← Сира

Сира · id 21713

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Полный текст (2 628 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

عَلَى نَاقَةٍ لَمْ يَضْرِبِ الْفَحْلُ أُمَّهَا مُشَذَّبَةً أَطْرَافُهَا بِالْمَنَاجِلِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَزَعَمَ الزُّهْرِيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا قَدَّمُوهُ لِيَقْتُلُوهُ قَالَ: بَلِّغْ سَرَاةَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّنِي ... سِلْمٌ لِرَبِّي أَعْظُمِي وَمَقَامِي ثُمَّ ضَرَبُوا عُنُقَهُ وَصَلَبُوهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ يَرْحَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى. [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي محمد بن الوليد بن نويفع، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضمام بن ثعلبة وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ فَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَعَقَلَهُ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عبد المطلب؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «أَنَا ابْنُ عبد المطلب " فَقَالَ: مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ: " نَعَمْ " فَقَالَ: يَا ابْنَ عبد المطلب إِنِّي سَائِلُكَ وَمُغْلِظٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ. فَقَالَ: " لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي، فَسَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ " فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَهَكَ وَإِلَهَ أَهْلِكَ، وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، آللَّهُ بَعَثَكَ إِلَيْنَا رَسُولًا؟ قَالَ: " اللَّهُمَّ نَعَمْ "، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَهَكَ، وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَعْبُدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ نَخْلَعَ هَذِهِ الْأَنْدَادَ الَّتِي كَانَ آبَاؤُنَا يَعْبُدُونَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اللَّهُمَّ نَعَمْ "، ثُمَّ جَعَلَ يَذْكُرُ فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ فَرِيضَةً فَرِيضَةً: الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ، وَفَرَائِضَ الْإِسْلَامِ كُلَّهَا يَنْشُدُهُ عِنْدَ كُلِّ فَرِيضَةٍ كَمَا نَشَدَهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَسَأُؤَدِّي هَذِهِ الْفَرَائِضَ، وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى بَعِيرِهِ، فَقَالَ

стр. 1472

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ وَلَّى: " إِنْ يَصْدُقْ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» ) . وَكَانَ ضمام رَجُلًا جَلْدًا أَشْعَرَ ذَا غَدِيرَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَى بَعِيرَهُ، فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: بِئْسَتِ اللَّاتُ وَالْعُزَّى، فَقَالُوا: مَهْ يَا ضمام اتَّقِ الْبَرَصَ وَالْجُنُونَ وَالْجُذَامَ. قَالَ: وَيْلَكُمْ إِنَّهُمَا مَا يَضُرَّانِ وَلَا يَنْفَعَانِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي حَاضِرَتِهِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْ ضمام بن ثعلبة وَالْقِصَّةُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أنس بِنَحْوِ هَذِهِ. وَذِكْرُ الْحَجِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قُدُومَ ضمام كَانَ بَعْدَ فَرْضِ الْحَجِّ وَهَذَا بَعِيدٌ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مُدْرَجَةٌ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي قُدُومِ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَوْمِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] رُوِّينَا فِي ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيِّ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: طارق بن عبد الله. قَالَ: إِنِّي لَقَائِمٌ بِسُوقِ الْمَجَازِ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ

стр. 1473

جُبَّةٌ لَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: ( «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا» ) وَرَجُلٌ يَتْبَعُهُ يَرْمِيهِ بِالْحِجَارَةِ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! لَا تُصَدِّقُوهُ فَإِنَّهُ كَذَّابٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا غُلَامٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا الَّذِي يَفْعَلُ بِهِ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا عَمُّهُ عبد العزى، قَالَ: فَلَمَّا أَسْلَمَ النَّاسُ وَهَاجَرُوا، خَرَجْنَا مِنَ الرَّبَذَةِ نُرِيدُ الْمَدِينَةَ نَمْتَارُ مِنْ تَمْرِهَا، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ حِيطَانِهَا وَنَخْلِهَا، قُلْنَا: لَوْ نَزَلْنَا فَلَبِسْنَا ثِيَابًا غَيْرَ هَذِهِ فَإِذَا رَجُلٌ فِي طِمْرَيْنِ لَهُ، فَسَلَّمَ وَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلَ الْقَوْمُ؟ قُلْنَا: مِنَ الرَّبَذَةِ. قَالَ: وَأَيْنَ تُرِيدُونَ؟ قُلْنَا: نُرِيدُ هَذِهِ الْمَدِينَةَ، قَالَ: مَا حَاجَتُكُمْ فِيهَا؟ قُلْنَا: نَمْتَارُ مِنْ تَمْرِهَا. قَالَ: وَمَعَنَا ظَعِينَةٌ لَنَا وَمَعَنَا جَمَلٌ أَحْمَرُ مَخْطُومٌ، فَقَالَ: أَتَبِيعُونَ جَمَلَكُمْ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ بِكَذَا وَكَذَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، قَالَ: فَمَا اسْتَوْضَعَنَا مِمَّا قُلْنَا شَيْئًا، فَأَخَذَ بِخِطَامِ الْجَمَلِ فَانْطَلَقَ، فَلَمَّا تَوَارَى عَنَّا بِحِيطَانِ الْمَدِينَةِ وَنَخْلِهَا، قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا، وَاللَّهِ مَا بِعْنَا جَمَلَنَا مِمَّنْ نَعْرِفُ، وَلَا أَخَذْنَا لَهُ ثَمَنًا، قَالَ: تَقُولُ الْمَرْأَةُ الَّتِي مَعَنَا: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا كَأَنَّ وَجْهَهُ شِقَّةُ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، أَنَا ضَامِنَةٌ لِثَمَنِ جَمَلِكُمْ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: قَالَتِ الظَّعِينَةُ: فَلَا تَلَاوَمُوا فَلَقَدْ رَأَيْتُ وَجْهَ رَجُلٍ لَا يَغْدِرُ بِكُمْ، مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ مِنْ وَجْهِهِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ، هَذَا تَمْرُكُمْ فَكُلُوا وَاشْبَعُوا وَاكْتَالُوا وَاسْتَوْفُوا، فَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا وَاكْتَلْنَا وَاسْتَوْفَيْنَا، ثُمَّ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ، فَأَدْرَكْنَا مَنْ خُطْبَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ: ( «تَصَدَّقُوا فَإِنَّ الصَّدَقَةَ خَيْرٌ لَكُمُ، الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، وَأَدْنَاكَ أَدْنَاكَ " إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ، أَوْ قَالَ: مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَنَا فِي هَؤُلَاءِ دِمَاءٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ " إِنَّ أُمًّا لَا تَجْنِي عَلَى وَلَدٍ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» ) .

стр. 1474

[فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ تُجِيبَ] وَقَدِمَ عَلَيْهِ ﷺ وَفْدُ تُجِيبَ وَهُمْ مِنَ السَّكُونِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا قَدْ سَاقُوا مَعَهُمْ صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ وَأَكْرَمَ مَنْزِلَهُمْ، وَقَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ: سُقْنَا إِلَيْكَ حَقَّ اللَّهِ فِي أَمْوَالِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (رُدُّوهَا فَاقْسِمُوهَا عَلَى فُقَرَائِكُمْ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قَدِمْنَا عَلَيْكَ إِلَّا بِمَا فَضَلَ عَنْ فُقَرَائِنَا، فَقَالَ أبو بكر: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا وَفَدَ مِنَ الْعَرَبِ بِمِثْلِ مَا وَفَدَ بِهِ هَذَا الْحَيُّ مِنْ تُجِيبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الْهُدَى بِيَدِ اللَّهِ ، فَمَنْ أَرَادَ بِهِ خَيْرًا شَرَحَ صَدْرَهُ لِلْإِيمَانِ " وَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَشْيَاءَ، فَكَتَبَ لَهُمْ بِهَا، وَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ، فَازْدَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ رَغْبَةً، وَأَمَرَ بلالا أَنْ يُحْسِنَ ضِيَافَتَهُمْ، فَأَقَامُوا أَيَّامًا وَلَمْ يُطِيلُوا اللُّبْثَ، فَقِيلَ لَهُمْ: مَا يُعْجِبُكُمْ؟ فَقَالُوا: نَرْجِعُ إِلَى مَنْ وَرَاءَنَا فَنُخْبِرُهُمْ بِرُؤْيَتِنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَلَامِنَا إِيَّاهُ، وَمَا رَدَّ عَلَيْنَا، ثُمَّ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُوَدِّعُونَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ بِلَالًا فَأَجَازَهُمْ بِأَرْفَعِ مَا كَانَ يُجِيزُ بِهِ الْوُفُودَ. قَالَ: " هَلْ بَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدٌ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. غُلَامٌ خَلَّفْنَاهُ عَلَى رِحَالِنَا هُوَ أَحْدَثُنَا سِنًّا، قَالَ: " أَرْسِلُوهُ إِلَيْنَا "، فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى رِحَالِهِمْ، قَالُوا لِلْغُلَامِ: انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاقْضِ حَاجَتَكَ مِنْهُ، فَإِنَّا قَدْ قَضَيْنَا حَوَائِجَنَا مِنْهُ وَوَدَّعْنَاهُ، فَأَقْبَلَ الْغُلَامُ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرُؤٌ مِنْ بَنِي أَبْذَى، يَقُولُ: مِنَ الرَّهْطِ الَّذِينَ أَتَوْكَ آنِفًا، فَقَضَيْتَ حَوَائِجَهُمْ، فَاقْضِ حَاجَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " وَمَا حَاجَتُكَ؟ "، قَالَ إِنَّ حَاجَتِي لَيْسَتْ كَحَاجَةِ أَصْحَابِي، وَإِنْ كَانُوا قَدِمُوا رَاغِبِينَ فِي الْإِسْلَامِ، وَسَاقُوا مَا سَاقُوا مِنْ صَدَقَاتِهِمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْمَلَنِي مِنْ بِلَادِي إِلَّا أَنْ تَسْأَلَ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ

стр. 1475

لِي وَيَرْحَمَنِي، وَأَنْ يَجْعَلَ غِنَايَ فِي قَلْبِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَقْبَلَ إِلَى الْغُلَامِ -: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَاجْعَلْ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ " ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِمِثْلِ مَا أَمَرَ بِهِ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْطَلَقُوا رَاجِعِينَ إِلَى أَهْلِيهِمْ، ثُمَّ وَافَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَوْسِمِ بِمِنًى سَنَةَ عَشْرٍ، فَقَالُوا: نَحْنُ بَنُو أَبْذَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا فَعَلَ الْغُلَامُ الَّذِي أَتَانِي مَعَكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ قَطُّ، وَلَا حُدِّثْنَا بِأَقْنَعَ مِنْهُ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ، لَوْ أَنَّ النَّاسَ اقْتَسَمُوا الدُّنْيَا مَا نَظَرَ نَحْوَهَا، وَلَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْحَمْدُ لِلَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَمُوتَ جَمِيعًا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَوَلَيْسَ يَمُوتُ الرَّجُلُ جَمِيعًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَشَعَّبُ أَهْوَاؤُهُ وَهُمُومُهُ فِي أَوْدِيَةِ الدُّنْيَا، فَلَعَلَّ أَجَلَهُ أَنْ يُدْرِكَهُ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَوْدِيَةِ، فَلَا يُبَالِي اللَّهُ فِي أَيِّهَا هَلَكَ» " قَالُوا: فَعَاشَ ذَلِكَ الْغُلَامُ فِينَا عَلَى أَفْضَلِ حَالٍ وَأَزْهَدِهِ فِي الدُّنْيَا، وَأَقْنَعِهِ بِمَا رُزِقَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ عَنِ الْإِسْلَامِ، قَامَ فِي قَوْمِهِ فَذَكَّرَهُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَذْكُرُهُ، وَيَسْأَلُ عَنْهُ حَتَّى بَلَغَهُ حَالُهُ، وَمَا قَامَ بِهِ فَكَتَبَ إِلَى زياد بن لبيد يُوصِيهِ بِهِ خَيْرًا) . [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَنِي سَعْدِ هُذَيْمٍ مِنْ قُضَاعَةَ] قَالَ الْوَاقِدِيُّ: عَنْ أبي النعمان عَنْ أَبِيهِ مِنْ بَنِي سَعْدِ هُذَيْمٍ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَافِدًا فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي، وَقَدْ أَوْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبِلَادَ غَلَبَةً، وَأَدَاخَ الْعَرَبَ، وَالنَّاسُ صِنْفَانِ: إِمَّا دَاخِلٌ فِي الْإِسْلَامِ رَاغِبٌ فِيهِ، وَإِمَّا خَائِفٌ مِنَ السَّيْفِ، فَنَزَلْنَا نَاحِيَةً مِنَ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ خَرَجْنَا نَؤُمُّ الْمَسْجِدَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى بَابِهِ، فَنَجِدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُمْنَا نَاحِيَةً، وَلَمْ نَدْخُلْ مَعَ النَّاسِ فِي صَلَاتِهِمْ حَتَّى نَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَنُبَايِعَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 1476

فَنَظَرَ إِلَيْنَا فَدَعَا بِنَا، «فَقَالَ " مَنْ أَنْتُمْ؟ " فَقُلْنَا: مِنْ بَنِي سَعْدِ هُذَيْمٍ فَقَالَ: (أَمُسْلِمُونَ أَنْتُمْ؟ " قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلَّا صَلَّيْتُمْ عَلَى أَخِيكُمْ؟ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ظَنَنَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَنَا حَتَّى نُبَايِعَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَيْنَمَا أَسْلَمْتُمْ فَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ "، قَالُوا: فَأَسْلَمْنَا وَبَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا إِلَى رِحَالِنَا قَدْ خَلَّفْنَا عَلَيْهَا أَصْغَرَنَا، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَلَبِنَا، فَأُتِيَ بِنَا إِلَيْهِ، فَتَقَدَّمَ صَاحِبُنَا إِلَيْهِ فَبَايَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ أَصْغَرُنَا، وَإِنَّهُ خَادِمُنَا، فَقَالَ: " أَصْغَرُ الْقَوْمِ خَادِمُهُمْ، بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ "، قَالَ: فَكَانَ وَاللَّهِ خَيْرَنَا، وَأَقْرَأَنَا لِلْقُرْآنِ لِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ، ثُمَّ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْنَا، فَكَانَ يَؤُمُّنَا، وَلَمَّا أَرَدْنَا الِانْصِرَافَ أَمَرَ بلالا فَأَجَازَنَا بِأَوَاقٍ مِنْ فِضَّةٍ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا، فَرَجَعْنَا إِلَى قَوْمِنَا، فَرَزَقَهُمُ اللَّهُ الْإِسْلَامَ» ) [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَنِي فَزَارَةَ] قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ بْنُ سَالِمٍ فِي كِتَابِ " الِاكْتِفَاءِ ": وَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ تَبُوكَ، قَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ بَنِي فَزَارَةَ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فِيهِمْ خارجة بن حصن، والحر بن قيس ابْنُ أَخِي عيينة بن حصن، وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ، فَنَزَلُوا فِي دَارِ رملة بنت الحارث، وَجَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُقِرِّينَ بِالْإِسْلَامِ، وَهُمْ مُسْنِتُونَ عَلَى رِكَابٍ عِجَافٍ، فَسَأَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بِلَادِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ

стр. 1477

أَسْنَتَتْ بِلَادُنَا، وَهَلَكَتْ مَوَاشِينَا، وَأَجْدَبَ جَنَابُنَا، وَغَرِثَ عِيَالُنَا، فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُغِيثُنَا، وَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبَّكَ، وَلْيَشْفَعْ لَنَا رَبُّكَ إِلَيْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «سُبْحَانَ اللَّهِ! وَيْلَكَ، هَذَا إِنَّمَا شَفَعْتُ إِلَى رَبِّي ، فَمَنِ الَّذِي يَشْفَعُ رَبُّنَا إِلَيْهِ؟ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَظِيمُ، وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهِيَ تَئِطُّ مِنْ عَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ، كَمَا يَئِطُّ الرَّحْلُ الْجَدِيدُ " وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ لَيَضْحَكُ مِنْ شَغَفِكُمْ وَأَزْلِكُمْ وَقُرْبِ غِيَاثِكُمْ " فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيَضْحَكُ رَبُّنَا ؟ قَالَ: " نَعَمْ " فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ، وَكَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الدُّعَاءِ إِلَّا رَفْعَ الِاسْتِسْقَاءِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، وَكَانَ مِمَّا حُفِظَ مِنْ دُعَائِهِ: " اللَّهُمَّ اسْقِ بِلَادَكَ وَبَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وَأَحْيِ بَلَدَكَ الْمَيِّتَ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا طَبَقًا وَاسِعًا، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ لَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا هَدْمٍ، وَلَا غَرَقٍ، وَلَا مَحْقٍ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَانْصُرْنَا عَلَى الْأَعْدَاءِ» ) .

стр. 1478

[فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَنِي أَسَدٍ] وَقَدِمَ عَلَيْهِ ﷺ وَفْدُ بَنِي أَسَدٍ عَشَرَةُ رَهْطٍ، فِيهِمْ وابصة بن معبد، وطلحة بن خويلد، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَتَكَلَّمُوا فَقَالَ مُتَكَلِّمُهُمْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا شَهِدْنَا أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَجِئْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَمْ تَبْعَثْ إِلَيْنَا بَعْثًا، وَنَحْنُ لِمَنْ وَرَاءَنَا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧] [الْحُجُرَاتِ: ١٧] وَكَانَ مِمَّا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ: الْعِيَافَةُ وَالْكَهَانَةُ وَضَرْبُ الْحَصَى، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَقَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ أُمُورٌ كُنَّا نَفْعَلُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَرَأَيْتَ خَصْلَةً بَقِيَتْ؟ قَالَ: " وَمَا هِيَ؟ " قَالُوا: الْخَطُّ. قَالَ: " عُلِّمَهُ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَمَنْ صَادَفَ مِثْلَ عِلْمِهِ عَلِمَ» ".

стр. 1479

[فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَهْرَاءَ] ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ كريمة بنت المقداد قَالَتْ: سَمِعْتُ أُمِّي ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب تَقُولُ: قَدِمَ وَفْدُ بَهْرَاءَ مِنَ الْيَمَنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَقْبَلُوا يَقُودُونَ رَوَاحِلَهُمْ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى بَابِ المقداد، وَنَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا بِبَنِي حُدَيْلَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ المقداد، فَرَحَّبَ بِهِمْ فَأَنْزَلَهُمْ وَجَاءَهُمْ بِجَفْنَةٍ مِنْ حَيْسٍ، قَدْ كُنَّا هَيَّأْنَاهَا قَبْلَ أَنْ يَحِلُّوا لِنَجْلِسَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَهَا المقداد، وَكَانَ كَرِيمًا عَلَى الطَّعَامِ، فَأَكَلُوا مِنْهَا حَتَّى نَهِلُوا، وَرُدَّتْ إِلَيْنَا الْقَصْعَةُ وَفِيهَا أُكَلٌ، فَجَمَعْنَا تِلْكَ الْأُكَلَ فِي قَصْعَةٍ صَغِيرَةٍ، ثُمَّ بَعَثْنَا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ سِدْرَةَ مَوْلَاتِي، فَوَجَدَتْهُ فِي بَيْتِ أم سلمة، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «ضباعة أَرْسَلَتْ بِهَذَا؟ قَالَتْ سدرة: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ضَعِي، ثُمَّ قَالَ: " مَا فَعَلَ ضَيْفُ أبي معبد؟ قُلْتُ: عِنْدَنَا، قَالَتْ: فَأَصَابَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُكَلًا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ حَتَّى نَهِلُوا، وَأَكَلَتْ مَعَهُمْ سدرة، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبِي بِمَا بَقِيَ إِلَى ضَيْفِكُمْ "، قَالَتْ سدرة: فَرَجَعْتُ بِمَا بَقِيَ فِي الْقَصْعَةِ إِلَى مَوْلَاتِي، قَالَتْ: فَأَكَلَ مِنْهَا الضَّيْفُ مَا أَقَامُوا، نُرَدِّدُهَا عَلَيْهِمْ، وَمَا تَغِيضُ حَتَّى جَعَلَ الْقَوْمُ يَقُولُونَ: يَا أبا معبد، إِنَّكَ لَتَنْهَلُنَا مِنْ أَحَبِّ الطَّعَامِ إِلَيْنَا مَا كُنَّا نَقْدِرُ عَلَى مِثْلِ هَذَا إِلَّا فِي الْحِينِ، وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الطَّعَامَ بِبِلَادِكُمْ إِنَّمَا هُوَ الْعُلْقَةُ أَوْ نَحْوُهُ، وَنَحْنُ عِنْدَكَ فِي الشِّبَعِ. فَأَخْبَرَهُمْ أبو معبد بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا أُكَلًا وَرَدَّهَا، فَهَذِهِ بَرَكَةُ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَقُولُونَ: نَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَازْدَادُوا يَقِينًا. وَذَلِكَ الَّذِي أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَتَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَأَقَامُوا أَيَّامًا، ثُمَّ جَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُوَدِّعُونَهُ، وَأَمَرَ لَهُمْ بِجَوَائِزِهِمْ، وَانْصَرَفُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ» )

стр. 1480

[فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ عُذْرَةَ] وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدُ عُذْرَةَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ تِسْعٍ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فِيهِمْ جمرة بن النعمان، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «مَنِ الْقَوْمُ "؟ فَقَالَ مُتَكَلِّمُهُمْ: مَنْ لَا تُنْكِرُهُ، نَحْنُ بَنُو عُذْرَةَ، إِخْوَةُ قُصَيٍّ لِأُمِّهِ، نَحْنُ الَّذِينَ عَضَّدُوا قُصَيًّا، وَأَزَاحُوا مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ خُزَاعَةَ وَبَنِي بَكْرٍ، وَلَنَا قَرَابَاتٌ وَأَرْحَامٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَرْحَبًا بِكُمْ وَأَهْلًا، مَا أَعْرَفَنِي بِكُمْ» ، فَأَسْلَمُوا وَبَشَّرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِفَتْحِ الشَّامِ، وَهَرَبِ هرقل إِلَى مُمْتَنِعٍ مِنْ بِلَادِهِ، وَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ سُؤَالِ الْكَاهِنَةِ، وَعَنِ الذَّبَائِحِ الَّتِي كَانُوا يَذْبَحُونَهَا، وَأَخْبَرَهُمْ أَنْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إِلَّا الْأُضْحِيَّةُ، فَأَقَامُوا أَيَّامًا بِدَارِ رَمْلَةَ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَقَدْ أُجِيزُوا) [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَلِيٍّ] [قُدُومِ وَفْدِ بَلِيٍّ] فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَلِيٍّ وَقَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ بَلِيٍّ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ، فَأَنْزَلَهُمْ رويفع بن ثابت البلوي عِنْدَهُ، وَقَدِمَ بِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: هَؤُلَاءِ قَوْمِي. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَرْحَبًا بِكَ وَبِقَوْمِكَ "، فَأَسْلَمُوا، وَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكُمْ لِلْإِسْلَامِ، فَكُلُّ مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ فِي النَّارِ "، فَقَالَ لَهُ أبو الضبيب شَيْخُ الْوَفْدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي رَغْبَةً فِي الضِّيَافَةِ، فَهَلْ لِي فِي ذَلِكَ أَجْرٌ؟ قَالَ: " نَعَمْ، وَكُلُّ مَعْرُوفٍ صَنَعْتَهُ إِلَى غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ فَهُوَ صَدَقَةٌ ". قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا وَقْتُ الضِّيَافَةِ؟ قَالَ: " ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا كَانَ بَعْدَ

стр. 1481

ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِلضَّيْفِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَكَ فَيُحْرِجَكَ " قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْتَ الضَّالَّةَ مِنَ الْغَنَمِ أَجِدُهَا فِي الْفَلَاةِ مِنَ الْأَرْضِ؟ قَالَ: هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ " قَالَ: فَالْبَعِيرَ؟ قَالَ: " مَا لَكَ وَلَهُ؟ دَعْهُ حَتَّى يَجِدَهُ صَاحِبُهُ "، قَالَ رويفع: ثُمَّ قَامُوا فَرَجَعُوا إِلَى مَنْزِلِي، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي مَنْزِلِي يَحْمِلُ تَمْرًا فَقَالَ: " اسْتَعِنْ بِهَذَا التَّمْرِ "، وَكَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، فَأَقَامُوا ثَلَاثًا، ثُمَّ وَدَّعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَأَجَازَهُمْ وَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ» ) . [ما يتعلق بقصة وفد بلي من فوائد] فَصْلٌ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنَ الْفِقْهِ: إِنَّ لِلضَّيْفِ حَقًّا عَلَى مَنْ نَزَلَ بِهِ، وَهُوَ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ: حَقٌّ وَاجِبٌ، وَتَمَامٌ مُسْتَحَبٌّ، وَصَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ. فَالْحَقُّ الْوَاجِبُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَرَاتِبَ الثَّلَاثَةَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ حَدِيثِ أبي شريح الخزاعي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ "، قَالُوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَى يُحْرِجَهُ» ) وَفِيهِ جَوَازُ الْتِقَاطِ الْغَنَمِ، وَأَنَّ الشَّاةَ إِذَا لَمْ يَأْتِ صَاحِبُهَا فَهِيَ مِلْكُ الْمُلْتَقِطِ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ الشَّاةَ وَنَحْوَهَا مِمَّا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ يُخَيَّرُ الْمُلْتَقِطُ بَيْنَ أَكْلِهِ فِي الْحَالِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَبَيْنَ بَيْعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ، وَبَيْنَ تَرْكِهِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، وَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ جَعَلَهَا لَهُ، إِلَّا أَنْ يَظْهَرَ صَاحِبُهَا، وَإِذَا كَانَتْ لَهُ، خُيِّرَ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، فَإِذَا ظَهَرَ صَاحِبُهَا دَفَعَهَا إِلَيْهِ أَوْ قِيمَتَهَا، وَأَمَّا مُتَقَدِّمُو أَصْحَابِ أحمد فَعَلَى خِلَافِ هَذَا. قَالَ أبو الحسين: لَا يَتَصَرَّفُ فِيهَا قَبْلَ الْحَوْلِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَ: وَإِنْ قُلْنَا: يَأْخُذُ مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ

стр. 1482

كَالْغَنَمِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ بِأَكْلٍ وَلَا غَيْرِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَكَذَلِكَ قَالَ ابن عقيل. وَنَصَّ أحمد فِي رِوَايَةِ أبي طالب فِي الشَّاةِ: يُعَرِّفُهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا رَدَّهَا إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّرِيفَانِ: لَا يَمْلِكُ الشَّاةَ قَبْلَ الْحَوْلِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَقَالَ أبو بكر: وَضَالَّةُ الْغَنَمِ إِذَا أَخَذَهَا يُعَرِّفُهَا سَنَةً، وَهُوَ الْوَاجِبُ، فَإِذَا مَضَتِ السَّنَةُ وَلَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهَا كَانَتْ لَهُ، وَالْأَوَّلُ أَفْقَهُ وَأَقْرَبُ إِلَى مَصْلَحَةِ الْمُلْتَقِطِ وَالْمَالِكِ؛ إِذْ قَدْ يَكُونُ تَعْرِيفُهَا سَنَةً مُسْتَلْزِمًا لِتَغْرِيمِ مَالِكِهَا أَضْعَافَ قِيمَتِهَا إِنْ قُلْنَا: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنَفَقَتِهَا، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَرْجِعُ اسْتَلْزَمَ تَغْرِيمَ الْمُلْتَقِطِ ذَلِكَ، وَإِنْ قِيلَ يَدَعُهَا وَلَا يَلْتَقِطُهَا كَانَتْ لِلذِّئْبِ وَتَلِفَتْ، وَالشَّارِعُ لَا يَأْمُرُ بِضَيَاعِ الْمَالِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا الَّذِي رَجَّحْتُمُوهُ مُخَالِفٌ لِنُصُوصِ أحمد وَأَقْوَالِ أَصْحَابِهِ وَلِلدَّلِيلِ أَيْضًا. أَمَّا مُخَالَفَةُ نُصُوصِ أحمد فَمِمَّا تَقَدَّمَ حِكَايَتُهُ فِي رِوَايَةِ أبي طالب، وَنَصَّ أَيْضًا فِي رِوَايَتِهِ فِي مُضْطَرٍّ وَجَدَ شَاةً مَذْبُوحَةً وَشَاةً مَيِّتَةً، قَالَ: يَأْكُلُ مِنَ الْمَيِّتَةِ وَلَا يَأْكُلُ مِنَ الْمَذْبُوحَةِ، الْمَيِّتَةُ أُحِلَّتْ وَالْمَذْبُوحَةُ لَهَا صَاحِبٌ قَدْ ذَبَحَهَا. يُرِيدُ أَنْ يُعَرِّفَهَا وَيَطْلُبَ صَاحِبَهَا، فَإِذَا أَوْجَبَ إِبْقَاءَ الْمَذْبُوحَةِ عَلَى حَالِهَا، فَإِبْقَاءُ الشَّاةِ الْحَيَّةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَأَمَّا مُخَالَفَةُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فَقَدْ تَقَدَّمَ، وَأَمَّا مُخَالَفَةُ الدَّلِيلِ، فَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ؟ فَقَالَ: (هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ، احْبِسْ عَلَى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ " وَفِي لَفْظٍ: " رُدَّ عَلَى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ» ") وَهَذَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ وَالذَّبْحَ. قِيلَ: لَيْسَ فِي نَصِّ أحمد أَكْثَرُ مِنَ التَّعْرِيفِ، وَمَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَكْلِهَا وَبَيْعِهَا وَحِفْظِهَا، لَا يَقُولُ بِسُقُوطِ التَّعْرِيفِ بَلْ يُعَرِّفُهَا مَعَ ذَلِكَ، وَقَدْ عَرَفَ شِيَتَهَا وَعَلَامَتَهَا، فَإِنْ ظَهَرَ صَاحِبُهَا أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ. فَقَوْلُ أحمد: يُعَرِّفُهَا أَعَمُّ مِنْ تَعْرِيفِهَا

стр. 1483

وَهِيَ بَاقِيَةٌ، أَوْ تَعْرِيفُهَا وَهِيَ مَضْمُونَةٌ فِي الذِّمَّةِ لِمَصْلَحَةِ صَاحِبِهَا وَمُلْتَقِطِهَا، وَلَا سِيِّمَا إِذَا الْتَقَطَهَا فِي السَّفَرِ، فَإِنَّ فِي إِيجَابِ تَعْرِيفِهَا سَنَةً مِنَ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ مَا لَا يَرْضَى بِهِ الشَّارِعُ، وَفِي تَرْكِهَا مِنْ تَعْرِيضِهَا لِلْإِضَاعَةِ وَالْهَلَاكِ مَا يُنَافِي أَمْرَهُ بِأَخْذِهَا، وَإِخْبَارَهُ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَأْخُذْهَا كَانَتْ لِلذِّئْبِ، فَيَتَعَيَّنُ وَلَا بُدَّ: إِمَّا بَيْعُهَا وَحِفْظُ ثَمَنِهَا، وَإِمَّا أَكْلُهَا وَضَمَانُ قِيمَتِهَا أَوْ مِثْلِهَا. وَأَمَّا مُخَالَفَةُ الْأَصْحَابِ، فَالَّذِي اخْتَارَ التَّخْيِيرَ مِنْ أَكْبَرِ أَئِمَّةِ الْأَصْحَابِ، وَمَنْ يُقَاسُ بِشُيُوخِ الْمَذْهَبِ الْكِبَارِ الْأَجِلَّاءِ، وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ فِي اخْتِيَارِهِ التَّخْيِيرَ كُلَّ الْإِحْسَانِ. وَأَمَّا مُخَالَفَةُ الدَّلِيلِ فَأَيْنَ فِي الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ الْمَنْعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الشَّاةِ الْمُلْتَقَطَةِ فِي الْمَفَازَةِ وَفِي السَّفَرِ بِالْبَيْعِ وَالْأَكْلِ، وَإِيجَابُ تَعْرِيفِهَا وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا سَنَةً مَعَ الرُّجُوعِ بِالْإِنْفَاقِ أَوْ مَعَ عَدَمِهِ؟ هَذَا مَا لَا تَأْتِي بِهِ شَرِيعَةٌ فَضْلًا أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَقَوْلُهُ ﷺ : " «احْبِسْ عَلَى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ» " صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ لَا يَسْتَأْثِرَ بِهَا دُونَهُ وَيُزِيلَ حَقَّهُ، فَإِذَا كَانَ بَيْعُهَا وَحِفْظُ ثَمَنِهَا خَيْرًا لَهُ مِنْ تَعْرِيفِهَا سَنَةً، وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَتَغْرِيمِ صَاحِبِهَا أَضْعَافَ قِيمَتِهَا، كَانَ حَبْسُهَا وَرَدُّهَا عَلَيْهِ هُوَ بِالتَّخْيِيرِ الَّذِي يَكُونُ لَهُ فِيهِ الْحَظُّ، وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِيهِ بِفَحْوَاهُ وَقُوَّتِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْبَعِيرَ لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَلُوًّا صَغِيرًا لَا يَمْتَنِعُ مِنَ الذِّئْبِ وَنَحْوِهِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الشَّاةِ بِتَنْبِيهِ النَّصِّ وَدَلَالَتِهِ. [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ ذِي مُرَّةَ] وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدُ ذِي مُرَّةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، رَأْسُهُمُ الحارث بن عوف، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَوْمُكَ وَعَشِيرَتُكَ، نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ بَنِي لُؤَيِّ بْنِ

стр. 1484

غَالِبٍ. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ للحارث: ( «أَيْنَ تَرَكْتَ أَهْلَكَ؟ قَالَ بِسَلَاحَ وَمَا وَالَاهَا. قَالَ وَكَيْفَ الْبِلَادُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّا لَمُسْنِتُونَ مَا فِي الْمَالِ مُخٌّ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اللَّهُمَّ اسْقِهِمُ الْغَيْثَ» " فَأَقَامُوا أَيَّامًا ثُمَّ أَرَادُوا الِانْصِرَافَ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَجَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُوَدِّعِينَ لَهُ، فَأَمَرَ بلالا أَنْ يُجِيزَهُمْ، فَأَجَازَهُمْ بِعَشْرِ أَوَاقٍ فِضَّةً، وَفَضَلَ الحارث بن عوف أَعْطَاهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ فَوَجَدُوا الْبِلَادَ مَطِيرَةً، فَسَأَلُوا: مَتَى مُطِرْتُمْ؟ فَإِذَا هُوَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ، وَأَخْصَبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِلَادُهُمْ) . [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ خَوْلَانَ] (وَقَدِمَ عَلَيْهِ ﷺ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ سَنَةَ عَشْرٍ وَفْدُ خَوْلَانَ، وَهُمْ عَشَرَةٌ فَقَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ عَلَى مَنْ وَرَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا، وَنَحْنُ مُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ، وَمُصَدِّقُونَ بِرَسُولِهِ، وَقَدْ ضَرَبْنَا إِلَيْكَ آبَاطَ الْإِبِلِ، وَرَكِبْنَا حُزُونَ الْأَرْضِ وَسُهُولَهَا، وَالْمِنَّةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ عَلَيْنَا، وَقَدِمْنَا زَائِرِينَ لَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ مَسِيرِكُمْ إِلَيَّ فَإِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خَطْوَةٍ خَطَاهَا بَعِيرُ أَحَدِكُمْ حَسَنَةً، وَأَمَّا قَوْلُكُمْ زَائِرِينَ لَكَ، فَإِنَّهُ مَنْ زَارَنِي بِالْمَدِينَةِ كَانَ فِي جِوَارِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا السَّفَرُ الَّذِي لَا تَوَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا فَعَلَ عَمُّ أَنَسٍ ". - وَهُوَ صَنَمُ خَوْلَانَ الَّذِي كَانُوا يَعْبُدُونَهُ - قَالُوا: أَبْشِرْ، بَدَّلَنَا اللَّهُ بِهِ مَا جِئْتَ بِهِ، وَقَدْ بَقِيَتْ مِنَّا بَقَايَا - مِنْ شَيْخٍ كَبِيرٍ وَعَجُوزٍ كَبِيرَةٍ - مُتَمَسِّكُونَ بِهِ، وَلَوْ قَدِمْنَا عَلَيْهِ لَهَدَمْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقَدْ كُنَّا مِنْهُ فِي غُرُورٍ وَفِتْنَةٍ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَمَا أَعْظَمُ مَا رَأَيْتُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ؟ " قَالُوا: لَقَدْ رَأَيْتُنَا أَسْنَتْنَا حَتَّى أَكَلْنَا الرِّمَّةَ، فَجَمَعْنَا مَا قَدَرْنَا عَلَيْهِ، وَابْتَعْنَا بِهِ مِائَةَ ثَوْرٍ وَنَحَرْنَاهَا " لِعَمِّ أَنَسٍ " قُرْبَانًا فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَتَرَكْنَاهَا تَرِدُهَا السِّبَاعُ، وَنَحْنُ أَحْوَجُ إِلَيْهَا مِنَ السِّبَاعِ، فَجَاءَنَا الْغَيْثُ

стр. 1485

مِنْ سَاعَتِنَا، وَلَقَدْ رَأَيْنَا الْعُشْبَ يُوَارِي الرِّجَالَ، وَيَقُولُ قَائِلُنَا: أَنْعَمَ عَلَيْنَا " عَمُّ أَنَسٍ "، وَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا كَانُوا يَقْسِمُونَ لِصَنَمِهِمْ هَذَا مِنْ أَنْعَامِهِمْ وَحُرُوثِهِمْ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْعَلُونَ مِنْ ذَلِكَ جُزْءًا لَهُ وَجُزْءًا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ، قَالُوا: كُنَّا نَزْرَعُ الزَّرْعَ فَنَجْعَلُ لَهُ وَسَطَهُ، فَنُسَمِّيهِ لَهُ، وَنُسَمِّي زَرْعًا آخَرَ حُجْرَةً لِلَّهِ، فَإِذَا مَالَتِ الرِّيحُ فَالَّذِي سَمَّيْنَاهُ لِلَّهِ جَعَلْنَاهُ لِعَمِّ أَنَسٍ، وَإِذَا مَالَتِ الرِّيحُ فَالَّذِي جَعَلْنَاهُ لِعَمِّ أَنَسٍ، لَمْ نَجْعَلْهُ لِلَّهِ، فَذَكَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] [الْأَنْعَامِ ١٣٦] قَالُوا: وَكُنَّا نَتَحَاكَمُ إِلَيْهِ فَيَتَكَلَّمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " تِلْكَ الشَّيَاطِينُ تُكَلِّمُكُمْ " وَسَأَلُوهُ عَنْ فَرَائِضِ الدِّينِ، فَأَخْبَرَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ لِمَنْ جَاوَرُوا، وَأَنْ لَا يَظْلِمُوا أَحَدًا. قَالَ: " فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ثُمَّ وَدَّعُوهُ بَعْدَ أَيَّامٍ وَأَجَازَهُمْ فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، فَلَمْ يَحُلُّوا عُقْدَةً حَتَّى هَدَمُوا " عَمَّ أَنَسٍ» ) . [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ مُحَارِبٍ] ( «وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدُ مُحَارِبٍ عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُمْ كَانُوا أَغْلَظَ الْعَرَبِ وَأَفَظَّهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تِلْكَ الْمَوَاسِمِ أَيَّامَ عَرْضِهِ نَفْسَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَجَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ نَائِبِينَ عَمَّنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ فَأَسْلَمُوا، وَكَانَ بلال يَأْتِيهِمْ بِغَدَاءٍ وَعَشَاءٍ إِلَى أَنْ جَلَسُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا مِنَ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ، فَعَرَفَ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَأَمَدَّهُ النَّظَرَ، فَلَمَّا رَآهُ المحاربي يُدِيمُ النَّظَرَ إِلَيْهِ قَالَ: كَأَنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُوهِمُنِي؟ قَالَ: " لَقَدْ رَأَيْتُكَ "، قَالَ المحاربي: أَيْ وَاللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتَنِي وَكَلَّمْتَنِي، وَكَلَّمْتُكَ بِأَقْبَحِ الْكَلَامِ، وَرَدَدْتُكَ بِأَقْبَحِ الرَّدِّ بِعُكَاظَ، وَأَنْتَ تَطُوفُ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " نَعَمْ "، ثُمَّ قَالَ

стр. 1486

المحاربي: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَ فِي أَصْحَابِي أَشَدُّ عَلَيْكَ يَوْمَئِذٍ وَلَا أَبْعَدُ عَنِ الْإِسْلَامِ مِنِّي، فَأَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي أَبْقَانِي حَتَّى صَدَّقْتُ بِكَ، وَلَقَدْ مَاتَ أُولَئِكَ النَّفَرُ الَّذِينَ كَانُوا مَعِي عَلَى دِينِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ بِيَدِ اللَّهِ "، فَقَالَ المحاربي: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي مِنْ مُرَاجَعَتِي إِيَّاكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْكُفْرِ " ثُمَّ انْصَرَفُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ» ) [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ صُدَاءٍ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ] [قُدُومِ وَفْدِ صُدَاءٍ] فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ صُدَاءٍ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَقَدِمَ عَلَيْهِ ﷺ وَفْدُ صُدَاءٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ بَعَثَ بُعُوثًا وَهَيَّأَ بَعْثًا اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً أَبْيَضَ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ رَايَةً سَوْدَاءَ، وَعَسْكَرَ بِنَاحِيَةِ قَنَاةَ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَطَأَ نَاحِيَةً مِنَ الْيَمَنِ كَانَ فِيهَا صُدَاءٌ، فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْهُمْ، وَعَلِمَ بِالْجَيْشِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: جِئْتُكَ وَافِدًا عَلَى مَنْ وَرَائِي فَارْدُدِ الْجَيْشَ وَأَنَا لَكَ بِقَوْمِي، فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ مِنْ صَدْرِ قَنَاةَ، وَخَرَجَ الصُّدَائِيُّ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْهُمْ يَنْزِلُوا عَلَيَّ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ فَحَيَّاهُمْ وَأَكْرَمَهُمْ، وَكَسَاهُمْ ثُمَّ رَاحَ بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالُوا: نَحْنُ لَكَ عَلَى مَنْ وَرَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، فَفَشَا فِيهِمُ الْإِسْلَامُ، فَوَافَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ مِائَةُ رَجُلٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، ذَكَرَ هَذَا الْوَاقِدِيُّ عَنْ بَعْضِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ زياد بن الحارث الصدائي أَنَّهُ الَّذِي قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: «ارْدُدِ الْجَيْشَ وَأَنَا لَكَ بِقَوْمِي فَرَدَّهُمْ. قَالَ: وَقَدِمَ وَفْدُ قَوْمِي عَلَيْهِ فَقَالَ لِي: (يَا أَخَا صُدَاءٍ إِنَّكَ لَمُطَاعٌ فِي قَوْمِكَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: بَلْ يَا

стр. 1487

رَسُولَ اللَّهِ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ رَسُولِهِ) . وَكَانَ زياد هَذَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، قَالَ: فَاعْتَشَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: سَارَ لَيْلًا، وَاعْتَشَيْنَا مَعَهُ، وَكُنْتُ رَجُلًا قَوِيًّا قَالَ: فَجُعِلَ أَصْحَابُهُ يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ، وَلَزِمْتُ غَرْزَهُ، فَلَمَّا كَانَ فِي السَّحَرِ قَالَ: " أَذِّنْ يَا أَخَا صُدَاءٍ " فَأَذَّنْتُ عَلَى رَاحِلَتِي، ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى ذَهَبْنَا، فَنَزَلَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا أَخَا صُدَاءٍ، هَلْ مَعَكَ مَاءٌ؟ قُلْتُ: مَعِي شَيْءٌ فِي إِدَاوَتِي، فَقَالَ " هَاتِهِ " فَجِئْتُ بِهِ، فَقَالَ " صُبَّ " فَصَبَبْتُ مَا فِي الْإِدَاوَةِ فِي الْقَعْبِ، فَجُعِلَ أَصْحَابُهُ يَتَلَاحَقُونَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ عَلَى الْإِنَاءِ، فَرَأَيْتُ بَيْنَ كُلِّ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ عَيْنًا تَفُورُ، ثُمَّ قَالَ: " يَا أَخَا صُدَاءٍ لَوْلَا أَنِّي أَسْتَحِي مِنْ رَبِّي لَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا " ثُمَّ تَوَضَّأَ وَقَالَ: " أَذِّنْ فِي أَصْحَابِي مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِالْوُضُوءِ فَلْيَرِدْ "، قَالَ: فَوَرَدُوا مِنْ آخِرِهِمْ ثُمَّ جَاءَ بلال يُقِيمُ، فَقَالَ (إِنَّ أَخَا صُدَاءٍ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ) فَأَقَمْتُ، ثُمَّ تَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِنَا، وَكُنْتُ سَأَلْتُهُ قَبْلُ أَنْ يُؤَمِّرَنِي عَلَى قَوْمِي، وَيَكْتُبَ لِي بِذَلِكَ كِتَابًا، فَفَعَلَ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، قَامَ رَجُلٌ يَتَشَكَّى مِنْ عَامِلِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّهُ أَخَذَنَا بِذُحُولٍ كَانَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا خَيْرَ فِي الْإِمَارَةِ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ) ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكِلْ قِسْمَتَهَا إِلَى مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَلَا نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، حَتَّى جَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ جُزْءًا مِنْهَا أَعْطَيْتُكَ، وَإِنْ كُنْتَ غَنِيًّا عَنْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ صُدَاعٌ فِي الرَّأْسِ وَدَاءٌ فِي الْبَطْنِ " فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَاتَانِ خَصْلَتَانِ حِينَ سَأَلْتُ الْإِمَارَةَ وَأَنَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ، وَسَأَلْتُهُ مِنَ الصَّدَقَةِ وَأَنَا غَنِيٌّ عَنْهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَانِ كِتَابَاكَ فَاقْبَلْهُمَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَلِمَ؟ " فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُكَ تَقُولُ: (لَا خَيْرَ فِي الْإِمَارَةِ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ) وَأَنَا مُسْلِمٌ، وَسَمِعْتُكَ تَقُولُ: (مَنْ سَأَلَ مِنَ الصَّدَقَةِ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهَا فَإِنَّمَا هِيَ صُدَاعٌ فِي الرَّأْسِ وَدَاءٌ فِي الْبَطْنِ) وَأَنَا غَنِيٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَمَا إِنَّ الَّذِي قُلْتَ كَمَا قُلْتَ " فَقَبِلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ لِي: " دُلَّنِي عَلَى رَجُلٍ مِنْ قَوْمِكَ أَسْتَعْمِلُهُ " فَدَلَلْتُهُ عَلَى

стр. 1488

رَجُلٍ مِنْهُمْ فَاسْتَعْمَلَهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لَنَا بِئْرًا إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ كَفَانَا مَاؤُهَا، وَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ قَلَّ عَلَيْنَا، فَتَفَرَّقْنَا عَلَى الْمِيَاهِ، وَالْإِسْلَامُ الْيَوْمَ فِينَا قَلِيلٌ، وَنَحْنُ نَخَافُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا فِي بِئْرِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " نَاوِلْنِي سَبْعَ حَصَيَاتٍ "، فَنَاوَلْتُهُ فَعَرَكَهُنَّ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَفَعَهُنَّ إِلَيَّ وَقَالَ: " إِذَا انْتَهَيْتَ، إِلَيْهَا فَأَلْقِ فِيهَا حَصَاةً حَصَاةً، وَسَمِّ اللَّهَ " قَالَ: فَفَعَلْتُ فَمَا أَدْرَكْنَا لَهَا قَعْرًا حَتَّى السَّاعَةِ» . [فَصْلٌ فِي فِقْهِ هَذِهِ الْقِصَّةِ] فَفِيهَا: اسْتِحْبَابُ عَقْدِ الْأَلْوِيَةِ وَالرَّايَاتِ لِلْجَيْشِ، وَاسْتِحْبَابُ كَوْنِ اللِّوَاءِ أَبْيَضَ، وَجَوَازُ كَوْنِ الرَّايَةِ سَوْدَاءَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. وَفِيهَا: قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ الْجَيْشَ مِنْ أَجْلِ خَبَرِ الصُّدَائِيِّ وَحْدَهُ. وَفِيهَا: جَوَازُ سَيْرِ اللَّيْلِ كُلِّهِ فِي السَّفَرِ إِلَى الْأَذَانِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ " اعْتَشَى " أَيْ: سَارَ عَشِيَّةً، وَلَا يُقَالُ لِمَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ. وَفِيهَا: جَوَازُ الْأَذَانِ عَلَى الرَّاحِلَةِ. وَفِيهَا: طَلَبُ الْإِمَامِ الْمَاءَ مِنْ أَحَدِ رَعِيَّتِهِ لِلْوُضُوءِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ السُّؤَالِ. وَفِيهَا: أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ حَتَّى يَطْلُبَ الْمَاءَ فَيُعْوِزَهُ. وَفِيهَا: الْمُعْجِزَةُ الظَّاهِرَةُ بِفَوَرَانِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ لَمَّا وَضَعَهَا فِيهِ أَمَدَّهُ اللَّهُ بِهِ وَكَثَّرَهُ حَتَّى جَعَلَ يَفُورُ مِنْ خِلَالِ الْأَصَابِعِ الْكَرِيمَةِ وَالْجُهَّالُ تَظُنُّ أَنَّهُ

стр. 1489

كَانَ يَشُقُّ الْأَصَابِعَ وَيَخْرُجُ مِنْ خِلَالِ اللَّحْمِ وَالدَّمِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا بِوَضْعِهِ أَصَابِعَهُ فِيهِ حَلَّتْ فِيهِ الْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ وَالْمَدَدُ، فَجَعَلَ يَفُورُ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ الْأَصَابِعِ، وَقَدْ جَرَى لَهُ هَذَا مِرَارًا عَدِيدَةً بِمَشْهَدِ أَصْحَابِهِ. وَفِيهَا: أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَتَوَلَّى الْإِقَامَةَ مَنْ تَوَلَّى الْأَذَانَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ، وَيُقِيمَ آخَرُ كَمَا ثَبَتَتْ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى الْأَذَانَ وَأَخْبَرَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ( «أَلْقِهِ عَلَى بلال " فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَرَادَ بلال أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا رَأَيْتُ، أُرِيدُ أَنْ أُقِيمَ، قَالَ: " فَأَقِمْ " فَأَقَامَ هُوَ وَأَذَّنَ بلال» ) ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀. وَفِيهَا: جَوَازُ تَأْمِيرِ الْإِمَامِ وَتَوْلِيَتِهِ لِمَنْ سَأَلَهُ ذَلِكَ إِذَا رَآهُ كُفْئًا، وَلَا يَكُونُ سُؤَالُهُ مَانِعًا مِنْ تَوْلِيَتِهِ، وَلَا يُنَاقِضُ هَذَا قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: ( «إِنَّا لَنْ نُوَلِّيَ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ» ) فَإِنَّ الصُّدَائِيَّ إِنَّمَا سَأَلَهُ أَنْ يُؤَمِّرَهُ عَلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَكَانَ مُطَاعًا فِيهِمْ مُحَبَّبًا إِلَيْهِمْ، وَكَانَ مَقْصُودُهُ إِصْلَاحَهُمْ وَدُعَاءَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَرَأَى النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ مَصْلَحَةَ قَوْمِهِ فِي تَوْلِيَتِهِ فَأَجَابَهُ إِلَيْهَا وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ السَّائِلَ

стр. 1490

إِنَّمَا سَأَلَهُ الْوِلَايَةَ لِحَظِّ نَفْسِهِ وَمَصْلَحَتِهِ هُوَ فَمَنَعَهُ مِنْهَا، فَوَلَّى لِلْمَصْلَحَةِ وَمَنَعَ لِلْمَصْلَحَةِ فَكَانَتْ تَوْلِيَتُهُ لِلَّهِ وَمَنْعُهُ لِلَّهِ. وَفِيهَا: جَوَازُ شِكَايَةِ الْعُمَّالِ الظَّلَمَةِ وَرَفْعِهِمْ إِلَى الْإِمَامِ، وَالْقَدْحِ فِيهِمْ بِظُلْمِهِمْ، وَأَنَّ تَرْكَ الْوِلَايَةِ خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِ مِنَ الدُّخُولِ فِيهَا، وَأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا ذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ أُعْطِيَ مِنْهَا بِقَوْلِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ خِلَافُهُ. وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَحْدَهُ صِنْفًا مِنَ الْأَصْنَافِ لِقَوْلِهِ ( «إِنَّ اللَّهَ جَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ فَإِنْ كُنْتَ جُزْءًا مِنْهَا أَعْطَيْتُكَ» ) وَمِنْهَا: جَوَازُ إِقَالَةِ الْإِمَامِ لِوِلَايَةِ مَنْ وَلَّاهُ إِذَا سَأَلَهُ ذَلِكَ. وَمِنْهَا: اسْتِشَارَةُ الْإِمَامِ لِذِي الرَّأْيِ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيمَنْ يُوَلِّيهِ. وَمِنْهَا: جَوَازُ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمُبَارَكِ، وَأَنَّ بَرَكَتَهُ لَا تُوجِبُ كَرَاهَةَ الْوُضُوءِ مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يُكْرَهُ الْوُضُوءُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَلَا مِنَ الْمَاءِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ غَسَّانَ] وَقَدِمُوا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ عَشْرٍ وَهُمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فَأَسْلَمُوا وَقَالُوا: لَا نَدْرِي أَيَتْبَعُنَا قَوْمُنَا أَمْ لَا؟ وَهُمْ يُحِبُّونَ بَقَاءَ مُلْكِهِمْ، وَقُرْبَ قَيْصَرَ، فَأَجَازَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِجَوَائِزَ وَانْصَرَفُوا رَاجِعِينَ، فَقَدِمُوا عَلَى قَوْمِهِمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَكَتَمُوا إِسْلَامَهُمْ حَتَّى مَاتَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَأَدْرَكَ الثَّالِثُ مِنْهُمْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَامَ الْيَرْمُوكِ، فَلَقِيَ أبا عبيدة فَأَخْبَرَهُ بِإِسْلَامِهِ فَكَانَ يُكْرِمُهُ.

стр. 1491

[فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ سَلَامَانَ] وَقَدِمَ عَلَيْهِ ﷺ وَفْدُ سَلَامَانَ سَبْعَةُ نَفَرٍ، فِيهِمْ حبيب بن عمرو فَأَسْلَمُوا. قَالَ حبيب: فَقُلْتُ: ( «أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ فِي وَقْتِهَا» ) ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا، وَصَلَّوْا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، قَالَ: فَكَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ أَخَفَّ مِنَ الْقِيَامِ فِي الظُّهْرِ، ثُمَّ شَكَوْا إِلَيْهِ جَدْبَ بِلَادِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ: " «اللَّهُمَّ اسْقِهِمُ الْغَيْثَ فِي دَارِهِمْ "، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ارْفَعْ يَدَيْكَ فَإِنَّهُ أَكْثَرُ وَأَطْيَبُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَامَ وَقُمْنَا عَنْهُ، فَأَقَمْنَا ثَلَاثًا، وَضِيَافَتُهُ تَجْرِي عَلَيْنَا، ثُمَّ وَدَّعْنَاهُ، وَأَمَرَ لَنَا بِجَوَائِزَ، فَأَعْطَيْنَا خَمْسَ أَوَاقٍ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا، وَاعْتَذَرَ إِلَيْنَا بلال، وَقَالَ: لَيْسَ عِنْدَنَا الْيَوْمَ مَالٌ، فَقُلْنَا: مَا أَكْثَرَ هَذَا وَأَطْيَبَهُ، ثُمَّ رَحَلْنَا إِلَى بِلَادِنَا فَوَجَدْنَاهَا قَدْ مُطِرَتْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي دَعَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ» . قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَكَانَ مَقْدَمُهُمْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ عَشْرٍ ﷺ . [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَنِي عَبْسٍ] وَقَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ بَنِي عَبْسٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدِمَ عَلَيْنَا قُرَّاؤُنَا فَأَخْبَرُونَا أَنَّهُ لَا إِسْلَامَ لِمَنْ لَا هِجْرَةَ لَهُ، وَلَنَا أَمْوَالٌ وَمَوَاشٍ وَهِيَ مَعَايِشُنَا، فَإِنْ كَانَ لَا إِسْلَامَ لِمَنْ لَا هِجْرَةَ لَهُ، فَلَا خَيْرَ فِي أَمْوَالِنَا، بِعْنَاهَا وَهَاجَرْنَا مِنْ آخِرِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «اتَّقُوا اللَّهَ حَيْثُ كُنْتُمْ فَلَنْ يَلِتَكُمُ اللَّهُ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا» ) وَسَأَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ خالد بن سنان: هَلْ لَهُ عَقِبٌ؟ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لَا عَقِبَ لَهُ

стр. 1492

كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ فَانْقَرَضَتْ، وَأَنْشَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدَّثُ أَصْحَابَهُ عَنْ خالد بن سنان فَقَالَ: ( «نَبِيٌّ ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ» ) [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ غَامِدٍ] قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدُ غَامِدٍ سَنَةَ عَشْرٍ وَهُمْ عَشَرَةٌ، فَنَزَلُوا بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَثْلٌ وَطَرْفَاءُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَلَّفُوا عِنْدَ رَحْلِهِمْ أَحْدَثَهُمْ سِنًّا، فَنَامَ عَنْهُ وَأَتَى سَارِقٌ، فَسَرَقَ عَيْبَةً لِأَحَدِهِمْ فِيهَا أَثْوَابٌ لَهُ، وَانْتَهَى الْقَوْمُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَأَقَرُّوا لَهُ بِالْإِسْلَامِ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا فِيهِ شَرَائِعُ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ لَهُمْ: ( «مَنْ خَلَّفْتُمْ فِي رِحَالِكُمْ؟ " فَقَالُوا: أَحْدَثَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ نَامَ عَنْ مَتَاعِكُمْ حَتَّى أَتَى آتٍ فَأَخَذَ عَيْبَةَ أَحَدِكُمْ " فَقَالَ أَحَدُ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لِأَحَدٍ مِنَ الْقَوْمِ عَيْبَةٌ غَيْرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " فَقَدْ أُخِذَتْ وَرُدَّتْ إِلَى مَوْضِعِهَا " فَخَرَجَ الْقَوْمُ سِرَاعًا، حَتَّى أَتَوْا رَحْلَهُمْ، فَوَجَدُوا صَاحِبَهُمْ، فَسَأَلُوهُ عَمَّا أَخْبَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَزِعْتُ مِنْ نَوْمِي، فَفَقَدْتُ الْعَيْبَةَ، فَقُمْتُ فِي طَلَبِهَا، فَإِذَا رَجُلٌ قَدْ كَانَ قَاعِدًا، فَلَمَّا رَآنِي، فَثَارَ يَعْدُو مِنِّي فَانْتَهَيْتُ إِلَى حَيْثُ انْتَهَى فَإِذَا أَثَرُ حَفْرٍ، وَإِذَا هُوَ قَدْ غَيَّبَ الْعَيْبَةَ، فَاسْتَخْرَجْتُهَا، فَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَخْبَرَنَا بِأَخْذِهَا، وَأَنَّهَا قَدْ رُدَّتْ. فَرَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ، وَجَاءَ الْغُلَامُ الَّذِي خَلَّفُوهُ فَأَسْلَمَ» ) وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَعَلَّمَهُمْ قُرْآنًا، وَأَجَازَهُمْ كَمَا كَانَ يُجِيزُ الْوُفُودَ وَانْصَرَفُوا.

стр. 1493

[فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ الْأَزْدِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] ذَكَرَ أبو نعيم فِي كِتَابِ " مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ " وَالْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ، مِنْ حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَوَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيَّ قَالَ: حَدَّثَنِي علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي سويد بن الحارث قَالَ: «وَفَدْتُ سَابِعَ سَبْعَةٍ مِنْ قَوْمِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ وَكَلَّمْنَاهُ، أَعْجَبَهُ مَا رَأَى مِنْ سَمْتِنَا وَزِيِّنَا، فَقَالَ " مَا أَنْتُمْ؟ " قُلْنَا: مُؤْمِنُونَ. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: (إِنَّ لِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ قَوْلِكُمْ وَإِيمَانِكُمْ؟ " قُلْنَا: خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً؛ خَمْسٌ مِنْهَا أَمَرَتْنَا بِهَا رُسُلُكَ أَنْ نُؤْمِنَ بِهَا، وَخَمْسٌ أَمَرْتَنَا أَنْ نَعْمَلَ بِهَا، وَخَمْسٌ تَخَلَّقْنَا بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَنَحْنُ عَلَيْهَا الْآنَ، إِلَّا أَنْ تَكْرَهَ مِنْهَا شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَمَا الْخَمْسُ الَّتِي أَمَرَتْكُمْ بِهَا رُسُلِي أَنْ تُؤْمِنُوا بِهَا "؟ قُلْنَا: أَمَرَتْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ. قَالَ: " وَمَا الْخَمْسُ الَّتِي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا "؟ قُلْنَا: أَمَرْتَنَا أَنْ نَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَنُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَنُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَنَصُومَ رَمَضَانَ، وَنَحُجَّ الْبَيْتَ الْحَرَامَ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَقَالَ: " وَمَا الْخَمْسُ الَّتِي تَخَلَّقْتُمْ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ " قَالُوا: الشُّكْرُ عِنْدَ الرَّخَاءِ، وَالصَّبْرُ عِنْدَ الْبَلَاءِ، وَالرِّضَى بِمُرِّ الْقَضَاءِ، وَالصِّدْقُ فِي مَوَاطِنِ اللِّقَاءِ، وَتَرْكُ الشَّمَاتَةِ بِالْأَعْدَاءِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " حُكَمَاءُ عُلَمَاءُ كَادُوا مِنْ فِقْهِهِمْ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ "، ثُمَّ قَالَ: وَأَنَا أَزِيدُكُمْ خَمْسًا، فَتَتِمُّ لَكُمْ عِشْرُونَ خَصْلَةً إِنْ كُنْتُمْ كَمَا تَقُولُونَ، فَلَا تَجْمَعُوا مَا لَا تَأْكُلُونَ، وَلَا تَبْنُوا مَا لَا تَسْكُنُونَ، وَلَا تَنَافَسُوا فِي شَيْءٍ أَنْتُمْ عَنْهُ غَدًا تَزُولُونَ، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وَعَلَيْهِ تُعْرَضُونَ، وَارْغَبُوا فِيمَا عَلَيْهِ تَقْدَمُونَ وَفِيهِ تَخْلُدُونَ» ) فَانْصَرَفَ الْقَوْمُ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَفِظُوا وَصِيَّتَهُ وَعَمِلُوا بِهَا.

стр. 1494

[فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَنِي الْمُنْتَفِقِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ الزُّبَيْرِيُّ: كَتَبْتُ إِلَيْكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ عَرَضْتُهُ وَسَمِعْتُهُ عَلَى مَا كَتَبْتُ بِهِ إِلَيْكَ، فَحَدِّثْ بِذَلِكَ عَنِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن عياش السمعي الأنصاري، عَنْ دلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ لقيط بن عامر، قَالَ دلهم: وَحَدَّثَنِيهِ أَيْضًا أبي الأسود بن عبد الله، عَنْ عاصم بن لقيط: أَنَّ لقيط بن عامر خَرَجَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ: نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق. قَالَ لقيط: فَخَرَجْتُ أَنَا وَصَاحِبِي حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَوَافَيْنَاهُ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَقَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَقَالَ: ( «أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ لَكُمْ صَوْتِي مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، أَلَا لِتَسْمَعُوا الْيَوْمَ، أَلَا فَهَلْ مِنِ امْرِئٍ بَعَثَهُ قَوْمُهُ "؟ فَقَالُوا لَهُ: اعْلَمْ لَنَا مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " أَلَا ثَمَّ رَجُلٌ لَعَلَّهُ يُلْهِيهِ حَدِيثُ نَفْسِهِ، أَوْ حَدِيثُ صَاحِبِهِ، أَوْ يُلْهِيهِ ضَالٌّ، أَلَا إِنِّي مَسْئُولٌ، هَلْ بَلَّغْتُ، أَلَا اسْمَعُوا تَعِيشُوا أَلَا اجْلِسُوا " فَجَلَسَ النَّاسُ، وَقُمْتُ أَنَا وَصَاحِبِي حَتَّى إِذَا فَرَغَ لَنَا فُؤَادُهُ وَنَظَرُهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عِنْدَكَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ؟ فَضَحِكَ لَعَمْرُ اللَّهِ. عَلِمَ أَنِّي أَبْتَغِي السَّقْطَةَ، فَقَالَ: " ضَنَّ رَبُّكَ بِمَفَاتِيحِ خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا

стр. 1495

اللَّهُ " وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَقُلْتُ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " عِلْمُ الْمَنِيَّةِ، قَدْ عَلِمَ مَتَى مَنِيَّةُ أَحَدِكُمْ وَلَا تَعْلَمُونَهُ، وَعِلْمُ الْمَنِيِّ حِينَ يَكُونُ فِي الرَّحِمِ قَدْ عَلِمَهُ وَمَا تَعْلَمُونَهُ، وَعِلْمُ مَا فِي غَدٍ قَدْ عَلِمَ مَا أَنْتَ طَاعِمٌ وَلَا تَعْلَمُهُ، وَعِلْمُ يَوْمِ الْغَيْثِ يُشْرِفُ عَلَيْكُمْ أَزِلِينَ مُشْفِقِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ غَوْثَكُمْ إِلَى قَرِيبٍ " قَالَ لقيط: فَقُلْتُ: لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " وَعِلْمُ يَوْمِ السَّاعَةِ " قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنَا مِمَّا تُعَلِّمُ النَّاسَ وَتَعْلَمُ، فَإِنَّا مِنْ قَبِيلٍ لَا يُصَدِّقُونَ تَصْدِيقَنَا أَحَدًا مِنْ مَذْحِجٍ الَّتِي تَرْبُو عَلَيْنَا، وَخَثْعَمَ الَّتِي تُوَالِينَا، وَعَشِيرَتِنَا الَّتِي نَحْنُ مِنْهَا، قَالَ: " تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُمْ، ثُمَّ يُتَوَفَّى نَبِيُّكُمْ، ثُمَّ تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُمْ، ثُمَّ تُبْعَثُ الصَّائِحَةُ، فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تَدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا شَيْئًا إِلَّا مَاتَ، وَالْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ مَعَ رَبِّكَ، فَأَصْبَحَ رَبُّكَ يَطُوفُ فِي الْأَرْضِ وَخَلَتْ عَلَيْهِ الْبِلَادُ، فَأَرْسَلَ رَبُّكَ السَّمَاءَ تَهْضِبُ مِنْ عِنْدِ الْعَرْشِ، فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تَدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ مَصْرَعِ قَتِيلٍ، وَلَا مَدْفِنِ مَيِّتٍ إِلَّا شَقَّتِ الْقَبْرَ عَنْهُ، حَتَى تَخْلُفَهُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ فَيَسْتَوِيَ جَالِسًا، فَيَقُولُ رَبُّكَ: مَهْيَمْ، لِمَا كَانَ فِيهِ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَمْسِ، الْيَوْمَ، لِعَهْدِهِ بِالْحَيَاةِ يَحْسَبُهُ حَدِيثًا بِأَهْلِهِ " فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَجْمَعُنَا بَعْدَ مَا تُمَزِّقُنَا الرِّيَاحُ وَالْبِلَى وَالسِّبَاعُ؟ قَالَ: " أُنَبِّئُكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي آلَاءِ اللَّهِ، الْأَرْضُ أَشْرَفْتَ عَلَيْهَا وَهِيَ فِي مَدَرَةٍ بَالِيَةٍ " فَقُلْتَ: لَا تَحْيَا أَبَدًا، ثُمَّ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا السَّمَاءَ، فَلَمْ تَلْبَثْ عَلَيْكَ إِلَّا أَيَّامًا حَتَّى أَشْرَفْتَ عَلَيْهَا وَهِيَ شَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَعَمْرُ إِلَهِكَ لَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَجْمَعَكُمْ مِنَ الْمَاءِ عَلَى أَنْ يَجْمَعَ نَبَاتَ الْأَرْضِ فَتَخْرُجُونَ مِنَ الْأَصْوَاءِ، وَمِنْ مَصَارِعِكُمْ، فَتَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْكُمْ " قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ وَنَحْنُ مِلْءُ الْأَرْضِ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَنَنْظُرُ إِلَيْهِ؟ قَالَ: " أُنَبِّئُكَ بِمِثْلِ هَذَا فِي آلَاءِ اللَّهِ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَةٌ مِنْهُ صَغِيرَةٌ تَرَوْنَهُمَا وَيَرَيَانِكُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً، وَلَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا " وَلَعَمْرُ إِلَهِكَ لَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَرَاكُمْ وَتَرَوْنَهُ مِنْ أَنْ تَرَوْا نُورَهُمَا وَيَرَيَانِكُمْ، لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا يَفْعَلُ بِنَا رَبُّنَا إِذَا لَقِينَاهُ؟ قَالَ: " تُعْرَضُونَ عَلَيْهِ بَادِيَةً لَهُ صَفَحَاتُكُمْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْكُمْ خَافِيَةٌ،

стр. 1496

فَيَأْخُذُ رَبُّكَ بِيَدِهِ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَيَنْضَحُ بِهَا قِبَلَكُمْ، فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا يُخْطِئُ وَجْهَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْهَا قَطْرَةٌ. فَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَتَدَعُ وَجْهَهُ مِثْلَ الرَّيْطَةِ الْبَيْضَاءِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتَنْضَحُهُ، أَوْ قَالَ: فَتَخْطِمُهُ بِمِثْلِ الْحُمَمِ الْأَسْوَدِ، أَلَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ نَبِيُّكُمْ وَيَفْتَرِقُ عَلَى أَثَرِهِ الصَّالِحُونَ فَيَسْلُكُونَ جِسْرًا مِنَ النَّارِ، يَطَأُ أَحَدُكُمُ الْجَمْرَةَ، يَقُولُ: حَسِّ، يَقُولُ رَبُّكَ ، أَوْ أَنَّهُ؛ أَلَا فَتَطِّلِعُونَ عَلَى حَوْضِ نَبِيِّكُمْ عَلَى أَظْمَأَ - وَاللَّهِ - نَاهِلَةً عَلَيْهَا قَطُّ رَأَيْتُهَا، فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا يَبْسُطُ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَدَهُ إِلَّا وَقَعَ عَلَيْهَا قَدَحٌ يُطَهِّرُهُ مِنَ الطَّوْفِ وَالْبَوْلِ وَالْأَذَى، وَتُخْنِسُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، فَلَا تَرَوْنَ مِنْهُمَا وَاحِدًا ". قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبِمَ نُبْصِرُ؟ قَالَ: " بِمِثْلِ بَصَرِكَ سَاعَتَكَ هَذِهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي يَوْمٍ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ وَوَاجَهَتْ بِهِ الْجِبَالَ " قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبِمَ نُجْزَى مِنْ سَيِّئَاتِنَا وَحَسَنَاتِنَا؟ قَالَ ﷺ : " الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ " قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْجَنَّةُ وَمَا النَّارُ؟ قَالَ: " لَعَمْرُ إِلَهِكَ إِنَّ النَّارَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ مَا مِنْهَا بَابَانِ إِلَّا يَسِيرُ الرَّاكِبُ بَيْنَهُمَا سَبْعِينَ عَامًا، وَإِنَّ الْجَنَّةَ لَهَا ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ مَا مِنْهَا بَابَانِ إِلَّا يَسِيرُ الرَّاكِبُ بَيْنَهُمَا سَبْعِينَ عَامًا ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَعَلَامَ نَطَّلِعُ مِنَ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: " عَلَى أَنْهَارٍ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى، وَأَنْهَارٍ مِنْ خَمْرٍ مَا بِهَا صُدَاعٌ وَلَا نَدَامَةٌ، وَأَنْهَارٍ مِنْ لَبَنٍ مَا يَتَغَيَّرُ طَعْمُهُ، وَمَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَفَاكِهَةٍ، وَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تَعْلَمُونَ وَخَيْرٌ مِنْ مِثْلِهِ مَعَهُ وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَنَا فِيهَا أَزْوَاجٌ أَوْ مِنْهُنَّ مُصْلِحَاتٌ؟ قَالَ الْمُصْلِحَاتُ لِلصَّالِحِينَ ". وَفِي لَفْظٍ الصَّالِحَاتُ لِلصَّالِحِينَ تَلَذُّونَهُنَّ وَيَلَذُّونَكُمْ مِثْلَ لَذَّاتِكُمْ فِي الدُّنْيَا غَيْرَ أَنْ لَا تَوَالُدَ " قَالَ لقيط فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْصَى مَا نَحْنُ بَالِغُونَ وَمُنْتَهُونَ إِلَيْهِ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَامَ أُبَايِعُكَ؟ فَبَسَطَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ وَقَالَ: " عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَزِيَالِ الْمُشْرِكِ، وَأَنْ لَا تُشْرِكَ بِاللَّهِ إِلَهًا غَيْرَهُ " قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَظَنَّ أَنِّي مُشْتَرِطٌ مَا لَا يُعْطِينِيهِ، قَالَ: قُلْتُ نَحِلُّ مِنْهَا حَيْثُ شِئْنَا وَلَا يَجْنِي امْرُؤٌ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ فَبَسَطَ يَدَهُ.

стр. 1497

وَقَالَ: " لَكَ ذَلِكَ تَحِلُّ حَيْثُ شِئْتَ وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ إِلَّا نَفْسُكَ " قَالَ: فَانْصَرَفْنَا عَنْهُ ثُمَّ قَالَ: " هَا إِنَّ ذَيْنَ هَا إِنَّ ذَيْنَ - مَرَّتَيْنِ - لَعَمْرُ إِلَهِكَ مَنْ أَتْقَى النَّاسِ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ " فَقَالَ لَهُ كعب بن الخدرية - أَحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ كِلَابٍ -: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " بَنُو الْمُنْتَفِقِ بَنُو الْمُنْتَفِقِ بَنُو الْمُنْتَفِقِ، أَهْلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ "، قَالَ: فَانْصَرَفْنَا وَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ مَضَى مِنْ خَيْرٍ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عُرْضِ قُرَيْشٍ: وَاللَّهِ إِنَّ أَبَاكَ الْمُنْتَفِقَ لَفِي النَّارِ، قَالَ: فَكَأَنَّهُ وَقَعَ حَرٌّ بَيْنَ جِلْدِ وَجْهِي وَلَحْمِهِ مِمَّا قَالَ لِأَبِي عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُولَ: وَأَبُوكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ثُمَّ إِذَا الْأُخْرَى أَجْمَلُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَهْلُكَ؟ قَالَ: " وَأَهْلِي لَعَمْرُ اللَّهِ حَيْثُ مَا أَتَيْتَ عَلَى قَبْرِ عَامِرِيٍّ، أَوْ قُرَشِيٍّ مِنْ مُشْرِكٍ قُلْ: أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ مُحَمَّدٌ، فَأُبَشِّرُكَ بِمَا يَسُوءُكَ، تُجَرُّ عَلَى وَجْهِكَ وَبَطْنِكَ فِي النَّارِ ". قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانُوا عَلَى عَمَلٍ لَا يُحْسِنُونَ إِلَّا إِيَّاهُ، وَكَانُوا يَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ مُصْلِحُونَ؟ قَالَ ﷺ : " ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ بَعَثَ فِي آخِرِ كُلِّ سَبْعِ أُمَمٍ نَبِيًّا فَمَنْ عَصَى نَبِيَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ، وَمَنْ أَطَاعَ نَبِيَّهُ كَانَ مِنَ الْمُهْتَدِينَ» ) . هَذَا حَدِيثٌ كَبِيرٌ جَلِيلٌ تُنَادِي جَلَالَتُهُ وَفَخَامَتُهُ وَعَظَمَتُهُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ، لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني، رَوَاهُ عَنْهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيُّ، وَهُمَا مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ، ثِقَتَانِ مُحْتَجٌّ بِهِمَا فِي الصَّحِيحِ، احْتَجَّ بِهِمَا إِمَامُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ أَئِمَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي كُتُبِهِمْ وَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ وَقَابَلُوهُ بِالتَّسْلِيمِ وَالِانْقِيَادِ وَلَمْ يَطْعَنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِيهِ وَلَا فِي أَحَدٍ مِنْ رُوَاتِهِ.

стр. 1498

فَمِمَّنْ رَوَاهُ الْإِمَامُ ابْنُ الْإِمَامِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ وَفِي كِتَابِ " السُّنَّةِ "، وَقَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ الزُّبَيْرِيُّ: كَتَبْتُ إِلَيْكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ عَرَضْتُهُ وَسَمِعْتُهُ عَلَى مَا كَتَبْتُ بِهِ إِلَيْكَ، فَحَدِّثْ بِهِ عَنِّي. وَمِنْهُمُ الْحَافِظُ الْجَلِيلُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلُ فِي كِتَابِ " السُّنَّةِ " لَهُ. وَمِنْهُمُ الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْعَسَّالُ فِي كِتَابِ " الْمَعْرِفَةِ ". وَمِنْهُمْ حَافِظُ زَمَانِهِ وَمُحَدِّثُ أَوَانِهِ أَبُو الْقَاسِمِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِهِ. وَمِنْهُمُ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ أَبُو الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي كِتَابِ " السُّنَّةِ ". وَمِنْهُمُ الْحَافِظُ ابْنُ الْحَافِظِ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده، حَافِظُ أَصْبَهَانَ. وَمِنْهُمُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ مِرْدَوَيْهِ. وَمِنْهُمْ حَافِظُ عَصْرِهِ أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ سِوَاهُمْ يَطُولُ ذِكْرُهُمْ. وَقَالَ ابن منده رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّنْعَانِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ رَوَاهُ بِالْعِرَاقِ بِمَجْمَعِ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ الدِّينِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمْ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وأبو حاتم، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ وَلَمْ يُتَكَلَّمْ فِي إِسْنَادِهِ، بَلْ رَوَوْهُ عَلَى سَبِيلِ الْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ، وَلَا يُنْكِرُ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا جَاحِدٌ أَوْ جَاهِلٌ أَوْ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ هَذَا كَلَامُ أبي عبد الله بن منده.

стр. 1499

وَقَوْلِهِ: تَهْضِبُ أَيْ تُمْطِرُ. وَالْأَصْوَاءُ: الْقُبُورُ. وَالشَّرْبَةُ - بِفَتْحِ الرَّاءِ -: الْحَوْضُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ وَبِالسُّكُونِ وَالْيَاءِ الْحَنْظَلَةُ يُرِيدُ أَنَّ الْمَاءَ قَدْ كَثُرَ فَمِنْ حَيْثُ شِئْتَ تَشْرَبُ. وَعَلَى رِوَايَةِ السُّكُونِ وَالْيَاءِ يَكُونُ قَدْ شَبَّهَ الْأَرْضَ بِخُضْرَتِهَا بِالنَّبَاتِ بِخُضْرَةِ الْحَنْظَلَةِ وَاسْتِوَائِهَا. وَقَوْلُهُ: حِسِّ، كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْإِنْسَانُ إِذَا أَصَابَهُ عَلَى غَفْلَةٍ مَا يُحْرِقُهُ أَوْ يُؤْلِمُهُ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: وَهِيَ مِثْلُ أَوَّهْ. وَقَوْلُهُ يَقُولُ رَبُّكَ " أَوْ أَنَّهُ ". قَالَ ابن قتيبة فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ " أَنَّهُ " بِمَعْنَى " نَعَمْ ". وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتُمْ كَذَلِكَ أَوْ أَنَّهُ عَلَى مَا يَقُولُ. وَالطَّوْفُ الْغَائِطُ. وَفِي الْحَدِيثِ ( «لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُدَافِعُ الطَّوْفَ وَالْبَوْلَ» ) وَالْجِسْرُ الصِّرَاطُ. وَقَوْلُهُ " فَيَقُولُ رَبُّكَ. مَهْيَمْ ": أَيْ ( «مَا شَأْنُكَ وَمَا أَمْرُكَ وَفِيمَ كُنْتَ» ) . وَقَوْلُهُ " يُشْرِفُ عَلَيْكُمْ أَزِلِينَ ": الْأَزْلُ - بِسُكُونِ الزَّايِ - الشِّدَّةُ وَالْأَزِلُ عَلَى وَزْنِ كَتِفٍ هُوَ الَّذِي قَدْ أَصَابَهُ الْأَزْلُ وَاشْتَدَّ بِهِ حَتَّى كَادَ يَقْنَطُ. وَقَوْلُهُ " فَيَظَلُّ يَضْحَكُ " هُوَ مِنْ صِفَاتِ أَفْعَالِهِ الَّتِي لَا يُشْبِهُهُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ كَصِفَاتِ ذَاتِهِ، وَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ لَا سَبِيلَ إِلَى رَدِّهَا، كَمَا لَا سَبِيلَ إِلَى تَشْبِيهِهَا وَتَحْرِيفِهَا وَكَذَلِكَ " فَأَصْبَحَ رَبُّكَ يَطُوفُ فِي الْأَرْضِ " هُوَ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ كَقَوْلِهِ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] ( «وَيَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» ) ، ( «وَيَدْنُو عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الْمَوْقِفِ الْمَلَائِكَةَ» ) ، وَالْكَلَامُ فِي الْجَمِيعِ صِرَاطٌ وَاحِدٌ مُسْتَقِيمٌ إِثْبَاتٌ بِلَا تَمْثِيلٍ وَتَنْزِيهٌ بِلَا تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ. وَقَوْلُهُ " وَالْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ": لَا أَعْلَمُ مَوْتَ الْمَلَائِكَةِ جَاءَ فِي حَدِيثٍ صَرِيحٍ إِلَّا هَذَا وَحَدِيثِ إسماعيل بن رافع الطويل وَهُوَ حَدِيثُ الصُّورِ

стр. 1500

وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] [الزُّمَرِ ٦٨] . وَقَوْلِهِ ( «فَلَعُمْرُ إِلَهِكَ» ) هُوَ قَسَمٌ بِحَيَاةِ الرَّبِّ ﷻ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْإِقْسَامِ بِصِفَاتِهِ وَانْعِقَادِ الْيَمِينِ بِهَا، وَأَنَّهَا قَدِيمَةٌ وَأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ مِنْهَا أَسْمَاءُ الْمَصَادِرِ، وَيُوصَفُ بِهَا، وَذَلِكَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ الْأَسْمَاءِ، وَأَنَّ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى مُشْتَقَّةٌ مِنْ هَذِهِ الْمَصَادِرِ دَالَّةٌ عَلَيْهَا. وَقَوْلُهُ ( «ثُمَّ تَجِيءُ الصَّائِحَةُ» ) هِيَ صَيْحَةُ الْبَعْثِ وَنَفْخَتُهُ. وَقَوْلُهُ ( «حَتَّى يَخْلُفَهُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ» ) هُوَ مِنْ أَخْلَفَ الزَّرْعُ إِذَا نَبَتَ بَعْدَ حَصَادِهِ شَبَّهَ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ بَعْدَ الْمَوْتِ بِإِخْلَافِ الزَّرْعِ بَعْدَ مَا حُصِدَ، وَتِلْكَ الْخِلْفَةُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ كَمَا يَنْبُتُ الزَّرْعُ. وَقَوْلُهُ (فَيَسْتَوِي جَالِسًا) هَذَا عِنْدَ تَمَامِ خِلْقَتِهِ وَكَمَالِ حَيَاتِهِ، ثُمَّ يَقُومُ بَعْدَ جُلُوسِهِ قَائِمًا، ثُمَّ يُسَاقُ إِلَى مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ إِمَّا رَاكِبًا وَإِمَّا مَاشِيًا. وَقَوْلُهُ ( «يَقُولُ: يَا رَبِّ أَمْسِ، الْيَوْمَ» ) اسْتِقْلَالٌ لِمُدَّةِ لُبْثِهِ فِي الْأَرْضِ، كَأَنَّهُ لَبِثَ فِيهَا يَوْمًا، فَقَالَ: أَمْسِ أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، فَقَالَ: الْيَوْمَ يَحْسَبُ أَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِأَهْلِهِ وَأَنَّهُ إِنَّمَا فَارَقَهُمْ أَمْسِ أَوِ الْيَوْمَ. وَقَوْلُهُ ( «كَيْفَ يَجْمَعُنَا بَعْدَ مَا تَمْرُقُنَا الرِّيَاحُ وَالْبِلَى وَالسِّبَاعِ» ) وَإِقْرَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَكُونُوا يَخُوضُونَ فِي دَقَائِقِ الْمَسَائِلِ وَلَمْ يَكُونُوا يَفْهَمُونَ حَقَائِقَ الْإِيمَانِ، بَلْ كَانُوا مَشْغُولِينَ بِالْعَمَلِيَّاتِ، وَأَنَّ أَفْرَاخَ الصَّابِئَةِ وَالْمَجُوسِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ أَعْرَفُ مِنْهُمْ بِالْعِلْمِيَّاتِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانُوا يُورِدُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يُشْكِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَسْئِلَةِ وَالشُّبُهَاتِ، فَيُجِيبُهُمْ عَنْهَا بِمَا يُثْلِجُ صُدُورَهُمْ، وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ ﷺ الْأَسْئِلَةَ أَعْدَاؤُهُ وَأَصْحَابُهُ، أَعْدَاؤُهُ لِلتَّعَنُّتِ وَالْمُغَالَبَةِ، وَأَصْحَابُهُ: لِلْفَهْمِ وَالْبَيَانِ وَزِيَادَةِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ يُجِيبُ كُلًّا عَنْ سُؤَالِهِ إِلَّا مَا لَا جَوَابَ عَنْهُ كَسُؤَالِهِ عَنْ وَقْتِ

стр. 1501

السَّاعَةِ، وَفِي هَذَا السُّؤَالِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَجْمَعُ أَجْزَاءَ الْعَبْدِ بَعْدَمَا فَرَّقَهَا وَيُنْشِئُهَا نَشْأَةً أُخْرَى، وَيَخْلُقُهُ خَلْقًا جَدِيدًا كَمَا سَمَّاهُ فِي كِتَابِهِ، كَذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ: " أُنَبِّئُكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي آلَاءِ اللَّهِ " آلَاؤُهُ: نِعَمُهُ وَآيَاتُهُ الَّتِي تَعَرَّفَ بِهَا إِلَى عِبَادِهِ. وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْقِيَاسِ فِي أَدِلَّةِ التَّوْحِيدِ وَالْمَعَادِ، وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْهُ. وَفِيهِ أَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ نَظِيرِهِ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى شَيْءٍ فَكَيْفَ تَعْجِزُ قُدْرَتُهُ عَنْ نَظِيرِهِ وَمِثْلِهِ؟ فَقَدْ قَرَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَدِلَّةَ الْمَعَادِ فِي كِتَابِهِ أَحْسَنَ تَقْرِيرٍ، وَأَبْيَنَهُ وَأَبْلَغَهُ وَأَوْصَلَهُ إِلَى الْعُقُولِ وَالْفِطَرِ، فَأَبَى أَعْدَاؤُهُ الْجَاحِدُونَ إِلَّا تَكْذِيبًا لَهُ وَتَعْجِيزًا لَهُ، وَطَعْنًا فِي حِكْمَتِهِ، تَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَقَوْلُهُ فِي الْأَرْضِ ( «أَشْرَفْتُ عَلَيْهَا وَهِيَ مَدَرَةٌ بَالِيَةٌ» ) هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ١٩] [الرُّومِ: ١٩] . وَقَوْلِهِ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩] [فُصِّلَتْ ٣٩] وَنَظَائِرُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ. وَقَوْلُهُ ( «فَتَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْكُمْ» ) فِيهِ إِثْبَاتُ صِفَةِ النَّظَرِ لِلَّهِ ، وَإِثْبَاتُ رُؤْيَتِهِ فِي الْآخِرَةِ. وَقَوْلُهُ " كَيْفَ وَنَحْنُ مِلْءُ الْأَرْضِ وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ " قَدْ جَاءَ هَذَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَفِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ ( «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ» ) وَالْمُخَاطَبُونَ بِهَذَا قَوْمٌ عَرَبٌ يَعْلَمُونَ الْمُرَادَ مِنْهُ وَلَا يَقَعُ فِي قُلُوبِهِمْ تَشْبِيهُهُ سُبْحَانَهُ بِالْأَشْخَاصِ، بَلْ هُمْ أَشْرَفُ عُقُولًا وَأَصَحُّ أَذْهَانًا، وَأَسْلَمُ قُلُوبًا مِنْ ذَلِكَ، وَحَقَّقَ ﷺ وُقُوعَ الرُّؤْيَةِ عِيَانًا بِرُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ تَحْقِيقًا لَهَا، وَنَفْيًا لِتَوَهُّمِ الْمَجَازِ الَّذِي يَظُنُّهُ الْمُعَطِّلُونَ. وَقَوْلُهُ ( «فَيَأْخُذُ رَبُّكَ بِيَدِهِ غَرْفَةً مِنَ الْمَاءِ فَيَنْضَحُ بِهَا قِبَلَكُمْ» ) فِيهِ إِثْبَاتُ صِفَةِ

стр. 1502

الْيَدِ لَهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ وَإِثْبَاتُ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ النَّضْحُ. وَالرَّيْطَةُ: الْمُلَاءَةُ. وَالْحُمَمُ: جَمْعُ حُمَمَةٍ وَهِيَ الْفَحْمَةُ. وَقَوْلُهُ ( «ثُمَّ يَنْصَرِفُ نَبِيِّكُمْ» ) هَذَا انْصِرَافٌ مِنْ مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَوْلُهُ ( «وَيَفْرُقُ عَلَى أَثَرِهِ الصَّالِحُونَ» ) أَيْ يَفْزَعُونَ وَيَمْضُونَ عَلَى أَثَرِهِ. وَقَوْلُهُ ( «فَتَطَّلِعُونَ عَلَى حَوْضِ نَبِيِّكُمْ» ) ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْحَوْضَ مِنْ وَرَاءِ الْجِسْرِ فَكَأَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَقْطَعُوا الْجِسْرَ، وَلِلسَّلَفِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا القرطبي فِي " تَذْكِرَتِهِ " وَالْغَزَالِيُّ وَغَلَّطَا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ بَعْدَ الْجِسْرِ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ عَلَى الْحَوْضِ إِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: هَلُمَّ، فَقُلْتُ: إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ، قُلْتُ: مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ، فَلَا أَرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلَّا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ» ) . قَالَ: فَهَذَا الْحَدِيثُ مَعَ صِحِّتِهِ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْحَوْضَ يَكُونُ فِي الْمَوْقِفِ قَبْلَ الصِّرَاطِ؛ لِأَنَّ الصِّرَاطَ إِنَّمَا هُوَ جِسْرٌ مَمْدُودٌ عَلَى جَهَنَّمَ، فَمَنْ جَازَهُ سَلِمَ مِنَ النَّارِ. قُلْتُ: وَلَيْسَ بَيْنَ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَعَارُضٌ وَلَا تَنَاقُضٌ وَلَا اخْتِلَافٌ وَحَدِيثُهُ كُلُّهُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَأَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ إِنْ أَرَادُوا أَنَّ الْحَوْضَ لَا يُرَى وَلَا يُوصَلُ إِلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ قَطْعِ الصِّرَاطِ، فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا وَغَيْرُهُ يَرُدُّ قَوْلَهُمْ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا جَازُوا الصِّرَاطَ وَقَطَعُوهُ بَدَا لَهُمُ الْحَوْضُ فَشَرِبُوا مِنْهُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ لقيط هَذَا، وَهُوَ لَا يُنَاقِضُ كَوْنَهُ قَبْلَ الصِّرَاطِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ طُولُهُ شَهْرٌ، وَعَرْضُهُ شَهْرٌ، فَإِذَا كَانَ بِهَذَا الطُّولِ وَالسَّعَةِ، فَمَا الَّذِي يُحِيلُ امْتِدَادَهُ إِلَى وَرَاءِ الْجِسْرِ، فَيَرِدُهُ الْمُؤْمِنُونَ قَبْلَ الصِّرَاطِ وَبَعْدَهُ، فَهَذَا فِي حَيِّزِ الْإِمْكَانِ، وَوُقُوعُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى خَبَرِ الصَّادِقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ ( «- وَاللَّهِ عَلَى أَظْمَأَ - نَاهِلَةٍ قَطُّ» ) النَّاهِلَةُ الْعِطَاشُ الْوَارِدُونَ

стр. 1503

الْمَاءَ أَيْ يَرِدُونَهُ أَظْمَأَ مَا هُمْ إِلَيْهِ، وَهَذَا يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الصِّرَاطِ، فَإِنَّهُ جِسْرُ النَّارِ وَقَدْ وَرَدُوهَا كُلُّهُمْ، فَلَمَّا قَطَعُوهُ اشْتَدَّ ظَمَؤُهُمْ إِلَى الْمَاءِ فَوَرَدُوا حَوْضَهُ ﷺ كَمَا وَرَدُوهُ فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ. وَقَوْلُهُ ( «تَخْنِسُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ» ) أَيْ تَخْتَفِيَانِ فَتَحْتَبِسَانِ وَلَا يُرَيَانِ. وَالِاخْتِنَاسُ التَّوَارِي وَالِاخْتِفَاءُ. وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ ( «مَا بَيْنَ الْبَابَيْنِ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَامًا» ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ مَا بَيْنَ الْبَابِ وَالْبَابِ هَذَا الْمِقْدَارُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْبَابَيْنِ الْمِصْرَاعَيْنِ، وَلَا يُنَاقِضُ هَذَا مَا جَاءَ مِنْ تَقْدِيرِهِ بِأَرْبَعِينَ عَامًا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ رَاوِيهِ بِالرَّفْعِ بَلْ قَالَ: وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ عَامًا. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَسَافَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ سُرْعَةِ السَّيْرِ فِيهَا وَبُطْئِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ ( «فِي خَمْرِ الْجَنَّةِ أَنَّهُ مَا بِهَا صُدَاعٌ وَلَا نَدَامَةٌ» ) تَعْرِيضٌ بِخَمْرِ الدُّنْيَا وَمَا يَلْحَقُهَا مِنْ صُدَاعِ الرَّأْسِ، وَالنَّدَامَةِ عَلَى ذَهَابِ الْعَقْلِ وَالْمَالِ، وَحُصُولِ الشَّرِّ الَّذِي يُوجِبُهُ زَوَالُ الْعَقْلِ. وَالْمَاءُ غَيْرُ الْآسِنِ هُوَ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ بِطُولِ مُكْثِهِ. وَقَوْلُهُ فِي نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ (غَيْرَ أَنْ لَا تَوَالُدَ) قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ، هَلْ تَلِدُ نِسَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَكُونُ فِيهَا حَبَلٌ وَلَا وِلَادَةٌ، وَاحْتَجَّتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَبِحَدِيثٍ آخَرَ أَظُنُّهُ فِي " الْمُسْنَدِ " وَفِيهِ: ( «غَيْرَ أَنْ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنِيَّةَ» ) وَأَثْبَتَتْ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ الْوِلَادَةَ فِي

стр. 1504

الْجَنَّةِ، وَاحْتَجَّتْ بِمَا رَوَاهُ الترمذي فِي " جَامِعِهِ " مِنْ حَدِيثِ أبي الصديق الناجي عَنْ أبي سعيد، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْمُؤْمِنُ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ كَمَا يَشْتَهِي» ) قَالَ الترمذي حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. قَالَتِ الطَّائِفَةُ الْأُولَى: هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ الْوِلَادَةِ فِي الْجَنَّةِ فَإِنَّهُ عَلَّقَهُ بِالشَّرْطِ، فَقَالَ: إِذَا اشْتَهَى وَلَكِنَّهُ لَا يَشْتَهِي، وَهَذَا تَأْوِيلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ. قَالُوا: وَالْجَنَّةُ دَارُ جَزَاءٍ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مَنْ أَهْلِ الْجَزَاءِ، قَالُوا: وَالْجَنَّةُ دَارُ خُلُودٍ لَا مَوْتَ فِيهَا، فَلَوْ تَوَالَدَ فِيهَا أَهْلُهَا عَلَى الدَّوَامِ وَالْأَبَدِ لَمَا وَسِعَتْهُمْ، وَإِنَّمَا وَسِعَتْهُمُ الدُّنْيَا بِالْمَوْتِ. وَأَجَابَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَقَالَتْ " إِذًا " إِنَّمَا تَكُونُ لِمُحَقِّقِ الْوُقُوعِ لَا الْمَشْكُوكِ فِيهِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُنْشِئُ لِلْجَنَّةِ خَلْقًا يُسْكِنُهُمْ إِيَّاهَا بِلَا عَمَلٍ مِنْهُمْ، قَالُوا: وَأَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا فِيهَا بِغَيْرِ عَمَلٍ. وَأَمَّا حَدِيثُ سِعَتِهَا: فَلَوْ رُزِقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةَ آلَافٍ مِنَ الْوَلَدِ وَسِعَتْهُمْ، فَإِنَّ أَدْنَاهُمْ مَنْ يَنْظُرُ فِي مِلْكِهِ مَسِيرَةَ أَلْفَيْ عَامٍ. وَقَوْلُهُ ( «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْصَى مَا نَحْنُ بَالِغُونَ وَمُنْتَهُونَ إِلَيْهِ» ) لَا جَوَابَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَقْصَى مُدَّةِ الدُّنْيَا وَانْتِهَائِهَا فَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَقْصَى مَا نَحْنُ مُنْتَهُونَ إِلَيْهِ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ أَقْصَى مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الِانْتِهَاءُ إِلَى نَعِيمٍ وَجَحِيمٍ وَلِهَذَا لَمْ يُجِبْهُ النَّبِيُّ ﷺ . وَقَوْلُهُ فِي عَقْدِ الْبَيْعَةِ ( «وَزِيَالِ الْمُشْرِكِ» ) أَيْ مُفَارَقَتُهُ وَمُعَادَاتُهُ فَلَا

стр. 1505

يُجَاوِرُهُ وَلَا يُوَالِيهِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي السُّنَنِ ( «لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» ) يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ. وَقَوْلُهُ ( «حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ كَافِرٍ فَقُلْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ مُحَمَّدٌ» ) هَذَا إِرْسَالُ تَقْرِيعٍ وَتَوْبِيخٍ لَا تَبْلِيغِ أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى سَمَاعِ أَصْحَابِ أَهْلِ الْقُبُورِ كَلَامَ الْأَحْيَاءِ وَخِطَابَهُمْ لَهُمْ، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا فَهُوَ فِي النَّارِ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْبِعْثَةِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا قَدْ غَيَّرُوا الْحَنِيفِيَّةَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ وَاسْتَبْدَلُوا بِهَا الشِّرْكَ وَارْتَكَبُوهُ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ حُجَّةٌ مِنَ اللَّهِ بِهِ، وَقُبْحُهُ وَالْوَعِيدُ عَلَيْهِ بِالنَّارِ لَمْ يَزَلْ مَعْلُومًا مِنْ دِينِ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، وَأَخْبَارُ عُقُوبَاتِ اللَّهِ لِأَهْلِهِ مُتَدَاوَلَةٌ بَيْنَ الْأُمَمِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مَا فَطَرَ عِبَادَهُ عَلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ رُبُوبِيَّتِهِ الْمُسْتَلْزِمِ لِتَوْحِيدِ إِلَهِيَّتِهِ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ فِي كُلِّ فِطْرَةٍ وَعَقْلٍ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ إِلَهٌ آخَرُ، وَإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ لَا يُعَذِّبُ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ وَحْدَهَا، فَلَمْ تَزَلْ دَعْوَةُ الرُّسُلِ إِلَى التَّوْحِيدِ فِي الْأَرْضِ مَعْلُومَةً لِأَهْلِهَا، فَالْمُشْرِكُ يَسْتَحِقُّ الْعَذَابَ بِمُخَالَفَتِهِ دَعْوَةَ الرُّسُلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ النَّخْعِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] «وَقَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ النَّخْعِ وَهُمْ آخِرُ الْوُفُودِ قُدُومًا عَلَيْهِ فِي نِصْفِ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ فِي مِائَتَيْ رَجُلٍ فَنَزَلُوا دَارَ الْأَضْيَافِ، ثُمَّ جَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُقِرِّينَ بِالْإِسْلَامِ، وَقَدْ كَانُوا بَايَعُوا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ زرارة بن عمرو: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ فِي سَفَرِي هَذَا عَجَبًا قَالَ: " وَمَا

стр. 1506

رَأَيْتَ "؟ قَالَ رَأَيْتُ أَتَانًا تَرَكْتُهَا فِي الْحَيِّ كَأَنَّهَا وَلَدَتْ جَدْيًا أَسْفَعَ أَحْوَى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هَلْ تَرَكْتَ أَمَةً لَكَ مُصِرَّةً عَلَى حَمْلٍ "؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ: " فَإِنَّهَا قَدْ وَلَدَتْ غُلَامًا وَهُوَ ابْنُكَ "، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُهُ أَسْفَعَ أَحْوَى؟ فَقَالَ: " ادْنُ مِنِّي " فَدَنَا مِنْهُ فَقَالَ: " هَلْ بِكَ مِنْ بَرَصٍ تَكْتُمُهُ؟ "، قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عَلِمَ بِهِ أَحَدٌ، وَلَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ غَيْرُكَ، قَالَ: " فَهُوَ ذَلِكَ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَأَيْتُ النعمان بن المنذر عَلَيْهِ قُرْطَانِ مُدَمْلَجَانِ وَمَسْكَتَانِ، قَالَ: " ذَلِكَ مَلِكُ الْعَرَبِ رَجَعَ إِلَى أَحْسَنِ زِيِّهِ وَبَهْجَتِهِ، " قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَأَيْتُ عَجُوزًا شَمْطَاءَ قَدْ خَرَجَتْ مِنَ الْأَرْضِ. قَالَ: " تِلْكَ بَقِيَّةُ الدُّنْيَا "، قَالَ: وَرَأَيْتُ نَارًا خَرَجَتْ مِنَ الْأَرْضِ فَحَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنٍ لِي يُقَالُ لَهُ عمرو، وَهِيَ تَقُولُ: لَظَى لَظَى بَصِيرٌ وَأَعْمَى أَطْعِمُونِي آكُلُكُمْ أَهْلَكُمْ وَمَالَكُمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تِلْكَ فِتْنَةٌ تَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ ". قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْفِتْنَةُ؟ قَالَ: " يَقْتُلُ النَّاسُ إِمَامَهُمْ وَيَشْتَجِرُونَ اشْتِجَارَ أَطْبَاقِ الرَّأْسِ ". وَخَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَصَابِعِهِ - يَحْسَبُ الْمُسِيءُ فِيهَا أَنَّهُ مُحْسِنٌ - " وَيَكُونُ دَمُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ الْمُؤْمِنِ فِيهَا أَحْلَى مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ إِنْ مَاتَ ابْنُكَ أَدْرَكْتَ الْفِتْنَةَ وَإِنْ مُتَّ أَنْتَ أَدْرَكَهَا ابْنُكَ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا أُدْرِكَهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكْهَا " فَمَاتَ وَبَقِيَ ابْنُهُ وَكَانَ مِمَّنْ خَلَعَ عثمان» . [ذِكْرُ هَدْيِهِ ﷺ فِي مُكَاتَبَاتِهِ إِلَى الْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ] [فَصْلٌ كِتَابِهِ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ] فَصْلٌ ذِكْرُ هَدْيِهِ ﷺ فِي مُكَاتَبَاتِهِ إِلَى الْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ كَتَبَ ( «إِلَى هرقل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ

стр. 1507

الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هرقل عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ وَ ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] » ) وَكَتَبَ ( «إِلَى كِسْرَى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى وَآمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ اللَّهِ فَإِنِّي أَنَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ الْمَجُوسِ " فَلَمَّا قُرِئَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ مَزَّقَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ " مَزَّقَ اللَّهُ مُلْكَهُ» ) ( «وَكَتَبَ إِلَى النَّجَاشِيِّ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ أَسْلِمْ أَنْتَ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ

стр. 1508

الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مريم الْبَتُولِ الطَّيِّبَةِ الْحَصِينَةِ، فَحَمَلَتْ بِعِيسَى فَخَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ رُوحِهِ وَنَفَخَهُ، كَمَا خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْمُوَالَاةِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَأَنْ تَتْبَعَنِي وَتُؤْمِنَ بِالَّذِي جَاءَنِي، فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَإِنِّي أَدْعُوكَ وَجُنُودَكَ إِلَى اللَّهِ ، وَقَدْ بَلَّغْتُ وَنَصَحْتُ فَاقْبَلُوا نَصِيحَتِي، وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى» ) وَبَعَثَ بِالْكِتَابِ مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ فَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ عمرا قَالَ لَهُ يَا أصحمة إِنَّ عَلَيَّ الْقَوْلَ وَعَلَيْكَ الِاسْتِمَاعَ، إِنَّكَ كَأَنَّكَ فِي الرِّقَّةِ عَلَيْنَا وَكَأَنَّا فِي الثِّقَةِ بِكَ مِنْكَ؛ لِأَنَّا لَمْ نَظُنَّ بِكَ خَيْرًا قَطُّ إِلَّا نِلْنَاهُ، وَلَمْ نَخَفْكَ عَلَى شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا أَمِنَّاهُ، وَقَدْ أَخَذْنَا الْحُجَّةَ عَلَيْكَ مِنْ فِيكَ، الْإِنْجِيلُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ شَاهِدٌ لَا يُرَدُّ، وَقَاضٍ لَا يَجُورُ، وَفِي ذَلِكَ مَوْقِعُ الْحَزِّ وَإِصَابَةُ الْمَفْصِلِ، وَإِلَّا فَأَنْتَ فِي هَذَا النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ كَالْيَهُودِ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ رُسُلَهُ إِلَى النَّاسِ، فَرَجَاكَ لِمَا لَمْ يَرْجُهُمْ لَهُ، وَأَمَّنَكَ عَلَى مَا خَافَهُمْ عَلَيْهِ بِخَيْرِ سَالِفٍ وَأَجْرٍ يُنْتَظَرُ. فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّهُ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَأَنَّ بِشَارَةَ مُوسَى بِرَاكِبِ الْحِمَارِ كَبِشَارَةِ عِيسَى بِرَاكِبِ الْجَمَلِ، وَأَنَّ الْعِيَانَ لَيْسَ بِأَشْفَى مِنَ الْخَبَرِ، ثُمَّ كَتَبَ النَّجَاشِيُّ جَوَابَ كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ النَّجَاشِيِّ أصحمة سَلَامٌ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِيمَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ عِيسَى، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ عِيسَى لَا يَزِيدُ عَلَى مَا ذَكَرْتَ ثُفْرُوقًا إِنَّهُ كَمَا ذَكَرْتَ، وَقَدْ عَرَفْنَا مَا بُعِثْتَ بِهِ إِلَيْنَا، وَقَدْ قَرَّبْنَا ابْنَ عَمِّكَ وَأَصْحَابَهُ فَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صَادِقًا مُصَدَّقًا، وَقَدْ بَايَعْتُكَ وَبَايَعْتُ ابْنَ عَمِّكَ، وَأَسْلَمْتُ عَلَى يَدَيْهِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ". وَالثُّفْرُوقُ عِلَاقَةٌ مَا بَيْنَ النَّوَاةِ وَالْقِشْرِ.

стр. 1509

وَتُوُفِّيَ النَّجَاشِيُّ سَنَةَ تِسْعٍ وَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَوْتِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَخَرَجَ بِالنَّاسِ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَلَّى عَلَيْهِ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا. قُلْتُ: وَهَذَا وَهْمٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَقَدْ خَلَطَ رَاوِيهِ وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ النَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي آمَنَ بِهِ وَأَكْرَمَ أَصْحَابَهُ وَبَيْنَ النَّجَاشِيِّ الَّذِي كَتَبَ إِلَيْهِ يَدْعُوهُ، فَهُمَا اثْنَانِ وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي " صَحِيحِ مسلم " إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى النَّجَاشِيِّ وَلَيْسَ بِالَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ. [فَصْلٌ كِتَابِهِ ﷺ إِلَى الْمُقَوْقِسِ] فَصْلٌ وَكَتَبَ إِلَى المقوقس مَلِكِ مِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ: ( «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى المقوقس عَظِيمِ الْقِبْطِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْقِبْطِ ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] » ) [آلِ عِمْرَانَ ٦٤] . وَبَعَثَ بِهِ مَعَ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: إِنَّهُ كَانَ قَبْلَكَ رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ الرَّبُّ الْأَعْلَى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، فَانْتَقَمَ بِهِ ثُمَّ انْتَقَمَ مِنْهُ، فَاعْتَبِرْ بِغَيْرِكَ وَلَا يَعْتَبِرْ غَيْرُكَ بِكَ. فَقَالَ: إِنَّ لَنَا دِينًا لَنْ نَدَعَهُ إِلَّا لِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، فَقَالَ حاطب: نَدْعُوكَ إِلَى دِينِ اللَّهِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ الْكَافِي بِهِ اللَّهُ فَقْدَ مَا سِوَاهُ، إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ دَعَا النَّاسَ، فَكَانَ أَشَدَّهُمْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ، وَأَعْدَاهُمْ لَهُ الْيَهُودُ، وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ النَّصَارَى، وَلَعَمْرِي مَا بِشَارَةُ مُوسَى بِعِيسَى إِلَّا كَبِشَارَةِ عِيسَى بِمُحَمَّدٍ، وَمَا دُعَاؤُنَا إِيَّاكَ إِلَى الْقُرْآنِ إِلَّا كَدُعَائِكَ أَهْلَ التَّوْرَاةِ إِلَى الْإِنْجِيلِ وَكُلُّ نَبِيٍّ أَدْرَكَ قَوْمًا فَهُمْ مِنْ

стр. 1510

أُمَّتِهِ، فَالْحَقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ وَأَنْتَ مِمَّنْ أَدْرَكَهُ هَذَا النَّبِيُّ، وَلَسْنَا نَنْهَاكَ عَنْ دِينِ الْمَسِيحِ، وَلَكِنَّا نَأْمُرُكَ بِهِ. فَقَالَ المقوقس: إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ هَذَا النَّبِيِّ فَوَجَدْتُهُ لَا يَأْمُرُ بِمَزْهُودٍ فِيهِ، وَلَا يَنْهَى عَنْ مَرْغُوبٍ فِيهِ، وَلَمْ أَجِدْهُ بِالسَّاحِرِ الضَّالِّ، وَلَا الْكَاهِنِ الْكَاذِبِ، وَوُجِدَتْ مَعَهُ آيَةُ النُّبُوَّةِ بِإِخْرَاجِ الْخَبْءِ، وَالْإِخْبَارِ بِالنَّجْوَى، وَسَأَنْظُرُ. وَأَخَذَ كِتَابَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَهُ فِي حُقٍّ مِنْ عَاجٍ وَخَتَمَ عَلَيْهِ وَدَفَعَهُ إِلَى جَارِيَةٍ لَهُ، ثُمَّ دَعَا كَاتِبًا لَهُ يَكْتُبُ بِالْعَرَبِيَّةِ فَكَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنَ المقوقس عَظِيمِ الْقِبْطِ سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ فِيهِ وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ نَبِيًّا بَقِيَ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالشَّامِ، وَقَدْ أَكْرَمْتُ رَسُولَكَ وَبَعَثْتُ إِلَيْكَ بِجَارِيَتَيْنِ لَهُمَا مَكَانٌ فِي الْقِبْطِ عَظِيمٌ، وَبِكِسْوَةٍ، وَأَهْدَيْتُ إِلَيْكَ بَغْلَةً لِتَرْكَبَهَا، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ. وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، وَلَمْ يُسْلِمْ، وَالْجَارِيَتَانِ مارية وسيرين وَالْبَغْلَةُ دُلْدُلُ بَقِيَتْ إِلَى زَمَنِ معاوية. [فَصْلٌ كِتَابِهِ ﷺ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى عَامِلِ الْبَحْرَيْنِ] فَصْلٌ وَكَتَبَ إِلَى المنذر بن ساوى فَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عكرمة قَالَ: وَجَدْتُ هَذَا الْكِتَابَ فِي كُتُبِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ مَوْتِهِ فَنَسَخْتُهُ، فَإِذَا فِيهِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى المنذر بن ساوى، وَكَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا يَدْعُوهُ فِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَكَتَبَ المنذر إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَّا بَعْدُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنِّي قَرَأْتُ كِتَابَكَ عَلَى أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَحَبَّ الْإِسْلَامَ وَأَعْجَبَهُ، وَدَخَلَ فِيهِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ وَبِأَرْضِي مَجُوسٌ وَيَهُودُ، فَأَحْدِثْ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ أَمْرَكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى
следующие страницы →