← Сира

Сира · id 21713

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Полный текст (2 628 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

إِلَيْهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ» ) . زَادَ مسلم: ( «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عِلْمُكَ بِالنَّقِيرِ؟ قَالَ: بَلَى جِذْعٌ تَنْقُرُونَهُ، ثُمَّ تُلْقُونَ فِيهِ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ تَصُبُّونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتَّى يَغْلِيَ، فَإِذَا سَكَنَ شَرِبْتُمُوهُ، فَعَسَى أَحَدُكُمْ أَنْ يَضْرِبَ ابْنَ عَمِّهِ بِالسَّيْفِ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ بِهِ ضَرْبَةٌ كَذَلِكَ. قَالَ: وَكُنْتُ أَخْبَؤُهَا حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: فَفِيمَ نَشْرَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " اشْرَبُوا فِي أَسْقِيَةِ الْأَدَمِ الَّتِي يُلَاثُ عَلَى أَفْوَاهِهَا ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَرْضَنَا كَثِيرَةُ الْجِرْذَانِ لَا تَبْقَى فِيهَا أَسْقِيَةُ الْأَدَمِ، قَالَ: " وَإِنْ أَكَلَهَا الْجِرْذَانُ " مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأشج عبد القيس: " إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ» ) . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ( «قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الجارود بن بشر بن المعلى وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَلَى دِينٍ، وَإِنِّي تَارِكٌ دِينِي لِدِينِكَ، فَتَضْمَنُ لِي بِمَا فِيهِ؟ قَالَ: " نَعَمْ أَنَا ضَامِنٌ لِذَلِكَ، إِنَّ الَّذِي أَدْعُوكَ إِلَيْهِ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ "، فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! احْمِلْنَا. فَقَالَ: " وَاللَّهِ مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ "، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بِلَادِنَا ضَوَالَّ مِنْ ضَوَالِّ النَّاسِ، أَفَنَتَبَلَّغُ عَلَيْهَا؟ قَالَ: " لَا، تِلْكَ حَرَقُ النَّارِ» ) .

стр. 1437

[فَصْلٌ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ يَتَضَمَّنُ خِصَالًا أُخْرَى مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ] فَصْلٌ فَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: أَنَّ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ هُوَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الْخِصَالِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، كَمَا عَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّابِعُونَ، وَتَابِعُوهُمْ كُلُّهُمْ، ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي " الْمَبْسُوطِ "، وَعَلَى ذَلِكَ مَا يُقَارِبُ مِائَةَ دَلِيلٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَفِيهَا: أَنَّهُ لَمْ يَعُدَّ الْحَجَّ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ، وَكَانَ قُدُومُهُمْ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَهَذَا أَحَدُ مَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ بَعْدُ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا فُرِضَ فِي الْعَاشِرَةِ، وَلَوْ كَانَ فُرِضَ لَعَدَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ، كَمَا عَدَّ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ. وَفِيهَا: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: رَمَضَانُ لِلشَّهْرِ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ، وَقَالَ: لَا يُقَالُ: إِلَّا شَهْرُ رَمَضَانَ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": ( «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ) . وَفِيهَا: وُجُوبُ أَدَاءِ الْخُمُسِ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَأَنَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ. وَفِيهَا: النَّهْيُ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ، وَهَلْ تَحْرِيمُهُ بَاقٍ أَوْ مَنْسُوخٌ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أحمد. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى نَسْخِهِ بِحَدِيثِ بريدة الَّذِي رَوَاهُ مسلم وَقَالَ فِيهِ: ( «وَكُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَوْعِيَةِ فَانْتَبِذُوا فِيمَا بَدَا لَكُمْ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» ) . وَمَنْ قَالَ: بِإِحْكَامِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ، وَأَنَّهَا غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، قَالَ: هِيَ أَحَادِيثُ تَكَادُ تَبْلُغُ التَّوَاتُرَ فِي تَعَدُّدِهَا وَكَثْرَةِ طُرُقِهَا، وَحَدِيثُ الْإِبَاحَةِ فَرْدٌ، فَلَا يَبْلُغُ مُقَاوَمَتَهَا، وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْأَوْعِيَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ،

стр. 1438

إِذِ الشَّرَابُ يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْإِسْكَارُ فِيهَا. وَقِيلَ: بَلِ النَّهْيُ عَنْهَا لِصَلَابَتِهَا، وَأَنَّ الشَّرَابَ يُسْكِرُ فِيهَا، وَلَا يُعْلَمُ بِهِ بِخِلَافِ الظُّرُوفِ غَيْرِ الْمُزَفَّتَةِ، فَإِنَّ الشَّرَابَ مَتَى غَلَا فِيهَا وَأَسْكَرَ انْشَقَّتْ، فَيُعْلَمُ بِأَنَّهُ مُسْكِرٌ، فَعَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ يَكُونُ الِانْتِبَاذُ فِي الْحِجَارَةِ وَالصُّفْرِ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَحْرُمُ، إِذْ لَا يُسْرِعُ الْإِسْكَارُ إِلَيْهِ فِيهَا كَإِسْرَاعِهِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَعَلَى كِلَا الْعِلَّتَيْنِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ، كَالنَّهْيِ أَوَّلًا عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ سَدًّا لِذَرِيعَةِ الشِّرْكِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ التَّوْحِيدُ فِي نُفُوسِهِمْ، وَقَوِيَ عِنْدَهُمْ أَذِنَ فِي زِيَارَتِهَا، غَيْرَ أَنْ لَا يَقُولُوا هُجْرًا. وَهَكَذَا قَدْ يُقَالُ فِي الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ إِنَّهُ فَطَمَهُمْ عَنِ الْمُسْكِرِ وَأَوْعِيَتِهِ، وَسَدَّ الذَّرِيعَةَ إِلَيْهِ إِذْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِشُرْبِهِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ تَحْرِيمُهُ عِنْدَهُمْ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ نُفُوسُهُمْ، أَبَاحَ لَهُمُ الْأَوْعِيَةَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مُسْكِرًا، فَهَذَا فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ وَسِرُّهَا. وَفِيهَا: مَدْحُ صِفَتَيِ الْحِلْمِ وَالْأَنَاةِ، وَأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُمَا، وَضِدُّهُمَا الطَّيْشُ وَالْعَجَلَةُ، وَهُمَا خُلُقَانِ مَذْمُومَانِ مُفْسِدَانِ لِلْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مِنْ عَبْدِهِ مَا جَبَلَهُ عَلَيْهِ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ، كَالذَّكَاءِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْحِلْمِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخُلُقَ قَدْ يَحْصُلُ بِالتَّخَلُّقِ وَالتَّكَلُّفِ؛ لِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: ( «خُلُقَيْنِ تَخَلَّقْتُ بِهِمَا، أَوْ جَبَلَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمَا؟ "، فَقَالَ: " بَلْ جُبِلْتَ عَلَيْهِمَا» ) . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَخْلَاقِهِمْ، كَمَا هُوَ خَالِقُ ذَوَاتِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ، فَالْعَبْدُ كُلُّهُ مَخْلُوقٌ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ وَأَفْعَالُهُ، وَمَنْ أَخْرَجَ أَفْعَالَهُ عَنْ خَلْقِ اللَّهِ، فَقَدْ جَعَلَ فِيهِ خَالِقًا مَعَ اللَّهِ، وَلِهَذَا شَبَّهَ السَّلَفُ الْقَدَرِيَّةَ النُّفَاةَ بِالْمَجُوسِ، وَقَالُوا: هُمْ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، صَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

стр. 1439

وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْجَبْلِ لَا الْجَبْرِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ يَجْبِلُ عَبْدَهُ عَلَى مَا يُرِيدُ، كَمَا جَبَلَ الأشج عَلَى الْحِلْمِ وَالْأَنَاةِ، وَهُمَا فِعْلَانِ نَاشِئَانِ عَنْ خُلُقَيْنِ فِي النَّفْسِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي جَبَلَ الْعَبْدَ عَلَى أَخْلَاقِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَلِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ: نَقُولُ ( «إِنَّ اللَّهَ جَبَلَ الْعِبَادَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَلَا نَقُولُ جَبَرَهُمْ عَلَيْهَا» ) وَهَذَا مِنْ كَمَالِ عِلْمِ الْأَئِمَّةِ، وَدَقِيقِ نَظَرِهِمْ، فَإِنَّ الْجَبْرَ أَنْ يُحْمَلَ الْعَبْدُ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ، كَجَبْرِ الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ عَلَى النِّكَاحِ، وَجَبْرِ الْحَاكِمِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ عَلَى أَدَائِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَقْدَرُ مِنْ أَنْ يَجْبُرَ عَبْدَهُ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَلَكِنَّهُ يَجْبُلُهُ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ الرَّبُّ بِإِرَادَةِ عَبْدِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَهَذَا لَوْنٌ، وَالْجَبْرُ لَوْنٌ. وَفِيهَا: أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالضَّالَّةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا كَالْإِبِلِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُجَوِّزْ للجارود رُكُوبَ الْإِبِلِ الضَّالَّةِ، وَقَالَ: ( «ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ» ) ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِتَرْكِهَا، وَأَنْ لَا يَلْتَقِطَهَا حِفْظًا عَلَى رَبِّهَا حَتَّى يَجِدَهَا إِذَا طَلَبَهَا، فَلَوْ جَوَّزَ لَهُ رُكُوبَهَا وَالِانْتِفَاعَ بِهَا، لَأَفْضَى إِلَى أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَيْهَا رَبُّهَا، وَأَيْضًا تَطْمَعُ فِيهَا النُّفُوسُ وَتَتَمَلَّكُهَا، فَمَنَعَ الشَّارِعُ مِنْ ذَلِكَ. [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ] [قُدُومِ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ] فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ فِيهِمْ مسيلمة الكذاب، وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ فِي دَارِ امْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، فَأَتَوْا بمسيلمة إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسْتَرُ بِالثِّيَابِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي يَدِهِ عَسِيبٌ مِنْ سَعَفِ النَّخْلِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ يَسْتُرُونَهُ بِالثِّيَابِ كَلَّمَهُ وَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَوْ سَأَلْتَنِي هَذَا الْعَسِيبَ الَّذِي فِي يَدِي مَا أَعْطَيْتُكَ» ) . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَقَالَ لِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ: إِنَّ حَدِيثَهُ كَانَ عَلَى غَيْرِ هَذَا، زَعَمَ أَنَّ وَفْدَ بَنِي حَنِيفَةَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَخَلَّفُوا مسيلمة فِي رِحَالِهِمْ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا ذَكَرُوا لَهُ مَكَانَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا قَدْ خَلَّفْنَا صَاحِبًا

стр. 1440

لَنَا فِي رِحَالِنَا وَرِكَابِنَا يَحْفَظُهَا لَنَا، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا أَمَرَ بِهِ لِلْقَوْمِ، وَقَالَ: ( «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بِشَرِّكُمْ مَكَانًا» ) ، يَعْنِي حِفْظَهُ ضَيْعَةَ أَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ الَّذِي يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ انْصَرَفُوا وَجَاءُوهُ بِالَّذِي أَعْطَاهُ، فَلَمَّا قَدِمُوا الْيَمَامَةَ ارْتَدَّ عَدُوُّ اللَّهِ وَتَنَبَّأَ، وَقَالَ: إِنِّي أُشْرِكْتُ فِي الْأَمْرِ مَعَهُ، أَلَمْ يَقُلْ لَكُمْ حِينَ ذَكَرْتُمُونِي لَهُ: أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بِشَرِّكُمْ مَكَانًا، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا كَانَ يَعْلَمُ أَنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ فِي الْأَمْرِ مَعَهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَسْجَعُ السَّجَعَاتِ، فَيَقُولُ لَهُمْ فِيمَا يَقُولُ مُضَاهَاةً لِلْقُرْآنِ: لَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى الْحُبْلَى، أَخْرَجَ مِنْهَا نَسَمَةً تَسْعَى، وَمِنْ بَيْنِ صِفَاقٍ وَحَشَا. وَوَضَعَ عَنْهُمُ الصَّلَاةَ، وَأَحَلَّ لَهُمُ الْخَمْرَ وَالزِّنَى، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَشْهَدُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَصْفَقَتْ مَعَهُ بَنُو حَنِيفَةَ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ كَتَبَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مِنْ مسيلمة رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أُشْرِكْتُ فِي الْأَمْرِ مَعَكَ، وَإِنَّ لَنَا نِصْفَ الْأَمْرِ، وَلِقُرَيْشٍ نِصْفَ الْأَمْرِ، وَلَيْسَ قُرَيْشٌ قَوْمًا يَعْدِلُونَ فَقَدِمَ عَلَيْهِ رَسُولُهُ بِهَذَا الْكِتَابِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مسيلمة الكذاب، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» ) ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي آخِرِ سَنَةِ عَشْرٍ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي سعد بن طارق، عَنْ سلمة بن نعيم بن مسعود، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ جَاءَهُ رَسُولَا مسيلمة الكذاب بِكِتَابِهِ يَقُولُ لَهُمَا: ( «وَأَنْتُمَا تَقُولَانِ بِمِثْلِ مَا يَقُولُ؟ " قَالَا: نَعَمْ. فَقَالَ: " أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا» ) .

стр. 1441

وَرُوِّينَا فِي " مُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ " عَنْ أبي وائل، عَنْ عبد الله، قَالَ: جَاءَ ابن النواحة وابن أثال رَسُولَيْنِ لمسيلمة الكذاب إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «تَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ " فَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ مسيلمة رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَوْ كُنْتُ قَاتِلًا رَسُولًا لَقَتَلْتُكُمَا» ) ، قَالَ عبد الله: فَمَضَتِ السُّنَّةُ بِأَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ. وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ، قَالَ: «لَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَمِعْنَا بِهِ، لَحِقْنَا بمسيلمة الكذاب، فَلَحِقْنَا بِالنَّارِ، وَكُنَّا نَعْبُدُ الْحَجَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، أَلْقَيْنَا ذَلِكَ وَأَخَذْنَاهُ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا، جَمَعْنَا جُثْوَةً مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاةِ فَحَلَبْنَاهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ طُفْنَا بِهِ، وَكُنَّا إِذَا دَخَلَ رَجَبٌ، قُلْنَا: جَاءَ مُنْصِلُ الْأَسِنَّةِ، فَلَا نَدَعُ رُمْحًا فِيهِ حَدِيدَةٌ، وَلَا سَهْمًا فِيهِ حَدِيدَةٌ إِلَّا نَزَعْنَاهَا وَأَلْقَيْنَاهَا» . قُلْتُ: وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ مسيلمة الكذاب عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ، وَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَفِي يَدِ النَّبِيِّ ﷺ قِطْعَةُ جَرِيدٍ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مسيلمة فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: ( «إِنْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ، وَإِنِّي أُرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا أُرِيتُ، وَهَذَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ يُجِيبُكَ عَنِّي» ) ، ثُمَّ انْصَرَفَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «إِنَّكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا أُرِيتُ» ) ، فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا، فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ أَنِ انْفُخْهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا

стр. 1442

كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ مِنْ بَعْدِي، فَهَذَانِ هُمَا، أَحَدُهُمَا العنسي صَاحِبُ صَنْعَاءَ، وَالْآخَرُ مسيلمة الكذاب صَاحِبُ الْيَمَامَةِ» ) . وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ الْمُتَقَدِّمِ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذَا أُتِيتُ بِخَزَائِنِ الْأَرْضِ، فَوُضِعَ فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَكَبُرَا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَذَهَبَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا، صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ» ) . [فَصْلٌ فِي فِقْهِ هَذِهِ الْقِصَّةِ] فِيهَا: جَوَازُ مُكَاتَبَةِ الْإِمَامِ لِأَهْلِ الرِّدَّةِ إِذَا كَانَ لَهُمْ شَوْكَةٌ، وَيَكْتُبُ لَهُمْ وَلِإِخْوَانِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ: سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى. وَمِنْهَا: أَنَّ الرَّسُولَ لَا يُقْتَلُ وَلَوْ كَانَ مُرْتَدًّا، هَذِهِ السُّنَّةُ. وَمِنْهَا: أنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْتِيَ بِنَفْسِهِ إِلَى مَنْ قَدِمَ يُرِيدُ لِقَاءَهُ مِنَ الْكُفَّارِ. وَمِنْهَا: أنَّ الْإِمَامَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُجِيبُ عَنْهُ أَهْلَ الِاعْتِرَاضِ وَالْعِنَادِ. وَمِنْهَا: تَوْكِيلُ الْعَالِمِ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَنْهُ وَيُجِيبَ عَنْهُ. تَأْوِيلُ رُؤْيَا لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّ الصِّدِّيقَ يُحْبِطُ أَمْرَ مسيلمة وَمِنْهَا: أنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَكْبَرِ فَضَائِلِ الصِّدِّيقِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَفَخَ السِّوَارَيْنِ بِرُوحِهِ فَطَارَا، وَكَانَ الصِّدِّيقُ هُوَ ذَلِكَ الرُّوحَ الَّذِي نَفَخَ مسيلمة وَأَطَارَهُ. قَالَ الشَّاعِرُ: فَقُلْتُ لَهُ ارْفَعْهَا إِلَيْكَ فَأَحْيِهَا ... بِرُوحِكَ وَاقْتَتْهُ لَهَا قِيتَةً قَدْرًا

стр. 1443

وَمِنْ هَاهُنَا دَلَّ لِبَاسُ الْحُلِيِّ لِلرَّجُلِ عَلَى نَكَدٍ يَلْحَقُهُ وَهَمٍّ يَنَالُهُ، وَأَنْبَأَنِي أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة بن سرور المقدسي المعروف بالشهاب العابر. قَالَ: قَالَ لِي رَجُلٌ: رَأَيْتُ فِي رِجْلِي خَلْخَالًا، فَقُلْتُ لَهُ: تَتَخَلْخَلُ رِجْلُكَ بِأَلَمٍ، وَكَانَ كَذَلِكَ. وَقَالَ لِي آخَرُ: رَأَيْتُ كَأَنَّ فِي أَنْفِي حَلْقَةَ ذَهَبٍ، وَفِيهَا حَبٌّ مَلِيحٌ أَحْمَرُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَقَعُ بِكَ رُعَافٌ شَدِيدٌ، فَجَرَى كَذَلِكَ. وَقَالَ آخَرُ: رَأَيْتُ كُلَّابًا مُعَلَّقًا فِي شَفَتِي، قُلْتُ: يَقَعُ بِكَ أَلَمٌ يَحْتَاجُ إِلَى الْفَصْدِ فِي شَفَتِكَ، فَجَرَى كَذَلِكَ. وَقَالَ لِي آخَرُ: رَأَيْتُ فِي يَدِي سِوَارًا وَالنَّاسُ يُبْصِرُونَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: سُوءٌ يُبْصِرُهُ النَّاسُ فِي يَدِكَ، فَعَنْ قَلِيلٍ طَلَعَ فِي يَدِهِ طُلُوعٌ. وَرَأَى ذَلِكَ آخَرُ لَمْ يَكُنْ يُبْصِرُهُ النَّاسُ، فَقُلْتُ لَهُ: تَتَزَوَّجُ امْرَأَةً حَسَنَةً، وَتَكُونُ رَقِيقَةً. قُلْتُ: عَبَّرَ لَهُ السِّوَارَ بِالْمَرْأَةِ لِمَا أَخْفَاهُ، وَسَتَرَهُ عَنِ النَّاسِ، وَوَصَفَهَا بِالْحُسْنِ لِحُسْنِ مَنْظَرِ الذَّهَبِ وَبَهْجَتِهِ، وَبِالرِّقَّةِ لِشَكْلِ السِّوَارِ. وَالْحِلْيَةُ لِلرَّجُلِ تَنْصَرِفُ عَلَى وُجُوهٍ. فَرُبَّمَا دَلَّتْ عَلَى تَزْوِيجِ الْعُزَّابِ لِكَوْنِهَا مِنْ آلَاتِ التَّزْوِيجِ، وَرُبَّمَا دَلَّتْ عَلَى الْإِمَاءِ وَالسَّرَارِيِّ، وَعَلَى الْغِنَاءِ، وَعَلَى الْبَنَاتِ، وَعَلَى الْخَدَمِ، وَعَلَى الْجَهَازِ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ حَالِ الرَّائِي وَمَا يَلِيقُ بِهِ. قَالَ أبو العباس العابر: وَقَالَ لِي رَجُلٌ: رَأَيْتُ كَأَنَّ فِي يَدِي سِوَارًا مَنْفُوخًا لَا يَرَاهُ النَّاسُ، فَقُلْتُ لَهُ: عِنْدَكَ امْرَأَةٌ بِهَا مَرَضُ الِاسْتِسْقَاءِ، فَتَأَمَّلْ كَيْفَ عَبَّرَ لَهُ

стр. 1444

السِّوَارَ بِالْمَرْأَةِ ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهَا بِالْمَرَضِ لِصُفْرَةِ السِّوَارِ، وَأَنَّهُ مَرَضُ الِاسْتِسْقَاءِ الَّذِي يَنْتَفِخُ مَعَهُ الْبَطْنُ. قَالَ: وَقَالَ لِي آخَرُ: رَأَيْتُ فِي يَدِي خَلْخَالًا وَقَدْ أَمْسَكَهُ آخَرُ، وَأَنَا مُمْسِكٌ لَهُ، وَأَصِيحُ عَلَيْهِ وَأَقُولُ: اتْرُكْ خَلْخَالِي، فَتَرَكَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: فَكَانَ الْخَلْخَالُ فِي يَدِكَ أَمْلَسَ؟ فَقَالَ: بَلْ كَانَ خَشِنًا تَأَلَّمْتُ مِنْهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَفِيهِ شَرَارِيفُ، فَقُلْتُهُ لَهُ: أُمُّكَ وَخَالُكَ شَرِيفَانِ، وَلَسْتَ بِشَرِيفٍ، وَاسْمُكَ عَبْدُ الْقَاهِرِ، وَخَالُكَ لِسَانُهُ نَجِسٌ رَدِيءٌ يَتَكَلَّمُ فِي عِرْضِكَ، وَيَأْخُذُ مِمَّا فِي يَدِكَ، قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: ثُمَّ إِنَّهُ يَقَعُ فِي يَدِ ظَالِمٍ مُتَعَدٍّ، وَيَحْتَمِي بِكَ، فَتَشُدُّ مِنْهُ، وَتَقُولُ خَلِّ خَالِي، فَجَرَى ذَلِكَ عَنْ قَلِيلٍ. قُلْتُ: تَأَمَّلْ أَخْذَهُ الْخَالَ مِنْ لَفْظِ " الْخَلْخَالِ "، ثُمَّ عَادَ إِلَى اللَّفْظِ بِتَمَامِهِ حَتَّى أَخَذَ مِنْهُ، خَلِّ خَالِي، وَأَخَذَ شَرَفَهُ مِنْ شَرَارِيفِ الْخَلْخَالِ، وَدَلَّ عَلَى شَرَفِ أُمِّهِ، إِذْ هِيَ شَقِيقَةُ خَالِهِ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرِيفٍ، إِذْ شُرُفَاتُ الْخَالِ الدَّالَّةُ عَلَى الشَّرَفِ اشْتِقَاقًا هِيَ فِي أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهِ. وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِسَانَ خَالِهِ لِسَانٌ رَدِيءٌ يَتَكَلَّمُ فِي عِرْضِهِ بِالْأَلَمِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ بِخُشُونَةِ الْخَلْخَالِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَهِيَ خُشُونَةُ لِسَانِ خَالِهِ فِي حَقِّهِ. وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَخْذِ خَالِهِ مَا فِي يَدَيْهِ بِتَأَذِّيهِ بِهِ، وَبِأَخْذِهِ مِنْ يَدَيْهِ فِي النَّوْمِ بِخُشُونَتِهِ. وَاسْتَدَلَّ بِإِمْسَاكِ الْأَجْنَبِيِّ لِلْخَلْخَالِ، وَمُجَاذَبَةِ الرَّائِي عَلَى وُقُوعِ الْخَالِ فِي يَدِ ظَالِمٍ مُتَعَدٍّ يَطْلُبُ مِنْهُ مَا لَيْسَ لَهُ. وَاسْتَدَلَّ بِصِيَاحِهِ عَلَى الْمُجَاذِبِ لَهُ، وَقَوْلِهِ: خَلِّ خَالِي عَلَى أَنَّهُ يُعِينُ خَالَهُ عَلَى ظَالِمِهِ وَبِشَدٍّ مِنْهُ. وَاسْتَدَلَّ عَلَى قَهْرِهِ لِذَلِكَ الْمُجَاذِبِ لَهُ، وَأَنَّهُ الْقَاهِرُ يَدَهُ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُهُ عَبْدُ الْقَاهِرِ، وَهَذِهِ كَانَتْ حَالَ شَيْخِنَا هَذَا، وَرُسُوخَهُ فِي عِلْمِ التَّعْبِيرِ، وَسَمِعْتُ عَلَيْهِ عِدَّةَ أَجْزَاءٍ، وَلَمْ يَتَّفِقْ لِي قِرَاءَةُ هَذَا الْعِلْمِ عَلَيْهِ لِصِغَرِ السِّنِّ وَاخْتِرَامِ الْمَنِيَّةِ لَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ طَيِّئٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدُ طَيِّئٍ، وَفِيهِمْ زيد الخيل،

стр. 1445

وَهُوَ سَيِّدُهُمْ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِ، كَلَّمَهُمْ وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَا ذُكِرَ لِي رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ بِفَضْلٍ ثُمَّ جَاءَنِي إِلَّا رَأَيْتُهُ دُونَ مَا يُقَالُ فِيهِ إِلَّا زيد الخيل: فَإِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ كُلَّ مَا فِيهِ» ) ، ثُمَّ سَمَّاهُ: زيد الخير، وَقَطَعَ لَهُ فَيْدًا وَأَرَضِينَ مَعَهُ، وَكَتَبَ لَهُ بِذَلِكَ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاجِعًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنْ يُنْجَ زيد مِنْ حُمَّى الْمَدِينَةِ» ) ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَقَدْ سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاسْمٍ غَيْرِ الْحُمَّى وَغَيْرِ أُمِّ مِلْدَمٍ، فَلَمْ يُثْبِتْهُ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِ نَجْدٍ يُقَالُ لَهُ فَرْدَةُ، أَصَابَتْهُ الْحُمَّى بِهَا فَمَاتَ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالْمَوْتِ أَنْشَدَ: أَمُرْتَحِلٌ قَوْمِي الْمَشَارِقَ غُدْوَةً ... وَأُتْرَكُ فِي بَيْتٍ بِفَرْدَةَ مُنْجِدِ أَلَّا رُبَّ يَوْمٍ لَوْ مَرِضْتُ لَعَادَنِي ... عَوَائِدُ مَنْ لَمْ يُبْرَ مِنْهُنَّ يَجْهَدِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقِيلَ: مَاتَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عمر ﵁ وَلَهُ ابْنَانِ: مكنف، وحريث، أَسْلَمَا، وَصَحِبَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَشَهِدَا قِتَالَ أَهْلِ الرِّدَّةِ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ. [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ كِنْدَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، قَالَ: «قَدِمَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ثَمَانِينَ أَوْ سِتِّينَ رَاكِبًا مِنْ كِنْدَةَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ ﷺ مَسْجِدَهُ قَدْ

стр. 1446

رَجَّلُوا جُمَمَهُمْ وَتَسَلَّحُوا، وَلَبِسُوا جِبَابَ الْحِبَرَاتِ مُكَفَّفَةً بِالْحَرِيرِ، فَلَمَّا دَخَلُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَوَلَمْ تُسْلِمُوا؟ " قَالُوا: بَلَى. قَالَ: " فَمَا بَالُ هَذَا الْحَرِيرِ فِي أَعْنَاقِكُمْ؟) ، فَشَقُّوهُ وَنَزَعُوهُ وَأَلْقَوْهُ، ثُمَّ قَالَ الأشعث: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمِرَارِ، وَأَنْتَ ابْنُ آكِلِ الْمِرَارِ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: (نَاسِبُوا بِهَذَا النَّسَبِ رَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ: وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» ) . قَالَ الزُّهْرِيُّ وابن إسحاق: كَانَا تَاجِرَيْنِ، وَكَانَا إِذَا سَارَا فِي أَرْضِ الْعَرَبِ، فَسُئِلَا مَنْ أَنْتُمَا؟ قَالَا: نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمِرَارِ، يَتَعَزَّزُونَ بِذَلِكَ فِي الْعَرَبِ، وَيَدْفَعُونَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّ بَنِي آكِلِ الْمِرَارِ مِنْ كِنْدَةَ كَانُوا مُلُوكًا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ لَا نَقْفُو أُمَّنَا وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا» ) . وَفِي " الْمُسْنَدِ " مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عقيل بن طلحة، عَنْ مسلم بن هيضم، عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: «قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدَ كِنْدَةَ، وَلَا يَرَوْنَ إِلَّا أَنِّي أَفْضَلُهُمْ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَسْتُمْ مِنَّا؟ قَالَ: (لَا، نَحْنُ بنو النضر بن كنانة، لَا نَقْفُو أُمَّنَا وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا» ) ، وَكَانَ الأشعث يَقُولُ: (لَا أُوتَى بِرَجُلٍ نَفَى رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ مِنَ النضر بن كنانة إِلَّا جَلَدْتُهُ الْحَدَّ) . وَفِي هَذَا مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ النضر بن كنانة، فَهُوَ مِنْ قُرَيْشٍ. وَفِيهِ: جَوَازُ إِتْلَافِ الْمَالِ الْمُحَرَّمِ اسْتِعْمَالُهُ، كَثِيَابِ الْحَرِيرِ عَلَى الرِّجَالِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِضَاعَةٍ. وَالْمِرَارُ: هُوَ شَجَرٌ مِنْ شَجَرِ الْبَوَادِي، وَآكِلُ الْمِرَارِ: هُوَ الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن كندة، وَلِلنَّبِيِّ ﷺ جَدَّةٌ مِنْ كِنْدَةَ مَذْكُورَةٌ، وَهِيَ أم كلاب بن مرة، وَإِيَّاهَا أَرَادَ الأشعث.

стр. 1447

وَفِيهِ: أَنَّ مَنِ انْتَسَبَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، فَقَدِ انْتَفَى مِنْ أَبِيهِ، وَقَفَى أُمَّهُ، أَيْ: رَمَاهَا بِالْفُجُورِ. وَفِيهَا: أَنَّ كِنْدَةَ لَيْسُوا مِنْ وَلَدِ النضر بن كنانة. وَفِيهِ: أَنَّ مَنْ أَخْرَجَ رَجُلًا عَنْ نَسَبِهِ الْمَعْرُوفِ، جُلِدَ حَدَّ الْقَذْفِ. [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ الْأَشْعَرِيِّينَ وَأَهْلِ الْيَمَنِ] رَوَى يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ حميد، عَنْ أنس أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «يَقْدَمُ قَوْمٌ هُمْ أَرَقُّ مِنْكُمْ قُلُوبًا» ) ، فَقَدِمَ الْأَشْعَرِيُّونَ، فَجَعَلُوا يَرْتَجِزُونَ غَدًا نَلْقَى الْأَحِبَّةْ ... مُحَمَّدًا وَحِزْبَهْ وَفِي " صَحِيحِ مسلم " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَضْعَفُ قُلُوبًا، وَالْإِيمَانُ يَمَانٌ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ مِنْ أَهْلِ الْوَبَرِ قِبَلَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ» ) . وَرُوِّينَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الحارث بن عبد الرحمن، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: ( «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ كَأَنَّهُمُ السَّحَابُ هُمْ خِيَارُ مَنْ فِي الْأَرْضِ "، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: إِلَّا نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ: إِلَّا نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ: " إِلَّا أَنْتُمْ» ) كَلِمَةً ضَعِيفَةً.

стр. 1448

وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ": «أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (أَبْشِرُوا يَا بَنِي تَمِيمٍ "، فَقَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَجَاءَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَ: " اقْبَلُوا الْبُشْرَى إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ "، قَالُوا: قَدْ قَبِلْنَا، ثُمَّ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْنَا لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ، فَقَالَ: " كَانَ اللَّهُ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ» ) . [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ الْأَزْدِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: «وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صرد بن عبد الله الأزدي، فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ فِي وَفْدٍ مِنَ الْأَزْدِ، فَأَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُجَاهِدَ بِمَنْ أَسْلَمَ مَنْ كَانَ يَلِيهِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ قَبَائِلِ الْيَمَنِ، فَخَرَجَ صرد يَسِيرُ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلَ بِجُرَشَ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مَدِينَةٌ مُغْلَقَةٌ، وَبِهَا قَبَائِلُ مِنْ قَبَائِلِ الْيَمَنِ، وَقَدْ ضَوَتْ إِلَيْهِمْ خَثْعَمُ، فَدَخَلُوهَا مَعَهُمْ حِينَ سَمِعُوا بِمَسِيرِ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِمْ، فَحَاصَرُوهُمْ فِيهَا قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ، وَامْتَنَعُوا فِيهَا، فَرَجَعَ

стр. 1449

عَنْهُمْ قَافِلًا، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي جَبَلٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: شَكَرَ، ظَنَّ أَهْلُ جُرَشَ أَنَّهُ إِنَّمَا وَلَّى عَنْهُمْ مُنْهَزِمًا، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ حَتَّى إِذَا أَدْرَكُوهُ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ، فَقَتَلَهُمْ قَتْلًا شَدِيدًا، وَقَدْ كَانَ أَهْلُ جُرَشَ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ يَرْتَادَانِ وَيَنْظُرَانِ، فَبَيْنَا هُمَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَشِيَّةً بَعْدَ الْعَصْرِ، إِذْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (بِأَيِّ بِلَادِ اللَّهِ شَكَرُ؟ "، فَقَامَ الْجُرَشِيَّانِ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِبِلَادِنَا جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ. كَشَرُ، وَكَذَلِكَ تُسَمِّيهِ أَهْلُ جُرَشَ، فَقَالَ: " إِنَّهُ لَيْسَ " بِكَشَرَ، وَلَكِنَّهُ شَكَرُ "، قَالَا: فَمَا شَأْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: فَقَالَ: " إِنَّ بُدْنَ اللَّهِ لَتُنْحَرُ عِنْدَهُ الْآنَ "، قَالَ: فَجَلَسَ الرَّجُلَانِ إِلَى أبي بكر، وَإِلَى عثمان، فَقَالَا لَهُمَا: وَيْحَكُمَا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيَنْعَى لَكُمَا قَوْمَكُمَا، فَقُومَا إِلَيْهِ، فَاسْأَلَاهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ أَنْ يَرْفَعَ عَنْ قَوْمِكُمَا، فَقَامَا إِلَيْهِ فَسَأَلَاهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنْهُمْ "، فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاجِعَيْنِ إِلَى قَوْمِهِمَا، فَوَجَدَا قَوْمَهُمَا أُصِيبُوا فِي الْيَوْمِ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ، وَفِي السَّاعَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا مَا ذَكَرَ، فَخَرَجَ وَفْدُ جُرَشَ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمُوا، وَحَمَى لَهُمْ حِمًى حَوْلَ قَرْيَتِهِمْ» . [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ، أَوْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ عَشْرٍ إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ بِنَجْرَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ ثَلَاثًا، فَإِنِ اسْتَجَابُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَقَاتِلْهُمْ، فَخَرَجَ خالد حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَبَعَثَ الرُّكْبَانَ يَضْرِبُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَيَدْعُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيَقُولُونَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَسْلِمُوا لِتَسْلَمُوا، فَأَسْلَمَ النَّاسُ، وَدَخَلُوا فِيمَا دُعُوا إِلَيْهِ، فَأَقَامَ فِيهِمْ خالد يُعَلِّمُهُمُ الْإِسْلَامَ، وَكَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقْبِلَ وَيُقْبِلَ مَعَهُ وَفْدُهُمْ، فَأَقْبَلَ

стр. 1450

وَأَقْبَلَ مَعَهُ وَفْدُهُمْ، فِيهِمْ: قيس بن الحصين ذي الغصة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجل، وعبد الله بن قراد، وشداد بن عبد الله، وَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «بِمَ كُنْتُمْ تَغْلِبُونَ مَنْ قَاتَلَكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ "؟ قَالُوا: لَمْ نَكُنْ نَغْلِبُ أَحَدًا. قَالَ: " بَلَى ". قَالُوا: كُنَّا نَجْتَمِعُ وَلَا نَتَفَرَّقُ، وَلَا نَبْدَأُ أَحَدًا بِظُلْمٍ. قَالَ " صَدَقْتُمْ» ) ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ قيس بن الحصين، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ، أَوْ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَلَمْ يَمْكُثُوا إِلَّا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ هَمْدَانَ عَلَيْهِ ﷺ ] وَقَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ هَمْدَانَ، مِنْهُمْ: مالك بن النمط، ومالك بن أيفع؛ وضمام بن مالك، وعمرو بن مالك، فَلَقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرْجِعَهُ مِنْ تَبُوكَ، وَعَلَيْهِمْ مُقَطَّعَاتُ الْحِبَرَاتِ وَالْعَمَائِمُ الْعَدَنِيَّةُ عَلَى الرَّوَاحِلِ الْمَهْرِيَّةِ وَالْأَرْحَبِيَّةِ، ومالك بن النمط يَرْتَجِزُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَقُولُ: إِلَيْكَ جَاوَزْنَ سَوَادَ الرِّيفِ ... فِي هَبَوَاتِ الصَّيْفِ وَالْخَرِيفِ مُخَطَّمَاتٍ بِحِبَالِ اللِّيفِ وَذَكَرُوا لَهُ كَلَامًا حَسَنًا فَصِيحًا، فَكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا أَقْطَعَهُمْ فِيهِ مَا سَأَلُوهُ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ مالك بن النمط، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ، وَأَمَرَهُ بِقِتَالِ ثَقِيفٍ، وَكَانَ لَا يَخْرُجُ لَهُمْ سَرْحٌ إِلَّا أَغَارُوا عَلَيْهِ. وَقَدْ رَوَى البيهقي بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أبي إسحاق، عَنِ البراء، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ البراء: فَكُنْتُ فِيمَنْ خَرَجَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَأَقَمْنَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَأَمَرَهُ أَنْ يُقْفِلَ خالدا إِلَّا رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ مَعَ خالد أَحَبَّ أَنْ يُعْقِبَ مَعَ علي ﵁، فَلْيُعْقِبْ مَعَهُ، قَالَ البراء: فَكُنْتُ فِيمَنْ عَقَّبَ مَعَ علي، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ الْقَوْمِ خَرَجُوا إِلَيْنَا، فَصَلَّى بِنَا علي ﵁، ثُمَّ صَفَّنَا صَفًّا وَاحِدًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ بَيْنَ أَيْدِينَا، وَقَرَأَ

стр. 1451

عَلَيْهِمْ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَسْلَمَتْ هَمْدَانُ جَمِيعًا، فَكَتَبَ علي ﵁ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكِتَابَ خَرَّ سَاجِدًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: (السَّلَامُ عَلَى هَمْدَانَ، السَّلَامُ عَلَى هَمْدَانَ) » . وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ". وَهَذَا أَصَحُّ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَلَمْ تَكُنْ هَمْدَانُ أَنْ تُقَاتِلَ ثَقِيفًا، وَلَا تُغِيرَ عَلَى سَرْحِهِمْ، فَإِنَّ هَمْدَانَ بِالْيَمَنِ، وَثَقِيفًا بِالطَّائِفِ. [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ مُزَيْنَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ البيهقي، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، قَالَ: ( «قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَنْصَرِفَ، قَالَ: " يَا عمر! زَوِّدِ الْقَوْمَ "، فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا شَيْءٌ مِنْ تَمْرٍ، مَا أَظُنُّهُ يَقَعُ مِنَ الْقَوْمِ مَوْقِعًا، قَالَ: " انْطَلِقْ فَزَوِّدْهُمْ "، قَالَ: فَانْطَلَقَ بِهِمْ عمر، فَأَدْخَلَهُمْ مَنْزِلَهُ ثُمَّ أَصْعَدَهُمْ إِلَى عُلِّيَّةَ، فَلَمَّا دَخَلْنَا، إِذَا فِيهَا مِنَ التَّمْرِ مِثْلُ الْجَمَلِ الْأَوْرَقِ، فَأَخَذَ الْقَوْمُ مِنْهُ حَاجَتَهُمْ، قَالَ النعمان: فَكُنْتُ فِي آخِرِ مَنْ خَرَجَ، فَنَظَرْتُ فَمَا أَفْقِدُ مَوْضِعَ تَمْرَةٍ مِنْ مَكَانِهَا» ) .

стр. 1452

[فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ دَوْسٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ بِخَيْبَرَ] [ قُدُومِ وَفْدِ دَوْسٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ بِخَيْبَرَ] قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ يُحَدِّثُ أَنَّهُ قَدِمَ مَكَّةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَا، فَمَشَى إِلَيْهِ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانَ الطفيل رَجُلًا شَرِيفًا شَاعِرًا لَبِيبًا، قَالُوا لَهُ: إِنَّكَ قَدِمْتَ بِلَادَنَا، وَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ - وَهُوَ الَّذِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا - فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَشَتَّتَ أَمْرَنَا، وَإِنَّمَا قَوْلُهُ كَالسِّحْرِ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَابْنِهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَأَخِيهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَإِنَّمَا نَخْشَى عَلَيْكَ وَعَلَى قَوْمِكَ مَا قَدْ حَلَّ عَلَيْنَا، فَلَا تُكَلِّمْهُ وَلَا تَسْمَعْ مِنْهُ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا بِي حَتَّى أَجْمَعْتُ أَنْ لَا أَسْمَعَ مِنْهُ شَيْئًا، وَلَا أُكَلِّمَهُ حَتَّى حَشَوْتُ فِي أُذُنَيَّ حِينَ غَدَوْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ كُرْسُفًا، فَرَقًا مِنْ أَنْ يَبْلُغَنِي شَيْءٌ مِنْ قَوْلِهِ. قَالَ: فَغَدَوْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَقُمْتُ قَرِيبًا مِنْهُ، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُسْمِعَنِي بَعْضَ قَوْلِهِ، فَسَمِعْتُ كَلَامًا حَسَنًا فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَرَجُلٌ لَبِيبٌ شَاعِرٌ، مَا يَخْفَى عَلَيَّ الْحَسَنُ مِنَ الْقَبِيحِ، فَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَسْمَعَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ مَا يَقُولُ؟ فَإِنْ كَانَ مَا يَقُولُ حَسَنًا قَبِلْتُ، وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا تَرَكْتُ. قَالَ: فَمَكَثْتُ حَتَّى انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَيْتِهِ، فَتَبِعْتُهُ حَتَّى إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ قَالُوا لِي: كَذَا وَكَذَا، فَوَاللَّهِ مَا بَرِحُوا يُخَوِّفُونِي أَمْرَكَ حَتَّى سَدَدْتُ أُذُنَيَّ بِكُرْسُفٍ لِئَلَّا أَسْمَعَ قَوْلَكَ، ثُمَّ أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُسْمِعَنِيهِ، فَسَمِعْتُ قَوْلًا حَسَنًا، فَاعْرِضْ عَلَيَّ أَمْرَكَ، فَعَرَضَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيَّ الْقُرْآنَ، فَلَا وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ قَوْلًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَلَا أَمْرًا أَعْدَلَ مِنْهُ، فَأَسْلَمْتُ وَشَهِدْتُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، وَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ؛ إِنِّي امْرُؤٌ مُطَاعٌ فِي قَوْمِي، وَإِنِّي رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ، فَدَاعِيهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يَجْعَلَ لِي آيَةً تَكُونُ عَوْنًا لِي عَلَيْهِمْ، فِيمَا أَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ آيَةً) ، قَالَ: فَخَرَجْتُ إِلَى قَوْمِي حَتَّى إِذَا

стр. 1453

كُنْتُ بِثَنِيَّةٍ تُطْلِعُنِي عَلَى الْحَاضِرِ، وَقَعَ نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيَّ مِثْلُ الْمِصْبَاحِ، قُلْتُ: اللَّهُمَّ فِي غَيْرِ وَجْهِي إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَظُنُّوا أَنَّهَا مُثْلَةٌ وَقَعَتْ فِي وَجْهِي لِفِرَاقِي دِينِهِمْ، قَالَ: فَتَحَوَّلَ فَوَقَعَ فِي رَأْسِ سَوْطِي كَالْقِنْدِيلِ الْمُعَلَّقِ، وَأَنَا أَنْهَبِطُ إِلَيْهِمْ مِنَ الثَّنِيَّةِ حَتَّى جِئْتُهُمْ، وَأَصْبَحْتُ فِيهِمْ، فَلَمَّا نَزَلْتُ، أَتَانِي أَبِي، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَقُلْتُ: إِلَيْكَ عَنِّي يَا أَبَتِ، فَلَسْتَ مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْكَ، قَالَ: لِمَ يَا بُنَيَّ؟ قُلْتُ: قَدْ أَسْلَمْتُ وَتَابَعْتُ دِينَ مُحَمَّدٍ. قَالَ: يَا بُنَيَّ فَدِينِي دِينُكَ. قَالَ فَقُلْتُ: اذْهَبْ فَاغْتَسِلْ وَطَهِّرْ ثِيَابَكَ، ثُمَّ تَعَالَ حَتَّى أُعَلِّمَكَ مَا عَلِمْتُ. قَالَ: فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثِيَابَهُ، ثُمَّ جَاءَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمَ ثُمَّ أَتَتْنِي صَاحِبَتِي، فَقُلْتُ لَهَا: إِلَيْكِ عَنِّي فَلَسْتُ مِنْكِ وَلَسْتِ مِنِّي. قَالَتْ: لِمَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟ قُلْتُ فَرَّقَ الْإِسْلَامُ بَيْنِي وَبَيْنَكِ، أَسْلَمْتُ وَتَابَعْتُ دِينَ مُحَمَّدٍ. قَالَتْ: فَدِينِي دِينُكَ. قَالَ: قُلْتُ: فَاذْهَبِي فَاغْتَسِلِي، فَفَعَلَتْ ثُمَّ جَاءَتْ فَعَرَضْتُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَتْ، ثُمَّ دَعَوْتُ دَوْسًا إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَبْطَئُوا عَلَيَّ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: ( «يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ قَدْ غَلَبَنِي عَلَى دَوْسٍ الزِّنَى، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا "، ثُمَّ قَالَ: " ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَادْعُهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَارْفُقْ بِهِمْ» "، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ أَزَلْ بِأَرْضِ دَوْسٍ أَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ، فَنَزَلْتُ الْمَدِينَةَ بِسَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ بَيْتًا مِنْ دَوْسٍ، ثُمَّ لَحِقْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ، فَأَسْهَمَ لَنَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ) . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَارْتَدَّتِ الْعَرَبُ، خَرَجَ الطفيل مَعَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى فَرَغُوا مِنْ طليحة، ثُمَّ سَارَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْيَمَامَةِ وَمَعَهُ ابْنُهُ عمرو بن الطفيل، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رُؤْيَا، فَاعْبُرُوهَا لِي: رَأَيْتُ أَنَّ رَأْسِي قَدْ حُلِقَ، وَأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ فَمِي طَائِرٌ، وَأَنَّ امْرَأَةً لَقِيَتْنِي، فَأَدْخَلَتْنِي فِي فَرْجِهَا، وَرَأَيْتُ أَنَّ ابْنِي يَطْلُبُنِي طَلَبًا حَثِيثًا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ حُبِسَ عَنِّي. قَالُوا: خَيْرًا رَأَيْتَ. قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي قَدْ أَوَّلْتُهَا. قَالُوا: وَمَا أَوَّلْتَهَا؟ قَالَ: أَمَّا حَلْقُ رَأْسِي، فَوَضْعُهُ، وَأَمَّا الطَّائِرُ الَّذِي خَرَجَ مِنْ فَمِي فَرُوحِي، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الَّتِي أَدْخَلَتْنِي فِي

стр. 1454

فَرْجِهَا، فَالْأَرْضُ تُحْفَرُ، فَأُغَيَّبُ فِيهَا، وَأَمَّا طَلَبُ ابْنِي إِيَّايَ وَحَبْسُهُ عَنِّي، فَإِنِّي أَرَاهُ سَيَجْهَدُ لِأَنْ يُصِيبَهُ مِنَ الشَّهَادَةِ مَا أَصَابَنِي، فَقُتِلَ الطفيل شَهِيدًا بِالْيَمَامَةِ، وَجُرِحَ ابْنُهُ عمرو جُرْحًا شَدِيدًا، ثُمَّ قُتِلَ عَامَ الْيَرْمُوكِ شَهِيدًا فِي زَمَنِ عمر ﵁. [فَصْلٌ فِي فِقْهِ هَذِهِ الْقِصَّةِ] فَصْلٌ فِي فِقْهِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِيهَا: أَنَّ عَادَةَ الْمُسْلِمِينَ كَانَتْ غُسْلَ الْإِسْلَامِ قَبْلَ دُخُولِهِمْ فِيهِ، وَقَدْ صَحَّ أَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ. وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ: وُجُوبُهُ عَلَى مَنْ أَجْنَبَ فِي حَالِ كُفْرِهِ وَمَنْ لَمْ يُجْنِبْ. وَفِيهَا: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يُقَلِّدَ النَّاسَ فِي الْمَدْحِ وَالذَّمِّ، وَلَا سِيَّمَا تَقْلِيدَ مَنْ يَمْدَحُ بِهَوًى وَيَذُمُّ بِهَوًى، فَكَمْ حَالَ هَذَا التَّقْلِيدُ بَيْنَ الْقُلُوبِ وَبَيْنَ الْهُدَى، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُ إِلَّا مَنْ سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنَى. وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَدَدَ إِذَا لَحِقَ بِالْجَيْشِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ، أُسْهِمَ لَهُمْ. وَمِنْهَا: وُقُوعُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، وَأَنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ لِحَاجَةٍ فِي الدِّينِ، أَوْ لِمَنْفَعَةٍ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَهَذِهِ هِيَ الْأَحْوَالُ الرَّحْمَانِيَّةُ، سَبَبُهَا مُتَابَعَةُ الرَّسُولِ، وَنَتِيجَتُهَا إِظْهَارُ الْحَقِّ وَكَسْرُ الْبَاطِلِ، وَالْأَحْوَالُ الشَّيْطَانِيَّةُ ضِدُّهَا سَبَبًا وَنَتِيجَةً. وَمِنْهَا: التَّأَنِّي وَالصَّبْرُ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، وَأَنْ لَا يُعَجِّلَ بِالْعُقُوبَةِ وَالدُّعَاءِ عَلَى الْعُصَاةِ، وَأَمَّا تَعْبِيرُهُ حَلْقَ رَأْسِهِ بِوَضْعِهِ، فَهَذَا لِأَنَّ حَلْقَ الرَّأْسِ وَضْعُ شَعْرِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَهُوَ لَا يَدُلُّ بِمُجَرَّدِهِ عَلَى وَضْعِ رَأْسِهِ، فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى خَلَاصٍ مِنْ هَمٍّ أَوْ مَرَضٍ، أَوْ شِدَّةٍ لِمَنْ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ، وَعَلَى فَقْرٍ وَنَكَدٍ، وَزَوَالِ رِيَاسَةٍ وَجَاهٍ لِمَنْ لَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ فِي مَنَامِ الطفيل قَرَائِنُ اقْتَضَتْ أَنَّهُ وَضَعَ رَأْسَهُ، مِنْهَا أَنَّهُ

стр. 1455

كَانَ فِي الْجِهَادِ، وَمُقَاتَلَةِ الْعَدُوِّ ذِي الشَّوْكَةِ وَالْبَأْسِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ دَخَلَ فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ الَّتِي رَآهَا، وَهِيَ الْأَرْضُ الَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ، وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، وَهَذَا هُوَ إِعَادَتُهُ إِلَى الْأَرْضِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] [طه: ١٥٥] ، فَأَوَّلَ الْمَرْأَةَ بِالْأَرْضِ إِذْ كِلَاهُمَا مَحَلُّ الْوَطْءِ، وَأَوَّلَ دُخُولَهُ فِي فَرْجِهَا بِعَوْدِهِ إِلَيْهَا كَمَا خُلِقَ مِنْهَا، وَأَوَّلَ الطَّائِرَ الَّذِي خَرَجَ مِنْ فِيهِ بِرُوحِهِ، فَإِنَّهَا كَالطَّائِرِ الْمَحْبُوسِ فِي الْبَدَنِ، فَإِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ كَانَتْ كَالطَّائِرِ الَّذِي فَارَقَ حَبْسَهُ، فَذَهَبَ حَيْثُ شَاءَ، وَلِهَذَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ ( «أَنَّ نَسَمَةَ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلَقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ» ) ، وَهَذَا هُوَ الطَّائِرُ الَّذِي رُئِيَ دَاخِلًا فِي قَبْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا دُفِنَ، وَسُمِعَ قَارِئٌ يَقْرَأُ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧] [الْفَجْرِ: ٢٧] . وَعَلَى حَسَبِ بَيَاضِ هَذَا الطَّائِرِ وَسَوَادِهِ وَحُسْنِهِ وَقُبْحِهِ تَكُونُ الرُّوحُ، وَلِهَذَا كَانَتْ أَرْوَاحُ آلِ فِرْعَوْنَ فِي صُورَةِ طُيُورٍ سُودٍ تَرِدُ النَّارَ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، وَأَوَّلَ طَلَبَ ابْنِهِ لَهُ بِاجْتِهَادِهِ فِي أَنْ يَلْحَقَ بِهِ فِي الشَّهَادَةِ وَحَبْسَهُ عَنْهُ هُوَ مُدَّةُ حَيَاتِهِ بَيْنَ وَقْعَةِ الْيَمَامَةِ وَالْيَرْمُوكِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ نَجْرَانَ عَلَيْهِ ﷺ ] [قُدُومِ وَفْدِ نَجْرَانَ عَلَيْهِ ﷺ ] فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ نَجْرَانَ عَلَيْهِ ﷺ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ بِالْمَدِينَةِ، فَحَدَّثَنِي محمد بن جعفر بن الزبير، قَالَ: ( «لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَخَلُوا عَلَيْهِ مَسْجِدَهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَحَانَتْ صَلَاتُهُمْ، فَقَامُوا يُصَلُّونَ فِي

стр. 1456

مَسْجِدِهِ، فَأَرَادَ النَّاسُ مَنْعَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " دَعُوهُمْ " فَاسْتَقْبَلُوا الْمَشْرِقَ، فَصَلَّوْا صَلَاتَهُمْ» ) . قَالَ: وَحَدَّثَنِي يزيد بن سفيان، عَنِ ابن البيلماني، عَنْ كرز بن علقمة، قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ سِتُّونَ رَاكِبًا، مِنْهُمْ: أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَالْأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ، مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَيْهِمْ يَئُولُ أَمْرُهُمْ، الْعَاقِبُ أَمِيرُ الْقَوْمِ، وَذُو رَأْيِهِمْ، وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ، وَالَّذِي لَا يَصْدُرُونَ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ وَأَمْرِهِ، وَاسْمُهُ عبد المسيح، وَالسَّيِّدُ: ثِمَالُهُمْ، وَصَاحِبُ رَحْلِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ، وَاسْمُهُ الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بني بكر بن وائل أُسْقُفُهُمْ وَحَبْرُهُمْ وَإِمَامُهُمْ، وَصَاحِبُ مِدْرَاسِهِمْ. وَكَانَ أبو حارثة قَدْ شَرُفَ فِيهِمْ وَدَرَسَ كُتُبَهُمْ، وَكَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ قَدْ شَرَّفُوهُ وَمَوَّلُوهُ وَأَخْدَمُوهُ، وَبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِسَ، وَبَسَطُوا عَلَيْهِ الْكَرَامَاتِ لِمَا يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ مِنْ عِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي دِينِهِمْ. فَلَمَّا وَجَّهُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَجْرَانَ، جَلَسَ أبو حارثة عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ مُوَجِّهًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِلَى جَنْبِهِ أَخٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ: كرز بن علقمة يُسَايِرُهُ، إِذْ عَثَرَتْ بَغْلَةُ أبي حارثة، فَقَالَ لَهُ كرز: تَعِسَ الْأَبْعَدُ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ لَهُ أبو حارثة: بَلْ أَنْتَ تَعِسْتَ. فَقَالَ: وَلِمَ يَا أَخِي؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُهُ. فَقَالَ لَهُ كرز: فَمَا يَمْنَعُكَ مِنَ اتِّبَاعِهِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ هَذَا؟ فَقَالَ: مَا صَنَعَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ، شَرَّفُونَا وَمَوَّلُونَا وَأَكْرَمُونَا، وَقَدْ أَبَوْا إِلَّا خِلَافَهُ، وَلَوْ فَعَلْتُ نَزَعُوا مِنَّا كُلَّ مَا تَرَى، فَأَضْمَرَ عَلَيْهَا مِنْهُ أَخُوهُ كرز بن علقمة حَتَّى أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعكرمة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «اجْتَمَعَتْ نَصَارَى

стр. 1457

نَجْرَانَ، وَأَحْبَارُ يَهُودَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَنَازَعُوا عِنْدَهُ، فَقَالَتِ الْأَحْبَارُ: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا يَهُودِيًّا، وَقَالَتِ النَّصَارَى: مَا كَانَ إِلَّا نَصْرَانِيًّا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ - هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ - مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ - إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٤ - ٦٨] [آلِ عِمْرَانَ: ٦٥ - ٨٦] (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَحْبَارِ: أَتُرِيدُ مِنَّا يَا مُحَمَّدُ أَنْ نَعْبُدَكَ كَمَا تَعْبُدُ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ؟ وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ: أَوَذَلِكَ تُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ وَإِلَيْهِ تَدْعُونَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ، أَوْ آمُرَ بِعِبَادَةِ غَيْرِهِ، مَا بِذَلِكَ بَعَثَنِي وَلَا أَمَرَنِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ - وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠] ) [آلِ عِمْرَانَ: ٧٩] ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى آبَائِهِمْ مِنَ الْمِيثَاقِ بِتَصْدِيقِهِ، وَإِقْرَارِهِمْ بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] » [آلِ عِمْرَانَ: ٨١] . وَحَدَّثَنِي محمد بن سهل بن أبي أمامة، قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، نَزَلَ فِيهِمْ فَاتِحَةُ آلِ عِمْرَانَ إِلَى رَأْسِ الثَّمَانِينَ مِنْهَا.» وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمِ، عَنِ الأصم، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ سلمة بن عبد يسوع، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ - قَالَ يونس - وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ -: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ: ( «بِاسْمِ إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ، وَأَدْعُوكُمْ إِلَى وِلَايَةِ اللَّهِ مِنْ وِلَايَةِ الْعِبَادِ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَالْجِزْيَةُ، فَإِنْ

стр. 1458

أَبَيْتُمْ فَقَدْ آذَنْتُكُمْ بِحَرْبٍ، وَالسَّلَامُ» ) ! فَلَمَّا أَتَى الْأُسْقُفَ الْكِتَابُ فَقَرَأَهُ، فَظِعَ بِهِ وَذَعَرَ بِهِ ذُعْرًا شَدِيدًا، فَبَعَثَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يُقَالُ لَهُ شرحبيل بن وداعة، وَكَانَ مِنْ هَمْدَانَ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُدْعَى إِذَا نَزَلَ مُعْضِلَةٌ قَبْلَهُ، لَا الْأَيْهَمُ وَلَا السَّيِّدُ وَلَا الْعَاقِبُ، فَدَفَعَ الْأُسْقُفُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ فَقَرَأَهُ، فَقَالَ الْأَسْقُفُ يَا أبا مريم! مَا رَأْيُكَ؟ فَقَالَ شرحبيل: قَدْ عَلِمْتُ مَا وَعَدَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ فِي ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَمَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، لَيْسَ لِي فِي النُّبُوَّةِ رَأْيٌ، لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يُقَالُ لَهُ: عبد الله بن شرحبيل، وَهُوَ مِنْ ذِي أَصْبَحَ مِنْ حِمْيَرَ، فَاجْلِسْ فَتَنَحَّى شرحبيل، فَجَلَسَ نَاحِيَةً، فَبَعَثَ الْأُسْقُفُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يُقَالُ لَهُ عبد الله بن شرحبيل، وَهُوَ مِنْ ذِي أَصْبَحَ مِنْ حِمْيَرَ، فَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ وَسَأَلَهُ عَنِ الرَّأْيِ فِيهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ قَوْلِ شرحبيل. فَقَالَ لَهُ الْأَسْقُفُ: تَنَحَّ فَاجْلِسْ، فَتَنَحَّى، فَجَلَسَ نَاحِيَةً، فَبَعَثَ الْأُسْقُفُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يُقَالُ لَهُ جبار بن فيض من بني الحارث بن كعب، فَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ وَسَأَلَهُ عَنِ الرَّأْيِ فِيهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ قَوْلِ شرحبيل وعبد الله، فَأَمَرَهُ الْأُسْقُفُ فَتَنَحَّى. فَلَمَّا اجْتَمَعَ الرَّأْيُ مِنْهُمْ عَلَى تِلْكَ الْمَقَالَةِ جَمِيعًا، أَمَرَ الْأُسْقُفُ بِالنَّاقُوسِ فَضُرِبَ بِهِ وَرُفِعَتِ الْمُسُوحُ فِي الصَّوَامِعِ، وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ إِذَا فَزِعُوا بِالنَّهَارِ، وَإِذَا كَانَ فَزَعُهُمْ بِاللَّيْلِ ضُرِبَ النَّاقُوسُ، وَرُفِعَتِ النِّيرَانُ فِي الصَّوَامِعِ، فَاجْتَمَعَ - حِينَ ضُرِبَ بِالنَّاقُوسِ وَرُفِعَتِ الْمُسُوحُ - أَهْلُ الْوَادِي أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ، وَطُولُ الْوَادِي مَسِيرَةُ يَوْمٍ لِلرَّاكِبِ السَّرِيعِ، وَفِيهِ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ قَرْيَةً، وَعِشْرُونَ وَمِائَةَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَسَأَلَهُمْ عَنِ الرَّأْيِ فِيهِ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُ أَهْلِ الْوَادِي مِنْهُمْ عَلَى أَنْ يَبْعَثُوا شرحبيل بن وداعة الهمداني، وعبد الله بن شرحبيل، وجبار بن فيض الحارثي، فَيَأْتُوهُمْ بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَانْطَلَقَ الْوَفْدُ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْمَدِينَةِ، وَضَعُوا ثِيَابَ السَّفَرِ عَنْهُمْ، وَلَبِسُوا حُلَلًا لَهُمْ يَجُرُّونَهَا مِنَ الْحِبَرَةِ، وَخَوَاتِيمَ الذَّهَبِ، ثُمَّ انْطَلَقُوا حَتَّى أَتَوْا

стр. 1459

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ ﵈، وَتَصَدَّوْا لِكَلَامِهِ نَهَارًا طَوِيلًا، فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ، وَعَلَيْهِمْ تِلْكَ الْحُلَلُ وَالْخَوَاتِيمُ الذَّهَبُ، فَانْطَلَقُوا يَتْبَعُونَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَكَانَا مَعْرِفَةً لَهُمْ، كَانَا يُخْرِجَانِ الْعِيرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى نَجْرَانَ، فَيُشْتَرَى لَهُمَا مِنْ بُرِّهَا وَثَمَرِهَا وَذُرَتِهَا، فَوَجَدُوهُمَا فِي نَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالُوا: يَا عثمان، وَيَا عبد الرحمن، إِنَّ نَبِيَّكُمْ كَتَبَ إِلَيْنَا بِكِتَابٍ، فَأَقْبَلْنَا مُجِيبِينَ لَهُ، فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا سَلَامَنَا، وَتَصَدَّيْنَا لِكَلَامِهِ نَهَارًا طَوِيلًا، فَأَعْيَانَا أَنْ يُكَلِّمَنَا، فَمَا الرَّأْيُ مِنْكُمَا، أَنَعُودُ؟ فَقَالَا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ فِي الْقَوْمِ: مَا تَرَى يَا أبا الحسن فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؟ فَقَالَ علي لعثمان وعبد الرحمن ﵄: أَرَى أَنْ يَضَعُوا حُلَلَهُمْ هَذِهِ وَخَوَاتِيمَهُمْ، وَيَلْبَسُوا ثِيَابَ سَفَرِهِمْ، ثُمَّ يَأْتُوا إِلَيْهِ، فَفَعَلَ الْوَفْدُ ذَلِكَ، فَوَضَعُوا حُلَلَهُمْ وَخَوَاتِيمَهُمْ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، فَرَدَّ سَلَامَهُمْ، ثُمَّ سَأَلَهُمْ وَسَأَلُوهُ، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ وَبِهِمُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى قَالُوا لَهُ: «مَا تَقُولُ فِي عِيسَى ﵇؟ فَإِنَّا نَرْجِعُ إِلَى قَوْمِنَا وَنَحْنُ نَصَارَى، فَيَسُرُّنَا إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا أَنْ نَعْلَمَ مَا تَقُولُ فِيهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا عِنْدِي فِيهِ شَيْءٌ يَوْمِي هَذَا، فَأَقِيمُوا حَتَّى أُخْبِرَكُمْ بِمَا يُقَالُ لِي فِي عِيسَى ﵇ فَأَصْبَحَ الْغَدُ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ - الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ - فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦١] ) [آلِ عِمْرَانَ: ٥٩ - ٦١] ، فَأَبَوْا أَنْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ» ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغَدَ بَعْدَمَا أَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، أَقْبَلَ مُشْتَمِلًا عَلَى الحسن والحسين ﵄ فِي خَمِيلٍ لَهُ، وفاطمة ﵂ تَمْشِي عِنْدَ ظَهْرِهِ لِلْمُبَاهَلَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ عِدَّةُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ شرحبيل لِصَاحِبَيْهِ: يَا عبد الله بن شرحبيل، وَيَا جبار بن فيض، قَدْ عَلِمْتُمَا أَنَّ الْوَادِيَ إِذَا اجْتَمَعَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ

стр. 1460

لَمْ يَرِدُوا وَلَمْ يَصْدُرُوا إِلَّا عَنْ رَأْيِي، وَإِنِّي وَاللَّهِ أَرَى أَمْرًا مُقْبِلًا، وَأَرَى وَاللَّهِ إِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ مَلِكًا مَبْعُوثًا، فَكُنَّا أَوَّلَ الْعَرَبِ طَعَنَ فِي عَيْنِهِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ أَمْرَهُ لَا يَذْهَبُ لَنَا مِنْ صَدْرِهِ، وَلَا مِنْ صُدُورِ قَوْمِهِ حَتَّى يُصِيبُونَا بِجَائِحَةٍ، وَإِنَّا أَدْنَى الْعَرَبِ مِنْهُمْ جِوَارًا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ نَبِيًّا مُرْسَلًا فَلَاعَنَّاهُ، فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنَّا شَعْرَةٌ وَلَا ظُفْرٌ إِلَّا هَلَكَ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبَاهُ: فَمَا الرَّأْيُ فَقَدْ وَضَعَتْكَ الْأُمُورُ عَلَى ذِرَاعٍ، فَهَاتِ رَأْيَكَ؟ فَقَالَ: رَأْيِي أَنْ أُحَكِّمَهُ، فَإِنِّي أَرَى رَجُلًا لَا يَحْكُمُ شَطَطًا أَبَدًا. فَقَالَا لَهُ: أَنْتَ وَذَاكَ. فَلَقِيَ شرحبيل رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ خَيْرًا مِنْ مُلَاعَنَتِكَ، فَقَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ شرحبيل: حُكْمُكَ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَيْلَتَكَ إِلَى الصَّبَاحِ، فَمَهْمَا حَكَمْتَ فِينَا، فَهُوَ جَائِزٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَعَلَّ وَرَاءَكَ أَحَدًا يُثَرِّبُ عَلَيْكَ، فَقَالَ لَهُ شرحبيل: سَلْ صَاحِبَيَّ، فَسَأَلَهُمَا فَقَالَا: مَا يَرِدُ الْوَادِي وَلَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ رَأْيِ شرحبيل. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كَافِرٌ "، أَوْ قَالَ " جَاحِدٌ مُوَفَّقٌ) . فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُلَاعِنْهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَوْهُ، فَكَتَبَ لَهُمْ فِي الْكِتَابِ: ( «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا كَتَبَ مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ رَسُولُ اللَّهِ لِنَجْرَانَ إِذْ كَانَ عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ فِي كُلِّ ثَمَرَةٍ، وَفِي كُلِّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ وَسَوْدَاءَ وَرَقِيقٍ، فَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ وَتَرَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ، فِي كُلِّ رَجَبٍ أَلْفُ حُلَّةٍ، وَفِي كُلِّ صَفَرٍ أَلْفُ حُلَّةٍ، وَكُلُّ حُلَّةٍ أُوقِيَّةٌ، مَا زَادَتْ عَلَى الْخَرَاجِ أَوْ نَقَصَتْ عَلَى الْأَوَاقِيِ فَبِحِسَابٍ، وَمَا قَضَوْا مِنْ دُرُوعٍ أَوْ خَيْلٍ أَوْ رِكَابٍ أَوْ عَرَضٍ أُخِذَ مِنْهُمْ بِحِسَابٍ، وَعَلَى نَجْرَانَ مُثْوَاةُ رُسُلِي، وَمُتْعَتُهُمْ بِهَا عِشْرِينَ فَدُونَهُ، وَلَا يُحْبَسُ رَسُولٌ فَوْقَ شَهْرٍ، وَعَلَيْهِمْ عَارِيَةٌ ثَلَاثِينَ دِرْعًا، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا، إِذَا كَانَ كَيْدٌ بِالْيَمَنِ وَمَغْدَرَةٌ، وَمَا هَلَكَ مِمَّا أَعَارُوا رَسُولِي مِنْ دُرُوعٍ، أَوْ خَيْلٍ، أَوْ رِكَابٍ، فَهُوَ ضَمَانٌ عَلَى رَسُولِي حَتَّى

стр. 1461

يُؤَدِّيَهُ إِلَيْهِمْ، وَلِنَجْرَانَ وَحَسْبُهَا جِوَارُ اللَّهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ وَأَرْضِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَغَائِبِهِمْ وَشَاهِدِهِمْ، وَعَشِيرَتِهِمْ وَتَبَعِهِمْ، وَأَنْ لَا يُغَيِّرُوا مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ، وَلَا يُغَيَّرُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِمْ وَلَا مِلَّتِهِمْ، وَلَا يُغَيَّرُ أُسْقُفٌ مِنْ أُسْقُفِيَّتِهِ، وَلَا رَاهِبٌ مِنْ رَهْبَانِيَّتِهِ، وَلَا وَافِهٍ عَنْ وَفَهِيَّتِهِ، وَكُلُّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ رِيبَةٌ وَلَا دَمُ جَاهِلِيَّةٍ، وَلَا يُحْشَرُونَ، وَلَا يُعَشَّرُونَ، وَلَا يَطَأُ أَرْضَهُمْ جَيْشٌ، وَمَنْ سَأَلَ مِنْهُمْ حَقًّا فَبَيْنَهُمُ النِّصْفُ غَيْرَ ظَالِمِينَ وَلَا مَظْلُومِينَ، وَمَنْ أَكَلَ رِبًا مِنْ ذِي قَبْلُ، فَذِمَّتِي مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَلَا يُؤْخَذُ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِظُلْمِ آخَرَ، وَعَلَى مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ جِوَارُ اللَّهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ مَا نَصَحُوا وَأَصْلَحُوا فِيمَا عَلَيْهِمْ غَيْرَ مُنْقَلِبِينَ بِظُلْمٍ» ) شَهِدَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف، والأقرع بن حابس الحنظلي، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَكُتِبَ: حَتَّى إِذَا قَبَضُوا كِتَابَهُمْ، انْصَرَفُوا إِلَى نَجْرَانَ، فَتَلَقَّاهُمُ الْأُسْقُفُ وَوُجُوهُ نَجْرَانَ عَلَى مَسِيرَةِ لَيْلَةٍ، وَمَعَ الْأَسْقُفِ أَخٌ لَهُ مِنْ أُمِّهِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ مِنَ النَّسَبِ، يُقَالُ لَهُ: بشر بن معاوية، وكنيته أبو علقمة، فَدَفَعَ الْوَفْدُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْأُسْقُفِ، فَبَيْنَا هُوَ يَقْرَؤُهُ، وأبو علقمة مَعَهُ وَهُمَا يَسِيرَانِ إِذْ كَبَتْ بِبِشْرٍ نَاقَتُهُ، فَتَعَّسَ بِشْرٌ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُكَنِّي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ الْأَسْقُفُ عِنْدَ ذَلِكَ: قَدْ تَعَّسْتَ وَاللَّهِ نَبِيًّا مُرْسَلًا، فَقَالَ بِشْرٌ: لَا جَرَمَ وَاللَّهِ لَا أَحُلُّ عَنْهَا عُقَدًا حَتَّى آتِيَهُ، فَضَرَبَ وَجْهَ نَاقَتِهِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ، وَثَنَى الْأُسْقُفُ نَاقَتَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: افْهَمْ عَنِّي إِنَّمَا قُلْتُ هَذَا لِتُبَلِّغَ عَنِّي الْعَرَبَ مَخَافَةَ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّا أُخِذْنَا حُمْقَةً، أَوْ نَخَعْنَا لِهَذَا الرَّجُلِ بِمَا لَمْ تَنْخَعْ بِهِ الْعَرَبُ، وَنَحْنُ أَعَزُّهُمْ وَأَجْمَعُهُمْ دَارًا، فَقَالَ لَهُ بِشْرٌ: لَا وَاللَّهِ لَا أُقِيلُكَ مَا خَرَجَ مِنْ رَأْسِكَ أَبَدًا، فَضَرَبَ بِشْرٌ نَاقَتَهُ، وَهُوَ مُوَلٍّ ظَهْرَهُ لِلْأُسْقُفِ وَهُوَ يَقُولُ:

стр. 1462

إِلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا ... مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يَزَلْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى اسْتُشْهِدَ أبو علقمة بَعْدَ ذَلِكَ. وَدَخَلَ الْوَفْدُ نَجْرَانَ، فَأَتَى الرَّاهِبُ ابن أبي شمر الزبيدي، وَهُوَ فِي رَأْسِ صَوْمَعَةٍ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ نَبِيًّا قَدْ بُعِثَ بِتِهَامَةَ، وَإِنَّهُ كَتَبَ إِلَى الْأُسْقُفِ، فَأَجْمَعَ أَهْلُ الْوَادِي أَنْ يُسَيِّرُوا إِلَيْهِ شرحبيل بن وداعة، وعبد الله بن شرحبيل، وجبار بن فيض، فَيَأْتُونَهُمْ بِخَبَرِهِ، فَسَارُوا حَتَّى أَتَوْهُ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ، فَكَرِهُوا مُلَاعَنَتَهُ، وَحَكَّمَهُ شرحبيل فَحَكَمَ عَلَيْهِمْ حُكْمًا، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا، ثُمَّ أَقْبَلَ الْوَفْدُ بِالْكِتَابِ حَتَّى دَفَعُوهُ إِلَى الْأُسْقُفِ، فَبَيْنَا الْأُسْقُفُ يَقْرَؤُهُ وَبِشْرٌ مَعَهُ حَتَّى كَبَتْ بِبِشْرٍ نَاقَتُهُ فَتَعَّسَهُ، فَشَهِدَ الْأُسْقُفُ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، فَانْصَرَفَ أبو علقمة نَحْوَهُ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ، فَقَالَ الرَّاهِبُ: أَنْزِلُونِي وَإِلَّا رَمَيْتُ بِنَفْسِي مِنْ هَذِهِ الصَّوْمَعَةِ، فَأَنْزَلُوهُ، فَانْطَلَقَ الرَّاهِبُ بِهَدِيَّةٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مِنْهَا هَذَا الْبُرْدُ الَّذِي يَلْبَسُهُ الْخُلَفَاءُ وَالْقَعْبُ وَالْعَصَا، وَأَقَامَ الرَّاهِبُ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْمَعُ كَيْفَ يَنْزِلُ الْوَحْيُ وَالسُّنَنُ وَالْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ، وَأَبَى اللَّهُ لِلرَّاهِبِ الْإِسْلَامَ فَلَمْ يُسْلِمْ، وَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الرَّجْعَةِ إِلَى قَوْمِهِ، وَقَالَ: إِنَّ لِي حَاجَةً وَمَعَادًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَلَمْ يَعُدْ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَإِنَّ الْأُسْقُفَ أبا الحارث أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ السَّيِّدُ وَالْعَاقِبُ وَوُجُوهُ قَوْمِهِ، وَأَقَامُوا عِنْدَهُ يَسْتَمِعُونَ مَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ لِلْأُسْقُفِ هَذَا الْكِتَابَ، وَلِلْأَسَاقِفَةِ بِنَجْرَانَ بَعْدَهُ: ( «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ إِلَى الْأُسْقُفِ أبي الحارث وَأَسَاقِفَةِ نَجْرَانَ وَكَهَنَتِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ، وَأَهْلِ بِيَعِهِمْ وَرَقِيقِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ وَسُوقَتِهِمْ، وَعَلَى كُلِّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، جِوَارُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لَا يُغَيَّرُ أُسْقُفٌ مِنْ أُسْقُفَتِهِ وَلَا رَاهِبٌ مِنْ رَهْبَانِيَّتِهِ، وَلَا كَاهِنٌ مِنْ كَهَانَتِهِ، وَلَا يُغَيَّرُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِمْ وَلَا سُلْطَانِهِمْ، وَلَا مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ عَلَى ذَلِكَ جِوَارُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَبَدًا مَا نَصَحُوا وَأَصْلَحُوا عَلَيْهِمْ، غَيْرَ مُنْقَلِبِينَ بِظَالِمٍ، وَلَا ظَالِمِينَ» ) . وَكَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَلَمَّا قَبَضَ الْأُسْقُفُ الْكِتَابَ، اسْتَأْذَنَ فِي الِانْصِرَافِ إِلَى

стр. 1463

قَوْمِهِ وَمَنْ مَعَهُ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَانْصَرَفُوا. وَرَوَى البيهقي بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، «أَنَّ السَّيِّدَ وَالْعَاقِبَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَرَادَ أَنْ يُلَاعِنَهُمَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَا تُلَاعِنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنْتَهُ لَا نُفْلِحُ نَحْنُ، وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا، قَالُوا لَهُ: نُعْطِيَكَ مَا سَأَلْتَ، فَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا، وَلَا تَبْعَثْ مَعَنَا إِلَّا أَمِينًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (" لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ "، فَاسْتَشْرَفَ لَهَا أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: " قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ "، فَلَمَّا قَامَ، قَالَ: " هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ» ) . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ حذيفة بِنَحْوِهِ. وَفِي " صَحِيحِ مسلم " مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى نَجْرَانَ، فَقَالُوا فِيمَا قَالُوا: أَرَأَيْتَ مَا يَقْرَءُونَ (يَا أُخْتَ هَارُونَ) ، وَقَدْ كَانَ بَيْنَ عِيسَى وَمُوسَى مَا قَدْ عَلِمْتُمْ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: (أَفَلَا أَخْبَرْتَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ - بِأَسْمَاءِ أَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُمْ» ) . وَرُوِّينَا عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ لِيَجْمَعَ صَدَقَاتِهِمْ، وَيَقْدَمَ عَلَيْهِ بِجِزْيَتِهِمْ.» [فَصْلٌ فِي فِقْهِ هَذِهِ الْقِصَّةِ] فَفِيهَا: جَوَازُ دُخُولِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَسَاجِدَ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 1464

وَفِيهَا: تَمْكِينُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَلَاتِهِمْ بِحَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَفِي مَسَاجِدِهِمْ أَيْضًا إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَارِضًا، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنَ اعْتِيَادِ ذَلِكَ. وَفِيهَا: أَنَّ إِقْرَارَ الْكَاهِنِ الْكِتَابِيِّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ لَا يُدْخِلُهُ فِي الْإِسْلَامِ مَا لَمْ يَلْتَزِمْ طَاعَتَهُ وَمُتَابَعَتَهُ، فَإِذَا تَمَسَّكَ بِدِينِهِ بَعْدَ هَذَا الْإِقْرَارِ لَا يَكُونُ رِدَّةً مِنْهُ، وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُ الْحَبْرَيْنِ لَهُ، وَقَدْ سَأَلَاهُ عَنْ ثَلَاثِ مَسَائِلَ، فَلَمَّا أَجَابَهُمَا «، قَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ قَالَ: (فَمَا يَمْنَعُكُمَا مِنَ اتِّبَاعِي؟) ، قَالَا: نَخَافُ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ،» وَلَمْ يُلْزِمْهُمَا بِذَلِكَ الْإِسْلَامَ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ شَهَادَةُ عَمِّهِ أبي طالب لَهُ بِأَنَّهُ صَادِقٌ، وَأَنَّ دِينَهُ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينًا، وَلَمْ تُدْخِلْهُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ فِي الْإِسْلَامِ. وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا فِي السِّيَرِ وَالْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ مِنْ شَهَادَةِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ لَهُ ﷺ بِالرِّسَالَةِ، وَأَنَّهُ صَادِقٌ، فَلَمْ تُدْخِلْهُمْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ فِي الْإِسْلَامِ، عَلِمَ أَنَّ الْإِسْلَامَ أَمْرٌ وَرَاءَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْمَعْرِفَةَ فَقَطْ، وَلَا الْمَعْرِفَةَ وَالْإِقْرَارَ فَقَطْ، بَلِ الْمَعْرِفَةُ وَالْإِقْرَارُ وَالِانْقِيَادُ وَالْتِزَامُ طَاعَتِهِ وَدِينِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ فِي الْكَافِرِ إِذَا قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَلَمْ يَزِدْ، هَلْ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِذَلِكَ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، وَهِيَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، إِحْدَاهَا: يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِذَلِكَ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُقِرًّا بِالتَّوْحِيدِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ اسْتِيفَاءِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ إِشَارَةً، وَأَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ نَبِيًّا يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ، وَلَا يَشُكُّ عُلَمَاؤُهُمْ فِي أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الدَّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ رِئَاسَتُهُمْ عَلَى قَوْمِهِمْ وَخُضُوعُهُمْ لَهُمْ، وَمَا يَنَالُونَهُ مِنْهُمْ مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ. وَمِنْهَا: جَوَازُ مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمُنَاظَرَتِهِمْ، بَلِ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ، بَلْ وُجُوبُهُ إِذَا ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهُ مِنْ إِسْلَامِ مَنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ مِنْهُمْ، وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ

стр. 1465

عَلَيْهِمْ وَلَا يَهْرُبُ مِنْ مُجَادَلَتِهِمْ إِلَّا عَاجِزٌ عَنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ، فَلْيُوَلِّ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِهِ، وَلْيُخَلِّ بَيْنَ الْمَطِيِّ وَحَادِيهَا، وَالْقَوْسِ وَبَارِيهَا، وَلَوْلَا خَشْيَةُ الْإِطَالَةِ لَذَكَرْنَا مِنَ الْحُجَجِ الَّتِي تُلْزِمُ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ الْإِقْرَارَ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ، وَبِمَا يَعْتَقِدُونَهُ بِمَا لَا يُمْكِنُهُمْ دَفْعُهُ مَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةِ طَرِيقٍ، وَنَرْجُو مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِفْرَادَهَا بِمُصَنَّفٍ مُسْتَقِلٍّ. وَدَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ بَعْضِ عُلَمَائِهِمْ مُنَاظَرَةٌ فِي ذَلِكَ، فَقُلْتُ لَهُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ: وَلَا يَتِمُّ لَكُمُ الْقَدْحُ فِي نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ إِلَّا بِالطَّعْنِ فِي الرَّبِّ تَعَالَى وَالْقَدْحِ فِيهِ، وَنِسْبَتِهِ إِلَى أَعْظَمِ الظُّلْمِ وَالسَّفَهِ وَالْفَسَادِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ كَيْفَ يَلْزَمُنَا ذَلِكَ؟ قُلْتُ: بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ، لَا يَتِمُّ لَكُمْ ذَلِكَ إِلَّا بِجُحُودِهِ وَإِنْكَارِ وُجُودِهِ تَعَالَى، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُحَمَّدٌ عِنْدَكُمْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ صَادِقٍ، وَهُوَ بِزَعْمِكُمْ مَلِكٌ ظَالِمٌ، فَقَدْ تَهَيَّأَ لَهُ أَنْ يَفْتَرِيَ عَلَى اللَّهِ، وَيَتَقَوَّلَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ، ثُمَّ يُتِمُّ لَهُ ذَلِكَ، وَيَسْتَمِرُّ حَتَّى يُحَلِّلَ وَيُحَرِّمَ، وَيَفْرِضَ الْفَرَائِضَ، وَيُشَرِّعَ الشَّرَائِعَ، وَيَنْسَخَ الْمِلَلَ، وَيَضْرِبَ الرِّقَابَ، وَيَقْتُلَ أَتْبَاعَ الرُّسُلِ، وَهُمْ أَهْلُ الْحَقِّ، وَيَسْبِيَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ، وَيَغْنَمَ أَمْوَالَهُمْ وَدِيَارَهُمْ، وَيُتِمُّ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَفْتَحَ الْأَرْضَ، وَيَنْسُبَ ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِهِ وَمَحَبَّتِهِ لَهُ، وَالرَّبُّ تَعَالَى يُشَاهِدُهُ، وَمَا يَفْعَلُ بِأَهْلِ الْحَقِّ وَأَتْبَاعِ الرُّسُلِ، وَهُوَ مُسْتَمِرٌّ فِي الِافْتِرَاءِ عَلَيْهِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ يُؤَيِّدُهُ وَيَنْصُرُهُ، وَيُعْلِي أَمْرَهُ، وَيُمَكِّنُ لَهُ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ الْخَارِجَةِ عَنْ عَادَةِ الْبَشَرِ، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُجِيبُ دَعَوَاتِهِ، وَيُهْلِكُ أَعْدَاءَهُ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ مِنْهُ نَفْسِهِ وَلَا سَبَبٍ، بَلْ تَارَةً بِدُعَائِهِ، وَتَارَةً يَسْتَأْصِلُهُمْ سُبْحَانَهُ مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ مِنْهُ ﷺ . وَمَعَ ذَلِكَ يَقْضِي لَهُ كُلَّ حَاجَةٍ سَأَلَهُ إِيَّاهَا، وَيَعِدُهُ كُلَّ وَعْدٍ جَمِيلٍ، ثُمَّ يُنْجِزُ لَهُ وَعْدَهُ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ وَأَهْنَئِهَا وَأَكْمَلِهَا، هَذَا وَهُوَ عِنْدَكُمْ فِي غَايَةِ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ وَالظُّلْمِ، فَإِنَّهُ لَا أَكْذَبَ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا أَظْلَمَ مِمَّنْ أَبْطَلَ شَرَائِعَ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَسَعَى فِي رَفْعِهَا مِنَ الْأَرْضِ، وَتَبْدِيلِهَا بِمَا يُرِيدُ هُوَ، وَقَتَلَ أَوْلِيَاءَهُ وَحِزْبَهُ وَأَتْبَاعَ رُسُلِهِ، وَاسْتَمَرَّتْ نُصْرَتُهُ عَلَيْهِمْ دَائِمًا، وَاللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ كُلِّهِ

стр. 1466

يُقِرُّهُ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ بِالْيَمِينِ، وَلَا يَقْطَعُ مِنْهُ الْوَتِينَ، وَهُوَ يُخْبِرُ عَنْ رَبِّهِ أَنَّهُ أَوْحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا ﴿أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] [الْأَنْعَامِ: ٩٣] ، فَيَلْزَمُكُمْ مَعَاشِرَ مَنْ كَذَّبَهُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ لَا بُدَّ لَكُمْ مِنْهُمَا: إِمَّا أَنْ تَقُولُوا: لَا صَانِعَ لِلْعَالَمِ، وَلَا مُدَبِّرَ، وَلَوْ كَانَ لِلْعَالَمِ صَانِعٌ مُدَبِّرٌ قَدِيرٌ حَكِيمٌ، لَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ، وَلَقَابَلَهُ أَعْظَمَ مُقَابَلَةٍ، وَجَعَلَهُ نَكَالًا لِلظَّالِمِينَ، إِذْ لَا يَلِيقُ بِالْمُلُوكِ غَيْرُ هَذَا، فَكَيْفَ بِمَلِكِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ؟ . الثَّانِي: نِسْبَةُ الرَّبِّ إِلَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الْجَوْرِ وَالسَّفَهِ وَالظُّلْمِ وَإِضْلَالِ الْخَلْقِ دَائِمًا أَبَدَ الْآبَادِ، لَا، بَلْ نُصْرَةُ الْكَاذِبِ وَالتَّمْكِينُ لَهُ مِنَ الْأَرْضِ، وَإِجَابَةُ دَعَوَاتِهِ، وَقِيَامُ أَمْرِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَإِعْلَاءُ كَلِمَاتِهِ دَائِمًا، وَإِظْهَارُ دَعْوَتِهِ، وَالشَّهَادَةُ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ فِي كُلِّ مَجْمَعٍ وَنَادٍ، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ فِعْلِ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ، وَأَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ، فَلَقَدْ قَدَحْتُمْ فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ أَعْظَمَ قَدْحٍ، وَطَعَنْتُمْ فِيهِ أَشَدَّ طَعْنٍ، وَأَنْكَرْتُمُوهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْكَذَّابِينَ قَامَ فِي الْوُجُودِ، وَظَهَرَتْ لَهُ شَوْكَةٌ، وَلَكِنْ لَمْ يَتِمَّ لَهُ أَمْرُهُ، وَلَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ، بَلْ سَلَّطَ عَلَيْهِ رُسُلَهُ وَأَتْبَاعَهُمْ فَمَحَقُوا أَثَرَهُ، وَقَطَعُوا دَابِرَهُ، وَاسْتَأْصَلُوا شَأْفَتَهُ. هَذِهِ سُنَّتُهُ فِي عِبَادِهِ مُنْذُ قَامَتِ الدُّنْيَا وَإِلَى أَنْ يَرِثَ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا. فَلَمَّا سَمِعَ مِنِّي هَذَا الْكَلَامَ، قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَقُولَ إِنَّهُ ظَالِمٌ أَوْ كَاذِبٌ، بَلْ كُلُّ مُنْصِفٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يُقِرُّ بِأَنَّ مَنْ سَلَكَ طَرِيقَهُ، وَاقْتَفَى أَثَرَهُ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّجَاةِ وَالسَّعَادَةِ فِي الْأُخْرَى. قُلْتُ لَهُ: فَكَيْفَ يَكُونُ سَالِكُ طَرِيقِ الْكَذَّابِ، وَمُقْتَفِي أَثَرِهِ بِزَعْمِكُمْ مِنْ أَهْلِ النَّجَاةِ وَالسَّعَادَةِ؟ فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنَ الِاعْتِرَافِ بِرِسَالَتِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ. قُلْتُ: فَقَدْ لَزِمَكَ تَصْدِيقَهُ، وَلَا بُدَّ وَهُوَ قَدْ تَوَاتَرَتْ عَنْهُ الْأَخْبَارُ بِأَنَّهُ رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَى النَّاسِ أَجْمَعِينَ، كِتَابِيِّهِمْ وَأُمِّيِّهِمْ، وَدَعَا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَى دِينِهِ

стр. 1467

وَقَاتَلَ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي دِينِهِ مِنْهُمْ حَتَّى أَقَرُّوا بِالصَّغَارِ وَالْجِزْيَةِ، فَبُهِتَ الْكَافِرُ، وَنَهَضَ مِنْ فَوْرِهِ. وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ فِي جِدَالِ الْكُفَّارِ عَلَى اخْتِلَافِ مِلَلِهِمْ وَنِحَلِهِمْ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَقَدْ أَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِجِدَالِهِمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فِي السُّورَةِ الْمَكِّيَّةِ وَالْمَدَنِيَّةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ بَعْدَ ظُهُورِ الْحُجَّةِ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ، وَبِهَذَا قَامَ الدِّينُ، وَإِنَّمَا جُعِلَ السَّيْفُ نَاصِرًا لِلْحُجَّةِ، وَأَعْدَلُ السُّيُوفِ سَيْفٌ يَنْصُرُ حُجَجَ اللَّهِ وَبَيِّنَاتِهِ، وَهُوَ سَيْفُ رَسُولِهِ وَأُمَّتِهِ. [فَصْلٌ مَنْ عَظَّمَ مَخْلُوقًا بِحَيْثُ أَخْرَجَهُ عَنْ مَنْزِلَةِ الْعُبُودِيَّةِ الْمَحْضَةِ فَقَدْ أَشْرَكَ] فَصْلٌ وَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ عَظَّمَ مَخْلُوقًا فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا، بِحَيْثُ أَخْرَجَهُ عَنْ مَنْزِلَةِ الْعُبُودِيَّةِ الْمَحْضَةِ، فَقَدْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ، وَعَبَدَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ دَعْوَةِ الرُّسُلِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: «إِنَّهُ ﷺ كَتَبَ إِلَى نَجْرَانَ: (بِاسْمِ إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ» ) ، فَلَا أَظُنُّ ذَلِكَ مَحْفُوظًا، وَقَدْ «كَتَبَ إِلَى هرقل: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» ) ، وَهَذِهِ كَانَتْ سُنَّتَهُ فِي كُتُبِهِ إِلَى الْمُلُوكِ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ هَذَا، وَقَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ١] [النَّمْلِ: ١] ، وَذَلِكَ غَلَطٌ عَلَى غَلَطٍ، فَإِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ بِاتِّفَاقٍ، وَكِتَابُهُ إِلَى نَجْرَانَ بَعْدَ مَرْجِعِهِ مِنْ تَبُوكَ. وَفِيهَا: جَوَازُ إِهَانَةِ رُسُلِ الْكُفَّارِ، وَتَرْكِ كَلَامِهِمْ إِذَا ظَهَرَ مِنْهُمُ التَّعَاظُمُ وَالتَّكَبُّرُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُكَلِّمِ الرُّسُلَ، وَلَمْ يَرُدَّ السَّلَامَ عَلَيْهِمْ حَتَّى لَبِسُوا ثِيَابَ سَفَرِهِمْ، وَأَلْقَوْا حُلَلَهُمْ وَحُلَاهُمْ. وَمِنْهَا: أَنَّ السُّنَّةَ فِي مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْبَاطِلِ إِذَا قَامَتْ عَلَيْهِمْ حُجَّةُ اللَّهِ، وَلَمْ يَرْجِعُوا، بَلْ أَصَرُّوا عَلَى الْعِنَادِ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ رَسُولَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِأُمَّتِكَ مِنْ بَعْدِكَ، وَدَعَا إِلَيْهِ ابْنُ عَمِّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ لِمَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ بَعْضَ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ

стр. 1468

وَدَعَا إِلَيْهِ الْأَوْزَاعِيُّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ فِي مَسْأَلَةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ، وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَهَذَا مِنْ تَمَامِ الْحُجَّةِ. وَمِنْهَا: جَوَازُ صُلْحِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى مَا يُرِيدُ الْإِمَامُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَمِنَ الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا، وَيُجْرَى ذَلِكَ مَجْرَى ضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُفْرِدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِجِزْيَةٍ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَالُ جِزْيَةً عَلَيْهِمْ يَقْتَسِمُونَهَا كَمَا أَحَبُّوا، وَلَمَّا بَعَثَ معاذا إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرِيًّا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّ أَهْلَ نَجْرَانَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُسْلِمٌ، وَكَانُوا أَهْلَ صُلْحٍ، وَأَمَّا الْيَمَنُ فَكَانَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ فِيهِمْ يَهُودُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَضْرِبَ الْجِزْيَةَ عَلَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَالْفُقَهَاءُ يَخُصُّونَ الْجِزْيَةَ بِهَذَا الْقِسْمِ دُونَ الْأَوَّلِ، وَكِلَاهُمَا جِزْيَةٌ، فَإِنَّهُ مَالٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ فِي كُلِّ عَامٍ. مِنْهَا: جَوَازُ ثُبُوتِ الْحُلَلِ فِي الذِّمَّةِ، كَمَا تَثْبُتُ فِي الدِّيَةِ أَيْضًا، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ ثُبُوتُهَا فِي الذِّمَّةِ بِعَقْدِ السَّلَمِ وَبِالضَّمَانِ وَبِالتَّلَفِ، كَمَا تَثْبُتُ فِيهَا بِعَقْدِ الصَّدَاقِ وَالْخُلْعِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ مُعَاوَضَتُهُمْ عَلَى مَا صَالَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ بِغَيْرِهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِحِسَابِهِ. وَمِنْهَا: اشْتِرَاطُ الْإِمَامِ عَلَى الْكُفَّارِ أَنْ يُؤْوُوا رُسُلَهُ وَيُكْرِمُوهُمْ، وَيُضَيِّفُوهُمْ أَيَّامًا مَعْدُودَةً. وَمِنْهَا: جَوَازُ اشْتِرَاطِهِ عَلَيْهِمْ عَارِيَةَ مَا يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِ مِنْ سِلَاحٍ، أَوْ مَتَاعٍ، أَوْ حَيَوَانٍ، وَأَنَّ تِلْكَ الْعَارِيَةَ مَضْمُونَةٌ، لَكِنْ هَلْ هِيَ مَضْمُونَةٌ بِالشَّرْطِ أَوْ بِالشَّرْعِ؟ هَذَا مُحْتَمَلٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، وَقَدْ صَرَّحَ هَاهُنَا بِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ بِالرَّدِّ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِضَمَانِ التَّلَفِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُقِرُّ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى الْمُعَامَلَاتِ الرَّبَوِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا حَرَامٌ فِي دِينِهِمْ، وَهَذَا كَمَا لَا يُقِرُّهُمْ عَلَى السُّكْرِ، وَلَا عَلَى اللُّوَاطِ وَالزِّنَى، بَلْ يَحُدُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ.

стр. 1469

وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ رَجُلٌ مِنَ الْكُفَّارِ بِظُلْمِ آخَرَ، كَمَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ، وَكِلَاهُمَا ظُلْمٌ. وَمِنْهَا: أَنَّ عَقْدَ الْعَهْدِ وَالذِّمَّةِ مَشْرُوطٌ بِنُصْحِ أَهْلِ الْعَهْدِ وَالذِّمَّةِ وَإِصْلَاحِهِمْ، فَإِذَا غَشُّوا الْمُسْلِمِينَ وَأَفْسَدُوا فِي دِينِهِمْ فَلَا عَهْدَ لَهُمْ وَلَا ذِمَّةَ، وَبِهَذَا أَفْتَيْنَا نَحْنُ وَغَيْرُنَا فِي انْتِقَاضِ عَهْدِهِمْ لَمَّا حَرَقُوا الْحَرِيقَ الْعَظِيمَ فِي دِمَشْقَ حَتَّى سَرَى إِلَى الْجَامِعِ، وَبِانْتِقَاضِ عَهْدِ مَنْ وَاطَأَهُمْ وَأَعَانَهُمْ بِوَجْهٍ مَا، بَلْ وَمَنْ عَلِمَ ذَلِكَ وَلَمْ يَرْفَعُوا إِلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْغِشِّ وَالضَّرَرِ بِالْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. . وَمِنْهَا: بَعْثُ الْإِمَامِ الرَّجُلَ إِلَى أَهْلِ الْهُدْنَةِ فِي مَصْلَحَةِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَمِينًا، وَهُوَ الَّذِي لَا غَرَضَ لَهُ وَلَا هَوَى، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ مُجَرَّدَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لَا يَشُوبُهَا بِغَيْرِهَا، فَهَذَا هُوَ الْأَمِينُ حَقَّ الْأَمِينِ، كَحَالِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ. وَمِنْهَا: مُنَاظَرَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَجَوَابُهُمْ عَمَّا سَأَلُوهُ عَنْهُ، فَإِنْ أُشْكِلَ عَلَى الْمَسْئُولِ سَأَلَ أَهْلَ الْعِلْمِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ، وَإِلَّا لَمْ يُشْكِلْ عَلَى المغيرة قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] هَذَا وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هَارُونُ بْنُ عِمْرَانَ حَتَّى يَلْزَمَ الْإِشْكَالُ، بَلِ الْمُورِدُ ضَمَّ إِلَى هَذَا أَنَّهُ هَارُونُ بْنُ عِمْرَانَ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ حَتَّى ضَمَّ إِلَيْهِ أَنَّهُ أَخُو مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِيرَادُهُ إِيرَادٌ فَاسِدٌ وَهُوَ إِمَّا مِنْ سُوءِ الْفَهْمِ أَوْ فَسَادِ الْقَصْدِ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ لِيَجْمَعَ صَدَقَاتِهِمْ، وَيَقْدَمَ عَلَيْهِ بِجِزْيَتِهِمْ، فَقَدْ يُظَنُّ أَنَّهُ كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ وَالْجِزْيَةَ لَا تَجْتَمِعَانِ، وَأَشْكَلُ مِنْهُ مَا يَذْكُرُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ أَوْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ عَشْرٍ إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ بِنَجْرَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ

стр. 1470

ثَلَاثًا، فَإِنِ اسْتَجَابُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَقَاتِلْهُمْ. فَخَرَجَ خالد حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ فَبَعَثَ الرُّكَابَ يَضْرِبُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَيَدْعُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ النَّاسُ وَدَخَلُوا فِيمَا دَعَوْا إِلَيْهِ؛ فَأَقَامَ فِيهِمْ خالد يُعَلِّمُهُمُ الْإِسْلَامَ وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقْبِلَ، وَيُقْبِلَ إِلَيْهِ بِوَفْدِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ وَفَدُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابَ أَمْنٍ وَأَنْ لَا يُغَيِّرُوا عَنْ دِينِهِمْ وَلَا يُحْشَرُوا وَلَا يُعَشَّرُوا. وَجَوَابُ هَذَا: أَنَّ أَهْلَ نَجْرَانَ كَانُوا صِنْفَيْنِ: نَصَارَى، وَأُمِّيِّينَ، فَصَالَحَ النَّصَارَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الْأُمِّيُّونَ مِنْهُمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَأَسْلَمُوا، وَقَدِمَ وَفْدُهُمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «بِمَ كُنْتُمْ تَغْلِبُونَ مَنْ قَاتَلَكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ " قَالُوا: كُنَّا نَجْتَمِعُ وَلَا نَتَفَرَّقُ وَلَا نَبْدَأُ أَحَدًا بِظُلْمٍ. قَالَ: " صَدَقْتُمْ» ) وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ قيس بن الحصين، وَهَؤُلَاءِ هُمْ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ. فَقَوْلُهُ: بَعَثَ عليا إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ لِيَأْتِيَهُ بِصَدَقَاتِهِمْ أَوْ جِزْيَتِهِمْ أَرَادَ بِهِ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، صَدَقَاتِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ وَجِزْيَةَ النَّصَارَى. [فَصْلٌ فِي قُدُومِ رَسُولِ فَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو الْجُذَامِيِّ مَلِكِ عَرَبِ الرُّومِ] قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَبَعَثَ فروة بن عمرو الجذامي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَسُولًا بِإِسْلَامِهِ، وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَانَ فروة عَامِلًا لِلرُّومِ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْعَرَبِ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ مَعَانَ وَمَا حَوْلَهُ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فَلَمَّا بَلَغَ الرُّومَ ذَلِكَ مِنْ إِسْلَامِهِ، طَلَبُوهُ حَتَّى أَخَذُوهُ، فَحَبَسُوهُ عِنْدَهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الرُّومُ لِصَلْبِهِ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: عَفْرَاءُ بِفِلَسْطِينَ، قَالَ أَلَا هَلْ أَتَى سَلْمَى بِأَنَّ حَلِيلَهَا ... عَلَى مَاءِ عَفْرَا فَوْقَ إِحْدَى الرَّوَاحِلِ

стр. 1471

عَلَى نَاقَةٍ لَمْ يَضْرِبِ الْفَحْلُ أُمَّهَا مُشَذَّبَةً أَطْرَافُهَا بِالْمَنَاجِلِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَزَعَمَ الزُّهْرِيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا قَدَّمُوهُ لِيَقْتُلُوهُ قَالَ: بَلِّغْ سَرَاةَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّنِي ... سِلْمٌ لِرَبِّي أَعْظُمِي وَمَقَامِي ثُمَّ ضَرَبُوا عُنُقَهُ وَصَلَبُوهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ يَرْحَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى. [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي محمد بن الوليد بن نويفع، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضمام بن ثعلبة وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ فَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَعَقَلَهُ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عبد المطلب؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «أَنَا ابْنُ عبد المطلب " فَقَالَ: مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ: " نَعَمْ " فَقَالَ: يَا ابْنَ عبد المطلب إِنِّي سَائِلُكَ وَمُغْلِظٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ. فَقَالَ: " لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي، فَسَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ " فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَهَكَ وَإِلَهَ أَهْلِكَ، وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، آللَّهُ بَعَثَكَ إِلَيْنَا رَسُولًا؟ قَالَ: " اللَّهُمَّ نَعَمْ "، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَهَكَ، وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَعْبُدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ نَخْلَعَ هَذِهِ الْأَنْدَادَ الَّتِي كَانَ آبَاؤُنَا يَعْبُدُونَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اللَّهُمَّ نَعَمْ "، ثُمَّ جَعَلَ يَذْكُرُ فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ فَرِيضَةً فَرِيضَةً: الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ، وَفَرَائِضَ الْإِسْلَامِ كُلَّهَا يَنْشُدُهُ عِنْدَ كُلِّ فَرِيضَةٍ كَمَا نَشَدَهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَسَأُؤَدِّي هَذِهِ الْفَرَائِضَ، وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى بَعِيرِهِ، فَقَالَ

стр. 1472

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ وَلَّى: " إِنْ يَصْدُقْ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» ) . وَكَانَ ضمام رَجُلًا جَلْدًا أَشْعَرَ ذَا غَدِيرَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَى بَعِيرَهُ، فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: بِئْسَتِ اللَّاتُ وَالْعُزَّى، فَقَالُوا: مَهْ يَا ضمام اتَّقِ الْبَرَصَ وَالْجُنُونَ وَالْجُذَامَ. قَالَ: وَيْلَكُمْ إِنَّهُمَا مَا يَضُرَّانِ وَلَا يَنْفَعَانِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي حَاضِرَتِهِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْ ضمام بن ثعلبة وَالْقِصَّةُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أنس بِنَحْوِ هَذِهِ. وَذِكْرُ الْحَجِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قُدُومَ ضمام كَانَ بَعْدَ فَرْضِ الْحَجِّ وَهَذَا بَعِيدٌ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مُدْرَجَةٌ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي قُدُومِ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَوْمِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] رُوِّينَا فِي ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيِّ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: طارق بن عبد الله. قَالَ: إِنِّي لَقَائِمٌ بِسُوقِ الْمَجَازِ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ

стр. 1473

جُبَّةٌ لَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: ( «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا» ) وَرَجُلٌ يَتْبَعُهُ يَرْمِيهِ بِالْحِجَارَةِ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! لَا تُصَدِّقُوهُ فَإِنَّهُ كَذَّابٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا غُلَامٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا الَّذِي يَفْعَلُ بِهِ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا عَمُّهُ عبد العزى، قَالَ: فَلَمَّا أَسْلَمَ النَّاسُ وَهَاجَرُوا، خَرَجْنَا مِنَ الرَّبَذَةِ نُرِيدُ الْمَدِينَةَ نَمْتَارُ مِنْ تَمْرِهَا، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ حِيطَانِهَا وَنَخْلِهَا، قُلْنَا: لَوْ نَزَلْنَا فَلَبِسْنَا ثِيَابًا غَيْرَ هَذِهِ فَإِذَا رَجُلٌ فِي طِمْرَيْنِ لَهُ، فَسَلَّمَ وَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلَ الْقَوْمُ؟ قُلْنَا: مِنَ الرَّبَذَةِ. قَالَ: وَأَيْنَ تُرِيدُونَ؟ قُلْنَا: نُرِيدُ هَذِهِ الْمَدِينَةَ، قَالَ: مَا حَاجَتُكُمْ فِيهَا؟ قُلْنَا: نَمْتَارُ مِنْ تَمْرِهَا. قَالَ: وَمَعَنَا ظَعِينَةٌ لَنَا وَمَعَنَا جَمَلٌ أَحْمَرُ مَخْطُومٌ، فَقَالَ: أَتَبِيعُونَ جَمَلَكُمْ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ بِكَذَا وَكَذَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، قَالَ: فَمَا اسْتَوْضَعَنَا مِمَّا قُلْنَا شَيْئًا، فَأَخَذَ بِخِطَامِ الْجَمَلِ فَانْطَلَقَ، فَلَمَّا تَوَارَى عَنَّا بِحِيطَانِ الْمَدِينَةِ وَنَخْلِهَا، قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا، وَاللَّهِ مَا بِعْنَا جَمَلَنَا مِمَّنْ نَعْرِفُ، وَلَا أَخَذْنَا لَهُ ثَمَنًا، قَالَ: تَقُولُ الْمَرْأَةُ الَّتِي مَعَنَا: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا كَأَنَّ وَجْهَهُ شِقَّةُ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، أَنَا ضَامِنَةٌ لِثَمَنِ جَمَلِكُمْ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: قَالَتِ الظَّعِينَةُ: فَلَا تَلَاوَمُوا فَلَقَدْ رَأَيْتُ وَجْهَ رَجُلٍ لَا يَغْدِرُ بِكُمْ، مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ مِنْ وَجْهِهِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ، هَذَا تَمْرُكُمْ فَكُلُوا وَاشْبَعُوا وَاكْتَالُوا وَاسْتَوْفُوا، فَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا وَاكْتَلْنَا وَاسْتَوْفَيْنَا، ثُمَّ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ، فَأَدْرَكْنَا مَنْ خُطْبَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ: ( «تَصَدَّقُوا فَإِنَّ الصَّدَقَةَ خَيْرٌ لَكُمُ، الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، وَأَدْنَاكَ أَدْنَاكَ " إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ، أَوْ قَالَ: مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَنَا فِي هَؤُلَاءِ دِمَاءٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ " إِنَّ أُمًّا لَا تَجْنِي عَلَى وَلَدٍ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» ) .

стр. 1474

[فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ تُجِيبَ] وَقَدِمَ عَلَيْهِ ﷺ وَفْدُ تُجِيبَ وَهُمْ مِنَ السَّكُونِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا قَدْ سَاقُوا مَعَهُمْ صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ وَأَكْرَمَ مَنْزِلَهُمْ، وَقَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ: سُقْنَا إِلَيْكَ حَقَّ اللَّهِ فِي أَمْوَالِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (رُدُّوهَا فَاقْسِمُوهَا عَلَى فُقَرَائِكُمْ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قَدِمْنَا عَلَيْكَ إِلَّا بِمَا فَضَلَ عَنْ فُقَرَائِنَا، فَقَالَ أبو بكر: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا وَفَدَ مِنَ الْعَرَبِ بِمِثْلِ مَا وَفَدَ بِهِ هَذَا الْحَيُّ مِنْ تُجِيبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الْهُدَى بِيَدِ اللَّهِ ، فَمَنْ أَرَادَ بِهِ خَيْرًا شَرَحَ صَدْرَهُ لِلْإِيمَانِ " وَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَشْيَاءَ، فَكَتَبَ لَهُمْ بِهَا، وَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ، فَازْدَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ رَغْبَةً، وَأَمَرَ بلالا أَنْ يُحْسِنَ ضِيَافَتَهُمْ، فَأَقَامُوا أَيَّامًا وَلَمْ يُطِيلُوا اللُّبْثَ، فَقِيلَ لَهُمْ: مَا يُعْجِبُكُمْ؟ فَقَالُوا: نَرْجِعُ إِلَى مَنْ وَرَاءَنَا فَنُخْبِرُهُمْ بِرُؤْيَتِنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَلَامِنَا إِيَّاهُ، وَمَا رَدَّ عَلَيْنَا، ثُمَّ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُوَدِّعُونَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ بِلَالًا فَأَجَازَهُمْ بِأَرْفَعِ مَا كَانَ يُجِيزُ بِهِ الْوُفُودَ. قَالَ: " هَلْ بَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدٌ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. غُلَامٌ خَلَّفْنَاهُ عَلَى رِحَالِنَا هُوَ أَحْدَثُنَا سِنًّا، قَالَ: " أَرْسِلُوهُ إِلَيْنَا "، فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى رِحَالِهِمْ، قَالُوا لِلْغُلَامِ: انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاقْضِ حَاجَتَكَ مِنْهُ، فَإِنَّا قَدْ قَضَيْنَا حَوَائِجَنَا مِنْهُ وَوَدَّعْنَاهُ، فَأَقْبَلَ الْغُلَامُ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرُؤٌ مِنْ بَنِي أَبْذَى، يَقُولُ: مِنَ الرَّهْطِ الَّذِينَ أَتَوْكَ آنِفًا، فَقَضَيْتَ حَوَائِجَهُمْ، فَاقْضِ حَاجَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " وَمَا حَاجَتُكَ؟ "، قَالَ إِنَّ حَاجَتِي لَيْسَتْ كَحَاجَةِ أَصْحَابِي، وَإِنْ كَانُوا قَدِمُوا رَاغِبِينَ فِي الْإِسْلَامِ، وَسَاقُوا مَا سَاقُوا مِنْ صَدَقَاتِهِمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْمَلَنِي مِنْ بِلَادِي إِلَّا أَنْ تَسْأَلَ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ

стр. 1475

لِي وَيَرْحَمَنِي، وَأَنْ يَجْعَلَ غِنَايَ فِي قَلْبِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَقْبَلَ إِلَى الْغُلَامِ -: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَاجْعَلْ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ " ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِمِثْلِ مَا أَمَرَ بِهِ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْطَلَقُوا رَاجِعِينَ إِلَى أَهْلِيهِمْ، ثُمَّ وَافَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَوْسِمِ بِمِنًى سَنَةَ عَشْرٍ، فَقَالُوا: نَحْنُ بَنُو أَبْذَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا فَعَلَ الْغُلَامُ الَّذِي أَتَانِي مَعَكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ قَطُّ، وَلَا حُدِّثْنَا بِأَقْنَعَ مِنْهُ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ، لَوْ أَنَّ النَّاسَ اقْتَسَمُوا الدُّنْيَا مَا نَظَرَ نَحْوَهَا، وَلَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْحَمْدُ لِلَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَمُوتَ جَمِيعًا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَوَلَيْسَ يَمُوتُ الرَّجُلُ جَمِيعًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَشَعَّبُ أَهْوَاؤُهُ وَهُمُومُهُ فِي أَوْدِيَةِ الدُّنْيَا، فَلَعَلَّ أَجَلَهُ أَنْ يُدْرِكَهُ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَوْدِيَةِ، فَلَا يُبَالِي اللَّهُ فِي أَيِّهَا هَلَكَ» " قَالُوا: فَعَاشَ ذَلِكَ الْغُلَامُ فِينَا عَلَى أَفْضَلِ حَالٍ وَأَزْهَدِهِ فِي الدُّنْيَا، وَأَقْنَعِهِ بِمَا رُزِقَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ عَنِ الْإِسْلَامِ، قَامَ فِي قَوْمِهِ فَذَكَّرَهُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَذْكُرُهُ، وَيَسْأَلُ عَنْهُ حَتَّى بَلَغَهُ حَالُهُ، وَمَا قَامَ بِهِ فَكَتَبَ إِلَى زياد بن لبيد يُوصِيهِ بِهِ خَيْرًا) . [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَنِي سَعْدِ هُذَيْمٍ مِنْ قُضَاعَةَ] قَالَ الْوَاقِدِيُّ: عَنْ أبي النعمان عَنْ أَبِيهِ مِنْ بَنِي سَعْدِ هُذَيْمٍ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَافِدًا فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي، وَقَدْ أَوْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبِلَادَ غَلَبَةً، وَأَدَاخَ الْعَرَبَ، وَالنَّاسُ صِنْفَانِ: إِمَّا دَاخِلٌ فِي الْإِسْلَامِ رَاغِبٌ فِيهِ، وَإِمَّا خَائِفٌ مِنَ السَّيْفِ، فَنَزَلْنَا نَاحِيَةً مِنَ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ خَرَجْنَا نَؤُمُّ الْمَسْجِدَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى بَابِهِ، فَنَجِدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُمْنَا نَاحِيَةً، وَلَمْ نَدْخُلْ مَعَ النَّاسِ فِي صَلَاتِهِمْ حَتَّى نَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَنُبَايِعَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
следующие страницы →