Полный текст (2 628 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
كَالْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ سَوَاءٌ، فَمَنْ فَهِمَ مِنَ الْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ الْأَحْمَرَ الْبَحْتَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الْبُرْدَ الْأَخْضَرَ كَانَ أَخْضَرَ بَحْتًا، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ.
وَكَانَتْ مِخَدَّتُهُ ﷺ مِنْ أُدُمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَالَّذِينَ يَمْتَنِعُونَ عَمَّا أَبَاحَ اللَّهُ مِنَ الْمَلَابِسِ وَالْمَطَاعِمِ وَالْمَنَاكِحِ تَزَهُّدًا وَتَعَبُّدًا بِإِزَائِهِمْ طَائِفَةٌ قَابَلُوهُمْ، فَلَا يَلْبَسُونَ إِلَّا أَشْرَفَ الثِّيَابِ، وَلَا يَأْكُلُونَ إِلَّا أَلْيَنَ الطَّعَامِ، فَلَا يَرَوْنَ لُبْسَ الْخَشِنِ وَلَا أَكْلَهُ تَكَبُّرًا وَتَجَبُّرًا، وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ هَدْيُهُ مُخَالِفٌ لِهَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كَانُوا يَكْرَهُونَ الشُّهْرَتَيْنِ مِنَ الثِّيَابِ الْعَالِي وَالْمُنْخَفِضِ، وَفِي السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ : ( «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ ثُمَّ تَلَهَّبُ فِيهِ النَّارُ» ) وَهَذَا لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ الِاخْتِيَالَ وَالْفَخْرَ، فَعَاقَبَهُ اللَّهُ بِنَقِيضِ ذَلِكَ فَأَذَلَّهُ كَمَا عَاقَبَ مَنْ أَطَالَ ثِيَابَهُ خُيَلَاءَ بِأَنْ خَسَفَ بِهِ الْأَرْضَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) وَفِي
стр. 107
"السُّنَنِ" عَنْهُ أَيْضًا ﷺ ، قَالَ: ( «الْإِسْبَالُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ مَنْ جَرَّ شَيْئًا مِنْهَا خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) وَفِي السُّنَنِ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا قَالَ: مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْإِزَارِ فَهُوَ فِي الْقَمِيصِ» ، وَكَذَلِكَ لُبْسُ الدَّنِيءِ مِنَ الثِّيَابِ يُذَمُّ فِي مَوْضِعٍ وَيُحْمَدُ فِي مَوْضِعٍ، فَيُذَمُّ إِذَا كَانَ شُهْرَةً وَخُيَلَاءَ، وَيُمْدَحُ إِذَا كَانَ تَوَاضُعًا وَاسْتِكَانَةً، كَمَا أَنَّ لُبْسَ الرَّفِيعِ مِنَ الثِّيَابِ، يُذَمُّ إِذَا كَانَ تَكَبُّرًا وَفَخْرًا وَخُيَلَاءَ، وَيُمْدَحُ إِذَا كَانَ تَجَمُّلًا وَإِظْهَارًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ، فَفِي صَحِيحِ مسلم، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنًا وَنَعْلِي حَسَنَةً أَفَمِنَ الْكِبْرِ ذَاكَ؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» ) .
стр. 108
[فَصْلٌ هَدْيُهُ ﷺ فِي الطَّعَامِ]
فَصْلٌ
وَكَذَلِكَ كَانَ هَدْيُهُ ﷺ وَسِيرَتُهُ فِي الطَّعَامِ لَا يَرُدُّ مَوْجُودًا وَلَا يَتَكَلَّفُ مَفْقُودًا، فَمَا قُرِّبَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الطَّيِّبَاتِ إِلَّا أَكَلَهُ، إِلَّا أَنْ تَعَافَهُ نَفْسُهُ فَيَتْرُكَهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ ( «وَمَا عَابَ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ» ) كَمَا تَرَكَ أَكْلَ الضَّبِّ لَمَّا لَمْ يَعْتَدْهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهُ عَلَى الْأُمَّةِ، بَلْ أُكِلَ عَلَى مَائِدَتِهِ وَهُوَ يَنْظُرُ.
وَأَكَلَ الْحَلْوَى، وَالْعَسَلَ وَكَانَ يُحِبُّهُمَا، وَأَكَلَ لَحْمَ الْجَزُورِ وَالضَّأْنِ وَالدَّجَاجِ، وَلَحْمَ الْحُبَارَى، وَلَحْمَ حِمَارِ الْوَحْشِ وَالْأَرْنَبِ، وَطَعَامَ الْبَحْرِ، وَأَكَلَ الشِّوَاءَ، وَأَكَلَ الرُّطَبَ وَالتَّمْرَ، وَشَرِبَ اللَّبَنَ خَالِصًا وَمَشُوبًا، وَالسَّوِيقَ، وَالْعَسَلَ بِالْمَاءِ، وَشَرِبَ نَقِيعَ التَّمْرِ، وَأَكَلَ الْخَزِيرَةَ وَهِيَ حِسَاءٌ يُتَّخَذُ مِنَ اللَّبَنِ وَالدَّقِيقِ، وَأَكَلَ الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ وَأَكَلَ الْأَقِطَ، وَأَكَلَ التَّمْرَ بِالْخُبْزِ، وَأَكَلَ الْخُبْزَ بِالْخَلِّ، وَأَكَلَ الثَّرِيدَ وَهُوَ الْخُبْزُ بِاللَّحْمِ، وَأَكَلَ الْخُبْزَ بِالْإِهَالَةِ وَهِيَ الْوَدَكُ، وَهُوَ الشَّحْمُ الْمُذَابُ، وَأَكَلَ مِنَ الْكَبِدِ الْمَشْوِيَّةِ، وَأَكَلَ الْقَدِيدَ، وَأَكَلَ الدُّبَّاءَ الْمَطْبُوخَةَ وَكَانَ يُحِبُّهَا، وَأَكَلَ الْمَسْلُوقَةَ وَأَكَلَ الثَّرِيدَ بِالسَّمْنِ، وَأَكَلَ الْجُبْنَ، وَأَكَلَ الْخُبْزَ بِالزَّيْتِ، وَأَكَلَ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ، وَأَكَلَ التَّمْرَ بِالزُّبْدِ وَكَانَ يُحِبُّهُ، وَلَمْ يَكُنْ يَرُدُّ طَيِّبًا وَلَا يَتَكَلَّفُهُ، بَلْ كَانَ هَدْيُهُ أَكْلَ مَا تَيَسَّرَ، فَإِنْ أَعْوَزَهُ صَبَرَ حَتَّى إِنَّهُ لَيَرْبِطُ عَلَى بَطْنِهِ الْحَجَرَ مِنَ الْجُوعِ، وَيُرَى الْهِلَالُ وَالْهِلَالُ وَالْهِلَالُ وَلَا يُوقَدُ فِي بَيْتِهِ نَارٌ.
وَكَانَ مُعْظَمُ مَطْعَمِهِ يُوضَعُ عَلَى الْأَرْضِ فِي السُّفْرَةِ وَهِيَ كَانَتْ مَائِدَتَهُ، وَكَانَ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ وَيَلْعَقُهَا إِذَا فَرَغَ، وَهُوَ أَشْرَفُ مَا يَكُونُ مِنَ الْأَكْلَةِ، فَإِنَّ الْمُتَكَبِّرَ يَأْكُلُ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ، وَالْجَشِعَ الْحَرِيصَ يَأْكُلُ بِالْخَمْسِ وَيَدْفَعُ بِالرَّاحَةِ.
стр. 109
وَكَانَ لَا يَأْكُلُ مُتَّكِئًا، وَالِاتِّكَاءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ، أَحَدُهَا: الِاتِّكَاءُ عَلَى الْجَنْبِ، وَالثَّانِي: التَّرَبُّعُ، وَالثَّالِثُ: الِاتِّكَاءُ عَلَى إِحْدَى يَدَيْهِ وَأَكْلُهُ بِالْأُخْرَى، وَالثَّلَاثُ مَذْمُومَةٌ.
وَكَانَ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى عَلَى أَوَّلِ طَعَامِهِ، وَيَحْمَدُهُ فِي آخِرِهِ فَيَقُولُ عِنْدَ انْقِضَائِهِ: ( «الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبُّنَا» ) . وَرُبَّمَا قَالَ: ( «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ، مَنَّ عَلَيْنَا فَهَدَانَا وَأَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكُلَّ بَلَاءٍ حَسَنٍ أَبْلَانَا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ مِنَ الطَّعَامِ، وَسَقَى مِنَ الشَّرَابِ، وَكَسَا مِنَ الْعُرْيِ، وَهَدَى مِنَ الضَّلَالَةِ وَبَصَّرَ مِنَ الْعَمَى، وَفَضَّلَ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» ) .
وَرُبَّمَا قَالَ: ( «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِيِ أَطْعَمَ وَسَقَى وَسَوَّغَهُ» ) .
وَكَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ لَعِقَ أَصَابِعَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنَادِيلُ يَمْسَحُونَ بِهَا أَيْدِيَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ عَادَتُهُمْ غَسْلَ أَيْدِيهِمْ كُلَّمَا أَكَلُوا.
وَكَانَ أَكْثَرُ شُرْبِهِ قَاعِدًا، بَلْ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا وَشَرِبَ مَرَّةً
стр. 110
قَائِمًا. فَقِيلَ: هَذَا نَسْخٌ لِنَهْيِهِ، وَقِيلَ: بَلْ فَعَلَهُ لِبَيَانِ جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ شَرِبَ فِيهَا قَائِمًا لِعُذْرٍ، وَسِيَاقُ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْتَقُونَ مِنْهَا فَأَخَذَ الدَّلْوَ وَشَرِبَ قَائِمًا.
وَالصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ النَّهْيُ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا وَجَوَازُهُ لِعُذْرٍ يَمْنَعُ مِنَ الْقُعُودِ، وَبِهَذَا تُجْمِعُ أَحَادِيثُ الْبَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَ إِذَا شَرِبَ نَاوَلَ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَإِنْ كَانَ مَنْ عَلَى يَسَارِهِ أَكْبَرَ مِنْهُ.
стр. 111
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ فِي النِّكَاحِ وَمُعَاشَرَتِهِ ﷺ أَهْلَهُ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ فِي النِّكَاحِ وَمُعَاشَرَتِهِ ﷺ أَهْلَهُ
صَحَّ عَنْهُ ﷺ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: ( «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ: النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» ) هَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ، وَمَنْ رَوَاهُ ( «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ» ) فَقَدْ وَهِمَ، وَلَمْ يَقُلْ ﷺ ثَلَاثٌ، وَالصَّلَاةُ لَيْسَتْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا الَّتِي تُضَافُ إِلَيْهَا. وَكَانَ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ أَحَبَّ شَيْءٍ إِلَيْهِ، وَكَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَكَانَ قَدْ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ فِي الْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ، وَأَبَاحَ اللَّهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يُبِحْهُ لِأَحَدٍ مِنْ أُمَّتِهِ.
وَكَانَ يَقْسِمُ بَيْنَهُنَّ فِي الْمَبِيتِ وَالْإِيوَاءِ وَالنَّفَقَةِ، وَأَمَّا الْمَحَبَّةُ فَكَانَ يَقُولُ: ( «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ» ) فَقِيلَ: هُوَ الْحُبُّ وَالْجِمَاعُ، وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَمْلِكُ. وَهَلْ كَانَ الْقَسْمُ وَاجِبًا عَلَيْهِ أَوْ كَانَ لَهُ مُعَاشَرَتُهُنَّ مِنْ غَيْرِ قَسْمٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْفُقَهَاءِ. فَهُوَ أَكْثَرُ الْأُمَّةِ نِسَاءً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ( «تَزَوَّجُوا فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً» )
стр. 112
وَطَلَّقَ ﷺ وَرَاجَعَ، وَآلَى إِيلَاءً مُؤَقَّتًا بِشَهْرٍ، وَلَمْ يُظَاهِرْ أَبَدًا، وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ ظَاهَرَ خَطَأً عَظِيمًا، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ هُنَا تَنْبِيهًا عَلَى قُبْحِ خَطَئِهِ وَنِسْبَتِهِ إِلَى مَا بَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْهُ.
وَكَانَتْ سِيرَتُهُ مَعَ أَزْوَاجِهِ حُسْنَ الْمُعَاشَرَةِ وَحُسْنَ الْخُلُقِ.
وَكَانَ يُسَرِّبُ إِلَى عائشة بِنَاتِ الْأَنْصَارِ يَلْعَبْنَ مَعَهَا. وَكَانَ إِذَا هَوِيَتْ شَيْئًا لَا مَحْذُورَ فِيهِ تَابَعَهَا عَلَيْهِ، وَكَانَتْ إِذَا شَرِبَتْ مِنَ الْإِنَاءِ أَخَذَهُ فَوَضَعَ فَمَهُ فِي مَوْضِعِ فَمِهَا وَشَرِبَ، وَكَانَ إِذَا تَعَرَّقَتْ عَرْقًا - وَهُوَ الْعَظْمُ الَّذِي عَلَيْهِ لَحْمٌ - أَخَذَهُ فَوَضَعَ فَمَهُ مَوْضِعَ فَمِهَا، وَكَانَ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِهَا وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِهَا وَرُبَّمَا كَانَتْ حَائِضًا، وَكَانَ يَأْمُرُهَا وَهِيَ حَائِضٌ فَتَتَّزِرُ ثُمَّ يُبَاشِرُهَا، وَكَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ مِنْ لُطْفِهِ وَحُسْنِ خُلُقِهِ مَعَ أَهْلِهِ أَنَّهُ يُمَكِّنُهَا مِنَ اللَّعِبِ وَيُرِيهَا الْحَبَشَةَ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي مَسْجِدِهِ وَهِيَ مُتَّكِئَةٌ عَلَى مَنْكِبَيْهِ تَنْظُرُ، وَسَابَقَهَا فِي السَّفَرِ عَلَى الْأَقْدَامِ مَرَّتَيْنِ، وَتَدَافَعَا فِي خُرُوجِهِمَا مِنَ الْمَنْزِلِ مَرَّةً.
( «وَكَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَلَمْ يَقْضِ لِلْبَوَاقِي شَيْئًا» ) وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ.
وَكَانَ يَقُولُ: ( «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» ) .
وَرُبَّمَا مَدَّ يَدَهُ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فِي حَضْرَةِ بَاقِيهِنَّ.
стр. 113
وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فَدَنَا مِنْهُنَّ وَاسْتَقْرَأَ أَحْوَالَهُنَّ، فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ انْقَلَبَ إِلَى بَيْتِ صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ فَخَصَّهَا بِاللَّيْلِ. وَقَالَتْ عائشة ( «كَانَ لَا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي مُكْثِهِ عِنْدَهُنَّ فِي الْقَسْمِ، وَقَلَّ يَوْمٌ إِلَّا كَانَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ حَتَّى يَبْلُغَ الَّتِي هُوَ فِي نَوْبَتِهَا فَيَبِيتَ عِنْدَهَا» )
وَكَانَ يُقَسِّمُ لِثَمَانٍ مِنْهُنَّ دُونَ التَّاسِعَةِ، وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ مسلم مِنْ قَوْلِ عطاء أَنَّ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يُقْسِمُ لَهَا هِيَ صفية بنت حيي، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْ عطاء ﵀، وَإِنَّمَا هِيَ سودة، فَإِنَّهَا لَمَّا كَبِرَتْ وَهَبَتْ نَوْبَتَهَا لعائشة.
وَكَانَ ﷺ يَقْسِمُ لعائشة يَوْمَهَا وَيَوْمَ سودة، وَسَبَبُ هَذَا الْوَهْمِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - «أَنَّهُ كَانَ قَدْ وَجَدَ عَلَى صفية فِي شَيْءٍ، فَقَالَتْ لعائشة: هَلْ لَكِ أَنْ تُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِّي وَأَهَبُ لَكِ يَوْمِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَعَدَتْ عائشة إِلَى جَنْبِ النَّبِيِّ ﷺ فِي يَوْمِ صفية، فَقَالَ: (إِلَيْكِ عَنِّي يَا عائشة فَإِنَّهُ لَيْسَ يَوْمَكِ، فَقَالَتْ: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَأَخْبَرَتْهُ بِالْخَبَرِ فَرَضِيَ عَنْهَا» ) وَإِنَّمَا كَانَتْ وَهَبَتْهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَتِلْكَ النَّوْبَةَ الْخَاصَّةَ، وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ وَإِلَّا كَانَ يَكُونُ
стр. 114
الْقَسْمُ لِسَبْعٍ مِنْهُنَّ وَهُوَ خِلَافُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّ الْقَسْمَ كَانَ لِثَمَانٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوِ اتَّفَقَتْ مِثْلُ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ لِمَنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ زَوْجَتَيْنِ فَوَهَبَتْ إِحْدَاهُنَّ يَوْمَهَا لِلْأُخْرَى فَهَلْ لِلزَّوْجِ أَنْ يُوَالِيَ بَيْنَ لَيْلَةِ الْمَوْهُوبَةِ وَلَيْلَتِهَا الْأَصْلِيَّةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَيْلَةُ الْوَاهِبَةِ تَلِيهَا؟ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ لَيْلَتَهَا هِيَ اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَتْ تَسْتَحِقُّهَا الْوَاهِبَةُ بِعَيْنِهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أحمد وَغَيْرِهِ.
وَكَانَ ﷺ يَأْتِي أَهْلَهُ آخِرَ اللَّيْلِ وَأَوَّلَهُ، فَكَانَ إِذَا جَامَعَ أَوَّلَ اللَّيْلِ رُبَّمَا اغْتَسَلَ وَنَامَ، وَرُبَّمَا تَوَضّأَ وَنَامَ. وَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ عَنِ الأسود، عَنْ عائشة «أَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا نَامَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً» ، وَهُوَ غَلَطٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَشْبَعْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ " تَهْذِيبِ سُنَنِ أبي داود " وَإِيضَاحِ عِلَلِهِ وَمُشْكِلَاتِهِ.
وَكَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ
стр. 115
فَعَلَ هَذَا وَهَذَا.
وَكَانَ إِذَا سَافَرَ وَقَدِمَ لَمْ يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ وَسِيرَتِهِ ﷺ فِي نَوْمِهِ وَانْتِبَاهِهِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ وَسِيرَتِهِ ﷺ فِي نَوْمِهِ وَانْتِبَاهِهِ
كَانَ يَنَامُ عَلَى الْفِرَاشِ تَارَةً، وَعَلَى النِّطْعِ تَارَةً، وَعَلَى الْحَصِيرِ تَارَةً، وَعَلَى الْأَرْضِ تَارَةً، وَعَلَى السَّرِيرِ تَارَةً بَيْنَ رِمَالِهِ وَتَارَةً عَلَى كِسَاءٍ أَسْوَدَ.
قَالَ عباد بن تميم، عَنْ عَمِّهِ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى» .
وَكَانَ فِرَاشُهُ أُدُمًا حَشْوُهُ لِيفٌ. وَكَانَ لَهُ مِسْحٌ يَنَامُ عَلَيْهِ يُثْنَى بِثَنْيَتَيْنِ، وَثُنِيَ لَهُ يَوْمًا أَرْبَعُ ثَنَيَاتٍ فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: ( «رُدُّوهُ إِلَى حَالِهِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ مَنَعَنِي صَلَاتِي اللَّيْلَةَ» )
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ نَامَ عَلَى الْفِرَاشِ وَتَغَطَّى بِاللِّحَافِ وَقَالَ لِنِسَائِهِ: ( «مَا أَتَانِي جِبْرِيلُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرَ عائشة» ) .
وَكَانَتْ وِسَادَتُهُ أُدُمًا حَشْوُهَا لِيفٌ.
стр. 116
«وَكَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ لِلنَّوْمِ قَالَ: (بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَحْيَا وَأَمُوتُ» )
( «وَكَانَ يَجْمَعُ كَفَّيْهِ ثُمَّ يَنْفُثُ فِيهِمَا) وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ، وَوَجْهِهِ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» .
«وَكَانَ يَنَامُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَيَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ) » . وَكَانَ يَقُولُ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ: ( «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ» ) ذَكَرَهُ مسلم. وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ ( «اللَّهُمَّ رَبَّ
стр. 117
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ» )
وَكَانَ إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ فِي اللَّيْلِ قَالَ: ( «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» )
وَكَانَ إِذَا انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ قَالَ: ( «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» ) . ثُمَّ يَتَسَوَّكُ، وَرُبَّمَا قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ مِنْ آخِرِ (آلِ عِمْرَانَ) مِنْ قَوْلِهِ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إِلَى آخِرِهَا [آلِ عِمْرَانَ:
стр. 118
١٩٠ - ٢٠٠] .
وَقَالَ ( «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» )
وَكَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ آخِرَهُ، وَرُبَّمَا سَهِرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ. وَكَانَ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقِظُوهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَسْتَيْقِظُ.
«وَكَانَ إِذَا عَرَّسَ بِلَيْلٍ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْحِ نَصَبَ ذِرَاعَهُ وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ» ، هَكَذَا قَالَ الترمذي. وَقَالَ
стр. 119
أبو حاتم فِي صَحِيحِهِ: «كَانَ إِذَا عَرَّسَ بِاللَّيْلِ تَوَسَّدَ يَمِينَهُ، وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْحِ نَصَبَ سَاعِدَهُ» ، وَأَظُنُّ هَذَا وَهْمًا وَالصَّوَابُ حَدِيثُ الترمذي.
وَقَالَ أبو حاتم: وَالتَّعْرِيسُ إِنَّمَا يَكُونُ قُبَيْلَ الصُّبْحِ.
وَكَانَ نَوْمُهُ أَعْدَلَ النَّوْمِ، وَهُوَ أَنْفَعُ مَا يَكُونُ مِنَ النَّوْمِ، وَالْأَطِبَّاءُ يَقُولُونَ: هُوَ ثُلُثُ اللَّيْلِ وَالنِّهَارِ ثَمَانُ سَاعَاتٍ.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الرُّكُوبِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الرُّكُوبِ
رَكِبَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، وَرَكِبَ الْفَرَسَ مُسْرَجَةً تَارَةً وَعَرِيًّا أُخْرَى، وَكَانَ يُجْرِيهَا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَكَانَ يَرْكَبُ وَحْدَهُ وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَرُبَّمَا أَرْدَفَ خَلْفَهُ عَلَى الْبَعِيرِ، وَرُبَّمَا أَرْدَفَ خَلْفَهُ وَأَرْكَبَ أَمَامَهُ وَكَانُوا ثَلَاثَةً عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْدَفَ الرِّجَالَ وَأَرْدَفَ بَعْضَ نِسَائِهِ، وَكَانَ أَكْثَرَ مَرَاكِبِهِ الْخَيْلُ وَالْإِبِلُ.
وَأَمَّا الْبِغَالُ فَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا بَغْلَةٌ وَاحِدَةٌ أَهْدَاهَا لَهُ بَعْضُ الْمُلُوكِ، وَلَمْ تَكُنِ الْبِغَالُ مَشْهُورَةً بِأَرْضِ الْعَرَبِ، بَلْ «لَمَّا أُهْدِيَتْ لَهُ الْبَغْلَةُ قِيلَ: أَلَا نُنْزِيَ الْخَيْلَ عَلَى الْحُمُرِ؟ فَقَالَ: (إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) »
[فَصْلٌ في اتِّخَاذُ الْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ]
فَصْلٌ وَاتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغَنَمَ. وَكَانَ لَهُ مِائَةُ شَاةٍ، وَكَانَ لَا يُحِبُّ أَنْ تَزِيدَ عَلَى مِائَةٍ فَإِذَا زَادَتْ بَهْمَةً ذَبَحَ مَكَانَهَا أُخْرَى
وَاتَّخَذَ الرَّقِيقَ مِنَ الْإِمَاءِ وَالْعَبِيدِ، وَكَانَ مَوَالِيهِ وَعُتَقَاؤُهُ مِنَ الْعَبِيدِ أَكْثَرَ مِنَ الْإِمَاءِ
وَقَدْ رَوَى الترمذي فِي "جَامِعِهِ"
стр. 120
مِنْ حَدِيثِ أبي أمامة وَغَيْرِهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «أَيُّمَا امْرِئٍ أَعْتَقَ امْرءًا مُسْلِمًا، كَانَ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ يُجْزِئُ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ، وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ يُجْزِئُ كُلُّ عُضْوَيْنِ مِنْهُمَا عُضْوًا مِنْهُ» ) وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِتْقَ الْعَبْدِ أَفْضَلُ، وَأَنَّ عِتْقَ الْعَبْدِ يَعْدِلُ عِتْقَ أَمَتَيْنِ، فَكَانَ أَكْثَرُ عُتَقَائِهِ ﷺ مِنَ الْعَبِيدِ، وَهَذَا أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الْخَمْسَةِ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا الْأُنْثَى عَلَى النِّصْفِ مِنَ الذَّكَرِ
وَالثَّانِي: الْعَقِيقَةُ، فَإِنَّهُ عَنِ الْأُنْثَى شَاةٌ، وَعَنِ الذَّكَرِ شَاتَانِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَفِيهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ صِحَاحٍ وَحِسَانٍ. وَالثَّالِثُ: الشَّهَادَةُ فَإِنَّ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ. وَالرَّابِعُ: الْمِيرَاثُ. وَالْخَامِسُ: الدِّيَةُ.
[فَصْلٌ هَدْيُهُ ﷺ فِي الْعُقُودِ]
فَصْلٌ
وَبَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاشْتَرَى، وَكَانَ شِرَاؤُهُ بَعْدَ أَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِرِسَالَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ بَيْعِهِ، وَكَذَلِكَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ لَا يَكَادُ يُحْفَظُ عَنْهُ الْبَيْعُ إِلَّا فِي قَضَايَا يَسِيرَةٍ أَكْثَرُهَا لِغَيْرِهِ، كَبَيْعِهِ الْقَدَحَ وَالْحِلْسَ فِيمَنْ يَزِيدُ، وَبَيْعِهِ يعقوب المدبر غلام أبي مذكور، وَبَيْعِهِ عَبْدًا أَسْوَدَ بِعَبْدَيْنِ.
وَأَمَّا شِرَاؤُهُ فَكَثِيرٌ، وَآجَرَ وَاسْتَأْجَرَ، وَاسْتِئْجَارُهُ أَكْثَرُ مِنْ إِيجَارِهِ، وَإِنَّمَا يُحْفَظُ عَنْهُ أَنَّهُ أَجَّرَ نَفْسَهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ فِي رِعَايَةِ الْغَنَمِ ( «وَأَجَّرَ نَفْسَهُ مِنْ خديجة فِي سَفَرِهِ بِمَالِهَا إِلَى الشَّامِ» )
وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ مُضَارَبَةً، فَالْمَضَارِبُ أَمِينٌ، وَأَجِيرٌ، وَوَكِيلٌ، وَشَرِيكٌ،
стр. 121
فَأَمِينٌ إِذَا قَبَضَ الْمَالَ، وَوَكِيلٌ إِذَا تَصَرَّفَ فِيهِ، وَأَجِيرٌ فِيمَا يُبَاشِرُهُ بِنَفْسِهِ مِنَ الْعَمَلِ، وَشَرِيكٌ إِذَا ظَهَرَ فِيهِ الرِّبْحُ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الحاكم فِي "مُسْتَدْرَكِهِ" مِنْ حَدِيثِ الربيع بن بدر، عَنْ أبي الزبير، عَنْ جابر قَالَ: ( «آجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ مِنْ خديجة بنت خويلد سَفْرَتَيْنِ إِلَى جُرَشَ كُلُّ سَفْرَةٍ بِقَلُوصٍ» ) وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
قَالَ فِي "النِّهَايَةِ": جُرَشُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ مِنْ مَخَالِيفِ الْيَمَنِ، وَهُوَ بِفَتْحِهِمَا بَلَدٌ بِالشَّامِ.
قُلْتُ: إِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ، فَإِنَّمَا هُوَ الْمَفْتُوحُ الَّذِي بِالشَّامِ، وَلَا يَصِحُّ، فَإِنَّ الربيع بن بدر هَذَا هُوَ عُلَيْلَةُ، ضَعَّفَهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ. قَالَ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، والأزدي: مَتْرُوكٌ، وَكَأَنَّ الحاكم ظَنَّهُ الربيع بن بدر مولى طلحة بن عبيد الله.
وَشَارَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ، قَالَ: أَمَا تَعْرِفُنِي؟ قَالَ " «أَمَا كُنْتَ شَرِيكِي؟ فَنِعْمَ الشَّرِيكُ كُنْتَ لَا تُدَارِي وَلَا تُمَارِي» ".
وَتُدَارِئُ بِالْهَمْزَةِ مِنَ الْمُدَارَأَةِ، وَهِيَ مُدَافَعَةُ الْحَقِّ، فَإِنْ تُرِكَ هَمْزُهَا، صَارَتْ مِنَ الْمُدَارَاةِ، وَهِيَ الْمُدَافَعَةُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
وَوَكَّلَ وَتَوَكَّلَ، وَكَانَ تَوْكِيلُهُ أَكْثَرَ مِنْ تَوَكُّلِهِ.
وَأَهْدَى، وَقَبِلَ الْهَدِيَّةَ، وَأَثَابَ عَلَيْهَا، وَوَهَبَ وَاتَّهَبَ، فَقَالَ لِسَلَمَةَ بْنِ
стр. 122
الْأَكْوَعِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ جَارِيَةٌ: "هَبْهَا لِي" فَوَهَبَهَا لَهُ، فَفَادَى بِهَا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أُسَارَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَاسْتَدَانَ بِرَهْنٍ، وَبِغَيْرِ رَهْنٍ، وَاسْتَعَارَ، وَاشْتَرَى بِالثَّمَنِ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ.
وَضَمِنَ ضَمَانًا خَاصًّا عَلَى رَبِّهِ عَلَى أَعْمَالٍ مَنْ عَمِلَهَا كَانَ مَضْمُونًا لَهُ بِالْجَنَّةِ، وَضَمَانًا عَامًّا لِدُيُونِ مَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَدَعْ وَفَاءً أَنَّهَا عَلَيْهِ وَهُوَ يُوفِيهَا، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا الْحُكْمَ عَامٌّ لِلْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ، فَالسُّلْطَانُ ضَامِنٌ لِدُيُونِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا لَمْ يُخْلِفُوا وَفَاءً، فَإِنَّهَا عَلَيْهِ يُوَفِّيهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَقَالُوا: كَمَا يَرِثُهُ إِذَا مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا فَكَذَلِكَ يَقْضِي عَنْهُ دَيْنَهُ إِذَا مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَفَاءً، وَكَذَلِكَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ.
وَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْضًا كَانَتْ لَهُ جَعَلَهَا صَدَقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَتَشَفَّعَ وَشُفِّعَ إِلَيْهِ، وَرَدَّتْ بريرة شَفَاعَتَهُ فِي مُرَاجَعَتِهَا مغيثا، فَلَمْ يَغْضَبْ عَلَيْهَا، وَلَا عَتَبَ، وَهُوَ الْأُسْوَةُ وَالْقُدْوَةُ، وَحَلَفَ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ مَوْضِعًا، وَأَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْحَلِفِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، فَقَالَ:
стр. 123
تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] [يُونُسَ: ٥٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] [سَبَأٍ: ٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] [التَّغَابُنِ: ٧] وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي يُذَاكِرُ أبا بكر محمد بن داود الظاهري وَلَا يُسَمِّيهِ بِالْفَقِيهِ، فَتَحَاكَمَ إِلَيْهِ يَوْمًا هُوَ وَخَصْمٌ لَهُ، فَتَوَجَّهَتِ الْيَمِينُ عَلَى أبي بكر بن داود فَتَهَيَّأَ لِلْحَلِفِ، فَقَالَ لَهُ القاضي إسماعيل: أَوَتَحْلِفُ! وَمِثْلُكَ يَحْلِفُ يَا أبا بكر؟ فَقَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْحَلِفِ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ بِالْحَلِفِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، قَالَ أَيْنَ ذَلِكَ؟ فَسَرَدَهَا لَهُ أبو بكر، فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهُ جِدًّا وَدَعَاهُ بِالْفَقِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَكَانَ ﷺ يَسْتَثْنِي فِي يَمِينِهِ تَارَةً وَيُكَفِّرُهَا تَارَةً وَيَمْضِي فِيهَا تَارَةً، وَالِاسْتِثْنَاءُ يَمْنَعُ عَقْدَ الْيَمِينِ، وَالْكَفَّارَةُ تُحِلُّهَا بَعْدَ عَقْدِهَا، وَلِهَذَا سَمَّاهَا اللَّهُ تَحِلَّةً.
وَكَانَ يُمَازِحُ وَيَقُولُ فِي مِزَاحِهِ الْحَقَّ، وَيُوَرِّي وَلَا يَقُولُ فِي تَوْرِيَتِهِ إِلَّا الْحَقَّ، مِثْلَ أَنْ يُرِيدَ جِهَةً يَقْصِدُهَا فَيَسْأَلُ عَنْ غَيْرِهَا كَيْفَ طَرِيقُهَا؟ وَكَيْفَ مِيَاهُهَا وَمَسْلَكُهَا؟ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وَكَانَ يُشِيرُ وَيَسْتَشِيرُ. وَكَانَ يَعُودُ الْمَرِيضَ، وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ، وَيُجِيبُ الدَّعْوَةَ، وَيَمْشِي مَعَ الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ وَالضَّعِيفِ فِي حَوَائِجِهِمْ، وَسَمِعَ مَدِيحَ الشِّعْرِ وَأَثَابَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ مَا قِيلَ فِيهِ مِنَ الْمَدِيحِ فَهُوَ جُزْءٌ يَسِيرٌ جِدًّا مِنْ مَحَامِدِهِ، وَأَثَابَ عَلَى الْحَقِّ. وَأَمَّا مَدْحُ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ فَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ بِالْكَذِبِ فَلِذَلِكَ أَمَرَ أَنْ يُحْثَى فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابُ
стр. 124
[فَصْلٌ في مسابقته ﵇ ومصارعته]
فَصْلٌ
وَسَابَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ عَلَى الْأَقْدَامِ وَصَارَعَ
وَخَصَفَ نَعْلَهُ بِيَدِهِ وَرَقَّعَ ثَوْبَهُ بِيَدِهِ، وَرَقَّعَ دَلْوَهُ وَحَلَبَ شَاتَهُ وَفَلَّى ثَوْبَهُ وَخَدَمَ أَهْلَهُ وَنَفْسَهُ، وَحَمَلَ مَعَهُمُ اللَّبِنَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَرَبَطَ عَلَى بَطْنِهِ الْحَجَرَ مِنَ الْجُوعِ تَارَةً وَشَبِعَ تَارَةً، وَأَضَافَ وَأُضِيفَ، وَاحْتَجَمَ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ وَعَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ، وَاحْتَجَمَ فِي الْأَخْدَعَيْنِ وَالْكَاهِلِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ، وَتَدَاوَى وَكَوَى وَلَمْ يَكْتَوِ، وَرَقَى وَلَمْ يَسْتَرْقِ، وَحَمَى الْمَرِيضَ مِمَّا يُؤْذِيهِ.
وَأُصُولُ الطِّبِّ ثَلَاثَةٌ: الْحِمْيَةُ وَحِفْظُ الصِّحَّةِ وَاسْتِفْرَاغُ الْمَادَّةِ الْمُضِرَّةِ، وَقَدْ جَمَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَلِأُمَّتِهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، فَحَمَى الْمَرِيضَ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ خَشْيَةً مِنَ الضَّرَرِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] [النِّسَاءِ: ٤٣ وَالْمَائِدَةِ: ٦] فَأَبَاحَ التَّيَمُّمَ لِلْمَرِيضِ حِمْيَةً لَهُ، كَمَا أَبَاحَهُ لِلْعَادِمِ، وَقَالَ فِي حِفْظِ الصِّحَّةِ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] [الْبَقَرَةِ: ١٨٤] فَأَبَاحَ لِلْمُسَافِرِ الْفِطْرَ فِي رَمَضَانَ حِفْظًا لِصِحَّتِهِ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عَلَى قُوَّتِهِ الصَّوْمُ وَمَشَقَّةُ السَّفَرِ فَيُضْعِفَ الْقُوَّةَ وَالصِّحَّةَ.
وَقَالَ فِي الِاسْتِفْرَاغِ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ لِلْمُحْرِمِ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] [الْبَقَرَةِ: ١٩٦] فَأَبَاحَ لِلْمَرِيضِ وَمَنْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ وَيَسْتَفْرِغَ الْمَوَادَّ الْفَاسِدَةَ وَالْأَبْخِرَةَ الرَّدِيئَةَ الَّتِي تُوَلِّدَ عَلَيْهِ الْقَمْلَ، كَمَا حَصَلَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَوْ تُوَلِّدَ عَلَيْهِ الْمَرَضُ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ قَوَاعِدُ الطِّبِّ
стр. 125
وَأُصُولُهُ، فَذَكَرَ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ مِنْهَا شَيْئًا وَصُورَةً تَنْبِيهًا بِهَا عَلَى نِعْمَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي أَمْثَالِهَا مِنْ حِمْيَتِهِمْ، وَحِفْظِ صِحَّتِهِمْ، وَاسْتِفْرَاغِ مَوَادِّ أَذَاهُمْ رَحْمَةً لِعِبَادِهِ، وَلُطْفًا بِهِمْ وَرَأْفَةً بِهِمْ. وَهُوَ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي مُعَامَلَتِهِ]
كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ مُعَامَلَةً. وَكَانَ إِذَا اسْتَسْلَفَ سَلَفًا قَضَى خَيْرًا مِنْهُ. ( «وَكَانَ إِذَا اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ سَلَفًا قَضَاهُ إِيَّاهُ وَدَعَا لَهُ فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْحَمْدُ وَالْأَدَاءُ» )
( «وَاسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ أَرْبَعِينَ صَاعًا فَاحْتَاجَ الْأَنْصَارِيُّ، فَأَتَاهُ فَقَالَ ﷺ : مَا جَاءَنَا مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، فَقَالَ الرَّجُلُ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَقُلْ إِلَّا خَيْرًا فَأَنَا خَيْرُ مَنْ تَسَلَّفَ. فَأَعْطَاهُ أَرْبَعِينَ فَضْلًا وَأَرْبَعِينَ سُلْفَةً فَأَعْطَاهُ ثَمَانِينَ» ) ذَكَرَهُ البزار.
( «وَاقْتَرَضَ بَعِيرًا فَجَاءَ صَاحِبُهُ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا» )
«وَاشْتَرَى مَرَّةً شَيْئًا
стр. 126
وَلَيْسَ عِنْدَهُ ثَمَنُهُ فَأُرْبِحَ فِيهِ فَبَاعَهُ وَتَصَدَّقَ بِالرِّبْحِ عَلَى أَرَامِلِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَالَ: لَا أَشْتَرِي بَعْدَ هَذَا شَيْئًا إِلَّا وَعِنْدِي ثَمَنُهُ» ) ذَكَرَهُ أبو داود، وَهَذَا لَا يُنَاقِضُ الشِّرَاءَ فِي الذِّمَّةِ إِلَى أَجَلٍ، فَهَذَا شَيْءٌ وَهَذَا شَيْءٌ. «وَتَقَاضَاهُ غَرِيمٌ لَهُ دَيْنًا فَأَغْلَظَ عَلَيْهِ، فَهَمَّ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: مَهْ يَا عمر كُنْتَ أَحْوَجَ إِلَى أَنْ تَأْمُرَنِي بِالْوَفَاءِ. وَكَانَ أَحْوَجَ إِلَى أَنْ تَأْمُرَهُ بِالصَّبْرِ» ) ( «وَبَاعَهُ يَهُودِيٌّ بَيْعًا إِلَى أَجَلٍ فَجَاءَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ يَتَقَاضَاهُ ثَمَنَهُ فَقَالَ: لَمْ يَحِلَّ الْأَجَلُ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّكُمْ لَمَطْلٌ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَنَهَاهُمْ فَلَمْ يَزِدْهُ ذَلِكَ إِلَّا حِلْمًا، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ قَدْ عَرَفْتُهُ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَبَقِيَتْ وَاحِدَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ لَا تَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلَّا حِلْمًا فَأَرَدْتُ أَنْ أَعْرِفَهَا فَأَسْلَمَ الْيَهُودِيُّ» )
стр. 127
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي مَشْيِهِ وَحْدَهُ وَمَعَ أَصْحَابِهِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي مَشْيِهِ وَحْدَهُ وَمَعَ أَصْحَابِهِ
كَانَ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا، وَكَانَ أَسْرَعَ النَّاسِ مِشْيَةً وَأَحْسَنَهَا وَأَسْكَنَهَا، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ( «مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مِشْيَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ، وَإِنَّا لَنُجْهِدَ أَنْفُسَنَا وَإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ» ) وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ» ) وَقَالَ مَرَّةً ( «إِذَا مَشَى تَقَلَّعَ» ) قُلْتُ: وَالتَّقَلُّعُ الِارْتِفَاعُ مِنَ الْأَرْضِ بِجُمْلَتِهِ كَحَالِ الْمُنْحَطِّ مِنَ الصَّبَبِ، وَهِيَ مِشْيَةُ أُولِي الْعَزْمِ وَالْهِمَّةِ وَالشَّجَاعَةِ، وَهِيَ أَعْدَلُ الْمِشْيَاتِ وَأَرْوَاحُهَا لِلْأَعْضَاءِ وَأَبْعَدُهَا مِنْ مِشْيَةِ الْهَوَجِ وَالْمَهَانَةِ وَالتَّمَاوُتِ، فَإِنَّ الْمَاشِيَ إِمَّا أَنْ يَتَمَاوَتَ فِي مَشْيِهِ وَيَمْشِيَ قِطْعَةً وَاحِدَةً كَأَنَّهُ خَشَبَةٌ مَحْمُولَةٌ، وَهِيَ مِشْيَةٌ مَذْمُومَةٌ قَبِيحَةٌ، وَإِمَّا أَنْ يَمْشِيَ بِانْزِعَاجٍ وَاضْطِرَابٍ مَشْيَ الْجَمَلِ الْأَهْوَجِ، وَهِيَ مِشْيَةٌ مَذْمُومَةٌ أَيْضًا، وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى خِفَّةِ عَقْلِ صَاحِبِهَا، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ حَالَ مَشْيِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَإِمَّا أَنْ يَمْشِيَ هَوْنًا، وَهِيَ مِشْيَةُ عِبَادِ الرَّحْمَنِ كَمَا وَصَفَهُمْ بِهَا فِي كِتَابِهِ فَقَالَ ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] [الْفُرْقَانِ: ٦٣] قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ مِنْ غَيْرِ تَكَبُّرٍ وَلَا تَمَاوُتٍ، وَهِيَ مِشْيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّهُ مَعَ هَذِهِ الْمِشْيَةِ كَانَ كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، وَكَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ، حَتَّى كَانَ الْمَاشِي مَعَهُ يُجْهِدُ نَفْسَهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ مُكْتَرِثٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَمْرَيْنِ: أَنَّ مِشْيَتَهُ لَمْ تَكُنْ مِشْيَةً بِتَمَاوُتٍ وَلَا بِمَهَانَةٍ، بَلْ مِشْيَةٌ أَعْدَلُ الْمِشْيَاتِ.
وَالْمِشْيَاتُ عَشَرَةُ أَنْوَاعٍ: هَذِهِ الثَّلَاثَةُ مِنْهَا، وَالرَّابِعُ: السَّعْيُ، وَالْخَامِسُ: الرَّمَلُ، وَهُوَ أَسْرَعُ الْمَشْيِ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَى وَيُسَمَّى: الْخَبَبَ، وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «خَبَّ فِي طَوَافِهِ ثَلَاثًا وَمَشَى
стр. 128
أَرْبَعًا» ) .
السَّادِسُ: النَّسَلَانُ، وَهُوَ الْعَدْوُ الْخَفِيفُ الَّذِي لَا يُزْعِجُ الْمَاشِيَ وَلَا يُكْرِثُهُ. وَفِي بَعْضِ الْمَسَانِيدِ أَنَّ الْمُشَاةَ شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَشْيِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: ( «اسْتَعِينُوا بِالنَّسَلَانِ» ) .
وَالسَّابِعُ: الْخَوْزَلَى، وَهِيَ مِشْيَةُ التَّمَايُلِ، وَهِيَ مِشْيَةٌ يُقَالُ: إِنَّ فِيهَا تَكَسُّرًا وَتَخَنُّثًا.
وَالثَّامِنُ: الْقَهْقَرَى، وَهِيَ الْمِشْيَةُ إِلَى وَرَاءٍ.
وَالتَّاسِعُ: الْجَمَزَى، وَهِيَ مِشْيَةٌ يَثِبُ فِيهَا الْمَاشِي وَثْبًا.
وَالْعَاشِرُ: مِشْيَةُ التَّبَخْتُرِ، وَهِيَ مِشْيَةُ أُولِي الْعُجْبِ وَالتَّكَبُّرِ، وَهِيَ الَّتِي خَسَفَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِصَاحِبِهَا لَمَّا نَظَرَ فِي عِطْفَيْهِ وَأَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَأَعْدَلُ هَذِهِ الْمِشْيَاتِ مِشْيَةُ الْهَوْنِ وَالتَّكَفُّؤِ.
وَأَمَّا مَشْيُهُ مَعَ أَصْحَابِهِ فَكَانُوا يَمْشُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ خَلْفَهُمْ وَيَقُولُ: (دَعُوا ظَهْرِي لِلْمَلَائِكَةِ) وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: وَكَانَ يَسُوقُ أَصْحَابَهُ. وَكَانَ يَمْشِي حَافِيًا وَمُنْتَعِلًا، وَكَانَ يُمَاشِي أَصْحَابَهُ فُرَادَى وَجَمَاعَةً، «وَمَشَى فِي بَعْضِ
стр. 129
غَزَوَاتِهِ مَرَّةً فَدَمِيَتْ أُصْبُعُهُ وَسَالَ مِنْهَا الدَّمُ فَقَالَ:
هَلْ أَنْتَ إِلَّا أُصْبُعٌ دَمِيَتَ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتَ
» وَكَانَ فِي السَّفَرِ سَاقَةُ أَصْحَابُهُ يُزْجِي الضَّعِيفَ وَيُرْدِفُهُ وَيَدْعُو لَهُمْ، ذَكَرَهُ أبو داود.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي جُلُوسِهِ وَاتِّكَائِهِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي جُلُوسِهِ وَاتِّكَائِهِ
كَانَ يَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ وَعَلَى الْحَصِيرِ وَالْبِسَاطِ، وَقَالَتْ قيلة بنت مخرمة: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ قَاعِدٌ الْقُرْفُصَاءَ، قَالَتْ: فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَالْمُتَخَشِّعِ فِي الْجِلْسَةِ أُرْعِدْتُ مِنَ الْفَرَقِ» . وَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ دَعَاهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَأَلْقَتْ إِلَيْهِ الْجَارِيَةُ وِسَادَةً يَجْلِسُ عَلَيْهَا فَجَعَلَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عدي وَجَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ. قَالَ عدي: (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَلِكٍ) وَكَانَ يَسْتَلْقِي أَحْيَانًا، وَرُبَّمَا وَضَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى، وَكَانَ يَتَّكِئُ عَلَى الْوِسَادَةِ، وَرُبَّمَا اتَّكَأَ عَلَى يَسَارِهِ، وَرُبَّمَا اتَّكَأَ عَلَى يَمِينِهِ. وَكَانَ إِذَا احْتَاجَ فِي خُرُوجِهِ تَوَكَّأَ.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ
( «كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» )
стр. 130
الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. ( «وَكَانَ إِذَا خَرَجَ يَقُولُ: غُفْرَانَكَ» ) وَكَانَ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ تَارَةً، وَيَسْتَجْمِرُ بِالْأَحْجَارِ تَارَةً، وَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا تَارَةً.
وَكَانَ إِذَا ذَهَبَ فِي سَفَرِهِ لِلْحَاجَةِ انْطَلَقَ حَتَّى يَتَوَارَى عَنْ أَصْحَابِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ يَبْعُدُ نَحْوَ الْمِيلَيْنِ.
وَكَانَ يَسْتَتِرُ لِلْحَاجَةِ بِالْهَدَفِ تَارَةً، وَبِحَائِشِ النَّخْلِ تَارَةً، وَبِشَجَرِ الْوَادِي تَارَةً.
وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبُولَ فِي عَزَازٍ مِنَ الْأَرْضِ - وَهُوَ الْمَوْضِعُ الصُّلْبُ - أَخَذَ عُودًا مِنَ الْأَرْضِ فَنَكَّتَ بِهِ حَتَّى يُثَرَّى ثُمَّ يَبُولُ
وَكَانَ يَرْتَادُ لِبَوْلِهِ الْمَوْضِعَ الدَّمِثَ - وَهُوَ اللَّيِّنُ الرَّخْوُ مِنَ الْأَرْضِ - وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يَبُولُ وَهُوَ قَاعِدٌ حَتَّى قَالَتْ عائشة: ( «مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّهُ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا» ) ، وَقَدْ رَوَى مسلم فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ
стр. 131
حذيفة ( «أَنَّهُ بَالَ قَائِمًا» ) فَقِيلَ: هَذَا بَيَانٌ لِلْجَوَازِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا فَعَلَهُ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِمَأْبِضَيْهِ. وَقِيلَ فَعَلَهُ اسْتِشْفَاءً.
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَالْعَرَبُ تَسْتَشْفِي مِنْ وَجَعِ الصُّلْبِ بِالْبَوْلِ قَائِمًا. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَنَزُّهًا وَبُعْدًا مِنْ إِصَابَةِ الْبَوْلِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ هَذَا لَمَّا أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ - وَهُوَ مَلْقَى الْكُنَاسَةِ - وَتُسَمَّى الْمَزْبَلَةَ، وَهِيَ تَكُونُ مُرْتَفِعَةً، فَلَوْ بَالَ فِيهَا الرَّجُلُ قَاعِدًا لَارْتَدَّ عَلَيْهِ بَوْلُهُ، وَهُوَ ﷺ اسْتَتَرَ بِهَا وَجَعَلَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَائِطِ فَلَمْ يَكُنْ بَدٌّ مِنْ بَوْلِهِ قَائِمًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الترمذي عَنْ (عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: «رَآنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَبُولُ قَائِمًا فَقَالَ: يَا عمر لَا تَبُلْ قَائِمًا، قَالَ: فَمَا بُلْتُ قَائِمًا بَعْدُ» ) ، قَالَ الترمذي: وَإِنَّمَا رَفَعَهُ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَفِي مُسْنَدِ البزار وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «ثَلَاثٌ مِنَ الْجَفَاءِ: أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ قَائِمًا، أَوْ يَمْسَحَ جَبْهَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ، أَوْ يَنْفُخَ فِي سُجُودِهِ» ) وَرَوَاهُ الترمذي وَقَالَ: هُوَ غَيْرُ
стр. 132
مَحْفُوظٍ، وَقَالَ البزار: لَا نَعْلَمُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ إِلَّا سعيد بن عبيد الله، وَلَمْ يَجْرَحْهُ بِشَيْءٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: هُوَ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ.
وَكَانَ يَخْرُجُ مِنَ الْخَلَاءِ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَكَانَ يَسْتَنْجِي وَيَسْتَجْمِرُ بِشِمَالِهِ، وَلَمْ يَكُنْ يَصْنَعُ شَيْئًا مِمَّا يَصْنَعُهُ الْمُبْتَلُونَ بِالْوَسْوَاسِ مِنْ نَتْرِ الذَّكَرِ، وَالنَّحْنَحَةِ، وَالْقَفْزِ، وَمَسْكِ الْحَبْلِ، وَطُلُوعِ الدَّرَجِ، وَحَشْوِ الْقُطْنِ فِي الْإِحْلِيلِ، وَصَبِّ الْمَاءِ فِيهِ وَتَفَقِّدِهِ الْفَيْنَةَ بَعْدَ الْفَيْنَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ بِدَعِ أَهْلِ الْوَسْوَاسِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ كَانَ إِذَا بَالَ نَتَرَ ذَكَرَهُ ثَلَاثًا» . وَرُوِيَ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ، وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ مِنْ فِعْلِهِ وَلَا أَمْرِهِ. قَالَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ.
( «وَكَانَ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَهُوَ يَبُولُ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ» ) ذَكَرَهُ مسلم فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَرَوَى البزار فِي مُسْنَدِهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهُ ( «رَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا رَدَدْتُ عَلَيْكَ خَشْيَةَ أَنْ تَقُولَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ سَلَامًا، فَإِذَا رَأَيْتَنِي هَكَذَا فَلَا تُسَلِّمْ عَلَيَّ فَإِنِّي لَا أَرُدُّ عَلَيْكَ السَّلَامَ» )
وَقَدْ قِيلَ: لَعَلَّ هَذَا كَانَ مَرَّتَيْنِ، وَقِيلَ: حَدِيثُ مسلم أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ الضحاك بن عثمان عَنْ نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَحَدِيثُ البزار مِنْ رِوَايَةِ أبي بكر - رَجُلٌ مِنْ أَوْلَادِ عبد الله بن عمر - عَنْ نافع عَنْهُ. قِيلَ: وَأَبُو بَكْرٍ هَذَا: هُوَ أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر
стр. 133
رَوَى عَنْهُ مالك وَغَيْرُهُ، والضحاك أَوْثَقُ مِنْهُ.
وَكَانَ إِذَا اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ ضَرَبَ يَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْأَرْضِ، وَكَانَ إِذَا جَلَسَ لِحَاجَتِهِ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْفِطْرَةِ وَتَوَابِعِهَا]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْفِطْرَةِ وَتَوَابِعِهَا
قَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ؛ هَلْ وُلِدَ ﷺ مَخْتُونًا، أَوْ خَتَنَتْهُ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ شُقَّ صَدْرُهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، أَوْ خَتَنَهُ جَدُّهُ عبد المطلب؟
وَكَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَأَخْذِهِ، وَعَطَائِهِ، وَكَانَتْ يَمِينُهُ لِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَطَهُورِهِ، وَيَسَارُهُ لِخَلَائِهِ وَنَحْوِهِ مِنْ إِزَالَةِ الْأَذَى.
وَكَانَ هَدْيُهُ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ تَرْكَهُ كُلَّهُ أَوْ أَخْذَهُ كُلَّهُ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْلِقُ بَعْضَهُ وَيَدَعُ بَعْضَهُ، وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ حَلْقُهُ إِلَّا فِي نُسُكٍ.
وَكَانَ يُحِبُّ السِّوَاكَ، وَكَانَ يَسْتَاكُ مُفْطِرًا وَصَائِمًا، وَيَسْتَاكُ عِنْدَ الِانْتِبَاهِ مِنَ النَّوْمِ، وَعِنْدَ الْوُضُوءِ، وَعِنْدَ الصَّلَاةِ، وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَنْزِلِ، وَكَانَ يَسْتَاكُ بِعُودِ الْأَرَاكِ.
وَكَانَ يُكْثِرُ التَّطَيُّبَ وَيُحِبُّ الطِّيبَ، وَذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ (كَانَ يَطَّلِي بِالنُّورَةِ)
стр. 134
وَكَانَ أَوَّلًا يَسْدُلُ شَعْرَهُ ثُمَّ فَرَقَهُ، وَالْفَرْقُ: أَنْ يَجْعَلَ شَعْرَهُ فِرْقَتَيْنِ كُلَّ فِرْقَةٍ ذُؤَابَةٌ، وَالسَّدْلُ أَنْ يَسْدُلَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَلَا يَجْعَلُهُ فِرْقَتَيْنِ. وَلَمْ يَدْخُلْ حَمَّامًا قَطُّ، وَلَعَلَّهُ مَا رَآهُ بِعَيْنِهِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي الْحَمَّامِ حَدِيثٌ.
стр. 135
وَكَانَ لَهُ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ مِنْهَا كُلَّ لَيْلَةٍ ثلَاثًا عِنْدَ النَّوْمِ فِي كُلِّ عَيْنٍ.
وَاخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي خِضَابِهِ فَقَالَ أنس: لَمْ يَخْضِبْ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: خَضَبَ. وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حميد عَنْ أنس قَالَ: ( «رَأَيْتُ شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَخْضُوبًا» ) قَالَ حماد: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ قَالَ: ( «رَأَيْتُ شَعَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَخْضُوبًا» ) ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا يُكْثِرُ الطِّيبَ قَدِ احْمَرَّ شَعَرُهُ، فَكَانَ يُظَنُّ مَخْضُوبًا وَلَمْ يَخْضِبْ. وَقَالَ أبو رمثة: ( «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَ ابْنٍ لِي فَقَالَ: أَهَذَا ابْنُكَ؟ قُلْتُ نَعَمْ أَشْهَدُ بِهِ، فَقَالَ: لَا تَجْنِي عَلَيْهِ وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ» ) قَالَ: وَرَأَيْتُ الشَّيْبَ أَحْمَرَ.
قَالَ الترمذي: هَذَا أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَفْسَرُهُ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَبْلُغِ الشَّيْبَ. قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ: قِيلَ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: ( «أَكَانَ فِي رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْبٌ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ فِي رَأْسِهِ شَيْبٌ إِلَّا شَعَرَاتٌ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ إِذَا ادَّهَنَ، وَارَاهُنَّ الدُّهْنُ» ) قَالَ أنس: ( «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ دُهْنَ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَيُكْثِرُ الْقِنَاعَ كَأَنَّ ثَوْبَهُ ثَوْبُ
стр. 136
زَيَّاتٍ» ) وَكَانَ يُحِبُّ التَّرَجُّلَ، وَكَانَ يُرَجِّلُ نَفْسَهُ تَارَةً وَتُرَجِّلُهُ عائشة تَارَةً، ( «وَكَانَ شَعَرُهُ فَوْقَ الْجُمَّةِ وَدُونَ الْوَفْرَةِ» ) ، وَكَانَتْ جُمَّتُهُ تَضْرِبُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ، وَإِذَا طَالَ جَعَلَهُ غَدَائِرَ أَرْبَعًا، قَالَتْ أم هانئ: ( «قَدِمَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ قَدْمَةً وَلَهُ أَرْبَعُ غَدَائِرَ» ) ، وَالْغَدَائِرُ الضَّفَائِرُ، وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَكَانَ ﷺ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ، وَثَبَتَ عَنْهُ فِي حَدِيثِ صَحِيحِ مسلم أَنَّهُ قَالَ: ( «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلَا يَرُدَّهُ، فَإِنَّهُ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ خَفِيفُ الْمَحْمِلِ» ) هَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ، وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ: ( «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ طِيبٌ فَلَا يَرُدَّهُ» ) وَلَيْسَ بِمَعْنَاهُ، فَإِنَّ الرَّيْحَانَ لَا تَكْثُرُ الْمِنَّةُ بِأَخْذِهِ، وَقَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِالتَّسَامُحِ فِي بَذْلِهِ، بِخِلَافِ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَالْغَالِيَةِ وَنَحْوِهَا، وَلَكِنَّ الَّذِي ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ عزرة بن ثابت، عَنْ ثمامة، قَالَ أنس: ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ» )
стр. 137
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ يَرْفَعُهُ: ( «ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ: الْوَسَائِدُ وَالدُّهْنُ وَاللَّبَنُ» ) فَحَدِيثٌ مَعْلُولٌ، رَوَاهُ الترمذي وَذَكَرَ عِلَّتَهُ، وَلَا أَحْفَظُ الْآنَ مَا قِيلَ فِيهِ، إِلَّا أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عبد الله بن مسلم بن جندب عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وَمِنْ مَرَاسِيلِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُكُمُ الرَّيْحَانَ فَلَا يَرُدَّهُ، فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْجَنَّةِ» )
وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُكَّةٌ يَتَطَيَّبُ مِنْهَا، وَكَانَ أَحَبَّ الطِّيبِ إِلَيْهِ الْمِسْكُ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ الْفَاغِيَةُ، قِيلَ: وَهِيَ نَوْرُ الْحِنَّاءِ.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي قَصِّ الشَّارِبِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي قَصِّ الشَّارِبِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رَوَى الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ سماك، عَنْ عكرمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُصُّ شَارِبَهُ» ) ، وَيُذْكَرُ (أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَقُصُّ شَارِبَهُ) ، وَوَقَفَهُ طَائِفَةٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَوَى الترمذي مِنْ
стр. 138
حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا» ) وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَفِي صَحِيحِ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «قُصُّوا الشَّوَارِبَ وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ» ) . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَوَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» ) ، وَفِي صَحِيحِ مسلم عَنْ أنس قَالَ: ( «وَقَّتَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ أَلَّا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً» )
وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَحَلْقِهِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَقَالَ مالك فِي مُوَطَّئِهِ: يُؤْخَذُ مِنَ الشَّارِبِ حَتَّى تَبْدُوَ أَطْرَافُ الشَّفَةِ، وَهُوَ الْإِطَارُ، وَلَا يَجُزُّهُ فَيُمَثِّلَ بِنَفْسِهِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مالك قَالَ: يُحْفِي الشَّارِبَ وَيُعْفِي اللِّحَى، وَلَيْسَ إِحْفَاءُ الشَّارِبِ حَلْقَهُ، وَأَرَى أَنْ يُؤَدَّبَ مَنْ حَلَقَ شَارِبَهُ، وَقَالَ ابن القاسم عَنْهُ: إِحْفَاءُ الشَّارِبِ وَحَلْقُهُ عِنْدِي مُثْلَةٌ. قَالَ مالك: وَتَفْسِيرُ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي إِحْفَاءِ الشَّارِبِ إِنَّمَا هُوَ الْإِطَارُ، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ أَعْلَاهُ.
стр. 139
وَقَالَ: أَشْهَدُ فِي حَلْقِ الشَّارِبِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَأَرَى أَنْ يُوجَعَ ضَرْبًا مَنْ فَعَلَهُ، قَالَ مالك: (وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ نَفَخَ فَجَعَلَ رِجْلَهُ بِرِدَائِهِ وَهُوَ يَفْتِلُ شَارِبَهُ)
(وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: السُّنَّةُ فِي الشَّارِبِ الْإِطَارُ) ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَلَمْ أَجِدْ عَنِ الشَّافِعِيِّ شَيْئًا مَنْصُوصًا فِي هَذَا، وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ رَأَيْنَا - المزني والربيع - كَانَا يُحْفِيَانِ شَوَارِبَهُمَا، وَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمَا أَخَذَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ ﵀، قَالَ: وَأَمَّا أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد فَكَانَ مَذْهَبُهُمْ فِي شَعَرِ الرَّأْسِ وَالشَّوَارِبِ أَنَّ الْإِحْفَاءَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ. وَذَكَرَ ابن خويز منداد المالكي عَنِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّ مَذْهَبَهُ فِي حَلْقِ الشَّارِبِ كَمَذْهَبِ أبي حنيفة، وَهَذَا قَوْلُ أبي عمر.
وَأَمَّا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَقَالَ الأثرم: رَأَيْتُ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُحْفِي شَارِبَهُ شَدِيدًا، وَسَمِعْتُهُ يُسْأَلُ عَنِ السُّنَّةِ فِي إِحْفَاءِ الشَّارِبِ؟ فَقَالَ: يُحْفِي كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ( «أَحْفُوا الشَّوَارِبَ» ) ، وَقَالَ حنبل: قِيلَ لأبي عبد الله: تَرَى الرَّجُلَ يَأْخُذُ شَارِبَهُ أَوْ يُحْفِيهِ؟ أَمْ كَيْفَ يَأْخُذُهُ؟ قَالَ: إِنْ أَحْفَاهُ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ أَخَذَهُ قَصًّا فَلَا بَأْسَ.
وَقَالَ أبو محمد بن قدامة المقدسي فِي الْمُغْنِي: وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُحْفِيَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَقُصَّهُ مِنْ غَيْرِ إِحْفَاءٍ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَرَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ مِنْ شَارِبِهِ عَلَى سِوَاكٍ» ) وَهَذَا لَا يَكُونُ مَعَهُ إِحْفَاءٌ.
وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ إِحْفَاءَهُ بِحَدِيثَيْ عائشة وَأَبِي هُرَيْرَةَ الْمَرْفُوعَيْنِ: (عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ) فَذَكَرَ مِنْهَا قَصَّ الشَّارِبِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: (الْفِطْرَةُ
стр. 140
خَمْسٌ. . .) وَذَكَرَ مِنْهَا قَصَّ الشَّارِبِ.
وَاحْتَجَّ الْمُحْفُونَ بِأَحَادِيثِ الْأَمْرِ بِالْإِحْفَاءِ وَهِيَ صَحِيحَةٌ، وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجُزُّ شَارِبَهُ» )
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَهَذَا الْأَغْلَبُ فِيهِ الْإِحْفَاءُ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ. وَرَوَى الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ: ( «جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَأَرْخُوا اللِّحَى» ) ، قَالَ: وَهَذَا يَحْتَمِلُ الْإِحْفَاءَ أَيْضًا، وَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أبي سعيد، وأبي أسيد، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وجابر، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُحْفُونَ شَوَارِبَهُمْ.
وَقَالَ إبراهيم بن محمد بن حاطب: (رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُحْفِي شَارِبَهُ كَأَنَّهُ يَنْتِفُهُ) ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَتَّى يُرَى بَيَاضُ الْجِلْدِ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَلَمَّا كَانَ التَّقْصِيرُ مَسْنُونًا عِنْدَ الْجَمِيعِ كَانَ الْحَلْقُ فِيهِ أَفْضَلَ قِيَاسًا عَلَى الرَّأْسِ، وَقَدْ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُحَلِّقِينَ
стр. 141
ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصَّرِينَ وَاحِدَةً، فَجَعَلَ حَلْقَ الرَّأْسِ أَفْضَلَ مِنْ تَقْصِيرِهِ، فَكَذَلِكَ الشَّارِبُ.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي كَلَامِهِ وَسُكُوتِهِ وَضَحِكِهِ وَبُكَائِهِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي كَلَامِهِ وَسُكُوتِهِ وَضَحِكِهِ وَبُكَائِهِ
كَانَ ﷺ أَفْصَحَ خَلْقِ اللَّهِ، وَأَعْذَبَهُمْ كَلَامًا، وَأَسْرَعَهُمْ أَدَاءً، وَأَحْلَاهُمْ مَنْطِقًا، حَتَّى إِنَّ كَلَامَهُ لَيَأْخُذُ بِمَجَامِعِ الْقُلُوبِ وَيَسْبِي الْأَرْوَاحَ، وَيَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ أَعْدَاؤُهُ. وَكَانَ إِذَا تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ مُفَصَّلٍ مُبَيَّنٍ يَعُدُّهُ الْعَادُّ، لَيْسَ بِهَذٍّ مُسْرِعٍ لَا يُحْفَظُ، وَلَا مُنْقَطِعٍ تَخَلَّلُهُ السَّكَتَاتُ بَيْنَ أَفْرَادِ الْكَلَامِ، بَلْ هَدْيُهُ فِيهِ أَكْمَلُ الْهَدْيِ، قَالَتْ عائشة: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْرُدُ سَرْدَكُمْ هَذَا، وَلَكِنْ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ بَيِّنٍ فَصْلٍ يَحْفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ» . وَكَانَ كَثِيرًا مَا يُعِيدُ الْكَلَامَ ثَلَاثًا لِيُعْقَلَ عَنْهُ، وَكَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا. وَكَانَ طَوِيلَ السُّكُوتِ لَا يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ، يَفْتَتِحُ الْكَلَامَ وَيَخْتَتِمُهُ بِأَشْدَاقِهِ، وَيَتَكَلَّمُ بِجَوَامِعِ الْكَلَامِ، فَصْلٌ لَا فُضُولٌ وَلَا تَقْصِيرٌ، وَكَانَ لَا يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا فِيمَا يَرْجُو ثَوَابَهُ، وَإِذَا كَرِهَ الشَّيْءَ عُرِفَ فِي وَجْهِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا صَخَّابًا. وَكَانَ جُلَّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ، بَلْ كُلُّهُ التَّبَسُّمُ، فَكَانَ نِهَايَةُ ضَحِكِهِ أَنْ تَبْدُوَ نَوَاجِذُهُ.
وَكَانَ يَضْحَكُ مِمَّا يُضْحَكُ مِنْهُ، وَهُوَ مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْ مِثْلِهِ وَيُسْتَغْرَبُ وُقُوعُهُ وَيُسْتَنْدَرُ.
وَلِلضَّحِكِ أَسْبَابٌ عَدِيدَةٌ هَذَا أَحَدُهَا. وَالثَّانِي: ضَحِكُ الْفَرَحِ، وَهُوَ أَنْ
стр. 142
يَرَى مَا يَسُرُّهُ أَوْ يُبَاشِرُهُ. وَالثَّالِثُ: ضَحِكُ الْغَضَبِ، وَهُوَ كَثِيرًا مَا يَعْتَرِي الْغَضْبَانَ إِذَا اشْتَدَّ غَضَبُهُ، وَسَبَبُهُ تَعَجُّبُ الْغَضْبَانِ مِمَّا أَوْرَدَ عَلَيْهِ الْغَضَبُ، وَشُعُورُ نَفْسِهِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى خَصْمِهِ، وَأَنَّهُ فِي قَبْضَتِهِ، وَقَدْ يَكُونُ ضَحِكُهُ لِمُلْكِهِ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَإِعْرَاضِهِ عَمَّنْ أَغْضَبَهُ، وَعَدَمِ اكْتِرَاثِهِ بِهِ.
وَأَمَّا بُكَاؤُهُ ﷺ فَكَانَ مِنْ جِنْسِ ضَحِكِهِ لَمْ يَكُنْ بِشَهِيقٍ وَرَفْعِ صَوْتٍ، كَمَا لَمْ يَكُنْ ضَحِكُهُ بِقَهْقَهَةٍ، وَلَكِنْ كَانَتْ تَدْمَعُ عَيْنَاهُ حَتَّى تَهْمُلَا، وَيُسْمَعُ لِصَدْرِهِ أَزِيزٌ. وَكَانَ بُكَاؤُهُ تَارَةً رَحْمَةً لِلْمَيِّتِ، وَتَارَةً خَوْفًا عَلَى أُمَّتِهِ وَشَفَقَةً عَلَيْهَا، وَتَارَةً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَتَارَةً عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَهُوَ بُكَاءُ اشْتِيَاقٍ وَمَحَبَّةٍ وَإِجْلَالٍ مُصَاحِبٌ لِلْخَوْفِ وَالْخَشْيَةِ. وَلَمَّا مَاتَ ابْنُهُ إبراهيم دَمَعَتْ عَيْنَاهُ وَبَكَى رَحْمَةً لَهُ وَقَالَ: ( «تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِكَ يَا إبراهيم لَمَحْزُونُونَ» ) ، وَبَكَى لَمَّا شَاهَدَ إِحْدَى بَنَاتِهِ وَنَفْسُهَا تَفِيضُ، (وَبَكَى لَمَّا قَرَأَ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ النِّسَاءِ وَانْتَهَى فِيهَا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] [النِّسَاءِ: ٤١] ، وَبَكَى لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَبَكَى لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ وَصَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَجَعَلَ يَبْكِي فِي صَلَاتِهِ، وَجَعَلَ يَنْفُخُ وَيَقُولُ: ( «رَبِّ أَلَمْ تَعِدْنِي أَلَّا تُعَذِّبَهُمْ وَأَنَا فِيهِمْ
стр. 143
وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُكَ» ) وَبَكَى لَمَّا جَلَسَ عَلَى قَبْرِ إِحْدَى بَنَاتِهِ، وَكَانَ يَبْكِي أَحْيَانًا فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ.
وَالْبُكَاءُ أَنْوَاعٌ.
أَحَدُهَا: بُكَاءُ الرَّحْمَةِ وَالرِّقَّةِ.
وَالثَّانِي: بُكَاءُ الْخَوْفِ وَالْخَشْيَةِ.
وَالثَّالِثُ: بُكَاءُ الْمَحَبَّةِ وَالشَّوْقِ.
وَالرَّابِعُ: بُكَاءُ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ.
وَالْخَامِسُ: بُكَاءُ الْجَزَعِ مِنْ وُرُودِ الْمُؤْلِمِ وَعَدَمِ احْتِمَالِهِ.
وَالسَّادِسُ: بُكَاءُ الْحُزْنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بُكَاءِ الْخَوْفِ، أَنَّ بُكَاءَ الْحُزْنِ يَكُونُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ حُصُولِ مَكْرُوهٍ أَوْ فَوَاتِ مَحْبُوبٍ، وَبُكَاءُ الْخَوْفِ يَكُونُ لِمَا يُتَوَقَّعُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ ذَلِكَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ بُكَاءِ السُّرُورِ وَالْفَرَحِ وَبُكَاءِ الْحُزْنِ، أَنَّ دَمْعَةَ السُّرُورِ بَارِدَةٌ وَالْقَلْبُ فَرْحَانُ، وَدَمْعَةُ الْحُزْنِ حَارَّةٌ وَالْقَلْبُ حَزِينٌ، وَلِهَذَا يُقَالُ لِمَا يُفْرَحُ بِهِ: هُوَ قُرَّةُ عَيْنٍ، وَأَقَرَّ اللَّهُ بِهِ عَيْنَهُ، وَلِمَا يُحْزِنُ: هُوَ سَخِينَةُ الْعَيْنِ، وَأَسْخَنَ اللَّهُ عَيْنَهُ بِهِ.
وَالسَّابِعُ: بُكَاءُ الْخَوْرِ وَالضَّعْفِ.
стр. 144
وَالثَّامِنُ: بُكَاءُ النِّفَاقِ، وَهُوَ أَنْ تَدْمَعَ الْعَيْنُ وَالْقَلْبُ قَاسٍ، فَيُظْهِرُ صَاحِبُهُ الْخُشُوعَ وَهُوَ مِنْ أَقْسَى النَّاسِ قَلْبًا.
وَالتَّاسِعُ: الْبُكَاءُ الْمُسْتَعَارُ وَالْمُسْتَأْجَرُ عَلَيْهِ، كَبُكَاءِ النَّائِحَةِ بِالْأُجْرَةِ، فَإِنَّهَا كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: (تَبِيعُ عَبْرَتَهَا وَتَبْكِي شَجْوَ غَيْرِهَا)
وَالْعَاشِرُ: بُكَاءُ الْمُوَافَقَةِ، وَهُوَ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ النَّاسَ يَبْكُونَ لِأَمْرٍ وَرَدَ عَلَيْهِمْ فَيَبْكِي مَعَهُمْ، وَلَا يَدْرِي لِأَيِّ شَيْءٍ يَبْكُونَ، وَلَكِنْ يَرَاهُمْ يَبْكُونَ فَيَبْكِي.
وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ دَمْعًا بِلَا صَوْتٍ فَهُوَ بُكًى -مَقْصُورٌ - وَمَا كَانَ مَعَهُ صَوْتٌ فَهُوَ بُكَاءٌ - مَمْدُودٌ - عَلَى بِنَاءِ الْأَصْوَاتِ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
بَكَتْ عَيْنِي وَحُقَّ لَهَا بُكَاهَا ... وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ
وَمَا كَانَ مِنْهُ مُسْتَدْعًى مُتَكَلَّفًا فَهُوَ التَّبَاكِي، وَهُوَ نَوْعَانِ: مَحْمُودٌ وَمَذْمُومٌ، فَالْمَحْمُودُ أَنْ يُسْتَجْلَبَ لِرِقَّةِ الْقَلْبِ وَلِخَشْيَةِ اللَّهِ لَا لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ. وَالْمَذْمُومُ أَنْ يُجْتَلَبَ لِأَجْلِ الْخَلْقِ، وَقَدْ ( «قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ رَآهُ يَبْكِي هُوَ وأبو بكر فِي شَأْنِ أُسَارَى بَدْرٍ: أَخْبِرْنِي مَا يُبْكِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ﷺ » ) وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفُ: ابْكُوا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا.
стр. 145
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ خَطَبَ ﷺ عَلَى الْأَرْضِ، وَعَلَى الْمِنْبَرِ، وَعَلَى الْبَعِيرِ، وَعَلَى النَّاقَةِ. «وَكَانَ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: (صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ» ) وَيَقُولُ: ( «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَيُقْرِنُ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَيَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» )
وَكَانَ لَا يَخْطُبُ خُطْبَةً إِلَّا افْتَتَحَهَا بِحَمْدِ اللَّهِ. وَأَمَّا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ: إِنَّهُ يَفْتَتِحُ خُطْبَةَ الِاسْتِسْقَاءِ بِالِاسْتِغْفَارِ، وَخُطْبَةَ الْعِيدَيْنِ بِالتَّكْبِيرِ فَلَيْسَ مَعَهُمْ فِيهِ سُنَّةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْبَتَّةَ، وَسُنَّتُهُ تَقْتَضِي خِلَافَهُ، وَهُوَ افْتِتَاحُ جَمِيعِ الْخُطَبِ بالْحَمْدِ لِلَّهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ لِأَصْحَابِ أحمد، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِنَا قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ.
وَكَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، وَفِي مَرَاسِيلِ عطاء وَغَيْرِهِ ( «أَنَّهُ كَانَ ﷺ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» ) قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَكَانَ أبو بكر وعمر يَفْعَلَانِ ذَلِكَ. وَكَانَ يَخْتِمُ خُطْبَتَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ، وَكَانَ كَثِيرًا يَخْطُبُ
следующие страницы →