Полный текст (2 628 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب، فَوَافَقَ اسْمُ ابْنِهَا عمر اسْمَهُ، فَقَالَتْ: قُمْ يَا عمر فَزَوِّجْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَظَنَّ بَعْضُ الرُّوَاةِ أَنَّهُ ابْنُهَا فَرَوَاهُ بِالْمَعْنَى، وَقَالَ: فَقَالَتْ لِابْنِهَا، وَذُهِلَ عَنْ تَعَذُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِصِغَرِ سِنِّهِ، وَنَظِيرُ هَذَا وَهْمُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَرِوَايَتِهِمْ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «قُمْ يَا غُلَامُ فَزَوِّجْ أُمَّكَ» ) قَالَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَمَا عَرَفْنَا هَذَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: وَإِنْ ثَبَتَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الْمُدَاعَبَةِ لِلصَّغِيرِ إِذْ كَانَ لَهُ مِنَ الْعُمُرِ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثُ سِنِينَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَمَاتَ وَلِعُمَرَ تِسْعُ سِنِينَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَفْتَقِرُ نِكَاحُهُ إِلَى وَلِيٍّ.
وَقَالَ ابن عقيل: ظَاهِرُ كَلَامِ أحمد أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُشْتَرَطُ فِي نِكَاحِهِ الْوَلِيُّ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ.
ثُمَّ تَزَوَّجَ زينب بنت جحش مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَهِيَ ابْنَةُ عَمَّتِهِ أميمة، وَفِيهَا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] [الْأَحْزَابِ ٣٧] وَبِذَلِكَ كَانَتْ تَفْتَخِرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ.
وَمِنْ خَوَاصِّهَا أَنَّ اللَّهَ كَانَ هُوَ وَلِيُّهَا الَّذِي زَوَّجَهَا لِرَسُولِهِ مِنْ فَوْقِ سَمَاوَاتِهِ، وَتُوُفِّيَتْ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَكَانَتْ أَوَّلًا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبَنَّاهُ، فَلَمَّا طَلَّقَهَا زيد زَوَّجَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِيَّاهَا لِتَتَأَسَّى بِهِ أُمَّتُهُ فِي نِكَاحِ أَزْوَاجِ مَنْ تَبَنَّوْهُ.
وَتَزَوَّجَ ﷺ جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقية، وَكَانَتْ مِنْ
стр. 72
سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَجَاءَتْهُ تَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى كِتَابَتِهَا، فَأَدَّى عَنْهَا كِتَابَتَهَا وَتَزَوَّجَهَا.
ثُمَّ تَزَوَّجَ أم حبيبة واسمها رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب القرشية الأموية. وَقِيلَ: اسْمُهَا هند، تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِبِلَادِ الْحَبَشَةِ مُهَاجِرَةً وَأَصْدَقَهَا عَنْهُ النَّجَاشِيُّ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وَسِيقَتْ إِلَيْهِ مِنْ هُنَاكَ وَمَاتَتْ فِي أَيَّامِ أَخِيهَا معاوية.
هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ الْمُتَوَاتِرُ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ وَالتَّوَارِيخِ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ نِكَاحِهِ لخديجة بِمَكَّةَ، ولحفصة بِالْمَدِينَةِ ولصفية بَعْدَ خَيْبَرَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ أبي زميل، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ أبا سفيان قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : " أَسْأَلُكَ ثَلَاثًا، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُنَّ، مِنْهَا: وَعِنْدِي أَجْمَلُ الْعَرَبِ أم حبيبة أُزَوِّجُكَ إِيَّاهَا» ".
فَهَذَا الْحَدِيثُ غَلَطٌ لَا خَفَاءَ بِهِ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: وَهُوَ مَوْضُوعٌ بِلَا شَكٍّ، كَذَبَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: هُوَ وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا تَرَدُّدَ، وَقَدِ اتَّهَمُوا بِهِ عِكْرِمَةَ بْنَ عَمَّارٍ؛ لِأَنَّ أَهْلَ
стр. 73
التَّارِيخِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أم حبيبة كَانَتْ تَحْتَ عبد الله بن جحش، وَوَلَدَتْ لَهُ، وَهَاجَرَ بِهَا وَهُمَا مُسْلِمَانِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، ثُمَّ تَنَصَّرَ وَثَبَتَتْ أم حبيبة عَلَى إِسْلَامِهَا فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى النَّجَاشِيِّ يَخْطُبُهَا عَلَيْهِ فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا وَأَصْدَقَهَا عَنْهُ صَدَاقًا، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَجَاءَ أبو سفيان فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَثَنَتْ فِرَاشَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى لَا يَجْلِسَ عَلَيْهِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ أبا سفيان ومعاوية أَسْلَمَا فِي فَتْحِ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ.
وَأَيْضًا فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: وَتُؤَمِّرُنِي حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: نَعَمْ. وَلَا يُعْرَفُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَّرَ أبا سفيان الْبَتَّةَ.
وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَتَعَدَّدَتْ طُرُقُهُمْ فِي وَجْهِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْفَتْحِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: وَلَا يُرَدُّ هَذَا بِنَقْلِ الْمُؤَرِّخِينَ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ بَاطِلَةٌ عِنْدَ مَنْ لَهُ أَدْنَى عِلْمٍ بِالسِّيرَةِ وَتَوَارِيخِ مَا قَدْ كَانَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ سَأَلَهُ أَنْ يُجَدِّدَ لَهُ الْعَقْدَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ لَا يُظَنُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا يَلِيقُ بِعَقْلِ أبي سفيان، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ البيهقي والمنذري: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أبي سفيان وَقَعَتْ فِي بَعْضِ خُرَجَاتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهُوَ كَافِرٌ حِينَ سَمِعَ نَعْيَ زَوْجِ أم حبيبة بِالْحَبَشَةِ، فَلَمَّا وَرَدَ عَلَى هَؤُلَاءِ مَا لَا حِيلَةَ لَهُمْ فِي دَفْعِهِ مِنْ سُؤَالِهِ أَنْ يُؤَمِّرَهُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْكُفَّارَ، وَأَنْ يَتَّخِذَ ابْنَهُ كَاتِبًا، قَالُوا: لَعَلَّ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَقَعَتَا مِنْهُ بَعْدَ الْفَتْحِ، فَجَمَعَ الرَّاوِي ذَلِكَ كُلَّهُ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَالتَّعَسُّفُ، وَالتَّكَلُّفُ الشَّدِيدُ الَّذِي فِي هَذَا الْكَلَامِ يُغْنِي عَنْ رَدِّهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لِلْحَدِيثِ مَحْمَلٌ آخَرُ صَحِيحٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَرْضَى أَنْ تَكُونَ زَوْجَتَكَ الْآنَ، فَإِنِّي قَبْلُ لَمْ أَكُنْ رَاضِيًا، وَالْآنَ فَإِنِّي قَدْ رَضِيتُ، فَأَسْأَلُكَ
стр. 74
أَنْ تَكُونَ زَوْجَتَكَ، وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سُوِّدَتْ بِهِ الْأَوْرَاقُ، وَصُنِّفَتْ فِيهِ الْكُتُبُ وَحَمَلَهُ النَّاسُ لَكَانَ الْأَوْلَى بِنَا الرَّغْبَةَ عَنْهُ لِضِيقِ الزَّمَانِ عَنْ كِتَابَتِهِ وَسَمَاعِهِ، وَالِاشْتِغَالِ بِهِ، فَإِنَّهُ مِنْ رُبْدِ الصُّدُورِ لَا مِنْ زُبْدِهَا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَمَّا سَمِعَ أبو سفيان أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَلَّقَ نِسَاءَهُ لَمَّا آلَى مِنْهُنَّ، أَقْبَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَا قَالَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ طَلَّقَهَا فِيمَنْ طَلَّقَ، وَهَذَا مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلِ الْحَدِيثُ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ وَقَعَ الْغَلَطُ وَالْوَهْمُ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ فِي تَسْمِيَةِ أم حبيبة، وَإِنَّمَا سَأَلَ أَنْ يُزَوِّجَهُ أُخْتَهَا رملة، وَلَا يَبْعُدُ خَفَاءُ التَّحْرِيمِ لِلْجَمْعِ عَلَيْهِ، فَقَدَ خَفِيَ ذَلِكَ عَلَى ابْنَتِهِ وَهِيَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَأَعْلَمُ حِينَ «قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : هَلْ لَكَ فِي أُخْتِي بِنْتِ أبي سفيان؟ فَقَالَ أَفْعَلُ مَاذَا؟ قَالَتْ: تَنْكِحُهَا. قَالَ: أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ قَالَتْ لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِي فِي الْخَيْرِ أُخْتِي، قَالَ: فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي» . فَهَذِهِ هِيَ الَّتِي عَرَضَهَا أبو سفيان عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَمَّاهَا الرَّاوِي مِنْ عِنْدِهِ أم حبيبة، وَقِيلَ: بَلْ كَانَتْ كُنْيَتُهَا أَيْضًا أم حبيبة، وَهَذَا الْجَوَابُ حَسَنٌ لَوْلَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا سَأَلَ، فَيُقَالُ حِينَئِذٍ هَذِهِ اللَّفْظَةُ وَهْمٌ مِنَ الرَّاوِي، فَإِنَّهُ أَعْطَاهُ بَعْضَ مَا سَأَلَ، فَقَالَ الرَّاوِي: أَعْطَاهُ مَا سَأَلَ أَوْ أَطْلَقَهَا اتِّكَالًا عَلَى فَهْمِ الْمُخَاطَبِ أَنَّهُ أَعْطَاهُ مَا يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ مِمَّا سَأَلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 75
وَتَزَوَّجَ ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب سَيِّدِ بَنِي النَّضِيرِ مِنْ وَلَدِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ أَخِي مُوسَى، فَهِيَ ابْنَةُ نَبِيٍّ، وَزَوْجَةُ نَبِيٍّ، وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، وَكَانَتْ قَدْ صَارَتْ لَهُ مِنَ الصَّفِيِّ أَمَةً فَأَعْتَقَهَا، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، فَصَارَ ذَلِكَ سُنَّةً لِلْأُمَّةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَنْ يَعْتِقَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ وَيَجْعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا فَتَصِيرَ زَوْجَتَهُ بِذَلِكَ، فَإِذَا قَالَ: أَعْتَقْتُ أَمَتِي، وَجَعَلْتُ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، أَوْ قَالَ: جَعَلْتُ عِتْقَ أَمَتِي صَدَاقَهَا، صَحَّ الْعِتْقُ وَالنِّكَاحُ، وَصَارَتْ زَوْجَتَهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ وَلَا وَلِيٍّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أحمد، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هَذَا خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ مِمَّا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ فِي النِّكَاحِ دُونَ الْأُمَّةِ، وَهَذَا قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاخْتِصَاصِ حَتَّى يَقُومَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا خَصَّهُ بِنِكَاحِ الْمَوْهُوبَةِ لَهُ قَالَ فِيهَا: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] [الْأَحْزَابِ ٥٠] وَلَمْ يَقُلْ هَذَا فِي الْمُعْتَقَةِ، وَلَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَقْطَعَ تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ فِي ذَلِكَ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَبَاحَ لَهُ نِكَاحَ امْرَأَةِ مَنْ تَبَنَّاهُ لِئَلَّا يَكُونَ عَلَى الْأُمَّةِ حَرَجٌ فِي نِكَاحِ أَزْوَاجِ مَنْ تَبَنَّوْهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا نَكَحَ نِكَاحًا فَلِأُمَّتِهِ التَّأَسِّي بِهِ فِيهِ مَا لَمْ يَأْتِ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ نَصٌ بِالِاخْتِصَاصِ وَقَطْعِ التَّأَسِّي، وَهَذَا ظَاهِرٌ.
وَلِتَقْرِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَسْطِ الْحِجَاجِ فِيهَا - وَتَقْرِيرِ أَنَّ جَوَازَ مِثْلِ هَذَا هُوَ مُقْتَضَى الْأُصُولِ وَالْقِيَاسِ - مَوْضِعٌ آخَرُ، وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ تَنْبِيهًا.
ثُمَّ تَزَوَّجَ ميمونة بنت الحارث الهلالية، وَهِيَ آخِرُ مَنْ تَزَوَّجَ بِهَا، تَزَوَّجَهَا بِمَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ بَعْدَ أَنْ حَلَّ مِنْهَا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: قَبْلَ إِحْلَالِهِ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَوَهِمَ ﵁، فَإِنَّ السَّفِيرَ بَيْنَهُمَا بِالنِّكَاحِ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِالْقِصَّةِ، وَهُوَ أبو رافع، وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا حَلَالًا وَقَالَ: كُنْتُ أَنَا السَّفِيرَ بَيْنَهُمَا، وَابْنُ عَبَّاسٍ إِذْ ذَاكَ لَهُ نَحْوُ الْعَشْرِ سِنِينَ أَوْ فَوْقَهَا، وَكَانَ غَائِبًا عَنِ الْقِصَّةِ لَمْ يَحْضُرْهَا، وأبو رافع رَجُلٌ بَالِغٌ، وَعَلَى يَدِهِ دَارَتِ الْقِصَّةُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّرْجِيحِ مُوجِبٌ لِلتَّقْدِيمِ،
стр. 76
وَمَاتَتْ فِي أَيَّامِ معاوية، وَقَبْرُهَا بِ " سَرِفَ ".
قِيلَ: وَمِنْ أَزْوَاجِهِ ريحانة بنت زيد النضرية.، وَقِيلَ: الْقُرَظِيَّةُ، سُبِيَتْ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَكَانَتْ صَفِيَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً، ثُمَّ رَاجَعَهَا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ كَانَتْ أَمَتَهُ وَكَانَ يَطَؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ حَتَّى تُوُفِّيَ عَنْهَا، فَهِيَ مَعْدُودَةٌ فِي السَّرَارِيِّ لَا فِي الزَّوْجَاتِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ اخْتِيَارُ الْوَاقِدِيِّ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ شرف الدين الدمياطي. وَقَالَ: هُوَ الْأَثْبَتُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّهَا مِنْ سَرَارِيِّهِ، وَإِمَائِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَهَؤُلَاءِ نِسَاؤُهُ الْمَعْرُوفَاتُ اللَّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ، وَأَمَّا مَنْ خَطَبَهَا وَلَمْ يَتَزَوَّجْهَا وَمَنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَهُ وَلَمْ يَتَزَوَّجْهَا فَنَحْوُ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُنَّ ثَلَاثُونَ امْرَأَةً، وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِسِيرَتِهِ وَأَحْوَالِهِ ﷺ لَا يَعْرِفُونَ هَذَا، بَلْ يُنْكِرُونَهُ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ بَعَثَ إِلَى الجونية لِيَتَزَوَّجَهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا لِيَخْطُبَهَا فَاسْتَعَاذَتْ مِنْهُ فَأَعَاذَهَا وَلَمْ يَتَزَوَّجْهَا، وَكَذَلِكَ الكلبية، وَكَذَلِكَ الَّتِي رَأَى بِكَشْحِهَا بَيَاضًا فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَالَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَهُ فَزَوَّجَهَا غَيْرَهُ عَلَى سُوَرٍ مِنَ الْقُرْآنِ، هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ ﷺ تُوُفِّيَ عَنْ تِسْعٍ، وَكَانَ يَقْسِمُ مِنْهُنَّ لِثَمَانٍ: عائشة، وحفصة، وزينب بنت جحش، وأم سلمة، وصفية، وأم حبيبة، وميمونة، وسودة، وجويرية.
وَأَوَّلُ نِسَائِهِ لُحُوقًا بِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ زينب بنت جحش سَنَةَ عِشْرِينَ، وَآخِرُهُنَّ مَوْتًا أم سلمة سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ فِي خِلَافَةِ يزيد وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 77
[فَصْلٌ فِي سَرَارِيِّهِ ﷺ ]
فَصْلٌ
فِي سَرَارِيِّهِ ﷺ
قَالَ أبو عبيدة: كَانَ لَهُ أَرْبَعٌ: مارية وَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ إبراهيم، وريحانة وَجَارِيَةٌ أُخْرَى جَمِيلَةٌ أَصَابَهَا فِي بَعْضِ السَّبْيِ، وَجَارِيَةٌ وَهَبَتْهَا لَهُ زينب بنت جحش.
[فَصْلٌ فِي مَوَالِيهِ ﷺ ]
فَصْلٌ
فِي مَوَالِيهِ ﷺ
فَمِنْهُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَعْتَقَهُ وَزَوَّجَهُ مَوْلَاتَهُ أم أيمن، فَوَلَدَتْ لَهُ أسامة.
وَمِنْهُمْ أسلم، وأبو رافع، وثوبان، وأبو كبشة سليم، وشقران واسمه صالح، ورباح نوبي، ويسار نوبي أَيْضًا، وَهُوَ قَتِيلُ الْعُرَنِيِّينَ، ومدعم، وكركرة، نوبي أَيْضًا، وَكَانَ عَلَى ثَقَلِهِ ﷺ ، وَكَانَ يُمْسِكُ رَاحِلَتَهُ عِنْدَ الْقِتَالِ يَوْمَ خَيْبَرَ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ الَّذِي غَلَّ الشَّمْلَةَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَقُتِلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ( «إِنَّهَا لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا» ) وَفِي "الْمُوَطَّأِ" أَنَّ الَّذِي غَلَّهَا
стр. 78
مدعم، وَكِلَاهُمَا قُتِلَ بِخَيْبَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهُمْ أنجشة الحادي، وسفينة بن فروخ واسمه مهران، وَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَفِينَةَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُحَمِّلُونَهُ فِي السَّفَرِ مَتَاعَهُمْ، فَقَالَ: (أَنْتَ سَفِينَةُ) . قَالَ أبو حاتم: أَعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَعْتَقَتْهُ أم سلمة.
стр. 79
وَمِنْهُمْ أنسة، ويكنى أبا مشرح، وأفلح، وعبيد، وطهمان وهو كيسان، وذكوان، ومهران، ومروان، وَقِيلَ: هَذَا خِلَافٌ فِي اسْمِ طهمان، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهُمْ حنين، وسندر، وفضالة يماني، ومابور خصي، وواقد، وأبو واقد، وقسام، وأبو عسيب، وأبو مويهبة.
وَمِنَ النِّسَاءِ: سلمى أم رافع، وميمونة بنت سعد، وخضرة، ورضوى، ورزينة، وأم ضميرة، وميمونة بنت أبي عسيب، ومارية، وريحانة.
[فَصْلٌ فِي خُدَّامِهِ ﷺ ]
فَصْلٌ
فِي خُدَّامِهِ ﷺ
فَمِنْهُمْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَكَانَ عَلَى حَوَائِجِهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ صَاحِبُ نَعْلِهِ وَسِوَاكِهِ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ صَاحِبُ بَغْلَتِهِ، يَقُودُ بِهِ فِي الْأَسْفَارِ، وأسلع بن شريك، وَكَانَ صَاحِبَ رَاحِلَتِهِ، وبلال بن رباح المؤذن، وسعد، موليا أبي بكر الصديق، وَأَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ، وأيمن بن عبيد، وَأُمُّهُ أم أيمن مَوْلَيَا النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ أيمن عَلَى مِطْهَرَتِهِ وَحَاجَتِهِ.
[فَصْلٌ فِي كُتَّابِهِ ﷺ ]
فَصْلٌ
فِي كُتَّابِهِ ﷺ
أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وعامر بن فهيرة، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ، وَثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وحنظلة بن الربيع الأسيدي، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ لَهُ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَكَانَ أَلْزَمَهُمْ لِهَذَا الشَّأْنِ وَأَخَصَّهُمْ بِهِ.
стр. 80
[فَصْلٌ فِي كُتُبِهِ ﷺ الَّتِي كَتَبَهَا إِلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي الشَّرَائِعِ]
فَصْلٌ
فِي كُتُبِهِ ﷺ الَّتِي كَتَبَهَا إِلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي الشَّرَائِعِ
فَمِنْهَا كِتَابُهُ فِي الصَّدَقَاتِ الَّذِي كَانَ عِنْدَ أبي بكر، وَكَتَبَهُ أبو بكر لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْجُمْهُورِ.
وَمِنْهَا كِتَابُهُ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، وَهُوَ الْكِتَابُ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الحاكم فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَالنَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُمَا
стр. 81
مُسْنَدًا مُتَّصِلًا، وَرَوَاهُ أبو داود وَغَيْرُهُ مُرْسَلًا، وَهُوَ كِتَابٌ عَظِيمٌ، فِيهِ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْفِقْهِ فِي الزَّكَاةِ، وَالدِّيَاتِ، وَالْأَحْكَامِ، وَذِكْرِ الْكَبَائِرِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَأَحْكَامِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَالِاحْتِبَاءِ فِيهِ، وَمَسِّ الْمُصْحَفِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا شَكَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَهُ، وَاحْتَجَّ الْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ بِمَا فِيهِ مِنْ مَقَادِيرِ الدِّيَاتِ.
стр. 82
وَمِنْهَا كِتَابُهُ إِلَى بَنِي زُهَيْرٍ.
وَمِنْهَا كِتَابُهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي نُصُبِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا.
[فَصْلٌ فِي كُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﷺ إِلَى الْمُلُوكِ]
فَصْلٌ
فِي كُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﷺ إِلَى الْمُلُوكِ
لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ كَتَبَ إِلَى مُلُوكِ الْأَرْضِ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رُسُلَهُ، فَكَتَبَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا إِذَا كَانَ مَخْتُومًا فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ وَنَقَشَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ: مُحَمَّدٌ سَطْرٌ، وَرَسُولُ سَطْرٌ، وَاللَّهِ سَطْرٌ، وَخَتَمَ بِهِ الْكُتُبَ إِلَى الْمُلُوكِ، وَبَعَثَ سِتَّةَ نَفَرٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ.
فَأَوَّلُهُمْ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، بَعَثَهُ إِلَى النجاشي، واسمه أصحمة بن أبجر، وَتَفْسِيرُ "أَصْحَمَةَ" بِالْعَرَبِيَّةِ: عَطِيَّةٌ، فَعَظَّمَ كِتَابَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَشَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ، وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِالْإِنْجِيلِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ بِالْحَبَشَةِ، هَكَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ الِوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّ أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيَّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ هُوَ الَّذِي كَتَبَ إِلَيْهِ، هَذَا الثَّانِي لَا يُعْرَفُ إِسْلَامُهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا.
وَقَدْ رَوَى مسلم فِي "صَحِيحِهِ" مِنْ حَدِيثِ قتادة، عَنْ أنس قَالَ: «كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى
стр. 83
كِسْرَى، وَإِلَى قيصر، وَإِلَى النَّجَاشِيِّ، وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى» ، وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: إِنَّ هَذَا النَّجَاشِيَّ الَّذِي بَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ لَمْ يُسْلِمْ، وَالْأَوَّلُ هُوَ اخْتِيَارُ ابن سعد وَغَيْرِهِ، وَالظَّاهِرُ قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ.
وَبَعَثَ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيَّ إِلَى قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ، وَاسْمُهُ هرقل وَهَمَّ بِالْإِسْلَامِ وَكَادَ، وَلَمْ يَفْعَلْ، وَقِيلَ: بَلْ أَسْلَمَ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «: مَنْ يَنْطَلِقُ بِصَحِيفَتِي هَذِهِ إِلَى قيصر وَلَهُ الْجَنَّةُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ؟ قَالَ: " وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ " فَوَافَقَ قيصر وَهُوَ يَأْتِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ قَدْ جُعِلَ عَلَيْهِ بِسَاطٌ لَا يَمْشِي عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَرَمَى بِالْكِتَابِ عَلَى الْبِسَاطِ وَتَنَحَّى، فَلَمَّا انْتَهَى قَيْصَرُ إِلَى الْكِتَابِ أَخَذَهُ، فَنَادَى قيصر: مَنْ صَاحِبُ الْكِتَابِ؟ فَهُوَ آمِنٌ. فَجَاءَ الرَّجُلُ؛ فَقَالَ أَنَا. قَالَ فَإِذَا قَدِمْتَ فَأْتِنِي، فَلَمَّا قَدِمَ أَتَاهُ، فَأَمَرَ قيصر بِأَبْوَابِ قَصْرِهِ فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ قيصر قَدِ اتَّبَعَ مُحَمَّدًا وَتَرَكَ النَّصْرَانِيَّةَ، فَأَقْبَلَ جُنْدُهُ وَقَدْ تَسَلَّحُوا حَتَّى أَطَافُوا بِهِ، فَقَالَ لِرَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : قَدْ تَرَى أَنِّي خَائِفٌ عَلَى مَمْلَكَتِي، ثُمَّ أَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى: أَلَا إِنَّ قيصر قَدْ رَضِيَ عَنْكُمْ، وَإِنَّمَا اخْتَبَرَكُمْ لِيَنْظُرَ كَيْفَ صَبْرُكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَارْجِعُوا فَانْصَرِفُوا، وَكَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنِّي مُسْلِمٌ وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِدَنَانِيرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ وَهُوَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ" وَقَسَّمَ الدَّنَانِيرَ» ) .
«وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ إِلَى كسرى، واسمه أبرويز بن هرمز بن
стр. 84
أنوشروان، فَمَزَّقَ كِتَابَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (: اللَّهُمَّ مَزِّقْ مُلْكَهُ) » فَمَزَّقَ اللَّهُ مُلْكَهُ وَمُلْكَ قَوْمِهِ.
وَبَعَثَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُقَوْقِسِ، وَاسْمُهُ جريج بن ميناء مَلِكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ عَظِيمُ الْقِبْطِ، فَقَالَ خَيْرًا وَقَارَبَ الْأَمْرَ وَلَمْ يُسْلِمْ، وَأَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ مارية وَأُخْتَيْهَا سيرين وقيسرى، فَتَسَرَّى مارية، وَوَهَبَ سيرين لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَهْدَى لَهُ جَارِيَةً أُخْرَى، وَأَلْفَ مِثْقَالٍ ذَهَبًا، وَعِشْرِينَ ثَوْبًا مِنْ قَبَاطِيِّ مِصْرَ، وَبَغْلَةً شَهْبَاءَ وَهِيَ دُلْدُلُ، وَحِمَارًا أَشْهَبَ، وَهُوَ عُفَيْرٌ، وَغُلَامًا خَصِيًّا يُقَالُ لَهُ مابور. وَقِيلَ: هُوَ ابْنُ عَمِّ مارية، وَفَرَسًا وَهُوَ اللِّزَازُ، وَقَدَحًا مِنْ زُجَاجٍ وَعَسَلًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ( «ضَنَّ الْخَبِيثُ بِمُلْكِهِ، وَلَا بَقَاءَ لِمُلْكِهِ» )
وَبَعَثَ شجاع بن وهب الأسدي إِلَى الحارث بن أبي شمر الغساني مَلِكِ الْبَلْقَاءِ، قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْوَاقِدِيُّ. قِيلَ: إِنَّمَا تَوَجَّهَ لِجَبَلَةَ بْنِ الْأَيْهَمِ. وَقِيلَ: تَوَجَّهَ لَهُمَا مَعًا. وَقِيلَ: تَوَجَّهَ لهرقل مَعَ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 85
وَبَعَثَ سليط بن عمرو إِلَى هوذة بن علي الحنفي بِالْيَمَامَةِ، فَأَكْرَمَهُ. وَقِيلَ: بَعَثَهُ إِلَى هَوْذَةَ، وَإِلَى ثمامة بن أثال الحنفي، فَلَمْ يُسْلِمْ هوذة، وَأَسْلَمَ ثمامة بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَؤُلَاءِ السِّتَّةُ قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.
وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ إِلَى جيفر وعبد الله ابني الجلندى الأزديين بِعُمَانَ، فَأَسْلَمَا، وَصَدَقَا، وَخَلَّيَا بَيْنَ عمرو وَبَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالْحُكْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَلَمْ يَزَلْ فِيمَا بَيْنَهُمْ حَتَّى بَلَغَتْهُ وَفَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَبَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى المنذر بن ساوى العبدي مَلِكِ الْبَحْرَيْنِ قَبْلَ مُنْصَرَفِهِ مِنَ " الْجِعْرَانَةِ " وَقِيلَ: قَبْلَ الْفَتْحِ فَأَسْلَمَ وَصَدَقَ.
وَبَعَثَ المهاجر بن أبي أمية المخزومي إِلَى الحارث بن عبد كلال الحميري بِالْيَمَنِ، فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي.
وَبَعَثَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ تَبُوكَ.
وَقِيلَ بَلْ سَنَةَ عَشْرٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ دَاعِيَيْنِ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ عَامَّةُ أَهْلِهَا طَوْعًا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ.
ثُمَّ بَعَثَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ إِلَيْهِمْ وَوَافَاهُ بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
وَبَعَثَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ إِلَى ذي الكلاع الحميري، وذي عمرو، يَدْعُوهُمَا إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَا، وَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وجرير عِنْدَهُمْ.
стр. 86
وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ إِلَى مسيلمة الكذاب بِكِتَابٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِكِتَابٍ آخَرَ مَعَ السائب بن العوام أَخِي الزبير فَلَمْ يُسْلِمْ.
وَبَعَثَ إِلَى فروة بن عمرو الجذامي يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ. وَقِيلَ: لَمْ يَبْعَثْ إِلَيْهِ، وَكَانَ فروة عَامِلًا لقيصر بِمَعَانَ، فَأَسْلَمَ، وَكَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِإِسْلَامِهِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ هَدِيَّةً مَعَ مسعود بن سعد، وَهِيَ بَغْلَةٌ شَهْبَاءُ، يُقَالُ لَهَا: فِضَّةُ، وَفَرَسٌ يُقَالُ لَهَا: الظَّرِبُ، وَحِمَارٌ يُقَالُ لَهُ: يَعْفُورُ، كَذَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَالظَّاهِرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ عُفَيْرًا، وَيَعْفُورَ وَاحِدٌ، عُفَيْرٌ تَصْغِيرُ يَعْفُورَ تَصْغِيرَ التَّرْخِيمِ.
وَبَعَثَ أَثْوَابًا وَقَبَاءً مِنْ سُنْدُسٍ مُخَوَّصٍ بِالذَّهَبِ، فَقَبِلَ هَدِيَّتَهُ، وَوَهَبَ لمسعود بن سعد اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا.
وَبَعَثَ عياش بن أبي ربيعة المخزومي بِكِتَابٍ إِلَى الحارث ومسروح ونعيم بني عبد كلال مِنْ حِمْيَرَ.
[فَصْلٌ فِي مُؤَذِّنِيهِ ﷺ ]
فَصْلٌ
فِي مُؤَذِّنِيهِ ﷺ
وَكَانُوا أَرْبَعَةً: اثْنَانِ بِالْمَدِينَةِ: بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَذَّنَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وعمرو بن أم مكتوم القرشي العامري الأعمى، وَبِقُبَاءٍ: سعد القرظ مَوْلَى عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَبِمَكَّةَ: أبو محذورة، واسمه أوس بن مغيرة الجمحي، وَكَانَ أَبُو مَحْذُورَةَ مِنْهُمْ يُرَجِّعُ الْأَذَانَ، وَيُثَنِّي الْإِقَامَةَ، وبلال لَا يُرَجِّعُ، وَيُفْرِدُ
стр. 87
الْإِقَامَةَ، فَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَأَهْلُ مَكَّةَ بِأَذَانِ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَإِقَامَةِ بلال، وَأَخَذَ أبو حنيفة ﵀، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ بِأَذَانِ بلال، وَإِقَامَةِ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَأَخَذَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ بِأَذَانِ بلال وَإِقَامَتِهِ، وَخَالَفَ مالك ﵀ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: إِعَادَةِ التَّكْبِيرِ: وَتَثْنِيَةِ لَفْظِ الْإِقَامَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُكَرِّرُهَا.
[فَصْلٌ فِي أُمَرَائِهِ ﷺ ]
مِنْهُمْ باذان بن ساسان، من ولد بهرام جور، أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كُلِّهَا بَعْدَ مَوْتِ كِسْرَى، فَهُوَ أَوَّلُ أَمِيرٍ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى الْيَمَنِ، وَأَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ مُلُوكِ الْعَجَمِ.
ثُمَّ أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ مَوْتِ باذان ابْنَهُ شهر بن باذان عَلَى صَنْعَاءَ وَأَعْمَالِهَا. ثُمَّ قُتِلَ شهر، فَأَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى صَنْعَاءَ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ.
وَوَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المهاجر بن أبي أمية المخزومي كِنْدَةَ وَالصَّدِفَ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَسِرْ إِلَيْهَا، فَبَعَثَهُ أبو بكر إِلَى قِتَالِ أُنَاسٍ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ.
стр. 88
وَوَلَّى زياد بن أمية الأنصاري حَضْرَمَوْتَ.
وَوَلَّى أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ زَبِيدَ وَعَدَنَ وَالسَّاحِلَ.
وَوَلَّى مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ الْجَنَدَ.
وَوَلَّى أَبَا سُفْيَانَ صَخْرَ بْنَ حَرْبٍ نَجْرَانَ.
وَوَلَّى ابْنَهُ يزيد تَيْمَاءَ.
وَوَلَّى عتاب بن أسيد مَكَّةَ، وَإِقَامَةَ الْمَوْسِمِ بِالْحَجِّ بِالْمُسْلِمِينَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَلَهُ دُونَ الْعِشْرِينَ سَنَةً.
وَوَلَّى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ الْأَخْمَاسَ بِالْيَمَنِ وَالْقَضَاءَ بِهَا.
وَوَلَّى عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عُمَانَ وَأَعْمَالَهَا.
وَوَلَّى الصَّدَقَاتِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً، لِأَنَّهُ كَانَ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ وَالٍ يَقْبِضُ صَدَقَاتِهَا، فَمِنْ هُنَا كَثُرَ عُمَّالُ الصَّدَقَاتِ.
وَوَلَّى أبا بكر إِقَامَةَ الْحَجِّ سَنَةَ تِسْعٍ، وَبَعَثَ فِي إِثْرِهِ عليا يَقْرَأُ عَلَى النَّاسِ سُورَةَ (بَرَاءَةَ) فَقِيلَ: لِأَنَّ أَوَّلَهَا نَزَلَ بَعْدَ خُرُوجِ أبي بكر إِلَى الْحَجِّ. وَقِيلَ: بَلْ لِأَنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ كَانَتْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْعُقُودَ وَيَعْقِدُهَا إِلَّا الْمُطَاعُ، أَوْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ. وَقِيلَ: أَرْدَفَهُ بِهِ عَوْنًا لَهُ وَمُسَاعِدًا. وَلِهَذَا قَالَ لَهُ الصِّدِّيقُ: (أَمِيرٌ أَوْ مَأْمُورٌ؟ قَالَ: بَلْ مَأْمُورٌ) .
وَأَمَّا أَعْدَاءُ اللَّهِ الرَّافِضَةُ، فَيَقُولُونَ عَزَلَهُ بعلي، وَلَيْسَ هَذَا بِبِدْعٍ مِنْ بُهْتِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ.
стр. 89
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ، هَلْ كَانَتْ هَذِهِ الْحَجَّةُ قَدْ وَقَعَتْ فِي شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ، أَوْ كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ أَجْلِ النَّسِيءِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي حَرَسِهِ ﷺ ]
فَمِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، حَرَسَهُ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ نَامَ فِي الْعَرِيشِ، ومحمد بن مسلمة حَرَسَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ حَرَسَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ.
وَمِنْهُمْ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ عَلَى حَرَسِهِ، وَحَرَسَهُ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ، فَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] [الْمَائِدَةِ ٦٧] خَرَجَ عَلَى النَّاسِ فَأَخْبَرَهُمْ بِهَا وَصَرَفَ الْحَرَسَ.
[فَصْلٌ فِيمَنْ كَانَ يَضْرِبُ الْأَعْنَاقَ بَيْنَ يَدَيْهِ ﷺ ]
عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو، ومحمد بن مسلمة، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، والضحاك بن سفيان الكلابي
وَكَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ مِنْهُ ﷺ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ مِنَ الْأَمِيرِ، وَوَقَفَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ عَلَى رَأْسِهِ بِالسَّيْفِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ
стр. 90
[فَصْلٌ فِيمَنْ كَانَ عَلَى نَفَقَاتِهِ وَخَاتَمِهِ وَنَعْلِهِ وَسِوَاكِهِ وَمَنْ كَانَ يَأْذَنُ عَلَيْهِ]
فَصْلٌ
فِيمَنْ كَانَ عَلَى نَفَقَاتِهِ وَخَاتَمِهِ وَنَعْلِهِ وَسِوَاكِهِ وَمَنْ كَانَ يَأْذَنُ عَلَيْهِ
كَانَ بلال عَلَى نَفَقَاتِهِ، ومعيقيب بن أبي فاطمة الدوسي عَلَى خَاتَمِهِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى سِوَاكِهِ وَنَعْلِهِ، وَأَذِنَ عَلَيْهِ رباح الأسود وأنسة مَوْلَيَاهُ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ.
[فَصْلٌ فِي شُعَرَائِهِ وَخُطَبَائِهِ ﷺ ]
فَصْلٌ
فِي شُعَرَائِهِ وَخُطَبَائِهِ ﷺ
كَانَ مِنْ شُعَرَائِهِ الَّذِينَ يَذُبُّونَ عَنِ الْإِسْلَامِ: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَكَانَ أَشَدَّهُمْ عَلَى الْكُفَّارِ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يُعَيِّرُهُمْ بِالْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَكَانَ خَطِيبَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ.
[فَصْلٌ فِي حُدَاتِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَحْدُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ ﷺ فِي السَّفَرِ]
فَصْلٌ
فِي حُدَاتِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَحْدُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ ﷺ فِي السَّفَرِ
مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وأنجشة، وعامر بن الأكوع وَعَمُّهُ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ. وَفِي "صَحِيحِ مسلم ": «كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَادٍ حَسَنُ الصَّوْتِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رُوَيْدًا يَا أنجشة لَا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ» ". يَعْنِي ضَعَفَةَ النِّسَاءِ.
стр. 91
[فَصْلٌ فِي غَزَوَاتِهِ وَبُعُوثِهِ وَسَرَايَاهُ ﷺ ]
فَصْلٌ
فِي غَزَوَاتِهِ وَبُعُوثِهِ وَسَرَايَاهُ ﷺ
غَزَوَاتُهُ كُلُّهَا وَبُعُوثُهُ وَسَرَايَاهُ كَانَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ فِي مُدَّةِ عَشْرِ سِنِينَ، فَالْغَزَوَاتُ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ، وَقِيلَ: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ، وَقِيلَ: تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، قَاتَلَ مِنْهَا فِي تِسْعٍ: بَدْرٍ، وَأُحُدٍ، وَالْخَنْدَقِ، وَقُرَيْظَةَ، وَالْمُصْطَلِقِ، وَخَيْبَرَ، وَالْفَتْحِ، وَحُنَيْنٍ، وَالطَّائِفِ. وَقِيلَ: قَاتَلَ فِي بَنِي النَّضِيرِ، وَالْغَابَةِ، وَوَادِي الْقُرَى مِنْ أَعْمَالِ خَيْبَرَ.
وَأَمَّا سَرَايَاهُ وَبُعُوثُهُ، فَقَرِيبٌ مِنْ سِتِّينَ، وَالْغَزَوَاتُ الْكِبَارُ الْأُمُّهَاتُ سَبْعٌ: بَدْرٌ، وَأُحُدٌ، وَالْخَنْدَقُ، وَخَيْبَرُ، وَالْفَتْحُ، وَحُنَيْنٌ، وَتَبُوكُ. وَفِي شَأْنِ هَذِهِ الْغَزَوَاتِ نَزَلَ الْقُرْآنُ، فَسُورَةُ (الْأَنْفَالِ) سُورَةُ بَدْرٍ، وَفِي أُحُدٍ آخِرُ سُورَةِ (آلِ عِمْرَانَ) مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] [آلِ عِمْرَانَ ١٢١] إِلَى قُبَيْلِ آخِرِهَا بِيَسِيرٍ، وَفِي قِصَّةِ الْخَنْدَقِ، وَقُرَيْظَةَ، وَخَيْبَرَ صَدْرُ (سُورَةِ الْأَحْزَابِ) ، وَسُورَةُ (الْحَشْرِ) فِي بَنِي النَّضِيرِ، وَفِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَخَيْبَرَ سُورَةُ (الْفَتْحِ) وَأُشِيرَ فِيهَا إِلَى الْفَتْحِ، وَذُكِرَ الْفَتْحُ صَرِيحًا فِي سُورَةِ (النَّصْرِ) .
وَجُرِحَ مِنْهَا ﷺ فِي غَزْوَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ أُحُدٌ، وَقَاتَلَتْ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مِنْهَا فِي بَدْرٍ وَحُنَيْنٍ، وَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَزَلْزَلَتِ الْمُشْرِكِينَ وَهَزَمَتْهُمْ، وَرَمَى فِيهَا الْحَصْبَاءَ فِي وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ فَهَرَبُوا، وَكَانَ الْفَتْحُ فِي غَزْوَتَيْنِ: بَدْرٍ، وَحُنَيْنٍ.
وَقَاتَلَ بِالْمَنْجَنِيقِ مِنْهَا فِي غَزْوَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ الطَّائِفُ، وَتَحَصَّنَ فِي الْخَنْدَقِ فِي وَاحِدَةٍ، وَهِيَ الْأَحْزَابُ أَشَارَ بِهِ عَلَيْهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ ﵁.
стр. 92
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ سِلَاحِهِ وَأَثَاثِهِ ﷺ ]
فَصْلٌ
فِي ذِكْرِ سِلَاحِهِ وَأَثَاثِهِ ﷺ
كَانَ لَهُ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ:
مَأْثُورٌ، وَهُوَ أَوَّلُ سَيْفٍ مَلَكَهُ، وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ.
وَالْعَضْبُ، وَذُو الْفِقَارِ بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَبِفَتْحِ الْفَاءِ، وَكَانَ لَا يَكَادُ يُفَارِقُهُ، وَكَانَتْ قَائِمَتُهُ وَقَبِيعَتُهُ وَحَلْقَتُهُ وَذُؤَابَتُهُ وَبَكَرَاتُهُ وَنَعْلُهُ مِنْ فِضَّةٍ. وَالْقَلَعِيُّ، وَالْبَتَّارُ، وَالْحَتْفُ وَالرَّسُوبُ، وَالْمِخْذَمُ، وَالْقَضِيبُ، وَكَانَ نَعْلُ سَيْفِهِ فِضَّةً، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ حَلَقُ فِضَّةٍ.
وَكَانَ سَيْفُهُ ذُو الْفِقَارِ تَنَفَّلَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ الَّذِي أُرِيَ فِيهَا الرُّؤْيَا، وَدَخَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَى سَيْفِهِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ.
وَكَانَ لَهُ سَبْعَةُ أَدْرُعٍ: ذَاتُ الْفُضُولِ: وَهِيَ الَّتِي رَهَنَهَا عِنْدَ أبي الشحم اليهودي عَلَى شَعِيرٍ لِعِيَالِهِ، وَكَانَ ثَلَاثِينَ صَاعًا، وَكَانَ الدَّيْنُ إِلَى سَنَةٍ، وَكَانَتِ الدِّرْعُ مِنْ حَدِيدٍ.
وَذَاتُ الْوِشَاحِ، وَذَاتُ الْحَوَاشِي، وَالسَّعْدِيَّةُ وَفِضَّةُ، وَالْبَتْرَاءُ وَالْخِرْنِقُ.
وَكَانَتْ لَهُ سِتُّ قِسِيٍّ: الزَّوْرَاءُ، وَالرَّوْحَاءُ، وَالصَّفْرَاءُ، وَالْبَيْضَاءُ، وَالْكَتُومُ، كُسِرَتْ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَخَذَهَا قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَالسَّدَادُ.
وَكَانَتْ لَهُ جَعْبَةٌ تُدْعَى: الْكَافُورُ، وَمِنْطَقَةٌ مِنْ أَدِيمٍ مَنْشُورٌ فِيهَا ثَلَاثُ حِلَقٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَالْإِبْزِيمُ مِنْ فِضَّةٍ، وَالطَّرَفُ مِنْ فِضَّةٍ، وَكَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابن تيمية: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَدَّ عَلَى وَسَطِهِ مِنْطَقَةً.
وَكَانَ لَهُ تُرْسٌ يُقَالُ لَهُ: الزَّلُوقُ، وَتُرْسٌ يُقَالُ لَهُ: الْفُتَقُ. قِيلَ: وَتُرْسٌ أُهْدِيَ إِلَيْهِ، فِيهِ صُورَةُ تِمْثَالٍ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ اللَّهُ ذَلِكَ التِّمْثَالَ.
стр. 93
وَكَانَتْ لَهُ خَمْسَةُ أَرْمَاحٍ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمُ: الْمُثْوِي، وَالْآخَرِ: الْمُثْنِي، وَحَرْبَةٌ يُقَالُ لَهَا: النَّبْعَةُ، وَأُخْرَى كَبِيرَةٌ تُدْعَى: الْبَيْضَاءُ، وَأُخْرَى صَغِيرَةٌ شِبْهُ الْعُكَّازِ يُقَالُ لَهَا: الْعَنَزَةُ يَمْشِي بِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الْأَعْيَادِ، تُرَكَّزُ أَمَامَهُ، فَيَتَّخِذُهَا سُتْرَةً يُصَلِّي إِلَيْهَا، وَكَانَ يَمْشِي بِهَا أَحْيَانًا.
وَكَانَ لَهُ مِغْفَرٌ مِنْ حَدِيدٍ يُقَالُ لَهُ: الْمُوَشَّحُ، وُشِحَ بِشَبَهٍ، وَمِغْفَرٌ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: السُّبُوغُ، أَوْ ذُو السُّبُوغِ.
وَكَانَ لَهُ ثَلَاثُ جِبَابٍ يَلْبَسُهَا فِي الْحَرْبِ. قِيلَ فِيهَا: جُبَّةُ سُنْدُسٍ أَخْضَرَ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ لَهُ يَلْمَقُ مِنْ دِيبَاجٍ بِطَانَتُهُ سُنْدُسٌ أَخْضَرُ، يَلْبَسُهُ فِي الْحَرْبِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْهِ يُجَوِّزُ لُبْسَ الْحَرِيرِ فِي الْحَرْبِ.
وَكَانَتْ لَهُ رَايَةٌ سَوْدَاءُ يُقَالُ لَهَا: الْعُقَابُ. وَفِي "سُنَنِ أبي داود " عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ ( «رَأَيْتُ رَايَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَفْرَاءَ، وَكَانَتْ لَهُ أَلْوِيَةٌ بَيْضَاءُ، وَرُبَّمَا جُعِلَ فِيهَا الْأَسْوَدُ» ) .
وَكَانَ لَهُ فُسْطَاطٌ يُسَمَّى: الْكِنَّ، وَمِحْجَنٌ قَدْرُ ذِرَاعٍ أَوْ أَطْوَلُ يَمْشِي بِهِ وَيَرْكَبُ بِهِ، وَيُعَلِّقُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى بَعِيرِهِ، وَمِخْصَرَةٍ تُسَمَّى: الْعُرْجُونَ، وَقَضِيبٌ مِنَ الشُّوْحَطِ يُسَمَّى: الْمَمْشُوقَ. قِيلَ: وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَتَدَاوَلُهُ الْخُلَفَاءُ.
وَكَانَ لَهُ قَدَحٌ يُسَمَّى: الرَّيَّانُ، وَيُسَمَّى مُغْنِيًا، وَقَدَحٌ آخَرُ مُضَبَّبٌ بِسِلْسِلَةٍ مِنْ فِضَّةٍ.
وَكَانَ لَهُ قَدَحٌ مِنْ قَوَارِيرَ، وَقَدَحٌ مِنْ عِيدَانٍ يُوضَعُ تَحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فِيهِ بِاللَّيْلِ، وَرَكْوَةٌ تُسَمَّى: الصَّادِرُ، قِيلَ: وَتَوْرٌ مِنْ حِجَارَةٍ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ، وَمِخْضَبٌ مِنْ شَبَهٍ، وَقَعْبٌ يُسَمَّى: السَّعَةَ، وَمُغْتَسَلٌ مِنْ صُفْرٍ، وَمُدَّهَنٌ، وَرَبْعَةٌ يَجْعَلُ فِيهَا
стр. 94
الْمِرْآةَ وَالْمُشْطَ. قِيلَ: وَكَانَ الْمُشْطُ مِنْ عَاجٍ، وَهُوَ الذَّبْلُ، وَمُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ مِنْهَا عِنْدَ النَّوْمِ ثَلَاثًا فِي كُلِّ عَيْنٍ بِالْإِثْمِدِ، وَكَانَ فِي الرَّبْعَةِ الْمِقْرَاضَانِ وَالسَّوَاكُ.
وَكَانَتْ لَهُ قَصْعَةٌ تُسَمَّى: الْغَرَّاءَ، لَهَا أَرْبَعُ حِلَقٍ يَحْمِلُهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ بَيْنَهُمْ، وَصَاعٌ وَمُدٌّ وَقَطِيفَةٌ، وَسَرِيرٌ قَوَائِمُهُ مِنْ سَاجٍ أَهْدَاهُ لَهُ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَفِرَاشٌ مِنْ أُدُمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ.
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ قَدْ رُوِيَتْ مُتَفَرِّقَةً فِي أَحَادِيثَ.
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ حَدِيثًا جَامِعًا فِي الْآنِيَةِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ( «كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَيْفٌ قَائِمَتُهُ مِنْ فِضَّةٍ وَقَبِيعَتُهُ مِنْ فِضَّةٍ وَكَانَ يُسَمَّى: ذَا الْفِقَارِ وَكَانَتْ لَهُ قَوْسٌ تُسَمَّى: السَّدَادَ، وَكَانَتْ لَهُ كِنَانَةٌ تُسَمَّى: الْجَمْعَ، وَكَانَتْ لَهُ دِرْعٌ مُوَشَّحَةٌ بِالنُّحَاسِ تُسَمَّى: ذَاتَ الْفُضُولِ، وَكَانَتْ لَهُ حَرْبَةٌ تُسَمَّى: النَّبْعَاءَ، وَكَانَ لَهُ مِحْجَنٌ يُسَمَّى: الدِّقْنَ، وَكَانَ لَهُ تُرْسٌ أَبْيَضُ يُسَمَّى: الْمُوجَزَ، وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ أَدْهَمُ يُسَمَّى: السَّكْبَ، وَكَانَ لَهُ سَرْجٌ يُسَمَّى: الدَّاجَ، وَكَانَتْ لَهُ بَغْلَةٌ شَهْبَاءُ تُسَمَّى: دُلْدُلَ، وَكَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ تُسَمَّى: الْقَصْوَاءَ، وَكَانَ لَهُ حِمَارٌ يُسَمَّى: يَعْفُورَ، وَكَانَ لَهُ بِسَاطٌ يُسَمَّى: الْكِنَّ، وَكَانَتْ لَهُ عَنَزَةٌ تُسَمَّى: الْقُمْرَةَ، وَكَانَتْ لَهُ رَكْوَةٌ تُسَمَّى: الصَّادِرَةَ، وَكَانَ لَهُ مِقْرَاضٌ اسْمُهُ الْجَامِعُ، وَمِرْآةٌ وَقَضِيبٌ شَوْحَطٌ يُسَمَّى: الْمَوْتَ» ) .
[فَصْلٌ فِي دَوَابِّهِ ﷺ ]
فَصْلٌ
فِي دَوَابِّهِ ﷺ
فَمِنَ الْخَيْلِ: السَّكْبُ. قِيلَ: وَهُوَ أَوَّلُ فَرَسٍ مَلَكَهُ، وَكَانَ اسْمُهُ عِنْدَ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِعَشْرِ أَوَاقٍ الضَّرْسَ، وَكَانَ أَغَرَّ مُحَجَّلًا طَلْقَ الْيَمِينِ كُمَيْتًا. وَقِيلَ كَانَ أَدْهَمَ.
وَالْمُرْتَجَزُ، وَكَانَ أَشْهَبَ وَهُوَ الَّذِي شَهِدَ فِيهِ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ.
وَاللُّحَيْفُ، وَاللِّزَازُ، وَالظَّرِبُ، وَسَبْحَةُ، وَالْوَرْدُ. فَهَذِهِ سَبْعَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا،
стр. 95
جَمَعَهَا الْإِمَامُ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن جماعة الشافعي فِي بَيْتٍ فَقَالَ:
وَالْخَيْلُ سَكْبٌ لُحَيْفٌ سَبْحَةٌ ظَرِبٌ ... لِزَازُ مُرْتَجَزٌ وَرْدٌ لَهَا اسْرَارُ
أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ عَنْهُ وَلَدُهُ الْإِمَامُ عز الدين عبد العزيز أبو عمرو أَعَزَّهُ اللَّهُ بِطَاعَتِهِ.
وَقِيلَ: كَانَتْ لَهُ أَفْرَاسٌ أُخَرُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَلَكِنْ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَكَانَ دَفَّتَا سَرْجِهِ مِنْ لِيفٍ.
وَكَانَ لَهُ مِنَ الْبِغَالِ دُلْدُلُ، وَكَانَتْ شَهْبَاءَ أَهْدَاهَا لَهُ المقوقس. وَبَغْلَةٌ أُخْرَى. يُقَالُ لَهَا: "فِضَّةُ". أَهْدَاهَا لَهُ فروة الجذامي، وَبَغْلَةٌ شَهْبَاءُ أَهْدَاهَا لَهُ صاحب أيلة، وَأُخْرَى أَهْدَاهَا لَهُ صاحب دومة الجندل، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ النَّجَاشِيَّ أَهْدَى لَهُ بَغْلَةً فَكَانَ يَرْكَبُهَا.
وَمِنَ الْحَمِيرِ عُفَيْرٌ وَكَانَ أَشْهَبَ، أَهْدَاهُ لَهُ المقوقس مَلِكُ الْقِبْطِ، وَحِمَارٌ آخَرُ أَهْدَاهُ لَهُ فروة الجذامي. وَذُكِرَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَعْطَى النَّبِيَّ ﷺ حِمَارًا فَرَكِبَهُ.
وَمِنَ الْإِبِلِ الْقَصْوَاءُ، قِيلَ: وَهِيَ الَّتِي هَاجَرَ عَلَيْهَا، وَالْعَضْبَاءُ، وَالْجَدْعَاءُ، وَلَمْ يَكُنْ بِهِمَا عَضَبٌ وَلَا جَدْعٌ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتَا بِذَلِكَ، وَقِيلَ: كَانَ بِأُذُنِهَا عَضَبٌ فَسُمِّيَتْ بِهِ، وَهَلِ الْعَضْبَاءُ وَالْجَدْعَاءُ وَاحِدَةٌ، أَوِ اثْنَتَانِ؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَالْعَضْبَاءُ هِيَ الَّتِي كَانَتْ لَا تُسْبَقُ، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ فَسَبَقَهَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَلَّا يَرْفَعَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئًا إِلَّا وَضَعَهُ» ) وَغَنِمَ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ جَمَلًا مَهْرِيًّا لأبي جهل فِي أَنْفِهِ بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، فَأَهْدَاهُ يَوْمَ
стр. 96
الْحُدَيْبِيَةِ لِيَغِيظَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ.
وَكَانَتْ لَهُ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ لِقْحَةً، وَكَانَتْ لَهُ مَهْرِيَّةٌ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مِنْ نَعَمِ بَنِي عَقِيلٍ.
وَكَانَتْ لَهُ مِائَةُ شَاةٍ وَكَانَ لَا يُرِيدُ أَنْ تَزِيدَ، كُلَّمَا وَلَّدَ لَهُ الرَّاعِي بَهْمَةً، ذَبَحَ مَكَانَهَا شَاةً، وَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ أَعْنُزٍ مَنَائِحَ تَرْعَاهُنَّ أم أيمن.
[فَصْلٌ فِي مَلَابِسِهِ ﷺ ]
فَصْلٌ
فِي مَلَابِسِهِ ﷺ
كَانَتْ لَهُ عِمَامَةٌ تُسَمَّى: السَّحَابَ كَسَاهَا عَلِيًّا، وَكَانَ يَلْبَسُهَا وَيَلْبَسُ تَحْتَهَا الْقَلَنْسُوَةَ. وَكَانَ يَلْبَسُ الْقَلَنْسُوَةَ بِغَيْرِ عِمَامَةٍ، وَيَلْبَسُ الْعِمَامَةَ بِغَيْرِ قَلَنْسُوَةٍ.
وَكَانَ إِذَا اعْتَمَّ أَرْخَى عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، كَمَا رَوَاهُ مسلم فِي "صَحِيحِهِ" عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ: ( «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ» )
وَفِي مسلم أَيْضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ» ) وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ جابر: ذُؤَابَةً، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الذُّؤَابَةَ لَمْ يَكُنْ
стр. 97
يُرْخِيهَا دَائِمًا بَيْنَ كَتِفَيْهِ.
وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ أُهْبَةُ الْقِتَالِ، وَالْمِغْفَرُ عَلَى رَأْسِهِ، فَلَبِسَ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ مَا يُنَاسِبُهُ.
وَكَانَ شَيْخُنَا أبو العباس ابن تيمية قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ فِي الْجَنَّةِ يَذْكُرُ فِي سَبَبِ الذُّؤَابَةِ شَيْئًا بَدِيعًا، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا اتَّخَذَهَا صَبِيحَةَ الْمَنَامِ الَّذِي رَآهُ فِي الْمَدِينَةِ «لَمَّا رَأَى رَبَّ الْعِزَّةِ ﵎، فَقَالَ: " يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي، فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ فَعَلِمْتُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» . . . " الْحَدِيثَ، وَهُوَ فِي الترمذي، وَسُئِلَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، فَقَالَ
стр. 98
صَحِيحٌ. قَالَ: فَمِنْ تِلْكَ الْحَالِ أَرْخَى الذُّؤَابَةَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَهَذَا مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي تُنْكِرُهُ أَلْسِنَةُ الْجُهَّالِ وَقُلُوبُهُمْ، وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الْفَائِدَةَ فِي إِثْبَاتِ الذُّؤَابَةِ لِغَيْرِهِ.
وَلَبِسَ الْقَمِيصَ وَكَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إِلَيْهِ، وَكَانَ كُمُّهُ إِلَى الرُّسُغِ، وَلَبِسَ الْجُبَّةَ وَالْفَرُوجَ وَهُوَ شِبْهُ الْقَبَاءِ، وَالْفَرَجِيَّةِ، وَلَبِسَ الْقَبَاءَ أَيْضًا، وَلَبِسَ فِي السَّفَرِ جُبَّةً ضَيِّقَةَ الْكُمَّيْنِ، وَلَبِسَ الْإِزَارَ وَالرِّدَاءَ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ رِدَاؤُهُ وَبُرْدُهُ طُولَ سِتَّةِ أَذْرُعٍ فِي ثَلَاثَةٍ وَشِبْرٍ، وَإِزَارُهُ مِنْ نَسْجِ عُمَانَ طُولَ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ وَشِبْرٍ فِي عَرْضِ ذِرَاعَيْنِ وَشِبْرٍ.
وَلَبِسَ حُلَّةً حَمْرَاءَ، وَالْحُلَّةُ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ، وَلَا تَكُونُ الْحُلَّةُ إِلَّا اسْمًا لِلثَّوْبَيْنِ مَعًا، وَغَلِطَ مَنْ ظَنَّ أَنَّهَا كَانَتْ حَمْرَاءَ بَحْتًا لَا يُخَالِطُهَا غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا الْحُلَّةُ الْحَمْرَاءُ: بُرْدَانِ يَمَانِيَّانِ مَنْسُوجَانِ بِخُطُوطٍ حُمْرٍ مَعَ الْأَسْوَدِ، كَسَائِرِ الْبُرُودِ الْيَمَنِيَّةِ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ بِهَذَا الِاسْمِ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهَا مِنَ الْخُطُوطِ الْحُمْرِ، وَإِلَّا فَالْأَحْمَرُ الْبَحْتُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ أَشَدَّ النَّهْيِ فَفِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «نَهَى عَنِ الْمَيَاثِرِ الْحُمْرِ» ) وَفِي "سُنَنِ أبي داود " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى
стр. 99
عَلَيْهِ رَيْطَةً مُضَرَّجَةً بِالْعُصْفُرِ فَقَالَ: ( «مَا هَذِهِ الرَّيْطَةُ الَّتِي عَلَيْكَ؟ فَعَرَفْتُ مَا كَرِهَ، فَأَتَيْتُ أَهْلِي وَهُمْ يَسْجُرُونَ تَنُّورًا لَهُمْ فَقَذَفْتُهَا فِيهِ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنَ الْغَدِ فَقَالَ: " يَا عبد الله مَا فَعَلَتِ الرَّيْطَةُ؟ " فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: هَلَّا كَسَوْتَهَا بَعْضَ أَهْلِكَ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا لِلنِّسَاءِ» )
وَفِي "صَحِيحِ مسلم " عَنْهُ أَيْضًا، قَالَ «رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ. فَقَالَ: (إِنَّ هَذِهِ مِنْ لِبَاسِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا» ) وَفِي "صَحِيحِهِ" أَيْضًا عَنْ علي ﵁ قَالَ: ( «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ لِبَاسِ الْمُعَصْفَرِ» ) . وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُصْبَغُ صَبْغًا أَحْمَرَ.
وَفِي بَعْضِ السُّنَنِ «أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأَى عَلَى رَوَاحِلِهِمْ أَكْسِيَةً فِيهَا خُطُوطٌ حَمْرَاءُ فَقَالَ: " أَلَا أَرَى هَذِهِ الْحُمْرَةَ قَدْ عَلَتْكُمْ فَقُمْنَا سِرَاعًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَفَرَ بَعْضُ إِبِلِنَا، فَأَخَذْنَا الْأَكْسِيَةَ فَنَزْعْنَاهَا عَنْهَا» . رَوَاهُ أبو داود.
وَفِي جَوَازِ لُبْسِ الْأَحْمَرِ مِنَ الثِّيَابِ وَالْجُوخِ وَغَيْرِهَا نَظَرٌ. وَأَمَّا كَرَاهَتُهُ،
стр. 100
فَشَدِيدَةٌ جِدًّا، فَكَيْفَ يُظَنُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَبِسَ الْأَحْمَرَ الْقَانِيَ، كَلَّا لَقَدْ أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا وَقَعَتِ الشُّبْهَةُ مِنْ لَفْظِ الْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَبِسَ الْخَمِيصَةَ الْمُعْلَمَةَ وَالسَّاذَجَةَ، وَلَبِسَ ثَوْبًا أَسْوَدَ، وَلَبِسَ الْفَرْوَةَ الْمَكْفُوفَةَ بِالسُّنْدُسِ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وأبو داود بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ مَلِكَ الرُّومِ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ مُسْتَقَةً مِنْ سُنْدُسٍ، فَلَبِسَهَا، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يَدَيْهِ تَذَبْذَبَانِ» . قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْمَسَاتِقُ: فِرَاءٌ طِوَالُ الْأَكْمَامِ. قَالَ الخطابي: يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمُسْتَقَةَ مُكَفَّفَةً بِالسُّنْدُسِ، لِأَنَّ نَفْسَ الْفَرْوَةِ لَا تَكُونُ سُنْدُسًا.
[فَصْلٌ في ذكر سراويله ونعله وخاتمه وغير ذلك]
فَصْلٌ
وَاشْتَرَى سَرَاوِيلَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِنَّمَا اشْتَرَاهَا لِيَلْبَسَهَا، وَقَدْ رُوِيَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ أَنَّهُ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ وَكَانُوا يَلْبَسُونَ السَّرَاوِيلَاتِ بِإِذْنِهِ.
وَلَبِسَ الْخُفَّيْنِ وَلَبِسَ النَّعْلَ الَّذِي يُسَمَّى التَّاسُومَةَ.
وَلَبِسَ الْخَاتَمَ، وَاخْتَلَفَتِ الْأَحَادِيثُ هَلْ كَانَ فِي يُمْنَاهُ أَوْ يُسْرَاهُ، وَكُلُّهَا صَحِيحَةُ السَّنَدِ.
وَلَبِسَ الْبَيْضَةَ الَّتِي تُسَمَّى: الْخُوذَةَ، وَلَبِسَ الدِّرْعَ الَّتِي تُسَمَّى: الزَّرَدِيَّةَ، وَظَاهَرَ يَوْمَ أُحُدٍ بَيْنَ الدِّرْعَيْنِ.
وَفِي "صَحِيحِ مسلم " عَنْ أسماء بنت أبي بكر قَالَتْ: ( «هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْرَجَتْ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ كِسْرَوَانِيَّةٍ لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ. وَفَرْجَاهَا مَكْفُوفَانِ
стр. 101
بِالدِّيبَاجِ، فَقَالَتْ: هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عائشة حَتَّى قُبِضَتْ، فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا» )
وَكَانَ لَهُ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ وَكِسَاءٌ أَسْوَدُ وَكِسَاءٌ أَحْمَرُ مُلَبَّدٌ وَكِسَاءٌ مِنْ شَعَرٍ.
وَكَانَ قَمِيصُهُ مِنْ قُطْنٍ، وَكَانَ قَصِيرَ الطُّولِ قَصِيرَ الْكُمَّيْنِ، وَأَمَّا هَذِهِ الْأَكْمَامُ الْوَاسِعَةُ الطِّوَالُ الَّتِي هِيَ كَالْأَخْرَاجِ، فَلَمْ يَلْبَسْهَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الْبَتَّةَ، وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِسُنَّتِهِ، وَفِي جَوَازِهَا نَظَرٌ، فَإِنَّهَا مِنْ جِنْسِ الْخُيَلَاءِ.
وَكَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إِلَيْهِ الْقَمِيصُ وَالْحِبَرَةُ، وَهِيَ ضَرْبٌ مِنَ الْبُرُودِ فِيهِ حُمْرَةٌ.
وَكَانَ أَحَبَّ الْأَلْوَانِ إِلَيْهِ الْبَيَاضُ، وَقَالَ ( «هِيَ مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ فَالْبَسُوهَا وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» ) وَفِي الصَّحِيحِ «عَنْ عائشة أَنَّهَا أَخْرَجَتْ كِسَاءً مُلَبَّدًا وَإِزَارًا غَلِيظًا فَقَالَتْ قُبِضَ رُوحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَيْنِ» .
стр. 102
وَلَبِسَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ رَمَى بِهِ، وَنَهَى عَنِ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ، ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أبي داود أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ أَشْيَاءَ وَذَكَرَ مِنْهَا: وَنَهَى عَنْ لُبُوسِ الْخَاتَمِ إِلَّا لِذِي سُلْطَانٍ، فَلَا أَدْرِي مَا حَالُ الْحَدِيثِ وَلَا وَجْهُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَ يَجْعَلُ فَصَّ خَاتَمِهِ مِمَّا يَلِي بَاطِنَ كَفِّهِ. وَذَكَرَ الترمذي «أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ» وَصَحَّحَهُ، وَأَنْكَرَهُ أبو داود.
وَأَمَّا الطَّيْلَسَانُ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ لَبِسَهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مسلم مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ الدجال فَقَالَ ( «يَخْرُجُ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ» ) . وَرَأَى أنس جَمَاعَةً
стр. 103
عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ فَقَالَ مَا أَشْبَهَهُمْ بِيَهُودِ خَيْبَرَ. وَمِنْ هَاهُنَا كَرِهَ لُبْسَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ؛ لِمَا رَوَى أبو داود والحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» )
وَفِي الترمذي عَنْهُ ﷺ : ( «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ غَيْرِنَا» ) وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَ إِلَى أبي بكر مُتَقَنِّعًا بِالْهَاجِرَةِ» ، فَإِنَّمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ تِلْكَ السَّاعَةَ لِيَخْتَفِيَ بِذَلِكَ، فَفَعَلَهُ لِلْحَاجَةِ، وَلَمْ تَكُنْ عَادَتُهُ التَّقَنُّعُ، وَقَدْ ذَكَرَ أنس عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ الْقِنَاعَ، وَهَذَا إِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِلْحَاجَةِ مِنَ الْحَرِّ وَنَحْوِهِ، وَأَيْضًا لَيْسَ التَّقَنُّعُ مِنَ التَّطَيْلُسِ.
[فَصْلٌ غَالِبُ لُبْسِهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ الْقُطْنُ]
فَصْلٌ
وَكَانَ غَالِبُ مَا يَلْبَسُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مَا نُسِجَ مِنَ الْقُطْنِ، وَرُبَّمَا لَبِسُوا مَا نُسِجَ مِنَ الصُّوفِ وَالْكَتَّانِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ أبو إسحاق الأصبهاني بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنْ جابر بن أيوب، قَالَ: «دَخَلَ الصلت بن راشد عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَعَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ وَإِزَارُ صُوفٍ وَعِمَامَةُ صُوفٍ، فَاشْمَأَزَّ مِنْهُ محمد، وَقَالَ أَظُنُّ أَنَّ أَقْوَامًا يَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَيَقُولُونَ: قَدْ لَبِسَهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَقَدْ حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ لَبِسَ الْكَتَّانَ، وَالصُّوفَ، وَالْقُطْنَ، وَسُنَّةُ نَبِيِّنَا أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ» .
وَمَقْصُودُ ابْنِ سِيرِينَ بِهَذَا؛ أَنَّ أَقْوَامًا يَرَوْنَ أَنَّ لُبْسَ الصُّوفِ دَائِمًا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ فَيَتَحَرَّوْنَهُ
стр. 104
وَيَمْنَعُونَ أَنْفُسَهُمْ مِنْ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ يَتَحَرَّوْنَ زِيًّا وَاحِدًا مِنَ الْمَلَابِسِ، وَيَتَحَرَّوْنَ رُسُومًا وَأَوْضَاعًا وَهَيْئَاتٍ يَرَوْنَ الْخُرُوجَ عَنْهَا مُنْكَرًا، وَلَيْسَ الْمُنْكَرُ إِلَّا التَّقَيُّدَ بِهَا وَالْمُحَافَظَةَ عَلَيْهَا وَتَرْكَ الْخُرُوجِ عَنْهَا.
وَالصَّوَابُ: أَنَّ أَفْضَلَ الطُّرُقِ طَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي سَنَّهَا وَأَمَرَ بِهَا وَرَغَّبَ فِيهَا وَدَاوَمَ عَلَيْهَا، وَهِيَ أَنَّ هَدْيَهُ فِي اللِّبَاسِ أَنْ يَلْبَسَ مَا تَيَسَّرَ مِنَ اللِّبَاسِ مِنَ الصُّوفِ تَارَةً وَالْقُطْنِ تَارَةً وَالْكَتَّانِ تَارَةً.
وَلَبِسَ الْبُرُودَ الْيَمَانِيَّةَ وَالْبُرْدَ الْأَخْضَرَ، وَلَبِسَ الْجُبَّةَ وَالْقَبَاءَ وَالْقَمِيصَ وَالسَّرَاوِيلَ وَالْإِزَارَ وَالرِّدَاءَ وَالْخُفَّ وَالنَّعْلَ، وَأَرْخَى الذُّؤَابَةَ مِنْ خَلْفِهِ تَارَةً وَتَرَكَهَا تَارَةً.
وَكَانَ يَتَلَحَّى بِالْعِمَامَةِ تَحْتَ الْحَنَكِ.
وَكَانَ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ، وَقَالَ: ( «اللَّهُمَّ أَنْتَ كَسَوْتَنِي هَذَا الْقَمِيصَ أَوِ الرِّدَاءَ أَوِ الْعِمَامَةَ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ» ) .
وَكَانَ إِذَا لَبِسَ قَمِيصَهُ بَدَأَ بِمَيَامِنِهِ. وَلَبِسَ الشَّعَرَ الْأَسْوَدَ، كَمَا رَوَى مسلم فِي صَحِيحِهِ عَنْ عائشة قَالَتْ: ( «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعَرٍ
стр. 105
أَسْوَدَ» )
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ قتادة: «قُلْنَا لِأَنَسٍ: أَيُّ اللِّبَاسِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ " الْحِبَرَةُ» . وَالْحِبَرَةُ بُرْدٌ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ. فَإِنَّ غَالِبَ لِبَاسِهِمْ كَانَ مِنْ نَسْجِ الْيَمَنِ لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْهُمْ، وَرُبَّمَا لَبِسُوا مَا يُجْلَبُ مِنَ الشَّامِ وَمِصْرَ كَالْقَبَاطِيِّ الْمَنْسُوجَةِ مِنَ الْكَتَّانِ الَّتِي كَانَتْ تَنْسِجُهَا الْقِبْطُ.
وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ عَنْ عائشة أَنَّهَا ( «جَعَلَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ بُرْدَةً مِنْ صُوفٍ فَلَبِسَهَا، فَلَمَّا عَرِقَ فَوَجَدَ رِيحَ الصُّوفِ طَرَحَهَا» ) وَكَانَ يُحِبُّ الرِّيحَ الطَّيِّبَ.
وَفِي سُنَنِ أبي داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ( «لَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الْحُلَلِ» ) ، وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ عَنْ أبي رمثة قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ» . وَالْبُرْدُ الْأَخْضَرُ: هُوَ الَّذِي فِيهِ خُطُوطٌ خُضْرٌ وَهُوَ
стр. 106
كَالْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ سَوَاءٌ، فَمَنْ فَهِمَ مِنَ الْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ الْأَحْمَرَ الْبَحْتَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الْبُرْدَ الْأَخْضَرَ كَانَ أَخْضَرَ بَحْتًا، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ.
وَكَانَتْ مِخَدَّتُهُ ﷺ مِنْ أُدُمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَالَّذِينَ يَمْتَنِعُونَ عَمَّا أَبَاحَ اللَّهُ مِنَ الْمَلَابِسِ وَالْمَطَاعِمِ وَالْمَنَاكِحِ تَزَهُّدًا وَتَعَبُّدًا بِإِزَائِهِمْ طَائِفَةٌ قَابَلُوهُمْ، فَلَا يَلْبَسُونَ إِلَّا أَشْرَفَ الثِّيَابِ، وَلَا يَأْكُلُونَ إِلَّا أَلْيَنَ الطَّعَامِ، فَلَا يَرَوْنَ لُبْسَ الْخَشِنِ وَلَا أَكْلَهُ تَكَبُّرًا وَتَجَبُّرًا، وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ هَدْيُهُ مُخَالِفٌ لِهَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كَانُوا يَكْرَهُونَ الشُّهْرَتَيْنِ مِنَ الثِّيَابِ الْعَالِي وَالْمُنْخَفِضِ، وَفِي السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ : ( «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ ثُمَّ تَلَهَّبُ فِيهِ النَّارُ» ) وَهَذَا لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ الِاخْتِيَالَ وَالْفَخْرَ، فَعَاقَبَهُ اللَّهُ بِنَقِيضِ ذَلِكَ فَأَذَلَّهُ كَمَا عَاقَبَ مَنْ أَطَالَ ثِيَابَهُ خُيَلَاءَ بِأَنْ خَسَفَ بِهِ الْأَرْضَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) وَفِي
стр. 107
"السُّنَنِ" عَنْهُ أَيْضًا ﷺ ، قَالَ: ( «الْإِسْبَالُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ مَنْ جَرَّ شَيْئًا مِنْهَا خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) وَفِي السُّنَنِ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا قَالَ: مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْإِزَارِ فَهُوَ فِي الْقَمِيصِ» ، وَكَذَلِكَ لُبْسُ الدَّنِيءِ مِنَ الثِّيَابِ يُذَمُّ فِي مَوْضِعٍ وَيُحْمَدُ فِي مَوْضِعٍ، فَيُذَمُّ إِذَا كَانَ شُهْرَةً وَخُيَلَاءَ، وَيُمْدَحُ إِذَا كَانَ تَوَاضُعًا وَاسْتِكَانَةً، كَمَا أَنَّ لُبْسَ الرَّفِيعِ مِنَ الثِّيَابِ، يُذَمُّ إِذَا كَانَ تَكَبُّرًا وَفَخْرًا وَخُيَلَاءَ، وَيُمْدَحُ إِذَا كَانَ تَجَمُّلًا وَإِظْهَارًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ، فَفِي صَحِيحِ مسلم، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنًا وَنَعْلِي حَسَنَةً أَفَمِنَ الْكِبْرِ ذَاكَ؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» ) .
стр. 108
[فَصْلٌ هَدْيُهُ ﷺ فِي الطَّعَامِ]
فَصْلٌ
وَكَذَلِكَ كَانَ هَدْيُهُ ﷺ وَسِيرَتُهُ فِي الطَّعَامِ لَا يَرُدُّ مَوْجُودًا وَلَا يَتَكَلَّفُ مَفْقُودًا، فَمَا قُرِّبَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الطَّيِّبَاتِ إِلَّا أَكَلَهُ، إِلَّا أَنْ تَعَافَهُ نَفْسُهُ فَيَتْرُكَهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ ( «وَمَا عَابَ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ» ) كَمَا تَرَكَ أَكْلَ الضَّبِّ لَمَّا لَمْ يَعْتَدْهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهُ عَلَى الْأُمَّةِ، بَلْ أُكِلَ عَلَى مَائِدَتِهِ وَهُوَ يَنْظُرُ.
وَأَكَلَ الْحَلْوَى، وَالْعَسَلَ وَكَانَ يُحِبُّهُمَا، وَأَكَلَ لَحْمَ الْجَزُورِ وَالضَّأْنِ وَالدَّجَاجِ، وَلَحْمَ الْحُبَارَى، وَلَحْمَ حِمَارِ الْوَحْشِ وَالْأَرْنَبِ، وَطَعَامَ الْبَحْرِ، وَأَكَلَ الشِّوَاءَ، وَأَكَلَ الرُّطَبَ وَالتَّمْرَ، وَشَرِبَ اللَّبَنَ خَالِصًا وَمَشُوبًا، وَالسَّوِيقَ، وَالْعَسَلَ بِالْمَاءِ، وَشَرِبَ نَقِيعَ التَّمْرِ، وَأَكَلَ الْخَزِيرَةَ وَهِيَ حِسَاءٌ يُتَّخَذُ مِنَ اللَّبَنِ وَالدَّقِيقِ، وَأَكَلَ الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ وَأَكَلَ الْأَقِطَ، وَأَكَلَ التَّمْرَ بِالْخُبْزِ، وَأَكَلَ الْخُبْزَ بِالْخَلِّ، وَأَكَلَ الثَّرِيدَ وَهُوَ الْخُبْزُ بِاللَّحْمِ، وَأَكَلَ الْخُبْزَ بِالْإِهَالَةِ وَهِيَ الْوَدَكُ، وَهُوَ الشَّحْمُ الْمُذَابُ، وَأَكَلَ مِنَ الْكَبِدِ الْمَشْوِيَّةِ، وَأَكَلَ الْقَدِيدَ، وَأَكَلَ الدُّبَّاءَ الْمَطْبُوخَةَ وَكَانَ يُحِبُّهَا، وَأَكَلَ الْمَسْلُوقَةَ وَأَكَلَ الثَّرِيدَ بِالسَّمْنِ، وَأَكَلَ الْجُبْنَ، وَأَكَلَ الْخُبْزَ بِالزَّيْتِ، وَأَكَلَ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ، وَأَكَلَ التَّمْرَ بِالزُّبْدِ وَكَانَ يُحِبُّهُ، وَلَمْ يَكُنْ يَرُدُّ طَيِّبًا وَلَا يَتَكَلَّفُهُ، بَلْ كَانَ هَدْيُهُ أَكْلَ مَا تَيَسَّرَ، فَإِنْ أَعْوَزَهُ صَبَرَ حَتَّى إِنَّهُ لَيَرْبِطُ عَلَى بَطْنِهِ الْحَجَرَ مِنَ الْجُوعِ، وَيُرَى الْهِلَالُ وَالْهِلَالُ وَالْهِلَالُ وَلَا يُوقَدُ فِي بَيْتِهِ نَارٌ.
وَكَانَ مُعْظَمُ مَطْعَمِهِ يُوضَعُ عَلَى الْأَرْضِ فِي السُّفْرَةِ وَهِيَ كَانَتْ مَائِدَتَهُ، وَكَانَ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ وَيَلْعَقُهَا إِذَا فَرَغَ، وَهُوَ أَشْرَفُ مَا يَكُونُ مِنَ الْأَكْلَةِ، فَإِنَّ الْمُتَكَبِّرَ يَأْكُلُ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ، وَالْجَشِعَ الْحَرِيصَ يَأْكُلُ بِالْخَمْسِ وَيَدْفَعُ بِالرَّاحَةِ.
стр. 109
وَكَانَ لَا يَأْكُلُ مُتَّكِئًا، وَالِاتِّكَاءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ، أَحَدُهَا: الِاتِّكَاءُ عَلَى الْجَنْبِ، وَالثَّانِي: التَّرَبُّعُ، وَالثَّالِثُ: الِاتِّكَاءُ عَلَى إِحْدَى يَدَيْهِ وَأَكْلُهُ بِالْأُخْرَى، وَالثَّلَاثُ مَذْمُومَةٌ.
وَكَانَ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى عَلَى أَوَّلِ طَعَامِهِ، وَيَحْمَدُهُ فِي آخِرِهِ فَيَقُولُ عِنْدَ انْقِضَائِهِ: ( «الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبُّنَا» ) . وَرُبَّمَا قَالَ: ( «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ، مَنَّ عَلَيْنَا فَهَدَانَا وَأَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكُلَّ بَلَاءٍ حَسَنٍ أَبْلَانَا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ مِنَ الطَّعَامِ، وَسَقَى مِنَ الشَّرَابِ، وَكَسَا مِنَ الْعُرْيِ، وَهَدَى مِنَ الضَّلَالَةِ وَبَصَّرَ مِنَ الْعَمَى، وَفَضَّلَ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» ) .
وَرُبَّمَا قَالَ: ( «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِيِ أَطْعَمَ وَسَقَى وَسَوَّغَهُ» ) .
وَكَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ لَعِقَ أَصَابِعَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنَادِيلُ يَمْسَحُونَ بِهَا أَيْدِيَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ عَادَتُهُمْ غَسْلَ أَيْدِيهِمْ كُلَّمَا أَكَلُوا.
وَكَانَ أَكْثَرُ شُرْبِهِ قَاعِدًا، بَلْ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا وَشَرِبَ مَرَّةً
стр. 110
قَائِمًا. فَقِيلَ: هَذَا نَسْخٌ لِنَهْيِهِ، وَقِيلَ: بَلْ فَعَلَهُ لِبَيَانِ جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ شَرِبَ فِيهَا قَائِمًا لِعُذْرٍ، وَسِيَاقُ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْتَقُونَ مِنْهَا فَأَخَذَ الدَّلْوَ وَشَرِبَ قَائِمًا.
وَالصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ النَّهْيُ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا وَجَوَازُهُ لِعُذْرٍ يَمْنَعُ مِنَ الْقُعُودِ، وَبِهَذَا تُجْمِعُ أَحَادِيثُ الْبَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَ إِذَا شَرِبَ نَاوَلَ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَإِنْ كَانَ مَنْ عَلَى يَسَارِهِ أَكْبَرَ مِنْهُ.
следующие страницы →