلُ فِي كُلِّ جَنَبَةٍ كُفْئًا لَهَا، وَكَانَ يُبَارَزُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِأَمْرِهِ، وَكَانَ يَلْبَسُ لِلْحَرْبِ عُدَّتَهُ، ( «وَرُبَّمَا ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وَكَانَ لَهُ الْأَلْوِيَةُ وَالرَّايَاتُ» ) . ( «وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ، أَقَامَ بِعَرْصَتِهِمْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَفَلَ» ) . ( «وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُغِيرَ، انْتَظَرَ، فَإِنْ سَمِعَ فِي الْحَيِّ مُؤَذِّنًا، لَمْ يُغِرْ وَإِلَّا أَغَارَ» ) . ( «وَكَانَ رُبَّمَا بَيَّتَ عَدُوَّهُ، وَرُبَّمَا فَاجَأَهُمْ نَهَارًا» ) . ( «وَكَانَ يُحِبُّ الْخُرُوجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ بُكْرَةَ النَّهَارِ» ) وَكَانَ الْعَسْكَرُ إِذَا نَزَلَ

стр. 995

انْضَمَّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ كِسَاءٌ لَعَمَّهُمْ. ( «وَكَانَ يُرَتِّبُ الصُّفُوفَ وَيُعَبِّئُهُمْ عِنْدَ الْقِتَالِ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ: تَقَدَّمْ يَا فُلَانُ، تَأَخَّرْ يَا فُلَانُ» ) . وَكَانَ يَسْتَحِبُّ لِلرَّجُلِ مِنْهُمْ أَنْ يُقَاتِلَ تَحْتَ رَايَةِ قَوْمِهِ. وَكَانَ إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ، قَالَ: ( «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ» ) وَرُبَّمَا قَالَ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ - بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٥ - ٤٦] . وَكَانَ يَقُولُ: ( «اللَّهُمَّ أَنْزِلْ نَصْرَكَ» ) وَكَانَ يَقُولُ: ( «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَأَنْتَ نَصِيرِي، وَبِكَ أُقَاتِلُ» ) . وَكَانَ إِذَا اشْتَدَّ لَهُ بَأْسٌ، وَحَمِيَ الْحَرْبُ، وَقَصَدَهُ الْعَدُوُّ، يُعْلِمُ بِنَفْسِهِ وَيَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَكَانَ النَّاسُ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرْبُ اتَّقَوْا بِهِ ﷺ وَكَانَ أَقْرَبَهُمْ إِلَى الْعَدُوِّ.

стр. 996

وَكَانَ يَجْعَلُ لِأَصْحَابِهِ شِعَارًا فِي الْحَرْبِ يُعْرَفُونَ بِهِ إِذَا تَكَلَّمُوا، وَكَانَ شِعَارُهُمْ مَرَّةً: ( «أَمِتْ أَمِتْ» ) وَمَرَّةً: ( «يَا مَنْصُورُ» ) وَمَرَّةً: ( «حم لَا يُنْصَرُونَ» ) . وَكَانَ يَلْبَسُ الدِّرْعَ وَالْخُوذَةَ، وَيَتَقَلَّدُ السَّيْفَ، وَيَحْمِلُ الرُّمْحَ وَالْقَوْسَ الْعَرَبِيَّةَ، وَكَانَ يَتَتَرَّسُ بِالتُّرْسِ، وَكَانَ يُحِبُّ الْخُيَلَاءَ فِي الْحَرْبِ وَقَالَ: ( «إِنَّ مِنْهَا مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ، فَأَمَّا الْخُيَلَاءُ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ، فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَاخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الَّتِي يُبْغِضُ اللَّهُ ، فَاخْتِيَالُهُ فِي الْبَغْيِ وَالْفَخْرِ» ) . وَقَاتَلَ مَرَّةً بِالْمَنْجَنِيقِ نَصَبَهُ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ. وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ وَكَانَ يَنْظُرُ فِي الْمُقَاتِلَةِ، فَمَنْ رَآهُ أَنْبَتَ قَتَلَهُ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتِ اسْتَحْيَاهُ.

стр. 997

( «وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً يُوصِيهِمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَيَقُولُ: سِيرُوا بِسْمِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَغْدُرُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا» ) . وَكَانَ يَنْهَى عَنِ السَّفَرِ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ. وَكَانَ يَأْمُرُ أَمِيرَ سَرِيَّتِهِ أَنْ يَدْعُوَ عَدُوَّهُ قَبْلَ الْقِتَالِ إِمَّا إِلَى الْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ، أَوْ إِلَى الْإِسْلَامِ دُونَ الْهِجْرَةِ، وَيَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، لَيْسَ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ نَصِيبٌ، أَوْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوا إِلَيْهِ، قَبِلَ مِنْهُمْ، وَإِلَّا اسْتَعَانَ بِاللَّهِ وَقَاتَلَهُمْ. وَكَانَ إِذَا ظَفِرَ بِعَدُوِّهِ، أَمَرَ مُنَادِيًا، فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ كُلَّهَا، فَبَدَأَ بِالْأَسْلَابِ فَأَعْطَاهَا لِأَهْلِهَا، ثُمَّ أَخْرَجَ خُمُسَ الْبَاقِي، فَوَضَعَهُ حَيْثُ أَرَاهُ اللَّهُ، وَأَمَرَهُ بِهِ مِنْ مَصَالِحِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ يَرْضَخُ مِنَ الْبَاقِي لِمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْعَبِيدِ، ثُمَّ قَسَمَ الْبَاقِي بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَ الْجَيْشِ، لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لَهُ، وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الثَّابِتُ عَنْهُ. وَكَانَ يُنَفِّلُ مِنْ صُلْبِ الْغَنِيمَةِ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ النَّفَلُ مِنَ الْخُمُسِ، وَقِيلَ وَهُوَ أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ، بَلْ كَانَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ. وَجَمَعَ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ بَيْنَ سَهْمِ الرَّاجِلِ وَالْفَارِسِ فَأَعْطَاهُ

стр. 998

أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ لِعِظَمِ غَنَائِهِ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ. وَكَانَ يُسَوِّي الضَّعِيفَ وَالْقَوِيَّ فِي الْقِسْمَةِ مَا عَدَا النَّفَلَ. وَكَانَ إِذَا أَغَارَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ بَعَثَ سَرِيَّةً بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا غَنِمَتْ أَخْرَجَ خُمُسَهُ، وَنَفَّلَهَا رُبُعَ الْبَاقِي، وَقَسَمَ الْبَاقِيَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْجَيْشِ، وَإِذَا رَجَعَ فَعَلَ ذَلِكَ، وَنَفَّلَهَا الثُّلُثَ وَمَعَ ذَلِكَ، فَكَانَ يَكْرَهُ النَّفَلَ وَيَقُولُ: ( «لِيَرُدَّ قَوِيُّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى ضَعِيفِهِمْ» ) . «وَكَانَ لَهُ ﷺ سَهْمٌ مِنَ الْغَنِيمَةِ يُدْعَى الصَّفِيَّ، إِنْ شَاءَ عَبْدًا، وَإِنْ شَاءَ أَمَةً وَإِنْ شَاءَ فَرَسًا يَخْتَارُهُ قَبْلَ الْخُمُسِ» .

стр. 999

قَالَتْ: عائشة: ( «وَكَانَتْ صفية مِنَ الصَّفِيِّ» ) رَوَاهُ أبو داود. وَلِهَذَا جَاءَ فِي كِتَابِهِ إِلَى بَنِي زُهَيْرِ بْنِ أُقَيْشٍ ( «إِنَّكُمْ إِنْ شَهِدْتُمْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ، وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ، وَأَدَّيْتُمُ الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ وَسَهْمَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَسَهْمَ الصَّفِيِّ أَنْتُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» ) . وَكَانَ سَيْفُهُ ذُو الْفَقَارِ مِنَ الصَّفِيِّ. وَكَانَ يُسْهِمُ لِمَنْ غَابَ عَنِ الْوَقْعَةِ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا ( «أَسْهَمَ لعثمان سَهْمَهُ مِنْ بَدْرٍ، وَلَمْ يَحْضُرْهَا لِمَكَانِ تَمْرِيضِهِ لِامْرَأَتِهِ رقية ابنة رسول الله ﷺ فَقَالَ: إِنَّ عثمان انْطَلَقَ فِي حَاجَةِ اللَّهِ وَحَاجَةِ رَسُولِهِ» ) فَضَرَبَ لَهُ سَهْمَهُ وَأَجْرَهُ. وَكَانُوا يَشْتَرُونَ مَعَهُ فِي الْغَزْوِ وَيَبِيعُونَ، وَهُوَ يَرَاهُمْ وَلَا يَنْهَاهُمْ، ( «وَأَخْبَرَهُ رَجُلٌ أَنَّهُ رَبِحَ رِبْحًا لَمْ يَرْبَحْ أَحَدٌ مِثْلَهُ، فَقَالَ: " مَا هُوَ "؟ قَالَ: مَا زِلْتُ أَبِيعُ وَأَبْتَاعُ حَتَّى رَبِحْتُ ثَلَاثَمِائَةِ أُوقِيَّةٍ، فَقَالَ: أَنَا أُنَبِّئُكَ بِخَيْرِ رَجُلٍ رَبِحَ قَالَ: مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الصَّلَاةِ» ) . وَكَانُوا يَسْتَأْجِرُونَ الْأُجَرَاءَ لِلْغَزْوِ عَلَى نَوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ وَيَسْتَأْجِرَ مَنْ يَخْدِمُهُ فِي سَفَرِهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَخْرُجُ فِي

стр. 1000

الْجِهَادِ، وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ الْجَعَائِلَ، وَفِيهَا قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : ( «لِلْغَازِي أَجْرُهُ، وَلِلْجَاعِلِ أَجْرُهُ وَأَجْرُ الْغَازِي» ) . وَكَانُوا يَتَشَارَكُونَ فِي الْغَنِيمَةِ عَلَى نَوْعَيْنِ أَيْضًا. أَحَدُهُمَا: شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُلُ بَعِيرَهُ إِلَى الرَّجُلِ أَوْ فَرَسَهُ يَغْزُو عَلَيْهِ عَلَى النِّصْفِ مِمَّا يَغْنَمُ حَتَّى رُبَّمَا اقْتَسَمَا السَّهْمَ، فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا قِدْحَهُ، وَالْآخَرُ نَصْلَهُ وَرِيشَهُ. وَقَالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ: (اشْتَرَكْتُ أَنَا وعمار وسعد فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَجَاءَ سعد بِأَسِيرَيْنِ، وَلَمْ أَجِئْ أَنَا وعمار بِشَيْءٍ) . وَكَانَ يَبْعَثُ بِالسَّرِيَّةِ فُرْسَانًا تَارَةً، وَرِجَالًا أُخْرَى، وَكَانَ لَا يُسْهِمُ لِمَنْ قَدِمَ مِنَ الْمَدَدِ بَعْدَ الْفَتْحِ. [فصل في سَهْمُ ذِي الْقُرْبَى] فَصْلٌ وَكَانَ يُعْطِي سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ دُونَ إِخْوَتِهِمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ، وَقَالَ: ( «إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ» ) .

стр. 1001

[فصل في أنه ﷺ لَا يُخَمَّسُ الطَّعَامُ] فَصْلٌ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُصِيبُونَ مَعَهُ فِي مَغَازِيهِمُ الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ وَالطَّعَامَ فَيَأْكُلُونَهُ، وَلَا يَرْفَعُونَهُ فِي الْمَغَانِمِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: ( «إِنَّ جَيْشًا غَنِمُوا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا وَعَسَلًا، وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمُ الْخُمُسُ» ) ذَكَرَهُ أبو داود. ( «وَانْفَرَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ يَوْمَ خَيْبَرَ بِجِرَابِ شَحْمٍ، وَقَالَ: لَا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا، فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَتَبَسَّمَ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ شَيْئًا» ) . ( «وَقِيلَ لابن أبي أوفى: كُنْتُمْ تُخَمِّسُونَ الطَّعَامَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ، فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ» ) . ( «وَقَالَ: بَعْضُ الصَّحَابَةِ " كُنَّا نَأْكُلُ الْجَوْزَ فِي الْغَزْوِ، وَلَا نَقْسِمُهُ حَتَّى إِنْ كُنَّا لَنَرْجِعُ إِلَى رِحَالِنَا وَأَجْرِبَتُنَا مِنْهُ مَمْلُوءَةٌ» ) . [فصل في حُكْمُ النُّهْبَةِ وَالْمُثْلَةِ] فَصْلٌ وَكَانَ يَنْهَى فِي مَغَازِيهِ عَنِ النُّهْبَةِ وَالْمُثْلَةِ وَقَالَ: ( «مَنِ انْتَهَبَ نُهْبَةً فَلَيْسَ مِنَّا» )

стр. 1002

( «وَأَمَرَ بِالْقُدُورِ الَّتِي طُبِخَتْ مِنَ النُّهْبَى فَأُكْفِئَتْ» ) . وَذَكَرَ أبو داود ( «عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ النَّاسَ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ وَجَهْدٌ، وَأَصَابُوا غَنَمًا، فَانْتَهَبُوهَا وَإِنَّ قُدُورَنَا لَتَغْلِي إِذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي عَلَى قَوْسِهِ، فَأَكْفَأَ قُدُورَنَا بِقَوْسِهِ، ثُمَّ جَعَلَ يُرْمِلُ اللَّحْمَ بِالتُّرَابِ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ النُّهْبَةَ لَيْسَتْ بِأَحَلَّ مِنَ الْمَيْتَةِ، أَوْ إِنَّ الْمَيْتَةَ لَيْسَتْ بِأَحَلَّ مِنَ النُّهْبَةِ» ) . [فصل في النَّهْيُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْفَيْءِ فِي غَيْرِ حَالِ الْحَرْبِ] فَصْلٌ وَكَانَ يَنْهَى أَنْ يَرْكَبَ الرَّجُلُ دَابَّةً مِنَ الْفَيْءِ حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَأَنْ يَلْبَسَ الرَّجُلُ ثَوْبًا مِنَ الْفَيْءِ حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ وَلَمْ يَمْنَعْ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ حَالَ الْحَرْبِ. [فصل في الْغُلُولُ] فَصْلٌ وَكَانَ يُشَدِّدُ فِي الْغُلُولِ جِدًّا، وَيَقُولُ: ( «هُوَ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) .

стр. 1003

وَلَمَّا ( «أُصِيبَ غُلَامُهُ مدعم قَالُوا: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ قَالَ: كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْغَنَائِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا " فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ لَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ، فَقَالَ: " شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ» ) . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ( «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْغُلُولَ وَعَظَّمَهُ، وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، فَقَالَ: " لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ» ) . ( «وَقَالَ لِمَنْ كَانَ عَلَى ثَقَلِهِ وَقَدْ مَاتَ " هُوَ فِي النَّارِ " فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا» ) . ( «وَقَالُوا فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِمْ: " فُلَانٌ شَهِيدٌ، وَفُلَانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: وَفُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ: كَلَّا إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ

стр. 1004

عَبَاءَةٍ " ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اذْهَبْ يَا ابن الخطاب، اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ» ) . ( «وَتُوُفِّيَ رَجُلٌ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ لِذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ شَيْئًا " فَفَتَّشُوا مَتَاعَهُ، فَوَجَدُوا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ يَهُودَ لَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ» ) . ( «وَكَانَ إِذَا أَصَابَ غَنِيمَةً أَمَرَ بلالا، فَنَادَى فِي النَّاسِ، فَيَجِيئُونَ بِغَنَائِمِهِمْ، فَيُخَمِّسُهُ وَيَقْسِمُهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِزِمَامٍ مِنْ شَعْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " سَمِعْتَ بلالا نَادَى ثَلَاثًا؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِيءَ بِهِ؟ " فَاعْتَذَرَ، فَقَالَ: " كُنْ أَنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَنْ أَقْبَلَهُ مِنْكَ» ) . [فصل في تَحْرِيقُ مَتَاعِ الْغَالِّ وَضَرْبُهُ] فَصْلٌ وَأَمَرَ بِتَحْرِيقِ مَتَاعِ الْغَالِّ وَضَرْبِهِ، وَحَرَقَهُ الْخَلِيفَتَانِ الرَّاشِدَانِ بَعْدَهُ

стр. 1005

فَقِيلَ: هَذَا مَنْسُوخٌ بِسَائِرِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذُكِرَتْ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجِئِ التَّحْرِيقُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَقِيلَ -وَهُوَ الصَّوَابُ - إِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ التَّعْزِيرِ وَالْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةِ الرَّاجِعَةِ إِلَى اجْتِهَادِ الْأَئِمَّةِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، فَإِنَّهُ حَرَقَ وَتَرَكَ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَنَظِيرُ هَذَا قَتْلُ شَارِبِ الْخَمْرِ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ فَلَيْسَ بِحَدٍّ وَلَا مَنْسُوخٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْزِيرٌ يَتَعَلَّقُ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ. [فصل فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْأُسَارَى] [أسارى بدر] فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْأُسَارَى كَانَ يَمُنُّ عَلَى بَعْضِهِمْ، وَيَقْتُلُ بَعْضَهُمْ، وَيُفَادِي بَعْضَهُمْ بِالْمَالِ، وَبَعْضَهُمْ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، فَفَادَى أُسَارَى بَدْرٍ بِمَالٍ، وَقَالَ: ( «لَوْ كَانَ المطعم بن عدي حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى، لَتَرَكْتُهُمْ

стр. 1006

لَهُ» ) وَهَبَطَ عَلَيْهِ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ ثَمَانُونَ مُتَسَلِّحُونَ يُرِيدُونَ غِرَّتَهُ، فَأَسَرَهُمْ ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِمْ. وَأَسَرَ ثمامة بن أثال سَيِّدَ بَنِي حَنِيفَةَ، فَرَبَطَهُ بِسَارِيَةِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ فَأَسْلَمَ. ( «وَاسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ الصِّدِّيقُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً تَكُونُ لَهُمْ قُوَّةً عَلَى عَدُوِّهِمْ وَيُطْلِقَهُمْ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقَالَ عمر: لَا وَاللَّهِ، مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أبو بكر، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ تُمَكِّنَنَا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا، فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ أبو بكر، وَلَمْ يَهْوَ مَا قَالَ عمر، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَقْبَلَ عمر، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْكِي هُوَ وأبو بكر، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ، فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] » ) [الْأَنْفَالِ: ٦٧] .

стр. 1007

وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ، فِي أَيِّ الرَّأْيَيْنِ كَانَ أَصْوَبَ، فَرَجَّحَتْ طَائِفَةٌ قَوْلَ عمر لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَرَجَّحَتْ طَائِفَةٌ قَوْلَ أبي بكر، لِاسْتِقْرَارِ الْأَمْرِ عَلَيْهِ، وَمُوَافَقَتِهِ الْكِتَابَ الَّذِي سَبَقَ مِنَ اللَّهِ بِإِحْلَالِ ذَلِكَ لَهُمْ، وَلِمُوَافَقَتِهِ الرَّحْمَةَ الَّتِي غَلَبَتِ الْغَضَبَ، وَلِتَشْبِيهِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ فِي ذَلِكَ بِإِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى، وَتَشْبِيهِهِ لعمر بِنُوحٍ وَمُوسَى، وَلِحُصُولِ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ الَّذِي حَصَلَ بِإِسْلَامِ أَكْثَرِ أُولَئِكَ الْأَسْرَى، وَلِخُرُوجِ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلِحُصُولِ الْقُوَّةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْفِدَاءِ، وَلِمُوَافَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لأبي بكر أَوَّلًا، وَلِمُوَافَقَةِ اللَّهِ لَهُ آخِرًا حَيْثُ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى رَأْيِهِ، وَلِكَمَالِ نَظَرِ الصِّدِّيقِ، فَإِنَّهُ رَأَى مَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ حُكْمُ اللَّهِ آخِرًا، وَغَلَّبَ جَانِبَ الرَّحْمَةِ عَلَى جَانِبِ الْعُقُوبَةِ. قَالُوا: وَأَمَّا بُكَاءُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّمَا كَانَ رَحْمَةً لِنُزُولِ الْعَذَابِ لِمَنْ أَرَادَ بِذَلِكَ عَرَضَ الدُّنْيَا، وَلَمْ يُرِدْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا أبو بكر، وَإِنْ أَرَادَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، فَالْفِتْنَةُ كَانَتْ تَعُمُّ وَلَا تُصِيبُ مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ خَاصَّةً، كَمَا هُزِمَ الْعَسْكَرُ يَوْمَ حُنَيْنٍ بِقَوْلِ أَحَدِهِمْ: (لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ) وَبِإِعْجَابِ كَثْرَتِهِمْ لِمَنْ أَعْجَبَتْهُ مِنْهُمْ، فَهُزِمَ الْجَيْشُ بِذَلِكَ فِتْنَةً وَمِحْنَةً، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى النَّصْرِ وَالظَّفَرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ( «وَاسْتَأْذَنَهُ الْأَنْصَارُ أَنْ يَتْرُكُوا للعباس عَمِّهِ فِدَاءَهُ، فَقَالَ: لَا تَدَعُوا مِنْهُ دِرْهَمًا» ) .

стр. 1008

وَاسْتَوْهَبَ مِنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ جَارِيَةً نَفَّلَهُ إِيَّاهَا أبو بكر فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَوَهَبَهَا لَهُ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى مَكَّةَ، فَفَدَى بِهَا نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفَدَى رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنْ عُقَيْلٍ، وَرَدَّ سَبْيَ هَوَازِنَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَاسْتَطَابَ قُلُوبَ الْغَانِمِينَ، فَطَيَّبُوا لَهُ، وَعَوَّضَ مَنْ لَمْ يُطَيِّبْ مِنْ ذَلِكَ بِكُلِّ إِنْسَانٍ سِتَّ فَرَائِضَ، وَقَتَلَ عقبة بن أبي معيط مِنَ الْأَسْرَى، وَقَتَلَ النضر بن الحارث لِشِدَّةِ عَدَاوَتِهِمَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ( «كَانَ نَاسٌ مِنَ الْأَسْرَى لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِدَاءَهُمْ أَنْ يُعَلِّمُوا أَوْلَادَ الْأَنْصَارِ الْكِتَابَةَ» ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْفِدَاءِ بِالْعَمَلِ، كَمَا يَجُوزُ بِالْمَالِ. وَكَانَ هَدْيُهُ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْأَسْرِ، لَمْ يُسْتَرَقَّ، وَكَانَ يَسْتَرِقُّ سَبْيَ الْعَرَبِ، كَمَا يَسْتَرِقُّ غَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، ( «وَكَانَ عِنْدَ عائشة سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ» ) .

стр. 1009

وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مَرْفُوعًا: ( «مَنْ كَانَ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، فَلْيَعْتِقْ مِنْ بَلْعَنْبَرَ» ) . وَلَمَّا قَسَمَ سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَقَعَتْ جويرية بنت الحارث فِي السَّبْيِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، فَكَاتَبَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابَتَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَأُعْتِقَ بِتَزَوُّجِهِ إِيَّاهَا مِئَةٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ إِكْرَامًا لِصِهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَهِيَ مِنْ صَرِيحِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَتَوَقَّفُونَ فِي وَطْءِ سَبَايَا الْعَرَبِ عَلَى الْإِسْلَامِ، بَلْ كَانُوا يَطَئُونَهُنَّ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَأَبَاحَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْإِسْلَامَ، بَلْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] [النِّسَاءِ: ٢٤] ، فَأَبَاحَ وَطْءَ مِلْكِ الْيَمِينِ، وَإِنْ كَانَتْ مُحْصَنَةً إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالِاسْتِبْرَاءِ، (وَقَالَ لَهُ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ، لَمَّا اسْتَوْهَبَهُ الْجَارِيَةَ الْفَزَارِيَّةَ مِنَ السَّبْيِ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقَدْ أَعْجَبَتْنِي، وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا) ، وَلَوْ كَانَ وَطْؤُهَا حَرَامًا قَبْلَ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُمْ، لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْقَوْلِ مَعْنًى، وَلَمْ تَكُنْ قَدْ أَسْلَمَتْ، لِأَنَّهُ قَدْ فَدَى بِهَا نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ، وَالْمُسْلِمُ لَا يُفَادَى بِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا نَعْرِفُ فِي أَثَرٍ وَاحِدٍ قَطُّ اشْتِرَاطَ الْإِسْلَامِ مِنْهُمْ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا فِي وَطْءِ الْمَسْبِيَّةِ، فَالصَّوَابُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ هَدْيُهُ وَهَدْيُ أَصْحَابِهِ اسْتِرْقَاقُ الْعَرَبِ، وَوَطْءُ إِمَائِهِنَّ الْمَسْبِيَّاتِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ. [فصل أنه لا يفرق فِي السَّبْيِ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا] فَصْلٌ ( «وَكَانَ ﷺ يَمْنَعُ التَّفْرِيقَ فِي السَّبْيِ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، وَيَقُولُ: مَنْ فَرَّقَ

стр. 1010

بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) وَكَانَ يُؤْتَى بِالسَّبْيِ، فَيُعْطِي أَهْلَ الْبَيْتِ جَمِيعًا كَرَاهِيَةَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ. [فصل فِي هَدْيِهِ فِيمَنْ جَسَّ عَلَيْهِ] فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ فِيمَنْ جَسَّ عَلَيْهِ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَتَلَ جَاسُوسًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَثَبَتَ عَنْهُ ( «أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ حاطبا، وَقَدْ جَسَّ عَلَيْهِ، وَاسْتَأْذَنَهُ عمر فِي قَتْلِهِ فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ) فَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ لَا يَرَى قَتْلَ الْمُسْلِمِ الْجَاسُوسِ، كَالشَّافِعِيِّ، وأحمد، وأبي حنيفة ﵏، وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَرَى قَتْلَهُ، كمالك، وابن عقيل مِنْ أَصْحَابِ أحمد ﵀ وَغَيْرِهِمَا قَالُوا: لِأَنَّهُ عُلِّلَ بِعِلَّةٍ مَانِعَةٍ مِنَ الْقَتْلِ مُنْتَفِيَةٍ فِي غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الْإِسْلَامُ مَانِعًا مِنْ قَتْلِهِ، لَمْ يُعَلَّلْ بِأَخَصَّ مِنْهُ، لِأَنَّ الْحُكْمَ إِذَا عُلِّلَ بِالْأَعَمِّ، كَانَ الْأَخَصُّ عَدِيمَ التَّأْثِيرِ، وَهَذَا أَقْوَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فصل من هَدْيُهُ ﷺ عِتْقَ عَبِيدِ الْمُشْرِكِينَ] فَصْلٌ.

стр. 1011

وَكَانَ هَدْيُهُ ﷺ عِتْقَ عَبِيدِ الْمُشْرِكِينَ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَسْلَمُوا، وَيَقُولُ: ( «هُمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ » ) . وَكَانَ هَدْيُهُ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فِي يَدِهِ، فَهُوَ لَهُ، وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَى سَبَبِهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، بَلْ يُقِرُّهُ فِي يَدِهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ يُضَمِّنُ الْمُشْرِكِينَ إِذَا أَسْلَمُوا مَا أَتْلَفُوهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ نَفْسٍ، أَوْ مَالٍ حَالَ الْحَرْبِ وَلَا قَبْلَهُ، ( «وَعَزَمَ الصِّدِّيقُ عَلَى تَضْمِينِ الْمُحَارِبِينَ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ دِيَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ، فَقَالَ عمر: تِلْكَ دِمَاءٌ أُصِيبَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأُجُورُهُمْ عَلَى اللَّهِ، وَلَا دِيَةَ لِشَهِيدٍ» ) فَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى مَا قَالَ عمر، وَلَمْ يَكُنْ أَيْضًا يَرُدُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَعْيَانَ أَمْوَالِهِمُ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْهُمُ الْكُفَّارُ قَهْرًا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، بَلْ كَانُوا يَرَوْنَهَا بِأَيْدِيهِمْ، وَلَا يَتَعَرَّضُونَ لَهَا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعَقَارُ وَالْمَنْقُولُ، هَذَا هَدْيُهُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ. وَلَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ، قَامَ إِلَيْهِ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ دُورَهُمُ الَّتِي اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُشْرِكُونَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ دَارَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوهَا لِلَّهِ، وَخَرَجُوا عَنْهَا ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ، فَأَعَاضَهُمْ عَنْهَا دُورًا خَيْرًا مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فِيمَا تَرَكُوهُ لِلَّهِ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُرَخِّصْ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ بَعْدَ نُسُكِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ بَلَدَهُ لِلَّهِ، وَهَاجَرَ مِنْهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ

стр. 1012

يَعُودَ يَسْتَوْطِنَهُ، وَلِهَذَا رَثَى لسعد بن خولة، وَسَمَّاهُ بَائِسًا أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ، وَدُفِنَ بِهَا بَعْدَ هِجْرَتِهِ مِنْهَا. [فصل فِي هَدْيِهِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْنُومَةِ] فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْنُومَةِ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَسَمَ أَرْضَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَبَنِي النَّضِيرِ وَخَيْبَرَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَأَمَّا الْمَدِينَةُ، فَفُتِحَتْ بِالْقُرْآنِ، وَأَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، فَأُقِرَّتْ بِحَالِهَا. وَأَمَّا مَكَّةُ، فَفَتَحَهَا عَنْوَةً، وَلَمْ يَقْسِمْهَا، فَأَشْكَلَ عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْجَمْعُ بَيْنَ فَتْحِهَا عَنْوَةً، وَتَرْكِ قِسْمَتِهَا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لِأَنَّهَا دَارُ الْمَنَاسِكِ، وَهِيَ وَقْفٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ، وَهُمْ فِيهَا سَوَاءٌ، فَلَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهَا، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ مَنَعَ بَيْعَهَا وَإِجَارَتَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ بَيْعَ رِبَاعِهَا، وَمَنَعَ إِجَارَتَهَا، وَالشَّافِعِيُّ لَمَّا لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْعَنْوَةِ، وَبَيْنَ عَدَمِ الْقِسْمَةِ، قَالَ: إِنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا، فَلِذَلِكَ لَمْ تُقْسَمْ. قَالَ: وَلَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً، لَكَانَتْ غَنِيمَةً، فَيَجِبُ قِسْمَتُهَا كَمَا تَجِبُ قِسْمَةُ الْحَيَوَانِ وَالْمَنْقُولِ، وَلَمْ يَرَ بَأْسًا مِنْ بَيْعِ رِبَاعِ مَكَّةَ، وَإِجَارَتِهَا، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهَا مِلْكٌ لِأَرْبَابِهَا تُورَثُ عَنْهُمْ وَتُوهَبُ، وَقَدْ أَضَافَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِلَيْهِمْ إِضَافَةَ الْمِلْكِ إِلَى مَالِكِهِ، وَاشْتَرَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ دَارًا مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، ( «وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عقيل مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ» ) وَكَانَ عقيل وَرِثَ أبا طالب، فَلَمَّا كَانَ أَصْلُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْأَرْضَ مِنَ الْغَنَائِمِ، وَأَنَّ الْغَنَائِمَ تَجِبُ

стр. 1013

قِسْمَتُهَا، وَأَنَّ مَكَّةَ تُمْلَكُ وَتُبَاعُ، وَرِبَاعُهَا وَدُورُهَا لَمْ تُقْسَمْ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنَ الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا. لَكِنْ مَنْ تَأَمَّلَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ، وَجَدَهَا كُلَّهَا دَالَّةً عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ، أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً. ثُمَّ اخْتَلَفُوا لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَقْسِمْهَا؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لِأَنَّهَا دَارُ النُّسُكِ وَمَحَلُّ الْعِبَادَةِ، فَهِيَ وَقْفٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ قِسْمَتِهَا وَبَيْنَ وَقْفِهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَسَمَ خَيْبَرَ، وَلَمْ يَقْسِمْ مَكَّةَ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ. قَالُوا: وَالْأَرْضُ لَا تَدْخُلُ فِي الْغَنَائِمِ الْمَأْمُورِ بِقِسْمَتِهَا، بَلِ الْغَنَائِمُ هِيَ الْحَيَوَانُ وَالْمَنْقُولُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُحِلَّ الْغَنَائِمَ لِأُمَّةٍ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَحَلَّ لَهُمْ دِيَارَ الْكُفْرِ وَأَرْضَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٢٠] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] [الْمَائِدَةِ: ٢٠، ٢١] ، وَقَالَ فِي دِيَارِ فرعون وَقَوْمِهِ وَأَرْضِهِمْ: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] [الشُّعَرَاءِ: ٥٩] ، فَعُلِمَ أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَدْخُلُ فِي الْغَنَائِمِ، وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِيهَا بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، وَقَدْ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَرَكَ، وعمر لَمْ يَقْسِمْ، بَلْ أَقَرَّهَا عَلَى حَالِهَا وَضَرَبَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا فِي رَقَبَتِهَا يَكُونُ لِلْمُقَاتِلَةِ، فَهَذَا مَعْنَى وَقْفِهَا، لَيْسَ مَعْنَاهُ الْوَقْفَ الَّذِي يَمْنَعُ مِنْ نَقْلِ الْمِلْكِ فِي الرَّقَبَةِ، بَلْ يَجُوزُ بَيْعُ هَذِهِ الْأَرْضِ كَمَا هُوَ عَمَلُ الْأُمَّةِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا تُورَثُ، وَالْوَقْفُ لَا يُورَثُ، وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى أَنَّهَا يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ صَدَاقًا، وَالْوَقْفُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا فِي النِّكَاحِ، وَلِأَنَّ الْوَقْفَ إِنَّمَا امْتَنَعَ بَيْعُهُ وَنَقْلُ الْمِلْكِ فِي رَقَبَتِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الْبُطُونِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مِنْ مَنْفَعَتِهِ، وَالْمُقَاتِلَةُ حَقُّهُمْ فِي خَرَاجِ الْأَرْضِ، فَمَنِ اشْتَرَاهَا صَارَتْ عِنْدَهُ خَرَاجِيَّةً، كَمَا كَانَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ سَوَاءً، فَلَا يَبْطُلُ حَقُّ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِهَذَا الْبَيْعِ، كَمَا لَمْ يَبْطُلْ بِالْمِيرَاثِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَاقِ، وَنَظِيرُ هَذَا بَيْعُ رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ، وَقَدِ انْعَقَدَ فِيهِ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ بِالْكِتَابَةِ، فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُشْتَرِي مُكَاتَبًا كَمَا كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَلَا يَبْطُلُ مَا انْعَقَدَ فِي حَقِّهِ مِنْ سَبَبِ الْعِتْقِ بِبَيْعِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1014

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَمَ نِصْفَ أَرْضِ خَيْبَرَ خَاصَّةً، وَلَوْ كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْغَنِيمَةِ، لَقَسَمَهَا كُلَّهَا بَعْدَ الْخُمُسِ، فَفِي " السُّنَنِ " وَ " الْمُسْتَدْرَكِ ": ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ قَسَمَهَا عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا، جَمْعُ كُلِّ سَهْمٍ مِائَةُ سَهْمٍ، فَكَانَ لِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِلْمُسْلِمِينَ النِّصْفُ مِنْ ذَلِكَ، وَعَزَلَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ لِمَنْ نَزَلَ بِهِ مِنَ الْوُفُودِ وَالْأُمُورِ وَنَوَائِبِ النَّاسِ» ) هَذَا لَفْظُ أبي داود، وَفِي لَفْظٍ: «عَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَهُوَ الشَّطْرُ لِنَوَائِبِهِ، وَمَا يَنْزِلُ بِهِ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ الْوَطِيحَ وَالْكُتَيْبَةَ، وَالسَّلَالِمَ وَتَوَابِعَهَا» . وَفِي لَفْظٍ لَهُ أَيْضًا: ( «عَزَلَ نِصْفَهَا لِنَوَائِبِهِ وَمَا نَزَلَ بِهِ: الْوَطِيحَةَ وَالْكُتَيْبَةَ، وَمَا أُحِيزَ مَعَهُمَا، وَعَزَلَ النِّصْفَ الْآخَرَ، فَقَسَمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: الشِّقَّ وَالنَّطَاةَ، وَمَا أُحِيزَ مَعَهُمَا، وَكَانَ سَهْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا أُحِيزَ مَعَهُمَا» ) . [فصل في الْأَدِلَّةُ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً] فَصْلٌ وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ قَطُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَالَحَ أَهْلَهَا زَمَنَ الْفَتْحِ، وَلَا جَاءَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ صَالَحَهُ عَلَى الْبَلَدِ، وَإِنَّمَا جَاءَهُ أبو سفيان، فَأَعْطَاهُ الْأَمَانَ لِمَنْ دَخَلَ دَارَهُ، أَوْ أَغْلَقَ بَابَهُ، أَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، أَوْ أَلْقَى سِلَاحَهُ. وَلَوْ كَانَتْ قَدْ فُتِحَتْ

стр. 1015

صُلْحًا، لَمْ يَقُلْ: مَنْ دَخَلَ دَارَهُ، أَوْ أَغْلَقَ بَابَهُ، أَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، فَإِنَّ الصُّلْحَ يَقْتَضِي الْأَمَانَ الْعَامَّ. الثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهُ أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» ) وَفِي لَفْظٍ: ( «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» ) وَفِي لَفْظٍ: ( «فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ» ) . وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً. وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ ": ( «أَنَّهُ جَعَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُمْنَى، وَجَعَلَ الزبير عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُسْرَى، وَجَعَلَ أبا عبيدة عَلَى الْحُسَّرِ وَبَطْنِ الْوَادِي، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ادْعُ لِيَ الْأَنْصَارَ فَجَاءُوا يُهَرْوِلُونَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: انْظُرُوا إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَدًا أَنْ تَحْصُدُوهُمْ حَصْدًا، وَأَخْفَى بِيَدِهِ، وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، وَقَالَ: مَوْعِدُكُمُ الصَّفَا، قَالَ: فَمَا أَشْرَفَ يَوْمَئِذٍ لَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ، وَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّفَا، وَجَاءَتِ الْأَنْصَارُ، فَأَطَافُوا بِالصَّفَا، فَجَاءَ أبو سفيان فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ. فَقَالَ

стр. 1016

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ دَخَلَ دَارَ أبي سفيان فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ» . وَأَيْضًا، «فَإِنَّ أم هانئ أَجَارَتْ رَجُلًا، فَأَرَادَ علي بن أبي طَالِبٍ قَتْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أم هانئ» ) وَفِي لَفْظٍ عَنْهَا: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، أَجَرْتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَحْمَائِي، فَأَدْخَلْتُهُمَا بَيْتًا، وَأَغْلَقْتُ عَلَيْهِمَا بَابًا، فَجَاءَ ابْنُ أُمِّي علي فَتَفَلَّتَ عَلَيْهِمَا بِالسَّيْفِ، فَذَكَرْتُ حَدِيثَ الْأَمَانِ، وَقَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أم هانئ» ) وَذَلِكَ ضُحًى بِجَوْفِ مَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ. فَإِجَارَتُهَا لَهُ، وَإِرَادَةُ علي ﵁ قَتْلَهُ، وَإِمْضَاءُ النَّبِيِّ ﷺ إِجَارَتَهَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ مقيس بن صبابة، وابن خطل، وَجَارِيَتَيْنِ، وَلَوْ كَانَتْ فُتِحَتْ صُلْحًا، لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَكَانَ ذِكْرُ هَؤُلَاءِ مُسْتَثْنًى مِنْ عَقْدِ الصُّلْحِ، وَأَيْضًا فَفِي " السُّنَنِ " بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، قَالَ: أَمِّنُوا النَّاسَ إِلَّا امْرَأَتَيْنِ، وَأَرْبَعَةَ نَفَرٍ. اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ» ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1017

[فصل في الْإِقَامَةُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ] فَصْلٌ وَمَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِقَامَةِ الْمُسْلِمِ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَقَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلِمَ؟ قَالَ: لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» . وَقَالَ: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ» . وَقَالَ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» ، وَقَالَ: «سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ، فَخِيَارُ أَهْلِ

стр. 1018

الْأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ، وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا، تَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ، تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ، وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ» . [فصل فِي هَدْيِهِ فِي الْأَمَانِ وَالصُّلْحِ وَمُعَامَلَةِ رُسُلِ الْكُفَّارِ وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ] فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ فِي الْأَمَانِ، وَالصُّلْحِ، وَمُعَامَلَةِ رُسُلِ الْكُفَّارِ، وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ، وَمُعَامَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالْمُنَافِقِينَ، وَإِجَارَةِ مَنْ جَاءَهُ مِنَ الْكُفَّارِ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، وَرَدِّهِ إِلَى مَأْمَنِهِ، وَوَفَائِهِ بِالْعَهْدِ، وَبَرَاءَتِهِ مِنَ الْغَدْرِ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» ) . وَقَالَ: ( «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا

стр. 1019

فَعَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» ) . وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلَّنَّ عُقْدَةً وَلَا يَشُدَّهَا حَتَّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ، أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ» ) . وَقَالَ: ( «مَنْ أَمَّنَ رَجُلًا عَلَى نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ، فَأَنَا بَرِيءٌ مِنَ الْقَاتِلِ» ) . وَفِي لَفْظٍ: « (أُعْطِيَ لِوَاءَ غَدْرَةٍ» ) وَقَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ» ) .

стр. 1020

وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «مَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إِلَّا أُدِيلَ عَلَيْهِمُ الْعَدُوُّ» ) . [فصل في تَقْرِيرُ مَصِيرِ الْكُفَّارِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ] فَصْلٌ وَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، صَارَ الْكُفَّارُ مَعَهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ صَالَحَهُمْ وَوَادَعَهُمْ عَلَى أَلَّا يُحَارِبُوهُ، وَلَا يُظَاهِرُوا عَلَيْهِ، وَلَا يُوَالُوا عَلَيْهِ عَدُوَّهُ، وَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ آمِنُونَ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. وَقِسْمٌ: حَارَبُوهُ وَنَصَبُوا لَهُ الْعَدَاوَةَ. وَقِسْمٌ: تَارَكُوهُ، فَلَمْ يُصَالِحُوهُ، وَلَمْ يُحَارِبُوهُ، بَلِ انْتَظَرُوا مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُ، وَأَمْرُ أَعْدَائِهِ، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ كَانَ يُحِبُّ ظُهُورَهُ، وَانْتِصَارَهُ فِي الْبَاطِنِ، وَمِنْهُمْ: مَنْ كَانَ يُحِبُّ ظُهُورَ عَدُوِّهِ عَلَيْهِ وَانْتِصَارَهُمْ، وَمِنْهُمْ: مَنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي الظَّاهِرِ، وَهُوَ مَعَ عَدُوِّهِ فِي الْبَاطِنِ، لِيَأْمَنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُنَافِقُونَ، فَعَامَلَ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ ﵎. فَصَالَحَ يَهُودَ الْمَدِينَةِ، وَكَتَبَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ كِتَابَ أَمْنٍ، وَكَانُوا ثَلَاثَ طَوَائِفَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ: بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَبَنِي النَّضِيرِ، وَبَنِي قُرَيْظَةَ، فَحَارَبَتْهُ بَنُو قَيْنُقَاعَ بَعْدَ
следующие страницы →