← Сира

Сира · id 21713

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Полный текст (2 628 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

الْحَشَفَةَ، طَلَقَتْ مِنْهُ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَخْرَجَهُ ثُمَّ أَدْخَلَهُ فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا. قَالَ هَؤُلَاءِ وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: ادْخُلْ دَارِي وَلَا تُقِمْ، اسْتَبَاحَ الدُّخُولَ لِوُجُودِهِ عَنْ إِذْنٍ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِمَنْعِهِ مِنَ الْمُقَامِ، وَيَكُونُ الْخُرُوجُ وَإِنْ كَانَ فِي زَمَنِ الْحَظْرِ مُبَاحًا؛ لِأَنَّهُ تَرْكٌ، كَذَلِكَ هَذَا الْمُؤْلِي يَسْتَبِيحُ أَنْ يُولِجَ، وَيَسْتَبِيحُ أَنْ يَنْزِعَ وَيَحْرُمَ عَلَيْهِ اسْتِدَامَةُ الْإِيلَاجِ، وَالْخِلَافُ فِي الْإِيلَاجِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَالنَّزْعِ بَعْدَهُ لِلصَّائِمِ كَالْخِلَافِ فِي الْمُؤْلِي، وَقِيلَ يَحْرُمُ عَلَى الصَّائِمِ الْإِيلَاجُ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُؤْلِي، وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّحْرِيمَ قَدْ يَطْرَأُ عَلَى الصَّائِمِ بِغَيْرِ الْإِيلَاجِ، فَجَازَ أَنْ يَحْرُمَ عَلَيْهِ الْإِيلَاجُ، وَالْمُؤْلِي لَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ التَّحْرِيمُ بِغَيْرِ الْإِيلَاجِ فَافْتَرَقَا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ: لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ، وَلَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ، بَلْ يُوقَفُ، وَيُقَالُ لَهُ: مَا أَمَرَ اللَّهُ؟ إِمَّا أَنْ تَفِيءَ، وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَ. قَالُوا: وَكَيْفَ يَكُونُ مُؤْلِيًا وَلَا يُمَكَّنُ مِنَ الْفَيْئَةِ، بَلْ يَلْزَمُ بِالطَّلَاقِ، وَإِنْ مُكِّنَ مِنْهَا وَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ، فَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ بِهِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ مَعَ كَوْنِهِ مُؤْلِيًا؟ فَهَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ بَلْ يُقَالُ لِهَذَا: إِنْ فَاءَ لَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ، وَإِنْ لَمْ يَفِئْ أُلْزِمَ بِالطَّلَاقِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ يَرَى الْيَمِينَ بِالطَّلَاقِ لَا يُوجِبُ طَلَاقًا، وَإِنَّمَا يُجْزِئُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وطاووس، وعكرمة، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَاخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ. [حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي اللِّعَانِ] قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ - وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ - وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ - وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩] [النُّورِ: ٦٩] . وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، «أَنَّ عويمرا العجلاني

стр. 2207

قَالَ لعاصم بن عدي: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَسَلْ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عاصم مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ إِنَّ عويمرا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: " قَدْ نَزَلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا " فَتَلَاعَنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » ) . قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ. قَالَ سهل: وَكَانَتْ حَامِلًا، وَكَانَ ابْنُهَا يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ، ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ أَنْ يَرِثَهَا وَتَرِثَ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا. وَفِي لَفْظٍ: ( «فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ، فَفَارَقَهَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ذَاكُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ» ) وَقَوْلُ سهل: وَكَانَتْ حَامِلًا إِلَى آخِرِهِ، هُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَلِلْبُخَارِيِّ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «انْظُرُوا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمَ الْأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَلَا أَحْسَبُ عويمرا إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ، فَلَا أَحْسَبُ عويمرا إِلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا " فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ تَصْدِيقِ عويمر» ) وَفِي لَفْظٍ: " وَكَانَتْ حَامِلًا فَأَنْكَرَ حَمْلَهَا وَفِي " صَحِيحِ مسلم " «مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إِنْ تَكَلَّمَ

стр. 2208

تَكَلَّمَ بِأَمْرِ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، قَالَتْ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا» . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْهُ ( «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ " حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا " قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي؟ قَالَ لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا» . وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا: «فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَقَالَ: " وَاللَّهِ إِنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ".» وَفِيهِمَا عَنْهُ: ( «أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ» وَفِي " صَحِيحِ مسلم ": ( «مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِي قِصَّةِ

стр. 2209

الْمُتَلَاعِنَيْنِ، فَشَهِدَ الرَّجُلُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ لَعَنَ الْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، فَذَهَبَتْ لِتَلْعَنَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَهْ " فَأَبَتْ فَلَعَنَتْ، فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ: لَعَلَّهَا أَنْ تَجِيءَ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا " فَجَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا» . وَفِي " صَحِيحِ مسلم " مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ( «أَنَّ هلال بن أمية قَذَفَ امْرَأَتَهُ بشريك ابن سحماء ـ وَكَانَ أَخَا الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ لِأُمِّهِ ـ وَكَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ لَاعَنَ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَبْصِرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبِطًا قَضِيءَ الْعَيْنَيْنِ فَهُوَ لهلال بن أمية، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لشريك ابن سحماء، قَالَ: فَأُنْبِئْتُ أَنَّهَا جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقَيْنِ» ) وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " «مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُ هَذِهِ الْقِصَّةِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَهِيَ الْمَرْأَةُ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ هَذِهِ "؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الْإِسْلَامِ السُّوءَ» . ولأبي داود فِي هَذَا الْحَدِيثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا، وَقَضَى أَنْ لَا يُدْعَى وَلَدُهَا لِأَبٍ، وَلَا تُرْمَى وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا، وَمَنْ رَمَاهَا أَوْ رَمَى وَلَدَهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَقَضَى أَلَّا بَيْتَ لَهَا عَلَيْهِ وَلَا قُوتَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا يَتَفَرَّقَانِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ وَلَا مُتَوَفًّى عَنْهَا» .

стр. 2210

وَفِي الْقِصَّةِ، قَالَ عكرمة: فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَمِيرًا عَلَى مِصْرَ وَمَا يُدْعَى لِأَبٍ. وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ: «أَنَّ هلال بن أمية قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بشريك ابن سحماء، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ "، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ، وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ. .﴾ [النور: ٦] .. الْآيَاتِ، فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهَا، فَجَاءَ هلال فَشَهِدَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ " فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ فَمَضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَبْصِرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لشريك ابن سحماء " فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ) » وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": «أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا، فَقَالَ سعد: بَلَى وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ» . وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ: " نَعَمْ» . وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: «لَوْ وَجَدْتُ مَعَ أَهْلِي رَجُلًا لَمْ أُهِجْهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " نَعَمْ "، قَالَ كَلَّا وَالَّذِي

стр. 2211

بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا إِنْ كُنْتُ لَأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ، إِنَّهُ لَغَيُورٌ، وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي» . وَفِي لَفْظٍ: «لَوْ رَأَيْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ الْمُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ» ) [فَصْلٌ يَصِحُّ اللِّعَانُ مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ وَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ مَحْدُودَيْنِ فِي قَذْفٍ أَوْ كَافِرَيْنِ] فَصْلٌ وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ النَّبَوِيِّ عِدَةُ أَحْكَامٍ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ: أَنَّ اللِّعَانَ يَصِحُّ مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ، عَدْلَيْنِ أَوْ فَاسِقَيْنِ، مَحْدُودَيْنِ فِي قَذْفٍ أَوْ غَيْرَ مَحْدُودَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا، كَذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ: جَمِيعُ الْأَزْوَاجِ يَلْتَعِنُونَ؛ الْحُرُّ مِنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ إِذَا كَانَتْ زَوْجَةً، وَالْعَبْدُ مِنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ إِذَا كَانَتْ زَوْجَةً، وَالْمُسْلِمُ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، وَهَذَا قَوْلُ مالك وإسحاق، وَقَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ والحسن وربيعة وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ. وَذَهَبَ أَهْلُ الرَّأْيِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ زَوْجَيْنِ مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ حُرَّيْنِ غَيْرِ مَحْدُودَيْنِ فِي قَذْفٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أحمد. وَمَأْخَذُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ اللِّعَانَ يَجْمَعُ وَصْفَيْنِ: الْيَمِينَ وَالشَّهَادَةَ، وَقَدْ سَمَّاهُ

стр. 2212

اللَّهُ سُبْحَانَهُ شَهَادَةً، وَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمِينًا حَيْثُ يَقُولُ: " «لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» " فَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْأَيْمَانِ قَالَ: يَصِحُّ مِنْ كُلِّ مَنْ يَصِحُّ يَمِينُهُ، قَالُوا: وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] قَالُوا: وَقَدْ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمِينًا. قَالُوا: وَلِأَنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى اسْمِ اللَّهِ وَإِلَى ذِكْرِ الْقَسَمِ الْمُؤَكَّدِ وَجَوَابِهِ. قَالُوا: وَلِأَنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ. قَالُوا: وَلَوْ كَانَ شَهَادَةً لَمَا تَكَرَّرَ لَفْظُهُ، بِخِلَافِ الْيَمِينِ فَإِنَّهُ قَدْ يُشْرَعُ فِيهَا التَّكْرَارُ، كَأَيْمَانِ الْقَسَامَةِ. قَالُوا: وَلِأَنَّ حَاجَةَ الزَّوْجِ الَّتِي لَا تَصِحُّ مِنْهُ الشَّهَادَةُ إِلَى اللِّعَانِ وَنَفْيِ الْوَلَدِ، كَحَاجَةِ مَنْ تَصِحُّ شَهَادَتُهُ سَوَاءٌ، وَالْأَمْرُ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِ مِمَّا يَدْعُو إِلَى اللِّعَانِ كَالَّذِي يَنْزِلُ بِالْعَدْلِ الْحُرِّ، وَالشَّرِيعَةُ لَا تَرْفَعُ ضَرَرَ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ وَتَجْعَلُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا مِمَّا نَزَلَ بِهِ، وَتَدَعُ النَّوْعَ الْآخَرَ فِي الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ لَا فَرَجَ لَهُ مِمَّا نَزَلَ بِهِ وَلَا مَخْرَجَ، بَلْ يَسْتَغِيثُ فَلَا يُغَاثُ، وَيَسْتَجِيرُ فَلَا يُجَارُ، إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِهِ، قَدْ ضَاقَتْ عَنْهُ الرَّحْمَةُ الَّتِي وَسِعَتْ مَنْ تَصِحُّ شَهَادَتُهُ، وَهَذَا تَأْبَاهُ الشَّرِيعَةُ الْوَاسِعَةُ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ. قَالَ الْآخَرُونَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ اسْتَثْنَى أَنْفُسَهُمْ مِنَ الشَّهَدَاءِ، وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ قَطْعًا، وَلِهَذَا جَاءَ مَرْفُوعًا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ الْتِعَانَهُمْ شَهَادَةٌ، ثُمَّ زَادَ سُبْحَانَهُ هَذَا بَيَانًا فَقَالَ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٨] وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ جَعَلَهُ بَدَلًا مِنَ الشُّهُودِ، وَقَائِمًا مَقَامَهُمْ عِنْدَ عَدَمِهِمْ. قَالُوا: وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «لَا لِعَانَ بَيْنَ مَمْلُوكَيْنِ وَلَا كَافِرَيْنِ» ) ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي " التَّمْهِيدِ ".

стр. 2213

وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: ( «أَرْبَعَةٌ لَيْسَ بَيْنَهُمْ لِعَانٌ؛ لَيْسَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْأَمَةِ لِعَانٌ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْعَبْدِ لِعَانٌ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْيَهُودِيَّةِ لِعَانٌ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ لِعَانٌ» ) وَذَكَرَ عبد الرزاق فِي " مُصَنَّفِهِ " عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: مِنْ وَصِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لعتاب بن أسيد: أَنْ لَا لِعَانَ بَيْنَ أَرْبَعٍ. فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. قَالُوا: وَلِأَنَّ اللِّعَانَ جُعِلَ بَدَلَ الشَّهَادَةِ، وَقَائِمًا مَقَامَهَا عِنْدَ عَدَمِهَا، فَلَا يَصِحُّ إِلَّا مِمَّنْ تَصِحُّ مِنْهُ، وَلِهَذَا تُحَدُّ الْمَرْأَةُ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَنُكُولِهَا تَنْزِيلًا لِلِعَانِهِ مَنْزِلَةَ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ. قَالُوا: وَأَمَّا الْحَدِيثُ: ( «لَوْلَا مَا مَضَى مِنَ الْأَيْمَانِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» ) فَالْمَحْفُوظُ فِيهِ: " «لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ» " هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ في " صَحِيحِهِ ". وَأَمَّا قَوْلُهُ: " «لَوْلَا مَا مَضَى مِنَ الْأَيْمَانِ» " فَمِنْ رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ. قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ الرَّازِيُّ: مَتْرُوكٌ قَدَرِيٌّ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: ضَعِيفٌ. وَقَدِ اسْتَقَرَّتْ قَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالزَّوْجُ هَاهُنَا مُدَّعٍ، فَلِعَانُهُ شَهَادَةٌ، وَلَوْ كَانَ يَمِينًا لَمْ تُشْرَعْ فِي جَانِبِهِ. قَالَ الْأَوَّلُونَ: أَمَّا تَسْمِيَتُهُ شَهَادَةً فَلِقَوْلِ الْمُلْتَعِنِ فِي يَمِينِهِ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ شَهَادَةً، وَإِنْ كَانَ يَمِينًا اعْتِبَارًا بِلَفْظِهَا. قَالُوا: وَكَيْفَ وَهُوَ مُصَرَّحٌ فِيهِ

стр. 2214

بِالْقَسَمِ وَجَوَابِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ بِذَلِكَ، سَوَاءٌ نَوَى الْيَمِينَ أَوْ أَطْلَقَ، وَالْعَرَبُ تَعُدُّ ذَلِكَ يَمِينًا فِي لُغَتِهَا وَاسْتِعْمَالِهَا. قَالَ قيس: فَأَشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أَنِّي أُحِبُّهَا ... فَهَذَا لَهَا عِنْدِي فَمَا عِنْدَهَا لِيَا وَفِي هَذَا حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ " أَشْهَدُ " تَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ "بِاللَّهِ" كَمَا هُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أحمد. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَكُونُ يَمِينًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ. كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ، يَمِينٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ بِمُطْلَقِهِ. قَالُوا: وَأَمَّا اسْتِثْنَاؤُهُ سُبْحَانَهُ أَنْفُسَهُمْ مِنَ الشُّهَدَاءِ فَيُقَالُ: أَوَّلًا: " إِلَّا " هَاهُنَا: صِفَةٌ بِمَعْنَى "غَيْرُ" وَالْمَعْنَى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ غَيْرُ أَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّ " غَيْرُ " وَ " وَإِلَّا " يَتَعَاوَضَانِ الْوَصْفِيَّةَ وَالِاسْتِثْنَاءَ فَيُسْتَثْنَى بِـ " غَيْرُ " حَمْلًا عَلَى " إِلَّا " وَيُوصَفُ بِـ " إِلَّا " حَمْلًا عَلَى " غَيْرُ ". وَيُقَالُ ثَانِيًا: إِنَّ " أَنْفُسُهُمْ " مُسْتَثْنًى مِنَ الشُّهَدَاءِ، وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا عَلَى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، فَإِنَّهُمْ يُبْدِلُونَ فِي الِانْقِطَاعِ كَمَا يُبْدِلُ أَهْلُ الْحِجَازِ وَهُمْ فِي الِاتِّصَالِ. وَيُقَالُ ثَالِثًا: إِنَّمَا اسْتَثْنَى " أَنْفُسُهُمْ " مِنَ الشُّهَدَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَزَّلَهُمْ مَنْزِلَتَهُمْ فِي قَبُولِ قَوْلِهِمْ، وَهَذَا قَوِيٌّ جِدًّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرْجُمُ الْمَرْأَةَ بِالْتِعَانِ الزَّوْجِ إِذَا نَكَلَتْ وَهُوَ الصَّحِيحُ، كَمَا يَأْتِي تَقْرِيرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالصَّحِيحُ أَنَّ لِعَانَهُمْ يَجْمَعُ الْوَصْفَيْنِ؛ الْيَمِينَ وَالشَّهَادَةَ، فَهُوَ شَهَادَةٌ مُؤَكَّدَةٌ بِالْقَسَمِ وَالتَّكْرَارِ، وَيَمِينٌ مُغَلَّظَةٌ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَالتَّكْرَارِ؛ لِاقْتِضَاءِ الْحَالِ تَأْكِيدَ الْأَمْرِ، وَلِهَذَا اعْتُبِرَ فِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ عَشَرَةُ أَنْوَاعٍ. أَحَدُهَا: ذِكْرُ لَفْظِ الشَّهَادَةِ.

стр. 2215

الثَّانِي: ذِكْرُ الْقَسَمِ بِأَحَدِ أَسْمَاءِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَأَجْمَعِهَا لِمَعَانِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَهُوَ اسْمُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ. الثَّالِثُ: تَأْكِيدُ الْجَوَابِ بِمَا يُؤَكَّدُ بِهِ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ مِنْ " إِنَّ وَاللَّامِ " وَإِتْيَانِهِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ الَّذِي هُوَ صَادِقٌ وَكَاذِبٌ دُونَ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ صَدَقَ وَكَذَبَ. الرَّابِعُ: تَكْرَارُ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. الْخَامِسُ: دُعَاؤُهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْخَامِسَةِ بِلَعْنَةِ اللَّهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. السَّادِسُ: إِخْبَارُهُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ أَنَّهَا الْمُوجِبَةُ لِعَذَابِ اللَّهِ، وَأَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ. السَّابِعُ: جَعْلُ لِعَانِهِ مُقْتَضٍ لِحُصُولِ الْعَذَابِ عَلَيْهَا، وَهُوَ إِمَّا الْحَدُّ أَوِ الْحَبْسُ، وَجَعْلُ لِعَانِهَا دَارِئًا لِلْعَذَابِ عَنْهَا. الثَّامِنُ: أَنَّ هَذَا اللِّعَانَ يُوجِبُ الْعَذَابَ عَلَى أَحَدِهِمَا، إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَةِ. التَّاسِعُ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَخَرَابُ بَيْتِهَا وَكَسْرُهَا بِالْفِرَاقِ. الْعَاشِرُ: تَأْبِيدُ تِلْكَ الْفُرْقَةِ وَدَوَامُ التَّحْرِيمِ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا كَانَ شَأْنُ هَذَا اللِّعَانِ هَذَا الشَّأْنَ جُعِلَ يَمِينًا مَقْرُونًا بِالشَّهَادَةِ، وَشَهَادَةً مَقْرُونَةً بِالْيَمِينِ، وَجُعِلَ الْمُلْتَعِنُ لِقَبُولِ قَوْلِهِ كَالشَّاهِدِ، فَإِنْ نَكَلَتِ الْمَرْأَةُ مَضَتْ شَهَادَتُهُ وَحُدَّتْ، وَأَفَادَتْ شَهَادَتُهُ وَيَمِينُهُ شَيْئَيْنِ؛ سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُ، وَوُجُوبُهُ عَلَيْهَا. وَإِنِ الْتَعَنَتِ الْمَرْأَةُ وَعَارَضَتْ لِعَانَهُ بِلِعَانِ آخَرَ مِنْهَا أَفَادَ لِعَانُهُ سُقُوطَ الْحَدِّ عَنْهُ دُونَ وُجُوبِهِ عَلَيْهَا، فَكَانَ شَهَادَةً وَيَمِينًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ دُونَهَا؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ يَمِينًا مَحْضَةً فَهِيَ لَا تُحَدُّ بِمُجَرَّدِ حَلِفِهِ، وَإِنْ كَانَ شَهَادَةً فَلَا تُحَدُّ بِمُجَرَّدِ شَهَادَتِهِ عَلَيْهَا وَحْدَهُ. فَإِذَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ نُكُولُهَا قَوِيَ جَانِبُ الشَّهَادَةِ وَالْيَمِينِ فِي حَقِّهِ بِتَأَكُّدِهِ وَنُكُولِهَا، فَكَانَ دَلِيلًا ظَاهِرًا عَلَى صِدْقِهِ، فَأَسْقَطَ الْحَدَّ عَنْهُ وَأَوْجَبَهُ عَلَيْهَا، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا يَكُونُ مِنَ الْحُكْمِ، وَمَنْ أَحْسَنُ

стр. 2216

مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمِ يُوقِنُونَ. وَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا أَنَّهُ يَمِينٌ فِيهَا مَعْنَى الشَّهَادَةِ، وَشَهَادَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْيَمِينِ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، فَمَا أَبْيَنَ دِلَالَتِهِ لَوْ كَانَ صَحِيحًا بِوُصُولِهِ إِلَى عمرو، وَلَكِنْ فِي طَرِيقِهِ إِلَى عمرو مَهَالِكُ وَمَفَاوِزُ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَيْسَ دُونَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مَنْ يُحْتَجُّ بِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُهُ الْآخَرُ الَّذِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، فَعَلَى طَرِيقِ الْحَدِيثِ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَقَّاصِيُّ وَهُوَ مَتْرُوكٌ بِإِجْمَاعِهِمْ، فَالطَّرِيقُ بِهِ مَقْطُوعَةٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ عبد الرزاق، فَمَرَاسِيلُ الزُّهْرِيِّ عِنْدَهُمْ ضَعِيفَةٌ، لَا يُحْتَجُّ بِهَا، وعتاب بن أسيد كَانَ عَامِلًا لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَكَّةَ، وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ الْبَتَّةَ حَتَّى يُوصِيَهُ أَنْ لَا يُلَاعِنَ بَيْنَهُمَا. قَالُوا: وَأَمَّا رَدُّكُمْ لِقَوْلِهِ: ( «لَوْلَا مَا مَضَى مِنَ الْأَيْمَانِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» ) وَهُوَ حَدِيثٌ رَوَاهُ أبو داود فِي " سُنَنِهِ " وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَأَمَّا تَعَلُّقُكُمْ فِيهِ عَلَى عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ فَأَكْثَرُ مَا عِيبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدَرِيٌّ دَاعِيَةٌ إِلَى الْقَدَرِ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ رَدَّ حَدِيثِهِ، فَفِي الصَّحِيحِ الِاحْتِجَاجُ بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَالشِّيعَةِ، مِمَّنْ عُلِمَ صِدْقُهُ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ: " «لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى» " , وَ " «لَوْلَا مَا مَضَى مِنَ الْأَيْمَانِ» " فَيُحْتَاجُ إِلَى تَرْجِيحِ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَى الْآخَرِ، بَلِ

стр. 2217

الْأَيْمَانُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَكِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى حُكْمُهُ الَّذِي حَكَمَ بِهِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، وَأَرَادَ ﷺ لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي فَصَلَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَكَانَ لَهَا شَأْنٌ آخَرُ. قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ قَاعِدَةَ الشَّرِيعَةِ اسْتَقَرَّتْ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تَسْتَقِرَّ عَلَى هَذَا، بَلْ قَدِ اسْتَقَرَّتْ فِي الْقَسَامَةِ بِأَنْ يُبْدَأَ بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ، وَهَذَا لِقُوَّةِ جَانِبِهِمْ بِاللَّوْثِ، وَقَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْيَمِينَ تَكُونُ مِنْ جَنَبَةِ أَقْوَى الْمُتَدَاعِيَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ جَانِبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَوِيًّا بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ شُرِعَتِ الْيَمِينُ فِي جَانِبِهِ، فَلَمَّا قَوِيَ جَانِبُ الْمُدَّعِي فِي الْقَسَامَةِ بِاللَّوْثِ كَانَتِ الْيَمِينُ فِي جَانِبِهِ، وَكَذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ لَمَّا قَوِيَ جَانِبُهُ بِالنُّكُولِ صَارَتِ الْيَمِينُ فِي جَانِبِهِ، فَيُقَالُ لَهُ: احْلِفْ وَاسْتَحِقَّ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ حِكْمَةِ الشَّارِعِ وَاقْتِضَائِهِ لِلْمَصَالِحِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَلَوْ شُرِعَتِ الْيَمِينُ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ دَائِمًا لَذَهَبَتْ قُوَّةُ الْجَانِبِ الرَّاجِحِ هَدَرًا، وَحِكْمَةُ الشَّارِعِ تَأْبَى ذَلِكَ، فَالَّذِي جَاءَ بِهِ هُوَ غَايَةُ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ. وَإِذَا عُرِفَ هَذَا، فَجَانِبُ الزَّوْجِ هَاهُنَا أَقْوَى مِنْ جَانِبِهَا، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تُنْكِرُ زِنَاهَا وَتَبْهَتُهُ، وَالزَّوْجَ لَيْسَ لَهُ غَرَضٌ فِي هَتْكِ حُرْمَتِهِ وَإِفْسَادِ فِرَاشِهِ وَنِسْبَةِ أَهْلِهِ إِلَى الْفُجُورِ، بَلْ ذَلِكَ أَشْوَشُ عَلَيْهِ وَأَكْرَهُ شَيْءٍ إِلَيْهِ، فَكَانَ هَذَا لَوْثًا ظَاهِرًا، فَإِذَا انْضَافَ إِلَيْهِ نُكُولُ الْمَرْأَةِ قَوِيَ الْأَمْرُ جِدًّا فِي قُلُوبِ النَّاسِ خَاصِّهِمْ وَعَامِّهِمْ، فَاسْتَقَلَّ ذَلِكَ بِثُبُوتِ حُكْمِ الزِّنَى عَلَيْهَا شَرْعًا، فَحُدَّتْ بِلِعَانِهِ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ تَكُنْ أَيْمَانُهُ بِمَنْزِلَةِ الشُّهَدَاءِ الْأَرْبَعَةِ حَقِيقَةً كَانَ لَهَا أَنْ تُعَارِضَهَا بِأَيْمَانٍ أُخْرَى مِثْلِهَا يُدْرَأُ عَنْهَا بِهَا الْعَذَابُ؛ عَذَابُ الْحَدِّ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] [النُّورِ: ٢] وَلَوْ كَانَ لِعَانُهُ بَيِّنَةً حَقِيقَةً لَمَا دَفَعَتْ أَيْمَانُهَا عَنْهَا شَيْئًا، وَهَذَا يَتَّضِحُ بِالْفَصْلِ الثَّانِي الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا لَمْ تَلْتَعِنْ فَهَلْ تُحَدُّ أَوْ تُحْبَسُ حَتَّى تُقِرَّ أَوْ تُلَاعِنَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: تُحَدُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ.

стр. 2218

وَقَالَ أحمد: تُحْبَسُ حَتَّى تُقِرَّ أَوْ تُلَاعِنَ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: لَا تُحْبَسُ وَيُخَلَّى سَبِيلُهَا. قَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ: لَوْ كَانَ لِعَانُ الرَّجُلِ بَيِّنَةً تُوجِبُ الْحَدَّ عَلَيْهَا لَمْ تَمْلِكْ إِسْقَاطَهُ بِاللِّعَانِ وَتَكْذِيبِ الْبَيِّنَةِ كَمَا لَوْ شَهِدَ عَلَيْهَا أَرْبَعَةٌ. قَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ عَلَيْهَا مَعَ ثَلَاثَةٍ غَيْرَهُ لَمْ تُحَدَّ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، فَلِأَنْ لَا تُحَدَّ بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ أَوْلَى وَأَحْرَى. قَالُوا: وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، فَلَا يُوجِبُ حَدَّ الْآخَرِ كَمَا لَمْ يُوجِبْ لِعَانُهَا حَدَّهُ. قَالُوا: وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ( «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» ) وَلَا رَيْبَ أَنَّ الزَّوْجَ هَاهُنَا مُدَّعٍ. قَالُوا: وَلِأَنَّ مُوجَبَ لِعَانِهِ إِسْقَاطُ الْحَدِّ عَنْ نَفْسِهِ لَا إِيجَابُ الْحَدِّ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ( «الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» ) فَإِنَّ مُوجَبَ قَذْفِ الزَّوْجِ كَمُوجَبِ قَذْفِ الْأَجْنَبِيِّ وَهُوَ الْحَدُّ، فَجَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُ بِاللِّعَانِ، وَجَعَلَ طَرِيقَ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْمَرْأَةِ أَحَدَ أَمْرَيْنِ؛ إِمَّا أَرْبَعَةُ شُهُودٍ، أَوِ اعْتِرَافٌ، أَوِ الْحَبَلُ عِنْدَ مَنْ يَحُدُّ بِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، كَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : (وَالرَّجْمُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ زَنَى مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا كَانَ مُحْصَنًا إِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوِ الِاعْتِرَافُ) ، وَكَذَلِكَ قَالَ علي ﵁، فَجَعَلَا طَرِيقَ الْحَدِّ ثَلَاثَةً لَمْ يَجْعَلَا فِيهَا اللِّعَانَ. قَالُوا: وَأَيْضًا فَهَذِهِ لَمْ يَتَحَقَّقْ زِنَاهَا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ؛ لِأَنَّ تَحَقُّقَ زِنَاهَا

стр. 2219

إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ، لِأَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ بِهِ لَمْ يَسْقُطْ بِلِعَانِهَا الْحَدُّ، وَلَمَا وَجَبَ بَعْدَ ذَلِكَ حَدٌّ عَلَى قَاذِفِهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَحَقَّقَ بِنُكُولِهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَثْبُتُ بِالنُّكُولِ، فَإِنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ فَكَيْفَ يَجِبُ بِالنُّكُولِ، فَإِنَّ النُّكُولَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِشِدَّةِ خَفَرِهَا أَوْ لِعُقْلَةِ لِسَانِهَا، أَوْ لِدَهَشِهَا فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ الْفَاضِحِ الْمُخْزِي، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ، فَكَيْفَ يَثْبُتُ الْحَدُّ الَّذِي اعْتُبِرَ فِي بَيِّنَتِهِ مِنَ الْعَدَدِ ضِعْفُ مَا اعْتُبِرَ فِي سَائِرِ الْحُدُودِ، وَفِي إِقْرَارِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، وَاعْتُبِرَ فِي كُلٍّ مِنَ الْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ أَنْ يَتَضَمَّنَ وَصْفَ الْفِعْلِ، وَالتَّصْرِيحَ بِهِ مُبَالَغَةً فِي السَّتْرِ، وَدَفْعًا لِإِثْبَاتِ الْحَدِّ بِأَبْلَغِ الطُّرُقِ وَآكَدِهَا، وَتَوَسُّلًا إِلَى إِسْقَاطِ الْحَدِّ بِأَدْنَى شُبْهَةٍ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ الَّذِي هُوَ فِي نَفْسِهِ شُبْهَةٌ لَا يُقْضَى بِهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ الْبَتَّةَ، وَلَا فِيمَا عَدَا الْأَمْوَالَ؟ . قَالُوا: وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَرَى الْقَضَاءَ بِالنُّكُولِ فِي دِرْهَمٍ فَمَا دُونَهُ وَلَا فِي أَدْنَى تَعْزِيرٍ، فَكَيْفَ يُقْضَى بِهِ فِي أَعْظَمِ الْأُمُورِ وَأَبْعَدِهَا ثُبُوتًا وَأَسْرَعِهَا سُقُوطًا؟ وَلِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بِلِسَانِهَا ثُمَّ رَجَعَتْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْحَدُّ، فَلَأَنْ لَا يَجِبَ بِمُجَرَّدِ امْتِنَاعِهَا مِنَ الْيَمِينِ عَلَى بَرَاءَتِهَا أَوْلَى، وَإِذَا ظَهَرَ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي تَحَقُّقِ زِنَاهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ بِتَحَقُّقِهِ بِهِمَا لِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الشُّبْهَةِ لَا يَزُولُ بِضَمِّ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ، كَشَهَادَةِ مِائَةِ فَاسِقٍ، فَإِنَّ احْتِمَالَ نُكُولِهَا لِفَرْطِ حَيَائِهَا، وَهَيْبَةِ ذَلِكَ الْمَقَامِ وَالْجَمْعِ، وَشِدَّةِ الْخَفَرِ، وَعَجْزِهَا عَنِ النُّطْقِ، وَعُقْلَةِ لِسَانِهَا، لَا يَزُولُ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَلَا بِنُكُولِهَا. الثَّانِي: أَنَّ مَا لَا يُقْضَى فِيهِ بِالْيَمِينِ الْمُفْرَدَةِ لَا يُقْضَى فِيهِ بِالْيَمِينِ مَعَ النُّكُولِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور: ٨] فَالْعَذَابُ هَاهُنَا

стр. 2220

يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْحَدُّ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْحَبْسُ وَالْعُقُوبَةُ الْمَطْلُوبَةُ، فَلَا يَتَعَيَّنُ إِرَادَةُ الْحَدِّ بِهِ، فَإِنَّ الدَّالَّ عَلَى الْمُطْلَقِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُقَيَّدِ إِلَّا بِدَلِيلٍ مِنْ خَارِجٍ، وَأَدْنَى دَرَجَاتِ ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ، فَلَا يَثْبُتُ الْحَدُّ مَعَ قِيَامِهِ، وَقَدْ يُرَجَّحُ هَذَا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ عمر وعلي ﵄: (إِنَّ الْحَدَّ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْبَيِّنَةِ أَوِ الِاعْتِرَافِ أَوِ الْحَبَلِ) ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِيمَا يُصْنَعُ بِهَا إِذَا لَمْ تُلَاعِنْ، فَقَالَ أحمد: إِذَا أَبَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تَلْتَعِنَ بَعْدَ الْتِعَانِ الرَّجُلِ أَجْبَرْتُهَا عَلَيْهِ وَهِبْتُ أَنْ أَحْكُمَ عَلَيْهَا بِالرَّجْمِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بِلِسَانِهَا لَمْ أَرْجُمْهَا إِذَا رَجَعَتْ، فَكَيْفَ إِذَا أَبَتِ اللِّعَانَ؟ وَعَنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: يُخَلَّى سَبِيلُهَا، اخْتَارَهَا أبو بكر؛ لِأَنَّهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ، فَيَجِبُ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهَا كَمَا لَوْ لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ. [فصل حُجَجُ الْمُوجِبِينَ لِلْحَدِّ] فَصْلٌ قَالَ الْمُوجِبُونَ لِلْحَدِّ: مَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْتِعَانَ الزَّوْجِ بَدَلًا عَنِ الشُّهُودِ وَقَائِمًا مَقَامَهُمْ، بَلْ جَعَلَ الْأَزْوَاجَ الْمُلْتَعِنِينَ شُهَدَاءَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَصَرَّحَ بِأَنَّ لِعَانَهُمْ شَهَادَةٌ، وَأَوْضَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨] ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ الْعَذَابِ الدُّنْيَوِيِّ قَدْ وُجِدَ، وَأَنَّهُ لَا يَدْفَعُهُ عَنْهَا إِلَّا لِعَانُهَا، وَالْعَذَابُ الْمَدْفُوعُ عَنْهَا بِلِعَانِهَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] ، وَهَذَا عَذَابُ الْحَدِّ قَطْعًا، فَذَكَرَهُ مُضَافًا وَمُعَرَّفًا بِلَامِ الْعَهْدِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى عُقُوبَةٍ لَمْ تُذْكَرْ فِي اللَّفْظِ، وَلَا دُلَّ عَلَيْهَا بِوَجْهٍ مَا مِنْ حَبْسٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَكَيْفَ يُخَلَّى سَبِيلُهَا وَيُدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابُ بِغَيْرِ لِعَانٍ؟ وَهَلْ هَذَا إِلَّا مُخَالَفَةٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ؟ قَالُوا: وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِعَانَ الزَّوْجِ دَارِئًا لِحَدِّ الْقَذْفِ عَنْهُ، وَجَعَلَ لِعَانَ الزَّوْجَةِ دَارِئًا لِعَذَابِ حَدِّ الزِّنَى عَنْهَا، فَكَمَا أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا لَمْ يُلَاعِنْ يُحَدُّ حَدَّ الْقَذْفِ، فَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ إِذَا لَمْ تُلَاعِنْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ.

стр. 2221

قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ لِعَانَ الزَّوْجِ لَوْ كَانَ بَيِّنَةً تُوجِبُ الْحَدَّ عَلَيْهَا لَمْ تَمْلِكْ هِيَ إِسْقَاطَهُ بِاللِّعَانِ كَشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيِّ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ حُكْمَ اللِّعَانِ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مَرْدُودٍ إِلَى أَحْكَامِ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ، بَلْ هُوَ أَصْلٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ شَرَعَهُ الَّذِي شَرَعَ نَظِيرَهُ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَفَصَلَهُ الَّذِي فَصَلَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، وَلَمَّا كَانَ لِعَانُ الزَّوْجِ بَدَلًا عَنِ الشُّهُودِ لَا جَرَمَ نَزَلَ عَنْ مَرْتَبَةِ الْبَيِّنَةِ فَلَمْ يَسْتَقِلَّ وَحْدَهُ بِحُكْمِ الْبَيِّنَةِ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ مُعَارَضَتَهُ بِلِعَانِ نَظِيرِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَظْهَرُ تَرْجِيحُ أَحَدِ اللِّعَانَيْنِ عَلَى الْآخَرِ لَنَا، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَهُمَا كَاذِبٌ، فَلَا وَجْهَ لِحَدِّ الْمَرْأَةِ بِمُجَرَّدِ لِعَانِ الزَّوْجِ. فَإِذَا مُكِّنَتْ مِنْ مُعَارَضَتِهِ وَإِتْيَانِهَا بِمَا يُبَرِّئُ سَاحَتَهَا فَلَمْ تَفْعَلْ وَنَكَلَتْ عَنْ ذَلِكَ عَمِلَ الْمُقْتَضَى عَمَلَهُ، وَانْضَافَ إِلَيْهِ قَرِينَةٌ قَوَّتْهُ وَأَكَّدَتْهُ، وَهِيَ نُكُولُ الْمَرْأَةِ وَإِعْرَاضُهَا عَمَّا يُخَلِّصُهَا مِنَ الْعَذَابِ وَيَدْرَؤُهُ عَنْهَا. قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ لَوْ شَهِدَ عَلَيْهَا مَعَ ثَلَاثَةٍ غَيْرَهُ لَمْ تُحَدَّ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، فَكَيْفَ تُحَدُّ بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ؟ فَجَوَابُهُ: أَنَّهَا لَمْ تُحَدَّ بِشَهَادَةٍ مُجَرَّدَةٍ، وَإِنَّمَا حُدَّتْ بِمَجْمُوعِ لِعَانِهِ خَمْسَ مَرَّاتٍ وَنُكُولِهَا عَنْ مُعَارَضَتِهِ مَعَ قُدْرَتِهَا عَلَيْهَا، فَقَامَ مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ دَلِيلٌ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ وَالْقُوَّةِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ، وَالظَّنُّ الْمُسْتَفَادُ مِنْهُ أَقْوَى بِكَثِيرٍ مِنَ الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ شَهَادَةِ الشُّهُودِ. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ أَحَدُ اللِّعَانَيْنِ فَلَا يُوجِبُ حَدَّ الْآخَرِ كَمَا لَمْ يُوجِبْ لِعَانُهَا حَدَّهُ. فَجَوَابُهُ: أَنَّ لِعَانَهَا إِنَّمَا شُرِعَ لِلدَّفْعِ، لَا لِلْإِيجَابِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور: ٨] فَدَلَّ النَّصُّ عَلَى أَنَّ لِعَانَهُ مُقْتَضٍ لِإِيجَابِ الْحَدِّ، وَلِعَانُهَا دَافِعٌ وَدَارِئٌ لَا مُوجِبٌ، فَقِيَاسُ أَحَدِ اللِّعَانَيْنِ عَلَى الْآخَرِ جَمْعٌ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ بَاطِلٌ. قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : ( «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» ) فَسَمْعًا وَطَاعَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ لِعَانَ الزَّوْجِ الْمَذْكُورَ الْمُكَرَّرَ بَيِّنَةٌ، وَقَدِ انْضَمَّ إِلَيْهِ نُكُولُهَا الْجَارِي مَجْرَى إِقْرَارِهَا عِنْدَ قَوْمٍ، وَمَجْرَى بَيِّنَةِ الْمُدَّعِينَ عِنْدَ

стр. 2222

آخَرِينَ، وَهَذَا مِنْ أَقْوَى الْبَيِّنَاتِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: ( «الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» ) وَلَمْ يُبْطِلِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هَذَا، وَإِنَّمَا نَقَلَهُ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ بَيِّنَةٍ مُنْفَصِلَةٍ تُسْقِطُ الْحَدَّ عَنْهُ يَعْجِزُ عَنْ إِقَامَتِهَا، إِلَى بَيِّنَةٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ إِقَامَتِهَا، وَلَمَّا كَانَتْ دُونَهَا فِي الرُّتْبَةِ اعْتُبِرَ لَهَا مُقَوٍّ مُنْفَصْلٌ، وَهُوَ نُكُولُ الْمَرْأَةِ عَنْ دَفْعِهَا وَمُعَارَضَتِهَا مَعَ قُدْرَتِهَا وَتَمَكُّنِهَا. قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ مُوجَبَ لِعَانِهِ إِسْقَاطُ الْحَدِّ عَنْ نَفْسِهِ، لَا إِيجَابُ الْحَدِّ عَلَيْهَا إِلَى آخِرِهِ، فَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ مِنْ مُوجَبِهِ إِسْقَاطَ الْحَدِّ عَنْ نَفْسِهِ فَحَقٌّ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ سُقُوطَ الْحَدِّ عَنْهُ يُسْقِطُ جَمِيعَ مُوجَبِهِ وَلَا مُوجَبَ لَهُ سِوَاهُ فَبَاطِلٌ قَطْعًا، فَإِنَّ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ أَوْ وُجُوبَ التَّفْرِيقِ وَالتَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ أَوِ الْمُؤَقَّتِ، وَنَفْيَ الْوَلَدِ الْمُصَرَّحِ بِنَفْيِهِ، أَوِ الْمُكْتَفَى فِي نَفْيِهِ بِاللِّعَانِ، وَوُجُوبَ الْعَذَابِ عَلَى الزَّوْجَةِ، إِمَّا عَذَابِ الْحَدِّ أَوْ عَذَابِ الْحَبْسِ، كُلَّ ذَلِكَ مِنْ مُوجَبِ اللِّعَانِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا يُوجِبُ سُقُوطَ حَدِّ الْقَذْفِ عَنِ الزَّوْجِ فَقَطْ. قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ الصَّحَابَةَ جَعَلُوا حَدَّ الزِّنَى بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ إِمَّا الْبَيِّنَةُ أَوِ الِاعْتِرَافُ أَوِ الْحَبَلُ، وَاللِّعَانُ لَيْسَ مِنْهَا، فَجَوَابُهُ أَنَّ مُنَازِعِيكُمْ يَقُولُونَ: إِنْ كَانَ إِيجَابُ الْحَدِّ عَلَيْهَا بِاللِّعَانِ خِلَافًا لِأَقْوَالِ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ إِسْقَاطَ الْحَدِّ بِالْحَبَلِ أَدْخَلُ فِي خِلَافِهِمْ وَأَظْهَرُ، فَمَا الَّذِي سَوَّغَ لَكُمْ إِسْقَاطَ حَدٍّ أَوْجَبُوهُ بِالْحَبَلِ، وَصَرِيحٌ مُخَالَفَتُهُمْ، وَحَرَّمَ عَلَى مُنَازِعِيكُمْ مُخَالَفَتَهُمْ فِي إِيجَابِ الْحَدِّ بِغَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَعَ أَنَّهُمْ أَعْذَرُ مِنْكُمْ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ لَمْ يُخَالِفُوا صَرِيحَ قَوْلِهِمْ، وَإِنَّمَا هُوَ مُخَالَفَةٌ لِمَفْهُومٍ سَكَتُوا عَنْهُ، فَهُوَ مُخَالَفَةٌ لِسُكُوتِهِمْ، وَأَنْتُمْ خَالَفْتُمْ صَرِيحَ أَقْوَالِهِمْ. الثَّانِي: أَنَّ غَايَةَ مَا خَالَفُوهُ مَفْهُومٌ قَدْ خَالَفَهُ صَرِيحٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ بِإِيجَابِ الْحَدِّ، فَلَمْ يُخَالِفُوا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، وَأَنْتُمْ خَالَفْتُمْ مَنْطُوقًا لَا يُعْلَمُ لَهُمْ فِيهِ مُخَالِفٌ الْبَتَّةَ هَاهُنَا، وَهُوَ إِيجَابُ الْحَدِّ بِالْحَبَلِ، فَلَا يُحْفَظُ عَنْ صَحَابِيٍّ قَطُّ مُخَالَفَةُ عمر وعلي ﵄ فِي إِيجَابِ الْحَدِّ بِهِ.

стр. 2223

الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ خَالَفُوا هَذَا الْمَفْهُومَ لِمَنْطُوقِ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، وَلِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور: ٨] [النُّورِ: ٨] ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ أَقْوَى مِنْ مَفْهُومِ سُقُوطِ الْحَدِّ بِقَوْلِهِمْ: إِذَا كَانَتِ الْبَيِّنَةُ أَوِ الْحَبَلُ أَوِ الِاعْتِرَافُ، فَهُمْ تَرَكُوا مَفْهُومًا لِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَأَوْلَى، هَذَا لَوْ كَانُوا قَدْ خَالَفُوا الصَّحَابَةَ، فَكَيْفَ وَقَوْلُهُمْ مُوَافِقٌ لِأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ؟ فَإِنَّ اللِّعَانَ مَعَ نُكُولِ الْمَرْأَةِ مِنْ أَقْوَى الْبَيِّنَاتِ كَمَا تَقَرَّرَ. قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: لَمْ يَتَحَقَّقْ زِنَاهَا إِلَى آخِرِهِ، فَجَوَابُهُ: إِنْ أَرَدْتُمْ بِالتَّحْقِيقِ الْيَقِينَ الْمَقْطُوعَ بِهِ كَالْمُحَرَّمَاتِ، فَهَذَا لَا يُشْتَرَطُ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ، وَلَوْ كَانَ هَذَا شَرْطًا لَمَا أُقِيمَ الْحَدُّ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ، إِذْ شَهَادَتُهُمْ لَا تَجْعَلُ الزِّنَى مُحَقَّقًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِعَدَمِ التَّحَقُّقِ أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ بِحَيْثُ لَا يَتَرَجَّحُ ثُبُوتُهُ فَبَاطِلٌ قَطْعًا، وَإِلَّا لَمَا وَجَبَ عَلَيْهَا الْعَذَابُ الْمُدْرَأُ بِلِعَانِهَا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ التَّحَقُّقَ الْمُسْتَفَادَ مِنْ لِعَانِهِ الْمُؤَكَّدِ الْمُكَرَّرِ مَعَ إِعْرَاضِهَا عَنْ مُعَارَضَةٍ مُمْكِنَةٍ مِنْهُ، أَقْوَى مِنَ التَّحَقُّقِ بِأَرْبَعِ شُهُودٍ، وَلَعَلَّ لَهُمْ غَرَضًا فِي قَذْفِهَا وَهَتْكِهَا وَإِفْسَادِهَا عَلَى زَوْجِهَا، وَالزَّوْجُ لَا غَرَضَ لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْهَا. وَقَوْلُكُمْ: إِنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ فَإِمَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ بِلِعَانِ الزَّوْجِ أَوْ بِنُكُولِهَا أَوْ بِهِمَا، فَجَوَابُهُ أَنَّهُ تَحَقَّقَ بِهِمَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اسْتِقْلَالِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ بِالْحَدِّ وَضَعْفِهِ عَنْهُ عَدَمُ اسْتِقْلَالِهِمَا مَعًا، إِذْ هَذَا شَأْنُ كُلِّ مُفْرَدٍ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِالْحُكْمِ بِنَفْسِهِ، وَيَسْتَقِلُّ بِهِ مَعَ غَيْرِهِ لِقُوَّتِهِ بِهِ. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: عَجَبًا لِلشَّافِعِيِّ! كَيْفَ لَا يَقْضِي بِالنُّكُولِ فِي دِرْهَمٍ وَيَقْضِي بِهِ فِي إِقَامَةِ حَدٍّ بَالَغَ الشَّارِعُ فِي سَتْرِهِ وَاعْتَبَرَ لَهُ أَكْمَلَ بَيِّنَةٍ، فَهَذَا مَوْضِعٌ لَا يُنْتَصَرُ فِيهِ لِلشَّافِعِيِّ وَلَا لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَلَيْسَ لِهَذَا وُضِعَ كِتَابُنَا هَذَا، وَلَا قَصَدْنَا بِهِ نُصْرَةَ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَإِنَّمَا قَصَدْنَا بِهِ مُجَرَّدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سِيرَتِهِ وَأَقْضِيَتِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَمَا تَضَمَّنَ سِوَى ذَلِكَ، فَتَبَعٌ مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ،

стр. 2224

فَهَبْ أَنَّ مَنْ لَمْ يَقْضِ بِالنُّكُولِ تَنَاقَضَ فَمَاذَا يَضُرُّ ذَلِكَ هَدْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا عَلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَتَنَاقَضْ، فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ نُكُولٍ مُجَرَّدٍ لَا قُوَّةَ لَهُ وَبَيْنَ نُكُولٍ قَدْ قَارَنَهُ الْتِعَانٌ مُؤَكَّدٌ مُكَرَّرٌ أُقِيمَ فِي حَقِّ الزَّوْجِ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ، مَعَ شَهَادَةِ الْحَالِ بِكَرَاهَةِ الزَّوْجِ لِزِنَى امْرَأَتِهِ وَفَضِيحَتِهَا وَخَرَابِ بَيْتِهَا، وَإِقَامَةِ نَفْسِهِ وَحُبِّهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ الْعَظِيمِ بِمَشْهَدِ الْمُسْلِمِينَ يَدْعُو عَلَى نَفْسِهِ بِاللَّعْنَةِ إِنْ كَانَ كَاذِبًا بَعْدَ حَلِفِهِ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. وَالشَّافِعِيُّ ﵀ إِنَّمَا حَكَمَ بِنُكُولٍ قَدْ قَارَنَهُ مَا هَذَا شَأْنُهُ، فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَحْكُمَ بِنُكُولٍ مُجَرَّدٍ؟ . قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بالزِّنَى ثُمَّ رَجَعَتْ لَسَقَطَ عَنْهَا الْحَدُّ، فَكَيْفَ يَجِبُ بِمُجَرَّدِ امْتِنَاعِهَا مِنَ الْيَمِينِ؟ بِجَوَابِهِ: مَا تَقَرَّرَ آنِفًا. قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ الْعَذَابَ الْمُدْرَأَ عَنْهَا بِلِعَانِهَا هُوَ عَذَابُ الْحَبْسِ أَوْ غَيْرُهُ، فَجَوَابُهُ أَنَّ الْعَذَابَ الْمَذْكُورَ إِمَّا عَذَابُ الدُّنْيَا أَوْ عَذَابُ الْآخِرَةِ، وَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَى عَذَابِ الْآخِرَةِ بَاطِلٌ قَطْعًا، فَإِنَّ لِعَانَهَا لَا يَدْرَؤُهُ إِذَا وَجَبَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا هُوَ عَذَابُ الدُّنْيَا، وَهُوَ الْحَدُّ قَطْعًا، فَإِنَّهُ عَذَابُ الْمَحْدُودِ، وَهُوَ فِدَاءٌ لَهُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، وَلِهَذَا شَرَعَهُ سُبْحَانَهُ طُهْرَةً وَفِدْيَةً مِنْ ذَلِكَ الْعَذَابِ،

стр. 2225

كَيْفَ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] [النُّورِ: ٢] ثُمَّ أَعَادَهُ بِعَيْنِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨] فَهَذَا هُوَ الْعَذَابُ الْمَشْهُودُ، مَكَّنَهَا مِنْ دَفْعِهِ بِلِعَانِهَا، فَأَيْنَ هُنَا عَذَابُ غَيْرِهِ حَتَّى تُفَسَّرَ الْآيَةُ بِهِ؟ وَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا نَعْتَقِدُ سِوَاهُ، وَلَا نَرْتَضِي إِلَّا إِيَّاهُ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ نَكَلَ الزَّوْجُ عَنِ اللِّعَانِ بَعْدَ قَذْفِهِ فَمَا حُكْمُ نُكُولِهِ؟ قُلْنَا: يُحَدُّ حَدَّ الْقَذْفِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ومالك وأحمد وَأَصْحَابِهِمْ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أبو حنيفة، وَقَالَ: يُحْبَسُ حَتَّى يُلَاعِنَ أَوْ تُقِرَّ الزَّوْجَةُ، وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مُوجَبَ قَذْفِ الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ هَلْ هُوَ الْحَدُّ كَقَذْفِ الْأَجْنَبِيِّ وَلَهُ إِسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ، أَوْ مُوجَبُهُ اللِّعَانُ نَفْسُهُ؟ فَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَالثَّانِي: قَوْلُ أبي حنيفة، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] [النُّورِ: ٤] وَبِقَوْلِهِ ﷺ لهلال بن أمية: ( «الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» ) وَبُقُولِهِ لَهُ: ( «عَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ» ) وَهَذَا قَالَهُ لهلال بن أمية قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي اللِّعَانِ. فَلَوْ لَمْ يَجِبِ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا مَعْنًى، وَبِأَنَّهُ قَذَفَ حُرَّةً عَفِيفَةً يَجْرِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا الْقَوَدُ فَحُدَّ بِقَذْفِهَا كَالْأَجْنَبِيِّ، وَبِأَنَّهُ لَوْ لَاعَنَهَا ثُمَّ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ لِعَانِهَا لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَذْفَهُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَلَهُ إِسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لَمَا وَجَبَ بِإِكْذَابِهِ نَفْسَهُ بَعْدَ اللِّعَانِ، وأبو حنيفة يَقُولُ: قَذْفُهُ لَهَا دَعْوَى تُوجِبُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ؛ إِمَّا لِعَانُهُ وَإِمَّا إِقْرَارُهَا، فَإِذَا لَمْ يُلَاعِنْ حُبِسَ حَتَّى يُلَاعِنَ، إِلَّا أَنْ تُقِرَّ فَيَزُولَ مُوجَبُ الدَّعْوَى، وَهَذَا بِخِلَافِ قَذْفِ الْأَجْنَبِيِّ، فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عِنْدَ الْمَقْذُوفَةِ، فَكَانَ قَاذِفًا مَحْضًا، وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: بَلْ قَذْفُهُ جِنَايَةٌ مِنْهُ

стр. 2226

عَلَى عِرْضِهَا، فَكَانَ مُوجَبُهَا الْحَدُّ كَقَذْفِ الْأَجْنَبِيِّ، وَلَمَّا كَانَ فِيهَا شَائِبَةُ الدَّعْوَى عَلَيْهَا بِإِتْلَافِهَا لِحَقِّهِ وَخِيَانَتِهَا فِيهِ، مَلَكَ إِسْقَاطَ مَا يُوجِبُهُ الْقَذْفُ مِنَ الْحَدَّ بِلِعَانِهِ، فَإِذَا لَمْ يُلَاعِنْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى اللِّعَانِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْهُ عَمِلَ مُقْتَضَى الْقَذْفِ عَمَلَهُ وَاسْتَقَلَّ بِإِيجَابِ الْحَدِّ إِذْ لَا مُعَارِضَ لَهُ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فصل وَمِنَ الْأَحْكَامِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ أَحَادِيثِ اللِّعَانِ أَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا كَانَ يَقْضِي بِالْوَحْيِ] فَصْلٌ وَمِنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا كَانَ يَقْضِي بِالْوَحْيِ وَبِمَا أَرَاهُ اللَّهُ، لَا بِمَا رَآهُ هُوَ، فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ حَتَّى جَاءَهُ الْوَحْيُ وَنَزَلَ الْقُرْآنُ، فَقَالَ لِعُوَيْمِرٍ حِينَئِذٍ: ( «قَدْ نَزَلَ فِيكَ وَفِي صَحَابَتِكَ فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا» ) وَقَدْ قَالَ ﷺ : ( «لَا يَسْأَلُنِي اللَّهُ عَنْ سُنَّةٍ أَحْدَثْتُهَا فِيكُمْ لَمْ أُومَرْ بِهَا» ) وَهَذَا فِي الْأَقْضِيَةِ وَالْأَحْكَامِ وَالسُّنَنِ الْكُلِّيَّةِ، وَأَمَّا الْأُمُورُ الْجُزْئِيَّةُ الَّتِي لَا تَرْجِعُ إِلَى أَحْكَامٍ كَالنُّزُولِ فِي مَنْزِلٍ مُعَيَّنٍ وَتَأْمِيرِ رَجُلٍ مُعَيَّنٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُشَاوَرَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] [آلِ عِمْرَانَ:١٥٩] فَتِلْكَ لِلرَّأْيِ فِيهَا مَدْخَلٌ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ ﷺ فِي شَأْنِ تَلْقِيحِ النَّخْلِ: (إِنَّمَا هُوَ رَأْيٌ رَأَيْتُهُ) فَهَذَا الْقِسْمُ شَيْءٌ، وَالْأَحْكَامُ وَالسُّنَنُ الْكُلِّيَّةُ شَيْءٌ آخَرُ. [فصل يَكُونُ اللِّعَانُ بِحَضْرَةِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ] فَصْلٌ وَمِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ بِأَنْ يَأْتِيَ بِهَا، فَتَلَاعَنَا بِحَضْرَتِهِ، فَكَانَ فِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ اللِّعَانَ إِنَّمَا يَكُونُ بِحَضْرَةِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِآحَادِ الرَّعِيَّةِ أَنْ يُلَاعِنَ بَيْنَهُمَا، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِقَامَةُ الْحَدِّ، بَلْ هُوَ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ.

стр. 2227

[فصل يُسَنُّ التَّلَاعُنُ بِمَحْضَرِ جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ] فَصْلٌ وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُسَنُّ التَّلَاعُنُ بِمَحْضَرِ جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ يَشْهَدُونَهُ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ عُمَرَ وَسَهْلَ بْنَ سَعْدٍ حَضَرُوهُ مَعَ حَدَاثَةِ أَسْنَانِهِمْ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ حَضَرَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ، فَإِنَّ الصِّبْيَانَ إِنَّمَا يَحْضُرُونَ مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ تَبَعًا لِلرِّجَالِ. «قَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ » . وَحِكْمَةُ هَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ اللِّعَانَ بُنِيَ عَلَى التَّغْلِيظِ مُبَالَغَةً فِي الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ، وَفِعْلُهُ فِي الْجَمَاعَةِ أَبْلَغُ فِي ذَلِكَ. [فصل الْقِيَامُ عِنْدَ الْمُلَاعَنَةِ] فَصْلٌ وَمِنْهَا: أَنَّهُمَا يَتَلَاعَنَانِ قِيَامًا، «وَفِي قِصَّةِ هلال بن أمية أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: قُمْ فَاشْهَدْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ» . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ: ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، وَلِأَنَّهُ إِذَا قَامَ شَاهَدَهُ الْحَاضِرُونَ، فَكَانَ أَبْلَغَ فِي شُهْرَتِهِ، وَأَوْقَعَ فِي النُّفُوسِ، وَفِيهِ سِرٌّ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الدَّعْوَةَ الَّتِي تُطْلَبُ إِصَابَتُهَا إِذَا صَادَفَتِ الْمَدْعُوَّ عَلَيْهِ قَائِمًا نَفَذَتْ فِيهِ، وَلِهَذَا لَمَّا دَعَا خبيب عَلَى الْمُشْرِكِينَ حِينَ صَلَبُوهُ أَخَذَ أبو سفيان معاوية فَأَضْجَعَهُ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا لَطِئَ بِالْأَرْضِ زَلَّتْ عَنْهُ الدَّعْوَةُ. [فصل الْبُدَاءَةُ بِالرَّجُلِ فِي اللِّعَانِ] فَصْلٌ وَمِنْهَا: الْبُدَاءَةُ بِالرَّجُلِ فِي اللِّعَانِ، كَمَا بَدَأَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ، فَلَوْ بَدَأَتْ هِيَ لَمْ يُعْتَدَّ بِلِعَانِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَاعْتَدَّ بِهِ أبو حنيفة. وَقَدْ بَدَأَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي الْحَدِّ بِذِكْرِ الْمَرْأَةِ فَقَالَ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] [النُّورِ: ٢] وَفِي اللِّعَانِ بِذِكْرِ الزَّوْجِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْمُنَاسَبَةِ؛ لِأَنَّ الزِّنَى مِنَ الْمَرْأَةِ أَقْبَحُ مِنْهُ بِالرَّجُلِ، لِأَنَّهَا تَزِيدُ عَلَى هَتْكِ حَقِّ اللَّهِ إِفْسَادَ فِرَاشِ بَعْلِهَا وَتَعْلِيقَ

стр. 2228

نَسَبٍ مِنْ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَفَضِيحَةَ أَهْلِهَا وَأَقَارِبِهَا، وَالْجِنَايَةَ عَلَى مَحْضِ حَقِّ الزَّوْجِ، وَخِيَانَتَهُ فِيهِ، وَإِسْقَاطَ حُرْمَتِهِ عِنْدَ النَّاسِ، وَتَعْيِيرَهُ بِإِمْسَاكِ الْبَغِيِّ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَفَاسِدِ زِنَاهَا، فَكَانَتِ الْبُدَاءَةُ بِهَا فِي الْحَدِّ أَهَمَّ، وَأَمَّا اللِّعَانُ فَالزَّوْجُ هُوَ الَّذِي قَذَفَهَا وَعَرَّضَهَا لِلِّعَانِ، وَهَتَكَ عِرْضَهَا، وَرَمَاهَا بِالْعَظِيمَةِ، وَفَضَحَهَا عِنْدَ قَوْمِهَا وَأَهْلِهَا، وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ إِذَا لَمْ يُلَاعِنْ، فَكَانَتِ الْبُدَاءَةُ بِهِ فِي اللِّعَانِ أَوْلَى مِنَ الْبُدَاءَةِ بِهَا. [فصل وَعْظُهُمَا قَبْلَ اللِّعَانِ] فَصْلٌ وَمِنْهَا: وَعْظُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ عِنْدَ إِرَادَةِ الشُّرُوعِ فِي اللِّعَانِ، فَيُوعَظُ وَيُذَكَّرُ وَيُقَالُ لَهُ: عَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْخَامِسَةِ أُعِيدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا كَمَا صَحَّتِ السُّنَّةُ بِهَذَا وَهَذَا. [فصل لَا يُقْبَلُ مِنْهُمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسِ مَرَّاتٍ] فَصْلٌ وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنَ الرَّجُلِ أَقَلُّ مِنْ خَمْسِ مَرَّاتٍ، وَلَا مِنَ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إِبْدَالُ اللَّعْنَةِ بِالْغَضَبِ وَالْإِبْعَادِ وَالسَّخَطِ، وَلَا مِنْهَا إِبْدَالُ الْغَضَبِ بِاللَّعْنَةِ وَالْإِبْعَادِ وَالسَّخَطِ، بَلْ يَأْتِي كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَرْعًا وَقَدْرًا، وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أحمد ومالك وَغَيْرِهِمَا. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ شَيْئًا، بَلْ لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ، فَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، الَّذِي يَعْلَمُ مِنَ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنَ الْعَلَانِيَةِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، بَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَهِيَ تَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَى، وَلَا أَنْ تَقُولَ هِيَ: إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَى، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ إِذَا ادَّعَى الرُّؤْيَةَ: رَأَيْتُهَا تَزْنِي كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَلَا أَصْلَ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ كَفَانَا بِمَا شَرَعَهُ لَنَا وَأَمَرَنَا بِهِ عَنْ تَكَلُّفِ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ.

стр. 2229

قَالَ صَاحِبُ " الْإِفْصَاحِ " وَهُوَ يحيى بن محمد بن هبيرة فِي " إِفْصَاحِهِ ": مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنِ اشْتَرَطَ أَنْ يُزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: مِنَ الصَّادِقِينَ، فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَى، وَاشْتَرَطَ فِي نَفْيِهَا عَنْ نَفْسِهَا أَنْ تَقُولَ: فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَى. قَالَ: وَلَا أَرَاهُ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ ذَلِكَ وَبَيَّنَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الِاشْتِرَاطَ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أحمد: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الزِّنَى فِي اللِّعَانِ، فَإِنَّ إِسْحَاقَ بْنَ مَنْصُورٍ قَالَ: قُلْتُ لأحمد: كَيْفَ يُلَاعِنُ؟ قَالَ: عَلَى مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، يَقُولُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ يَقِفُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ فَيَقُولَ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْمَرْأَةُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَفِي هَذَا النَّصِّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ: مِنَ الزِّنَى، وَلَا تَقُولُهُ هِيَ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْخَامِسَةِ: فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ، وَتَقُولَ هِيَ: فِيمَا رَمَانِي بِهِ، وَالَّذِينَ اشْتَرَطُوا ذَلِكَ حُجَّتُهُمْ أَنْ قَالُوا: رُبَّمَا نَوَى: إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِي شَهَادَةِ التَّوْحِيدِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْخَبَرِ الصَّادِقِ، وَنَوَتْ: إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِي شَأْنٍ آخَرَ، فَإِذَا ذَكَرَا مَا رُمِيَتْ بِهِ مِنَ الزِّنَى انْتَفَى هَذَا التَّأْوِيلُ. قَالَ الْآخَرُونَ: هَبْ أَنَّهُمَا نَوَيَا ذَلِكَ فَإِنَّهُمَا لَا يَنْتَفِعَانِ بِنِيَّتِهِمَا، فَإِنَّ الظَّالِمَ لَا يَنْفَعُهُ تَأْوِيلُهُ، وَيَمِينُهُ عَلَى نِيَّةِ خَصْمِهِ، وَيَمِينُهُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ إِذَا كَانَ مُجَاهِرًا فِيهَا بِالْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ مُوجِبَةٌ عَلَيْهِ اللَّعْنَةَ أَوِ الْغَضَبَ، نَوَى مَا ذَكَرْتُمْ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُمَوِّهُ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى بِمِثْلِ هَذَا. [فَصْلٌ هَلْ يَنْتَفِي الْحَمْلُ بِاللِّعَانِ] فَصْلٌ وَمِنْهَا: أَنَّ الْحَمْلَ يَنْتَفِي بِلِعَانِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: وَمَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: وَقَدِ اسْتَبْرَأْتُهَا، هَذَا قَوْلُ أبي بكر عبد العزيز، مِنْ أَصْحَابِ أحمد، وَقَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ مالك، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَحْتَاجُ الرَّجُلُ إِلَى ذِكْرِ الْوَلَدِ، وَلَا تَحْتَاجُ الْمَرْأَةُ إِلَى ذِكْرِهِ، وَقَالَ الخرقي وَغَيْرُهُ: يَحْتَاجَانِ إِلَى ذِكْرِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْوَلَدُ مِنْ زِنًى، وَلَيْسَ هُوَ مِنِّي. وَهُوَ

стр. 2230

قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُ أبي بكر أَصَحُّ الْأَقْوَالِ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى مالك، عَنْ نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَاعَنَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ، وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ» ) . وَفِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: وَكَانَتْ حَامِلًا فَأَنْكَرَ حَمْلَهَا. وَقَدْ حَكَمَ ﷺ (بِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ) وَهَذِهِ كَانَتْ فِرَاشًا لَهُ حَالَ كَوْنِهَا حَامِلًا، فَالْوَلَدُ لَهُ، فَلَا يَنْتَفِي عَنْهُ إِلَّا بِنَفْيِهِ. قِيلَ: هَذَا مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَهُوَ أَنَّ الْحَمْلَ إِنْ كَانَ سَابِقًا عَلَى مَا رَمَاهَا بِهِ وَعَلِمَ أَنَّهَا زَنَتْ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ، فَالْوَلَدُ لَهُ قَطْعًا، وَلَا يَنْتَفِي عَنْهُ بِلِعَانِهِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ عَنْهُ فِي اللِّعَانِ، فَإِنَّهَا لَمَّا عُلِقَتْ بِهِ كَانَتْ فِرَاشًا لَهُ، وَكَانَ الْحَمْلُ لَاحِقًا بِهِ، فَزِنَاهَا لَا يُزِيلُ حُكْمَ لِحَوْقِهِ بِهِ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَمْلَهَا حَالَ زِنَاهَا الَّذِي قَدْ قَذَفَهَا بِهِ فَهَذَا يُنْظَرُ فِيهِ؛ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لَأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الزِّنَى الَّذِي رَمَاهَا بِهِ فَالْوَلَدُ لَهُ، وَلَا يَنْتَفِي عَنْهُ بِلِعَانِهِ، وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الزِّنَى الَّذِي رَمَاهَا بِهِ نُظِرَ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْتَبْرَأَهَا قَبْلَ زِنَاهَا أَوْ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا، فَإِنْ كَانَ اسْتَبْرَأَهَا انْتَفَى الْوَلَدُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ اللِّعَانِ سَوَاءٌ نَفَاهُ أَوْ لَمْ يَنْفِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ ذِكْرَهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا فَهَاهُنَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مِنْهُ، وَأَنْ يَكُونَ مِنَ الزَّانِي، فَإِنْ نَفَاهُ فِي اللِّعَانِ انْتَفَى، وَإِلَّا لَحِقَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنْهُ، وَلَمْ يَنْفِهِ.

стр. 2231

فَإِنْ قِيلَ: فَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ حَكَمَ بَعْدَ اللِّعَانِ، وَنَفَى الْوَلَدَ بِأَنَّهُ إِنْ جَاءَ يُشْبِهُ الزَّوْجَ صَاحِبَ الْفِرَاشِ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ جَاءَ يُشْبِهُ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ فَهُوَ لَهُ، فَمَا قَوْلُكُمْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ إِذَا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، ثُمَّ جَاءَ الْوَلَدُ يُشْبِهُهُ، هَلْ تُلْحِقُونَهُ بِهِ بِالشَّبَهِ عَمَلًا بِالْقَافَةِ، أَوْ تَحْكُمُونَ بِانْقِطَاعِ نَسَبِهِ مِنْهُ عَمَلًا بِمُوجَبِ لِعَانِهِ؟ قِيلَ: هَذَا مَجَالٌ ضَنْكٌ وَمَوْضِعٌ ضَيِّقٌ تَجَاذَبَ أَعِنَّتَهُ اللِّعَانُ الْمُقْتَضِي لِانْقِطَاعِ النَّسَبِ وَانْتِفَاءِ الْوَلَدِ، وَأَنَّهُ يُدْعَى لِأُمِّهِ، وَلَا يُدْعَى لِأَبٍ، وَالشَّبَهُ الدَّالُّ عَلَى ثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنَ الزَّوْجِ، وَأَنَّهُ ابْنُهُ مَعَ شَهَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهَا إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى شَبَهِهِ فَالْوَلَدُ لَهُ، وَأَنَّهُ كَذَبَ عَلَيْهَا، فَهَذَا مَضِيقٌ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ إِلَّا الْمُسْتَبْصِرُ الْبَصِيرُ بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَأَسْرَارِهِ، وَالْخَبِيرُ بِجَمْعِهِ وَفَرْقِهِ الَّذِي سَافَرَتْ بِهِ هِمَّتُهُ إِلَى مَطْلَعِ الْأَحْكَامِ وَالْمِشْكَاةِ الَّتِي مِنْهَا ظَهَرَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ. وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي هَذَا، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ، أَنَّ حُكْمَ اللِّعَانِ قَطَعَ حُكْمَ الشَّبَهِ، وَصَارَ مَعَهُ بِمَنْزِلَةِ أَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ مَعَ أَضْعَفِهِمَا، فَلَا عِبْرَةَ لِلشَّبَهِ بَعْدَ مُضِيِّ حُكْمِ اللِّعَانِ فِي تَغْيِيرِ أَحْكَامِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُخْبِرْ عَنْ شَأْنِ الْوَلَدِ وَشَبَهِهِ لِيُغَيِّرَ بِذَلِكَ حُكْمَ اللِّعَانِ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْهُ لِيَتَبَيَّنَ الصَّادِقُ مِنْهُمَا مِنَ الْكَاذِبِ، الَّذِي قَدِ اسْتَوْجَبَ اللَّعْنَةَ وَالْغَضَبَ، فَهُوَ إِخْبَارٌ عَنْ أَمْرٍ قَدَرِيٍّ كَوْنِيٍّ يَتَبَيَّنُ بِهِ الصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ بَعْدَ تَقَرُّرِ الْحُكْمِ الدِّينِيِّ، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ سَيَجْعَلُ فِي الْوَلَدِ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ انْتِفَائِهِ مِنَ الْوَلَدِ وَقَالَ: (إِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَلَا أَرَاهُ إِلَّا صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَلَا أَرَاهُ إِلَّا كَذَبَ عَلَيْهَا) فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَعْرِضْ لَهَا، وَلَمْ يُفْسَخْ حُكْمُ اللِّعَانِ، فَيُحْكَمُ عَلَيْهَا بِحُكْمِ الزَّانِيَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهَا، فَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى شَبَهِ الزَّوْجِ يُعْلَمُ أَنَّهُ كَذَبَ عَلَيْهَا، وَلَا يُغَيِّرُ ذَلِكَ حُكْمَ اللِّعَانِ فَيُحَدَّ الزَّوْجُ وَيُلْحَقَ بِهِ الْوَلَدُ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ: إِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لهلال بن أمية إِلْحَاقًا لَهُ بِهِ فِي الْحُكْمِ، كَيْفَ وَقَدْ نَفَاهُ بِاللِّعَانِ، وَانْقَطَعَ نَسَبُهُ بِهِ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ. لَيْسَ إِلْحَاقًا بِهِ وَجَعْلَهُ ابْنَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ عَنِ

стр. 2232

الْوَاقِعِ، وَهَذَا كَمَا لَوْ حُكِمَ بِأَيْمَانِ الْقَسَامَةِ، ثُمَّ أَظْهَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ آيَةً تَدُلُّ عَلَى كَذِبِ الْحَالِفِينَ لَمْ يَنْتَقِضْ حُكْمُهَا بِذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ حُكِمَ بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الدَّعْوَى بِيَمِينٍ، ثُمَّ أَظْهَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ آيَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا يَمِينٌ فَاجِرَةٌ لَمْ يَبْطُلِ الْحُكْمُ بِذَلِكَ. [فصل هَلْ يُحَدُّ إِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ بالزِّنَى بِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ] فَصْلٌ وَمِنْهَا: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ بالزِّنَى بِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ لَاعَنَهَا سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ لَهُمَا، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ الرَّجُلِ فِي لِعَانِهِ، وَإِنْ لَمْ يُلَاعِنْ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدُّهُ، وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقَالَ أبو حنيفة ومالك: يُلَاعِنُ لِلزَّوْجَةِ وَيُحَدُّ لِلْأَجْنَبِيِّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَجِبُ عَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ لَهُمَا بِلِعَانِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أحمد، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ يُحَدُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدًّا، فَإِنْ ذَكَرَ الْمَقْذُوفَ فِي لِعَانِهِ سَقَطَ الْحَدُّ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فَعَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَسْتَأْنِفُ اللِّعَانَ وَيَذْكُرُهُ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ حُدَّ لَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَسْقُطُ حَدُّهُ بِلِعَانِهِ، كَمَا يَسْقُطُ حَدُّ الزَّوْجَةِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أحمد: الْقَذْفُ لِلزَّوْجَةِ وَحْدَهَا، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهَا حَقُّ الْمُطَالَبَةِ وَلَا الْحَدُّ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يَجِبُ الْحَدُّ لَهُمَا. وَهَلْ يَجِبُ حَدٌّ وَاحِدٌ أَوْ حَدَّانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: لَا يَجِبُ إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ إِذَا لَاعَنَ وَذَكَرَ الْأَجْنَبِيَّ فِي لِعَانِهِ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ حُكْمُهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فَعَلَى قَوْلَيْنِ؛ الصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ. وَالَّذِينَ أَسْقَطُوا حُكْمَ قَذْفِ الْأَجْنَبِيِّ بِاللِّعَانِ حُجَّتُهُمْ ظَاهِرَةٌ وَقَوِيَّةٌ جِدًّا، فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَحُدَّ الزَّوْجَ بشريك ابن سحماء، وَقَدْ سَمَّاهُ صَرِيحًا، وَأَجَابَ الْآخَرُونَ عَنْ هَذَا بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَقْذُوفَ كَانَ يَهُودِيًّا وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِ الْكَافِرِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يُطَالِبْ بِهِ، وَحَدُّ الْقَذْفِ إِنَّمَا يُقَامُ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ. وَأَجَابَ الْآخَرُونَ عَنْ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ وَقَالُوا: قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَهُودِيٌّ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ شريك بن عبدة، وَأُمُّهُ سحماء، وَهُوَ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، وَهُوَ أَخُو

стр. 2233

الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ لِأُمِّهِ. قَالَ عبد العزيز بن بزيزة فِي شَرْحِهِ لِأَحْكَامِ عبد الحق: قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي شريك ابن سحماء الْمَقْذُوفِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا. وَهُوَ بَاطِلٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ شريك بن عبدة حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، وَهُوَ أَخُو الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ لِأُمِّهِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ الثَّانِي: فَهُوَ يَنْقَلِبُ حُجَّةً عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي هَذَا الْقَذْفِ لَمْ يُطَالِبْ بِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، وَإِلَّا كَيْفَ يَسْكُتُ عَنْ بَرَاءَةِ عِرْضِهِ، وَلَهُ طَرِيقٌ إِلَى إِظْهَارِهَا بِحَدِّ قَاذِفِهِ، وَالْقَوْمُ كَانُوا أَشَدَّ حَمِيَّةً وَأَنَفَةً مِنْ ذَلِكَ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اللِّعَانَ أُقِيمَ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ لِلْحَاجَةِ، وَجُعِلَ بَدَلًا مِنَ الشُّهُودِ الْأَرْبَعَةِ، وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَيْهَا إِذَا نَكَلَتْ، فَإِذَا كَانَ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَانَ بِمَنْزِلَتِهَا فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ، وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ تُحَدَّ الْمَرْأَةُ بِاللِّعَانِ إِذَا نَكَلَتْ، ثُمَّ يُحَدُّ الْقَاذِفُ حَدَّ الْقَذْفِ، وَقَدْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى صِدْقِ قَوْلِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ جَعَلْنَاهُ يَمِينًا فَإِنَّهَا كَمَا دَرَأَتْ عَنْهُ الْحَدَّ مِنْ طَرَفِ الزَّوْجَةِ دَرَأَتْ عَنْهُ مِنْ طَرَفِ الْمَقْذُوفِ، وَلَا فَرْقَ؛ لِأَنَّهُ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى قَذْفِ الزَّانِي لِمَا أَفْسَدَ عَلَيْهِ مِنْ فِرَاشِهِ، وَرُبَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَكَرَهُ لِيَسْتَدِلَّ بِشَبَهِ الْوَلَدِ لَهُ عَلَى صِدْقِ قَاذِفِهِ، كَمَا اسْتَدَلَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى صِدْقِ هلال بِشَبَهِ الْوَلَدِ بشريك ابن سحماء، فَوَجَبَ أَنْ يُسْقِطَ حُكْمَ قَذْفِهِ مَا أَسْقَطَ حُكْمَ قَذْفِهَا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلزَّوْجِ: ( «الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» ) وَلَمْ يَقُلْ: وَإِلَّا حَدَّانِ، هَذَا، وَالْمَرْأَةُ لَمْ تُطَالِبْ بِحَدِّ الْقَذْفِ، فَإِنَّ الْمُطَالَبَةَ شَرْطٌ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ لَا فِي وُجُوبِهِ، وَهَذَا جَوَابٌ آخَرُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ شريكا لَمْ يُطَالِبْ بِالْحَدِّ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ أَيْضًا لَمْ تُطَالِبْ بِهِ، وَقَدْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ( «الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» ) .

стр. 2234

فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ لَوْ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً بالزِّنَى بِرَجُلٍ سَمَّاهُ؟ فَقَالَ: زَنَى بِكِ فُلَانٌ، أَوْ زَنَيْتِ بِهِ؟ قِيلَ: هَاهُنَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَدَّانِ؛ لِأَنَّهُ قَاذِفٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَمْ يَأْتِ بِمَا يُسْقِطُ مُوجَبَ قَذْفِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ إِذْ لَيْسَ هُنَا بَيِّنَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَلَا مَا يَقُومُ مَقَامَهَا. [فصل إِذَا لَاعَنَهَا وَهِيَ حَامِلٌ وَانْتَفَى مِنْ حَمْلِهَا انْتَفَى عَنْهُ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَنْ يُلَاعِنَ بَعْدَ وَضْعِهِ] فَصْلٌ وَمِنْهَا: أَنَّهُ إِذَا لَاعَنَهَا وَهِيَ حَامِلٌ وَانْتَفَى مِنْ حَمْلِهَا انْتَفَى عَنْهُ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَنْ يُلَاعِنَ بَعْدَ وَضْعِهِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ، وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتُلِفَ فِيهِ. فَقَالَ أبو حنيفة ﵀: لَا يُلَاعِنُ لِنَفْيِهِ حَتَّى تَضَعَ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رِيحًا فَتَنْفُشَ وَلَا يَكُونُ لِلِّعَانِ حِينَئِذٍ مَعْنًى، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الخرقي فِي " مُخْتَصَرِهِ " فَقَالَ: وَإِنْ نَفَى الْحَمْلَ فِي الْتِعَانِهِ لَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ حَتَّى يَنْفِيَهُ عِنْدَ وَضْعِهَا لَهُ وَيُلَاعِنَ، وَتَبِعَهُ الْأَصْحَابُ عَلَى ذَلِكَ، وَخَالَفَهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ كَمَا يَأْتِي كَلَامُهُ. وَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ فِي حَالِ الْحَمْلِ اعْتِمَادًا عَلَى قِصَّةِ هلال بن أمية، فَإِنَّهَا صَرِيحَةٌ صَحِيحَةٌ فِي اللِّعَانِ حَالَ الْحَمْلِ وَنَفْيِ الْوَلَدِ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ( «إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا وَكَذَا فَلَا أَرَاهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا» . . .) الْحَدِيثَ. قَالَ الشَّيْخُ فِي " الْمُغْنِي ": وَقَالَ مالك وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ: يَصِحُّ نَفْيُ الْحَمْلِ وَيَنْتَفِي عَنْهُ، مُحْتَجِّينَ بِحَدِيثِ هلال، وَأَنَّهُ نَفَى حَمْلَهَا، فَنَفَاهُ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَلْحَقَهُ بِالْأُمِّ، وَلَا خَفَاءَ أَنَّهُ كَانَ حَمْلًا، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ( «انْظُرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا» ) قَالَ: وَلِأَنَّ الْحَمْلَ مَظْنُونٌ بِأَمَارَاتِ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا تَثْبُتُ لِلْحَامِلِ أَحْكَامٌ تُخَالِفُ فِيهَا الْحَائِلَ، مِنَ النَّفَقَةِ وَالْفِطْرِ فِي الصِّيَامِ، وَتَرْكِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا، وَتَأْخِيرِ الْقِصَاصِ عَنْهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَيَصِحُّ اسْتِلْحَاقُ الْحَمْلِ فَكَانَ كَالْوَلَدِ بَعْدَ وَضْعِهِ. قَالَ: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِمُوَافَقَتِهِ ظَوَاهِرَ الْأَحَادِيثِ، وَمَا خَالَفَ الْحَدِيثَ لَا يُعْبَأُ بِهِ كَائِنًا مَا كَانَ، وَقَالَ أبو بكر: يَنْتَفِي الْوَلَدُ بِزَوَالِ الْفِرَاشِ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى

стр. 2235

ذِكْرِهِ فِي اللِّعَانِ احْتِجَاجًا بِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، حَيْثُ لَمْ يَنْقُلْ نَفْيَ الْحَمْلِ وَلَا تَعَرَّضَ لِنَفْيِهِ. وَأَمَّا مَذْهَبُ أبي حنيفة ﵀ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ نَفْيُ الْحَمْلِ، وَاللِّعَانُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَاعَنَهَا حَامِلًا ثُمَّ أَتَتْ بِالْوَلَدِ لَزِمَهُ عِنْدَهُ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ نَفْيِهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَهَذِهِ قَدْ بَانَتْ بِلِعَانِهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا. قَالَ الْمُنَازِعُونَ لَهُ: هَذَا فِيهِ إِلْزَامُهُ وَلَدًا لَيْسَ مِنْهُ، وَسَدُّ بَابِ الِانْتِفَاءِ مِنْ أَوْلَادِ الزِّنَى. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ جَعَلَ لَهُ إِلَى ذَلِكَ طَرِيقًا، فَلَا يَجُوزُ سَدُّهَا، قَالُوا: وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الزَّوْجِيَّةُ فِي الْحَالِ الَّتِي أَضَافَ الزِّنَى إِلَيْهَا فِيهَا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ الَّذِي تَأْتِي بِهِ يَلْحَقُهُ إِذَا لَمْ يَنْفِهِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى نَفْيِهِ، وَهَذِهِ كَانَتْ زَوْجَتَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ فَمَلَكَ نَفْيَ وَلَدِهَا. وَقَالَ أبو يوسف ومحمد: لَهُ أَنْ يَنْفِيَ الْحَمْلَ مَا بَيْنَ الْوِلَادَةِ إِلَى تَمَامِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مِنْهَا. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يُلَاعِنُ لِنَفْيِ الْحَمْلِ إِلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ ثَانِيَةً بَعْدَ الْوِلَادَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا عَلِمَ بِالْحَمْلِ فَأَمْكَنَهُ الْحَاكِمُ مِنَ اللِّعَانِ فَلَمْ يُلَاعِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ بَعْدُ. [مَسْأَلَةٌ فِيمَا لَوِ اسْتَلْحَقَ الْحَمْلَ وَقَذَفَهَا بالزِّنَى] فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ لَوِ اسْتَلْحَقَ الْحَمْلَ وَقَذَفَهَا بالزِّنَى فَقَالَ: هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي، وَقَدْ زَنَتْ، مَا حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؟ قِيلَ: قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُحَدُّ وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنَ اللِّعَانِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُلَاعِنُ وَيَنْتَفِي الْوَلَدُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يُلَاعِنُ لِلْقَذْفِ وَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ. وَالثَّلَاثَةُ رِوَايَاتٌ عَنْ مالك، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أحمد: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُ الْوَلَدِ كَمَا لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ. قَالَ أبو محمد: وَإِنِ اسْتَلْحَقَ الْحَمْلَ فَمَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ قَالَ: لَا يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أحمد. وَمَنْ أَجَازَ نَفْيَهُ قَالَ: يَصِحُّ

стр. 2236

اسْتِلْحَاقُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِوُجُودِهِ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ وَوَقْفِ الْمِيرَاثِ، فَصَحَّ الْإِقْرَارُ بِهِ كَالْمَوْلُودِ، وَإِذَا اسْتَلْحَقَهُ لَمْ يَمْلِكْ نَفْيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا لَوِ اسْتَلْحَقَهُ بَعْدَ الْوَضْعِ. وَمَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ قَالَ: لَوْ صَحَّ اسْتِلْحَاقُهُ لَلَزِمَهُ بِتَرْكِ نَفْيِهِ كَالْمَوْلُودِ، وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَيْسَ لِلشَّبَهِ أَثَرٌ فِي الْإِلْحَاقِ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْمُلَاعَنَةِ، وَذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِمَا بَعْدَ الْوَضْعِ، فَاخْتَصَّ صِحَّةُ الْإِلْحَاقِ بِهِ، فَعَلَى هَذَا لَوِ اسْتَلْحَقَهُ ثُمَّ نَفَاهُ بَعْدَ وَضْعِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا إِنْ سَكَتَ عَنْهُ فَلَمْ يَنْفِهِ وَلَمْ يَسْتَلْحِقْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ عِنْدَ أَحَدٍ عَلِمْنَا قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ تَرْكُهُ مُحْتَمَلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ وُجُودُهُ إِلَّا أَنْ يُلَاعِنَهَا، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَلْزَمَهُ الْوَلَدَ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ. [فَصْلٌ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا] فَصْلٌ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا، وَقَضَى أَلَّا يُدْعَى وَلَدُهَا لِأَبٍ وَلَا تُرْمَى، وَمَنْ رَمَاهَا أَوْ رَمَى وَلَدَهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَقَضَى أَنْ لَا بَيْتَ لَهَا عَلَيْهِ، وَلَا قُوتَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ وَلَا مُتَوَفًّى عَنْهَا. وَقَوْلُ سهل: فَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى إِلَى أُمِّهِ، ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ يَرِثُهَا وَتَرِثُ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا. وَقَوْلُهُ: (مَضَتِ السُّنَّةُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا) . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: ( «فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا وَقَالَ: لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» ) . وَقَوْلُ الزَّوْجِ: ( «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي؟ قَالَ " لَا مَالَ لَكَ؛ إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا» ) . فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَشَرَةَ أَحْكَامٍ.

стр. 2237

الْحُكْمُ الْأَوَّلُ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، وَفِي ذَلِكَ خَمْسَةُ مَذَاهِبَ. أَحَدُهَا: أَنَّ الْفُرْقَةَ تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْقَذْفِ، هَذَا قَوْلُ أبي عبيد، وَالْجُمْهُورُ خَالَفُوهُ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ ومحمد بن أبي صفرة وَطَائِفَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ: لَا يَقَعُ بِاللِّعَانِ فُرْقَةٌ أَلْبَتَّةَ، وَقَالَ ابن أبي صفرة: اللِّعَانُ لَا يَقْطَعُ الْعِصْمَةَ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ بَعْدَ اللِّعَانِ، بَلْ هُوَ أَنْشَأَ طَلَاقَهَا، وَنَزَّهَ نَفْسَهُ أَنْ يُمْسِكَ مَنْ قَدِ اعْتَرَفَ بِأَنَّهَا زَنَتْ، أَوْ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ دَلِيلُ كَذِبٍ بِإِمْسَاكِهَا، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِعْلَهُ سُنَّةً، وَنَازَعَ هَؤُلَاءِ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ وَقَالُوا: اللِّعَانُ يُوجِبُ الْفُرْقَةَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ. أَحَدُهَا: أَنَّهَا تَقَعُ بِمُجَرَّدِ لِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ، وَإِنْ لَمْ تَلْتَعِنِ الْمَرْأَةُ، وَهَذَا الْقَوْلُ مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ الشَّافِعِيُّ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهَا فُرْقَةٌ حَاصِلَةٌ بِالْقَوْلِ، فَحَصَلَتْ بِقَوْلِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ كَالطَّلَاقِ. الْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِلِعَانِهِمَا جَمِيعًا، فَإِذَا تَمَّ لِعَانُهُمَا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ، وَلَا يُعْتَبَرُ تَفْرِيقُ الْحَاكِمِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، اخْتَارَهَا أبو بكر، وَقَوْلُ مالك وَأَهْلِ الظَّاهِرِ، وَاحْتَجَّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا وَرَدَ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، وَلَا يَكُونَانِ مُتَلَاعِنَيْنِ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا بَعْدَ تَمَامِ اللِّعَانِ مِنْهُمَا، فَالْقَوْلُ بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ قَبْلَهُ مُخَالِفٌ لِمَدْلُولِ السُّنَّةِ وَفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ لَفْظَ اللِّعَانِ لَا يَقْتَضِي فُرْقَةً، فَإِنَّهُ إِمَّا أَيْمَانٌ عَلَى زِنَاهَا وَإِمَّا شَهَادَةٌ بِهِ، وَكِلَاهُمَا لَا يَقْتَضِي فُرْقَةً، وَإِنَّمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ تَمَامِ لِعَانِهِمَا لِمَصْلَحَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، وَجَعَلَ كُلًّا مِنْهُمَا سَكَنًا لِلْآخَرِ، وَقَدْ زَالَ هَذَا بِالْقَذْفِ، وَأَقَامَهَا مَقَامَ الْخِزْيِ وَالْعَارِ وَالْفَضِيحَةِ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ كَاذِبًا فَقَدْ فَضَحَهَا وَبَهَتَهَا وَرَمَاهَا بِالدَّاءِ الْعُضَالِ، وَنَكَّسَ رَأْسَهَا وَرُءُوسَ قَوْمِهَا، وَهَتَكَهَا عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ. وَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَقَدْ أَفْسَدَتْ فِرَاشَهُ وَعَرَّضَتْهُ لِلْفَضِيحَةِ وَالْخِزْيِ وَالْعَارِ بِكَوْنِهِ زَوْجَ بَغِيٍّ

стр. 2238

وَتَعْلِيقِ وَلَدِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، فَلَا يَحْصُلُ بَعْدَ هَذَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالسَّكَنِ مَا هُوَ مَطْلُوبٌ بِالنِّكَاحِ، فَكَانَ مِنْ مَحَاسِنِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا وَالتَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَلَا يَتَرَتَّبُ هَذَا عَلَى بَعْضِ اللِّعَانِ كَمَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى بَعْضٍ لِعَانُ الزَّوْجِ، قَالُوا: وَلِأَنَّهُ فَسْخٌ ثَبَتَ بِأَيْمَانِ مُتَحَالِفَيْنِ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِأَيْمَانِ أَحَدِهِمَا، كَالْفَسْخِ لِتَخَالُفِ الْمُتَبَايِعَيْنِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ. الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْفُرْقَةَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِتَمَامِ لِعَانِهِمَا وَتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أبي حنيفة وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أحمد، وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ الخرقي، فَإِنَّهُ قَالَ: وَمَتَى تَلَاعَنَا وَفَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَجْتَمِعَا أَبَدًا. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِهِ: فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تَحْصُلْ قَبْلَهُ، وَاحْتَجُّوا بِأَنْ عويمرا قَالَ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهَذَا حُجَّةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَقْتَضِي إِمْكَانَ إِمْسَاكِهَا. وَالثَّانِي: وُقُوعُ الطَّلَاقِ، وَلَوْ حَصَلَتِ الْفُرْقَةُ بِاللِّعَانِ وَحْدَهُ لَمَا ثَبَتَ وَاحِدٌ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، وَفِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَأَنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ أبو داود. قَالَ الْمُوقِعُونَ لِلْفُرْقَةِ بِتَمَامِ اللِّعَانِ بِدُونِ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ: اللِّعَانُ مَعْنًى يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ، فَلَمْ يَقِفْ عَلَى تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ كَالرِّضَاعِ، قَالُوا: وَلِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَوْ وَقَعَتْ عَلَى تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ لَسَاغَ تَرْكُ التَّفْرِيقِ إِذَا كَرِهَهُ الزَّوْجَانِ، كَالتَّفْرِيقِ بِالْعَيْبِ وَالْإِعْسَارِ، قَالُوا: وَقَوْلُهُ: " فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ " يَحْتَمِلُ أُمُورًا ثَلَاثَةً؛ أَحَدُهَا: إِنْشَاءُ الْفُرْقَةِ. وَالثَّانِي: الْإِعْلَامُ بِهَا. وَالثَّالِثُ: إِلْزَامُهُ بِمُوجَبِهَا مِنَ الْفُرْقَةِ الْحِسِّيَّةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِمْسَاكَهَا بَعْدَ

стр. 2239

اللِّعَانِ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا، بَلْ هُوَ بَادَرَ إِلَى فِرَاقِهَا، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ صَائِرًا إِلَى مَا بَادَرَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا طَلَاقُهُ ثَلَاثَةً فَمَا زَادَ الْفُرْقَةَ الْوَاقِعَةَ إِلَّا تَأْكِيدًا، فَإِنَّهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، فَالطَّلَاقُ تَأْكِيدٌ لِهَذَا التَّحْرِيمِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَحِلُّ لِي بَعْدَ هَذَا. وَأَمَّا إِنْفَاذُ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ فَتَقْرِيرٌ لِمُوجَبِهِ مِنَ التَّحْرِيمِ، فَإِنَّهَا إِذَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ بِاللِّعَانِ أَبَدًا كَانَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ تَأْكِيدًا لِلتَّحْرِيمِ الْوَاقِعِ بِاللِّعَانِ، فَهَذَا مَعْنَى إِنْفَاذِهِ، فَلَمَّا لَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ وَأَقَرَّهُ عَلَى التَّكَلُّمِ بِهِ وَعَلَى مُوجَبِهِ جُعِلَ هَذَا إِنْفَاذًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وسهل لَمْ يَحْكِ لَفْظَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: وَقَعَ طَلَاقُكَ، وَإِنَّمَا شَاهَدَ الْقِصَّةَ وَعَدَمَ إِنْكَارِ النَّبِيِّ ﷺ لِلطَّلَاقِ، فَظَنَّ ذَلِكَ تَنْفِيذًا، وَهُوَ صَحِيحٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الِاعْتِبَارِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فصل فُرْقَةُ اللِّعَانِ فَسْخٌ] فَصْلٌ الْحُكْمِ الثَّانِي: أَنَّ فُرْقَةَ اللِّعَانِ فَسْخٌ وَلَيْسَتْ بِطَلَاقٍ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وأحمد وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهَا فُرْقَةٌ تُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا فَكَانَتْ فَسْخًا، كَفُرْقَةِ الرَّضَاعِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللِّعَانَ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الطَّلَاقِ، وَلَا نَوَى الزَّوْجُ بِهِ الطَّلَاقَ، فَلَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، قَالُوا: وَلَوْ كَانَ اللِّعَانُ صَرِيحًا فِي الطَّلَاقِ أَوْ كِنَايَةً فِيهِ لَوَقَعَ بِمُجَرَّدِ لِعَانِ الزَّوْجِ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى لِعَانِ الْمَرْأَةِ، قَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ طَلَاقًا فَهُوَ طَلَاقٌ مِنْ مَدْخُولٍ بِهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ لَمْ يَنْوِ بِهِ الثَّلَاثَ، فَكَانَ يَكُونُ رَجْعِيًّا. قَالُوا: وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ الزَّوْجِ، إِنْ شَاءَ طَلَّقَ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَهَذَا الْفَسْخُ حَاصِلٌ بِالشَّرْعِ، وَبِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، قَالُوا: وَإِذَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَدِلَالَةِ الْقُرْآنِ أَنَّ فُرْقَةَ الْخُلْعِ لَيْسَتْ بِطَلَاقٍ بَلْ هِيَ فَسْخٌ مَعَ كَوْنِهَا بِتَرَاضِيهِمَا فَكَيْفَ تَكُونُ فُرْقَةُ اللِّعَانِ طَلَاقًا؟ . [فصل تُوجِبُ هَذِهِ الْفُرْقَةُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا وَالْحِكْمَةُ مِنْ ذَلِكَ] فَصْلٌ الْحُكْمِ الثَّالِثِ: أَنَّ هَذِهِ الْفُرْقَةَ تُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا لَا يَجْتَمِعَانِ بَعْدَهَا أَبَدًا. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: حَدَّثَنَا الزبيدي، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَقَالَ: «فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا وَقَالَ: (لَا يَجْتَمِعَانِ

стр. 2240

أَبَدًا» ) وَذَكَرَ البيهقي مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «الْمُتَلَاعِنَانِ إِذَا تَفَرَّقَا لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» ) قَالَ: وَرُوِّينَا عَنْ علي وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَا: (مَضَتِ السُّنَّةُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ لَا يَجْتَمِعَا أَبَدًا) قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: (يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا) وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أحمد وَالشَّافِعِيُّ ومالك وَالثَّوْرِيُّ وأبو عبيد وأبو يوسف. وَعَنْ أحمد رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ إِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ حَلَّتْ لَهُ وَعَادَ فِرَاشُهُ بِحَالِهِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ شَذَّ بِهَا حنبل عَنْهُ. قَالَ أبو بكر: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهَا غَيْرَهُ، وَقَالَ صَاحِبُ " الْمُغْنِي ": وَيَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا. فَأَمَّا مَعَ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا فَلَا وَجْهَ لِبَقَاءِ النِّكَاحِ بِحَالِهِ. قُلْتُ: الرِّوَايَةُ مُطْلَقَةٌ، وَلَا أَثَرَ لِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ فِي دَوَامِ التَّحْرِيمِ، فَإِنَّ الْفُرْقَةَ الْوَاقِعَةَ بِنَفْسِ اللِّعَانِ أَقْوَى مِنَ الْفُرْقَةِ الْحَاصِلَةِ بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ، فَإِذَا كَانَ إِكْذَابُ نَفْسِهِ مُؤَثِّرًا فِي تِلْكَ الْفُرْقَةِ الْقَوِيَّةِ رَافِعًا لِلتَّحْرِيمِ النَّاشِئِ مِنْهَا، فَلَأَنْ يُؤَثِّرَ فِي الْفُرْقَةِ الَّتِي هِيَ دُونَهَا، وَيَرْفَعَ تَحْرِيمَهَا أَوْلَى. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْفُرْقَةَ بِنَفْسِ اللِّعَانِ أَقْوَى مِنَ الْفُرْقَةِ بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ فُرْقَةَ اللِّعَانِ تَسْتَنِدُ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، سَوَاءٌ رَضِيَ الْحَاكِمُ وَالْمُتَلَاعِنَانِ التَّفْرِيقَ

стр. 2241

أَوْ أَبَوْهُ، فَهِيَ فُرْقَةٌ مِنَ الشَّارِعِ بِغَيْرِ رِضَا أَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا اخْتِيَارِهِ، بِخِلَافِ فُرْقَةِ الْحَاكِمِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُفَرِّقُ بِاخْتِيَارِهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ اللِّعَانَ يَكُونُ قَدِ اقْتَضَى بِنَفْسِهِ التَّفْرِيقَ؛ لِقُوَّتِهِ وَسُلْطَانِهِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَوَقَّفَ عَلَى تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْوَ بِنَفْسِهِ عَلَى اقْتِضَاءِ الْفُرْقَةِ، وَلَا كَانَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَيْهَا، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: فَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ فَهُوَ خَاطِبٌ مِنَ الْخُطَّابِ، وَمَذْهَبُ أبي حنيفة ومحمد، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ اطَّرَدَ؛ لِأَنَّ فُرْقَةَ اللِّعَانِ عِنْدَهُ طَلَاقٌ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ رُدَّتْ إِلَيْهِ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ. وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ، وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ ﵃، وَهُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ حِكْمَةُ اللِّعَانِ، وَلَا تَقْتَضِي سِوَاهُ، فَإِنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَغَضَبَهُ قَدْ حَلَّ بِأَحَدِهِمَا لَا مَحَالَةَ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ الْخَامِسَةِ: (إِنَّهَا الْمُوجِبَةُ) أَيِ الْمُوجِبَةُ لِهَذَا الْوَعِيدِ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ عَيْنَ مَنْ حَلَّتْ بِهِ يَقِينًا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَلْعُونَ الَّذِي قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَبَاءَ بِهَا، فَيَعْلُو امْرَأَةً غَيْرَ مَلْعُونَةٍ، وَحِكْمَةُ الشَّرْعِ تَأْبَى هَذَا كَمَا أَبَتْ أَنْ يَعْلُوَ الْكَافِرُ مُسْلِمَةً وَالزَّانِي عَفِيفَةً. فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يُوجِبُ أَلَّا يَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا؛ لِمَا ذَكَرْتُمْ بِعَيْنِهِ؟ . قِيلَ: لَا يُوجِبُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ أَنَّهُ هُوَ الْمَلْعُونُ، وَإِنَّمَا تَحَقَّقْنَا أَنَّ أَحَدَهُمَا كَذَلِكَ، وَشَكَكْنَا فِي عَيْنِهِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا لَزِمَهُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ وَلَا بُدَّ؛ إِمَّا هَذَا وَإِمَّا إِمْسَاكُهُ مَلْعُونَةً مَغْضُوبًا عَلَيْهَا قَدْ وَجَبَ عَلَيْهَا غَضَبُ اللَّهِ وَبَاءَتْ بِهِ، فَأَمَّا إِذَا تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ أَوْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِهَا لَمْ تَتَحَقَّقْ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ فِيهِمَا. وَأَيْضًا فَإِنَّ النُّفْرَةَ الْحَاصِلَةَ مِنْ إِسَاءَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ لَا تَزُولُ أَبَدًا، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِنْ كَانَ صَادِقًا عَلَيْهَا فَقَدْ أَشَاعَ فَاحِشَتَهَا وَفَضَحَهَا عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَأَقَامَهَا مَقَامَ الْخِزْيِ، وَحَقَّقَ عَلَيْهَا الْخِزْيَ وَالْغَضَبَ، وَقَطَعَ نَسَبَ

стр. 2242

وَلَدِهَا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَقَدْ أَضَافَ إِلَى ذَلِكَ بَهْتَهَا بِهَذِهِ الْفِرْيَةِ الْعَظِيمَةِ، وَإِحْرَاقَ قَلْبِهَا بِهَا، وَالْمَرْأَةُ إِنْ كَانَتْ صَادِقَةً فَقَدْ أَكْذَبَتْهُ عَلَى رُءُوسٍ الْأَشْهَادِ وَأَوْجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةَ اللَّهِ. وَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَقَدْ أَفْسَدَتْ فِرَاشَهُ وَخَانَتْهُ فِي نَفْسِهَا، وَأَلْزَمَتْهُ الْعَارَ وَالْفَضِيحَةَ، وَأَحْوَجَتْهُ إِلَى هَذَا الْمَقَامِ الْمُخْزِي، فَحَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ مِنَ النُّفْرَةِ وَالْوَحْشَةِ وَسُوءِ الظَّنِّ مَا لَا يَكَادُ يَلْتَئِمُ مَعَهُ شَمْلُهُمَا أَبَدًا، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ مَنْ شَرْعُهُ كُلُّهُ حِكْمَةٌ وَمَصْلَحَةٌ وَعَدْلٌ وَرَحْمَةٌ تَحَتُّمَ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا وَقَطْعَ الصُّحْبَةِ الْمُتَمَحِّضَةِ مَفْسَدَةً. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ كَاذِبًا عَلَيْهَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّطَ عَلَى إِمْسَاكِهَا مَعَ مَا صَنَعَ مِنَ الْقَبِيحِ إِلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمْسِكَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِهَا وَيَرْضَى لِنَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ زَوْجَ بَغِيٍّ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ لَوْ كَانَتْ أَمَةً ثُمَّ اشْتَرَاهَا، هَلْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ؟ قُلْنَا: لَا تَحِلُّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ، فَحُرِّمَتْ عَلَى مُشْتَرِيهَا كَالرِّضَاعِ، وَلِأَنَّ الْمُطَلِّقَ ثَلَاثًا إِذَا اشْتَرَى مُطَلَّقَتَهُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ قَبْلَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ، فَهَاهُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ مُؤَبَّدٌ، وَتَحْرِيمُ الطَّلَاقِ غَيْرُ مُؤَبَّدٍ. [فصل لَا يَسْقُطُ صَدَاقُ الْمُلَاعَنَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ] فَصْلٌ الْحُكْمُ الرَّابِعُ: أَنَّهَا لَا يَسْقُطُ صَدَاقُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ، فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا فَقَدِ اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا عِوَضَ الصَّدَاقِ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَأَوْلَى وَأَحْرَى. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ لَوْ وَقَعَ اللِّعَانُ قَبْلَ الدُّخُولِ هَلْ تَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ أَوْ تَقُولُونَ يَسْقُطُ جُمْلَةً؟ قِيلَ: فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أحمد مَأْخَذُهُمَا: أَنَّ الْفُرْقَةَ إِذَا كَانَتْ بِسَبَبٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ كَلِعَانِهِمَا، أَوْ مِنْهُمَا وَمِنْ أَجْنَبِيٍّ كَشِرَائِهَا لِزَوْجِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَهَلْ يَسْقُطُ الصَّدَاقُ تَغْلِيبًا لِجَانِبِهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ مُسْتَقِلَّةً بِسَبَبِ الْفُرْقَةِ، أَوْ

стр. 2243

نِصْفُهُ تَغْلِيبًا لِجَانِبِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ الْمُشَارِكُ فِي سَبَبِ الْإِسْقَاطِ، وَالسَّيِّدُ الَّذِي بَاعَهُ مُتَسَبِّبٌ إِلَى إِسْقَاطِهِ بِبَيْعِهِ إِيَّاهَا؟ فَهَذَا الْأَصْلُ فِيهِ قَوْلَانِ. وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ نَصَّفَتِ الصَّدَاقَ كَطَلَاقِهِ، إِلَّا فَسْخَهُ لِعَيْبِهَا، أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ شَرَطَهُ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ كُلُّهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي فَسَخَ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْفَسْخِ مِنْهَا، وَهِيَ الْحَامِلَةُ لَهُ عَلَيْهِ. وَلَوْ كَانَتِ الْفُرْقَةُ بِإِسْلَامِهِ فَهَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ أَوْ تُنَصِّفُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. فَوَجْهُ إِسْقَاطِهِ أَنَّهُ فَعَلَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، وَهِيَ الْمُمْتَنِعَةُ مَنْ فِعْلِ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا، فَهِيَ الْمُتَسَبِّبَةُ إِلَى إِسْقَاطِ صَدَاقِهَا بِامْتِنَاعِهَا مِنَ الْإِسْلَامِ، وَوَجْهُ التَّنْصِيفِ أَنَّ سَبَبَ الْفَسْخِ مِنْ جِهَتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي الْخُلْعِ هَلْ يُنَصِّفُهُ أَوْ يُسْقِطُهُ؟ . قِيلَ: إِنْ قُلْنَا: هُوَ طَلَاقٌ نَصَّفَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ فَسْخٌ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: كَذَلِكَ تَغْلِيبًا لِجَانِبِهِ. وَالثَّانِي: يُسْقِطُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِسَبَبِ الْفَسْخِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَعَ أَجْنَبِيٍّ نَصَّفَهُ وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ لَوْ كَانَتِ الْفُرْقَةُ بِشِرَائِهِ لِزَوْجَتِهِ مِنْ سَيِّدِهَا: هَلْ يُسْقِطُهُ أَوْ يُنَصِّفُهُ؟ قِيلَ: فِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يُسْقِطُهُ؛ لِأَنَّ مُسْتَحِقَّ مَهْرِهَا تَسَبَّبَ إِلَى إِسْقَاطِهِ بِبَيْعِهَا. وَالثَّانِي: يُنَصِّفُهُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ تَسَبَّبَ إِلَيْهِ بِالشِّرَاءِ، وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مَنْ قِبَلِهَا كَرِدَّتِهَا وَإِرْضَاعِهَا مَنْ يَفْسَخُ إِرْضَاعُهُ نِكَاحَهَا، وَفَسْخِهَا لِإِعْسَارِهِ أَوْ عَيْبِهِ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ مَهْرَهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا فَسَخَتْ لِعَيْبٍ فِي الزَّوْجِ سَقَطَ مَهْرُهَا، إِذِ الْفُرْقَةُ مِنْ جِهَتِهَا، وَقُلْتُمْ: إِنَّ الزَّوْجَ إِذَا فَسَخَ لِعَيْبٍ فِي الْمَرْأَةِ سَقَطَ أَيْضًا، وَلَمْ تَجْعَلُوا الْفَسْخَ مِنْ جِهَتِهِ فَتُنَصِّفُوهُ كَمَا جَعَلْتُمُوهُ لِفَسْخِهَا لِعَيْبِهِ مِنْ جِهَتِهَا فَأَسْقَطْتُمُوهُ، فَمَا الْفَرْقُ؟ قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إِنَّمَا بَذَلَ الْمَهْرَ فِي مُقَابَلَةِ بُضْعٍ

стр. 2244

سَلِيمٍ مِنَ الْعُيُوبِ، فَإِذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ كَذَلِكَ وَفَسَخَ، عَادَ إِلَيْهَا كَمَا خَرَجَ مِنْهَا، وَلَمْ يَسْتَوْفِهِ، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّدَاقِ، كَمَا أَنَّهَا إِذَا فَسَخَتْ لِعَيْبِهِ لَمْ تُسَلِّمْ إِلَيْهِ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، فَلَا تَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الصَّدَاقِ. فَصْلٌ الْحُكْمُ الْخَامِسُ: أَنَّهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ وَلَا سُكْنَى، كَمَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِحُكْمِهِ فِي الْمَبْتُوتَةِ الَّتِي لَا رَجْعَةَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِهِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ لَا مُخَالِفٌ لَهُ، بَلْ سُقُوطُ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى لِلْمُلَاعَنَةِ أَوْلَى مِنْ سُقُوطِهَا لِلْمَبْتُوتَةِ؛ لِأَنَّ الْمَبْتُوتَةَ لَهُ سَبِيلٌ إِلَى أَنْ يَنْكِحَهَا فِي عِدَّتِهَا، وَهَذِهِ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى نِكَاحِهَا لَا فِي الْعِدَّةِ وَلَا بَعْدَهَا، فَلَا وَجْهَ أَصْلًا لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا وَسُكْنَاهَا، وَقَدِ انْقَطَعَتِ الْعِصْمَةُ انْقِطَاعًا كُلِّيًّا. فَأَقْضِيَتُهُ ﷺ يُوَافِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَكُلُّهَا تُوَافِقُ كِتَابَ اللَّهِ، وَالْمِيزَانَ الَّذِي أَنْزَلَهُ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ، كَمَا سَتَقَرُّ عَيْنُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ عَنْ قَرِيبٍ. وَقَالَ مالك وَالشَّافِعِيُّ: لَهَا السُّكْنَى. وَأَنْكَرَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ هَذَا الْقَوْلَ إِنْكَارًا شَدِيدًا. وَقَوْلُهُ: " مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا يَتَفَرَّقَانِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ وَلَا مُتَوَفًّى عَنْهَا " لَا يَدُلُّ مَفْهُومُهُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُطَلَّقَةٍ وَمُتَوَفًّى عَنْهَا لَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَاتَيْنِ الْفُرْقَتَيْنِ قَدْ يَجِبُ مَعَهُمَا نَفَقَةٌ وَسُكْنَى، وَذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ حَامِلًا فَلَهَا ذَلِكَ فِي فُرْقَةِ الطَّلَاقِ اتِّفَاقًا، وَفِي فُرْقَةِ الْمَوْتِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى، كَمَا لَوْ كَانَ حَائِلًا، وَهَذَا مَذْهَبُ أبي حنيفة وأحمد فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْهِ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، لِزَوَالِ سَبَبِ النَّفَقَةِ بِالْمَوْتِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُرْجَى عَوْدُهُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا نَفَقَةُ قَرِيبٍ، فَهِيَ فِي مَالِ الطِّفْلِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ.

стр. 2245

وَالثَّانِي: أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى فِي تَرِكَتِهِ، تُقَدَّمُ بِهَا عَلَى الْمِيرَاثِ، وَهَذَا إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أحمد؛ لِأَنَّ انْقِطَاعَ الْعِصْمَةِ بِالْمَوْتِ لَا يَزِيدُ عَلَى انْقِطَاعِهَا بِالطَّلَاقِ الْبَائِنِ، بَلِ انْقِطَاعُهَا بِالطَّلَاقِ أَشَدُّ، وَلِهَذَا تُغَسِّلُ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ عِنْدَ أحمد ومالك فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، فَإِذَا وَجَبَتِ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى لِلْبَائِنِ الْحَامِلِ فَوُجُوبُهَا لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَوْلَى وَأَحْرَى. وَالثَّالِثُ: أَنَّ لَهَا السُّكْنَى دُونَ النَّفَقَةِ حَامِلًا كَانَتْ أَوْ حَائِلًا، وَهَذَا قَوْلُ مالك وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ؛ إِجْرَاءً لَهَا مَجْرَى الْمَبْتُوتَةِ فِي الصِّحَّةِ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَذِكْرِ أَدِلَّتِهَا وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ رَاجِحِهَا وَمَرْجُوحِهَا، إِذِ الْمَقْصُودُ أَنَّ قَوْلَهُ: " مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ وَلَا مُتَوَفًّى عَنْهَا زَوْجُهَا " إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا قَدْ يَجِبُ لَهُمَا الْقُوتُ وَالْبَيْتُ فِي الْجُمْلَةِ، فَهَذَا إِنْ كَانَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ كَلَامِ الصَّحَابِيِّ، وَالظَّاهِرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ. [فصل انْقِطَاعُ نَسَبِ وَلَدِ اللِّعَانِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ] فَصْلٌ الْحُكْمُ السَّادِسُ: انْقِطَاعُ نَسَبِ الْوَلَدِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى أَلَّا يُدْعَى وَلَدُهَا لِأَبٍ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ أَجَلُّ فَوَائِدِ اللِّعَانِ. وَشَذَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ: الْمَوْلُودُ لِلْفِرَاشِ لَا يَنْفِيهِ اللِّعَانُ الْبَتَّةَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَضَى أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ» ، وَإِنَّمَا يَنْفِي اللِّعَانُ الْحَمْلَ، فَإِنْ لَمْ يُلَاعِنْهَا حَتَّى وَلَدَتْ لَاعَنَ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ فَقَطْ، وَلَا يَنْتَفِي وَلَدُهَا مِنْهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ، وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى أَنَّ الْوَلَدَ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ، قَالَ: فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ وَلَدٌ فَهُوَ وَلَدُهُ، إِلَّا حَيْثُ نَفَاهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ أَوْ حَيْثُ يُوقِنُ بِلَا شَكٍّ أَنَّهُ لَيْسَ وَلَدَهُ، وَلَمْ يَنْفِهِ ﷺ إِلَّا وَهِيَ حَامِلٌ بِاللِّعَانِ فَقَطْ، فَبَقِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى لَحَاقِ النَّسَبِ قَالَ: وَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنْ صَدَّقَتْهُ
следующие страницы →