Полный текст (2 628 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
ابن المنذر فِي " إِشْرَافِهِ ": أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصُرَ مَا لَمْ يُجْمِعْ إِقَامَةً وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ سِنُونَ
[فَصْلٌ في اسْتِحْبَابُ حِنْثِ الْحَالِفِ فِي يَمِينِهِ إِذَا رَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: جَوَازُ ـ بَلِ اسْتِحْبَابُ ـ حِنْثِ الْحَالِفِ فِي يَمِينِهِ إِذَا رَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَيُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَفْعَلُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَإِنْ شَاءَ قَدَّمَ الْكَفَّارَةَ عَلَى الْحِنْثِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهَا. وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ أبي موسى هَذَا: ( «إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ أَخْيَرُ وَتَحَلَّلْتُهَا» ) . وَفِي لَفْظٍ: ( «إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ أَخْيَرُ» ) ، وَفِي لَفْظٍ: ( «إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي» ) ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وَهِيَ تَقْتَضِي عَدَمَ التَّرْتِيبِ
وَفِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» ) ، وَأَصْلُهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، فَذَهَبَ أحمد ومالك وَالشَّافِعِيُّ إِلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ، وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيُّ التَّكْفِيرَ بِالصَّوْمِ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ التَّقْدِيمُ، وَمَنَعَ أبو حنيفة تَقْدِيمَ الْكَفَّارَةِ مُطْلَقًا
[فصل في انْعِقَادُ الْيَمِينِ فِي حَالِ الْغَضَبِ إِلَّا حِينَ الْإِغْلَاقِ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: انْعِقَادُ الْيَمِينِ فِي حَالِ الْغَضَبِ إِذَا لَمْ يَخْرُجْ بِصَاحِبِهِ إِلَى حَدٍّ لَا يَعْلَمُ مَعَهُ مَا يَقُولُ، وَكَذَلِكَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ، وَتَصِحُّ عُقُودُهُ، فَلَوْ بَلَغَ بِهِ الْغَضَبُ إِلَى حَدِّ الْإِغْلَاقِ لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ وَلَا طَلَاقُهُ، قَالَ أحمد فِي رِوَايَةِ حنبل فِي حَدِيثِ عائشة:
стр. 1402
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» ) يُرِيدُ الْغَضَبَ
[فصل لَا مُتَعَلِّقَ لِلْجَبْرِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﷺ مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ ﷺ : ( «مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ» ) قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَبْرِيُّ، وَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُ بِهِ، وَإِنَّمَا هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: ( «وَاللَّهِ لَا أُعْطِي أَحَدًا شَيْئًا وَلَا أَمْنَعُ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ» ) فَإِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، إِنَّمَا يَتَصَرَّفُ بِالْأَمْرِ، فَإِذَا أَمَرَهُ رَبُّهُ بِشَيْءٍ نَفَّذَهُ، فَاللَّهُ هُوَ الْمُعْطِي وَالْمَانِعُ وَالْحَامِلُ، وَالرَّسُولُ مُنَفِّذٌ لِمَا أَمَرَ بِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] [الْأَنْفَالِ: ١٧] فَالْمُرَادُ بِهِ الْقَبْضَةُ مِنَ الْحَصْبَاءِ الَّتِي رَمَى بِهَا وُجُوهَ الْمُشْرِكِينَ فَوَصَلَتْ إِلَى عُيُونِ جَمِيعِهِمْ، فَأَثْبَتَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ الرَّمْيَ بِاعْتِبَارِ النَّبْذِ وَالْإِلْقَاءِ، فَإِنَّهُ فَعَلَهُ، وَنَفَاهُ عَنْهُ بِاعْتِبَارِ الْإِيصَالِ إِلَى جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ، وَهَذَا فِعْلُ الرَّبِّ تَعَالَى لَا تَصِلُ إِلَيْهِ قُدْرَةُ الْعَبْدِ، وَالرَّمْيُ يُطْلَقُ عَلَى الْخَذْفِ، وَهُوَ مَبْدَؤُهُ، وَعَلَى الْإِيصَالِ، وَهُوَ نِهَايَتُهُ
[فصل تَرْكُهُ ﷺ قَتْلَ الْمُنَافِقِينَ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: تَرْكُهُ قَتْلَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَدْ بَلَغَهُ عَنْهُمُ الْكُفْرُ الصَّرِيحُ، فَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ: لَا يُقْتَلُ الزِّنْدِيقُ إِذَا أَظْهَرَ التَّوْبَةَ ; لِأَنَّهُمْ حَلَفُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُمْ مَا قَالُوا، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ إِنْكَارًا فَهُوَ تَوْبَةٌ وَإِقْلَاعٌ، وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: وَمَنْ شُهِدَ
стр. 1403
عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ فَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَمْ يَكْشِفْ عَنْ شَيْءٍ عَنْهُ بَعْدُ، وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إِذَا جَحَدَ الرِّدَّةَ كَفَاهُ جَحْدُهَا، وَمَنْ لَمْ يَقْبَلْ تَوْبَةَ الزِّنْدِيقِ قَالَ: هَؤُلَاءِ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمْ بَيِّنَةٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمِهِ، وَالَّذِي بَلَّغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ قَوْلَهُمْ لَمْ يُبَلِّغْهُمْ إِيَّاهُ نِصَابُ الْبَيِّنَةِ، بَلْ شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِمْ وَاحِدٌ فَقَطْ، كَمَا شَهِدَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَحْدَهُ عَلَى عبد الله بن أبي، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ أَيْضًا إِنَّمَا شَهِدَ عَلَيْهِ وَاحِدٌ
وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ، فَإِنَّ نِفَاقَ عبد الله بن أبي وَأَقْوَالَهُ فِي النِّفَاقِ كَانَتْ كَثِيرَةً جِدًّا كَالْمُتَوَاتِرَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَبَعْضُهُمْ أَقَرَّ بِلِسَانِهِ وَقَالَ: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، وَقَدْ وَاجَهَهُ بَعْضُ الْخَوَارِجِ فِي وَجْهِهِ بِقَوْلِهِ: إِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمَّا قِيلَ لَهُ: أَلَا تَقْتُلُهُمْ؟ لَمْ يَقُلْ: مَا قَامَتْ عَلَيْهِمْ بَيِّنَةٌ، بَلْ قَالَ: لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ
فَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ إِذَنْ، أَنَّهُ كَانَ فِي تَرْكِ قَتْلِهِمْ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ مَصْلَحَةٌ تَتَضَمَّنُ تَأْلِيفَ الْقُلُوبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَجَمْعَ كَلِمَةِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي قَتْلِهِمْ تَنْفِيرٌ، وَالْإِسْلَامُ بَعْدُ فِي غُرْبَةٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْرَصُ شَيْءٍ عَلَى تَأْلِيفِ النَّاسِ، وَأَتْرَكُ شَيْءٍ لِمَا يُنَفِّرُهُمْ عَنِ الدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ كَانَ يَخْتَصُّ بِحَالِ حَيَاتِهِ ﷺ ، وَكَذَلِكَ تَرْكُ قَتْلِ مَنْ طَعَنَ عَلَيْهِ فِي حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ فِي قِصَّةِ الزبير وَخَصْمِهِ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ
وَفِي قَسْمِهِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، وَقَوْلُ الْآخَرِ لَهُ:
стр. 1404
إِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ، فَإِنَّ هَذَا مَحْضُ حَقِّهِ، لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهِ، وَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ، وَلَيْسَ لِلْأُمَّةِ بَعْدَهُ تَرْكُ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمُ اسْتِيفَاؤُهُ، وَلَا بُدَّ وَلِتَقْرِيرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَوْضِعٌ آخَرُ، وَالْغَرَضُ التَّنْبِيهُ وَالْإِشَارَةُ
[فصل في إِذَا أَحْدَثَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ حَدَثًا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ انْتَقَضَ عَهْدُهُ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: أَنَّ أَهْلَ الْعَهْدِ وَالذِّمَّةِ إِذَا أَحْدَثَ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَدَثًا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْإِسْلَامِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ فِي مَالِهِ وَنَفْسِهِ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ الْإِمَامُ فَدَمُهُ وَمَالُهُ هَدْرٌ، وَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ، كَمَا قَالَ فِي صُلْحِ أَهْلِ أَيْلَةَ: فَمَنْ أَحْدَثَ مِنْهُمْ حَدَثًا فَإِنَّهُ لَا يَحُولُ مَالُهُ دُونَ نَفْسِهِ، وَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنَ النَّاسِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ بِالْأَحْدَاثِ صَارَ مُحَارَبًا حُكْمُهُ حُكْمُ أَهْلِ الْحَرْبِ
[فصل في جَوَازُ الدَّفْنِ لَيْلًا]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: جَوَازُ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ كَمَا دَفَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذا البجادين لَيْلًا.
وَقَدْ سُئِلَ أحمد عَنْهُ فَقَالَ: وَمَا بَأْسٌ بِذَلِكَ، وَقَالَ: أبو بكر دُفِنَ لَيْلًا، وعلي دَفَنَ فاطمة لَيْلًا، وَقَالَتْ عائشة: (سَمِعْنَا صَوْتَ الْمَسَاحِي مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فِي دَفْنِ النَّبِيِّ ﷺ . انْتَهَى. وَدُفِنَ عثمان وعائشة وَابْنُ مَسْعُودٍ لَيْلًا
وَفِي الترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا فَأُسْرِجَ لَهُ سِرَاجٌ فَأَخَذَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ، وَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، إِنْ كُنْتَ لَأَوَّاهًا تَلَّاءً لِلْقُرْآنِ» ) قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ
وَفِي الْبُخَارِيِّ: ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ عَنْ رَجُلٍ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا:
стр. 1405
فُلَانٌ دُفِنَ الْبَارِحَةَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ» )
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَصْنَعُونَ بِمَا رَوَاهُ مسلم فِي " صَحِيحِهِ " ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ وَقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ» ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إِلَيْهِ أَذْهَبُ
قِيلَ: نَقُولُ بِالْحَدِيثَيْنِ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَلَا نَرُدُّ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ، فَنَكْرَهُ الدَّفْنَ بِاللَّيْلِ، بَلْ نَزْجُرُ عَنْهُ، إِلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ، كَمَيِّتٍ مَاتَ مَعَ الْمُسَافِرِينَ بِاللَّيْلِ وَيَتَضَرَّرُونَ بِالْإِقَامَةِ بِهِ إِلَى النَّهَارِ، وَكَمَا إِذَا خِيفَ عَلَى الْمَيِّتِ الِانْفِجَارَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُرَجِّحَةِ لِلدَّفْنِ لَيْلًا. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
[فصل إِذَا بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً فَغَنِمَتْ كَانَ مَا حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ لَهَا بَعْدَ تَخْمِيسِهِ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً فَغَنِمَتْ غَنِيمَةً، أَوْ أَسَرَتْ أَسِيرًا، أَوْ فَتَحَتْ حِصْنًا، كَانَ مَا حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ لَهَا بَعْدَ تَخْمِيسِهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَمَ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ أُكَيْدِرًا مِنْ فَتْحِ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ بَيْنَ السَّرِيَّةِ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ مَعَ خالد، وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَارِسًا، وَكَانَتْ غَنَائِمُهُمْ أَلْفَيْ بَعِيرٍ وَثَمَانِمِائَةِ رَأْسٍ، فَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ خَمْسَ فَرَائِضَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا أُخْرِجَتِ السَّرِيَّةُ مِنَ الْجَيْشِ فِي حَالِ الْغَزْوِ فَأَصَابَتْ ذَلِكَ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ، فَإِنَّ مَا أَصَابُوا يَكُونُ غَنِيمَةً لِلْجَمِيعِ بَعْدَ الْخَمْسِ وَالنَّفْلِ، وَهَذَا كَانَ هَدْيَهُ ﷺ
[فصل في ثَوَابُ مَنْ حَبَسَهُ الْعُذْرُ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ ﷺ : ( «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا
стр. 1406
كَانُوا مَعَكُمْ» ) ، فَهَذِهِ الْمَعِيَّةُ هِيَ بِقُلُوبِهِمْ وَهِمَمِهِمْ، لَا كَمَا يَظُنُّهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْجُهَّالِ أَنَّهُمْ مَعَهُمْ بِأَبْدَانِهِمْ، فَهَذَا مُحَالٌ ; لِأَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: (وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ) وَكَانُوا مَعَهُ بِأَرْوَاحِهِمْ وَبِدَارِ الْهِجْرَةِ بِأَشْبَاحِهِمْ، وَهَذَا مِنَ الْجِهَادِ بِالْقَلْبِ، وَهُوَ أَحَدُ مَرَاتِبِهِ الْأَرْبَعِ، وَهِيَ: الْقَلْبُ وَاللِّسَانُ وَالْمَالُ وَالْبَدَنُ، وَفِي الْحَدِيثِ: ( «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَقُلُوبِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ» )
[فصل في تَحْرِيقُ أَمْكِنَةِ الْمَعْصِيَةِ وَهَدْمُهَا]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: تَحْرِيقُ أَمْكِنَةِ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي يُعْصَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِيهَا وَهَدْمُهَا، كَمَا حَرَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَسْجِدَ الضِّرَارِ وَأَمَرَ بِهَدْمِهِ، وَهُوَ مَسْجِدٌ يُصَلَّى فِيهِ وَيُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ فِيهِ ; لَمَّا كَانَ بِنَاؤُهُ ضِرَارًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَأْوًى لِلْمُنَافِقِينَ، وَكُلُّ مَكَانٍ هَذَا شَأْنُهُ فَوَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ تَعْطِيلُهُ، إِمَّا بِهَدْمٍ وَتَحْرِيقٍ، وَإِمَّا بِتَغْيِيرِ صُورَتِهِ وَإِخْرَاجِهِ عَمَّا وُضِعَ لَهُ، وَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَ مَسْجِدِ الضِّرَارِ فَمَشَاهِدُ الشِّرْكِ الَّتِي تَدْعُو سَدَنَتُهَا إِلَى اتِّخَاذِ مَنْ فِيهَا أَنْدَادًا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْهَدْمِ وَأَوْجَبُ، وَكَذَلِكَ مَحَالُّ الْمَعَاصِي وَالْفُسُوقِ كَالْحَانَاتِ وَبُيُوتِ الْخَمَّارِينَ وَأَرْبَابِ الْمُنْكَرَاتِ
وَقَدْ حَرَقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَرْيَةً بِكَمَالِهَا يُبَاعُ فِيهَا الْخَمْرُ، وَحَرَقَ حَانُوتَ رويشد الثقفي وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا، وَحَرَقَ قَصْرَ سعد عَلَيْهِ لَمَّا احْتَجَبَ فِيهِ عَنِ الرَّعِيَّةِ. وَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَحْرِيقِ بُيُوتِ تَارِكِي حُضُورِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ،
стр. 1407
وَإِنَّمَا مَنَعَهُ مَنْ فِيهَا مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ الَّذِينَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ كَمَا أَخْبَرَ هُوَ عَنْ ذَلِكَ
وَمِنْهَا: أَنَّ الْوَقْفَ لَا يَصِحُّ عَلَى غَيْرِ بِرٍّ وَلَا قُرْبَةٍ، كَمَا لَمْ يَصِحَّ وَقْفُ هَذَا الْمَسْجِدِ، وَعَلَى هَذَا: فَيُهْدَمُ الْمَسْجِدُ إِذَا بُنِيَ عَلَى قَبْرٍ، كَمَا يُنْبَشُ الْمَيِّتُ إِذَا دُفِنَ فِي الْمَسْجِدِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، فَلَا يَجْتَمِعُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ مَسْجِدٌ وَقَبْرٌ، بَلْ أَيُّهُمَا طَرَأَ عَلَى الْآخَرِ مَنَعَ مِنْهُ، وَكَانَ الْحُكْمُ لِلسَّابِقِ، فَلَوْ وُضِعَا مَعًا لَمْ يَجُزْ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْوَقْفُ، وَلَا يَجُوزُ، وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ ; لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَلَعْنِهِ مَنِ اتَّخَذَ الْقَبْرَ مَسْجِدًا أَوْ أَوْقَدَ عَلَيْهِ سِرَاجًا، فَهَذَا دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ وَنَبِيَّهُ، وَغُرْبَتُهُ بَيْنَ النَّاسِ كَمَا تَرَى
[فصل في جَوَازُ إِنْشَادِ الشِّعْرِ لِلْقَادِمِ فَرَحًا بِهِ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: جَوَازُ إِنْشَادِ الشِّعْرِ لِلْقَادِمِ فَرَحًا وَسُرُورًا بِهِ، مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مُحَرَّمٌ مِنْ لَهْوٍ كَمِزْمَارٍ وَشَبَّابَةٍ وَعُودٍ، وَلَمْ يَكُنْ غِنَاءً يَتَضَمَّنْ رُقْيَةَ الْفَوَاحِشِ وَمَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَهَذَا لَا يُحَرِّمُهُ أَحَدٌ، وَتَعَلُّقُ أَرْبَابِ السَّمَاعِ الْفِسْقِيِّ بِهِ، كَتَعَلُّقِ مَنْ يَسْتَحِلُّ شُرْبَ الْخَمْرِ الْمُسْكِرِ قِيَاسًا عَلَى أَكْلِ الْعِنَبِ وَشُرْبِ الْعَصِيرِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ، وَنَحْوِ هَذَا مِنَ الْقِيَاسَاتِ الَّتِي تُشْبِهُ قِيَاسَ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]
وَمِنْهَا: اسْتِمَاعُ النَّبِيِّ ﷺ مَدْحَ الْمَادِحِينَ لَهُ وَتَرْكُ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ فِي هَذَا ; لِمَا بَيْنَ الْمَادِحِينَ وَالْمَمْدُوحِينَ مِنَ الْفُرُوقِ، وَقَدْ قَالَ: ( «احْثُوا فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ» )
стр. 1408
وَمِنْهَا: مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا مِنَ الْحِكَمِ وَالْفَوَائِدِ الْجَمَّةِ، فَنُشِيرُ إِلَى بَعْضِهَا:
فَمِنْهَا: جَوَازُ إِخْبَارِ الرَّجُلِ عَنْ تَفْرِيطِهِ وَتَقْصِيرِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَعَنْ سَبَبِ ذَلِكَ، وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ، وَفِي ذَلِكَ مِنَ التَّحْذِيرِ وَالنَّصِيحَةِ وَبَيَانِ طُرُقِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا، مَا هُوَ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ
وَمِنْهَا: جَوَازُ مَدْحِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ الْفَخْرِ وَالتَّرَفُّعِ.
وَمِنْهَا: تَسْلِيَةُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ عَمَّا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ بِمَا قُدِّرَ لَهُ مِنْ نَظِيرِهِ أَوْ خَيْرٍ مِنْهُ
وَمِنْهَا: أَنَّ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ كَانَتْ مِنْ أَفْضَلِ مَشَاهِدِ الصَّحَابَةِ، حَتَّى إِنَّ كعبا كَانَ لَا يَرَاهَا دُونَ مَشْهَدِ بَدْرٍ
وَمِنْهَا: أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي أَنْ يَسْتُرَ عَنْ رَعِيَّتِهِ بَعْضَ مَا يَهُمُّ بِهِ وَيَقْصِدُهُ مِنَ الْعَدُوِّ وَيُوَرِّي بِهِ عَنْهُ اسْتُحِبَّ لَهُ ذَلِكَ أَوْ يَتَعَيَّنُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ
وَمِنْهَا: أَنَّ السَّتْرَ وَالْكِتْمَانَ إِذَا تَضَمَّنَ مَفْسَدَةً لَمْ يَجُزْ
وَمِنْهَا: أَنَّ الْجَيْشَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ دِيوَانٌ وَأَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ الدِّيوَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وَهَذَا مِنْ سُنَّتِهِ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِاتِّبَاعِهَا، وَظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهَا وَحَاجَةُ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهَا
وَمِنْهَا: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا حَضَرَتْ لَهُ فُرْصَةُ الْقُرْبَةِ وَالطَّاعَةِ فَالْحَزْمُ كُلُّ الْحَزْمِ فِي انْتِهَازِهَا وَالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا، وَالْعَجْزُ فِي تَأْخِيرِهَا وَالتَّسْوِيفِ بِهَا، وَلَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يَثِقْ بِقُدْرَتِهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ أَسْبَابِ تَحْصِيلِهَا، فَإِنَّ الْعَزَائِمَ وَالْهِمَمَ سَرِيعَةُ الِانْتِقَاضِ قَلَّمَا ثَبَتَتْ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يُعَاقِبُ مَنْ فَتَحَ لَهُ بَابًا مِنَ الْخَيْرِ فَلَمْ يَنْتَهِزْهُ، بِأَنْ يَحُولَ
стр. 1409
بَيْنَ قَلْبِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَلَا يُمْكِنُهُ بَعْدُ مِنْ إِرَادَتِهِ عُقُوبَةً لَهُ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ إِذَا دَعَاهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَلْبِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَلَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِجَابَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] [الْأَنْفَالِ: ٢٤] وَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهَذَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] [الْأَنْعَامِ: ١١٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] [الصَّفِّ: ٥] ، وَقَالَ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥] [التَّوْبَةِ: ١١٥] وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا أَحَدُ رِجَالٍ ثَلَاثَةٍ ; إِمَّا مَغْمُوصٌ عَلَيْهِ فِي النِّفَاقِ أَوْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْأَعْذَارِ، أَوْ مَنْ خَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، أَوْ خَلَّفَهُ لِمَصْلَحَةٍ
وَمِنْهَا: أَنَّ الْإِمَامَ وَالْمُطَاعَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُهْمِلَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، بَلْ يُذَكِّرُهُ لِيُرَاجِعَ الطَّاعَةَ وَيَتُوبَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ بِتَبُوكَ: مَا فَعَلَ كعب؟ وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَاهُ مِنَ الْمُخَلَّفِينَ اسْتِصْلَاحًا لَهُ وَمُرَاعَاةً، وَإِهْمَالًا لِلْقَوْمِ الْمُنَافِقِينَ
وَمِنْهَا: جَوَازُ الطَّعْنِ فِي الرَّجُلِ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى اجْتِهَادِ الطَّاعِنِ حَمِيَّةً أَوْ ذَبًّا عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمِنْ هَذَا طَعْنُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِيمَنْ طَعَنُوا فِيهِ مِنَ الرُّوَاةِ، وَمِنْ هَذَا طَعْنُ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ لِلَّهِ لَا لِحُظُوظِهِمْ وَأَغْرَاضِهِمْ
وَمِنْهَا: جَوَازُ الرَّدِّ عَلَى الطَّاعِنِ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الرَّادِّ أَنَّهُ وَهْمٌ وَغَلَطٌ، كَمَا قَالَ معاذ لِلَّذِي طَعَنَ فِي كعب: بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَلَمْ يُنْكِرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا
وَمِنْهَا: أَنَّ السُّنَّةَ لِلْقَادِمِ مِنَ السَّفَرِ أَنْ يَدْخُلَ الْبَلَدَ عَلَى وُضُوءٍ وَأَنْ يَبْدَأَ
стр. 1410
بِبَيْتِ اللَّهِ قَبْلَ بَيْتِهِ، فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَجْلِسُ لِلْمُسَلِّمِينَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى أَهْلِهِ
وَمِنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْبَلُ عَلَانِيَةَ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَيَكِلُ سَرِيرَتَهُ إِلَى اللَّهِ، وَيُجْرِي عَلَيْهِ حُكْمَ الظَّاهِرِ، وَلَا يُعَاقِبُهُ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْ سِرِّهِ
وَمِنْهَا: تَرْكُ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ رَدَّ السَّلَامِ عَلَى مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا ; تَأْدِيبًا لَهُ وَزَجْرًا لِغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ رَدَّ عَلَى كعب، بَلْ قَابَلَ سَلَامَهُ بِتَبَسُّمِ الْمُغْضَبِ
وَمِنْهَا: أَنَّ التَّبَسُّمَ قَدْ يَكُونُ عَنِ الْغَضَبِ كَمَا يَكُونُ عَنِ التَّعَجُّبِ وَالسُّرُورِ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُوجِبُ انْبِسَاطَ دَمِ الْقَلْبِ وَثَوَرَانَهُ، وَلِهَذَا تَظْهَرُ حُمْرَةُ الْوَجْهِ لِسُرْعَةِ ثَوَرَانِ الدَّمِ فِيهِ، فَيَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ السُّرُورُ، وَالْغَضَبُ تَعَجُّبٌ يَتْبَعُهُ ضَحِكٌ وَتَبَسُّمٌ، فَلَا يَغْتَرُّ الْمُغْتَرُّ بِضَحِكِ الْقَادِرِ عَلَيْهِ فِي وَجْهِهِ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ كَمَا قِيلَ
إِذَا رَأَيْتَ نُيُوبَ اللَّيْثِ بَارِزَةً ... فَلَا تَظُنَّنَّ أَنَّ اللَّيْثَ مُبْتَسِمُ
وَمِنْهَا: مُعَاتَبَةُ الْإِمَامِ وَالْمُطَاعِ أَصْحَابَهُ وَمَنْ يَعِزُّ عَلَيْهِ وَيَكْرُمُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ عَاتَبَ الثَّلَاثَةَ دُونَ سَائِرِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ مِنْ مَدْحِ عِتَابِ الْأَحِبَّةِ وَاسْتِلْذَاذِهِ وَالسُّرُورِ بِهِ، فَكَيْفَ بِعِتَابِ أَحَبِّ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ إِلَى الْمَعْتُوبِ عَلَيْهِ، وَلِلَّهِ مَا كَانَ أَحْلَى ذَلِكَ الْعِتَابَ وَمَا أَعْظَمَ ثَمَرَتَهُ وَأَجَلَّ فَائِدَتَهُ، وَلِلَّهِ مَا نَالَ بِهِ الثَّلَاثَةُ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَسَرَّاتِ وَحَلَاوَةِ الرِّضَا وَخِلَعِ الْقَبُولِ
وَمِنْهَا: تَوْفِيقُ اللَّهِ لكعب وَصَاحِبَيْهِ فِيمَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الصِّدْقِ، وَلَمْ يَخْذُلْهُمْ حَتَّى كَذَبُوا وَاعْتَذَرُوا بِغَيْرِ الْحَقِّ، فَصَلُحَتْ عَاجِلَتُهُمْ وَفَسَدَتْ عَاقِبَتُهُمْ كُلَّ الْفَسَادِ، وَالصَّادِقُونَ تَعِبُوا فِي الْعَاجِلَةِ بَعْضَ التَّعَبِ فَأَعْقَبَهُمْ صَلَاحَ الْعَاقِبَةِ وَالْفَلَاحَ كُلَّ الْفَلَاحِ، وَعَلَى هَذَا قَامَتِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ، فَمَرَارَاتُ الْمُبَادِي حَلَاوَاتٌ
стр. 1411
فِي الْعَوَاقِبِ، وَحَلَاوَاتُ الْمُبَادِي مَرَارَاتٌ فِي الْعَوَاقِبِ. «وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لكعب: (أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ) » ، دَلِيلٌ ظَاهِرٌ فِي التَّمَسُّكِ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ عِنْدَ قِيَامِ قَرِينَةٍ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْمَذْكُورِ بِالْحُكْمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ - فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩] [الْأَنْبِيَاءِ: ٧٨ و ٧٩] ، وَقَوْلُهُ ﷺ : ( «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا» ) ، وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: (أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ) ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَشُكُّ السَّامِعُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ قَصَدَ تَخْصِيصَهُ بِالْحُكْمِ.
وَقَوْلُ كعب: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، فِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرُدَّ حَرَّ الْمُصِيبَةِ بِرُوحِ التَّأَسِّي بِمَنْ لَقِيَ مِثْلَ مَا لَقِيَ، وَقَدْ أَرْشَدَ سُبْحَانَهُ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] [النِّسَاءِ: ١٠٤] ، وَهَذَا هُوَ الرَّوْحُ الَّذِي مَنَعَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلَ النَّارِ فِيهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩] [الزُّخْرُفِ: ٣٩] . وَقَوْلُهُ: " فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا لِي فِيهِمَا أُسْوَةٌ ". هَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا عُدَّ مِنْ أَوْهَامِ الزُّهْرِيِّ، فَإِنَّهُ لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ الْبَتَّةَ ذِكْرُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فِي أَهْلِ بَدْرٍ، لَا ابْنُ إِسْحَاقَ، وَلَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَلَا الأموي، وَلَا الْوَاقِدِيُّ، وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ عَدَّ أَهْلَ بَدْرٍ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَلَّا يَكُونَا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَهْجُرْ حاطبا، وَلَا عَاقَبَهُ وَقَدْ جَسَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ لعمر لَمَّا هَمَّ بِقَتْلِهِ: ( «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ) ، وَأَيْنَ ذَنْبُ التَّخَلُّفِ مِنْ ذَنْبِ الْجَسِّ.
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ: وَلَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى كَشْفِ ذَلِكَ وَتَحْقِيقِهِ حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ الْأَثْرَمَ قَدْ ذَكَرَ الزُّهْرِيَّ، وَذَكَرَ فَضْلَهُ وَحِفْظَهُ وَإِتْقَانَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَكَادُ يُحْفَظُ عَلَيْهِ غَلَطٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّ مرارة بن الربيع، وهلال بن
стр. 1412
أمية شَهِدَا بَدْرًا، وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ، وَالْغَلَطُ لَا يُعْصَمُ مِنْهُ إِنْسَانٌ.
[فصل في نَهْيُهُ ﷺ عَنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ لِتَأْدِيبِهِمْ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِمْ]
فَصْلٌ
وَفِي نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِمْ وَكَذِبِ الْبَاقِينَ، فَأَرَادَ هَجْرَ الصَّادِقِينَ وَتَأْدِيبَهُمْ عَلَى هَذَا الذَّنْبِ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَجُرْمُهُمْ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُقَابَلَ بِالْهَجْرِ، فَدَوَاءُ هَذَا الْمَرَضِ لَا يَعْمَلُ فِي مَرَضِ النِّفَاقِ، وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَهَكَذَا يَفْعَلُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ بِعِبَادِهِ فِي عُقُوبَاتِ جَرَائِمِهِمْ، فَيُؤَدِّبُ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ الَّذِي يُحِبُّهُ وَهُوَ كَرِيمٌ عِنْدَهُ بِأَدْنَى زَلَّةٍ وَهَفْوَةٍ، فَلَا يَزَالُ مُسْتَيْقِظًا حَذِرًا، وَأَمَّا مَنْ سَقَطَ مِنْ عَيْنِهِ وَهَانَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعَاصِيهِ، وَكُلَّمَا أَحْدَثَ ذَنْبًا أَحْدَثَ لَهُ نِعْمَةً، وَالْمَغْرُورُ يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَرَامَتِهِ عَلَيْهِ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ عَيْنُ الْإِهَانَةِ، وَأَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ وَالْعُقُوبَةَ الَّتِي لَا عَاقِبَةَ مَعَهَا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: ( «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَجَّلَ لَهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرًّا أَمْسَكَ عَنْهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا، فَيَرِدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِذُنُوبِهِ» ) .
وَفِيهِ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى هِجْرَانِ الْإِمَامِ وَالْعَالِمِ وَالْمُطَاعِ لِمَنْ فَعَلَ مَا يَسْتَوْجِبُ الْعَتْبَ، وَيَكُونُ هِجْرَانُهُ دَوَاءً لَهُ بِحَيْثُ لَا يَضْعُفُ عَنْ حُصُولِ الشِّفَاءِ بِهِ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ عَلَيْهِ فَيُهْلِكَهُ، إِذِ الْمُرَادُ تَأْدِيبُهُ لَا إِتْلَافُهُ.
وَقَوْلُهُ: ( «حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِيَ الْأَرْضُ، فَمَا هِيَ بِالَّتِي أَعْرِفُ» ) ، هَذَا التَّنَكُّرُ يَجِدُهُ الْخَائِفُ وَالْحَزِينُ وَالْمَهْمُومُ فِي الْأَرْضِ، وَفِي الشَّجَرِ وَالنَّبَاتِ، حَتَّى يَجِدَهُ فِيمَنْ لَا يَعْلَمُ حَالَهُ مِنَ النَّاسِ، وَيَجِدُهُ أَيْضًا الْمُذْنِبُ الْعَاصِي بِحَسَبِ جُرْمِهِ حَتَّى فِي خُلُقِ زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ، وَخَادِمِهِ وَدَابَّتِهِ، وَيَجِدُهُ فِي نَفْسِهِ أَيْضًا، فَتَتَنَكَّرُ لَهُ نَفْسُهُ حَتَّى مَا
стр. 1413
كَأَنَّهُ هُوَ، وَلَا كَأَنَّ أَهْلَهُ وَأَصْحَابَهُ، وَمَنْ يُشْفِقُ عَلَيْهِ بِالَّذِينَ يَعْرِفُهُمْ، وَهَذَا سِرٌّ مِنَ اللَّهِ لَا يَخْفَى إِلَّا عَلَى مَنْ هُوَ مَيِّتُ الْقَلْبِ، وَعَلَى حَسَبِ حَيَاةِ الْقَلْبِ، يَكُونُ إِدْرَاكُ هَذَا التَّنَكُّرِ وَالْوَحْشَةِ.
وَمَا لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إِيلَامُ
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا التَّنَكُّرَ وَالْوَحْشَةَ كَانَا لِأَهْلِ النِّفَاقِ أَعْظَمَ، وَلَكِنْ لِمَوْتِ قُلُوبِهِمْ لَمْ يَكُونُوا يَشْعُرُونَ بِهِ، وَهَكَذَا الْقَلْبُ إِذَا اسْتَحْكَمَ مَرَضُهُ، وَاشْتَدَّ أَلَمُهُ بِالذُّنُوبِ وَالْإِجْرَامِ، لَمْ يَجِدْ هَذِهِ الْوَحْشَةَ وَالتَّنَكُّرَ، وَلَمْ يُحِسَّ بِهَا، وَهَذِهِ عَلَامَةُ الشَّقَاوَةِ، وَأَنَّهُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عَافِيَةِ هَذَا الْمَرَضِ، وَأَعْيَا الْأَطِبَّاءَ شِفَاؤُهُ، وَالْخَوْفُ وَالْهَمُّ مَعَ الرِّيبَةِ، وَالْأَمْنُ وَالسُّرُورُ مَعَ الْبَرَاءَةِ مِنَ الذَّنْبِ.
فَمَا فِي الْأَرْضِ أَشْجَعُ مِنْ بَرِيءٍ ... وَلَا فِي الْأَرْضِ أَخْوَفُ مِنْ مُرِيبِ
وَهَذَا الْقَدْرُ قَدْ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُؤْمِنُ الْبَصِيرُ إِذَا ابْتُلِيَ بِهِ ثُمَّ رَاجَعَ، فَإِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ نَفْعًا عَظِيمًا مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ تَفُوتُ الْحَصْرَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا إِلَّا اسْتِثْمَارُهُ مِنْ ذَلِكَ أَعْلَامَ النُّبُوَّةِ، وَذَوْقُهُ نَفْسَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ فَيَصِيرُ تَصْدِيقُهُ ضَرُورِيًّا عِنْدَهُ، وَيَصِيرُ مَا نَالَهُ مِنَ الشَّرِّ بِمَعَاصِيهِ، وَمِنَ الْخَيْرِ بِطَاعَاتِهِ مِنْ أَدِلَّةِ صِدْقِ النُّبُوَّةِ الذَّوْقِيَّةِ الَّتِي لَا تَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الِاحْتِمَالَاتُ، وَهَذَا كَمَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ مِنَ الْمَعَاطِبِ وَالْمَخَاوِفِ كَيْتَ وَكَيْتَ عَلَى التَّفْصِيلِ، فَخَالَفْتَهُ وَسَلَكْتَهَا، فَرَأَيْتَ عَيْنَ مَا أَخْبَرَكَ بِهِ، فَإِنَّكَ تَشْهَدُ صِدْقَهُ فِي نَفْسِ خِلَافِكَ لَهُ، وَأَمَّا إِذَا سَلَكْتَ طَرِيقَ الْأَمْنِ وَحْدَهَا، وَلَمْ تَجِدْ مِنْ تِلْكَ الْمَخَاوِفِ شَيْئًا، فَإِنَّهُ وَإِنْ شَهِدَ صِدْقَ الْمُخْبِرِ بِمَا نَالَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالظَّفَرِ مُفَصَّلًا، فَإِنَّ عِلْمَهُ بِتِلْكَ يَكُونُ مُجْمَلًا.
[تخلف أصحاب كعب عن صلاة الجماعة]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: أَنَّ هلال بن أمية، ومرارة قَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا، وَكَانَا يُصَلِّيَانِ فِي بُيُوتِهِمَا، وَلَا يَحْضُرَانِ الْجَمَاعَةَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هِجْرَانَ الْمُسْلِمِينَ لِلرَّجُلِ عُذْرٌ يُبِيحُ لَهُ التَّخَلُّفَ عَنِ الْجَمَاعَةِ، أَوْ يُقَالُ: مِنْ تَمَامِ هِجْرَانِهِ أَنْ لَا يَحْضُرَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ يُقَالُ: فكعب كَانَ يَحْضُرُ الْجَمَاعَةَ وَلَمْ يَمْنَعْهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا عَتَبَ عَلَيْهِمَا عَلَى التَّخَلُّفِ، وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ: لَمَّا أُمِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهَجْرِهِمْ تَرَكُوا:
стр. 1414
لَمْ يُؤْمَرُوا وَلَمْ يُنْهَوْا وَلَمْ يُكَلَّمُوا، فَكَانَ مَنْ حَضَرَ مِنْهُمُ الْجَمَاعَةَ لَمْ يُمْنَعْ، وَمَنْ تَرَكَهَا لَمْ يُكَلَّمْ، أَوْ يُقَالُ: لَعَلَّهُمَا ضَعُفَا وَعَجَزَا عَنِ الْخُرُوجِ، وَلِهَذَا قَالَ كعب: وَكُنْتُ أَنَا أَجْلَدَ الْقَوْمِ وَأَشَبَّهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَوْلُهُ: وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأَقُولُ: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَيَّ أَمْ لَا؟ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّدَّ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ الْهَجْرَ غَيْرُ وَاجِبٍ، إِذْ لَوْ وَجَبَ الرَّدُّ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إِسْمَاعِهِ.
وَقَوْلُهُ: حَتَّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيَّ، تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أبي قتادة، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى دُخُولِ الْإِنْسَانِ دَارَ صَاحِبِهِ وَجَارِهِ إِذَا عَلِمَ رِضَاهُ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ.
وَفِي قَوْلِ أبي قتادة لَهُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِخِطَابٍ وَلَا كَلَامٍ لَهُ، فَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ، فَقَالَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ جَوَابًا لَهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يَنْوِ بِهِ مُكَالَمَتَهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ أبي قتادة.
وَفِي إِشَارَةِ النَّاسِ إِلَى النَّبَطِيِّ - الَّذِي كَانَ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ - دُونَ نُطْقِهِمْ لَهُ تَحْقِيقٌ لِمَقْصُودِ الْهَجْرِ، وَإِلَّا فَلَوْ قَالُوا لَهُ صَرِيحًا: ذَاكَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَلَامًا لَهُ، فَلَا يَكُونُونَ بِهِ مُخَالِفِينَ لِلنَّهْيِ، وَلَكِنْ لِفَرْطِ تَحَرِّيهِمْ وَتَمَسُّكِهِمْ بِالْأَمْرِ لَمْ يَذْكُرُوهُ لَهُ بِصَرِيحِ اسْمِهِ. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ بِحَضْرَتِهِ وَهُوَ يَسْمَعُ نَوْعَ مُكَالَمَةٍ لَهُ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا جَعَلَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى الْمَقْصُودِ بِكَلَامِهِ، وَهِيَ ذَرِيعَةٌ قَرِيبَةٌ، فَالْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ مَنْعِ الْحِيَلِ وَسَدِّ الذَّرَائِعِ، وَهَذَا أَفْقَهُ وَأَحْسَنُ.
وَفِي مُكَاتَبَةِ مَلِكِ غَسَّانَ لَهُ بِالْمَصِيرِ إِلَيْهِ ابْتِلَاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَامْتِحَانٌ لِإِيمَانِهِ وَمَحَبَّتِهِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِظْهَارٌ لِلصَّحَابَةِ أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ ضَعُفَ إِيمَانُهُ بِهَجْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ لَهُ، وَلَا هُوَ مِمَّنْ تَحْمِلُهُ الرَّغْبَةُ فِي الْجَاهِ وَالْمُلْكِ مَعَ هِجْرَانِ الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ لَهُ عَلَى مُفَارَقَةِ دِينِهِ، فَهَذَا فِيهِ مِنْ تَبْرِئَةِ اللَّهِ لَهُ مِنَ النِّفَاقِ وَإِظْهَارِ قُوَّةِ إِيمَانِهِ، وَصِدْقِهِ لِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ مَا هُوَ مِنْ تَمَامِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَلُطْفِهِ بِهِ وَجَبْرِهِ لِكَسْرِهِ، وَهَذَا الْبَلَاءُ يُظْهِرُ لُبَّ الرَّجُلِ وَسِرَّهُ
стр. 1415
وَمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ، فَهُوَ كَالْكِيرِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ.
وَقَوْلُهُ: فَتَيَمَّمْتُ بِالصَّحِيفَةِ التَّنُّورَ، فِيهِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى إِتْلَافِ مَا يُخْشَى مِنْهُ الْفَسَادُ وَالْمَضَرَّةُ فِي الدِّينِ، وَأَنَّ الْحَازِمَ لَا يَنْتَظِرُ بِهِ وَلَا يُؤَخِّرُهُ، وَهَذَا كَالْعَصِيرِ إِذَا تَخَمَّرَ، وَكَالْكِتَابِ الَّذِي يُخْشَى مِنْهُ الضَّرَرُ وَالشَّرُّ، فَالْحَزْمُ الْمُبَادَرَةُ إِلَى إِتْلَافِهِ وَإِعْدَامِهِ.
وَكَانَتْ غَسَّانُ إِذْ ذَاكَ - وَهُمْ مُلُوكُ عَرَبِ الشَّامِ - حَرْبًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانُوا يُنْعِلُونَ خُيُولَهُمْ لِمُحَارَبَتِهِ، وَكَانَ هَذَا (لَمَّا بَعَثَ شجاع بن وهب الأسدي إِلَى مَلِكِهِمُ الحارث بن أبي شمر الغساني يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَتَبَ مَعَهُ إِلَيْهِ، قَالَ شجاع: فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي غَوْطَةِ دِمَشْقَ، وَهُوَ مَشْغُولٌ بِتَهْيِئَةِ الْأَنْزَالِ وَالْأَلْطَافِ لقيصر، وَهُوَ جَاءٍ مِنْ حِمْصَ إِلَى إِيلِيَاءَ، فَأَقَمْتُ عَلَى بَابِهِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، فَقُلْتُ لِحَاجِبِهِ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ، فَقَالَ: لَا تَصِلُ إِلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَجَعَلَ حَاجِبُهُ - وَكَانَ رُومِيًّا اسْمُهُ مري - يَسْأَلُنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكُنْتُ أُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ، فَيَرِقُّ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَيْهِ الْبُكَاءُ، وَيَقُولُ: إِنِّي قَرَأْتُ الْإِنْجِيلَ فَأَجِدُ صِفَةَ هَذَا النَّبِيِّ بِعَيْنِهِ، فَأَنَا أُؤْمِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ فَأَخَافُ مِنَ الحارث أَنْ يَقْتُلَنِي، وَكَانَ يُكْرِمُنِي وَيُحْسِنُ ضِيَافَتِي.
وَخَرَجَ الحارث يَوْمًا فَجَلَسَ فَوَضَعَ التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ فَأَذِنَ لِي عَلَيْهِ، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَرَأَهُ ثُمَّ رَمَى بِهِ، قَالَ: مَنْ يَنْتَزِعُ مِنِّي مُلْكِي، وَقَالَ: أَنَا سَائِرٌ إِلَيْهِ وَلَوْ كَانَ بِالْيَمَنِ جِئْتُهُ، عَلَيَّ بِالنَّاسِ، فَلَمْ تَزَلْ تُعْرَضُ حَتَّى قَامَ، وَأَمَرَ بِالْخُيُولِ تُنْعَلُ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرْ صَاحِبَكَ بِمَا تَرَى، وَكَتَبَ إِلَى قيصر يُخْبِرُهُ خَبَرِي وَمَا عَزَمَ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ قيصر: أَنْ لَا تَسِرْ، وَلَا تَعْبُرْ إِلَيْهِ وَالْهُ عَنْهُ، وَوَافِنِي بِإِيلِيَاءَ، فَلَمَّا جَاءَهُ جَوَابُ كِتَابِهِ، دَعَانِي فَقَالَ: مَتَى تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى صَاحِبِكَ؟ فَقُلْتُ: غَدًا، فَأَمَرَ لِي بِمِائَةِ مِثْقَالٍ ذَهَبًا، وَوَصَلَنِي حَاجِبُهُ بِنَفَقَةٍ وَكُسْوَةٍ، وَقَالَ: اقْرَأْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي السَّلَامَ، فَقَدِمْتُ
стр. 1416
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: " بَادَ مُلْكُهُ "، وَأَقْرَأْتُهُ مِنْ حَاجِبِهِ السَّلَامَ، وَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " صَدَقَ ") : وَمَاتَ الحارث بن أبي شمر عَامَ الْفَتْحِ، فَفِي هَذِهِ الْمُدَّةِ أَرْسَلَ مَلِكُ غَسَّانَ يَدْعُو كعبا إِلَى اللِّحَاقِ بِهِ، فَأَبَتْ لَهُ سَابِقَةُ الْحُسْنَى أَنْ يَرْغَبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدِينِهِ.
[فصل في أَمْرُهُ ﷺ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ بِاعْتِزَالِ نِسَائِهِمْ]
فَصْلٌ
فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ أَنْ يَعْتَزِلُوا نِسَاءَهُمْ لَمَّا مَضَى لَهُمْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً كَالْبِشَارَةِ بِمُقَدِّمَاتِ الْفَرَجِ وَالْفَتْحِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: كَلَامُهُ لَهُمْ، وَإِرْسَالُهُ إِلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَا يُكَلِّمُهُمْ بِنَفْسِهِ وَلَا بِرَسُولِهِ.
الثَّانِي: مِنْ خُصُوصِيَّةِ أَمْرِهِمْ بِاعْتِزَالِ النِّسَاءِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لَهُمْ إِلَى الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ، وَشَدِّ الْمِئْزَرِ، وَاعْتِزَالِ مَحَلِّ اللَّهْوِ وَاللَّذَّةِ وَالتَّعَوُّضِ عَنْهُ بِالْإِقْبَالِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَفِي هَذَا إِيذَانٌ بِقُرْبِ الْفَرَجِ، وَأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِنَ الْعَتَبِ أَمْرٌ يَسِيرٌ.
وَفِقْهُ هَذِهِ الْقِصَّةِ، أَنَّ زَمَنَ الْعِبَادَاتِ يَنْبَغِي فِيهِ تَجَنُّبُ النِّسَاءِ، كَزَمَنِ الْإِحْرَامِ، وَزَمَنِ الِاعْتِكَافِ، وَزَمَنِ الصِّيَامِ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَكُونَ آخِرُ هَذِهِ الْمُدَّةِ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ بِمَنْزِلَةِ أَيَّامِ الْإِحْرَامِ وَالصِّيَامِ فِي تَوَفُّرِهَا عَلَى الْعِبَادَةِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ الْمُدَّةِ رَحْمَةً بِهِمْ وَشَفَقَةً عَلَيْهِمْ، إِذْ لَعَلَّهُمْ يَضْعُفُ صَبْرُهُمْ عَنْ نِسَائِهِمْ فِي جَمِيعِهَا، فَكَانَ مِنَ اللُّطْفِ بِهِمْ وَالرَّحْمَةِ أَنْ أُمِرُوا بِذَلِكَ فِي آخِرِ الْمُدَّةِ، كَمَا يُؤْمَرُ بِهِ الْحَاجُّ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ، لَا مِنْ حِينِ يَعْزِمُ عَلَى الْحَجِّ.
وَقَوْلُ كعب لِامْرَأَتِهِ: الْحَقِي بِأَهْلِكِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ وَأَمْثَالِهَا طَلَاقٌ مَا لَمْ يَنْوِهِ. وَالصَّحِيحُ أنَّ لَفْظَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْحُرِّيَّةِ كَذَلِكَ إِذَا أَرَادَ بِهِ غَيْرَ تَسْيِيبِ الزَّوْجَةِ، وَإِخْرَاجِ الرَّقِيقِ عَنْ مُلْكِهِ، لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ وَلَا عَتَاقٌ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ، وَلَا نَرْتَابُ فِيهِ الْبَتَّةَ. فَإِذَا قِيلَ لَهُ: إِنَّ غُلَامَكَ
стр. 1417
فَاجِرٌ أَوْ جَارِيَتُكَ تَزْنِي، فَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ غُلَامٌ عَفِيفٌ حُرٌّ، وَجَارِيَةٌ عَفِيفَةٌ حُرَّةٌ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ حُرِّيَّةَ الْعِتْقِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ حُرِّيَّةَ الْعِفَّةِ، فَإِنَّ جَارِيَتَهُ وَعَبْدَهُ لَا يُعْتَقَانِ بِهَذَا أَبَدًا، وَكَذَا إِذَا قِيلَ لَهُ: كَمْ لِغُلَامِكَ عِنْدَكَ سَنَةً؟ فَقَالَ هُوَ عَتِيقٌ عِنْدِي، وَأَرَادَ قِدَمَ مُلْكِهِ لَهُ، لَمْ يُعْتَقْ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِذَا ضَرَبَ امْرَأَتَهُ الطَّلْقُ، فَسُئِلَ عَنْهَا، فَقَالَ: هِيَ طَالِقٌ، وَلَمْ يَخْطِرْ بِقَلْبِهِ إِيقَاعُ الطَّلَاقِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا فِي طَلْقِ الْوِلَادَةِ لَمْ تُطَلَّقْ بِهَذَا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَعَ هَذِهِ الْقَرَائِنِ صَرِيحَةٌ إِلَّا فِيمَا أُرِيدَ بِهَا وَدَلَّ السِّيَاقُ عَلَيْهَا، فَدَعْوَى أَنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي الْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ مَعَ هَذِهِ الْقَرَائِنِ مُكَابَرَةٌ، وَدَعْوَى بَاطِلَةٌ قَطْعًا.
[فصل في سُجُودُ الشُّكْرِ مِنْ عَادَةِ الصَّحَابَةِ]
فَصْلٌ
وَفِي سُجُودِ كعب حِينَ سَمِعَ صَوْتَ الْمُبَشِّرِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ أَنَّ تِلْكَ كَانَتْ عَادَةَ الصَّحَابَةِ، وَهِيَ سُجُودُ الشُّكْرِ عِنْدَ النِّعَمِ الْمُتَجَدِّدَةِ وَالنِّقَمِ الْمُنْدَفِعَةِ، وَقَدْ سَجَدَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَمَّا جَاءَهُ قَتْلُ مسيلمة الكذاب، وَسَجَدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَمَّا وَجَدَ ذَا الثُّدَيَّةِ مَقْتُولًا فِي الْخَوَارِجِ، وَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَشَّرَهُ جِبْرِيلُ أَنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، وَسَجَدَ حِينَ شَفَعَ لِأُمَّتِهِ فَشَفَّعَهُ اللَّهُ فِيهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَتَاهُ بَشِيرٌ فَبَشَّرَهُ بِظَفَرِ جُنْدٍ لَهُ عَلَى عَدُوِّهِمْ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عائشة، فَقَامَ فَخَرَّ سَاجِدًا، وَقَالَ أبو بكرة: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا» ، وَهِيَ آثَارٌ صَحِيحَةٌ لَا مَطْعَنَ فِيهَا.
وَفِي اسْتِبَاقِ صَاحِبِ الْفَرَسِ وَالرَّاقِي عَلَى سِلَعٍ لِيُبَشِّرَا كعبا دَلِيلٌ عَلَى حِرْصِ الْقَوْمِ عَلَى الْخَيْرِ، وَاسْتِبَاقِهِمْ إِلَيْهِ، وَتَنَافُسِهِمْ فِي مَسَرَّةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
وَفِي نَزْعِ كعب ثَوْبَيْهِ وَإِعْطَائِهِمَا لِلْبَشِيرِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِعْطَاءَ الْمُبَشِّرِينَ مِنْ
стр. 1418
مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالشِّيَمِ وَعَادَةِ الْأَشْرَافِ، وَقَدْ أَعْتَقَ العباس غُلَامَهُ لَمَّا بَشَّرَهُ أَنَّ عِنْدَ الحجاج بن علاط مِنَ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يَسُرُّهُ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إِعْطَاءِ الْبَشِيرِ جَمِيعَ ثِيَابِهِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَهْنِئَةِ مَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ دِينِيَّةٌ، وَالْقِيَامِ إِلَيْهِ إِذَا أَقْبَلَ، وَمُصَافَحَتِهِ، فَهَذِهِ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، وَهُوَ جَائِزٌ لِمَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، وَأَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَهُ: لِيَهْنِكَ مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَمَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ، وَنَحْوُ هَذَا الْكَلَامِ، فَإِنَّ فِيهِ تَوْلِيَةَ النِّعْمَةِ رَبَّهَا، وَالدُّعَاءَ لِمَنْ نَالَهَا بِالتَّهَنِّي بِهَا.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ خَيْرَ أَيَّامِ الْعَبْدِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَفْضَلَهَا يَوْمُ تَوْبَتِهِ إِلَى اللَّهِ، وَقَبُولِ اللَّهِ تَوْبَتَهُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ» . فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا الْيَوْمُ خَيْرًا مِنْ يَوْمِ إِسْلَامِهِ؟
قِيلَ: هُوَ مُكَمِّلٌ لِيَوْمِ إِسْلَامِهِ، وَمِنْ تَمَامِهِ، فَيَوْمُ إِسْلَامِهِ بِدَايَةُ سَعَادَتِهِ، وَيَوْمُ تَوْبَتِهِ كَمَالُهَا وَتَمَامُهَا، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَفِي سُرُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ وَفَرَحِهِ بِهِ وَاسْتِنَارَةِ وَجْهِهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ كَمَالِ الشَّفَقَةِ عَلَى الْأُمَّةِ وَالرَّحْمَةِ بِهِمْ وَالرَّأْفَةِ، حَتَّى لَعَلَّ فَرَحَهُ كَانَ أَعْظَمَ مِنْ فَرَحِ كعب وَصَاحِبَيْهِ.
وَقَوْلُ كعب: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي» . دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّدَقَةِ عِنْدَ التَّوْبَةِ بِمَا قُدِرَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ.
وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» ) ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مَالِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِخْرَاجُ جَمِيعِهِ، بَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبْقِيَ لَهُ مِنْهُ بَقِيَّةً، وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ، فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: " «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ» "، وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ قَدْرًا، بَلْ أَطْلَقَ، وَوَكَلَهُ إِلَى اجْتِهَادِهِ فِي قَدْرِ الْكِفَايَةِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، فَإِنَّ مَا نَقَصَ عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ أَهْلِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَدُّقُ بِهِ، فَنَذْرُهُ لَا يَكُونُ طَاعَةً، فَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ كِفَايَتِهِ وَحَاجَتِهِ، فَإِخْرَاجُهُ وَالصَّدَقَةُ بِهِ أَفْضَلُ، فَيَجِبُ إِخْرَاجُهُ إِذَا نَذَرَهُ، هَذَا قِيَاسُ
стр. 1419
الْمَذْهَبِ، وَمُقْتَضَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، وَلِهَذَا تُقَدَّمُ كِفَايَةُ الرَّجُلِ، وَكِفَايَةُ أَهْلِهِ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ حَقًّا لِلَّهِ كَالْكَفَّارَاتِ وَالْحَجِّ، أَوْ حَقًّا لِلْآدَمِيِّينَ كَأَدَاءِ الدُّيُونِ، فَإِنَّا نَتْرُكُ لِلْمُفْلِسِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَكُسْوَةٍ وَآلَةِ حِرْفَةٍ، أَوْ مَا يَتَّجِرُ بِهِ لِمُؤْنَتِهِ إِنْ فُقِدَتِ الْحِرْفَةُ، وَيَكُونُ حَقُّ الْغُرَمَاءِ فِيمَا بَقِيَ.
وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ كُلِّهِ أَجْزَاهُ ثُلُثُهُ، وَاحْتَجَّ لَهُ أَصْحَابُهُ بِمَا رُوِيَ «فِي قِصَّةِ كعب هَذِهِ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْ أُخْرِجَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَدَقَةً، قَالَ: " لَا "، قُلْتُ: فَنِصْفُهُ؟ قَالَ: " لَا "، قُلْتُ: فَثُلُثُهُ، قَالَ: " نَعَمْ "، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ» ، رَوَاهُ أبو داود. وَفِي ثُبُوتِ هَذَا مَا فِيهِ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ فِي قِصَّةِ كعب هَذِهِ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ وَلَدِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: " «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ» " مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لِقَدْرِهِ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِالْقِصَّةِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ وَلَدُهُ، وَعَنْهُ نَقَلُوهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِيمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ " «أَنَّ أبا لبابة بن عبد المنذر لَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي وَأُسَاكِنَكَ، وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ» ) . قِيلَ: هَذَا هُوَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ أحمد، لَا بِحَدِيثِ كعب، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عبد الله: إِذَا نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ أَوْ بِبَعْضِهِ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَكْثَرُ مِمَّا يَمْلِكُهُ، فَالَّذِي أَذْهَبُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أبا لبابة بِالثُّلُثِ، وأحمد أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ أَنْ يَحْتَجَّ بِحَدِيثِ كعب
стр. 1420
هَذَا الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الثُّلُثِ، إِذِ الْمَحْفُوظُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ " «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ» "، وَكَأَنَّ أحمد رَأَى تَقْيِيدَ إِطْلَاقِ حَدِيثِ كعب هَذَا بِحَدِيثِ أبي لبابة.
وَقَوْلُهُ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ أَوْ بِبَعْضِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُ: إِنَّهُ يُجْزِئُهُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ، دَلِيلٌ عَلَى انْعِقَادِ نَذْرِهِ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ مَالَهُ، ثُمَّ إِذَا قَضَى الدَّيْنَ أَخْرَجَ مِقْدَارَ ثُلُثِ مَالِهِ يَوْمَ النَّذْرِ، وَهَكَذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عبد الله: إِذَا وَهَبَ مَالَهُ، وَقَضَى دَيْنَهُ، وَاسْتَفَادَ غَيْرُهُ، فَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ ثُلُثِ مَالِهِ يَوْمَ حِنْثِهِ، يُرِيدُ بِيَوْمِ حِنْثِهِ يَوْمَ نَذْرِهِ، فَيَنْظُرُ قَدْرَ الثُّلُثِ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَيُخْرِجُهُ بَعْدَ قَضَاءِ دَيْنِهِ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ بِبَعْضِهِ. يُرِيدُ أَنَّهُ إِذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ، أَوْ بِمِقْدَارٍ كَأَلْفٍ وَنَحْوِهَا، فَيُجْزِئُهُ ثُلُثُهُ كَنَذْرِ الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ لُزُومُ الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ الْمُعَيَّنِ. وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ الْمُعَيَّنَ إِنْ كَانَ ثُلُثَ مَالِهِ فَمَا دُونَهُ، لَزِمَهُ الصَّدَقَةُ بِجَمِيعِهِ، وَإِنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لَزِمَهُ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَهِيَ أَصَحُّ عِنْدَ أَبِي الْبَرَكَاتِ.
وَبَعْدُ: فَإِنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كعبا وأبا لبابة نَذَرَا نَذْرًا مُنَجَّزًا، وَإِنَّمَا قَالَا: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِنَا أَنْ نَنْخَلِعَ مِنْ أَمْوَالِنَا، وَهَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي النَّذْرِ، وَإِنَّمَا فِيهِ الْعَزْمُ عَلَى الصَّدَقَةِ بِأَمْوَالِهِمَا شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِمَا، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ بَعْضَ الْمَالِ يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَحْتَاجَانِ إِلَى إِخْرَاجِهِ كُلِّهِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ لسعد وَقَدِ اسْتَأْذَنَهُ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ، فَأَذِنَ لَهُ فِي قَدْرِ الثُّلُثِ.
стр. 1421
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يَدْفَعُهُ أَمْرَانِ. أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: " يُجْزِئُكَ "، وَالْإِجْزَاءُ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاجِبِ، وَالثَّانِي: أَنَّ مَنْعَهُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ، إِذِ الشَّارِعُ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْقُرَبِ، وَنَذْرُ مَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ.
قِيلَ: أَمَّا قَوْلُهُ: " يُجْزِئُكَ "، فَهُوَ بِمَعْنَى يَكْفِيكَ، فَهُوَ مِنَ الرُّبَاعِيِّ، وَلَيْسَ مِنْ " جَزَى عَنْهُ " إِذَا قَضَى عَنْهُ، يُقَالُ: أَجْزَأَنِي: إِذَا كَفَانِي، وَجَزَى عَنِّي: إِذَا قَضَى عَنِّي، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاجِبِ، وَمِنْهُ «قَوْلُهُ ﷺ لأبي بردة فِي الْأُضْحِيَّةِ: " تَجْزِي عَنْكَ وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» ، وَالْكِفَايَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ.
وَأَمَّا مَنْعُهُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، فَهُوَ إِشَارَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِ بِالْأَرْفَقِ بِهِ، وَمَا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ مَنْفَعَةُ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، فَإِنَّهُ لَوْ مَكَّنَهُ مِنْ إِخْرَاجِ مَالِهِ كُلِّهِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْفَقْرِ وَالْعَدَمِ، كَمَا فَعَلَ بِالَّذِي جَاءَهُ بِالصُّرَّةِ لِيَتَصَدَّقَ بِهَا، فَضَرَبَهُ بِهَا وَلَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُ خَوْفًا عَلَيْهِ مِنَ الْفَقْرِ وَعَدَمِ الصَّبْرِ. وَقَدْ يُقَالُ - وَهُوَ أَرْجَحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِمَّنْ أَرَادَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ بِمَا يَعْلَمُ مِنْ حَالِهِ، فَمَكَّنَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ مِنْ إِخْرَاجِ مَالِهِ كُلِّهِ، وَقَالَ: ( «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ "
стр. 1422
فَقَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» ) ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، ( «وَأَقَرَّ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ بِشَطْرِ مَالِهِ» ) ، وَمَنَعَ صَاحِبَ الصُّرَّةِ مِنَ التَّصَدُّقِ بِهَا، وَقَالَ لِكَعْبٍ: ( «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ» ) ، وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ تَعْيِينُ الْمُخْرَجِ بِأَنَّهُ الثُّلُثُ، وَيَبْعُدُ جِدًّا بِأَنْ يَكُونَ الْمُمْسَكُ ضِعْفَيِ الْمُخْرَجِ فِي هَذَا اللَّفْظِ، «وَقَالَ لأبي لبابة: (يُجْزِئُكَ الثُّلُثُ) » ، وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ، وَعَلَى هَذَا فَمَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ كُلِّهِ أَمْسَكَ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ هُوَ وَأَهْلُهُ، وَلَا يَحْتَاجُونَ مَعَهُ إِلَى سُؤَالِ النَّاسِ مُدَّةَ حَيَاتِهِمْ مِنْ رَأْسِ مَالٍ أَوْ عَقَارٍ، أَوْ أَرْضٍ يَقُومُ مَغَلُّهَا بِكِفَايَتِهِمْ، وَتَصَدَّقَ بِالْبَاقِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: يَتَصَدَّقُ مِنْهُ بِقَدْرِ الزَّكَاةِ، وَيُمْسِكُ الْبَاقِيَ. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: إِنْ كَانَ أَلْفَيْنِ فَأَكْثَرَ أَخْرَجَ عُشُرَهُ وَإِنْ كَانَ أَلْفًا، فَمَا دُونَ فَسُبُعَهُ وَإِنْ كَانَ خَمْسَمِائَةٍ فَمَا دُونَ فَخُمُسَهُ. وَقَالَ أبو حنيفة ﵀: يَتَصَدَّقُ بِكُلِّ مَالِهِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَمَا لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: أَحَدُهُمَا: يُخْرِجُهُ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَلْزَمُهُ الصَّدَقَةُ بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَقَالَ مالك وَالزُّهْرِيُّ وأحمد: يَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَقَطْ.
[فَصْلٌ في عَظَمَةُ الصِّدْقِ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: عِظَمُ مِقْدَارِ الصِّدْقِ، وَتَعْلِيقُ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالنَّجَاةِ مِنْ شَرِّهِمَا بِهِ، فَمَا أَنْجَى اللَّهُ مَنْ أَنْجَاهُ إِلَّا بِالصِّدْقِ، وَلَا أَهْلَكَ مَنْ أَهْلَكَهُ إِلَّا
стр. 1423
بِالْكَذِبِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] [التَّوْبَةِ: ١١٩] .
وَقَدْ قَسَّمَ سُبْحَانَهُ الْخَلْقَ إِلَى قِسْمَيْنِ: سُعَدَاءَ، وَأَشْقِيَاءَ، فَجَعَلَ السُّعَدَاءَ هُمْ أَهْلَ الصِّدْقِ وَالتَّصْدِيقِ، وَالْأَشْقِيَاءَ هُمْ أَهْلَ الْكَذِبِ وَالتَّكْذِيبِ، وَهُوَ تَقْسِيمٌ حَاصِرٌ مُطَّرِدٌ مُنْعَكِسٌ. فَالسَّعَادَةُ دَائِرَةٌ مَعَ الصِّدْقِ وَالتَّصْدِيقِ، وَالشَّقَاوَةُ دَائِرَةٌ مَعَ الْكَذِبِ وَالتَّكْذِيبِ.
وَأَخْبَرَ : أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا صِدْقُهُمْ؛ وَجَعَلَ عَلَمَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِي تَمَيَّزُوا بِهِ هُوَ الْكَذِبَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، فَجَمِيعُ مَا نَعَاهُ عَلَيْهِمْ أَصْلُهُ الْكَذِبُ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، فَالصِّدْقُ بَرِيدُ الْإِيمَانِ وَدَلِيلُهُ وَمَرْكَبُهُ وَسَائِقُهُ وَقَائِدُهُ وَحِلْيَتُهُ وَلِبَاسُهُ، بَلْ هُوَ لُبُّهُ وَرُوحُهُ. وَالْكَذِبُ: بَرِيدُ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ وَدَلِيلُهُ وَمَرْكَبُهُ وَسَائِقُهُ وَقَائِدُهُ وَحِلْيَتُهُ وَلِبَاسُهُ وَلُبُّهُ، فَمُضَادَّةُ الْكَذِبِ لِلْإِيمَانِ كَمُضَادَّةِ الشِّرْكِ لِلتَّوْحِيدِ، فَلَا يَجْتَمِعُ الْكَذِبُ وَالْإِيمَانُ إِلَّا وَيَطْرُدُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، وَيَسْتَقِرُّ مَوْضِعَهُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْجَى الثَّلَاثَةَ بِصِدْقِهِمْ، وَأَهْلَكَ غَيْرَهُمْ مِنَ الْمُخَلَّفِينَ بِكَذِبِهِمْ، فَمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ بَعْدَ الْإِسْلَامِ بِنِعْمَةٍ أَفْضَلَ مِنَ الصِّدْقِ الَّذِي هُوَ غِذَاءُ الْإِسْلَامِ وَحَيَاتُهُ، وَلَا ابْتَلَاهُ بِبَلِيَّةٍ أَعْظَمَ مِنَ الْكَذِبِ الَّذِي هُوَ مَرَضُ الْإِسْلَامِ وَفَسَادُهُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] [التَّوْبَةِ: ١١٧] ، هَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يُعَرِّفُ الْعَبْدَ قَدْرَ التَّوْبَةِ وَفَضْلَهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَأَنَّهَا غَايَةُ كَمَالِ الْمُؤْمِنِ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْطَاهُمْ هَذَا الْكَمَالَ بَعْدَ آخِرِ الْغَزَوَاتِ بَعْدَ أَنْ قَضَوْا نَحْبَهُمْ، وَبَذَلُوا نُفُوسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَدِيَارَهُمْ لِلَّهِ، وَكَانَ غَايَةَ أَمْرِهِمْ أَنْ تَابَ عَلَيْهِمْ، وَلِهَذَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ تَوْبَةِ كَعْبٍ خَيْرَ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْهِ مُنْذُ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ إِلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَا يَعْرِفُ هَذَا حَقَّ مَعْرِفَتِهِ إِلَّا مَنْ عَرَفَ اللَّهَ، وَعَرَفَ حُقُوقَهُ عَلَيْهِ، وَعَرَفَ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنْ
стр. 1424
عُبُودِيَّتِهِ، وَعَرَفَ نَفْسَهُ وَصِفَاتِهَا وَأَفْعَالَهَا، وَأَنَّ الَّذِي قَامَ بِهِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقِّ رَبِّهِ عَلَيْهِ كَقَطْرَةٍ فِي بَحْرٍ، هَذَا إِذَا سَلِمَ مِنَ الْآفَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَسَعُ عِبَادَهُ غَيْرُ عَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَتَغَمُّدِهِ لَهُمْ بِمَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَلَيْسَ إِلَّا ذَلِكَ أَوِ الْهَلَاكَ، فَإِنْ وَضَعَ عَلَيْهِمْ عَدْلَهُ فَعَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ، عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَإِنْ رَحِمَهُمْ فَرَحْمَتُهُ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَا يُنْجِي أَحَدًا مِنْهُمْ عَمَلُهُ.
[فَصْلٌ في مَعْنَى تَكْرِيرِ اللَّهِ لِلَفْظِ التَّوْبَةِ فِي الْآيَةِ]
فَصْلٌ
وَتَأَمَّلْ تَكْرِيرَهُ سُبْحَانَهُ تَوْبَتَهُ عَلَيْهِمْ مَرَّتَيْنِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ وَآخِرِهَا، فَإِنَّهُ تَابَ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا بِتَوْفِيقِهِمْ لِلتَّوْبَةِ، فَلَمَّا تَابُوا تَابَ عَلَيْهِمْ ثَانِيًا بِقَبُولِهَا مِنْهُمْ، وَهُوَ الَّذِي وَفَّقَهُمْ لِفِعْلِهَا، وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِقَبُولِهَا، فَالْخَيْرُ كُلُّهُ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ وَفِي يَدَيْهِ، يُعْطِيهِ مَنْ يَشَاءُ إِحْسَانًا وَفَضْلًا، وَيَحْرِمُهُ مَنْ يَشَاءُ حِكْمَةً وَعَدْلًا.
[فَصْلٌ مَعْنَى كَلِمَةِ خُلِّفُوا فِي الْآيَةِ]
فَصْلٌ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] [التَّوْبَةِ: ١١٨] ، قَدْ فَسَّرَهَا كعب بِالصَّوَابِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ خُلِّفُوا مِنْ بَيْنِ مَنْ حَلَفَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاعْتَذَرَ مِنَ الْمُتَخَلِّفِينَ، فَخَلَّفَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ عَنْهُمْ، وَأَرْجَأَ أَمْرَهُمْ دُونَهُمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ تَخَلُّفَهُمْ عَنِ الْغَزْوِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ: تَخَلَّفُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] [التَّوْبَةِ: ١٢٠] ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ تَخَلَّفُوا بِأَنْفُسِهِمْ، بِخِلَافِ تَخْلِيفِهِمْ عَنْ أَمْرِ الْمُتَخَلِّفِينَ سِوَاهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي خَلَّفَهُمْ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ بِأَنْفُسِهِمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي حَجَّةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ سَنَةَ تِسْعٍ بَعْدَ مَقْدِمِهِ مِنْ تَبُوكَ]
فَصْلٌ
فِي حَجَّةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ سَنَةَ تِسْعٍ بَعْدَ مَقْدِمِهِ مِنْ تَبُوكَ
стр. 1425
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْصَرَفَهُ مِنْ تَبُوكَ بَقِيَّةَ رَمَضَانَ وَشَوَّالًا وَذَا الْقَعْدَةِ، ثُمَّ بَعَثَ أبا بكر أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ سَنَةَ تِسْعٍ لِيُقِيمَ لِلْمُسْلِمِينَ حَجَّهُمْ، وَالنَّاسُ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ مِنْ حَجِّهِمْ، فَخَرَجَ أبو بكر وَالْمُؤْمِنُونَ.
قَالَ ابن سعد: فَخَرَجَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَبَعَثَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعِشْرِينَ بَدَنَةً قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا بِيَدِهِ، عَلَيْهَا ناجية بن جندب الأسلمي، وَسَاقَ أبو بكر خَمْسَ بَدَنَاتٍ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَنَزَلَتْ بَرَاءَةٌ فِي نَقْضِ مَا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَهْدِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ، فَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَلَى نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَضْبَاءِ.
قَالَ ابن سعد: فَلَمَّا كَانَ بِالْعَرْجِ - وابن عائذ يَقُولُ: بِضَجَنَانَ - لَحِقَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَلَى الْعَضْبَاءِ، فَلَمَّا رَآهُ أبو بكر قَالَ: أَمِيرٌ أَوْ مَأْمُورٌ؟ قَالَ: لَا بَلْ مَأْمُورٌ، ثُمَّ مَضَيَا.
وَقَالَ ابن سعد: فَقَالَ لَهُ أبو بكر: «أَسْتَعْمَلَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْحَجِّ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي أَقْرَأُ بَرَاءَةٌ عَلَى النَّاسِ، وَأَنْبِذُ إِلَى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَأَقَامَ أبو بكر لِلنَّاسِ حَجَّهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، قَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ بِالَّذِي أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَبَذَ إِلَى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ كَافِرٌ، وَلَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ إِلَى مُدَّتِهِ.
» وَقَالَ الحميدي: حَدَّثَنَا سفيان، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ زيد بن يثيع، قَالَ: «سَأَلْنَا عليا بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ فِي الْحَجَّةِ؟ قَالَ: (بُعِثْتُ بِأَرْبَعٍ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَعْدَ عَامِهِ هَذَا، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى
стр. 1426
مُدَّتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، فَأَجَلُهُ إِلَى أَرْبَعِ أَشْهُرٍ) » .
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ( «بَعَثَنِي أبو بكر فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنَيْنِ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى: أَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، ثُمَّ أَرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ أبا بكر بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵄، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٌ، قَالَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ بِبَرَاءَةٌ، وَأَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» ) .
وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَاخْتُلِفَ فِي حَجَّةِ الصِّدِّيقِ هَذِهِ، هَلْ هِيَ الَّتِي أَسْقَطَتِ الْفَرْضَ، أَوِ الْمُسْقِطَةُ هِيَ حَجَّةُ الْوَدَاعِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، وَالْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَصْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: هَلْ كَانَ الْحَجُّ فُرِضَ قَبْلَ عَامِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَوْ لَا؟ وَالثَّانِي: هَلْ كَانَتْ حَجَّةُ الصِّدِّيقِ ﵁ فِي ذِي الْحَجَّةِ، أَوْ وَقَعَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ أَجْلِ النَّسِيءِ الَّذِي كَانَ الْجَاهِلِيَّةُ يُؤَخِّرُونَ لَهُ الْأَشْهُرَ وَيُقَدِّمُونَهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَالثَّانِي: قَوْلُ مجاهد وَغَيْرِهِ.
وَعَلَى هَذَا فَلَمْ يُؤَخِّرِ النَّبِيُّ ﷺ الْحَجَّ بَعْدَ فَرْضِهِ عَامًا وَاحِدًا، بَلْ بَادَرَ إِلَى الِامْتِثَالِ فِي الْعَامِ الَّذِي فُرِضَ فِيهِ، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِهَدْيِهِ وَحَالِهِ ﷺ ، وَلَيْسَ بِيَدِ مَنِ ادَّعَى تَقَدُّمَ فَرْضِ الْحَجِّ سَنَةَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ دَلِيلٌ وَاحِدٌ. وَغَايَةُ مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ: فُرِضَ سَنَةَ سِتٍّ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [الْبَقَرَةِ: ١٩٦] ، وَهِيَ قَدْ نَزَلَتْ بِالْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ، وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ ابْتِدَاءُ فَرْضِ الْحَجِّ، وَإِنَّمَا فِيهِ الْأَمْرُ بِإِتْمَامِهِ إِذَا شُرِعَ فِيهِ، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ وُجُوبِ ابْتِدَائِهِ، وَآيَةُ فَرْضِ الْحَجِّ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ﴾ [آل عمران: ٩٧]
стр. 1427
﴿اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] [آلِ عِمْرَانَ: ٩٧] نَزَلَتْ عَامَ الْوُفُودِ أَوَاخِرَ سَنَةِ تِسْعٍ.
[فَصْلٌ فِي قُدُومِ وُفُودِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ]
[وَفْدُ ثَقِيفٍ]
[قدوم وفد ثقيف]
فَصْلٌ
فِي قُدُومِ وُفُودِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ
فَقَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ ثَقِيفٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ سِيَاقِ غَزْوَةِ الطَّائِفِ. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: ( «وَأَقَامَ أبو بكر لِلنَّاسِ حَجَّهُمْ، وَقَدِمَ عروة بن مسعود الثقفي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيَرْجِعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ: فَقَدِمَ وَفْدُهُمْ وَفِيهِمْ كنانة بن عبد ياليل، وَهُوَ رَأْسُهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَفِيهِمْ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وَهُوَ أَصْغَرُ الْوَفْدِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْزِلْ قَوْمِي عَلَيَّ فَأَكْرِمَهُمْ، فَإِنِّي حَدِيثُ الْجُرْحِ فِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا أَمْنَعُكَ أَنْ تُكْرِمَ قَوْمَكَ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ حَيْثُ يَسْمَعُونَ الْقُرْآنَ "، وَكَانَ مِنْ جُرْحِ المغيرة فِي قَوْمِهِ أَنَّهُ كَانَ أَجِيرًا لِثَقِيفٍ، وَأَنَّهُمْ أَقْبَلُوا مِنْ مُضَرَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَا عَلَيْهِمْ وَهُمْ نِيَامٌ فَقَتَلَهُمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِأَمْوَالِهِمْ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَمَّا الْإِسْلَامُ فَنَقْبَلُ، وَأَمَّا الْمَالُ فَلَا، فَإِنَّا لَا نَغْدِرُ "، وَأَبَى أَنْ يُخَمِّسَ مَا مَعَهُ، وَأَنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَبَنَى لَهُمْ خِيَامًا لِكَيْ يَسْمَعُوا الْقُرْآنَ، وَيَرَوُا النَّاسَ إِذَا صَلَّوْا.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ لَا يَذْكُرُ نَفْسَهُ، فَلَمَّا سَمِعَهُ وَفْدُ ثَقِيفٍ قَالُوا: يَأْمُرُنَا أَنْ نَشْهَدَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَا يَشْهَدُ بِهِ فِي خُطْبَتِهِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ قَوْلُهُمْ قَالَ: فَإِنِّي أَوَّلُ مَنْ شَهِدَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ.
وَكَانُوا يَغْدُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّ يَوْمٍ، وَيُخَلِّفُونَ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ عَلَى رِحَالِهِمْ لِأَنَّهُ أَصْغَرُهُمْ، فَكَانَ عثمان كُلَّمَا رَجَعَ الْوَفْدُ إِلَيْهِ وَقَالُوا بِالْهَاجِرَةِ، عَمَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : فَسَأَلَهُ عَنِ الدِّينِ وَاسْتَقْرَأَهُ الْقُرْآنَ، فَاخْتَلَفَ إِلَيْهِ عثمان مِرَارًا حَتَّى فَقِهَ فِي الدِّينِ وَعَلِمَ، وَكَانَ إِذَا وَجَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَائِمًا عَمَدَ إِلَى أبي بكر، وَكَانَ يَكْتُمُ ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَحَبَّهُ، فَمَكَثَ الْوَفْدُ يَخْتَلِفُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا، فَقَالَ كنانة بن عبد ياليل: هَلْ أَنْتَ مُقَاضِينَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَى قَوْمِنَا؟ قَالَ:
стр. 1428
" نَعَمْ، إِنْ أَنْتُمْ أَقْرَرْتُمْ بِالْإِسْلَامِ أُقَاضِيكُمْ، وَإِلَّا فَلَا قَضِيَّةَ وَلَا صُلْحَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ". قَالَ أَفَرَأَيْتَ الزِّنَى، فَإِنَّا قَوْمٌ نَغْتَرِبُ وَلَا بُدَّ لَنَا مِنْهُ؟ قَالَ: " هُوَ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] [الْإِسْرَاءِ: ٣٢] ، قَالُوا: أَفَرَأَيْتَ الرِّبَا فَإِنَّهُ أَمْوَالُنَا كُلُّهَا؟ قَالَ: " لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] [الْبَقَرَةِ: ٢٧٨] . قَالُوا: أَفَرَأَيْتَ الْخَمْرَ، فَإِنَّهُ عَصِيرُ أَرْضِنَا لَا بُدَّ لَنَا مِنْهَا؟ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا، وَقَرَأَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] [الْمَائِدَةِ: ٩٠] ، فَارْتَفَعَ الْقَوْمُ فَخَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَقَالُوا: وَيْحَكُمْ إِنَّا نَخَافُ إِنْ خَالَفْنَاهُ يَوْمًا كَيَوْمِ مَكَّةَ، انْطَلِقُوا نُكَاتِبُهُ عَلَى مَا سَأَلْنَاهُ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: نَعَمْ، لَكَ مَا سَأَلْتَ، أَرَأَيْتَ الرَّبَّةَ مَاذَا نَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ " اهْدِمُوهَا ". قَالُوا: هَيْهَاتَ، لَوْ تَعْلَمُ الرَّبَّةُ أَنَّكَ تُرِيدُ هَدْمَهَا، لَقَتَلَتْ أَهْلَهَا، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَيْحَكَ يَا ابن عبد ياليل، مَا أَجْهَلَكَ، إِنَّمَا الرَّبَّةُ حَجَرٌ. فَقَالُوا: إِنَّا لَمْ نَأْتِكَ يَا ابن الخطاب، وَقَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَوَلَّ أَنْتَ هَدْمَهَا، فَأَمَّا نَحْنُ، فَإِنَّا لَا نَهْدِمُهَا أَبَدًا.
قَالَ " فَسَأَبْعَثُ إِلَيْكُمْ مَنْ يَكْفِيكُمْ هَدْمَهَا "، فَكَاتَبُوهُ، فَقَالَ كنانة بن عبد ياليل: ائْذَنْ لَنَا قَبْلَ رَسُولِكَ، ثُمَّ ابْعَثْ فِي آثَارِنَا، فَإِنَّا أَعْلَمُ بِقَوْمِنَا، فَأَذِنَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَكْرَمَهُمْ وَحَبَاهُمْ، وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمِّرْ عَلَيْنَا رَجُلًا يَؤُمُّنَا مِنْ قَوْمِنَا، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ لِمَا رَأَى مِنْ حِرْصِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانَ قَدْ تَعَلَّمَ سُوَرًا مِنَ الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ، فَقَالَ كنانة بن عبد ياليل: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِثَقِيفٍ، فَاكْتُمُوهُمُ الْقَضِيَّةَ، وَخَوِّفُوهُمْ بِالْحَرْبِ وَالْقِتَالِ، وَأَخْبِرُوهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا سَأَلَنَا أُمُورًا أَبَيْنَاهَا عَلَيْهِ، سَأَلَنَا أَنْ نَهْدِمَ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَأَنْ نُحَرِّمَ الْخَمْرَ وَالزِّنَى، وَأَنْ نُبْطِلَ أَمْوَالَنَا فِي الرِّبَا.
فَخَرَجَتْ ثَقِيفٌ حِينَ دَنَا مِنْهُمُ الْوَفْدُ يَتَلَقَّوْنَهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ قَدْ سَارُوا الْعَنَقَ، وَقَطَرُوا الْإِبِلَ، وَتَغَشَّوْا ثِيَابَهُمْ كَهَيْئَةِ الْقَوْمِ قَدْ حَزِنُوا وَكُرِبُوا، وَلَمْ يَرْجِعُوا بِخَيْرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا جَاءَ وَفْدُكُمْ بِخَيْرٍ، وَلَا رَجَعُوا بِهِ، وَتَرَجَّلَ
стр. 1429
الْوَفْدُ وَقَصَدُوا اللَّاتَ، وَنَزَلُوا عِنْدَهَا - وَاللَّاتُ وَثَنٌ كَانَ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الطَّائِفِ، يُسْتَرُ وَيُهْدَى لَهُ الْهَدْيُ كَمَا يُهْدَى لِبَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ - فَقَالَ نَاسٌ مِنْ ثَقِيفٍ حِينَ نَزَلَ الْوَفْدُ إِلَيْهَا: إِنَّهُمْ لَا عَهْدَ لَهُمْ بِرُؤْيَتِهَا، ثُمَّ رَجَعَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى أَهْلِهِ، وَجَاءَ كُلًّا مِنْهُمْ خَاصَّتُهُ مِنْ ثَقِيفٍ فَسَأَلُوهُمْ مَاذَا جِئْتُمْ بِهِ وَمَاذَا رَجَعْتُمْ بِهِ؟ قَالُوا: أَتَيْنَا رَجُلًا فَظًّا غَلِيظًا يَأْخُذُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ قَدْ ظَهَرَ بِالسَّيْفِ، وَدَاخَ لَهُ الْعَرَبُ، وَدَانَ لَهُ النَّاسُ، فَعَرَضَ عَلَيْنَا أُمُورًا شِدَادًا: هَدْمَ اللَّاتِ وَالْعُزَّى، وَتَرْكَ الْأَمْوَالِ فِي الرِّبَا إِلَّا رُءُوسَ أَمْوَالِكُمْ، وَحَرَّمَ الْخَمْرَ وَالزِّنَى، فَقَالَتْ ثَقِيفٌ: وَاللَّهِ لَا نَقْبَلُ هَذَا أَبَدًا.
فَقَالَ الْوَفْدُ: أَصْلِحُوا السِّلَاحَ وَتَهَيَّئُوا لِلْقِتَالِ، وَتَعَبَّئُوا لَهُ وَرُمُّوا حِصْنَكُمْ. فَمَكَثَتْ ثَقِيفٌ بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً يُرِيدُونَ الْقِتَالَ، ثُمَّ أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا لَنَا بِهِ طَاقَةٌ، وَقَدْ دَاخَ لَهُ الْعَرَبُ كُلُّهَا، فَارْجِعُوا إِلَيْهِ فَأَعْطُوهُ مَا سَأَلَ وَصَالِحُوهُ عَلَيْهِ.
فَلَمَّا رَأَى الْوَفْدُ أَنَّهُمْ قَدْ رَغِبُوا وَاخْتَارُوا الْأَمَانَ عَلَى الْخَوْفِ وَالْحَرْبِ، قَالَ الْوَفْدُ: فَإِنَّا قَدْ قَاضَيْنَاهُ وَأَعْطَيْنَاهُ مَا أَحْبَبْنَا، وَشَرَطْنَا مَا أَرَدْنَا، وَوَجَدْنَاهُ أَتْقَى النَّاسِ وَأَوْفَاهُمْ، وَأَرْحَمَهُمْ وَأَصْدَقَهُمْ، وَقَدْ بُورِكَ لَنَا وَلَكُمْ فِي مَسِيرِنَا إِلَيْهِ، وَفِيمَا قَاضَيْنَاهُ عَلَيْهِ، فَاقْبَلُوا عَافِيَةَ اللَّهِ، فَقَالَتْ ثَقِيفٌ: فَلِمَ كَتَمْتُمُونَا هَذَا الْحَدِيثَ، وَغَمَمْتُمُونَا أَشَدَّ الْغَمِّ؟ قَالُوا: أَرَدْنَا أَنْ يَنْزِعَ اللَّهُ مِنْ قُلُوبِكُمْ نَخْوَةَ الشَّيْطَانِ، فَأَسْلَمُوا مَكَانَهُمْ وَمَكَثُوا أَيَّامًا.
ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِمْ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَّرَ عَلَيْهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَفِيهِمُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَمَدُوا إِلَى اللَّاتِ لِيَهْدِمُوهَا، وَاسْتَكَفَّتْ ثَقِيفٌ كُلُّهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنَ الْحِجَالِ لَا تَرَى عَامَّةُ ثَقِيفٍ أَنَّهَا مَهْدُومَةٌ يَظُنُّونَ أَنَّهَا مُمْتَنِعَةٌ، فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَأَخَذَ الْكِرْزَيْنِ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: وَاللَّهِ لَأُضْحِكَنَّكُمْ مِنْ ثَقِيفٍ، فَضَرَبَ بِالْكِرْزَيْنِ ثُمَّ سَقَطَ يَرْكُضُ، فَارْتَجَّ أَهْلُ الطَّائِفِ بِضَجَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَالُوا: أَبْعَدَ اللَّهُ المغيرة قَتَلَتْهُ الرَّبَّةُ، وَفَرِحُوا حِينَ رَأَوْهُ سَاقِطًا، وَقَالُوا: مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَبْ وَلْيَجْتَهِدْ عَلَى هَدْمِهَا، فَوَاللَّهِ لَا تُسْتَطَاعُ،
стр. 1430
فَوَثَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَقَالَ: قَبَّحَكُمُ اللَّهُ يَا مَعْشَرَ ثَقِيفٍ، إِنَّمَا هِيَ لَكَاعُ حِجَارَةٍ وَمَدَرٍ، فَاقْبَلُوا عَافِيَةَ اللَّهِ وَاعْبُدُوهُ، ثُمَّ ضَرَبَ الْبَابَ فَكَسَرَهُ، ثُمَّ عَلَا سُورَهَا وَعَلَا الرِّجَالُ مَعَهُ، فَمَا زَالُوا يَهْدِمُونَهَا حَجَرًا حَجَرًا حَتَّى سَوَّوْهَا بِالْأَرْضِ، وَجَعَلَ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ يَقُولُ: لَيَغْضَبَنَّ الْأَسَاسُ فَلْيَخْسِفَنَّ بِهِمْ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ المغيرة قَالَ لخالد: دَعْنِي أَحْفِرْ أَسَاسَهَا، فَحَفَرَهُ حَتَّى أَخْرَجُوا تُرَابَهَا وَانْتَزَعُوا حُلِيَّهَا وَلِبَاسَهَا، فَبُهِتَتْ ثَقِيفٌ، فَقَالَتْ عَجُوزٌ مِنْهُمْ: أَسْلَمَهَا الرُّضَّاعُ، وَتَرَكُوا الْمِصَاعَ.
وَأَقْبَلَ الْوَفْدُ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحُلِيِّهَا وَكِسْوَتِهَا، فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ، وَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى نُصْرَةِ نَبِيِّهِ وَإِعْزَازِ دِينِهِ» ) ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَعْطَاهُ لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، هَذَا لَفْظُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.
وَزَعَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ مِنْ تَبُوكَ فِي رَمَضَانَ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ وَفْدُ ثَقِيفٍ.
وَرُوِّينَا فِي " سُنَنِ أبي داود " عَنْ جابر قَالَ: «اشْتَرَطَتْ ثَقِيفٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَلَّا صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلَا جِهَادَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ: (سَيَتَصَدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا» ) .
وَرُوِّينَا فِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ "، «عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَسْجِدَ الطَّائِفِ حَيْثُ كَانَتْ طَاغِيَتُهُمْ» .)
وَفِي " الْمَغَازِي " لمعتمر بن سليمان قَالَ: سَمِعْتُ عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي يُحَدِّثُ، عَنْ عثمان بن عبد الله، عَنْ عَمِّهِ عمرو بن أوس، «عَنْ (عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَصْغَرُ السِّتَّةِ الَّذِينَ وَفَدُوا عَلَيْهِ مِنْ
стр. 1431
ثَقِيفٍ، وَذَلِكَ أَنِّي كُنْتُ قَرَأْتُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الْقُرْآنَ يَتَفَلَّتُ مِنِّي، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي وَقَالَ: " يَا شَيْطَانُ اخْرُجْ مِنْ صَدْرِ عثمان " فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ أُرِيدُ حِفْظَهُ) » .
وَفِي " صَحِيحِ مسلم " « (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي، قَالَ: " ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ، فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًا) ، فَفَعَلْتُ، فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي» .
[فصل ما في قصة قدوم وفد ثقيف من الأحكام]
فَصْلٌ
وَفِي قِصَّةِ هَذَا الْوَفْدِ مِنَ الْفِقْهِ، أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ إِذَا غَدَرَ بِقَوْمِهِ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ قَدِمَ مُسْلِمًا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْإِمَامُ، وَلَا لِمَا أَخَذَهُ مِنَ الْمَالِ، وَلَا يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ قَبْلَ مَجِيئِهِ مِنْ نَفْسٍ وَلَا مَالٍ، كَمَا لَمْ يَتَعَرَّضِ النَّبِيُّ ﷺ لِمَا أَخَذَهُ المغيرة مِنْ أَمْوَالِ الثَّقَفِيِّينَ، وَلَا ضَمِنَ مَا أَتْلَفَهُ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: ( «أَمَّا الْإِسْلَامُ فَأَقْبَلُ، وَأَمَّا الْمَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ» ) .
وَمِنْهَا: جَوَازُ إِنْزَالِ الْمُشْرِكِ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ يَرْجُو إِسْلَامَهُ، وَتَمْكِينَهُ مِنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ، وَمُشَاهَدَةَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَعِبَادَتِهِمْ.
وَمِنْهَا: حُسْنُ سِيَاسَةِ الْوَفْدِ، وَتَلَطُّفُهُمْ حَتَّى تَمَكَّنُوا مِنْ إِبْلَاغِ ثَقِيفٍ مَا قَدِمُوا بِهِ فَتَصَوَّرُوا لَهُمْ بِصُورَةِ الْمُنْكِرِ لِمَا يَكْرَهُونَهُ، الْمُوَافِقِ لَهُمْ فِيمَا يَهْوَوْنَهُ، حَتَّى رَكَنُوا إِلَيْهِمْ وَاطْمَأَنُّوا، فَلَمَّا عَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ بُدٌّ مِنَ الدُّخُولِ فِي دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ أَذْعَنُوا، فَأَعْلَمَهُمُ الْوَفْدُ أَنَّهُمْ بِذَلِكَ قَدْ جَاءُوهُمْ، وَلَوْ فَاجَئُوهُمْ بِهِ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ لَمَا أَقَرُّوا بِهِ، وَلَا أَذْعَنُوا، وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ
стр. 1432
الدَّعْوَةِ وَتَمَامِ التَّبْلِيغِ، وَلَا يَتَأَتَّى مَعَ أَلِبَّاءِ النَّاسِ وَعُقُلَاتِهِمْ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِإِمْرَةِ الْقَوْمِ وَإِمَامَتِهِمْ أَفْضَلُهُمْ وَأَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَأَفْقَهُهُمْ فِي دِينِهِ.
وَمِنْهَا: هَدْمُ مَوَاضِعِ الشِّرْكِ الَّتِي تُتَّخَذُ بُيُوتًا لِلطَّوَاغِيتِ، وَهَدْمُهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنْفَعُ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ هَدْمِ الْحَانَاتِ وَالْمَوَاخِيرِ، وَهَذَا حَالُ الْمَشَاهِدِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْقُبُورِ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَيُشْرَكُ بِأَرْبَابِهَا مَعَ اللَّهِ، لَا يَحِلُّ إِبْقَاؤُهَا فِي الْإِسْلَامِ، وَيَجِبُ هَدْمُهَا، وَلَا يَصِحُّ وَقْفُهَا وَلَا الْوَقْفُ عَلَيْهَا، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُقْطِعَهَا وَأَوْقَافَهَا لِجُنْدِ الْإِسْلَامِ، وَيَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ مَا فِيهَا مِنَ الْآلَاتِ وَالْمَتَاعِ وَالنُّذُورِ الَّتِي تُسَاقُ إِلَيْهَا، يُضَاهَى بِهَا الْهَدَايَا الَّتِي تُسَاقُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ، لِلْإِمَامِ أَخْذُهَا كُلِّهَا، وَصَرْفُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ أَمْوَالَ بُيُوتِ هَذِهِ الطَّوَاغِيتِ وَصَرَفَهَا فِي مَصَالِحِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ يُفْعَلُ عِنْدَهَا مَا يُفْعَلُ عِنْدَ هَذِهِ الْمَشَاهِدِ، سَوَاءٌ مِنَ النُّذُورِ لَهَا وَالتَّبَرُّكِ بِهَا وَالتَّمَسُّحِ بِهَا، وَتَقْبِيلِهَا وَاسْتِلَامِهَا، هَذَا كَانَ شِرْكَ الْقَوْمِ بِهَا، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا خَلَقَتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، بَلْ كَانَ شِرْكُهُمْ بِهَا كَشِرْكِ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ أَرْبَابِ الْمَشَاهِدِ بِعَيْنِهِ.
وَمِنْهَا: اسْتِحْبَابُ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ مَكَانَ بُيُوتِ الطَّوَاغِيتِ، فَيُعْبَدُ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْئًا فِي الْأَمْكِنَةِ الَّتِي كَانَ يُشْرَكُ بِهِ فِيهَا، وَهَكَذَا الْوَاجِبُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَشَاهِدِ أَنْ تُهْدَمَ، وَتُجْعَلَ مَسَاجِدَ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ، وَإِلَّا أَقْطَعَهَا الْإِمَامُ هِيَ وَأَوْقَافَهَا لِلْمُقَاتِلَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَتَفَلَ عَنْ يَسَارِهِ، لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ، وَلَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ، بَلْ هَذَا مِنْ تَمَامِهَا وَكَمَالِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1433
[فَصْلٌ في الْوُفُودُ]
فَصْلٌ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ وَفَرَغَ مِنْ تَبُوكَ، وَأَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ وَبَايَعَتْ، ضَرَبَتْ إِلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَدَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا يَضْرِبُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
[قدوم وَفْدُ بَنِي عَامِرٍ]
فَصْلٌ
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ وَوَفْدِ طَيِّئٍ.
ذِكْرُ وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ، وَدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى عامر بن الطفيل، وَكِفَايَةِ اللَّهِ شَرَّهُ وَشَرَّ أربد بن قيس بَعْدَ أَنْ عَصَمَ مِنْهُمَا نَبِيَّهُ.
رُوِّينَا فِي كِتَابِ " الدَّلَائِلِ " للبيهقي، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبِي الْعَلَاءِ قَالَ: «وَفَدَ أَبِي فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، وَذُو الطَّوْلِ عَلَيْنَا، فَقَالَ: (مَهْ مَهْ، قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ، السَّيِّدُ اللَّهُ) »
стр. 1434
رُوِّينَا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ لَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدُ بَنِي عَامِرٍ فِيهِمْ عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر، وجبار بن سلمى بن مالك بن جعفر، وَكَانَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ رُؤَسَاءَ الْقَوْمِ وَشَيَاطِينَهُمْ: ( «فَقَدِمَ عَدُوُّ اللَّهِ عامر بن الطفيل عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُرِيدُ الْغَدْرَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ: يَا عامر! إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ آلَيْتُ أَلَّا أَنْتَهِيَ حَتَّى تَتَبِّعَ الْعَرَبُ عَقِبِي، وَأَنَا أَتَّبِعُ عَقِبَ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ! ثُمَّ قَالَ لأربد: إِذَا قَدِمْنَا عَلَى الرَّجُلِ، فَإِنِّي شَاغِلٌ عَنْكَ وَجْهَهُ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَاعْلُهُ بِالسَّيْفِ.
فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ عامر: يَا مُحَمَّدُ! خَالِنِي. قَالَ: " لَا وَاللَّهِ حَتَّى تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ ". قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! خَالِنِي. قَالَ: " حَتَّى تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ "، فَلَمَّا أَبَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا وَرِجَالًا. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اللَّهُمَّ اكْفِنِي عامر بن الطفيل "، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ عامر لأربد: وَيْحَكَ يَا أربد، أَيْنَ مَا كُنْتُ أَمَرْتُكَ بِهِ؟ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَخْوَفُ عِنْدِي عَلَى نَفْسِي مِنْكَ، وَايْمُ اللَّهِ لَا أَخَافُكَ بَعْدَ الْيَوْمِ أَبَدًا. قَالَ: لَا أَبَا لَكَ، لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، فَوَاللَّهِ مَا هَمَمْتُ بِالَّذِي أَمَرْتَنِي بِهِ، إِلَّا دَخَلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ الرَّجُلِ، أَفَأَضْرِبُكَ بِالسَّيْفِ؟» ) .
ثُمَّ خَرَجُوا رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ بَعَثَ اللَّهُ عَلَى عامر بن الطفيل الطَّاعُونَ فِي عُنُقِهِ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي سَلُولَ، ثُمَّ
стр. 1435
خَرَجَ أَصْحَابُهُ حِينَ رَأَوْهُ حَتَّى قَدِمُوا أَرْضَ بَنِي عَامِرٍ، أَتَاهُمْ قَوْمُهُمْ فَقَالُوا: مَا وَرَاءَكَ يَا أربد؟ فَقَالَ: لَقَدْ دَعَانِي إِلَى عِبَادَةِ شَيْءٍ لَوَدِدْتُ أَنَّهُ عِنْدِي فَأَرْمِيَهُ بِنَبْلِي هَذِهِ حَتَّى أَقْتُلَهُ، فَخَرَجَ بَعْدَ مَقَالَتِهِ بِيَوْمٍ أَوْ بِيَوْمَيْنِ مَعَهُ جَمَلٌ يَتْبَعُهُ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى جَمَلِهِ صَاعِقَةً فَأَحْرَقَتْهُمَا، وَكَانَ أربد أَخَا لبيد بن ربيعة لِأُمِّهِ، فَبَكَى وَرَثَاهُ.
وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " أَنَّ ( «عامر بن الطفيل أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أُخَيِّرُكَ بَيْنَ ثَلَاثِ خِصَالٍ: يَكُونُ لَكَ أَهْلُ السَّهْلِ، وَلِي أَهْلُ الْمَدَرِ، أَوْ أَكُونُ خَلِيفَتَكَ مِنْ بَعْدِكَ، أَوْ أَغْزُوكَ بِغَطَفَانَ بِأَلْفِ أَشْقَرَ وَأَلْفِ شَقْرَاءَ، فَطُعِنَ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ، فَقَالَ: أَغُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَكْرِ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي فُلَانٍ ائْتُونِي بِفَرَسِي، فَرَكِبَ فَمَاتَ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ» )
[فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ]
[قُدُومِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ]
فَصْلٌ
فِي قُدُومِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ
فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ( «أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " مِمَّنِ الْقَوْمُ؟ "، فَقَالُوا: مِنْ رَبِيعَةَ. فَقَالَ: " مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نَأْخُذُ بِهِ وَنَأْمُرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، فَقَالَ: " آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: آمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ. وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ، فَاحْفَظُوهُنَّ وَادْعُوا
стр. 1436
إِلَيْهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ» ) . زَادَ مسلم: ( «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عِلْمُكَ بِالنَّقِيرِ؟ قَالَ: بَلَى جِذْعٌ تَنْقُرُونَهُ، ثُمَّ تُلْقُونَ فِيهِ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ تَصُبُّونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتَّى يَغْلِيَ، فَإِذَا سَكَنَ شَرِبْتُمُوهُ، فَعَسَى أَحَدُكُمْ أَنْ يَضْرِبَ ابْنَ عَمِّهِ بِالسَّيْفِ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ بِهِ ضَرْبَةٌ كَذَلِكَ. قَالَ: وَكُنْتُ أَخْبَؤُهَا حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: فَفِيمَ نَشْرَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " اشْرَبُوا فِي أَسْقِيَةِ الْأَدَمِ الَّتِي يُلَاثُ عَلَى أَفْوَاهِهَا ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَرْضَنَا كَثِيرَةُ الْجِرْذَانِ لَا تَبْقَى فِيهَا أَسْقِيَةُ الْأَدَمِ، قَالَ: " وَإِنْ أَكَلَهَا الْجِرْذَانُ " مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأشج عبد القيس: " إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ» ) .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ( «قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الجارود بن بشر بن المعلى وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَلَى دِينٍ، وَإِنِّي تَارِكٌ دِينِي لِدِينِكَ، فَتَضْمَنُ لِي بِمَا فِيهِ؟ قَالَ: " نَعَمْ أَنَا ضَامِنٌ لِذَلِكَ، إِنَّ الَّذِي أَدْعُوكَ إِلَيْهِ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ "، فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! احْمِلْنَا. فَقَالَ: " وَاللَّهِ مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ "، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بِلَادِنَا ضَوَالَّ مِنْ ضَوَالِّ النَّاسِ، أَفَنَتَبَلَّغُ عَلَيْهَا؟ قَالَ: " لَا، تِلْكَ حَرَقُ النَّارِ» ) .
стр. 1437
[فَصْلٌ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ يَتَضَمَّنُ خِصَالًا أُخْرَى مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ]
فَصْلٌ
فَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: أَنَّ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ هُوَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الْخِصَالِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، كَمَا عَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّابِعُونَ، وَتَابِعُوهُمْ كُلُّهُمْ، ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي " الْمَبْسُوطِ "، وَعَلَى ذَلِكَ مَا يُقَارِبُ مِائَةَ دَلِيلٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَفِيهَا: أَنَّهُ لَمْ يَعُدَّ الْحَجَّ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ، وَكَانَ قُدُومُهُمْ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَهَذَا أَحَدُ مَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ بَعْدُ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا فُرِضَ فِي الْعَاشِرَةِ، وَلَوْ كَانَ فُرِضَ لَعَدَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ، كَمَا عَدَّ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ.
وَفِيهَا: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: رَمَضَانُ لِلشَّهْرِ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ، وَقَالَ: لَا يُقَالُ: إِلَّا شَهْرُ رَمَضَانَ.
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": ( «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ) .
وَفِيهَا: وُجُوبُ أَدَاءِ الْخُمُسِ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَأَنَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ.
وَفِيهَا: النَّهْيُ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ، وَهَلْ تَحْرِيمُهُ بَاقٍ أَوْ مَنْسُوخٌ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أحمد. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى نَسْخِهِ بِحَدِيثِ بريدة الَّذِي رَوَاهُ مسلم وَقَالَ فِيهِ: ( «وَكُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَوْعِيَةِ فَانْتَبِذُوا فِيمَا بَدَا لَكُمْ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» ) . وَمَنْ قَالَ: بِإِحْكَامِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ، وَأَنَّهَا غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، قَالَ: هِيَ أَحَادِيثُ تَكَادُ تَبْلُغُ التَّوَاتُرَ فِي تَعَدُّدِهَا وَكَثْرَةِ طُرُقِهَا، وَحَدِيثُ الْإِبَاحَةِ فَرْدٌ، فَلَا يَبْلُغُ مُقَاوَمَتَهَا، وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْأَوْعِيَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ،
стр. 1438
إِذِ الشَّرَابُ يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْإِسْكَارُ فِيهَا.
وَقِيلَ: بَلِ النَّهْيُ عَنْهَا لِصَلَابَتِهَا، وَأَنَّ الشَّرَابَ يُسْكِرُ فِيهَا، وَلَا يُعْلَمُ بِهِ بِخِلَافِ الظُّرُوفِ غَيْرِ الْمُزَفَّتَةِ، فَإِنَّ الشَّرَابَ مَتَى غَلَا فِيهَا وَأَسْكَرَ انْشَقَّتْ، فَيُعْلَمُ بِأَنَّهُ مُسْكِرٌ، فَعَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ يَكُونُ الِانْتِبَاذُ فِي الْحِجَارَةِ وَالصُّفْرِ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَحْرُمُ، إِذْ لَا يُسْرِعُ الْإِسْكَارُ إِلَيْهِ فِيهَا كَإِسْرَاعِهِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَعَلَى كِلَا الْعِلَّتَيْنِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ، كَالنَّهْيِ أَوَّلًا عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ سَدًّا لِذَرِيعَةِ الشِّرْكِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ التَّوْحِيدُ فِي نُفُوسِهِمْ، وَقَوِيَ عِنْدَهُمْ أَذِنَ فِي زِيَارَتِهَا، غَيْرَ أَنْ لَا يَقُولُوا هُجْرًا.
وَهَكَذَا قَدْ يُقَالُ فِي الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ إِنَّهُ فَطَمَهُمْ عَنِ الْمُسْكِرِ وَأَوْعِيَتِهِ، وَسَدَّ الذَّرِيعَةَ إِلَيْهِ إِذْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِشُرْبِهِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ تَحْرِيمُهُ عِنْدَهُمْ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ نُفُوسُهُمْ، أَبَاحَ لَهُمُ الْأَوْعِيَةَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مُسْكِرًا، فَهَذَا فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ وَسِرُّهَا.
وَفِيهَا: مَدْحُ صِفَتَيِ الْحِلْمِ وَالْأَنَاةِ، وَأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُمَا، وَضِدُّهُمَا الطَّيْشُ وَالْعَجَلَةُ، وَهُمَا خُلُقَانِ مَذْمُومَانِ مُفْسِدَانِ لِلْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مِنْ عَبْدِهِ مَا جَبَلَهُ عَلَيْهِ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ، كَالذَّكَاءِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْحِلْمِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخُلُقَ قَدْ يَحْصُلُ بِالتَّخَلُّقِ وَالتَّكَلُّفِ؛ لِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: ( «خُلُقَيْنِ تَخَلَّقْتُ بِهِمَا، أَوْ جَبَلَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمَا؟ "، فَقَالَ: " بَلْ جُبِلْتَ عَلَيْهِمَا» ) .
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَخْلَاقِهِمْ، كَمَا هُوَ خَالِقُ ذَوَاتِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ، فَالْعَبْدُ كُلُّهُ مَخْلُوقٌ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ وَأَفْعَالُهُ، وَمَنْ أَخْرَجَ أَفْعَالَهُ عَنْ خَلْقِ اللَّهِ، فَقَدْ جَعَلَ فِيهِ خَالِقًا مَعَ اللَّهِ، وَلِهَذَا شَبَّهَ السَّلَفُ الْقَدَرِيَّةَ النُّفَاةَ بِالْمَجُوسِ، وَقَالُوا: هُمْ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، صَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
стр. 1439
وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْجَبْلِ لَا الْجَبْرِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ يَجْبِلُ عَبْدَهُ عَلَى مَا يُرِيدُ، كَمَا جَبَلَ الأشج عَلَى الْحِلْمِ وَالْأَنَاةِ، وَهُمَا فِعْلَانِ نَاشِئَانِ عَنْ خُلُقَيْنِ فِي النَّفْسِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي جَبَلَ الْعَبْدَ عَلَى أَخْلَاقِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَلِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ: نَقُولُ ( «إِنَّ اللَّهَ جَبَلَ الْعِبَادَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَلَا نَقُولُ جَبَرَهُمْ عَلَيْهَا» )
وَهَذَا مِنْ كَمَالِ عِلْمِ الْأَئِمَّةِ، وَدَقِيقِ نَظَرِهِمْ، فَإِنَّ الْجَبْرَ أَنْ يُحْمَلَ الْعَبْدُ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ، كَجَبْرِ الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ عَلَى النِّكَاحِ، وَجَبْرِ الْحَاكِمِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ عَلَى أَدَائِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَقْدَرُ مِنْ أَنْ يَجْبُرَ عَبْدَهُ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَلَكِنَّهُ يَجْبُلُهُ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ الرَّبُّ بِإِرَادَةِ عَبْدِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَهَذَا لَوْنٌ، وَالْجَبْرُ لَوْنٌ.
وَفِيهَا: أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالضَّالَّةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا كَالْإِبِلِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُجَوِّزْ للجارود رُكُوبَ الْإِبِلِ الضَّالَّةِ، وَقَالَ: ( «ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ» ) ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِتَرْكِهَا، وَأَنْ لَا يَلْتَقِطَهَا حِفْظًا عَلَى رَبِّهَا حَتَّى يَجِدَهَا إِذَا طَلَبَهَا، فَلَوْ جَوَّزَ لَهُ رُكُوبَهَا وَالِانْتِفَاعَ بِهَا، لَأَفْضَى إِلَى أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَيْهَا رَبُّهَا، وَأَيْضًا تَطْمَعُ فِيهَا النُّفُوسُ وَتَتَمَلَّكُهَا، فَمَنَعَ الشَّارِعُ مِنْ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ]
[قُدُومِ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ]
فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ فِيهِمْ مسيلمة الكذاب، وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ فِي دَارِ امْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، فَأَتَوْا بمسيلمة إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسْتَرُ بِالثِّيَابِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي يَدِهِ عَسِيبٌ مِنْ سَعَفِ النَّخْلِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ يَسْتُرُونَهُ بِالثِّيَابِ كَلَّمَهُ وَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَوْ سَأَلْتَنِي هَذَا الْعَسِيبَ الَّذِي فِي يَدِي مَا أَعْطَيْتُكَ» ) .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَقَالَ لِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ: إِنَّ حَدِيثَهُ كَانَ عَلَى غَيْرِ هَذَا، زَعَمَ أَنَّ وَفْدَ بَنِي حَنِيفَةَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَخَلَّفُوا مسيلمة فِي رِحَالِهِمْ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا ذَكَرُوا لَهُ مَكَانَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا قَدْ خَلَّفْنَا صَاحِبًا
стр. 1440
لَنَا فِي رِحَالِنَا وَرِكَابِنَا يَحْفَظُهَا لَنَا، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا أَمَرَ بِهِ لِلْقَوْمِ، وَقَالَ: ( «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بِشَرِّكُمْ مَكَانًا» ) ، يَعْنِي حِفْظَهُ ضَيْعَةَ أَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ الَّذِي يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
ثُمَّ انْصَرَفُوا وَجَاءُوهُ بِالَّذِي أَعْطَاهُ، فَلَمَّا قَدِمُوا الْيَمَامَةَ ارْتَدَّ عَدُوُّ اللَّهِ وَتَنَبَّأَ، وَقَالَ: إِنِّي أُشْرِكْتُ فِي الْأَمْرِ مَعَهُ، أَلَمْ يَقُلْ لَكُمْ حِينَ ذَكَرْتُمُونِي لَهُ: أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بِشَرِّكُمْ مَكَانًا، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا كَانَ يَعْلَمُ أَنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ فِي الْأَمْرِ مَعَهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَسْجَعُ السَّجَعَاتِ، فَيَقُولُ لَهُمْ فِيمَا يَقُولُ مُضَاهَاةً لِلْقُرْآنِ: لَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى الْحُبْلَى، أَخْرَجَ مِنْهَا نَسَمَةً تَسْعَى، وَمِنْ بَيْنِ صِفَاقٍ وَحَشَا. وَوَضَعَ عَنْهُمُ الصَّلَاةَ، وَأَحَلَّ لَهُمُ الْخَمْرَ وَالزِّنَى، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَشْهَدُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَصْفَقَتْ مَعَهُ بَنُو حَنِيفَةَ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ كَتَبَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مِنْ مسيلمة رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أُشْرِكْتُ فِي الْأَمْرِ مَعَكَ، وَإِنَّ لَنَا نِصْفَ الْأَمْرِ، وَلِقُرَيْشٍ نِصْفَ الْأَمْرِ، وَلَيْسَ قُرَيْشٌ قَوْمًا يَعْدِلُونَ فَقَدِمَ عَلَيْهِ رَسُولُهُ بِهَذَا الْكِتَابِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مسيلمة الكذاب، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» ) ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي آخِرِ سَنَةِ عَشْرٍ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي سعد بن طارق، عَنْ سلمة بن نعيم بن مسعود، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ جَاءَهُ رَسُولَا مسيلمة الكذاب بِكِتَابِهِ يَقُولُ لَهُمَا: ( «وَأَنْتُمَا تَقُولَانِ بِمِثْلِ مَا يَقُولُ؟ " قَالَا: نَعَمْ. فَقَالَ: " أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا» ) .
следующие страницы →